(المتن)
وَحَرُمَ فِي نَقْدٍ وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسَاءٍ، كَدِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ وَغَيرُهِ بِمِثْلِهِمَا، وَمُؤَخَّرٌ وَلَوْ قَرِيبًا، أَوْ غَلَبَةً، أَوْ عَقَدَ وَوَكَّلَ فِي الْقَبْضِ، أَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا وَطَالَ، أَوْ نَقْدَاهُمَا، أَوْ بِمُوَاعَدَةٍ أَوْ بِدَيْنٍ إِنْ تَأَجَّلَ، وَإنْ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ غَابَ رَهْنٌ، أَوْ وَدِيعَةٌ، وَلَوْ سُكَّ كَمُسْتَأجَرٍ، وَعَارِيةٍ، وَمَغْصُوبٍ، إِنْ صِيغَ إِلَّا أَنْ يَذْهَبَ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ فَكَالدَّيْنِ،
(الشرح)
قوله: (وَحَرُمَ فِي نَقْدٍ وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسَاء) (٩) ولما انقضى كلامه على أركان البيع
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٨٦، وعقد الجواهر: ٢/ ٦٢٨.
(٢) قوله: (من البائع، وما لا يجوز) يقابله في (ن) و(ن ٥): (ويجوز).
(٣) قوله: (وما) في (ن ٣): (وهو ما).
(٤) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٢٨.
(٥) انظر: شرح التلقين: ١/ ١٠٦.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٨٦، والتوضيح: ٥/ ٢٥٢، التبصرة، للخمي، ص: ٤٣٦٤.
(٧) قوله: (خروج إليه) يقابله في (ن): (يخرج). قوله: (غائبًا أن يخرج إليه) يقابله في (ن): (غائبًا أن يخرج)، وفي (ن ٣): (غائبًا الخروج)، وفي (ن ٤): (معاينًا الخروج).
(٨) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٤٦٧.
(٩) قوله: (قوله: وَحَرُمَ فِي نَقْدٍ وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسَاء) ساقط من (ن) و(ن ٣) و(ن ٤).
[ ٣ / ٤٨٨ ]
شرع في الكلام على شروط وموانع تختص بأنواع من المبيعات، وبدأ منها بالكلام على ربا الفضل، وهو الزيادة، وربا النَسَاء، وهو التأخير، ممدود ومهموز، فقال: (وَحَرُمَ فِي نَقْدٍ وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسَاء)؛ لكن ظاهره أن ربا الفضل يدخل النقدين والطعام مطلقًا، وليس كذلك، وإنما يدخل فيما يتحد جنسه منهما، نعم، ربا النَساء لا يختص بالمتحدين؛ بل يدخل المختلفين أيضًا كالذهب والفضة والبُر مع شيء من القطاني مثلًا.
قوله: (كَدِينَار (١) أَوْ دِرْهَمٍ وَغَيْرِهِ (٢) بِمِثْلِهِمَا) أي: فلأجل طلب المماثلة لا يباع دينار ودرهم وغيره بدينار ودرهم (٣)، وهو مراده بمثلهما.
وحاصله: أنه لا يجوز أن (٤) يجمع في البيع مع النقدين، أو مع أحدهما جنس (٥) آخر؛ كثوب، أو طعام، أو غيرهما، خشية أن تكون الرغبة في أحدهما (٦) أكثر، فيقابله من الجهة الأخرى أكثر من درهم، فيؤدي إلى التفاضل بين الدينارين (٧) أو الدرهمين (٨) أكثر (٩).
قوله: (وَمُؤَخَّرٌ وَلَوْ قَرِيبًا) أي: وحرم التأخير ولو قرب، وهو المشهور، فقد قال مالك في رجل يصرف الدينار من الصرافي فيدخله تابوته، ثم يخرج الدراهم: لا يعجبني ذلك (١٠). وفي الموازية (١١) والعتبية أن مفارقته الحانوت والحانوتين (١٢) للتغليب لا تضر (١٣).
_________________
(١) في (ن): (فلا يجوز دينار).
(٢) قوله (ودِرْهَمٍ وغيره) يقابله في (ن ٥): في (أو درهم أو غيره).
(٣) قوله (وغيره، بدينار ودرهم) يقابله في (ن) و(ن ٥): (أو غيره بدينار ودرهم أو غيره).
(٤) قوله: (يجوز أن) ساقط من (ن ٤).
(٥) في (ن ٤): (بنساء).
(٦) في (ن) و(ن ٥): (أحد الدرهمين).
(٧) في (ن ٥) في: (الدنانير).
(٨) قوله: (أو الدرهمين) يقابله في (ن): (والدرهمين).
(٩) قوله: (أكثر) زيادة من (ن ٥).
(١٠) انظر: المدونة: ٣/ ٦.
(١١) في (ن ٥): (المدونة).
(١٢) قوله: (مفارقته الحنوت والحنوتين) يقابله في (ن): (من فارق الحانوت والحانوتين).
(١٣) انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ٤٨٠.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
وحمله اللخمي (١) على الخلاف، وابن رشد على الوفاق (٢).
قوله: (أَوْ غَلَبَةً) يريد: أن المفارقة على سبيل الغلبة تمنع المناجزة؛ كالمفارقة اختيارًا، فيفسد العقد بذلك.
الباجي (٣): وهو ظاهر المذهب (٤). ولمالك: أن ذلك لا يضر (٥). وظاهر قوله: (أَوْ غَلَبَةً) سواء كانت من أحد المتبايعين (٦)، أو منهما معًا (٧)، وإليه ذهب اللخمي، فسوى بين الصورتين، وذكر الخلاف فيهما (٨)، وفي (٩) الجواهر: وإذا قلنا بالتصحيح في غلبتهما؛ فأحرى به في غلبة أحدهما، وإن أبطلنا فقولان (١٠)، والتصحيح (١١) في الصورتين (١٢) هو اختيار القاضي أبي بكر (١٣).
قوله: (أَوْ عَقَدَ، وَوَكَّلَ فِي الْقَبْضِ) يريد: أن من صارف غيره، أو باعه بيعًا يجب (١٤) فيه التناجز (١٥)؛ فبعد حصول العقد منهما وَكَل أحدهما ثالثًا على قبض ما وجب له قبضه، وقام الموكل منهما (١٦) قبل قبض وكيله؛ فإن ذلك لا يجوز، وهو المشهور، وحمل اللخمي ما وقع في المذهب من المنع على الكراهة، أما لو قبض ذلك الوكيل قبل قيام
_________________
(١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٢٧٨٣ و٢٧٨٤.
(٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٥٤ و٢٥٥، والبيان والتحصيل: ٦/ ٤٨١.
(٣) قوله: (الباجي) ساقط من (ن).
(٤) انظر: المنتقى: ٦/ ٢٥٦.
(٥) انظر: البيان والتحصل: ٦/ ٤٥٠ و٤٥١.
(٦) في (ن) و(ن ٥) في: (المتعاقدين).
(٧) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٣٤٩.
(٨) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٢٧٨٣ و٢٧٨٤.
(٩) في (ن ٣) و(ن ٤): (في).
(١٠) قوله: (وإن أبطلنا فقولان) يقابله في (ن ٤): (ففي ذلك قو لان).
(١١) في (ن ٤): (الصحيح).
(١٢) قوله: (في الصورتين) ساقط من (ن ٥).
(١٣) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٣٥.
(١٤) في (ن ٣): (يجوز).
(١٥) في (ن) و(ن ٥): (المناجزة).
(١٦) في (ن): (عنهما).
[ ٣ / ٤٩٠ ]
موكله؛ فإن ذلك جائز، نص عليه ابن رشد (١)، وابن شاس (٢)، وقيل: بالمنع مطلقًا. ابن عبد السلام: وظاهر النصوص الكراهة (٣). المازري: وقال ابن القاسم: لا خير فيه، وأمضاه أشهب إن وقع، وقال: يفسخ إذا (٤) افترقا قبل قبض الوكيل. وقال ابن وهب: لا بأس به (٥).
قوله: (أَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا وَطَالَ أوْ نَقْدَاهُما) هذا أيضًا مما يمنع فيه الصرف على المشهور، ومعناه: أن عقد الصرف إذا وقع وكان نقد أحد المتصارفين غائبًا في داره مثلًا، أو حانوته (٦) لا يجوز ويفسخ، فأحرى غيبة النقدين معًا.
قوله: (أَوْ بِمُوَاعَدَةٍ) هذا معنى قوله في المدونة: ولو قال له المبتاع: اذهب بنا إلى السوق بدراهمك، فإن كانت جيادًا أخذتها منك كذا وكذا درهما بدينار، لم يجز؛ ولكن يسير معه من غير مواعدة، وهذا نص في التحريم، قيل: وهو المشهور (٧).
المازري: المشهور (٨) الكراهة، ونسبه اللخمي لمالك وابن القاسم (٩)، وعن ابن وهب وابن عبد الحكم جواز ذلك (١٠)، واستحسنه اللخمي (١١)، وحرف الجر في كلامه متعلق بمحذوف تقديره: وحرم الصرف بمواعدة، ثم عطف عليه.
قوله: (أَوْ بِدَيْنٍ، إِنْ تَأَجَّلَ، وَإِنْ مِنْ أَحَدِهِمَا) (١٢) أي: وحرم الصرف بدين مؤجل ولو من أحد المتصارفين، ومعنى ذلك: أن يكون لوا حد عند آخر دنانير (١٣)، ويكون
_________________
(١) في (ن) و(ن ٥): (ابن بشير). وانظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٣٤٩.
(٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٣٢.
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٥٦.
(٤) قوله: (وقال: يفسخ إذا) في (ن): (المازري حمل بعض الأشياخ ذلك على الكراهة، ولو).
(٥) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٥٦.
(٦) قوله: (حانوته) في (ن ٥): (وجاء بطرة).
(٧) انظر: المدونة، دار صادر: ٨/ ٣٩٧.
(٨) قوله: (المازري المشهور) في (ن) و(ن ٥): (وشهر المازري).
(٩) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٢٧٨٥ و٢٧٨٦.
(١٠) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٥٨.
(١١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٢٧٨٥ و٢٧٨٦.
(١٢) قوله: (وإن من أحدهما) ساقط من (ن ٥).
(١٣) قوله: (لوحد عند آخر دنانير) في (ن ٣): (لأحد المتصارفين دينار).
[ ٣ / ٤٩١ ]
للآخر عنده دراهم، ولا فرق بين أن يكون الدينان معًا مؤجلين أو أحدهما فقط كما قال؛ لأن المعجل لما في الذمة يعد مسلفًا، وإذا حل الأجل يقتضي من نفسه، فلم تحصل المناجزة (١)، وقيل: لا يمتنع ذلك، أما إذا كانا حالين معًا فالمعروف من المذهب الجواز؛ خلافًا لأشهب (٢).
قوله: (أَوْ غَابَ رَهْنٌ، أَوْ وَدِيعَةٌ، وَلَوْ سُكَّ) يريد: وإن صرف المرهون الغائب يمتنع، وحكى ابن شاس في المصوغ قولين بالجواز والمنع، وقي المسكوك المنع عن ابن القاسم، والجواز في رواية محمد، قال: وفي الكتاب (٣) المنع من صرف الوديعة (٤)، يريد: ولو كانت مسكوكة كما قال هنا الباجي (٥)، والعارية حكمها حكم الرهن، بعض المتأخرين: وكذلك المستأجر حكمه حكم الوديعة (٦). وإليه أشار بقوله: (كَمُسْتَأجَرٍ، وَعَارِيَةٍ) أي: ومعارة.
قوله: (وَمَغْصُوبٍ، إِنْ صِيغَ إِلا أَنْ يَذْهَبَ، فَيَضْمَنُ قِيمَتَه، فكَالدَّيْن). ابن شاس: وللمغصوب ثلاث صور:
الأولى: أن يكون مصوغًا، غير قائم العين (٧)، فالمنصوص: أنه لا يجوز صرفه (٨) حتى يحضر.
الثانية: أن يكون مصوغًا، غير قائم العين، فإن ذهبت عينه جملة فقد ضمن. وهل يضمن قيمته أو وزنه (٩)؟ قولان: فإن قلنا بضمان القيمة صرفت على المشهور. وإن قلنا بضمان الوزن صرف الوزن، وكان في القيمة أو الوزن صرف ما في الذمة (١٠). وإليه أشار بقوله: (فكَالدَّيْن)، ثم قال ابن شاس: والنصوص: جواز صرف المسكوك (١١).
_________________
(١) قوله: (المناجزة) في (ن ٤): (مناجزة المنع).
(٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٥٩، وعقد الجواهر: ٢/ ٦٣٢.
(٣) قوله: (قال وفي الكتاب) في (ن ٥): (ونص في الكتاب على).
(٤) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٣٤.
(٥) انظر: المنتقى: ٦/ ٢٣٠ و٢٦٥.
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٦٥.
(٧) قوله: (وللمغصوب ثلاث صور. . . قائم العين) ساقط من (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥).
(٨) في (ن ٣) و(ن ٤): (فيه).
(٩) قوله: (أو وزنه) في (ن ٥): (أو زينته).
(١٠) في (ن ٤): (المدونة). وانظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٣٣.
(١١) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٣٣، وهذه هي الصورة الثالثة من صور صرف المغصوب.
[ ٣ / ٤٩٢ ]
(المتن)
وَبِتَصْدِيقٍ فِيهِ، كَمُبَادَلَةِ رِبَوِيَّيْنِ، وَمُقْرَضٍ وَمَبِيع لِأَجَلٍ، وَرَأْسِ مَالِ سَلَمٍ، وَمُعَجَّلٍ قَبْلَ أَجَلِهِ، وَبَيعٌ وَصَرْفٌ إلَّا أّنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ دِينَارًا، أَوْ يَجْتَمِعَا فِيهِ، وَسِلْعَةٌ بِدِينَارٍ، إِلَّا دِرْهَمَينِ إِنْ تَأَجَّلَ الْجَمِيعُ، أَوِ السِّلْعَةُ، أَوْ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ، بِخِلَافِ تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ: كَدَرَاهِمَ مِنْ دَنَانِيرَ بِالْمُقَاصَّةِ، وَلَمْ يَفْضُلْ شَيءٌ. وَفِي الدِّرْهَمَيْن كَذَلِكَ. وَفِي كثَرَ كَالْبَيْعِ وَالصَّرْفِ، وَصَائِغٌ يُعْطَى الزِّنَةَ وَالأُجْرَةَ، كَزَيْتُونٍ وَآجَرَتِهِ لِمُعْصِرِهِ، بِخِلَافِ تِبْرٍ يُعْطِيهِ الْمُسَافِرُ، وَأجْرَتَهُ دَارَ الضَّرْبِ لِيَأخُذَ زِنَتَهُ، وَالأَظْهَرُ خِلَافُهُ، وَبِخِلَافِ دِرْهَمٍ بِنِصْفٍ وَفُلُوسٍ أَوْ غَيرِهِ فِي بَيْعٍ، وَسُكَّا، وَاتَّحَدَتْ، وَعُرِفَ الْوَزْنُ، وَانْتُقِدَ الْجَمِيعُ، كَدِينَارٍ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ.
(الشرح)
قوله: (وَبِتَصْدِيقٍ فِيهِ) أي: وكذلك يمنع الصرف بسبب التصديق فيه، كما إذا تصارفا وصدق كل واحد منهما الآخر، أو واحد منهما في الوزن أو في الصفة، وهذا هو المشهور، وأجازه أشهب (١)، في نقل (٢) اللخمي (٣) والمازري (٤)، وعزا (٥) له في البيان المنع (٦).
قوله: (كَمُبَادَلَةِ رِبَوِيَّيْنِ) أي: إن التصديق يمنع أيضًا في مبادلة الطعامين الربويين كما يمنع في الصرف، وهذا مذهب ابن القاسم وابن نافع (٧)، ولابن القاسم أيضًا قول آخر بالجواز في الطعامين دون الصرف (٨)؛ لئلا يوجد فيه نقص بعينه في الربويين، فيدخله التفاضل والتأخير (٩).
قوله: (وَمُقْرَضٍ وَمَبِيعٍ لِأَجَلٍ وَرَأْسِ مَالِ سَلَمٍ، وَمُعَجَّلٍ قَبْلَ أَجَلِهِ) يريد: أن
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٣٥.
(٢) في (ن): (نقله).
(٣) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٢٧٨٧.
(٤) انظر: شرح التلقين: ٤/ ٣٠.
(٥) في (ن): (وعزوا).
(٦) انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ٤٧٩.
(٧) انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ٤٧٩.
(٨) انظر: شرح التلقين: ٤/ ٣٠، والتوضيح: ٥/ ٢٦٥.
(٩) قوله (لئلا يوجد فيه. . . التفاضل والتأخير) زيادة من (ن).
[ ٣ / ٤٩٣ ]
التصديق يمنع أيضًا في هذه المسائل، أما في القرض فلئلا يوجد فيه النقص فيلتزمه المقترض عوضًا عن معروفه (١)؛ فيصير نفعًا، وكذلك الطعام المبيع إلى أجل لئلا يستلزم (٢) من هو عليه النقص لأجل تأخيره، وكذلك رأس مال السلم والمعجل قبل أجله لئلا يوجد فيه نقص (٣) فيغتفر لأجل التعجيل.
قوله: (وَبَيْعٌ وَصرْفٌ) أي: ومما يحرم أيضًا اجتماع البيع والصرف لاختلاف حكمهما؛ لأن الصرف لا يجوز فيه التأخير والخيار والبيع بخلاف ذلك، ولتوقع حل الصرف لترقب عيب في المبيع، وأيضًا قد تستحق السلعة فلا يعلم ما يخص الصرف من الثمن إلا في ثاني حال، فيؤدي إلى صرف بنسيئة وردَّه سَنَد؛ لأنه ليس من باب النسيئة؛ وإنما هو من باب الجهالة، وما ذكره هنا هو المشهور، ومقابله لأشهب أن ذلك لا يمتنع؛ نظرًا إلى أن العقد اشتمل على أمرين؛ كل واحد (٤) منهما جائز على انفراده؛ فلا يمتنع مع الاجتماع (٥).
قوله: (إِلا أَن يَكُونَ الْجَمِيعُ دِينَارًا) أي: فيجوز؛ لأن المجموع من البيع والصرف إذا لم يزد على دينار فهو يسير مغتفر، وهو مذهب المدونة (٦)، ولا فرق عليه بين أن يكون البيع تابعًا أو متبوعًا للضرورة، وقيل: لا يجوز إلا أن يكون البيع تابعًا للصرف أو العكس، والتابع (٧) الثلث فما دون. وقال عبد الوهاب: لا يجوز إلا في اليسير؛ مثل: أن يصرف دينارًا بعشرة دراهم، فيَعْجز عن (٨) الدرهم أو النصف فيدفع له عرضًا (٩) بقدره، فيغتفر (١٠) للضرورة (١١):
_________________
(١) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (معرفه).
(٢) في (ن): (يلتزم).
(٣) قوله: (نقص) ساقط من (ن).
(٤) قوله: (واحد) ساقط من (ن).
(٥) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٧٩، ومسائل ابن رشد: ١/ ١٨١، وشرح التلقين: ٦/ ١٠٦٦.
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٥، وتهذيب المدونة: ٣/ ٩٢ و٩٣.
(٧) في (ن): (والتبع).
(٨) قوله: (فيعجز عن) يقابله في (ن ٤): (فيعجل)، وقوله: (عن) ساقط من (ن).
(٩) قوله: (فيدفع له عرضا) يقابله في (ن ٥): (فيرجع عرضا)، وفي (ن ٤): (فيدفع له عوضا).
(١٠) قوله: (فيغتفر) زيادة من (ن) و(ن ٥).
(١١) زاد في (ن): (بما دون، فقال). وانظر: المعونة: ٢/ ٥٥.
[ ٣ / ٤٩٤ ]
وفي الموازية (١) لابن القاسم: إنما يجوز ذلك (٢) إذا كان الصرف في الدينار الواحد تابعًا للثلث فأقل (٣).
قوله: (أَوْ يَجْتَمِعَا فِيهِ) أي: وهكذا يجوز إذا اجتمع الصرف مع البيع في دينار واحد، ولو زاد الصرف على ذلك، كما إذا صارفه على عشرة دنانير، كل دينار بعشرين درهمًا (٤)، فأعطاه مائة وتسعين (٥) درهمًا وثوبًا بعشرة دراهم؛ لأن أحد الدنانير قد وقع في مقابلة عشرة دراهم وثوب، وهذا معنى الاجتماع الذي قصده هنا، ولو كان الثوب يساوي عشرين درهمًا، ودفع له معه مائة وثمانين، لم يجز إذا (٦) لم يجتمعا في دينار، وعن بعض الأشياخ الجواز إذا كان ثمن العرض ثلث الدينار فدون، والمنع إذا زاد على ذلك.
قوله: (وَسِلْعَةٌ بدِينَارٍ، إِلا دِرْهَمَيْنِ) أي: ومنع بيع سلعة بدينار إلا درهمين.
قوله (٧): (إِنْ تَأَجَّلَ الجمِيعُ) أي: السلعة والنقدان؛ لأنه يصير صرفًا مستأخرًا في النقدين، ودَيْنًا بدين في السلعة، ومقابلها إن كانت مضمونة، وبيع معين بتأخر قبضه إن كانت معينة (٨).
قوله: (أو السِّلْعَةُ) أي: وهكذا الحكم إن تأجلت السلعة دون النقدين، وهو مذهب المدونة (٩)، وهو المشهور، وقيده في -الموازية بما إذا لم يكن التأخير (١٠) يسيرًا، وفي المدونة من رواية أشهب الجواز في ذلك (١١).
_________________
(١) في (ن ٥): (المدونة).
(٢) قوله: (ذلك) زيادة من (ن).
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٨٠.
(٤) قوله: (بعشرين درهما) يقابله في (ن ٣): (بعشرة دراهم).
(٥) في (ن ٣): (وسبعين).
(٦) في (ن): (إذ).
(٧) قوله: (قوله) زيادة من (ن) و(ن ٥).
(٨) في (ن ٤): (معيبة).
(٩) انظر: المدونة: ٣/ ٤ و٥.
(١٠) في (ن ٥): (التأجيل).
(١١) تهذيب المدونة: ١٠٣/ ٣ و١٠٤.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
قوله: (أَو أحد النَّقدَيْنِ) بخلاف تأجيلهما (١)، أي: تقدمت السلعة مع أحد النقدين، وتأخر الآخر، والمشهور المنع كما قال، وهو مذهب المدونة (٢)، وعن مالك جواز ذلك (٣)، وهذا بخلاف (٤) تأجيلهما كما قال، أي (٥): تأجيل النقدين دون السلعة، فإن ذلك جائز للتبعية؛ لأن السلعة لما تقدمت وتأخر الدينار والدرهمان علم أنهما غير مقصودين، فليس فيه صرف مستأخر (٦)، وقال ابن عبد الحكم (٧): لا يجوز ذلك (٨).
قوله: (بخلاف تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ كَدَرَاهِمَ مِنْ دَنَانِيرَ بِالْمُقَاصَّةِ، وَلَمْ يَفْضُلْ شيء) ابن الحاجب: فإن استثنى دراهم من دنانير فثالثها يجوز في النقد، وكذلك قدرها (٩).
ابن بشير وابن شاس: واستشكل الشيخ إطلاقهما؛ ولا سيما الجواز والمنع مطلقًا (١٠). وفرضها في الموازية فيمن ابتاع مائة جلد، كل جلد بدينار إلا ثلاثة دراهم (١١).
وفي العتبية في خمسة عشر جلدًا، كل جلد بدينار إلا درهمًا (١٢)، ومثل ابن رشد في البيان المسألة بستة عشر ثوبًا، كل ثوب بدينار إلا درهمًا، وفرض صورها (١٣)، وقد أشار هنا إلى أكثرها، يعني: أنه (١٤) اختلف إذا باع سلعًا متعددة، كل واحدة بدينار مثلًا إلا درهمًا، هل يجوز مطلقًا؟ أم يمتنع مطلقًا؟ أو يحرم في التأجيل دون النقد (١٥)؟ وهو
_________________
(١) قوله: (بخلاف تأجيلهما) زيادة من (ن).
(٢) انظر: المدونة، دار صادر: ٨/ ٤٠٠ و٤٠١.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ١٤ و١٥، والمنتقى: ٦/ ٢٤٣.
(٤) قوله: (بخلاف) ساقط من (ن ٤).
(٥) في (ن ٣): (في).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٨٣.
(٧) في (ن ٤): (ابن عبد الملك).
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٣٣، وعقد الجواهر: ٢/ ٦٤٣.
(٩) انظر: الجامع بين الأمهات، ص: ٥٠٧.
(١٠) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٤٤، والتوضيح: ٥/ ٢٨٣.
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٥/ ٣٨٤.
(١٢) انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ٤٨٨.
(١٣) انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ٤٨٩.
(١٤) قوله (ابن الحاجب: فإن استثنى. . . يعني أنه) ساقط من (ن ٣) و(ن ٤) و(٥).
(١٥) قوله: (أو يحرم في التأجيل دون النقد) يقابله في (ن) و(ن ٥): (أو يجوز في النقد دون التأجيل)، وفي =
[ ٣ / ٤٩٦ ]
مراده هنا بالتعجيل (١).
ابن رشد: وإذا وقع البيع بينهما على أن يتقاصا من الدينار (٢) فيما اجتمع من الدراهم المستثناة بسوم (٣) سمياه، ولم يفضل من الدراهم شيء بعد المقاصة، مثل أن يبيع له (٤) ستة عشر ثوبًا، كل ثوب بدينار إلا درهمًا، على أن يحسب (٥) ستة عشر درهمًا بدينار جاز، كان البيع نقدًا أو إلى أجل (٦)؛ لأن البيع حينئذ إنما انعقد بخمسة عشر دينارًا (٧)، وإليه أشار بقوله: (بِالْمُقَاصَّةِ، وَلَمْ يَفْضُلْ شيء) أي: من الدراهم، ثم (٨) قال: (وكَذَلِكَ إن فضل بعد المقاصة درهم أو درهمان) لأنه يجوز أن يبيع الرجل (٩) السلعة بدينار إلا درهما، أو (١٠) إلا درهمين، على أن يتعجل السلعة، ويتأخر النقدان، وإلى هذا أشار بقوله هنا (١١): (وفي الدرهمين كذلك).
ابن رشد: فإن فضل بعد المحاسبة دراهم كثيرة فيجوز البيع إن كان نقدًا، ولا يجوز إلى أجل (١٢)، وإليه أشار بقوله: (وَي أَكْثَرَ كَالْبَيْعِ وَالصَّرْفِ) أي: في المسألة السابقة فإنه يجوز مع النقد، ويمتنع مع (١٣) التأجيل. انظر كلامه في الكبير.
قوله: (وَصَائِغٌ يُعْطي الزِّنَةَ (١٤) وَالأُجْرَةَ) هذا معطوف على الممنوع، ولا خلاف
_________________
(١) = (ن ٣): (أو يحرم وفي التأجيل دون النقد).
(٢) قوله: (بالتعجيل) ساقط من (ن) و(ن ٥).
(٣) قوله: (من الدينار) ساقط من (ن ٥)، وقوله: (من الدينار) يقابله في (ن): (من الدنانير الدينار).
(٤) قوله: (بسوم) ساقط من (ن).
(٥) قوله: (له) ساقط من (ن).
(٦) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (يتحاسبا).
(٧) في (ن): (التأجيل).
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ٤٨٩.
(٩) قوله: (ثم) ساقط من (ن).
(١٠) في (ن ٥): (إلى أجل).
(١١) قوله: (إلا درهمًا أو) ساقط من (ن) و(ن ٤).
(١٢) قوله: (هنا) ساقط من (ن).
(١٣) قوله: (إلى أجل) يقابله في (ن): (التأجيل). وانظر: البيان والتحصيل: ٦/ ٤٨٩.
(١٤) قوله: (النقد، ويمتنع مع) ساقط من (ن ٤).
(١٥) في (ن ٥) و(ون ٣): (الزينة).
[ ٣ / ٤٩٧ ]
أعلمه في ذلك، وقد نص ابن حبيب على عدم الخلاف (١). قال في الواضحة: ولا يجوز أن يراطل الصائغ دراهم الفضة (٢) على أن يصوغها لك بأجرة، وهو كالذي وجدها مصوغة فراطله بها (٣) وأعطاه أجرته (٤)، ثم قال: (ولا يجوز لصائغ أو سكاك أن يعمل لك إلا ذهبك أو فضتك) وأما عمل أهل السكة (٥) في جمعهم لذهب الناس، فإذا فرغت (٦) أعطوا كل واحد بقدر ذهبه، وقد عرفوا ما يخرج من ذلك، فلا يجوز، وهذا (٧) قاله من لقيت من أصحاب مالك (٨).
قوله: (كَزَيْتُونٍ، وَأُجْرَتِهِ لِمُعْصِرِهِ) أي: ومما يمنع أيضًا أن يدفع (٩) الرجل لأهل المعصرة زيتونًا وأجرة عصره، ويأخذ منهم قدر ما يخرج زيتًا؛ لأن خروج الزيت مما يختلف في الصفة والقدر؛ ولا ضرورة تدعو لذلك، وحكى ابن شاس في ذلك قولين (١٠).
قوله: (بِخِلافِ تِبْرٍ يُعْطيِهِ الْمُسافِرُ وَأُجْرَتَهُ دَارَ الضَّرْبِ (١١) ليَأخُذَ زِنَتَهُ) إنما جاز هذا لأن المسافر يضطر (١٢) إلى الرحيل، وخائف من المطل، ولمالك في ذلك قولان (١٣).
وقال ابن القاسم: أرى ذلك جائزًا للمضطر (١٤) وذي الحاجة (١٥). وقال عيسى: لا
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٨٧، والبيان والتحصيل: ٦/ ٤٤٣.
(٢) في (ن ٥): (بفضة).
(٣) في (ن): (فراطلها).
(٤) في (ن): (أجرة).
(٥) في (ن ٤): (السكك).
(٦) في (ن): (فرغوا).
(٧) في (ن): (هكذا).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٥/ ٣٥٧.
(٩) في (ن ٤): (يبيع).
(١٠) انظر: عقد الجواهر: ٣/ ٥٨.
(١١) في (ن ٥): (الصرف).
(١٢) في (ن): (مضى).
(١٣) في (ن): (قولين).
(١٤) قوله: (و) زيادة من (ن).
(١٥) في (ن ٥): (وللحاجة).
[ ٣ / ٤٩٨ ]
يعجبني.
وفي الموازية (١): لا أحبه. وعن مالك أيضًا إنما كان هذا حين كان الذهب لا نقش فيه، والسكة واحدة، وأما اليوم فلا، فقد صار في كل بلدة (٢) سكة (٣). وفي الواضحة عن أصحاب مالك: ولا يجوز له إذا أصاب دنانير عند السكاك مضروبة، فيأخذها بوزنها ذهبًا ويعطيه أجرته، وفي الدراهم فقيل (٤) كذلك؛ فلا يجوز ذلك لمسافر ولا مضطر ولا غيره، قاله لي (٥) من لقيت من أصحاب مالك المدنيين والمصريين (٦).
ابن رشد: وهو الصواب (٧)؛ ولهذا قال: (وَالأَظْهَرُ خِلافُهُ) أي: خلاف الجواز.
قوله: (وَبِخِلافِ دِرْهَمِ بِنِصْفٍ، وَفُلُوسِ أو غَيْرِهِ في بَيْعٍ وَسُكَّا، وَاتّحَدَتْ، وَعُرِفَ الْوَزْنُ وَانْتُقِدَ الْجَمِيعُ) هذا أيضًا مما أجيز للضرورة، وهو أن يدفع الشخص درهمًا فيأخذ بنصفه طعامًا أو فلوسًا، وبالنصف الآخر فضة، وذكر لجواز ذلك هنا خمسة شروط:
الأول: أن يكون ذلك في بيع، وما في معناه كالإجارة، ولا يجوز ذلك في القرض ونحوه لعدم الضرورة.
الثاني: أن يكون المدفوع والمأخوذ مسكوكين.
الثالث: أن تتحد تلك (٨) السِّكَّة.
الرابع: أن يكونا معروفي (٩) الوزن.
الخامس: أن ينتقد (١٠) الجميع، أي: الدراهم (١١) والنصف، والفلوس أو الطعام؛
_________________
(١) في (ن ٥): (المدونة).
(٢) في (ن): (بلد).
(٣) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٤٨.
(٤) قوله: (فقيل) زيادة من (ن).
(٥) قوله: (لي) ساقط من (ن ٥).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٨٧، والنوادر والزيادات: ٥/ ٣٥٧.
(٧) انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ٤٤٣.
(٨) قوله: (تتحد) زيادة من (ن).
(٩) في (ن): (معلومي).
(١٠) في (ن): (ينتقد).
(١١) قوله: (أي الدراهم) يقابله في (ن): (الدرهم).
[ ٣ / ٤٩٩ ]
ولهذا قال: (كَدِينَارٍ إَلا دِرْهَمَيْنِ) أي: كمسألة دينار إلا درهمين؛ فإنه إن انتقد (١) الجميع جاز وإلا فلا، فكما سبق وزاد، أي: وإن لم تحصل هذه الشروط امتنع والله كما سبق، وزاد (٢) أبو الحسن الصغير: أن يكونا (٣) ببلد لا فلوس فيها، ولا خراريب ولا أرباع (٤)، وقيل: لا يجوز ذلك إلا في أقل من نصف، وقيل: لا يجوز بحال، وهذا كله فيما إذا كان ذلك في درهم واحد، والمردود النصف فما دون، فلو كان في أكثر من درهم لم يجز لعدم الضرورة في الغالب، وكذلك لا يجوز إن زاد المردود على أكثر (٥) من النصف، وأجاز (٦) أشهب ثلاثة أرباع (٧).
(المتن)
وَرُدَّتْ زِيَادَةٌ بَعْدَهُ لِعَيْبِهِ، لَا لِعَيْبِهَا، وَهَلْ مُطْلَقًا أَوِ إِلَّا أَنْ يُوجِبَهَا أَوْ إِنْ عُيِّنَتْ؟ تَأْوِيلَاتٌ. وَإِنْ رَضِيَ بِالْحَضْرَةِ بِنَقْصِ وَزْنٍ، أَوْ بِكَرَصَاصٍ، أَوْ رَضَيَّ بِإِتْمَامِهِ، أَوْ بِمَغْشُوشٍ مُطْلَقًا صَحّ. وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يُعَيَّنْ. وَإِنْ طَالَ نُقِضَ إِنْ قَامَ بِهِ كَنَقْصِ الْعَدَدِ، وَهَلْ مُعَيَّنُ مَا غُشَّ كَذَلِكَ يَجُوزُ فِيهِ الْبَدَلُ؟ تَرَدُّدٌ. وَحَيْثُ نُقِضَ فَأَصْغَرُ دِينَارٍ، إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّاهُ فَأكبَرُ مِنْهُ، لَا الْجَمِيعُ. وَهَلْ وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ دِينَارٍ؟ تَرَدُّدٌ.
(الشرح)
قوله: (وَرُدَّتْ زِيادَةٌ بَعْدَهُ لِعَيْبِهِ، لا لِعَيْبِهَا) يريد: أن من صرف من شخص دراهم بدنانير، ثم زاد أحدهما صاحبه زيادة لأجل الصرف، فإنه إذا وجد عيبًا بالأصل ورده رد معه الزيادة، وإن وجد العيب بالزيادة وحدها فلا رد له، قاله في المدونة (٨)، وظاهره كانت الزيادة لاستصلاح العقد أم لا، وقال القاضي إسماعيل: إن كانت لاستصلاحه أبطلت الصرف وإلا فلا (٩)،
_________________
(١) في (ن): (أنقد).
(٢) قوله: (أي وإن لم تحصل. . . كما سبق، وزاد) زيادة من (ن).
(٣) في (ن): (يكون).
(٤) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٨٦.
(٥) قوله: (إن زاد المردود على أكثر) يقابله في (ن) و(ن ٥): (كان المردود أكثر).
(٦) في (ن): (وزاد).
(٧) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٨٥.
(٨) انظر: تهذيب المدونة: ٣/ ١١٣.
(٩) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٧٤.
[ ٣ / ٥٠٠ ]
وقال مالك في الموازية (١) أنه يرد (٢) المزيد المعيب (٣)، فمن الشيوخ من حمله على إطلاقه من الخلاف، ومنهم من حمله على الوفاق، وعك الثاني فذهب ابن القاسم (٤) وغيره إلى أن ما في الموازية (٥) محمول على إيجاب الزيادة، لأنه قال فيها لقيه (٦) فقال له: نقصتني من صرف الناس، فزدني (٧)، فيفهم أنه إذا زاده فقد ألحقه بصرف الناس، وقد أوجب الزيادة (٨)، وقال بعض شيوخ عبد الحق: إن الخلاف مبني على تحقيق فرض المسألة، فإن قال: أزيدك هذا الدرهم فلا ردَّ له، وإن وجده زائفًا لتعيينه، وإن قال: أزيدك درهمًا فعليه البدل لأنه قد أوجب على نفسه درهمًا جيدًا (٩)، وهو اختيار اللخمي (١٠)، وإلى جميع ذلك أشار بقوله: (وَهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إِلا أَنْ يُوجِبَهَا، أَوْ إِنْ عُيِّنتْ؟ تَأْوِيلاتٌ).
قوله (وَإِنْ رَضِيَ بِالْحَضْرَةِ بِنَقْصِ وَزْنٍ، أَوْ بِكَرَصَاصٍ، أو رَضِيَ (١١) بِإِتْمَامِهِ، أَوْ بمَغْشُوشٍ مُطْلَقًا صَحَّ) أي: وإن اطلع (١٢) بحضرة عقد الصرف على نقص في (١٣) وزن أَو وجده رصاصًا أو نحاسًا ونحوهما (١٤) فله الرضا به، وله المطالبة بما وجب له، فإن رضي به على ما هو عليه صح الصرف، وكذا إن رضي الدافع بإتمام النقص ناجزًا،
_________________
(١) في (ن ٥): (وقال في الموازية)، وفي (ن ٤): (وقال ذلك في المدونة).
(٢) في (ن ٤): (يريد).
(٣) انظر: تهذيب المدونة: ٣/ ١١٣.
(٤) في (ن ٣): كتبت بالاثنين معًا، وكأنه كتبها أولًا: (ابن القابسي) ثم عدلها بـ (ابن القاسم)، وفي (ن ٤) و(ن ٥): (ابن القابسي)، والمثبت موافق لما في التوضيح: ٥/ ٢٧٣.
(٥) في (ن ٤): (المدونة).
(٦) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (لقيته).
(٧) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (فزد لي).
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٧٣ و٢٧٤.
(٩) انظر: النكت والفروق: ٢/ ١٠ و١١.
(١٠) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٧٤، التبصرة، للخمي، ص: ٢٨٣٩.
(١١) في (ن ٥): (ورضي).
(١٢) في (ن ٥): (أطلق).
(١٣) قوله: (في) زيادة من (ن).
(١٤) قوله: (ونحوهما) زيادة من (ن).
[ ٣ / ٥٠١ ]
والأظهر أن له الرضا بالرصاص ونحوه كما ذكر؛ لأن الدرهم من الرصاص لا قيمة له، أو قيمته يسيرة جدًّا كالنحاس فيصير كنقص المقدار، ومنهم من جعله كنقص الصفة؛ لأنه هنا منقوص (١)، وكونه لا قيمة له لا يضر كما كان (٢) في كثير من الدراهم، والقولان حكاهما ابن بشير عن المتأخرين (٣)، وأما المغشوش فإن رضي به صح (٤) الصرف، وإن رده انتقص (٥) على المشهور.
وقال ابن وهب وجماعة: يجوز البدل (٦) ومراده بالإطلاق؛ سواء كان بالحضرة أو بعد المفارقة.
وقوله (صَحَّ) جواب عن جميع ما تقدم.
قوله (وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يُعَيَّنْ) أي: واجبر على نقض العقد في الصرف (٧) المغشوش إن لم يعين الدنانير أو (٨) الدراهم، ويحتمل، وأجبر على البدل، والأول أظهر، ومراده أن آخذ (٩) المغشوش إذا لم يرضَ به، وكان الصرف بينهما على دنانير ودراهم غير معينة فالمشهور (١٠) - النقض، وقال ابن وهب: يجوز (١١) البدل (١٢)، ولم يحك اللخمي الخلاف (١٣)؛ إلا إذا كان التعيين في أحد (١٤) الجهتين، وسيذكر الشيخ حكم ما (١٥) إذا
_________________
(١) قوله: (لأنه هنا منقوص) يقابله في (ن ٥): (لأن هنا مقبوضا محسوسا)، وفي (ن): (لأنه هنا مقبوض محسوس).
(٢) قوله: (كان) زيادة من (ن).
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٦٩.
(٤) فهنا تبدأ نسخة (ز ٣).
(٥) في (ن ٣): (وإن أراد بدله انتقص)، وفِى (ن ٤): (وإن رد بدله النقص).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٦٩ و٢٧٠، والمنتقى: ٦/ ٢٦١، وعقد الجواهر: ٢/ ٦٣٧.
(٧) قوله: (الصرف) ساقط من (ن).
(٨) في (ن): (و).
(٩) في (ن ٤): (يأخذ).
(١٠) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (بالمشهور).
(١١) في (ن): (بجواز).
(١٢) انظر: المنتقى: ٦/ ٢٦١، وعقد الجواهر: ٢/ ٦٣٧.
(١٣) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٢٨٣٩ و٢٨٤٠.
(١٤) في (ن): (إحدى).
(١٥) قوله: (حكم ما) يقابله في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (ما حكم).
[ ٣ / ٥٠٢ ]
وقع (١) الصرف على شيء معين.
قوله: (وَإِنْ طَالَ نُقِضَ إِنْ قَامَ بِهِ كنَقْصِ الْعَدَدِ) يعني وإن بعد ما بين عقد الصرف واطلاع الآخر (٢) على النقص، ولم يرضَ بتركه (٣) بل قال (٤): يأخذ (٥) منه، فإن الصرف ينتقض، ولم يحكِ الباجي (٦) والمازري (٧) فيه خلافًا، وأجرى ابن شاس فيه قولًا بالصحة مما إذا دخل المتصارفان على قبض البعض دون البعض (٨)، وهي المسألة التي يذكرها بعد هذا، وحكى (٩) ابن شاس فيما (١٠) إذا رضي بالنقص ثلاثة أقوال، وفرق في الثالث بين النقص الكثير فيفسد الصرف، وبين القليل (١١) فلا يفسد (١٢).
المازري: وكلها روايات والأكثر على عدم الصحة، والأقرب الثالث، لأنه الذي تسمح النفوس به، والمشهور أنه لا يجوز الرضا بالنقص في العدد (١٣) كما قال هنا (١٤).
قوله (وَهَلْ مُعَيَّن مَا غُشَّ كَذَلِكَ أَوْ يجوزُ فِيهِ الْبَدَلُ؟ تَرَدُّدٌ) أي: وهل (١٥) إذا كان المغشوش معينًا كقوله: "بعني هذا الدينار بهذه العشرين من الدراهم"، يعني: في
_________________
(١) قوله: (ما حكم إذا وقع) يقابله في (ن ٥): (ما إذا كان).
(٢) قوله: (الآخر) ساقط من (ن ٤)، وفي (ن): (الآخذ).
(٣) في (ن ٥): (بتركها).
(٤) قوله: (قال) ساقط من (ن ٥).
(٥) قوله: (قام بأخذه) يقابله في (ن): (قال: يأخذ).
(٦) انظر: المنتقى: ٦/ ٦١٢ و٦/ ٦٦١.
(٧) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٧١٧ و٧١٨.
(٨) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٣٦.
(٩) في (ن ٥): (وذكر).
(١٠) في (ن ٥): (فيها).
(١١) في (ن): (اليسير).
(١٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٣٥ - ٦٣٧.
(١٣) قوله: (بالنقص في العدد) يقابله في (ن): (بنقص العدد).
(١٤) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٦٨.
(١٥) في (ن ٥): (وهذا).
[ ٣ / ٥٠٣ ]
المعين (١) فينتقض الصرف أو يجوز فيه البدل، ولا ينتقض، تردد في ذلك الأشياخ، فذهب جلُّ المتأخرين إلى أن القولين في غير المعين (٢) مثلهما في المعين، وقال اللخمي: لا خلاف أنه يجوز التراضي بالبدل (٣)، وهي طريقة أبي بكر بن عبد الرحمن، لأنهما لم يفترقا، وفي ذمة أحدهما شيء فلم يزل مقبوضًا إلى حين البدل بخلاف غير المعين (٤) فإنهما افترقا، وذمة أحدهما مشغولة، والطريق الأولى أحسن.
قوله: (وَحَيْثُ نُقِضَ فَأَصْغَرُ دِينَارٍ، إِلا أَنْ يَتَعَدَّاهُ فَأَكْبَرُ مِنْهُ، لا الجمِيعُ) أي: وحيث قلنا بالنقض لأجل الاطلاع على نقص في المقدار، أو في الصفة مع التعيين أو عدمه فإن الصفقة (٥) ينتقض منها صرف (٦) أصغر الدنانير لا الجميع، حتى لو كانت في الدنانير أصغر (٧) فلا تنقل (٨) عنه إلى ما هو أكبر منه، إلا إذا تعدى ذلك النقص والغش ذلك الأصغر، فينتقل إلى دينار أكبر منه (٩)، وعن مالك لا ينتقض إلا صرف دينار، أي: دينار كامل إذا كان النقص (١٠) قدر دينار فأقل، فإن زاد بدرهم أو بجزء من درهم انتقض صرف دينارين ما لم يزد على صرفهما هكذا عن (١١) ابن عبد السلام، وهو المشهور (١٢)، وظاهر كلامه أنه مغاير (١٣) لما قبله، ولهذا قال: والفرق بين القولين أنه ينتقض على هذا القول بدرهم واحد (١٤) صرف دينار
_________________
(١) في (ن ٣): (المعينة كغير المعين)، وقوله: (يعني: في المعين) يقابله في (ن): (كغير المعين).
(٢) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (المتعين).
(٣) قوله: (بالبدل) يقابله في (ن ٥): (بالمبدل في غير المعين)، التبصرة، للخمي، ص: ٢٧٧٢.
(٤) قوله: (غير المعين) ساقط من (ن ٤)، وفي (ن ٣) و(ن ٥): (غير المعينين).
(٥) في (ن ٥): (الصفة).
(٦) قوله: (صرف) ساقط من (ن ٥).
(٧) في (ن ٥): (غيره).
(٨) قوله: (أصغر فلا تنقل) يقابله في (ن): (غش أو غيره مضروب فإنه لا ينتقل).
(٩) قوله: (إلا إذا تعدى ذلك. . . فينتفل إلى دينار أكبر منه) ساقط من (ن ٥).
(١٠) قوله: (والغش ذلك الأصغر. . . إذا كان النقص) ساقط من (ن).
(١١) في (ن): (عند).
(١٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٧١.
(١٣) في (ن ٣): (معارض).
(١٤) قوله: (بدرهم واحد) يقابله في (ن): (في الدرهم الواحد).
[ ٣ / ٥٠٤ ]
أكبر (١)، ولا ينتقض على القول (٢) الأول إلا صرف أصغر الدنانير، وجعلهما المازري وغيره (٣) قولًا واحدًا (٤)، ونحوه لابن يونس، ونقل الباجي عن ابن القاسم مثل ما ذكر الشيخ أنه ينتقض أصغر الدنانير (٥)، وعنه أنه ينتقض صرف الجميع، وقيل ما قبل النقص خاصة (٦).
قوله: (وهل ولو لم يسم لكل دينار تردد) يريد أن الأشياخ ترددوا فيما إذا صارفه ولم يعين لكل دينار شيئًا كما إذا قال: هذه الدنانير العشرة بمائتي درهم هل ينتقض صرف الجميع أو صرف دينار واحد كما إذا سميا لكل دينار، وإلى الأول (٧) ذهب ابن الجلاب (٨) والقاضي إسماعيل وعبد الوهاب (٩)، وزعم الباجي أن الخلاف يرتفع مع التسمية؛ وأنه لا ينتقض إلا صرف دينار، وإنما الخلاف إذا لم يسم (١٠)، ورده المازري بأن الرواية (١١) وقعت مطلقة، وإنما فصل هذا التفصيل من تقدم ذكره (١٢).
(المتن)
وَهَلْ يَنْفَسِخُ فِي السِّكَكِ أَعْلَاهَا أَوِ الْجَمِيعُ؟ قَوْلَانِ. وَشُرِطَ الْبَدَلِ جِنْسِيَّةٌ وَتَعْجيلٌ، وَإِنِ اسْتُحِقَّ مُعَيَّنٌ سُكَّ بَعْدَ مُفَارَقَةٍ أوْ طُولٍ، أَوْ مَصُوغٌ مُطْلَقًا نُقِضَ، وَإِلَّا صَحَّ، وَهَلْ إِنْ تَرَاضَيَا؟ تَرَدُّدٌ. وَلِلْمُسْتَحِقِّ إِجَازَتُهُ إِنْ لَمْ يُخْبَرِ الْمُصْطَرِفُ. وَجَازَ مُحَلًّى، وإِنْ ثَوْبًا يَخْرُجُ مِنْهُ، إِنْ سُبِكَ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ إِنْ أُبِيحَتْ، وَسُمِّرَتْ،
_________________
(١) قوله: (أكبر) زيادة من (ن) و(ن ٤).
(٢) قوله: (القول) ساقط من (ن).
(٣) قوله: (وغيره) ساقط من (ن ٤).
(٤) انظر: شرح التلقين: ٦/ ١٠٧٥ و١٠٧٦.
(٥) قوله: (وجعلهما المازري وغيره. . . أصغر الدنانير) ساقط من (ن ٣)، وقوله: (الدنانير) يقابله في (ن): (دينار).
(٦) انظر: المنتقى: ٦/ ٢٦٢، والتوضيح: ٥/ ٢٧١.
(٧) في (ن ٣): (هذا).
(٨) انظر: التفريع: ٢/ ١٠١.
(٩) انظر: المعونة: ٢/ ٥٢.
(١٠) انظر: المنتقى: ٦/ ٢٦٢.
(١١) في (ن ٣): (الروايات)، وفي (ن): (فقال: الروايات).
(١٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٧١.
[ ٣ / ٥٠٥ ]
وَعُجِّلَ مُطْلَقًا، وَبِصِنْفِهِ إِنْ كَانَتِ ثُلُثًا، وَهَلْ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالْوَزْنِ؟ خِلَافٌ،
(الشرح)
قوله (وَهَلْ ينفسخُ فِي السِّكَكِ أَعْلاهَا أَوِ الجمِيعُ؟ قَوْلانِ) يريد: أنه اختلف (١) إذا اطلع على نقص أو غش أو نحوه، وكان في الصرف سككًا مختلفة هل اختص الفسخ بالدينار الأعلى والأطيب، أو يفسخ الجميع على قولين لأصبغ وسحنون (٢).
قلت: وعلى ما تقدم أن النقص يختص بأصغر الدنانير، إلا أن يتعداه فيختص هنا بالدينار الأعلى (٣) إلا أن يتعداه فينتقل إلى ما (٤) فوقه.
قوله (وَشَرْطُ الْبَدَلِ جِنْسِيَّةٌ وَتَعْجيلٌ) أي (٥) وحيث حكم بالبدل فيما تقدم، فإنه يشترط في المأخوذ أن يكون من جنس المردود والتعجيل (٦). وهكذا نقل ابن الحاجب هذه المسألة عن ابن القاسم، وحكي عن أشهب عدم الاشتراط (٧).
ابن عبد السلام: وإنما يعرف لهما ذلك في مسألة الطوق (٨) المذكورة في أوائل كتاب الصلح من المدونة (٩).
قوله (وَإِنِ اسْتُحِقَّ مُعَيَّنٌ سكَّ بَعْدَ مُفَارَقَةٍ، أَوْ طُولٍ) يريد: أن الصرف إذا وقع بمسكوكين أو بمسكوك ومصوغ فاستحق المسكوك بعد مفارقة المجلس، أو بعد الطول ولو (١٠) لم يفترقا وكان المستحق معينًا حين العقد، فإن الصرف ينتقض وهو المشهور، ومذهب المدونة أنه (١١) لا يلزمه غير ما عُيِّن والشاذ
_________________
(١) قوله: (اختلف) زيادة من (ن ٥).
(٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٧٢.
(٣) في (ن): (الأدني).
(٤) قوله: (ما) زيادة من (ن).
(٥) في (ن): (يريد).
(٦) قوله: (من جنس المردود والتعجيل) يقابله في (ن ٥): (من جنس واحد المردود والمعجل) وزاد في (ن): (هكذا).
(٧) انظر: الجامع بين الأمهات، ص: ٥٠٦.
(٨) في (ن ٥): (الطرق).
(٩) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٧٢.
(١٠) قوله: (لو) زيادة من (ن).
(١١) في (ن) و(ن ٥): (إذ).
[ ٣ / ٥٠٦ ]
لأشهب (١)، انظر تمامها في الكبير.
قوله: (أَوْ مَصُوغٌ مُطْلَقًا) أي: فلو كان المستحق مصوغًا انتقض الصرف، سواء كان بحضرة العقد أو بعد الافتراق والطول (٢)، معين أو لا، لأن المصوغ يراد لعينه.
قوله: (نُقِضَ) جواب عن مسألتي المسكوك والمصوغ.
قوله: (وَإِلا صَحَّ) هذا راجع إلى مسألة المسكوك، أي وإن لم يحصل مع استحقاق المسكوك طول ولا افتراق وكان معينًا فلا نقض، بل يجبر على البدل.
قوله: (وَهَلْ إِنْ ترَاضَيَا؟ تَرَدُّدٌ) أي: وهل الصحة مقيدة بما إذا تراضيا على البدل بالحضرة وهو رأي ابن يونس، أو مطلقًا وهو رأي أبي بكر بن عبد الرحمن (٣).
قوله: (وَللْمُسْتَحِقِّ إِجَازَتُهُ إِنْ لَمْ يُخْبَر الْمُصْطَرِفُ) (٤) بالتعدي، وقال أشهب: ليس له ذلك؛ بناء على أن الخيار الحكمي ليس كالشرطي فيصح (٥) أو كالشرطي (٦)، فلو أخبره بذلك ودخل عليه منع من الإجازة (٧).
قوله (وَجَازَ مُحَلًّى، وَإِنْ ثَوْبًا يَخْرُجُ مِنْهُ عَيْنٌ إِنْ سُبِكَ بِأَحَدِ النَّقدَيْنِ) أي: وجاز بيع المحلَّى وإن كان ثوبًا يخرج منه إذا سبك شيء من ذهب (٨) أو فضة (٩)، سواء كان من صنف المحلى أو لا، وهو المشهور خلافًا لابن عبد الحكم (١٠).
ثم أشار بقوله: (إِنْ أُبِيحَتْ، وَسُمِّرَتْ، وَعُجِّلَ بغير صنفه مطلقًا) إلى أن الجواز
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٤.
(٢) في (ن): (أو الطول).
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٧٦.
(٤) زاد بعده في (ن ٤): (أي: إجازة الصرف، ويلزمه للمستحق منه وله نقضه وهو المشهور، وهو مقيد كما قال بما إذا لم يخير المصطرف)، وقوله: (المصطرف) يقابله في (ن): (أحد المصطرف).
(٥) قوله: (فيصح) زيادة من (ن).
(٦) قوله: (كالشرطي) ساقط من (ن ٥)، وفي (ن ٣) و(ن ٤): (كالشرطين).
(٧) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٧٧، وعقد الجواهر: ٢/ ٦٤٠.
(٨) قوله: (من ذهب) يقابله في (ن): (بذهب).
(٩) قوله: (يخرج منه إذا سبك شيء من ذهب أو فضة) يقابله في (ن ٥): (يخرج منه شيء إذا سبك بذهب أو فضة).
(١٠) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٨٨.
[ ٣ / ٥٠٧ ]
مشروط بثلاثة شروط (١):
الأول: أن تكون الحلية مباحة كحلية المصحف والسيف وحلية النساء.
الثاني: أن تكون مسمرة على المحلى حتى يكون في نزعها ضرر كالفصوص المصوغ عليها، فإن لم تكن مسمرة كالقلائد التي لا يفسد نظمها (٢)، فظاهر المذهب (٣) أنه لا تأثير لها في الإباحة، وبه قال ابن حبيب، وحكى ابن رشد فيه الجواز والمنع عن المتأخرين، إذا كان يغرم (٤) ثمنها في رد الحلية بعد قلعها (٥).
الثالث: أن يباع معجلًا، فإن بيع مؤجلا امتنع.
قوله: (مُطْلَقًا) أي: سواء كان تبعًا أو غير تبع. يريد: إذا بيع بغير صنفه، وإلا فلا يجوز إلا إذا كانت الحلية الثلث فأقل، وإلى هذا أشار بقوله (وَبِصِنْفِهِ إِنْ كَانَت ثُلُثًا) أي: وجاز بيع المحلَّى بصنف ما حلي به؛ بشرط كون حليته الثلث فأقل، وهذا هو المشهور، وخرج ابن بشير من قول أهل المذهب "الثلث كثير" أنه لا يجوز إلا فيما دونه (٦)، وقيل: يجوز (٧) ولو كانت الحلية النصف، ونقله الباجي عن بعض العراقيين (٨)، وإذا فرعنا على المشهور أو غيره فهل ينظر (٩) في ذلك الثلث أو غيره إلى قيمة المحلَّى به (١٠) مصوغًا أو إلى وزنه (١١) وتلغى قيمة صياغته؟ في ذلك قولان والأول: قول (١٢) ابن يونس وهو
_________________
(١) قوله: (مشروط بثلاثة شروط) يقابله في (ن ٤): (بشروط).
(٢) قوله: (لا يفسد نظمها) يقابله في (ن ٥): (لا تفسد عند نقدها)، وفي (ن ٣): (لا يفسد نظمها بنقضها)، وفي (ن): (لا تفسد عند فكها).
(٣) في (ن ٣): (المدونة).
(٤) في (ن): (يعدم).
(٥) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٨٨.
(٦) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٦٦.
(٧) في (ن ٣) و(ن ٤): (لا يجوز).
(٨) انظر: المنتقى: ٦/ ٢٥١.
(٩) في (ن): (ينتظر).
(١٠) قوله: (به) زيادة من (ن).
(١١) قوله: (أو إلى وزنه) ساقط من (ن ٥).
(١٢) في (ن): (قال).
[ ٣ / ٥٠٨ ]
ظاهر الموطأ (١) والموازية (٢). والثاني (٣): ذكر الباجي أنه ظاهر (٤) المذهب (٥)، وقد أشار إلى ذلك بقوله (وَهَلْ بِالْقِيمَةِ أَوْ بالْوَزْنِ؟ خِلافٌ).
(المتن)
وَإِنْ حُلِّي بِهِمَا لَمْ يَجُزْ بِأَحَدِهِمَا، إِلَّا إِنْ تَبِعَا الْجَوْهَرَ، وَجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيلِ الْمَعْدُودِ دُونَ سَبْعَةٍ بِأَوْزَنَ مِنْهَا: بِسُدُسٍ، سُدُسٍ. وَالأَجْوَدُ أَنْقَصَ، أَوْ أَجْوَدُ سِكَةً مُمْتَنِعٌ، وَإِلَّا جَازَ. وَمُرَاطَلَةُ عَيْنٍ بِمِثْلِهِ بِصَنْجَةٍ أَوْ كِفَّتَيْنِ وَلَوْ لَمْ يُوزَنَا عَلَى الأَرْجَحِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَوْ بَعْضُهُ أَجْوَدَ، لَا أَدْنَى وَأَجْوَدُ، وَالأَكْثَرُ عَلَى تَأوِيلِ السِّكَّةِ وَالصِّياغَةِ كَالْجَوْدَةِ، وَمَغْشُوشٌ بِمِثْلِهِ وَبِخَالِصٍ، وَالأَظْهَرُ خِلَافُهُ لِمَنْ يَكْسِرُهُ أَوْ لَا يَغِشُّ بِهِ.
(الشرح)
قوله: (وَإِنْ حُلِّيَ بِهِما لَمْ يَجُزْ بِأَحَدِهِمَا، إِلا إِنْ تَبِعَا الجْوْهَرَ) أي: وإن حلي بالذهب والفضة معًا لم يجز بيعه بأحدهما إلا إن كان تبيعًا (٦) للجواهر (٧).
قال في الواضحة: وسواء كان أحدهما تبعًا للآخر أم لا إذا كان نقدًا وأتبع (٨) في (٩) الثلث فأقل، ولا خلاف في ذلك، فإن لم يكونا تبعًا للجوهر لم يجز بيعه بأحد النقدين، إذا لم يكن أحدهما تبعًا للآخر؛ لأنه إذا امتنع بيع سلعة وذهب بذهب، فأحرى بيع فضة وذهب بذهب، وكذا في الفضة، وإن كان أحدهما تبعًا لم يجز بيعه بصنف الأكثر، واختلف في بيعه بصنف التابع (١٠)؛ فمذهب المدونة عدم الجواز أيضًا، وعن مالك في المدونة (١١) جوازه
_________________
(١) انظر: الموطأ: ٢/ ٧٠٣.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٥/ ٣٩١.
(٣) قوله: (والثاني) ساقط من (ن ٤).
(٤) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٩٠.
(٥) انظر: المنتقى: ٦/ ٢٥١.
(٦) في (ن): (تبعًا).
(٧) في (ن): (للجوهر).
(٨) في (ن ٤): (والبيع)، وفي (ن ٥): (أتبع).
(٩) قوله: (في) زيادة من (ن).
(١٠) في (ن ٥): (الأقل).
(١١) في (ن): (الموازية).
[ ٣ / ٥٠٩ ]
نقدًا (١).
قال (٢): وإن تقاربا بيع بعرض أو فلوس، ثم رجع مالك فقال: لا يباع بذهب ولا فضة على حال، وبه أخذ ابن القاسم، وبالجواز أخذ ابن زياد وأشهب وابن عبد الحكم (٣).
قوله: (وَجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيلِ الْمَعْدُودِ دُونَ سَبْعَةٍ بِأَوْزَنَ مِنْهَا بِسُدُسِ سُدُسٍ) المبادلة: عبارة عن بيع المسكوك عددًا بمثله دون وزن، لأنه إذا دخله الوزن صار مراطلة، ولهذا قال (الْمَعْدُودِ) (٤) ومقتضى النظر منعه إلا أنه (٥) لما كان التعامل بالعدد صار النقص (٦) اليسير في ذلك غير منتفع به، وهو يجري مجرى الرداءة، والوزن يجري مجرى الجودة، فقد رآه معروفًا، والمعروف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، و(دون سبعة) بدل أو عطف بيان، يريد: أن القليل الذي تجوز مبادلته بأوزن أو أنقص منه (٧) ما كان دون سبعة دراهم أو دنانير، وأما السبعة فما فوقها فلا تجوز.
قال في المدونة: ويجوز له (٨) أن يبدل ستة، تنقص سدسًا سدسًا بستة وازنة (٩)، ومنع في الموازية (١٠) مبادلة ما زاد على الثلاثة (١١)، وأصلح سحنون المدونة على ما في الموازية، وجعل موضع ستة ثلاثة (١٢)، وإنما قيدوا الزيادة (١٣) بأن تكون (١٤) سدسًا
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٢ و٢٣.
(٢) قوله: (قال) ساقط من (ن ٥).
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٢٢ - ٢٤، والتوضيح: ٥/ ٢٩١.
(٤) قوله: (المعدود) ساقط من (ن ٥).
(٥) قوله: (إلا أنه) يقابله في (ن): (لكنه).
(٦) قوله: (النقص) ساقط من (ن).
(٧) قوله: (منه) ساقط من (ن).
(٨) قوله: (له) ساقط من (ن).
(٩) انظر: المدونة، دار صادر: ٨/ ٤٢٥.
(١٠) في (ن ٥): (المدونة).
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٥/ ٣٦٣.
(١٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٩٩.
(١٣) في (ن ٣) و(ن ٤): (قيد والزيادة).
(١٤) في (ن): (يكون).
[ ٣ / ٥١٠ ]
سدسًا (١) فأقل في كل درهم؛ لأنه الذي تسمح به النفوس في الغالب، وقيل: يجوز أن يبدل الدينار أو الدرهم بأزيد منه بثلث.
قوله: (وَالأَجْوَدُ أَنْقَصَ أو أَجْوَدُ سِكَّةً مُمْتَنِعٌ) لا خلاف في منع إبدال الأجود الناقص بالأردأ الكامل، لدوران الفضل من الجانبين (٢)؛ لأن الأجود يقابله من الجانب الآخر الأردأ، والأنقص يقابله الأكمل، وانظر قوله: أو أجود سكة. هل معناه أنه أجود جوهرية أيضًا وهو ظاهر كلامه؛ لأن قوله: أو أجود. معطوف على قوله: أنقص. أي: وأجود (٣) مع أن (٤) جودة الجوهرية كافٍ في منع المبادلة، وفيه نظر؛ لأن الجودتين إذا كانا (٥) في طرف، ويقابلهما من الطرف الآخر الرداءة (٦) فيهما- جاز؛ لتمحض (٧) الفضل من جانب واحد، ويحتمل أن يريد بقوله (وأَجْوَدُ سِكَّةً) أي: مع زيادة الوزن إلا أنه بعيد؛ إذ هو حذف لا دليل عليه.
قوله: (مُمْتَنِعٌ) أي: هو خبر عن المسألتين.
ثم قال: (وَإِلا جَازَ) أي: يريد: وإن لم يكن الأنقص الأجود بل كان مساويًا، وأحرى إذا كان أردأ، فإنه يجوز فيه المبادلة؛ لأن الفضل من جهة واحدة، ونص الباجي على أن الأجود الأوزن يدخله الخلاف (٨).
قوله: (وَمُرَاطَلَةُ عَيْنٍ بِمِثْلِهِ) المراطلة عبارة عن بيع عين بمثله وزنًا، ولهذا قال (وَمُرَاطَلَةُ عَيْنٍ) أي: وجاز (مراطلة عين بِمِثْلِهِ) واستغنى بقوله: (بِصَنْجَةٍ أَوْ كَفَّتَيْنِ) عن ذكر الوزن؛ لأنهما مخصوصان بالوزن، وقد نبه بذلك على أن الوزن يكون بوجهين، أحدهما: أن توضع الصنجة في كفة، ويوضع الذهب أو الفضة في الكفة الأخرى، فإذا
_________________
(١) قوله: (سدسًا) زيادة من (ن ٣) و(ن ٤).
(٢) قوله: إلا خلاف في منع إبدال الأجود الناقص بالأردأ الكامل لدوران الفضل من الجانبين) ساقط من (ن ٥).
(٣) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (وأحدهما).
(٤) قوله: (أن) ساقط من (ن).
(٥) في (ن): (كانتا).
(٦) قوله: (الرداءة) ساقط من (ن ٣).
(٧) قوله: (جاز لتمحض) يقابله في (ن ٥): (فقد تمحض).
(٨) انظر: المنتقى: ٦/ ٢٢٩.
[ ٣ / ٥١١ ]
اعتدلا أزال الذهب أو الفضة ووضح ذهب الآخر أو الفضة (١).
والثاني: أن يجعل ذهب هذا في كفة، وذهب الآخر في الكفة الأخرى، والأول أظهر (٢) عند المتأخرين؛ لأن التساوي بين الذهبين (٣) حاصل، سواء كان الميزان معتدلًا أم لا، ولا يحمل ذلك في الوجه الثاني إلا مع الاعتدال، ولكن هو الذي نص عليه بعض المتقدمين (٤).
قوله: (وَلَوْ لَمْ يُوزَنَا) هذا راجع إلى قوله: (أَوْ كَفَّتَيْنِ) ومعناه أن المراطلة في كفتين جائزة، ولو لم يوزن الذهبان قبل ذلك، ولا إشكال في ذلك في غير المسكوك، وكذلك في المسكوك على الصحيح، وإليه ذهب أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن وغيرهما، وحمل عياض المدونة عليه، ومنعه ابن القابسي (٥) إلا بعد معرفة (٦) وزنه؛ لئلا يؤدي إلى بيع المسكوك جزافًا (٧).
ابن يونس: والأول أصوب؛ إذ لا غرر فيه؛ لأنه إنما يأخذ مثل ذهبه أو دراهمه (٨)، وإليه أشار بقوله (عَلَى الأَرْجَح).
قوله: (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَو بَعْضُهُ أَجْوَدَ) أي: وكذلك تجوز المراطلة، وإن كان أحد الذهبين أو الفضتين (٩) أجود أو بعضه أجود، وبعضه مساوٍ (١٠) كدرهمين مغربيين (١١) في مقابلة درهم مصري، ودرهم مغربي، ولا خلاف في جواز الوجه الأول؛ لتمحض (١٢) الفضل من جانب واحد، واختلف في الثاني، فأجازه ابن القاسم
_________________
(١) قوله: (ذهب الآخر أو الفضة) يقابله في (ن): (ذهب الأخرى أو فضته).
(٢) في (ن ٣): (أظهر)، وفي (ن): (هو الراجح).
(٣) قوله: (بين الذهبين) ساقط من (ن ٥).
(٤) قوله: (بعض المتقدمين) يقابله في (ن) و(ن ٥): (المتقدمون).
(٥) في (ن): (ابن القاسم).
(٦) قوله: (معرفة) ساقط من (ن).
(٧) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٩٤.
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٩٤.
(٩) في (ن ٥): (الدرهمين أو في الفضتين).
(١٠) قوله: (أجود، وبعضه مساو) يقابله في (ن ٥): (مساويا).
(١١) في (ن ٥): (مصريين).
(١٢) في (ن ٤): (لتحصيل).
[ ٣ / ٥١٢ ]
لعدم (١) ظهور غرض (٢) المكايسة وانحصار (٣) الفضل في جهة واحدة ومنعه سحنون (٤).
ابن عبد السلام: والأول (٥) أظهر.
قوله: (لا أَدْنَى وأَجْوَدُ) أي: فإنه لا يجوز، ومثاله أن يكون مع أحدهما درهمان إسكندري ومغربي، ومع الآخر درهمان مصريان، فالإسكندري أدناهما، والمغربي أعلاهما (٦)، والمصري متوسط بينهما، وإنما منع ذلك لكون صاحب المصريين إنما ترك جودة المصري الواحد بالنسبة إلى دناءة الإسكندري؛ نظرًا إلى جودة درهمه المغربي (٧) على جودة (٨) المصري، فقد دار الفضل من الجانبين.
قوله: (وَالأَكْثَرُ عَلَى تَأوِيلِ السِّكَّةِ وَالصِّيَاغَةِ كَالجْوْدَةِ) لما ذكر أن الفضل يدور مع الجودة، ذكر أن السكة والصياغة يتنزلان منزلة الجودة، فيدور الفضل معهما أو مع أحدهما كالجودة؛ لأن الغرض يتعلق بهما كما يتعلق (٩) بالجودة، وهو الظاهر.
وقال ابن القابسي وغيره (١٠): لا يعتبران، وأجازه (١١) ابن يونس.
قال ابن عبد السلام: وهو مذهب (١٢) المدونة على ما فهمه الأكثرون، ومنهم من تأولها على الأول (١٣)، فجعل الأكثر على غير ما قال الشيخ هنا، وقيل: تعتبر الصياغة
_________________
(١) في (ن ٥): (بعد).
(٢) في (ن ٤) و(ن ٥): (عرض).
(٣) في (ن ٤): (والحصار).
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٤٧، وعقد الجواهر: ٢/ ٦٥١.
(٥) في (ن) و(ن ٥): (وهو).
(٦) في (ن): (أعلى).
(٧) قوله: (جودة درهمه المغربي) يقابله في (ن): (جودة درهم الآخر المغربي).
(٨) في (ن ٥): (جوهري).
(٩) قوله: (بهما كما يتعلق) ساقط من (ن ٤).
(١٠) قوله: (وغيره) ساقط من (ن ٤).
(١١) في (ن): (واختاره).
(١٢) في (ن ٥): (ظاهر).
(١٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٩٧.
[ ٣ / ٥١٣ ]
دون السِّكَّة.
ابن عبد السلام: والأقرب عندهم (١) اعتبارهما، ومن الأشياخ من ذهب إلى أن الخلاف المذكور إنما هو مع اتحاد الغرضين (٢)، وأما إذا اختلفا، أي: اختلاف الأغراض (٣) فيتفق على اعتبارهما إلحاقًا لهما بالجودة (٤).
قوله: (وَمَغْشُوشٌ بِمِثْلِهِ) أي: وكذا يجوز بيع (٥) المغشوش بمثله مراطلة.
ابن عبد السلام: ولعله مع تساوي الغش، وأما مع اختلافه فقرينة الحال تدل على أنهما أراد المزابنة (٦)، وحكى في البيان عن شيخه (٧) ابن رزق (٨) منع ذلك (٩)، ولم يرتضه (١٠).
قوله: (وَبِخَالِصٍ، وَالأَظْهَرُ خِلافُهُ لِمَنْ يَكْسِرُهُ أَوْ لا يَغِشُّ بِهِ) أي: وكذلك تجوز مراطلة المغشوش لمن يكسره أو لا يغش به أحدًا بالخالص، وحكى في ذلك صاحب البيان (١١) قولين، ثم (١٢) قال: والصحيح عدم الجواز (١٣)، وإليه أشار
_________________
(١) في (ن) و(ن ٥): (عندي).
(٢) في (ن) و(ن ٥): (العوضين).
(٣) قوله: (أي: اختلاف الأغراض) يقابله في (ن) و(ن ٥): (حتى يقوى اختلاف الغرض فيهما).
(٤) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٩٨.
(٥) قوله: (بيع) ساقط من (ن).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٩٣.
(٧) في (ن ٤): (سحنون)، وفي حاشية (ن ٥): (نسخة).
(٨) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (ابن زرقون).
(٩) في (ن ٤): (قال المنع).
(١٠) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ١٦ و٢٠ و٣٠، ونصه: (وقد كان شيخنا أبو جعفر بن رزق ﵀ يقول: لا تجوز مراطلة الذهب العبادية بالذهب العبادية، ولا النصفية بالنصفية، لأنها ذهب وفضة بذهب وفضة، أو ذهب ونحاس بذهب ونحاس. وذلك إغراق لا أقول به، بل أرى ذلك جائزا، لأن الفضة التي مع هذه كالفضة التي مع هذه، والنحاس التي مع هذه، كالنحاس التي مع هذه، فلا يُتْقَى في هذا ما يُتْقَى من ذهب وفضة منفصلين بذهب وفضة منفصلين، لأنه لم يكن يراطله الذهب بالذهب، لولا ما أضاف إليها من الفضة). وكذا في التوضيح: ٥/ ٢٩٣.
(١١) قوله: (في ذلك صاحب البيان) يقابله في (ن ٥): (في المغشوش في البيان).
(١٢) قوله: (ثم) ساقط من (ن).
(١٣) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ١٩ و٢٠.
[ ٣ / ٥١٤ ]
بقوله: (وَالأَظْهَرُ خِلافُهُ).
