فصل
في معرفة اشتقاق اسم الحج
الحج في اللغة القصد مرة بعد أخرى أو هو مأخوذ من قولهم حججت فلانا إذا عدته مرة بعد أخرى، فقيل حج البيت لأن الناس يأتونه في كل سنة. قال الله ﷿: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥] أي مرجعا يأتونه في كل سنة ثم يرجعون إليه فلا يقضون منه وطرا، أي لا يدعه الإنسان إذا أتى إليه قبل أن يعود إليه ثانية. وقيل للحاج حاج لأنه يأتي البيت في - أول قدومه فيطوف به قبل يوم عرفة ثم يعود إليه بعد يوم عرفة لطواف الإفاضة ثم ينصرف عنه إلى منى ثم يعود إليه ثالثة لطواف الصدر، فلتكرار العودة إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج.
فصل
والعمرة: الزيارة، يقال أتى فلان معتمرا أي زائرا، فقيل للمعتمر معتمرا لأنه إذا طاف بالبيت انصرف عنه معتمرا أولم يعد إليه بعد زيارته إياه. فمعنى اعتمر الرجل البيت أي زاره وقصده. وكل من قصد شيئا فهو له معتمرا.
[ ١ / ٣٧٩ ]
فصل
فحج البيت في الشرع قصده على ما هو في اللغة، إلا أنه قصد على صفة ما في وقت ما تقترن به أفعال ما.
فصل
وحج بيت الله الحرام فريضة كفريضة الصلاة والصيام والزكاة، قال الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]
فصل
ولوجوبه أربعة شرائط، وهي البلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة. واختلف في الإسلام فقيل: إنه من شرائط الوجوب، وقيل إنه من شرائط الإجزاء، على اختلافهم في مخاطبة الكافر بشرائع الإسلام.
فصل
والاستطاعة القوة على الوصول إلى مكة إما راكبا وإما راجلا مع السبيل الآمنة المسلوكة. وما روي عن النبي - ﷺ - في الاستطاعة أنه الزاد والراحلة معناه عندنا في البعيد الدار الذي لا يقدر على الوصول إلى مكة راجلا إلا بتعب ومشقة. فإذا كان لا يقدر على الوصول راجلا لبعد بلده إلا بالمشقة التي ذكر الله تعالى حيث يقول: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] فلا يجب عليه الحج حتى يقدر على الراحلة بشراء أو كراء. وقد قال بعض البغداديين: لم يثبت في الراحلة حديث. وظاهر القرآن يوجب الحج على مستطيعه ماشيا، يريد قول الله ﷿: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]، وقد سئل مالك رحمه
[ ١ / ٣٨٠ ]
الله عن قول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] أهو الزاد والراحلة، فقال لا والله ما ذلك إلا على طاقة الناس، الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على السير، وآخر يقدر أن يمشي على رجليه. ولا صفة في هذا أبين مما قال الله ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] فمن قدر على الوصول إلى مكة إما راجلا بغير كبير مشقة تلحقه أو راكبا بشراء أو كراء فقد وجب عليه الحج. وليس النساء في المشي على ذلك وإن قوين لأنهن في مشيهن عورة إلا للمكان القريب مثل مكة وما قرب منها. حكى ذلك ابن المواز عن أصبغ.
فصل
وإن لم يكن عند الرجل من الناض ما يشتري به أو يكتري به وله عروض فيلزمه أن يبيع من عروضه في الحج ما يباع عليه منها في الدين. أوقد سئل ابن القاسم عن الرجل تكون له القرية ليس له غيرها أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ولده ولا شيء لهم يعيشون به. قال نعم، ذلك عليه ويترك ولده في الصدقة،. وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك فقر ظاهر أو مرض حابس أو سلطان ظالم فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا».
فصل
واختلف في الحج هل هو على الفور أو على التراخي. فحكى ابن القصار عن مالك أنه عنده على الفور، ومسائله تدل على خلاف ذلك. روى أشهب عنه أنه سئل عمن حلف على زوجته أن لا تخرج فأرادت الحج وهي صرورة أنه يقضى عليه بذلك، ولكن لا أدري ما تعجيل الحنث ها هنا حلف أمس وتقول هي أنا أحج اليوم ولعله يؤخر ذلك سنة بسنة. وفي كتاب ابن عبد الحكم أنه يؤخر سنة وكذلك يقضى عليه. وهذا يدل على أن الحج عنده على التراخي، إذ لو كان عنده على الفور لما شك في تعجيل تحنيث الزوج في أول عام. بل القياس يوجب أن يحنث
[ ١ / ٣٨١ ]
الزوج في أول عام وإن كان الحج على التراخي لأن لها أن تعجله وإن لم يجب عليها تعجيله. ولما أخر رسول الله - ﷺ - عاما واحدا للعذر المذكور في الحديث رأى على ما في كتاب ابن عبد الحكم أنه يقضى عليهما بالتأخير عاما واحدا، لأن يمين الزوج عذر، ولعلها إنما قصدت إلى تحنيثه لا إلى القربة بتعجيل الحج، فهذا وجه الرواية والله أعلم. ولابن نافع عن مالك في المجموعة أنه يستأذن أبويه في حج الفريضة العام وعام قابل ولا يعجل عليهما، فإن أبيا فليخرج. وهذا بين في أن الحج عنده على التراخي خلاف ما في كتاب ابن المواز أنه يحج الفريضة [بغير إذنهما] وإن قدر أن يترضاهما فعل. وإلى أنه على التراخي ذهب سحنون في نوازله من كتاب الشهادات، أي لم ير أن تسقط شهادة من ترك الحج وهو قوي عليه حتى يتطاول ذلك السنين الكثيرة من العشرين إلى الستين ونحو ذلك.