الشيخ: الأول هو الذي يؤخذ من كلام ابن القاسم في المدونة (١)، وكلام غيره.
(المتن)
وَكُرِهَ لِمَنْ لَا يُؤْمَنُ، وَفُسِخَ مِمَّنْ يَغِشُّ، إِلَّا أَنْ يَفُوتَ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ، أَوْ يَتَصَدَّقُ بِالْجَمِيعِ، أَوْ بِالزَّائِدِ عَلَى مَنْ لَا يَغِشُّ؟ أَقْوَالٌ. وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلَ صِفَةً. وَإِنْ حَلَّ الأَجَلُ بِأَقَلً صِفَةً وَقَدْرًا، لَا أَزَيَدَ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا، إلَّا كَرُجْحَانِ مِيزَانٍ أَوْ دَارَ الْفَضْلُ مِنَ الْجَانِبَينِ، وَثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنَ الْعَيْنِ كَذَلِكَ، وَجَازَ بِأَكْثَرَ، وَدَارَ الْفَضْلُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ بِسِكَّةٍ وَصِيَاغَةٍ وَجَوْدَةٍ وَإِنْ بَطَلَتْ فُلُوسٌ فَالْمِثْلُ. أَوْ عُدِمَتْ فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الاسْتِحْقَاقِ وَالْعَدَمِ، وَتُصُدِّقَ بِمَا غُشَّ وَلَوْ كَثُرَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاه كَذَلِكَ، إِلَّا الْعَالِمَ بِعَيْبِهِ كَبَلِّ الْخُمُرِ بِالنَّشَاء، وَسَبْكِ ذَهَبٍ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ، وَنَفْخِ اللَّحْمِ.
(الشرح)
قوله: (وَكُرِهَ لِمَنْ لا يُؤْمَنُ) أي: وكره بيع المغشوش لمن لا يؤمن أن يغش به، قال في البيان: كالصيارفة، قال: ولا يحل له أن يغش بها (٢) ولا أن يبيعها لمن يغش بها، ويجوز أن تباع ممن (٣) يكسرها أو ممن يعلم أنه لا يغش بها.
ابن رشد: باتفاق، وإن باعها (٤) ممن (٥) لا يعلم (٦) أنه يغش بها فليس عليه إلا الاستغفار، وإن باعها ممن يعلم أنه يغش بها وجب عليه (٧) أن يستردها (٨).
قوله: (وَفُسِخَ مِمَّنْ يَغِشُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ أَوْ يَتَصَدَّق بِالجْمِيعِ أَوْ بِالزَّائِدِ عَلَى مَنْ لا يَغِشُّ؟ أَقْوَالٌ)
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٤٥.
(٢) انظر: البيان والتحصيل: ٢٠/ ٧.
(٣) في (ن ٥): (لمن).
(٤) في (ن ٤): (باع).
(٥) قوله: (باع ممن) يقابله في (ن ٥): (وأباعها من)، وفي (ن): (لمن لا يعلم).
(٦) قوله: (لا يعلم) يقابله في (ن ٥): (يقابلها).
(٧) قوله: (عليه) ساقط من (ن) و(ن ٥).
(٨) في (ن ٣) و(ن ٥): (يسردها). وزاد في (ن): (وظاهر)، وانظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٢٠ و٢١.
[ ٣ / ٥١٥ ]
أي: وفسخ البيع إذا باع (١) المغشوش (٢) ممن يغش الناس، واختلف إذا فات فيما يجب عليه (٣) على ثلاثة أقوال.
قيل: يجب عليه أن يتصدق بجميع الثمن، وقيل: لا يجب عليه إلا بالزائد (٤) على قيمتها لو باعها ممن لا يغش بها (٥)، الثالث: ألا يتصدق إلا على جهة الاستحباب مراعاة للخلاف.
قوله: (وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلُ صِفَةً) يريد: أنه يجوز لمن عليه دَيْن من قرض أن يقضيه بمساوٍ لما في الذمة (٦) والأفضل (٧) صفة. ابن عبد السلام: ولا أعلم خلافًا في هذين القسمين، والأول منهما هو مقتضى ما دخل (٨) عليه، والثاني: من حسن (٩) القضاء الذي ندب إليه الشرع.
قوله: (وَإِنْ حَلَّ الأَجَلُ بِأَقَلَّ صِفَةً وَقَدْرًا) أي: وكذلك يجوز القضاء بالأقل صفة وقدرًا إذا حل الأجل، أو كان حالًا في الأصل؛ لأنه حسن اقتضاء (١٠)، فإن لم يحل الأجل امتنع لدخول ضع وتعجل، وفي ذلك خلاف سيأتي.
قوله: (لا أَزْيَدَ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا، إِلا كَرُجْحَانِ مِيزَانِ) أي: فإن قضاه بالأقل (١١) عددًا أو وزنًا امتنع إلا في الزيادة اليسيرة جدًّا كرجحان الميزان، وهو مذهب ابن القاسم.
_________________
(١) في (ن) و(ن ٥): (بيع).
(٢) زاد في (ن ٥): (بالخالص).
(٣) زاد في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (في التوبة بينه وبين ربه تعالى).
(٤) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (بزائد).
(٥) قوله: (ممن يغش بها) يقابله في (ن) و(ن ٥): (ممن لا يغش بها إن كان يزيد فيها شيئًا)، وفي (ن ٣): (ممن لا يغش بها) فقط.
(٦) في (ن ٣): (المدونة).
(٧) في (ن): (وبالأفضل).
(٨) في (ن) و(ن ٥): (دخلا).
(٩) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (جنس).
(١٠) قوله: (حسن اقتضاء) يقابله في (ن ٥): (من حسن الاقتضاء).
(١١) في (ن ٣): (بالأزيد)، وفي (ن ٥): (بالأزيد)، وقوله: (قضاه بالأقل) يقابله في (ن): (قضاءه بالأفضل).
[ ٣ / ٥١٦ ]
المازري: وهو ظاهر المذهب. وقال أشهب: تجوز (١) الزيادة اليسيرة (٢) مطلقًا، أي: من غير تقييد بحدٍّ (٣)، وعن ابن حبيب وابن دينار (٤) الجواز مطلقًا (٥)، ولو مع كثرة الزيادة (٦).
قوله: (أَوْ دَارَ الفَضْلُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ) أي: وكذا يمتنع القضاء مع دوران الفضل من الجانبين، وسواء حل الأجل أم لا (٧)، كما لو اقتضى عشرة (٨) محمدية من (٩) عشرة يزيدية، لأنه ترك فضل العدد لفضل المحمدية.
قوله: (وَثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنَ الْعَيْنِ كَذَلِكَ) هذا قول (١٠) ابن شاس، فإن كان العين (١١) في الذمة من بيع فهو كالقرض، إلا في قضاء الأكثر مقدارًا؛ فإنه جائز مطلقًا (١٢) ونحوه لابن بشير (١٣)، ولهذا قال هنا (وَجَازَ بِأَكْثَرَ) أي مقدارًا، كما إذا باع سلعة بعشرة فإنه يجوز له أن يأخذ في ثمنها خمسة عشر فأكثر؛ لأنه حسن قضاء.
قوله: (وَدَارَ الْفَضْلُ مِنَ الجْانِبَيْنِ بِسِكَّةٍ وَصِيَاغَةٍ وجودةٍ) أي قد سبق أن الجودة يدور معها الفضل، فلا يقتضي عشرة وازنة رديئة عن عشرة ناقصة جيدة، ولا العكس لدوران الفضل، وهكذا يدور الفضل مع السكة والصياغة فلا يقتضي عشرة تبرًا طيبة
_________________
(١) قوله: (الزيادة اليسيرة جدا كرجحان الميزان، وهو مذهب ابن القاسم. المازري: وهو ظاهر المذهب. وقال أشهب: تجوز) ساقط من (ن ٣) و(ن ٤).
(٢) قوله: (جدًّا كرجحان. . . تجوز الزيادة اليسيرة) ساقط من (ن).
(٣) قوله: (بحد) ساقط من (ن).
(٤) قوله: (وعن ابن حبيب وابن دينار) يقابله في (ن): (وحكى ابن دينار وابن حبيب).
(٥) قوله: (مطلقا) ساقط من (ن ٥).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٥/ ٣٦٦، والتوضيح: ٥/ ٣٠١.
(٧) قوله: (أم لا) يقابله في (ن): (أو لم يحل).
(٨) في (ن ٣) و(ن ٥): (تسعة)، وفي (ن): (سبعة).
(٩) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٥): (عن).
(١٠) في (ن): (كقول).
(١١) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (البيع).
(١٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٥٣.
(١٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٠٣.
[ ٣ / ٥١٧ ]
عن (١) عشرة ممسكوكة رديئة ولا العكس، ولا عشر رديئة مصوغة عن عشرة طيبة غير مصوغة، ولا العكس، ولا خلاف فيه هنا بخلاف المراطلة، فإنه اختلف فيها هل السكة والصياغة كالجودة أم لا على ما تقدم، وخرج اللخمي الخلاف هنا (٢) من المراطلة (٣).
قوله: (وَإِنْ بَطَلَتْ فُلُوسٌ فَالمثْلُ) أي: لو باعه فلوسًا أو أسلفها له ثم انقطع التعامل بها فإنما يجب عليه مثلها، وهو المشهور؛ لأنها من المثليات، وقيل: تلزمه القيمة، أي: قيمة الفلوس وهو قول عبد الحميد. ابن عبد السلام: ولا أدري كيف يتصور القضاء بالقيمة مع وجودها، إلا أن يريد بقيمتها يوم تعلقت بالذمة لا مع حلول الأجل، وحكى بعضهم عن كتاب ابن سحنون (٤) أنه يتبعه بقيمة السلعة (٥).
قوله: (أو عُدِمَتْ فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِماعِ الاسْتِحْقَاقِ وَالْعَدَمِ) أي: وإن عدمت الفلوس بالكلية ولم توجد، فإن الواجب قيمتها يوم حلول الأجل إن كان للعدم يومئذ أو قبل ذلك ثم حل الأجل، وهو مراده بقوله: (وقت اجتماع الاستحقاق والعدم)، وحاصله أنهما لا يجمعان (٦) إلا بحصول الأخير (٧) منهما، فإن كان الاستحقاق أولًا فليس له القيمة إلا يوم العدم، وإن كان العدم أولًا فليس له القيمة إلا يوم الاستحقاق، فإن تأخر طلبها بعد حلول الأجل بشهر مثلًا فعدمت في نصف ذلك (٨) الشهر، فإن قيمتها تجب وإنصف ذلك الشهر لا في أوله، ولا (٩) حين حلول الأجل، ولا في آخره، وهو يوم التحاكم خلافًا لبعضهم.
قوله: (وَتُصُدِّقَ بِمَا غُشَّ وَلَوْ كَثُرَ، إِلا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاه كَذَلِكَ، إِلا الْعَالم بِعَيْبِهِ كَبَلِّ
_________________
(١) في (ن): (من)
(٢) قوله: (هنا) ساقط من (ن ٥).
(٣) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٢٨٥٣، وما بعدها.
(٤) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (سحنون).
(٥) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٠٥.
(٦) في (ن): (وحاصلهما أنهما لا يجتمعان).
(٧) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (الآخر).
(٨) قوله: (ذلك) ساقط من (ن).
(٩) في (ن) و(ن ٥): (وهو).
[ ٣ / ٥١٨ ]
الْخُمُرِ بالنَّشَا، وَسَبْكِ ذَهَبٍ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ، وَنَفْخِ اللَّحْمِ) يريد: أن من فعل شيئًا ليغش (١) الناس به كبل الخمر بالنشاء، وسبك الرديء مع الجيد من الذهب والفضة، ونفخ اللحم بعد سلخه، وكذلك (٢) جعل الماء في اللبن، فإنه يؤخذ ويتصدق به أدبًا لصاحبه؛ لئلا يعود إلى مثل ذلك، وقد روي عن عمر فت أنه طرح في الأرض لبنًا غش به (٣) أدبًا لصاحبه، ولا فرق فيذلك بين القليل والكثير إلا أن يكون صاحبه اشتراه على تلك الحالة، فإنه لا يتلف عليه ولا يتصدق به، ولكن لا يمكن من (٤) بيعه، هذا إذا اشتراه غير عالم أو عالمًا ولم يشتره للبيع، وأما من (٥) اشتراه لذلك (٦) وهو عالم بغشه فكالأول والله أعلم (٧).
فصل [الربا في المطعومات]
(المتن)
فَصْلٌ عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا: اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ، وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ؟ تَأوِيلَانِ، كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ، وَسُلْتٍ، وَهِيَ جِنْسٌ، وَعَلَسٍ، وَأُرْزٍ، وَعَلَسٍ وَدُخْنٍ، وَذُرَةٍ، وَهِيَ أَجْنَاسٌ، وَقُطْنِيَّةٍ، وَمِنْهَا كِرْسِنَّةٌ، وَهِيَ أَجْنَاسٌ. وَتَمْرٍ، وَزَبِيب، وَلَحْمِ طَيْرٍ، وَهُوَ جِنْسٌ. وَلَوِ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ، كَدَوَابِّ الْمَاءِ، وَذَوَاتِ الأرْبِعِ، وَإنْ وَحْشِيًّا، وَالْجَرَادِ. وَفِي رِبَوِيَّتهِ خِلَافٌ. وَفِي جِنْسِيَّةِ الْمَطْبُوخِ مِنْ جِنْسَيْنِ قَوْلَانِ.
(الشرح)
(عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ. وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ؟ تَأْوِيلانِ) اختلف في علة الربا في الطعام على ستة أقوال:
الأول: أنه لاقتيات (٨)، والادخار بعض المتأخرين: وهو المعول (٩) عليه في
_________________
(١) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (يغش).
(٢) قوله: (كذلك) ساقط من (ن).
(٣) قوله: (غش به) يقابله في (ن): (مغشوشًا).
(٤) قوله: (من) ساقط من (ن ٤).
(٥) في (ن): (إن).
(٦) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (بذلك).
(٧) قوله: (والله أعلم) زيادة من (ن).
(٨) في (ن): (الاقتيات).
(٩) في (ن ٥): (المعمول).
[ ٣ / ٥١٩ ]
المذهب، وقيل: هو مذهب الأكثر، وتأول ابن رشد المدونة عليه، وإليه أشار بقوله (عِلبَّةُ طَعَامِ الرِّبَا اقْتِيَات وَادِّخَار) وأشار بقوله (وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ؟) إلى القول الثاني: وهو قول ابن القصار (١) وعبد الوهاب أنه الاقتيات والادخار، وكونه للعيش غالبًا (٢)، وتأول أبو جعفر المدونة عليه، ولهذا قال: (تأويلان).
وقال ابن نافع: هو الادخار فقط (٣)، وفي المدونة ما يدل عليه، وعن مالك أنه غلبة (٤) الادخار، وعن أبي بكر (٥) والقاضي إسماعيل أنه الاقتيات فقط، وقيل (٦): هو (٧) الاقتيات والادخار أو (٨) التفكه. والادخار ابن عبد السلام: وأكثر مسائلهم (٩) وأقوالهم جارية (١٠) على هذا القول (١١)، انظر الكبير.
قوله: (كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ، وَسُلْتٍ، وَهِيَ جِنْسٌ؟ وَأُرْزٍ، وَعَلَسٍ وَدُخْنٍ، وَذُرَةٍ، وَهِيَ أَجْنَاسٌ، وَقُطنِيَّةِ، وَمِنْهَا كِرْسِنَّةٌ، وَهِيَ أَجْنَاسٌ. وَتَمْرٍ وَزَبيبٍ، وَلَحْمِ طَيْرٍ، وَهُوَ جِنْسٌ) لما كانت الجنسية معتبرة في تحريم الفضل، وإن اختلف الجنس يباح التفاضل (١٢)، احتاج إلى بيان معرفة ذلك كما قال (١٣)، فنبه على أن أصناف الحنطة كلها جنس واحد لا يجوز التفاضل فيها، وكذلك الشعير والسلت، وهما مع الحنطة جنس واحد على المشهور، وقيل: القمح والشعير جنسان.
_________________
(١) قوله: (ابن القصار) يقابله في (ن ٥): (ابن القاسم).
(٢) انظر: الإشراف على مسائل الخلاف: ٢/ ٥٣١.
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٠٩.
(٤) في (ن) و(ن ٤): (علة).
(٥) في (ن): (ابن بكير).
(٦) قوله: (وقيل هو) يقابله في (ن ٣): (والصحيح الأول وهو).
(٧) قوله: (الاقتيات فقط، وقيل: هو) ساقط من (ن).
(٨) في (ن ٣) و(ن ٤): (و).
(٩) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (مسألتهم).
(١٠) قوله: (جارية) ساقط من (ن).
(١١) انظر: التوضيح: ٥/ ٣١٠.
(١٢) قوله: (وإن اختلف الجنس يباح التفاضل) يقابله في (ن): (وأن اختلاف الأجناس يبيح التفاضل).
(١٣) قوله: (كما قال) يقابله في (ن): (بما ذكر فيه).
[ ٣ / ٥٢٠ ]
قال عياض (١) في المشارق: والسلت حب بين القمح والشعير (٢) لا قشر له، واختلف في العلس هل يلحق بالثلاثة، وهو قول المدنيين أو لا؟ وهو المشهور، وبه قال المصريون والمشهور أن الأرز والدخن والذرة أجناس، وعن ابن وهب أنها جنس واحد (٣)، وأما القطاني فروى ابن القاسم أنها أجناس (٤)، وروى ابن وهب أنها جنس واحد (٥)، وقيل: إن (٦) الحمص واللوبيا جنس، والبسيلة والجلبان جنس، وروى أشهب أن الحمص والعدس جنس وسائر القطاني أجناس (٧)، وأشار بقوله (وَمِنْهَا كِرْسِنَّةٌ) إلى قول مالك في العتبية: أن الكرسنة من القطاني (٨).
قال ابن حبيب: هي صنف على حدة (٩)، ولا خلاف أن أصناف التمر (١٠) كلها جنس، وكذلك أصناف الزبيب، وهما جنسان، ولحوم الطير كلها جنس، وحشيها وإنسيها لتقارب منافعها.
قوله: (وَلَوِ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ) يريد به (١١): أن اختلاف الأمراق، لا تخرجه عن اتحاد الجنسية وهو المشهور، وقال اللخمي: القياس جواز التفاضل لتباين الأغراض (١٢).
قوله: (كَدَوَابِّ الْمَاءِ وَذَوَاتِ الأَرْبَعِ، وَإِنْ وَحْشيًا) يريد: أن دواب الماء جنس واحد، وكذلك لحم ذوات الأربع جنس، وحشيًا كان أو إنسيًا، ولا خلاف في ذلك، واختلف في الجراد هل هو جنس مفرد؟ وهو الظاهر كما قال هنا، أو هو ملحق بالطير، وهذا إذا
_________________
(١) قوله: (عياض) ساقط من (ن).
(٢) زاد في (ن): (الذي).
(٣) قوله: (واحد) ساقط من (ن).
(٤) تهذيب المدونة: ٤/ ٣٠.
(٥) قوله: (واحد) زيادة من (ن).
(٦) قوله: (إن) زيادة من (ن).
(٧) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٢١.
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٣٤١.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٩.
(١٠) في (ن): (الثمر).
(١١) قوله: (به) ساقط من (ن).
(١٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٣١٢٩.
[ ٣ / ٥٢١ ]
قلنا بربويته.
قال سند: وهو ظاهر المذهب، واختاره اللخمي (١)، وقال المازري: المعروف من المذهب أنه ليس بربوي خلافًا لسحنون (٢)، وإلى هذا أشار بقوله (وَالجْرَادِ وَفي رِبَوِيَّتِهِ خِلافٌ).
قوله: (وَفِي جِنْسِيَّةِ الْمَطْبُوخِ مِنْ جنسَين قَوْلانِ) يريد: أنه إذا (٣) اختلف في لحم الجنسين إذا طبخ هل يصير جنسًا واحدًا أو يبقى على حاله، قولان.
قال في الجواهر: والمذهب الأول على أن الأمراق واللحوم المطبوخة صنف ولا يلتفت إلى اختلاف اللحم ولا إلى اختلاف ما يطبخ به (٤)، وتعقبه بعض المتأخرين، ورأى (٥) أن الزريباج مخالف للطباهجة مخالفة بينة (٦) لا يتمارى فيها، ورأى أن الطبخ لا يخرجه عن الجنسية (٧) وكذلك ما يعمل من لحم الطير مخالف لما يعمل من لحم الغنم مثلًا، وأشار إلى جريان الخلاف في ذلك (٨).
(المتن)
وَالْمَرَقُ وَالْعَظْمُ، وَالْجِلْدُ كَهُوَ. وَيُسْتَثْنَى قِشْرُ بَيْضِ النَّعَامِ، وَذُو زيتٍ كَفُجْلٍ وَالزُّيُوتُ أَصْنَافٌ، كَالْعُسُولِ، لَا الْخُلُولِ، وَالأَنْبِذَةِ، وَالأَخْبَازِ، وَلَوْ بَعْضُهَا قُطْنِيَّةً إِلَّا الْكَعْكَ بِأَبْزَارٍ، وَبَيْضٍ، وَسُكَّرٍ، وَعَسَلٍ، وَمُطْلَقِ لَبَنٍ، وَحُلْبَةٍ وَهَلْ إِنِ اخْضَرَّتْ؛ تَرَدُّدٌ. وَمُصْلِحُهُ كَمِلْحٍ، وَبَصَلٍ، وَثُوِمٍ، وَتَابِلٍ: كَفُلْفُلٍ، وِكُزْبَرَةٍ، وَكَرَاوِيَا، وَآنِيسُونٍ، وَشَمَّارٍ، وَكَمُّونَيْنِ - وَهِيَ أَجْنَاسٌ - لَا خَرْدَلٍ، وَزَعْفَرَانٍ، وَخُضَرٍ، وَدَوَاءٍ، وَتِينٍ، وَمَوْزٍ، وَفَاكِهَةٍ وَلَوِ ادُّخِرَتْ بِقُطْرٍ، وَكبُنْدُقٍ، وَبَلَحٍ إِنْ صَغُرَ وَمَاءٍ.
(الشرح)
_________________
(١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٣١٠٨.
(٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٣١٢.
(٣) ساقط من (ن ٣) و(ن ٥).
(٤) قوله: (والمذهب الأول. . . يطبخ به) ساقط من (ن ٤) و(ن ٥). وقوله: (على أن الأمراق واللحوم. . . ما يطبخ به) ساقط من (ن).
(٥) قوله: (ورأى) زيادة من (ن).
(٦) قوله: (بينة) زيادة من (ن).
(٧) قوله: (ورأى أن الطبخ لا يخرجه عن الجنسية) زيادة من (ن) و(ن ٥).
(٨) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٣٣.
[ ٣ / ٥٢٢ ]
قوله: (وَالْمَرَقُ، وَالْعَظْمُ، وَالجِلْدُ كَهُوَ) يعني بذلك: أن المرق المطبوخ باللحم كاللحم، وكذلك الجلد والعظم.
قال سند: والعصب مثله (١)، قال: وكذلك إذا كانت مأكولة وإلا فلا، وأشار بقوله (ويُسْتَثْنَى قِشْرُ بَيْضِ النَّعَامِ) إلى قول ابن شاس، وإذا قلنا أن البيض ربوي وأجازنا بيعه (٢) بعضه ببعض تحريًا؛ فإنه يتحرى ما فيه (٣) أو (٤) يسقط قشره حتى (٥) لا يجوز بيعه إلا أن يستثنيه بائعه، لأنه سلعة مع ربوي فلا يجوز بيعه، وهي معه بصنف (٦)، وذكر في ذلك قولين (٧).
قوله: (وَذو زيتٍ كَفُجْلٍ، وَالزُّيُوتُ أَصْنَافٌ كَالْعُسُولِ) يريد: أن ما له زيت كحب الفجل والسلجم وبذر الكتان والجلجلان والقرطم ونحوها، والزيوت (٨) أصناف (٩) لا يمنع فيها التفاضل كالعسول المختلفة من القصب والنحل (١٠) والرطب ونحوها، وقاله اللخمي، نعم لا (١١) يباع النوع منها بنوعه متفاضلًا (١٢).
قوله: (لا الْخُلُولِ، وَالأَنْبِذَةِ) أي: فإن كان (١٣) كل نوع منهما (١٤) جنس على حدة، وما ذكره في الخلول هو المعروف من الذهب اتحاد المنفعة (١٥)، وكذلك هو المشهور في
_________________
(١) قوله: (مثله) ساقط من (ن).
(٢) قوله: (وأجازنا بيعه) يقابله في (ن): (وأجزنا بيع).
(٣) قوله: (ما فيه) زيادة من (ن).
(٤) في (ن): (و).
(٥) في (ن ٥): (و).
(٦) قوله: (وهي معه بصنف) يقابله في (ن): (وهو معه فمنعه).
(٧) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٦٠.
(٨) فيأ ن ٣) و(ن ٤): (الزيتون).
(٩) قوله: (أصناف) زيادة من (ن).
(١٠) في (ن): (والنخل).
(١١) قوله: (لا) ساقط من (ن ٤).
(١٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٣١١٨.
(١٣) قوله: (فإن كل) يقابله في (ن ٥): (فإن كان كل)، وفي (ن): (فليس كل).
(١٤) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (منها).
(١٥) قوله: (اتحاد المنفعة) زيادة من (ن).
[ ٣ / ٥٢٣ ]
الأنبذة على ما نقله (١) المازري، ونقل هو (٢) والباجي (٣) واللخمي عن أبي الفرج أنه أصناف (٤).
قوله: (وَالأَخْبَازِ، وَلَوْ بَعْضُهَا قُطْنِيَّةً) يعني: أنها صنف واحد، وهو المشهور (٥)، وقاله ابن رشد و(٦) عن البرقي (٧) أن خبز القطاني صنف، وخبز غيرها صنف (٨)، ونسب لابن القاسم وأشهب (٩).
قوله: (إلَّا الْكَعْكَ بِأَبْزَارٍ) أي: فإنه صنف على حدة يجوز بيعه بغيره من الأخباز متفاضل وهو المذهب، ومفهومه أن ما ليس فيه أبزار؛ يكون مع الخبز جنسًا واحدًا وألحق اللخمي بالأبزار الدُّهن (١٠).
قوله: (وَبَيْضٍ، وَسُكَرٍ، وَعَسَلٍ) هو معطوف على قوله (كحب) وما بعده والمشهور أن البيض ربوي، وعن ابن شعبان جواز التفاضل فيه، وذكر المتيطي القولين روايتين (١١)، ونص في المدونة على أن السكر ربوي (١٢)، والأقرب في العسل أنه يلحق به الإدام (١٣) فيكون ربويًا.
قوله: (وَمُطْلَقِ لَبَنٍ) يريد أن (١٤) اللبن ربوي مطلقًا سواء كان لبن بقر أو إبل أو غنم
_________________
(١) في (ن ٥): (قاله).
(٢) قوله: (هو و) ساقط من (ن ٣).
(٣) انظر: المنتقى: ٣/ ٢٦٧.
(٤) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٢٥، التبصرة، للخمي، ص: ٣١١٩.
(٥) قوله: (وهو المشهور) ساقط من (ن ٥).
(٦) قوله: (و) ساقط من (ن ٤).
(٧) في (ن): (التونسي).
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ١٩٢.
(٩) تهذيب المدونة: ٤/ ٨٠.
(١٠) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٣١٢٤.
(١١) انظر: التوضيح: ٥/ ٣١٤.
(١٢) قوله: (وعن ابن شعبان. . . ربوي) ساقط من (ن ٥). وانظر: المدونة: ٣/ ١٥٧.
(١٣) قوله: (يلحق به الإدام) يقابله في (ن): (ملحق بالإدام).
(١٤) قوله: (أن) ساقط من (ن).
[ ٣ / ٥٢٤ ]
أو نحوه (١)، كان مضروبًا أو غير مضروب، وهذا هو المعروف من المذهب، واختار (٢) اللخمي التفاضل بين المخيض (٣) والمضروب (٤).
قوله: (وَحُلْبَةٍ وَهَلْ إِنِ اخْضَرَّتْ؟ تَرَدُّدٌ) اختلف في الحلبة هل هي طعام؟، وهو مذهب ابن القاسم في الموازية (٥) أو دواء، وهو قول ابن حبيب أو الخضراء طعام، واليابسة دواء، وهو قول أصبغ (٦)، وجعله بعض المتأخرين تفسير القولين، وأن المذهب على قول واحد، وإلى هذا أشار بقوده (ترَدُّدٌ) ولكن إطلاق الخلاف كما علمت إنما هو في كونها طعامًا أو دواء، لا في كونها ربوية كما يتوهم من كلامه.
قوله: (وَمُصْلِحُهُ كَمِلْحٍ، وَبَصَلٍ، وَثُومٍ وَتَابِلٍ كَفُلْفُلٍ، وَكُزْبَرَةٍ، وَكَرَاوِيَا، وَأنِيسُونٍ، وَشَمارٍ، وَكَمُّونَيْنِ وهي أجناس)، هذا معطوف على قوله (كحب) والمعنى أن الربا يدخل (٧) أيضًا فيما هو مصلح للمدخر المقتات كالملح، وما ذكر معه ولا خلاف في ربوية الثوم والبصل، وهما جنسان عند مالك (٨)، ولم أر في الملح خلافًا أيضًا، وهو جنس آخر.
المازري: اختلف في التوابل، هل هي ربوية أم لا؟، وعن ابن القاسم أن الشمار والأنسون من الطعام، ونحا (٩) أصبغ ومحمد إلى أنهما مع الكمونين دواء، والمشهور أنهما أجناس كما قال (١٠).
قوله: (لا خَرْدَلٍ، وَزَعْفَرَانٍ، وَخُضَرٍ وَدَوَاءٍ، وَتينٍ، وَمَوزٍ، وَفَاكِهَةٍ) أي: فلا
_________________
(١) قوله: (أو نحوه) زيادة من (ن).
(٢) في (ن ٥): (أجاز).
(٣) في (ن): (الممخوض).
(٤) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٣١١٦.
(٥) في (ن): (المدونة).
(٦) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٢٣٧، والذخيرة: ٥/ ١٤٣، والتوضيح: ٥/ ٣١٥.
(٧) في (ن): (يحصل).
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٣١٥.
(٩) في (ن): (وذهب).
(١٠) انظر: التوضيح: ٥/ ٣١٤.
[ ٣ / ٥٢٥ ]
يدخلها الربا، فظاهر كلام ابن الحاجب أن الخردل ربوي بلا خلاف (١)، وذكر صاحب التلقين فيه خلافًا.
الشيخ: والأظهر (٢) أن التين ربوي؛ وعليه فكان ينبغي أن يذكرها (٣) مع الخردل في قسم الربويات، ولا خلاف في الزعفران أنه غير ربوي، والمراد بالخضر الخس والهُندباء والقضب (٤) ونحو ذلك، ولا ربا فيها، وكذلك الأدوية كالصبر والشاهرتج (٥) ونحوهما، ومذهب المدونة والموطأ جواز التفاضل في الفاكهة خلافًا لابن نافع، والمراد بالفاكهة الخوخ والرمان والكمثرى (٦) والإجاص والأترج والخضراء (٧) والبطيخ والقثاء (٨)، وحكى ابن بشير في جواز التفاضل فيها وعدمه خلافًا (٩).
قوله: (وَلَوِ ادُّخِرَتْ بِقُطْرٍ) أي: دون غيره، كالرمان والإجاص والخوخ، ومذهب ابن نافع أنها ربوية (١٠)، واختار (١١) مالك في الموطأ والمدونة التفاضل في الرمان، وهو المشهور، ومثله الخوخ (١٢).
قوله: (وَكَبُنْدُقٍ) أي: وهكذا البندق في عدم دخول الربا فيه، وكذا ما في معناه كالجوز واللوز والفستق ونحوهما مما يدخر ولا يقتات، وحكى ابن شاس فيها خلافًا، ثم (١٣) قال: فمن اعتبر مجرد الادخار أجرى (١٤) فيها
_________________
(١) انظر: الجامع بين الأمهات: ١/ ٥١١.
(٢) في (ن): (والأصح).
(٣) في (ن): (يذكره).
(٤) قوله: (والقضب) زيادة من (ن).
(٥) في (ن): (والشاهترج).
(٦) قوله: (والكمثرى) ساقط من (ن).
(٧) قوله: (والخضراء) زيادة من (ن).
(٨) انظر: المدونة: ٤/ ٢٦٩، والمنتقى: ٦/ ١٩١.
(٩) انظر: التوضيح: ٥/ ٢٣٩.
(١٠) انظر: المنتقى: ٦/ ١٩١، والتوضيح: ٥/ ٣١٣.
(١١) في (ن): (وأجاز).
(١٢) قوله: (ومثله الخوخ) ساقط من (ن ٥).
(١٣) قوله: (ثم) زيادة من (ن).
(١٤) في (ن): (لم يجرِ).
[ ٣ / ٥٢٦ ]
الربا (١)، ومن اعتبر ادخار الاقتيات لم يجره فيها (٢).
قوله (وَبَلَحٍ إِنْ صَغُرَ) مذهب المدونة أنه علف (٣)، والطَّلع كذلك، بل أجرى اللخمي الخلاف في البلح الصغير (٤)، وأجاز ابن القاسم البلح الصغير بالكبير، وبالبسر والرطب متفاضلًا يدًا بيد (٥)، وحكاه ابن يونس (٦) عن مالك في الصغير والكبير وفي كتاب القسم هو علف، واحترز بقوله (إِنْ صَغُرَ) من الكبير؛ فإنه لا يجوز فيه التفاضل على المشهور، وهو مذهب المدونة (٧)، وقال أبو إسحاق: وليس بربوي؛ لأنه لا يدخر فأشبه الخضر (٨). اللخمي (٩): وهو أحسن (١٠).
قوله (وَمَاءٍ) أي: وكذلك الماء لا يدخله الربا، وهو المعروف.
(المتن)
وَيَجُوزُ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ. وَالطَّحْنُ، والْعَجْنُ، وَالصَّلْقُ، إِلَّا التُّرْمُسَ. وَالنَّبِيذُ لَا يَنْقُلُ، بِخَلَافِ خَلِّهِ، وَطَبْخِ لَحْمٍ بِأبْزَارٍ، وَشَيِّهِ، وَتَجْفِيفِهِ بِهَا، وَالْخُبْزِ، وَقَلْيِ قَمْحٍ وَسَوِيقٍ وَسَمْنٍ. وَجَازَ تَمْرٌ وَلو قَدُمَ بِتَمْرٍ، وَحَلِيبٌ، وَرُطَبٌ، وَمَشْوِيٌّ، وَقَدِيدٌ، وَعَفِنٌ، وَزُبْدٌ وَسَمْنٌ، وَجُننٌ وَأَقِطٌ بِمِثْلِهَا، كَزَيْتُونٍ وَلَحْم، لَا رَطْبِهِمَا بِيَابِسهِمَا. وَمَبْلُولٍ بِمِثْلِهِ وَلَبَنٍ بِزُبْدٍ، إِلَّا أَنْ يُخْرَجَ زُبْدُهُ، وَاعْتُبِرَ الدَّقِيقُ فِي خُبْزٍ بِمِثْلِهِ: كَعَجِينٍ بِحِنْطَةٍ أَوْ دَقِيقٍ. وَجَازَ قَمْحٌ بِدَقِيقٍ، وَهَلْ إِنْ وُزِنَا؟ تَرَدُّدٌ.
(الشرح)
قوله (وَيَجُوزُ بِطَعَامٍ إلى أَجَلٍ) (١١) ويجوز فيه التفاضل، والمشهور جواز بيعه بالطعام
_________________
(١) قوله (الربا) زيادة من (ن).
(٢) قوله: (ادخار الاقتيات لم يجره فيها) يقابله في (ن): (الادخار والاقتيات جرى فيها الربا). وانظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٥٦.
(٣) انظر: المدونة (زايد): (١٠/ ٢٠).
(٤) قوله: (الخلاف في البلح الصغير) ساقط من (ن) و(ن ٥)، التبصرة، للخمي، ص: ٥٨٩٢.
(٥) في (ن ٥): (لا يدًا بيد)، وانظر: تهذيب المدونة: ٢/ ٨٩.
(٦) في (ن ٥): (ابن القاسم).
(٧) انظر: تهذيب المدونة: ٤/ ١٨٦.
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٣١٦.
(٩) قوله (اللخمي) زيادة من (ن).
(١٠) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٣١٠٧.
(١١) قوله: (قوله وَيَجُوزُ بِطَعَامٍ إلى أَجَلٍ) ساقط من (ن) و(ن ٥).
[ ٣ / ٥٢٧ ]
إلى أجل كما قال، ويجوز بطعام لأجل (١) خلافًا لابن نافع، وخرج عبد الوهاب على قوله هذا منع (٢) التفاضل فيه (٣).
قوله: (وَالطَّحْنُ، وَالْعَجْنُ، وَالصَّلْقُ إِلا التُرْمُسَ، وَالنَّبِيذُ لا يَنْقُلُ) يريد: أن الطحن وتاليه (٤) لا ينقل (٥) الشيء عن أصله، والمذهب في الأولين ما ذكر، وعن المغيرة أن الطحن ينقل (٦).
وقال في الجواهر: اتفق المذهب على (٧) أن الطحن لا يخرج عن الأصل، وكذلك العجن (٨) بعد الطحن. قال: واختلف المتأخرون في الصلق على قولين هل ينقل أم لا؟، وإنما استثنى الترمس لطول أمده (٩) في ذلك (١٠)، واختاره بعض المتأخرين، وجعل (١١) بعضهم فيه وفي غيره ثلاثة أقوال يفرق في الثالث بين الترمس فينقل، وبين غيره فلا ينقل، والنبيذ (١٢) لا ينقل (١٣) عن أصله، وهو مذهب المدونة، وفيها (١٤) سألت مالكًا عن النبيذ بالتمر (١٥)، فقال: لا يصلح، والعصير مثله.
قوله: (بِخِلافِ خَلِّهِ) أي: فإنه ينقل، والضمير فيه فإنه (١٦) عائد على ما هو أصل
_________________
(١) قوله: (ويجوز بطعام لأجل) زيادة من (ن).
(٢) في (ن ٤) و(ن ٥): (مع).
(٣) قوله: (فيه) زيادة من (ن). وانظر: المعونة: ٢/ ١٣.
(٤) في (ن): (وتالييه).
(٥) في (ن): (تنقل).
(٦) قوله: (ينقل) ساقط من (ن ٣).
(٧) قوله: (اتفق المذهب على) زيادة من (ن).
(٨) قوله: (العجن) ساقط من (ن ٤).
(٩) في (ن): (أمره).
(١٠) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٦٨.
(١١) في (ن): (ونقل).
(١٢) في (ن): (والتنبيذ).
(١٣) في (ن): (ينقل).
(١٤) في (ن): (وفيه).
(١٥) في (ن ٥): (بأصله)، وفي (ن ٣) و(ن ٤): (بالثمر).
(١٦) قوله: (فإنه) زيادة من (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥).
[ ٣ / ٥٢٨ ]
النبيذ، وهو العنب والتمر، والزبيب والمعنى أن الخل يصمير جنسًا مغايرًا لذلك.
ابن شاس: المشهور أنه ناقل، وقيل: لا نظر إلى قلة الصنعة (١)، وعزاه الباجي للمغيرة، وعن ابن الماجشون الجواز في اليسير دون الكثير (٢).
قوله: (وَطَبْخِ لَحْمٍ بِأَبْزَارٍ) يريد: أن اللحم إذا طبخ بأبزار ينقل عن أصله، ويجوز التفاضل فيه بينه وبين الطبري، فإن طبخ بالماء وحده أو بالماء والملح، فلا ينتقل قاله اللخمي والمازري (٣).
قوله: (وَشَيِّهِ، وَتَجْفِيفِهِ بِهَا) أي: بالأبزار والمعنى أن في اللحم وتجفيفه بالأبزار (٤).
قال (٥) ابن شاس: وسواء كان بالشمس أو بالنار فإن كان التجفيف (٦) مجردًا بغير أبزار (٧) لم ينقل (٨).
قوله: (وَالْخُبْزِ) أي: وكذلك الخبز ينقل عن العجين، وهو ظاهر، ابن عبد السلام: والمشهور أن قلي القمح وغيره (٩) من الحبوب ناقل، لأنه يزيل المعنى المقصود من الأصل غالبًا.
الشيخ: وإذا كان مجرد القلي ناقلًا فمن باب الأولى السويق (١٠)، وإليه أشار بقوله (وَقَلْيِ قَمْحٍ وَسَوِيقٍ) وقد تقدم الكلام على مسألة اللبن، وأن السمن يصير جنسًا مغايرًا له، وإليه أَشار بقوله (وَسَمْنٍ).
قوله (وَجَازَ تَمْرٌ ولَوْ قَدُمَ بِتَمْرٍ) أي: لا إشكال في جواز (١١) بيع التمر بالتمر
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٦٩.
(٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٢٥.
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٢٦، التبصرة، للخمي، ص: ٣١٢٩.
(٤) في (ن): (بالأبازير).
(٥) في (ن) و(ن ٥): (ناقل).
(٦) قوله: (التجفيف) زيادة من (ن).
(٧) في (ن): (أبازير).
(٨) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٦٨.
(٩) في (ن): (ونحوه).
(١٠) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٢٧.
(١١) قوله: (جواز) زيادة من (ن).
[ ٣ / ٥٢٩ ]
القديمين أو الجديدين، واختلف في (١) القديم بالجديد هل يجوز؟ وهو قول مالك في الموازية أو يمنع وهو قول عبد الملك (٢)، اللخمي: وهو أحسن (٣).
قوله: (وَحَلِيبٌ، وَرُطَبٌ، وَمَشْوِيٌّ وَقَدِيدٌ، وَعَفِنٌ، وَزُبْدٌ وَسَمْنٌ وَجُبْنٌ وَأَقِطٌ بمِثْلِهَا) يريد أن كل واحد من هذه الأجناس يباع بمثله، فأما الحليب بالحليب، فالمشهور وهو مذهب المدونة جوازه، وروى أبو الفرج منعه (٤)، والمشهور أيضًا جواز الرطب بالرطب خلافًا لعبد الملك، ومنع ابن حبيب المشوي بالمشوي، والقديد بالقديد (٥)، والمشهور جوازه، وأجاز في المدونة بدل (٦) العفن بالعفن إذا استويا في العفن (٧)، وأجاز سحنون العفن (٨) بغيره (٩).
ابن شاس: السمن بالسمن، والزبد بالزبد، والجبن بالجبن، وما تولد من اللبن يعني: كالأقط ونحوه، كل واحد منهما بصنفه جائز، ولا يجوز واحدًا (١٠) منهما بغير صنفه، لأنه من باب بيع (١١) الرطب باليابس (١٢)، وقال بعض المتأخرين، ويجوز بيع الزيتون الرطب منه بالرطب، وكذلك اللحم الرطب بالرطب، ولا يجوز رطبهما بيابسهما، وإلى هذا أشار بقوله: (كَزَيْتُونٍ وَلَحْمٍ، لا رَطْبِهِمَا بِيَابِسِهِمَا) وقيل: بالجواز، والقولان في المدونة (١٣). قوله: (وَمَبْلُولٍ بمثله) هو معطوف على قوله: (لا رَطْبِهِما
_________________
(١) قوله: (في) ساقط من (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥).
(٢) في (ن ٣): (ابن عبد الملك)، وفي (ن ٥): (ابن عبد الحكم). وانظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٩٦، والتوضيح: ٥/ ٣٢٨.
(٣) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٣١٠٦.
(٤) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٦٢.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٣.
(٦) قوله: (بدل) زيادة من (ن).
(٧) انظر: المدونة (زايد): ١٠/ ٦٦.
(٨) في (ن): (العفين).
(٩) انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ٤٣٩، والتوضيح: ٥/ ٣٢٩.
(١٠) في (ن): (واحد).
(١١) قوله: (بيع) ساقط من (ن).
(١٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٦٢.
(١٣) انظر: المدونة (زايد): ٦/ ٤٢٣.
[ ٣ / ٥٣٠ ]
بِيَابِسِهِمَا) أي: وكذلك لا يجوز بيع المبلول بالمبلول، وهو المشهور، وفي الجلاب (١) قول بالجواز بشرط تساوي (٢) البلل (٣)، سند ﵀: وهو قول ابن القاسم.
قوله: (وَلَبَنٍ بِزُبْدٍ إِلا أَنْ يُخْرَجَ زُبْدُهُ) قد (٤) تقدم أنه أجاز في المدونة بيع الزبد بلبن قد خرج زبده، ومفهومه أنه إذا لم يخرج زبده لا يجوز للمزابنة، وقد تقدم بيانه (٥).
قوله: (وَاعْتُبِرَ الدَّقِيقُ فِي خُبْزٍ بمِثْلِهِ كَعَجِينٍ بِحِنْطَةٍ ودَقِيقٍ) يريد: أنه إذا أجزنا بيع الخبز بالخبز تحريًا كما هو مذهب الموطأ والمدونة؛ فإن المعتبر فيهما مقدار ما فيهما من الدقيق (٦). الباجي: وهو قول جمهور أصحابنا، وقال في موضع آخر: هو ظاهر المذهب إذا كان من صنف واحد، وهو مراده هنا، وأما إذا كان أصلهما مختلفًا، فقال ابن رشد: لا خلاف أن المعتبر الوزن في خبزهما على مذهب (٧) من يرى أن الأخباز كلها صنف واحد (٨)، وقيل: المعتبر الوزن مطلقًا.
الباجي: وهو الذي ينبغي، وقيل: إن كان أصلها مما (٩) يجوز فيه التفاضل كقمح (١٠) وفول، فالمعتبر وزن (١١) الخبزين، وإلا فالمعتبر ما فيها من الدقيق كخبز القمح وخبز (١٢) الشعير (١٣).
قوله: (وَجَازَ قَمْحٌ بِدَقِيقٍ) هذا هو المشهور، ولمالك قول بالمنع لاختلاف (١٤)
_________________
(١) في (ن): (الجواهر).
(٢) في (ن): (التساوي في).
(٣) انظر: التفريع: ٢/ ٨٠.
(٤) قوله: (قد) زيادة من (ن).
(٥) انظر: المدونة، دار صادر: ٩/ ١٠٥.
(٦) انظر: تهذيب البراذعي: ٣/ ١٩.
(٧) قوله: (مذهب) زيادة من (ن).
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٨٧.
(٩) قوله: (مما) زيادة من (ن).
(١٠) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (كلحم).
(١١) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (فالمعتبرون).
(١٢) قوله: (خبز) زيادة من (ن).
(١٣) انظر: المنتقى: ٦/ ٣٢٥.
(١٤) في (ن ٤): (لا خلاف).
[ ٣ / ٥٣١ ]
ريعهما (١)، وعنه جوازه فيما قل على وجه المعروف بين الجيران والرفقاء (٢)، وقال ابن القصار: يجوز موازنة لا مكايلة (٣)، وعكسه غيره، ثم اختلف الأشياخ هل الأقوال على ظاهرها، أو هي راجعة إلى القول بالتفصيل بين الكيل والوزن (٤)، وإليه أشار بقوله (وَهَلْ إِنْ وُزِنَا؟ ترَدُّدٌ) أي: وهل الجواز مقيد (٥) بما إذا أوزنا (٦) أو مطلقًا- تردد.
(المتن)
وَاعْتُبِرَتِ الْمُمَاثَلَةُ بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ، وَإِلَّا فَبِالْعَادَةِ، فَإِنْ عَسُرَ الْوَزْنُ جَازَ التَّحَرِّي لا إِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَحَرِّيهِ لِكَثْرَتِهِ.
(الشرح)
قوله: (وَاعْتُبِرَتِ الْمُمَاثَلَةُ بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ) يريد: أن المساواة مطلوبة في الربوي (٧) إن حفظ (٨) عن الشرع- فيها شيء من كيل أو وزن تعين (٩) المصير إليه، فلا يباع القمح وزنًا، ولا الذهب والفضة كيلًا؛ لأنه يؤدي إلى التفاضل بين المكيلين (١٠) في الأول، وبين الموزونين (١١) في الثاني.
قوله: (وَإِلا فَبالْعَادَةِ) أي: وإن لم يحفظ عن الشرع في ذلك كيل ولا وزن؛ فإنه ينظر في ذلك إلى العادةَ العامة إن كانت في البلد (١٢)؛ كاللحم الذي يعتبر في كل بلد بالوزن، فإن اختلفت العوائد كالجوز والرمان والسمن واللبن (١٣)، فبعادة (١٤) محله.
_________________
(١) في (ن ٥): (زرعهما)، وانظر: المدونة، دار صادر: ٨/ ٤٣٩.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٧.
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٣١.
(٤) قوله: (إلى القول بالتفصيل بين الكيل والوزن) يقابله في (ن ٥): (إلى القول بين التفصيل وبين الكيل والوزن).
(٥) في (ن ٥): (يتقيد).
(٦) في (ن ٣) و(ن ٤): (وزنا).
(٧) قوله: (أن المساواة مطلوبة في الربوي) يقابله في (ن ٤): (أن المساواة المطلوبة الربوي).
(٨) في (ن ٤): (حفظت).
(٩) في (ن) و(ن ٥): (وجب).
(١٠) في (ن ٥): (الكيلين).
(١١) في (ن ٥): (الوزنين).
(١٢) في (ن ٥): (البلاد).
(١٣) قوله: (واللبن) زيادة من (ن).
(١٤) في (ن ٤): (فعادة).
[ ٣ / ٥٣٢ ]
قوله: (فَإِنْ عَسُرَ الْوَزْنُ جَازَ التَّحَرِّي لا إِنْ لمْ يُقْدَرْ عَلَى تَحَرِّيهِ لِكَثْرَتِهِ) (١) يعني: أن الموزونين (٢) إذا أريد تبادلهما وعسر الوزن، إما لعدم الموازين (٣) أو غيره، فإن ذلك يجوز تحريًا، وقيده ابن رشد بألا يكثر جدًّا حتى لا يستطيع تحريه، وظاهر كلامه اختصاص (٤) ذلك بالوزن دون الكيل (٥)، وعن بعض المتأخرين: يجوز ذلك مطلقًا. وروى ابن القصار أن ذلك لا يجوز، أي: مطلقًا؛ لأن التساوي مطلوب شرعًا، وهو مع ذلك غير متيقن (٦)، واستظهره الأشياخ، ولابن حبيب جواز التحري في اليسير دون الكثير، وحكى ابن رشد عن سحنون جوازه فيما يخشى فساده من الطعام (٧).
[البيوع المنهي عنها]
(المتن)
وَفَسَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، إِلَّا بِدَلِيل كَحَيَوَانٍ بِلَحْمِ جِنْسِهِ؛ إِنْ لَمْ يُطْبَخْ، أَوْ بِمَا لَا تَطُولُ حَيَاتُهُ، أَوْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ؛ إِلَّا اللَّحْمَ، أَوْ قَلَّتْ فَلَا يجوزان بِطَعَامٍ لِأَجَلٍ: كَخَصِيّ ضَأْنٍ، وَكَبَيْعِ الْغَرَرِ، كَبَيْعِهَا بِقِيمَتِهَا؛ أَوْ عَلَى حُكْمِهِ أَوْ حُكْمِ غَيْره، أَوْ رِضَاهُ أوْ تَوْلِيَتِكَ سِلْعَةً لَمْ يَذْكُرْهَا، أَوْ ثَمَنَهَا بِإِلْزَامٍ، وَكَمُلَامَسَةِ الثَّوْبِ أَوْ مُنَابَذَتِهِ، فَيَلْزَمُ. وَبَيْعِ حَصَاةِ وَهَلْ هُوَ بَيْعُ مُنْتَهَاهَا وَيَلْزَمُ بِوُقُوعِهَا، وَعَلَى مَا تَقَدم عَلَيْهِ بِلَا قَصْدٍ، أَوْ عَدَدِ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ؟ تَفْسِيرَاتٌ.
(الشرح)
قوله: (وَفَسَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، إِلا بِدَليلٍ) يريد: أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، هذا هو المشهور، و(٨) عن ابن مسلمة أن الفساد المختلف فيه بمعنى الصحيح.
_________________
(١) زاد في (ن ٥): (هكذا رأيته في النسخة التي بيدي: إن لم يقدر على تحريه لكثرته. ولعله تصحيف، وأصله: وإن عسر الوزن بعيار التحري إن لم يقدر على تحريه لكثرته).
(٢) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٥): (الموزونيين الربويين).
(٣) قوله: (لعدم الموازين) يقابله في (ن ٤): (العدم الوزنين)، وفي (ن ٣) و(ن ٥): (العدم الموازن).
(٤) في (ن ٤): (اختصار).
(٥) قوله: (بالوزن دون الكيل) يقابله في (ن): (بالموزون دون المكيل). وانظر: البيان والتحصيل: ٧/ ١٠١.
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٣٠.
(٧) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ١٠١.
(٨) قوله: (و) زيادة من (ن).
[ ٣ / ٥٣٣ ]
قوله: (إِلا بِدَليلٍ) أي: دليل منفصل يدل على أن بيعًا خاصًا (١) لا ينقض، ثم أخذ يذكر الأمور التي ورد النهي فيها، فقال: (كَحَيَوَانِ بِلَحْمِ جِنْسِهِ) والنهي الوارد فيه ما رواه سعيد بن المسيب أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الحيوان باللحم (٢) من جنسه (٣).
أبو الزناد: وكل من أدركت من الناس ينهى عن ذلك، إلا أن مالكًا حمل ذلك على الجنس الواحد للمزابنة كما قال هنا، وخصصه القاضيان بالحي الذي لا يراد إلا للذبح (٤)، وظاهر كلام أشهب جواز ذلك مطلقًا، فإن لم يتحد الجنس جاز عند مالك كبيع الخيل بلحم الغنم أو لحم الطير (٥) ونحو ذلك، وحكى اللخمي الجواز في الجنس الواحد إذا تبين الفضل (٦).
قوله (٧): (إِنْ لَمْ يُطْبَخْ) أي: فإن طبخ اللحم جاز بيعه بالحيوان، وهكذا نص عليه ابن القاسم (٨) في المدونة (٩)، وقال أشهب: يكره ذلك (١٠) للوقوف مع لفظ الحديث.
قوله: (أَوْ بِما لا تَطُولُ حَيَاتُهُ) هو معطوف على قوله (بِلَحْمِ جِنْسِهِ) يريد: أن الحيوان الذي لا تطول حياته لا يجوز بيعه بالحيوان من جنسه (١١)، وهو مروي عن (١٢) مالك، وبه أخذ ابن القاسم، وعن مالك أيضًا (١٣) جوازه، وبه أخذ أشهب (١٤).
_________________
(١) قوله: (بيعًا خاصًا) يقابله في (ن): (بيعها).
(٢) في (ن) و(ن ٥): (اللحم بالحيوان).
(٣) قوله: (من جنسه) ساقط من (ن) و(ن ٥).
(٤) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (الذبح). وانظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٦٩.
(٥) قوله: (كبيع الخيل بلحم الغنم أو لحم الطير) يقابله في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (كالخيل بلحم الغنم ولحم الطير).
(٦) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٣١١٢.
(٧) قوله: (قوله) ساقط من (ن ٤).
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٣٤.
(٩) في (ن ٥): (الموازية).
(١٠) قوله: (ذلك) زيادة من (ن).
(١١) قوله: (من جنسه) ساقط من (ن ٣).
(١٢) قوله: (مروي عن) يقابله في (ن): (قول).
(١٣) قوله: (أيضًا) زيادة من (ن).
(١٤) قوله: (وعن مالك أيضًا جوازه، وبه أخذ أشهب) ساقط من (ن ٤).
[ ٣ / ٥٣٤ ]
قوله: (أَوْ لا مَنْفَعَةَ فِيهِ إِلا اللَّحْمَ) الخلاف هنا كالخلاف فيما لا تطول حياته، والذي لا منفعة فيه إلا اللحم كالخصي من المعز.
قوله: (أَوْ قَلَّتْ)، أي: قلت (١) منفعته، يريد: كالخصي من الضأن، فإن المنفعة التي هي (٢) صوفه قليلة جدًّا بالنسبة إلى اللحم (٣)، ولهذا قال (فلا يجوزان بطعام لأجل كَخَصِيِّ ضَأْنٍ) وفهم من قوله: (أَوْ قَلَّتْ) أنها لو كثرت كما لو كانت أنثى ولها صوف ولبن يقصد منها الولادة -أنها يجوز بيعها بالحيوان من جنسها؛ إذ ليست كاللحم (٤).
قوله: (وَكَبَيْعِ الْغَرَرِ) وقد ثبت أنه - ﷺ - نهى عن بيع الغرر، وفي مسلم: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر، وقد أشار إلى أن الغرر يحصل في مسائل منها: أن ينعقد البيع في سلعة من غير ذكر ثمن معين (٥)، وإنما يقول أبيعها له بما يساوي عند أهل المعرفة من القيمة (٦)، لأنه بيع مجهول، وهو مراده بقوله: (كَبَيْعِهَا بِقِيمَتِهَا) ومنها البيع على حكمه أو حكم غيره.
اللخمي: وهو فاسد للجهل بما يحكم به من الثمن (٧)، وإليه أشار بقوله (أَوْ عَلَى حُكْمِهِ، أَوْ حُكْمِ غَيْرِهِ) والضمير في (حكمه) يحتمل أن يعود (٨) على البائع، ويكون المراد بـ (غير) (٩) المشتري، ويحتمل أن يعود على العاقد ليعم البائع والمشتري ويكون المراد بغير الأجنبي، وهو الظاهر.
ابن القاسم: وإذا قال: هي لك بما شئت، إن أعطاه ما يستحقه (١٠) وهو القيمة؛
_________________
(١) قوله: (قلت) زيادة من (ن).
(٢) في (ن): (في).
(٣) قوله: (بالنسبة إلى اللحم) يقابله في (ن) و(ن ٤): (فهو يشبه اللحم).
(٤) قوله: (وفهم من قوله. . . إذ ليست كاللحم) زيادة من (ن).
(٥) قوله: (أن ينعقد البيع في سلعة من غير ثمن معين) يقابله في (ن ٥): (أن البيع ينعقد على سلعة من غير ذكر ثمن معين)، وفي (ن): (أن يعقد البيع في سلعة من غير ذكر ثمن معين).
(٦) في (ن ٥): (الفضة).
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٢٧٧.
(٨) قوله: (يحتمل أن يعود) يقابله في (ن ٥): (يعود).
(٩) في (ن): (الغير).
(١٠) في (ن): (يسخطه).
[ ٣ / ٥٣٥ ]
جاز ذلك.
محمد: وهذا مع الفوات أي: وأما مع قيام السلعة فلا ويردُّ (١)، وإلى هذا أشار بقوله: (أَوْ رِضَاهُ) أي: أو (٢) رضا البائع والمشتري، أو (٣): رضا العاقد (٤).
قوله: (أو تَوْليَتكَ سِلْعَةَ لَمْ يذْكُرْهَا، أَوْ ثَمنَها بِإِلْزَامٍ) هذا أيضًا من الغرر المفسد للبيع وهو أن يوليك البائع سلعة لم يذكرها هو ولا غيره أو يذكرها، ولا يذكر ثمنها على اللزوم، واحترز بذلك مما إذا دخلا على الخيار كما سيأتي.
قوله: (وَكَمُلامَسَةِ الثَّوْبِ أَوْ مُنَابَذَتِهِ، فيلْزَمُ) هذا لما في الصحيح عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول - ﷺ -: "نهى عن بيعتين ولبستين، ونهى (٥) عن بيع الملامسة والمنابذة في البيع"، والملامسة لمس الرجل ثوب الرجل (٦) بيده بالليل أو بالنهار لا يقلبه إلا بذلك، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل (٧) ثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض (٨).
قوله: (وَبَيْعِ حَصَاةٍ) هذا ما تقدم النهي عنه (٩).
ابن شاس: وصفته أن يكون بيده حصاة فيقول: إذا سقط بيدي (١٠) فقد وجب البيع، وقيل (١١) تكون ثيابًا عدة ويقول على أيها سقطت الحصاة (١٢) فقد تعين البيع (١٣).
_________________
(١) قوله: (ويرد) زيادة من (ن).
(٢) في (ن): (أي).
(٣) في (ن): (أي).
(٤) قوله: (أي رضي العاقد) في (ن ٥): (أو العاقد).
(٥) قوله: (ولبستين، ونهى) يقابله في (ن): (ولمسلم نهى).
(٦) في (ن): (الآخر).
(٧) قوله: (الرجل إلى الرجل) ساقط من (ن) و(ن ٥).
(٨) في (ن ٥): (تقليب).
(٩) في (ن): (عند).
(١٠) في (ن) و(ن ٥): (من يدي).
(١١) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (وقد).
(١٢) قوله: (الحصاة) زيادة من (ن).
(١٣) قوله: (وقد تكون ثياب عدة ويقول على أيها سقطت فقد تعين البيع) يقابله في (ن ٥): (وقيل هو أن تكون ثيابا عدة فما سقطت عليه الحصاة تعين)، وقوله: (البيع) ساقط من (ن). وانظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٧١.
[ ٣ / ٥٣٦ ]
المازري: وقيل في هذا الحديث تأويلات، أي: في حديث النهي عن بيع الحصاة، منها أن يكون المراد أن يبيع من أرضه قدر ما ينتهي إليه رمي الحصاة، ولا شك أن هذا مجهول لاختلاف الرمي، وإلى هذا أشار بقوله (وَهَلْ هُوَ بَيْعُ مُنْتهَاهَا) أي: منتهى رمي الحصاة.
المازري: وقيل معناه أي: ثوبٌ وقعت عليه الحصاة فهو المبيع (١)، وهذا نحو ما تقدم لابن شاس (٢)، وإليه أشار بقوله (وَيلْزَمُ بوقُوعِهَا وعَلَى مَا تَقَدم (٣) عَلَيْهِ بِلا قَصْدٍ) فيلزم البيع بوقوع الحصاة (٤)، ثم قال المازري: وقيل: معناه ارم بالحصاة فما خرج فلك بعدده دنانير أو دراهم (٥)، وإليه أشار بقوله (أَو عَدَدِ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ).
وقوله (تَفْسِيرَاتٌ) إشارة (٦) لما تقدم.
(المتن)
وَكَبَيعِ مَا فِي بُطُونِ الإِبِلِ أَوْ ظُهُورِهَا، أَوْ إِلَى أَنْ يُنْتَجَ النِّتَاجُ -وَهِيَ الْمَضَامِينُ وَالْمَلَاقِيحُ- وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ، وَكَبَيْعِهِ بِالنَّفَقَةِ عَلَيهِ حَيَاتَهُ، وَرَجَعَ بِقِيمَةِ مَا أَنْفَقَ، أَوْ بمِثْلِهِ، إِنْ عُلِمَ وَلَوْ سَرَفًا عَلَى الأَرْجَحِ. وَرُدَّ، إِلَّا أَنْ يَفُوتَ، وَكَعَسِيبِ الْفَحْلِ يُسْتَأجَرُ عَلَى عُقُوقِ الأُنْثَى، وَجَازَ زَمَانٌ أَوْ مَرَّاتٌ، فَإِنْ أَعَقَّتِ انْفَسَخَتْ، وَكَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ يَبِيعُهَا بِالإِلْزَامِ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، أَوْ أَكْثَرَ إِلَى أَجَلٍ أَوْ سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، بثمن واحد
(الشرح)
وقوله: (وَكَبَيْعِ مَا فِي بُطُونِ الإِبِلِ أَوْ ظُهُورِهَا، أَوْ إِلى أَنْ يُنْتَجَ النِّتَاجُ) هذا لما في الموطأ عن ابن المسيب أنه قال: لا ربا في الحيوان إنما نهى من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة (٧).
_________________
(١) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٤٧٧ و٤٧٨.
(٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٧١.
(٣) في (ن): (تقع).
(٤) قوله: (وعَلَى مَا تَقَدم عَلَيْهِ بِلا قَصْدٍ فيلزم البيع بوقوع الحصاة) يقابله في (ن ٥): (أي يلزم البيع بوقوع الحصاة).
(٥) قوله: (وإليه أشار بقوله: "ويَلْزَمُ بوقُوعِهَا" وعَلَى مَا تَقَدم عَلَيْهِ بِلا قَصْدٍ فيلزم البيع بوقوع الحصاة، ثم قال المازري: وقيل: معناه ارم بالحصاة فما خرج بعدده دنانير أو دراهم) ساقط من (ن ٣).
(٦) في (ن ٣): (أي).
(٧) انظر: الموطأ: ٢/ ٦٥٤.
[ ٣ / ٥٣٧ ]
قال في الموطأ: والمضامين بيع ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح بيع (١) ما في ظهور الإبل (٢)، وحبل الحبلة بيع الجزور إلى أن ينتج نتاج الناقة، وإلى هذا أشار بقوله: (وَهِيَ الْمَضَامِينُ وَالْمَلاقِيحُ وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ) (٣) وهو من باب اللف والنشر على الترتيب الأول للأول، والثاني للثاني، والثالث للثالث.
قال ابن حبيب: المضامين بيع ما في ظهور الفحول، والملاقيح: بيع ما في بطون الإناث، وحبل الحبلة بيع نتاج الناقة (٤).
قوله: (وَكَبَيْعِهِ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ) يريد أن من البياعات المنهي عنها أن يبيع الرجل سلعته بالنفقة عليه مدة حياته لأنه لا يدري ما يعيش من الزمان، ثم قال (وَرَجَعَ بِقِيمَةِ مَا أَنْفَقَ، أَوْ بِمِثْلِهِ، إِنْ عُلِمَ) أي: إن وقع ذلك فسخ ورجع المشتري بقيمة ما أنفق أو بمثله إن علم، واختلف هل يرجع بما كان سرفًا بالنسبة إلَّا البائع أو لا يرجع إلا بالمعتاد، وصوب ابن يونس الأول، وإليه أشار بقوله (وَلَوْ سَرَفًا عَلَى الأَرْجَحِ).
قوله: (وَرُدَّ، إِلا أَنْ يَفُوتَ) هو مفهوم من قوله (وَرَجَعَ بِقِيمَةِ مَا أَنْفَقَ، أَوْ بِمِثْلِهِ) لأن الرجوع بذلك لا يكون إلا مع (٥) رد المبيع إن كان قائمًا، فإن فات مضى وقضى بقيمته، ويقاصه منها بما أنفق.
قوله: (وَكَعَسِيبِ الْفَحْلِ يُسْتَأْجَرُ عَلَى عُقُوقِ الأُنْثَى) هذا لما في البخاري عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - نهى عن عسيب الفحل، وفي مسلم: "عن بيع ضراب الفحل (٦) ".
وقوله: (يُسْتَأجَرُ) حال من عسيب أي: نهي عن عسيب (٧) الفحل على هذا الوجه، والعامل فيه نهي، وهكذا حمل أهل المذهب النهي الوارد فيه على ذلك (٨)، لأنه إجارة
_________________
(١) قوله: (بيع) زيادة من (ن).
(٢) في (ن) و(ن ٥): (الفحول).
(٣) انظر: الموطأ: ٢/ ٦٥٤.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ١٤٩ و١٥٠.
(٥) في (ن ٥): (بعد).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٥١.
(٧) قوله: (أي نهي عن عسيب) زيادة من (ن ٥).
(٨) قوله: (على ذلك) ساقط من (ن ٣).
[ ٣ / ٥٣٨ ]
مجهولة؛ إذ المراد بعقوق الأنثى أن يستأجر منه فحله ليضربها حتى تحمل، ولا شك في جهالته؛ لأنها قد لا تحمل فيغبن صاحب الفحل، وقد تحمل الأنثى (١) في زمان قريب فيغبن صاحب الأنثى، وعسيب الفحل المنهي عنه هو كراء ضرابه، والعسيب الضراب، قاله أبو عبيدة، وقال غيره: لا يكون العسيب إلا الضراب، والمراد الكراء عليه، وقيل: العسيب ماؤه، وقال الجوهري: هو الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، وهو بالياء بنقطتين من أسفل (٢) والباء الموحدة، ويقال: بالباء (٣) الموحدة (٤) من غيرياء (٥).
قوله: (وَجَازَ زَمَانٌ أَوْ مَرَّاتٌ) ويجوز أن يستفحله (٦) مدة معلومة يضرب فيها أنثاه أو مرات محصورات؛ إذ لا جهالة في ذلك، ومن أهل المذهب من كره ذلك؛ لأنه (٧) ليس من مكارم الأخلاق.
قوله: (فَإِنْ أَعَقَّتِ انْفَسَخَتْ) أي: فإن سمَّى المرات التي عقدت عليها الإجارة، فحملت الأنثى قبل انقضائها، فإن الإجارة تنفسخ في بقيتها، ولا يكلف صاحب الأنثى أن يأتي بغيرها ليستوفي ما بقي من المرات التي عقد عليها، ويكون عليه بحساب ما انتفع، وأعقت بالألف قاله الجوهري.
قوله: (وَكَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ) هذا لما في الموطأ والترمذي أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيعتين في بيعة (٨).
قوله (٩): (يَبِيعُهَا بِالإِلْزَامِ بِعَشْرَةٍ نَقْدًا أَوْ أَكْثَرَ إلى أَجلٍ، أَوْ سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بثمن
_________________
(١) قوله: (الأنثى) زيادة من (ن ٥).
(٢) قوله: (بنقطتين من أسفل) زيادة من (ن) و(ن ٤).
(٣) قوله: (بالباء) زيادة من (ن ٥).
(٤) قوله: (بالباء الموحدة) يقابله في (ن): (بالموحدة فقط العسب).
(٥) قوله: (ويقال: بالباء الموحدة من غير ياء) يقابله في (ن ٣): (ويقال بعسيب بالموحدة فقط).
(٦) قوله: (أن يستفحله) يقابله في (ن): (أن يستأجر منه فحله).
(٧) قوله: (من كره ذلك لأنه) يقابله في (ن ٥): (من ذكر ذلك إلا أنه).
(٨) انظر: الموطأ: ٢/ ٦٦٣.
(٩) قوله: (قوله) ساقط من (ن ٣).
[ ٣ / ٥٣٩ ]
واحد) لما كان النهي الوارد عند مالك ﵀ محمول (١) على صورتين أشار إليهما بهذا الكلام؛ فالأولى: أن يبيع سلعة بثمنين مختلفين (٢) في الجنس أو الصفة أو القدر على وجه يتردد (٣) النظر (٤) فيه؛ كبيعها (٥) بعشرة نقدًا، أو عشرين إلى الأجل، الثانية: أن يبيع سلعتين مختلفتين بثمن واحد (٦)، وحذف (٧) ذكر الثمن الواحد لفهمه من كلامه، وأجاز ابن حبيب الأولى إذا كان الثمن عينًا من صفة واحدة واختلف الأجل؛ أما لو باعها على خيار لهما أو لأحدهما جاز (٨).
(المتن)
إلَّا لِجَوْدَةٍ أَوْ رَدَاءَةٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا، لَا طَعَامٍ وَإِنْ مَعَ غَيْرِهِ كَنَخْلَةٍ مُثْمِرَةٍ مِنْ نَخَلَاتٍ، إِلَّا الْبَائِعَ يَسْتَثْنِي خَمْسًا مِنْ جِنَانِهِ، وَكَبَيْعِ حَامِلٍ بشَرْطِ الْحَمْلِ، وَاغْتُفِرَ غَرَرٌ يَسِيرٌ لِلْحَاجَةِ لَمْ يُقْصَدْ، وَكمُزَابَنَة مَجْهُولٍ بِمَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَجَازَ إِنْ كَثُرَ أَحَدُهُمَا فِي غَيْرِ رِبَوِيٍّ، وَنُحَاسٌ بتَوْرٍ، لَا فُلُوسٌ وَكَكَالِئٍ بمِثْلِهِ: فَسْخ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ، وَلَوْ مُعَيِّنًا يَتَأَخَّرُ قَبْضهُ، كَغَائِب، أَوْ مُوَاضَعَةٍ، أَوْ مَنَافِعَ عَيْنٍ،
(الشرح)
قوله: (إِلا لجوْدَةٍ أو رَدَاءَةٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا): لما كان قوله (أَوْ سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ) يوهم عموم الاختلاف كيف كان أخرج هذه الصورة من ذلك؛ فإنها جائزة.
قال في المدونة: وذلك ممنوع فيما عدا الجودة والرداءة من صثفية (٩) أو صفة أو ركوم (١٠)، وأما إن اختلفا في (١١) الجودة والرداءة فقط، فيجوز إن اختلفت القيمة،
_________________
(١) قوله: (محمول) زيادة من (ن ٥).
(٢) زاد بعده في (ن): (أي).
(٣) في (ن ٣): (سدد).
(٤) قوله: (النظر) زيادة من (ن).
(٥) في (ن): (كبيعه).
(٦) انظر: المدونة: ٨/ ٣٤٦، والتوضيح: ٥/ ٣٤٧.
(٧) قوله: (حذف) ساقط من (ن ٣).
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٤٧.
(٩) في (ن ٣) و(ن ٤): (صنعة)، وفي (ن): (صيغة).
(١٠) في (ن ٤): (وقار).
(١١) قوله: (إن اختلفا في) زيادة من (ن).
[ ٣ / ٥٤٠ ]
وليس من بيعتين في بيعة (١)، وذهب ابن حبيب إلى عدم الجواز إلا أن يكونا صنفًا واحدًا أو صفة واحدة وقيمتها متحدة (٢)، وقال ابن المواز: وإن اختلفا في الصنفية أو الصفة (٣) اختلافًا يبيح سلم أحدهما في الأخرى (٤) لم يجز وإلا جاز، وقال أشهب وعبد الملك: يجوز مطلقًا (٥).
قوله: (لا طَعَامٍ وَإِنْ مَعَ غَيْرِهِ) لما ذكر أن السلعتين إذا اختلفتا في الجودة والرداءة يجوز بيع واحدة منهما على اللزوم بخياره، سواء كانتا ثوبين أو غيرهما من العبيد والبقر والغنم والشجر التي لا ثمر فيها، نبه على أن ذلك يختص بغير الطعام، وأما إذا كانا طعامين فلا يجوز ولو مع عرض، ومثله بقوله (كنَخْلَةٍ مُثْمِرَةٍ مِنْ نَخَلاتٍ) أي: مثمرات (٦)، وأجاز ذلك اللخمي للمشتري، ويحال في ذلك على دَيْنِه ويؤمر أنه إذا اختار شيئًا فلا ينتقل عنه.
قوله: (إِلا الْبَائِعَ يَسْتَثْنَي خمسًا من جِنَانِهِ) يريد: أن البائع بخلاف المشتري في المسألة السابقة إذا كان الخيار له (٧)، فأجازه مالك بعد أن وقف فيه أربعين ليلة، وقال ابن القاسم: لا يعجبني، فإن وقع أمضيته، وعزا له الباجي المنع، ونقل عنه ابن محرز (٨) أنه قال: لاخير (٩) فيه.