فصل
فإذا قلنا إنه على التراخي فله حالة يتعين فيها، وهو الوقت الذي يغلب على الظن فواته بتأخيره عنه، وهو يتعين عندي على من بلغ الستين، لقول رسول الله - ﷺ -: «معترك أمتي من الستين إلى السبعين». وإلى هذا الحديث نحا سحنون في نوازله والله أعلم. ومما يدل على - أن الحج على التراخي أنه فرض في سنة تسع وأقامه أبو بكر للناس في ذلك العام، ولم يحج رسول الله - ﷺ - إلا في سنة عشر. وإلى هذا ذهب الشافعي واحتج بهذه الحجة. وما اعتل به في ذلك من ذهب إلى أنه على الفور من أن رسول الله - ﷺ - قد علم بما أعلمه الله أنه يعيش حتى يحج لا يلزم، لأن أصل اختلافهم أفي هذا إنما هو على اختلافهم، في الأمر المطلق هل يقتضي الفور أو لا يقتضيه. فلو كان قول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] يقتضي الفور في اللسان ومفهوم في
[ ١ / ٣٨٢ ]
الخطاب لما صح أن يؤخر الحج إلى عام آخر وإن علم أنه يعيش إلا أن يخصه الله تعالى بذلك دون غيره، وفعله في امتثال أمر الله محمول على البيان لمجمل كتاب الله حتى يعلم أنه مخصوص بذلك. وإلى أن النبي - ﷺ - كان مخصوصا بتأخير الحج ذهب إسماعيل القاضي فقال إن الله لم يأمره بالحج حتى قطع ما أراد أن يقطعه من عهود المشركين ودار الحج إلى الشهر الذي جعل الله فيه الحج وحج فيه أبوه إبراهيم، وهو قول لا دليل عليه. والظاهر أنه - ﷺ - داخل تحت عموم قوله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧].
وأما قول من قال إن حجة أبي بكر كانت تطوعا لأنه حج في ذي القعدة قبل وقت الحج على النسيء الذي كان عليه أهل الجاهلية وأن رسول الله - ﷺ - إنما أخر الحج إلى عام عشر ليوقعه في وقته الذي استدار إليه الزمان وحج فيه الأنبياء قبله إبراهيم وغيره صلوات الله وسلامه عليهم وهو ذو الحجة، فيكون هو الفرض ويثبت فيه الحج إلى يوم القيامة على ما قاله في خطبته، فليس ذلك عندي بصحيح. بل حج أبو بكر في ذي القعدة وهو وقته حينئد شرعا ودينا قبل أن ينسخ النسيء، ثم حج رسول الله - ﷺ - في ذي الحجة من العام المقبل وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] الآية فنسخ ذلك النسيء الذي كان عليه أهل الجاهلية، وأنزل أيضا: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] يريد لا ينقل عنها، فاستقر الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة. ولو كان الحج قد فرض في ذي الحجة ونسخ النسيء عند فرض الحج قبل حج أبي بكر لما حج أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - في ذلك العام إلا في ذي الحجة، ولأمكن رسول الله - ﷺ - أن يحج في ذلك العام لو شاء فيه الحج. فالصحيح أنه إنما أخر الحج في ذلك العام من أجل العراة الذين كانوا يطوفون بالبيت من المشركين حتى يعهد إليهم في ذلك على ما جاء في الحديث، لا ليوقعه في ذي الحجة إذ كان قادرا على أن يوقعه في ذلك العام في ذي الحجة لو كان الحج قد فرض عليه فيه على الفور، فصح الدليل من فعله - ﷺ - على أن الحج على التراخي والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ٣٨٣ ]
فصل
وقد ذكر الله تعالى الحج كله في كتابه بمناسكه ومشاعره وأحكامه ووقت أدائه وما يحل فيه وما يحرم فقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] [أي وقت الحج أشهر معلومات] لأن الحج عمل والأشهر وقت، فليس الأشهر هي الحج، وإنما هي وقت له. واختلف فيها فقيل إن المراد بها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، لأنه إذا رمى الجمرة يوم النحر فقد حل من إحرامه أولم يفسد حجه إن وطئ بعد ذلك لأن ترك الوطء قبل طواف الإفاضة ورمي الجمرة من سنن الحج وليس من فرائضه. وإنما جاز أن يقال لها أشهر وهي شهران وبعض الثالث لأنه وقت، والعرب تسمي الوقت تاما ببعضه، فتقول جئتك يوم الخميس وإنما أتاه في ساعة منه، وجئتك شهر كذا وإنما أتاه في يوم منه. وقيل إن المراد بها شوال وذو القعدة وذو الحجة لأن رمي الجمار في أيام مني بعد العشر وهي من عمل الحج، ولأنه لا يجوز أن يطأ النساء إلا بعد طواف الإفاضة، وله أن يؤخره إلى آخر الشهر ولا يكون عليه دم وهو من عمل الحج. فالرفث في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] هو إصابة النساء. قال الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] والفسوق الذبح للأنصاب، قال الله ﷿: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقال بعضهم الفسوق المعاصي كلها، وهو أظهر، فمعناه ولا يفسق بإتيان ما نهاه الله ﷿ عنه في حال إحرامه بحجه من قتل صيد أو أخذ شعر أو تقليم ظفر أو غير ذلك مما حرم الله عليه فعله في حال الإحرام. والجدال الذي نهى الله عنه في الحج هو أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة بقزح وكانت العرب وغيرها تقف بعرفة، فكانوا
[ ١ / ٣٨٤ ]
يتجادلون يقول هؤلاء نحن أصوب ويقول هؤلاء نحن أصوب، فقال الله ﷿: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧].
فصل
وليس توقيت الحج للحج كتوقيت وقت الصلاة للصلاة في أن لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج كما لا يجوز الإحرام بالصلاة قبل دخول وقتها. والفرق بينهما من جهة المعنى أن الحج لا يتصل عمله بإحرامه، بل يتأخر إلى ميقاته، فلا يضره الإحرام به قبل وقته، إذ لا يمكن عمله، إلا في وقته، والصلاة يتصل عملها بالإحرام لها، فلو أحرم بها قبل وقتها لجاز أن يفرغ منها قبل دخول وقتها. وقد كان الأصل أن يجب على الناس الإحرام بالحج من أوطانهم وإذ كان بينهم وبين مكة مسيرة العام أو الأعوام بقول الله ﷿: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا﴾ [الحج: ٢٧]، فخفف الله عنهم لِقَوْلِهِ تَعَالَى في كتابه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] كما خفف عنهم على لسان رسوله - ﷺ - أن يحرموا قبل ميقاتهم. فإن أحرم أحد بالحج قبل أشهر الحج أو قبل ميقاته كان قد أساء إذ شدد على نفسه ولم يقبل رخصة الله، فهذا وجه توقيت أشهر الحج للحج. ولهذا المعنى وجب على من لم يكن من أهل مكة إذا اعتمر في أشهر الحج ثم حج قبل أن يرجع إلى بلده أو قرن أن يهدي، وذلك أنه اعتمر في الأشهر التي خص الله بها الحج في حقه. ومن أهل العلم من يقول: إنه لا يجوز له أن يحرم بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل حل بعمرة وكان متمتعا ولم يجزئه إحرامه بالحج. وقد قيل: إنه ليس عليه أن يتحلل بعمرة، كمن أحرم بصلاة ثم ذكر أنه قد كان صلاها، إن له أن يقطع ولا يلزمه أن يتم ركعتين، وفي ذلك اختلاف.
[ ١ / ٣٨٥ ]
فصل
وقال الله تعالى في الطواف: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] وقال: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] وقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وجاء في بعض الآثار أن أصل الطواف بالبيت أن الله ﵎ لما قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] فغضب عليهم غضبا شديدا فتفرقوا لغضبه ولاذوا بالعرش فطافوا حوله سبعا يستغفرون الله فغفر لهم وقال لهم: ابنوا لي في الأرض بيتا يطوف حوله ذرية من أستخلفه فيها ويستغفرونني فأغفر لهم كما غفرت لكم وأرضى عنهم كما رضيت عنكم، والله ﷾ أعلم.
فصل
وقال تعالى في الصفا والمروة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] فقوله تعالى فيهما إنهما من شعائر- الله دليل على وجوب السعي بينهما، لأن الله تعالى أخبر أن السعي بينهما من شعائر الحج التي أداها خليله إبراهيم - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وإن كان خبرا فالمراد به الأمر، لأن الله تعالى أمر نبيه باتباع ملة إبراهيم - ﷺ - فقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] ولا دليل على سقوط وجوب السعي بينهما لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] لأن معنى ذلك هو ما «روي أن النبي - ﷺ - لما اعتمر
[ ١ / ٣٨٦ ]
عمرة القضية تخوف أقوام كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيما منهم لهما فقالوا: كيف نطوف بهما وقد علمنا أن تعظيم الأصنام وما يعبد من دون الله شرك بالله، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]» أي: فإن كان أهل الشرك يطوفون بهما من أجل الصنمين اللذين بهما كفرا بالله فإنكم تطوفون بهما إيمانا بالله وتصديقا برسله وطاعة لربكم فلا جناح عليكم، أي لا إثم عليكم في الطواف بهما. وروي عن الشعبي أنه قال: كان في الجاهلية وثن على الصفا يسمى أساف وعلى المروة وثن يسمى نائلة، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام قال المسلمون: إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين فليس الطواف بهما من الشعائر، فأنزل الله تعالى أنهما من الشعائر. وهذا نحو ما في الموطأ عن عروة بن الزبير أنه قال: «قلت لعائشة أم المؤمنين وأنا يومئذ حديث السن، أرأيت قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فما على الرجل أن لا يطوف بهما، فقالت عائشة: كلا، لو كان كما تقول لقال فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار الذين كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]».