قوله (وَكَبَيْعِ حَامِلٍ بِشَرْطِ الْحَمْلِ) أي: ومن المبيعات المنهي عنها بيع الحامل بشرط الحمل، وفي المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: المنع وهو مذهب المدونة (١٠)، وقيل: يصح، وقيل: إن قصد البراءة صح، وإن قصد استزادة الثمن بالحمل لم يصح، ومنهم من
_________________
(١) انظر: المدونة (زايد): ٧/ ١٢٥.
(٢) قوله: (وقيمتها متحدة) يقابله في (ن): (وقيمتهما واحدة).
(٣) قوله: (أو الصفة) ساقط من (ن ٣).
(٤) في (ن): (الآخر).
(٥) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٤٨.
(٦) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (مثمرة).
(٧) انظر: الذخيرة: ٥/ ٣٣، والتوضيح: ٥/ ٣٥١ و٣٥٢.
(٨) في (ن ٣): (ابن سحنون).
(٩) في (ن ٤): (خيار).
(١٠) انظر: المدونة (زايد): ٧/ ٨٩.
[ ٣ / ٥٤١ ]
جعل محل (١) الخلاف إذا قصد بذلك (٢) استزادة الثمن، وإن (٣) المشهور (٤) المنع، وأما إذا قصد بذلك البراءة من الحمل (٥)؛ فلا خلاف في الصحة، وهي طريقة ابن زرقون (٦).
قوله: (وَاغْتُفِرَ غَرَرٌ يَسِيرٌ لِلْحَاجَةِ لَمْ يُقْصَدْ) هذا مما لا خلاف فيه؛ بل حكى فيه بعض أصحابنا الإجماع، فقال: الغرر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يمتنع إجماعًا كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، وقسم يجوز إجماعًا كأساس الدار المبيعة (٧)، وكبيع الجبة المغيبة (٨) الحشو (٩) ودخول الحمام مع اختلاف الاستعمال، أو الشرب من السقاء مع اختلاف ذلك، وقسم اختلف فيه على ما تقدم، وقيد (١٠) اليسارة (١١) نص عليه الباجي (١٢)، وزاد المازري القيدين الأخيرين (١٣)، وهما كونه للحاجة وغير مقصود فلو قصد منع (١٤).
قوله: (وَكَمُزَابَنَة مَجْهُولٍ بِمَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ) أي: ومما نهى عنه المزابنة وهي بيع مجهول بمجهول، أو معلوم بمجهول بشرط كونهما من جنس واحد، وبهذا (١٥) فسرها أهل المذهب، وفي الصحيح عن ابن عمر - ﵁ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن
_________________
(١) قوله: (جعل محل) يقابله في (ن ٤): (حمل على).
(٢) قوله: (بذلك) ساقط من (ن ٣).
(٣) قوله: (إن) ساقط من (ن).
(٤) قوله: (وإن المشهور) ساقط من (ن ٤).
(٥) قوله: (من الحمل) ساقط من (ن ٤).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٤٥.
(٧) في (ن ٤): (المغيبة).
(٨) قوله: (الجبة المغيبة) يقابله في (ن ٣): (المعينة)، وقوله: (وكبيع الجبة المغيبة) يقابله في (ن): (وكبيع الحبة المعيبة).
(٩) قوله: (الحشو) زيادة من (ن ٥)، وفي (ن): (الحشوة).
(١٠) في (ن ٤): (وقيل).
(١١) في (ن): (الإسارة).
(١٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٤٤.
(١٣) في (ن): (الآخيرين).
(١٤) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٧٥٢ و٧٥٣.
(١٥) في (ن): (وهكذا).
[ ٣ / ٥٤٢ ]
المزابنة، والمزابنة بيع تمر النخل بالتمر (١) كيلًا، وبيع الزبيب بالعنب كيلا (٢)، وعن كل ثمر بخرصه، وفي رواية: وعن بيع الزرع بالحنطة.
قوله: (وَجَازَ إِنْ كَثُرَ أَحَدُهُمَا فِي غَيْرِ رِبَوِيٍّ) لأن الفضل لما تبين (٣) من أحد الجانبين انتفى الغرر، ولا فرق في ذلك بين (٤) المطعومين وغيرهما، وهو مذهب ابن القاسم، وقيل بعدم الجواز في المطعومين، ولو تبين (٥) الفضل (٦)، وقيل: يجوز بشرط تحري المساواة.
قوله: (وَنُحَاسٌ بِتَوْرٍ) أي: وكذلك يجوز بيع النحاس بالتور وتور (٧) النحاس، وهو إناء يشرب فيه، والتور (٨) وهو بالتاء المثناة من فوق، وقد نص على الجواز في المدونة (٩)، وهو المشهور، وحكى ابن رشد فيها ثلاثة أقوال: الجواز إن كان نقدًا أو لأجل، والجواز إن كان نقدًا أو إن لم يتبين (١٠) الفضل، وعدم الجواز إن كان (١١) لأجل؛ وهما روايتان لابن وهب (١٢) عن مالك، الثالث: المنع إلى أجل (١٣)، والجواز نقدًا (١٤) إن تبين الفضل، وهو لمالك في العتبية.
_________________
(١) في (ن ٣) و(ن ٤): (بالثمر)، وقوله: (تمر النخل بالتمر) يقابله في (ن): (ثمر النخل بالثمر).
(٢) قوله: (كيلا) ساقط من (ن ٤).
(٣) في (ن ٣) و(ن ٤): (تعين).
(٤) في (ن): (بيع).
(٥) في (ن ٣) و(ن ٤): (تعين).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٣٧.
(٧) قوله: (وتور) زيادة من (ن).
(٨) قوله: (والتور) زيادة من (ن).
(٩) قوله: (على الجواز في المدونة) يقابله في (ن): (على ذلك في المدونة). وانظر: المدونة (زايد): ٦/ ٤١٣ و٤١٤.
(١٠) في (ن ٥): (يتعين).
(١١) قوله: (إن كان) ساقط من (ن) و(ن ٥).
(١٢) في (ن): (ابن وهب).
(١٣) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٣٠٣.
(١٤) في (ن ٥): (مطلقا).
[ ٣ / ٥٤٣ ]
ابن رشد: ولا أعلم خلافًا في منع (١) بيع الفلوس بالنحاس للمزابنة (٢).
قلت: وإليه أشار بقوله (لا فُلُوسٌ) أي: لا بيع فلوس بالنحاس (٣)، أي: فإنه لا يجوز، واستشكله الأشياخ وقالوا: القياس جوازه، لأن الصنعة نقلته كما في التور (٤)، وفرق ابن بشير بقلة الصنعة في الفلوس وكثرتها في التور.
قوله: (وَكَكَالئٍ بِمِثْلِهِ) هذا لما روي أنه - ﷺ - (نهى عن بيع (٥) الكالئ بالكالئ (٦)، وهو الدين بالدين، ولما كانت حقيقة ذلك محتوية على ثلاثة أقسام، إما فسخ الدين بالدين (٧)، أو بيع دين بدين، أو ابتداء دَيْن بدَيْن وهو المعبر (٨) عنه بتأخير رأس مال (٩) السَّلَم في كلامه كما سيأتي، وقد أشار إلى الأول منهما بقوله: (فَسْخُ مَا في الذِّمَّةِ في مؤَخَّرٍ، وَلَوْ مُعَيَّنًا يَتَأَخَّر قَبْضه كَغَائِبٍ، أَوْ مُواضَعَةٍ (١٠)، أَوْ مَنَافِعَ عَيْنٍ) وهو وما بعده من القسمين إما عطف بيان أو بدل، أو جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلًا قال له، وما بيع الكالئ بمثله (١١)، فقال: (هو فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ من مُؤَخَّرٍ. . . إلى آخره)، ومعنى ذلك أن يكون لشخص عند آخر دين (١٢)، فيطالبه به فلا يجد معه شيئًا، أو يجد معه ولكن يبيعه به شيئًا يتأخر قبضه كما لو باعه دارًا غائبة ونحوها، أو أمة متوا ضعة، أو آجره به داره المعينة أو عبده (١٣) أو نحوهما، وسواء كان ذلك من غير جنس الدين أو جنسه، يريد:
_________________
(١) قوله: (منع) ساقط من (ن).
(٢) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٣٠٢.
(٣) قوله: (فلوس بالنحاس) يقابله في (ن): (نحاس بفلوس).
(٤) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٣٩.
(٥) قوله: (بيع) زيادة من (ن).
(٦) في (ن): (في الكالئ).
(٧) قوله: (بالدين) زيادة من (ن).
(٨) في (ن ٥): (المعتبر).
(٩) قوله: (رأس مال) يقابله في (ن ٣): (مال).
(١٠) زاد بعده في (ن ٤): (وَمُتَأَخِّرِ جِدَادي).
(١١) في (ن ٥): (بالكالئ).
(١٢) في (ن ٤): (شيئًا).
(١٣) قوله: (أو عبده) ساقط من (ن ٥).
[ ٣ / ٥٤٤ ]
والمؤخر أكثر مما في الذمة، وهذا القسم (١) أشد من القسمين الآتيين بعده، لأنه من باب ربا الجاهلية، فهو محرم بالكتاب وهما (٢) بالسُّنَّة، واغتفر في مثل (٣) ذلك الذهاب إلى مثل السوق (٤)، وما لا يمكن القبض إلا فيه أو قدر ما يأتي بمن يحمله، إن كان يسيرًا، وإن كان الطعام كثيرًا فيجوز مع اتصال العمل، ولو بشهر، قاله أشهب (٥)، وما ذكره (٦) في المعين يتأخر قبضه هو المشهور، وهو مذهب المدونة (٧). وقال أشهب: يجوز، ومذهب ابن القاسم منع (٨) فسخ الدَّين في منافع المعين (٩) كما هنا، خلافًا لأشهب، وصحح قوله المتأخرون، ولا خلاف بينهما في المنع إذا كانت المنافع غير معينة؛ كفسخ الدَّين في ركوب الدابة غير معينة (١٠)، أو سكنى دار كذلك، أو خياطة ثوب (١١).
(المتن)
وَبَيْعُهُ بِدَيْنٍ، وَتَأْخِيرُ رَأْسِ مَالِ السَلَمِ، وَمُنِعَ بَيْعُ دَيْنِ مَيِّتٍ، وَغَائِب وَلَوْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ، وَحَاضِرٍ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ، وَكَبَيْعِ الْعُرْبَانِ وهو أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَرِهَ الْبَيْعَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ؛ وَكَتَفْرِيقِ أُمٍّ فَقَطْ مِنْ وَلَدِهَا، وَإِنْ بِقِسْمَةٍ؛ أَوْ بَيْعِ أَحَدِهِمَا لِعَبْدِ سَيِّدِ الآخَرِ مَا لَمْ يُثْغِرْ مُعْتَادًا، وَصُدِّقَتِ الْمَسْبِيَّةُ، وَلَا تَوَارُثَ مَا لَمْ تَرْضَ، وَفُسِخَ إِنْ لَمْ يَجْمَعَاهُمَا فِي مِلْكٍ.
(الشرح)
قوله: (وَبَيْعُهُ بِدَيْنٍ وَتَأخِيرُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ) ابن عبد السلام: (١٢) هذان القسمان
_________________
(١) قوله: (القسم) ساقط من (ن ٤).
(٢) قوله: (هما) زيادة من (ن) و(ن ٥).
(٣) قوله: (مثل) زيادة من (ن ٥).
(٤) قوله: (السوق) ساقط من (ن).
(٥) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٤٠.
(٦) في (ن): (ذكر).
(٧) انظر: تهذيب البراذعي، تحقيق ولد الشيخ: ٣/ ٣٨ و٤/ ٣٤.
(٨) قوله: (منع) زيادة من (ن).
(٩) في (ن ٤): (العين).
(١٠) قوله: (كفسخ الدين في ركوب الدابة غير معينة) ساقط من (ن ٥).
(١١) انظر: الفروق: ٦/ ٢٥٢.
(١٢) قوله: (ابن عبد السلام) زيادة من (ن) و(ن ٥).
[ ٣ / ٥٤٥ ]
الباقيان هما بيع الدين بالدين (١)، وابتداء الدين بالدين، وقد عبر عن هذا الأخير بتأخير رأس مال السَّلَم.
ابن عبد السلام: (٢) ولا بد عندهم في بيع الدين بالدين أن تقدم عمارة الذمتين أو أحدهما (٣) على المعاوضة كمن له دين على رجل، ولثالث (٤) دين على رابع، فباع كل واحد من صاحبي الدين ما يملكه من الدين بالدين الذي للآخر (٥)، وكذلك لو كان لرجل دين على رجل فباعه من ثالث بدين؛ فإما إن أتعمر الذمة إلا عند المعاوضة (٦) كتأخير رأس مال السَّلَم بشرط أكثر من ثلاثة أيام على المشهور؛ فيسمون هذا ابتداء الدين بالدين، وهو عندهم في القول (٧) المشهور أضعف (٨) من بيع الدين بالدين.
قوله: (وَمُنِعَ بَيع دَيْنِ مَيِّتٍ) هكذا نص عليه في الموطأ، ولا خلاف فيه، لأنه غرر؛ إذ قد يكون على الميت أكثر مما خلف (٩)؛ فلا يكون للمشتري إلا ما نابه في الحصاص وهو مجهول.
قوله: (وغَائِبٍ وَلَوْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ) أي: وكذلك يمنع بيع ما على الغائب من الدين (١٠) يريد: ولو كان ببينة وهو المشهور؛ إذ لم (١١) يعلم أهو حي أو ميت، مقر أو منكر، معسر (١٢) أو موسر، وروي عن مالك وابن القاسم جوازه في الغيبة القريبة بحيث يعرف حاله.
_________________
(١) قوله: (بالدين) ساقط من (ن). وانظر: التوضيح: ٥/ ٣٤٠ و٣٤١.
(٢) قوله: (ابن عبد السلام) ساقط من (ن ٥).
(٣) في (ن): (إحداهما).
(٤) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (والثالث).
(٥) في (ن ٥): (على الآخر).
(٦) في (ن): (المواضعة).
(٧) قوله: (القول) زيادة من (ن ٥).
(٨) زاد في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (عندهم).
(٩) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (حلف).
(١٠) قوله: (من الدين) يقابله في (ن ٣): (بدين).
(١١) في (ن): (لا).
(١٢) زاد في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (هو).
[ ٣ / ٥٤٦ ]
قوله: (وَحَاضرٍ إِلا أَنْ يُقِرَّ) أي: وكذلك يمتنع أيضًا بيع ما على الحاضر من الدين؛ إلا أن يقر به فيجوز، لأنه قبل الإقرار من باب شراء ما فيه خصومة وهو غرر.
قوله: (وَكبَيْعِ الْعُرْبَانِ وهو أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَرِهَ الْبَيْعَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ) أي (١): ومما نهى عنه بيع العربان، لأنه من باب (٢) أكل أموال الناس بالباطل (٣)، وقد ورد النهي عن النبي - ﷺ - عن ذلك، والعُربان بضم العين، ويقال: أُربان بضم الهمزة، وعربون بضم العين وفتحها، وأربون بفتح الهمزة وضمها، ومعنى ذلك أن يشتري الشخص (٤) سلعة ثم يدفع من ثمنها درهمًا ونحوه على أنه إن رضي بالبيع حاسبه به من الثمن، وإن كره فلا شيء له مما دفع.
قوله: (وكَتَفْرِيقِ أُمٍّ فَقَطْ مِنْ وَلَدِهَا) هذا لقوله - ﷺ -: (من فرق بين الوالدة وبين ولدها فرق الله بينه وبين أحبابه يوم القيامة)، ولما كان هذا خاصًّا بالأم نبه عليه بقوله (فَقَطْ) فلا تحرم تفرقة الأب من ولده ولا الأخ من أخيه وابن أخيه، ولا الجد والجدة من ولد الولد ونحوه في المدونة (٥) وغيرها، ونقل المازري عن بعض الأشياخ وأظنه اللخمي إلحاق الأب في ذلك بالأم (٦).
قوله: (وَإِنْ بِقِسْمَةٍ) يريد: كما لو ورث جماعة الولد وأمه فلا يجوز لهم أن يقتسموها (٧)، وإن اشترطوا عدم التفرقة لافتراقهما في المِلْك نقله في الذخيرة.
قوله: (أَوْ بَيْعِ أَحَدِهِمَا لِعَبْدِ سَيِّدِ الآخَرِ) أي: يبيع أحدهما لسيد والآخر لعبده؛ يريد (٨) لأن العبد وإن كان ملكه غير تام فقد يعتق أو نحو ذلك، وقاله في المدونة (٩).
_________________
(١) قوله: (أي) زيادة من (ن).
(٢) قوله: (أكل) زيادة من (ن).
(٣) قوله: (أموال الناس بالباطل) يقابله في (ن): (المال بالباطل).
(٤) قوله: (الشخص) زيادة من (ن ٥).
(٥) انظر: المدونة (زايد): ٤/ ٢٠٠.
(٦) انظر: التصرة، للخمي، ص: ٤٣٢٣.
(٧) في (ن ٤): (يقسمهما)، وفي (ن): (يقسموهما).
(٨) قوله: (يريد) زيادة من (ن) و(ن ٥).
(٩) انظر: التمهيد: ٣/ ٧١.
[ ٣ / ٥٤٧ ]
قوله: (مَا لَمْ يُثْغِرْ) أي: فتجوز حينئذ التفرقة لاستغنائه عن أمه حينئذ (١) في أكله وشربه ومنامه وقيامه، وقاله في المدونة قال فيها: ما لم يعجل به الإثغار (٢)، وإليه أشار بقوله هنا (٣): (مُعْتَادًا) وهو (٤) صفة لموصوف محذوف، أي: إثغارًا معتادًا، وروي عن ابن حبيب أن ذلك يتحدد بسبع سنين، وعن ابن وهب عشر سنين (٥)، وعن مالك أن ذلك ينتهي إلى البلوغ (٦)، وفي الجواهر عن محمد بن عبد الحكم: لا يفرق بينهما ما عاشا (٧).
قوله: (وَصُدِّقَتِ الْمَسْبِيَّةُ وَلا تَوارث) هو كقوله (٨) في المدونة: وإن قالت المسبية هو ابني. لم يفرق بينهما، ثم قال (٩): ولا يتوارثان بذلك لاتهام المعجم بعزل (١٠) أموالهم عن المسلمين (١١)، وإليه أشار بقوله (وَلا تَوارث) (١٢).
قوله: (مَا لَمْ تَرْضَ) أي: ما لم ترض الأم بالتفرقة، فإن رضيت جاز ذلك (١٣)؛ لأن الحق في ذلك لها على المشهور، نقله في الذخيرة (١٤) عن المازري (١٥) ونحوه في المختصر، وقيول: الحق في ذلك للولد، فإن رضيت الأم بالتفرقة فليس لها ذلك، وقاله في
_________________
(١) قوله: (حينئذ) زيادة من (ن).
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ٣٠١.
(٣) في (ن ٣): (هذا).
(٤) في (ن): (أوهو).
(٥) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٥٧.
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٣٠١.
(٧) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٧٤.
(٨) قوله: (هو كقوله) يقابله في (ن): (هذا لقوله).
(٩) قوله: (ثم قال) زيادة من (ن).
(١٠) في (ن ٤): (باعتزال)، وفي (ن ٥): (بإعزال)، وفي (ن): (بإعراء).
(١١) انظر: المدونة، دار صادر: ١٠/ ٢٧٩.
(١٢) قوله: (وَلا تَوارث) ساقط من (ن ٥)، وقوله: (وإليه أشار بقوله: ولا توارث) ساقط من (ن).
(١٣) قوله: (ذلك) زيادة من (ن).
(١٤) انظر: الذخيرة: ٣/ ٤١٦.
(١٥) انظر: شرح التلقين: ٦/ ٩٧٠ و٩٧١.
[ ٣ / ٥٤٨ ]
الموازية (١)، واختاره اللخمي (٢) وابن يونس وغيرهما (٣).
قوله: (وَفُسِخَ إن لَمْ يَجْمَعَاهُمَا فِي مِلْكٍ) أي: فإن وقعت التفرقة بين الأم وولدها إما ببيع أو إجارة أو نكاح أو نحو ذلك، فإن ذلك العقد ينفسخ إن لم يجمعاهما في ملك واحد (٤).
المازري: وهو المشهور (٥)، وقاله في المدونة (٦)، وروى ابن حبيب أنه يفسخ (٧)، وإن جمعاهما ويعاقبان، وقال ابن المواز: لا يفسخ، وقيل: يفسخ إلا أن يباعا أو يباع أحدهما لمالك الآخر (٨)، وعن ابن القاسم: إذا لم يعلم بالعقد حتى كبر الولد (٩) لم يرد البيع (١٠). ابن عبدوس: وكذلك إن مات الولد أو عتق.
(المتن)
وَهَلْ بغَيرِ عِوَضٍ كَذَلِكَ، أَوْ يُكْتَفَى بِحَوْزٍ كَالْعِتْقِ؟ تَأوِيلَانِ، وَجَازَ بَيْعُ نِصْفِهِمَا وَبَيْعُ أحَدِهِمَا لِلْعِتْقِ، وَالْوَلَدُ مَعَ كِتَابَةِ أُمِّهِ، وَلِمُعَاهَدٍ التَّفْرِقَةُ، وَكُرِهَ الاسْتِرَاءُ مِنْهُ، وَكَبَيعٍ وَشَرْطٍ يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ، كَأَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِتَنْجِيزِ الْعِتْقِ وَلَمْ يُجْبَرْ المبتاعِ إِنْ أبْهَمَ كَالْمُخَيَّرِ، بِخِلَافِ الاشْتِرَاءِ عَلَى إِيجَابِ الْعِتْقِ. كَأَنَّهَا حُرَّةٌ بِالشِّرَاءِ، أوْ يخلُّ بِالثَّمَنِ: كَبَيْعٍ وَسَلَفٍ. وَصَحَّ إِنْ حُذِفَ أَوْ حُذِفَ شَرْطُ التَّدْبِيرِ كشَرْطِ رَهْنٍ، وَحَمِيلٍ، وَأَجَلٍ وَلَوْ غَابَ. وَتُؤُوِّلَتْ على خِلَافِهِ. وَفِيهِ إِنْ فَاتَ أَكْثَرُ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ إِنْ أَسْلَفَ الْمُشْتَرِي، وَإِلَّا فَالْعَكْسُ،
(الشرح)
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٨٨.
(٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٣٢٣.
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٥٧.
(٤) قوله: (واحد) زيادة من (ن ٥).
(٥) انظر: شرح التلقين: ٦/ ٩٧٧.
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٣٠٣.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٤٤.
(٨) قوله: (لمالك الآخر) يقابله في (ن ٣) و(ن ٥): (لملك آخر). وانظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٩٩، والتوضيح: ٥/ ٣٥٧.
(٩) في (ن): (الصغير).
(١٠) وانظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٤٣.
[ ٣ / ٥٤٩ ]
قوله: (وَهَلْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَذَلِكَ أَوْ يُكْتَفَى بِحَوْزٍ كَالْعِتْقِ؟ تَأوِيلانِ) يريد: أنه اختلف إذا كانت التفرقة بغير عوض كالهبة، هل هي كالتفرقة بعوض، فلا بد من جمعهما في ملك واحد (١).
ابن المواز: وهو أحبُّ إلينا (٢) وإلى (٣) من لقينا من الأشياخ، ويكتفى (٤) باجتماعهما في حوز؛ لأنه لم (٥) يقصد الضرر؛ فهو كالعتق، والقولان لمالك، والقول (٦) الثاني منهما هو ظاهر المدونة عن (٧) ابن أبي زيد (٨)، وعن مطرف وعبد الملك جواز الجمع في الحوز إذا كان الشمل واحدًا؛ مثل أن تتصدق المرأة على زوجها أو هو عليها، أو الأب على ابنه، والابن علي أبيه (٩).
قوله: (وَجَازَ بَيْعُ نِصْفِهمَا وَبَيْعُ أَحَدِهِمَا لِلْعِتْقِ) هكذأ قال في المدونة، وزاد: وليس ذلك تفرقة، ولا فرق بين النصف وغيره من الأجزاء.
قوله: (وَالْوَلَدُ مَعَ كِتَابَةِ أُمِّهِ) قال في المدونة: وإن كاتب الأم لم يجز له بيع ولدها؛ إذ هي في ملكه بعد، إلا أن يبيع كتابتها (١٠) مع رقبة الابن من رجل واحد، فيجوز ذلك إذا جمع بينهما (١١)، وهذا معنى قوله (وَالْوَلَدُ مَعَ كِتَابَةِ أُمِّهِ) أي: وجاز بيع الولد مع بيع كتابة أمه لرجل واحد و(١٢) يُشترط عليه ألا يفرق بينهما إن عتقت الأم إلى الإثغار كما قال في بيعه بعد عتق أمه.
_________________
(١) قوله: (واحد) زيادة من (ن).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٤٢.
(٣) في (ن ٤): (ورد)، وفي (ن): (ورأي).
(٤) في (ن): (أو يكتفى).
(٥) قوله: (لم) ساقط من (ن ٥).
(٦) قوله (القول) زيادة من (ن).
(٧) في (ن): (عند).
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٥٨.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٤٤.
(١٠) قوله: (إلا أن يبيع كتابتها) يقابله في (ن ٥): (أداء الكتابة).
(١١) انظر: المدونة: ٣/ ٣٠٦، وتهذيب المدونة: ٣/ ٢٦٠.
(١٢) قوله: (و) زيادة من (ن).
[ ٣ / ٥٥٠ ]
قوله: (وَلِمُعَاهَدٍ التَّفْرِقة وَكُرِهَ الاسْتِرَاءُ مِنْهُ) قال في المدونة: وإذا نزل الروم ببلدنا تجارًا ففرقوا بين الأم وولدها لم أمنعهم، وكرهت للمسلمين شراءهم متفرقين (١)، وإنما لم يمنعهم من ذلك لأنهم حربيون ولا نعرض لهم في ذلك، قاله أبو الحسن الصغير، وهذا بخلاف أهل الذمة فإنهم يمنعون من التفرقة كالمسلمين.
قوله: (وَكبَيعٍ وَشَرْطِ يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ كَأَنْ لا يَبِيعَ إِلا بتَنْجِيزِ الْعِتْقِ) هذا لا روي أنه - ﷺ - "نهى عن بيع وشرط"، وهو عند أهل المذهب محمول على شرط يناقض مقصود العقد أو يعود بخلل في الثمن، فالأول كاشتراطه على المبتاع ألا يبيع ولا يهب ونحو ذلك (٢)، إلا إذا اشترط إن (٣) باع بشرط تنجيز العتق، فإنه جائز، "لحديث بريرة".
قوله: (وَلَمْ يُجْبَر المبتاع إِنْ أَبْهَمَ) أي: ولم يجبر المبتاع على العتق إن أباه، وهو مذهب ابن القاسم (٤) خلافًا لأشهب وابن كنانة (٥)، واختلف في محل (٦) الخلاف فقيل: إن عقد الشراء على أنه بالخيار في إعتاقه لم يجبر، وإن عقده على أنه حر بنفس الشراء أجبر (٧)، وإنما الخلاف إذا وقع البيع (٨) مبهمًا، وإليه ذهب اللخمي، وإليه أشار بقوله (إِنْ أَبْهَمَ) وقيل: الخلاف إذا اشترط على جهة الإيجاب (٩).
قوله: (كَالْمُخَيَّرِ) أي: كما إذا عقد الشراء على أنه بالخيار في (١٠) العتق (١١) بخلاف ما إذا عقده على الإيجاب، وكذلك إذا اشتراها على أنها حرة بنفس الشراء فإنه يجبر كما تقدم، وإليه أشار بقوله: (بِخِلافِ الاشْتِرَاءِ، عَلَى إِيْجَابِ الْعِتْقِ كَأَنَّهَا حُرَّةٌ بِالشِّرَاءِ).
_________________
(١) انظر: المدونة، دار صادر: ١٠/ ٢٧٩.
(٢) قوله: (ونحو ذلك) يقابله في (ن ٥): (ولا يجوز ذلك).
(٣) قوله: (اشترط إن) زيادة من (ن) و(ن ٤).
(٤) انظر: المدونة، دار صادر: ٧/ ١٥٠، وتهذيب المدونة: ٣/ ١٥٨.
(٥) انظر: المنتقى: ٦/ ١٣٣.
(٦) قوله: (محل) ساقط من (ن ٣).
(٧) في (ن): (جبر).
(٨) قوله: (وقع البيع) يقابله في (ن ٥): (اشترى)، وفي (ن): (الشراء).
(٩) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٥٣.
(١٠) في (ن ٣): (به).
(١١) قوله: (أي كما إذا عقد الشراء على أنه بالخيار في العتق) ساقط من (ن ٥).
[ ٣ / ٥٥١ ]
قوله: (أو يخلُّ بِالثَّمَنِ كَبَيْعٍ وَسَلَفٍ) قد تقدم أن النهي محمول في هذا الموضع (١) عندنا على شرط يناقض مقصود العقد أو يعود بخلل في الثمن، وهذا هو القسم الثاني، وإنما كان مخلًّا بالثمن؛ لأنه يعود بجهالة فيه، فلأن السلف مع الشرط يصير من جملة (٢) الثمن والانتفاع به مجهول.
قوله: (وَصَحَّ إِنْ حُذِفَ) أي: وصح البيع إن حذف، أي: أسقط مشترط السلف شَرطَه، وهذا هو المشهور خلافًا لابن عبد الحكم، وهو مروي عن مالك أيضًا (٣)، وسواء قبض السلف وغاب عليه أم لا؛ وهو قول ابن القاسم، وقال سحنون: إن قبضه وغاب عليه (٤) نقض البيع وردت السلعة، ولو أسقط شرطه إذا تم الربا بينهما، فإن فاتت السلعة كان فيها القيمة ما بلغت عند ابن القاسم كان السلف من البائع أو من المبتاع، ويرد السلف (٥) وفي كتاب بيوع (٦) الآجال من المدونة: إن كان من البائع فله الأقل من الثمن أو القيمة يوم القبض، ويرد السلف، وإن كان من المشتري فعليه الأكثر من القيمة أو الثمن (٧)، ومثله لأصبغ إلا أنه رأى أن القيمة إذا زادت على الثمن والسلف لا يقضى للبائع بأكثر منها (٨)، فإن كانت السلعة قائمة ردت (٩).
قوله: (أَوْ حُذِفَ شَرْطُ التَّدْبِيرِ) أي: وإذا قلنا بفساد البيع لاشتراط التدبير، فأسقط البائع شرطه صح البيع، وهو قول ابن القاسم خلافًا لأشهب (١٠).
قوله: (كَشَرْطِ رَهْنٍ، وحَمِيلٍ، وَأَجَلٍ) أي: وكذا يصح البيع إذا وقع على اشتراط رهن أو حميل أو إلى أجل معلوم، ونحو ذلك.
_________________
(١) قوله: (هذا الموضع) زيادة من (ن ٥)، وقوله: (في هذا الموضع) ساقط من (ن).
(٢) قوله: (الشرط يصير من جملة) ساقط من (ن ٤).
(٣) انظر: تهذيب المدونة: ٣/ ١٤٤.
(٤) قوله: (أم لا؛ وهو قول ابن القاسم، وقال سحنون: إن قبضه وغاب عليه) ساقط من (ن ٤).
(٥) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٥٣ و٣٥٤.
(٦) قوله: (بيوع) ساقط من (ن ٥).
(٧) انظر: تهذيب المدونة: ٣/ ١٤٤.
(٨) قوله: (بأكثر منها) يقابله في (ن ٥): (بالأكثر منهما).
(٩) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٥٤.
(١٠) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٤٨٦ و٤٨٥، والتوضيح: ٥/ ٣٥٣.
[ ٣ / ٥٥٢ ]
قوله: (وَلَوْ غَابَ وَتُؤُوِّلَتْ على خِلافِه) قد تقدم أن مشترط السلف إذا أسقط شَرطَه وقد (١) غاب على السلف (٢) صح وهو المشهور، وعليه حمل أكثر الشيوخ المدونة، ومنهم من حملها على خلافه، وقد تقدم قول سحنون، وإلى ذلك أشار بقوله (٣) (وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى خِلافِهِ) (٤).
قوله: (وَفِيهِ إِنْ فَاتَ أَكثَرُ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ إِنْ أَسْلَفَ الْمُشْتَرِي) هكذا نص عليه في كتاب الآجال من المدونة كما تقدم.
قوله: (وَإِلا فَالْعَكْسُ) أي: وإن كان السلف من البائع فله الأقل منهما، وقد قدمنا قولين آخرين في (٥) هذا.
[بيع النجش]
(المتن)
وَكَالنَّجْشِ يَزِيدُ لِيَغُرَّ، وإنْ عَلِمَ فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ، فَإِنْ فَاتَ فَالْقِيمَةُ، وَجَازَ سُؤَالُ الْبَعْضِ لِيَكُف عَنِ الزِّيَادَةِ، لَا الْجَمِيعِ، وَكَبَيْعِ حَاضِرٍ لِعَمُودِيٍّ وَلَوْ بِإِرْسَالِهِ لَهُ، وَهَلْ لِقَرَوِيٍّ؟ قَوْلَانِ. وَفُسِخَ وَأُدِّبَ وَجَازَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَكَتَلَقِّي السِّلَعِ أَوْ صَاحِبِهَا، كَأَخْذِهَا فِي الْبَلَدِ بِصِفَةٍ وَلَمْ يُفْسَخْ. وَجَازَ لِمَنْ عَلَى كَسِتَّةِ أَمْيَالٍ أَخْذُ مُحْتَاجٍ إِلَيهِ. وإِنَّمَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ، وَرُدَّ وَلَا غَلَّةَ، فَإِنْ فَاتَ مَضَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بِالثَّمَنِ،
(الشرح)
قوله: (وَكَالنَّجشِ يَزِيدُ ليَغُرَّ) أي ومن البياعات (٦) النهي عنها بيع النجش، وهو أن يزيد التاجر (٧) في السلعة ليغر غيره، وقد صح عنه - ﷺ - أنه قال: "ولا تناجشوا ولا يبيع حاضر لبادٍ".
_________________
(١) في (ن) و(ن ٥): (ولو).
(٢) في (ن ٣): (السلعة).
(٣) قوله: (وإلى ذلك أشار بقوله) ساقط من (ن ٥).
(٤) قوله: (وإلى ذلك أشار. . . على خلافه) ساقط من (ن).
(٥) زاد في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (قبل).
(٦) في (ن): (البيوعات).
(٧) قوله: (التاجر) زيادة من (ن ٣).
[ ٣ / ٥٥٣ ]
قوله: (وَإِنْ عَلِمَ فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ)؛ أي: فإن زاد في السلعة من لا يريد شراءها وعلم به البائع ولم ينكر عليه فللمشتري حينئذ (١) رد المبيع، وأحرى إذا دلس البائع من زاد فيها، وقد فهم من قوله: (فَلِلْمُشْتَرِي الرد) أن له التمسك أيضا وهو المشهور، وقيل: يفسخ لوقوعه فاسدًا.
قوله: (فإِنْ فَاتَ فَالْقِيمَةُ) يريد: ما لم تزد على الثمن الذي رضي به البائع، وهو ثمن النجش، وينبغي أن يزاد ما لم ينقص عن الثمن الذي كان قبل الزيادة التي صدرت عن (٢) الناجش.
قوله: (وَجَازَ سُؤَالُ الْبَعْضِ ليَكُفَّ عَنِ الزِّيَادَةِ) أي: وجاز لمن حضر سوم (٣) السلعة أن يقول الرجل: أريد شراءها كف عني، ولا تزد عليه. هكذا قال مالك (٤) في الموازية (٥).
قال: وأما الأمر العام فلا، وإليه أشار بقوله (لا الْجَمِيعِ) أي: فلا يجوز له (٦) أن يسأل جميع من حضر، بل ولا الكثير منهم أن (٧) يكف عن الشراء، وكره أن يقول لصاحبه كف عني ولك نصفها.
قوله: (وَكبَيْعِ حَاضرٍ لِعَمُودِيٍّ) وقد تقدم النهي عن بيع الحاضر للبادي، وعن مالك أن ذلك مختص بأهل العمود لجهلهم بالأسعار، وليس النهي عن ذلك خاصًا بما إذا توجه العمودي بمتاعه إلى الحضري؛ بل يتنزل منزلة ذلك ما إذا توجه العمودي بمتاعه مع رسوله للحضري (٨) ليبيعه له (٩)، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ بِإِرْسَالِهِ
_________________
(١) قوله: (حينئذ) زيادة من (ن ٥).
(٢) في (ن): (من).
(٣) في (ن ٣) و(ن ٤): (سوق).
(٤) قوله: (مالك) زيادة من (ن ٥).
(٥) في (ن ٥): (المدونة). وانظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤٤٠.
(٦) قوله (له) ساقط من (ن).
(٧) في (ن ٣) و(ن ٤): (بل).
(٨) قوله: (بل يتنزل منزلة ذلك. . . مع رسوله للحضري) يقابله في (ن ٥): (بل ولو أرسله).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤٤٧.
[ ٣ / ٥٥٤ ]
لَهُ) وحكاه الباجي عن مالك وابن القاسم (١)، وهو المعروف، وعن الأبهري جواز البيع في هذه الصورة لأنها أمانة اضطر إليها (٢).
قوله: (وَهَلْ لِقَرويّ؟ قَوْلانِ) يعني: وهل ينهى الحاضر عن البيع للقروي كما ينهى عن البيع للعمودي؟ فيه قولان.
ابن رشد: وقد اختلف في أهل الأمصار والقرى الصغار هل يتناولهم النهي أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فلمالك في المدونة والعتبية أنه يتناولهم، وروى عنه أبو قرة أنه لا (٣) يتناولهم، وعنه أنه يتناول أهل القروي الصغار دون الكبار (٤).
قوله: (وَفُسِخَ وَأُدِّبَ) أي (٥): فإن باع الحاضر للعمودي فسخ البيع، وهو أحد قولي ابن القاسم، ورواه غيره عن مالك، وبه أخذ أصبغ، وعن ابن القاسم أيضًا أنه لا يفسخ، وهو قول ابن وهب وابن عبد الحكم، وعن ابن القاسم أيضا أنه يفسخ (٦)، فإن فات فلا شيء عليه، وعن ابن القاسم أنه يؤدب، وزاد عنه (٧) عيسى إذا كان معتادًا، وقال ابن وهب: يزجر ولا يؤدب (٨).
قوله: (وَجَازَ الشِّرَاءُ لَهُ) يريد: أن النهي الوارد محمول على البيع له خاصة، وأما الشراء له فيجوز، قاله مالك، وعنه أن الشراء له كالبيع، وهو قول ابن حبيب (٩).
قوله: (وَكَتَلَقِّي السِّلَعِ) هذا لما روي أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يتلقى الرُكبان للبيع"، وعنه ﵊: "لا تلقوا الجلب"، واختلف هل هذا على التحريم، وهو ظاهر المذهب (١٠) أو الكرا هة، وإليه نحا ابن الجهم؟ واختلف في حد المنهي عنه،
_________________
(١) انظر: المنتقى: ٦/ ٥٣٠.
(٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٦٣.
(٣) قوله: (لا) ساقط من (ن ٣) و(ن ٤).
(٤) في (ن): (الأمصار). وانظر: البيان والتحصيل: ٩/ ٣١٠.
(٥) قوله (أي) ساقط من (ن).
(٦) قوله: (وهو قول ابن وهب وابن عبد الحكم، وعن ابن القاسم أيضا أنه يفسخ) ساقط من (ن ٥).
(٧) قوله: (عنه) ساقط من (ن ٥).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤٤٩ و٤٤٨، والتوضيح: ٥/ ٣٦٢.
(٩) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٦٣.
(١٠) في (ن ٥): (المدونة).
[ ٣ / ٥٥٥ ]
فقيل: الميل، وقيل: الفرسخان، وقيل: اليومان، وقال الباجي: يمنع قرب أو بعد (١).
قوله: (أَوْ صَاحِبِهَا (٢» يريد: أن التلقي تارة يكون للسلعة أي: مع صاحبها كما تقدم، وتارة يكون لصاحبها كما إذا وصل قبل سلعته فاشتراها منه رجل على الصفة، وقد نص مالك على أنها من التلقي (٣).
قوله: (وَلم يُفْسَخْ) أي: ولم يفسخ البيع إذا وقع على الوجه المنهي عنه، وهو المشهور المازري: وهو قول مالك وغيره من أصحابنا (٤).
قوله: (وَجَازَ لِمَنْ عَلَى كَسِتَّةِ أَمْيَالِ أَخْذُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ) يريد: أن من مرت به سلعة ومنزله على ستة أميال من المصر الذي تجلب إليه تلك السلعة، فإنه يجوز له شراؤها إذا كان محتاجًا إليها لا للتجارة.
قوله: (وَإِنَّما يَنْتَقِلُ ضَمانُ الْفَاسِدِ بالقبض) (٥) يريد: أن ضمان المبيع الفاسد (٦) لا ينتقل في البيع الفاسد إلا بقبضه وهو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: يضمنه المشتري إما بقبضه وإما بتمكينه منه، وإما بإقباض الثمن للبائع (٧).
قوله: (وَرُدَّ وَلا غَلَّةَ) أي: ورد المبيع ولا غلة على المبتاع (٨) فيما اغتله؛ لأن الخراج بالضمان.
قوله: (فَإِنْ فَاتَ مَضَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بِالثَمَنِ) أي: فإن فات المبيع بيعًا فاسدًا مضى بالثمن إذا كان مختلفًا فيه.
(المتن)
وَإِلَّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ حِينَئِذٍ، وَمِثْلَ الْمِثْلِي بِتَغَيُّرِ سُوقِ غَيْرِ مِثْلِيٍّ وَعَقَارٍ، وَبِطُولِ زَمَانِ حَيَوَانٍ، وَفِيهَا شَهْرٌ وَشَهْرَانِ، وَاخْتَارَ أَنَّهُ خِلَافٌ، وَقَالَ: بَلْ فِي شَهَادَةٍ،
_________________
(١) انظر: المنتقى: ٦/ ٥٢٦، والتوضيح: ٥/ ٣٦٥.
(٢) زاد بعده في (ن ٤): (كَأَخْذِهَا بالْبَلَدِ بصِفَةٍ).
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٦٥.
(٤) انظر: شرح التلقين: ٦/ ١٠١٩ و١٠١٨.
(٥) في (ن ٤): (بإقباض).
(٦) قوله: (الفاسد) ساقط من (ن) و(ن ٥).
(٧) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٠٥.
(٨) في (ن ٤): (للمبتاع).
[ ٣ / ٥٥٦ ]
وَبِنَقْلِ عَرْضٍ وَمِثْلِيٍّ لِبَلَدٍ بِكُلْفَةٍ، وَبِوَطْءِ، وَبِتَغَيُّرِ ذَاتِ غَيْرِ مِثْلِيٍّ وَخُرُوجٍ عَنْ يَدٍ، وَتَعَلُّقِ حَقٍّ كَرَهْنِهِ، وَإِجَارَتِهِ، وَأَرْضٍ بِبِئْرٍ، وَعَيْنٍ، وَغَرْسٍ، وَبِنَاءٍ عَظِيمَي الْمَؤُونَةِ، وَفَاتَتْ بِهِمَا جِهَةٌ هِيَ الرُّبعُ فَقَطْ، لَا أَقَلَّ. وَلَهُ الْقِيمَةُ قَائِمًا عَلَى الْمَقُولِ وَالْمُصَحَّحِ، وَفِي بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مُطْلَقًا تَأوِيلَانِ؛ لَا إِنْ قَصَدَ بِالْبَيْعِ الإِفَاتَةَ، وَارْتَفَعَ الْمُفِيتُ إِنْ عَادَ، إِلَّا بِتَغَيرِ السُّوقِ.
(الشرح)
قوله (١): (وإلا ضمن قيمته حينئذٍ ومثل المثلي) أي: وإن كان متفقًا على فساده لزم فيه القيمة في المقوم، والمثل في المثلي، ولما كان التقويم (٢) في ذلك حين الضمان أشار إليه بقوله: (حينئذ) وهو المشهور فيقوم يوم القبض عند ابن القاسم (٣) وعند أشهب (٤) يوم التمكين، أو حين دفع الثمن، وقيل: يقوم يوم العقد، وقيل: يوم الفوات، وما ذكر من التفصيل هو قول ابن القاسم، وحكى اللخمي في المختلف فيه أربعة أقوال: المضي بالعقد وبالقبض (٥) و(٦) بالفوات، وهل بالثمن يكون (٧) أو بالقيمة؟ قولان (٨).
قوله: (بِتَغَيُّرِ سُوقِ غَيْرِ مِثْليٍّ وَعَقَارٍ) يريد: أن الفوات المذكور يكون بتغيير سوق (٩) في العروض والحيوان دون العقار، والمثلي من المكيل والموزون والمعدود، فإن تغير السوق لا يفيت ذلك على المشهور خلافًا لابن وهب، وفرق الأول (١٠) بأن العقار في الغالب لا يشترى إلا (١١) للقنية، فلا تطلب فيه كثرة الثمن ولا قلته بخلاف غيره، وبأن
_________________
(١) قوله: (قوله) ساقط من (ن ٤).
(٢) في (ن ٤): (التغريم).
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٠٥.
(٤) زاد في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (أو).
(٥) قوله: (وبالقبض) زيادة من (ن ٤).
(٦) قوله: (و) ساقط من (ن).
(٧) قوله: (يكون) زيادة من (ن ٤)
(٨) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٢٣٠.
(٩) في (ن): (بتغير السوق).
(١٠) في (ن): (للأول).
(١١) قوله: (لا يشترى إلا) ساقط من (ن ٥).
[ ٣ / ٥٥٧ ]
الأصل في المثلي القضاء بمثله، والقيمة فرع فلا يعول (١) عليها مع إمكان الأصل (٢).
قوله: (وَبِطُولِ زَمَانِ حَيَوَانٍ، وَفِيهَا شَهْرٌ وَشَهْرَانِ) واختلف في طول الزمان هل يفوت (٣) الحيوان أو لا؟ والأول هو المشهور وهو مذهب المدونة (٤)، والثاني حكاه ابن شاس (٥)، وعك الأول ففي كتاب العيوب من المدونة أن مرور الشهر فوت (٦)، وفي السلم (٧) الشهر والشهران لا يكون فوتًا، وحمله اللخمي على الخلاف (٨)، وإليه أشار بقوله (وَاخْتَارَ أَنَّهُ خِلافٌ) أي: في المعنى، وقال المازري: إنما هو خلاف في شهادة (٩)، وإليه أشار بقوله: (وَقَالَ: بَلْ فِي شِهَادَةٍ).
قوله: (وَبِنَقْلِ عَرْضٍ وَمِثْلِيٍّ لِبَلَدٍ بِكُلْفَةٍ) يريد: أن نقل العروض والمثلي من بلد إلى بلد مفيت إذا كان بكلفة، وهكذا نقل المازري واحترز بالكلفة من الحيوان الذي ينتقل بنفسه، فإن نقله لا يفيته إلا في خوف طريق أو أخذ مَكْس (١٠) عليه (١١).
قوله: (وَبِوَطْءِ) يريد: أن وطء الأمة يفيتها وهو قول ابن القاسم في الموازية (١٢).
قوله: (وَبِتَغَيُّرِ ذَاتِ غَيْرِ مِثْلِيٍّ) يريد: إن تغير ذات غير مثلي يفيته دون المثلي؛ لأن غيره يقوم مقامه، وحكاه اللخمي (١٣) والمازري، وقي الجواهر قول (١٤): أن المثلي يفوت
_________________
(١) في (ن): (فلا يعدل).
(٢) قوله: (إمكان الأصل) يقابله في (ن ٣) و(ن ٤): (الإمكان). وانظر: التوضيح: ٥/ ٥١٠.
(٣) في (ن): (يفيت).
(٤) انظر: تهذيب المدونة: ٣/ ١٥٣.
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٧٩ و٦٨٠.
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٣٣٦.
(٧) قوله: (وفي السلم) يقابله في (ن ٤): (وفي كتاب السلم).
(٨) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٢٢٣.
(٩) زاد في (ن ٥): (أو أي في حال). وانظر: شرح التلقين: ٥/ ٤٤٦ و٤٤٥.
(١٠) في (ن) و(ن ٤): (مكتبى).
(١١) انظر: شرح التلقين: ٤٤٥/ ٥ و٤٤٦.
(١٢) في (ن ٤): (المدونة). وانظر: المدونة: ٤/ ٤٨٣.
(١٣) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٢٢٣.
(١٤) في (ن ٤): (قولان).
[ ٣ / ٥٥٨ ]
بتغيره كغيره (١).
قوله: (وَخُرُوجٍ عَنْ يَدٍ، وَتَعَلُّقِ حَقٍّ كَرَهْنِهِ، وَإِجَارَتهِ) أي: ومما يفيت المبيع خروجه عن يد المبتاع بهبة أو صدقة أو بيع أو عتق، وتعلق حق به (٢) الغير له (٣) كرهنه وإجارته وإخدامه مدة محدودة، لأن الإخدام المؤجل بوقت (٤) يجري مجرى الإجارة (٥).
قوله: (وَأَرْضٍ بِبِئْرٍ، وَعَيْنٍ وَغَرْسٍ، وَبِنَاءٍ) يريد أن الأرض تفوت بحفر بئر فيها أو إجراء عين أو غرس شجر أو بناء، واحترز "بالغرس" من "الزرع" فإنه لا يفيتها، قاله ابن القاسم، وعليه كراء المثل إن فسخ في إبان الزراعة فإن فسخ بعده (٦)، فلا كراء (٧).
قوله: (وَبِنَاء عَظِيمَيْ الْمَؤُونَةِ) أي: الغرس والبناء.
أصبغ: إذا غرس حول الأرض شجرًا حتى أحاط بها، وعظمت في ذلك المؤونة وبقي أكثرها بياضًا أنها تفوت جميعها، وإن لم يغرس إلا ناحية منها فاتت تلك الناحية (٨).
ابن رشد: وذلك (٩) إذا كانت تلك الناحية قيمتها ثلث المجموع أو ربعه (١٠)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَفَاتَتْ بِهِما جِهَةٌ هِيَ الرُّبعُ).
قوله: (فَقَطْ، لا أَقَلُّ) أي: لا أقل من الربع كما نبه عليه.
أصبغ (١١): وإن كان إنما غرس (١٢) يسيرًا لا بال له رد جميعه، وكان للغارس على
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر: ٣/ ٨٨١ و٨٨٢.
(٢) قوله: (به) زيادة من (ن).
(٣) زاد في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (الغير له).
(٤) قوله: (بوقت) ساقط من (ن).
(٥) في (ن ٤): (الأجرة).
(٦) قوله: (في إدبان الزراعه فأن فسخ) زيادة من (ن).
(٧) انظر: تهذيب المدونة: ٣/ ٥٠٨.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ١٧٥.
(٩) في (ن ٤): (كذلك).
(١٠) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٥٨.
(١١) في (ن): (ابن رشد).
(١٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ١٧٥.
[ ٣ / ٥٥٩ ]
البائع قيمة ما غرس.
ابن محرز والمازري: والصواب أن تكون له قيمتها قائمة؛ لأنه (١) غرسها بشبهة (٢)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَلَهُ الْقِيمَةُ قَائِمًا عَلَى الْمَقُولِ وَالْمُصَحَّحِ).
قوله: (وَفي بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مُطْلَقًا تَأْوِيلانِ) يريد: أنه اختلف في المبيع بيعًا فاسدًا يبيعه مشتريه قبل قبضه هل يفوت بذلك أم لا؟، والقولان لمالك في الموازية (٣).
عياض: اختلفوا في حمل المدونة عليهما، وإليه أشار بقوله: (تَأْوِيلانِ)، وهذا (٤) الإطلاق يحتمل أن يرجع إلى قوله: (وَفي بَيْعِهِ) أي: وفي بيعه (٥) مطلقًا ليتناول البيع الصحيح والفاسد، إلا أن اللخمي نص على أن البيع الفاسد لا يفيت (٦)، ويحتمل أن يكون راجعًا إلى قوله: (قَبْلَ قَبْضِهِ) ليتناول القبض الحسي والمعنوي، ويحتمل أن يكون مراده سواء كان حيوانًا أو غيره كان مقومًا أو مثليًا.
عياض: ولا خلاف أنه لو علم بالفاسد ثم باعها قصدًا للتفويت أن بيعه غير ماضٍ (٧)، أي: يفسخ هو وما قبله، وإلى هذا أشار بقوله: إلا إِنْ قَصَدَ بِالْبَيع الإِفَاتَةَ) ووقع في بعض الروايات أنه إذا قصد التفويت بالبيع من غيره فإنه لا يفوت إلا بالعتق.
قوله: (وَارْتَفَعَ الْمُقِيتُ إِنْ عَادَ إلا بِتَغَيُّرِ السُّوقِ) يعني: فإن حصل بالبيع فوت (٨)، ثم زال وعاد (٩) المبيع إلى يد بائعه الذي اشتراه شراء فاسدًا، فإن حكم التفويت يرتفع عنه لارتفاع سببه إلا أن يكون الفوت حوالة الأسواق ويعود، فإن حكمه لا يرتفع، قاله ابن القاسم.
_________________
(١) في (ن ٣): (لأن).
(٢) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٤٤٢، والتوضيح: ٥/ ٥٠٨.
(٣) في (ن) و(ن ٤): (المدونة). وانظر: المدونة: ٣/ ٣٣٦.
(٤) في (ن) و(ن ٥): (وقيل)، وفي هامشها: (وقيد).
(٥) قوله: (أي: وفي بيعه) ساقط من (ن).
(٦) انظر: اللخمي، ص: ٤٢٢٣ و٤٢٣١.
(٧) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٠٩.
(٨) قوله: (بالبيع فوت) يقابله في (ن): (مفيت بالمبيع).
(٩) في (ن ٣): (أو عاد).
[ ٣ / ٥٦٠ ]
وقال أشهب: لا يرتفع بعوده من بيع (١) ولا غيره (٢)، ويجري على (٣) هذا الخلاف في العتق والتدبير، يرده الغريم، والعيب يزول بعد حدوثه.
المازري: وكذلك إذا آجره أو رهنه ثم افتكه فإن ذلك يجري على القولين (٤).
فصل [في أحكام بيوع الآجال]
(المتن)
فَصْلٌ وَمُنِعَ لِلتُّهَمَةِ مَا كَثُرَ قَصْدُهُ، كَبَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَسَلَفٍ بِمَنْفَعَةٍ، لَا إن قَلَّ، كَضَمَانٍ بِجُعْلٍ، أَوْ أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفَكَ، فَمَنْ بَاعِ لِأَجَلٍ ثُمِّ اشْتَرَاهُ بِجِنْسِ ثَمَنِهِ مِنْ عَيْنٍ وَطَعَامٍ وَعَرْضٍ فَإِمَّا نَقْدًا، أَوْ لِلْأَجَلٍ، أوْ لِأَقَلَّ، أوْ لِأَكْثَرَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ يُمْنَعُ مِنْهَا ثَلَاثٌ، وَهِيَ مَا تُعُجِّلَ فِيهِ الأَقَلُّ، وَكَذَا الْمُؤَجَّلُ بَعْضُهُ يمْتَنِعُ مَا تُعُجِّلَ فِيهِ الأَقَلُّ، أَوْ بَعْضُهُ، كَتَسَاوِي الأَجَلَينِ، إِنْ اشترطا نَفْيَ الْمُقَاصَّةِ لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ فِي أَكْثَرَ لِأَبْعَدَ إِذَا شَرَطَاهَا، وَالرَّدَاءَة وَالْجَوْدَةُ كَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ.
(الشرح)
(وَمُنِعَ لِلتُّهْمَةِ مَا كَثُرَ قَصْدُهُ كَبَيْعٍ، وَسَلَفٍ وسلف (٥) بِمَنْفَعَةٍ) قد يقصد المتعاقدان إظهار عقد (٦) جائز ليتوصلا إلى ما لا يجوز، ويتذرعان بشيء جائز في الظاهر إلى باطن ممنوع، فمنع (٧) حسمًا للذريعة وحماية لها، ولا خلاف في جواز كل من البيع والسلف على انفراده، والجمهور على منع اجتماعهما حسمًا (٨) للذريعة؛ إذ قد يتهمان (٩) على قصد السلف بالزيادة، ولا خلاف في المذهب في مراعاة ذلك، وفسخ العقد إذا كان مما يكثر
_________________
(١) في (ن ٤): (بائع).
(٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٥١٢.
(٣) قوله: (على) ساقط من (ن).
(٤) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٤٥٦ و٤٥٧.
(٥) قوله: (وسلف) زيادة من (ن).
(٦) في (ن ٥): (فعل).
(٧) قوله: (فمنع) ساقط من (ن ٣)، وفي (ن ٤): (ن): (فمنعه الشرع).
(٨) في (ن) و(ن ٣): (حماية)، وفي (ن ٥): (صيانة).
(٩) في (ن ٣): (يتوهمان).
[ ٣ / ٥٦١ ]
القصد إليه، وتظهر (١) التهمة عليه كبيع وسلف أو (٢) سلف جر منفعة كما قال، و(قصده) (٣) يحتمل أن يكون حالًا؛ أي: منع ما كثر حالة كونه مقصودًا، وتمييزًا؛ أي: ما يكثر القصد إليه، واحترز بقوله: (بِمَنْفَعَةٍ) مما إذا تجرد السلف عن منفعة المسلف (٤) فإنه لا يمتنع.
قوله: (لا إن قَلَّ) أي: فإن قل القصد إلى ذلك، وبعدت التهمة كما إذا باع ثوبين بعشرين إلى شهر ثم اشترى أحدهما عند الأجل أو قبله بعشرين، فإن أمره آل إلى أن دفع له ثوبين ليضمن له أحدهما بثوب إلى الأجل، وهذا معنى قوله: (كَضَمانٍ بجُعْلٍ) وهو ظاهر المذهب، وقيل: بالمنع.
ابن بشير وابن شاس: والقولان مشهوران (٥).
وأما قوله: (أَوْ أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفَكَ) فمعناه: أن يبيع له ثوبًا بدينارين إلى شهر (٦)، ثم يشتري أحدهما بدينارين نقدًا والثاني إلى شهرين، فالسلعة قد رجعت إليه ودفع الآن دينارًا ليأخذ بعد شهر دينارين أحدهما عوضًا فيما أعطاه الثاني كأنه أسلفه، ويعطيه عنه بعد شهر آخر دينارًا ثانيًا، والمشهور جوازه خلافًا لعبد الملك (٧).
قوله: (فَمَنْ بَاعَ لأَجَلٍ ثم اشتراه بجنس ثمنه من عين وطعام وعرض، فإما نقدًا أو للأجل أو لأقل أو لأكثر بمثل الثمن أو أقل، أو أكثر يمنع منها ثلاثٌ وهي ما تعجل فيه الأقل) لما كان الكلام السابق كالفاتحة لبيوع الآجال أتبعه بالكلام على مسائل بيوع الآجال، ولهذا أتى بعده بـ "فاء التعقيب" فقال: (فمن باع لأجل) أي: باع شيئًا لأجل احترز بذلك عما إذا باع نقدًا؛ فإنه ليس من هذا الباب.
قوله: (ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِجِنْسِ ثَمَنِهِ مِنْ عَيْنٍ) أي: كما إذا باعه بدراهم ثم اشتراه بدراهم؛
_________________
(١) في (ن ٣): (وتكثر).
(٢) في (ن): (و).
(٣) في (ن ٣) و(ن ٥): (قصدًا).
(٤) قوله: (منفعة المسلف) يقابله في (ن) و(ن ٣): (المنفعة).
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٨٧، والتوضيح: ٥/ ٣٦٨.
(٦) في (ن): (شهرين).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٩٩، وما بعدها، والتوضيح: ٥/ ٣٦٨.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
أو باعه بذهب ثم اشتراه بذهب (١)، وكذلك الطعام والعروض وغيرهما.
قوله: (فَإِمَّا نَقْدًا) أي: فإما أن تكون البيعة الثانية نقدًا أو إلى الأجل الأول أو إلى الأجل أقل من الأجل الأول أو إلى أكثر منه، فهذه صور أربع، وكل منها إما بمثل الثمن الأول (٢) أو أقل منه أو أكثر.
والحاصل من ضرب أربعة في ثلاثة باثني عشر يمتنع منها ثلاثة كما قال، وهي ما عجل فيه الأقل، وهي ما إذا اشتراها بأقل نقدًا أو بأقل إلى دون الأجل، أو بأكثر إلى أبعد من الأجل، والتسع الباقية جائزة، وضابطه أن تنظر، فإن تساوى الأجلان فيهما حكم (٣) بالجواز، وإن اختلف الثمنان وكذلك إن تساوى الثمنان؛ فلا يضر اختلاف الأجلين، وإن اختلفا في الثمنية والأجل نُظر إلى اليد السابقة بالعطاء، فإن عاد إليها مثل أو (٤) أقل مما خرج منها جاز وإن رجع إليها أكثر امتنع، وبيانه ما ظهر من الصور الثلاثة، (وَهِيَ مَا تَعجّل فِيهِ الأقَلُّ).
قوله: (وَكَذَا الْمُؤَجَّلُ بَعْضُهُ يمْتَنِعُ مَا تَعَجَّلَ فِيهِ الأقَلُّ أَوْ بَعْضُهُ) (٥) أي: وكذلك الحكم إذا كان الثمن الثاني بعضه مؤجلًا وبعضه نقدًا سواء كان إلى (٦) الأجل الأول (٧) أو دونه أو بعد منه كان الثمن مساويًا أو أقل أو أكثر وهي تسع مسائل يمتنع منها (٨) ثلاث (٩) ما تعجل فيه الأقل أو بعضه، ويجوز ما عداه، فالممتنع إن يشتري ما باعه بعشرة إلى شهر وبثمانية إلى نصف شهر (١٠)؛ أربعة نقدًا وأربعة إلى نصف شهر، أو إلى شهر، أو إلى أبعد من الشهر، وكذلك إذا اشترى ما باعه بعشرة إلى شهر باثني عشر؛
_________________
(١) قوله: (ثم اشتراه بذهب) ساقط من (ز).
(٢) قوله: (الأول) ساقط من (ن ٤).
(٣) في (ن): (فاحكم).
(٤) قوله: (مثل أو) زيادة من (ن).
(٥) قوله: (أو بعضه) يقابله في (ن ٤): (وبعضه).
(٦) قوله: (إلى) زيادة من (ن ٥).
(٧) في (ن ٣): (الأقل).
(٨) قوله: (منها) زيادة من (ن ٥).
(٩) قوله: (ثلاث) زيادة من (ن).
(١٠) قوله: (إلى نصف شهر) زيادة من (ن ٥).
[ ٣ / ٥٦٣ ]
خمسة نقدًا أو سبعة إلى شهرين.
قوله: (كَتَسَاوِي الأَجَلَيْنِ، إِنْ اشترطا نَفْيَ الْمُقَاصَّةِ لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَلذَلِكَ صَحَّ فِي أَكْثَرَ لأَبْعَدَ إِذَا شَرَطَاهَا) أي: وكذا يمتنع مع تساوي الأجلين إذا اشترط المتبايعان عدم (١) المقاصة لكون التهمة دائرة مع الدين بالدين، وهما مع اشتراط ذلك يؤول أمرهما إلى عمارة الذمتين ولأجل هذا صح ما أصله المنع، وهو ما إذا اشتريت بأكثر إلى أبعد إذا اشترط المقاصة للسلامة من دفع قليل في كثير.
قوله: (وَالرَّدَاءَةُ وَالجْوْدَةُ كَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ) يريد: أن الرداءة كالقلة والجودة كالكثرة، فإذا باع أولًا بمحمدية ثم اشترى ثانية (٢) بيزيدية، أو بالعكس منع ما تعجل فيه الرديء أو بعضه كما تقدم.
(المتن)
وَمُنِعَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، إلَّا أَنْ يُعَجِّلَ اكثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمُتَأَخِّرِ جِدًّا وَبِسِكَّتَيْنِ إِلَى أَجَل، كَشِرَائهِ لِلأَجَلِ بِمُحَمَّدِيَّةٍ مَا بَاعَ بِيَزِيدِيَّةٍ، وَإِنِ اشْتَرَى بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ ثَمَنَهُ جَازَتْ ثَلَاثُ النَّقْدِ فَقَطْ، وَالْمِثْلِيُّ صِفَةً وَقَدْرًا كَعَيْنِهِ، فَيَمْتنِعُ منه بِأَقَلَّ لِأَجَلِهِ، أَوْ أَبْعَدَ؛ إِنْ غَابَ مُشْتَرِيهِ بِهِ، وَهَلْ غَيْرُ صِنْفِ طَعَامِهِ كَقَمْع وَشَعِيرٍ مُخَالِفٌ أَوْ لَا؟ تَرَدُّدٌ.
(الشرح)
قوله: (وَمُنِعَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ (٣» أي: ومنع كون أحد الثمنين ذهبًا والآخر فضة.
ابن شاس: وإن كان البيع الثاني مؤجلًا منع مطلقًا لأنه صرف مستأخر (٤)، وإن كان نقدًا فإن كان (٥) المنقود أقل من صرف المتأخر (٦) منع قولًا واحدًا، وإن كان مثله فأكثر فقولان منصوصان: المنع مطلقًا، قاله أشهب، والمنع إذا كان المنقود مثل الصرف المتأخر (٧) أو مقاربًا له، والجواز إذا كثر المنقود جدًّا، وهذا هو مذهب الكتاب، وهذه الصورة هي التي
_________________
(١) في (ن ٥): (نفي).
(٢) قوله: (ثانية) ساقط من (ن).
(٣) في (ن ٥): (أو فضة).
(٤) في (ن ٣) و(ن ٤)، و(ن): (بتأخير).
(٥) قوله: (كان) ساقط من (ن ٤).
(٦) زاد في (ن): (وأن كان نقدا فأن كان المنقود أقل من صرف المتأخر).
(٧) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (المستأخر).
[ ٣ / ٥٦٤ ]
استثناها بقوله: (إِلا أَنْ يُعَجِّلَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمُتَّأَخِّرِ جِدًّا) (١) مثل أن (٢) يبيع شيئًا بعشرين درهمًا إلى شهر (٣) بعشرة (٤) ثم يشتريه بعشرين دينارًا نقدًا (٥).
قوله (٦): (وَبِسكَّتَيْنِ إِلى أَجَلٍ كَشِرَائِهِ لِلأَجَلِ بِمُحَمَّدِيَّةٍ مَا بَاعَ بِيَزِيدِيَّةٍ) هكذا في المدونة.
ابن رشد: المشهور المنع، وهو مذهب المدونة. ابن يونس وغيره: ولا فرق بين أن تتقدم المحمدية وتتأخر اليزيدية والعكس إذا كان ذلك إلى أجل، ولو اتفق. ونقله ابن محرز عن أكثر من (٧). . .، وقوله: بسكتين. أي ومنع بسكتين، وهذا في المدونة. ابن رشد (٨): وهو المشهور، وظاهره سواء تعجل الأدنى والأجود وفيه نظر مما تقدم (٩).
قوله: (وَإِنِ اشْتَرَى بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ ثَمَنَهُ، جَازَتْ ثَلاثُ النَّقْدِ فَقَطْ) إذا باع شيئًا بعرض ثم اشتراه بعرض فتارة يكون الثاني مساويًا للأول في الثمن (١٠)، وتارة يكون مخالف الأول في الثمن.
فإن كان مساويًا له فله حكم الطعام على ما سيأتي، وإن كان مخالفًا وهو مراده هنا بثمنه، فإما أقل من الثمن الأول أو أكثر، وهو إما نقدًا وإما إلى أجل دون الأجل، أو إلى الأجل نفسه، أو أبعد منه؛ فهي ثماني صور تجوز منها صورتان؛ وهي ما إذا كان الثاني نقدًا قل أو كثر (١١)، وظاهر كلامه أن صور النقد ثلاث وليس كذلك؛
_________________
(١) قوله: (وهذا هو مذهب الكتاب. . . أَنْ يُعَجِّلَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمُتَأَخِّرِ جِدًّا) ساقط من (ن ٣).
(٢) زاد بعده في (ن ٤): (يعجل أكثر من قيمة المتأخر لمن).
(٣) قوله: (بعشرة) زيادة من (ن ٥).
(٤) قوله: (بعشرة) ساقط من (ن).
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٨٣ و٦٨٤.
(٦) زاد بعده في (ن ٤): (قوله: "وَإِنِ اشْتَرَى بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ" في المدونة ابن رشد: وهو المشهور، وظاهره سواء تعجل الأدنى أو الأجود، وفيه نظر). وانظر: البيان والتحصيل: ١٠/ ١٧٤.
(٧) التوضيح: (مذاكريه) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٧٨.
(٨) قوله: (المشهور المنع، وهو مذهب. . . وهذا في المدونة. ابن رشد) زيادة من (ن ٥).
(٩) قوله: (مما تقدم) زيادة من (ن ٥).
(١٠) قوله: (في الثمن) زيادة من (ن ٣).
(١١) في (ن ٥): (أو أقل أو أكثر).
[ ٣ / ٥٦٥ ]
لأنه فرض الثمن (١) الثاني مخالفا، ولا يتأتى في النقد ثلاث (٢) إلا باعتبار كونه مخالفًا تارة ومساويًا تارة، ولهذا لم يأت في الفرض (٣) المذكور إلا ثماني صور، وتسقط صورة المساواة وهي أربع لأن الثمن الثاني مع مساواة الأول تارة يكون نقدًا مع تأجيل (٤) الأول، وتارة يكون أجل الثاني أقل أو أكثر أو مساويًا، وذلك واضح.
قوله: (وَالمثْلِيُّ صِفَةً وقدرًا كَعَيْنِهِ (٥» يريد: من باع شيئًا من المثليات وهي المكيل والموزون والمعدود بثمن إلى أجل، ثم اشترى منه مثله صفة وقدرًا، فإن ذلك المثلي يكون بمنزلة العين (٦) المبيع أولًا، ويصير كأنه اشترى منه عين شيئه؛ لأن ما لا يعرف بعينه يقوم مقامه مثله في كثير من المسائل، وقد علمت أنه إذا اشترى منه عين شيئه يأتي فيه اثنتى عشرة صورة يمتنع منها ثلاث.
ثم أشار بقوله: (فيمْتنِعُ منه (٧) بِأَقَلَّ لأَجَلِهِ، أَوْ أبَعْدَ) إلى صورتين ممتنعتين أيضا، وهو أن يبيع منه أردب حنطة بدرهمين لشهر، ثم يشتري منه (٨) مثله بدرهم إلى ذلك الشهر (٩) أو أبعد منه، لأنه في هذا السلف بزيادة (١٠)، وإنما قال: (إِنْ غَابَ مُشْتَرِيهِ (١١» لأنهم عدوا الغيبة عليه سلفًا، فإن (١٢) كان البائع أسلف المشتري إردبًا على أن يعطيه درهمًا بعد شهر ويقاصه بدرهم عند شهر آل إلى سلف جر منفعة، ولو أتى هنا بـ "الواو" عوض "الفاء" في قوله: (فَيَمْتنِعُ) لكان أحسن ليؤذن بالمنع في صورة النقد
_________________
(١) قوله: (الثمن) ساقط من (ن).
(٢) في (ن ٣): (ثالث).
(٣) في (ن ٥): (العرض).
(٤) في (ن ٣): (تعجيل)، وفي (ن ٥): (تأخير).
(٥) في (ن ٥): (كمثله).
(٦) قوله: (العين) زيادة من (ن).
(٧) قوله: (منه) زيادة من (ن ٥).
(٨) قوله: (منه) زيادة من (ن ٥)،
(٩) في (ن): (الأجل).
(١٠) قوله: (لأنه في هذا السلف بزيادة) يقابله في (ن ٥): (هذا سلف بزيادة).
(١١) زاد بعده في (ن ٤): (به).
(١٢) قوله: (فإن) ساقط من (ن).
[ ٣ / ٥٦٦ ]
التي تقدمت.
قوله: (وَهَلْ غَيْرُ (١) صنْفِ طَعَامِهِ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ مُخَالِفٌ أَوْ لا؟ تَرَدُّدٌ) أي: فإن كان طعام المشتري الأول (٢) من جنس الأول لا من صنفه (٣) كالقمح مع الشعير ونحوه، فهل يكون مخالفًا له، ويصير كمن باع ثوبًا ثم اشترى منه جارية ونحوها، فيجوز مطلقًا أو لا؟ والأول حكاه صاحب النكت عن بعض شيوخه القرويين، ورأى (٤) ابن يونس أنه الجواز (٥) على مذهب ابن القاسم، وأن المنع يأتي على مذهب سحنون ومحمد في العرض المردود مثله (٦) كما سيأتي، وقد اختلف الأشياخ فيمن أسلم في حنطة سلمًا فاسدًا وفسخ العقد بينهما ووجب له أخذ رأس ماله، فقال في المدونة: له أن يأخذ ما شاء عن رأس ماله سوى المصنف الذي أسلم فيه (٧)، وقال ابن أبي زمنين وفضل وغيرهما: يأخذ الشعير عن القمح أو العكس، والسمراء عن المحمولة والعكس، وهو مذهب الموازية (٨) والواضحة، وقال ابن محرز والإبياني: لا يجوز (٩).
(المتن)
وَإِنْ بَاعَ مُقَوَّمًا فَمِثْلُهِ كَغَيرِهِ، كَتَغَيُّرِهَا كَثِيرًا، وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْن لِأَبْعَدَ مُطْلَقًا أَوْ أَقَلَّ نَقْدًا امْتَنَعَ لَا بِمِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وَامْتَنَعَ بِغَيْرِ صِنْفِ ثَمَنِهِ، إِلَّا أَنْ يَكْثُرَ الْمُعَجَّلُ وَلَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مَعَ سِلْعَةٍ نَقْدًا مُطْلَقًا، أَوْ لِأَبْعَدَ بِأَكْثَرَ، أَوْ بخَمْسَةٍ وَسِلْعَةٍ: امْتَنَعَ، لَا بِعَشَرَةٍ وَسِلْعَةٍ، وَبِمِثْلٍ وَأَقَلَّ لِأَبْعَدَ وَلَوِ اشْتَرَى بِأَقَلَّ لَأَجَلِهِ ثُمَّ رَضِيَ بِالتَّعْجِيلِ قَوْلَانِ، كَتَمْكِينِ بَائِعٍ مُتْلِفٍ مَا قِيمَتُهُ أَقَلّ مِنَ الزيَادَةِ عِنْدَ الأَجَلِ. وَإِنْ أَسْلَمَ فَرَسًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ، ثُمَّ اسْتَرَدَّ مِثْلَهُ مَعَ خَمْسَةٍ امتنعَ
_________________
(١) قوله: (غير) ساقط من (ن).
(٢) قوله: (الأول) زيادة من (ن ٣).
(٣) قوله: (لا من صنفه) يقابله في (ن): (ومن صنفه).
(٤) في (ن): (وراه).
(٥) في (ن ٥): (بالخيار)، وفي (ن ٣) و(ن ٤): (يجب الخيار).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٨٢.
(٧) انظر: المدونة، دار صادر: ٩/ ٥٩.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٦٣.
(٩) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٨٣.
[ ٣ / ٥٦٧ ]
مُطْلَقًا، كَمَا لَوِ اسْتَرَدَّهُ، إلَّا أَنْ يَبْقَى الْخَمْسَةُ لِأَجَلِهَا، لِأَنَّ الْمُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ وَالْمُؤَخِّرَ مُسْلِفٌ.
(الشرح)
قوله: (وَإِنْ بَاعَ مُقَوَّمًا فَمِثْلُهُ كَغَيْرِهِ) أي: فإن كانت السلعة من المقومات كالعروض والحيوان وما أشبههما مما يعرف بعينه، فإن مثلها كمخالفها، فإذا باع عرضًا بعشرة (١) مثلًا إلى شهر ثم اشترى منه عرضًا مثل الأول بأقل نقدًا، فإن ذلك جائز؛ كما لو اشترى ما يخالفه في الجنس، وهذا مذهب المدونة وهو الأصح، وقال سحنون وابن المواز وغيرهما: المثل ليس كالمخالف بل كالعين فهو كما لو اشترى منه تلك السلعة (٢) بنفسها (٣).
قوله: (كَتَغَيُّرِهَا كَثِيرًا) يريد: أن تغير السلعة كثيرًا يصيرها كغيرها، فإذا باع دابة بعشرة إلى سنة (٤) مثلًا، ثم ركبها إلى مثل الحج، وبعيد السفر، ثم أتى بها وقد تغيرت ونقصها ذلك فإنه يجوز له شراؤها بتسعة فأقل، هكذا روى ابن القاسم في المدونة، وروى أشهب منعه، وبه أخذ سحنون، وكذا إذا حصل بها عور أو عرج أو قطع حتى يعلم أنهما لم يعمدا إلى (٥) فسخ فلا يصح هذا، ولا يؤمن (٦) عليه أحد (٧).
قوله: (وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَيْن لأَبْعَدَ مُطْلَقًا أَوْ أَقَلَّ نَقْدًا امْتَنَعَ) أي: فإن باع ثوبين بعشرة مثلًا إلى شهر، ثم اشترى منه (٨) أحدهما إلى أبعد من الأجل الأول (٩) امتنع مطلقًا، أي: يريد: سواء كان الثمن الثاني مساويًا للأول (١٠) أو أقل أو أكثر منه، وقوله:
_________________
(١) في (ن ٣) و(ن ٤): (بغيره).
(٢) قوله: (السلعة) ساقط من (ن ٣).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ١١٤ وما بعدها، والتوضيح: ٥/ ٣٨٥.
(٤) قوله: (إلى سنة) ساقط من (ن).
(٥) في (ن ٤): (يعملا على).
(٦) في (ن ٤): (يعمل)، وفي (ن): (لا يعول).
(٧) قوله: (فلا يصح هذا، ولا يؤمن عليه أحد) يقابله في (ن ٥): (وتبعد التهمة). وانظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٩١، والتوضيح: ٥/ ٣٨٦.
(٨) قوله: (منه) ساقط من (ن).
(٩) في (ن ٥): (والأول).
(١٠) قوله: (كان الثمن الثاني مساويًا للأول) يقابله في (ن): (كان الثمن الأول مساويا الثاني).
[ ٣ / ٥٦٨ ]
أو أقل نقدًا امتنع. أي (١): وكذا يمتنع إذا باعه له بأقل نقدًا، يريد: أو إلى (٢) دون الأجل.
قوله: (لا بِمِثْلِهِ أو أكثر) (٣) أي: بمثل الثمن الأول أو أكثر منه، يريد: نقدًا لانتفاء التهمة في ذلك، وروى عبد الملك المنع فيمن باع ثوبًا بعشرة إلى شهر، ثم اشتراه بثوب وعشرة لمآله إلى البيع والسلف، لأنه قد صار الثوب المردود عوضًا عن الثوب المدفوع، والعشرة سلفًا بعشرة (٤)، وألزم التونسي المنع منها في مسألة الكتاب إذا اشتراه بأكثر (٥).
الشيخ: (٦) لأن البائع خرج من يده ثوب وهو الباقي بيد المبتاع ورجع إليه ثوب عوضه وهو الذي كان خرج من يده أولًا، وهذا بيع، وخرج من يده عشرة نقدًا فيأخذ عنها عشرة بعد شهر، وهذا سلف، ويتصور في مسألة الكتاب الصور الاثنتي عشرة، لأنه إذا باع ثوبين بعشرة ثم اشترى أحدهما، فإما أن يشتريه بمثل الثمن الأول أو أقل (أَوْ أَكْثَرَ) وهو إما نقدًا أو إلى الأجل (٧) دون الأجل الأول، أو إلى الأجل نفسه أو إلى أبعد منه، وأحكامها واضحة مما سبق (٨).
قوله: (وَامْتَنَعَ بِغَيْرِ صِنْفِ ثَمَنِهِ، إِلا أَنْ يَكْثُرَ الْمُعَجِّلُ) أي: فلو اشترى البائع من المبتاع أحد الثوبين بغير صنف الثمن الأول كالذهب مع الفضة، والمحمدي مع اليزيدي فإن ذلك يمتنع لأنه رجع إليه أحد ثوبيه، وخرج منه ثوب وذهب.
قوله (٩): (يأخذ فيه عند الأجل فضة) ونحو ذلك سواء كان الثمن الثاني أقل أو مساويًا نقدًا أو إلى أجل أقل من الأجل الأول، أو إليه نفسه أو أبعد منه، ونقل بعضهم
_________________
(١) قوله: (منه، وقوله: أو أقل نقدًا امتنع. أي) ساقط من (ن ٣).
(٢) زاد في (ن): (الأجل).
(٣) قوله: (أو أكثر) زيادة من (ن ٥).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٩٩.
(٥) قوله: (الكتاب إذا اشتراه بأكثر) زيادة من (ن ٥).
(٦) زاد في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤). (هذه).
(٧) قوله: (الأجل) زيادة من (ن).
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٨٩.
(٩) قوله: (قوله) ساقط من (ن) و(ن ٥).
[ ٣ / ٥٦٩ ]
عدم الخلاف في ذلك، ولما كان كلامه شاملًا لما إذا كان الثاني أكثر ولو نقدًا أخرجه بقوله: (إِلا أَنْ يَكْثُرَ الْمُعَجَّلُ) أي: فيجوز، ونص عليه اللخمي، وحكى ابن بشير المنع كالتي قبلها (١).
قوله: (وَلَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مَعَ سِلْعَةٍ نَقْدًا مُطْلَقًا، أَوْ لأَبْعَدَ بِأَكْثَرَ أَوْ بِخَمْسَةٍ وَسِلْعَةٍ امْتَنَعَ) الضمير في (باعه) راجع إلى (الثوب)، وقوله: (مطلقًا) (٢): أي: سواء كان الثمن الثاني مساويًا للأول أو أقل أو أكثر، فإذا باعه بعشرة لأجل ثم اشتراه مع سلعة نقدًا امتنع مطلقًا، وكذا إذا باعه بثمن إلى أجل، ثم اشتراه مع سلعة فأكثر من الثمن الأول لأبعد من ذلك الأجل؛ لأنه بيع وسلف من المشتري، ومثله أيضا ما إذا باعه بعشرة لأجل ثم اشتراه (٣) بخمسة وسلعة نقدًا (٤) لأنه أيضًا بيع وسلف.
قوله: (لا بِعَشَرَةٍ وَسِلْعَةٍ) أي فإن ذلك لا يمتنع وهو مذهب ابن القاسم، وهو واضح إذا كانت العشرة والسلعة نقدًا أو إلى أجل (٥) دون الأجل وهو مراده هنا، وخالف عبد الملك ابنَ القاسم في ذلك، وأشار بقوله: (وبِمِثْلِ (٦) إلى أن البائع إذا اشترى الثوب بمثل الثمن الأول فإنه يجوز؛ سواء (٧) كان نقدًا أو إلى أجل (٨) دون الأجل أو إليه أو أبعد (٩).
قوله: (وَأَقَلَّ (١٠) لأَبْعَدَ) أي: فيجوز أيضا؛ إذ لا تهمة فيه.
قوله: (وَلَوِ اشْتَرَى بِأَقَلَّ لأَجَلِهِ ثُمَّ رَضِيَ بِالتَّعْجِيلِ فقَوْلانِ) أي: فلو وقع البيع على
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٩٠.
(٢) قوله: (مطلقا) زيادة من (ن ٥).
(٣) قوله: (اشتراه مع سلعة فأكثر. . . بعشرة لأجل ثم اشتراه) ساقط من (ن ٤).
(٤) قوله: (امتنع مطلقًا، وكذا إذا باعه. . . بخمسة وسلعة نقدًا) ساقط من (ن ٣).
(٥) قوله: (أجل) زيادة من (ن).
(٦) في (ن ٥): (أو بمثل).
(٧) قوله: (سواء) ساقط من (ن).
(٨) قوله: (أجل) ساقط من (ن).
(٩) انظر: المدونة: ٣/ ١٦٢، والنوادر والزيادات: ٦/ ٩٩، وما بعدها حتى ١٠٢، وانظر: التوضيح: ٥/ ٣٩٤.
(١٠) في (ن ٥): (أو أقل).
[ ٣ / ٥٧٠ ]
الوجه الجائز كما إذا اشترى بثمانية إلى شهر ما باعه بعشرة إلى الشهر نفسه، ثم رضي بتعجيل الأقل قبل (١) الأجل فهل يجوز ذلك إذ لا تهمة فيه، أو يمتنع لاتهامهما؟ والقولان للمتأخرين.
ابن رشد: وكذلك الخلاف إذا اشترى بأكثر إلى أجله ثم تراضيا (٢) بالتأخير (٣).
قوله: (كَتَمْكِينِ بَائِعٍ مُتْلِفٍ مَا قِيمَتُهُ أَقَلّ مِنَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ الأَجَلِ) يريد: أنه اختلف في البائع إذا أتلف ما باعه على المشتري فوجب عليه قيمته وهي إذ ذاك أقل من الثمن هل يمكن من أخذ الزيادة عند الأجل لبعد التهمة وهو قوله في المجموعة أو لا يمكن إلا من مقدار ما دفع فقط إذ يتهمان على السلف بزيادة وهو قول ابن القاسم في العتبية، مثاله: أن يتعدى على شاة باعها بعشرة إلى شهر فذبحها وكانت قيمتها حينئذ ثمانية (٤)، ولا خلاف في تمكين المشتري من القيمة -وهي الثمانية- لينتفع بها، وإنما الخلاف في الزائد كما تقدم ولهذا قال (كَتَمْكِينِ بَائِعٍ) تنبيهًا على ذلك.
قوله: (وَإِنْ أَسْلَمَ فَرَسًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ، ثُم اسْتَرَدَّ مِثْلَهُ مَعَ خَمْسَةٍ، امتنعَ مُطْلَقًا) هذه المسألة تلقب بمسألة الفرس لفرضها في الفرس كما عند البراذعي، وتلقب أيضا بمسألة البرذون لأنها في أصل المدونة مفروضة في البرذون، ونصها (٥) في كتاب الآجال من التهذيب: وإن أسلمت إليه فرسًا في عشرة أثواب إلى أجل، وأعطاك منها خمسة قبل الأجل مع الفرس أو مع سلعة سواه على إن أبرأته من الثياب لم يجز، لأنه بيع وسلف ووضيعة على تعجيل حق، ثم وجه ذلك إلى آخر المسألة (٦).
قوله: (ثُمَّ اسْتَرَدَّ مِثْلَهُ) أي: أخذ عنه عوضًا فرسًا (٧) مثله مع خمسة أثواب، يريد: وترك له الخمسة الباقية.
_________________
(١) في (ن ٤): (منه).
(٢) في (ن): (رضى).
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٣٧٣. لم ينسب القول لابن رشد ولم أجده في كتبه.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٩٧ و٩٦، والتوضيح: ٥/ ٣٧٤.
(٥) في (ن): (نص).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ١٦٦ و١٦٥، والتهذيب: ٣/ ١٣٨ و١٣٩.
(٧) قوله: (فرسا) ساقط من (ن ٤).
[ ٣ / ٥٧١ ]
قوله: (مُنعَ مُطْلَقًا) أي: سواء كانت الأثواب المردودة منقودة في الحال أو إلى أجل (١) أو أبعد منه؛ لأن الأمر آل إلى أنه أسلف (٢) فرسًا رد إليه مثله، والذي يعطيه معه هو زيادة لأجل السلف، وذلك ممنوع.
قوله: (كَما لَوِ اسْتَردَّهُ) أي: الفرس نفسه مع خمسة (٣)، يريد: وأَبرأ ذمته من باقي الأثواب كما في المدونة؛ لأنه لو أبقى الخمسة الأثواب إلى الأجل وأخذ الفرس عوضًا عن الآخر جاز كما نبه عليه بقوله: (إِلا أَنْ يبْقي الْخَمْسَة لأَجَلِهَا) أي فيجوز (٤)، وقاله ابن يونس.
ثم أشار بقوله: (لأَنَّ الْمُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ والْمُؤَخِّر (٥) مسلفٌ) (٦) إلى أن علة المنع (٧) في ذلك هو اجتماع البيع والسلف، قال في المدونة: ووجهه أن الذي عليه الحق عجل لك الخمسة الأثواب سلفًا منه ليقضيها من نفسه إذا حل الأجل والفرس مبيع (٨) بالخمسة الباقية (٩) ليجبر (١٠) الوضيعة (١١).
(المتن)
وَإِنْ بَاعَ حِمَارًا بِعَشَرَةٍ لِأَجَلٍ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ وَدِينَارًا نَقْدًا، أَوْ مُؤَجَّلًا مُنِعَ مُطْلَقًا، إلَّا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ الأول، لِلِأَجَلِ، وَإِنْ زِيدَ غَيْرُ عَيْنٍ وَبِيعَ بِنَقْدٍ لَمْ يُقْبَضْ جَازَ، إِنْ عُجِّلَ الْمَزِيدُ. وَصَحَّ أَوَّل مِنْ بُيُوعٍ الأَجَلِ فَقَطْ؛ إِلَّا أَنْ يَفُوتَ الثَّانِي فَيُفْسَخَانِ، وَهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أقَلَّ؟ خِلَافٌ.
(الشرح)
_________________
(١) في (ن) و(ن ٥): (الأجل الأول).
(٢) في (ن ٥): (أسلم).
(٣) في (ن ٥): (جنسه).
(٤) قوله: (أي فيجوز) زيادة من (ن ٥).
(٥) في (ن) و(ن ٣): (أو المؤخر).
(٦) في (ن ٣) و(ن ٤): (سلف).
(٧) في (ن ٣): (المنوع).
(٨) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (بيع).
(٩) زاد بعده في هامش ن ٥: (ويدخله ضع وتعجل؛ بأن تكون. . . المعجلة أو الفرس لا تساوي الخمسة الباقية).
(١٠) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (ليجيز).
(١١) انظر: المدونة: ٣/ ١٦٦ و١٦٥، والتهذيب: ٣/ ١٣٨ و١٣٩.
[ ٣ / ٥٧٢ ]
قوله: (وَإِنْ بَاعَ حِمَارًا بِعَشَرَةٍ لأَجَلٍ، ثُم اسْتَرَدَّهُ وَدِينَارًا نَقْدًا، أَوْ مُؤَجَّلًا مُنِعَ مُطْلَقًا، إلا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ الأول) (١) هذه المسألة تلقب بمسألة حمار ربيعة؛ لأنه ذكرها في المدونة عنه، ونصها: قال ربيعة: وإن بعت حمارًا بعشرة دنانير إلى أجل، ثم أقلته على أن أعجل لك دينارًا أو بعته بنقد فأقلته على إن زادك دينارًا أخرته (٢) عليه لم يجز. محمد: ويدخله البيع والسلف (٣).
قوله: (ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ) أي: أَقاله في الحمار ودفع له معه دينارًا، ونبه على أن الدينار المزيد إذا لم يكن معجلًا امتنع (٤) مطلقًا، أي: سواء كان مؤخرًا عن الأجل الأول أو قبله، ولما كان الإطلاق يوهم دخول المنع أيضا، ولو كان إلى الأجل نفسه. أخرجه بقوله: (إلا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ لِلأَجَلِ) أي: فأنه جائز.
قوله: (وَإِنْ زِيدَ غيرُ عَيْنٍ وبِيعَ بِنَقْدٍ لَمْ يُقْبَضْ جَازَ إِنْ عُجِّلَ الْمَزِيدُ) أي: فلو كان المزيد على الحمار عرضًا ونحوه من غير الدنانير والدراهم، وهي المراد بالعين (٥) أو بيع الحمار على التعجيل لكن أخر البائع ثمنه حتى تقايلا في الحمار المذكور وأعطاه المشتري معه زيادة، فإن كان المزيد معجلًا جاز وإلا منع.
قوله: (وَصَحَّ أَوَّل (٦) مِنْ بُيُوعِ الأَجَلِ فَقَطْ، إِلا أَنْ يَفُوتَ الثَّانِي فَيُفْسَخَانِ) إذا باع سلعة بثمن إلى أجل ثم اشتراها بأقل منه نقدًا، فإن البيع الأول صحيح دون الثاني، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، وقال (٧) ابن الماجشون: يفسخ البيعان معًا إلا أن يصح أنهما لم (٨) يتعاملا على العينة (٩)، وإنما صادف السلعة تباع فابتاعها بأقل من الثمن
_________________
(١) في (ن ٣): (لأجل)، وفي (ن ٤): (لأن).
(٢) قوله: (أخرته) ساقط من (ن ٥)، وفي (ن ٤): (أخذته).
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ١٦٦.
(٤) قوله: (معجلًا امتنع) يقابله في (ن ٥): (مؤجلا للأجل فإنه يمتنع).
(٥) في (ن ٣): (بغير العين)، وفي (ن) و(بالغير).
(٦) في (ن ٥): (أولًا).
(٧) في (ن ٥): (وقال).
(٨) قوله: (لم) ساقط من (ن ٥).
(٩) في (ن ٥): (المعينة). وانظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٣٧٠، والتوضيح: ٥/ ٤٠٤.
[ ٣ / ٥٧٣ ]
الأول، وهذا الخلاف مقيد بما إذا لم تفت السلعة (١) الثانية، فإن فاتت فيفسخ البيعتان معًا عندهما كما أشار إليه، والفوات بحوالة الأسواق (٢) فأعلى، ونص عليه سحنون، وقيل: لا يفيتها ذلك، وإنما تفوت بذهاب عينها أو بالعيوب المفسدة، ونقل (٣) أيضا عن سحنون وهو قول ابن كنانة، وإليه نحا أبو إسحاق وغيره (٤).
قوله: (وَهَلْ مُطْلَقًا، أو إِن كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلّ؟) خلاف (٥)؛ أي: وهل يفسخ البيعان مع الفوات (٦) مطلقًا، وهو قول ابن القاسم.
ابن شاس: وهو المشهور وذلك مقيد بما إذا كانت القيمة الواجبة أقل من الثمن الأول (٧).
ابن الحاجب: وهو الأصح، وقال غيره، وهو المشهور، وإلى هذا أشار بقوله: (خِلافٌ) جريًا على عادته، ولابن مسلمة أن البيع الثاني يفسخ مع القيام، فإن فاتت السلعة مضت البيعتان معا، يريد: إذا فاتت (٨) بيد البائع الأول وهو المشتري الثاني، وأما لو فاتت بيد المشتري الثاني فإن البيع الثاني يفسخ فقط، واختاره الباجي (٩).
فصل [في أحكام بيع العينة]
(المتن)
فَصْلٌ جَازَ لِمَطْلُوبٍ مِنْهُ سِلْعَةٌ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِيَبِيعَهَا بِمَالٍ، وَلَوْ بِمُؤَجَّلٍ بَعْضُهُ، وَكُرِهَ خُذْ بِمِائَةٍ مَا بِثَمَانِينَ، أَوِ يشْتَرِيهَا وَيُومِئُ لِتَرْبِيحِهِ وَلَمْ يُفْسَخْ؛ بِخِلَافِ اشْتَرِهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ آخُذُهَا بِاثْنَي عَشَرَ إِلَى أَجَلٍ. وَلَزِمَتِ الآمِرَ، إِنْ قَالَ: لِي. وَفِي الْفَسْخِ إِنْ لَمْ يَقُلْ لِي إلَّا أَنْ تَفُوتَ فَالْقِيمَةُ، أَوْ إِمْضَائِهِ وَلُزُومِهِ الإِثْنَا عَشَرَ
_________________
(١) في (ن ٥): (البيعة).
(٢) في (ن): (السوق).
(٣) في (ن ٣): (ويقال).
(٤) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٣٧٠، والتوضيح: ٥/ ٤٠٤.
(٥) قوله: (خلاف) ساقط من (ن).
(٦) قوله: (مع الفوات) ساقط من (ن ٥).
(٧) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٨٧ - ٦٨٩.
(٨) في (ن ٤): (قامت).
(٩) انظر: المنتقى: ٦/ ٤٧، والتوضيح: ٥/ ٤٠٤.
[ ٣ / ٥٧٤ ]
قَوْلَانِ. وَبخِلَافِ اشْتَرِهَا لِي بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَآخُذُهَا بِاثْنَي عَشَرَ نَقْدًا، إِنْ نَقَدَ الْمَأمُورُ بِشَرْطٍ، وَلَهُ الأَقَلُّ مِنْ جُعْلِ مِثْلِهِ أَوِ الدِّرْهَمَيْنِ فِيهِمَا. وَالأَظْهَرُ وَالأَصَحُّ لَا جُعْلَ لَهُ، وَجَازَ بِغَيْرِهِ كَنَقْدِ الآمِرِ؛ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي فَفِي الْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ قَوْلَانِ.
(الشرح)
(جَازَ لِمَطْلُوبٍ مِنْهُ سِلْعَةٌ أَنْ يَشْتَرِيَهَا ليَبِيعَهَا بِمَال) (١) هذا يعرف عندنا ببيع أهل العينة، وقسمه ابن رشد وعياض إلى جائز ومكروه وممنوع، فالجائز أن يمر (٢) الرجل بغيره من أهل العينة؛ فيقال (٣) له هل عندك سلعة كذا، فيقول: لا، فيذهب من عنده من (٤) غير مراوضة ولا وأي ولا عادة؛ فيشتريها ثم يلقاه فيخبره أنه اشتراها فيبيعها له بما شاء نقدًا أو نسيئة، وإليه أشار بقوله: (ولو بمُؤَجَّلٍ بَعْضُهُ) وهو ظاهر الأمهات والكتاب، ونقل عياض عن العتبية كراهته، قال: ويكره أن يقول له لا يحل لي أن أعطيك ما (٥) بثمانين (٦) بفيئة، ولكن هذه السلعة قيمتها ثمانون وخذها بمائة، وكرهه بعضهم، وإليه أشار بقوله: «٧) خُذْ بِمائَةٍ مَا بِثَمانِينَ) أي: ما يباع بثمانين قوله: (أَوِ يشْتَرِيِهَا ويُومِئُ لِتَرْبِيحِهِ)؛ أي: وكذا يكره أن يقول له أشتريها ويومئ له أنه يربحه فيها، وهكذا ذكره ابن رشد وعياض (٨).
قوله: (وَلَمْ يُفْسَخْ) هكذا روي عن مالك، وبه قال ابن حبيب.
(المتن)
وَبِخِلَافِ اشْتَرِهَا لِي بِاثْنَي عَشَرَ لِأَجَلٍ وَأَشْتَرِيهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا، فَيُلْزَمُ بِالْمُسَمَّى، وَلَا يعَجل الْعشرة، وَإِنْ عُجِّلَتْ أُخِذَتْ وَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي فَهَلْ لَا يُرَدُّ الْبَيْعُ إلا إِذَا فَاتَ وَلَيْسَ عَلَى الأمِرِ إلَّا الْعَشَرَةُ؟ أَوْ يُفْسَخُ الثَّانِي مُطْلَقًا إلَّا أَنْ
_________________
(١) زاد في (ن ٥): (هذا الفضل).
(٢) في (ن ٥): (يسأل).
(٣) قوله: (فيقول) ساقط من (ن).
(٤) قوله: (من عنده) ساقط من (ن ٤).
(٥) قوله: (ما) ساقط من (ن).
(٦) في (ن ٥): (ثمانين).
(٧) زاد بعده في (ن ٤): (وكره).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٨٥ وما بعدها، والبيان والتحصيل: ٧/ ٨٦، وإكمال المعلم: ٥/ ٨٢ و٨٣.
[ ٣ / ٥٧٥ ]
يَفُوتَ فَالْقِيمَةُ؟ قَوْلَانِ.
(الشرح)
قوله: (بِخِلافِ اشْتَرِهَا بِعَشَرَةِ نَقْدًا أو آخُذُهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ إلى أَجَلٍ)؛ أي: فإنه ممنوع، ويفسخ، وقد قسم ابن رشد الممنوع على ستة أقسام: ثلاثة في قوله: (اشْتَرِ لي) وثلاثة في قوله: (اشتر دون لي) (١) وقد أشار إلى الأول من الثلاثة الأول، بما ذكر (٢) وهو واضح، لأنه سلف جر منفعة (٣).
قوله: (وَلَزِمَتِ الآمِرَ إِنْ قَالَ لِي)؛ أي: إن قال اشترها لي؛ لأن الشراء له، وإنما أسلفه المأمور ثمنها ليأخذ أكثر منه إلى أجَل فيعطيه العشرة معجلة ويسقط عنه ما أربى.
قوله: (وَفِي الْفَسْخِ إِنْ لَمْ يَقُلْ لِي إِلا أَنْ تَفُوتَ فَالْقِيمَةُ أَوْ إِمْضَائِه (٤) وَلُزُومِهِ الاثْنَا عَشَرَ قَوْلانِ) أي: اختلف في الفسخ والإمضاء إذا لم يقل في الفرض المذكور لي، وإنما قال: اشتر (٥) بعشرة إلى آخره، على قولين، والأول منهما لابن حبيب، والثاني رواه سحنون عن ابن القاسم (٦).
قوله: (إِلا أَنْ يفُوتَ فَالْقِيمَةُ) من تمام الأول.
قوله: (وَلُزوُمهِ الاثْنَي عَشَرَ) من تمام الثاني، ولو عطفه بـ "الفاء" لكان أحسن، ويستحب للمأمور على هذا القول ألا يأخذ من الآمر شيئا إلا ما نقد، وهو العشرة.
قوله: (وَبِخِلافِ اشْتَرِهَا لِي بِعَشَرَةِ نَقْدًا، وَآخُذُهَا بَاثْنَيْ عَشَرَ نَقْدًا) أي: ومما يمنع أيضا أن يقول اشترها لي بعشرة نقدا (٧)، وأنا اشتريها منك باثني عشر نقدًا ومثله أو أربحك فيه كذا نقدا (٨)، وإنما (٩) فسد هذا إذا كان النقد من المأمور بشرط، لأنها إجارة
_________________
(١) قوله: (وثلاثة في قوله: اشتر دون لي) زيادة من (ن ٥).
(٢) قوله: (بما ذكر) زيادة من (ن).
(٣) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٨٦ - ٨٩.
(٤) في (ن): (إمضاؤها).
(٥) زاد في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (لي).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٠٨.
(٧) قوله: (نقدا) زيادة من (ن ٥).
(٨) قوله: (ومثله أو أربحك فيه كذا نقدا) ساقط من (ن ٤).
(٩) في (ن ٤): (أو إنما).
[ ٣ / ٥٧٦ ]
فاسدة؛ لأنه أعطاه الجعل على أن يسلفه فهي إجارة فاسدة، ولهذا قال: (إِنْ نَقَدَ الْمَأمُورُ بِشَرْطٍ).
قوله: (وَلَهُ الأقَلُّ مِنْ جُعْلِ مثله أَوِ (١) الدِّرْهَمَيْنِ فِيهِمَا) أي: في القسمين وهما اشترها لي بعشرة نقدًا وأنا أشتريها منك باثني عشر إلى أجل، أو اشترها بعشرة نقدًا وأشتريها منك باثني عشر نقدًا، وهذا (٢) على مذهب ابن القاسم في منع البيع والسلف يكون له الأقل من الدرهمين أو جعل مثله، وهو الذي صدر به، وعلى قول ابن حبيب أنه قبض السلف يكون (٣) له أجر مثله بالغًا ما بلغ (٤)، وقال ابن المسيب: لا أجر له (٥).
ابن رشد وابن زرقون: وهو الأصح (٦)، وإليه أشار بقوله: (وَالأَظْهَرُ وَالأَصَحُّ لا جُعْلَ لَهُ). أي لئلا يكون. . . للفساد (٧) يكون قوله: (وَجَازَ بغَيره كَنَقْدِ الآمِرِ) أي: وجاز ذلك إذا كان النقد من عند المأمور بلا شرط كما إذا نقد الآمَر ذلك من عنده إذا كان (٨) لا محذور فيه.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي، فَفِي الْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ قَوْلانِ) أي: فإن قال: اشترها بعشرة نقدا وأنا آخذها باثني عشر نقدًا أو لم (٩) يقل اشترها لي، والقولان لمالك، مرة قال في الجواز إذا انتقد، وأخرى قال بالكراهة للمراوضة التي وقعت بينهما في السلعة قبل صيرورتها في ملك المأمور (١٠).
قوله: (وَبِخِلافِ اشْتَرِهَا لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ لأَجَلٍ وَأَشْتَريهَا بِعَشَرَةِ نَقْدًا) يريد: أن الآمر إذا قال للمأمور: اشتر لي سلعة كذا باثني عشر لأجل، وأنا أشتريها منك بعشرة نقدًا،
_________________
(١) في (ن): (و).
(٢) قوله: (هذا) ساقط من (ن).
(٣) قوله: (له الأقل من الدرهمين. . . السلف) ساقط من (ن ٣).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٨٩ و٩٠.
(٥) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٣٧٢.
(٦) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٨٩، والتوضيح: ٥/ ٤٠٧.
(٧) قوله: (أي لئلا يكون. . . للفساد) زيادة من (ن ٥).
(٨) قوله: (إذا كان) يقابله في (ن) و(ن ٥): (إذ).
(٩) في (ن ٥): (ولم).
(١٠) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٣٧٢.
[ ٣ / ٥٧٧ ]
فإن ذلك يمنع ولا إشكال فيه، لأن الآمر استأجر المأمور على أن يبتاع له السلعة بعشرة يدفعها له ينتفع بها إلى أجل، ثم يقتضي منه (١) اثني عشر عند الأجل.
قوله: (فَيُلْزَمُ بالْمُسَمَّى): فليزم بالمسمى (ولا يعجل العشرة) (٢) أي فيلزم الآمر السلعة بالمسمى وهو اثنا (٣) عشر إلى أجل ولا يتعجل المأمور منه العشرة النقد، فإن دفعها إليه صوفها عنه ولم تترك عنده إلى الأجل وهو معنى قوله: (٤) وَإِنْ عُجِّلَتْ أُخِذَتْ)، وقوله (٥): (وَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ) يعني: وللمأمور جعل مثله في شراء السلعة بالغًا مَا بلغ هكذا قال ابن رشد (٦).
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي فَهَلْ لا يُرَدُّ (٧) الْبَيع إلا إِذَا فَات وَلَيْسَ عَلَى الآمِرِ إلا الْعَشَرَةُ (٨)؟ أَوْ يُفْسَخُ الثَّانِي مُطْلَقًا إِلا أَنْ يَفُوتَ فَالْقِيمَةُ؟ قَوْلانِ) يريد: أن الآمر إذا قال له: اشترها باثني عشر إلى أجل؛ وأنا أشتريها منك بعشرة نقدًا اختلف في ذلك على قولين كما قال، فروى سحنون عن ابن القاسم أن البيع لا (٩) يرد إذا فات، ولا يكون على الآمر إلا العشرة.
ابن رشد: وهو ظاهر الروايات (١٠) أن البيع الثاني يفسخ ما لم تفت السلعة (١١). وقال ابن حبيب: يفسخ على كل حال، وهو مراده هنا بالإطلاق، فإن فاتت ردت إلى قيمتها يوم قبضها (١٢).
_________________
(١) في (ن): (منها).
(٢) قوله: (فليزم بالمسمى ولا يعجل العشرة) زيادة من (ن).
(٣) في (ن): (اثنتا).
(٤) زاد بعده في (ن ٤): (ولا تعجل العشرة).
(٥) قوله: (قوله) زيادة من (ن).
(٦) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٨٩.
(٧) قوله: (لا يرد) زيادة من (ن).
(٨) في (ن ٤): (إلا العشرة).
(٩) قوله: (لا) ساقط من (ن ٣).
(١٠) في (ن ٥): (الرواية)، وفي (ن) و(هذه الرواية).
(١١) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٨٧.
(١٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٨٩.
[ ٣ / ٥٧٨ ]
الثاني: وهو معنى قوله: (إِلا أَنْ يَفُوتَ فَالْقِيمَةُ؟ قَوْلانِ) وبالله تعالى التوفيق (١).
فصل [في خيار البيع]
(المتن)
فَصْلٌ إِنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ، كَشَهْرٍ فِي دَارٍ، وَلَا تسكن؛ وَكَجُمُعَةٍ فِي رَقِيقٍ، وَاسْتَخدَمَهُ، وَكَثَلَاثَةٍ فِي دَابَّةٍ، وَكَيَوْمٍ لِرُكُوبِهَا وَلَا بَأسَ بِشَرْطِ الْبَرِيدِ، أَشْهَبُ: وَالْبَرِيدَيْنِ. وَفِي كَوْنِهِ خِلَافًا تَرَدُّدٌ. وَكَثَلَاثَةٍ فِي ثَوْبٍ. وَصَحَّ بَعْدَ بَتٍّ، وَهَلْ إِنْ نَقَدَ؟ تَأوِيلَانِ. وَضَمِنَهُ حِينَئِذٍ الْمُشتَرِي، وَفَسَدَ بِشَرْطِ مُشَاوَرَةِ بَعِيدٍ، أَوْ مُدَّةٍ زَائِدَةٍ، أَوْ مَجْهُولَةٍ أَوْ غَيْبَةٍ عَلَى مَا لَا يُعْرَف بِعَيْنِهِ، أَوْ لُبْسِ ثَوْبٍ وَرَدَّ أُجْرَتَهُ.
(الشرح)
(إِنَّمَا الخيَارُ بِشَرْطٍ) نبه بأداة الحصر على أن خيار الجلس غير معمول به. وهو المشهور من المذهب. ومقابله لابن حبيب لحديث الموطأ (٢) وقد بيناه في الكبير (٣).
واعلم أن الخيار على ضربين؛ خيار (٤) تروي (٥) وهو مراده هنا، وخيار نقيصة كما سيأتي. ولما كان خيار التروي تختلف العادة (٦) فيه باختلاف أنواع (٧) المبيعات؛ فمنها ما يطال في أمده، ومنها ما لا يطال فيه، ومنها ما يكون متوسطًا، أشار بذلك بما ذكره الآن (٨) بقوله: (كَشَهْرٍ في دار). إنما كان أمد (٩) الخيار في الدار أطول من غيره، لأنه يحتاج إلى النظر في جدرانها وأساساتها ومرافقها، واختبار جيرانها ومكانها؛ مع كونها مأمونة لا يسرع إليها التغير، وما ذكره من الشهر هو مذهب المدونة (١٠). وشهره المتيطي وفي الواضحة والموازية: الشهران (١١). وفي الإكمال عن
_________________
(١) قوله: (قَوْلانِ وبالله تعالى التوفيق) ساقط من (ن) و(ن ٥)،
(٢) انظر: عقد الجواهرة ٢/ ٦٩٠.
(٣) قوله: (في الكبير) ساقط من (ن).
(٤) قوله: (خيار) ساقط من (ن ٤) و(ن ٥).
(٥) قوله: (تروي) ساقط من (ن).
(٦) في (ن ٥): (الغاية).
(٧) قوله: (أنواع) ساقط من (ن).
(٨) قوله: (بما ذكره الآن) ساقط من (ن ٥).
(٩) قوله: (أمد) ساقط من (ن ٣).
(١٠) انظر: المدونة: ٣/ ٢٠٦.
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٨٦، وعقد الجواهر: ٢/ ٦٩١.
[ ٣ / ٥٧٩ ]
الداودي الشهران والثلاثة (١).
قوله: (ولا تسكن) أي لا يجوز له أن يشترط في الخيار سكنى الدار مدة الخيار؛ لأن اختيار ذلك مما يعرف بالنظر إليها وهو مذهب ابن القاسم. وقال غير واحد من الشيوخ: المذهب جواز ذلك. وفرق اللخمي بين أن يكون من أهل المحلة فلا يمكن من ذلك لأنه عالم بحال الجيران وإن لم يسكن، وبين أن (٢) لم يكن من أهل المحلة فيجوز له ذلك ليختبر حالهم (٣)، وقاله القابسي (٤).
وقوله: (وكجمعة في رقيق) يريد لاختبار حاله وعمله وهو مذهب المدونة وروى ابن وهب عن مالك أن الأمد يجوز أن يكون شهرًا، وأباه ابن القاسم، وأشهب. ابن المواز (٥): واختار ابن القاسم أن يكون في العبد إلى (٦) عشرة أيام (٧).
قوله: (واستخدمه) يريد أنه يجوز للمشتري أن يستخدم الرقيق في زمن الخيار؛ لأنه لا يختبر إلا بشغله وخدمته وهذا بخلاف سكنى الدار.
قوله: (وكثلاثة في دابة) يريد: أن أمد الخيار في الدابة ثلاثة أيام وهذا إذا لم يقصد الركوب، وأما إن قصده فالأمد في ذلك اليوم ونحوه قاله في المدونة (٨) ولهذا قال: (وكيوم لركوبها).
قوله: (ولا بأس بشرط البريد) هذا كقوله في المدونة: ولا بأس أن يشترط أن يسير عليها البريد أو نحوه ما لم يتباعد (٩) ثم (١٠): وقال أشهب: والبريدين. وإليه أشار بقوله:
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم: ٥/ ٨٧.
(٢) في (ن): (من).
(٣) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٥٣٧ و٤٥٣٨.
(٤) انظر: التوضيح: ٥/ ٤١٠.
(٥) في (ن ٥): (وابن المواز).
(٦) في (ن ٤): (إلا).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٨٥.
(٨) انظر: المدونة: ٣/ ٢٠٦.
(٩) انظر: المدونة: ٣/ ٢٠٦.
(١٠) زاد بعده في (ن ٤): (قال).
[ ٣ / ٥٨٠ ]
(أشهب (١): والبريدين) (٢).
واختلف الأشياخ هل هو اختلاف أو وفاق؟ فمنهم من حمله على الخلاف وأن البريد (٣) على قول ابن القاسم للذهاب والرجوع معًا، وكذلك البريدان عند أشهب للذهاب والرجوع أيضًا (٤). وقال أبو عمران: البريد للرجوع خاصة والذهاب مثله، وكذلك البريدان للذهاب والرجوع مثلها، وذهب القاضي عياض إلى أن قولهما (٥) يحتمل الوفاق؛ فالبريد عند ابن القاسم للذهاب (٦)، والبريدان عند "أشهب" بريد للذهاب وبريد للرجوع (٧)، وإلى هذا الاختلاف (٨) أشار بقوله: (وفي كونه (٩) خلافًا تردد)، والضمير راجع إلى قول أشهب.
قوله: (وكثلاثة في ثوب) قال في المدونة: فأما الثوب فيجوز فيه اليوم واليومان وشبه ذلك يعني كالثلاثة (١٠).
قوله: (وصح بعد بت) أي يصح الخيار بعد انعقاد البيع. قاله في المدونة ولزم ذلك الذي التزمه. واختلف الأشياخ هل المدونة باقية على ظاهرها سواء نقد الثمن أم لا. وإليه ذهب اللخمي (١١) وغيره، أو هو مقيد بما إذا انتقد، وإليه ذهب الأكثرون. وإلى هذا أشار بقوله: (وهل إن نقد تأويلان).
قوله: (وضمنه حينئذ المشتري) يريد لأنه بعد البت صار بائعًا؛ فظاهر المدونة كما
_________________
(١) قوله: (هذا كقوله في المدونة: ولا. . . وإليه أشار بقوله: أشهب) ساقط من (ن ٣).
(٢) انظر: تهذيب المدونة: ٣/ ١٧٣؛ ونصه: "والدابة تُركب اليوم وشبهه، ولا بأس أن يشترط أن يسير عليها البريد ونحوه ما لم يتباعد، قال غيره: والبريدين يختبر سيرها"، والنوادر والزيادات: ٦/ ٣٦٧.
(٣) في (ن ٣) و(ن ٤): (البريدين).
(٤) انظر: الذخيرة: ٥/ ٢٤.
(٥) في (ن ٤): (أقوالهما).
(٦) زاد بعده في (ن ٤): (خاصة).
(٧) انظر: التوضيح: ٥/ ٤١٢.
(٨) قوله: (الاختلاف) ساقط من (ن ٥).
(٩) في (ن ٥): (كونها).
(١٠) انظر: المدونة: ٣/ ٢٠٦.
(١١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٥٤٦.
[ ٣ / ٥٨١ ]
هنا سواء جعله البائع له (١) أو العكس. وعن المخزومي إن جعله البائع له فالضمان منه، وإلا فالعكس (٢).
قوله: (وفسد بشرط مشاورة بعيد، أو مدة زائدة، أو مجهولة) يريد أن من اشترى سلعة واشترط مشاورة رجل بعيد عن موضعه فإن البيع يفسد، كما (٣) يفسد إذا كان أمد الخيار زائدًا على الأمد المحدود فيه، أو كانت مدة مجهولة كقوله: "إلى قدوم زيد" "ولا أمد له" "ولا أمارة لقدومه (٤) "أو "إلى أن تمطر السماء" أو نحو ذلك.
قوله: (أو غيبة على ما لا يعرف بعينه) يريد أنه إذا اشترى (٥) على الخيار ما لا يعرف بعينه كالمكيل والموزون فاشترط المشتري الغيبة عليه، فإن البيع يفسد؛ لأنه على تقدير الإمضاء كان مبيعًا، وعك تقدير الرد كان سلفًا وهو ممنوع. أما لو تطوع البائع بإعطائه للمشتري من غير شرط جاز؛ إذ لا محظور فيه، وإنما لم يقيد (٦) ذلك بغيبة المشتري؛ لأنه في الموازية نص على امتناع غيبة البائع عليه أيضًا، قال: ولتجزئ عنهما جميعًا (٧). وأجاز بعضهم بقاءها عند المشتري (٨) لأنها عين (٩) شيئه.
قوله: (أو لبس ثوب) أي إذا اشترط لبسه أي في مدة الخيار، والبيع فاسد (١٠).
قوله: (ورد أجرته) أي فإذا فسخ البيع رد أجرة لبسه تلك المدة. ابن يونس: بلا خلاف. يريد منصوصًا وإلا فقد خرج فيه الخلاف (١١) من مسألة البيع إذا فسد باشتراط النقد هل ضمان المبيع من البائع أو من المبتاع؟ قال ابن يونس: فعلى أن
_________________
(١) قوله: (البائع له) يقابله في (ن ٣): البائع).
(٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٢٠.
(٣) قوله: (كما) ساقط من (ن ٥).
(٤) قوله: (لقدومه) ساقط من (ن).
(٥) في (ن ٤): (اشترط).
(٦) قوله: (لم يقيد) يقابله في (ن ٤): (قبض).
(٧) زاد بعده في (ن ٤): (والبيع فاسد).
(٨) في (ن): (البائع).
(٩) في (ن ٣) و(ن ٥): (غير).
(١٠) قوله: (والبيع فاسد) زيادة من (ن ٣).
(١١) في (ن ٣): (اللخمي).
[ ٣ / ٥٨٢ ]
الضمان من المشتري (١) لا يكون عليه شيء في اللبس كسائر البيعات الفاسدة (٢).
(المتن)
وَيَلْزَمُ بِانْقِضَائِهِ وَرُدَّ فِي كَالْغَدِ، وَبِشَرْطِ نَقْدٍ كَغَائِبٍ، وَعُهْدَةِ ثَلَاثٍ، وَمُوَاضَعَةٍ، وَأَرْضٍ لَمْ يُؤْمَنْ رِيُّهَا، وَجُعْلٍ، وَإِجَارَةٍ بجزء زَرْعٍ، وَأَجِيرٍ تأخر شهر، وَمُنِعَ وَإِنْ بِلَا شَرْطٍ فِي مُوَاضَعَةٍ، وَغَائِبِ، وَكِرَاءٍ ضُمِّنَ، وَسَلَمٍ بِخِيَارٍ، وَاسْتَبَدَّ بَائِعٌ، أوْ مُشْتَرٍ عَلَى مَشُورَةِ غَيْرِهِ، لَا خِيَارِهِ وَرِضَاهُ، وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى نَفْيِهِ فِي مُشْتَرٍ، وَعَلَى نَفْيِهِ فِي الْخِيَارِ فَقَطْ، وَعَلَى أَنَّهُ كَالْوَكِيلِ فِيهِمَا،
(الشرح)
قوله: (ويلزم بانقضائه) يحتمل أن يكون فاعل (يلزم) هو البيع أو العقد المفهوم من السياق، ويكون مختصًا بما إذا كان الخيار للمشتري، ويكون الضمير في (انقضائه) يعود على أمد الخيار، ويحتمل أن يكون فاعله ضميرًا عائدًا على الخيار. والمعنى أن الخيار إذا كان للمبتاع وأمسك السلعة حتى انقضى الأجل فإن ذلك يعد اختيارا للإمضاء، وإن كان ذلك للبائع عد ذلك منه اختيارًا للرد، ويلزم كل واحد منهما مقتضى اختياره.
قوله: (ورد في كالغد) يريد أن الخيار إذا كان للمشتري فلم يختر حتى صار إلى الغد بعد انقضاء أيام الخيار فإن له الرد، وقاله في المدونة (٣)، وهو المشهور، ولأشهب وابن الماجشون أن الخيار ينقطع بغروب الشمس من آخر أيام الخيار (٤).
قوله: (وبشرط نقد) هو معطوف على قوله: (وفسد بشرط كذا) أي: وكذا يفسد البيع إذا انعقد على خيار واشترط فيه نقد الثمن لغير ورثة (٥) تارة بيعًا وتارة سلفًا، أما مع التطوع فلا مانع.
قوله: (كغائب) أي كبيع غائب، والمعنى: أن من باع شيئا غائبًا واشترط في العقد نقد الثمن فإن البيع يفسد، وظاهره سواء كان عقارًا أو غيره قريبا أو بعيدا، وليس كذلك، فإن العقار يجوز فيه الاشتراط ولو بعد، وإن غيره إن كان قريبًا كاليوم واليومين
_________________
(١) في (ن): (المبتاع).
(٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٤١٣.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٢٣٢.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٨٧.
(٥) قوله: (لغير ورثة) يقابله في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (ليصير وزنه).
[ ٣ / ٥٨٣ ]
جاز ذلك فيه ولو كان حيوانًا، وهذا مذهب ابن القاسم (١)، ولابن عبد الحكم المنع في الحيوان، ولأشهب المنع فيما بعد، ولو عقارًا (٢)، ولعل كلامه هنا محمول على ما بعد من غير العقار ليوافق قول ابن القاسم.
قوله: (وعهدة ثلاث) أي وكذلك يفسد البيع إذا ابتاع (٣) عبدًا أو أمة على عهدة الثلاث واشترط انتقاد الثمن، وسيأتي بيان عهدة الثلاث.
قوله: (ومواضعة): يريد أن البيع يفسد أيضًا إذا باعه الأمة (٤) المواضعة واشترط النقد؛ لأن الأمة المواضعة (٥) هي التي توضع تحت يد أمين أو أمينة إلى أن تخرج من الاستبراء، فقد تخرج حاملًا فيكون ما نقد المشتري سلفًا، وقد تحيض فيكون ثمنًا؛ وذلك مما يفسد البيع.
قوله: (وأرض لم يؤمن ريها) أي إذا أكرا ها قبل الري (٦)، واشترط انتقاد الكراء، وظاهره أن التطوع بذلك جائز، ونص ابن الفاكهاني في شرح الرسالة على خلافه.
قوله: (وجعل وإجارة بجزء زرع وأجير تأخر شهر) أي وكذا يفسد الجعل إذا اشترط المجعول له انتقاد الجعل، وكذلك إذا آجره بجزء من زرع. ومثله: اشتراط النقد في الأرض إذا بيعت على المزارعة، لأن فيها حق توفية، وكذا إذا اشترط في الأجير المعين أو الدابة المعينة قبض منفعتها بعد شهر أو شهرين (٧) ونحو ذلك.
قوله: (ومنع وإن بلا شرط في مواضعة وغائب وكراء ضمن وسلم بخيار) يريد أن هذه المسائل الأربع يمتنع النقد فيها ولو تطوع به إذا كان البيع فيها على خيار. عبد الحق في النكت: اعلم أن الأمة إذا بيعت على خيار (٨)، وفيها مواضعة لا يجوز التطوع
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٦٠.
(٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٢٨، والتوضيح: ٥/ ٢٥٠.
(٣) في (ن ٥): (باع).
(٤) في (ن ٥): (الأب).
(٥) في (ن): (المتواضعة).
(٦) في (ن ٤): (الزرع).
(٧) في (ن): (أشهر).
(٨) قوله: (على خيار) ساقط من (ن ٥).
[ ٣ / ٥٨٤ ]
فيها بالنقد في أيام الخيار؛ لأنه يؤول إلى فسخ الدين في الدين؛ لأن الثمن دين على البائع. فإذا تم البيع بانقضاء مدة الخيار صار المشتري قد اعتاض (١) من ذلك الذي (٢) نقده دينا على البائع، وكذاها بيع الغائب على خيار وسلم (٣)، ونص غير واحد على مسألة الكراء المضمون، وضابط هذا الباب أن كل ما يتأخر قبضه بعد أيام الخيار لا يجوز النقد فيه مطلقًا.
قوله: (واستبد بائع أو مشتر على مشورة غيره لا خياره ورضاه): يريد أن من ابتاع سلعة أو باعها على مشورة غيره، ثم أراد إبرام ذلك فإن له ذلك دون مشورة ذلك الغير. وهذا بخلاف ما إذا باع أو اشترى على خيار غيره أو رضاه فإنه لا يستبد دونه، ولا خلاف منصوص أن لمشترط (٤) المشورة تركها إلا ما تأوله التونسي على المدونة (٥) أنها كالخيار (٦).
عياض: وهو غير صحيح. انظر الكبير (٧). وعن ابن نافع أن المشورة كالخيار والرضا، والذي ذكره الشيخ هو تأويل جماعة على المدونة قال فيها: وإذا اشترى على رضا فلان أو خياره (٨)، فليس له رد ولا إجازة (٩) دون من اشترط رضاه، وقال في البائع: إذا اشترط رضا فلان، فرضي فلان (١٠)، أو رضي البائع فإن البيع جائز (١١)؛ فمن الأشياخ من قال أن كلامه في البائع يرد إلى كلامه في المشتري، وأن البائع ليس له المخالفة كما قال في المشتري، وأن معنى قوله: أو رضي البائع أي مع رضي
_________________
(١) في (ن) و(ن ٣): (اقتضى).
(٢) في (ن ٣) و(ن ٤): (نقده).
(٣) قوله: (على خيار وسلم) يقابله في (ن ٥): (على خيار وسلم وسلم على خيار).
(٤) في (ن): (اشترط).
(٥) في (ن) و(ن ٥): (الموازية).
(٦) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٣٩٠، وعقد الجواهر: ٢/ ٦٩٤، والتوضيح: ٥/ ٤١٨ و٤١٧.
(٧) قوله: (انظر الكبير) ساقط من (ن ٥).
(٨) قوله: (أو خياره) زيادة من (ن ٥).
(٩) في (ن ٥): (ولا خيار).
(١٠) قوله: (فرضي فلان) زيادة من (ن).
(١١) انظر: التهذيب: ٣/ ١٨٠، والذخيرة: ٥/ ٣١، والتوضيح: ٥/ ٤١٦.
[ ٣ / ٥٨٥ ]
الآخر، ومنهم من قال: إن "أو" بمعنى "الواو"، ومنهم من قال: إن جوابه في مسألة البائع أولى لكونه اشترطه لنفسه (١) فقط، وإن جوا به في المشتري أحرى أن يكون الشرط لهما (٢) جميعًا. ونحوه لأبي محمد وغيره، وتأولها أيضًا أبو محمد وغيره على ظاهرها، وأن البائع له المخالفة لقوة يده بخلاف المشتري، وإلى هذا التأويل أشار بقوله: (وتؤولت أيضًا على نفيه في مشتر)؛ أي وتؤولت المدونة على ننهي الاستبداد في تعليق الشراء على خيار غيره أو رضاه، وفهم التأويل الأول من قوله: أيضًا، وكأنه قال: لا خياره ورضاه؛ وهو تأويل على المدونة، وتؤولت أيضًا على نفيه في مشتر، وتأويل أبي محمد أظهر. وتأولها بعضهم على الفرق بين الرضا والخيار وأن له الاستبداد إذا اشترى أو باع على رضا غيره، وليس له ذلك إذا اشترى أو باع على خياره، وإلى هذا التأويل أشار بقوله: (وعلى نفيه في الخيار فقط). أي: وتؤولت أيضا المدونة على نفي الاستبداد في الخيار دون الرضا وغيره. ثم أشار بقوله: (وعلى أنه كالوكيل فيهما) إلى أن المدونة تؤولت أيضًا على أن من له الرضا كالوكيل للبائع والمشتري، وإليه نحا جماعة. قالوا: فإن سبق المشتري أو البائع بالرضا فلهما ذلك، وإن سبق من جعل له ذلك مضى فعله كالوكيل مع موكله. ونحوه في كتاب محمد، وهو اختيار ابن محرز (٣).
(المتن)
وَرَضِيَ مُشْتَرٍ كَاتَبَ، وَزَوَّجِ وَلَوْ عَبْدًا، أَوْ قَصَدَ تَلَذُّذًا، أَوْ رَهَنَ، أَوْ آجَرَ، أَوْ أَسْلَمَ لِلصَّنْعَةِ، أَوْ تَسَوَّقَ، أوْ جَنَى إِنْ تَعَمَّدَ، أَوْ نَظَرَ الْفَوْجَ، أَوْ عَرَّبَ دَابَّةً، أَوْ وَدَّجَهَا، لَا إِنْ جَرَّدَ جَارِيَةً، وَهُوَ رَدٌّ مِنَ الْبَائِعِ؛ إِلَّا الإِجَارَةَ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَوْ رَدَّ بَعْدَهُ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَا يَبِعْ مُشْتَرٍ، فَإِنْ فَعَلَ، فَهَلْ يُصَدَّقُ أَنَّهُ اخْتَارَ بِيَمِينٍ، أَوْ لِرَبِّهَا نَقْضُهُ؟ قَوْلَانِ. وَانْتَقَلَ لِسَيِّدِ مُكَاتَبٍ عَجَزَ، وَلِغَرِيمٍ أَحَاطَ دَيْنُهُ،
(الشرح)
قوله: (ورضي مشتر كاتب وزوج ولو عبدًا) يريد أن المشتري إذا كاتب العبد أو الأمة في زمن الخيار فإن ذلك يعد رضًا منه، ومثل هذا ما إذا أعتق أو دبر، والاستيلاد والعتق إلى أجل، ولا إشكال أن تزويج الأمة يعد رضا، واختلف هل العبد كذلك؟
_________________
(١) قوله: (لنفسه) ساقط من (ن ٤).
(٢) قوله: (الشرط لهما) ساقط من (ن ٤)، وفي (ن ٣): (لهما).
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٤١٧ و٤١٨.
[ ٣ / ٥٨٦ ]
وهو المشهور، وإليه ذهب ابن القاسم (١)، وقيل (٢): لا يُعَدّ رضًا، وأما قصد التلذذ بالأمة فلا يكون بمجرد رضًا من المشتري حتى يصحبه فعل يدل معه على ذلك؛ لأن القصد لا يعلم حتى يرتفع النزاع بسببه؛ اللهم إلا أن يكون القاصد قد أقر على نفسه بذلك، ولعل هذا مراده هنا بقوله: (أو قصد تلذذًا). وقاله في المدونة (٣). واكتفى هنا بما ذكر عن الوطء؛ لأنَّ قصد (٤) التَّلذذ إذا عد رضًا فالوطء من باب أولى، واختلف في الرهن والإجارة والإسلام للصنعة أو التسوق (٥) أي يسومها (٦) في السوق، والجناية على عبد عمدًا هل يعد رضا كل منهما رضا أم لا؟ والمشهور -وهو مذهب المدونة- أنه يعد رضا، وإليه أشار بقوله: (أو رهن أو آجر أو أسلم (٧) للصنعة، أو تسوق، أو جنى إن تعمد). ولم ير أشهب ذلك رضا بعد أن يحلف في الرهن والإجارة. وتزويج العبد ما كان ذلك رضا منه بالبيع (٨)، وحكى ابن المواز عن أشهب أنه يحلف في الخمسة وقيد الجناية بالعمد (٩) لأن له الرد في الخطأ وما نقصه، وقاله في المدونة، وحكى محمد عن أشهب أن قطع الأمة (١٠) عمدًا لا يبطل الخيار، ولا يضر بأحد أن يفعل ذلك قصدا للرضا. محمد: وتعتق عليه (١١).
قوله: (أو نظر الفرج): يريد أن نظر المشتري إلى فرج الأمة رضا، وقاله في المدونة وزاد: لأن الفرج لا يجرد في الشراء، ولا ينظر إليه إلا النساء ومن يحل له الفرج.
قوله: (أو عرب دابة أو ودجها) هكذا قال في المدونة، وزاد: أو هلبها، أو
_________________
(١) انظر: المدونة، دار صادر: ١٠/ ١٨٠.
(٢) في (ن ٥): (وقال أشهب).
(٣) انظر: التهذيب: ٣/ ١٨١ و١٨٢.
(٤) قوله: (قصد) زيادة من (ن ٥).
(٥) في (ن ٤): (السوق).
(٦) في (ن ٥): (يسوقها).
(٧) في (ن ٥): (العلم).
(٨) انظر: المدونة، دار صادر: ١٠/ ١٨١.
(٩) في (ن ٤): (في العبد).
(١٠) في (ن ٥): (الأنملة).
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٩٦.
[ ٣ / ٥٨٧ ]
سار (١) عليها، والتعريب -بالعين المهملة- فصد الدابة في أسفلها، والتوديج قصدها في ودجها، والتهليب جز ذنبها.
قوله: (لا إن جرد جارية) هذا كقوله في المدونة: وإذا كان الخيار للمبتاع في الجارية فجردها في أيام الخيار ونظر إليها فليس ذلك رضا (٢)، وقد تجرَّد للتقليب.
قوله: (وهو رد من البائع إلا الإجارة) يريد أن الفعل الذي يعد رضا من المشتري (٣) يعد رضا من البائع (٤) إذا كان له الخيار، فإنه يعذر من البائع إذا كان له الخيار (٥)، إلا الإجارة فإنها تعد رضا من المبتاع، ولا تعد رضا من البائع، ونحوه عن اللخمي. ابن بشير: والذي قاله يختلف الأمر فيه، فإن طول الإجارة ظهر منه أنه قصد الرد وإلا فلا (٦).
قوله: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ اخْتَارَ أَوْ رَدَّ بَعْدَهُ إلَّا بِبَيِّنةٍ) يريد أن من له الخيار من بائع أو مبتاع إذا ادعى أنه كان قد اختار الرد أو الإمضاء بعد انقضاء زمن الخيار لا تقبل دعواه إلا ببينة تشهد له بصحة ما ادعاه. وانظر كيف قابل بين الاختيار والرد، والرد أحد نوعي الاختيار ولكن معناه: من اختار الإمضاء أو اختار الرد فالتقابل بين تخييرين مقيدين، وهما داخلان تحت مطلق التخيير.
قوله: (وَلَا يَبعْ مُشْتَرٍ) هذا كقوله في المدونة: ولا ينبغي أن يبيع حتى يختار، ثم قال: فإن باع فإن بيعه ليس باختيار، ورب السلعة بالخيار (٧)؛ إن شاء جوز البيع وأخذ الثمن، وإن شاء نقض البيع (٨). انتهى.
وقال ابن حبيب: يصدق مع يمينه أنه باع بعد أن اختار، ونحوه لمالك
_________________
(١) في (ن) و(ن ٥): (سافر).
(٢) انظر: المدونة، دار صادر: ١٠/ ١٨٠.
(٣) في (ن): (المبتاع).
(٤) قوله: (يعد رضا من البائع) ساقط من (ن).
(٥) قوله: (فإنه يعزر من البائع إذا كان له الخيار) ساقط من (ن).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٢٣.
(٧) قوله: (بالخيار) ساقط من (ن).
(٨) انظر: التهذيب: ٣/ ١٨٣.
[ ٣ / ٥٨٨ ]
وأصحابه (١).
وقاله ابن القاسم في كتاب محمد (٢)، وإلى هذا الخلاف أشار بقوله: (فإن فعل فهل يصدق أنه اختار بيمين أو لربها نقضه؟ قولان).
قوله: (وانتقل لسيد مكاتب عجز) يريد أن المكاتب إذا ابتاع أو باع والخيار له، ثم عجز في زمن الخيار، فإن سيده ينتقل له ما كان لمكاتبه من الخيار، وقاله في المدونة (٣).
قوله: (ولغريم أحاط دينه) يريد أن المديان الذي أحاط الدين بماله إذا باع أو اشترى على خيار له، ثم قام عليه الغريم قبل انقضاء مدة الخيار، فإن الخيار ينتقل لغريمه؛ لأنه صار محجورًا عليه (٤) كالمكاتب.
(المتن)
وَلَا كَلَامَ لِوَارِثٍ، إِلَّا أَنْ يَأخُذَ بِمَالِهِ. وَلِوَارِثٍ، وَالْقِيَاسُ رَدُّ الْجَمِيع إِنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ، وَالاسْتِحْسَانُ أَخْذُ الْمُجِيزِ الْجَمِيعَ، هَلْ وَرَثَةُ الْبَائِعِ كَذَلِكَ؟ تَأْوِيلَانِ. وَإِنْ جُنَّ نَظَرَ السُّلْطَانُ وَنُظِرَ الْمُغْمَى، وَإِنْ طَالَ فُسِخَ، وَالْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، وَمَا يُوهَبُ لِلْعَبْدِ؛ إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَالَهُ، وَالْغَلَّةُ وَأَرْشُ مَا جَنَى أَجْنَبِيٌّ لَهُ، بِخِلَافِ الْوَلَدِ، وَالضَّمَانُ مِنْهُ. وَحَلَفَ مُشْتَرٍ إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ، أَوْ يُغَابَ عَلَيْهِ، إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَضَمِنَ الْمُشْتَرِي إِنْ خُيِّرَ الْبَائِعُ الأَكْثَرَ، إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ، فَالثَّمَنُ كَخِيَارِهِ، وَكَغَيْبَةِ بَائِعٍ، وَالْخِيَارُ لِغَيْرِهِ.
(الشرح)
قوله: (ولا كلام لوارث إلا أن يأخذ بقاله ولوارث) أي ولوارث إذا مات من له الخيار قبل انقضاء زمانه أنه يتنزل وارثه منزلته، فإن اتفق الجميع على الأخذ أو الرد فلا إشكال، ولوضوح هذا سكت عنه وإن أراد بعضهم الأخذ دون بعض، فلا كلام لمن أراد الأخذ إلا أن يأخذ نصيبه ونصيب غيره من الورثة كما قال وهذا إذا لم يرض البائع بالتبعيض، وأما إذا رضي فلا مانع (٥). المازري: فإن لم يرض البائع بتبعيض
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٢٦.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤١٥، وما بعدها.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٢١٣.
(٤) قوله: (عليه) ساقط من (ن).
(٥) قوله: (فلا مانع) يقابله في (ن) و(ن ٥): (وقبل نصيب من رد فله مطالبته لمن التزم بنصيبه من الثمن).
[ ٣ / ٥٨٩ ]
صفقته (١) كلف من أجاز الأخذ (٢) أن يرد ما بيده ليكمل له جميع المبيع لبائعه وهذا هو القياس عند أشهب، وهذا معنى قوله: (والقياس رد الجميع إن رد بعضهم) ثم قال المازري عن أشهب: الاستحسان عنده أن يمكن (٣) من أراد الإجازة من أخذ نصيب من رد ويدفع جميع (٤) الثمن للبائع، وإليه أشار بقوله: (والاستحسان أخذ المجيز (٥) الجميع). المازري: وهذا التفصيل يجري في موت (٦) المشتري والبائع، فيتنزل الراد من ورثة البائع منزلة المجيز من ورثة المشتري، فيدخله القياس والاستحسان (٧). وإليه ذهب أبو محمد، وقال بعض القرويين: لا يدخله الاستحسان وليس لمن رد أن يأخذ نصيب من أجاز (٨)، وإلى هذا أشار بقوله: (هل ورثة البائع كذلك؟ تأويلان).
وقوله: (وإن جن نظر السلطان) أي إذا جن من له الخيار في زمنه فإن السلطان ينظر له في ذلك؛ يريد كان بائعًا أو مبتاعًا، ولا ينتظر إفاقته؛ وهذا إذا علم أنه لا يفيق من جنونه أو علم أنه يفيق إلا أنه بعد طول يضر بصاحبه التأخير إليه (٩)، ولا خلاف في هذا كله.
قوله: (وانتظر المغمى وإن طال فسخ) (١٠) أي أنه ينتظر لنفسه بعد إفاقته لا (١١) السلطان إلا أن يطول إغماؤه فيفسخ العقد، وعن أشهب: أن السلطان يأخذ له أو يرد في أيام الخيار (١٢)، واستحسنه بعض (١٣) المتأخرين قياسًا على المجنون.
_________________
(١) في (ن ٣): (سلعته).
(٢) قوله: (الأخذ) ساقط من (ن).
(٣) في (ن ٥): (يكون).
(٤) قوله: (جميع) ساقط من (ن ٣).
(٥) زاد بعده في (ن ٤): (يريد).
(٦) في (ن ٤): (مورث).
(٧) قوله: (والاستحسان) ساقط من (ن ٣). وانظر: شرح التلقين: ٥/ ٥٤٦ - ٥٤٨.
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٢٨.
(٩) قوله: (إليه) ساقط من (ن ٣).
(١٠) قوله: (فسخ) زيادة من (ن ٥).
(١١) في (ن ٣): (إلا).
(١٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٩٠، وعقد الجواهر: ٢/ ٦٩٨.
(١٣) في (ن ٥): (أكثر).
[ ٣ / ٥٩٠ ]
والفرق على الأول: أن الجنون يطول أمره فيحتاج إلى نظر السلطان (١) بخلاف المغمي.
قوله: (والملك للبائع)؛ أي: اختلف هل بيع الخيار منحل -وهو المشهور- أو منبرم؟ وعلى الأول تكون السلعة في زمن الخيار على ملك البائع (٢) كما قال، والإمضاء نقل لا تقرير، وعلى الشاذ يكون الإمضاء تقريرًا لا نقلًا؛ لأن البتاع كان مالعًا للسلعة في زمن الخيار، وفي المدونة ما يشهد لكل واحد من القولين.
قوله: (وما يوهب للعبد) هو معطوف على قوله: (والملك للبائع)؛ أي: وله أيضًا ما وهب لعبده البيع بالخيار في زمان الخيار. وقاله في المدونة، وقيده ابن الكاتب وغيره بما إذا بيع بغير ماله.
وأما إذا بيع بماله فإنه يتبعه ما وهب له في زمان الخيار، وإليه أشار بقوله: (إلا أن يستثني ماله). قوله: (والغلة)؛ أي: وهكذا تكون الغلة للبائع الكائنة على المبيع في زمان الخيار، كاللبن، والبيض، والثمرة (٣)؛ بخلاف الصوف. ابن شاس: لأنه إذا اشترى (٤) كبشًا وعليه صوف فكأنه اشتراهما. وكذا يكون للبائع أرش جناية الأجنبي في تلك المدة (٥). وقاله في المدونة، وإليه أشار بقوله: (وأرش ما جنى أجنبي له). وإنما قيد الجناية بكونها من الأجنبي احترازًا من جناية المبتاع فإنها تعد رضا منه كما تقدم أول باب البيع.
قوله: (بخلاف الولد) أي فإنه لا يكون للبائع بل للمبتاع كصوف الغنم. وقاله ابن القاسم، وقال أشهب: هو للبائع كالغلة (٦).
قوله: (والضمان منه) أي من البائع في زمان الخيار. لأن البيع منحل كما تقدم ومراده هنا إذا كان البيع مما لا يغاب عليه، ويدل عليه قوله: (أو يغاب عليه إلا ببينة) فإن ظهر
_________________
(١) قوله: (السلطان) زيادة من (ن).
(٢) قوله: (أي اختلف على ملك البائع) ساقط من (ن ٣).
(٣) في (ن ٣): (والثمر).
(٤) في (ن): (باع).
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٦٩٥ و٦٩٦.
(٦) انظر: الذخيرة: ٥/ ٤٥.
[ ٣ / ٥٩١ ]
هلاكه فلا إشكال، وإن خفي ولم يقم دليل على كذب المشتري وقد قبض المبيع وادعي هلاكه استظهر عليه باليمين (١). وإليه أشار بقوله: (وحلف مشتر) واختلف هل يحلف المتهم وغيره أو المتهم فقط.
قوله: (إلا أن يظهر كذبه) أي فيكون الضمان منه.
قوله: (أو يغاب عليه إلا ببينة) أي وهكذا يضمن (٢) المشتري (٣) إذا غاب عليه وادعى هلاكه إلا بقيام بينة على صدق دعواه فيُصدق. وقال ابن نافع: إذا كان الخيار للبائع فضمان المبيع منه على كل حال (٤). المازري: وإن كان المبيع في يد البائع فالضمان منه كان الخيار له أو لغيره، وإن كان بيد المبتاع والخيار له فالمذهب أن الضمان منه فيما يغاب (٥) عليه إلا ببينة، وإن كانت في يده والخيار للبائع فالضمان (٦)، وإن كانت في يد البائع والخيار للمشتري فالضمان من المبتاع على المشهور (٧). وقال ابن كنانة: من البائع (٨). انتهى. ونقل اللخمي عن ابن كنانة: أن الضمان من مشترط الخيار (٩).
قوله: (وضمن المشتري إن خير البائع الأكثر إلا أن يحلف فالثمن كخياره) (١٠) يريد أن المشتري إذا قبض المبيع وهو مما يغاب عليه وقد انعقد البيع على أن الخيار للبائع، فإن المشتري يضمن الأكثر من الثمن أو القيمة وهو قول ابن القاسم إلا أن يحلف المشتري أنه لم يهلكه (١١) وإنما هلك بغير سببه فلا يضمن سوى الثمن. وقال أشهب: يضمن الأكثر مطلقًا ولم يقبل اليمين (١٢) منه (١٣).
_________________
(١) قوله: (عليه باليمين) يقابله في (ن ٣): (عليها اليمين).
(٢) في (ن ٣): (يظهر).
(٣) زاد بعده في (ن ٤): (ذلك).
(٤) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٢٢.
(٥) في (ن ٤): (لا يغاب).
(٦) قوله: (وإن كانت في يده والخيار للبائع فالضمان) زيادة من (ن ٥).
(٧) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٥٧٩ و٥٨٠.
(٨) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٣٩٠، وشرح التلقين: ٥/ ٥٨٠ و٥٨١.
(٩) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٥٦١.
(١٠) قوله: (كخياره) ساقط من (ن ٥).
(١١) في (ن ٥): (يتلفه).
(١٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٢٢ و٧٢٣، والذخيرة: ٥/ ١٣١.
(١٣) قوله: (منه) زيادة من (ن ٥).
[ ٣ / ٥٩٢ ]
الشيخ: وهو (١) الأظهر.
قوله: (كخياره) أي كخيار المشتري، ومعناه إذا كان الخيار له وقد قبض السلعة وهي مما يغاب عليه فإنه لا يضمن إلا الثمن إن هلكت، لأنه يعد راضيًا؛ وهو مذهب ابن القاسم. وقال أشهب: مثله إن كان الثمن أقل لا (٢) إن كان أكثر من القيمة، إلا أنه لم يحلف على ضياع المبيع، وأما إذا حلف على ضياعه وأنه لم يرض بالشراء فليس عليه إلا القيمة (٣).
قوله: (وكغيبة بائع والخيار لغيره) يريد أن البائع إذا غاب على المبيع والخيار فيه لغيره وادعى هلاكه فإنه يضمن للمشتري (٤) الثمن، ويصير كمن أتلف سلعة وقفت على ثمن.
وقال أشهب: إذا حلف البائع أنه لم يتلفها فإنه يضمن الأكثر من الثمن أو القيمة؛ لأن الثمن إذا كان أكثر فقد أتلف ما يقابله، وإن كان أقل فالبائع يتهم في إتلاف ذلك لاسترخاصها (٥).
(المتن)
وَإِنْ جَنَى بَائِعٌ وَالْخِيَارُ لَهُ عَمْدًا فَرَدٌّ، وَخَطَأً، فَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْعَيْبِ، وَإِنْ تَلِفَتِ انْفَسَخَ فِيهِمَا، وَإِنْ خُيّرَ غَيْرُهُ وَتَعَمَّدَ فَلِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ وَأَخْذُ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ تَلف ضَمِنَ الأَكثَرَ، وَإِنْ أَخْطأ فَلَهُ أَخْذُهُ نَاقِصًا، أَوْ رَدُّهُ، وَإِنْ تَلف انْفَسَخَ. وَإِنْ جَنَي مُشْتَرٍ وَالْخِيَارُ لَهُ وَلَمْ يُتْلِفْهَا عَمْدًا فَهُوَ رِضًى، وَخَطَأ فَلَهُ رَدُّهُ وَمَا نَقَصَ، وَإِنْ أَتْلَفَهَا ضَمِنَ الثمَنَ، وَإِنْ خُيّرَ غَيْرُهُ وَجَنَى عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَهُ أَخْذُ الْجِنَايَةِ أَوِ الثمَنِ، وَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ الأَكْثَرَ،
(الشرح)
قوله: (وإن جنى بائع والخيار له عمدًا فرد) اعلم أنه تكلم على جناية البائع والمبتاع على المبيع بالخيار في زمان الخيار. وذكر في ذلك ست عشرة صورة، ثمان بالنسبة إلى
_________________
(١) من هنا يبدأ سقط بمقدار لوحة من (ن ٥).
(٢) في (ن ٣): (أو)، وقوله: (لا إن) يقابله في (ن): (أو).
(٣) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٢٢ و٧٢٣، والذخيرة: ٥/ ١٣١.
(٤) في (ن ٤): (المشتري).
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٢٢، وما بعدها.