فصل
وأصل السعي بين الصفا والمروة في الحج ما جاء في الحديث الصحيح من «أن إبراهيم - ﵇ - لما ترك ابنه إسماعيل مع أمه بمكة وهو رضيع فنفد ماؤهما وعطشت وعطش ولدها وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قالت: يتلبط، فانطلقت كراهة أن تنظر إليه [فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف
[ ١ / ٣٨٧ ]
درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود] حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات».
فصل
وذكر الله تعالى الوقوف بعرفة والمزدلفة فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] يقول الله تعالى فإذا أفضتم من عرفات منصرفين [إلى منى فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين. وقوله]، بعد ذلك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قيل: المعنى في ذلك ثم آمركم بالإفاضة من عرفات من حيث أفاض الناس فهو خبر. وثم في الخبر يجوز أن يكون الثاني فيها قبل الأول، كما أن الإفاضة قبل المجيء إلى المشعر الحرام، وله نظائر كثيرة من القرآن. ويجوز أن تكون ثم هاهنا بمعنى الواو، وعنى بالناس في هذه الآية إبراهيم خليل الرحمن - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ -، وهذا جائز في الكلام أن يقال للذي يقتدى به ويكون لسان قومه قال الناس وهم يعنونه. ومنه قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وإنما قاله لهم نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان بعث به أبو سفيان ليخوف المسلمين بجمعهم. وقيل: إن الذي عني بهذه الآية قريش ومن ولدته قريش الذين كانوا يسمون في الجاهلية الخمس، أمروا في الإسلام أن يفيضوا من عرفات، وهي البقعة التي أفاض منها سائر الناس. فالمعنى بالناس على هذا التأويل من سوى قريش ممن وقف بعرفة. والمعنى به على التأويل الأول، وهو أظهر، خليل الله - ﷺ -. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي إذا فرغتم من حجكم وذبحتم
[ ١ / ٣٨٨ ]
نسائككم ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا فرغوا من حجهم ومناسكهم يجتمعون فيتفاخرون بمآثرهم، فأمرهم الله في الإسلام أن يكون ذكرهم بالتعظيم له تعالى والشكر له دون غيره، وأن يلزموا أنفسهم من الإكثار من ذكره تعالى نظير ما كانوا ألزموه أنفسهم في جاهليتهم من ذكر آبائهم. وقيل المعنى في ذلك: فاذكروا الله كذكر الأبناء والصبيان الآباء.
فصل
وأنزل الله تعالى في رمي الجمار في الأيام الثلاثة بمنى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. والأصل في رمي الجمار، على ما جاء في بعض الآثار، «أن إبراهيم - ﵊ - لما أمر ببناء البيت سارت السكينة بين يديه كأنها قبة، فكانت إذا سارت سار وإذا نزلت نزل، فلما انتهت إلى موضع البيت استقرت عليه وانطلق إبراهيم - ﷺ - مع جبريل - ﵇ - فمر بالعقبة فعرض له الشيطان فأمره فرماه، ثم مر بالثانية فعرض له فرماه، ثم مر بالثالثة فعرض له فرماه، فكان ذلك سبب رمي الجمار. ثم مشى معه يريه المناسك حتى انتهى إلى عرفة فقال له عرفت؟ فقال عرفت، فسميت عرفة. ثم رجع فبنى البيت على موضع السكينة». وقد روي في سبب رمي الجمار ما قد ذكرته في كتب الضحايا من شأن إبراهيم - ﵊ - مع الكبش الذي فدى الله به ابنه من الذبح فالله أعلم بحقيقة ذلك.