[ ٣ / ٥٩٣ ]
البائع، وثمان بالنسبة إلى المبتاع، وقدم الكلام على البائع فقال: إنه إذا جني عليه عمدًا والخيار له جناية أعابته (١) ولم تتلفه، عد (٢) ذلك منه ردًا للمبيع وهو قول ابن القاسم. وقال أشهب: لا يكون ذلك ردًا للبيع (٣)؛ لأنه قادر على الرد من غير إتلاف؛ فتعييبه ذلك قصدًا للرد لا يصدر من عاقل (٤) واستظهر (٥).
قوله: (وخطأ فللمشتري خيار العيب)؛ أي: فإن كانت الجناية خطأ والخيار له فالمشتري مخير إن شاء أخذ وإن شاء رد، لأن العيب الحاصل في زمان الخيار كالقديم.
قوله: (وإن تلفت انفسخ فيهما)؛ أي: فإن تلف المبيع بسبب الجناية في الصورتين انفسخ البيع لأن الضمان من البائع ولا مقال للمبتاع، لأن الخيار للبائع.
قوله: (وإن خير غيره وتعمد فللمشتري الرد وأخذ الجناية)؛ أي: فإن كانت جنايته عمدًا إلا أن الخيار للمشتري وهو مراده بغيره يريد والجناية لم تتلف المبيع؛ فالمشتري مخير إن شاء رد، وإن شاء دفع الثمن، وأخذ البيع وأرش الجناية.
قوله: (وإن تلف ضمن الأكثر)؛ أي: فإن تلف المبيع بسبب تلك الجناية والمسألة بحالها ضمن البائع في الأكثر من الثمن أو القيمة، فإن كان الثمن أكثر فللمشتري فسخ العقد فيسقط عنه الثمن إن لم يدفعه ويسترده إن كان قد دفعه، وإن كانت القيمة أكثر فللمشتري الإمضاء ودفع الثمن ويطالب البائع بقيمة سلعته، فيتقاصان في قدر الثمن إن لم يكن دفعه، ثم يأخذ زيادة القيمة عن الثمن من البائع.
قوله: (وإن أخطأ فله أخذه ناقصًا أو رده) أي: فإن كانت جنايته خطأ ولم تتلف المبيع والخيار لغيره فللمشتري أخذ المبيع ناقصا ولا شيء له أو يرده، وكان ينبغي أن يكون للمشتري قيمة الجناية كالعمد؛ إذ العمد كالخطأ في أموال الناس.
قوله: (وإن تلف انفسخ)؛ أي: فإن كانت الصورة بحالها إلا أن الجناية أتلفت المبيع، فإن البيع ينفسخ.
_________________
(١) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٥): (أغابته).
(٢) في (ن ٤): (عن).
(٣) قوله: (للبيع) ساقط من (ن).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤٠٠، وعقد الجواهر: ٢/ ٦٩٦ و٦٩٧.
(٥) قوله: (واستظهر) زيادة من (ن ٣).
[ ٣ / ٥٩٤ ]
قوله: (وإن جنى مشتر والخيار له ولم يتلفها (١) عمدًا فهو رضى) أي: فإن كانت الجناية عمدًا من المشتري، والخيار له ولم يتلف المبيع فإن ذلك يعد رضا وهو قول ابن القاسم. وقال أشهب: لا يعد ذلك رضا (٢).
قوله: (وخطأ فله رده وما نقص) أي: فإن كانت الصورة بحالها إلا أن الجناية خطأ، فإن المشتري بالخيار، فإن شاء رد، ودفع قيمة ما نقص المبيع بسبب الجناية، وإن شاء أمضى البيع.
قوله: (وإن أتلفها ضمن الثمن) أي: فإن أتلف السلعة بالجناية؛ يريد: سواء كانت خطأ أو عمدًا، فإن المشتري يضمن الثمن الذي وقع البيع به، وهو ظاهر في العمد، وهو على قول ابن القاسم، وقال سحنون: لا يضمن إلا القيمة. وهو جار على مذهب أشهب، وأما تضمينه الثمن مع الخطأ فهو منصوص لابن القاسم في المدونة، وقال سحنون أيضًا: لا يضمن إلا القيمة (٣) واختلف هل هو اختلاف أو وفاق؛ فعلى الوفاق يكون مراد ابن القاسم إذا ثبت أن المشتري اختار قبل الجناية، وأنه لو ثبت أنه اختار بعدها لم يلزمه إلا القيمة؛ وهو مراد سحنون (٤).
قوله: (وإن خير غيره وجنى عمدًا أو خطأ فله أخذ الجناية أو الثمن) أي: فإن كان الخيار للبائع، وهو مراده بقوله: (غيره) أي غير المشتري (٥)، وكانت الجناية الطارئة من المشتري عمدًا أو خطأ، يريد ولم يتلف البيع فللبائع رد البيع وأخذ الجناية، أو إمضائه وأخذ الثمن.
قوله: (وإن تلفت ضمن الأكثر) أي فإن تلف المبيع والصورة بحالها فإن المشتري يضمن الأكثر من الثمن أو القيمة.
(المتن)
وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدَ ثَوْبَينِ وَقَبَضَهُمَا لِيَخْتَارَ فَادَّعَى ضَيَاعَهُمَا ضَمِنَ وَاحِدًا بِالثمَنِ فَقَطْ. وَلَوْ سَأَلَ فِي إِقْبَاضِهِمَا، أَوْ ضَيَاعَ وَاحِدٍ ضَمِنَ نِصْفَهُ، وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِي،
_________________
(١) قوله: (ولم يتلفها) يقابله في (ن ٤): (أتلفها).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤٠١.
(٣) قوله: (وهو جار لا يضمن إلا القيمة) ساقط من (ن ٣).
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ١١/ ٢٣١، وعقد الجواهر: ٣/ ٨٦٩ و٨٧٠.
(٥) قوله: (أي غير المشتري) ساقط من (ن ٣).
[ ٣ / ٥٩٥ ]
كَسَائِلٍ دِينَارًا فَيُعْطَى ثَلاثَةً لِيَخْتَارَ، فَزَعَمَ تَلَفَ اثْنَيْنِ، فَيَكُونُ شَرِيكًا. وَإِنْ كَانَ لِيَخْتَارَهُمَا فَكِلاهُمَا مَبِيعٌ، وَلَزِمَاهُ بِمُضِيِ الْمُدَّةِ، وَهُمَا بِيَدِهِ، وَفِي اللُّزُوم لِأَحَدِهِمَا يَلْزَمُهُ النِّصْفُ مِنْ كُلٍّ.
(الشرح)
وقوله: (وإن اشترى أحد ثوبين وقبضهما ليختار فادعى ضياعهما ضمن واحدًا بالثمن فقط، ولو سأل في إقباضهما) يريد أن من اشترى ثوبًا من ثوبين (١) وقبضهما ليختار أحدهما، وهو مع ذلك مخير فيه؛ فإن شاء أخذه، وإن شاء تركه (٢) أو ردهما معًا وليس له التماسك (٣) إلا بواحد منهما، فإن واحدًا منهما مبيع، واختلف في الآخر هل هو فيه أمين؟ سواء سأل إقباضهما أو تطوع بذلك البائع، وهو قول ابن القاسم، وهو المشهور. فإذا ادعي ضياعهما فلا يضمن إلا واحدًا منهما فقط بالثمن الذي وقع البيع به كما قال هنا ويكون أمينا في الآخر. هذا مذهب ابن القاسم، وهو المشهور (٤). وقيل: إنما يكون فيه أمينًا إذا تطوع له البائع فدفعه؛ فأما لو سأل في إقباضهما فإنه لا يكون أمينًا فيه، وعليه فيضمنهما معًا؛ أحدهما بالقيمة؛ لأنه غير مبيع، والآخر بالأقل من القيمة أو الثمن، وقال أشهب: ليس بأمين مطلقًا (٥).
قوله: (أو ضياع واحد ضمن نصفه) أي: فإن ادعي ضياع واحد فقط، فإنه يضمن نصفه؛ لأن فصفه مبيع ونصفه الآخر هو فيه أمين فلا يضمن غير النصف المبيع، وهو جار على المشهور.
قوله: (وله اختيار الباقي) هو قول ابن القاسم، وقال محمد: وليس له أن يختار إلا نصفه، لأن البيع لم (٦) ينعقد في سوى ثوب؛ فلو كان له اختيار الثوب الثاني (٧) كله لزم انعقاد البيع في ثوب ونصف وليس كذلك؛ لأنه لم يبعه إلا ثوبًا، هكذا حكي بعضهم،
_________________
(١) هنا نهاية السقط من (ن ٥).
(٢) في (ن ٥): (رده).
(٣) في (ن ٣): (التمسك).
(٤) قوله: (ويكون أمينا في الآخر. هذا مذهب ابن القاسم، وهو المشهور) زيادة من (ن ٣).
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٢٤.
(٦) قوله: (لم) زيادة من (ن ٥).
(٧) في (ن ٥): (الباقي).
[ ٣ / ٥٩٦ ]
والذي في ابن يونس عن كتاب محمد أن السالم بينهما والهالك منهما (١) وعليه نصف ثمن كل منهما، والجاري على قول أشهب السابق أن (٢) الضياع لا يكون مانعًا للمشتري من الخيار لضمانه لكل واحد من الثوبين، فإن أخذ الباقي كان عليه الثمن ويلزمه قيمة التالف؛ لأن البيع لم يتم فيه، وإذا رد الباقي فقد تبين أن المبيع هو التالف، فيلزمه فيه الأقل من الثمن أو القيمة (٣).
قوله: (كسائل دينار فيعطى ثلاثة ليختار فزعم تلف اثنين فيكون شريكًا) هكذا حكي ابن يونس عن مالك فقال بعد أن حكي عن ابن القاسم ما تقدم من أنه لا يضمن في ضياع أحد الثوبين إلا نصفه، وكذلك قال مالك في الذي يسأل رجلًا دينارًا فيعطيه ثلاثة دنانير ليختار أحدها فزعم أنه تلف منها ديناران، فإنه يكون شريكًا؛ وإن كان تلف الدينارين لا يعلم إلا من قوله (٤).
قوله: (وإن كان ليختارهما فكلاهما مبيع) أي فإن اشترى الثوبين معًا وقبضهما على أنه بالخيار إن شاء أخذهما، وإن شاء ردهما، فكلاهما مبيع، فإن ادعي ضياعهما فعلى المشهور يلزمه كل منهما بالثمن، ويلزمه الأقل على قول أشهب (٥).
قوله: (ولزماه بمضي المدة وهما بيده) أي فإن مضت أيام الخيار والثوبان بيد المشتري لزماه، إذ قد ينقطع خياره بمضي زمنه.
قوله: (وفي اللزوم لأحدهما يلزمه النصف من كل) يريد أن البيع لو وقع على اللزوم لأحد الثوبين وقبضهما المشتري ليختار أحدهما، ثم مضت مدة الخيار وهما بيده ولم يختر (٦)، فإنه يلزمه النصف من كل واحد من الثوبين، ولا خيار له، وحكاه ابن يونس عن بعض القرويين.
_________________
(١) قوله: (والهالك منهما) زيادة من (ن ٥).
(٢) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (لأن).
(٣) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٢٤، التوضيح: ٥/ ٥٢٣.
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٢٢١ و٢٢٢.
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٢٣.
(٦) في (ن ٤): (يختبر).
[ ٣ / ٥٩٧ ]
(المتن)
وَفِي الاِخْتِيَارِ لا يَلْزَمُهُ شَيءٌ، وَرُدَّ بِعَدَمِ مَشْرُوطٍ فِيهِ غَرَض، كَثَيِّبٍ لِيَمِينٍ فَيَجِدُهَا بِكرًا وإن بِمُنَادَاةٍ؛ لا إِنِ انْتَفَى، وَبِمَا الْعَادَةُ السَّلامَةُ مِنْه: كَعَوَرٍ وَقَطْعٍ، وَخِصَاءٍ، وَاسْتِحَاضَةٍ، وَرَفْعِ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاءٍ، وَعَسَرٍ، وَزِنًا، وَشُرْبٍ، وَبَخَرٍ، وَزعَرٍ، وَزِيَادَةِ سِنٍّ، وَظَفْرٍ، وَعُجَرٍ، وَبُجَرٍ، وَوَالِدَيْنِ أَوْ وَلَدٍ، لا جَدٍّ، وَلا أخٍ، وَجُذَامِ أَبٍ، أَوْ جُنُونِهِ بِطَبْعٍ، لا بِمَسِّ جِنٍّ، وَسُقُوطِ سِنَّيْنِ، وَفِي الرَّابِعَةِ الْوَاحِدَةُ، وَشَيْبٍ بِهَا فَقَطْ وَإِنْ قَلَّ، وَجُعُودَتِهِ، وَصُهُوبَتِهِ، وَكَوْنِهِ وَلَدَ زِنًى وَلَوْ وَخْشًا، وَبَوْلٍ فِي فِرَاشٍ فِي وَقْتٍ يُنْكَرُ؛ إِنْ ثَبتَ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَإِلَّا حَلَفَ، إِنْ أقِرَّتْ عِندَ غَيْرِهِ. وَتَخَنُّثِ عَبْدٍ، وَفُحُولَةِ أَمَةٍ اشْتَهَرَتْ، وَهَلْ هُوَ الْفِعْلُ أَوِ التَّشَبُّهُ؟ تَأَوِيلانِ.
(الشرح)
قوله: (وفي الاختيار لا يلزمه شيء) أي: فإن اشترى أحدهما على أن يختاره منهما ثم مضت مدة الخيار، فإنه لا يلزمه شيء منهما. ابن يونس (١): وسواء كانا بيد البائع أو بيد المبتاع إذ بمضي أمد (٢) الخيار ينقطع خياره إذ لم (٣) يقع البيع على ثوب معين فيلزمه، وعلى إيجاب أحدهما فيكون شريكًا. ولما فرغ من الكلام على خيار التروي شرع في الكلام على خيار النقيصة؛ وهو: أن يجد المشتري بالسلعة نقصًا يخالف ما التزمه البائع شرطًا أو عرفًا في زمان ضمانه؛ وإليه أشار بقوله: (ورد بعدم مشروط فيه غرض)؛ أي فإن ابتاع (٤) سلعة واشترط فيها شرطًا فيه غرض؛ يريد سواء كان فيه مالية أم لا، فلم يوجد فيها ما اشترط، فإنه يخيَّر في ردها والتمسك بها.
قوله: (كثيب ليمين فيجدها بكرًا) أي: كما إذا ابتاع أمة على أنها ثيب، فيجدها بكرًا ويقول على يمين؛ أي: لا أطأ بكرًا، وقد ذكر الأصحاب في هذه المسألة ونحوها روايتين. ابن رشد: والصحيح أن له الرد (٥)؛ عملًا بالشرط. قال في البيان: وإذا نادى الذي يبيع الجارية في الميراث أنها عذراء أو غير ذلك ثم توجد بخلافه، فإن (٦) له الرد؛
_________________
(١) في (ن ٣): (ابن رشد).
(٢) في (ن): (مدة).
(٣) في (ن) و(ن ٥): (ولم).
(٤) في (ن ٥): (باع).
(٥) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٥١.
(٦) في (ن): (كان).
[ ٣ / ٥٩٨ ]
وإليه أشار بقوله: (وإن بمناداة) ابن شاس (١): فإن شرط ما لا غرض فيه ولا مالية ألغي الشرط ولم يثبت له خيار وإليه أشار بقوله: (٢) (لا إن انتفى) (٣) أي الغرض؛ يريد: مع المالية.
قوله: (وبما العادة السلامة منه) يريد: أن له الرد أيضًا إذا وجد في المبيع نقصًا تقضي العادة بالسلامة منه؛ أي إن كان النقص في الثمن فقط؛ كما إذا وجد العبد آبقًا أو في المبيع (٤) فقط (٥) كالخصاء في العبد، أو في التصرف كالعسر والتخنث، أو خوفًا في العاقبة؛ كجذام الأبوين.
قوله: (كعور وقطع وخصاء) قد تقدم هذا؛ قال في المدونة: ومن اشترى أمة فوجدها مستحاضة فهو عيب ترد به (٦). وإليه أشار بقوله: (واستحاضة).
محمد: هو عيب في الفارهة والوخش. قال (٧): وهذا إذا ثبت أنها كانت عند البائع مستحاضة؛ لأنه مما يحدث؛ فأما إذا وضعت للاستبراء فحاضت ثم استمرت مستحاضة فهو من المشتري ولا رد له، وقاله أشهب (٨).
قوله: (ورفع حيضة استبراء): أي فإن اشترى أمة ممن تحيضر فوضعت للاستبراء فلم تحض، فإن ذلك عيب يثبت الخيار في الرد والإمساك. قال ابن القاسم في المدونة: إلا أنها لا ترد في ارتفاعه بأيام يسيرة؛ لأن الحيض يتقدم ويتأخر بالأيام اليسيرة حتى يطول ذلك، فيكون ضررًا في منع المبتاع من الوطء والسفر بها، فترد ولا يحد (٩) مالك شهرًا ولا شهرين (١٠). وفي الموازية عن مالك: بالشهرين يثبت له الرد، وقال أشهب:
_________________
(١) قوله: (ابن شاس) زيادة من (ن ٣).
(٢) قوله: (وإن بمناداة، فإن شرط وإليه أشار بقوله) ساقط من (ن ٥).
(٣) في (ن ٤): (نفى).
(٤) في (ن ٣): (الجميع).
(٥) قوله: (فقط) زيادة من (ن ٥).
(٦) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٩٤.
(٧) قوله: (قال) زيادة من (ن ٥).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٥٢ و٢٥٣.
(٩) في (ن ٤): (يرد).
(١٠) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٩٤.
[ ٣ / ٥٩٩ ]
لا ترد بالشهر والشهرين حتى يطول أمرها (١). قال: وإن مضى لها ثلاثة أشهر نظرها القوابل، فإن لم يكن بها حمل حل للمشتري وطؤها.
قوله: (وعسر) أي ومما هو عيب ترد به العسر في الرقيق. الشيخ: والعسر في الرقيق بفتح العين والسين المهملتين (٢). والأعسر: هو الذي يعمل بشماله دون يمينه.
قوله: (وزنا وشرب) الزنا وشرب الخمر عيب عند مالك في العبد والجارية وخشًا أو عليًا (٣).
قوله: (وبخر) المتيطي: وسواء كان في الفم أو الفرج وقال غيره: هو عيب في الفرج في الرائعة فقط (٤).
قوله: (وزعر) أي إذا اشترى أمة فوجدها زعراء العانة لا شعر لها أو عليها شعر قليل، فإن له ردها. قال في المدونة (٥): وكذلك الزعراء في غير العانة إذا لم ينبت فهو عيب (٦). محمد: يريد بذلك في ساقها وجسدها (٧). ابن حبيب: وهو مما يتقى عاقبته (٨) من الداء السوء.
قوله: (وزيادة سن) يريد أن الأمة أو العبد إذا وجد لهما سن زائدة فإنها عيب يرد به. ابن حبيب: وسواء كانا رفيعين أو وَخشين (٩) وضيعين (١٠).
قوله: (وظفر) أي وكذلك يكون الظفر في العين عيبًا، ومثله الفص (١١) في سواد العين وهو واضح. والظفر بفتحتين: جلدة تغشي العين من الجانب الذي يلي الأنف
_________________
(١) في (ن ٣): (أمدها). وانظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٥٦.
(٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٣٦.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٥٩.
(٤) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٣٦.
(٥) في (ن) و(ن ٥): (الموازية).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٣٤٢.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٥١.
(٨) قوله: (عاقبته) زيادة من (ن ٥).
(٩) قوله: (وَخشين) ساقط من (ن).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٥٩.
(١١) في (ن ٣): (القصر)، وفي (ن ٤): (القصر البياض).
[ ٣ / ٦٠٠ ]
على بياض العين إلى سوادها (١).
قوله: (عجر وبجر) وأصل العجر: العقد الناتئة في العصب، والبجر: العقد الناتئة في البطن، وقيل: قوله: وعجر وبجر: أي عجر تعظيم البطن، وبجر هو خروج السرة ونحوها (٢).
قوله: (ووالدين أو ولد) (٣): يريد أن المشتري إذا وجد للعبد أو للأمة والدين أو ولدًا، فإن له الرد بذلك؛ لأن قوة الألفة لهم والتحنن (٤) إليهم يبعث على الإباق نحوهم وإيثارهم بما في يده من القوة وغيره، ولا رد له في غير هؤلاء من الأقارب، ولهذا قال: (لا جد ولا أخ) أي فلا يكون وجود واحد (٥) منهما عيبًا يثبت الرد، وكذلك الأعمام وبنوهم وبنو الأخوة. ابن شاس: ومال بعض المتأخرين إلي إلحاق الجد للأم بالأم. قلت: وكذلك الجدة للأم لأنه يأوي إليهما (٦)، وجعل في المدونة الزوج للأمة والزوجة (٧) للعبد كالوالدين. ابن يونس: وإن مات من ذكرنا من زوج أو زوجة أو ولد أو من كان من الأبوين قبل الرد فلا رد له، قاله: مالك. ابن حبيب: إلا أن تكون أمة رائعة فالزوج لها، وإن مات عيب للمبتاع الرد به (٨).
قوله: (وجذام أب) ليس المراد خصوصية الأب بل جميع الآباء كذلك لما يتقي من معاقبته في النسل؛ إذ قد يكون فسادًا في النطفة، فيتعدى في النسل، وهذا هو المشهور. وقال ابن كنانة: ليس بعيب، ورواه داود بن جعفر عن مالك. وقال محمد بن دينار: لا يكون عيبًا إلا إذا قال أهل العلم أنه مرض يعم الأقارب حتى لا يخطيء أحدًا (٩)؛
_________________
(١) قوله: (والظفر بفتحتين إلى سوادها) زيادة من (ن ٣).
(٢) قوله: (وأصل العجر السرة ونحوها) ساقط من (ن ٤)، وفي (ن ٥): (أبو عبيدة: العجر ما ينعقد في العصب، والعور والبجر ما ينعقد في ظاهر البطن، وهو واضح).
(٣) قوله: (ووالدين أو ولد) ساقط من (ن ٤).
(٤) في (ن ٣): (والتخطر).
(٥) قوله: (واحد) ساقط من (ن ٣).
(٦) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٠٢.
(٧) قوله: (والزوجة) ساقط من (ن ٣).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٦١.
(٩) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٣٦٠ و٣٦١.
[ ٣ / ٦٠١ ]
فحينئذ يرد به، وإن كان ربما أصاب أو لم يصب فلا رد به (١).
قوله: (أو جنونه (٢) بطبع لا بمس جن) يريد أيضا أن الجنون من العيوب المثبتة للرد.
ابن شاس: وذلك إذا وجد من فساد طبع، وأما إذا كان من مس الجان فلا يرد به؛ إذ لا يخشى التعدي في النسل (٣).
قوله: (وسقوط سنين وفي الرائعة الواحدة) يريد أن سقوط السنين عيب يثبت به الرد في العبد والجارية، وإن سقوط السن الواحدة لا يكون عيبًا إلا في الأمة الرائعة فقط. وهي الجميلة بالراء والعين المهملتين، والياء المثناة من تحت، وظاهر كلامه سواء كان سقوط السن الواحدة ينقص من ثمن الرائعة أم لا.
وفي الموازية (٤) لا يكون عيبًا إلا إذا نقص من ثمنها. وفي الواضحة أن سقوط الواحدة عيب في الرائعة مطلقًا، وليس عيبًا في الدنية ولا في العبد إلا في مقدم الفم (٥).
قوله: (وشيب بها فقط وإن قل) أي في الرائعة، وهذا الذي ذكره هو ظاهر المدونة (٦).
وقال ابن عبد الحكم: ليس بعيب، ومثله لمالك في الواضحة. وقال أشهب: ترد بالكثير لا بالقليل (٧) إلا أن يعلمه البائع ويكتمه فيرد به وإن قل. وقال (٨) ابن المواز: وكل هذا في الشابة ونبه بقوله: (فقط) على أن ذلك لا يكون عيبًا إلا في الرائعة (٩)، وهو ظاهر في الصغيرة (١٠)، وأما الكبيرة (١١) فظاهر المدونة أنه ليس بعيب، وقيل: عيب.
_________________
(١) في (ن ٣) و(ن ٤): (له).
(٢) في (ن ٣) و(ن ٤): (جنون).
(٣) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٠٢.
(٤) في (ن ٣): (المدونة).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٤٩ و٢٥٠.
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٣٤٩.
(٧) قوله: (بالكثير لا بالقليل) يقابله في (ن ٣): (بالقليل لا بالكثير).
(٨) قوله: (وقال) زيادة من (ن).
(٩) قوله: (أن ذلك لا يكون عيبًا إلا في الرائعة) يقابله في (ن ٥): (أن ذلك لا يكون عيبا في غير الرائعة).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٤٩.
(١١) قوله: (في الصغيرة، وأما الكبيرة) يقابله في (ن ٥): (في القليل وأما في الكثير).
[ ٣ / ٦٠٢ ]
قوله: (وجعودته وصهوبته) يريد أن جعودة شعر الأمة وهو كونه غير مرجل، وصهوبته: وهو كونه يضرب إلى حمرة، عيب يبيح ردها، وظاهره سواء كانت رائعة أو وخشًا، وقيل: إنما ذلك في الرائعة.
قوله: (وكونه ولد زنى ولو وخشًا) يريد أن المبتاع إذ ااطلع على أن العبد أو الأمة ولد زنا فإن له ردهما ولو كان من وخش الرقيق. وقيل: ليس له ذلك، وقيل: له ذلك في غير الوخش (١)، وحكى هذه الأقوال الثلاثة ابن رشد، وظاهر ما حكاه ابن حبيب (٢) عن مالك: أنه يفرق في الوخش بين الذكر والأنثى.
قوله: (وبول في فراش في وقت ينكر) يريد أن المبتاع إذا وجد الأمة تبول في الفراش في الوقت الذي إذا بلغه الصغير لا يبول فيه غالبًا، فإن له ردها بذلك وحكم العبد كذلك. ابن حبيب: وسواء بلغه (٣) في هذا الوقت أو بعد ما كبرت، وعلى البائع أن لجت وإن انقطع؛ إذ لا يؤمن عوده. وقال: وليس للمبتاع ردها حتى يبين أنها كانت تبول عند البائع فيردها، لأنه مما يحدث في ليلة فأكثر وإليه أشار بقوله: (إن ثبت عند البائع). ابن حبيب: وإن لم تكن له بينة حلف البائع على علمه، ولا يحلف بدعوى المبتاع (٤) حتى توضع بيد امرأة أو رجل فيذكر أن ذلك كان فيه (٥). وهذا معنى قوله: (وإلا حلف إن أقرت عند غيره) أي وضعت عند غيره. قال في المدونة: ويُرد العبد إن وجد مخنثًا، وكذلك الأمة المذكرة إذا اشتهرت بذلك (٦)، وإليه أشار بقوله: (وتخنث عبد وفحولة أمة إن اشتهرت) واختلف الأشياخ هل كلامه في المدونة محمول على الفعل نفسه كما إذا وجد العبد مؤنثا يؤتى أو وجدت الأمة مذكرة فحلة (٧) كما يفعله شرار
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٥٧.
(٢) قوله: (ابن حبيب) ساقط من (ن ٣).
(٣) في (ن ٥): (بيعت).
(٤) قوله: (بدعوى المبتاع) يقابله في (ن ٣): (البائع).
(٥) قوله: (فيذكر أن ذلك كان فيه) يقابله في (ن ٣): (فيذكران ذلك عنهما). وانظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٩٩.
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٣٤٨.
(٧) قوله: (كما إذا وجد العبد مؤنثا يؤتى أو وجدت الأمة مذكرة فحلة) زيادة من (ن ٥).
[ ٣ / ٦٠٣ ]
النساء، وإليه ذهب عبد الحق وغيره من الصقليين (١). وكذلك (٢) فسره ابن حبيب (٣) عن مالك في الواضحة، أو هو محمول على التشبه في الأخلاق وتأنيث كلام العبد وتذكير كلام الأنثى، وإليه ذهب أبو محمد، وهذا معنى قوله: (هل هو الفعل أو التشبه؟ تأويلان).
(المتن)
وَغَلَفِ ذَكَرٍ. وَأُنْثَى مُوَلَّدٍ، أَوْ طَوِيلِ الإِقَامَةِ، وَخَتْنِ مَجْلُوبِهِمَا، كَبَيْعٍ بِعُهْدَةٍ مَا اشْتَرَاهُ بِبَرَاءَ؛، وَكَرَهَصٍ، وَعَثَرٍ، وَحَرَنٍ، وَعَدَمِ حَمْل مُعْتَادٍ، لا ضَبْطٍ وَثُيُوبَةٍ، إِلَّا فِيمَنْ لا يُفْتَضُّ مِثْلُهَا، وَعَدَمِ فُحْشِ ضِيقِ قُبُلٍ، وَكَوْنِهَا زَلَّاءَ، وَكَي لَمْ يُنَقصْ، وَتُهْمَةٍ بِسَرِقَةٍ حُبِسَ فِيهَا ثُمَّ ظَهَرَتْ بَرَاءَتُهُ، وَمَا لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إِلَّا بتغيير: كَسُوسِ الْخَشَبِ، وَالْجَوْزِ، وَمُرِّ قِثَّاءٍ، وَلا قِيمَةَ، وَرُدَّ الْبَيضُ، وَعَيب قَلَّ بِدَارٍ، وَفِي قَدْرِهِ تَرَدُّدٌ، وَرَجَعَ بقيمة: كَصَدع جِدَارٍ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وجهتها، أَوْ بِقَطْعِ مَنْفَعَةٍ: أو ملح بِئْرِهَا بِمَحِلِّ الْحَلاوَةِ، وَإِنْ قَالَتْ: أَنَا مُسْتَوْلَدَةٌ لَمْ تَحْرُمْ، لَكِنَّهُ عَيْبٌ، إِنْ رَضِيَ بِهِ بَيَّنَ.
(الشرح)
قوله: (وغلف ذكر وأنثى مولد) الغلف في الذكلر: ترك الختان، وفي الأنثي ترك الخفاض، ومراده أن من اشترى عبدًا أو أمة فوجدهما غير مختونين وهما ممن ولد في الإسلام؛ يريد وقد كبرا وولدا في العجم وطالت إقامتهما ببلد المسلمين أن ذلك عيب يوجب له الرد ولو كانا صغيرين لم يكن ذلك عيبًا. قاله ابن حبيب، ولو لم تطل إقامتهما بين المسلمين لم يكن عيبًا وإليه أشار بقوله: (أو طويل الإقامة) (٤).
قوله: (وختن مجلوبهما) يعني أن العبد أو الأمة المجلوبين إذا وجدا مختونين يكون ذلك عيبًا فيصح الرد. ابن المواز: قال مالك: وليس على من اشترى جارية للبيع أن يخفضها إلا أن يريد حبسها (٥).
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٣٥.
(٢) في (ن ٥): (وبذلك).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٥٢.
(٤) قوله: (وإليه أشار بقوله: (أو طويل الإقامة) ساقط من (ن ٥).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٥٣.
[ ٣ / ٦٠٤ ]
قوله: (كبيع بعهدة ما اشتراه ببراءة) هذا راجع إلى صدر المسألة. وهو قوله: (ورد بعدم مشروط فيه غرض (١)؛ يعني: وكذلك يرد ما بيع بعهدة إذا اشتري (٢) ببراءة.
قوله: (وكرهص وعثر وحرن وعدم حمل معتاد). الباجي: فأما عيوب الدواب الحادثة كالرهص، والدبر ومثل ذلك من العيوب فإنه يرد به، ثم قال بعد ذلك: والنفار في الدابة والحرن في الفرس أو البغال وقلة الأكل المفرط، فإنه عيب يرد به المبيع.
قال: وأما العثار للدابة ففي المدونة من رواية عبد الرحمن بن دينار وعن ابن كنانة: إن علم أن ذلك كان عند بائعها بإقرار أو بشهادة ردت عليه وإن لم يعلم ذلك وكان عثارها قريبًا من بيعها حلف البائع أنه ما علم بذلك، وإن ظهر بعد زمان طويل أو مدة يحدث العثار فيها فلا يمين عليه (٣). و(حمل) من قوله: (وعدم حمل معتاد) مجرور غير منون لإضافته إلى معتاد، ومعناه أن من اشترى أمة (٤) أو غيرها على أنها حامل، فلم توجد حاملًا وهي من اللواتي يراد منهن الحمل، فله ردها بذلك وحكاه ابن يونس وغيره، ويحتمل أن يريد أن من ابتاع دابة فوجدها لا تحمل الحمل المعتاد الذي يحمله مثلها فله ردها (٥).
قوله: (لا ضبط) (٦) أي: فإن ذلك لا (٧) يبيح الرد، والأضبط هو الذي يعمل بكلتا يديه، والأنثى ضبطاء، ويقال له أعسر يسر (٨). ابن حبيب: وليس بعيب إذا كانت اليمين في قوتها والبطش بها، وإذا نقصت فهي عيب (٩).
قوله: (وثيوبة إلا فيمن لا يفتض مثلها) يريد: أن من اشترى أمة فوجدها ثيبًا وهي ممن يوطأ مثلها فإن ذلك لا يكون عبيًا يبيح (١٠) الرد
_________________
(١) قوله: (فيه غرض) ساقط من (ن ٣).
(٢) قوله: (إذا اشتري) يقابله في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (إلى مشترٍ).
(٣) انظر: المنتقى: ٦/ ٩٠ و٩١.
(٤) في (ن ٤): (دابة).
(٥) قوله: (ويحتمل أن يريد مثلها فله ردها) زيادة من (ن ٥).
(٦) في (ن ٤): (أضبط).
(٧) قوله: (لا) ساقط من (ن ٤).
(٨) قوله: (يسر) ساقط من (ن ٤).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٥٠.
(١٠) (في (ن ٣): (يوجب).
[ ٣ / ٦٠٥ ]
وقاله سحنون (١) في العتبية قال: وسواء كانت من أعلى الرقيق أو وخشه (٢).
ابن رشد: وإن كانت في سن من لا توطأ، فذلك عيب لأنها محمولة على أنها لم توطأ (٣). وقال ابن القاسم، وسحنون: إنما ذلك عيب في الرائعة فقط (٤)، وظاهر كلامه هنا يخالفه (٥).
قوله: (وعدم فحش ضيق قبلٍ) أي فإن وجد الأمة صغيرة القُبُل إلا أن ذلك لم يتفاحش، فإن ذلك لا يكون عيبًا يقتضي ردها، وهو مراده بعدم فحش ضيق قبل، فإن يتفاحش صغره فله ردها به.
قوله: (وكونها زلاء) أبو الحسن الصغير: والزلاء: الصغيرة الأليتين والقليلة لحمها ومعناه أن من اشترى أمة فوجدها صغيرة الأليتين فإنه لا يكون عيبًا يبيح الرد. وقاله في المدونة (٦): وزاد في الموازية والواضحة إلا أن تكون ناقصة الخلقة (٧).
قوله: (وَكَيٍّ لم ينقص) وكذلك الكي الذي لا يحط من الثمن لا يكون عيبًا. وقاله في المدونة (٨)، وقال ابن القاسم: إلا أن يخالف الكي لون الجسد فترد به (٩).
قوله: (وتهمة بسرقة حبس فيها ثم ظهرت براءته) هذه مسألة المدونة قال فيها: وإذا اتهم عبد بسرقة فحبس فيها، ثم ألفي بريئًا لم يكن ذلك عيبًا إذا لم يبينه بائعه وقد ينزل ذلك بالحر (١٠) فلا يجرحه (١١).
قوله: (وما لا يطلع عليه إلا بتغيير، كسوس الخشب، والجوز، ومر قثاء ولا قيمة)
_________________
(١) قوله: (يريد: أن من اشترى وقاله سحنون) ساقط من (ن ٤).
(٢) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٥٧.
(٣) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٥٨.
(٤) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٣٦.
(٥) في (ن): (بخلافه).
(٦) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٩٠.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٥١.
(٨) انظر: المدونة: ٣/ ٣٤٩.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٥١.
(١٠) في (ن ٤): (المرء).
(١١) انظر: المدونة: ٣/ ٣٤٩.
[ ٣ / ٦٠٦ ]
هذا كقوله في المدونة وكل ما بيع من غير الحيوان وفي باطنه عيب من أصل الخلقة، فجهله المتبايعان ولم يطلع عليه إلا بإفساده مثل الخشب وشبهها يشق فيلفى داخلها عيب فليس له رد، ولا قيمة عيب، وكذلك الجوز الهندي، وسائر الجوز يوجد داخله فاسدًا، أو القثاء، والبطيخ يوجد مرًا فلا يرد، وهذا هو الشهور (١). وروى المدنيون عن مالك: أن الخشب يرد بذلك كسائر العيوب.
وقال ابن حبيب: إن كان من أصل الخلقة فلا رد، وإن كان طارئًا كوضع الخشب في مكان ندي يتغير فيه فالرد. واختلف هل هو خلاف للمدونة وإليه ذهب ابن يونس، أو وفاق وإليه ذهب المازري. وقال عبد الملك: يرد في الكثير دون القليل وقيل: في الجوز والفقوس والخيار والبطيخ والقثاء وشبهه أن له الرد (٢) وقال ابن المواز: إن أمكن اختباره والاطلاع عليه حين العقد كالقثاء والفقوس بإدخال عود رقيق فيها، وكالجوزتين فيتحيل عليهما بما يعرف حالهما قبل الكسر فله الرد، وإن لم يمكن (٣) كالأحمال الكثيرة، إلا أن يكون كله فاسدًا أو أكثره فيرد (٤).
قوله: (ورد البيض) أي ورجع المشتري بالثمن إن كان دفعه للبائع إذا كان مدلسًا. قال في المدونة (٥): وإن كان غير مدلس ويكسره المشتري وأتلفه فإنه يرجع بما بين القيمتين إن كانت له قيمة يوم باعه بعد الكسر، وإلا رجع بالثمن كله. ابن القاسم: وهذا كله (٦) إذا كسره بحضرة البيع، وأما بعد أيام فلا رد؛ لأنه لا يدري أفسد عند البائع أو المبتاع، وقاله مالك (٧).
قوله: (وعيب قل بدار) يريد أن العيب القليل في الدار لا يثبت به الرد؛ أي: ولا يرجع بقيمته كسقوط شرافاتها ونحوها (٨)، واختلف (٩) في القدر اليسير من ذلك فيرده
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٣٥٧.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٩٨.
(٣) في (ن ٣): (يكن).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٩٧.
(٥) قوله: (قال في المدونة) يقابله في (ن): (وقاله في المدونة قال وفي الموزية).
(٦) قوله: (ابن القاسم وهذا كله) زيادة من (ن).
(٧) انظر: المدونة: ٣/ ٣٥٧.
(٨) قوله: (ونحوها) ساقط من (ن).
(٩) قوله: (واختلف) زيادة من (ن) و(ن ٤).
[ ٣ / ٦٠٧ ]
بعضه إلى العادة وهو الأصل وقال ابن أبي زيد: ما ينقص معظم الثمن فهو كثير. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: القليل ما نقص الثلث. وأما الثلث فكثير. وسئل ابن عتاب عن ربع الثمن فقال: كثير. وقال ابن العطار: المثقالان قليل والعشر كثير ولم يبين (١) من كم (٢).
وقال ابن رشد: العشرة من المائة كثير (٣): وإلى هذا أشار بقوله: (وفي قدره تردد).
قوله: (ورجع بقيمة كصدع جدار إن لم يخف عليها منه) أي: فإن وجد بالدار صدعًا في جدار من (٤) جداراتها، فإن لم يخف على الدار منه الهدم فلا رد له. لكن يرجع بقيمته وإن خيف عليها منه ردها بذلك، وقاله في المدونة (٥)، وقال ابن المواز: إذا لم يخف على الدار من ذلك غرم البائع ما نقص من ثمنها. وهو وفاق للمدونة (٦).
قوله: (إلا أن يكون وجهتها) هذا استثناء من المقدر في كلامه فكأنه قال: ولا رد له في صدع جدار إن (٧) لم يخف عليها منه إلا أن يكون ذلك الجدار واجهة الدار.
عياض: ولم يختلفوا فيما قطع منفعة من منافعها كتهوير (٨) بئرها وغور مائها أو فساد معظم مرحاضها، وتعفن بعض قواعد بئرها (٩) أو وجد ماء بئرها ملحًا في البلد التي ماء آبارها حلوًا، وشبه ذلك أنه يجب الرد. وإلى هذا أشار بقوله: (أو بقطع منفعة، أو ملح بئرها بمحل الحلاوة) وحكي الباجي عن بعض الأندلسيين أن اليسير في الدور يرد به (١٠) كغيره (١١).
_________________
(١) انظر: الذخيرة: ٥/ ٥٥ و٥٦.
(٢) قوله: (من كم) ساقط من (ن ٤).
(٣) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٣٩٨.
(٤) قوله: (جدار من) ساقط من (ن).
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٣٤٢.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٦٦.
(٧) قوله: (إن) زيادة من (ن ٥).
(٨) في (ن ٣): (تهديم).
(٩) قوله: (قواعد بئرها) يقابله في (ن ٣): (قعر غديرها).
(١٠) قوله: (يرد به) ساقط من (ن ٤).
(١١) انظر: المنتقى: ٦/ ٨٩.
[ ٣ / ٦٠٨ ]
قوله: (وإن قالت: أنا مستولدة لم تحرم لكنه عيب إن رضي به) يريد أن من ابتاع أمة فادعت أن بائعها قد أولدها لم تحرم بذلك عليه، لأنها تتهم أن تكون أرادت بذلك الرجوع إلى الأول لكنه عيب يثبت الخيار له فإن شاء ردها أو رضي بها.
قوله: (بين) أي: إذا أراد أن يبيعها بيّن ذلك للمشتري، لأن النفوس تكره الإقدام على مثل ذلك لاحتمال صدقها. ابن رشد: ودعوى الحرية تجري مجرى دعوى الأمة في الاستيلاد (١).
(المتن)
وَتَصْرِيَةُ الْحَيَوَانِ كَالشَّرْطِ، كَتَلْطِيخِ ثَوْبِ عَبْدٍ بِمِدَادٍ فَيَرُدُّهُ بِصَاعٍ مِنْ غَالِب الْقُوتِ، وَحَرُمَ رَدُّ اللَّبَنِ، لا إِنْ عَلِمَهَا مُصَرَّاةً، أَوْ لَم تُصَرَّ، وَظَنَّ كَثْرَةَ اللَّبَنِ؛ إِلَّا إِنْ قُصِدَ وَاشْتُرِيَتْ فِي وَقْتِ الحلاب، وَكَتَمَهُ، وَلا بِغَيْرِ عَيْبِ التصْرِيَةِ على الأَحْسَنِ، وَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِهَا على الْمُخْتَارِ وَالأَرْجَحِ، وَإِنْ حُلِبَتْ ثَالِثَةً فَإِنْ حَصَلَ الاِخْتِبَارُ بِالثَّانِيَةِ فَهُوَ رِضًى، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي كَوْنِهِ خِلافًا تَأَوِيلانِ.
(الشرح)
قوله: (وتصرية الحيوان كالشرط كتلطيخ ثوب عبد بمداد) يريد أن التغرير الفعلي كالشرط، ومعناه أن يفعل البائع في المبيع ما يستر به عيبه مثل تصرية الشاة والناقة ونحوهما ليكثر اللبن في ضرعهما (٢)، وتلطيخ ثوب العبد بالمداد لينظر مشتريه أنه كاتب ولا يوجد كذلك.
وقوله: (كالشرط) أي كشرط السلامة من ذلك العيب لفظًا.
قوله: (فيرده) هو عام في كل ما وقع فيه الغرر.
وقوله: (بصاع) هو خاص بالمصراة والباء فيه للمصاحبة؛ أي: مع صاع، وقد جاء ذلك في الحديث الصحيح وهو المشهور. وروي عن مالك وأشهب: أنه لا يرد معها شيئًا (٣).
قوله: (من غالب القوت) هو المشهور وقيل: إنما يرد معها صاعًا من تمر (٤).
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٤٣ و٢٤٤.
(٢) في (ن): (ضرعهما).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٢١.
(٤) في (ن ٣): (ثمر).
[ ٣ / ٦٠٩ ]
قوله: (وحرم رد اللبن) يريد أنه لا يجوز للمشتري أن يرد اللبن الذي حلبه من المصراة، إذا ردها عليه؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه، وذلك بأن المشتري وجب عليه للبائع ثمن (١) لم يقبضه فيدفع له عوضًا عنه لبنًا فذلك لا يجوز وهو المشهور وهو قول ابن القاسم، وقال سحنون: يجوز له رد اللبن الذي حلبه (٢) منها. ويعد ذلك إقالة منها وقيل: يجوز بشرط ألا يكون قد غاب على اللبن، حكاه ابن رشد (٣).
وقال اللخمي: إن كان اللبن قائمًا، وكان حلابه بفور الشراء رد عينه، ولا يغرم العوض عنه، وإن كان حلابه بعد ذلك لم يكن عليه رده (٤).
قوله: (لا إن علمها مصرَّاة) أي: لا إن علم المشتري أنها مصراة حين البيع فإنه لا رد له، يريد: إلا أن يجدها قليلة اللبن جدًّا أو دون المعتاد من مثلها.
قوله: (أو لم تُصَرَّ وظن كثرة اللبن إلا إن قصد واشتريت في وقت الحلاب، وكتمه) يريد: وكذلك لا يردها المشتري إذ لم يكن صاحبها قد صرها، وإنما ظن المشتري كثرة اللبن إلا بشروط ثلاثة:
الأول: أن تكون مقصودة اللبن ونحوه في المدونة.
الثاني: أن تكون اشتريت في وقت الحلاب ونحوه في المدونة.
قال فيها: ولو ابتاعها في غير إبان حلابها، ثم حلبها المبتاع (٥) حين الإبان فلم يرضها فلا رد له، كان البائع يعرف حلابها أم لا (٦).
الثالث: أن يكون البائع قد عرف حلبها وكتمه عن المشتري.
قوله: (ولا بغير عيب التصرية على الأحسن) أي: ولا يرد الصاع إذا رد المصراة بغير عيب التصرية، إذ اطلع على ذلك بعد أن رضي بعيب التصرية؛ لأنها لما ردت بغير ذلك صارت كأنها غير مصراة ولا يرد لحالبها شيئًا، وقاله ابن المواز، واختاره التونسي ولهذا
_________________
(١) قوله: (صاع ثم) يقابله في (ن ٤): (صاع ثم).
(٢) قوله: (من المصراة يجوز له رد اللبن الذي حلبه) ساقط من (ن ٣).
(٣) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٣٥٠ - ٣٥٢.
(٤) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٣٣٥.
(٥) في (ن ٤): (للمبتاع).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٣٠٩ - ٣١١.
[ ٣ / ٦١٠ ]
قال: على الأحسن، وقال أشهب: يرد الصاع؛ لأنه يصدق عليه أنه رد مصراة (١).
قوله: (وتعدد بتعددها على المختار والأرجح) يريد أن المصراة إذا كانت متعددة، وردها بعيب التصرية بعد حلابها فإن الصاع يتعدد بتعددها، فيرد لكل شاة صاع، وهو قول ابن كنانة، واختاره اللخمي (٢) وابن يونس كما أشار إليه، والذي عليه الأكثر الاكتفاء بصاع واحد لجميعها وهو قول أحمد بن خالد الأندلسي (٣).
وحكى ابن رشد في جامع البيان قولًا ثالثا: أنه لا شيء عليه فيما احتلبه هنا، بخلاف الشاة الواحدة لقوله في الحديث: "من اشترى شاة مصراة" (٤).
قوله: (وإن حلبت ثالثة، فإن حصل الاختبار بالثانية فهو رضى) وهو نحو قوله في المدونة.
قلت: فإن حلبها ثالثة (٥)، قال: إن جاء من ذلك ما يعلم به أنه يحلبها بعد أن تقدم من حلابها ما فيه خبرة لها فلا رد له ويعد حلابها بعد الاختبار رضا منه (٦) بها، ثم قال: ولا حجة عليه في الثانية؛ إذ بها يختبر أمرها، وإنما يختبر ذلك الناس بالحلاب الثاني، وفي الموازية: له أن يحلبها ثالثة ولا يعد ذلك رضى منه (٧) بها، وإليه أشار بقوله: (وفي الموازية له ذلك وفي كونه خلافًا تأويلان) أي: واختلف الأشياخ هل هو خلاف للمدونة أو وفاق على تأويلين.
(المتن)
وَمَنَعَ مِنْهُ بَيْعُ حَاكِمٍ، وَوَارِثٍ رَقِيقًا فَقَطْ بَيَّنَ أَنَّهُ إِرْثٌ، وَخُيِّرَ مُشْتَرٍ ظَنَّهُ غَيْرَهُمَا، وتبرؤ غَيْرِهِمَا فِيهِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ إِنْ طَالَتْ إِقَامَتُهُ، وَإِذَا عَلِمَهُ بَيَّنَ أَنَّهُ بِهِ وَوَصَفَهُ وَأَرَاهُ لَهُ وَلَمْ يُجْمِلْهُ، وَزَوَالُهُ إِلَّا مُحْتَمِلَ الْعَوْدِ، وَفِي زَوَالِهِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ وَطَلاقِهَا وَهُوَ الْمُتَأوَّلُ، وَالأَحْسَنُ، أَوْ بِالْمَوْتِ فَقَطْ وَهُوَ الأَظْهَرُ أَوْ لا؛ أَقْوَال.
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٢١، والتوضيح: ٥/ ٤٤٩.
(٢) في (ن ٥): (التونسي)، التبصرة، للخمي، ص: ٤٣٣٦.
(٣) انظر: شرح التلقين: ٦/ ١٠٠١ و١٠٠٢، وعقد الجواهر: ٢/ ٧٠٦.
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٣٥٣.
(٥) قوله: (ثالثة) ساقط من (ن).
(٦) قوله: (منه) زيادة من (ن ٥).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٢١.
[ ٣ / ٦١١ ]
وَمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا إِلَّا مَا لا يُنَقصُ؛ كَسُكْنى الدَّارِ، وَحَلَفَ إِنْ سَكَتَ بِلا عُذْرٍ فِي كَالْيَوْمِ، لا كَمُسَافِرٍ اضْطُرَّ لَهَا أَوْ تَعَذَّرَ قَوْدُهَا لِحَاضِرٍ وَإِنْ غَابَ بَائِعُهُ أَشْهَدَ، فَإِنْ عَجَزَ أَعْلَمَ الْقَاضِيَ فَتَلَوَّمَ فِي بَعِيدِ الْغَيبَةِ أَوْ إِنْ رُجِيَ قُدُومُهُ، كَأَنْ لَمْ يُعْلَمْ مَوْضِعُهُ على الأَصَحِّ، وَفِيهَا أيْضًا نَفْيُ التَّلَوُّمِ، وَفِي حَمْلِهِ على الْخِلافِ تَأَوِيلانِ.
(الشرح)
قوله: (ومنع منه بيع حاكم ووارث رقيقًا فقط بين أنه وارث) الضمير المجرور راجع إلى خيار النقيصة، والمنصوب راجع إلى المبيع، وفاعل (بين) ضمير يعود إلى الوارث ونحوه، والمعنى أن بيع الحاكم لغيره؛ وبيع الوارث (١) يمنع من خيار المبتاع؛ لأنه بيع براءة وإن لم يشترطاهما، وقاله في المدونة واحترز بقوله: (رقيقًا فقط) من غيره فإنه لا يمنع من ذلك على المشهور (٢).
واحترز بقوله: (بين) مما إذا باعا ولم يبينا (٣) فإنه لا يمنع من الرد.
قوله: (وخير مشتر ظنه غيرهما) أي فإن اشترى ذلك وهو يظن أن البائع غير الحاكم، أو بأنه غير وارث فإنه يخير في رد ما ابتاعه أو حبسه بلا عهدة وهو مذهب المدونة (٤).
وقال ابن حبيب: ليس له رد (٥).
وقوله: (وتبرؤ غيرهما فيه مما لم يعلم إن طالت إقامته) أي: ومما يمنع من خيار المبتاع تبرؤ غير الحاكم، والوارث في الرقيق من عيب لا يعلم به بشرط أن تكون إقامته قد طالت عنده، واختصاص ذلك بالرقيق هو مذهب المدونة كما نبه عليه ونحوه في الموازية، وشهره ابن عبد الحكم (٦) وقيل: إن بيع البراءة مختص بالمفلسين ببيع الحاكم عليهم الرقيق، وفي الموطأ اختصاصه بالرقيق والحيوان. وفي الموازية: أيضًا يختص بالتافه من الثياب والحيوان (٧).
_________________
(١) زاد بعده في (ن ٤): (رقيقًا).
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ٣٦٦، وما بعدها.
(٣) قوله: (باعا ولم يبينا) يقابله في (ن ٥): (باع ولم يبين).
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٣٦٧.
(٥) في (ن ٤): (ردها).
(٦) في (ن): (ابن عبد السلام).
(٧) قوله: (بالتافه من الثياب والحيوان) يقابله في (ن ٤): (بالرقيق والحيوان والثياب).
[ ٣ / ٦١٢ ]
وفي الواضحة: يعم كل شيء حيوانًا أو غيره (١).
وفيها أيضًا: يختص بما طالت إقامته عند البائع واختبره، والذي رجع إليه في المدونة أنه لا يفيد (٢) مطلقًا، وعن ابن حبيب أن ذلك يكون في الرقيق وغيره من الحيوان، والعروض في بيع الطوع (٣) دون بيع الحاكم والوارث (٤)، وقيل: ولا يصح بشرط بل يوجبه الحكم في بيع الحاكم وأهل الميراث وذهب ابن أبي زيد وغيره إلى أنه لا يختلف في بيع الحاكم أنه بيع براءة، واحترز بقوله: (إن طالت إقامته) مما إذا ابتاع عبدًا مثلًا؛ فباعه بفور ذلك وشرط البراءة، فإنه لا يفيده على المشهور وهو مذهب المدونة، والواضحة، والموازية. خلافًا لعبد الملك (٥).
قوله: (وإِذا عَلِمَهُ بَيَّن أَنهُ بِهِ ووَصَفَهُ وأَرَاهُ لَهُ ولَمْ يُجْمِلْهُ) يريد ان البائع يجب عليه إذا علم عيبًا بالمبيع أن يبين للمشتري (٦) أنه به، ويصفه بفي هو عليه ويريه ولا يجمله له، كقوله: هو سارق فيوجد ينقب وهو آبق، فيوجد قد أبق من مصر إلي المدينة. ويحتمل أن يريد بالإجمال أن يذكر ذلك العيب مع غيره وهو الظاهر.
قال في المدونة: وإن تبرأ إليه من عيوب بعضها فيه وبعضها ليست فيه لم تنفعه البراءة وللمبتاع الرد بما سمي له ولم يره إياه (٧).
قوله: (وزَوَالُهُ إِلا مُحْتَمِلَ الْعَوْدِ) أي: ومما يمنع خيار المشتري زوال العيب الذي ظهر بالمبيع إذا زال على وجه تؤمن معه العودة عادة، فأما إن لم يتحقق زواله فلا يمنع تخييره، وقاله ابن القاسم، ولهذا قال: (إلا محتمل العود)، وذلك كاحتمال عودة البول في الفراش.
وقال أشهب: إذا انقطع سنين كثيرة فليس بعيب وإن كانت يسيرة فهو عيب.
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٤٠ و٢٣٩.
(٢) في (ن ٥): (يقيد).
(٣) قوله: (الطوع) ساقط من (ن ٤).
(٤) في (ن ٥): (والمواريث).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٤٢ و٢٤٥. أظن أن عبد الملك وافقهم ولم يخالفهم.
(٦) قوله: (للمشتري) زيادة من (ن ٥).
(٧) انظر: المدونة: ٣/ ٣٦٢ و٣٦٣.
[ ٣ / ٦١٣ ]
الباجي: ويحتمل أن يكون قولهما واحدًا إذا انقطع مثل العشرة أعوام (١). وقال اللخمي: إنما الخلاف بينهما في الاختلاف في الصورة (٢).
قوله: (وفي زَوَالِهِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ وطَلاقِها وهُوَ المُتأوَّلُ، والأَحْسَنُ، أَوْ بِالمَوْتِ وهُوَ الأَظْهَرُ، أَوْ لا؟ أَقوال) يريد أنه اختلف هل يزول عيب التزويج بموت زوجة العبد المشترى أو طلاقها وهو تأويل فضل على المدونة، واختيار التونسي، أو إنما يزول بالموت فقط دون الطلاق، وهو قول أشهب، وابن حبيب ورجحه ابن رشد، أو لا يزول بالموت ولا بالطلاق، وهو قول مالك لاعتياده بالزوجية (٣).
ابن رشد: والطلاق أشد لتعلق نفس العبد (٤) بالزوجة، وتعلق نفس الأمة بالزوج (٥).
قولى: (ومَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا) يريد أن كل ما يدل على الرضا بالمعيب فإنه يتنزل منزلة الرضا به لفظًا ويمنع المبتاع حينئذٍ من التخيير فيه، وأطلق فيما يدل ليشمل الفعل الدال على الرضا به، والسكوت عن القيام بالعيب من غير عذر مانع له من القيام، وأشار بقوله: (إِلا مَا لا يُنَقِّصُ، كَسُكْنَى الدَّارِ) إلى أن مشتري الدار إذا اطلع على عيب بها، وهو ساكن بها فلا يضره التمادي على السكني أو لا يكون ذلك دليلًا على الرضا بالدار.
المازري وغيره: ولا يلزمه إخلاؤها بل يبقي على استعمالها وهو يخاصم؛ لأن ذلك غلة وخراج، "والخراج بالضمان" والضمان منه (٦).
قوله: (وحَلَفَ إِنْ سَكَتَ بِلا عُذْرٍ فِي كَالْيَوْمِ) أي فإن اطلع على العيب وسكت يومًا ونحوه عن القيام به من غير عذر، فإنه يحلف ما سكت رضًا به، وقال في المدونة: وإن سكت لعذر كخوف على نفسه وماله، فإن ذلك لا يبطل خياره، وإن سكت أكثر من ذلك فلا خيار له (٧)، وهو مفهوم المدونة (٨).
_________________
(١) انظر: المنتقى: ٦/ ١٠٩ و١١٠.
(٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٤١٧ و٤٤١٨.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٦١.
(٤) قوله: (نفس العبد) يقابله في (ن ٤): (النفس).
(٥) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٧٧.
(٦) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٧٣٧ ب ٧٣٨.
(٧) قوله: (وقال في المدونة فلا خيار له) ساقط من (ن ٤).
(٨) قوله: (المدونة) ساقط من (ن).
[ ٣ / ٦١٤ ]
قوله: (لا كَمُسَافِرٍ اضْطرَّ لها أوْ تَعَذَّرَ قَوْدُهَا لِحَاضِرٍ) فإن المسافر إذا اطلع على عيب بالدابة في السفر، وهو مضطر إلى استعمالها فإن ذلك لا يكون رضا بها (١) ولا يبطل خياره.
قاله محمد (٢)، وابن القاسم، وغيرهما وروى أشهب عن مالك أيضًا أن حمله عليها رضا بها.
وقال في العتبية: وليس عليه شيء في ركوبها بعد علمه، ولا عليه أن يكري غيرها، أو (٣) يسوقها وليركبها.
ابن رشد: ويستحب أن يشهد أن ركوبه إياها ليس رضا بها بالعيب، وإن لم يشهد فلا يضره (٤).
وقال ابن كنانة: يشهد على العيب ويردها ولا يركبها في ردها إلا أن يكون بين قريتين فيبلغ عليها إلى القرية ليشهد على ذلك. وقال ابن نافع: لا يحمل عليها ولا يركبها إلا أن لا يجد بدًا من ذلك، فليشهد عليه وليركب أو يحمل إلى الموضع الذي لا يجوز له أن يركبها فيه، يعني حتى يجد حاكمًا وبينة تشهد له بذلك الموضع بما يستوجب ردها، وأشار بقوله: (أو تعذر قَوْدُهَا لحاضِرٍ) إلى أن الحاضر إذا اطلع على العيب بالدابة، فإنه ينزل عنها ولا يركبها إلا أن يتعذر قودها لمكانه إما لتعذر ذلك من جهة الدابة أو جهته بأن يكون من ذي المناصب والهيئات الذي يزدري بهم قودها (٥)، وفي العتبية إن ركبها ركوبَ احتباسٍ (٦) لها بعد علمه بالعيب لزمه وذلك رضا (٧)، وإن كان ليردها وشبهه فلا شيء عليه (٨).
_________________
(١) زاد بعده في (ن ٤): (بعد علمه). وانظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٠١.
(٢) في (ن ٥): (مالك).
(٣) في (ن ٥): (و).
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٦٥.
(٥) قوله: (لمكانه إما التعذر ذلك الذي يزدري بهم قودها) ساقط من (ن ٤).
(٦) قوله: (ركوبًا احتباس) يقابله في (ن): (ركبها اختبارا).
(٧) قوله: (رضا) ساقط من (ن ٤).
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٦٥.
[ ٣ / ٦١٥ ]
وقال ابن حبيب: لا بأس أن يركبها بالمعروف في مكانه إذا ألجأه البائع إلى الخصومة حتى يحكم له بردها، لأن عليه النفقة ومنه الضمان (١).
قوله: (وَإِنْ غَابَ بَائِعُهُ أَشْهَدَ) أي: أشهد شاهدين أنه لم يرض بالعيب ورد عليه إن أمكن مثل أن يكون البائع قريب الغيبة (٢)، أو له وكيل حاضر فإن (٣) عجز عن الرد لبعد غيبة البائع وعدم وكيله أعلم القاضي ولهذا قال: (فَإِنْ عَجَزَ أَعْلَمَ الْقَاضِيَ) لكنه يوهم أن العجز عن الإشهاد، وليس كذلك.
قوله: (فتَلَوَّمَ فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ) هكذا قيده في كتاب العيوب من المدونة ببعيد الغيبة إن طمع بقدومه ولهذا كان الأولى حذف (أو) (٤) من قوله: (أَوْ إِنْ (٥) رُجِيَ قُدُومُهُ).
قال في المدونة: ولا يعجل بالقضاء على قريب الغيبة.
وأشار بقوله: (كأنْ لَمْ يُعْلَمْ موضعهُ (٦) عَلَى الأَصَحِّ) إلى أن مجهول الغيبة كالبعيد يقضى عليه بعد التلوم، وهو قول ابن شعبان.
وقال ابن القطان (٧): لا يقضى عليه.
ابن رشد (٨): والأول أصوب. وقيل: يحكم عليه من غير تلوم وإليه أشار بقوله: (وفِيهَا أَيْضَا نَفْيُ التَّلَومِ (٩)، وفي حمله على الخلاف تأويلان) والذي اعتمد عليه أهل الوثائق التلوم قال في المدونة ولا يعجل بالقضاء على قريب الغيبة (١٠)
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٦٦.
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ٣٣٨ و٣٣٧.
(٣) في (ن ٣): (إن).
(٤) في (ن ٤): (إن).
(٥) قوله: (أَوْ إِنْ) يقابله في (ن ٣): (أو)، وفي (ن ٤): (إن).
(٦) في (ن ٥): (قدومه).
(٧) في (ن ٣): (ابن العطار)، وفي (ن ٤): (ابن القصار).
(٨) في (ن ٥): (ابن سهل).
(٩) قوله: (وقيل: يحكم عليه من غير تلوم وإليه أشار بقوله (وفِيهَا أَيْضًا نَفْيُ التَّلَوُّمِ) يقابله في (ن) و(ن ٥): (وسكت فيما في التجارة إلى أرض العدو وفي كتاب القسم من المدونة من التلوم فحمله غير واحد من الأشياخ على الخلاف ولا يبعد حمله على الوفاق وهو معنى قوله وفيها نفي التلوم). وانظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٣٠٥ و٣٠٤.
(١٠) قوله: (والذي اعتمد قريب الغيبة) زيادة من (ن ٥).
[ ٣ / ٦١٦ ]
(المتن)
ثُمَّ قَضَى إِنْ أَثْبَتَ عُهْدَةً مُؤَرَّخَةً، وَصِحَّةَ الشِّرَاءِ إِنْ لَم يَحْلِفْ عَلَيْهِمَا، وَفَوْتُهُ حِسًّا: كَكِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ، فَيُقَوَّمُ سَالِمًا وَمَعِيبًا، وَيُؤْخَذُ مِنَ الثَّمَنِ النِّسْبَةُ، وَوُقِفَ فِي رَهْنِهِ وَإجَارَتِهِ لِخَلاصِهِ، وَرُدَّ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ: كَعَوْدِهِ لَهُ بِعَيْبٍ أَوْ مِلْكٍ مُسْتَأَنَفٍ: من بيع أَوْ هِبَةٍ أَوْ إِرْثٍ؛ فَإِنْ بَاعَهُ لِأَجْنَبِي مُطْلَقًا، أَوْ لَهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ، أَوْ أَكْثَرَ إِنْ دَلَّسَ، فَلا رُجُوعَ، وَإِلَّا رَدَّ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ، وَلَهُ بِأَقَلَّ كَمَّلَ،
(الشرح)
قوله: (ثُمَّ قَضَى إِنْ أَثْبَتَ عُهْدَةً مُؤَرَّخَةً، وصِحَّةَ الشِّرَاءِ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِمَا) أي: ثم قضى الحاكم على البائع الغائب في الوجوه المذكورة إن أثبت البتاع عنده صحة الشراء وصحة ملك البائع (١) إلى حين الشراء وأثبت العهدة.
والمراد بها أنه اشترى على بيع الإسلام وعهدته، أي أنه على حقه في العيب والاستحقاق (٢)، وليس المراد العهدة المبوب عليها وهكذا وقع في المدونة، وقيده (٣) بما إذا لم يرد البتاع أن يحلف على ذلك (٤) ولهذا قال: (إِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِمَا) أي على العهدة، وصحة الشراء.
قال في المدونة: وأثبت المبتاع أيضًا أنه قد نقد الثمن وأنه كذا وكذا إن أراد أخذه (٥).
ابن رشد: ويثبت أيضًا وجود العيب الذي يوجب الرد وأنه أقدم من أمد التبايع (٦).
وإليه أشار بقوله: (مُؤَرَّخَةً) قالوا: ويحلف أيضًا أن البيع صحيح (٧) وأن البائع لم يتبرأ من العيب ولم يطلع عليه بعد البيع ورضيه ولا استخدم العبد (٨) بعد اطلاعه على العيب.
_________________
(١) قوله: (ملك البائع) يقابله في (ن ٤): (ابتياع له)، وفي (ن ٣): (الملك له).
(٢) في (ن ٣): (والاستحقاق والعهدة).
(٣) في (ن ٥): (قيدوه).
(٤) قوله: (على ذلك) زيادة من (ن ٥).
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٣٣٧.
(٦) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٣٠٥.
(٧) قوله: (أن البيع صحيح) زيادة من (ن ٥).
(٨) قوله: (ولا استخدم العبد) يقابله في (ن ٣): (ولا استخدام).
[ ٣ / ٦١٧ ]
قوله: (وفَوْتُهُ حِسًّا ككِتَابةٍ وتَدْبِيرٍ) أي ومما يمنع تخيير المبتاع فوت المبيع قبل اطلاعه على العيب حسًّا، كهلاكه، أو حكمًا ككتابة العبد أو تدبيره ومثل ذلك العتق والاستيلاد.
قوله: (فيُقَوَّمُ سَالِمًا ومَعِيبًا، ويُؤْخَذُ مِنَ الثَّمَنِ النَّسْبَةُ) يريد أنا وإن قلنا أن المبتاع ليس له تخيير مع الفوات فإنه لا يبطل حقه رأسًا بل يبقى له أرش العيب القديم فيطالب البائع به وحينئذ فيقوم المبيع سالمًا ثم معيبًا كما قال فيأخذ نسبة العيب من ذلك.
مثاله: أن يقال قيمته سالمًا مائة، وقيمته معيبًا ثمانون فنسبة ما بين القيمتين وهو العشرون الخمس (١). فيرجع المبتاع على البائع بخمس الثمن كيف كان.
قوله: (ووُقِفَ فِي رَهْنِهِ وإِجَارَتهِ لِخلاصِهِ) أي فإن رهن المبيع أو آجره، ثم اطلع على عيبه فإنه لا يرجع بشيء، لكنه إذا انقضت مدة الإجارة والرهن فله رده بالعيب، وقاله في المدونة، وقال أشهب: إن افتكه حين علم بالعيب، فله رده وإلا رجع بما بين الصحة والداء (٢).
وقال ابن حبيب: إن كان الأجل قريبًا كالشهر ونحوه أخر إلى انقضائه وهو على أمره، وإن كان بعيدًا كالأشهر والسنة، فهو كالفوت يرجع بقيمة العيب إلا أن يفتكه معجلًا فيرده (٣).
قوله: (ورُدَّ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّر) أي فإن عاد ذلك من الإجارة والرهن وهو بحاله رده وأخذ الثمن وقاله في المدونة.
قوله: (كعَوْدِهِ لَهُ بِعَيْبٍ بملك مستأنف من بيع أو هبة أو إرث (٤) أي: وهكذا له رده إذا خرج من يده ببيع ونحوه، ثم عاد إليه فإن رد عليه بعيب؛ فإنه أيضًا يرده على بائعه، وكذلك أيضًا له رده عليه إذا عاد إليه بملك مستأنف من بيع أو هبة أو إرث كما قال، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة (٥)، وقال أشهب: إن عاد ببيع خُير بين رده على بائعه
_________________
(١) قوله: (العشرون الخمس) ساقط من (ن).
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ٣٢٨.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٠٤.
(٤) قوله: (بملك مستأنف من بيع أو هبة أو إرث) زياة من (ن ٥).
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٣٢٨ و٣٢٧.
[ ٣ / ٦١٨ ]
الأول أو على بائعه الثاني، فإن رده على الأول أخذ منه الثمن الأول، وإن رده على بائعه الثاني (١) أخذ منه الثمن الثاني (٢) ثم يخير البائع الثاني بين التماسك (٣) به أو رده على المشتري الأول، فإن رده عليه فله أن يرده على البائع الأول (٤).
قوله: (فَإنْ بَاعَهُ لأَجْنَبِي مُطْلَقًا، أَوْ لَهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ، أَوْ أَكثَرَ إِنْ دَلَّسَ، فَلا رُجُوعَ) أي فإن باعه المشتري قبل الاطلاع على العيب من الأجنبي؛ أي من غير بائعه الأول فلا رجوع له بشيء من أرش العيب على الأول، وسواء باعه بمثل الثمن الأول (٥) أو أقل أو أكثر، وهذا قول ابن القاسم في المدونة (٦).
قال: إلا أن ترجع إليه السلعة واختاره محمد، وقال: إلا أن يكون نقص من أجل (٧) العيب، مثل أن يبيعه بالعيب، وهو يظن أنه حدث عنده ولم يعلم أنه من عند بائعه، أو ببيعه وكيله وهو يظن ذلك فيرجع عليه بالأقل، واختلف هل هو وفاق أو خلاف؟ وعن مالك إن باعه بأقل من الثمن الأول رجع بقيمة العيب، واختاره ابن عبد الحكم (٨). وعبد الوهاب: وهو الصحيح (٩) وروى أشهب عنه وبه قال أنه يرجع بأقل الأمرين من نقص الثمن أو قيمة العيب. واختاره ابن حبيب والضمير المجرور بـ "اللام" راجع إلى بائعه الأول، وإن باعه المشتري (١٠) لبائعه الأول وذكر أن ذلك على أقسام. تارة يبيعه بمثل الثمن ولا كلام له فيه؛ لأن الثمن الذي قد خرج من يده قد رجع إليه، وتارة يبيعه بأكثر، فإن كان البائع الأول مدلسًا فلا كلام له ولا رجوع له على المشتري بشيء لأنه رضي به.
_________________
(١) قوله: (الثاني) ساقط من (ن ٤).
(٢) قوله: (الثاني) ساقط من (ن ٣) و(ن ٤).
(٣) في (ن): (التمسك).
(٤) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٩١ و٢٩٢.
(٥) قوله: (الأول) ساقط من (ن ٥).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٣٥٩.
(٧) في (ن ٥): (أهل).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٠٣.
(٩) انظر: المعونة: ٢/ ٧٧.
(١٠) في (ن ٥): (مشترٍ).
[ ٣ / ٦١٩ ]
قوله: (وَإِلا رُدَّ ثم رد (١) عَلَيْهِ) أي فإن لم يكن البائع الأول مدلسًا رده (٢) على بائعه الثاني وهو المشتري الأول، ثم للمشتري أن يتماسك به أو يرده عليه ويأخذ كل منهما الثمن الذي خرج من يده.
قوله: (ولَهُ بِأَقَلّ كمَّلَ) أي فإن باعه لبائعه بأقل من الثمن الذي اشتراه به منه أولًا رجع عليه ببقية الثمن الذي أخذه منه وكمال (٣) الثمن الأول، ولهذا قال: كمل أي كمل له الثمن الذي أخذه منه.
(المتن)
ويتَغَيّرِ الْمَبِيعِ إِنْ تَوَسَّطَ؛ فَلَهُ أَخْذُ الْقَدِيمِ وَرَدُّهُ، وَدَفْعُ الْحَادِثِ وَقُوِّمَا بِتَقْوِيمِ الْمَبِيعِ يَوْمَ ضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي، وَلَهُ إِنْ زَادَ بِكَصِبغٍ أَنْ يَرُدَّ ويشْتَرِكَ بِمَا زَادَ يَوْمَ الْبَيْعِ على الأَظْهَرِ، وَجُبِرَ بِهِ الْحَادِثُ، وَفُرِقَ بَيْنَ مُدَلسٍ وَغَيْرِهِ. إِنْ نَقَصَ كَهَلاكِهِ مِنَ التَّدْلِيسِ، وَأَخْذِهِ مِنْهُ بِأَكْثَرَ، وتَبَرُّؤٍ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ وَرَدّ سِمْسَارٍ جُعلًا، وَبِمَبِيعٍ لِمَحِلّهِ إِنْ رُدَّ بِعَيب، وَإِلَّا رُدَّ إِنْ قَرُبَ، وَإِلَّا فَاتَ كَعَجْفِ دَابَّةٍ أَوْ سِمَنِهَا، وَعَمًى، وَشَلَلٍ، وَتَزْوِيجِ أَمَةٍ، وَجبِرَ بِالْوَلَدِ. إِلَّا أَنْ يَقْبَلَهُ بِالْحَادِثِ، أَوْ يَقِلَّ، فَكَالْعَدَمِ: كَوَعَكٍ، وَرَمَدٍ، وَصُدَاعٍ، وَذَهَابِ ظُفْرٍ، وَخَفِيفِ حُمَّى، وَوَطْءِ ثَيِبٍ،
(الشرح)
قوله: (ويتَغَيّر الْمَبِيعِ إِنْ تَوَسَّطَ، فَلَهُ أَخْذُ الْقَدِيمِ ورَدَّهُ، ودَفعُ الحْادِثِ) يريد أن المعيب إذا تغير عند مشتريه تغيرا متوسطا؛ أي ليس يسيرًا ولا (٤) مخرجًا عن المقصود، فإنه يخير بين أن يتماسك به ويأخذ أرش العيب القديم (٥)، أو يرده ويدفع قيمة العيب الحادث عنده.