فصل
وأمر الله ﵎ من أحرم بالحج والعمرة أن يتمهما على وجههما وذكر تعالى حكم من أحصر فيهما أو تمتع فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]
[ ١ / ٣٨٩ ]
وقال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والقران في الحج مقيس على التمتع. فذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى أن المحصر بمرض لا يحله شيء من إحرامه إلا البيت، فإن احتاج إلى حلق رأسه قبل أن يصل إلى البيت افتدى، وإن أقام على إحرامه حتى يحج به من عام قابل لم يكن عليه هدي، وإن تحلل بعمرة قبل أشهر الحج من عام قابل كان عليه هدي لفوات الحج، فينحره قبل أن يحلق رأسه في حجة القضاء، لقوله ﷿: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالهدي الأول هو الثاني عنده. وإن تحلل بعمرة في أشهر الحج من عام قابل كان عليه هدي آخر لاعتماره في أشهر الحج كما يكون على القارن إلا أن يكونا من حاضري المسجد الحرام. وذهب عروة بن الزبير وابن شهاب وجماعة من العلماء إلى أن الهدي الأول في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] غير الهدي الثاني في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [الهدي الأول يحل به من بعض إحرامه قبل أن يصل إلى البيت إن شاء أن يبعث بالهدي ويجعل له ميعادا ينحره فيه. فإذا بلغ ذلك الوقت حل له حلق الشعر ولبس الثياب وما أشبه ذلك حتى يصل إلى البيت فيحل بالطواف من جميع إحرامه. والهدي الثاني يجب عليه لفوات الحج إذا لم يبن على إحرامه حتى يحج به] في العام المقبل. وإن احتاج قبل أن يصل الهدي الذي يبعث به إلى البيت إلى حلق رأسه فعل ذلك وافتدى لقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية. وهذا القول أسعد بالتأويل.
[ ١ / ٣٩٠ ]
فصل
فيما يجتنب في الإحرام
وذكر الله تعالى ما يجتنب في الإحرام فقال تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] فلا يحل قتل الصيد ولا شيء من الدواب في حال الإحرام إلا الخمس الفواسق التي أباح رسول الله - ﷺ - قتلها في الحل والحرم. وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكذلك ما كان في معناه من إماطة الأذى عن نفسه بتقليم ظفر أو إلقاء تفث أو لبس شيء من الثياب المخيطة أو الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين على ما وردت به السنة عن النبي - ﷺ -.
فصل
وبين رسول الله - ﷺ - كل ما أجمل الله ﷿ في كتابه من أمر الحج فوقت المواقيت لأهل الآفاق، وبين عدد الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وما يبدأ به في ذلك كله، وكيف يصنع فيه. ووقت الوقوف بعرفة والمزدلفة، والجمع بين الصلاتين بهما، وصفة رمي الجمار والنحر، وما يجب في ذلك كله وما لا يجب قولا وعملا في حجه الذي حج بالناس.
ومن أحسن حديث روي في صفة حجه - ﷺ - وأتمه حديث جابر بن عبد الله خرجه أصحاب الصحيح مسلم وغيره وقطعه مالك في موطئه، فذكر في كل باب منه ما احتاج إليه، وكذلك فعل البخاري. وحديث جابر بن عبد الله من رواية جعفر بن محمد عن أبيه قال: «دخلنا على جابر بن عبد الله وهو [يومئذ قد ذهب بصره،
[ ١ / ٣٩١ ]
فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت أنا محمد بن علي بن حسين، وأنا] يومئذ غلام شاب فرحب بي وسهل ودعا لي، فقالوا جئنا نسألك، فقال لي سل عما شئت يا ابن أخي، فقلت أخبرني عن حج رسول الله - ﷺ - فقال بيده وعقد تسعا ثم قال: إن رسول الله - ﷺ - مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشر أن رسول الله - ﷺ - حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - ﷺ - ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله - ﷺ - تقول كيف أصنع، قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي. فصلى رسول الله - ﷺ - في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماش وعن يمينه وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا ينزل عليه القرآن وهو يعرف تأويله فما عمل به من شيء عملنا به. فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله - ﷺ - عليهم شيئا منه، ولزم رسول الله - ﷺ - تلبيته. قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين القبلة. قال جعفر: فكان أبي يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي - ﷺ - أنه كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا. فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة ووحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك فقال مثل ذلك ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال:
[ ١ / ٣٩٢ ]
إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. [فحل الناس كلهم إلا النبي﵇ - ومن كان معه هدي]. فقام سراقة بن جعشم فقال يا رسول الله: ألعامنا هذا أم للأبد، فشبك رسول الله - ﷺ - بين أصابعه ثم قال: هكذا دخلت العمرة مرتين، لا، بل لأبد أبد. وقدم علي من اليمن ببدن رسول الله - ﷺ - فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا فكان علي يقول بالعراق فذهبت إلى رسول الله - ﷺ - محرشا على فاطمة للذي صنعت مستفتيا لرسول الله - ﷺ - فيما ذكرت عنه فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: صدقتْ صدقت، ثم قال: ماذا قلت حين فرضت الحج، قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال: فإن معي الهدي فلا أحل. قال: فكانت جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي - ﷺ - من المدينة مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - ﷺ - ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله - ﷺ - فصلى بنا الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله - ﷺ - ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله - ﷺ - حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس فقال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن بكم فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبدا إن
[ ١ / ٣٩٣ ]
اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، وقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ويشير إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد ثلاث مرات، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غابت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه ودفع وقد شنق القصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله - ﷺ - حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره ووحده وهلله، ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس وكان رجلا حسن الوجه أبيض وسيما فلما دفع رسول الله - ﷺ - مرت الظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله - ﷺ - يده على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر حتى أتى محسرا فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند المسجد فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، كل حصاة منها مثل حصى الخذف، فرمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المسجد
[ ١ / ٣٩٤ ]
فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم ركب رسول الله - ﷺ - إلى البيت فأفاض وصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه.»