قوله: (وقُوِّمَا بِتَقْويمِ (٦) الْمَبِيعِ) وقوم العيب القديم والحادث بسبب تقويم المبيع لا بانفرادهما (٧)، فإذا قيل: قيمته صحيحًا عشرة وبالقديم ثمانية وبالحادث ستة، فإن رد
_________________
(١) قوله: (ثم رد) زيادة من (ن) والمطبوع من مختصر خليل.
(٢) قوله: (رده) ساقط من (ن ٥).
(٣) في (ن) و(ن ٤) و(ن ٥): (كمل).
(٤) في (ن ٤) و(ن ٥): (أو لا).
(٥) قوله: (القديم) ساقط من (ن ٥).
(٦) في (ن ٤): (بتقديم).
(٧) في (ن ٣) و(ن ٤): (لانفرادهما).
[ ٣ / ٦٢٠ ]
دفع للبائع دينارين، وإن تماسك أخذ منه دينارين، وإن زاد الثمن أو نقص فنسبة (١) ذلك منه.
قوله: (يَوْمَ ضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي) أي: إنما يكون التقويم يوم دخول المبيع في ضمان المشتري.
قال ابن المعذل (٢): يقوم القديم كذلك، ويقوم الحادث يوم الحكم برد السلعة (٣).
قوله: (ولَهُ إِنْ زَادَ بِكَصِبْغٍ أَنْ يَرُدَّ وَيشْتَرِكَ بِما زَادَ) أي فإن زاد المبيع عند المبتاع (٤) بصبغ وشبهه، ثم اطلع على العيب فإن له (٥) أن يرده ويكون شريكًا بما زاده الصبغ، فإذا قيل: قيمته بلا صبغ عشون وبالصبغ خمسة وعشرون، فقد علمت أنه زاده الصبغ خمسة وهو الخمس، فيكون شريكا (٦) في الثوب بذلك المقدار.
واختلف الأشياخ هل تعتبر هذه القيمة يوم البيع وهو اختيار ابن يونس (٧) وإليه أشار بقوله: (يَوْمَ الْبَيعِ عَلَى الأظهر (٨» أو يوم الحكم واختاره محمد والقابسي (٩).
قوله: (وجبرَ بِهِ الْحادِثُ) أي فإن كان المبيع الذي زاده الصبغ قد حدث فيه عند المبتاع عيب فإنه يجبر بذلك الزائد، فإن أراد أن يتمسك به فلا بد من تقويمين كما مر؛ ليأخذ قيمة العيب القديم، فإذا كانت قيمته صحيحًا عشرة وبالعيب القديم ثمانية أخذ خمس الثمن (١٠)؛ فإن أراد الرد (١١) قوم ثلاث تقويمات، فيقوم بالقديم أولًا، وبالحادث ثانيًا، وبالزيادة ثالثًا، فإذا ابتاع (١٢) ثوبًا فقطعه، والبائع غير مدلس أو مدلس لكن قطعه
_________________
(١) في (ن ٤): (فبنسبة).
(٢) في (ن): (ابن العربي).
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٧٦.
(٤) في (ن): (المشتري).
(٥) في (ن ٤): (فلزمه).
(٦) في (ن ٥): (فيكونا شريكين).
(٧) في (ن) و(ن ٥): (ابن رشد).
(٨) في (ن ٤): (الأرجح).
(٩) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٧٤.
(١٠) في (ن ٤): (خمسة أثمان).
(١١) وقوله: (أراد الرد) يقابله في (ن ٣): (رد)، وفي (ن ٤): (زاد).
(١٢) في (ن ٥): (باع).
[ ٣ / ٦٢١ ]
غير القطع المعتاد ثم خاطه فيقال: ما قيمته بالقديم؟ فإن قيل ثمانية، قيل: وما قيمته بالحادث؟ فإذا قيل ستة، قيل: وما قيمته بالخياطة؟ فإذا قيل: ثمانية، فقد علمت أن الخياطة قد زادته مقدار ما نقصه العيب الحادث، وهو القطع؛ فلا يكون على المبتاع بسبب القطع شيء، فإن قيل: قيمته مخيطًا سبعة، فقد جبرت الخياطة نصف قيمة الحادث، فيطالبه البائع بمقدار ما نقص، فإن قيل: قيمته مخيطًا تسعة فقد جبرت الخياطة قيمة النقص وزادت دينارًا فيرجع المبتاع بمقداره من الثمن (١) على ذلك (٢).
قوله: (وفُرِّقَ بَيْنَ مُدَلِّسٍ وغَيْرِهِ إِنْ نَقَصَ) ذكر ﵀ أن المسائل التي يفترق (٣) فيها حكم المدلس من غيره (٤) ستة:
الأولى: إذا فعل المبتاع في المبيع فعلًا نقص بسببه مع (٥) التدليس لا شيء عليه للبائع (٦)، وإلا فهو عيب حادث عنده؛ إما أن يرده ويعطي أرش الحادث أو يتماسك ويأخذ أرش القديم.
والثانية (٧): إن حصل بسبب العيب هلاك أو عطب كما إذا كان العبد مثلًا سارقًا فسرق فقطعت يده ونحوه؛ فمع التدليس يكون الضمان من البائع وإلا فمن (٨) المشتري، وإلى ذلك أشار بقوله: (كَهَلاكِهِ من التَّدْليسِ (٩».
ثم أشار إلى الثالثة بقوله: (وأَخْذ مِنْهُ بِأَكثَرَ) ومعناه إذا باع السلعة معيبة، ثم اشتراها من مشتريها بأكثر مما باعها به (١٠)، فمع التدليس لا رجوع للبائع على المبتاع وإلا رجع عليه بما زاده على الثمن.
_________________
(١) زاد في (ن ٣) و(ن ٤): (وقس).
(٢) زاد في (ن): (تجري أحكام النقص والزيادة).
(٣) في (ن ٣): (يعتبر).
(٤) قوله: (من غيره) يقابله في (ن ٣): (وغيره).
(٥) في (ن ٥): (فمع).
(٦) قوله: (عليه للبائع) يقابله في (ن ٤): (على المبتاع).
(٧) قوله: (والثانية) ساقط من (ن ٣).
(٨) في (ن ٥): (ضمن).
(٩) في (ن ٥): (بالتدليس).
(١٠) في (ن ٥): (له).
[ ٣ / ٦٢٢ ]
قوله: (وتبَرُّؤٍ مِمَا لَمْ يَعْلَمْ) هذه هي المسألة الرابعة، وهي ما إذا باع بالبراءة ما يجوز بيعه بها فإنه يتبرأ مما لم يعلم، ولا يتبرأ مما علم ودلس به.
الخامسة: إذا دلس بالعيب فرد المبيع عليه بذلك العيب (١) لم يلزم السمسار رد الجعل؛ بخلاف ما إذا لم يدلس وإلى هذا أشار بقوله: (ورَدٍّ سِمْسَارٍ جُعلا).
السادسة: إذا اشترى ما يحتاج إلى حمل (٢) ومؤنة كالأدهان (٣) والخشب، ثم حمله إلى غير محل القبض، فمع التدليس يلزم البائع أخذه في ذلك الوضع، ولا يلزم المبتاع رده لوضع القبض، وقيل: يلزمه.
اللخمي: والأول أصوب (٤)، وإليه أشار بقوله: (وبمَبِيعٍ (٥) لِمَحَلِّهِ إِنْ رُد بِعَيْبٍ) أي ولزم البائع أخذ المبيع بمحله حيث كان إذا دلس.
قوله: (وَإِلا رُدَّ إِنْ قَرُبَ) أي وإن لم يكن مدلسًا رده المشتري إلى موضع القبض إن قرب.
قوله: (وَإِلا فَاتَ) أي وإن حمله إلى مكان بعيد كان فوتًا يوجب للمبتاع الرجوع بقيمة العيب بعد (٦) ثبوته، ثم أخذ يذكر (٧) أمثلة العيب المتوسط فقال: (كَعَجَفِ دَابَّةٍ) أي: ومعناه أن من اشترى دابة فعجفت عنده ثم اطلع على عيب قديم عند البائع فإنه يخير بين: ردها ودفع قيمة عيب العجف؛ وبين التماسك بها وأخذ أرش العيب القديم؛ وجعل هذا في الجواهر من المفيت قال: وهو المشهور (٨). خلافًا لابن مسلمة ونص اللخمي على إلحاقه بالهرم (٩) لكن شرط فيه ألا يرجي ذهابه (١٠).
_________________
(١) قوله: (العيب) زيادة من (ن ٥).
(٢) قوله: (حمل) ساقط من (ن ٣).
(٣) في (ن ٤): (كالأدقان).
(٤) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٤٣١.
(٥) في (ن) و(ن ٤) و(ن ٥): (ومبيع).
(٦) قوله: (بعد) ساقط من (ن).
(٧) في (ن ٣) و(ن ٤): (يمثل).
(٨) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧١٢ و٧١٣.
(٩) في (ن ٤): (بالغرم).
(١٠) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٣٥٣.
[ ٣ / ٦٢٣ ]
قوله: (أو سِمَنِهَا) يريد أن السمن بمنزلة العجف (١) ليس بمفيت.
قال مالك: والمشتري بالخيار إن شاء رد ولا شيء عليه، أو يتمسك (٢) ويرجع بقيمة العيب القديم (٣)، وقال (٤) ابن القاسم: إذا سمنت سمنًا بينا.
واختلف في العمى والشلل، هل يخير بين الرد ودفع ما نقصه العمى والشلل وبين (٥) التماسك وأخذ أرش القديم وهو مذهب المدونة (٦).
المازري: وهو المشهور، وإليه (٧) أشار بقوله: (وعَمى، وشَلَلٍ) وجعلهما ابن مسلمة من المفيت (٨) واستظهره بعضهم.
قوله: (وتَزْوِيجِ أَمَةٍ) أي فإن زوجها المشتري، ثم اطلع على عيب قديم فإنه يخير كما تقدم بين ردها ودفع ما نقصها التزويج، أو التماسك وأخذ قيمة العيب القديم، وهذا هو المشهور، وعن بعض المتأخرين إن شاء ردها ولا شيء عليه أو يتماسك ولا شيء له.
قوله: (وجبرَ بِالْوَلَدِ) أي فإن ولدت الأمة كان ذلك الولد جابرًا للعيب الواقع بالتزوبج الحاصل عند المبتاع، فلا شيء عليه إن ردها وقاله في المدونة (٩)، وقال أشهب: لا يجبره الولد ويرد ما نقصه بالتزويج إن ردها، وفهم محمد قول ابن القاسم عليه، وفهم الأكثر خلافه وأنه لا يجبر بالولد إلا إذا كانت قيمته تساوي قيمة العيب، وأما إن نقصت فلا بد أن يرد مع الولد ما بقي من ذلك (١٠).
قوله: (إِلا أَنْ يَقبله (١١) بِالحْادِثِ) يريد أن تخيير المبتاع فيما تقدم مقيد بما إذا لم يقبل
_________________
(١) قوله: (بمنزلة العجف) ساقط من (ن ٤).
(٢) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (يتماسكا).
(٣) قوله: (القديم) ساقط من (ن ٤).
(٤) في (ن ٥): (وقاله).
(٥) قوله: (هل يخير بين الرد ودفع ما نقصه العمى والشلل وبين) ساقط من (ن ٤).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٣٢١.
(٧) قوله: (إليه) ساقط من (ن ٣).
(٨) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٦٢٨ و٦٢٩.
(٩) انظر: المدونة، دار صادر: ١٠/ ٣١٤.
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٨٣ و٢٨٤.
(١١) في (ن ٤): (يغلبه).
[ ٣ / ٦٢٤ ]
البائع ذلك بالعيب الحادث من غير غرم يلحق المبتاع، فإن قبله لم يكن للمبتاع حينئذ تخيير ويصير كمن لم يحدث عنده عيب، وليس له إلا التماسك بالمبيع على حاله أو رده، ولا شيء عليه؛ هذا هو الأصح وهو مذهب المدونة (١).
وعن عيسى بن دينار: أن المبتاع لا يزول تخييره بقول البائع (٢)، ولابن كنانة (٣): إن كان البائع مدلسًا فتخيير المبتاع باق، وإلا فلا (٤).
قوله: (أَوْ يَقِلَّ، فكَالْعَدَمِ) أي فإن كان العيب الذي حدث عند المبتاع يسيرًا فإنه يكون كالعدم، فإذا رجع المبيع بالعيب القديم لم يرد للحادث شيئًا (٥)، ثم أشار إلى أمثلة ذلك فقال: (كَوَعَكٍ) ولا خفاء بيسارته وهو مذهب المدونة (٦) عند المازري وابن شاس.
وهو عند أشهب من المتوسط، فيخرج (٧) المبتاع على ما سبق، قوله: (ورَمَدٍ، وصُدَاعٍ، وذَهَابِ ظُفُرٍ، وخَفِيفِ حُمَّى) هكذا قال في المدونة (٨) إلا أنه أطلق في الحمى، ولكن قيدها الباجي بالخفيفة كما هنا ونحوه لأبي الحسن الصغير؛ فقال بعد كلام ابن القاسم: يريد بالحمى التي يتصرف معها (٩)، واختار اللخمي أن يوقف في الحمى والرمد حتى ينظر مآلهما (١٠)؛ كقول ابن كنانة في مرض العبد عند المبتاع أنه يوقف حتى ينظر (١١) هل يصح أو يموت.
وعند ابن القاسم لا يرد إلا من المرض المخوف (١٢).
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ١٨٧.
(٢) انظر: الاستذكار: ٦/ ٢٨٦.
(٣) في (ن): (ولابن لبابة).
(٤) في (ن ٣) و(ن ٤): (ولابن لبابة). وانظر: التوضيح: ٥/ ٤٦٥.
(٥) قوله: (شيئا) ساقط من (ن ٣).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ١٨٧.
(٧) في (ن ٣) و(ن ٤): (فيخير).
(٨) انظر: المدونة: ٣/ ١٨٧.
(٩) انظر: المنتقى: ٦/ ١٠٤.
(١٠) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٣٥٤.
(١١) قوله: (مآلهما؛ كقول ابن كنانة في مرض العبد ينظر) ساقط من (ن ٤).
(١٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٨١.
[ ٣ / ٦٢٥ ]
قوله: (ووَطْءِ ثَيِّبٍ) هذا هو المشهور عن مالك وأصحابه (١)، نقله المازري وأصحابه.
وروى ابن وهب، وابن نافع، وأصبغ: أن ذلك مفيت (٢).
(المتن)
وَقَطْعٍ مُعْتَادٍ، وَالْمُخْرِجُ عَنِ الْمَقْصُودِ مُفِيتٌ، فَالأَرْشُ كَكِبَرِ صَغِيرٍ، وَهَرَمٍ، أَوْ افْتِضَاضِ بِكْرٍ، أَوْ قَطْعٍ غَيرِ مُعْتَادٍ، إِلَّا أَنْ يَهْلِكَ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ، أَوْ بِسَمَاوِي زَمَنَهُ كَمَوْتِهِ فِي إِبَاقِهِ، وَإنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي، وَهَلَكَ بِعَيبِهِ: رَجَعَ على الْمُدَلِّسِ إِنْ لَم يُمْكِنْ رُجُوعُهُ على بَائِعُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ فَإِنْ زَادَ: فَلِلثَّانِي، وَإِنْ نَقَصَ فَهَلْ يُكَمِّلُهُ؟ قَوْلانِ. وَلَمْ يُحَلَّفْ مُشْتَرٍ ادُّعِيَتْ رُؤْيتُهُ إِلَّا بِدَعْوَى الإرَاءَةِ، وَلا الرِّضَا بهِ إِلَّا بِدَعْوَى مُخْبِرٍ، وَلا بَائِعٌ أَنَّهُ لَمْ يَأَبَقْ لإِبَاقِهِ بِالْقُرْبِ، وَهَلْ يُفْرَقُ بَيْنَ أَكثَرِ الْعَيْب فَيَرْجِعُ بِالزَّائِدِ وَأَقَلِّهِ بِالْجَمِيعِ أَوْ بِالزَّائِدِ مُطْلَقًا أَوْ بَيْنَ هَلاكِهِ فِيمَا بَيَّنَهُ أَوْ لا؟ أَقوَالٌ.
(الشرح)
قوله: (وقَطْعِ مُعْتَادٍ) أي كما إذا اشترى خرقة فقطعها قميصًا أو لباسًا (٣) ونحوهما، أما لو قطعها برنسًا ونحوه مما ليس بمعتاد، فإن ذلك فوت كما سيذكره.
قوله: (والْمُخْرِجُ عَنِ الْمَقْصُودِ مُفِيتٌ فَالأَرْشُ) أي فإن كان العيب الذي حدث في المبيع عند المبتاع مخرجا عن المقصود فإنه يكون مفيتًا لرده على البائع لكن يرجع عليه بأرش العيب القديم، ثم أخذ يذكر أمثلة ذلك فقال: (كَكِبَرِ صَغِيرٍ وهَرَمٍ) أي كما إن اشترى صغيرًا وكبر عنده، أو كبيرًا فهرم عنده، ثم أطلع بعد ذلك على عيب قديم، فإن ذلك مفيت يمنع من رده ويوجب الرجوع بقيمة العيب (٤)، وإن كره البائع. وقاله في المدونة (٥) ونحوه في كتاب محمد (٦).
_________________
(١) انظر: المدونة، دار صادر: ١٠/ ٣١٠.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٧٩، وشرح التلقين: ٥/ ٦٥٣ و٦٥٤.
(٣) في (ن ٥): (سروالا).
(٤) في (ن ٤): (العيب).
(٥) انظر: المدونة، دار صادر: ١٠/ ٣١٢.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٨٣.
[ ٣ / ٦٢٦ ]
وفيه أيضا أن كبر الصغير مما يخير فيه المشتري بين الرد ودفع قيمة الحادث، وبين التماسك وأخذ (١) أرش القديم، وروى في المدونة أنه بذلك يصير نوعًا آخر (٢)، وجعل ابن شاس الهرم مما يخير فيه المشتري على المشهور (٣).
وحكى عن (٤) ابن مسلمة أنه مفيت كمذهب المدونة، وحكى ابن الحاجب ثالثًا: أنه لا شيء على المشتري إذا رده (٥).
الأبهري: والهرم عند مالك: هو الذي ضعف وذهبت قوته ومنفعته أو أكثرهما (٦).
وقال عبد الوهاب: إذا هرم هرمًا لا منفعة فيه فإنه فوت (٧).
الباجي: والصحيح عندي أنه إذا ضعف عن المنفعة المقصودة ولم يمكنه الإتيان بها فإن ذلك فوت (٨).
قوله: (أو افْتِضَاضِ بِكْرٍ، أو قَطْعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ) لم أر هذا (٩) كما قال وإنما جعل صاحب الجواهر افتضاض البكر من المتوسط الذي يخير فيه المبتاع (١٠)، وهو ظاهر ما في التوضيح عن مالك (١١)، ولا إشكال فيما ذكر من القطع غير المعتاد، وقد تقدم التنبيه عليه.
قوله: (إِلا أَنْ يَهْلِكَ بِعَيْبِ التَّدْليسِ) لما ذكر أن المخرج عن المقصود مفيت للرد نبه على أن ذلك فيما إذا لم يكن للبائع تسبب فيه، فأما لو كان له فيه سبب، مثل أن يدلس بعيب فيهلك المبيع بسببه ونحوه، فإن المبتاع يرجع عليه بجميع الثمن، ولا شيء عليه
_________________
(١) زاد بعده في (ن ٤): (أيضا).
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ٣٥٨.
(٣) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧١٣.
(٤) قوله: (عن) زيادة من (ن ٥).
(٥) انظر: الجامع بين الأمهات: ١/ ٥٣٧ و٥٣٨.
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٦٧.
(٧) انظر: المعونة: ٢/ ٧٧.
(٨) انظر: المنتقى: ٦/ ٩٤.
(٩) قوله: (لم أر هذا) يقابله في (ن ٣): (أي هذا).
(١٠) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧١٣.
(١١) قوله: (عن مالك) ساقط من (ن ٣). وانظر: التوضيح: ٥/ ٤٦٧.
[ ٣ / ٦٢٧ ]
بسبب ما حدث عنده.
قوله: (أَوْ بِسَماوِيٍّ زمنه كموته في إباقه (١) يريد: ومثل ذلك ما إذا هلكت بأمر من الله في زمن عيب التدليس.
كما إذا دلس بإباق العبد، فيموت في إباقه وهو المشهور.
ابن رشد: قال ابن حبيب: وبه قال جميع أصحاب مالك.
وقال ابن دينار يرجع بالأرش فقط بخلاف هلاكه بسبب (٢) الإباق؛ مثل أن يقتحم نهرًا فيموت، أو تردى فمات، أو دخل موضعًا فنهشته حية فمات (٣).
قوله: (وَإِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي، وهَلَكَ بِعَيْبِهِ رَجَعَ عَلَى الْمُدَلِّسِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ (٤) رُجُوعُهُ عَلَى بَائِعِهِ بِجَمِيعِ الثمَنِ، فَإِنْ زَادَ فَلِلثانِي، وَإِنْ نَقَصَ فَهَلْ يُكَمِّلُهُ الثَّانِي؟ قَوْلانِ) أي فإن باع المشتري ما اشتراه من مدلس لثالث ولم يدلس (٥) عليه، فهلك بسبب عيب التدليس؛ فإن الثالث يرجع على المدلس بالثمن الذي دفعه للثاني إن لم يمكنه الرجوع على الثاني لعدمه ونحوه، فإن كان الثمن الذي بيد المدلس مقدار ما خرج عن يد الثالث فلا كلام.
وإن كان أكثر أخذ الثالث منه مقدار ثمنه وأخذ الثاني بقيته، وقيل: إن الثالث يأخذ جميعه وإن زاد على ما دفع، وعزاه في الجواهر لابن القاسم، وهو بعيد، واختلف إذا كان الثمن الذي بيد المدلس أقل مما خرج من يد الثالث فهل يكمله الثاني له أو ليس له غيره؟ والأول حكاه المازري (٦) وابن شاس (٧)، والثاني حكاه صاحب النوادر (٨) وابن يونس، قال: إلا أن يكون الثمن الأول أقل من قيمة العيب (٩) من الثمن
_________________
(١) قوله: (كموته في إباقه) زيادة من (ن ٥).
(٢) في (ن ٤): (بسبق).
(٣) انظر: المنتقى: ٦/ ١٠٩.
(٤) في (ن ٣): (يكن).
(٥) زاد في (ن ٥): (الثاني الأول).
(٦) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٦٤٨ - ٦٥٠.
(٧) قوله: (وابن شاس) ساقط من (ن). وانظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧١٤.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٠٧.
(٩) قوله: (العيب) ساقط من (ن ٣).
[ ٣ / ٦٢٨ ]
الثاني (١) فليرجع على بائعه بتمام قيمة عيبه وقال سحنون: إذا دفع المدلس الثمن للثالث (٢) في عدم الثاني فلم يكن فيه مثل (٣) رأس ماله، فإنه يرجع على الثاني بالأقل من تمام ثمنه، أو قيمة العيب من ثمنه (٤).
وروى أصبغ: يأخذ الثمن من الأول فيدفع منه للثالث قيمة العيب الذي يستحقه على الثاني لو انفرد به وسلم بقيمته للثاني، وقال محمد: يرجع الثالث إما على الثاني بأرش عيب التدليس ويكون للثاني على الأول الأقل من الأرش أو كمال الثمن (٥)، وحمله ابن يونس على معنى أنه لا يغرم للثالث إلا ما كان يرجع به على الثاني لو غرم الثاني (٦) للثالث قيمة العيب وهو الأقل من قيمة العيب من ثمن الثالث. أو ثمن الثاني أو تمام رأس ثمن الثاني. قال: وهو الذي أراد محمد.
قوله: (ولَمْ يُحَلَّفْ مُشْتَرٍ ادُّعيَتْ رُؤْيَتُهُ إِلا بِدَعْوَى الإِرَاءَةِ، ولا الرَّضَا بِهِ إِلا بِدَعْوَى مُخْبِرٍ) يريد أن من اشترى شيئًا فوجد به عيبًا دلس به البائع عليه فأراد رده فقال البائع احلف أنك لم ترض بالعيب بعد أن رأيته. فلا يمين له عليه إلا أن يدعي أنه أراه إياه. أو يدعي أن مخبرًا أخبره أنه عرف به ورضيه، وقاله في المدونة (٧) والواضحة. ابن أبي زمنين: ويحلف أولًا لقد أخبره مخبر (٨)، وزاد بعض الشيوخ مخبر صدق، وقال أشهب لا يحلف ولو ادعى إخبار مخبر حتى يدعي أنه تبرأ منه إليه فرضيه (٩)، وصوبه اللخمي (١٠).
قوله: (ولا بَائِعٌ أَنَّهُ لَمْ يَأبقْ لإِبَّاقِهِ بِالْقُرْبِ) أي وكذا لا يحلف بائع إلى آخره؛ وهذه
_________________
(١) في (ن ٣): (الأول).
(٢) في (ن ٤): اللثاني).
(٣) قوله: (مثل) زيادة من (ن ٥).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٣١.
(٥) في (ن ٥): (الثاني). وانظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٣٢ و٢٣٣.
(٦) قوله: (الثاني) زيادة من (ن ٥).
(٧) انظر: المدونة: ٣/ ٣٤٧ و٣٤٨.
(٨) انظر: منتخب الأحكام: ٢/ ٨٨٦.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٨٩.
(١٠) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٤٠٨.
[ ٣ / ٦٢٩ ]
أيضًا مسألة المدونة قال فيها: ومن ابتاع عبدًا فأبق بقرب البيع، فقال البائع (١): أخشى أنه لم يأبق إلا وقد أبق عندك إباقًا؛ فاحلف لي. فلا يمين عليه.
ابن القاسم: وما جهل أمره فهو على السلامة حتى تقوم بينة (٢)، وقال أشهب: لا يحلف أصلًا. وقال محمد: يحلف إذا ظهر العيب وإلا رد عليه وليس عليه (٣) يمين في عيب لم يظهر (٤)، والمسألة على خمسة أوجه، فإن قال: يمكن أن يكون قد أبق عندك، أو سرق. ولم يحصل ذلك عنده فلا يمين عليه، وإن قال: علمت أنه فعل ذلك عندك، لزمه اليمين، وإن قال: أخبرت بذلك أو قد فعل ذلك عندي فاحلف (٥) أنه لم يفعل ذلك عندك، أو يعلم أنه فعل ذلك عند المشتري ففي يمينه وعدمه خلاف، قاله (٦) اللخمي (٧).
قوله: (وهَلْ يُفْرقُ بَيْنَ أَكْثَرِ الْعَيْب فيَرْجعُ بِالزَّائِدِ وأقلِّهِ (٨) بِالجْمِيعِ، أَوْ بِالزائِدِ مُطْلَقًا أَوْ بَيْنَ هَلاكِهِ فِيما بَيَّنهُ أَوْ لا؟ أَقْوَالٌ) يريد أن البائع إذا ذكر بعض العيب للمبتاع، وكتم عنه بقيته مثل أن يكون العبد قد أبق عنده سنة، فيقول أبق (٩) شهرًا أو نحوه، فيهلك بعيب التدليس أو نحو ذلك من العيوب التي يكتم بعضها. فاختلف هل يفرق بين أن يكون بين له الأكثر العيب، فيرجع المبتاع بقيمة الزائد الذي كتمه وبجميع الثمن إن بين له الأقل، أو يرجع بقيمة الزائد مطلقًا؛ سواء بين الأكثر أو الأقل، أو إن هلك في المقدار الذي بينه فيرجع بقيمة العيب فقط، وإن هلك بعده رجع بجميع الثمن ولا يراعى هل بين له الأكثر أو الأقل (١٠)، وإلى هذا ذهب أبو بكر بن عبد الرحمن (١١). وحكى ابن يونس القولين
_________________
(١) في (ن ٤): (المبتاع).
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ٣٤٧ و٣٤٨.
(٣) في (ن ٥): (له).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٨٨.
(٥) في (ن ٤): (فلا خلاف).
(٦) في (ن ٥): (نقله).
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٤١٠ و٤٤١١.
(٨) زاد في (ن ٥): (فليرجع).
(٩) في (ن ٣): (بالزائد).
(١٠) قوله: (أو إن هلك هل بين له الأكثر أو الأقل) زيادة من (ن ٥).
(١١) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٧١.
[ ٣ / ٦٣٠ ]
الأولين أيضًا عن غيره.
(المتن)
وَرُدَّ بَعْضُ الْمَبِيعِ بِحِصَّتِهِ وَرُجِعَ بِالْقِيمَةِ، إِنْ كَانَ الثَّمَنُ سِلْعَةً، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الأَكْثَرَ، أَوْ أَحَدَ مُزْدَوَجَيْنِ، أَوْ أمًّا وَوَلَدَهَا، وَلا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِأَقَلَّ اسْتُحِقَّ أَكْثَرُهُ، وَإِنْ كَانَ دِرْهَمَانِ وَسِلْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةً بِثَوْبٍ فَاسْتُحِقَّتِ السِّلْعَةُ وَفَاتَ الثَّوْبُ: فَلَهُ قِيمَةُ الثوْبِ بِكَمَالِهِ، وَرَدُّ الدَرْهَمَيْن، وَرَدَّ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ وَعَلَى أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ. وَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ فِي الْعَيْبِ أَوْ قِدَمِهِ، إِلَّا بِشَهَادَةِ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي.
(الشرح)
قوله: (ورُدَّ بَعْضُ الْمَبِيعِ بِحِصَّتِهِ ورُجِعَ بِالْقِيمَةِ، إِنْ كانَ الثَّمَنُ سِلْعَةً) يريد أن من اشترى شيئًا متعددًا بسلعة ثم اطلع على عيب ببعضه، فإنه إن رده رجع بنسبته من قيمة السلعة لا بجزئها، هذا هو المشهور. وقاله ابن القاسم في المدونة (١)، وفي الموازية (٢) عن أشهب: يرجع بما يقابل العيب من السلعة.
قوله: (إلا أَنْ يَكُونَ الأَكْثَرَ، أَو أحد مُزْدَوَجَيْنِ، أَوْ أما ووَلَدَهَا) يعني أنه إنما يرجع بالقيمة حيث يكون المعيب غير وجه الصفقة وهو مراده بالأكثر، وقد نص محمد على أن وجه الصفقة ما زاد على نصف الثمن. ابن يونس: وهذا معنى ما في المدونة، وهذا في غير المثليات كما سيأتي (٣)، وأما إذا كان وجهها (٤) أو أحد المزدوجين الذي لا يستغني بأحدهما عن الآخر؛ كأحد الخفين أو أحد النعلين ونحوهما، أو أمًّا وولدها فليس له إلا رد الجميع.
قوله: (ولا يَجُوزُ التمَسُّكُ بِأَقَل اسْتُحِق أَكْثَرُهُ) هذا هو المشهور خلافا (٥) لابن حبيب؛ ومعناه أن من ابتاع ثيابًا كثيرة فاستحق أكثرها، فإنه لا يجوز له (٦) التمسك بالأقل الباقي بل تنتقض الصفقة كلها ويرد ما بقي.
_________________
(١) قوله: (في المدونة) ساقط من (ن ٥). وانظر: التهذيب: ٣/ ٢٧٦.
(٢) قوله: (وقاله ابن القاسم في المدونة وفي الموازية) يقابله في (ن ٥): (وقال ابن القاسم في الموازية).
(٣) قوله: (وقد نص محمد. . . وهذا في غير المثليات كما سيأتي) زيادة من (ن ٥).
(٤) قوله: (وقد نص محمد على أن وجه الصفقة. . . . .). [سقط بقية الهامش من المطبوع (مُعِدُّه للشاملة)]
(٥) [سقط الهامش من المطبوع (مُعِدُّه للشاملة)]
(٦) [سقط الهامش من المطبوع (مُعِدُّه للشاملة)]
[ ٣ / ٦٣١ ]
قوله: (وإِنْ كَانَ دِرْهَمَانِ وسِلْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةً بِثَوْبٍ، فَاسْتحقَّت السِّلْعَة وفَاتَ الثَّوْبُ فَلَه قِيمَةُ الثَّوْبِ بِكَمَالِهِ، ورَدُّ الدِّرْهَمَيْنِ) أي وإن كانَ العقد وقع بينهما على أن من عند أحدهما درهمين وسلعة تساوي عشرة دراهم، فاشتراهما الآخر منه بثوب فاستحقت السلعة من يد أحدهما (١) فحقه أن يرد على صاحب السلعة (٢) الدرهمين، ويرجع في ثوبه لانتقاض العقد، وهذا إذا لم يفت الثوب فإن فات فله قيمته كاملًا بعد رد الدرهمين على المشهور. وقيل: إنما له قيمة خمسة أسداس (٣) ذلك في المثال المذكور بناءً على صحة البيع فيما قابل الدرهمين، لعدم استحقاقها (٤).
قوله: (ورَدُّ أَحَدِ الْمُشْتَرَييْنِ) يريد أن المشترى إذا تعدد ثم اطلعوا على عيب، فأراد واحدٌ الرد دون غيره، فإن له ذلك، وإليه رجع مالك (٥) بعد أن كان يقول: ليس له ذلك إلا أن يردا معًا، واختاره أشهب، والقولان في المدونة (٦).
قوله: (وعَلى أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ) يريد أن البائع إذا تعدد يجوز أيضا للمشتري الرد على واحد منهما دون غيره فيرد على نصيبه ولا مقال له؛ لأن ملكه متبعض ابتداء.
قوله: (والْقَوْلُ لِلْبَائِع في الْعَيْبِ (٧) أَوْ قِدَمِهِ، إِلا بِشَهَادَةِ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي) أي فإذا تنازع البائع والمشتري في حدوث العيب أو قدمه، فقال البائع: ليس به عيب، وقال المشتري: هو به، أو قال البائع: هو حادث عندك، وقال المشتري: هو قديم، فالقول في ذلك كله قول البائع إن شهدت له (٨) العادة بقدم (٩) العيب أو حدوثه، أو لم تشهد له ولا عليه، وكلا الأمرين محتمل (١٠) على السواء، وإن شهدت العادة للمشتري فالقول قوله.
_________________
(١) في (ن): (أخذها).
(٢) قوله: (صاحب السلعة) يقابله في (ن) و(ن ٥): (صاحبه).
(٣) قوله: (خمسة أسداس) زيادة من (ن ٥).
(٤) في (ن ٥): (استحقاقهما).
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٣٤٥.
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٢١٠ و٢١١.
(٧) في (ن ٣): (المبيع).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٩٠ - ٢٩٢.
(٩) في (ن): (بعدم).
(١٠) (قوله: (وكلا الأمرين محتمل) يقابله في (ن ٥): (وكان الأمر فيه محتملا).
[ ٣ / ٦٣٢ ]
(المتن)
وَحَلَفَ مَنْ لَمْ يُقْطِعْ بِصِدْقِهِ، وَقُبِلَ لِلتَّعَذُّرِ غَيرُ عُدُولٍ وَإِنْ مُشْرِكِينَ، وَيَمِينُهُ بِعْتُهُ، وَفِي ذِي التَّوْفِيَةِ، وَأقْبَضْتُهُ، وَمَا هُوَ بِهِ بَتًّا فِي الظَّاهِرِ، وَعَلَى الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ، وَالْغَلَّةُ لَهُ لِلْفَسْخِ وَلَمْ تُرَدَّ بِخِلافِ وَلَدٍ وَثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ، وَصُوفٍ تَمَّ: كَشُفْعَةٍ، وَاسْتِحْقَاقٍ، وَتَفْلِيسٍ، وَفَسَادٍ، وَدَخَلَتْ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ إِنْ رَضِيَ بِالْقَبْضِ، أَوْ ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ، وَلَمْ ترَدَّ بِغَلَطٍ إِنْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ، وَلا بِغَبْنٍ وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ، وَهَلْ إِلَّا أَنْ يَسْتَسْلِمَ وَيُخْبِرَهُ بِجَهْلِهِ، أَوْ يَسْتَأْمِنَهُ؟ تَرَدُّدٌ.
(الشرح)
قوله: (وحَلَفَ مَنْ لَمْ يُقْطَعْ بِصِدْقِهِ) يريد أن البينة إذا شهدت بحدوث العيب أو قدمه، فلا يمين؛ لأن البينة قد قطعت بصدق من شهدت له، وقاله (١) محمد؛ فإن لم تقطع بذلك، وإنما رجحت قول أحدهما فقط، فلابد من اليمين، لأنها لم تجزم بصدق من شهدت له.
قوله: (وقُبِلَ لِلتَعَذُّرِ غَيْرُ عُدُولٍ وإِنْ مُشْرِكِيْنَ) يريد أن قدم العيب وحدوثه لا يشهد فيه إلا العدول إن وجدوا، فإن تعذروا قبل غيرهم للضرورة. الباجي، والمازري وغيرهما: ويقبل قول غير العدول في ذلك ولو كانوا على غير دين الإسلام للضرورة؛ لأن طريق هذا الخبر مما ينفردون بعلمه. المتيطي: والواحد منهم أو من المسلمين كاف، والاثنان أولى، إذ طريق ذلك الخبر لا الشهادة على المشهور والمعمول به. قال ابن المواز: لا يرد بعيب (٢) إلا ما اجتمع عليه عدلان من أهل النظر والمعرفة. عبد الملك: وإن كان العبد ميتًا فلا خلاف بين أصحاب مالك أنه لا يثبت إلا بعدلين من أهل المعرفة (٣).
قوله: (ويَمِينُهُ بِعْتُهُ وفي ذِي التَّوْفِيةِ، وأَقْبَضْتُهُ، ومَا هُوَ بهِ بَتًّا في الظَّاهِرِ، وعَلي الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ) يريد أنا إذا فرعنا على أن القول قول البائع في العيب إذا لم تشهد العادة للمبتاع، فلابد من خلفه على ذلك وصفة يمينه: لقد بعته إياه وليس به عيب إن لم يكن فيه حق توفية، وإلا زاد (٤) وأقبضته إياه وما به عيب، ثم نبه على أن العيب تارة يكون ظاهرًا كالعور والعرج، وضعف البصر، وتارة يكون خفيًا كالزنا والسرقة؛ فإنه يحلف في
_________________
(١) في (ن ٥): (وقال).
(٢) قوله: (بعيب) ساقط من (ن).
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٨٣.
(٤) قوله: (ومَا هُوَ بِهِ وإلا زاد) ساقط من (ن ٣).
[ ٣ / ٦٣٣ ]
الظاهر على البت (١)، وفي الخفي على نفي العلم، وهو مذهب المدونة، وهو (٢) المشهور وقال (٣) ابن القاسم إنه يحلف على البت فيهما (٤)، وبه قال ابن نافع، وقال أشهب: يحلف على نفي العلم فيهما، ثم إذا لم يحلف البائع ونكل عن اليمين فإن المشتري يحلف على نفي العلم فيهما، وهو أحد قولي ابن القاسم، وعنه أيضًا أنه يحلف على البت في الظاهر، وعلى نفي العلم في الخفي (٥)، واختاره ابن حبيب، وقال ابن نافع وابن أبي حازم (٦): يحلف على البت فيهما (٧).
قوله: (والْغَلَّةُ لَهُ لِلْفَسْخِ) أي والغلة للمشتري إلى حين الفسخ؛ لأن الخراج بالضمان فإذا فسخ العقد فالغلة حينئذ للبائع.
قوله: (ولَمْ تُرَدَّ) هو مستفاد من ذلك، وإنما ذكره ليرتب عليه ما بعده من قوله: (بِخِلافِ وَلَدٍ، وثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ، وصُوفٍ تَمَّ) أي فإن الولد يرد مع أمه إذا ردت بعيب، وسواء ابتاعها حاملًا أو حملت به بعد الشراء؛ لأن الولد ليس بغلة على المشهور خلافًا للسيوري (٨)، واختلف إذا اشترى نخلًا مؤبرةً واشترط ثمرته (٩)، أو غنمًا عليها صوف قد تم، فجد الثمرة وجذ الصوف ثم اطلع على عيب وأراد الرد، هل يرد ذلك إن كان قائمًا لأن له حصة من الثمن، وهو قول ابن القاسم، أو لا يرد لأنه غلة، وهو قول أشهب (١٠)، وعلى قول ابن القاسم إذا فاتت الثمرة ترد مكيلتها إن علمت وقيمتها إن لم تعلم، ويرد مثل الصوف إن فات. ابن يونس: فإن لم يعلم وزنه (١١) رد الغنم بحصتها
_________________
(١) قوله: (يحلف في الظاهر على البت) يقابله في (ن ٥): (لا يحلف في الظاهر إلا على البت).
(٢) قوله: (وهو) ساقط من (ن).
(٣) قوله: (وهو المشهور وقال) يقابله في (ن ٥): (والمشهور عن)، وفي (ن ٣): (وعنه وقال).
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٣٤٦ و٣٤٧.
(٥) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٤٦.
(٦) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (واختاره، وقال ابن حبيب وابن حازم).
(٧) انظر: المنتقى: ٦/ ٩٨، والتوضيح: ٥/ ٤٨٥.
(٨) انظر: التوضيح: ٢/ ٢٤٧.
(٩) قوله: (واشترط ثمرته) زيادة من (ن ٥).
(١٠) انظر: المدونة: ٤/ ٨٥.
(١١) قوله: (ابن يونس: فإن لم يعلم وزنه) يقابله في (ن ٤): (فإن لم يردها)، وفي (ن ٣): (فإن لم تفت. قوله).
[ ٣ / ٦٣٤ ]
من الثمن
قوله: (كَشُفْعَةٍ، واسْتِحْقَاقٍ، وتَفْلِيسٍ، وفَسَادٍ) يريد أن المشتري لا يرد الغلة في خمس مسائل: الرد بالعيب كما تقدم، وبيع الفاسد، والاستحقاق، والشفعة، والتفليس، وذلك إذا فارقت الثمرة (١) الأصول، فإن لم تفارقها لم ترد مع الأصول إذا أزهت على المشهور ولو (٢) ولم تجد، ولا يبست في الرد بالعيب والبيع الفاسد، وأما الشفعة والاستحقاق فترد إذا أزهت ما لم تيبس فلا يجب ردها وفي التفليس ترد وإن يبست ما لم تجذ. وقيل: إن الإبار (٣) فوت في الجميع، والتشبيه في قوله: (كشفعة إلخ) راجع إلى قوله: (ولم ترد غلة).
قوله: (ودَخَلَت (٤) فِي ضَمانِ الْبَائِعِ إِنْ رَضِيَ بِالْقَبْضِ، أَوْ ثَبَتَ عِنْدَ الحاكِمِ ولو لَمْ يَحْكُمْ) يريد أن السلعة المبيعة (٥) إذا ردها المبتاع دخلت في ضمان البائع إن رضي بقبضها وإن لم يقبضها، وكذلك أيضا يضمنها بثبوت (٦) العيب عند الحاكم ولو لم يحكم بالرد، وهو قول ابن القاسم في شهادة المدونة. ابن رشد: وهو الذي يأتي على مذهب (٧) مالك في الموطأ. ابن راشد: وظاهر المدونة أنها في ضمان المبتاع حتى يحكم له بالرد أو يرضى البائع (٨) بالقبض. وقال أصبغ (٩): إذا أشهد المبتاع على العيب وأنه غير راض به فإنها تدخل في ضمان البائع وإن لم يرض بقبضها. وقيل: لا تدخل في ضمانه وإن رضي حتى يمضي من الزمان (١٠) ما يمكِّنه من القبض فيه، وقيل: لا يدخل في ضمانه إلا بالقبض ولو مضى من الزمان ما يمكنه فيه القبض.
_________________
(١) قوله: (الثمرة) زيادة من (ن ٥).
(٢) قوله: (ولو) زيادة من (ن).
(٣) في (ن ٣):) (الإبان).
(٤) في (ن ٣) و(ن ٤): (ودخلتا).
(٥) في (ن ٣): (المعينة).
(٦) قوله: (وكذلك أيضا يضمنها بثبوت) يقابله في (ن ٣) و(ن ٤)، و(ن): (أو بثبوت).
(٧) في (ن ٥): (قول).
(٨) قوله: (البائع) زيادة من (ن).
(٩) في (ن ٤): (أشهب).
(١٠) في (ن): (مدة).
[ ٣ / ٦٣٥ ]
قوله: (ولَمْ ترَدَّ بِغَلَطٍ إِنْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ) هذا هو المشهور وقيل: يرد. ومعناه أن من باع شيئًا ثم يظهر خلافه كما إذا باع حجرًا بثمن بخس، ثم ظهر أنه ياقوتة ونحوه أو بالعكس ومقابل المشهور وهو ظاهر ما في أقضية المدونة في الذي يشتري (١) ياقوتة ولا يعرفها البائع ولا المبتاع، أن البيع يرد (٢).
ومعني (سُمِّيَ بِاسْمِهِ) أن يقول من يشتري هذا الحجر؛ لأن الياقوت يسمى حجرًا، واحترز بذلك مما إذا سماه بغير اسمه كقوله: من يشتري هذه الزجاجة، فإذا هي ياقوتة أو نحوها فإن له الرد من غير خلاف. قاله ابن رشد (٣) وغيره.
قوله: (ولا بِغَبْنٍ ولَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ) (٤) أي وهكذا لا يرد بالغبن ولو خالف العادة سواء كان المغبون بائعًا أو مبتاعًا. وهو المشهور. وفي المذهب فيذلك (٥) ثلاث طرق:
الأولى: لعبد الوهاب في المعونة؛ بثبوت (٦) الخيار لغير العارف باتفاق، وفي العارف قولان (٧).
الثانية: للمازري: أنه إن اعترف (٨) المشتري أنه غير عارف بقيمته، فقال له البائع: قيمتها كذا. فله الرد. وإن كان عالمًا بالمبيع وقيمته فلا رد ولا خلاف في هذين القسمين، وفيما عداهما قولان (٩).
الثالثة: لصاحب المقدمات: أن البيع والشراء إن وقع على جهة الاسترسال والاستئمان وجب القيام بالغبن بإجماع (١٠)؛ كقوله "اشتر مني كما تشتري من الناس"، وإن وقع البيع والشراء (١١) على جهة المكايسة فلا قيام له
_________________
(١) قوله: (ونحوه أو بالعكس أقضية المدونة في الذي يشتري) ساقط من (ن ٣).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٧٧، والبيان والتحصيل: ٧/ ٣٤٢.
(٣) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٣٤٣.
(٤) قوله: (أي وهكذا لا يرد بالغبن ولو خالف العادة) ساقط من (ن ٥).
(٥) قوله: (في ذلك) ساقط من (ن).
(٦) في (ن ٣): (ثبوت).
(٧) انظر: المعونة: ٢/ ٧٠.
(٨) في (ن ٥): (أخبره).
(٩) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٦٠٦ - ٦٠٨.
(١٠) قوله: (بإجماع) زيادة من (ن ٥).
(١١) قوله: (البيع والشراء) زيادة من (ن ٥).
[ ٣ / ٦٣٦ ]
باتفاق (١)، فأشار إلى الأولى كما (٢) تقدم، وإلى الثانية بقوله: (وهَلْ إِلا أَنْ يَسْتَسْلِمَ ويُخْبِرَهُ بِجَهْلِهِ) وإلى الثالثة بقوله: (أو يستأمنه). قوله: (تردد) جواب للاستفهام (٣) وهو ظاهر من كلامه (٤).
(المتن)
وَرُدَّ فِي عُهْدَةِ الثَّلاثِ بِكُلِّ حَادِثٍ، إِلَّا أَنْ يَبِيعَ بِبَرَاءَةٍ، وَدَخَلَتْ فِي الاِسْتِبْرَاءِ، وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَلَهُ الأَرْشُ: كَالْمَوْهُوبِ لَهُ، إِلَّا الْمُسْتَثْنَى مَالُهُ. وَفِي عُهْدَةِ السَّنَةِ بِجُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ أَوْ جُنُونٍ بِطَبْعٍ أَوْ مَسِّ جِنٍّ، لا بِكَضَرْبَةٍ إِنْ شُرِطَتَا أَوِ اعْتِيدَتَا، وَلِلْمُشْتَرِي إِسْقَاطُهُمَا وَالْمُحْتَمَلُ بَعْدَهُمَا مِنْهُ، لا فِي مُنْكَحٍ بِهِ أَوْ مُخَالَعٍ، أَوْ مُصَالَحٍ فِي دَمِ عَمْدٍ، أَوْ مُسْلَمٍ فِيهِ، أَوْ بِهِ، أَوْ قَرْضٍ، أَوْ عَلَى صِفَةٍ، أَوْ مُقَاطِعٍ بِهِ مُكَاتَبٌ، أَوْ مَبِيعٍ على كَمُفَلَّسٍ، وَمُشْتَرًى لِلْعِتْقِ، أَوْ مَأَخُوذٍ عَنْ دَيْنٍ، أوْ رُدَّ بعَيْبٍ، أَوْ وُرِثَ، أَوْ وُهِبَ أَوِ اشْتَرَاهَا زَوْجُهَا، أَوْ مُوصًى بِبَيْعِهِ مِنْ زَيْدٍ، أَوْ مِمَّنْ أحَبَّ، أَوْ بِشِرَائِهِ لِلْعِتْقِ، أَوْ مُكَاتَبٍ بِهِ، أَوِ الْمَبِيعِ فَاسِدًا، وَسَقَطَتَا بِكَعِتْقٍ فِيهِمَا.
(الشرح)
قوله: (ورُدَّ في عُهْدَةِ الثَّلاثِ بِكُلِّ حَادِثٍ، إِلا أَنْ يَبِيعَ بِبَرَاءَةٍ) العهدة خاصة بالرقيق، والمراد به كونه في ضمان البائع بعد العقد وهي على ضربين عهدة سنة (٥)، وعهدة ثلاث: وهي هذه والضمان فيها على البائع من كل شيء حادث كما قال، وقد قال -ﷺ-: "عهدة الرقيق ثلاثة أيام". وأمر بها عمر وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز. ابن شهاب (٦): والقضاة ممن أدركنا يقضون بها، وهي وعهدة السنة أمر قائم بالمدينة (٧) وقال بها المشيخة السبعة، أما إذا باع ببراءة فلا يرد عليه بما حدث كما أشار إليه قوله: (ودَخَلَتْ فِي الاسْتِبْرَاءِ والنَّفَقَةُ عَلَيْهِ ولَهُ (٨) الأَرْشُ) يريد أن الاستبراء إذا اجتمع في
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٤٢١.
(٢) في (ن ٥): (بما).
(٣) قوله: (جواب للاستفهام) زيادة من (ن ٥).
(٤) قوله: (وهو ظاهر من كلامه) يقابله في (ن): (مما تقدم).
(٥) زاد بعده في (ن ٤): (وستأتي).
(٦) في (ن ٥): (وابن شهاب) بزيادة واو.
(٧) في (ن ٥): (بالمدونة). وانظر: المدونة: ٣/ ٣٧٤.
(٨) قوله: (وله) ساقط من (ن ٥).
[ ٣ / ٦٣٧ ]
عهدة الثلاث فإنها تدخل فيه، وهو قول ابن القاسم ورواه هو وأشهب عن مالك (١). وحكي في الكافي قولًا بعدم (٢) الدخول (٣)، وعن المشيخة السبعة يبدأ بالاستبراء، ثم بعهدة الثلاث ثم بالسنة، ولما كانت النفقة في زمن عهدة الثلاث على البائع.
قال: (والنفقة عليه وله الأرش (٤» يريد والكسوة كالنفقة ولأجل أن النفقة والكسوة عليه كان له أرش الجناية وقاله في المدونة.
قوله: (كَالْمَوْهُوبِ لَهُ) هو كقوله في المدونة: وما وهب له؛ أي للعبد في عهدة الثلاث من مال أو تصدق به عليه فللبائع (٥). ابن حبيب: إلا أن يكون المبتاع اشترط ماله، فيكون ذلك له (٦)، وإليه أشار بقوله: (إلا الْمُسْتَثْنَى مَالُهُ).
قوله: (وي عُهْدَةِ السَّنَةِ بِجُذَامٍ أو بَرَصٍ أو جُنونٍ) أي ورد في عهدة السنة لهذه الأمور الثلاثة أو بأحدها؛ ولما كانت هذه الأدواء تتقدم أسبابها، ويظهر ما يظهر منها في فصل (٧) من فصول السنة دون فصل (٨) بحسب ما أجرى الله سبحانه العادة فيه باختصاص تأثير ذلك السبب بذلك الفصل اختصت بالسنة، فانتظر لأجل ذلك الأربعة في (٩) فصول وهي السنة كلها (١٠) حتى يأمن من هذه العيوب.
قوله: (لا بِكَضَرْبَةٍ) يعني أن الجنون الذكما يرد به هو ما كان بمس الجان لا ما كان من ضرب ونحوها (١١) الباجي (١٢): الجنون الذي يجب به الرد هو ذهاب العقل من
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢١٦، والبيان والتحصيل: ٨/ ٢٦٣.
(٢) في (ن ٥): (بعد).
(٣) انظر: الكافي: ٢/ ٧١٨ و٧١٩.
(٤) قوله: (عليه وله الأرش) زيادة من (ن ٥).
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٢٢٠.
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٩٣.
(٧) قوله: (في فصل) زيادة من (ن ٥).
(٨) قوله: (فصل) ساقط من (ن).
(٩) قوله: (في) زيادة من (ن).
(١٠) قوله: (كلها) زيادة من (ن ٥).
(١١) قوله: (يعني أن الجنون الذى يرد به ما كان من ضرب ونحوها) زيادة من (ن).
(١٢) (في (ن) و(ن ٥): (يعني). وانظر: المنتقى: ٦/ ٦٠.
[ ٣ / ٦٣٨ ]
مس الشيطان (١)، وعلى هذا جمهور أصحابنا مدنيهم ومصريهم؛ إلا ابن وهب فإنه قال: بأي وجه زال عقله في السنة من ضربة أو غيرها فهو من البائع (٢).
قوله: (إِنْ شُرِطتَا أَوِ اعْتِيدَتَا) يريد أن العهدتين لا يعمل بهما إلا بشرط أو عادة جارية في البلد، وهي رواية المصريين. وروى المدنيون أنه يقضى بها (٣) في كل بلد وإن لم يعرفوها، ولا جرت فيهم (٤) ويحملهم السلطان على ذلك ويحكم بها على من عرفها أو جهلها. وفي البيان: لا يحكم بها وإن شرطوها وهو قول ثالث وبه قال ابن القاسم في الموازية (٥)، وروى (٦) محمد بن عبد الحكم أن عهدة السنة حرام ولا يحمل عليها أحد و(٧) لا يعمل بها (٨).
قوله: (وللْمُشْتَرِي إِسْقَاطُهُمَا) أي: لأن ذلك حق له فكان له تركه، وكحكم البائع كذلك قبل العقد فله أن يسقطها عن نفسه كما له أن يتبرأ من (٩) سائر العيوب الواقعة (١٠) في الرقيق قبل العقد.
قوله: (والْمُحْتَمَلُ بَعْدَهُمَا مِنْهُ) يشير إلى أن العهدة إذا انقضى زمانها ثم وجد بالمبيع عيب وأشكل، هل طرأ فيها أو بعدها فإنه يكون من المبتاع، وهو الأصح وبه قال ابن القاسم، ونقل الباجي واللخمي وغيرهما أن ذلك من البائع. اللخمي (١١): وهو أقيس لأن الأصل أنه في (١٢) ضمان البائع، ووجوده بعد الثلاث مشكوك فيه؛ فلا ينتقل عن
_________________
(١) في (ن): (الجان).
(٢) قوله: (الشيطان فهو من البائع) يقابله في (ن ٥): (جان لا ما كان بضربة ونحوها على الأصح).
(٣) قوله: (يقضى بها) يقابله في (ن ٣) و(ن ٤): (يعمل بهما)، وفي (ن): (يقضي بهما).
(٤) قوله: (ولا جرت فيهم) زيادة من (ن).
(٥) قوله: (وهو قول ثالث وبه قال ابن القاسم في الموازية) زيادة من (ن ٥).
(٦) في (ن): (رأي).
(٧) قوله: (ولا يحمل عليها أحد و) ساقط من (ن) و(ن ٥).
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٨٤.
(٩) قوله: (من) يقابله في (ن) (عن).
(١٠) قوله: (الواقعة) ساقط من (ن).
(١١) قوله: (اللخمي) ساقط من (ن) و(ن ٣).
(١٢) زاد في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (زمن).
[ ٣ / ٦٣٩ ]
ضمانه بالشك (١).
قوله: (لا في مُنكَحٍ بِه أو مخالع أو مصالح في دم عمد أو مسلم فيه أو به أو قرض أو على صفة أو مقاطع به مكاتب أو مبيع على كمفلس ومشترى للعتق أو مأخوذ عن دين أو رد بعيب أو ورث أو وهب أو اشتراها زوجها أو موصى ببيعه من زيد أو ممن أحب أو بشرائه للعتق أو مكاتب به أو المبيع فاسدا) ذكر المتيطي إحدى وعشرين (٢) مسألة لا عهدة فيها على المشهور كما قال هنا وهي: الأمة، أو العبد المنكح به، أو المخالع به، أو المصالح عن دم (٣) عمد، والمسلم فيه أو به، والقرض، والغائب الذي اشترى على صفة، والمقاطع به من الكتابة (٤) والذي يبيعه السلطان على المفلس وغيره، والمبتاع بشرط العتق، والمأخوذ من دين، والمردود بعيب، ورقيق الميراث، والعبد الموهوب، والأمة يشتريها زوجها، والموصى ببيعه من زيد أو ممن أحب أو بأن يشترى للعتق، والمكاتب به والمبيع بيعًا فاسدًا. المتيطي: وفي بعض ذلك تردد (٥) بين مالك وأصحابه (٦).
قوله: (وسَقَطتَا بِكَعِتْقٍ فِيهِمَا) يريد أن العهدتين تسقطتان إذا أعتق المبتاع العبد المبيع (٧) فيهما، ومثل العتق الكتابة، والتدبير والاستيلاد وهو مذهب الموازية (٨)، وإذا سقط ما بقي من تلك العهدة سقطت النفقة عن البائع (٩). وقال أصبغ، وسحنون: ينفذ العتق ويرجع بقيمة العيب (١٠). اللخمي: وهو أحسن (١١). والقولان لابن القاسم. وله
_________________
(١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٤٤٦.
(٢) في (ن ٣): (إحدى عشر).
(٣) قوله: (عن دم) يقابله في (ن ٥): (من عدم).
(٤) في (ن) و(ن ٣): (المكاتب).
(٥) في (ن ٥): (نزاع).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٤٩٣.
(٧) قوله: (المبيع) زيادة من (ن ٣).
(٨) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (المدونة).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٢٢.
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٢٣.
(١١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٤٤٩.
[ ٣ / ٦٤٠ ]
في عهدة السنة أن العتق يرد. الباجي: وهو في عهدة الثلاث أولى (١).
(المتن)
وَضَمِنَ بَائِعٌ مَكِيلًا بقَبْضِهِ بِكَيْلٍ، كَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ، وَالأُجْرَةُ عَلَيْهِ، بِخِلافِ الإِقَالَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ، وَالشَّرِكَةِ عَلَى الأَرْجَحِ، فَكَالْقَرْضِ. وَاسْتَمَرَّ بِمِعْيَارِهِ، وَلَوْ تَوَلَّاهُ الْمُشْتَرِي. وَقَبْضُ الْعَقَارِ بِالتخْلِيَةِ، وَغَيرِهِ بالْعُرْفِ، وَضُمِنَ بِالْعَقْدِ، إِلَّا الْمَحْبُوسَةَ في الثَّمَنِ، وَالإِشْهَادِ، فَكَالرَّهْنِ، وَإِلَّا الْغَائِبَ فَبِالْقَبْضِ، وَإِلَّا الْمُوَاضَعَةَ فَبِخُرُوجِهَا مِنَ الْحَيْضَةِ، وَإِلَّا الثِّمَارَ لِلْجَائِحَةِ، وَبُدِّئَ الْمُشْتَرِي لِلتَّنَازُعِ، وَالتَّلَفُ وَقْتَ ضَمَانِ الْبَائِعِ بِسَمَاوِيٍّ: يَفْسَخُ،
(الشرح)
قوله: (وضَمِنَ بَائِعٌ مَكِيلًا لِقَبْضِهِ بِكَيلٍ (٢) كَمَوْزُونٍ ومَعْدُودٍ) يريد أن كل ما فيه حق توفية، فإن البائع يضمنه إلى حين يقبضه المبتاع، وقبضه إذا كان مما يكال بالكيل وإن كان مما يوزن أو يعد فبوزنه أو عدده.
قوله: (والأُجْرَةُ عَلَيْهِ) أي على البائع يريد: أجرة الكيل والوزن والعدد، وقيل: هي على المشتري والقولان في الموازية (٣). ابن شعبان: وأجرة الكيل والوزن والعدد في المبيع على البائع، وفي الثمن على المشتري. عياض (٤): وهو وفاق (٥) للأول إذ كل واحد منهما بائع شيئه من صاحبه (٦)، وهو الأقرب (٧).
قوله: (بِخِلافِ التَوْليَةِ والشَّرِكَةِ والإِقَالَةِ عَلَى الأَرْجَحِ) (٨) يريد أن المبتاع إذا ولى السلعة (٩) لغيره أو أشركه معه فيه أو تقايل المتبايعان في ذلك فإن أجرة الكيل ونحوه ليست على الذي ولى أو أشرك أو أقال كالقرض بجامع المعروف، وقيل: إن الأجرة
_________________
(١) انظر: المنتقى: ٦/ ٦٠، والتوضيح: ٥/ ٤٩٦.
(٢) في (ن) و(ن ٤) و(ن ٥): (بمكيل).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤٥٥.
(٤) قوله: (عياض) زيادة من (ن ٥).
(٥) في (ن): (موافق).
(٦) قوله: (من صاحبه) ساقط من (ن).
(٧) قوله: (وهو الأقرب) زيادة من (ن ٥). وانظر: التوضيح: ٥/ ٥٠٢.
(٨) قوله: (عَلَى الأَرْجَحِ) زيادة من (ن ٥).
(٩) قوله: (السلعة) يقابله في (ن): (المبيع لغيره).
[ ٣ / ٦٤١ ]
عليه. ابن يونس: والأول أبين. وإليه أشار بقوله: (على الأَرْجَحِ) والقولان للقرويين.
وظاهر قوله: (فكَالْقَرْضِ) أنه متفق عليه وهو ظاهر.
قوله: (ولَوْ تَوَلاهُ الْمُشْتَرِي) هو راجع إلى قوله: (وضمن (١) بائع مكيلًا لقبضه)، والمعنى أن ضمان ما فيه حق توفية من البائع، حتى يقبضه المبتاع (٢) ويصير في أوعيته ولو كان هو المتولي لكيله أو وزنه أو عدده. واختلف إذا سقط المكيال قبل وصوله إلى غرائر (٣)، فهلك ما فيه فهل مصيبته من البائع وهو قول مالك، وابن القاسم، أو من المشتري (٤) وهو قول سحنون (٥) انظر الكبير.
قوله: (وقَبْضُ الْعَقَارِ بِالتَّخْلِيَةِ) أي: يخلي (٦) البائع بين المشتري وبينه ويمكنه من التصرف فيه بدء المفاتيح.
قوله: (وغَيْرِهِ بِالعُرْفِ) أي: وقبض غير ما تقدم من المثلي والعقار بالعرف؛ أي: ما يعد العرف قبضًا كاختيار الثوب وتسليم مفود الدابة ونحو ذلك.
قوله: (وضُمِنَ بِالْعَقْدِ) يريد العقد الصحيح إلا ما يستثنيه بعد هذا لقوله - ﷺ -: "الخراج بالضمان" ولا يضمن ذلك المبتاع في البيع الفاسد إلا بالقبض عند ابن القاسم، وعند أشهب به أو بالتمكين أو بنقد الثمن، وعند سحنون يضمنه بعد العقد ضمان الرهان (٧).
قوله: (إلا الْمَحْبُوسَةَ في الثَّمَنِ أَوِ الإشْهَاد، فكَالرَّهْنِ) لما ذكر أن المبيع يضمنه المبتاع بنفس العقد أخرج بذلك خمس مسائل: المحبوسة للثمن، والمحبوسة للإشهاد، والمبيع الغائب، والأمة المواضعة، والثمار. فأشار إلى الأولى والثانية بما ذكر هنا، ومعنى المحبوسة للثمن: أن يبيع الشخص السلعة ثم يحبسها في يده حتى يقبض ثمنها،
_________________
(١) قوله: (وضمن) ساقط من (ن ٥).
(٢) في (ن): (المشتري).
(٣) في (ن ٥): (عن يده)، وفي (ن ٣): (عن أمره).
(٤) في (ن): (المبتاع).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٧٧ و٣٧٨.
(٦) في (ن): (تخلا).
(٧) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٧٧، وعقد الجواهر: ٢/ ٦٨٠، والتوضيح: ٥/ ٥٠٥.
[ ٣ / ٦٤٢ ]
والمشهور من قول ابن القاسم (١) أنها تضمن كالرهن، فيفرق بين ما يغاب عليه فيضمنه البائع وبين غيره فلا يضمنه، وعن مالك: أن ضمانها من البائع، وعنه أنه من المبتاع (٢)، وقيل: إن كان المبتاع موسرًا من أهل البلد فمن البائع، وإلا فمن المبتاع. بعض المتأخرين: وضمان المحبوسة للإشهاد من البائع؛ أي: إن كانت مما يغيب عليه كالرهن. وأما المبيع الغائب فلا ينتقل عن ضمان البائع إلا بالقبض ولهذا قال: (وإلا الْغَائِبَ فَبِالْقَبْضِ) أي: فإذا قبضه المبتاع دخل في ضمانه.
وأشار إلى مسألة الأمة المواضعة (٣) بقوله: (وإلا الموَاضَعَةَ فَبِخُرُوجِهَا مِنَ الْحَيْضَةِ) أي: فلا تزال في ضمان البائع حتى تخرج من الحيضة، فحينئذٍ يضمنها المبتاع. وقال الباجي: ينتهي الضمان في حق بائعها إلى رؤية الدم؛ لأن ابن القاسم أجاز للمبتاع الاستمتاع بها (٤) برؤية الدم (٥).
وأما مسألة الثمار فأشار إليها بقوله: (وإلا الثَّمَارَ لِلْجَائِحَةِ) ينتهي الضمان في حق بائعها بطيبها وبلوغها حدًّا تأمن معه من الجائحة فإذا بلغت ضمنها المبتاع حينئذٍ.
قوله: (وبُدئَ الْمُشْتَرِي لِلتَّنَازُعِ) يريد أن المتبايعين إذا تنازعا في التبدئة فقال البائع: لا أسلم السلعة (٦) حتى أقبض الثمن. وقال الأخر لا أسلم الثمن حتى أقبض السلعة (٧)؛ فإن المشتري يجبر (٨) على التبدئة بدفع الثمن؛ وهو ظاهر (٩) قوله في كتاب البيوع (١٠) ومن اشترى عبدًا فللبائع أن يمنعه من القبض حتى يدفع إليه الثمن، وفي هبة الثواب، قال: للواهب منعها حتى يقبض العوض كالبيع. وقال المازري: لا أعلم
_________________
(١) قوله: (ابن القاسم) ساقط من (ن).
(٢) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٧٧.
(٣) في (ن): (المتواضعة).
(٤) قوله: (بها) زيادة من (ن ٣).
(٥) انظر: المنتقى: ٦/ ١٢٠.
(٦) في (ن ٥): (المنفعة).
(٧) في (ن ٥): (المنفعة).
(٨) في (ن): (يجري).
(٩) قوله: (ظاهر) زيادة من (ن ٥).
(١٠) في (ن): (العيوب).
[ ٣ / ٦٤٣ ]
فيها نصًّا لمالك ولا للمتقدمين، ثم صحح أن يخرج كل من المتبايعين ما عنده ويمد يده لصاحبه؛ فإن تعذر هذا انتقلا إلى القرعة. وقال ابن القصار: والذي يقوى في نفسي جبر المشتري أو إعراض الحاكم عنهما، ومن تطوع أجبر له الآخر. قال: وأن يجبر المبتاع أقوى، وخرج الشيخ عبد الحميد قولًا: بتبدئة البائع من قوله في كتاب (١) "الأكرية" بدء صاحب الدابة بالدفع؛ فكل ما مضى أخذ حصته من الكراء، وقال القاضي إسماعيل: يدفع الثمن والمثمون لرجل فيدفع لكل واحد منهما ما يستحقه (٢).
قوله: (والتَّلَفُ وَقْتَ ضَمانِ الْبَائِعِ بِسَمَاوِي يَفْسَخُ) أي البيع وتصويره ظاهر. وكلامه يشمل (٣) المحبوسة للثمن، أو للشهادة (٤)، وما فيه حق توفية، والثمرة المشتراة بعد بدو الصلاح، والمواضعة، وغير ذلك (٥).
(المتن)
وَخُيِّرَ الْمُشْتَرِي إِنْ غيِّبَ أَوْ عيَّبَ أَوِ اسْتُحِقَّ شَائِعٌ وَإنْ قَل، وَتَلَفُ بَعْضِهِ أَوِ اسْتِحْقَاقُهُ: كَعَيبٍ بِهِ، وَحَرُمَ التَّمَسُّكُ بِالأَقَلِّ إِلَّا الْمِثلِي، وَلا كَلامَ لِوَاجِدٍ فِي قَلِيلٍ لا يَنْفَكُّ، كقَاعٍ، وَاِنِ انْفَكَّ فَلِلْبَائِعِ إلْزَامُ الرُّبُعِ بِحِصَّتِهِ من الثمن، لا أَكثَرَ. وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الْتِزَامُهُ بِحِصَّتِهِ مُطْلَقًا، وَرُجِعَ لِلْقِيمَةِ لا لِلتَّسْمِيَةِ، وَصَحَّ وَلَوْ سَكَتَا، لا إِنْ شَرَطَا الرُّجُوعَ لَهَا، وَإِتْلافُ الْمُشْتَرِي: قَبْضٌ، وَالْبَائِعِ وَالأجْنَبِيِّ: يُوجِبُ الْغُرْمَ، وَكَذَلِكَ تعييبه.
(الشرح)
قوله: (وخُيِّرَ الْمُشْتَرِي إِنْ غيِّبَ أَوْ عيَّبَ أَوِ اسْتُحِق شَائِع وإِنْ قَلَّ) يريد أن البائع إذا غيب السلعة أي وأخفاها وادعى هلاكها، أو فعل بها ما أعابها أو استُحِق منها جزء غير معين، وهو المراد بالشائع وإن قَلَّ، فإن المبتاع يخير في جميع ذلك، إلا أنه مع تغيب (٦) السلعة - بالغين المعجمة - يخير بين فسخ العقد أو يتماسك، ويطلب البائع
_________________
(١) في (ن): (باب).
(٢) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٧٩١ - ٧٩٣.
(٣) من هنا يبدأ سقط بمقدار صفحة في (ن ٣).
(٤) في (ن): (للأشهاد).
(٥) قوله: (وغير ذلك) ساقط من (ن).
(٦) في (ن): (تغيبه).
[ ٣ / ٦٤٤ ]
بمثلها أو قيمتها بعد يمين البائع أنها هلكت، ومع تعييبها - بالعين المهملة - يخير بين الفسخ والتماسك ويرجع بقيمة العيب. وإنما يخير مع استحقاق الجزء الشائع وإن قَلَّ لضرر (١) الشركة.
قوله: (وتَلَفُ بَعْضِهِ أو اسْتِحْقَاقُهُ كَعَيْبٍ بِهِ، وحَرُمَ التَّمَسُّكُ بِالأقَلِّ) مراده بالبعض هنا المعين، والمعنى أنه إذا تلف البعض المعين (٢) أو استحق فإن حكمه حكم تعييب البعض، فإن كان الباقي أكثر من النصف لزمه نسبته من الثمن، وإن كان أقل من النصف حرم التمسك به على المشهور خلافًا لابن حبيب (٣).
قوله: (إِلا الْمِثْلِيَّ) أي فيلزم المشتري باقيه بحصته من الثمن.
قوله: (ولا كَلامَ لِوَاجِد فِي قَلِيلٍ لا يَنْفَكُّ كَقَاعٍ) يريد أن الطعام المبيع إذا وجد به عيب مما لا ينفك عنه كقيعان الأَنْدَر (٤) فإن المشتري يلزمه ذلك إذا كان قليلًا ولا يوضع عنه من الثمن شيء. وقاله في البيان (٥).
قوله: (وَإِنِ انْفَكَّ، فَلِلْبَائِعِ إلْزَامُ الرُّبُعِ بِحِصَّتِه من الثمن) أي: وإن كان العيب مما ينفك فإن للبائع إلزام المشتري الربع بحصته من الثمن (٦). ابن رشد: وكذلك الخمس (٧) بلا خلاف. قال: وإن أراد المشتري أن يلزم البائع (٨) بحصته فليس له ذلك بلا خلاف، وفي كلام ابن يونس ما يدل على أن المشتري مخير في تعييب الربع. ابن رشد: وإن كان العيب يسيرًا لا خطب له فإن أراد البائع أن يلزم المشتري السالم بحصته من الثمن فله ذلك بلا خلاف. وهذا مفهوم من كلام الشيخ لأنه إذا كان له أن يلزمه بالربع، فالأقل من باب الأحرى فليس؛ للمشتري أن يلتزم (٩) ذلك على ما في المدونة
_________________
(١) قوله: (قَلَّ لضرر) يقابله في (ن): (كان قليل لضرورة).
(٢) قوله: (العين) زيادة من (ن).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣١٠.
(٤) في (ن): (الأهواء)، وفي (ن ٥): (الأهراء).
(٥) البيان والتحصيل: ٧/ ٢٨٨.
(٦) قوله: (أي: وإن كان من الثمن) زيادة من (ن ٥).
(٧) في (ن): (الثمن).
(٨) في (ن) و(ن ٥): (السالم).
(٩) في (ن ٣) و(ن ٤): (يلزم).
[ ٣ / ٦٤٥ ]
وله ذلك على رواية يحيى عن ابن القاسم. قاله ابن رشد.
قوله: (لا أَكْثَرَ) أي: وإن كان العيب (١) أكثر من الربع كالثلث والنصف، فليس للبائع أن يلزم المشتري السالم بحصته (٢) من الثمن. ابن رشد: وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك وله ذلك على قول أشهب، واختاره سحنون. قوله: (ولَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الْتِزَامُهُ بِحِضتِهِ مُطْلَقًا) أي وسواء كان المعيب قليلًا أو كثيرًا، وقاله ابن رشد (٣).