فصل
وكانت حجة رسول الله - ﷺ - هذه في سنة عشر من الهجرة، وهي حجة الوداع، لم يحج رسول الله - ﷺ - من المدينة بعد أن أنزل عليه فرض الحج غيرها، وحج بمكة قبل أن يفرض عليه الحج حجتين على ما روي.
فصل
ولما فرض الحج وانصرف رسول الله - ﷺ - من غزوة تبوك عام تسع أراد الحج ثم قال: إنه يحضر البيت غدا مشركون يطوفون بالبيت فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر فأقام الحج للناس في ذلك العام، وذلك عام تسع، ثم أردفه عليا لما نزلت صدر سورة براءة ليقرأها على الناس بالموسم، ويعهد إلى الناس أن «لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» إلى سائر ما أمره أن ينادي به في كل موطن من مواطن الحج، فخرج على ناقة رسول الله - ﷺ - العضباء حتى لحق أبا بكر بالطريق، فقال له أبو بكر: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور. ثم نهضا فأقام أبو بكر للناس الحج في ذلك العام على منازلهم التي كانوا في الجاهلية عليها من النسيء الذي ذكره الله في كتابه حيث يقول: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٣٧] الآية فوقعت حجته في ذي القعدة على ما كانوا عليه من النسيء في الجاهلية. وذلك أنهم كانوا يحجون في كل شهر عامين، فوافقت حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة. ثم حج النبي - ﷺ - من،
[ ١ / ٣٩٥ ]
قابل في ذي الحجة، فذلك قوله حيث يقول: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» فثبت في ذي الحجة إلى يوم القيامة.
فصل
واختلفت الآثار عن النبي - ﵊ - في إهلاله بالحج من حيث كان، فروي عنه أنه أهل من جوف المسجد حين صلى فيه. وقال آخرون: لم يهل إلا من بعد أن استوت به راحلته في فناء المسجد. وقال آخرون: إنما أهل حين أطل على البيداء وأشرف عليها. وقد أوضح ابن عباس المعنى في اختلافهم في ذلك، روي عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لابن عباس: عجبت من اختلاف أصحاب رسول الله - ﷺ - في إهلال رسول الله - ﷺ - فقال: إني لأعلم الناس بذلك. «خرج رسول الله - ﷺ - حاجا فلما صلى بمسجد ذي الحليفة ركعتين أوجبه في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من الركعتين فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا ذلك عنه، ثم ركب فلما استقلت به راحلته أهل وأدرك ذلك أقوام فحفظوا ذلك عنه، فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته. وذلك أن الناس كانوا يأتون أرسالا. ثم مضى - ﷺ - فلما وقف على شرف البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين أشرف علي البيداء. [فنقل كل واحد ما سمع وإنما كان إهلاله من مصلاه وايم الله].» فمن أخذ بقول ابن عباس أهل بمصلاه إذا فرغ من الركعتين.
[ ١ / ٣٩٦ ]
فصل
وكذلك اختلفت الآثار عن النبي - ﵊ - هل أفرد الحج أو قرن أو تمتع اختلافا كثيرا. والذي ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أنه أفرد الحج على ما روي عن «عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله - ﷺ - بالحج. فأما من أهل بعمرة فحل وأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر ..» وفي حديث عائشة هذا دليل على إباحة التمتع والقران، ولم يختلف أهل العلم في ذلك، وإنما اختلفوا في الأفضل، فذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى أن إفراد الحج أفضل على ما روي عن عائشة «أن رسول الله - ﷺ - أفرد الحج» وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال في قول الله ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: من تمامهما أن تفرد كل واحدة منها عن الأخرى، وأن يعتمر في غير أشهر الحج، فإن الله ﷿ يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وروي عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أنه قال: إذا جاء حديثان مختلفان عن النبي - ﷺ - وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به. وذهب آخرون إلى أن التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل، وهو مذهب عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس. ومنهم من ذهب إلى أن النبي - ﷺ - كان متمتعا، وهو قول سعد في الموطأ للضحاك بن قيس: بئس ما قلت يا ابن أخي، قد صنعها رسول الله - ﷺ - وصنعناها معه. «وقول حفصة لرسول الله - ﷺ -: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر». وقول عبد الله بن عمر في الموطأ أيضا، وقد أهل أصحاب رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة، ثم قال لهم رسول الله - ﷺ -: «من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا». وذهب من صحح أن النبي - ﷺ - قرن إلى أن
[ ١ / ٣٩٧ ]
القران أفضل، وهو مذهب علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وفي قول عائشة: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله - ﷺ -: من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا». دليل على أن رسول الله - ﷺ - كان قارنا، إذ لا اختلاف أن الهدي كان معه يومئذ ساقه مع نفسه.