قوله: (ورُجِعَ لِلْقِيمَة؛ لا للتَّسْمِيَةِ) أي: أن العقد إذا وقع على عدد من الثياب أو نحوها، وسميا لكل ثوب جزءًا من الثمن، ثم استحق ثوب منها مثلًا أو أكثر، فإنه يرجع فيه إلى القيمة لا إلى التسمية؛ لأنه قد يكون أحدها أجود أو أردأ.
قوله: (وصَحَّ ولَوْ سَكَتَا) أي وصح البيع إذا دخلا على السكت (٤)، ولم يسميا الرجوع إلى القيمة ولا إلى التسمية، وأحرى إذا شرطا الرجوع إلى القيمة.
قوله: (لَا إِنْ شَرَطَا الرُّجُوعَ لَهَا) أي للتسمية وهذا مما لا خلاف فيه يعني أن البيع يفسد باشتراط الرجوع إلى التسمية إذا كانت مخالفة للقيمة.
قوله: (وَإِتْلافُ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ) يريد أن المشتري إذا أتلف السلعة المشتراة، أي وهي في ضمان البائع فإن إتلافه يعد قبضًا فيلزمه الثمن ولا خلاف فيه.
قوله: (والْبَائِعِ والأَجْنَبِيِّ يُوجِبُ الْغُرْمَ وكذلك تعييبه (٥) أي وإتلاف البائع والأجنبي المبيع قبل قبضه يوجب عليه غرم القيمة أو مثلها، لأن الملك قد تم فيه للمشتري وسواء ذلك (٦) كان يومئذ في ضمان البائع أو المبتاع.
(المتن)
وَإِنْ أَهْلَكَ بَائِعٌ صُبْرَةً عَلَى الْكَيْلِ، فَالْمِثْلُ تَحَرِّيًا لِيُوفِيَهُ، وَلا خِيَارَ لَك، وَأَجْنَبِيٌّ فَالْقِيمَةُ؛ إِنْ جُهِلَتِ الْمَكِيلَةُ، ثُمَّ اشْتَرَى الْبَائِعُ مَا يُوَفي، فَإِنْ فَضَلَ فَلِلْبَائِعِ، وَإِنْ
_________________
(١) في (ن) و(ن ٥): (المبيع) وأشار في هامش (ن) بقوله: (المعيب).
(٢) قوله: (المشتري السالم بحصته) يقابله في (ن ٤): (المشتري حصته).
(٣) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٢٨٩.
(٤) في (ن ٤): (السكة).
(٥) قوله: (وكذلك تعييبه) ساقط من (ن ٥).
(٦) قوله: (ذلك) زيادة من (ن).
[ ٣ / ٦٤٦ ]
نَقَصَ، فَكَالاِسْتِحْقَاقِ. وَجَازَ الْبَيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ إِلَّا مُطْلَقَ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ، وَلَوْ كَرِزْقِ قَاضٍ أُخِذَ بِكَيْلِ، أَوْ كَلَبَنِ شَاةٍ، وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْ نَفْسِهِ، إِلَّا كَوَصِيّ لِيَتِيمهِ. وَجَازَ بِالْعَقْدِ: جُزَافٌ، وَكَصَدَقَةٍ، وَبَيعُ مَا عَلَى مُكَاتَبه مِنْهُ. وَهَلْ إِنْ عُجِّلُ الْعِتْقُ؟ تَأْوِيلانِ. وَإِقْرَاضُهُ، أَوْ وَفَاؤُهُ عَنْ قَرْضٍ، وَبَيعُهُ لِمُقْتَرِضٍ، وَإِقَالَةٌ مِنَ الْجَمِيع، وَإِنْ تَغَيَّرَ سُوقُ شَيْئكَ لا بَدَنهُ: كَسَمْنِ دَابَّةٍ، وَهزَالِهَا، بِخِلافِ الأَمَةِ، وَمِثْلُ مِثْلِيكَ إِلَّا الْعَيْنَ، وَلَهُ دَفْعُ مِثْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِهِ،
(الشرح)
قوله: (وَإِنْ أهلَكَ بَائِع صُبْرَةً عَلَى الْكَيْلِ، فَالمثْلُ تَحَرِّيَا ليُوَفيَهُ ولا خِيَارَ لَكَ) أي وإن أهلك البائع الصبرة المبيعة على الكيل تعديًا لزمه مثلها تحريًا. قال في المدونة: ويوفيكها على الكيل (١) ولا خيار لك في أخذ ثمنك أو الطعام، ثم قال: وإن استهلكها أجنبي غرم مكيلتها إن عرفت، وقبضته على ما اشتريت وإن لم يعرف كيلها أغرمناه للبائع قيمتها عينًا ثم أتبعناه بالقيمة (٢) طعامًا مثله وأوفيناه (٣) له على الكيل (٤) وإلى هذا أشار بقوله: (وَأَجْنَبِيٌّ فَالْقِيمَةُ، إِنْ جُهِلَتِ الْمَكِيلَةُ) أي وإن عرفت غرم مثلها.
قوله: (ثُمَّ اشْتَرَى الْبَائِعُ مَا يُوَفَّى) يريد أن الذي يتولى (٥) شراء ذلك هو البائع.
ابن أبي زمنين: وهو الذي يدل عليه لفظ الكتاب (٦). وقيل: إنما يتولى ذلك الأجنبي. وقيل: المشتري. ويظهر من قوله في المدونة أغرمناه ثم أتبعنا بالقيمة طعامًا، أن (٧) المتولي لذلك إنما هو الحاكم، لأنه هو الملتزم لذلك أو نائبه. ابن يونس: قال بعض أصحابنا إذا (٨) غرم (٩) الأجنبي قيمة تلك الصبرة (١٠) فاشترى مثلها فإن فضل فضلة
_________________
(١) هنا انتهى السقط من (ن ٣).
(٢) قوله: (بالقيمة) ساقط من (ن ٣).
(٣) في (ن): (وأوفيناكه).
(٤) انظر: التهذيب: ٣/ ٧٤.
(٥) في (ن ٣): (ينوي).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٥١٩.
(٧) في (ن ٣): (وإن كان).
(٨) في (ن): (فاذا).
(٩) في (ن ٤): (عرف).
(١٠) قوله: (تلك الصبرة) يقابله في (ن): (ذلك).
[ ٣ / ٦٤٧ ]
لرخص حدث فهي للبائع؛ لأن القيمة له أغرمت ولا ظلم على المشتري إذا أخذ مثل ما اشترى، وإن لم يأخذ (١) فالقيمة لا أقل (٢)، كان ما نقص كالاستحقاق فإن كان كثيرًا فللمشتري فسخ البيع وإن كان يسيرًا سقط عنه حصته وإلى هذا أشار بقوله: (فَإِنْ فَضَلَ فَلِلْبَائِعِ، وإِنْ نَقَصَ، فكَالاسْتِحْقَاقِ).
قوله: (وجَازَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ) أي وجاز من اشترى شيئًا أن يبيعه قبل قبضه من بائعه، ولا يستثنى من ذلك إلا (٣) الطعام وما ذكر معه.
وقد أشار إليه بقوله: (إِلا مُطْلَقَ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ) وأراد بالإطلاق سواء كان (٤) ربويًا أو غيره. ابن شاس: والمشهور أن ذللق خاص بجنس الطعام، وعام فيه فلا يعدوه إلى غيره ولا يقصر على بعضه. وقال (٥) ابن حبيب: أنه يتعدى إلى كل ما فيه حق توفية، وأشار في رواية ابن وهب إلى أن ذلك خاص بما فيه الربا من الأطعمة فقط (٦)، واحترز بـ "طعام المعاوضَة" من القرض والهبة والصدقة، فإنه يجوز بيعه قبل قبضه. وقال في الواضحة: وما يأخذه القضاة والمؤذنون وصاحب السوق من الطعام من باب (٧) المعاوضة يمنع من (٨) بيعه قبل قبضه (٩)، وإليه أشار بقوله: (ولَوْ كَرِزْقِ قَاضٍ) واقتصر في البيان على المنع في أرزاقهم وأرزاق صاحب (١٠) السوق (١١) والكُتَّاب والأعوان والجند الذين يرزقون من الأطعمة (١٢). واحترز بقوله: (أُخِذَ بِكَيْلٍ) من
_________________
(١) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (يوجد).
(٢) في (ن ٣) و(ن ٤): (الأقل).
(٣) قوله: (إلا) ساقط من (ن ٤).
(٤) قوله: (كان) ساقط من (ن).
(٥) في (ن) و(ن ٥): (ورأى).
(٦) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٢١.
(٧) قؤله: (من باب) ساقط من (ن ٣).
(٨) قوله: (من) ساقط من (ن).
(٩) انظر: المنتقى: ٦/ ٢٨١.
(١٠) قوله: (صاحب) زيادة من (ن).
(١١) قوله: (السوق) زيادة من (ن ٥).
(١٢) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٣٥٧.
[ ٣ / ٦٤٨ ]
الجزاف فإن بيعه قبل قبضه يجوز (١) على الأصح. وعن مالك المنع من ذلك، واختلف إذا ابتاع لبن شاة بعينها هل يمنع من بيعه قبل قبضه؟ لأنه في ضمان البائع، وهو قول ابن القاسم أو يجوز وهو قول أشهب نظرًا إلى أنه جزاف (٢)، وإلى الأول أشار بقوله: (أَوْ كَلَبَنِ شَاةٍ).
قوله: (ولَمْ يَقْبِضْ مِنْ نَفْسِهِ) يريد أنه لا يجوز من وكَّل على شراء طعام أو بيعه أن يبيع من نفسه ولا أن يقبضه لنفسه (٣)، ولو أذن له الموكِّل، لأنه لا (٤) يقبض من نفسه لنفسه. قال في المدونة: لأنه بيع الطعام قبل قبضه (٥).
قوله: (إِلا كَوَصَيٍّ ليَتِيمهِ) أي فيجوز للضرورة أن يقبض له من نفسه إذا ابتاع ذلك له، وكذلك يقبض لنفسه منه إذا اشترى منه ذلك.
قوله: (وجَازَ بِالْعَقْدِ جُزَافٌ) أي وجاز العقد بيع جزاف وهو المشهور خلافًا لما في مختصر الوقار. وكذلك يجوز بيع طعام الصدقة قبل قبضه (٦)، وكذلك طعام الهبة، والقرض. ولهذا قال (وكَصَدَقَةٍ).
قوله: (وبَيْعُ مَا عَلَى مُكَاتَبه مِنْه) يريد أنه يجوز للسيد أن يبيع للمكاتب نفسه ما عليه من الكتابة قبل قبضها، يريد وإن لم يأتِ الأجل، وقاله في المدونة، قال فيها: ولا يجوز بيع ذلك من أجنبي حتى يقبضه (٧). وقال ابن حبيب: إلا أن يكون تافهًا يسيرًا (٨)، قاله مالك في المدونة قال: ولا يجوز أن يبيع (٩) من الكتابة (١٠) نجمًا قبل قبضه، وإنما يجوز أن
_________________
(١) قوله: (يجوز) زيادة من (ن).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٧٠.
(٣) في (ن) و(ن ٣): (من نفسه).
(٤) قوله: (لا) زيادة من (ن).
(٥) انظر: التهذيب: ٣/ ٧٤.
(٦) قوله: (ن ٤) ساقط من (قبل قبضه).
(٧) انظر: التهذيب: ٣/ ٧٠.
(٨) انظر: المنتقى: ٦/ ٢٧٥.
(٩) قوله: (بيع ذلك من أجنبي ولا يجوز أن يبيع) ساقط من (ن ٥).
(١٠) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (المكاتب).
[ ٣ / ٦٤٩ ]
يبيع جميع ما عليه. فيجوز (١) لحرمة العتق، وقاله سحنون (٢).
وقيل: يجوز (٣) وإن لم يتعجل عتقه، لأن الكتابة ليست بدين ثابت في الذمة (٤)، واختلف على أي القولين يحمل مذهب (٥) ابن القاسم ولهذا قال: (وهَلْ إِنْ عُجِّلَ الْعِتْقُ تَأْوِيلان).
قوله: (وَإِقْرَاضُهُ، أو وَفَاؤُهُ عَنْ قَرْضٍ، وبَيْعُهُ لِمُقْتَرِضٍ) اعلم أن الممتنع من بيع الطعام ما يتولى فيه بيعان لا يتخللهما قبض، فلأجل ذلك جاز لمشتري الطعام المكيل إقراضه وتوفيته عن قرض وبيعه قبل قبضه من اقترضه، وعلى هذا فالضمائر الثلاثة راجعة إلى طعام المعاوضة، و"الواو" عاطفة على الجائز، أي وجاز إقراض طعام المعاوضة إلى آخره.
قوله: (وَإِقَالَةٌ مِنَ الجْمِيعِ، وَإِنْ تَغَيَّرَ سُوقُ شَيْئِكَ لا بَدَنَهُ) يريد أنك إذا اشتريت طعامًا يجوز لك أن تقيل من جميعه قبل قبضه وإن تغير سوق شيئك الذي دفعته للبائع ثمنًا لطعامه. وقاله في المدونة قال فيها: إلا أن يحول رأس المال في عينه بنماء أو نقص، من (٦) عور أو عيب فلا تجوز الإقالة حينئذ من الطعام كله أو بعضه، والنماء بمنزلة الصغير يكبر وذهاب بياض العين وصمم الأذن (٧)، فهذا يفيت الإقالة، وكذلك لو كانت دابة فسمنت أو هزلت كل (٨) ذلك مفيت للإقالة (٩) وإليه أشار بقوله: إلا بدنه (١٠) كَسَمْنِ دَابَّةٍ، وهزَالِهَا).
قوله: (بِخِلافِ الأَمَةِ) يريد أن رأس المال لو كان أمة فإن تغيرها في بدنها (١١)، بنماء
_________________
(١) قوله: (فيجوز) ساقط من (ن).
(٢) انظر: التهذيب: ٣/ ٧٠.
(٣) قوله: (وقيل: يجوز) زيادة من (ن ٥).
(٤) قوله: (في الذمة) ساقط من (ن) و(ن ٥).
(٥) في (ن ٤): (قول).
(٦) في (ن ٥): (لا من).
(٧) قوله: (وصمم الأذن) يقابله في (ن): (صم الأذنيين).
(٨) في (ن ٥): (كان).
(٩) انظر: المدونة (صادر): ٩/ ٧٣، وما بعدها.
(١٠) قوله: (لا بدنه) زيادة من (ن ٥).
(١١) قوله: (في بدنها) ساقط من (ن).
[ ٣ / ٦٥٠ ]
أو نقصان لا يفيت الإقالة. وقاله في المدونة وفرق بأن الأمة لا تشترى لشحمها بخلاف الدابة (١). وقال يحيى بن يحيى: الحكم سواء لا يجوز فيهما (٢). ابن يونس: وهو الصواب.
قوله: (ومِثْلُ مثليك (٣» هو معطوف على قوله: (لا بَدَنَهُ) والمعنى أن الإقالة لا تجوز مع تغير رأس المال في بدنه، ولا تجوز على أن تأخذ مثل مثليك (٤) وإنما تجوز على أخذه بعينه. وقاله في المدونة وزاد لأن ذلك يراد (٥) لعينه. وفيها: وإن أسلمت في طعام أو غيره، ثم أقالك قبل التفرق ودراهمك بيده، فأراد أن يعطيلث غيرها مثلها، فذلك له وإن كرهت شرطت استرجاعها بعينها أم لا (٦) وإلى هذا أشار بقوله: (إِلا الْعَيْنَ، فلَهُ دَفْعُ مِثْلِهَا، وإِنْ كَانَتْ بِيَدِهِ). ابن يونس: لأنه لما قبضها صارت في ذمته، فإذا أعطاك غيرهما لم لطلمك، يريد وكذلك في البيع الناجز. ابن يونس: ومن غير المدونة لابن القاسم كذلك (٧)، ثم رجع وقال: له أخذ دراهمه إن اشترطها (٨). قال: وهذا أحسن لقوله - ﷺ -: "المسلمون عند شروطهم" وإذًا قد يكره مال البائع ويرغب في دراهمه لحلها فله شرطه.
(المتن)
وَالإِقَالَةُ بَيْعٌ إِلَّا فِي الطَّعَامِ وَالشُّفْعَةِ وَالْمُرَابَحَةِ، وَتَوْلِيَة وَشِرْكَةٌ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَنْ يَنْقُدَ عَنْكَ، وَاسْتَوَى عَقْدَاهُمَا فِيهِمَا، وَإِلَّا فَبَيعٌ كَغَيْرِهِ، وَضَمِنَ الْمُشْتَرَى الْمُعَيَّنَ، وَطَعَامًا كِلْتَهُ وَصَدَّقَكَ، وَإِنْ أَشْرَكَهُ حُمِلَ إِنْ أَطْلَقَ عَلَى النِّصْفِ، وَإنْ سَأَلَ ثَالِثٌ شَرِكَتَهُمَا، فَلَهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ وَلَّيْتَ مَا اشْتَرَيْتَ بِمَا اشْتَرَيْتَ: جَازَ، إِنْ لَمْ تُلْزِمْهُ، وَلَهُ الْخِيَارُ، وَإنْ رَضِيَ بِأَنَّهُ عَبْدٌ ثُمَّ عَلِمَ بِالثَّمَنِ فَكَرِهَه، فَذَلِكَ لَهُ،
_________________
(١) انظر: المدونة، دار صادر: ٩/ ٧٣، وما بعدها.
(٢) قوله: فيهما) زيادة من (ن ٥).
(٣) في (ن ٤): (شيئك).
(٤) في (شيئك): (ن ٤).
(٥) في (ن) و(ن ٥): (يباع).
(٦) انظر: المدونة، دار صادر: ٩/ ٧٣، وما بعدها.
(٧) قوله: (كذلك) ساقط من (ن) و(ن ٥).
(٨) قوله: (إن اشترطها) ساقط من (ن) و(ن ٥).
[ ٣ / ٦٥١ ]
وَالأَضْيَفُ: صَرْفٌ، ثُمَّ إِقَالَةُ طَعَامٍ، ثُمَّ تَوْلِيَةٌ، وَشِرْكَةٌ فِيهِ، ثُمَّ إِقَالَةُ عُرُوضٍ، وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدِّينِ، ثُمَّ بَيْعُ الدَّيْنِ، ثُمَّ ابْتِدَاؤُهُ.
(الشرح)
قوله: (والإِقَالَةُ بَيْعٌ إِلا فِي الطَّعَامِ وَالشُّفْعَةِ والْمُرابَحَةِ) تصوره واضح (١) وسيأتي الكلام (٢) في الإقالة في المرابحة، والكلام على الإقالة في (٣) الشفعة.
قوله: (وتَوْلِيَةٌ وشِرْكَةٌ) هو معطوف على الجائز والمعنى أن التولية وهي أن يولي ما اشتراه لغيره بالثمن الذي ابتاع به، والشركة وهي: أن يشرك غيره في بعض ما اشتراه ببعض الثمن، جائز يريد لأن ذلك من باب المعروف. ابن حبيب: والإقالة والشركة، والتولية في الطعام، مستخرجة برخصة النبي - ﷺ - من نهيه عن بيعه قبل قبضه (٤). والمشهور في الشركة ما ذكر، وحكى أبو الفرج عن مالك أن الشركة في الطعام قبل قبضه لا تجوز (٥) وقوله: (إِنْ لَمْ يكُنْ عَلَى أَنْ يَنْقُدَ عَنْكَ) هكذا قال مالك ونصه عند ابن يونس، وكل ما اشتريت من جميع العروض والطعام؛ فلا يجوز عند مالك أن تشرك فيه رجلًا قبل قبضك له أو بعدُ على أن ينقد عنك، لأنه بيع وسلف منه لك.
قوله: (واسْتَوَى عَقْدَاهُمَا فِيهِمَا) أي واستوى عقد البيع الأول، وعقد التولية والشركة فيهما أي في الشركة والتولية، ولهذا لا تجوز الشركة إذا كان رأس المال عرضًا لا يكال أو (٦) يوزن. لأنه يرجع إلى القيمة، فيكون من باب بيع الطعام قبل قبضه، وكذلك التولية، ويجوز إذا كان عينًا.
قوله: (وَإِلا فَبيعٌ (٧) كَغَيْرِهِ) أي وإن لم يستوِ العقدان بطلت الرخصة، وكان بيعًا مؤتنفًا فيصح مع قبض المشتري (٨)، ويمنع إن لم يقبض.
_________________
(١) في (ن): (ظاهر).
(٢) في (ن): (خلاف).
(٣) قوله: (في) ساقط من (ن).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤٨.
(٥) في (ن) و(ن ٥): (تصح). وانظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٢٢.
(٦) في (ن): (و).
(٧) في (ن ٣) و(ن ٤)، و(ن): فيبيع).
(٨) قوله: (قبض المشتري) يقابله في (ن): (القبض).
[ ٣ / ٦٥٢ ]
قوله: (وَضَمِنَ الْمُشْتري الْمُعَيَّنَ) يريد أن المشتري يضمن المبيع المعين (١) بالعقد أي الصحيح، فإذا هلك بعد ذلك كانت مصيبته منه، وأشار بقوله: (وطَعَامًا (٢) كِلْتَهُ وصَدَّقَكَ) إلى مسألة كتاب السلم الثاني من المدونة وهي قوله: وإن أسلمت إلى رجل في مد (٣) حنطة إلى أجل، فلما حل الأجل قلت له: كِلْهُ (٤) في غرائرك أو في ناحية بيتك أو في غرائر دفعتها إليه، فقال بعد ذلك: قد كِلْته وضاع عندي. قال مالك: لا يعجبني هذا. ابن القاسم: وأنا أراه ضامنا للطعام (٥) إلا أن تقوم له بينة على كيله أو تصدقه أنت في الكيل، فيقبل قوله في الضياع، لأنه لما اكتاله صرت أنت قابضًا له (٦).
قوله: (وَإِنْ أَشْرَكَهُ حُمِلَ إِنْ (٧) أَطْلَقَ عَلَى النِّصْفِ) يريد أن المبتاع إذا أشرك غيره تارة يقول له: أشركتك بالنصف، وتارة يقول له: أشركتك فقط، وهو مراده بالإطلاق، ولا كلام في التنصيف (٨) على الوجه الأول، وهو مفهوم من قوله، وأما الوجه الثاني فنص في الجواهر على أنه يحمل أيضا على النصف وهو المنصوص لابن القاسم (٩).
قوله: (وَإِنْ سَأَلَ ثَالِثٌ شَرِكَتَهُما، فَلهُ الثُّلُثُ) أي فإن سأل المبتاع ثالث (١٠) أن يشركه معهما (١١) أيضا ففعل، كان له الثلث، لأن الأصل مع الإطلاق التساوي.
قلت: وهو واضح إن أشركهما معًا، وأما إذا أشركهما (١٢) واحدًا بعد واحد؛ فينبغي أن يختص الأول بالنصف، والثاني بالربع؛ لأن الأول استحق النصف لما (١٣) أشركه،
_________________
(١) قوله: (المعين) ساقط من (ن ٥).
(٢) في (ن ٣): (وطعامك).
(٣) في (ن ٣): (مدي).
(٤) في (ن ٣): (كلها)، وفي (ن ٤): (كل ما).
(٥) قوله: (للطعام) زيادة من (ن ٣).
(٦) انظر: المدونة، دار صادر: ٩/ ٤٢.
(٧) في (ن ٥): (وإن).
(٨) في (ن ٥): (النصف).
(٩) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٢٥.
(١٠) قوله: (ثالث) زيادة من (ن).
(١١) قوله: (يشركه معهما) يقابله في (ن ٣): (يشركهما)، وفي (ن ٤): (يشركه بهما).
(١٢) قوله: (معًا، وأما أشركهما) ساقط من (ن ٥).
(١٣) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (بما).
[ ٣ / ٦٥٣ ]
وبقي النصف الآخر بيده فلما أشرك الثاني دخل معه في النصف (١)؛ فيقسم بينهما نصفين وهذا كله عند الإطلاق، وأما مع التنصيص فلا يعدل عن الجزء المسمى.
قوله: (وَإِنْ وَلَّيْتَ مَا اشْتَريتَ جَازَ، إِنْ لَمْ تُلْزِمْهُ، ولَهُ الخيَارُ) يريد أنك إذا ابتعت شيئًا ثم وليته لآخر بما اشتريته به من الثمن، فإن ذلك جائز، وقاله في المدونة: بشرط (٢) أن يكون على غير الإلزام وله الخيار إذا رأى السلعة وعلم الثمن. قال في المدونة: كان الثمن عينا أو طعامًا، أو حيوانًا أو عرضًا وعليه مثل صفة العرض بعينه أو الحيوان ونحوه، فلو كان على الإلزام امتنع له (٣)، لأنه مخاطرة ومقامرة (٤).
قوله: (وإِنْ رَضِيَ بِأَنَّهُ عَبد ثُمَّ عَلِمَ بِالثَّمَنِ فكَرِهَه، فَذَلِكَ لَهُ) يريد أن المولى ونحوه إذا أخبره المبتاع أن الثمن عبد فرضي ثم علم بأن الثمن غيره فكره ذلك فإن له ذلك.
قوله: (والأَضْيفُ صَرْفٌ، ثُمَّ إِقَالَةُ طَعَام، ثُمَّ تَوْلِيَةٌ، وشَرِكَة فِيهِ، ثُمَّ إِقَالَةُ عُرُوضٍ، وفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدِّيْنِ (٥)، ثُمَّ بَيْعُ الدَّيْنِ، ثمَّ ابْتِدَاؤُهُ) يريد أن أضيق الأبواب في منع التأخير الصرف، ثم الإقالة في الطعام إلى آخر ما ذكر، وقاله ابن محرز (٦).
وقال محمد: في بيع الدين لا بأس أن يتأخر ثمنه (٧) اليوم واليومين (٨) والثلاث (٩). اللخمي: والمعروف أن الإقالة أوسع من الصرف، والتولية وبيع الدين أوسع من الإقالة، لأنه يجوز (١٠) تأخير الإقالة يومين وثلاثة بشرطٍ بغير خلاف، واختلف هل يجوز مثل ذلك في التولية وبيع الدين أو لا، واختلف في الإقالة (١١) إذا
_________________
(١) في (ن) و(ن ٥): (نصفه).
(٢) في (ن): (فشرط).
(٣) قوله: (له) زيادة من (ن ٥).
(٤) انظر: التهذيب: ٣/ ٦٨.
(٥) قوله: (الدِّيْنِ فِي الدَّيْنِ) يقابله في (ن): (الدين بالدين).
(٦) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٣٦.
(٧) في (ن): (عنه).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ١٣٩.
(٩) قوله: (الثلاث) زيادة من (ن).
(١٠) في (ن ٥): (لا يجوز).
(١١) قوله: (واختلف في الإقالة) ساقط من (ن ٣).
[ ٣ / ٦٥٤ ]
وقع التأخير (١) فيها بغير شرط على ثلاثة أقوال: ومذهب المدونة المنع (٢). وفرق أشهب بين أهل العينة فتفسخ الإقالة، وبين غيرهم فيلح عليه حتى يأخذ (٣).
فصل [في بيع المرابحة]
(المتن)
فَصْلٌ وَجَازَ مُرَابَحَةٌ، وَالأَحَبُّ خِلافُهُ وَلَوْ عَلَى مُقَوَّمٍ. وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إِنْ كَانَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؟ تَأْوِيلانِ. وَحُسِبَ رِبْحُ مَا لَهُ عَينٌ قَائِمَةٌ. كَصَبْغٍ، وَطَرْزٍ، وَقَصْرٍ، وَخِيَاطَةٍ، وَكَمْدٍ، وَفَتْلٍ، وَتَطْرِيَةٍ، وَأَصْلُ مَا زَادَ على الثَّمَنِ: كَحُمُولَةٍ وَشَدٍّ، وَطَيٍّ اعْتِيدَ أُجْرَتُهُمَا، وَكِرَاءِ بَيتٍ لِسِلْعَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يُحْسَبْ، كَسِمْسَارٍ لَمْ يُعْتَدْ، إِنْ بَيَّنَ الْجَمِيعَ، أَوْ فَسَّرَ الْمَؤُونَةَ فَقَالَ: هِيَ بِمِائَةٍ أَصْلُهَا كَذَا وَحَمْلُهَا كَذَا، أَوْ عَلَى الْمُرَابَحَةِ وَبَيَّنَ كَرِبْحِ الْعَشَرَةِ، أَوْ أَحَدَ عَشَرَ وَلَمْ يُفَصِّلا مَا لَهُ الرِّبْحُ، وَزِيدَ عُشْرُ الأَصْلِ، وَالْوَضِيعَةُ كَذَلِكَ لا أَبْهَمَ: كَقَامَتْ بِكَذَا، أَوْ قَامَتْ بِشَدِّهَا وَطَيِّهَا بِكَذَا وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَهَلْ هُوَ كَذِبٌ أَوْ غِشٌّ؟ تَأْوِيلانِ.
(الشرح)
(وجَازَ مُرَابَحَةٌ) أي: وجاز بيع المرابحة (٤) وهو أن يبيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به وزيادة ربح معلوم يتفقان عليه.
قوله: (والأَحَبُّ خِلافُهُ) أي خلاف بيع المرابحة ولعله اعتمد فيه (٥) على ما حكاه ابن عبد السلام عمن لقيه (٦) أنه يكره للعامة الإكثار منه لكثرة ما يحتاج إليه البائع من البيان (٧) بحال المبيع وبيان (٨) ما دفع من الثمن وبيان ما سومح فيه إذا كان قد سومح، لكن ظاهر كلامه هنا العموم لكل الناس وكراهته ولو مرة وهو مخالف لذلك (٩).
_________________
(١) في (ن ٥): (التراخي).
(٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٣٠٥٣.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ١٣٨.
(٤) قوله: (أي: وجاز بيع المرابحة) ساقط من (ن ٤).
(٥) قوله: (فيه) ساقط من (ن).
(٦) في (ن ٣): (لقيناه).
(٧) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٣٧.
(٨) في (ن): (حال).
(٩) في (ن ٤): (بذلك).
[ ٣ / ٦٥٥ ]
قوله: (ولَوْ عَلَى مُقَوَّمٍ) يريد أن بيع المرابحة يجوز ولو كان الثمن مقومًا كالحيوان ونحوه، فيدفع له (١) المشتري مثل ذلك الحيوان، ويزيده الربح وهو مذهب ابن القاسم، ومنعه أشهب، لأنه يؤدي إلى بيع ما ليس عند الإنسان، إذ يؤول إلى السلم من غير ضرب الأجل (٢) لأن المشتري دخل على أن يدفع للبائع الحيوان الآن وهو مضمون عليه، وذلك عين السلم الحال (٣)، واختلف هل قول ابن القاسم باق على ظاهره. وإليه ذهب اللخمي وتأول حديث: "النهي عن بيع ما ليس عندك" على شيء معين في ملك غيره. وأومأ إليه ابن يونس، أو هو محمول على ما إذا كان المقوم حاضرًا عند المشتري، وإليه ذهب القابسي. وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إِنْ كَانَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؟ تَأْوِيلانِ).
قوله: (وَحُسِبَ رِبْحُ مَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ (٤) كَصَبغٍ، وطَرْزٍ، وقَصْرٍ، وخِيَاطَةٍ، وكَمْدٍ، وفَتْل، وتَطْرِيَةٍ) يعني أن ما أنفق على المبيع وله عين قائمة فإنه يحسب ثمنه وربحه. وهو أجرة الطراز والصبغ، والخياطة، والقصارة وألحق في المدونة بذلك الكمد (٥)، وزاد في المقدمات الفتل (٦). وزاد في المتيطية: التطرية واستغنى الشيخ بذكر "الربح" عن ذكر "الثمن"، لأنه إذا حسب ربح الثمن في هذه الأمور فلأن يحسب ثمنها من باب أول (٧). قال في النكت: فإن كان هو الذي يتولى الطراز والصبغ بنفسه لم يحسب عليه (٨)، ويحسب له الربح لأنه كمن وضع (٩) ثمنًا على
_________________
(١) قوله: (له) زيادة من (ن).
(٢) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٠٤.
(٣) قوله: (الحال) ساقط من (ن).
(٤) قوله: (قَائِمَةٌ) ساقط من (ن ٥).
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٢٣٨. والذي وقفت عليه أن ما بها زيادة "الكمد"، ووجدت في النوادر والزيادات: ٦/ ٣٤٦ الآتي: من كتاب ابن المواز، وابن سحنون، وغيره، عن مالك قال: يحمل على الثمن في المرابحة: القصارة، والخياطة، والصبغ، قال في كتاب ابن حبيب: والفتل، والكماد، والتطرية.
(٦) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٤١٣.
(٧) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٣٨.
(٨) قوله: (عليه) زيادة من (ن).
(٩) في (ن ٥): (وصف له)، وفي (ن): (وصف).
[ ٣ / ٦٥٦ ]
سلعته باجتهاده (١). بعض الأشياخ: وكلامه في المدونة محمول على الاستئجار.
قوله: (وأَصْلُ مَا زَادَ على الثَّمَنِ كَحُمُولَةِ، وشَدٍّ، وَطَيٍّ اعْتِيدَ أُجْرَتُهُما، وكِرَاءٍ بَيْتٍ لِسِلْعَةٍ) أي فإن كان ما يفعل في المبيع يؤثر زيادة فيه، إلا أنه لا عين له قائمة كالأمور التي ذكرها فإن الأصل وهو الثمن يحمسب دون الربح الذي هو فرع عنه، وقيد اللخمي (٢) الحمولة (٣) بأنها تزيد في الثمن. قال: لأن النقل من بلد أرخص إلى بلد أغلى، والمشتري يرغب في ذلك إذا علم. قال: ولو كان سعر البلدين واحدًا لم يحسب وإن كان سعرها (٤) بالبلد الذي وصلت إليه أرخص، وإن أسقط الكراء لم يبع حتى يبين ولو لم (٥) يحسب للحمل ربح (٦)، واستحسنه المازري إذا حملها البائع وهو عالم أنه لا ربح له فيه، وأشار بقوله: (أُعْتِيدَ أُجْرَتُهُما) إلى أن الشد والطي إن كانت العادة جارية بالاستئجار عليهما فإن حكمهما حكم الحمولة فحسب ثمنها فقط، وإن كانت العادة فقط جارية بالاستئجار (٧) عليهما (٨) لم يحسب شيء من ذلك، والحكم في البيت الذي يكرى إن كان كراؤه (٩) لنفسه والمبتاع (١٠) تبعًا (١١) فلا يحسب في ذلك (١٢) شيء من الكراء ولا ربحه على السلعة وهكذا قيده التونسي والباجي (١٣) وابن رشد (١٤) وإن
_________________
(١) انظر: النكت والفروق لمسائل المدونة والمختلطة: ٢/ ٤٥.
(٢) قوله: (اللخمي) زيادة من (ن ٥).
(٣) في (ن ٣) و(ن ٤): (المحمولة).
(٤) في (ن ٤): (سعرهما).
(٥) قوله: (ولو لم) يقابله في (ن) و(ن ٥): (ولم).
(٦) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٥٨٦.
(٧) قوله: (فقط جارية بالاستئجار) يقابله في (ن): (عدم الاستئجار).
(٨) في (ن ٣): (لهما).
(٩) في (ن): (أكري).
(١٠) في (ن): (المتاع).
(١١) قوله: (تبعًا) ساقط من (ن ٥).
(١٢) قوله: (في ذلك) زيادة من (ن).
(١٣) انظر: المنتقى: ٦/ ٤٠٨ و٤٠٩، والتوضيح: ٥/ ٥٣٩.
(١٤) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٤١٣.
[ ٣ / ٦٥٧ ]
أكراه للمبتاع (١) خاصة، فإن الكراء يحسب دون الربح. وهكذا نص عليه محمد (٢) ولهذا قال: (وكِرَاءِ بَيْتٍ لِسِلْعَةٍ).
قوله: (وَإِلا لَمْ يُحْسَبْ، كَسِمْسَارٍ لَم يُعْتَدْ) أي وإن لم يكن ذلك مؤثرًا في المبيع زيادة ولا له عين قائمة فإن ذلك لا يحسب ربحه ولا غيره، وهو مذهب الموطأ (٣) والمدونة (٤) والمراد بـ "السمسار" هنا الجلاس كما يفعل سماسرة الإسكندرية، وأما متولي (٥) البيع فإن أجرته (٦) كالثمن وهو على البائع وكثير من الناس من يتولى الشراء لنفسه. ولهذا قال ابن المواز: إلا أن يكون المبتاع مما جرت به العادة أنه لا يشترى مثله إلا بواسطة أو سمسار فيحسب حينئذ أجرته في الثمن دون الربح أي وإن جرت العادة أن مثله يشترى بلا واسطة سمسار فلا يحسب شيء وإليه أشار بقوله: (لَمْ يُعْتَدْ) وذهب عبد الوهاب (٧)، واختاره ابن محرز إلى أن ما أخذه السمسار يحسب مع ربحه (٨).
قوله: (إِنْ بَيَّنَ الْجمِيعَ، أَوْ فَسَّرَ الْمَؤُونَةَ فَقَالَ: هِيَ بِمائَةٍ أَصْلُهَا كَذَا وحَمْلُهَا كَذَا) يريد أن ما ذكر أنه يحسب ثمنه وربحه أو ثمنه فقط مقيد بما إذا بين البائع جميع ذلك فقال: اشتريتها بكذا وأجرة (٩) صبغها أو قصارتها أو خياطتها كذا أو يفسر الؤونة فقال: قامت على بمائة مثلًا أصلها كذا وحملها كذا ونحوه. وإليه ذهب سحنون، وظاهر الموطأ، وهو قياس قول ابن القاسم، وقال محمد، وابن حبيب: لا يلزمه البيان واختاره التونسي (١٠). وقد بسطنا القول على هذه المسألة في الكبير فانظره (١١).
_________________
(١) في (ن) و(ن ٤): (للمتاع).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٤٦.
(٣) انظر: الموطأ: ٢/ ٦٦٨.
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٢٣٨، والتهذيب: ٣/ ٢٠١.
(٥) قوله: (وأما متولي) يقابله في (ن ٣): (وليس مرادهم. تولي).
(٦) في (ن ٣): (أخذه).
(٧) انظر: المعونة: ٢/ ٩٠.
(٨) انظر: الذخيرة: ٥/ ١٦٢.
(٩) في (ن): (وصرفت).
(١٠) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٣٧٥، والمقدمات الممهدات: ١/ ٤١٤، والتوضيح: ٥/ ٥٤٠.
(١١) قوله: (فانظره) ساقط من (ن).
[ ٣ / ٦٥٨ ]
قوله: (أَوْ عَلَى الْمُرابَحَةِ وبَيَّن كَرِبْحِ الْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ وَلَمْ يُفَصِّلا مَا لَهُ الرِّبْح) هذا نوع من أنواع المرابحة وهو: أن يبيع السلعة بمرابحة وبين مقدار الربح فيقول: أبيعكها بربح العشرة؛ أحد عشر ويقول المشتري اشتريتها منك بربح العشرة أحد عشر من غير أن يفصلا ما له الربح من غيره.
قوله: (وزِيدَ عُشْرُ (١) الأَصْلِ) أي في المثال الذي ذكره وهو ربح العشرة أحد عشر، وأما في قوله: (بربح (٢) العشرة) اثني عشر فيزا د خمس الأصل، وعلى هذا قوله: (والْوَضِيعَةُ كَذَلِكَ) فيأخذ عن كل أحد عشر عشرة بحسب ما سمى.
وقاله بعض المتأخرين وقال بعضهم: تقسم العشرة على أحد عشر (٣) جزءًا فيحط ذلك الجزء من الثمن وعلى ذلك قوله: (لا أَبْهَمَ كَقَامَتْ بِكَذَا، أَوْ قَامَتْ بِشَدِّهَا وطَيِّهَا بِكَذَا أو لَمْ يُفَصِّلْ) أي فإن البيع على هذا الوجه فاسد للجهل بما يحسب ثمنًا مما يحسب ربحًا (٤) أو لا يحسب. اللخمي: ويختلف إذا باع ولم يبين، فأصل ابن القاسم أنها مسألة غش ولا يلزم المبتاع وإن حط ذلك (٥) القدر، وهل مذهب سحنون هي مسألة كذب، فإن حط عنه ذلك القدر لزمه (٦)، وفي المدونة إن ضرب الربح على الحمولة ولم يبين ذلك، وقد فات المبيع (٧) بتغير سوق أو بدن حسب ذلك في الثمن، ولم بجسب له ربحًا (٨) وإن أيفت رد البيع (٩) إلا أن يتراضيا على ما يجوز (١٠). واختلف بعد الفوت هل هي مسألة غش؟ وهو تأويل أبي عمران على المدونة وإليه نحا (١١) التونسي
_________________
(١) في (ن ٣): (نصف عشر).
(٢) في (ن ٥): في ربح).
(٣) قوله: (عشرة بحسب ما سمى أحد عشر) ساقط من (ن ٣).
(٤) قوله: (ثمنًا مما يحسب ربحًا) يقابله في (ن ٥): (ثمنها كما يحسب ربحها).
(٥) في (ن): (عنه).
(٦) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٥٨٦ و٤٥٨٧.
(٧) في (ن ٣): (المتاع)، وفي (ن ٥): (المبتاع).
(٨) في (ن): (ربح).
(٩) في (ن): (المبيع).
(١٠) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٠٢.
(١١) قوله: (وإليه نحا) ساقط من (ن ٣).
[ ٣ / ٦٥٩ ]
والباجي وابن محرز وأنكره ابن لبابة، وقيل: هي مسألة كذب لأنه زاد في الثمن ما لا يحسب فيه، وحمله الربح على ما لا (١) يحسب حمله، وهو مذهب سحنون في كتابه، وقول (٢) ابن عبدوح. وفسر به بعضهم المدونة. وإلى هذا وما قبله (٣) أشار بقوله: (وهَلْ هُوَ كَذِبٌ أَوْ غِشٌّ؟ تَأْوِيلانِ) (٤).
(المتن)
وَوَجَبَ تَبْيِينُ مَا يكْرَهُ كَمَا نَقَدَهُ وَعَقَدَهُ مُطْلَقًا وَالأَجَلِ، وَإِنْ بِيعَ عَلَى النَّقْدِ وَطُولِ زَمَانِهِ وَتَجَاوُزِ الزَّائِفِ وَهِبَةٍ إِنِ اعْتِيدَتْ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بَلَدِيَّةً أَوْ مِنَ التَّرِكَةِ وَوِلادَتِهَا. وَإِنْ بَاعَ وَلَدَهَا مَعَهَا وَجَذِّ ثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ، وَصُوفٍ تَمَّ، وَإِقَالَةِ مُشْتَريهِ، إِلَّا بِزِيَادَة أَوْ نَقْصٍ، وَالرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ وَالتَّوْظِيفِ وَلَوْ مُتَّفِقًا؛ إِلَّا مِنْ سَلَمٍ لا غَلًّةِ رَبْعٍ: كَتَكْمِيلِ شِرَائِهِ؛ لا إِنْ وَرِثَ بَعْضَهُ، وَهَلْ إِنْ تَقَدَّمَ الإِرْثُ، أَوْ مُطْلَقًا؛ تَأْوِيلانِ.
(الشرح)
قوله: (ووَجَبَ تَبْيِينُ مَا يَكْرَهُ) أي ما يكره المبتاع ويقل رغبته في الشراء وهذا ليس خاصًّا بالمرابحة بل هو كذلك في كل بيع.
قوله: (كَما نَقَدَهُ وعَقَدَهُ مُطْلَقًا) أي كتبيين ما نقده في السلعة من ذهب أو فضة وعقده عليها مطلقًا فإذا اشترى بذهب ونقد فضة أو بالعكس وباع مرابحة على ما عقد وجب بيان ما نقده، وإن باع على ما نقد فهل يجب بيان ما عليه عقد أم لا قولان، وإن اشترى بذهب أو فضة ونقد عرضًا مقومًا فلا يبيع على ما نقد حتى يبين وإن باع على ما عقد (٥) فلابد من بيان ما نقد، وقاله في المدونة، وهو ظاهر المذهب (٦).
وقال محمد: يجوز وإن لم يبين. وإن نقد عرضًا مثليًّا طعامًا أو غيره فظاهر المدونة على ما قاله اللخمي والقاضي: وجوب التبيين. وفي كتاب محمد: يجوز له أن يبيع على ما نقد وإن لم يبين في العين والمكيل والموزون والعروض (٧)، وتأول فضلٌ المدونةَ عليه
_________________
(١) قوله: (لا) ساقط من (ن ٣).
(٢) في (ن ٣): (وقال).
(٣) قوله: (وما قبله) ساقط من (ن ٤).
(٤) انظر: المنتقى: ٦/ ٤٠٩ - ٤١٥، والنوادر والزيادات: ٦/ ٣٤٧ و٣٤٨، والتوضيح: ٥/ ٥٤٢.
(٥) قوله: (حتى يبين وإن باع على ما عقد) ساقط من (ن ٤).
(٦) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٠٣ و٢٠٤.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٦٠.
[ ٣ / ٦٦٠ ]
وعلى هذا فقوله: (مطلقًا) راجع إلى تبيين العقد والنقد قوله: (والأجل) وإن بيع على النقد (١) أي ويجب عليه أن يبين في المرابحة الأجل، لأن له حصة من الثمن ويختلف الثمن بقربه وبعده وفي المدونة إن لم يبين رد المبيع (٢) أي إذا اختار المبتاع الرد (٣) ولم تفت السلعة (٤). أبو محمد وهو قول ابن حبيب، وقيل: يفسخ وإن رضي المبتاع بالنقد وإن لم تفت. ابن يونس: وهو ظاهر المدونة. ويحتمل أن يريد بقوله: (وإِنْ بِيعَ عَلَى النَّقْدِ) هذا الذي ذكره في المدونة ويحتمل أن يريد إذا وقع البيع الأول على النقد من غير تأجيل ثم تراضيا على التأجيل ونص عليه في المدونة.
قوله: (وطُولِ زَمَانِهِ) أي ولا يكتفى بقوله: "اشتريتها إلى أجل"، لأن الأجل يقل ويكثر ولابد من بيان قدره وهذا مذهب المدونة ونحوه في العتبية (٥).
قوله: (وتَجَاوُزِ الزَّائِفِ) أي وهكذا يجب عليه إذا باع مرابحة أن يبين ما تجاوز عنه من الزائف أو الرديء عند العقد وما حط عنه من الثمن أو مسامحة البائع فيه إذا كانت الحطيطة مما يشبه حطيطة البيع (٦) وهو مراده بقوله: (وهِبَةٍ إِنِ اعْتِيدَتْ) ومثله في المدونة (٧).
قوله: (وأَنَّهَا لَيْسَتْ بَلَدِيَّةً) أي يجب عليه إذا كانت السلعة غير بلدية أن يبينها للمبتاع إذا أراد أن يبيعها يريد إذا كانت البلدية أجود من غيرها، فلو كانت غير البلدية أجود وجب أيضًا بيان البلدية.
قوله: (أَوْ مِنَ التَّرِكَةِ) أي وكذلك إذا كانت السلعة من التركة وأراد بيعها مرابحة، فلابد من بيان كونها من سلع الميراث، لأن الناس كثيرًا ما يمتنعون (٨) من الشراء في
_________________
(١) قوله: (وإن بيع على النقد) زيادة من (ن ٣).
(٢) في (ن): (البيع).
(٣) قوله: (الرد) ساقط من (ن ٥).
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٢٤١.
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٢٤١ و٢٤٢، والبيان والتحصيل: ٨/ ٣٧٣.
(٦) قوله: (حطيطة البيع) زيادة من (ن).
(٧) انظر: المدونة: ٣/ ٢٤٢، وتهذيب المدونة: ٣/ ٢٠٤.
(٨) قوله: (إذا كانت السلعة من التركة يمتنعون) ساقط من (ن ٣).
[ ٣ / ٦٦١ ]
مثل ذلك، فإذا ذكر ذلك للمبتاع ودخل عليه فلا كلام، وإن لم يبينه كان غشًّا.
قوله: (ووِلادَتِهَا وإِنْ بَاعَ وَلَدَهَا مَعَهَا) أي وكذلك لا بد من بيان ولادة الأمة إذا ولدت عنده، أو الدابة ونحوها، وإن باع ولدها معها لأن حدوث الولد عنده عيب، وطول إقامتها (١) عنده إلى أن ولدت غش وخديعة، وما نقصها التزويج والإولاد من قيمتها كذب في الثمن قاله في المقدمات (٢).
قوله: (وجَدِّ ثمَرَةٍ أُبِّرَتْ وصُوفٍ تَمَّ) أي وكذلك يجب عليه أن يبين ما جده من ثمرة اشتراها مع أصلها مأبورة إذا أراد أن يبيع أصلها مرابحة. وكذلك إذا جز الصوف وقد كان يوم الشراء تام فلابد من بيانه لأنه إذا كان تامًّا يومئذ صار له حصة من الثمن وقاله في المدونة (٣).
قوله: (وإِقَالَةِ مُشْتَرِيهِ، إِلا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ) الضمير فيه راجع إلى بيع المرابحة.
والمعنى أن من ابتاع شيئا ثم باعه مرابحة، ثم أقال مشتريه منه لم يبعه مرابحة حتى يبين ذلك. وقاله في المدونة إلا أن يقع التقايل (٤) بزيادة أو نقصان فلا يحتاج إذا باع حينئذ مرابحة إلى بيان على المشهور، وهو مذهب المدونة (٥) لأن الخلاف في الإقالة هل هي حل بيع أو ابتداء بيع إنما هو إذا كانت على مثل الثمن الأول، وأما مع الزيادة والنقص فهي ابتداء بيع وقال ابن حبيب: لا يبيع حتى يبين. وقاله مالك، وقتادة (٦).
قوله: (والرُّكُوبِ واللُّبْسِ) أي فإن باع ذلك مرابحة فلابد أن يبين أنه ركب الدابة، ولبس الثوب وقيد الركوب في المدونة بكونه فيالسفر، أبو الحسن الصغير: ومعنى ذلك إذا كان الركوب واللبس مما ينقص الدابة أو الثوب (٧).
قوله: (والتَّوْظِيفِ) أي وهكذا يجب عليه بيان ذلك، ومعناه إذا اشترى سلعًا
_________________
(١) في (ن ٤): (الإقالة).
(٢) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٤١٩.
(٣) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٠٣.
(٤) في (ن): (يتقايل).
(٥) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٠٧، وما بعدها.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٦٠.
(٧) قوله: قوله: "والرُّكُوبِ واللُّبْسِ" أي مما ينقص الدابة أو الثوب) ساقط من (ن ٣).
[ ٣ / ٦٦٢ ]
متعددة صفقة واحدة وبوب على كل سلعة منها ثمنًا ولا إشكال في ذلك إذا اختلفت الصفة (١)، وأما مع اتفاقها فقال سحنون: لابد من البيان. وقال ابن نافع: لا يحتاج إلى ذلك. وقال ابن القاسم في المدونة: إن حصلت الصفقة للبائع من بيع فلابد من البيان وإن حصلت له من سلم فلا يحتاج إلى ذلك (٢). وإليه أشار بقوله: (ولَوْ مُتَّفِقًا إِلا (٣) مِنْ سَلَمٍ).
قوله: (لا غَلَّةِ رَبْعٍ) أي فإنه لا يحتاج إلى بيان غلته إذا باعه مرابحة، لأنه لا يتغير بالاستعمال (٤) ومثله الأرض وما اتصل كل بها من البناء والشجر.
قوله: (كَتكْمِيلِ شِرَائِهِ) أي مراده أنه إذا ابتاع جزءًا شائعًا من سلعة، ثم ابتاع من شَريكه بقيتها (٥) فإن له بيعها مرابحة من غير تبيين، وقاله غير واحد من الأشياخ. ابن بشير: وفيه نظر لأنه قد يزيد لأجل حصول السلعة عنده وتكميلها له (٦) والمشتري لا يرتضي مثل ذلك إذا علم فلا ينبغي له أن يبيع حتى يبين (٧).
قوله: (لا إِنْ وَرِثَ بَعْضَهُ) أي فإن حصل له بعض المبيع بإرث وبعضه بشراء، فلا يبيع مرابحة حتى يبين، وقاله في المدونة (٨). واختلف الأشياخ هل يلزمه ذلك مطلقًا تقدم الإرث أو تأخر. وإليه ذهب أبو بكر بن عبد الرحمن وإنما ذلك إذا تقدم الإرث، لأنه يزيد في الثمن ليحصل له جميع السلعة بخلاف العكس وإليه ذهب أبو الحسن القابسي (٩) وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وهَلْ إِنْ تَقَدَّمَ الإِرْثُ، أَوْ مُطْلَقًا؟ تَأْوِيلانِ).
_________________
(١) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (الصفقة).
(٢) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٠٦، والتوضيح: ٥/ ٥٤٥.
(٣) في (ن ٥): (لا).
(٤) في (ن): (بالاستغلال).
(٥) في (ن ٤) و(ن ٥): (بقيمتها).
(٦) قوله: (له) ساقط من (ن ٥).
(٧) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٤٤ و٥٤٥.
(٨) انظر: المدونة: ٣/ ٢٤٤.
(٩) انظر: الذخيرة: ٥/ ١٧٦.
[ ٣ / ٦٦٣ ]
(المتن)
وَإِنْ غَلِطَ بِنَقْصٍ وَصُدِّقَ، أَوْ أَثْبَتَ: رَدَّ، أَوْ دَفْعَ مَا تَبَيَّنَ وَرِبْحَهُ، وَإِنْ فَاتَتْ خيِّرَ مُشْتَرِيهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ، وَرِبْحِهِ أَوْ قِيمَتِهِ يَوْمَ بَيْعِهِ، مَا لَمْ تَنْقُصْ عَنِ الْغَلَطِ وَرِبْحِهِ، وَإِنْ كَذَبَ: لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ إِنْ حَطَّة، وَرِبْحَهُ بِخِلافِ الْغِشِّ فَإِنْ فَاتَتْ، فَفِي الْغِشِّ أَقَلّ الثمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ، وَفِي الْكَذِبِ: خُيِّرَ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَرِبْحِهِ، أَوْ قِيمَتِهَا؛ مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْكَذِبِ وَرِبْحِهِ. وَمُدَلّسُ الْمُرَابَحَةِ كَغَيْرِهَا.
(الشرح)
قوله: (وَإِنْ غَلِطَ بِنَقْصٍ وصُدِّقَ، أو أَثْبَتَ رَدَّ، أَوْ دَفَعَ مَا تبَين ورِبْحَهُ (١) يريد أن البائع في المرابحة إذا غلط في الثمن بنقص وصدقه المبتاع، أو ثبت ذلك ببينة فإن المبتاع يخير بين أن يرد المبيع، أو يدفع الثمن الذي تبين له وربحه (٢).
قوله: (وإِنْ فَاتَ خُيِّرَ مُشْتَرِيهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ، ورِبْحِهِ أو قِيمَتِهِ يَوْمَ بَيْعِهِ، مَا لَمْ يَنْقُصْ عنِ الْغَلَطِ (٣) ورِبْحِهِ) يعني فإن فات المبيع والمسألة بحالها خُير مشتريه بين أن يعطى الثمن الصحيح وربحه أو قيمته ما لم ينقص عن الثمن المغلوط فيه وربحه، واعتبار القيمة على مذهب المدونة يوم البيع (٤) كما قال هنا وفي الموطأ يوم القبض (٥).
قوله: (وَإِنْ كَذَبَ لَزِمَ الْمُشْتَرِي، إِنْ حَطّه (٦)، ورِبْحَهُ) أي فإن كذب البائع فزاد في الثمن الأول، بإخباره (٧) وباع مرابحة ثم لما اطلع المشتري على ذلك حط عنه البائع ذلك الذي كذب به أي الزائد وربحه. لزم المشتري البيع ولا مقال له حينئذ وهذا هو المشهور وقال ابن الماجشون: لا يلزمه ذلك لأن البائع تبين خبث (٨) مكسبه (٩). وقال: إذا جاء متنصلًا من كذبه نادمًا على فعله لزم ذلك المشتري، وإن ظهر عليه فلا يلزمه
_________________
(١) قوله: (وربحه) يقابله في (ن ٣): (يوم تبين ربحه)، وفي (ن ٤): (يوم بيعه ربحه).
(٢) قوله: (تبين له وربحه) يقابله في (ن): (بين له ربحه).
(٣) في (ن ٥): (المغلوط).
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٢٤٩، والتهذيب: ٣/ ٢٠٩.
(٥) الموطأ: ٢/ ٦٦٨.
(٦) في (ن) و(ن ٤): (حط).
(٧) في (ن): (فاختاره).
(٨) قوله: (تبين) ساقط من (ن)، وقوله: (خبث) زيادة من (ن ٤).
(٩) انظر: لباب اللباب: ١/ ١٨١، والتوضيح: ٥/ ٥٤٨.
[ ٣ / ٦٦٤ ]
ذلك ولا خلاف في عدم اللزوم إذا لم يحط البائع الكذب ويخير المبتاع بين الرد والتماسك وهذا كله إذا لم تفت السلعة كما سينبه عليه.
قوله: (بِخِلافِ الْغِشِّ) أي فإن المشتري لا يلزمه البيع وله أن يرد ويأخذ ثمنه أو يتماسك.
قوله: (فإنْ فَاتَتْ، فَفِي الْغِشِّ أَقَلُّ الثمَنِ أو الْقِيمَةِ، وفي الْكَذِبِ خُيِّرَ بَيْنَ الصحِيحِ ورِبْحِهِ أَوْ قيمتها مَا لَمْ تَزدْ عَلَى الْكَذِبِ ورِبْحِهِ) أي فإن فاتت السلعة التي كذب فيها أو غش فإن المبتاع يلزمه في الغش الأقل من الثمن الذي بيعت به أو القيمة، وفي الكذب يخير البائع بين أن يأخذ الثمن الصحيح وربحه (١) أو قيمة السلعة ما لم تزد على الكذب وربحه؛ لأنه قد رضي بالكذب وربحه (٢) فلا يزاد على ذلك (٣) وهو المشهور وعلى (٤) قول عبد الملك إنما تجب القيمة مع الفوات (٥)، وقيل: يلزم المبتاع القيمة يوم القبض إلا أن تكون أكثر من الثمن بالكذب (٦) وربحه فلا يزاد أو تكون أقل من الصحيح وما قابله من الربح فلا ينقص منه.
قوله: (ومُدَلِّسُ الْمُرابَحَةِ كَغَيْرِهَا) يريد أن حكم (٧) التدليس في هذا الباب كحكم (٨) التدليس في غيره. ابن يونس: وإذا هلكت السلعةفي مسألة الزيادة بالثمن قبل القبض كان ضمانها من البائع لأنه قال فيها يشبه (٩) البيع الفاسد.
* * *
_________________
(١) في (ن ٥): (وربحها).
(٢) قوله: (لأنه رضي بالكذب وربحه) ساقط من (ن ٥).
(٣) في (ن ٤): (الكذب).
(٤) في (ن ٥): (على).
(٥) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٤٩.
(٦) قوله: (بالكذب) زيادة من (ن ٥).
(٧) قوله: (حكم) ساقط من (ن).
(٨) في (ن): (حكمه حمكم).
(٩) في (ن): (تشبيه).
[ ٣ / ٦٦٥ ]
تحبير المختصر
وهو الشرح الوسط على مختصر خليل في الفقه المالكي
تأليف
تاج الدين بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز الدميري
المتوفى سنة ٨٠٣ هـ
تحقيق
د. أحمد بن عبد الكريم نجيب د. حافظ بن عبد الرحمن خير
المجلد الرابع
[ ٤ / ١ ]
حقوق الطبع محفوظة لمركز نجيبويه
للمخطوطات وخدمة التراث
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
الطبعة الأولى
١٤٣٤ هـ/٢٠١٣ م
تطلب منشورات مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث من:
ApT ٢٢ - ETG ٢ - IMM ٦ - GHII
Madinati-Sidi Al Bernoussi
Casablanca-Royaume du Maroc
Tel: (+٢١٢) ٦٦٧٨٩٣٠٣٠ - ٦٧٨٨٩٩٩٠٩
****************************************
دار الجيل - الدار البيضاء-المملكة المغربية
Tel: (+٢١٢) ٦٦١١٧٣٥٤٥
**********************************
وحدة (٥٠٥) -برج (أ)
١٦ ش ولي العهد- حدائق القبة- القاهرة
جمهورية مصر العربية
Tel: (+٢٠)٢٢٤٨٧٥٦٩٠ - ١١١٥٥٥٠٠٧١
المكتبة التوفيقية - القاهرة-جمهورية مصر العربية
Tel: (+٢٠)٢٥١٠٠٤٥٦ - ٢٧٨٧٩٥٦٥
Fax: ٢٧٨٧٩٥٦٤
****************************
شركة الكتب الإسلامية؛ لصاحبها محمد محمود ولد جدو ولد مولود-
نواكشط-الجمهورية الإسلامية الموريتانية
Tel: (+٢٢٢)٤٦٤٣٧١٧٨ - ٣٧٢٧٢٧٢٦
****************************
دار النشر الدولي -الرياض
المملكة العربية السعودية
Tel: (+٩٦٦)٥٠٤٢٦٤٩٥٨ - ١٤٦٤٣٥٤٥
*********************************
WWW.najeebawaih.net
dr.a.najeeb@gmail.com
[ ٤ / ٢ ]
فصل [في بيان ما يتناوله البيع وما لا يتناوله]
(المتن)
فَصْلٌ تَنَاوَلَ الْبنَاءُ وَالشَجَرُ: الأَرْضَ، وَتَنَاوَلَتْهُمَا، لا الزَّرْعَ وَالْبَذْرَ، وَمَدْفُونًا، كَلَوْ جُهِلَ، وَلا الشَّجَرُ المَأبُور، أَوْ كثَرُهُ، إِلَّا بِشَرْطٍ كَالْمُنْعَقِدِ، وَمَالِ الْعَبْدِ، وَخِلْفَةِ الْقَصِيلِ، وإنْ أُبِّرَ النِّصْفُ، فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ. وَلِكِلَيهِمَا السَّقْيُ، مَا لَمْ يَضُرُّ بِالآخَرِ، وَالدَّارُ الثَّابِتَ: كَبَابٍ، وَرَفٍّ، وَرَحًا مَبْنِيَّةٍ بِفَوْقَانِيَّتِهَا، وَسُلَّمًا سُمِّرَ، وَفِي غَيْرِهِ: قَوْلانِ.
(الشرح)
قوله: (١) (تنَاوَلَ الْبِنَاءُ والشَّجَرُ الأَرْضَ وتَنَاوَلَتْهُمَا) هكذا ذكره ابن شاس (٢) وغيره ومعناه أن البيع إذا انعقد على البناء والشجر كقوله: بعتك هذا البناء أو هذا الشجر ولم يزد فإنه يتناول الأرض التي هو فيها وكذلك العكس أي: أن الأرض يتناول البناء والشجر القائم بها إذا قال: بعتك الأرض ولم يزد.
قوله: (لا الزَّرْعَ والْبَذْرَ ومَدْفُونًا) أي فلا يتناول الأرض الزرع ولا البذر وما كان مدفونًا فيها من حجارة أو رخام أو أعمدة أو غيرها ويكون للبائع وهو المعلوم من مذهب ابن القاسم، وذهب سحنون وابن حبيب وابن دينار إلى أنها للمشتري وهو ظاهر ما لابن القاسم في العتبية وقيد الخلاف في البيان بالمجهول الذي لا يعلم به (٣). قال: وإن ثبت أن ذلك من متاع البائع أو من متاع من ورثه عنه، فهو له باتفاق وكذلك إن ثبت أن الجب أو البيت الموجودين تحت الأرض كان البائع قد علمه ونسيه، فلا خلاف أن له نقض البيع (٤).
قوله: (كَلَوْ جُهِلَ) إشارة إلى ذلك إلا أن الأحسن لو قال: ومدفونًا إن جهل، وهو قريب.
قوله: (ولا الثمر (٥) الْمأبور، أَوْ أكْثَره، إِلا بِشِرْطٍ) أي فإنه لا يدخل في العقد على
_________________
(١) قوله: (قوله) ساقط من (ن ٣) و(ن ٤)، و(ن).
(٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٢٧ و٧٢٨.
(٣) في (ن): (به).
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٩٣ و٩٤.
(٥) في (ن ٣): (الشجر).
[ ٤ / ٣ ]
النخيل (١) ولا يستحقه المبتاع إلا إذا اشترطه لنفسه (٢)؛ لقوله - ﷺ -: (من ابتاع (٣) نخلًا أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) متفق عليه. والإبار (٤): تعليق طلع الذكر على الأنثى لئلا يسقط ثمرها وهو اللقاح، وقاله في الإكمال (٥). وقال ابن حبيب: هو شق الطلع عن الثمر (٦). ولا إشكال إذا أبر المجموع إلا على ما حكى (٧) عن ابن الفخار، وابن عتاب، أنهما كانا يفتيان باندراج الثمرة وإن أبرت. قالا: لأن الشجر نفسه يندرج بلا شرط فإذا دخلت الأصول فالفروع أولى (٨).
وأما إن أبر الأكثر فالذي عليه الأكثر أنه كالجميع وهو قول مالك، وعنه أيضًا أن المؤبر للبائع إلا بشرط وغير المؤبر للمبتاع (٩).
قوله: (وكَالْمُنْعَقِدِ) أي من ثمر غير النخل فإنه إذا باع الشجر لا يكون للمشتري إلا بالشرط. الباجي: ويعتبر في ذلك أن تبرز جميع الثمرات عن موضعها، وتبرز (١٠) عن أصلها وهي بمنزلة التأبير (١١).
قوله: (ومَالِ الْعَبْدِ) أي فإنه لا يندرج في العقد على العبد للحديث: (من باع عبدًا وله مال ) إلى آخره، وتندرج ثيابه التي عليه. ابن شاس: إذا كانت ثياب مهنة بخلاف ثياب الزينة (١٢).
قوله: (وخِلْفَةِ الْقَصِيلِ) أي وكذلك خلفة القصيل لا تندرج في العقد على (١٣)
_________________
(١) في (ن ٥): (التخيل).
(٢) قوله: (لنفسه) ساقط من (ن ٤).
(٣) في (ن ٥)، و(ن): (باع).
(٤) في (ن): (التأبير).
(٥) انظر: إكمال المعلم: ٥/ ٩٩.
(٦) انظر: المنتقى: ٦/ ١٣٨.
(٧) في (ن ٤): (ذكره).
(٨) زاد في (ن ٣) و(ن ٤): (بهما). وانظر: التوضيح: ٥/ ٥٥٢.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ١٩٥.
(١٠) في (ن): (تتميز).
(١١) انظر: المنتقى: ٦/ ١٣٨.
(١٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٢٨.
(١٣) في (ن ٥): (الأصل).
[ ٤ / ٤ ]
القصيل من غير ذكر خلفته إلا بشرط لأنه كبطن ثان.
قوله: (وإِنْ أُبِّرَ النِّصْفُ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ) أي فيكون المأبور للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وغير المأبور للمبتاع. وعن ابن القاسم أن البائع يقال له إما أن تسلم في (١) جميع الثمرة وإلا فسخ البيع، وإن رضي المبتاع بالنصف. وقال ابن دينار: جميع ذلك للمبتاع (٢). وقيل: إن العقد على ذلك لا يجوز.
قوله: (ولكِلَيْهِما السَّقْيُ، مَا لَمْ يَضُرَّ بِالآخَرِ) أي وحيث حكم للبائع بالثمرة جميعها أو ببعضها على ما تقدم فإن له سقيها ما لم يضر بالمبتاع، وللمبتاع سقي الأصول ما لم يضر بثمرة البائع، وفي المدونة إن السقي على البائع حتى يسلم الأصول لمشتريها (٣)، وقال المخزومي: في بائع النخل دون الثمرة إن السقي على المشتري (٤).
قوله: (والدَّارُ الثَّابِتَ كَبَابٍ، ورَفٍّ، ورَحًا مَبْنيَّةٍ بِفَوْقَانيَّتِهَا) أي والدار تتناول الثابت فإذا وقع العقد عليها اندرج الثابت فيها كالرفوف وبابها والطاقات ونحوها ابن عتاب (٥) وتندرج المطحنة وهي مراده هنا بالرحى.
قوله: (بِفَوْقَانِيَّتِهَا) أي يندرج السفل والفوقانية. وقال ابن العطار: السفلي فقط.
قوله (٦): (وسُلَّمًا سُمِّرَ) أي وأما غير المسمر، فيكون للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، قاله ابن عتاب وقال ابن العطار، وابن زرب هو للمبتاع إلحاقًا له بما سمر (٧) وإلى هذا أشار بقوله: (وفِي غَيْرِهِ قَوْلانِ).
(المتن)
وَالْعَبْدُ، ثِيَابَ مِهْنَتِهِ، وَهَلْ يُوَفَّى بِشَرْطِ عَدَمِهَا وَهُوَ الأَظْهَرُ؟ أَوْ لا: كَمُشْتَرِطٍ زَكَاةً مَا لَمْ يَطِبْ، وَلا عُهْدَةَ وَلا مُوَاضَعَةَ وَلا جَائِحَةَ؟ أَوْ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ لِكَذَا فَلا بَيعَ؟ أَوْ مَا لا غَرَضَ فِيهِ وَلا مَالِيَّةَ وَصُحِّحَ؟ تَرَدُّدٌ. وَصَحَّ بَيْعُ ثَمَرٍ
_________________
(١) قوله: (في) زيادة من (ن).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ١٩٦.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٥٨٩.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ١٩٧.
(٥) قوله: (ابن عتاب) زيادة من (ن ٥).
(٦) قوله: (قوله) ساقط من (ن ٥).
(٧) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٥٦.
[ ٤ / ٥ ]
وَنَحْوِهِ بَدَا صَلاحُهُ؛ إِنْ لَمْ يَسْتَتِرْ، وَقَبْلَهُ مَعَ أَصْلِهِ أَوْ أُلْحِقَ بِهِ، أَوْ عَلَى قَطْعِهِ إِنْ نَفَعَ وَاضْطُرَّ وَلَمْ يُتَمَالأْ عَلَيْهِ، لا عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوِ الإِطْلاقِ، وَبُدُوُّهُ فِي بَعْضِ حَائِطٍ كَافٍ فِي جِنْسِهِ، إِنْ لَمْ تُبَكِّرْ، لا بَطْنٌ ثَانٍ بِأَوَّلَ.
(الشرح)
قوله: (والْعَبْدُ ثِيَابَ مِهْنَتِهِ) قد تقدم هذا بقريب.
قوله: (وهَلْ يُوَفَّى بِشَرْطِ عَدَمِهَا وهُوَ الأَظْهَرُ، أَوْ لا؟) يريد أنه اختلف هل يوفى للبائع إذا اشترطها لنفسه وهو مراده بشرط عدمها، أي عدمها ثياب مهنته (١) للمشتري، فروى عيسى عن ابن القاسم: إنه يوفي له بذلك وصححه ابن رشد، وروى أشهب عن مالك أنه لا يوفى له ذلك، وعلى هذه الرواية يصح البيع ويبطل الشرط (٢).
قوله: (كَمُشْتَرِطٍ زَكَاةً مَا لَمْ يَطِبْ، وَلا عُهْدَةَ وَلا مُوَاضَعَةَ ولا جَائِحَةَ أو إِنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ لِكَذَا فَلا بَيْعَ أَوْ ما لا غَرَضَ فِيهِ ولا مَالِيَّةَ وصحح (٣) تَرَدُّدٌ) اعلم أن المسائل التي قال فيها مالك: بصحة البيع وبطلان الشرط سبع: المسألة التي فرغنا منها، ومثلها من اشترى أرضا بزرعها الأخضر واشترط زكاته على البائع أو اشترى الأمة على أن لا عهدة على البائع فيها، ولا مواضعة أو اشترط ما لا غرض فيه ولا مالية أو اشترى الثمرة واشترط ألا يقام (٤) له بالجائحة وفي السليمانية أنه يوفى له في هذه بالشروط وقيل: فاسد، وقال ابن شهاب: البيع جائز والشرط جائز (٥) واختلف إذا اشترى على أنه إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا وإلا فلا بيع بينهما؛ قيل: يصح البيع دون الشرط، وقيل: يصحان معًا، وقيل: يفسد البيع.
قوله: (وصَحَّ بَيْعُ ثَمَرٍ ونَحْوِهِ بَدَا صَلاحُهُ، إِنْ لَمْ يَسْتَتِرْ) يريد أن بيع الثمر ونحوه (٦) من البقول ونحوها يصح إذا بدا صلاحه، وسواء كانت الثمرة مع أصلها أو مفردة على القطع أو الإبقاء لكِن بشرط ألا يكون مستترًا في أكمامه كالحنطة مجردة عن سنبلها، أو
_________________
(١) قوله: (ثياب مهنته) زيادة من (ن).
(٢) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٢٨٨ و٢٨٩، والتوضيح: ٥/ ٥٥٧.
(٣) قوله (صحح) زيادة من (ن ٤).
(٤) في (ن): (إلا قيام).
(٥) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٥٧.
(٦) قوله: (من البقول ونحوها) ساقط من (ن ٣).
[ ٤ / ٦ ]
الجوز واللوز مجردًا عن قشره على الجزاف.
الباجي: لا خلاف في ذلك (١)، يريد لأنه بيع مغيب.
قوله: (وقَبْلَهُ مَعَ أَصْلِهِ أَوْ أُلْحِقَ بِهِ، أَوْ عَلَى قَطْعِهِ) يعني وقبل بدو الصلاح لا يصح بيعه إلا في موضعين: أن تكون الثمرة قد بيعت مع أصلها أو ألحق به كما (٢) إذا اشترى الأصل وفيه ثمر مأبور وحكم به للبائع فإنه يجوز له شراء تلك الثمرة وهو المشهور وقيل: لا يجوز وعن ابن القاسم جوازه بحدثان (٣) العقد فقط.
يحيى: وحد البعد في ذلك عشرون يومًا (٤). الثاني: أن يشتري الثمرة على القطع، لكن بشروط ثلاثة: الأول: أن ينتفع بذلك، لنهيه - ﷺ - عن إضاعة المال. وإليه أشار بقوله: (إن نفع).
الثاني: أن تدعو الضرورة إلى ذلك، وإليه أشار بقوله: (واضطر).
الثالث: أن لا يتمالأ (٥) عليه أهل البلد، لئلا يعظم الفساد وإليه أشار بقوله: (ولم يتمالأ (٦) عليه).
قوله: (لا على التبقية) أي: فإنه لا يصح.
قوله: (أو الإطلاق) أي وكذا لا يصح البيع إذا وقع على الإطلاق من غير تقييد بقطع ولا غيره وهو المذهب عند العراقيين. الباجي، والمتيطي: وهو المشهور عن مالك. وتأول ابن أبي زيد المدونة عليه. وقال ابن محرز، وعبد الحميد، واللخمي، وغيرهم: إذا لم يشترط تركه إلى إزهائه فهو جائز، وحملوا المدونة على ظاهرها ولم يقيدوها (٧).
_________________
(١) انظر: المنتقى: ٦/ ١٤٨.
(٢) في (ن): (ما).
(٣) في (ن ٥): (بجريان). والصواب هو المثبت (بحدثان). وانظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٣٢٤، والتوضيح: ٥/ ٥٦٠.
(٤) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٦٠.
(٥) في (ن ٤): (يتولى).
(٦) قوله (ولم يتمالأ) يقابله في (ن ٤): (ولم يتولى)، وفي (ن ٥): (وإن لم يتمالأ).
(٧) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٥٩.
[ ٤ / ٧ ]
قوله: (وبُدُوُّهُ فِي بَعْضِ حَائِطٍ كَافٍ) أي فلا يشترط عموم بدو الصلاح في كل الحائط بل يكفي بعضه ولو نخلة وهو المذهب وقيل يشترط عمومه في جميع الحائط.
ابن رشد: وهو أوفق لظاهر الحديث وهو "نهيه - ﷺ - عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها" فالبعض الذي لم يبد صلاحه شمله النهي وبدو صلاح غيره ليس بدوًّا له (١).
وقوله: (فِي جِنْسِهِ) احترازًا مما إذا بدا صلاح جنس آخر فإن غيره لا يباح (٢) بذلك على الصحيح وقال سحنون: إذا كان الذي لم يطب تبعًا جاز (٣).
قوله: (إِنْ لَمْ تُبَكَّرْ) يريد إنما تقدم من جواز بيع الحائط إذ بدا صلاح (٤) بعضه مقيد بما إذا لم تكن النخلة التي بدا صلاحها باكورة.
قوله: (لا بَطْنٌ ثَانٍ بأَوَّلَ) أي فلا يجوز بيع البطن الثاني ببدو صلاح الأول إذا كانت النخلة تطعم بطنين (٥) في العام الواحد وهذا هو المشهور. وقيل: يجوز بناءً على أن البطن الثاني تبع للأول في الصلاح.
(المتن)
وَهُوَ الزَّهْوُّ، وَظُهُورُ الْحَلاوَةِ، وَالتَّهَيُّؤُ لِلنُّضْجِ، وَفِي ذِي النَّوْرِ: بِانْفِتَاحِهِ، وَالْبُقُولِ بِإِطْعَامِهَا وَهَلْ هُوَ فِي الْبِطيخِ الاِصْفِرَارُ؟ أوِ التَّهَيُّؤُ لِلتَّبَطُّخِ؟ قَوْلانِ. وَلِلْمُشْتَرِي بُطُونُ: كيَاسَمِينَ، وَمُقْتَاتٍ. وَلا يَجُوزُ بِكَشَهْرٍ، وَوَجَبَ ضَرْبُ الأَجَلِ إِنِ اسْتَمَرَّ كَالْمَوْزِ، وَمَضَى بَيْعُ حَبٍّ أَفْرَكَ قَبْلَ يُبْسِهِ بِقَبْضِهِ. وَرُخِّصَ لِمُعْيرٍ أَوْ قَائِمٍ مَقَامَهُ، وَإِنْ بِاشْتِرَاءِ الثَّمَرَةِ فَقَطْ، اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ تَيْبَسُ، كَلَوْزٍ لا كَمَوْزٍ، إِنْ لَفَظَ بِالْعَرِيَّةِ وَبَدَا صَلاحُهَا، وَكَانَ بِخَرْصِهَا وَنَوْعِهَا يُوَفِّي عِنْدَ الْجِذَاذِ،
(الشرح)
قوله: (وهُوَ الزَّهُوُّ، وظُهُورُ الحَلاوَةِ، والتَّهَيُّؤُ لِلنُّضْجِ) أي أن بدو الصلاح هو الزهو و(٦) ظهور الحلاوة في الثمرات، والزهو خاص بالثمر، وظهور الحلاوة في غيره ولما
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٣٠٢.
(٢) في (ن): (يباع).
(٣) في (ن): (جازا). وانظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٤٨٥، والتوضيح: ٥/ ٣٦١.
(٤) في (ن ٣): (طلح).
(٥) في (ن ٣): (مرتين).
(٦) قوله: (هو الزهو و) زيادة من (ن ٥).
[ ٤ / ٨ ]
رأى أن الحلاوة (١) لا تعم جميع الثمار لأن بعضها لا يظهر فيه ذلك حتى ينزع (٢) كالموز احتاج إلى قوله: (والتَّهَيّؤ لِلنُّضْجِ) أي إذا نزع من أصله تهيؤًا للنضج.
قوله: (وفِي ذِي النَّوْرِ بِانْفِتَاحِهِ) أي كالورد والياسمين والنسرين ونحوها.
الباجي: وبدو الصلاح فيه أن تنفتح أكمامه ويظهر نوره.
قوله: (والْبُقُولِ بِإِطْعَامِهَا) أي أن ينتفع بها في الحال.
الباجي (٣): بدو صلاح اللفت والجزر والفجل والثوم والبصل إذا استقل ورقه وتم وانتفع به ولم يكن في قلعه فساد، وفي قصب السكر إذا طاب وليس (٤) في قلعه فساد، وفي لوبيا (٥) والفول والحِمَّص إذا يبس، وأما القضب (٦) والقُرط فإذا بلغ أن يرعى دون فساد، وفي القثاء والفقوس أن ينعقد ويوجد له طعم (٧).
قوله: (وهَلْ هُوَ فِي الْبِطِّيخِ الاصْفِرَارُ؟ أَوِ التَّهَيُّؤُ لِلتَّبَطُّخِ؟ قَوْلانِ) أي وهل بدو الصلاح في البطيخ الإصفرار لأنه الغرض المقصود منه، وهو قول ابن حبيب: أو التهيؤ للتبطخ وهو قول أصبغ، وعن أشهب: أن بدو صلاحه أن يؤكل فقوسًا (٨).
قوله: (وللْمُشْتَرِي بُطُونُ كَيَاسِمِينَ، وَمُقْتَاتٍ) يعني أنما يُخلف (٩) مما لا (١٠) يتميز بطونه وله آخر (١١) كياسمين، والورد، والمقاثي، والبطيخ والجميز (١٢) فإن بيعه جائز، ويكون للمشتري جميع بطونه، وقاله مالك وأن تتميز (١٣) بطونه
_________________
(١) قوله: (أن الحلاوة) يقابله في (ن): (ظهور الحلاوة).
(٢) في (ن ٤): (يبرز).
(٣) قوله: (الباجي) ساقط من (ن ٣).
(٤) في (ن): (ولم يكن).
(٥) في (ن): (البر).
(٦) في (ن): (القصب).
(٧) انظر: المنتقى: ٦/ ١٤٣.
(٨) انظر: المنتقى: ٦/ ١٤٣.
(٩) في (ن ٥): (يختلف).
(١٠) قوله: (لا) ساقط من (ن).
(١١) في (ن ٤): (أصل).
(١٢) قوله: (والجميز) زيادة من (ن ٥).
(١٣) قوله: (وأن تتميز) يقابله في (ن ٥)، وفي (ن): (فإن لم تميز).
[ ٤ / ٩ ]
كالقضب (١) والقُرط فلا تدخل خلفته إلا بشرط (٢). ابن حبيب: ولا يجوز اشتراطها إلا في أرض مأمونة كأرض النيل وشبهها وأما المطر فلا (٣).
قوله: (ولا يجوزُ بِكَشَهْرٍ) وهكذا ذكر في المدونة وفي المقدمات (٤)، وعلله باختلاف الحمل فيه بالقلة والكثرة (٥).
قوله: (ووَجَبَ ضَرْبُ الأَجَلِ إِنِ اسْتَمَرَّ كَالْمَوْزِ) أي فإن كان مما يخلف (٦) وتستمر ثمرته في جميع السنة وليست لها غاية كالموز، فلابد في عقد بيعه من ضرب الأجل: كالشهر، والشهرين، والسنة ونحوها. مالك: ويجوز اشتراط خلفته السنتين (٧) وقال ابن نافع: لا يجوز إلا السنة ونحوها (٨).
قوله: (ومَضَى بَيْعُ حَبٍّ أفْرَكَ قَبْلَ يُبْسِهِ بقبضه (٩» هذا كقوله في المدونة أكرهه، فإن وقع وفات فلا أرى أن يفسخ. أبو محمد: معناه أنه يفوت بالقبض ولابن القاسم قول بالفسخ قياسًا على بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وله أيضًا أن ذلك يفوت باليبس (١٠).
قوله: (ورُخِّصَ لِمُعْيرٍ (١١) أوْ قَائِمٍ مَقَامَهُ إلى آخره) يريد أنه رخص لمعير (١٢) الثمرة، وهو واهبها أو من قام مقامه أن يشتريها من المعير وهو الموهوب له بالشروط التي يذكر، ومراده بالقائم مقامه من تنزل بمنزلته بهبة، أو ميراث، أو شراء، فإذا وهب ثمرة أو نخلة أو نخلات من حائط (١٣) لرجل، ثم وهب جميع الحائط لآخر، أو مات
_________________
(١) في (ن): (كالقصب).
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ٥٨١ و٥٨٢.
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٦٢.
(٤) في (ن ٣): (المقتات)، وفي (ن ٤): (المقثاة).
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٥٨١.
(٦) في (ن ٥): (يختلف).
(٧) في (ن): (السنين).
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٦٣.
(٩) قوله: (بقبضه) زيادة من (ن ٥).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ١٨٨ و١٨٩.
(١١) في (ن): (لمعر).
(١٢) في (ن): (لمعر).
(١٣) في (ن ٥): (حائطه).
[ ٤ / ١٠ ]
فورث عنه أو باعه، فإنه يجوز للموهوب له، أو الوارث، والمبتاع شراء الثمرة على ما تقدم.
وقوله: (وَإِنْ بِاشْتِرَاء الثَّمَرَةِ فَقَطْ) إشارة إلى أنه يستوي في ذلك حكم مبتاع الثمرة فقط مع حكم مبتاعها مع الأصل (١).
وقوله: (اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ) أي رخص له في (٢) اشتراء الثمرة التي صارت إلى غيره بالعرية (٣)، وأشار بقوله: (تَيْبَسُ كَلَوْزٍ) إلى أن ذلك ليس مقصورًا على التمر والعنب بل يتعدى الحكم إلى كل ما ييبس ويدخر من الثمرة (٤). ابن شاس: وهي الرواية المشهورة (٥). وقيل: إن ذلك مقصور على التمر والعنب وعلى هذه الرواية قالوا: لو كان البُسر مما لا يتمر والعنب مما لا يزبب، لم يجز شراء العرية منه بخرصها بل يخرج عن محل (٦) الرخصة لعدم العلة (٧)، ولعل هذا مراده بقوله: (لا كَمَوْزٍ).
قوله: (إِنْ لَفَظَ (٨) بِالْعَرِيَّةِ) أي أن شراءها على الوجه المذكور مقيد بما إذا وقعت العطية بلفظ العرية فلو كانت بلفظ الهبة، أو الصدقة، أو المنحة لم يجز على المشهور خلافًا لابن حبيب ومن قال بقوله (٩).
قوله: (وبَدَا صَلاحُهَا) أي صلاح الثمرة المعراة للنهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وهذا الشرط متفق عليه.
قوله: (وكَانَ بِخَرْصِهَا) أي وكان الشراء بخرصها أي كيلها، لما ورد أنه - ﷺ - "رخص في بيع العرايا بخرصها" وعن مالك الجواز بغير الخرص (١٠).
_________________
(١) في (ن) و(ن ٥): (الأصول).
(٢) قوله: في) ساقط من (ن).
(٣) في (ن ٥): (بالعارية).
(٤) في (ن ٣) و(ن ٥): (الثمار).
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٣٢.
(٦) في (ن ٥): (محمل).
(٧) في (ن ٤): (الغلة).
(٨) في (ن ٥): (لفظا).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ١٩٩ و٢٠٠.
(١٠) في (ن ٣): (بغير رخص). وانظر: المدونة: ٣/ ٢٨٤، وما بعدها.
[ ٤ / ١١ ]
قوله: (ونَوْعِهَا) أي وكان الشراء بنوع المعرى أي إن برنيًا فبرني وإن صيحانيًا فصيحاني وهو مذهب المدونة (١).
قوله: (يُوَفّي عِنْدَ الجْذَاذِ) أي وأن يوفى في (٢) ذلك العوض عند الجذاذ، فلا يجوز اشتراط تعجيل القبضَ ولا خلاف فيه، قاله عياض (٣) وفي الواضحة إذا تطوع له بتعجيل الخرص قبل الجداد جاز (٤).
(المتن)
فِي الذمَّةِ، وَخَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأقَلَّ، وَلا يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ مَعَهُ بعَيْنٍ عَلَى الأَصَحِّ، إِلَّا لِمَنْ أَعْرَى عَرَايَا فِي حَوَائِطَ، وكُل خَمْسَةٌ أوسق إِنْ كَانَ بِأَلْفَاظٍ لا بِلَفْظٍ عَلَى الأَرْجَحِ، لِدَفْعِ الضَّرَرِ، أَوْ الْمَعْرُوفِ فَيَشْتَرِي بَعْضَهَا، كَكُلِّ الْحَائِطِ، وَبَيْعِهِ الأَصْلَ. وَجَازَ لَكَ شِرَاء أَصْلٍ فِي حَائِطِكِ بِخَرْصِهِ إِنْ قَصَدْتَ الْمَعْرُوفَ فَقَطْ، وَبَطَلَتْ إِنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَوْزِ. وَهَلْ هُوَ حَوْزُ الأُصُولِ، أَوْ أَنْ يَطْلُعَ ثَمَرُهَا؟ تَأْوِيلانِ.
(الشرح)
قوله: (في الذِّمَّةِ) أي وأن يكون العوض في ذمة المعرى لا في حائط بعينه.
قوله: (وخَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ) أي وأن تكون الثمرة المشتراة خمسة أوسق فأقل وهو المشهور، وعن مالك أن ذلك لا يجوز إلا في أقل من خمسة أوسق (٥)، لأنه المحقق في الحديث والخمسة مشكوك فيها.
قوله: (ولا يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ مَعَهُ بِعَيْنٍ عَلَى الأَّصح (٦» يريد أنه إذا أعراه أكثر من خمسة أوسق، لا يجوز له شراء خمسة أوسق من ذلك بخرصه، والزائد بالدنانير والدراهم، وحكى ابن يونس في ذلك قولين: بالجواز، والمنع، وصوب (٧) عدم (٨) الجواز وكذا صححه غيره كما أشار إليه هنا، وفي قوله: (معه) تنبيه على أنه لو
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٨٧.
(٢) قوله: (في) زيادة من (ن ٥).
(٣) انظر: إكمال المعلم: ٥/ ٩٧، وما قبلها.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٠٠.
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٢٨٤.
(٦) في (ن ٤): (الأرجح).
(٧) قوله: (وصوب) زيادة من (ن).
(٨) في (ن): (عبد الحق).
[ ٤ / ١٢ ]
اشترى مجموع الثمرة بالعين جاز وقاله في المدونة (١).
قوله: (إِلا لِمَن أَعْرَى عَرَايَا في حَوائِط (٢)، وكُل خَمْسَةٌ أوسق إِنْ كَانَ بِأَلْفَاظٍ لا بِلَفْظِ عَلَى الأَرْجَحِ) هذا مستثنى من قوله: (وخمسة أوسق فأقل) وهو أحد الشروط السابقة في جواز شراء العرية (٣)، والمعنى ولا يجوز للمُعري ولا لغيره شراء أكثر من خمسة أوسق بالخرص إلا من أعرى عرايا في حوائط (٤) متعددة في كل حائط منها خمسة أوسق، وقد اختلف في ذلك فذهب القابسي إلى جواز شراء ذلك سواء أعراه له مرة أو مرات (٥) وذهب يحيى بن عمر، وابن أبي زيد وغيرهما: إلى المنع، وهما تأويلان على المدونة. قال ابن الكاتب (٦): إن أعرى (٧) ذلك لرجل في لفظ واحد وعقد واحد فهي عرية واحدة (٨)، ولا يشتري من تلك الحوائط إلا خمسة أوسق فقط، وإن أعراه في أوقات متعددة فحسن هاهنا أن يشتري من كل حائط خمسة أوسق بخرصها، لأنها عرية بعد عرية. قال في التوضيج: ورجح ابن يونس (٩) هذا القول، ولهذا قال (على الأرجح). ولم أره رجحه (١٠) كما قال الشيخ.
قوله: (لِدَفْعِ الضَّرَرِ، أَوْ الْمَعْرُوفِ) أشار بهذا إلى أن علة شراء العرية على الوجه المذكور إنما هو دفع ضرر الشركة، أو لقصد المعروف، وعلل مالك وابن القاسم بهما.
قوله: (١١) (فيشْتَرِي بَعْضَهَا) أي فبسبب العلة المذكورة أو لأجلها يجوز للمُعرى شراء بعض عريته بخرصها وقاله في المدونة وهذا إذا قلنا أن العلة قصد المعروف. وأما
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٨٤.
(٢) قوله: (في حوائط) يقابله في (ن ٤): (من حائط).
(٣) في (ن ٥): (العارية).
(٤) قوله: (وكُل خَمْسَةٌ أوسق إِنْ كَانَ بِأَلْفَاظ عرايا في حوائط) ساقط من (ن ٣).
(٥) انظر: الذخيرة: ٥/ ٢٠٥.
(٦) في (ن ٣) و(ن ٤): (ابن كنانة).
(٧) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (عرى).
(٨) انظر: الذخيرة: ٥/ ١٩٩.
(٩) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٦٨.
(١٠) في (ن ٥): (حجة).
(١١) قوله: (قوله) زيادة من (ن ٥).
[ ٤ / ١٣ ]
إذا قلنا لدفع الضرر فإن شراء بعضها لا يجوز لعدم دفع الضرر، بذلك، لأن المعرى يدخل للحائط لأجل حصته من بقية العرية (١).
وقوله: (كَكُلِّ الْحائِطِ) أي إذا كان جميعه مُعرى، وقاله في المدونة ونصه (٢): ومن أعرى جميع حائطه وهو خمسة أوسق فأدنى؛ جاز له شراء جميعه أو بعضه بخرصه (٣).
قوله: (وبَيْعِهِ الأَصْلَ) يحتمل أن يكون الضمير عائدًا على المعري ويكون من باب إضافة الصدر إلى الفاعل، أو (٤) إلى فاعل الصدر (٥) أو على المعرى ويكون من باب إضافته إلى المفعول، والمعنى أن المعرى يجوز له أن يبيع المعري أصل الثمرة المعراة ونحوه في المدونة (٦).
قوله: (وجَازَ لَكَ شِرَاءُ أَصْلٍ في حَائِطِكَ بِخَرْصِه، إِنْ قَصَدْتَ الْمَعْرُوفَ فَقَطْ) يعني أنه (٧) إذا كان لك حائط وملك رجل أصل نخلة فيه، فإن لك شراء ثمرتها بالخرص كالعارية إن أردت بذلك رفقة بكفايتك إياه مؤنتها، قاله في المدونة ثم قال: وإن كان لدفع ضرر دخوله فلا يعجبني وأراه من بيع التمر بالرطب، لأنه لم يعره شيئًا (٨)، وإلى هذا أشار بقوله: (فقط).
قوله: (وبَطَلَتْ إِنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَوْز) يريد أن العرية تبطل إذا مات المعري (٩) قبل أن يحوز عنه (١٠) المعرى لأنها عطية كسائر العطايات، وهذا متفق عليه ونحوه في المدونة (١١) واختلف في الحوز (١٢) بماذا يكون، فذهب ابن حبيب إلى أن حيازة ذلك
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٨٥ و٢٨٧، والتهذيب: ٣/ ٢٤٢ - ٢٤٤.
(٢) قوله: (نصه) ساقط من (ن).
(٣) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٤٣.
(٤) في (ن ٣): (أي).
(٥) في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (الفاعل، أو إلى فاعل المصدر).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٢٨٦، والتهذيب: ٣/ ٢٤٠.
(٧) قوله: (أنه) ساقط من (ن).
(٨) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٤١.
(٩) في (ن ٥): (المعرى).
(١٠) قوله: (عنه) ساقط من (ن ٥).
(١١) انظر: المدونة: ٣/ ٢٩١، والتهذيب: ٣/ ٢٤٥.
(١٢) في (ن ٥): (الحرز).
[ ٤ / ١٤ ]
بقبض الأصول إذا طلع فيها (١) الثمر قبل موت المعري، فإن قبضه ولم يطلع فيها ثمر حتى مات المعري أو اطلع فيها ولم يقبضها حتى مات المعري بطلت. وقاله مالك (٢)، وهو مذهب المدونة، عند ابن العطار (٣)، وفضل، وجماعة من الأندلسيين. وذهب أبو عمران (٤)، وأبو مروان بن عبد الملك (٥) إلى الاكتفاء بحوز الأصل وقال أشهب: يكتفى بظهور الثمرة والإبار أو بحصول رقاب الثمرة بيد المعري دون رب الحائط (٦)، وصوب ابن يونس قول أشهب. وإليه أشار بقوله: (وهَلْ هُوَ حَوْزُ الأُصُولِ، أوْ أنْ يَطْلُعَ ثَمَرُهَا؟ تَأْوِيلانِ) (٧).
(المتن)
وَزَكَاتُهَا وَسَقْيُهَا عَلَى الْمُعْرِي، وَكَمِّلَتْ بِخِلافِ الْوَاهِبِ، وَتُوضَعُ جَائِحَةُ الثِّمَارِ كَالْمَوْزِ والْمَقَاثِي، وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى الْجَذِّ، وَمِنْ عَرِيَّتِهِ لا مَهْرَ، إِنْ بَلَغَتْ ثُلُثَ الْمَكِيلَةِ، وَلَوْ مِنْ كَصَيْحَانِي وَبَزنِيّ. وَبُقيَتْ لِيَنْتَهِيَ طِيبُهَا، وَأُفْرِدَتْ، أَوْ أُلْحِقَ أَصْلُهَا؛ لا عَكْسُهُ أَوْ مَعَهُ، وَنظِرَ مَا أصِيبَ مِنَ الْبُطُونِ إِلَى مَا بَقِيَ فِي زَمَنِهِ، لا يَوْمَ الْبَيْعِ، وَلا يُسْتَعْجَلُ عَلَى الأَصَحِّ، وَفِي الْمُزْهِيَةِ التَّابِعَةِ لِلدَّارِ تَأْوِيلانِ.
(الشرح)
قوله: (وزَكَاتُهَا وسَقْيُهَا عَلَى الْمُعْرِي) أي وزكاة ثمرتها وسقيها على المعري، وهو رب الحائط. قال في المدونة: وإن لم تبلغ خمسة أوسق إلا مع بقية حائطه (٨)، وهذا معنى قوله: (وَكُمِّلَتْ) أي إن لم تكن خمسة أوسق كملت من ثمرة الحائط.
قوله: (بِخِلافِ الْوَاهِبِ) أي فإن السقي والزكاة ليس عليه، بل على الموهوب له (٩)، وقاله في المدونة (١٠) وحصَّل ابن يونس في الهبة والعرية خمسة أقوال، قول: إن الزكاة
_________________
(١) في (ن ٥): (منها).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٠٢.
(٣) في (ن ٣) و(ن ٥): (القطان). والصواب هو المثبت. وانظر: الوثائق: ١/ ٩٩.
(٤) انظر: الذخيرة: ٥/ ٢١١.
(٥) قوله: (عبد الملك) يقابله في (ن) و(ن ٥): (مالك). وانظر: التوضيح: ٥/ ٥٦٩.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٠٢.
(٧) قوله: (وإليه أشار بقوله (وهَلْ هُوَ ثَمَرُهَا؟ تَأْوِيلانِ) ساقط من (ن ٥).
(٨) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٤٥.
(٩) قوله: (له) ساقط من (ن ٥).
(١٠) انظر: التهذيب: ٣/ ٢٤٦.
[ ٤ / ١٥ ]
والسقي على الموهوب له (١) والمعري، وقول: إن ذلك كله على رب الحائط. وقال ابن القاسم في العرية: إن ذلك كله (٢) على رب الحائط، وفي الهبة على الموهوب (٣) وقال سحنون: إن (٤) ذلك على من كانت بيده وولي القيام عليها (٥)، وقيل: إن السقي على رب الحائط والزكاة على من له الثمرة.
قوله: (وتُوضَعُ جَائِحَةُ الثِّمَارِ) يريد أن من اشترى ثمرة في (٦) رؤوس الشجر، فأصيبت بأمر من الأمور التي يذكرها فإن ما أصيب يوضع عنه بحصته من الثمن (٧) وفي الصحيح أنه - ﷺ -: (أمر بوضع الجوائح (٨».
وروى أبو طوالة عن أبيه أنه - ﷺ - قال: (إذا أصيب (٩) ثلث الثمرة فقد وجب على البائع الوضيعة).
وعن ربيعة أنه - ﷺ -: (أمر بوضع الجوائح إذا بلغت ثلث الثمرة).
ابن يونس وعلي (١٠): وقاله كثير من الصحابة والتابعين.
قوله: (كَالْمَوْزِ والْمَقَاثِي (١١» هو بيان لما توضع جائحته، ومثل الموز الخوخ والتفاح والأترج ونحو ذلك قاله في المدونة؛ ومثله المقاثي (١٢) ونحوها، وكذلك ما ييبس ويدخر كالتمر والعنب واللوز والجوز ونحوه (١٣). ابن يونس: وروي عن مالك أن جائحة الموز كالبقل يوضع قليلها وكثيرها. قال في المدونة: وإن اشتراه على الجذ مكانه
_________________
(١) قوله: (له) زيادة من (ن).
(٢) قوله: (كله) ساقط من (ن).
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٢٩٢.
(٤) قوله: (إن) زيادة من (ن).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٠١.
(٦) قوله: (ثمرة في) يقابله في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (تمرة بين).
(٧) في (الثمر): (ن ٣).
(٨) في (ن): (الجائح).
(٩) في (ن): (أصيبت).
(١٠) قوله: (وعلي) زيادة من (ن ٥)، وفي (ن): (ثمرة من).
(١١) في (ن ٤): (المقات)، وفي (ن): (المقتاتي).
(١٢) في (ن ٥): (القطاني)، وفي (ن): (المقتاتي).
(١٣) انظر: المدونة: ٣/ ٥٨٣، والتهذيب: ٣/ ٤٢٥.
[ ٤ / ١٦ ]
فأجيح قبل الجذ وضعت فيه الجائحة إن بلغت الثلث كالثمار لا البقول (١)، وإليه أشار بقوله: (وإِنْ بِيعَتْ عَلَى الْجَذِّ).
قوله: (ومِنْ عَرِيَّتهِ) أي أن الجائحة توضع عن المبتاع ولو كان اشتراها من عريته وهو المشهور خلافًا لأشهب مستدلًا بأن ذلك مبني على المعروف السابق (٢)، وهو في فع الثمرة أولًا بلا (٣) عوض، وهذه العقدة (٤) مبنية عليه، ولهذا اغتفر فيه المزابنة والربا (٥)، وغيره على ما مر فليس محض بيع فوجب ألا يكون فيه جائحة.
قوله: (لا مَهْرَ) أي فلا جائحة فيه. ومعناه إذا تزوج امرأة وأمهرها ثمرة فأجيحت فلا قيام لها بذلك، وهو قول ابن القاسم، وقال عبد الملك: فيه الجائحة، وهو أقرب (٦)، واختاره ابن يونس وغيره.
قوله: (إِنْ بَلَغَتْ ثُلُثَ الْمَكِيلَةِ) أي يشترط في وضع الجائحة أن تكون قد بلغت ثلث المكيلة لا ثلث القيمة، وهو قول ابن القاسم. فلو كان الثلث المذكور يساوي عشر قيمة الثمرة وضع عنه ولا يوضع ما دون الثلث المكيلة، ولو كان يساوي تسعة أعشار الثمر (٧)، لأن الجائحة إنما هي باعتبار نقص الثمرة وفسادها لا رخصها (٨).
قوله: (ولَوْ مِنْ كَصَيْحَانِيٍّ وبَرْنِيٍّ) أي (٩) وعجوة ونحوه وقاله في المدونة (١٠)، وقال أشهب: بل (١١) يقوم كل صنف يوم الشراء، ثم ينظر كم قيمة المجاح من قيمة ما لم يجح، فإن كان قيمة المجاح الثلث وضع (١٢) ذلك
_________________
(١) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٣٢.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٠٩.
(٣) في (ن): (بغير).
(٤) في (ن ٥): (العقيدة).
(٥) في (ن ٥): (البريد).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٠٩، والمنتقى: ٦/ ١٧٦.
(٧) قوله: (الثمر) ساقط من (ن ٤).
(٨) في (ن): (وضعها). وانظر: المدونة: ٣/ ٥٨٢، والتهذيب: ٣/ ٤٢٦.
(٩) قوله: (أي) ساقط من (ن ٥).
(١٠) انظر: المدونة: ٣/ ٥٨٣، والتهذيب: ٣/ ٤٢٧.
(١١) قوله: (بل) ساقط من (ن).
(١٢) في (ن ٣): (وقع).
[ ٤ / ١٧ ]
عن (١) المشتري ولا ينظر إلى شيء من الثمرة، وإن كان دون الثلث لم يوضع شيء (٢).
قوله: (وبُقِّيَتْ ليَنْتَهِيَ طِيبُهَا) أي ومن شروط وضع الجائحة أن تكون الثمرة قد بقيت على رؤوس الشجر لينتهي طيبها وهذا مما لا خلاف فيه. وقاله في الجواهر، أما لو تناهى طيبها إلا أنها تحتاج إلى تأخير لبقاء رطوبتها، كالعنب يشترى بعد بدو صلاحه، ففيه قولان، ومقتضى رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه لا يوضع شيء من ذلك، ومقتضى رواية سحنون وأصبغ (٣) الجائحة من جميعه ولا خلاف في عدم وضع (٤) الجائحة فيما لا يحتاج إلى بقائه في أصله لتمام صلاحه، كالتمر اليابس والزرع (٥).
قوله: (وأُفْرِدَتْ، أَوْ أُلْحِقَ أَصْلُهَا) أي ومما يشترط أيضًا في وضع الجائحة أن تكون الثمرة قد بيعت مفردة من أصلها أو اشتراها مفردة ثم اشتراه بعد ذلك.
قوله: (لا عَكْسُهُ أَوْ مَعَهُ) أي لا إن اشترى الأصل ثم اشترق الثمرة، أو اشتراهما معًا، فإنه لا جائحة فيما أجيح من ذلك وهو واضح.
قوله: (ونُظِرَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْبُطُونِ إِلَى مَا بَقِيَ فِي زَمَنِهِ)
قال في المدونة: مثل أن يشتري مقثأة (٦) بمائة درهم؛ فأجيح بطن (٧) منها ثم جنى بطنين (٨)؛ فانقطعت فإن كان المجاح مما (٩) لم يجح قدر ثلث النبات بعد معرفة ناحية النبات وضع عنه (١٠) قدره.
وقيل: ينظر (١١) ما قيمة المجاح في زمنه. فإن قيل: ثلاثون، والبطن الثاني: عشرون،
_________________
(١) في (ن ٣): (على).
(٢) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٢٥ و٤٢٦، والنوادر والزيادات: ٦/ ٢٠٥.
(٣) قوله: (وأصبغ) ساقط من (ن).
(٤) قوله: (وضع) ساقط من (ن).
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٧٣٨ و٧٣٩.
(٦) في (ن): (مقتات).
(٧) في (ن ٣) و(ن ٤): (بطنين).
(٨) في (ن ٣) و(ن ٤): (بطنًا).
(٩) في (ن ٣): (ما).
(١٠) قوله: (عنه) ساقط من (ن).
(١١) قوله: (ينظر) زيادة من (ن).
[ ٤ / ١٨ ]
والثالث: عشرة في زمانيهما لغلاء الأول وإن قل ورخص الثاني وإن كثر، فيرجع نصف الثمن (١)، وعلى هذا قوله: (لا يَوْمَ الْبَيْعِ) أي فإنه لا ينظر إلى قيمة المصاب يوم البيع بل حين الإصابة كما تقدم، وهما تأويلان على المدونة.
قوله: (ولا يُسْتَعْجَلُ عَلَى الأَصَحِّ) اختلف إذا أجيح أول بطن المقثأة (٢) هل يستعجل التقويم فيما بين (٣) البطون الآن على ما جرى من عرف عادتها، أو يستأنى حتى يجني جميع بطونها.
عبد الحق: وأصوب القولين عندي الاستيناء حتى يجني جميع البطون (٤). قلت: وإليه أشار بقوله: (عَلَى الأَصَحِّ).
قوله: (وفي الْمُزْهِيَةِ التَّابِعَةِ لِلدَّارِ تَأْوِيلانِ) أي على المدونة، لأن (٥) فيها مكتري الدار وفيها ثمرة لم تطب. وهي تبع واشترط أنه لا جائحة لثمرها، ومفهومه أنها لو طابت لكان فيها الجائحة، ذكر في كتاب المرابحة أن فيها الجائحة إذا كانت يوم الكراء مزهية. وقال اللخمي: اختلف إذا كانت الثمرة أقل من الثلث فأجيح جميعها أو الثلث أو أكثر، فقيل: فيها الجائحة، وقيل: لا جائحة لأنها تبع، والأول أحسن؛ لأنها تبع، وقيل: لأنها مشتراة فليس بملغاة والمشتري قصد شراءها اختيارَا ليس لرفع (٦) مضرة، فقارب ما اشترى قبل بدو صلاحه (٧).
(المتن)
وَهَلْ هِيَ مَا لا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَمَاوِيّ وَجَيشٍ أَوْ وَسَارِقٍ؟ خِلافٌ. وَتَعْيِيبُهَا كَذَلِكَ وَتُوضَعُ مِنَ الْعَطَشِ وَإِنْ قَقَتْ كَالْبُقُولِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالرَّيْحَانِ وَالْقُرْطِ وَالْقَضْبِ وَوَرَقِ التُّوتِ، وَمُغَيَّبِ الأَصْلِ كَالْجَزَرِ وَلَزِمَ الْمُشْتَرِيَ بَاقِيهَا وَإِنْ قَلَّ. وَإِنِ اشْتَرَى أَجْنَاسًا فَأُجِيحَ بَعْضُهَا وُضِعَتْ؛ إِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثُلُثَ الْجَمِيعِ وَأُجِيحَ
_________________
(١) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٢٥ و٤٢٦.
(٢) في (ن): (المقتات).
(٣) قوله: (بين) يقابله في (ن): (بقي من).
(٤) انظر: النكت والفروق: ٢/ ١١٢.
(٥) في (ن ٥): (لأنها).
(٦) في (ن): (لدفع).
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٤٧٧١.
[ ٤ / ١٩ ]
مِنْهُ ثُلُثُ مَكِيلَتِهِ، وَإنْ تَنَاهَتِ الثَّمَرَةُ؛ فَلا جَائِحَةَ. كَالْقَصَبِ الْحُلْوِ، وَيَابِسِ الْحَبِّ، وَخُيِّرَ الْعَامِلُ فِي الْمُسَاقَاةِ بَينَ سَقْيِ الْجَمِيعِ أَوْ تَزكِهِ؛ إِنْ أُجِيحَ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ، وَمُسْتَثْنًى كَيْلٍ مِنَ الثَّمَرَةِ تُجَاحُ بِمَا يُوضَعُ: يَضَعُ عَنْ مُشْتَرِيهِ بِقَدْرِهِ.
(الشرح)
قوله: (وهَلْ هِيَ مَا لا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَماوِيٍّ وجَيْشِ أَوْ وَسَارِقٍ خِلافٌ) يعني أنه اختلف في الجائحة هل هي ما لا يستطاع دفعه كالآفات السماوية، والجيش الذي لا يمكن دفعه لو علم به. وهو مذهب ابن القاسم عند الباجي. وعليه (١) فلا يكون السارق جائحة؛ لأنها يستطاع دفعه لو علم به (٢). الباجي: وهذا كقوله (٣) في الموازية وعليه أكثر الأشياخ وشهره ابن عبد السلام وقال (٤) ابن أبي زيد عن ابن القاسم في الموازية أنه (٥) جائحة وعليه فتكون الآفات السماوية والجيش جائحة (٦)، ونبه بقوله: (أَو وَسَارِقٍ) إلى أن القول الثاني يوافق الأول على أن الآفات السماوية والجيش جائحة، وإنما الخلاف في السارق.
قوله: (وتَعْيِيبُها كَذَلِكَ) يريد أن الثمرة إذا تعيبت بريح أو غبار ونحوه قبل انتهاء طيبها فنقصت قيمتها لأجل ذلك فإن حكمها كما تقدم على المشهور خلافًا لعبد الملك وغيره (٧).
قوله: (وتُوضَعُ مِنَ الْعَطَشِ وَإِنْ قَلَّتْ) أي إذا انقطع عن الثمرة ماء السماء، أو انقطع عنها عين سقيها فهلكت فإنه يوضع قليل ما هلك وكثيره وهكذا قال في المدونة وعلله بأنها بيعت (٨) على حياتها (٩) من الماء (١٠) أي: أن سقيها على بائعها فأشبهت ما فيه
_________________
(١) في (ن ٣): (عنه).
(٢) انظر: المنتقى: ٦/ ١٧٣.
(٣) قوله: (وهذا كقوله) يقابله في (ن): (وهو قوله).
(٤) في (ن ٥): (نقل).
(٥) قوله: (أنه) يقابله في (ن): (أن السارقة).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢١٢، والمنتقى: ٦/ ١٧٣.
(٧) انظر: البيان والتحصيل: ١٢/ ١٨٠، والتوضيح: ٥/ ٥٧٤.
(٨) في (ن ٥): (ابتيعت).
(٩) في (ن ٥): (حيالها)، وفي (ن): (إحيائها).
(١٠) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٣٢ و٤٣٣.
[ ٤ / ٢٠ ]
حق توفية ولا فرق بين البقل وغيره ولا خلاف فيما ذكر.
قوله: (كَالْبُقُولِ والزَّعْفَرَانِ والرِّيْحَانِ والْقرْطِ وَوَرَقِ التُّوتِ) أي كالبقول في وضع جائحتها وإن قلت وهذا هو المشهور. وقيل: ليس فيها جائحة مطلقًا وإن كثرت، قاله ابن الجلاب (١).
وعن (٢) مالك أنها كالثمار، يفرق بين الثلث فيوضع فيه وإن زاد، وبين ما قصر عنه فلا يوضع (٣)، وهذه الأقوال حكاها ابن يونس وغيره، وألحق سحنون وغيره الزعفران، والريحان، والقرط (٤) والقصب بالبقول (٥)، في وضع جائحتها (٦) وكذا عن (٧) ابن القاسم في ورق التوت، وقال ابن حبيب: هو كالثمار (٨).
قوله: (ومُغَيَّبِ الأَصْلِ كَالجْزَرِ) يريد أن الجائحة توضع وإن قلت في مغيب الأصل كالجزر، واللفت، والبصل، والبقل والفجل، والكراث، ونحو ذلك.
وقاله في المدونة (٩) وقال (١٠) ابن القاسم في العتبية أن الفجل والاسفنارية (١١) لا جائحة فيهما حتى تبلغ الثلث (١٢).
قوله: (ولَزِمَ الْمُشْتَرِي بِاقِيهَا وإِنْ قَلَّ) يريد أن السالم من الجائحة وإن كان قليلًا فإنه يلزم المشتري بما يخصه (١٣) من الثمن.
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ٩٩.
(٢) في (ن ٣) و(ن ٤): (عند).
(٣) انظر: المنتقى: ٦/ ١٧٩ و١٨٠.
(٤) قوله: (والقرط) زيادة من (ن).
(٥) قوله: (والقصب بالبقول) يقابله في (ز ٥): (والقرط والقصب والبقول).
(٦) قوله: (في وضع جائحتها) ساقط من (ن).
(٧) في (ن): (عند).
(٨) انظر: منتخب الأحكام: ٢/ ٩٧٥، والبيان والتحصيل: ١٢/ ١٨٠.
(٩) انظر: المدونة: ٣/ ٥٨٧.
(١٠) في (ن ٥): (عن).
(١١) في (ن): (والاسفناوية).
(١٢) انظر: البيان والتحصيل: ١٢/ ١٦٣.
(١٣) في (ن ٥): (يلحقه).
[ ٤ / ٢١ ]
قوله: (وَإِنْ اشْتَرَى أَجْنَاسًا فَأُجِيحَ بَعْضُهَاء وُضِعَتْ إِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُه (١) ثُلثَ الجْمِيعِ، وأجِيحَ مِنْهُ ثُلُثُ مَكيلَتِهِ) يويد با لأجناس التين والتمر، والعنب، والرمان، والتفاح والخوخ (٢) ونحوه، فإن اشترى منها جنسين فأكثر في صفقة؛ فأجيح منها جنس واحد أو بعضه، فإن جائحته توضع بشرطين: أن يكون المصاب قد بلغ ثلث جميع الثمن (٣) الذي وقع به البيع أولًا (٤)، وأن يكون قدر ثلث مكيلته. فإن فقد أحد هذين الشرطين فلا جائحة؛ ونسب الباجي وغيره هذا القول لابن القاسم (٥)، ونسبه ابن يونس لابن المواز ولمالك من رواية ابن حبيب أن المعتبر كل جنس على حدته بما يخصه من الثمن (٦)، ولأشهب أن المعتبر ثلث الجميع، فإن بلغ المجاح ثلث الثمن فأكثر وضع من غير التفات إلى قدر الجائحة من الثمن (٧) ولا فرق بين كون هذه الأجناس في حائط أو حائطين فأكثر لكن (٨)، شملته الصفقة الواحدة (٩).
ابن رشد: وسواء أجيح بعض حائط أو حائط (١٠) أو بعض حائط وحائط أو من كل حائط بعضه (١١).
قوله: (وَإِنْ تَنَاهَتِ الثَّمَرَةُ، فَلا جَائِحَةَ كَالْقَصَبِ الْحلْوِ، ويَابِسِ الْحَبِّ) أي فإن بيعت الثمرة بعد أن تناهت فلا جائحة فيها ونحوه في المدونة، قال: وهكذا إن ابتاعها بعد
_________________
(١) قوله: (بَلَغَتْ قِيمَة) يقابله في (ن ٥): (بقية).
(٢) قوله: (والخوخ) ساقط من (ن).
(٣) قوله: (بلغ ثلث) يقابله في (ن): (بلغت قيمته ثلث قيمة).
(٤) قوله: (أولًا) زيادة من (ن ٥).
(٥) انظر: المنتقى: ٦/ ١٧٦ و١٧٧.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٠٧.
(٧) قوله: (ولأشهب أن المعتبر الجائحة من الثمن) ساقط من (ن ٣).
(٨) قوله: (لكن) زيادة في (ن) و(ن ٥).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٠٥ و٢٠٦.
(١٠) قوله: (أو حائط) ساقط من (ن ٣).
(١١) قوله: (أو بعض حائط وحائط أو من كل حائط بعضه) ساقط من (ن ٤). وانظر: البيان والتحصيل: ١٢/ ١٤٤.
[ ٤ / ٢٢ ]
إمكان (١) الجذاذ واليبس (٢).
وقال أيضًا: ولا يوضع في القصب الحلو جائحة؛ إذ لا يجوز بيعه حتى يطيب ويمكن قطعه (٣).
قال سحنون: وقد قال ابن القاسم توضع جائحة (٤)، واختلف قوله فيه في كتاب محمد (٥).
قال في المدونة: وكل ما لا يباع إلا بعد يبسه من الحبوب من قمح، أو شعير، أو قِطنية وشبهها، أو سمسم، أو حب فجل الزيت فلا جائحة في ذلك (٦).
قوله: (وخُيِّرَ الْعَامِلُ فِي الْمُسَاقَاةِ بَيْنَ سَقْي الْجَمِيعِ أو (٧) تَرْكِهِ، إِنْ أُجِيحَ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ) يريد أن من أخذ نخلًا مساقاة فلما عمل أصابت الثمرةَ جائحةُ، فأسقطت ثلثها فأكثر، فإنه يخير بين سقي جميع الحائض أو ترك جميعه وقاله في المدونة (٨).
ابن يونس: عن محمد وهذا إذا كانت الجائحة شائعة، وأما إن كانت في ناحية منه فلا سقي عليه فيها (٩). ويسقي السالم وحده ما لم يكن السالم حد الثلث فدون (١٠)، وأبقى عبد الحميد (١١) المدونة على ظاهرها وأنه لا فرق بين أن يكون المجاح مشاعًا أم لا؟ قال في المدونة: وإن أجيح دون (١٢) الثلث لم يوضع عنه سقي شيء من الحائط كله (١٣) ولزمه عمل الحائط كله (١٤).
_________________
(١) في (ن ٣) و(ن ٤): (ما كان).
(٢) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٣٠.
(٣) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٢٩.
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٥٨٧
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٢٠٧.
(٦) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٢٩ و٤٣٠.
(٧) في (ن ٤): (و).
(٨) انظر: المدونة: ٣/ ٥٩١.
(٩) قوله (فيها) يقابله في (ن ر): (فيما أجيح).
(١٠) قوله: (حد) يقابله في (ن): (يسيرا جدًّا الثلث).
(١١) في (ن): (عبد الحق).
(١٢) في (ن ٣) و(ن ٤): (قدر).
(١٣) قوله: (كله) ساقط من (ن) و(ن ر).
(١٤) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٣٣.
[ ٤ / ٢٣ ]
قوله: (ومُسْتَثْنى كَيْلٍ مِنَ الثَّمَرَةِ إلى آخره) يريد أن من باع ثمرة على أصولها واستثنى منها كيلًا معلومًا فأجيحت الثمرة بما ينقص قدرها الثلث فأكثر، وهو معنى قوله: (تجاح بما يوضع).
قوله: (يَضَعُ (١) عَنِ مُشْتَرِيه بِقَدْرِهِ) هذا مما لا خلاف فيه.
وقوله: (بقدره) أي فإن نقصت الثمرة الثلث وضع عنه ثلث الثمن، وإن نقصت النصف وضع عنه نصف الثمن وعلى هذا. واختلف هل ينقص من العدد الذي استثناه البائع تلك النسبة التي نقصت للمشتري أم لا (٢)، فإن كانت الجائحة الثلث أدى المشتري (٣) ثلثي الثمن، وأخذهما البائع مع ثلثي الأرادب. أو يأخذ البائع أرادبه كاملة مع ثلثي الثمن. في ذلك روايتان: الأول": رواية ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم، وبهذا أخذ أصبغ، وصوبها ابن المواز وقال بها أقول. والثانية: رواية ابن وهب عن مالك (٤).
فصل [في أحكام اختلاف المتبايعين]
(المتن)
فَصْلٌ إِنِ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ، أَوْ نَوْعِهِ، حَلَفَا وَفُسِخِ، وَرَدَّ مَعَ الْفَوَاتِ قِيمَتَهَا يَوْمَ بَيْعِهَا. وَفِي قَدْرِهِ؛ كَمَثْمُونِهِ، أَوْ قَدْرِ أَجَلٍ، أوْ رَهْنٍ، أوْ حَمِيلٍ، حَلَفَا وَفُسِخَ، إِنْ حُكِمَ بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، كَتَنَاكُلِهِمَا، وَصُدِّقَ مُشْتَرٍ ادَّعَى الأَشْبَهَ، وَحَلَفَ إِنْ فَاتَ، وَمِنْهُ تَجَاهُلُ الثَّمَنِ، وَإِنْ مِنْ وَارِثٍ، وبُدِّي الْبَائِعُ، وَحَلَفَ عَلَى نَفْي دَعْوَى الآخر مَعَ تَحْقِيقِ دَعْوَاهُ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي انْتِهَاءِ الأَجَلِ فَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ الَتَّقَضِّي، وَفِي قَبْضِ الثمَنِ أَوِ السِّلْعَهِ فَالأَصْلُ بَقَاؤُهُمَا إِلَّا لِعُرْفٍ كَلَحْمٍ أَوْ بَقْلى بَانَ بِهِ وَلَوْ كَثُرَ، وَإِلَّا فَلا، إِنِ ادَّعَى دَفْعَهُ بَعْدَ الأَخْذِ، وَإِلَّا فَهَلْ يُقْبَلُ الدَّفْعُ؟ أوْ فِيمَا هُوَ الشَّأْنُ أَوْ لا؟ أَقْوَالٌ.
(الشرح)
_________________
(١) قوله: (يضع) يقابله في (ن ٣): (بما يوضع).
(٢) قوله: (أم لا) زيادة من (ن).
(٣) في (ن ٣): (للمشتري).
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ١٢/ ١٥٤ و١٥٥.
[ ٤ / ٢٤ ]
قوله: (إِنِ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أو نوعه (١) حَلَفَا وفُسِخَ) اختلافهما في الجنس قول البائع (٢): بعت السلعة بدنانير، ويقول المبتاع: بطعام أو ثمر أو نحوه، وفي النوع كقول البائع: بعتها بقمح سمراء، ويقول الآخر: بمحمولة أو شعير، ونحو ذلك، وحكى بعض الأشياخ أنهما يتحالفان ويتفاسخان (٣) البيع اتفاقًا إن اختلفا (٤) في الجنس، فإن حلفا معًا أو نكلا معًا فسخ، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضى للذي حلف وخرج بعضهم قولًا بأن القول قول البائع. وقولًا بأن القول قول المبتاع مع الفوات، والمشهور أيضًا في اختلافهما في النوع أنهما يتحالفان، ويفسخ البيع بينهما إن حلفا أو نكلا، وإلا قضى للحالف دون الناكل ومقابل المشهور أن ذلك كاختلافهما في مقدار الثمن كما سيأتي، وقال ابن الماجشون: لا يتحالفان لإنهما اتفقا في جنس واحد واختلفا في جودته (٥).
قوله: (ورَدَّ مَعَ الْفَوَاتِ قِيمَتَهَا يَوْمَ بَيْعِهَا) أي فإن اختلفا مع فوات السلعة فإن المبتاع يرد قيمتها يوم بيعها.
قوله: (وفي قَدْرِهِ، كَمَثْمُونهِ أَوْ قَدْرِ أَجَلِ، أَوْ رَهْنٍ، أَوْ حَمِيلٍ حَلَفَا وفُسِخَ) أي وإن كان الاختلاف في قدر الثمن، أو في مثمونه أو قدر أجله، أو في الرهن، أو الحميل، فإنهما يتحالفان أيضًا ويفسخ البيع بينهما. وقد اختلف في المسألة الأولى وهي الاختلاف في قدر الثمن كقول البائع: بمائة، ويقول المبتاع بثمانين على أربع (٦) روايات:
الأولى: وهو المشهور ما قال هنا، وزاد في المدونة ما لم تفت السلعة بيد المشتري فيصدق إن ادعى ما يشبه من الثمن (٧).
الثانية: أنهما يتحالفان ويفسخ ما لم يقبض المشتري السلعة فيصدق مع يمينه، إلا أن
_________________
(١) في (ن ٤) و(ن ٥): (ونحوه).
(٢) قوله: (قول البائع) يقابله في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (كقوله).
(٣) قوله: (ويتفاسخان) ساقط من (ن ٤)، وفي (ن): (ويفسخ).
(٤) قوله: (إن اختلفا) ساقط من (ن).
(٥) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٨٢.
(٦) قوله: (أربع) زيادة من (ن ٥).
(٧) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٣ و٤٤.
[ ٤ / ٢٥ ]
يدعي ما لا يشبه.
الثالثة: أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وإن قبضها المشتري ما لم يبن (١) بها فيصدق (٢) لأن البائع ائتمنه.
الرابعة: أنهما يتحالفان ويتفاسخان مطلقًا وإن فاتت السلعة أم لا (٣)، لأن القيمة تقوم مقام العين، وأفتى المازري (٤) وبعض أشياخه بهذه الرواية، وحكى بعضهم قولًا في كتاب ابن حبيب إن القول قول المشتري. وأما المسألة الثانية: وهي الاختلاف في المثمون كقول البائع: بعتك هذا الثوب بمائة، ويقول المبتاع بل ثوبين ونحو ذلك فقد اختلف فيها على الأقوال السابقة حكاها المازري. وأما المسألة الثالثة: وهي الاختلاف في قدر الأجل كقول البائع: بعتك إلى شهر ويقول المبتاع: إلى شهرين وقد حكى المازري أيضًا الخلاف المتقدم فيها (٥)، وحصل فيها ابن رشد. وفيما (٦) إذا اختلفا في أصل التأجيل وانتهائه ثمانية أقوال، انظرها في الكبير. وأما مسألة الاختلاف في كون البيع قد وقع برهن أم لا، وهل وقع بحميل أم لا؟ وفي كل مسألة منهما الاختلاف المتقدم في قدر الثمن.
قوله: (إِنْ حُكِمَ بِهِ) يريد إن الفسخ المذكور في المسائل المتقدمة لا يقع بنفس التحالف (٧) بل لا بد من أن يحكم به حاكم. ولهذا قال في المدونة إن المشتري إذا أراد قبولها بعد التحالف إن له ذلك وهو الأصح (٨). وقال سحنون: يفسخ العقد بنفس (٩) التحالف (١٠)، وقيل إن العقد يبقى بينهما إلى أن يفسخاه بتراضيهما، وقيل: إن حلفا بأمر
_________________
(١) في (ن ٣): (يبز).
(٢) قوله: (فيصدق) ساقط من (ن ٥).
(٣) قوله: (أم لا) زيادة من (ن ٣).
(٤) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٧٥٩ و٧٦٠.
(٥) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٧٩٢ - ٧٩٥.
(٦) في (ن ٤): (وفيها).
(٧) في (ن ٥): (الحلف).
(٨) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٤.
(٩) في (ن ٥): (بعد).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤٠٨.
[ ٤ / ٢٦ ]
حاكم لم يفسخ إلا بحكم حاكم (١)، وإلا فسخ بمجرد أيمانهما، وقيل بالعكس.
قوله: (ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَتَنَاكُلِهِمَا) يريد أن العاقد يفسخ بينهما ظاهرًا وباطنًا وتعود السلعة إلى ملك البائع حقيقة كما قال (٢)، ويعود الثمن على ملك المبتاع كذلك. سند: وهو ظاهر المذهب (٣). وصححه ابن الحاجب (٤) وحكم تناكلهما عن اليمين عند ابن القاسم حكم بتحالفهما كما قال (٥)، وقال ابن حبيب: القول قول البائع (٦)، وحكى عبد الوهاب بأن القول قول المشتري (٧). وفائدة الخلاف: حل الوطء وعدمه.
قوله: (وصُدِّقَ مشتر ادَّعَى الأَشْبَهَ، وحَلَفَ إِنْ فَاتَ) يريد أن المبتاع إذا ادعى الأشبه فإنه يصدق ويحلف (٨) إن فات المبيع وهو ظاهر، إلا أن تخصيصه بالمشتري ليس بظاهر ولعل قوله: (مشتر) تصحيف من الناسخ، وأن الوا قع وصدق من ادعى الأشبه، ولا خلاف في ذلك.
قوله: (ومِنْهُ تَجَاهُلُ الثَّمَنِ، وإِنْ مِنْ وَارِثٍ) أي ومما يصدق فيه مدعي الأشبه مثل أن يقول أحد المتبايعان لا علم لي بما وقع به التبايع، ويقول الآخر وقع بكذا؛ فإن مدعي المعرفة يصدق بما يشبه أن يكون ثمنًا لتلك السلعة، وكذلك الوارث.
قال في المدونة: وورث المتبايعان بعد موتهما مكانهما (٩) إذا ادعوا معرفة الثمن، فإن تجاهلوا الثمن وتصادقوا البيع حلف ورثة المبتاع أنهم لا يعلمون الثمن، ثم حلف (١٠) ورثة البائع أنهم لا يعلمون الثمن (١١)، وترد السلعة ثم قال: وإن ادعى ورثة أحدهما
_________________
(١) قوله: (بحكم حاكم) يقابله في (ن): (بالحكم).
(٢) في (ن) و(ن ٥): (كانت).
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٨٧.
(٤) انظر: الجامع بين الأمهات: ١/ ٥٥٣.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤٠٩.
(٦) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٤٦١.
(٧) انظر: المعونة: ٢/ ٩١ - ٩٣.
(٨) في (ن ٤): (يحلف، وحلف).
(٩) في (ن ٣): (يقومان).
(١٠) قوله: (حلف) زيادة من (ن).
(١١) قوله: (الثمن) زيادة من (ن ٥).
[ ٤ / ٢٧ ]
علم الثمن وجهله الآخرون صدق المدعي فيما يشبه (١).
قوله: (وبُدِّي الْبَائِعُ) أي باليمين وقاله في المدونة (٢) وهو المشهور وروى يحيى عن ابن القاسم: أن المبتاع يُبَدَّى (٣)، وقيل: يقرع بينهما أيهما يقدم باليمين، وقيل: أن الحاكم يخير في (٤) أيهما يُبَدَّى.
قوله: (وحَلَفَ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الآخر (٥) مَعَ تَحْقِيقِ دَعْوَاهُ) هذا هو المشهور وهو أن كل واحد منهما يحلف في يمين واحدة على نفي دعوى خصمه مع تحقيق دعواه (٦) فإن ادعى البائع مثلًا أنه باع السلعة بعشرة وقال المشتري: بل بثمانية فإذا حلف البائع وقال في يمينه: والله ما بعتها بثمانية ولقد بعتها بعشرة. وقال في كتاب "تضمين الصناع" من المدونة: إذا حلف المشتري قال: والله لم اشترها بعشرة ولقد اشتريتها بثمانية وقيل: إن كليهما يحلف على نفي (٧) دعوى خصمه فقط. والأول أظهر لأنه لا (٨) يلزم في حلف البائع على نفي البيع بثمانية أن يكون باعها بعشرة لاحتمال أن يكون باعها بتسعة، وكذا في حلف المبتاع لا يلزم من نفي البيع بعشرة أن يكون وقع بثمانية لجواز أن يكون قد وقع (٩) بتسعة.
قوله: (فإنِ اخْتَلَفَا فِي انْتِهَاءِ الأَجَلِ، فَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ التَّقَضِّي) معناه أن المتبايعين إذا اتفقا على الأَجل واختلفا في انقضائه، فقال المبتاع: وقع البيع (١٠) إلى شهر ولم يحل، وقال البائع: بل حل؛ فإن القول قول المبتاع مع يمينه ومثله المسلم إليه إذا ادعى عدم
_________________
(١) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٠٠.
(٢) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٠٠.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤١٢، والبيان والتحصيل: ٧/ ٣٥٩.
(٤) قوله: (في) زيادة من (ن ٥).
(٥) في (ن) و(ن ٥): (خصمه).
(٦) قوله: (يحلف في يمين واحدة مع تحقيق دعواه) ساقط من (ن ٣). وقوله: (هذا هو المشهور وهو أن خصمه مع تحقيق دعواه) ساقط من (ن ٤).
(٧) قوله: (نفي) ساقط من (ن ٤).
(٨) قوله: (لا) ساقط من (ن ٤).
(٩) قوله: (قد وقع) يقابله في (ن ٥): (باعها).
(١٠) قوله: (البيع) زيادة من (ن ٥).
[ ٤ / ٢٨ ]
الحلول وهو مراده بمنكر التقضي.
قوله: (وفِي قَبْضِ الثَّمَنِ أَوِ السِّلْعَةِ فَالأَصْلُ بَقَاؤُهُمَا) أي وإن اختلفا في قبض الثمن فادعى المبتاع أنه دفعه وأنكر ذلك البائع أو السلع (١)، أو (٢) فادعى البائع أنه دفعها وأنكر ذلك المبتاع، فإن الأصل بقاؤهما أي بقاء الثمن في ذمة المبتاع والسلعة بيد (٣) البائع، ثم نبه بقوله: (إِلا لِعُرْفٍ كَلَحْمٍ (٤)، أَوْ بَقْلٍ) يعني أن العادة إذا كانت جارية في مثل تلك السلعة بقبض الثمن قبل قبضه (٥)، فإن المبتاع يصدق في دفعه. قال في المدونة: وما بيع في الأسواق من اللحم، والفواكه، والخضر، والحنطة، ونحو هذا وقد انقلب به المبتاع فالقول قوله أنه دفع الثمن مع يمينه (٦)، وإليه أشار بقوله: (بَانَ بِهِ) واختلف إذا لم يفارقه.
قوله: (ولَوْ كَثُرَ) يعني أنه لو فرق في هذا بين القليل والكثير وهو قول ابن القاسم وأنكره يحيى بن عمر (٧)؛ وجعله إذا كثر كسائر السلع القول فيها قول البائع (٨).
قوله: (وإِلا فَلا، إِنِ ادَّعَى دَفْعَهُ بَعْدَ الأَخْذِ) أي وإن لم يكن قد بان باللحم ونحوه، فلا يصدق في دفع الثمن إذا قال: دفعته إليه بعد أن أخذت منه ذلك. ولا خلاف في ذلك. واختلف إذا قال: دفعته إليه قبل أن آخذ ذلك منه هل (٩) يقبل قوله؟ وهي رواية ابن القاسم في الموازية، أو يقبل في كل ما الشأن فيه قبض ثمنه قبل قبض المثمون وهو قول ابن القاسم في الموازية (١٠)، أو لا يقبل ويكون القول قول البائع، وهو ظاهر قول مالك (١١). وإلى هذه الأقوال أشار بقوله: (وَإِلا، فَهَلْ يُقْبَلُ
_________________
(١) قوله: (أو السلع) ساقط من (ن ٤)، وفي (ن) و(ن ٤) و(ن ٥): (أو في السلع).
(٢) قوله: (أو) ساقط من (ن).
(٣) قوله: (المبتاع والسلعة بيد) ساقط من (ن ٣) و(ن ٤).
(٤) في (ن ٣): (كقمح).
(٥) قوله: (قبل قبضه) زيادة من (ن ٥).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٩٣، والتهذيب: ٣/ ٤٤.
(٧) قوله: (يحيى بن عمر) يقابله في (ن) و(ن ٣) و(ن ٤): (غيره).
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٩٢.
(٩) في (ن): (فقيل).
(١٠) في (ن): (المدونة). وانظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤٠٨.
(١١) انظر: البيان والتحصيل: ٧/ ٣٥٨.
[ ٤ / ٢٩ ]
الدَّفْعُ؟ أَوْ فِيمَا (١) هو الشَّأْنُ أَوْ لا؟ أَقْوَالٌ) أي وإن لم يقل: دفعته إليه بعد الأخذ بل قال: قبل الأخذ ففي ذلك ثلاثة أقوال كما تقدم.
(المتن)
وَإِشْهَادُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ مُقْتَضٍ لِقَبْضِ مُثْمَنِهِ، وَحَلَفَ بَائِعُهُ إِنْ بَادَرَ كَإِشْهَادِ الْبَائِعِ بِقَبْضِهِ. وَفِي الْبَتِّ مُدَّعِيهِ وكَمُدَّعِي الصِّحَّةِ إِنْ لَمْ يَغْلِبِ الْفَسَادُ. وَهَلْ إِلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ بِهَمَا الثَّمَنُ فَكَقَدْرِهِ؟ تَرَدُّدٌ. وَالْمُسْلَمُ إِلَيهِ مَعَ فَوَاتِ الْعَيْنِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ، أَوِ السِّلْعَةِ: كَالْمُشْتَرِي فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إِنِ ادَّعَى مُشْبِهًا، وَإِنِ ادَّعَيَا مَا لَا يُشْبِهُ فَسَلَمٌ وَسَطٌ، وَفِي مَوْضِعِهِ صُدِّقَ مُدَّعِي مَوْضِعِ عَقْدِهِ، وَإِلَّا فَالْبَائِعُ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ تَحَالَفَا وتَفَاسَخَا، كَفَسْخِ مَا يُقْبَضُ بِمِصْرَ، وَجَازَ بِالْفُسْطَاطِ، وَقضِيَ بِسُوقِهَا، وَإِلَّا فَفِي أَيِّ مَكَانٍ.
(الشرح)
قوله: (وَإِشْهَادُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ مُقْتَضٍ لِقَبْضِ مَثْمنهِ) يريد أن المشتري إذا أشهد على نفسه أن الثمن في ذمته فإن ذلك مقتض لقبض مثمونه وهب السلعة التي وقع عليها البيع بذلك الثمن الذي أشهد به على نفسه (٢)، فإن ادعى بعد ذلك أنه لم يقبض السلعة، لم يصدق وكان القول قول البائع على المشهور. وهو قول ابن القاسم وقال أصبغ: ويحلف له البائع إن كان بحدثان البيع والإشهاد به (٣)، فأما إن سكت حتى حل الأجل وشبهه فلا قول له ولا يمين له على البائع (٤) وإلى هذا أشار بقوله: (وحَلَّفَ بَائِعهُ، إِنْ بَادَرَ). ومقابل المشهور لابن عبد الحكم أن القول قول المبتاع في عدم القبض، قال في الواضحة: وإذا أشهد البائع بقبض الثمن ثم قام يطلبه وقال: إنما أشهدت ثقة (٥) مني إليه به ولم يدفعه لي ولا وصلني به (٦) ولم يوفي جميعه، وطلب يمينه على ذلك، وقال المشتري: أوصلتك ولي بينة ولا أحلف أن ذلك مقتضى لقبضه أي (٧): ولا يمين عليه
_________________
(١) زاد في (ن ٣) و(ن ٤): (هذا القول لا يختص بفرض المسألة بل هو عام).
(٢) قوله: (على نفسه) ساقط من (ن ٥).
(٣) قوله: (به) زيادة من (ن ٥).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤١٦.
(٥) في (ن ٣): (توثقة).
(٦) قوله: (ولم يدفعه لي ولا وصلني به) زيادة من (ن ٥).
(٧) قوله: (ولي بينة ولا أحلف أن ذلك مقتضى لقبضه أي) ساقط من (ن ٥).
[ ٤ / ٣٠ ]
قاله مالك وأصحابه.
ابن حبيب: إلا أن يأتي بشيء يدل على ما ادعاه أو يتهم، فيحلف (١) وفي كتاب محمد أنه يحلف (٢) ولم يراع ذلك ابن يونس والأكثرون على أن البائع إذا قام على المشتري (٣) بقرب البيع حلف المشتري (٤) له (٥) وإلا فلا وإليه أشار بقوله: (كَإِشْهَادِ الْبَائِعِ بِقَبْضِهِ).
قوله: (وفِي الْبَتِّ مُدَّعِيهِ) أي وإن اختلفا في البت وعدمه فإن قال أحدهما: وقع بتًا وقال الآخر: بل وقع (٦) على خيار، فالقول قول مدعي البت؛ لأنه غالب بياعات الناس، وهو المشهور وقال أشهب: القول قول مدعي الخيار (٧). ابن بشير: وبه كان يفتي من حقق النظر من أشياخنا (٨)، وقيل: هذا كاختلافهما في مقدار الثمن.
قوله: (وكَمُدَّعِي الصِّحَّةِ إِنْ لَمْ يَغْلِبِ الْفَسَادُ) أي فإن القول قوله دون مدعي الفساد، وهو المشهور. وقاله في المدونة (٩)؛ وقيده عبد الحميد بما إذا لم يغلب الفساد كما أشار إليه، وقيده ابن أبي زمنين وغيره (١٠) بألا يكون اختلافهما مما يؤدي (١١) إلى الاختلاف في قدر الثمن كقول أحدهما: وقع البيع في يوم الجمعة بعد النداء المحرم للبيع، ويقول الآخر؛ بل يوم الخميس، وأما إن أدى إلى ذلك فإنه يجري على الاختلاف في الثمن (١٢).
ابن بشير: إن لم يؤد إلى الاختلاف في مقدار الثمن، فالقول قول مدعي الصحة،
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤١٦.
(٢) في (ن ٣) و(ن ٤): (لا يحلف).
(٣) قوله: (على المشتري) زيادة من (ن ٥).
(٤) قوله: (المشتري) ساقط من (ن) و(ن ٥).
(٥) قوله: (له) زيادة من (ن).
(٦) قوله: (وقع) ساقط من (ن).
(٧) انظر: البيان والتحصيل: ٨/ ٤٠٣.
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٩٥.
(٩) انظر: التهذيب: ٣/ ٤١٧.
(١٠) قوله: (غيره) زيادة من (ن ٥).
(١١) في (ن ٤): (لا يؤدي).
(١٢) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٩٥. والذي وقفت عليه أن هذا القول منسوب لابن أبي زيد.
[ ٤ / ٣١ ]
وإن أدى إليه وعاد (١) بالاختلاف في قدر الثمن فطريقان:
أحدهما: أنه يعطى حكم الاختلاف في قدر الثمن.
والثانية: حكم الاختلاف في الصحة (٢) والفساد (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (وهَلْ إِلا أَنْ يَخْتَلِفَ بِهِما الثَّمَنُ (٤) فكقدره؟ تَرَدُّدٌ).
قوله: (والمْسْلَمُ إِلَيْهِ مَعَ فَوَاتِ الْعَيْنِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ، أَوِ السِّلْعَةِ كَالْمُشْتَرِي بالنقد (٥) فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، إِنِ ادَّعَى مُشْبِهًا وإِنِ ادَّعَيا (٦) مَا لا يُشْبِهُ فَسَلَمٌ وسط (٧» يريد أن المسلم إليه يشبه المشتري في أنه يترجح قوله بقبض رأس مال السلم (٨) لكن بشرطين:
الأول: أن يفوت ذلك، وفواته إن كان ذهبًا أو فضة بالزمن الطويل على المشهور.
وقال ابن بشير: بطول ما (٩)، وقال التونسي: الأشبه أن لا فرق بين الزمن الطويل وغيره، وأن الغيبة عليها تفويت عينها (١٠). وإن كانت سلعة ففواتها بحوالة سوق فأعلى وقاله المازري وسند وإطلاقه هنا الفوات بالنسبة إلى السلعة من غير تقييد يدل على ذلك (١١).
والثاني: أن يكون قد ادعى ما يشبه فإن ادعى ما لا يشبه، فالقول قول المسلم، إن ادعى ما يشبه. فإن ادعيا معًا ما لا يشبه، فقال ابن القاسم في الموازية (١٢): يحملان على
_________________
(١) قوله: (أدى إليه و) زيادة من (ن).
(٢) في (ن ٥): (الصفة).
(٣) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٩٦.
(٤) زاد بعده في (ن ٤): (صورته كما إذا اختلف المتبايعان أن العقد وقع في عبد آبق وفات بيد المشتري إلا أن يحنث بها الثمن).
(٥) في (ن ٤): (بالعين).
(٦) في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (ادعى).
(٧) قوله: (وسط) زيادة من (ن) و(ن ٥).
(٨) قوله: (السلم) ساقط من (ن ٥).
(٩) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٩٨. والذي وقفت عليه أن هذا القول لابن رشد.
(١٠) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٩٨.
(١١) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٤٤٥ و٤٤٦.
(١٢) في (ن): (المدونة).
[ ٤ / ٣٢ ]
الوسط (١) من سلم (٢) الناس يوم تعاقدا، وإليه أشار بقوله: (فَسَلَمٌ وسط (٣». المازري: وهو المشهور، وبه قال مرة في الأسدية ومرة أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
قوله: (وفِي مَوْضِعِهِ صُدِّقَ مُدَّعِي مَوْضِع عَقْدِهِ) أي وإن كان الاختلاف بينهما في الموضع الذي يقبض فيه السلم، فإنه يصدق من ادعى موضع العقد منهما مطلقًا، وهو المشهور؛ وقاله في المدونة (٤). وقال سحنون: القول قول البائع ولو ادعى خلاف موضع العقد، لأنه غارم (٥). وقال أبو الفرج: يتحالفان (٦) إن ادعيا ما لا (٧) يشبه ولو ادعى أحدهما موضع العقد (٨). المازري: وهذا إذا كان اختلافهما بعد فوت رأس المال، وإلا تحالفا وتفاسخا (٩)، وفواته بالزمان الطويل (١٠)، وقال سند: بالقبض (١١).
قوله: (وَإِلا فَالْبَائِعُ) أي وإن لم يدع أحدهما موضع العقد، فالقول قول البائع وهو المسلم إليه لأنه غارم، وهذا إذا ادعى ما يشبه سواء ادعى الآخر ما يشبه أم لا (١٢)، وأما إذا ادعى البائع ما لا يشبه وادعى المشتري ما يشبه فالقول قول المشتري، وإن ادعيا معًا ما لا يشبه فإنهما يتحالفان ويتفاسخان كما نبه عليه بقوله: (وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ واحد (١٣) تَحَالَفَا وتَفَاسَخَا) وقاله في المدونة (١٤) والموازية والواضحة (١٥)، ثم أشار بقوله: (كَفَسْخِ مَا
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤١٨.
(٢) قوله (سلم) ساقط من (ن ٤)، وفي (ن ٣): (بيع).
(٣) قوله: (وسط) زيادة من (ن).
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٩٦.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤١٤.
(٦) زاد بعده في (ن ٤): (ويتفاسخان).
(٧) قوله: (لا) زيادة من (ن ٣).
(٨) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٩٩.
(٩) قوله: (وتفاسخا) ساقط من (ن ٥).
(١٠) انظر: شرح التلقين: ٥/ ٤٤٢، وما بعدها.
(١١) انظر: التوضيح: ٥/ ٥٩٩.
(١٢) قوله: (أم لا) ساقط من (ن ٤).
(١٣) قوله: (واحد) ساقط من (ن ٤).
(١٤) انظر: المدونة: ٣/ ٤٩١.
(١٥) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٤١٨ و٤١٩.
[ ٤ / ٣٣ ]
يُقْبَضُ بِمِصْرَ) إلى قوله في المدونة: ومن أسلم في طعام على أن يقبضه بمصر لم يجز حتى يسمي أي موضع في مصر، ومصر ما بين البحر إلى أسوان (١).
قوله: (وجَازَ بِالْفُسْطَاطِ) أي فإن شرط أن يقبض ذلك بالفسطاط جاز، وقاله في المدونة وقال: إن تشاحا في موضع قبضه من الفسطاط فقال مالك: يقبض بسوق الطعام (٢)، وإليه أشار بقوله: (وقُضِيَ بِسُوقِهَا) أي عند التشاحح (٣).
ابن القاسم: وكذلك السلع إذا كان لها سوق معروف، وإن لم يكن لها سوق معروف (٤) فحيث ما أعطاها من الفسطاط لزم المشتري (٥) وهو معنى قوله: (وَإِلا فَفِي أَيِّ مَكَانٍ) أي فإن لم يكن لها سوق وفاه في أي مكان شاء. وقال سحنون (٦): يوفيه ذلك في داره كان لها سوق أم لا (٧).
* * *
_________________
(١) في (ن ٤): (السوق)، وفي (ن): (أسواق). وانظر: التهذيب: ٣/ ٤٠.
(٢) انظر: التهذيب: ٣/ ٤٠.
(٣) في (ن ٣): (تشاح).
(٤) قوله: (معروف) زيادة من (ن ٣).
(٥) زاد بعده في (ن ٤): (قبضه). وانظر: التهذيب: ٣/ ٤٠.
(٦) زاد في (ن ٣) و(ن ٤) و(ن ٥): (ففي كل مكان ووفاه بها أخذها وقال).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٦/ ٦٧، والمنتقى: ٦/ ٣٠٨.
[ ٤ / ٣٤ ]