وخرج أبو داود عن «النبي - ﷺ - أنه قال لعلي بن أبي طالب: كيف صنعت؟ قال: قلت: أهللت بإهلال النبي - ﷺ -، قال: فإني سقت الهدي وقرنت» وذكر تمام الخبر. وكذلك روي «عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قرن وأنه سمعه يقول لبيك بحجة وعمرة معا». وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا يجوز أن يقال في واحدة من هذه الوجوه إنها أفضل من الأخرى، لأن رسول الله - ﷺ - قد أباحها كلها وأذن بها ورضيها ولم يقل في واحدة منها إنها أفضل من الأخرى. والأولى ما ذهب إليه مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن الإفراد في الحج أفضل من التمتع والقران، لأن التمتع والقران رخصة من الله، أوجب على من أخذ بها الهدي إذا لم يكن من أهل مكة. فمن لم يأخذ بالرخصة وأتى بالحج والعمرة في سفرين فهو أفضل والله أعلم. وقد قال بعض أصحابنا: إن الإفراد أفضل، ثم التمتع بعده لأن الله تعالى أباحه في القرآن.
فصل
وإذا صح حديث ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - أهل بالحج حين فرغ من الركعتين، وحين استوت به راحلته، وحين ظهر على البيداء وصحح على ذلك وجه الاختلاف المروي في حين إحرامه، صح أن يصحح عليه أيضا وجه الاختلاف المروي فيما كان به محرما، إذ قد يحتمل أن يكون أهل حين فرغ من الركعتين بعمرة مفردة، فلما استوت به راحلته أو ظهر على البيداء أهل بحجة مفردة أضافها إلى عمرته المتقدمة فصار بذلك قارنا، فقال من سمع إحرامه حين صلى الركعتين
[ ١ / ٣٩٨ ]
بعمرة مفردة ولم يسمع إهلاله بعد ذلك بالحج الذي أضافه إلى العمرة المتقدمة: إنه كان متمتعا. وقال: من سمع إهلاله بعد ذلك بالحج المفرد الذي أضافه إلى العمرة المتقدمة ولم يسمع إهلاله بالعمرة المتقدمة إنه أفرد الحج. وقال: من سمع إهلاله حين صلى الركعتين بالعمرة ثم سمع إهلاله بعد ذلك بالحج الذي أضافه إليها إنه كان قارنا. وكان قول من قال ذلك أولى؛ لأنه علم الأمرين جميعا وخفي على من قال: إنه كان مفردا أو متمتعا أو أحدهما. ويؤيد هذا قول رسول الله - ﷺ - في حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «فإني سقت الهدي وقرنت» لأنه أخبر عن نفسه بما كان عليه من أمره فكان أولى مما وصف عنه من يمكن أن يكون قد غاب عنه بعض أمره. وقد قيل في وجوب اختلافهم في إحرامه - ﷺ - أنه كان أفرد الحج أولا ثم فسخه في عمرة وأمر أصحابه بذلك نقضا لما كانوا عليه في الجاهلية، لأنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وكانوا يسمون المحرم صفر ويقولون إذا عفا الوبر، وبرئ الدبر، ودخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فلما قدم مكة قبل أن يطوف بالبيت أضاف الحج إلى العمرة التي كان فسخ الحج فيها فصار بذلك قارنا، فكان في أول أمره مفردا للحج، ثم صار متمتعا إذ فسخ الحج في العمرة، ثم صار قارنا إذ أضاف الحج إلى العمرة. فيصح على هذا قول من قال: إنه أفرد الحج، وقول من قال: إنه كان متمتعا، وقول من قال: إنه كان قارنا. إلا أن إردافه الحج على العمرة لا يوجد في الأحاديث نصا وإنما يقال ذلك بتأويل. والمنصوص فيها قوله - ﷺ -: «إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر». فظاهر هذا أنه بقي على عمرته متمتعا إلا أنه لم يحلق بسبب الهدي، وهو قول أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وأصحابه: إن من ساق هديا لتمتعه لا يحلق حتى ينحر الهدي، فظنه قارنا من قال: إنه كان قارنا بقوله «لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر» ولم يكن قارنا وإنما كان متمتعا لفسخه الحج في العمرة. وإنما فسخ الحج في العمرة لينقض بذلك ما كان عليه أهل الجاهلية، لأن التمتع أفضل من إفراد الحج. فبان على هذا أن إفراد الحج أفضل من التمتع ومن القران، وهو مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣٩٩ ]
فصل
والعمرة على مذهب مالك سنة وليست بفريضة. وذهب ابن الماجشون إلى أنها فريضة، وهو مذهب ابن الجهم. والذي ذهب إليه مالك هو الصحيح، لأن فرض الحج إنما وجب لقول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإنما هو أمر بالإتمام لمن دخل فيهما. وقد قرئ (والعمرةُ لله) على الابتداء والخبر، فلا متعلق لأحد بإيجاب العمرة في هذه الآية وإنما هي سنة. وقد احتج من ذهب إلى إيجابها بقول الله ﷿: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، فدل أن ثم حجا أصغر وهو العمرة. وهذا لا يصح فإن الحج الأكبر إنما عنى الله به الاجتماع الأكبر بالمشعر الحرام حين تجتمع قريش وسائر الناس ولم يعن به شعيرة من الشعائر. وقيل: إنما عنى به حج أبي بكر لأنه وقع [في ذي القعدة وهو أكبر من الذي كان قبله،] في ذي القعدة أيضا. وقيل: إن الأكبر نعت لليوم لا للحج وأنه يوم عرفة وهو بعيد.
فصل
واعتمر رسول الله - ﷺ - ثلاثا: عام الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة إذ صده المشركون عن البيت. وعام القضية من العام المقبل عام سبع في ذي القعدة آمنا هو وأصحابه. ثم اعتمر الثالثة في ذي القعدة من سنة ثمان. وقد قيل: إن عمرته الواحدة كانت في شوال، ذكر ذلك مالك في موطئه عن عروة بن الزبير. وروي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أنه - ﷺ - اعتمر في رجب» وأنكرت ذلك «عائشة وقالت ما اعتمر في رجب قط». فكانت عمر رسول الله - ﷺ - ثلاث عمر في ثلاثة أعوام عمرة في كل سنة. فلذلك لم ير مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - العمرة في السنة إلا مرة واحدة. ومن قال: إن رسول الله - ﷺ - كان في حجة الوداع متمتعا أو قارنا قال اعتمر رسول الله - ﷺ - أربع عمر.
[ ١ / ٤٠٠ ]
فصل
والعمرة لا تختص بزمن معلوم، وهي جائزة في السنة كلها لا تكره إلا لمن أحرم بالحج من لدن إحرامه إلى أن تغيب الشمس من آخر أيام التشريق. وسيأتي حكم إرداف الحج على العمرة والعمرة على الحج في موضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى.
فصل
وقد روي في فضل الحج والعمرة آثار كثيرة: منها قول رسول الله - ﷺ -: «من حج ولم يرفث ولم يجهل رجع كيوم ولدته أمه» وقوله - ﷺ -: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». «وسئل: أي الأعمال أفضل قال: إيمان بالله. قيل: ثم أي قال: جهاد في سبيله، قيل: ثم أي، قال: حج مبرور». وفي الموطأ «أن رجلا مر على أبي ذر بالربذة سأله أين تريد؟ قال أردت الحج. قال هل نزعك غيره قال لا. قال فاستأنف العمل، قال الرجل: فخرجت حتى قدمت مكة فبقيت فيها ما شاء الله، ثم إذا أنا بالناس منعطفين على رجل، فضاغطت عليه الناس، فإذا الشيخ الذي وجدت بالربذة يعني أبا ذر، فلما رآني عرفني فقال: هو الذي حدثتك.»
فصل
والحج المبرور هو المتقبل الذي تخلص فيه النية لله ﷿ وينفق فيه المال الحلال. فينبغي لمن أراد الحج أن يخلص فيه النية لله ﷿، وأن ينظر في ماله الذي يريد به الحج، فإن علم أنه من غير حله تنحى منه، فإن الله لا يقبل إلا
[ ١ / ٤٠١ ]
طيبا. قال الله ﷿: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
وفرائض الحج أربعة: النية، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة. وذهب ابن الماجشون إلى أن الوقوف بالمشعر الحرام فريضة لقول الله ﷿: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والدليل على أنه غير واجب تقديم رسول الله - ﷺ - ضعفة النساء والصبيان من المزدلفة إلى منى، ولم يفعل ذلك - ﷺ - بعرفة مع أن الحاجة إلى ذلك بعرفة أشق. وذهب أيضا إلى أن رمي جمرة العقبة واجب.
فصل
ويستحب الغسل في الحج في ثلاثة مواطن: للإهلال، ولدخول مكة، وللوقوف بعرفة. وآكدها الغسل للإهلال، ويكون بتدلك وإنقاء، وتغتسل له الحائض والنفساء. أما الغسل لدخول مكة وللوقوف بعرفة فلا يكون بتدلك وإنقاء. وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يغسل رأسه فيه، واستحب ذلك ابن حبيب. وتغتسل الحائض والنفساء للوقوف بعرفة لأنهما يقفان بها وهما غير طاهرتين. ويغتسلان لدخول مكة بذي طوى ولا يؤخران الغسل إلى حين الدخول لأنهما لا يدخلان البيت، وبالله التوفيق.
[ ١ / ٤٠٢ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله