فرض الحج وسنة العمرة
(المتن)
بَابٌ فُرِضَ الْحَجُّ، وَسُنَّتُهُ الْعُمْرَةُ مَرَّةً، وَفِي فَوْرِيَّتِهِ وَتَرَاخِيهِ لِخَوْفِ الْفَوْتِ خِلَافٌ، وَصِحَّتُهُمَا بِالإِسْلَامِ فَيُحْرِمُ وَلِيٌّ عَنْ رَضِيعٍ، وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ، وَمُطْبِقٍ لا مُغْمًى، وَالْمُمَيِّزُ بِإِذْنِهِ، وَإِلَّا فَلَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلا قَضَاءَ بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَأَمَرَهُ مَقْدُورَهُ، وَإِلَّا نَابَ عَنْهُ إِنْ قَبِلَهَا كَطَوَافٍ، لَا كَتَلْبِيَةٍ، وَرُكُوعٍ، وَأَحْضَرَهُمُ الْمَوَاقِفَ.
(الشرح)
قوله: (بابٌ: فُرِضَ الحَجُّ) يريد: لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ولقوله ﵊: "بني الإسلام على خمس" (١) فذكر منها حج البيت، وقوله للذي سأله عن الإسلام وحج البيت: "وحجوا قبل أن لا تحجوا" (٢)، والإجماع على وجوبه.
قوله: (وَسُنَّتُهُ (٣) الْعُمْرَةُ) هو المشهور، وذهب ابن الجهم وابن حبيب إلى وجوبها (٤)، والأول أظهر لأنه ﵊ قال: "بني الإسلام على خمس" فذكر الحج دون العمرة، وقال ﵊: "الحج جهاد والعمرة تطوع" (٥)، ولأنها غير مؤقتة فلا تجب كطواف التطوع.
قوله: (مَرَّةً) هذا مما لا أعلم فيه خلافًا، ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية، قيل: يا رسول الله، أكل عام؟ قال: "الحج مرة واحدة، ولو قلت نعم
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) باطل، أخرجه البيهقي: ٤/ ٣٤١، في باب ما يستحب من تعجيل الحج إذا قدر عليه، من كتاب الحج، برقم: ٨٤٨٠، عن عليٍّ يرفعه، والحاكم: ١/ ٦١٧، برقم: ١٦٤٦، وأبو نعيم في الحلية: ٤/ ١٣١، قال ابن حبان: "هذا خبر باطل"، وانظر: الثقات: ٧/ ٤٠١.
(٣) في (ز) و(ن ٢): (وسنة)، وفي المطبوع من خليل: (وَسُنَّتِ).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٦٢.
(٥) ضعيف، أخرجه ابن ماجه: ٢/ ٩٩٥، في باب العمرة، من كتاب المناسك، برقم: ٢٩٨٩، والشافعي في مسنده: ١/ ١١٢، برقم: ٥٠٨، ومن طريقه البيهقي: ٤/ ٣٤٨، في باب من قال العمرة تطوع، من كتاب الحج، برقم: ٨٥٣٢، . قال ابن حجر: إسناده ضعيف، ولا يصح من ذلك شيء. وانظر: التلخيص الحبير: ٢/ ٤٩٤ و٤٩٥.
[ ٢ / ١٣٦ ]
لوجبت" (١).
قوله: (وَفي فَوْرِيَّتِهِ وَتَرَاخِيهِ لِخَوْفِ الْفَوْتِ (٢) خِلافٌ) اختلف هل الحج على (٣) الفور وهو الذي حكاه ابن القصار عن مالك (٤) وتابعه العراقيون، وشهره صاحب الذخيرة (٥) وصاحب العدة (٦) وابن بزيزة، أو هو على التراخي، وإليه ذهب اللخمي (٧) والباجي (٨) وصاحب المقدمات (٩) والتلمساني، وقال ابن الفاكهاني في كتاب الأقضية من شرح الرسالة: هو (١٠) المشهور (١١). وقوله: (لِخَوْفِ الْفَوَاتِ) إشارة (١٢) إلى أن الخلاف المذكور مقيد بما إذا لم يخش الفوات، فإن خشيه فلا خلاف في فوريته، قال سحنون: وهو ستون سنة، قال (١٣): ويفسق إذا زاد وترد شهادته (١٤)، وقيل: هو مُغْيَّى (١٥) بظن العجز، وذلك ربما اختلف باختلاف الأشخاص بكثرة المرض وقلته (١٦).
قوله: (وَصِحَّتُهُمَا بِالإِسْلامِ) يعني: صحة الحج والعمرة بالإسلام، وإلى هذا ذهب ابن شاس وصاحب الذخيرة (١٧)،
_________________
(١) أخرجه مسلم: ٢/ ٩٧٥، في باب فرض الحج مرة في العمر، من كتاب الحج، برقم: ١٣٣٧.
(٢) في (ز) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (الفوات).
(٣) قوله: (على) ساقط من (ز).
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ١٠٦.
(٥) نظر: الذخيرة: ٣/ ١٨٠.
(٦) في (ن ٢): (العمدة).
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٣٢.
(٨) انظر: المنتقى: ٣/ ٤٦٥.
(٩) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ١٩٣.
(١٠) في (ن ٢): (وهو).
(١١) انظر: التوضيح: ٢/ ٤٨٢.
(١٢) في (ن ٢): (أشار).
(١٣) قوله: (قال) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(١٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٢٠، والبيان والتحصيل: ١٠/ ١٤٥ و١٤٦.
(١٥) في (ن) و(ن ٢): (مقيَّد).
(١٦) انظر: التمهيد: ١٦/ ١٦٤، والتوضيح: ٢/ ٤٨٣.
(١٧) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٦٦ و٢٦٧، والذخيرة: ٣/ ١٧٩.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وهو ظاهر ما (١) عند اللخمي بناء على خطاب الكفار بفروع الشريعة.
القرافي: وهو المشهور (٢)، وجعل ابن يونس والجزولي وغيرهما الإسلام من شروط الوجوب بناء على عدم خطابهم (٣).
قوله: (فَيُحْرِمُ وَلِيٌّ عَنْ رَضِيعٍ) أي: فبسبب كون الإسلام شرط صحة، يجوز للولي أن يحرم عن الرضيع؛ إذ يصح منه الحج، وإحرامه عنه أن ينوي عنه الإحرام (٤). مالك: ويكون بإحرام الولي عنه محرمًا (٥).
قوله: (وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ) هذا يدل على أن مراده بإحرام الولي عنه مجرد النية، ولذلك (٦) يفعل بالصبي (٧) ما يقدر (٨) عليه من التجريد والتلبية إن قدر على التكلم، ويطوف به ويسعى (٩) إن قدر على المشي، ويُحضِره المشاعر ولا يركع عنه للطواف على المشهور؛ خلافًا لابن عبد الحكم.
قوله: (وَمُطْبَقٍ) أي: فيُحرم ولي المجنون المطبق كما يحرم ولي الرضيع عنه (١٠) ويفعل ما تقدم، والمطبق هو الذي لا يميز بين الأرض والسماء، ولا بين الإنسان والفرس.
قوله: (لا مُغْمًى عليه (١١» أي: فلا يحرم عنه أحد، فلو أحرم عنه أصحابه لم يصح، أمَّا لو أحرم قبل إغمائه ثم أغمي عليه فوقف به، أجزأه عند ابن القاسم خلافًا لأشهب (١٢).
_________________
(١) في (ز): (ظاهرها).
(٢) انظر: الذخيرة: ٣/ ١٧٩.
(٣) انظر: الجامع، لابن يونس، ص: ١٤٦٩.
(٤) قوله: (وإحرامه عنه أن ينوي عنه الإحرام) يقابله في (ن): (والإحرام).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٣٩٨.
(٦) في (ن): (وكذلك).
(٧) في (ن) و(ن ٢): (الصبي).
(٨) في (ن ٢): (قدر).
(٩) في (ن ٢): (سبعًا).
(١٠) قوله: (عنه) زيادة من (س).
(١١) قوله: (عليه) زيادة من (ن ٢).
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٠.
[ ٢ / ١٣٨ ]
قوله: (وَالْمُمَيِّزُ بِإِذْنِهِ) أي: وأمَّا المميز فإنه يحرم عن نفسه من الميقات بإذن وليه.
قوله (١): (وَإِلا فَلَهُ تَحْلِيلُهُ) أي: وإن لم يستأذنه بل أحرم من غير (٢) إذنه فله أن يحلله من إحرامه لا سيما إذا كان يرجو بلوغه، فيحلله (٣) ليحرم بالفرض من (٤) بعد البلوغ.
قوله: (وَلا قَضَاءَ) أي: لما حلله (٥) منه؛ لأنه غير مكلف، فالعقد الذي عقده على نفسه كلا عقد.
قوله: (بِخِلافِ الْعَبْدِ) أي: فإنه إذا أحرم بغير إذن سيده فحلله فإنه يقضي ما حلله منه إذا عتق أو أذن له سيده في ذلك قبل حجة الإسلام؛ لأنه أحرم وهو مكلف، وهو قول ابن القاسم (٦)، وقال أشهب: لا قضاء عليه (٧).
قوله: (وَأَمَرَه مَقْدُورَهُ) أي: وأمر الولِيُّ الصبيَّ بما يقدر عليه في حجه من الطواف والسعي والرمي وغير ذلك.
قوله: (وَإِلا نَابَ عَنْهُ) أي: وإن لم يقدر الصبي على شيءٍ نَابَ الولي عنه إن كان الفعل يَقْبَل النيابة كالطواف ونحوه، لا ركعتي الطواف والتلبية كما تقدم، وإليه أشار بقوله: (إِنْ قَبِلَهَا كَطَوَافٍ، لا كَتَلْبِيَةٍ وَرُكُوعٍ).
قوله: (وَأَحْضَرَهُ (٨) الْمَوَاقِفَ) يريد: كعرفة ومزدلفة ومنى.
(المتن)
وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ إِنْ خِيفَ ضَيْعَةٌ، وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ، كَجَزَاءِ صَيْدٍ، وَفِدْيَةٍ بِلا ضَرُورَةٍ. وَشَرْطُ وُجُوبِهِ -كَوُقُوعِهِ فَرْضًا- حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتَ إِحْرَامِهِ بِلَا نِيَّةِ نَفْلٍ، وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةٍ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، وَأَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ؛ إِلَّا لِأَخْذِ ظَالِمٍ مَا قَلَّ لا يَنْكُثُ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلَوْ بِلَا زَادٍ وَرَاحِلَةٍ لِذِي صَنْعَةٍ
_________________
(١) قوله: (قوله) ساقط من (س).
(٢) في (ن ٢): (بغير).
(٣) في (ن ٢): (بتحلله).
(٤) قوله: (من) ساقط من (س) و(ن ٢).
(٥) في (ن ٢): (يحلله).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٠.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٦٠.
(٨) في (ن ٢): (وأحضرهم)، وهي التي في المطبوع من خليل.
[ ٢ / ١٣٩ ]
تَقُومُ بِهِ، وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْي، كَأَعْمَى بِقَائِدٍ، وَإِلَّا اعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا، وَإِنْ بِثَمَنِ وَلَدِ زِنًى، أَوْ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفَلَّسِ، أَوْ بِافْتِقَارِهِ، أَوْ تَرْكِ وَلَدِهِ لِلصَّدَقَةِ، إِنْ لَمْ يَخْشَ هَلَاكًا، لا بِدَيْنٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ سُؤَالٍ مُطْلَقًا، وَاعْتُبِرَ مَا يُرَدُّ بِهِ؛ إِنْ خَشِيَ ضَيَاعًا. وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ؛ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَطَبُهُ، أَوْ يُضَيّعَ رُكْنَ صَلاةٍ لِكَمَيْدٍ.
(الشرح)
قوله: (وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ إِنْ خِيفَ ضَيْعة) أي: فإن سافر الولي به لخوف ضيعته إن تركه، فإن زيادة النفقة تكون على الصبيِّ؛ لأن ذلك من مصالحه.
قوله: (وَإِلا فَوَلِيُّهُ) أي: وإن لم يخف عليه الضيعة بل سافر به لغير مصلحة تعود على الصبيِّ، فالولي هو الذي يغرم الزائد.
قوله: (كَجَزَاءِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ) أي: فإن فيهما ما تقدم، وهو أن الولي إن خاف ضيعته فجزاء ما أتلف الصبي من الصيد وما وجب عليه من فدية الأداء (١) في ماله وإلا فعلى الولي، وهذا القول لمالك، وقيل: ذلك على الولي مطلقًا، وهو أيضًا لمالك في كتاب محمد (٢)، قال في الكافي: وهو الأشهر (٣). وقيل: على الصبي مطلقًا حكاه في النوادر (٤).
قوله: (بِلا ضَرُورَةٍ) يريد: كما إذا طيبه بلا داعٍ إلى ذلك، فإن طيبه لضرورة فلا شيء على الولي، قال في المدونة: وإن احتاج إلى دواء أو (٥) طيب فعل به ذلك وفدى به (٦) عنه (٧). يريد: من مال الصبيِّ، هكذا قال ابن شاس (٨).
قوله: (وَشَرْطُ وَجُوبِهِ كَوُقُوعِهِ فَرْضًا حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتَ إِحْرَامِهِ) يريد: أن الحرية والتكليف (٩) شرط في وجوب الحج؛ فلا يجب على من فيه بقية رق، ولا على غير
_________________
(١) قوله: (الأداء) زيادة من (ن).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٥٨.
(٣) انظر: الكافي: ١/ ٤١٢.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٥٨.
(٥) في (ن ٢): (و).
(٦) قوله: (به) ساقط من (س) و(ن) و(ن ٢).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٧.
(٨) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٨٧.
(٩) في (ن ٢): (والتكلف).
[ ٢ / ١٤٠ ]
مكلف كالصبي والمجنون، وهما أيضًا شرط في سقوط الفرض، فلو أحرم العبد أو غير المكلف كان (١) ما فعله نفلًا لا يجزئ عن حجة الإسلام.
قوله: (بِلا نِيَّةِ نَفْلٍ) أي: لأنه إذا نوى بحجه النفل لا يجزئه عن حجة الإسلام؛ إذ لا ينقلب النفل فرضًا.
قوله: (وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةِ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ بِلا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، وَأَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ) لا شك (٢) أنَّ الإستطاعة أيضًا من شروط الوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ١٩٧] وتحقيق الإستطاعة أن من قدر على الوصول آمنًا على نفسه وماله ولم يكن به مرض ولا ضعف يمنعه من الركوب، فإنه يجب عليه الحج وإن لحقته مشقة، إلا أن تكون مشقة عظيمة، فلا يجب عليه كما ذكر.
قوله: (إلا لأَخْذِ ظَالِمٍ مَا (٣) قَلَّ) قد تقدم أن مما يعتبر في الاستطاعة الأمن على النفس والمال، ولا شك (٤) أن عدم الأمن على النفس معتبر (٥) في السقوط، وأما عدم الأمن على المال فإن كان من لصوصٍ فكذلك؛ لأنه مؤدٍّ (٦) إلى ضياع النفس، وإن كان من أجل (٧) ظالم كصاحب مكس، ونحوه ممن يتعرض لأخذ شيء من الناس، فإن كان الذي يأخذه غير معلوم أو معلومًا وهو مما يُجْحِف سقط أيضًا عنه الحج، وإن كان لا يُجْحِف به لقلته فلا يسقط، وهو معنى ما ذكر (٨) هنا.
قوله: (لا يَنْكُثُ عَلَى الأَظْهَرِ) يريد أن ابن رشد قيد المسألة بقيد آخر وهو ألا يكون الآخذ (٩) القليل ممن ينكث؛ أي: إذا أخذه عاد إلى الكثير ولا يقف عند قوله.
قوله: (وَلَوْ بِلا زَادٍ وَرَاحِلَةٍ لِذِي صَنْعَةٍ تَقُومُ بِهِ، وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْي) هو كما قال
_________________
(١) في (ن) و(ن ٢): (فإن).
(٢) في (ن ٢): (لا إشكال).
(٣) في (ن): (مال).
(٤) في (ن ٢): (ولا إشكال).
(٥) في (ن ٢): (يعتبر).
(٦) في (ن ٢): (يؤدي).
(٧) قوله: (من أجل) يقابله في (ن ٢): (لأخذ)، وفي (س) و(ن): (من أخذ).
(٨) في (ن) و(ن ٢): (ذكره).
(٩) قوله: (ألا يكون الآخذ) يقابله في (ن): (أن يكون آخذ).
[ ٢ / ١٤١ ]
اللخمي: إذا كان يستطيع المشي وعيشه في المقام من صنعة لا يتعذر عليه عملها في سفره والعيش منها (١) وجب عليه الحج، وإن كان يستطيع المشي ولا صنعة له أو له صنعة يتعذر عليه عملها في سفره فلا يجب عليه إلا مع الزاد والراحلة، وإن كان لا يستطيع المشي وله حرفة يقوم منها عيشه في سفره ذلك وجب عليه بوجود المركوب، إلا أن يكون في حرفته فضل عن عيشه مما يكتري به (٢).
قوله: (كَأَعْمَى بِقَائِدٍ) أي: أن (٣) الأعمى إذا وجد من يقوده وهو قادر على المشي مثل البصير فيما ذكر.
قوله: (وَإِلا اعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا) أي: وإن لم يقدر على المشي وليس له صنعة تقوم به في سفره (٤)، أو كان قادرًا على المشي ولا صنعة له ويخشى (٥) الهلاك على نفسه، أو له صنعة ولا قدرة له على المشي وليس في صنعته فضل يكري منه فلا يجب عليه الحج، وهو معنى قوله: (اعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا) (٦) أي: من الصنعة والمشي، ومعنى (اعتبر) أي: في جانب السقوط.
قوله: (وَإِنْ بِثَمَنِ وَلَدِ زِنًى) أي: وجب (٧) الحج باستطاعة مع إمكان الوصول وإن بثمن ولد زنى إلى آخر ما ذكره، وقد سئل مالك: هل يحج بثمن ولد الزنى؟ فقال: أليس من (٨) أمته ولدته من زنى، قال: نعم، فقال: لا بأس به (٩). وإنما قال ذلك تنبيهًا على مذهب المخالف القائل: إنه لا يحج بثمن ولد الزنى.
قوله: (أَوْ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ) يشير به إلى أن (١٠)
_________________
(١) قوله: (والعيش منها) ساقط من (ن ٢).
(٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٢٤.
(٣) قوله: (أن) ساقط من (ن ٢).
(٤) قوله: (في سفره) ساقط من (س).
(٥) في (ن ١) و(ن ٢) و(ز) و(س): (أو يخشى).
(٦) قوله: (أي: وإن لم يقدر على المشي وليس له صنعة عَنْهُ مِنْهُمَا) ساقط من (ن ٢).
(٧) في (ن ٢): (ووجب).
(٨) في (ن ٢): (أن)، وفي (ن): (له من).
(٩) انظر: النوادر والزيادات ٢/ ٥٠٤، والبيان والتحصيل: ٣/ ٤٧٠.
(١٠) قوله: (أن) ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ١٤٢ ]
من (١) كان عنده من الأمتعة ما (٢) يباع للغرماء في الفلس كالحيوان والعقار والرقيق وثوبي جمعته (٣) إن كانت لهما قيمة، وكذا كتب الفقه وغيرها (٤) مما سيأتي في موضعه، فإنه يخاطب ببيع (٥) ذلك ليحج بثمنه.
قوله: (أَوْ بِافْتِقَارِهِ) أي: أو (٦) مع افتقاره بعده، ومعنى ذلك: أن من كان معه ما يكفيه لسفره (٧) لكنه إذا سافر يكون (٨) فقيرًا لا شيء له ولا لأهله، فإنه يجب عليه الحج من غير نظر إلى (٩) ما يؤول إليه أمره وأمر أهله؛ إذ يصدق عليه أنه مستطيع، وهذا مذهب ابن القاسم (١٠) وهو المشهور، وقيل: لا يلزمه ذلك لقوله ﵊: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول (١١) " (١٢).
قوله: (أَوْ تَرْكِ وَلَدِهِ لِلصَّدَقَةِ) أي: وكذلك يجب الحج على مستطيعه وإن أدى إلى ترك ولده للصدقة، قال في العتبية: سئل ابن القاسم عن الرجل تكون (١٣) له القرية (١٤)
_________________
(١) في (ن): (ما).
(٢) في (ن): (مما).
(٣) في (ن ٢): (جمعة).
(٤) في (ن ٢): (وغيرهما).
(٥) قوله: (ببيع) ساقط من (ز).
(٦) قوله: (أو) ساقط من (ن ٢).
(٧) قوله: (لسفره) ساقط من (ن).
(٨) في (س) و(ن) و(ن ٢): (يصير).
(٩) قوله: (إلى) ساقط من (س).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣١٩.
(١١) في (س) و(ن) و(ن ٢): (يقوت).
(١٢) انظر: التوضيح: ٢/ ٤٨٦. والحديث أخرجه مسلم: ٢/ ٦٩٢، في باب فضل النفقة على العيال ، من كتاب الزكاة، برقم: ٩٩٦، بلفظ: "أن يحبس عمن يملك قوته"، وأبو داود: ١/ ٥٢٩، في باب في صلة الرحم، من كتاب الزكاة، برقم: ١٦٩٢، وأحمد: ٢/ ١٦٠، برقم: ٦٤٩٥، بلفظ: "من يقوت"، والنسائي في الكبرى: ٥/ ٣٧٤، في باب إثم من ضيع عياله، من كتاب عشرة النساء، برقم: ٩١٧٦، واللفظ له.
(١٣) في (ن ٢): (يكون).
(١٤) في (ن): (صنعة).
[ ٢ / ١٤٣ ]
وليس له غيرها أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ولده للصدقة (١)، قال: نعم، ذلك عليه (٢)، وقيده في البيان بألا يخشى عليهم الهلاك، وأما لو خشي عليهم لم يلزمه ذلك (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يَخْشَ هَلاكًا).
قوله: (لا بِدَيْنٍ) أي: فلا يجب عليه (٤) أن يتداين ليحج.
قوله: (أَوْ عَطِيَّةٍ) أي: وكذلك لا يلزمه أن يستعطي شيئًا يحج منه (٥)؛ لأن فيه منة.
قوله: (أَوْ سُؤَالٍ مُطْلَقًا) لا خلاف أن الحج لا يجب عليه إذا لم تكن العادة إعطاءه، سواء كان معتادًا بالسؤال والإعطاء (٦) أم لا، واختلف إذا كانت عادته السؤال والإعطاء، فظاهر المذهب عدم اللزوم أيضًا وهي رواية ابن القاسم، وروى ابن وهب اللزوم (٧)، وإلى جميع ذلك أشار بالإطلاق؛ أي: لا يلزمه على وجه.
قوله: (وَاعْتُبِرَ مَا يَرُدُّ بِهِ، إِنْ خَشِيَ ضَيَاعًا) مذهب الرسالة: أن الاستطاعة القوة على الوصول إلى مكة فقط من غير نظر إلى عوده (٨)، وهكذا قال اللخمي ثم قال: إلا أن يعلم أنه إن بقي هناك ضاع وخشي على نفسه فيراعى ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب (٩) المواضع مما يمكنه التمعش فيه (١٠)، وهذا مراده بما ذكر وقوله (١١): (يرد به) أي (١٢): إلى أقرب (١٣) المواضع التي يتمعش فيها.
_________________
(١) في (ن ٢): (في الصدقة).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣١٩.
(٣) انظر: البيان والتحصيل: ٤/ ٧٢.
(٤) قوله: (عليه) ساقط من (ن ٢).
(٥) قوله: (يحج منه) يقابله في (س): (ليحج به)، وفي (ن ٢): (يحج به).
(٦) قوله: (والإعطاء) زيادة من (س).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣١٩.
(٨) انظر: الرسالة، ص: ٧٢.
(٩) في (ن ٢): (قرب).
(١٠) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٢٥.
(١١) في (ن) و(ن ١) و(ز) و(س): (بقوله).
(١٢) قوله: (أي) ساقط من (ن ٢).
(١٣) في (ن ٢): (قرب).
[ ٢ / ١٤٤ ]
قوله: (وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ) أي: في جميع ما تقدم، فيتعين السفر في البحر حيث يتعين في البر إلا أن يغلب العطب أو يعلم من نفسه أنه يميد حتى يعطل أمر الصلاة أو ركنها فلا يلزمه ذلك، وإلى هذا أشار بقوله: (إِلا أَنْ يَغْلِبَ (١) عَطَبُهُ، أَوْ يُضَيِّعَ رُكْنَ صَلاةٍ لِكَمَيْدٍ) يريد: أو ضيق ونحوهما مما يحصل به (٢) تعطيل الصلاة كلها (٣) أو ركنها، فقد سئل مالك عمن يركب البحر ولا يجد موضعًا لسجوده لكثرة الراكب وضيق الموضع إلا على ظهر أخيه، فقال: لا يركبه (٤). ثم قال (٥): أيركب حيث لا يصلي؟ ! ويلٌ لمن ترك الصلاة (٦). ومال الباجي إلى ركوبه وإن أدى إلى تعطيل بعض أحكام الصلاة بدليل ركوبه في الجهاد اتفاقًا (٧).
(المتن)
وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ؛ إِلَّا فِي بَعِيدِ مَشْيٍ، وَرُكُوبِ بَحْرٍ إِلَّا أَنْ تُخَصَّ بِمَكَانٍ، وَزِيَادَةِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ. كَرُفْقَةٍ أُمِنَتْ بِفَرْضٍ، وَفِي الإِكْتِفَاءِ بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ، أَوْ بِالْمَجْمُوعِ تَرَدُّدٌ. وَصَحَّ بِالْحَرَامِ وَعَصَى. وَفُضِّلَ حَجٌّ عَلَى غَزْوٍ إِلَّا لِخَوْفٍ، وَرُكُوبٌ، وَمُقَتَّبٌ وَتَطَوُّعُ وَلِيِّهِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ: كَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ. وَإِجَارَةُ ضَمَانٍ عَلَى بَلَاغٍ فَالْمَضْمُونَةُ كَغَيْرِهِ، وَتَعَيَّنَتْ فِي الإِطْلَاقِ، كَمِيقَاتِ الْمَيِّتِ، وَلَهُ بِالْحِسَابِ إِنْ مَاتَ وَلَوْ بِمَكَّةَ، أوْ صُدَّ وَالْبَقَاءُ لِقَابِلٍ، وَاسْتُؤْجِرَ مِنَ الانْتِهَاءِ.
(الشرح)
قوله: (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ) يريد: أن المرأة مساوية للرجل في جميع ما تقدم إلا في أمور أشار إلى الأول منها بقوله (٨): (إِلا فِي بَعِيدِ مَشْيٍ) أي (٩): فإن ذلك يكره لها (١٠) نص عليه
_________________
(١) في (ن ٢): (يكثر).
(٢) في (س) و(ن) و(ن ٢): (معه).
(٣) قوله: (كلها) ساقط من (س).
(٤) في (ن ٢): (لا يركب).
(٥) قوله: (ثم قال) ساقط من (ن).
(٦) انظر: النوادر والزيادات ١/ ٢٥٢، والبيان والتحصيل: ١/ ٤٤٤ و٤٤٥.
(٧) انظر: المنتقى: ٣/ ٤٦٩.
(٨) قوله: (بقوله) ساقط من (ز).
(٩) قوله: (أي) ساقط من (ن ٢).
(١٠) في (ز): (لما).
[ ٢ / ١٤٥ ]
في الموازية (١).
قال (٢): لأنها عورة في مشيها إلا القريب مثل مكة وما حولها (٣). وإلى الثاني أشار بقوله: (وَرُكُوبِ بَحْرٍ) يريد: لأن ركوبه (٤) في حقها مكروه، نصَّ عليه أيضًا في الموازية (٥)، وقيده عياض بما صغر من السفن لعدم الأمن من انكشاف عورتهن لا سيما عند قضاء الحاجة، قال: وركوبهن فيما كبر من السفن حيث يختصصن بأماكن يستترن فيها جائز (٦)، وإلى هذا أشار بقوله: (إِلا أَنْ تُخَصَّ بِمَكَانٍ)، ثم نبه على الثالث بقوله: (وَزِيَادَةِ (٧) مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ، كَرُفْقَةٍ أُمِنَتْ بِفَرْضٍ (٨» يريد لقوله ﵊: "لا يحل لامرأة" (٩)، وفي رواية: "لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة (١٠) إلا ومعها ذو محرم" (١١)، وعند مالك والشافعي الرفقة (١٢) المأمونة (١٣)، وإليه أشار بقوله: (كَرُفْقَةٍ أُمِنَتْ) وقيل: لا تحج (١٤) إلا مع ولي أو زوج،
_________________
(١) في (ز): (المدونة).
(٢) قوله: (قال) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣١٨.
(٤) في (ن ٢): (ركوبها).
(٥) في (ز): المدونة، وانظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣١٩ و٣٢٠.
(٦) انظر: إكمال المعلم: ٦/ ١٧٢.
(٧) في (ن ٢): (وبزيادة).
(٨) قوله: (كَرُفْقَةٍ أُمِنَتْ بِفَرْضٍ) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٩) متفق عليه، أخرجه البخاري: ١/ ٣٦٩، في باب في كم يقصر الصلاة، من أبواب تقصير الصلاة، برقم: ١٠٣٨، ومسلم: ٢/ ٩٧٧، في باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، من كتاب الحج، برقم: ١٣٣٩، ومالك: ٢/ ٩٧٩، في باب ما جاء في الوحدة في السفر للرجال والنساء، من كتاب الاستئذان، برقم: ١٧٦٦، بلفظ: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم".
(١٠) في (ن ٢): (أو ليلة).
(١١) صحيح: أخرجه الترمذي: ٣/ ٤٧٣، في كراهية أن تسافر المرأة وحدها، من كتاب الرضاع، برقم: ١١٧٠، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(١٢) في (ن ٢): (في الرفقة).
(١٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٧، وانظر: المنتقى: ٩/ ٤٧١.
(١٤) قوله: (لا تحج) ساقط من (ن ٢)، وفي (س): (لا تخرج).
[ ٢ / ١٤٦ ]
وقيل: أما في غير (١) التطوع فلها أن تخرج (٢) مع (٣) الرفقة المأمونة، وإنما قال محرم أو زوج ولم يكتفِ بذكر المحرم؛ لأن الزوج لم يذكر في الحديث، وإنما قاسه العلماء على المحرم من باب الأولى.
قوله: (بِفَرْضٍ) هو متعلق بقوله: (أمنت) أي: كرفقة أمنت في فرض، واحترز بذلك مما إذا كانت الرفقة غير مأمونة أو مأمونة (٤) وهي متطوعة بالحج فلا يباح لها ذلك.
قوله: (وَفِي الاكْتِفَاءِ بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ، أَوْ بِالْمَجْمُوعِ تَرَدُّدٌ) يشير إلى اختلاف الشيوخ في فهم قول مالك: تخرج مع رجال ونساء (٥) هل معناه أنها تخرج في جماعة من أحد الجنسين أو لا تخرج إلا معهما (٦)؟ قال في الإكمال: وأكثر ما نقله أصحابنا عنه اشتراط النساء، وقال ابن عبد الحكم: لا تخرج مع (٧) رجال ليسوا منها بمحرم، ولعل (٨) مراده على الانفراد دون النساء فيكون وفاقًا لما تقدم (٩)، وحمل سند قول ابن عبد الحكم على الكراهة (١٠).
قوله: (وَصَحَّ بِالْحَرَامِ وَعَصَى) أي: وصحَّ الحج بالمال (١١) الحرام وعصى فاعل ذلك، وقال: (بالحرام) ليشمل الغصب والسرقة والإختلاس ونحو ذلك، وإنما قال: (صَحَّ) ولم يقل سقط ليشمل النفل والفرض.
قوله: (وَفُضِّلَ حَجٌّ عَلَى غَزْوٍ) وهكذا روي عن مالك (١٢)، ولعله محمول على ما إذا
_________________
(١) قوله: (غير) زيادة من (ن ٢).
(٢) في (ن ٢): (تحج).
(٣) قوله: (مع) ساقط من (ن ٢).
(٤) قوله: (أو مأمونة) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٥) في (ن): (أو نساء). وانظر: المدونة: ١/ ٤٥٧.
(٦) في (ن ١) و(ن ٢) و(ز) و(س): (بهما).
(٧) في (ن): (تخرج إلا مع).
(٨) في (ن ٢): (ولعله).
(٩) انظر: إكمال المعلم: ٤/ ٢٣٢.
(١٠) انظر: الذخيرة: ٣/ ١٨٠.
(١١) في (ن ٢): (بمال).
(١٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٥٠٥، والبيان والتحصيل ٢/ ٥٥٢.
[ ٢ / ١٤٧ ]
خشي من نفسه جبنًا، أو خشي أن يكون غزا لأجل ما يحصل له من أموال الكفار ونحوه، مما يخرج به عن المرتبة السنية، وإلا فقد (١) ورد في الجهاد فضل لم يرد في الحج.
قوله: (إِلا (٢) لِخَوْفٍ) أي: فحينئذٍ يكون الحج مفضولًا، بل يتعين الجهاد عند ذلك (٣).
قوله: (وَرُكُوبٌ) أي: مفضل (٤) على مشي؛ لأنه ﵊ حج كذلك، وظاهر كلام سند أن المشي أفضل (٥)، وقال اللخمي: أرى أن المشي أفضل لقوله ﵊: "ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار" (٦).
قوله: (وَمُقَتَّبٌ) أي: فضل مقتَّب (٧) على الرا كب (٨) في المحارة ونحوها، وقد فعله ﵊، ولا شك أن ما يفعله هو الأفضل.
قوله: (وَتَطَوُّعُ وَلِيِّهِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ كَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ (٩» يشير إلى ما قال (١٠) في المدونة: ومن مات وهو صرورة ولم يوصِ بحج فأراد وليه أن يحج عنه فليتطوع عنه بغير هذا يهدي عنه أو يتصدق أو يعتق (١١)، وإنما كانت هذه أفضل من الحج؛ لأنها تصل إلى الميت بلا خلاف بخلاف الحج (١٢).
قوله: (وَإِجَارَةُ (١٣) ضَمانٍ عَلَى بَلَاغٍ) إنما كانت أفضل وإن كان المشهور فيها
_________________
(١) قوله: (وإلا فقد) يقابله في (ن): (وإلى هذا فقد).
(٢) في (ز): (وإلا).
(٣) في (ن) و(ن ١) و(ن ٢) و(س): (مالك)، والنوادر والزيادات: ٢/ ٥٠٥.
(٤) قوله: (مفضل) زيادة من (ن ٢).
(٥) انظر: الذخيرة: ٣/ ١٨١.
(٦) أخرجه البخاري: ٣/ ١٠٣٥، في باب من اغبرت قدماه في سبيل الله، من كتاب الجهاد والسير، برقم: ٢٦٥٦. انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٢٦.
(٧) قوله: (فضل مقتب) زيادة من (ن ٢).
(٨) في (ن) و(ن ٢): (الركوب).
(٩) قوله: (كَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(١٠) قوله: (قال) ساقط من (س).
(١١) انظر: المدونة: ١/ ٤٨٥.
(١٢) قوله: (بخلاف الحج) ساقط من (س).
(١٣) في (س): (كَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ وَإِجَارَةُ).
[ ٢ / ١٤٨ ]
الكراهة؛ لأن الأجير في المضمونة إذا مات حوسب بما صار له، وأخذ البقية من تركته فهي أحوط، ولأن الأجرة فيها معلومة مسماة، وليس كذلك غيرها.
قوله: (فَالْمَضْمُونَةُ كَغَيْرِهِ (١» أي: كغير الحج، ومعنى ذلك أنها إعطاء عوض للأجير يكون ثمنًا (٢) عن جميع فعله (٣) كسائر الإجارات في غير الحج فيكون العوض (٤) ملكًا للمستأجر، فما عجز عن كفايته يلزمه إتمامه (٥) من ماله وما فضل عنها كان له ذلك (٦)، وأما قوله: (وَتَعَيَّنَتْ فِي الإِطْلاقِ) يريد أن الموصي بالحج إذا أطلق ولم يعين (٧) صفة ما يستأجر عليه من ضمان أو بلاغ تعينت المضمونة، يريد: لأنها أحوط كما تقدم.
قوله: (كَمِيقَاتِ الْمَيِّتِ) أي: وكذا في الميقات، ومعناه أن الميت إن عين الموضع الذي يحرم منه الأجير فلا إشكال، وإن أطلق تعين ميقاته الذي يحرم منه، كالمصري فإنه يحرم عنه من الجحفة وإن أوصى بذلك وهو بغير مصر مثلا (٨)، وهو ظاهر قول ابن القاسم (٩)، ويحرم من ميقات الميت وإن لم يشترطوا عليه ذلك (١٠)، وقال أشهب في الموازية (١١): يحج عنه من الموضع الذي أوصى به (١٢) أي إذا كان بغير بلده، وقال ابن عبد الحكم: إن كان من أهل مصر فمات بخراسان وأوصى بالحج حج عنه من خراسان.
اللخمي: وهو أحسن وإنما يحج عنه من بلده إذا مات به، إلا ألا يجد من يستأجر
_________________
(١) (ن) و(ن ١) و(ز) و(س): (كغيرها).
(٢) في (ن): (عوضا).
(٣) في (ن ١) و(ن ٢) و(ز) و(س): (منافعه).
(٤) في (ز): (العرض).
(٥) في (ن ٢): (تمامه).
(٦) قوله: (ذلك) زيادة من (ن ٢).
(٧) في (ن ٢): (يقيِّد).
(٨) قوله: (بغير مصر مثلا) يقابله في (س): (بغير مصر فلا)، وفي (ن): (بعير مصر في اليمن مثلا).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٨٩.
(١٠) قوله: (عليه ذلك) زيادة من (ن ٢).
(١١) في (ن): (المدونة).
(١٢) قوله: (به) زيادة من (ن ٢).
[ ٢ / ١٤٩ ]
لتلك (١) الوصية من موضع أوصى به (٢).
قوله: (وَلَهُ بِالْحِسَابِ إِنْ مَاتَ) يريد (٣): أن الأجير المذكور إذا مات قبل وفاء ما استؤجر عليه فله بحساب ما سار؛ أي: على قدر صعوبة الطريق وسهولتها وأمنها وخوفها لا لمجرد قطع المسافة؛ لأنه قد يكون سار (٤) ربع المسافة ولصعوبته يساوي نصف الكراء، ونبه بقوله: (وَلَوْ بِمَكَّةَ) على خلاف ابن حبيب القائل بأنه إذا وصل مكة يستحق جميع الأجرة (٥).
قوله: (أَوْ صُدَّ) أي: وكذا الحكم إن صد فإنه يعطى بحساب ما سار.
قوله: (وَالْبَقَاءُ لِقَابِلٍ) أي: وللأجير البقاء على حكم الإجارة إلى العام القابل. يريد: إذا فاته الحج بمرض أو حُصر عنه بعدو.
قوله: (وَاسْتُؤْجِرَ مِنَ الانْتِهَاءِ) يريد أن الأجير إذا مات أو صد واحتيج إلى استئجار غيره فإنه يستأجر مكانه من حيث انتهاء الأول.
(المتن)
وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عَلَيْهِ، وَصَحَّ إِنْ لَمْ يُعَيِّنِ الْعَامَ. وَتَعَيَّنَ الأَوَّلُ وَعَلَى عَامٍ مُطْلَقٍ، وَعَلَى الْجَعَالَةِ، وَحَجَّ عَلَى مَا فُهِمَ وَجَنَى إِنْ وَفَّى دَيْنَهُ وَمَشَى. وَالْبَلَاغُ: إِعْطَاءُ مَا يُنْفِقُهُ بَدْءًا وَعَوْدًا بِالْعُرْفِ، وَفِي هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ لَمْ يتَعَمَّدْ مُوجِبَهُمَا، وَرُجِعَ عَلَيْهِ بِالسَّرَفِ.
(الشرح)
قوله: (وَلا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عَلَيْهِ) أي: على الأجير، ونبه بقوله: (كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عليه (٦» إلى أن هدي (٧) القران وجزاء الصيد وفدية الأذى كذلك، وإنما امتنع ذلك لأن الهدي مجهول الجنس والصفة والثمن عند الإطلاق، وذلك يؤدي إلى الجهالة في
_________________
(١) في (ن) و(ن ٢): (لبلد).
(٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٦٤.
(٣) قوله: (إلا ألا يجد من يستأجر قوله: "وَلَهُ بِالْحِسَابِ إِنْ مَاتَ" يريد) ساقط من (س).
(٤) قوله: (سار) زيادة من (ن ٢).
(٥) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٠٢.
(٦) قوله: (عليه) زيادة من (ن ٢).
(٧) قوله: ("عليه" إلى أن هدي) يقابله في (ن): (على هدي).
[ ٢ / ١٥٠ ]
الأجرة (١).
قوله: (وَصَحَّ إِنْ لَمْ يُعَيَّنِ الْعَامُ، وَتَعَيَّنَ الأَوَّلُ) يريد أن العقد يصح وإن لم يشترط على الأجير عام معين ويحمل (٢) على أقرب زمان يمكن وقوع الفعل فيه وهو العام الأول، وقيل: لا يصح للجهالة، ونسبه ابن رشد لابن القصار، قال: وليس بصحيح.
قوله: (وَعَلَى عَامٍ مُطْلَقٍ) أي: وكذلك يصح العقد على عام مطلق، أي كما إذا قال: حج عني متى شئت (٣).
قوله: (وَعَلَى الْجُعَالَةِ) أي (٤): وكذا يصح العقد على الجعالة؛ وهو أن يؤجر نفسه على أنه إن وفَّى بالحج كان له جميع الأجرة، وإلا فلا شيء له.
قوله: (وَحَجَّ عَلَى مَا فُهِمَ) أي: ما فهم (٥) من حال الموصي من ركوب دواب وغيرها، قال في السليمانية: لا ينبغي للأجير أن يركب من الجمال والدواب إلا ما كان الميت يركب؛ لأنه كذلك أراد أن يوصي (٦).
قوله: (وَجَنَى إِنْ وَفَّى دَيْنَهُ وَمَشَى) قال في السليمانية: ولا يقضي بها دينه ويسأل (٧) الناس وهذه جناية (٨)، وإنما أراد الميت أن يحج عنه بماله ثم قال: والعادة اليوم بخلاف ذلك، وأنه (٩) يصنع به ما أحب ويحج ماشيًا (١٠) وكيف تيسر (١١) له (١٢).
قوله: (وَالْبَلاغُ إِعْطَاءُ مَا يُنْفِقُهُ بَدْءًا وَعَوْدًا بِالْعُرْفِ) يريد: أن معنى إجارة البلاغ أن
_________________
(١) قوله: (ونبه بقوله: "كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ" إلى أن هدي القران في الأجرة) ساقط من (ن ١).
(٢) في (ن ٢): (وعمل).
(٣) قوله: (أي كما إذا قال: حج عني متى شئت) زيادة من (ن).
(٤) قوله: (أي) ساقط من (ن ٢).
(٥) قوله: (ما فهم) زيادة من (ن).
(٦) انظر: التوضيح: ٢/ ٤٩٩.
(٧) في (ز): (ويسار).
(٨) في (ن) و(ن ٢): (خيانة).
(٩) في (ن) و(ن ٢): (وإنما).
(١٠) في (ن): (بما شاء).
(١١) في (ن ٢): (يتيسر).
(١٢) انظر: التوضيح: ٢/ ٤٩٩.
[ ٢ / ١٥١ ]
يدفع للأجير (١) مالًا ينفق عليه منه (٢) ذهابًا وإيابًا (٣)، قال في الموازية (٤): وينفق ما لا بدَّ له منه مما يصلح له (٥) من الكعك (٦) والزيت والخل واللحم مرة بعد مرة وشبه ذلك والوطاء واللحاف والثياب (٧)، وإليه أشار بقوله: (بِالْعُرْفِ).
قوله: (وَفِي هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ لَمْ يَتَعَمَّدْ مُوجِبَهُمَا) أي: أن أجير البلاغ إذا وجب عليه هدي أو فدية فإن لم يتعمد موجبهما فهما في مال الميت كالنفقة، وإن تعمد فذلك في ماله، وقاله في المدونة (٨).
قوله: (وَرُجِعَ عَلَيْهِ بالسَّرَفِ) يريد أن الأجير إذا تعدى في النفقة بغير العرف كما لو اشترى هدية أو (٩) غيرها مما لا تعلق للحج به، أو (١٠) عمل وليمة وجمع لها (١١) أصحابه، أو اشترى (١٢) منها الفاكهة ونحوها مما لم تدع الضرورة إليه، فإنه يرجع عليه به.
(المتن)
وَاسْتَمَرَّ إِنْ فَرَغَ، أَوْ أَحْرَمَ وَمَرِضَ، وَإِنْ ضَاعَتْ قَبْلَهُ رَجَعَ، وَإِلَّا فَنَفَقَتُهُ عَلَى آجِرِهِ، إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِالْبَلَاغِ؛ فَفِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ وَلَوْ قُسِمَ، وَأَجْزَأَ إِنْ قُدِّمَ عَلَى عَامِ الشَّرْطِ أَوْ تَرَكَ الزِّيَارَةَ، وَرُجِعَ بِقِسْطِهَا، أَوْ خَالَفَ إِفْرَادًا لِغَيْرِهِ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمَيِّتُ، وَإِلَّا فَلَا، كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ هُمَا بِإِفْرَادٍ، أَوْ مِيقَاتًا شُرِطَ، وَفُسِخَتْ إِنْ عُيِّنَ الْعَامُ، أوْ عُدِمَ، كَغَيْرِهِ، وَقَرَنَ، أَوْ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ وَأَعَادَ؛ إِنْ تَمَتَّعَ،
_________________
(١) في (ن ٢): (الأجير).
(٢) قوله (منه) ساقط من (س).
(٣) في (ن ٢): (ذاهبًا وآيبًا).
(٤) في (ز): (المدونة).
(٥) قوله: (له) زيادة من (ن ٢).
(٦) في (ن ٢): (العسل).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٨٦.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٨٧.
(٩) في (ن ٢): (و).
(١٠) في (ن ٢): (و).
(١١) في (ن) و(ن ٢): (عليها).
(١٢) في (ن) و(ن ٢): (يشتري).
[ ٢ / ١٥٢ ]
وَهَلْ يُفْسَخُ إِنِ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ فِي الْمُعَيَّنِ، أَوْ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ لِلْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ عَنِ الْمَيِّتِ فَيُجْزِئَهُ؟ تَأْوِيلَانِ.
(الشرح)
قوله: (وَاسْتَمَرَّ إِنْ فَرَغَ أَوْ أَحْرَمَ، وَمَرِضَ) يريد أنه إذا فرغ ما أخذه من النفقة فإنه يستمر، ومعناه: ويرجع بالزائد، وكذا إذا أحرم فمرض فحصر عن تمام الحج أو بعد وفاته (١) يستمر.
قوله: (وَإِنْ ضَاعَتْ قَبْلَهُ رَجَعَ) أي: ضاعت النفقة التي أخذها قبل الإحرام، وإنما يرجع لأن الإجارة إنما انعقدت على ذلك المال لا على مال (٢) مطلق، وله النفقة في رجوعه، فإن تمادى بعد الضياع فلا شيء له في ذهابه، قاله في المدونة (٣).
ابن اللباد: ولا (٤) في رجوعه إلى موضع الضياع وله من ذلك الموضع إلى بلوغه (٥).
قوله: (وَإِلا فَنَفَقَتُهُ عَلَى آجِرِهِ) أي: وإن كان الضياع إنما حصل بعد أن أحرم فإن النفقة حينئذٍ تكون على آجره ويتمادى على حجه لعدم ارتفاضه (٦)، وسواء كان للميت مال أم لا، وقال (٧) ابن حبيب: إن كان للميت مال فمنه (٨).
قوله: (إِلا أَنْ يُوصِيَ بِالْبَلاغِ، فَفِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ وَلَوْ قُسِمَ) أي: فإن النفقة تكون في بقية الثلث إن لم يقسم المال (٩) بلا خلاف، فإن قسم فقال في البيان: يجري ذلك على الاختلاف (١٠) فيمن أوصى بشراء عبد من ثلثه، فاشتري ولم ينفذ له العتق حتى مات العبد وقد اقتسم الورثة المال، فقيل: يشترى عبد آخر من بقية الثلث، وهو ظاهر
_________________
(١) قوله: (بعد وفاته) يقابله في (ن) و(ن ٢): (بعدو فإنه).
(٢) قوله: (مال) زيادة من (س).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٨٨.
(٤) في (ن ٢): (إلا).
(٥) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٠٢.
(٦) في (ن): (ارتفاعه).
(٧) قوله (وقال) ساقط من (س).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٨٦.
(٩) قوله: (المال) زيادة من (ن).
(١٠) في (ن ٢): (اختلاف).
[ ٢ / ١٥٣ ]
المدونة، وقيل: لا (١).
قوله: (وَأَجْزَأَ إِنْ قُدِّمَ عَلَى عَامِ الشَّرْطِ) يريد: أن الأجير إذا شرط عليه الحج مثلًا في عام خمسين فقدَّم بأن (٢) حج في (٣) سنة تسع وأربعين أو ما قبلها فإن ذلك يجزئ عن الميت. بعض الأندلسيين: كما لو قدم دينًا عليه، نقله ابن رشد (٤).
قوله: (أَوْ تَرَكَ الزِّيَارَةَ) يريد أن من استؤجر على الحج وعلى زيارة النبي -ﷺ- فحج وتعذرت عليه الزيارة أن ذلك يجزئ عن الميت.
ابن أبي زيد: ويرد من الأجرة بقدر مسافة الزيارة، وقيل: يرجع ثانية حتى يزور (٥)، وهو معنى قوله: (وَرُجِعَ بِقِسْطِهَا).
قوله: (أَوْ خَالَفَ (٦) إِفْرَادًا لِغَيْرِهِ) يريد أن الأجير إذا شرط (٧) عليه الإفراد فخالف فتمتع أو قرن فإنه يجزئ عن الميت، والمذهب في مسألة التمتع الإجزاء كما ذكر، وكان ابن القاسم يقول بعدم الإجزاء ثم رجع إلى الإجزاء، وأمَّا إذا قرن فذهب ابن القاسم إلى عدم الإجزاء (٨)، قاله ابن الجلاب خلافًا لعبد الملك (٩)، لكن قال في الكافي: الأكثر من أصحاب مالك على الإجزاء (١٠)، وهذا كله إذا كان المشترط على الأجير الورثة (١١)، وإليه أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمَيِّتُ) أي: إن لم يشترط الميت الإفراد على الأجير، ولهذا قال: (وَإلا فَلا) أي: وإن كان المشترط لذلك هو الميت فلا يجزئ وهذا مما لا خلاف فيه، لكن إن قرن انفسخت الإجارة سواء كان العام معينًا أم لا، وإن تمتع
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ٤/ ٧٤ و٧٥.
(٢) في (ن) و(ن ٢): (فإن).
(٣) قوله (في) ساقط من (س).
(٤) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٠٥، وفيه: (ابن راشد).
(٥) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٠٥.
(٦) في (ز): (خاف).
(٧) في (س): (اشترط).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٨٦.
(٩) قوله: (لعبد الملك) يقابله في (ن ٢): (لابن عبد الملك). وانظر: التفريع: ١/ ١٩٤.
(١٠) انظر: الكافي: ١/ ٤٠٩.
(١١) قوله: (المشترط على الأجير الورثة) يقابله في (ن): (الشرط على الأجير من الورثة).
[ ٢ / ١٥٤ ]
أعاد (١) إن كان العام غير معين (٢).
قوله: (كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ أَوْ عَكْسِهِ) أي (٣): كما لا يجزئ إذا اشترط عليه التمتع فقرن أو القران فتمتع، نقله في الذخيرة (٤).
قوله: (أَوْ هُمَا بِإِفْرَادٍ) أي: وكذلك لا يجزئه إذا اشترط عليه التمتع فأفرد أو القران فأفرد، نصَّ على ذلك أيضًا (٥) في الذخيرة (٦).
قوله: (أَوْ مِيقَاتًا شُرِطَ) أي: وإن شرط على الأجير أن يحج من ميقات فأحرم من غيره لم يجزئه، فـ (ميقاتًا) معطوف على (إفراد) أي: أو خالف ميقاتًا شرط عليه. قال في الذخيرة: ظاهر المذهب أنه لا يجزئه، ويرد المال في الحج المعين إن فات (٧).
قوله: (وَفُسِخَتْ إِنْ عُيِّنَ الْعَامُ أو عُدِمَ) يريد أن الأجير إذا خالف الميقات فإن الإجارة تنفسخ (٨) إن كان العام معينًا، وكذلك إن عدم العام المعين؛ أي: فات، أو عدم الأجير بموت ونحوه.
قوله: (كَغَيْرِهِ) يريد أن الأجير إذا أمر غيره بحج عن الميت فإن الإجارة أيضًا تنفسخ، معناه: إذا كان العام أيضًا معينًا، ولا خلاف في هذا إذا نص الميت على الأجير أو الورثة أو دلت قرينة على تعيينه، وكذلك إن لم تكن قرينة، واختاره ابن عبد البر (٩) وغيره، وقيل: يصح (١٠) ويجزئ عن الميت.
قوله: (أَوْ قَرَنَ) أي: وكذلك تنفسخ الإجارة إذا قرن الأجير. يريد: مخالفًا لما شرط عليه من إفراد أو تمتع، وقد سبق ذلك.
_________________
(١) في (ن): (جاز).
(٢) قوله (كان العام غير معين) يقابله في (س): (كان العام معينًا).
(٣) قوله (أي) ساقط من (س).
(٤) انظر: الذخيرة: ٣/ ١٩٩.
(٥) قوله: (أيضًا) ساقط من (ن ٢).
(٦) انظر: الذخيرة: ٣/ ١٩٩.
(٧) انظر: الذخيرة: ٣/ ١٩٨.
(٨) قوله: (الإجارة تنفسخ) يقابله في (ن ٢): (الأجرة تفسخ).
(٩) انظر: الكافي: ١/ ٤٠٩.
(١٠) في (ن ٢): (تصح).
[ ٢ / ١٥٥ ]
قوله: (أَوْ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ) أي: حج عن نفسه ولم يحج عن الميت وفسخت هنا الإجارة؛ لأن العام معين وقد أتى فيه بغير ما استؤجر عليه فالعقد خاص بالعام الذي فوته ولم يتعلق بما بعده من الأعوام، وإن لم يعين العام فقال ابن بشير: تنفسخ أيضًا، ونص في البيان على خلافه (١).
قوله: (وَأَعَادَ إِنْ تَمَتَّعَ) أي: فإن شرط عليه الإفراد أو القران فتمتع لم تنفسخ (٢)، لكن يبقى إلى العام القابل فيعيد كما شرط عليه، والفرق بينه وبين ما إذا خالف فقرن أن القران مما يخفى سببه فلا يؤمن من العود (٣) بخلاف التمتع، وأيضًا فإن القارن شرك (٤) في العمل (٥) فأتى ببعض ما استؤجر عليه، والمتمتع (٦) أتى بما اشترط (٧) عليه وزيادة.
قوله: (وَهَلْ يُفْسَخُ (٨) إِنِ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ (٩) فِي الْمُعَيَّنِ، أَوْ إِلا أَنْ يَرْجِعَ لِلْمِيقَاتِ فَيُحْرِمَ عَنِ الْمَيِّتِ فَيُجْزِئَهُ؟ تَأَوِيلانِ) قال في المدونة: ومن أخذ مالًا ليحج به عن الميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة، لم يجزئ ذلك عن الميت، وعليه أن يحج حجة أخرى عن الميت كما استؤجر (١٠)، واختلف الأشياخ كما أشار إليه في تأويل ذلك؛ فذهب بعضهم إلى أن الإجارة تفسخ في المعين، قال: ويلزمه أن يحج عنه من موضع الإستئجار لا من الميقات؛ لأنه لما اعتمر عن نفسه كأنه إنما حج لذلك (١١)، ففهم أن مذهب المدونة عموم نفي الإجزاء، وهذا أحد التأويلين ذكره ابن
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٠٣.
(٢) في (ن ٢): (لم ينفسخ).
(٣) في (ن) و(ن ٢): (العودة).
(٤) في (ن ٢): (القران شريك).
(٥) قوله: (القارن شرك في العمل) يقابله في (ن): (القران شرك العمل).
(٦) في (ن) و(ن ٢): (والتمتع).
(٧) في (ن) و(ن ٢): (شرط).
(٨) في (ز): (ينفسخ).
(٩) في (ن ٢) والمطبوعة من خليل: (عن نفسه).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٤٨٦.
(١١) قوله: (لذلك) يقابله في (ن): (له ذلك).
[ ٢ / ١٥٦ ]
يونس، قال: والذي أرى أنه (١) إن رجع فأحرم من ميقات الميت أنه يجزئه؛ لأنه تعدى منه فأحرم عن نفسه، وكان الواجب عليه أن يحرم عمن استأجره، فإذا رجع فأحرم منه عنه لم ينقصه (٢) شيئًا مما شرط عليه (٣)، وهذا هو التأويل الثاني، وفي العتبية: أراه ضامنًا للحج؛ لأن من استؤجر على الحج عن ميت فعليه أن يحرم من ميقات الميت، سواء اشترط عليه من ذي الحليفة أم لا (٤).
(المتن)
وَمُنِعَ اسْتِنَابَةُ صَحِيحٍ فِي فَرْضٍ؛ وَإِلَّا كُرِهَ كَبَدْءِ مُسْتَطِيعٍ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَإِجَارَةِ نَفْسِهِ، وَنَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنَ الثُّلُثِ، وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ إِنْ وَسِعَ وَقَالَ يُحَجُّ بِهِ لَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَمِيرَاثٌ، كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ، أَوْ تَطَوَّعَ غَيْرٌ، وَهَلْ إِلَّا أَنْ يَقُولَ يُحَجُّ عَنِّي بِكَذَا فَحِجَجٌ؟ تَأوِيلانِ. وَدُفِعَ الْمُسَمَّى -وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَتِهِ- لِمُعَيَّنٍ لَا يَرِثُ فُهِمَ إِعْطَاؤُهُ لَهُ، وَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ وَارِثٍ وَلَمْ يُسَمِّ زِيدَ -إِنْ لَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ- ثُلُثُهَا، ثُمَّ تُرُبِّصَ، ثُمَّ أُوجِرَ -لِلصَّرُورَةِ فَقَطْ- غَيْرُ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ، وَإِنِ امْرَأَةً وَلَمْ يَضْمَنْ وَصِيٌّ دَفَعَ لَهُمَا مُجْتَهِدًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِمَا سَمَّى مِنْ مَكَانِهِ حُجَّ مِنَ الْمُمْكِنِ وَلَوْ سَمَّاهُ؛ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ فَمِيرَاثٌ، وَلَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ لَا الإِشْهَادُ، إِلَّا أَنْ يُعْرَفَ، وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأْخُذُهُ فِي حَجَّةٍ، وَلا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حُجَّ عَنْهُ، وَلَهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ.
(الشرح)
قوله: (وَمُنِعَ اسْتِنَابَةُ صَحِيحٍ فِي فَرْضٍ) هو من باب إضافة المصدر إلى فاعله، والمعنى أن الصحيح لا يجوز له أن يستنيب غيره ليحج عنه في (٥) الفرض.
قوله: (وَإِلا كُرِهَ) أي: وإن استناب العاجز في ذلك والصحيح في النفل، كره له (٦) ذلك.
_________________
(١) قوله: (أنه) ساقط من (ن ٢).
(٢) في (ن ٢): (ينقص).
(٣) انظر: الجامع، لابن يونس، ص: ١٦٨٤.
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٤٠٣.
(٥) قوله (في) ساقط من (س).
(٦) قوله: (له) ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ١٥٧ ]
سند: والمذهب (١) كراهتها للصحيح في التطوع، وإن وقعت صحت الإجارة (٢).
واختلف في العاجز هل تجوز استنابته وهو مروي عن مالك، أو تكره وهو المشهور، أو يفرق بين الولد فيجوز (٣) منه وبين غيره فلا تجوز، وهو قول ابن وهب وأبي مصعب (٤).
قوله: (كَبَدْءِ مُسْتَطِيعٍ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ) يريد: أنه يكره للمستطيع أن يبدأ بالحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؛ لقوله ﵊ للذي أحرم بالحج عن غيره: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (٥)، قال في المدونة: ويحج عنه من حج عن نفسه فإن جهلوا فاستأجروا من لم يحج أجزأ عنه (٦). وقال أشهب: لا بأس أن يستأجروا له صرورة ممن (٧) لم يجد السبيل، فأما من يجد السبيل فلا ينبغي أن يعان على ذلك (٨)، فإن أحجوا عنه أساؤوا ويجزئه.
قوله: (وَإِجَارَةِ نَفْسِهِ) هذا هو المشهور، قال في كتاب محمد: ولأن يؤاجر الرجل نفسه في سَوْق الإبل وحمل اللبن أحب إليَّ من أن يعمل عملًا لله ﷿ عن غيره بإجارة (٩)، والشاذ (١٠) جواز ذلك.
قوله: (وَنَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنَ الثُّلُثِ) يريد: أن الإستنابة وإن كانت مكروهة فإنها تنفذ إن أوصى بها وهو المشهور، وقال ابن كنانة: لا تنفذ ويصرف قدر الموصى به في
_________________
(١) في (ن): (والمذهب له).
(٢) انظر: الذخيرة: ٣/ ١٩٣.
(٣) قوله (فيجوز) ساقط من (س).
(٤) انظر: الذخيرة: ٣/ ١٩٣، والتوضيح: ٢/ ٤٩٦.
(٥) صحيح، أخرجه أبو داود: ١/ ٥٦٢، في باب الرجل يحج عن غيره، من كتاب المناسك، برقم: ١٨١١، وابن ماجه: ٢/ ٩٦٩، في باب الحج عن الميت، من كتاب المناسك، برقم: ٢٩٠٣ وقال ابن الملقن: إسناده صحيح على شرط مسلم. انظر: ٦/ ٤٦.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٨٥.
(٧) قوله: (ممن) زيادة من (ن) و(ن ٢).
(٨) انظر: التوضيح: ٢/ ٤٩٨.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٨١.
(١٠) وأشار في حاشية (ن): (والصواب).
[ ٢ / ١٥٨ ]
هدايا (١)، وقال بعض (٢) من قال بقوله: يصرف في وجه من وجوه الخير، وإنما كان من الثلث؛ لأن حكمه حكم الوصية التي لا تكون إلا في الثلث. وقال أشهب: ذلك (٣) من رأس المال إن كان صرورة، وقيل: لا تنفذ. حكاهما في الذخيرة (٤).
قوله: (وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ إِنْ وَسِعَ وَقَالَ: يُحَجُّ بِهِ لا مِنْهُ) يريد: أن الميت إذا أوصى أن يحج عنه بمال حج عنه حجج بعدده (٥) إن وسع المال الموصى به ذلك إذا قال في وصيته يحج به؛ أي: بمجموعه (٦) لا منه؛ أي (٧): لا ببعضه، وهذا مع القرينة أو (٨) التنصيص على ذلك، قال في العتبية: في رجل أوصى أن يحج عنه بثلثه فوجد ثلثه ثلاثة آلاف (٩) دينار ونحو ذلك، فإنه يحج عنه حتى يستوعب الثلث. قال في البيان: لأنه لما كان الثلث واسعًا علم أنه لم يرد حجة واحدة ولو كان ثلثه يشبه أن يحج به حجة واحدة رجع ما بقي ميراثًا كما قال في المدونة في مسألة الأربعين دينارًا (١٠).
قوله: (وَإِلا فَمِيرَاثٌ) أي: وإن لم يسعِ المال الموصى به ذلك فهو ميراث، وكذلك إذا سمى الميت قدرًا فلم يوجد من يحج به من موضع الميت ولا من مكة فهو ميراث (١١)، وأشار بقوله: (كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ) إلى مسألة المدونة: إذا قال (١٢): حُجوا عني بأربعين دينارًا ففضل منها فضلة أو رضي الأجير بثلاثين فإن الباقي يرجع ميراثًا (١٣)،
_________________
(١) في (ن ٢): (الهدايا). وانظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٤١٩.
(٢) قوله: (بعض) ساقط من (ن ٢).
(٣) قوله: (ذلك) يقابله في (ن): (لا تكون إلا).
(٤) انظر: الذخيرة: ٣/ ١٩٣.
(٥) في (ز): (بعده)، وفي (ن) و(ن ٢): (متعددة).
(٦) في (ن ٢): (مجموعه).
(٧) قوله (أي) ساقط من (س).
(٨) في (ن ٢): (و).
(٩) قوله: (ثلاثة آلاف) يقابله في (ن) و(ن ٢): (ألف).
(١٠) انظر: البيان والتحصيل: ٤/ ٥٣.
(١١) قوله (أي: وإن لم يسعِ المال الموصى به ذلك فهو ميراث، ميراث) ساقط من (ز).
(١٢) قوله (قال) ساقط من (ز).
(١٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٨٨.
[ ٢ / ١٥٩ ]
وكذلك إذا تبرع رجل فحجَّ عن الميت مجانًا فإن المال يرجع ميراثًا، وإليه أشار بقوله: (أَوْ تَطَوُّعِ غَيْرٍ).
وأشار بقوله: (وَهَلْ إِلا أَنْ يَقُولَ: يُحَجُّ عَنِّي بِكَذَا فَحِجَجٌ؟ تَأْوِيلانِ) إلى ما قاله (١) ابن المواز: إن الموصي إذا قال: حجوا بهذا عني أو يحج به (٢) عني أنه (٣) يحج عنه حجج إلى مبلغ ذلك، بخلاف ما إذا قال: يحج به فلان عني فرضي فلان (٤) بأقل فإن الفاضل يكون ميراثًا (٥)، واختلف المتأخرون هل هو (٦) تفسير لقول ابن القاسم أو خلاف؟ وهذا التردد راجع إلى قوله (٧): (وَإِلا فَمِيرَاثٌ) أي: وهل جعله أو ما فضل عنه ميراثًا مقيد بما إذا لم يقل: حجوا عني أو مطلقًا؟ تأويلان، وهذا على أن قول محمد خلاف.
قوله: (وَدُفِعَ الْمُسَمَّى وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَتِهِ لِمُعَيَّنٍ لا يَرِثُ (٨» يريد: أن الميت إذا عين شخصًا فقال: يحج عني بكذا، فإنه يعطى له الجميع ولو كان زائدًا على مقدار (٩) أجرته؛ لأنها وصية له، وليس له أن يقول: أحجوا غيري بكذا (١٠)، وادفعوا إليَّ الزائد؛ لأنه إنما أوصى له بشرط الحج، وهذا إذا كان غير وارث، وأما الوارث فلا يزاد على النفقة والكراء شيئًا كما قال سند (١١)، وإليه أشار بقوله: (لا يَرِثُ) أي: دفع الجميع لمعين غير وارث، وإنما قال: (فُهِمَ إِعْطَاؤُهُ لَهُ) لأنه إذا لم يفهم من لفظ الموصي أو فهم غير ذلك لم يُزَد على أجرته شيئًا.
قوله: (وَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ وَارِثٍ وَلَمْ يُسَمِّ زِيدَ إِنْ لَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ ثُلُثَهَا ثُمَّ تُرُبِّصَ)
_________________
(١) في (ن) و(ن ٢): (قال).
(٢) قوله (به) زيادة من (س).
(٣) قوله: (أنه) ساقط من (ن ٢).
(٤) قوله (فلان) ساقط من (ز).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٨٤.
(٦) قوله: (هو) ساقط من (ن ٢).
(٧) في (ن ٢): (لقوله).
(٨) قوله: (لا يَرِثُ) ساقط من (ز) و(ن) و(ن ٢).
(٩) قوله: (مقدار) ساقط من (ن ٢).
(١٠) قوله: (أحجوا غيري بكذا) يقابله في (ن) و(ن ٢): (آجروا غيري).
(١١) انظر: الذخيرة: ٣/ ٢٠٠.
[ ٢ / ١٦٠ ]
يعني: إذا عين الميت شخصًا غير وارث (١) يحج عنه ولم يسمِّ قدر ما يعطى له (٢)، وأبى الشخص (٣) أن يحج عنه بأجرة مثله، فإنه يزاد له فوق تلك الأجرة مقدار ثلثها، فإن رضي (٤) فلا كلام وإلا تربص قليلًا لعله يرضى بذلك، واحترز بقوله: (غير وارث) من الوارث فإنه لا يزاد على نفقته وكرائه كما تقدم، وبقوله: (ولم يسم) مما إذا سمى قدرًا يحج به عنه، فإنه إن رضي بذلك القدر أو بدونه دفع له ورجع ما فضل ميراثًا، وإن لم يرضَ به (٥) لم يزد على ذلك شيئًا واستأجروا من يحج عنه إن كان الميت صرورة، وإلا رجع المال ميراثًا وقيل: لا.
قوله: (ثُمَّ أُوجِرَ لِلصَّرُورَةِ فَقَطْ، غَيْرُ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ، وَإِنِ امَرْأَةً (٦» يريد أن الصرورة وهو الذي لم يحج قطُّ (٧)، إذا أوصى بالحج فإنما يستأجر له مسلم حر بالغ يحج عنه؛ ليكون حجه مُنَزَّلًا منزلةَ حج الميت، فإن أوصى أن يحج عنه عبد أو صبي أنفذ ذلك، قاله في المدونة (٨)، وقال ابن القاسم: يدفع ذلك لغيرهما، حكاه ابن المواز (٩).
وأشار بقوله: (فقط) إلى أن (١٠) غير الصرورة إذا حج عنه عبد أو صبي فلا بأس به، ونبه بقوله: (وإن امرأة) على خلاف من يرى (١١) أنها لا تحج عن الرجل؛ لأن إحرامها في وجهها وكفيها بخلافه، وأيضًا فإن الرجل في الطواف يَرْمُل بخلافها، وكذلك يَخبُّ في بطن المسيل دونها إلى غير ذلك.
_________________
(١) قوله: (غير وارث) زيادة من (ن ٢).
(٢) قوله: (له) ساقط من (ز) و(ن) و(ن ٢).
(٣) قوله: (وأبى الشخص) يقابله في (ن) و(ن ٢): (فإن لم يرض الشخص).
(٤) في (ن): (لم يرضَ).
(٥) قوله (به) ساقط من (ز) و(ن) و(ن ٢).
(٦) في (ز) و(ن ٢): (امرأة).
(٧) قوله: (قط) زيادة من (ن).
(٨) انظر: المدونة: ٤/ ٣٦٧.
(٩) قوله: (يدفع ذلك لغيرهما، حكاه ابن المواز) يقابله في (ن): (يرجع ذلك إلى غيرهما، وقاله ابن المواز). وانظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٨٣.
(١٠) قوله: (أن) ساقط من (ن ٢).
(١١) قوله: (خلاف من يرى) ساقط من (ن).
[ ٢ / ١٦١ ]
قوله: (وَلَمْ يَضْمَنْ وَصِيٌّ دَفَعَ لَهُمَا مُجْتَهِدًا) يريد: أن الوصي إذا ظن أن العبد حرٌّ أو (١) الصبي بالغٌ فدفع لهما الأجرة ثم ظهر أنهما على خلاف ما ظن فلا يضمن شيئًا لأنه اجتهد، والغرض من ذلك الثواب وهو يحصل بهما كما يحصل بغيرهما.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِما سَمَّى مِنْ مَكَانِهِ حُجَّ مِنَ الْمُمْكِنِ وَلَوْ سَمَّاهُ (٢) إِلا أَنْ يُمْنَعَ فَمِيرَاثٌ (٣» يعني: إذا سمى الميت قدرًا فلم يوجد من يحج عنه من مكانه بذلك القدر (٤)، فإنه يحج عنه من مكان يمكن أن يستأجر له منه بالمقدار الذي عينه الميت، ولا خلاف فيه إذا لم يسمِّ الكان الذي يحج منه عنه، فإن سماه فقال: حجوا عني من بلد كذا، وقد مات به ولم يوجد من يحج به (٥) عنه من ذلك البلد (٦)، فروي عن ابن القاسم أنه يستأجر له به من حيث يوجد، إلا أن يتبين أنه أراد ألا يحج به عنه إلا من بلده (٧)؛ أي: فيكون ميراثًا، وإلى هذا أشار بقوله: (وَلَوْ سَمّاهُ (٨) إِلا أَنْ يُمْنَعَ فَمِيرَاثٌ) أي: ولو سمى (٩) المكان الذي يحج عنه منه، فكذلك يحج عنه من حيث (١٠) يمكن إلا أن يمنع من (١١) ذلك لكونه إنما أراد أن يحج عنه من موضعه، فيكون ميراثًا.
قوله: (وَلَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ) أي: ولزم الأجير أن يحج عن الموصي بنفسه. يريد: إذا قامت قرينة تدل على تعيينه من الورثة أو عيَّنه الميت قصدًا لخيره ورغبة في بركته.
قوله: (لَا الإِشْهَادُ (١٢» أي: فلا يلزمه أن يشهد على نفسه أنه قد حج عن الميت،
_________________
(١) في (ن) و(ن ٢): (و).
(٢) في المطبوع من خليل: (سمى)
(٣) قوله: (وَلَوْ سَمَّاهُ إِلا أَنْ يُمْنَعَ فَمِيرَاثٌ) زيادة من (ن ٢).
(٤) قوله (القدر) ساقط من (ز) و(ن) و(ن ٢).
(٥) قوله (به) ساقط من (ز).
(٦) في (ن ٢): (الموضع).
(٧) انظر: البيان والتحصيل: ٤/ ٥٢.
(٨) في المطبوع من خليل: (سمى)
(٩) قوله (ولو سمى) يقابله في (ز): (ولم يسم).
(١٠) قوله (حيث) ساقط من (ز).
(١١) في (ز): (في).
(١٢) قوله: (لَا الإِشْهَادُ) يقابله في (ز): (إلا الإشهاد).
[ ٢ / ١٦٢ ]
وهذا إذا لم يكن عرف الناس الإشهاد فإن كان لزمه، وإليه أشار بقوله: (إلا أَنْ يُعْرَفَ) ولا خفاء أن العرف إذا جرى بالإشهاد (١) أو بعدمه أنه يصار إليه، فإن لم يكن عرف فعن المتأخرين في ذلك قولان.
قوله: (وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأْخُذُهُ فِي حَجِّهِ (٢» أي: وقام وارث الموصي مقامه في تعيين من يعينه لحجه. يريد: وكذلك يقوم وارث الأجير مقامه إذا كان الحج مضمونًا لا معينًا.
قوله: (وَلا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حُجَّ عَنْهُ، وَلَهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ) يريد: أن من مات وعليه فريضة الحج فإنها لا تسقط بحج غيره عنه.
ابن القصار: وإنما للميت المحجوج عنه أجر النفقة والدعاء (٣)؛ إن أوصى أن يستأجره من ماله على ذلك، وإن تطوع غيره عنه (٤) بذلك فله أجر الدعاء وفضله (٥)، وإلى هذا أشار بقوله: (وله أجر النفقة) (٦)؛ أي: إذا أوصى أن (٧) يحج عنه من ماله (والدُّعاء) أي: إذا تبرع به عنه الغير، وخرج الباجي قولًا بسقوط الفريضة (٨).
(المتن)
وَرُكْنُهُمَا الإِحْرَامُ، وَوَقْتُهُ لِلْحَجِّ شَوَّال لآخِرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَكُرِهَ قَبْلَهُ كَمَكَانِهِ، وَفِي رَابِغٍ تَرَدُّدٌ. وَصَحَّ. وَلِلْعُمْرَةِ أَبَدًا إِلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ لِتَحَلُّليْهِ، وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ. وَمَكَانُهُ لَهُ لِلْمُقِيمِ مَكَّةَ، وَنُدِبَ الْمَسْجِدُ، كَخُرُوجِ ذِي النَّفَسِ لِمِيقَاتِهِ، وَلَهَا وَلِلْقِرَانِ الْحِلُّ. وَالْجِعِرَّانَةُ أَوْلَى، ثُمَّ التَّنْعِيمُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ، وَأَهْدَى إِنْ حَلَقَ؛ وَإِلَّا فَلَهُمَا ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَالْجُحْفَةُ، وَيَلَمْلَمُ، وَقَرْنٌ، وَذَاتُ عِرْقٍ، وَمَسْكَنٌ دُونَهَا، وَحَيْثُ حَاذَى وَاحِدًا، أَوْ مَرَّ وَلَوْ
_________________
(١) قوله (فإن كان لزمه وإليه أشار بقوله: "إلا أَنْ يُعْرَفَ" بالإشهاد) ساقط من (ز).
(٢) في المطبوع: (في حَجَّةٍ).
(٣) قوله: (والدعاء) زيادة من (ن).
(٤) قوله: (عنه) ساقط من (ن ٢).
(٥) انظر: المنتقى: ٣/ ٤٧٠.
(٦) قوله: (النفقة) زيادة من (س).
(٧) في (ن ٢): (لمن).
(٨) انظر: المنتقى: ٣/ ٤٧١.
[ ٢ / ١٦٣ ]
ببَحْرٍ؛ إِلَّا كَمِصْرِيٍّ يَمُرُّ بِالْحُلَيْفَةِ، فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ لِحَيْضٍ رُجِيَ رَفْعُهُ، كَإِحْرَامِهِ أَوَّلَهُ، وَإِزَالَةِ شَعَثِهِ، وَتَرْكِ اللَّفْظِ بِهِ.
(الشرح)
قوله (١): (وَرُكْنُهُمَا الإِحْرَامُ) أي: وركن الحج والعمرة الإحرام، وهذا مما لا إشكال فيه لفعله ﵊ وقوله: "خذوا عني مناسككم" (٢) وأمره به، وذلك مجمع (٣) عليه.
قوله: (وَوَقْتُهُ لِلْحَجِّ شَوَّالٌ لآخِرِ ذِي (٤) الْحِجَّةِ) يريد: ووقت الإحرام للحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، ولهذا قال: (لآخر ذِي الحجة) وهو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: آخره عشر ذي الحجة ورواه ابن حبيب (٥)، وروي أيام التشريق نقله في الجواهر (٦)، وفائدة الخلاف تعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة عن أشهر الحج (٧).
قوله: (وَكُرِهَ قَبْلَهُ) يريد: أن الإحرام بالحج قبل شوال مكروه؛ لأنه ﵊ إنما أحرم به في أشهره، واختلف إذا فعل ذلك هل ينعقد وهو المشهور، أو لا ينعقد؟ وحكى هذا القول اللخمي ولم يعزه (٨)، وأشار بقوله: (كَمَكَانِهِ) إلى أن الحج أيضًا له ميقات مكاني كما سيأتي من (٩) كلامه، وأنه يكره له أن يحرم قبله (١٠)، وهو ظاهر المدونة (١١)، وهو الذي يحكيه العراقيون عن المذهب من غير
_________________
(١) في (ز): (فصل).
(٢) أخرجه مسلم: ٢/ ٩٤٣، في باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر ، من كتاب الحج، برقم: ١٢٩٧، وأبو داود: ١/ ٦٠٤، في باب في رمي الجمار، من كتاب المناسك، برقم: ١٩٧٠، والنسائي: ٥/ ٢٧٠، في باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم، من كتاب مناسك الحج، برقم: ٣٠٦٢، وابن ماجه: ٢/ ١٠٠٦، في باب الوقوف بجمع، من كتاب المناسك، برقم: ٣٠٢٣.
(٣) في (ن ٢): (مجموع).
(٤) قوله: (ذِي) ساقط من (ز) و(ن ٢) والمطبوعة من خليل.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٤٠.
(٦) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٧٠.
(٧) قوله: (عن أشهر الحج) زيادة من (ن) و(ن ٢).
(٨) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٦٥.
(٩) في (ن ٢): (في).
(١٠) قوله: (قبله) ساقط من (ن).
(١١) انظر: المدونة، دار صادر: ٢/ ٣٦٣.
[ ٢ / ١٦٤ ]
تفصيل، وفي الموازية: له أن يحرم من منزله إذا كان قبل الميقات إلا أن يكون قريبًا منه فيكره أن يحرم منه (١)، لأنه مع القرب إنما قصد مخالفة الميقات، ومع البعد إنما قصد استدامة الإحرام وهو غير مكروه.
قوله: (وَفِي رَابغٍ تَرَدُّدٌ) أي: هل يكره الإحرام منه لأنه قبل الجحفة، وإليه ذهب الشيخ القدوة (٢) أبو عبد الله بن الحاج (٣)، أو لا يكره، لأنه أول الميقات ومن أعمال الجحفة ومتصل بها بدليل اتفاق الناس على ذلك، وإليه ذهب بعض (٤) أشياخنا المتأخرين؛ وحكي ذلك عن شيخ شيخنا الشهير (٥) بعبد الله المنوفي (٦)، ﵏ أجمعين.
قوله: (وَصَحَّ) أي: ولو قلنا بالكراهة فإنه ينعقد ويصح.
قوله: (وَللْعُمْرَةِ أَبَدًا إِلا لِمُحْرِمٍ (٧) بِحَجٍّ لِتَحَلُّلَيْهِ (٨» يريد: أن ميقات العمرة في (٩) أيام السنة كلها، أي (١٠): فأي وقت أحرم بها جاز (١١) إلا من كان محرمًا بالحج فالوقت في حقه إذا تحلل من الحج، فمراده (١٢) بقوله: (لتحلليه) أي: إلى أن يحل من حجه، ثم قال: (وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ) لما كان الذي يحل به من الحج أمرين: طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة، ثنى الضمير لأجل ذلك، ومراده أن الإحرام بالعمرة قبل
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٣٦.
(٢) قوله: (القدوة) زيادة من (ن ٢).
(٣) في (ن ٢): (بن الحاجب). وانظر: المدخل، لابن الحاج: ٤/ ٢١٦.
(٤) قوله: (بعض) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٥) قوله: (حكي ذلك عن شيخ شيخنا الشهير) يقابله في (ن) و(ن ٢): (وحكى ذلك شيخ شيوخنا المشهور).
(٦) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٢٧، ومناسك الحج، ص: ٩٠.
(٧) في (ن ٢): (المحرم).
(٨) في المطبوع من خليل: (فلتحلله).
(٩) قوله (في) ساقط من (ز).
(١٠) قوله: (أي) زيادة من (ن ٢).
(١١) في (ن ٢): (كان).
(١٢) قوله: (من الحج، فمراده) يقابله في (ن): (وهو مراده).
[ ٢ / ١٦٥ ]
الفراغ منهما ممنوع، وبعدهما وقبل الغروب (١) من آخر أيام الرمي مكروه، وقاله في المدونة (٢)، ومعناه: ينعقد (٣).
قوله: (وَمَكَانُهُ لَهُ لِلْمُقِيمِ مَكَّةُ) أي: ومكان الإحرام للحج للمقيم مكة، وسواء كان من أهلها أم (٤) مقيمًا بها وقت الإحرام، واحترز بقوله: (له) (٥) مما إذا كان الإحرام للعمرة كما سنذكره.
قوله: (وَنُدِبَ الْمَسْجِدُ) يريد أنه يستحب من بمكة إذا أراد الإحرام بالحجِّ أن يأتي المسجد ليحرم (٦) منه به (٧)، وهو مذهب المدونة (٨).
أشهب: يريد من داخله لا من بابه، وقاله في الموازية عن مالك (٩). وقال ابن حبيب: إنما يحرم من بابه (١٠).
قوله: (كَخُرُوجِ ذِي النَّفَسِ لِمِيقَاتِهِ) المراد بصاحب النفس من اتسع له الوقت من أهل الآفاق إذا كان بمكة وأراد الإحرام بالحج، فالمستحب أن يخرج إلى ميقاته فيحرم منه، وقاله في المدونة (١١)، وإنما أمره هنا بالخروج لأنه في سعة من الوقت، وفي المسألة الأولى استحب له أن يحرم من المسجد؛ لأن معناه أنه في ضيق من الوقت ليس عليه نفس مثل ذلك، وهكذا قال (١٢) في النكت إثر (١٣) مسألتي المدونة (١٤).
_________________
(١) في (س): (غروب الرابع).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٠٠.
(٣) قوله: (ومعناه: ينعقد) يقابله في (ن ٢): (معناه: ينعقد الإحرام)، وفي (ن): (وينعقد).
(٤) في (ن) و(ن ٢): (أو).
(٥) قوله: (له) ساقط من (ن).
(٦) في (ن ٢): (فيحرم).
(٧) قوله (به) ساقط من (س).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٢.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٣٥.
(١٠) انظر: المنتقى: ٣/ ٣٧١.
(١١) انظر: المدونة: ١/ ٤٠١.
(١٢) قوله (قال) ساقط من (س).
(١٣) في (ن ٢): (أنه معنى)، وفي (ن): (وفرق به بين).
(١٤) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٢٢.
[ ٢ / ١٦٦ ]
قوله: (وَلَهَا وَللْقِرَانِ الْحِلُّ) أي: وللإحرام بالعمرة من بمكة الحل للجمع فيها بين الحل والحرم؛ لفعله ﵊، فلو أحرم بها من الحرم وهي تنقضي فيه لزم من ذلك عدم الجمع بينهما في الإحرام للعمرة (١)؛ بخلاف الحج فإنه وإن أحرم به من (٢) الحرم يخرج إلأ عرفة (٣) وهي حل فيحصل له الجمع بين الحل والحرم، وهذا وجه كون القران يطلب فيه الخروج أيضًا إلأ الحل؛ لأن القارن (٤) لو أحرم به (٥) من مكة لزم عدم الجمع في العمرة بينهما؛ لأن خروجه لمعرفة خاص بالحجِّ، وهذا هو المشهور، وقال عبد الملك وسحنون: يجوز إحرامه من مكة بناء على أن العمرة مضمحلة (٦) والعبرة بالحج لا غير (٧).
قوله: (والجْعِرَّانَة أَوْلَى، ثُمَّ التَّنْعِيمُ) إنما كان الإحرام بالعمرة من الجعرانة أولًا لفعله ﵊ إذ أحرم بها من الجعرانة، وكان التنعيم يليها في الفضل؛ لأمره لعبد الرحمن أن يخرج بأخته عائشة إلى التنعيم.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ، وَأَهْدَى إِنْ حَلَقَ) يريد: أن من أحرم بالعمرة من الحرم ولم يخرج إلى الحل ثم طاف وسعى (٨) فإنه يعيد طوافه وسعيه بعد أن يخرج إلى الحل لكونهما وقعا بغير شرطهما، فإن حلق أعادهما أيضًا وأهدى؛ لكونه حلق في حال إحرامه، هذا هو الأصح خلافًا لأشهب في سقوط الدم، حكاه عنه ابن المواز (٩).
قوله: (وَإِلا فَلَهُمَا ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَالْجحْفَةُ، وَيَلَمْلَمُ، وَقَرْنٌ، وَذَاتُ عِرْقٍ) لما ذكر أن
_________________
(١) قوله: (بينهما في الإحرام للعمرة) يقابله في (ن): (فيها بين الحل والحرم).
(٢) في (ن ٢): (في).
(٣) قوله: (إلى عرفة) يقابله في (ن ٢): العرفة).
(٤) في (ن ٢): (القران).
(٥) قوله (به) زيادة من (س).
(٦) في (ن): (مطمحلة).
(٧) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٢٣.
(٨) قوله: (ثم طاف وسعى) ساقط من (ن).
(٩) في (ن): (محمد). وانظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٣٨.
[ ٢ / ١٦٧ ]
الميقات المكاني من بمكة في الحج مكة، وفي العمرة الحل، أشار بهذا (١) إلى أن من أراد (٢) الإحرام بحج أو عمرة ممن هو من أهل الآفاق فإن ميقاته فيهما ما ذكر؛ أي: وإن لم يكن مقيمًا بمكة (٣) فللحج والعمرة هذه المواقيت وذو الحليفة أبعد المواقيت من مكة بينهما نحو من عشر مراحل أو تسع، وهي قريبة من المدينة على ستة أميال منها، وقيل: سبعة، وقيل: أربعة وهي ميقات أهل المدينة.
والجحفة على ثلاث مراحل، ونحوها من مكة وبينها وبين المدينة ثماني مراحل وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب.
ويلملم ويقال أيضًا أَلَمْلَم بإبدال الياء همزة وهو جبل من جبال تهامة (٤) على ليلتين من مكة وهي ميقات أهل اليمن.
وقرن المنازل على مرحلتين من مكة، قيل: أنها أقرب المواقيت إليها، وهي ميقات أهل نجد.
وأما ذات عرق وهي ميقات أهل العراق فهي موضع بالبادية (٥) ولم أرَ من ذكر ذات عرق بالنسبة إلى قربه وبعده من مكة شرفها الله تعالى،
والشيخ -﵀- قد ذكر هذه المواقيت ولم يذكر أهلها اتكالًا على ما ورد في ذلك في الصحيحين، عن ابن عباس "أن رسول الله - ﷺ - وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل (٦)، ولأهل اليمن يلملم، قال: عن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" (٧)،
_________________
(١) في (ن ٢): (بهذه).
(٢) في (ز): (مراده).
(٣) قوله: (بمكة) زيادة من (ن ٢).
(٤) قوله: (ويقال أيضًا ألملم بإبدال الياء همزة وهو جبل من جبال تهامة) زيادة من (ن).
(٥) قوله: (وهي ميقات أهل نجد. وأما ذات عرق وهي ميقات أهل العراق فهي موضع بالبادية) زيادة من (ن).
(٦) قوله (المنازل) ساقط من (ز).
(٧) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٢/ ٥٥٤، في باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، من كتاب الحج، برقم ١٤٥٢، ومسلم: ٢/ ٨٣٨، في باب مواقيت الحجة والعمرة، من كتاب الحج، برقم ١٨١١، ومالك: ١/ ٣٣٠، في باب مواقيت الإهلال، من كتاب الحج، برقم: ٧٢٤.
[ ٢ / ١٦٨ ]
زاد مسلم: "وأهل العراق من ذات عرق" (١)، وأشار بقوله: (وَمَسْكَن دُونَهَا) إلى أن من كان ساكنًا (٢) دون هذه المواقيت فميقاته من (٣) مكانه (٤)، وهو معنى قوله ﵊: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ".
قوله: (وَحَيْثُ حَاذَى وَاحِدًا أَوْ مَرَّ وَلَوْ بِبَحْرٍ) أي: وحيث حاذى ميقاتًا (٥) منها أو مر به فإنه يلزمه أن يحرم منه إلا المصري والشامي (٦) والمغربي يمرون بذي الحليفة فليس عليهم الإحرام منها، لأن ميقاتهم وهو الجحفة (٧) بين أيديهم، إلا أن (٨) الأولى لهم أن يحرموا من ذي الحليفة، وإليه أشار بقوله: (إِلا كَمِصْرِيٍّ يَمُرُّ بِذِي الْحُليْفَةِ، فَهُوَ أَوْلَى)، وأشار بقوله: (وَلَوْ بِبَحْرٍ) إلى قول مالك في النوادر: إن من حج (٩) في البحر من أهل مصر وشبههم فليحرم إذا حاذى الجحفة (١٠).
قوله: (وَإِنْ لِحيْضٍ رُجِيَ رَفْعُهُ) يريد أن الحائض إذا مرَّتْ بذي الحليفة وترجو أن يحصل لها الطهر قبل الجحفة فإنها لا تؤخر إحرامها إلى الجحفة، والأولى لها أن تحرم من ذي الحليفة، ذكره في النوادر (١١)، واختلف في المدني (١٢) المريض هل يرخص له في ترك الإحرام إلى الجحفة، فحكى محمد عن مالك: لا ينبغي له أن يتجاوز الميقات فيما يرجو
_________________
(١) أخرجه مسلم: ٢/ ٨٤٠، في باب مواقيت الحجة والعمرة، من كتاب الحج، برقم ١٨١٣، وأبو داود: ١/ ٥٤٢، في باب في المواقيت، من كتاب المناسك، برقم: ١٧٣٩، والنسائي: ٥/ ١٢٣، في باب ميقات أهل مصر، من كتاب مناسك الحج، برقم: ٢٦٥٣.
(٢) في (ز): (دونها).
(٣) قوله (من) ساقط من (س).
(٤) في (ن ٢): (مسكنه)، وقوله: (من مكانه) يقابله في (ن): (منزله).
(٥) في (ن) و(ن ٢): (واحدًا).
(٦) قوله: (والشامي) ساقط من (ن).
(٧) قوله: (لأن ميقاتهم وهو الجحفة) يقابله في (ن): (إلا أنه من ميقاتهم وهو الجحفة وهي).
(٨) قوله: (إلا أن) يقابله في (ن) و(ن ٢): (لكن).
(٩) قوله: (حج) يقابله في (ن): (مر حاجّا).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٣٥.
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٢٤.
(١٢) قوله: (المدني) ساقط من (ن).
[ ٢ / ١٦٩ ]
من قوة وليحرم، فإن احتاج إلى شيء افتدى، وقال أيضًا: لا بأس أن يؤخر للجحفة (١).
ابن بزيزة: وهو المشهور للضرورة. اللخمي: وهو الأولى (٢).
قوله: (كَإِحْرَامِهِ أَوَّلَهُ) أي: أول الميقات؛ وإنما كان ذلك أولى لأن المبادرة إلى الطاعة تستحب.
قوله: (وَإِزَالَةِ شَعَثِهِ) أي: قبل الإحرام، وهو معطوف على قوله: (كإحرامه أوله)، والتقدير: وكذلك يستحب للمحرم أن يزيل شعثه قبل إحرامه. بعض الأشياخ: ويقلم أظفاره ويزيل ما على بدنه من الشعر الذي يؤمر بإزالته؛ إلا (٣) شعر الرأس فإن الأفضل إبقاؤه طلبًا للشعث في الحج.
ومما يستحب عند الإحرام أيضًا (٤) ترك التلفظ بما يحرم به، وروي عن مالك كراهة التلفظ بذلك، يريد أن مجرد النية بذلك مع التلبية أو ما حصل من فعل كالتوجه كافٍ، وإليه أشار بقوله: (وَتَرْكِ اللَّفْظِ بهِ) وروي عن ابن وهب: التسمية أحب إليَّ. وفي الموازية (٥): ذلك واسع سمى أو تركَ (٦).
(المتن)
وَالْمَارُّ بِهِ إِنْ لَمْ يُرِدْ مَكَّةَ، أَوْ كَعَبْدٍ فَلا إِحْرَامَ عَلَيْهِ، وَلا دَمَ. وِإنْ أَحْرَمَ إِلَّا الصَّرُورَةَ الْمُسْتَطِيعَ فَتَأْوِيلانِ. وَمُرِيدُهَا إِنْ تَرَدَّدَ أَوْ عَادَ لَهَا لِأَمْرٍ، فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا وَجَبَ الإِحْرَامُ، وَأَسَاءَ تَارِكهُ، وَلا دَمَ إِنْ لَم يَقْصِدْ نُشكًا، وَإِلَّا رَجَعَ، وَإِنْ شَارَفَهَا وَلا دَمَ وَلَوْ عَلِمَ؛ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتًا، فَالدَّمُ، كَرَاجِعٍ بَعْدَ إِحْرَامِهِ، وَلَوْ أَفْسَدَ، لا فَاتَ. وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، وَإنْ خَالَفَهَا لَفْظُهُ وَلا دَمَ، وَإِنْ بِجِمَاع مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ بَيَّنَ أَوْ أَبْهَمَ، وَصَرَفَهُ لِحَجّ، وَالْقِيَاسُ لِقِرَانٍ، وَإنْ نسِيَ فَقِرَانٌ، وَنَوَى الْحَجَّ وَبَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ، كَشَكِّهِ أَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ، وَألْغَى عُمْرَةٌ عَلَيْهِ، كَالثَّانِي فِي حَجَّتَينِ أَوْ عُمْرَتَينِ، وَرَفْضُهُ، وَفِي كَإِحْرَامِ زَيْدٍ تَرَدُّدٌ.
(الشرح)
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٣٨.
(٢) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٢٦، التبصرة، للخمي، ص: ١١٦١.
(٣) في (ن) و(ن ١) و(ز) و(س): (لا).
(٤) قوله: (أيضًا) زيادة من (ن ٢).
(٥) في (ن ٢): (المدونة).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٣١، والتوضيح: ٢/ ٥١٦.
[ ٢ / ١٧٠ ]
قوله: (وَالْمَارُّ بهِ إن لم يُرِدْ مَكةَ، أَوْ كَعَبْدٍ فَلا إِحْرَامَ عَلَيْهِ، وَلا دَمَ، وَإِنْ أَحْرَمَ إِلا الصَّرُورَةَ الْمُسْتَطِيع فتَأْوِيلانِ) يريد أن المار بالميقات إذا لم يرد مكة، بل جاوزه لحاجة دون مكة، أو كان مريدًا إلا أنه ممن لم يخاطب بفريضة الحج كالعبد والصبي، فلا إحرام على واحد منهما ولا دم؛ لأن الحج غير متوجه على العبد والصبي ونحوهما، فإن أحرموا بعد ذلك فلا دم أيضًا، إلا أن يكون الذي أحرم بعد الميقات صرورة مستطيعًا، فاختلف في وجوب الدم عليه، قال مالك في المدونة: ومن تعدى الميقات وهو صرورة مستطيع ثم أحرم فعليه الدم (١).
عياض: اختلف في تأويله فقيل: معناه إذا جاوزه وهو يريد الحج ثم أحرم بعده، فأما إن جاوزه غير مريد الحج فلا دم عليه (٢)، وإليه ذهب أبو محمد (٣)، وقيل: معناه سواء جاوزه وهو مريد (٤) الحج أو لا، وإليه ذهب ابن شبلون وزعم أنه ظاهر الكتاب هنا؛ إذا لم يقل وهو مريد (٥) الحج أو غيره (٦)، وإلى هذا الخلاف (٧) أشار بقوله: (فتأويلان).
قوله: (وَمُرِيدُهَا إِنْ ترَدَّدَ أَوْ عَادَ لَهَا لأَمْر، فكَذَلِكَ) أي: ومريد مكة إن كان مترددًا لها كالمتسببين (٨) في (٩) الحطب والفاكهة ونحوهما، أو عاد لأمر عرض له (١٠) فليس عليه إحرام، وهو معنى قوله: (فكذلك)، وقال اللخمي في المترددين: يستحب لهم أن يحرموا أول مرة ثم إن تكرر ذلك منهم سقط عنهم الإحرام (١١).
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤١٧.
(٢) انظر: إكمال المعلم: ٣/ ١٧٤.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٣٩، ما وقفت عليه في النوادر والزيادات هذا القول منسوبًا لمحمد بن المواز وليس لأبي محمد بن أبي زيد.
(٤) قوله: (جاوزه وهو مريد) يقابله في (ن): (أو هو يريد).
(٥) قوله: (هنا؛ إذ لم يقل وهو مريد) يقابله في (ن): (وهذا إذا لم يصل وهو يريد).
(٦) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٣٢.
(٧) في (ن) و(ن ٢): (الاختلاف).
(٨) في (ن ٢): (كالحطابين).
(٩) قوله: (لها كالمتسببين في) يقابله في (ن): (إليها ليشتري).
(١٠) (قوله (له) ساقط من (ز).
(١١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٦٣.
[ ٢ / ١٧١ ]
قوله: (وَإِلا وَجَبَ الإِحْرَامُ، وَأَسَاءَ تَارِكُهُ، وَلا دَمَ) أي: وإن لم يكن من المترددين ولا ممن عرض له أمر عاد لأجله وجب عليه أن يحرم من ميقاته الذي يأتي عليه، فإن ترك الإحرام وجاوز الميقات حلالًا فلا دم عليه، وقد أساء من أي الآفاق كان، قاله في المدونة، ثم قال: إذا لم يرد الحج ولا العمرة (١)، وإليه أشار هنا بقوله: (إِنْ لَمْ يَقْصِدْ نُسُكًا)، وقال في (٢) الجلاب: إن أحرم فعليه الدم وإلا فلا (٣)، وقاله في تهذيب الطالب لعبد الحق (٤)، وفي المدونة (٥): وجوب الدم، وظاهره أحرم أم لا (٦)، وقيل: إن كان صرورة فعليه الدم وإلا فلا (٧)، وفي الموازية (٨): إن أحرم وكان صرورة فعليه الدم وإلا فلا.
قوله: (وَإِلا رَجَعَ، وَإِنْ شَارَفَهَا وَلا دَمَ وَلَوْ عَلِمَ، مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتًا (٩)، فَالدَّمُ) أي: وإن قصد أحد النسكين الحج (١٠) أو العمرة رجع للإحرام من ميقاته وإن قرب من مكة ولا دم عليه، قال في المدونة: إلا أن يخاف فوات الحج فليحرم من (١١) موضعه ويتمادى وعليه دم (١٢).
أبو الحسن الصغير: يريد (١٣) وسواء جاوز (١٤) جاهلًا أو عامدًا (١٥)، وإليه أشار
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٢.
(٢) في (س): (ابن).
(٣) انظر: التفريع: ١/ ١٩٦.
(٤) قوله: (لعبد الحق) زيادة من (ن ٢).
(٥) في (ز) و(ن ٢): (الموازية).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٠٢.
(٧) قوله: (وفي المدونة: وجوب الدم، وظاهره وإلا فلا) ساقط من (ن ١).
(٨) في (ن ٢): (المدونة).
(٩) في (ن) و(ن ٢): (فواتًا).
(١٠) في (ن ٢): (بالحج).
(١١) قوله: (من) ساقط من (ن)
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٠٢.
(١٣) قوله: (يريد) ساقط من (ن ٢).
(١٤) في (ن ٢): (جاوزها).
(١٥) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٣٠.
[ ٢ / ١٧٢ ]
بقوله: (ولو علم).
قوله: (كَرَاجِعٍ بَعْدَ إِحْرَامِهِ) أي: وكذلك يجب الدم أيضًا على من رجع بعد أن جاوز (١) الميقات بغير إحرام ثم أحرم وإن قرب، خلافًا لابن حبيب، ولا يسقطه الرجوع لترتبه عليه، وقيل: يسقطه (٢) ولذلك نظائر (٣).
قوله: (وَلَوْ أَفْسَدَ، لا فَاتَ) يريد: أن الدم لا يسقط عنه بعد ترتبه (٤) ولو فسد (٥) حجه؛ بخلاف ما إذا فات فإنه يسقط عنه (٦)، قاله في المدونة (٧).
قوله: (وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ) يريد: أن الإحرام لا ينعقد إلا بنية مقرونة بقول أو فعل متعلقين (٨) به كالتلبية والتوجه إلى الطريق، كما أشار إليه بعد هذا (٩).
قوله: (وَإِنْ خَالَفَهَا لَفْظُهُ) أي: أن الإحرام ينعقد بما تقدم وإن خالفها لفظه، كما إذا نوى الحج وتلفظ بالعمرة أو العكس، وهو قول صاحب الجواهر (١٠)، وإن اختلف عقده ونطقه فالاعتبار بالعقد.
قوله: (وَلا دَمَ) أي: ولا دم عليه لمخالفته لفظه وعدم مطابقته لنيته.
قوله (١١): (وَإِنْ بِجِمَاعٍ) يشير إلى ما حكاه سند أن الإحرام ينعقد وهو يجامع ويلزمه (١٢) التمادي والقضاءَ، وذكر ما يدل على أن ذلك متفق عليه (١٣)، والباء في (وإن
_________________
(١) في (ن) و(ن ٢): (يجاوز).
(٢) قوله: (وقيل يسقطه) زيادة من (س).
(٣) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٢٩.
(٤) قوله: (بعد ترتبه) يقابله في (ن ٢): (بترتبه).
(٥) في (ن): (افسد).
(٦) قوله: (عنه) ساقط من (ن ٢).
(٧) انظر: المدونة.١/ ٤٩٤.
(٨) في (ن ٢): (معلقين).
(٩) قوله: (كما أشار إليه بعد هذا) يقابله في (ن) و(ن ٢): (وإليه أشار بقوله: "مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بهِ" أي: بالإحرام؛ فلا ينعقد بمجرد النية، وقاله اللخمي وابن بشير وابن شاس، وقيل: ينعقد بذلكَ، قاله سند وهو مروي عن مالك).
(١٠) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٧٠.
(١١) قوله: (أي: ولا دم عليه لمخالفته لفظه وعدم مطابقته لنيته. قوله) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(١٢) (في (ن ٢): (ويجب عليه).
(١٣) انظر: الذخيرة: ٣/ ٢٢٠.
[ ٢ / ١٧٣ ]
بجماع) للمعية؛ أي: وإن أحرم مع جماع أو في حال جماع.
قوله: (مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ) أي: بالإحرام؛ فلا ينعقد بمجرد النية، وقاله اللخمي (١) وابن بشير وابن شاس (٢)، وقيل: ينعقد بذلك، قاله سند وهو مروي عن مالك (٣).
قوله: (بَيَّنَ أَوْ أَبْهَمَ) يريد أن الإحرام ينعقد بالنية مع قول أو فعل سواء بيَّن ما أحرم به أو أبهم، إلا أنه لا يفعل شيئًا إلا بعد التعيين، فإن طاف قبل التعيين فقال في الذخيرة: الصواب أن يجعله حجًّا ويكون هذا طواف القدوم (٤)، وفي الموازية: أحب إليَّ أن يفرد، والقياس أن يقرن، وقاله أشهب (٥)، وإليه أشار بقوله: (وَصَرَفَهُ لِحجٍّ وَالْقِيَاسُ لِقِرَانٍ) وقيل: القياس أن يصرفه لعمرة، ورأيُ اللخميِّ التخيير إنما هو في حق المدني ونحوه، وأما أهل المغرب ونحوهم ممن لا يقصد إلا الحج فلا يلزمه غيره (٦).
قوله: (وَإِنْ نَسِيَ فَقِرَانٌ، وَنَوَى الْحَجَّ) أي: فإن أحرم بشيء معين ثم نسيه فلم يدرِ أهو حج أو عمرة أو قران فإنه ينوي الحج ويعمل على القران (٧) احتياطًا، فيطوف ويسعى ويهدي بناء على القران (٨) ويعتمر بعد ذلك؛ لاحتمال أن يكون إنما أفرد أولًا، وإليه أشار بقوله: (وَبَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ) أي: من الحج، وأما العمرة فيأتي بها، وفي الموازية: وهو قول أشهب يكون قرانًا (٩) وهو وفاق، وأشار بقوله: (كَشَكِّهِ أَفْرَدَ) إلى أن من شك هل أحرم بحج وعمرة (١٠)، وهو معنى قوله: (أَوْ تَمَتَّعَ) فإنه يعمل على الحج، قال في
_________________
(١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٣٧.
(٢) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٧٤.
(٣) قوله: ("مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ" أي: بالإحرام؛ عن مالك) هذا القول ذكر في (ن) و(ن ٢) قبل (وإن خالفها لفظه). وانظر: الذخيرة: ٣/ ٢١٨.
(٤) انظر: الذخيرة: ٣/ ٢٢١.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٣٢.
(٦) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٦٣٨.
(٧) قوله: (حج أو عمرة أو قران فإنه ينوي الحج ويعمل على القران) ساقط من (ن).
(٨) قوله: (بناء على القران) يقابله في (ن ٢): (شيئا).
(٩) في (ن ٢): (قارنًا).
(١٠) في (ن) و(ن ١) و(ز) و(س): (أو عمرة).
[ ٢ / ١٧٤ ]
الجواهر: ولو شك هل أحرم بالحج (١) مفردًا أو بالعمرة؟ طاف وسعى لجواز أن يكون إحرامه بعمرة، ولا يحلق لإمكان أن يكون في حج ويتمادى على عمل الحج ويهدي لتأخير الحلاق لا للقران؛ لأنه لم يحدث (٢) نية الحج، بل يتمادى على نيته (٣) الأولى وهو كشيء (٤) واحد، وأما العمرة فلا يضره تماديه بعد فرا غه من سعيها وأما الحج فيكون مفردًا، وما تقدم من الطواف والسعي يكون (٥) له لا للعمرة (٦)، ونحوه للخمي.
قوله: (وَأَلْغَى عُمْرَةً (٧) عَلَيْهِ كَالثَّانِي فِي حَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ) يريد: أن العمرة الداخلة على الحج تلغى كالحج الداخل على مثله (٨) أو العمرة الداخلة على مثلها، والأقسام أربعة لا يصح منها إلا إدخال الحج على العمرة كما سيأتي، ومعنى (ألغى) أن الثاني لا ينعقد ولا يقضى (٩).
قوله: (وَرَفْضُهُ) هو معطوف على قوله: (وألغى عمرة عليه) أي: وكذلك يلغى رفض الحج فلا أثر له على المشهور، نص عليه غير واحد من أصحابنا، وقاله ابن القاسم في المدونة (١٠).
قوله: (وَفي كَإِحْرَامِ زَيْدٍ ترَدُّدٌ) يريد أنه اختلف فيمن أحرم بما أحرم به زيد مثلًا ولم يعلم هل أحرم بحج أو عمرة (١١)، هل يصح إحرامه أو يبطل لعدم الجزم حين الدخول في العبادة، والمنقول أن إحرامه صحيح عند أشهب؛ لما ورد أن عليًّا أهلَّ بما أهلَّ به
_________________
(١) قوله: (بالحج) ساقط من (ن ٢).
(٢) في (ن): (يحدد)
(٣) في (ن ٢): (نية).
(٤) في (ن ٢) (ن): (شيء).
(٥) قوله: (يكون) ساقط من (ن ٢).
(٦) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٧٥.
(٧) في المطبوع من خليل: (ولغا عمرةٌ).
(٨) في (ن): (الحج).
(٩) قوله: (ومعنى "ألغى" أن الثاني لا ينعقد ولا يقضى) يقابله في (ن): (ومعني قوله كالثاني أنه إذا أحرم بحجتين أو عمرتين أن الثاني لا ينعقد ولا يقضي)
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٤٣١.
(١١) في (ن ٢): (بعمرة).
[ ٢ / ١٧٥ ]
رسول الله - ﷺ -، نقله سند وصاحب الذخيرة، وحكي عن مالك منع ذلك (١).
(المتن)
وَنُدِبَ إِفْرَادٌ، ثُمَّ قِرَانٌ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا وَقَدَّمَهَا، أَوْ يُردِفَهُ بِطَوَافِهَا؛ إِنْ صَحَّتْ وَكَمَّلَهُ، وَلا يَسْعَى، وَتَنْدَرِجُ، وَكُرِهَ قَبْلَ الرُّكُوعِ؛ لا بَعْدَهُ، وَصَحَّ بَعْدَ سَعْي، وَحَرُمَ الْحَلْقُ، وَأَهْدَى لِتَأْخِيرِهِ وَلَوْ فَعَلَهُ. ثُمَّ تَمَتعٌ بِأَنْ يَحُجَّ بَعْدَهَا وَإِنْ بِقِرَانٍ. وَشَرْطُ دَمِهِمَا عَدَمُ إِقَامَةٍ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِهِمَا وَإِنْ بِانْقِطَاع بِهَا أَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ، لا انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا، أَوْ قَدِمَ بِهَا يَنْوِي الإِقَامَةَ. وَنُدِبَ لِذِي أَهْلَيْنِ، وَهَلْ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بِأحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَيُعْتَبَرُ؟ تَأْوِيلانِ.
(الشرح)
قوله: (وَنُدِبَ إِفْرَادٌ) لأنه أفضل من القِران (٢) والتمتع، قال في المدونة: وهو أحب إليَّ (٣)، وهذا هو المشهور.
قوله: (ثُمَّ قِرَانٌ) يريد (٤): أنه يلي الإفراد في الأفضلية ثم التمتع يليهما، وقال أشهب والقاضي عبد الوهاب (٥) واللخمي: التمتع أفضل من القِران (٦).
قوله: (بِأنْ يُحْرِمَ بِهِمَا وَقَدَّمَهَا) هو بيان لكيفية القِران؛ وهو أن يحرم بالحج والعمرة معًا؛ أي: ويقدم العمرة في نيته على الحج لارتدافه عليها دون العكس، فإن قدم الحج أجزأه عند الأبهري. الباجي: وذلك إذا نواهما (٧) معًا (٨).
قوله: (أَوْ يُرْدِفَهُ بِطَوَافِهَا) هو أيضًا نوع ثانٍ من أنواع القِران؛ وهو أن يحرم بالعمرة أولًا ثم يردف الحج على العمرة في طوافها، يريد أو قبله، وهو مذهب المدونة (٩)، وظاهر كلام بعض الأشياخ أنه إذا شرع في الطواف يكره له الارتداف (١٠)، وعن ابن
_________________
(١) انظر: الذخيرة: ٣/ ٢١٥، والتوضيح: ٢/ ٥٤٩.
(٢) قوله: (القران) ساقط من (ن)
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٣٩٤.
(٤) في (ن ٢): (أي).
(٥) انظر: المعونة: ١/ ٣٦٣.
(٦) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٥٠.
(٧) في (ن): (قرنهما).
(٨) انظر: المنتقى: ٣/ ٣٦٠.
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٤١٦ و٤١٧.
(١٠) في (ز) و(ن ٢) (ن): (الإرداف).
[ ٢ / ١٧٦ ]
القاسم جوازه وإن فرغ من الطواف (١)، وأما قوله: (إِنْ صَحَّتْ) فيشير به إلى أن الحج لا يردف (٢) على العمرة الفاسدة، وهو المشهور ومذهب (٣) المدونة (٤)، وقال عبد الملك (٥): يجوز ذلك ويصير قارنًا.
قوله: (وَكَمَّلَهُ، وَلا يَسْعَى) يريد: أنه إذا أردفه في الطواف على العمرة الصحيحة (٦) فإنه يكمله ولا يسعى.
قوله: (وَتَنْدَرِجُ) أي: العمرة في الحج فلا يبقى لها فعل (٧) ظاهر تختص (٨) به، وفيه تنبيه على قول أبي حنيفة في (٩) إيجابه على القارن طوافين وسعيين (١٠).
قوله: (وَكُرِهَ قَبْلَ الرُّكُوعِ لا بَعْدَهُ، وَصَحَّ بَعْدَ سَعْيٍ) أي: وكره الإرداف قبل الركوع؛ وأما بعده فلا إرداف، قال في المدونة: ومن أردف الحج قبل تمام طواف العمرة فليتمه ولا يسعى لها؛ لأنه قارن، وإن أردف بعد أن طاف وركع ولم يسعَ أو سعى بعض السعي كره له ذلك، فإن فعل فليمضِ على سعيه ثم يحل، وإن (١١) أردف الحج بعد تمام سعيه قبل (١٢) أن يحلق لزمه ولم يكن قارنًا ويؤخر حلاق رأسه ولا يطوف ولا يسعى حتى يرجع من منى إلا أن يشاء أن يطوف تطوعًا، ولا يسعى ولا دم عليه للقران، وعليه دم لتأخير الحلاق في عمرته؛ لأنه لم يقدر على الحلاق (١٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَحَرُمَ الحْلْقُ وَأَهْدَى لتأخيره). وأمَّا قوله: (وَلَوْ فَعَلَهُ) يريد أنه لا يسقط الهدي المترتب
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٦٨.
(٢) في (ن ٢): (لا يرتدف).
(٣) في (ن ٢): (وهذا مذهب).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٨.
(٥) في (ز) و(س): (ابن عبد الحكم).
(٦) في (ن) و(ن (١) و(ن ٢) و(ز): بـ (الفاسدة).
(٧) في (ن ٢): (أثر فعل).
(٨) في (ن ٢): (يختص).
(٩) قوله: (في) ساقط من (ن ٢).
(١٠) انظر: المعونة: ١/ ٣٥٧.
(١١) في (ن ٢): (فإن).
(١٢) في (ن ٢): (وقبل).
(١٣) قوله: (في عمرته؛ لأنه لم يقدر على الحلاق) ساقط من (ن ٢). وانظر: المدونة: ١/ ٤١٦.
[ ٢ / ١٧٧ ]
عليه بسبب تأخير الحلاق إذا حلق (١) في حالة إحرامه بالحج (٢)، وقيل: يسقط.
قوله: (ثُم تَمَتُّعٌ) يريد: أن التمتع يلي القران في الفضيلة (٣)، وذهب أشهب والقاضي عبد الوهاب (٤) واللخمي إلى أن التمتع أفضل من القران (٥).
قوله: (بِأَنْ يَحُجَّ بَعْدَهَا) يريد أن صفة التمتع أن يحج بعد أن يحل من عمرته؛ أي: ويكون قد فرغ منها كلها في أشهر الحج، كما سنذكره في شروط (٦) وجوب الدم.
قوله: (وَإِنْ بِقِرَانٍ) يريد أنه (٧) إذا حل من عمرته ثم أحرم ثانيًا وإن بحج وعمرة فإنه يكون بذلك (٨) متمتعًا، ولا خلاف فيه، وإنما اختلف (٩) هل عليه وإن لتمتعه وقرانه، أو دم واحد.
قوله: (وَشَرْطُ دَمِهِما عَدَمُ إِقَامَةٍ بِمَكةَ أَوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِهِمَا) أي: وشرط وجوب (١٠) دم القران ودم التمتع أن لا يكون الآتي بذلك من حاضري المسجد الحرام، فإن كان حاضرًا سقط عنه فيهما، وهو الشهور في القران، خلافًا لعبد الملك (١١) واللخمي (١٢)، ولا خلاف في سقوطه عن الحاضر في التمتع لقول الله (١٣) تعالى في وجوب الدم (١٤): ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال في
_________________
(١) في (ن): (تعلق).
(٢) قوله: (بالحج) ساقط من (ن ٢) (ن).
(٣) في (ن) و(ن ٢): (الأفضلية).
(٤) انظر: المعونة: ١/ ٣٦٣.
(٥) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٥٠.
(٦) قوله: (شروط) ساقط من (ن ٢).
(٧) قوله: (أنه) ساقط من (ن ٢).
(٨) قوله: (بذلك) ساقط من (ن ٢).
(٩) في (ن ٢): (الخلاف).
(١٠) قوله: (وجوب) ساقط من (س).
(١١) انظر: شرح الرسالة: ٢/ ٢٨٥.
(١٢) قوله: (ابن الماجشون) زيادة من (ن) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٥٦.
(١٣) في (ن ٢): (لقوله).
(١٤) قوله: (في وجوب الدم) ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ١٧٨ ]
المدونة: وليس على أهل مكة القرية (١) بعينها وأهل ذي طوى إذا قرنوا أو تمتعوا دم قران ولا متعة (٢).
ابن حبيب عن مالك وأصحابه: ومن (٣) كان دون مسافة القصر من مكة حكمه حكم المكي (٤)، وقيل: إن من دون المواقيت كالمكي ولا يضره (٥) اللخمي.
قوله (٦): (وقت (٧) فعلهما) متعلق بعدم إقامة؛ أي: وشرط وجوب الدم عدم إقامة بمكة وقت فعل العمرة والحج (٨)، ولهذا لو قدم آفاقي في أشهر الحج معتمرًا بنية الإقامة ثم حج من عامه ذلك لزمه الدم؛ لكونه متمتعًا إذ لم يكن وقت فعل العمرة مقيمًا، قال في المدونة: وقد يبدو له (٩)؛ أي (١٠) في عدم الإقامة، وصوب اللخمي كونه غير متمتع (١١) اعتبارًا بنيته (١٢).
قوله: (وَإِنْ بِانْقِطَاعٍ بِهَا أَوْ خَرَجَ لِحاجَةٍ) يريد أن المنقطع إلى مكة - كالمجاور بها - حكمه في سقوط الدم (١٣) كالمكي، وكذلك من كان من (١٤) أهلها وخرج لحاجة لتجارة (١٥) أو رباط ثم رجع (١٦) إليها فلا يخرج عن كونه من أهلها ويسقط عنه الدم إن
_________________
(١) في (ن) و(ن (١) و(ز) و(س): (القربة)، وقوله: (القربة) ساقط من (ن)
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٠٦.
(٣) في (ن ٢): (من).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٦٦.
(٥) في (س) و(ن) و(ن ٢): (ولم يعزه). وانظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٧٤، والذخيرة: ٣/ ٢٩٢.
(٦) قوله: (قوله) زيادة من (ن ٢).
(٧) في (ن) و(ن (١) و(ز) و(س): (ووقت).
(٨) في (ن ٢): (بالحج).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٤١٣.
(١٠) قوله (أي) زيادة من (س).
(١١) قوله: (غير متمتع) يقابله في (ن ٢): (متمتع).
(١٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٥٣.
(١٣) قوله (سقوط الدم) يقابله في (ز): (سقوطه).
(١٤) قوله: (من) ساقط من (ن ٢).
(١٥) في (ن ٢): (كتجارة).
(١٦) في (ن ٢): (يرجع).
[ ٢ / ١٧٩ ]
قرن أو تمتع، وكذا لو توطن غيرها ولم يرفض سكناها، أما لو انقطع إلى غيرها رافضًا سكناها وقدم في أشهر الحج معتمرًا بنية الإقامة ثم حج (١) من عامه فلا يسقط عنه الدم، وإليه أشار بقوله: (لا انْقَطَعَ (٢) بِغَيْرِهَا، أَوْ قَدِمَ بِهَا يَنْوِي الإِقَامَةَ) والضمير المجرور بغير (٣) عائد على مكة، وبالباء إلى أشهر الحج أو إلى العمرة (٤)، وهي بمعنى في كما تقدم.
قوله: (وَنُدِبَ لِذِي أَهْلَيْنِ) أي: وندب الدم من له أهل بمكة وأهل بغيرها، وهو كقوله في المدونة: والأحوط له أن يهدي (٥). يريد: لأنه قد تعارض عنده دليلان موجب ومسقط، وظاهره سواء تساوى سكناه فيهما أو تفاوت (٦)، وعن أشهب أن العبرة بالذي يكثر به سكناه، فإن كان يسكن بمكة أكثر فلا يهدي وإلا فليهدِ (٧)، واختلف هل هو تفسير وإليه ذهب اللخمي (٨)، أو خلاف وإليه ذهب التونسي (٩)؛ وإليه أشار بقوله: (وَهَلْ إِلا أَنْ يُقيمَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَيُعْتَبرُ؟ تَأْوِيلانِ).
(المتن)
وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَلِلْمُتَمَتِّعِ عَدَمُ عَوْدٍ لِبَلَدِهِ أَوْ مِثْلِهِ وَلَوْ بِالْحِجَازِ لا بأَقَلَّ، وَفِعْلُ بَعْضِ رُكْنِهَا فِي وَقْتِهِ. وَفِي شَرْطِ كَوْنِهِمَا عَنْ وَاحِدٍ تَرَدُّدٌ. وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَإجْزَاءٌ قَبْلَهُ، ثُمَّ الطَّوَافُ لَهُمَا سَبْعًا بِالطُّهْرَيْنِ، وَالسَّتْرِ. وَبَطَلَ بحَدَثٍ بِنَاءٌ، وَجَعَلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ، وَخُرُوجِ كُلِّ الْبَدَنِ عَنِ الشَّاذَرْوَانِ، وَسِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، وَنَصَبَ الْمُقَبِّل قَامَتَهُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَوَلاءٌ، وَابْتَدَأَ إِنْ قَطَعَ لِجِنَازَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ، أَوْ نَسِيَ بَعْضَهُ إِنْ فَرَغَ سَعْيُهُ، وَقَطَعَهُ لِلْفَرِيضَةِ.
(الشرح)
_________________
(١) في (ن ٢): (يحج).
(٢) في (ن) و(ن ٢): (إن انقطع).
(٣) في (ن ٢): (بغيرها).
(٤) قوله: (أو إلى العمرة) زيادة من (س).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٠٩.
(٦) في (ن) و(ن ٢): (تقاربا).
(٧) قوله: (وإلا فليهدِ) ساقط من (س). وانظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٦٥.
(٨) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٥٣.
(٩) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٤٥.
[ ٢ / ١٨٠ ]
قوله: (وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ) هذا أيضًا من شروط الدم وهو أن يحج من عامه ذلك، واحترز به مما إذا كان الحج واقعًا في عام آخر فإنه لا دم عليه، ومثله ما إذا قرن (١) ففاته الحج فإنه يتحلل بعمرة ولا دم عليه.
قوله: (وَللْمُتَمَتِّعِ عَدَمُ عَوْدٍ (٢) لِبَلَد أَوْ مِثْلِهِ) يريد أن الشرطين المذكورين يشترك فيهما التمتع والقران (٣)، وأن التمتع يشترط في وجوب الدم فيه مع الشرطين السابقين شروط أخرى، منها أنه لا يعود إلى أفقه، وهو المراد ببلده أو مثل أفقه في البعد، فإذا عاد سقط عنه دم التمتع، قال في المدونة: ولا يكون متمتعًا إذا رجع إلى أفقه أو إلى (٤) مثل أفقه وتباعد من مكة ثم حج (٥)، وظاهره كان أفقه بالحجاز أم لا، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ بِالْحِجَازِ)، وفي الموازية: إن كان أفقه بالحجاز لم يسقط بعوده إليه (٦). اللخمي: ولا أعلم له وجهًا، ونحوه لابن يونس (٧).
قوله: (لا بِأَقَلَّ) أي: فإن رجع إلى دون أفقه في البعد فإنه لا يسقط عنه الدم، وهو المشهور خلافًا لابن كنانة، وقال المغيرة: يسقط بعوده إلى قدر مسافة القصر (٨).
قوله: (وَفِعْلُ بَعْضِ رُكْنِهَا، في وَقْتِهِ) الضمير المؤنث عائد على العمرة والمذكر عائد (٩) على الحج، وهو أيضًا من شروط الدم؛ وذلك بأن يفعل العمرة أو بعض أركانها في أشهر الحج، لأنه لو حل منها (١٠) قبل أشهر الحج لم يكن متمتعًا، قال في المدونة: ومن اعتمر (١١) في رمضان فطاف وسعى بعض السعي ثم أهل شوال
_________________
(١) في (ن): (قارن)
(٢) في (ن ٢): (عوده).
(٣) قوله: (التمتع والقران) يقابله في (ن ٢): (المتمتع والقارن).
(٤) قوله: (إلى) زيادة من (ن ٢).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٠٩.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٦٦.
(٧) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٤٧، الجامع، لابن يونس، ص: ١٥٢٦ و١٥٢٧.
(٨) قوله: (يسقط بعوده إلى قدر مسافة القصر) يقابله في (ن): (يسقط عنه بقدر عودة إلي مسافه القصر). وانظر: المنتقى: ٣/ ٣٩٧.
(٩) قوله: (عائد) زيادة من (ن)
(١٠) قوله: (منها) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(١١) في (ن ٢): (أحرم).
[ ٢ / ١٨١ ]
فأتم (١) سعيه فيه ثم حج من عامه كان متمتعًا (٢)، وهذا معنى قوله: (وَفِعْلُ (٣) بَعْضِ رُكْنِهَا فِي وَقْتِهِ) واحترز به (٤) مما إذا فرغ من سعيها قبل دخول وقت الحج ولم يبق عليه إلا الحلاق فإنه غير متمتع ولا دم عليه، وقاله في المدونة (٥).
قوله: (وَفي شَرْطِ كَوْنِهِما عَنْ وَاحِدٍ ترَدُّدٌ) يريد أنه اختلف هل من شرط (٦) وجوب دم التمتع أن يكون الحج والعمرة وقعا (٧) عن واحد إما عن نفسه أو عن (٨) غيره بطريق النيابة، أو لا يشترط ذلك وأنهما لو وقعا عن شخصين كان فيهما الدم أيضًا؟ شهر ابن الحاجب الأول (٩)، وحكى ابن شاس (١٠) القولين ولم يذكر قائلهما ولم يشهر شيئًا، وذكر في الموازية الثاني (١١) ونحوه في المدونة (١٢).
قوله: (وَدَمُ التَّمَتُّع يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَإِجْزَاءٌ (١٣) قَبْلَهُ) (١٤) يريد أن وجوب دم التمتع يتعلق بإحرام الحج لا قبله، وأنه إذا (١٥) أخرجه قبل الإحرام بالحج أجزأه، وهو قول ابن القاسم خلافًا لأشهب وعبد الملك (١٦).
_________________
(١) في (ن) و(ن ٢): (فتم).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤١٨.
(٣) قوله: (وَفِعْلُ) زيادة من (ن ٢).
(٤) في (ن ٢): (بقوله ذلك).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤١٨.
(٦) في (ن) و(ن ٢): (شروط).
(٧) في (ن) و(ن ٢): (واقعًا).
(٨) قوله (عن) ساقط من (س).
(٩) انظر: الجامع بين الأمهات، ص ٢٦٥.
(١٠) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٧٤.
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٦٧.
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٨٦.
(١٣) في (ز) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (وأجزأ).
(١٤) في حاشية (ز): (أي التقليل والإشعار لا نحره كما يوهمه كلام الشارح هنا).
(١٥) في (ن) و(ن ٢): (إن).
(١٦) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦١.
[ ٢ / ١٨٢ ]
قوله: (ثُمَّ الطَّوَافُ لَهُما سَبْعًا بِالطُّهْرَيْنِ) أي: للحج والعمرة، والطهران: طهر (١) الحدث والخبث، وهو معطوف على قوله: (وركنهما الإحرام) أي: وكذلك الطواف ركن لهما، و(سبعًا) يصح أن يكون حالًا من الطواف.
قوله: (وَالسَّتْرِ) أي: وستر العورة، وإنما كان ذلك أيضًا (٢) شرطًا في الطواف؛ لأنه عندنا (٣) كالصلاة، ولهذا كره مالك له (٤) أن يحسر عن منكبيه فيه وأن يغطي فمه (٥) وأن تنتقب (٦) المرأة (٧).
قوله: (وَبَطَلَ بِحَدَثٍ بِنَاءٌ) فاعل (بطل) في كلامه هو قوله: (بناء)، أي: وبطل البناء في الطواف إذا حصل فيه حدث لفقدان شرطه وهو الطهارة، وهو قول ابن القاسم، وروى ابن حبيب عن مالك أنه يتوضأ ويبني، وكذلك إذا أحدث في السعي (٨).
قوله: (وَجَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ) هذا من واجبات الطواف؛ وهو أن يجعل البيت عن يساره، قال في المدونة: ومن طاف بالبيت منكوسًا لم يجزئه (٩)، والمراد بذلك أن يطوف والبيت عن يمينه.
أشهب: وهو كمن لم يطف، رجع إلى بلده أم لا.
قوله: (وَخُرُوجِ كُلِّ الْبَدَنِ عَنِ الشَّاذِرْوَانِ) هو أيضًا من واجبات الطواف، وهو وما قبله معطوفان على المجرور وهو قوله: (بالطهرين)، ومعنى ذلك: أنه يجب عليه أن يطوف وجميع بدنه خارج عن شاذروان البيت، وهو البناء المحدودب الذي في جدران البيت وأسقط من أساسه ولم يرفع على استقامته (١٠).
_________________
(١) قوله: (طهر) ساقط من (ز) و(س) و(ن ٢).
(٢) قوله: (أيضا) زيادة من (ن).
(٣) في (ن): (عندة).
(٤) قوله (له) ساقط من (ز).
(٥) في (س): (أنفه).
(٦) في (ن ٢): (تتنقب).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٧٥، والتوضيح: ٢/ ٥٦٢.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٧٩ و٣٨٠.
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٥.
(١٠) في (ن ٢): (استقامة).
[ ٢ / ١٨٣ ]
قوله: (وَسِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ) أي: وخروج بدنه عن ستة أذرع من الحجر؛ وذلك لأن القدر الذي من البيت منه مقدار ستة أذرع.
قوله: (وَنَصَبَ الْمُقَبِّلُ قَامَتَهُ) هكذا أشار إليه بعض الأشياخ فقال: إذا قَبَّل الحجر فليثبت رجليه ثم يعود منتصبًا كما كان، ولا يجوز أن يقبله ثم يمشي وهو مطأطئ الرأس؛ لئلا يوقع بعض الطواف وليس جميع بدنه خارجًا عن البيت.
قوله: (دَاخِلَ الْمَسْجِدِ) هذا (١) حال من قوله: (ثم الطواف)، والعامل فيه محذوف، والتقدير: ثم الطواف يقع داخل المسجد، فلو أوقعه خارج المسجد لم يجزئه. ابن رشد: بلا خلاف.
قوله: (وَوَلاءٌ) هو معطوف على المجرور؛ أي: ومما يجب في الطواف الموالاة فإن فرقه بطل، ولهذا قال: (وَابْتَدَأَ إِنْ قَطَعَ لِجنَازَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ)، هذا كقوله في المدونة: ومن طاف بعض طوافه ثم خرج ليصلي على جَنازة أو خرج لنفقة نسيها فليبتدئ الطواف ولا يبني (٢).
اللخمي: وقال أشهب: يبني إذا خرج لصلاة الجنازة، قال: وعلى قوله: يبني إذا خرج لنفقة نسيها (٣).
قوله: (أَوْ نَسِيَ بَعْضَهُ إِنْ فَرَغَ سَعْيُهُ) يريد إن طال أمره بعد السعي أو انتقض وضوؤه، وأما إذا ذكر بإثر ذلك فإنه يبني، ولهذا قال في المدونة: ومن طاف في أول دخوله مكة ستة أشواط ونسي الشوط السابع وصلى الركعتين وسعى، فإن كان قريبًا طاف شوطًا واحدًا وسعى، وإن طال أو انتقض وضوؤه أو ذكر ذلك في طريقه أو بلده (٤) رجع فابتدأ الطواف من أوله وركع وسعى (٥).
قوله: (وَقَطَعَهُ لِلْفَرِيضَةِ) هو كقوله في المدونة: ولا يخرج من طوافه لشيء إلا لصلاة الفريضة (٦)، لكن ظاهر كلامه هنا أن قطعه لها واجب.
_________________
(١) قوله: (هذا) ساقط من (ن)
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٦.
(٣) انظر: التبصرة، للخمى: ١١٨٩.
(٤) في (ن ٢): (ببلده).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٥.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٦.
[ ٢ / ١٨٤ ]
ابن عبد السلام: وهو ظاهر نصوصهم (١)، وظاهر كلام غيره (٢) أنه مخير في القطع وعدمه، والمدونة محتملة لذلك (٣).
(المتن)
وَنُدِبَ كَمَالُ الشَّوْطِ، وَبَنَى إِنْ رَعَفَ، أَوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ، وَأَعَادَ رَكْعَتَيهِ بِالْقُرْبِ، وَعَلَى الأَقَلِّ إِنْ شَكَّ، وَجَازَ بسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ، وَلَّا أَعَادَ، وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ، وَلا دَمَ، وَوَجَبَ كَالسَّعْي قَبْلَ عَرَفَةَ إِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْحِلِّ وَلَمْ يُرَاهِقْ، وَلَم يُردِفْ بِحَرَمٍ، وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ الإِفَاضَةِ، وَإِلَّا فَدَمٌ إِنْ قَدَّمَ وَلَمْ يُعِدْ، ثُمَّ السَّعْى سَبْعًا بَينَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مِنْهُ الْبَدْءُ مَرَّة وَالْعَوْدُ أُخْرَى وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ، وَإِلَّا فَدَمٌ. وَرَجَعَ إِنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَةٍ حِرْمًا، وَافْتَدَى لِحَلْقِهِ، وإنْ أَحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِحَجٍّ؛ فَقَارِنٌ، كَطَوَافِ الْقُدُومِ إِنْ سَعَى بَعْدَهُ، وَاقْتَصَرَ، وَالإِفَاضَةُ إِلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهُ، وَلا دَمَ حِلًّا إِلَّا مِنْ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ الطِّيبُ وَاعْتَمَرَ، وَالأَكثَرُ إِنْ وَطِئَ.
(الشرح)
قوله: (وَنُدِبَ كَمَالُ الشوْطِ) هو كقول صاحب الذخيرة، والمستحب أن يخرج على كمال شوط (٤) من (٥) الحجر، فإن خرج من غيره فقال ابن حبيب: يدخل من موضع خرج (٦).
قوله: (وَبَنَى إِنْ رَعَفَ) أي: أن الراعف إذا غسل الدم ثم عاد فإنه يبني على ما فعل من طوافه، وحكاه في النوادر عن ابن حبيب (٧).
قوله: (أَوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ) أي: وكذلك إذا طاف وفي ثوبه أو بدنه نجاسة ثم علم بها (٨) فإنه ينزعها ويبني، فإن لم يعلم بها حتى فرغ من طوافه لم يُعِد، وقاله في المدونة قال فيها:
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٧٢.
(٢) في (ن ٢): (كلامه).
(٣) قوله: (لذلك) زيادة من (ن ٢).
(٤) في (ن ٢): (الشوط).
(٥) في (ز) و(ن ٢): (عند).
(٦) انظر: الذخيرة: ٣/ ٢٣٩.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٧٩ و٣٨٠.
(٨) في (ن ٢): (به).
[ ٢ / ١٨٥ ]
كمن صلى بذلك ثم ذكر بعد الوقت (١).
ابن المواز: وإن صلى بذلك الركعتين أعادهما بالقرب إن لم ينتقض وضوؤه، فإن انتقض وطال فلا شيء عليه كزوال (٢) الوقت (٣)، وهو قول ابن القاسم، وإليه أشار بقوله: (وَأَعَادَ رَكْعَتَيْهِ بِالْقُرْبِ)، وقال أصبغ: سلامه منهما كخروج الوقت (٤).
ابن يونس: وهو القياس؛ إذ لا وقت معلوم لذلك. وإنما وقته حين يفعله كوقت الصلاة المنسية ففراغه منها ذهاب (٥) وقتها، والاستحسان أن يعيد بالقرب ما لم ينتقض وضوؤه (٦).
قوله: (وَعَلَى الأقَلِّ إِنْ شَكَّ) هكذا نص عليه مالك (٧)، ومعناه أن من شك مثلًا هل طاف أربعة أشواط أو خمسة فإنه يبني على الأقل وهو الأربعة ويلغي المشكوك، كمن شك أصلى ثلاثًا (٨) أم أربعًا، ومثل هذا ما إذا شك هل أكمل طوافه أو بقي عليه منه (٩) شيء فإنه يعمل على المحقق عنده ويلغي المشكوك فيه.
قوله: (وَجَازَ بِسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ، وَإِلا أَعَادَ) هو كقوله في المدونة: ومن طاف من (١٠) وراء زمزم أو في سقائف المسجد لزحام الناس فلا بأس به، وإن طاف في سقائفه لغير زحام لحر (١١) ونحوه أعاد الطواف (١٢).
ابن يونس: وقال أشهب: لا يجزئ من طاف في السقائف وهو كمن طاف خارج
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٧.
(٢) في (ن): (لزوال).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٨٠.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٨٠.
(٥) في (ن ٢): (كذهاب).
(٦) انظر: الجامع. لابن يونس، ص: ١٥٦٣.
(٧) قوله: (هكذا نص عليه مالك) يقابله في (ن ٢): (هذا نص مالك).
(٨) في (س) و(ن ٢): (ثلاث ركعات).
(٩) قوله: (منه) زيادة من (س).
(١٠) قوله: (من) ساقط من (س).
(١١) قوله: (لحر) ساقط من (ن ٢).
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٧.
[ ٢ / ١٨٦ ]
المسجد. سحنون: ولا يمكن (١) أن ينتهي الزحام في المسجد (٢) إلى السقائف.
قوله: (وَلَمْ يَرْجعْ لَهُ) أي: فإن طاف في السقائف - يريد: لغير زحام - لم يرجع له من بلده. ابن يونس: وحكي ذلك عن الشيخ أبي محمد. ثم (٣) قال (٤): وقال ابن شبلون: يرجع، وهو كمن لم يطف (٥).
الباجي: وقول ابن أبي زيد أقيس، ولا دم عليه، وإليه أشار بقوله: (وَلا دَمَ).
قوله: (وَوَجَبَ كَالسَّعْي قَبْلَ عَرَفَةَ إِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْحِلِّ) يريد أن طواف القدوم واجب كوجوب السعي قبلَ عرفة على من أحرم من الحل ولم يكن قد رهقه الوقت؛ أي: أتى في آخره بمقدار لا يسع ذلك، وما ذكره من وجوب طواف القدوم هذا المشهور، وقال أشهب: هو غير واجب (٦)، وجعله اللخمي سنة (٧)، وقيل: هو ركن كطواف الإفاضة، واحترز بقوله: (أحرم من الحل)، مما إذا أحرم من مكة فإنه لا يجب عليه طواف قدوم ولا سعي قبل عرفة، واحترز بقوله: (وَلَمْ يُرَاهِقْ) مما إذا جاء (٨) مراهقًا فإنه يخرج لمعرفة ويترك طواف القدوم ويؤخر السعي للإفاضة ولا دم عليه، وقاله في المدونة (٩).
قوله: (وَلَمْ يُرْدِفْ بِحَرَمٍ) لأنه إذا أردف الحج على العمرة فيه (١٠) فإن طواف القدوم ساقط عنه حينئذٍ (١١).
قوله: (وَإِلا سَعَى بَعْدَ الإِفَاضَةِ) أي: وإن أحرم من الحرم أو أردف فيه (١٢) أو قدم
_________________
(١) قوله: (ولا يمكن) ساقط من (ن ٢).
(٢) قوله: (في المسجد) زيادة من (ن ٢).
(٣) قوله: (ثم) زيادة من (ن ٢).
(٤) قوله: (قال) ساقط من (س).
(٥) انظر: الجامع، لابن يونس، ص: ١٥٦٥.
(٦) انظر: الجامع بين الأمهات، ص ٢٥٧.
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١١٨٥.
(٨) في (ن ٢): (دخل).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٤٠٤.
(١٠) قوله: (فيه) ساقط من (ن ٢).
(١١) قوله: (حينئذٍ) ساقط من (ن ٢). وقوله: (قوله: "وَلَمْ يُرْدِفْ حينئذٍ) ساقط من (ن).
(١٢) قوله: (فيه) ساقط من (س).
[ ٢ / ١٨٧ ]
مراهقًا أخر سعيه حتى يوقعه بعد طواف الإفاضة، فلو قدَّم السعي قبل عرفة ثم لم يعده حتى رجع إلى بلده أجزأه وعليه دم، وقاله في المدونة (١)، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا فَدَمٌ إِنْ قَدَّمَ وَلَمْ يُعِدْ) أي: قدم السعي ولم يعده حتى رجع إلى بلده، وكلامه يوهم أن المراهق كذلك وليس بظاهر، لأنه إذا قدَّم السعي قبل عرفة ولم يعده فلا شيء عليه، لأنه أتى بما هو الأصل في حقه، لأنه إنما رخص له في التأخير لما يخاف من فوات الوقوف، فإذا فعل ذلك فلا مانع من الإجزاء، وقد نص غير واحد على ذلك، ولعل قوله: (إن قدم) فيه إيماء لذلك، إذ مثل هذا لا يقال قدم بل أوقعه في محله الذي خوطب به في الأصل.
قوله: (ثُمَّ السَّعْيُ سَبْعًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ) هذا معطوف على قوله: (ثم الطواف)، وهما معطوفان على قوله: (وركنهما الإحرام)، يريد أن من جملة أركان الحج والعمرة السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط؛ لأنه ﵊ فعله، وقال: "خذوا عني مناسككم" (٢)، وقال أيضًا (٣): "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (٤).
قوله: (مِنْهُ الْبَدْءُ مرة (٥» أي: من الصفا ابتداء (٦) السعي، لقوله ﵊ وقد فعل ذلك: "نبدأ بما بدأ الله به" (٧)، فلو بدأ بالمروة ألغاه.
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٠٤ و٤٠٥.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) قوله: (أيضا) ساقط من (ن)
(٤) أخرجه الشافعي في مسنده: ١/ ٣٧٢، برقم: ١٧٢٢، وأحمد: ٦/ ٤٢١، برقم: ٢٧٤٠٧، والطبراني في الكبير: ١١/ ٨٤١، برقم: ١١٤٦١، والحاكم: ٤/ ٧٩، في باب ذكر حبيبة بنت أبي تجراة - ﵂ -، من كتاب معرفة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، برقم: ٦٩٤٣، وسكت عنه، وتعقبه الذهبي بقوله: لم يصح، وابن خزيمة: ٤/ ٢٣٢، في باب ذكر البيان أن السعي بين الصفا والمروة واجب ، كتاب المناسك، برقم: ٢٧٦٤. وروي من حديث ابن عباس، ومن حديث حبيبة بنت أبي تجراة، ومن حديث تملك العبدرية، ومن حديث صفية بنت شيبة ومعظم هذه الطرق لا تخلو من كلام. انظر تفصيل ذلك في نصب الراية: ٣/ ٥٥ وما بعدها.
(٥) قوله: (مرة) زيادة من (ن ٢).
(٦) في (ن ٢): (يبتدئ).
(٧) أخرجه مسلم: ٢/ ٨٨٦، في باب حجة النبي - ﷺ -، من كتاب الحج، برقم: ١٢١٨، بلفظ: "أبدأ بما بدأ الله به"، ومالك: ١/ ٣٧٢، في باب البدء بالصفا في السعي، من كتاب الحج، برقم: ٨٢٩، وأبو داود: ١/ ٥٨٥، في باب صفة حجة النبي - ﷺ -، من كتاب المناسك، برقم: ١٩٠٥، والترمذي: =
[ ٢ / ١٨٨ ]
قوله: (مَرَّةً وَالْعَوْدُ أُخْرَى) أي: يبدأ منه أول مرة ويعود إليه من (١) المروة أخرى فيحصل الختم بالمروة، فإذا سعى سبعة أشواط يكون قد وقف على الصفا أربع وقفات وعلى المروة كذلك.
قوله: (وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ (٢) طَوَافٍ، وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ) أي: أنه يشترط في صحة السعي أن يتقدم بين يديه طوافٌ فإن وقع من غيره لم يجزئه، واختلف هل من شرط ذلك الطواف أن يكون واجبًا؟ قال ابن عبد السلام: وإليه يرجع مذهب المدونة، وهو المنصوص في المذهب أولًا (٣)، وهو ظاهر كلامه هنا، وهو أيضًا ظاهر المدونة لقوله: وإذا لم ينوِ بطوافه تطوعًا ولا فرضًا لم يجزئه سعيه إلا بعد طواف ينوي فرضيته، ثم قال: فإن رجع إلى بلده (٤) وتباعد وجامع النساء أجزأه وعليه دم (٥). والدم في هذا خفيف فتخفيفه الدم يقتضي عدم (٦) شرطيته، وإلى ترتب (٧) الدم أشار بقوله: (وَإِلا فَدَمٌ) أي: وإن لم ينوِ فرضية الطواف فعليه دم. يريد: إذا رجع إلى بلده وتباعد وجامع النساء، كما قال في المدونة.
قوله: (وَرَجَعَ إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَةٍ مُحْرِمًا (٨) وَافْتَدَى لِحَلْقِهِ) يريد به (٩) ما قال في المدونة: ومن طاف لعمرته على غير وضوء فذكر بعد أن حل منها بمكة أو ببلده فليرجع حرامًا (١٠) كما كان، وهو كمن لم يطف فيطوف بالبيت ويسعى وإن كان قد
_________________
(١) = ٣/ ٢١٦، في باب أنه يبدأ بالصفا قبل المروة، من كتاب الصوم، برقم: ٨٦٢، والنسائي: ٥/ ٢٣٩، في باب ذكر الصفا والمروة، من كتاب مناسك الحج، برقم: ٢٩٧٠، وابن ماجه: ٢/ ١٠٢٢، في باب حجة النبي - ﷺ -، من كتاب المناسك، برقم: ٣٠٧٤.
(٢) قوله: (إليه من) يقابله في (ن ٢): (منه إلى).
(٣) (في (س): (بقدم)، وفي المطبوع من مختصر خليل: (بتقديم).
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٣.
(٥) في (ن): (سفره).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٥.
(٧) قوله: (عدم) ساقط من (ن ٢).
(٨) في (ز): (ترتيب).
(٩) في (ن) و(ن ٢): (حرامًا).
(١٠) قوله (به) ساقط من (س).
(١١) في (ن ٢): (محرمًا).
[ ٢ / ١٨٩ ]
حلق بعد طوافه افتدى (١).
قوله: (وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِحَجٍّ فَقَارِنٌ (٢» يريد: لأنه أيصح طوافه للعمرة (٣)، ومن شرط (٤) صحة السعي أيضًا أن يعقب طوافًا صحيحًا وإلا (٥) فسعيه أيضًا غير صحيح، فإذا أردف الحج حينئذٍ صار قارنًا إذ كأنه أردف (٦) قبل طواف العمرة، وعليه دم القِران.
قوله: (كَطَوَافِ الْقُدُومِ إِنْ سَعَى بَعْدَهُ وَاقْتَصَرَ) أي: وكذلك حكم طواف القدوم إذا بطل وقد سعى بعده مقتصرًا؛ أي: لم يعده بعد طواف الإفاضه (٧) فإنه يرجع للسعي، وهو جارٍ على المشهور من اشتراط الطهارة في الطواف، وأما على قول المغيرة فيهدي ولا شيء عليه (٨)، وكذا عنده في الإفاضة وغيرها.
قوله: (وَالإِفَاضَةِ إِلا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهُ) أي: وكذلك يرجع لطواف الإفاضة من بلده إذا بطل، بأن يكون طافه (٩) على غير وضوء أو نسيه أو بعضه، قال في المدونة: إلا أن يكون قد طاف بعده تطوعًا فيجزئه عن (١٠) طواف الإفاضة (١١).
ابن يونس: يريد: ولا دم عليه (١٢)، ولهذا قال هنا: (وَلا دَمَ) وما ذكره من أن (١٣) التطوع يجزئ عن الواجب في الحج هو المشهور؛ خلافًا لابن عبد الحكم.
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٣.
(٢) في (ن ٢): (فقران).
(٣) قوله: (طوافه للعمرة) يقابله في (ن ٢): (طواف العمرة).
(٤) في (ن ٢): (شر وط).
(٥) قوله: (وإلا) زيادة من (ن ٢).
(٦) في (ن ٢): (أردفه).
(٧) قوله: (الإفاضه) زيادة من (ن)
(٨) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٧٧.
(٩) في (ن ٢): (طوافه).
(١٠) في (ز): (من).
(١١) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٥.
(١٢) انظر: الجامع، لابن يونس، ص: ١٥٧٤.
(١٣) قوله (أن) ساقط من (س).
[ ٢ / ١٩٠ ]
قوله: (حِلًّا (١) إِلا مِنْ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ الطيبُ) هو منصوب على الحال، وصاحبها محذوف دل عليه السياق، والعامل فيها (رجع)، والمعنى: ورجع الذي فسد طواف قدومه أو إفاضته حلًّا (٢) إلا من النساء (٣) إلى آخره، وهو كقوله في المدونة: فليرجع لابسًا للثياب حلًّا (٤) إلا من النساء والصيد والطيب (٥).
قوله: (وَاعْتَمَرَ) أي (٦): إذا رجع إلى مكة فلا يدخلها إلا بعمرة، وقاله في المدونة (٧) إلا أنه فيها مقيد بما إذا أصاب النساء: وأكثر الأشياخ: لا عمرة (٨) عليه إلا مع الوطء كما أشار إليه بقوله: (وَالأَكْثَرُ إِنْ وَطِئَ) وقيل: يعتمر مطلقًا. ابن الحاجب: وجل الناس لا عمرة عليه (٩).
(المتن)
وَللْحَجّ حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةً لَيلَةَ النَّحْرِ، وَلَوْ مَرَّ إِنْ نَوَاهُ، أَوْ بِإِغْمَاءٍ قَبْلَ الزَّوَالِ، أَوْ أَخْطَأَ الْجَمُّ بِعَاشِرٍ فَقَطْ لا الْجَاهِلُ، كَبَطْنِ عُرَنَةَ، وَأَجْزَأَ بِمَسْجِدِهَا بِكُرْهٍ، وَصَلَّى وَلَوْ فَاتَ. وَالسُّنَّةُ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ وَلا دَمَ، وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفِيّ، وَلدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكةَ بِطُوًى، وَللْوُقُوفِ وَلُبْسُ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَينِ، وَتَقْلِيدُ هَدْي، ثُمَّ إِشْعَارُهُ، ثُمَّ رَكْعَتَانِ، وَالْفَرْضُ مُجْزئ: يُحْرِمُ إِذَا اسْتَوَى، وَالْمَاشِي إِذَا مَشَى، وَتَلْبِيَةٌ وَجُدِّدَتْ لِتَغَيُّرِ حَالٍ، وَخَلْفَ صلَاةٍ، وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَوَافِ؟ خِلافٌ.
(الشرح)
قوله: (وَللْحَج حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةً لَيْلَةَ النَّحْرِ) يريد أن الحج يشترك مع العمرة فيما تقدم من الأركان الثلاثة التي هي الإحرام والطواف والسعي، ويختص عنها بركن واحد وهو حضور جزء من عرفة في جزء من ليلة النحر ولو مرورًا (١٠) بها إن نوى
_________________
(١) قوله: (حِلًّا) ساقط من (ن ٢).
(٢) قوله: (حلا) ساقط من (ز)، وفي (ن ٢): (حلالًا).
(٣) في (ن ٢): (نساء).
(٤) في (ن ٢): (حلالًا).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٤.
(٦) قوله (أي) ساقط من (ز).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٤.
(٨) قوله: (لا عمرة) زيادة من (س).
(٩) انظر: الجامع بين الأمهات: ٢٦٨.
(١٠) في (ن): (مر)
[ ٢ / ١٩١ ]
الوقوف، فقوله (١): (جزء عرفة) إشارة إلى قوله ﵊: "عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة" (٢).
ابن الجلاب: ولا فضيلة لموضع منها على غيره (٣). وقال ابن حبيب: يقف عند الهضبات وسفح الجبل وحيث يقف الإمام افضل (٤). وأشار بقوله: (سَاعَةً لَيْلَةَ النَّحْرِ) إلى أن الوقوف الركني أدناه (٥) حضور في جزء من الليل بعرفة؛ لقوله ﵊: "من أدرك عرفة قبل الفجر فقد أدرك الحج، ومن فاته الوقوف بليل فقد فاته الحج" (٦)، وفي المدونة: إن تعمد ترك الوقوف حتى دفع الإمام أجزأه إن وقف ليلًا وقد أساء وعليه هدي (٧).
_________________
(١) في (ن ٢): (قوله).
(٢) ضعيف، أخرجه مالك بلاغًا: ١/ ٣٨٨، في باب الوقوف بعرفة والمزدلفة، من كتاب الحج، برقم: ٨٦٩، وأحمد: ٤/ ٨٢، برقم: ١٦٧٩٧، والحاكم: ١/ ٦٣٣، برقم: ١٦٩٧، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، والطبراني في الكبير: ٢/ ١٣٨، برقم: ١٥٨٣، والبيهقي: ٥/ ١١٥، في باب حيثما وقف من عرفة أجزأه، من كتاب الحج، برقم: ٩٢٤٢. قال ابن الملقن: "واعترض النووي على الحاكم في تصحيحه وأنه على شرط مسلم؛ فقال: ليس كما قال، فليس هو على شرط مسلم، ولا إسناده صحيح، وروي الحديث من طرق لا يخلو معظمها من كلام. انظر تفصيل ذلك في البدر المنير: ٦/ ٢٣٤، وما بعدها. وشطره الأول عند مسلم: ٦/ ٢٤٧، في باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، من كتاب الحج، برقم: ٢١٣٨.
(٣) انظر: التفريع: ١/ ٢٢٧.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٩٢.
(٥) في (س): (الركن أدنى)، وقوله: (أدناه) ساقط من (ن).
(٦) صحيح، أخرجه أبو داود: ٥/ ٣٠٦، في باب من لم يدرك عرفة، من كتاب المناسك، برقم: ١٦٦٤، والترمذي: ١٠/ ٢٣٥، في باب ومن سورة البقرة، من كتاب تفسير القرآن عن رسول الله، برقم: ٢٩٠١، والنسائي: ١٠/ ٢٨، في باب فرض الوقوف بعرفة، من كتاب مناسك الحج، برقم: ٢٩٦٦، وابن ماجه: ٩/ ١١٤، في باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، من كتاب المناسك، برقم: ٣٠٠٦، والبيهقي: ٥/ ١٧٣، في باب إدراك الحج بإدراك عرفة ، من كتاب الحج، برقم: ٩٥٩٤ بلفظ: "من أفاض من عرفات قبل الصبح فقد تم حجه ومن فاته فقد فاته الحج"، والباقون دون لفظ: "ومن فاته الوقوف بليل فقد فاته الحج". وصححه ابن الملقن، انظر: البدر المنير: ٦/ ٢٣٠.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٣١.
[ ٢ / ١٩٢ ]
وقال سحنون: لا يهدي (١)، ولو وقف نهارًا ثم دفع قبل الغروب ولم يرجع ليقف جزءأ من الليل إلى أن طلع (٢) الفجر من ليلة النحر، فقد فاته الحج ويحج قابلًا ويهدي وإن رجع فوقف قبل الفجر أجزأه ولا هدي عليه، وقاله في المدونة (٣)، وقال أصبغ: أحب إليَّ أن يهدي (٤).
قوله: (وَلَوْ مَرَّ إِنْ نَوَاهُ) إشارة إلى أن من مر بعرفة ليلة النحر يجزنه ذلك ولو لم يلبث فيها (٥). يريد: إذا عرف أنها عرفة ونوى الوقوف بها (٦).
قوله (٧): (أوْ بِإِغْماءٍ قَبْلَ الزَّوَالِ) يريد: أن من أغمي عليه قبل الزوال فوُقِف به بعرفات أجزأه، وهو المشهور؛ لأن الإغماء إذا طرأ على الإحرام لا يضر باتفاق، وقد دخلت نية الوقوف في نية الإحرام، ولذلك (٨) يجزئ النائم، وعن عبد الملك ومطرف: أن من أغمي عليه قبل الزوال واتصل به إلى طلوع الفجر لا يجزئه ذلك (٩). ونبه بقوله: (قبل الزوال) على أن الإغماء لو كان بعد الزوال أجزأه من باب الأولى.
قوله: (أو أخْطَأَ الْجَمُّ بِعَاشِرٍ فَقَطْ) المراد بالجم الجماعة الكثيرون، وفسر ذلك بعضهم هنا بجماعة أهل الموسم، ومعناه أن أهل عرفة إذا أخطؤوا كلهم فوقفوا يوم النحر وهو العاشر من ذي الحجة فإنه يجزئهم، وأشار بقوله (فقط) إلى أنهم لو وقفوا (١٠) الثامن لا يجزئهم، وهو المعروف في المسألتين، وقيل: يجزئ فيهما، وقيل: لا يجزئ فيهما (١١).
_________________
(١) في (ن ٢): (لا هدي).
(٢) في (ن) و(ن ٢): (يطلع).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٢.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٩٥.
(٥) قوله: (ولو لم يلبث فيها) يقابله في (ز): (ولم يثبت بها).
(٦) قوله (بها) ساقط من (ز).
(٧) قوله: (قوله) ساقط من (س).
(٨) في (ن): (كذلك)
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٩٧.
(١٠) في (ن): (دفعوا).
(١١) قوله: (لا يجزئ فيهما): ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ١٩٣ ]
قوله: (لا الجْاهِلُ كَبَطْنِ عُرَنَةَ) أي: فلا يجزئ الجاهل بعرفة كوقوفه ببطن عرنة، وإنما لم يجزئ الجاهل؛ لأنه لا بد له من علمه بعرفة ليستشعر القربة، وهو قول محمد لعدم النية، وعن مالك قول بالإجزاء بناء على عدم اشتراط العلم بعرفة (١)، وإنما لم يجزئ الوقوف ببطن عرنة لقوله - ﵇ -: "عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة (٢) " (٣)، ولأن (٤) عرنة في الحرم فلا يجزئ الوقوف فيه، وحكى ابن المنذر عن مالك أن الوقوف ببطن عرنة يجزئ مع الدم. وفي الجلاب: يكره ذلك ومن وقف به أجزأه، قال (٥): وبطن عرنة هو المسجد الذي يصلي فيه الإمام (٦)، وإليه أشار بقوله: (وَأَجْزَأَ بِمَسْجِدِهَا بِكُرْهٍ) أي: وأجزأ الوقوف بمسجد عرنة مع كراهة، وعن مالك: لم يصب من وقف بمسجد عرنة، قيل له: فإن فعل حتى دفع من عرفة، قال: لا أدري، وقال أصبغ: لا حج له، ورآه من بطن عرنة (٧). محمد: ويقال إن حائطه القبلي على حد عرفة ولو سقط لسقط فيها (٨).
اللخمي: وعلى هذا يجزئ الوقوف به (٩) لأنه من الحل، وكذا عند ابن مزين (١٠) أنه يجزئ الوقوف فيه (١١).
قوله: (وَصَلَّى وَلَوْ فَاتَ) يشير به إلى أن (١٢) من قرب من عرفة قرب الفجر فذكر صلاة إن صلاها طلع الفجر وفاته الوقوف، وإن مضى إلى عرفات (١٣) فاتته الصلاة،
_________________
(١) قوله: (بعرفة) ساقط من (ز).
(٢) قوله: (عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة) ساقط من (ن).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) قوله: (بطن) زيادة من (ن ٢).
(٥) قوله: (قال:) زيادة من (س).
(٦) انظر: التفريع: ١/ ٢٢٦ و٢٢٧.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٩٤.
(٨) انظر: المنتقى: ٣٠/ ٤.
(٩) انظر: التوضيح: ٣/ ١٥.
(١٠) في (ن): (ابن بزيزه).
(١١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٠٨.
(١٢) قوله: (أن) ساقط من (س).
(١٣) في (ز) و(ن): (عرفة).
[ ٢ / ١٩٤ ]
المشهور ما قاله أنه يصلي ولو فاته الوقوف. وقال محمد: هذا إن كان بعيدًا من جبال عرفة وإن كان قريبًا وقف بها وصلى، وعن محمد بن عبد الحكم إن كان من أهل مكة وما حولها بدأ بالصلاة، وإن كان من أهل الآفاق مضى إلى عرفة ووقف بها ثم صلى (١)، وقال عبد الحميد (٢): يصلي إيماءً كالْمُسايِف (٣).
قوله: (وَالسُّنَّةُ غُسْلْ مُتَّصِلٌ) أي: السنة في الإحرام غسل متصل به، وإنما حذفه لدلالة ما تقدم عليه، قال في المدونة: ومن أراد الإحرام من رجل أو امرأة فليغتسل سواء (٤) كانت المرأة حائضًا أو نفساء، ولم يوسع مالك في ترك الغسل إلا من ضرورة (٥)، وإنما طلب فيه الاتصال؛ لأنه للنظافة، فينبغي فيه الاتصال لتظهر معقوليته.
قوله: (وَلا دَمَ) أي: في تركه (٦)؛ يريد (٧) سواء تركه عمدًا أو نسيانًا، ورواه محمد عن مالك، سحنون: وقد أساء (٨).
قوله: (وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفِيٍّ (٩» يريد: أن من كان ميقاته من ذي الحليفة كأهل المدينة فإنه يستحب له أن يغتسل بالمدينة، وهو ظاهر المدونة (١٠).
عياض: ثم (١١) يسير من فوره، وبه فسر سحنون وعبد الملك المدونة (١٢).
قوله: (وَلدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكةَ بِطُوًى، وَللْوُقُوفِ) يريد: أن اغتسالات الحج
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٩٦.
(٢) قوله: (عبد الحميد) يقابله في (ز): (ابن عبد الحكم).
(٣) انظر: التوضيح: ٣/ ١٧.
(٤) قوله: (سواء) ساقط من (س).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٣٩٤.
(٦) قوله: (أي: في تركه) ساقط من (س).
(٧) قوله: (يريد) زيادة من (ن) و(س).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٢٤.
(٩) قوله: (لِلْحُلَيْفِيِّ) ساقط من (ز).
(١٠) في (س) و(ن): (المذهب). وانظر: المدونة: ١/ ٣٩٤.
(١١) قوله: (ثم) ساقط من (ز).
(١٢) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٥٢.
[ ٢ / ١٩٥ ]
ثلاثة؛ واحد للإحرام كما تقدم، والثاني لدخول مكة، والثالث للوقوف بعرفة وذلك مسنون لكل من عقد الإحرام على نفسه إلا الحائض فإنها لا تغتسل لدخول مكة؛ إذ لا يصح منها الطواف كما أشار إليه، ومثلها النفساء. قوله: (بِطُوًى) أي: ليكون غسله بدخول (١) مكة متصلًا، وقد كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك، ومن لم يأتِ (٢) على ذي طوى اغتسل بمقدار (٣) ما بينهما، وطوى هذه أحد أرباض (٤) مكة، يقال بضم الطاء وكسرها وفتحها.
قوله: (وَلُبْسُ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ) هذه هي السُّنَّة الثانية من سنن الإحرام وهو أن يتجرد من (٥) مخيط الثياب ويلبس إزارا ورداء ونعلين. يريد: أن النعل (٦) الرجل.
قوله: (وَتَقْلِيدُ هَدْيٍ، ثُمَّ إِشْعَارُهُ، ثُمَّ رَكْعَتَانِ) يريد أن من أراد أن يحرم ومعه هدي تطوع فإن السنة في حقه أن يقلده ثم يشعره إن كان مما (٧) يشعر، ثم يصلي ركعتين عقيبه ثم يحرم ليقع الإحرام عقيب الركعتين كما قاله في المدونة، زاد فيها: وكل ذلك واسع (٨)؛ أي: الترتيب الذي ذكره وهو تقديم التقليد ثم الإشعار ثم ركعتين (٩). وقال ابن رشد: الصواب أن يقدم التقليد على الإشعار (١٠)، ولهذا قال هنا: (ثم إشعاره)، وكذلك (١١) في المبسوط لمالك تقديم الركعتين على التقليد والإشعار، وقد (١٢) نبه بقوله: (ثم ركعتان) على أن المستحب أن يكون الإحرام إثر نافلة ليكون له صلاة تخصه
_________________
(١) في (ز) و(ز ٢) و(ن) و(ن (١) و(ن ٢): (لدخول).
(٢) زاد في (س): (به).
(٣) في (ن): (من مقدار).
(٤) قوله: (أحد أرباض) يقابله في (ز): (أجدار بأرض).
(٥) في (س): (عن).
(٦) قوله: (أن النعل) زيادة من (ن)
(٧) في (س): (ممن).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٢.
(٩) قوله: (ثم ركعتين) زيادة من (ن)
(١٠) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٤٢٧.
(١١) قوله: (وكذلك) ساقط من (ن)
(١٢) قوله: (وقد) زيادة من (س).
[ ٢ / ١٩٦ ]
فلو أحرم عقيب فرض أجزأه، وإليه أشار بقوله: (وَالْفَرْضُ مُجْزِئ) أي: عن النافلة، وقيل: لا ترجيح للنافلة على الفريضة، وهذه هي السنة الثالثة.
قوله: (يُحْرِمُ إِذَا اسْتَوَى، وَالْمَاشِي إِذَا مَشَى) يشير إلى (١) أن الراكب لا يحرم حتى يستوي على ظهر دابته، فإذا استوى عليها أحرم ولا يتوقف على مسير دابته على المشهور، خلافًا لابن حبيب، وأن الماشي لا يحرم حتى يأخذ في المشي (٢) متوجهًا للذهاب، وقاله في المدونة (٣)، والفرق أن الراكب لا يركب في الغالب إلا للمسير والماشي يسعى في حوائجه، فشروعه في الذهاب كاستواء الآخر على الدابة.
قوله: (وَتَلْبِيةٌ) هذه هي السنة الرابعة من سنن الإحرام وهي التلبية، وهكذا روي عنه ﵊.
والسنة الخامسة أن يجدد التلبية عند كل صعود وهبوط وحدوث حادث، وخلف الصلوات، وملاقاة الأصحاب وإذا سمع ملبيًا، وإلى هذا أشار بقوله: (وَجُدِّدَتْ لِتَغَيُّرِ حَالٍ، وَخَلْفَ صَلاةٍ) هكذا قال ابن شاس (٤) أن التجديد سنة على حالها (٥)، لكن ظاهر كلامه أنه من تمام السنة الرابعة.
قوله: (وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَّوَافِ؟ خِلافٌ) أي: أنه اختلف في أي موضع يكف عن التلبية، ففي المدونة: لا يقطعها (٦) حتى يبتدئ الطواف (٧). وفي الرسالة: يقطع إذا دخل مكة (٨)، وشهره ابن بشير (٩)، ولهذا قال: (خلاف).
_________________
(١) قوله: (إلى) ساقط من (ز).
(٢) في (س) و(ن) و(ن ٢): (المضي).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٣.
(٤) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٧٦.
(٥) في (س): (حيالها).
(٦) قوله: (لا) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٣٩٧.
(٨) انظر: الرسالة: ١/ ٧٣.
(٩) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٥٦.
[ ٢ / ١٩٧ ]
(المتن)
وَإِنْ تُرِكَتْ أَوَّلَهُ فَدَمٌ إِنْ طَالَ، وَتَوَسُّطٌ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ. وَفِيهَا، وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْيٍ وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ لِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ، وَمُحْرِمُ مَكَّةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ، وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ، وَفَائِتِ الْحَجِّ لِلْحَرَمِ، وَمِنَ الْجِعِرَّانَةِ وَالتَّنْعِيمِ لِلْبُيُوتِ، وَلِلطَّوَافِ الْمَشْي، وَإِلَّا فَدَمٌ لِقَادِرٍ لَمْ يُعِدْهُ. وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ، وَفِي الصَّوْتِ قَوْلانِ. وَلِلزَّحْمَةِ يَمَسُّ بِيَدٍ، ثُمُّ عُودٍ وَوَضعهما عَلَى فِيهِ، ثُمَّ كَبَّرَ وَالدُّعَاءُ بلا حَدٍّ، وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلاثَةِ الأُؤلِ، وَلَوْ مَرِيضًا وَصَبِيًّا حُمِلَا، وَلِلزَّحْمَةِ الطَّاقَةُ، وَلِلسَّعْيِ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، وَرُقِيُّهُ عَلَيْهِمَا، كَامْرَأَةٍ إِنْ خَلا، وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الأَخْضَرَيْنِ فَوْقَ الرَّمَلِ، وَدُعَاءٌ.
(الشرح)
قوله: (وَإِنْ تُرِكَتْ أَولَهُ فَدَمٌ إِنْ طَالَ) هو كقول ابن القاسم في المدونة: وإن توجه من فناء المسجد ناسيًا للتلبية كان بنيته محرمًا، فإن ذكر بقرب لبَّى ولا شيء عليه، وإن تطاول ذلك أو نسيه حتى فرغ من حجه فليهرق دمًا (١).
قوله: (وَتَوَسُّطٌ فِي عُلُوِّ صَوْتهِ) يريد أن المحرم إذا لبَّى يتوسط في صوته؛ أي: بين بين (٢) فلا يرفعه ارتفاعًا عليا (٣) يعقر به غالبًا (٤) خلقه ولا يخفيه جدًّا بحيث لا يسمعه من هو قريب منه أو من يليه، وهذا في حق الرجل، وأما المرأة فالسُّنة في حقها أن تسمع نفسها فقط.
قوله: (وَفِيهَا) أي: في التلبية، والمعنى أنه يتوسط أيضًا فيها فلا يكثر منها؛ لئلا يؤدي إلى الضجر وعقر (٥) الحلق، ولا يسكت حتى تفوته الشعيرة، ولكن تارة وتارة، ونحوه في المدونة.
قوله: (وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْي) لما ذكر الخلاف في قطعها هل هو بدخول مكة أو بدخوله في الطواف؛ أشار إلى ذلك مُغَيًّا بغاية وهو فراغه من السعي، فإذا فرغ منه
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٣٩٥.
(٢) قوله: (أي: بيّن) ساقط من (س).
(٣) قوله: (عليا) زيادة من (ن)
(٤) قوله: (به غالبًا) ساقط من (س).
(٥) قوله: (عقر) يقابله في (ن): (عند)
[ ٢ / ١٩٨ ]
عاودها على نحو ما تقدم.
قوله: (وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ) يريد مسجد مكة ومثله مسجد منى؛ لقول مالك: لا ترفع الأصوات بالتلبية في شيء من المساجد إلا في المسجد الحرام ومسجد منى (١)، لأنها مواضع الحج بخلاف غيرها (٢).
قوله: (لِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ) أي: فإذا عاودها بعد السعي فلا يزال كذلك إلى رواح مصلى عرفة.
ابن القاسم: وذلك إذا زالت الشمس وراح يريد الصلاة، وكان مالك يقول: يقطع إذا راح إلى الموقف، وعنه أيضًا إذا زالت الشمس ثم رجع وثبت (٣) على القول الأول (٤)، وحكى في الذخيرة قولًا أنه يلبي حتى يفرغ من الوقوف (٥).
قوله: (وَمُحْرِمُ مَكةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ) يريد: أن محرم مكة (٦) سواء كان من أهلها أو من غيرهم يلبي في المسجد الحرام أيضًا.
قوله: (وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ وَفَائِتُ الْحَجِّ لِلْحَرَمِ وَمنَ الجعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ لِلْبُيُوتِ) أي: بيوت مكة، ومراده أن من أحرم بعمرة أو أحرم بحج ففاته بحصر أو مرض أو عدو أو خروج وقت فتحلل منه بعمرة، فإن أحرم من المواقيت قطع التلبية أوائل الحرم لبعد المسافة، وإن أحرم من الجعرانة أو التنعيم قطع إذا دخل بيوت مكة لقرب المسافة، ونحوه في المدونة (٧).
قوله: (وَللطوَافِ الْمَشْيُ) أي: والسُّنة في الطواف المشي، وإنما حذفه اعتمادًا على فهم المعنى مما سبق، وذكر أن سننه أربع هذه أولاها، وسيأتي بقيتها من كلامه.
قوله: (وَإِلا فَدَمٌ لِقَادِرِ لَمْ يُعِدْهُ) أي: وإن لم يمشِ بل ركب فالدم لقادر؛ أي: على
_________________
(١) قوله: (لقول مالك: لا ترفع الأصوات بالتلبية ومسجد منى) ساقط من (ن).
(٢) انظر: الموطأ ١/ ٣٣٤، برقم: ٧٣٧.
(٣) في (ز): (فبقيت).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٣٩٧.
(٥) انظر: الذخيرة: ٣/ ٢٣٣.
(٦) قوله: (محرم مكة) يقابله في (س): (المحرم من مكة).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٣٩٧.
[ ٢ / ١٩٩ ]
قادر، واحترز بقوله: (لم يعده) مما إذا أعاده فإنه يسقط عنه الدم.
قوله: (وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ) هذه هي السُّنة الثانية وهي تقبيل الحجر الأسود، وقد فعل ذلك النبي - ﷺ - هو وأصحابه، والضمير في (أوله) عائد على الطواف، وهو كذلك في المدونة وقال فيها: في أول كل شوط بعد ذلك إن شاء استلم وإن شاء ترك (١).
قوله: (وَفي الصَّوْتِ قَوْلانِ) قال ابن وضاح: يضع فاه عليه بغير صوت، وقال أبو عمران: إن هذا ضيق؛ أي: لا فرق بين الصوت وغيره (٢).
قوله: (وَللزَّحْمَةِ يَمَسُّ بِيَدٍ، ثُم عُودٍ وَوَضعهما عَلَى فِيهِ، ثم كَبَّرَ) أي: وإن لم يقدر على تقبيل الحجر للزحمة مسَّه بيده، فإن لم يقدر فبعود أو نحوه، ولا يستلمه بيده مع القدرة على تقبيله ولا بعود مع القدرة على (٣) استلامه بيده، فإن لم يستطع شيئًا من ذلك كبر ومضى، وهو معنى قوله: (ثم كبر) أي: وكبر ومضى على طوافه عند عدم القدرة على استلامه بشيء مما ذكرنا، وهل إذا استلم بيده أو بعود يقبلهما وهو مذهب الموازية، أم لا وهو مذهب المدونة (٤)؛ وإليه أشار بقوله: (وَوَضعهما عَلَى فِيهِ) يريد من غير تقبيل.
قوله: (وَالدُّعَاءُ) هذه هي السُّنة الثالثة.
قوله: (بِلا حَدٍّ) هو كقول ابن شاس: ليس بمحدود (٥). يريد: خلافًا لابن حبيب.
قوله: (وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلاثَةِ الأُوَلِ) هي السُّنة الرا بعة وقد ورد ذلك عنه - ﵇ - وأمر به أصحابه، واحترز بقوله: (رجل) من المرأة؛ إذ لم يشرع ذلك في حقِّ النساء.
قوله: (وَلَوْ مَرِيضًا، وَصَبِيًّا حُمِلا) قال في الجواهر: وإذا طيف بالمريض الذي لا يقدر على الطواف بنفسه أو بالصبي، فالمنصوص في المريض أنه يُرْمُل به، وفي الصبي قولان أجراهما اللخمي في المريض (٦). ومذهب المدونة أنه يُرْمُل بالصبيِّ (٧)، وهو قول أصبغ
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤١٩.
(٢) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٨١.
(٣) قوله: (القدرة على) ساقط من (ز).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٣٩٦ و٣٩٧.
(٥) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٧٩.
(٦) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٧٩، التبصرة، للخمي، ص: ١١٨٣، ١١٨٤.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٧.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
خلافًا لابن القاسم (١).
قوله: (وَللزَّحْمَةِ الطَّاقَةُ) يريد أنَّ الطائف إذا لم يستطع أن يَرْمُل فعل وسعه من ذلك، قال في المدونة: وإن زوحم في الرمل ولم يجد مسلكًا (٢) رمل بقدر طاقته (٣).
قوله: (وَللسَّعْي تَقْبِيلُ الحْجَرِ الأَسْوَدِ (٤» أي: والسُّنة تقبيل الحجر الأسود (٥). يريد: إذا فرغ من الطواف وركعتيه وخرج ذاهبًا إلى السعي استلمه عند خروجه.
قوله: (وَرُقِيُّهُ عَلَيْهِما) السُّنة الثانية للسعي أن يرقئ على الصفا والمروة بحيث يرى الكعبة منه، وقاله في المدونة وزاد: ولا يعجبني أن يدعو عليهما قاعدًا إلا من علة (٦).
قوله: (كامْرأَةٍ إن خَلا) قال في المدونة: وتقف النساء أسفلهما وليس عليهن أن يصعدن إلا أن يخلو فيصعدن أفضل لهنَّ (٧).
قوله: (وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الأَخْضَرَيْنِ فَوْقَ الرَّمَلِ (٨» وهذه هي السُّنة الثالثة، وفي الإسراع بين الميلين الأخضرين (٩) يريد: الرجال دون النساء.
أبو إسحاق: ويسعى بينهما سعيًا هو أشد من الرمل حول البيت (١٠).
قوله: (وَدُعَاءٌ) وهي السُّنة الرابعة، قال في المدونة: ولم يَحد مالك في الدعاء على الصفا والمروة حدًّا ولا لطول القيام وقتًا، واستحب المكث عليهما في الدعاء (١١).
(المتن)
وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَي الطَّوَافِ أَوْ وُجُوبِهِمَا تَرَدُّدٌ، وَنُدِبَا كَالإِحْرَامِ: بِالْكَافِرُونَ وَالإِخْلاصِ، وَبِالْمَقَامِ، وَدُعَاءٌ بِالْمُلْتَزَمِ وَاسْتِلامُ الْحَجَرِ الْيَمَانِي بَعْدَ الأَوَّلِ،
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٧٦.
(٢) في (ز): (نسك (١).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤١٨.
(٤) قوله: (الأَسْوَدِ) ساقط من (ز).
(٥) قوله: (أي: والسنة تقبيل الحجر الأسود) ساقط من (س).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٠.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٠.
(٨) قوله: (فَوْقَ الرَّمَلِ) ساقط من (س).
(٩) قوله: ("فَوْقَ الرَّمَلِ، وهذه هي السنة الثالثة الأخضرين) ساقط من (س).
(١٠) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٨٠.
(١١) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٠.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وَاقْتِصَارٌ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَالْبَيْتِ، وَمِنْ كَدَاءٍ لِمَدَنِي، وَالْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيبَةَ، وَخُرُوجُهُ مِنْ كُدًى، وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ تَنَفُّلِهِ وَبِالْمَسْجِدِ، وَرَمَلُ مُحْرِمٍ مِنْ كَالتَّنْعِيمِ، أَوْ بِالإِفَاضَةِ لِمُرَاهِقٍ، لا تَطَوُّع وَوَدَاعٍ. وَكَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ، وَنَقْلُهُ.
(الشرح)
قوله: (وَفي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَي الطوَافِ (١) أَوْ وُجُوبِهِما ترَدُّدٌ) ذهب الباجي إلى وجوبهما على الإطلاق (٢)، وذهب عبد الوهاب إلى سُنيتهما (٣)، وإليهما أشار بما ذكر، وذهب الأبهري وابن رشد (٤) إلى أن حكمهما حكم الطواف في الوجوب والندب (٥).
قوله: (وَنُدِبَا كَالإِحْرَام بِـ "الْكَافِرُونَ" (٦) وَ"الإِخْلاصِ" أي: وندب أن يقرأ في ركعتي الطواف والإحرام بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، هكذا نقل عن ابن حبيب (٧).
قوله: (وَبِالْمَقَامِ) هو معطوف على قواسه: (وندبا) أي: وكذلك يستحب إيقاع ركعتي الطواف في المقام.
ابن عبد البر: وإن لم يمكنه فحيث تيسو من المسجد ما خلا الحجر (٨). وزاد غيره: والبيت وظهره.
قوله: (وَدُعَاءٌ بِالْمُلْتَزَمِ) أي: ومما يندب أيضًا الدعاء بالملتزم؛ وهو ما بين الركن والباب.
قوله: (وَاسْتِلامُ الْحجَرِ وَالْيَمَانيِّ بَعْدَ الأَوَّلِ) أي: ومما يندب أيضًا استلام الحجر الأسود والركن اليماني في أول كل شوط بعد الشوط الأول. يريد: لأن استلامهما في (٩)
_________________
(١) قوله: (رَكْعَتَيْنِ لِلطَّوَافِ) يقابله في (ز): (الطواف ركعتين).
(٢) انظر: المنتقى: ٣/ ٥٠١.
(٣) انظر: المعونة: ١/ ٣٧١.
(٤) في (ز): (الباجي).
(٥) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٦٩، والذخيرة: ٣/ ٢٤٢.
(٦) في (س): (الكافرين).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٧٩.
(٨) انظر: الكافي: ١/ ٣٦٧.
(٩) قوله: (في) ساقط من (س).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
أول الشوط الأول من سُنن الطواف كما تقدَّم.
قوله: (وَاقْتِصَار عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ) يريد أن الاقتصار على تلبية الرسول - ﷺ - مندوب، وهي "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" (١).
مالك: والاقتصار على ذلك أفضل، وعنه كراهة الزيادة (٢).
قوله: (وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا) أي: ومما يندب دخول مكة نهارًا، هكذا قال في المدونة (٣).
سند: ويستحب له أن يدخل البيت؛ لفعله عليس الصلاة والسلام، وإليه أشار بقوله: (وَالْبَيْتِ) أي: ومما يندب أيضًا دخول البيت.
قوله: (وَمِنْ كِدَاءٍ لِمَدَنِيٍّ): ويستحب دخول مكة من أتى من طريق المدينة، (من كداء) الثنية التي بأعلى مكة، وقاله في المدونة (٤)، وإنما قلنا: "من (٥) أتى من طريق المدينة"؛ إذ ليس المراد أن ذلك مقصور على من هو من أهل المدينة كما يتوهم من لفظه، وانظر هذا مع قول ابن الفاكهاني في شرح الرسالة: المشهور والمعروف استحباب الدخول من كداء كما قال المصنف، وإن لم تكن طريق الداخل (٦) إلى مكة فليعرج عليها، وقيل: إنما دخل منها - ﵇ - لأنها على طريقه، فلا يستحب من ليست على طريقه، قال: ولا أعلم هذا الخلاف في مذهبنا.
قوله: (وَالْمَسْجِدِ مِنْ بَاب بَنِي شَيْبَةَ) أي: ويستحب دخول المسجد منه.
ابن حبيب: وقد دخل ﵇ منه وخرج إلى المدينة من باب بني سهم.
قوله: (وَخُرُوجُهُ مِنْ كُدَى) أي: الثنية التي بأسفل مكة. ابن الفاكهاني: والمعروف
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٥/ ٤٤٥، في باب التلبية، من كتاب الحج، برقم: ١٤٤٨، ومسلم: ٦/ ١٢١، في باب التلبية وصفتها ووقتها، من كتاب الحج، برقم: ٢٠٢٩، ومالك: ١/ ٣٣١، في باب العمل في الإهلال، من كتاب الحج، برقم: ٧٣٠.
(٢) انظر: الكافي: ١٥/ ١٢٨.
(٣) انظر: المدونة، دار صادر: ٢/ ٣٦٣.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٣.
(٥) قوله: (من) ساقط من (ز).
(٦) في (س): الدخول.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
فيها الضم والقصر، وأما التي بأعلى مكة فبالفتح والمد منونًا (١).
قوله: (وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ تَنَفُّلِهِ) يريد: أنه يستحب من طاف قبل الغروب وصلى المغرب قبل ركعتي الطواف أنه (٢) يبدأ بركعتي الطواف قبل أن يتنفل، وروي ذلك عن مالك (٣).
قوله: (وَبِالْمَسْجِدِ) أي: ومما يستحب أيضًا إيقاع ركعتي الطواف في المسجد الحرام، نصَّ عليه الباجي (٤).
قوله: (وَرَمَلُ مُحْرِمٍ مِنْ كَالتَّنْعِيمِ أَو بِالإِفَاضَةِ لِمُرَاهَقٍ) يريد: أن المحرم من التنعيم أو الجعرانة أو الطائف للإفاضة إذا كان مراهقًا يستحب له الرمل، وهو مذهب المدونة (٥)، وقال ابن كنانة وابن نافع: حكمه في ذلك حكم من طاف طواف القدوم (٦).
قوله: (لا تَطَوُّعٍ وَوَدَاعٍ) أي: فلا يرمل فيهما.
قوله: (وَكَثْرَةُ شرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ وَنَقْلُهُ) هكذا حكي في الذخيرة وغيرها عن ابن حبيب قال: يستحب الإكثار من شرب ماء رْمزم والوضوء منه (٧). ويستحب نقله من مكة إلى غيرها من بلاد المسلمين.
(المتن)
وَلِلسَّعْي شُرُوطُ الصَّلاةِ، وَخُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْرِ السَّابعِ بِمَكَّةَ وَاحِدَةٌ، يُخْبِرُ فِيهَا بِالْمَنَاسِكِ، وَخُرُوجُهُ لِمِنًى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهِ الظُّهْرَ، وَبَيَاتُهُ بِهَا، وَسَيْرُهُ لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ، وَنُزُولُهُ بِنَمِرَةَ، وَخُطْبَتَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ، ثُمَّ أُذِّنَ وَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ إِثْرَ الزَّوَالِ، وَدُعَاءٌ وَتَضَرُّعٌ لِلْغُرُوبِ، وَوُقُوفُهُ بِوُضُوءٍ، وَرُكُوبُهُ بِهِ، ثُمَّ قِيَامٌ إِلَّا لِتَعَبٍ، وَصَلاتُهُ بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ وَبَيَاتُهُ بِهَا. وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَالدَّمُ وَجَمَعَ وَقَصَرَ،
(الشرح)
قوله: (وَلِلسَّعْيِ شُرُوطُ الصَّلاةِ) أي: ويستحب للسعي شروط الصلاة من
_________________
(١) انظر: التوضيح، لخليل: ٢/ ٥٥٩.
(٢) في (س): (أي).
(٣) انظر: الكافي: ١/ ٤١٤.
(٤) انظر: المنتقى: ٣/ ٥٠٨.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٢.
(٦) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٨٣.
(٧) انظر: الذخيرة: ٣/ ٢٤٥.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
الطهارتين (١) وستر العورة، وأمَّا استقبال القبلة فغير ممكن، وقد استحب مالك من انتقض وضوؤه أن يتوضأ ويبني، فإن لم يتوضأ فلا شيء عليه (٢)، وجعل في الذخيرة (٣) الطهارة سُنة فيه.
قوله: (وَخُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْرِ السَّابعِ بِمَكَّةَ) أي: وخطب (٤) للحج، واتفق على أنها ثلاث؛ الأولى منها (٥) خطبة السابع من ذي الحجة بمكة بعد صلاة الظهر (٦) يخطب للناس ويرشدهم فيها إلى مناسكهم وهو ما يصنعون في خروجهم إلى منى وصلاتهم بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ومبيتهم ليلة عرفة وصلاتهم الصبح صبيحتها بمنى وغدوهم إلى عرفة إذا طلعت الشمس، ويحرضهم على النزول بنمرة.
قوله: (بَعْدَ ظُهْرِ السَّابعِ بِمَكَّةَ) هو المشهور، وقال محمد: قبل الزوال (٧).
قوله: (وَاحِدَةٌ) إشارة إلى أنَّ الإمام لا يجلس في وسطها وهو المشهور، وعن مطرف وابن الماجشون: أنه (٨) يجلس في وسطها (٩).
قوله: (يُخْبِرُ بِالْمَنَاسِكِ، وَخُرُوجُهُ لِمِنى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ، وَبَيَاتُهُ بِهَا، وَسَيْرُهُ لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ، وَنُزُولُهُ بِنَمِرَةَ) قد تقدم بيان ذلك، و(خروجه) يحتمل أن يكون مرفوعًا عطفًا على فاعل (ندب) أي: وندب خروجه، وكذلك (بياته) و(سيره) و(نزوله بنمرة) (١٠)، ويحتمل أن يكون مجرورًا عطفًا على قوله: (يخبر)، بالمناسك (١١) أي يخبر فيها بكذا وكذا وبخروجه بكذا وكذا (١٢) أو ما بعده، والأول أظهر.
_________________
(١) في (ن): (الطهارة).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ١/ ٣٧٥ و٣٧٦.
(٣) انظر: الذخيرة: ٣/ ٢٥٢.
(٤) في (ز): (ويخطب).
(٥) قوله: (الأولى منها) زيادة من (س).
(٦) قوله: (بعد صلاة الظهر) ساقط من (س) و(ن).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٥٠٣.
(٨) قوله: (أنه) زيادة من (س).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٥٠٤.
(١٠) قوله: (قد تقدم بيان ذلك، و"خروجه" يحتمل أن يكون ونزوله بنمرة،) ساقط من (ن).
(١١) قوله: (بالمناسك) ساقط من (ن ٢).
(١٢) قوله: (بالمناسك أي يخبر فيها بكذا وكذا وبخروجه بكذا وكذا) زيادة من (ن).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
قوله: (وَخُطْبَتَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ) أي: في يوم عرفة، وإنما قال: (خطبتان) لأنه يجلس في وسطها بلا خلاف، ويعلم الناس فيها صلاتهم بعرفة ووقوفهم ودفعهم ومبيتهم بالمزدلفة وصلاتهم بها ووقوفهم (١) بالمشعر الحرام والدفع منه ورمي جمرة العقبة والحلق والتقصير والنحر وطواف الإفاضة، والمشهور أنها بعد الزوال، وقيل: تجزئ إن وقعت قبله والصلاة بعده، وأما الخطبة الثالثة وهي التي تقع بمنى يوم الحادي عشر بعد صلاه الظهر (٢) فالمشهور أنه لا يجلس فيها خلافًا لمطرف وابن الماجشون، ويعلم الناس فيها (٣) حكم مبيتهم بمنى وكيفية الرمي وما يلزمهم بتركه أو بعضه، وحكم التأخير والتعجيل إلى غير ذلك.
قوله: (ثُمَّ أُذِّنَ) أي بعد فراغ الإمام (٤) من خطبته، هكذا قال (٥) في كتاب الصلاة في (٦) المدونة (٧)، وفي كتاب الحج فيها (٨): إن شاء أذن فيها أو بعد فراغها (٩)، وعن مالك (١٠) أنه يؤذن قبل الخطبة عند جلوس الإمام على المنبر، وفي الواضحة: عند جلوسه بين خطبتيه (١١).
قوله: (وَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ) أي: الظهر والعصر، قال في المدونة: بأذانين وإقامتين (١٢)، "وروي عنه - ﵇ - بأذان وإقامتين"، وبه أخذ ابن الماجشون (١٣).
قوله: (إِثْرَ الزَّوَالِ) هذا مما لا اشكال فيه.
_________________
(١) قوله: (ووقوفهم) زيادة من (س).
(٢) قوله: (بعد صلاه الظهر) زيادة من (ن)
(٣) قوله: (فيها) زيادة من (س).
(٤) قوله: (الإمام) ساقط من (ن)
(٥) قوله: (قال) ساقط من (س).
(٦) في (س): (من).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٢٤٩.
(٨) في (س) و(ن): (منها).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٩.
(١٠) قوله: (وعن مالك) يقابله في (ن): (روى عن مالك).
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٩٢.
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٩.
(١٣) في (ن ٢): (ابن القاسم).
[ ٢ / ٢٠٦ ]
قوله: (وَدُعَاءٌ وَتَضَرُّعٌ لِلْغُرُوبِ) أي: فإذا فرغ من الصلاة أخذ في الدعاء والتضرع إلى غروب الشمس ثم يدفع بعد ذلك.
قوله: (وَوُقُوفُهُ بِوُضُوءٍ، وَرُكُوبُهُ بِهِ) هذا معطوف على فاعل ندب، والمعنى: ومما يندب أيضًا وقوفه بعرفة متوضئًا؛ أي: ليكون على أكمل الحالات، أي (١): وكذلك يندب له الركوب؛ لأنه - ﵇ - كذلك وقف، ولأن الركوب أعون له على مواصلة الدعاء وأقوى على فعل الطاعة.
قوله: (ثُمَّ قِيَامٌ إِلا لِتَعَبٍ) يريد أن رتبة القيام تلي رتبة (٢) الركوب في الفضل ثم الجلوس يليهما (٣) في ذلك، فلا يجلس مع القدرة على القيام، ولهذا قال: (إلا لتعب)؛ أي: فيجلس حينئذٍ.
قوله: (وَصَلاتُهُ بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ) أي: ومما يندب أيضًا صلاة الحاج بمزدلفة ليلة النحر المغرب والعشاء؛ لما روي "أنه - ﵇ - صلاهما تلك الليلة فيها"؛ لكن ظاهر كلامه أنه لو صلاهما قبل إتيانه إليها أجزأه؛ لأنه جعل ذلك مندوبًا، والذي في المدونة أنه يعيدهما (٤)، إلا أنه عند ابن القاسم على سبيل الاستحباب. وقال ابن حبيب: يعيدهما أبدًا (٥).
قوله: (وَبَيَاتُهُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَالدَّمُ) أي: بالمزدلفة، وانظرْ كيف جعل ذلك أيضًا مستحبًّا، وقد حكى القرافي أن مبيته بها واجب على المشهور (٦)، اللهم إلا أن يريد أن الزائد على ما يسقط به الدم مستحب فيستقيم كلامه (٧).
قوله: (وَجَمَعَ وَقَصَرَ) أي: يجمع بين العشاءين ويقصر العشاء دون المغرب فإنها لا تقصر.
_________________
(١) قوله: (أي) ساقط من (س).
(٢) في (ز): (مرتبة).
(٣) في (ز) و(ز ٢) و(ن) و(ن (١) و(ن ٢): (بينهما).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٢.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٩٧.
(٦) انظر: الذخيرة: ٣/ ٢٦٣.
(٧) قوله: (كلامه) زيادة من (ن).
[ ٢ / ٢٠٧ ]
(المتن)
إِلَّا أَهْلَهَا: كَمِنًى وَعَرَفَةَ وَإِنْ عَجَزَ فَبَعْدَ الشَّفَقِ؛ إِنْ نَفَرَ مَعَ الإمَامِ، وَإِلَّا فَكُلٌّ لِوَقْتِهِ وَإِنْ قُدِّمَتَا عَلَيْهِ أَعَادَهُمَا، وَارْتِحَالُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ مُغَلِّسًا، وَوُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ يُكَبِّرُ وَيَدْعُو لِلإسْفَارِ، وَاسْتِقْبَالُهُ بِهِ، وَلا وُقُوفَ بَعْدَهُ وَلا قَبْلَ الصُّبْحِ، وَإِسْرَاعٌ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ، وَرَمْيَه الْعَقَبَةَ حِينَ وُصُولِهِ وَإِنْ رَاكِبًا، وَالْمَشْيُ فِي غَيْرِهَا، وَحَلَّ بِهَا غَيْرُ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ الطِّيبُ، وَتَكْبِيرُهُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَتَتَابُعُهَا، وَلَقْطُهَا، وَذَبْحٌ قَبْلِ الزَّوَالِ، وَطَلَبُ بَدَنَتِهِ لَهُ لِيَحْلِقَ، ثُمَّ حَلْقُهُ وَلَوْ بِنُورَةٍ، إِنْ عَمَّ رَأْسَهُ، وَالتَّقْصِيرُ مُجْزِئٌ، وَهُوَ سُنَّةُ الْمَرْأَةِ: تَأْخُذُ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ وَالرَّجُلُ مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ،
(الشرح)
قوله: (إِلا أَهْلَهَا، كَمِنًى وَعَرَفَةَ) أي: أهل مزدلفة فإنهم لا يقصرون شيئًا، وهكذا حكم من بمنى وعرفة من الجمع والقصر وعدمه، وحاصله أن أهل كل موضع يتمون به (١) ويقصرون فيما عداه.
قوله: (وَإِنْ عَجَزَ فَبَعْدَ الشَّفَقِ) يريد أن ما تقدم من استحباب إيقاع العشاءين بمزدلفة خاص بالقادر على المسير (٢) مع الناس، وأمَّا العاجز عن ذلك فإنه يصليهما بعد الشفق حيث كان من الأماكن، وقاله في المدونة (٣).
وقوله: (إِنْ نَفَرَ مَعَ الإمَامِ) هكذا قيده في المدونة.
قوله: (وَإِلا فَكُلٌّ لِوَقْتِهِ) أي: وإن لم ينفر مع الإمام صلى كل صلاة لوقتها، هكذا نقله في النوادر عن محمد، وعن ابن القاسم: إن طمع أن يبلغ مزدلفة في ثلث الليل أخر الصلاتين وإلا صلى كل صلاة لوقتها. وعنه أيضًا: أنه (٤) يصلي كل صلاة لوقتها إلا أن يتعجله (٥) السير فيجمع بينهما (٦).
قوله: (وَإِنْ قُدِّمَتَا عَلَيْهِ أَعَادَهُمَا) أي: فإن صلى المغرب والعشاء قبل مغيب الشفق من عجز عن إدراك الناس أو لم يعجز - يريد: ونفر مع الإمام - فإنه يعيدهما، ولا
_________________
(١) في (ن): فيه).
(٢) في (س): (السير).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٢.
(٤) قوله: (أنه) زيادة من (س).
(٥) في (ن): (يجّد).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٩٨.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
خلاف في إعادة العشاء؛ لأنها وقعت قبل وقتها، واختلف في المغرب فقال ابن القاسم: يعيدها في الوقت وهو الذي ذكره هنا، وقال أشهب: لا يعيدها؛ لأنها وقعت في وقتها، وقال ابن حبيب: يعيدها أبدًا (١).
قوله: (وَارْتِحَالُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ، مُغَلِّسًا) أي: ومما يستحب أيضًا من بات بالمزدلفة أن يرتحل إلى المشعر الحرام بعد صلاة الصبح في أول وقتها، فإذا جاء إليه وقف مبتهلًا بالدعاء والذكر إلى الإسفار، وإليه أشار بقوله: (وَوُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ يُكَبِّرُ وَيَدْعُو للإِسْفَارِ)، وأشار بقوله: (وَاسْتِقْبَالُهُ بِهِ) إلى ما قال سحنون: ويكون وجهك إذا وقفت أمام البيت. والضمير المجرور بالمصدر يحتمل عوده على البيت؛ أي: واستقبال (٢) البيت عند الوقوف بالمشعر الحرام، ويحتمل عوده على الواقف؛ أي: واستقبل الواقف بالمشعر الحرام الكعبة، وأما الضمير المجرور بالباء فإنه عائد على المشعر لا غير، والباء فيه للظرفية وهي بمعنى عند؛ أي: عند (٣) المشعر.
قوله: (وَلا وُقُوفَ بَعْدَهُ وَلا قَبْلَ الصبْحِ) هذا كقوله في المدونة: والوقوف بالمشعر الحرام بعد طلوع الفجر وبعد الصبح، فمن وقف بعد الفجر (٤) وقبل أن يصلي الصبح فهو كمن لم يقف، ثم قال: ولا يقف أحد به إلى طلوع الشمس والإسفار، ولكن يدفع قبل ذلك، وإذا أسفر ولم يدفع الإمام دفع الناس وتركوه (٥).
قوله: (وَإِسْرَاعٌ بِبَطْنِ مُحَسِّرِ) أي: ومما يستحب أيضًا الإسراع في بطن محسِّر وهو قدر رمية حجر وسواء كان راكبًا أوماشيًا.
قوله: (وَرَمْيَه (٦) الْعَقَبَةَ حِينَ وَصُولِهِ وَإِنْ رَاكبًا) يريد أنه إذا وصل إلى منى فالمستحب له أن يرمي جمرة العقبة حينئذٍ قبل أن يحط رحله؛ أي: قبل (٧) طلوع
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٩٧.
(٢) في (ز): (واستقبل).
(٣) قوله: (أي: عند) ساقط من (س).
(٤) في (ز): (الصبح).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٣.
(٦) في (ز ٢) و(س) و(ن) و(ن (١) و(ن ٢): (وَرَمْيَةُ).
(٧) في (س) و(ن): (بعد).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
الشمس، وقد فعله - ﵇ - وكان راكبًا، قال في المدونة: وهو الشأن (١).
قوله: (وَالْمَشْيُ فِي غَيْرِهَا) نحوه في المدونة قال فيها: فإن مشى في رمي جمرة العقبة أو ركب في رمي الجمار في الأيام الثلاثة فلا شيء عليه (٢)، وهو ظاهر كلامه هنا أن الركوب في جمرة العقبة مرجوح، وهو خلاف المدونة فإن الركوب فيها هو المطلوب والأولى (٣) فإن مشى فلا شيء عليه فيها (٤)، وأما غيرها فكما قال.
قوله: (وَحَلَّ بِهَا غَيْرُ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ الطِّيبُ) يريد: أنه إذا رمى جمرة العقبة حلَّ له كل شيء كان عليه حرامًا ما عدا ثلاثة أشياء؛ اثنين (٥) يجتنبهما على سبيل الوجوب وهما النساء والصيد، والثالث على سبيل الكراهة وهو الطيب، فإن تطيب فلا فدية عليه على المشهور كما سيذكره، وهذا هو التحلل الأصغر، والتحلل الأكبر طواف الإفاضة وبه يحل ما بقي.
قوله: (وَتَكْبِيرُهُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) وهو معطوف أيضًا على المستحب، لكن ظاهر المدونة أنه مسنون؛ لأنه لما سئل فيها (٦): هل يجزئ التسبيح؟ قال: السُّنة التكبير، ثم قال: ويوالي بين الرمي (٧)؛ أي: بين كل حصاتين. أبو الحسن الصغير: ولا يريد أنه يوالي بين الجمرات الثلاث، وهذا (٨) معنى قوله: (وَتَتَابُعُهَا) أي: مستحب.
قوله: (وَلَقْطُهَا) أي: وكذلك يستحب لقط الحصاة التي يرمي بها وهو أولى من كسرها للسنة، وله أخذها من منزله (٩) بمنى (١٠) إلا رمي (١١) جمرة العقبة، فإن المستحب
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٧.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٧.
(٣) في (ن): (وإلا)، وفي (أولًا).
(٤) قوله: فيها) زيادة من (س).
(٥) قوله: (اثنين) زيادة من (س).
(٦) قوله: (فيها) ساقط من (س).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٥.
(٨) في (س): (وهو).
(٩) في (س): بمنزله.
(١٠) قوله: (بمنى) ساقط من: (ن ٢).
(١١) قوله: (رمي) ساقط من (س) و(ن).
[ ٢ / ٢١٠ ]
له (١) عند ابن القاسم وغيره أخذها من مزدلفة.
قوله: (وَذَبْحٌ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَطَلَبُ بَدَنَتِهِ لَهُ ليَحْلِقَ) لا شك أن الذبح قبل الزوال أفضل مما بعده وأنه مقدم على الحلق، ولهذا قال: (وطلب بدنته إلى آخره)؛ أي: إذا ضلت منه فإنه يطلبها إلى الزوال ليقع الحلق بعد نحرها، وهكذا قال في المدونة (٢)؛ يريد لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قوله: (ثُمَّ حَلْقُهُ) يريد أن تأخير الحلق عن النحر هو الأفضل كما تقدم، ودليله الآية المذكورة، وقال في المدونة: ومن حلق رأسه بالنورة عند الحلاق أجزأه (٣)، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ بِنَوْرَةٍ) وقال أشهب: لا يجزئه؛ لأنه محل تعبد يقتصر فيه على ما ورد. وأشار بقوله: (إِنْ عَمَّ رَأْسَهُ) إلى أن ذلك يجري مجرى الحلق، فكما لا يجزئ على المذهب إلا حلق جميع الرأس فكذلك لا يجزئ إذا طك بعضه بالنورة دون البعض أو طلى الجميع، إلا أنه لم يذهب من الشعر إلا بعضه وبقي البعض ولو القليل منه.
قوله: (وَالتقْصِيرُ مُجْزِئٌ) لا شك أن الحلق أفضل من التقصير في حقِّ الرجل فإذا قصر أجزأه.
قوله: (وَهُوَ سُنَّةُ الْمَرْأَةِ) أي: التقصير سُنة النساء، وظاهره أنه يجوز لها الحلق إذا أرادت ذلك، وهو موافق لما نقله البلنسي في شرح الرسالة أن الحلق لهنَّ مكروه (٤).
وقال اللخمي: لا يجوز لهن ذلك؛ لأنه مثلة لهن إلا من برأسها أذى أو الحلاق أصلح (٥) لها، قال: وكذلك بنت تسع أو عشر تقصر ولا تحلق إلا لعذر، وإن كانت صغيرة جاز لها الحلق (٦) والتقصير (٧)، وظاهر قوله في المدونة: ليس على النساء إلا التقصير (٨)، يدل على موافقة اللخمي.
_________________
(١) قوله: (له) ساقط من (س).
(٢) انظر: تهذيب المدونة: ١/ ٥٥٢.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٠.
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٧.
(٥) قوله: (أو الحلاق أصلح) يقابله في (س): (والحلاق إصلاح).
(٦) في (ز): (الحلاق).
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٢٣.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٢، وانظر النقل بنصه في: تهذيب المدونة: ١/ ٥٥٣.
[ ٢ / ٢١١ ]
قوله: (تَأْخُذُ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ، وَالرَّجُلُ مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ) يريد أن المرأة إذا قصرت شعرها فإنها تأخذ من أطرافه بمقدار الأنملة من جميعه، وأما الرجل فإنه يجز من قرب أصله.
(المتن)
ثُمَّ يُفِيضُ. وَحَلَّ بِهِ مَا بَقِيَ؛ إِنْ حَلَقَ؛ وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَهُ فَدَمٌ؛ بِخِلافِ الصَّيْدِ، كَتَأْخِيرِ الْحَلْقِ لِبَلَدِهِ، أَوِ الإِفَاضَةِ لِلْمُحَرَّمِ، وَرَمْي كُلِّ حَصَاةٍ أَوِ الْجَمِيعِ لِلَّيْلِ، وَإِنْ لِصَغِيرٍ لا يُحْسِنُ الرَّمْيَ، أَوْ عَاجِزٍ. ويَسْتَنِيبُ فَيَتَحَرَّى وَقْتَ الرَّمْي، وَكَبِّرَ، وَأَعَادَ إِنْ صَحَّ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْغُرُوبِ مِنَ الرَّابِعِ، وَقَضَاءُ كُلٍّ إِلَيْهِ، وَاللَّيْل قَضَاءٌ، وَحُمِلَ مُطِيقٌ، وَرَمَى؛ وَلا يَرْمِي فِي كَفِّ غَيْرِهِ، وَتَقْدِيمُ الْحَلْقِ أَوِ الإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ لا إِنْ خَالَفَ فِي غَيْرٍ، وَعَادَ لِلْمَبِيتِ بمِنًى فَوْقَ الْعَقَبَةِ ثَلاثًا، وَإِنْ تَرَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ فَدَمٌ، أَوْ لَيْلَتَيْنِ إِنْ تَعَجَّلَ، وَلَوْ بَاتَ بِمَكَّةَ أَوْ مَكِّيًّا قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنَ الثَّانِي: فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الثَّالِثِ.
(الشرح)
قوله: (ثُمَّ يُفِيضُ) أي: بعد الرمي والحلق والنحر وهو التحلل الأكبر، ولهذا قال: (وَحَلَّ بِهِ مَا بَقِيَ) أي: وحل بطواف الإفاضة ما بقي محرمًا عليه من النساء والصيد أو مكروهًا من أنواع الطيب. ثم أشار بقوله: (إِنْ حَلَقَ) إلى أنه إذا طاف للإفاضة ولم يحلق لا يتم له التحلل، ولهذا قال: (وإنْ وَطِئَ قَبْلَهُ فَدَمٌ، بِخِلافِ الصَّيْدِ) أي: فإن (١) تأخير الحلاق لا يمنع من قتله الصيد (٢) ولا يوجب جزاء على المشهور، وقيل: عليه الجزاء.
قوله: (كَتَأْخِيرِ الحَلْقِ لِبَلَدِهِ) أي: فإنه يهدي أيضًا من أجل ذلك، قاله في المدونة (٣)، وسواء كان ناسيًا أو جاهلًا ويحلق أو يقصر، وفي المدونة أيضًا: إن حلق بمكة في أيام التشريق أو بعدها أو في أيام منى فلا شيء عليه (٤)، وقيل: إن خرجت أيام منى ولم لمجلق أهدى (٥)، وقال أشهب: إن خرجت أيام الرمي ولم يحلق أحببت له الهدي، وإن حلق
_________________
(١) قوله: (فإن) زيادة من (س).
(٢) قوله: (الصيد) زيادة من (ن ٢).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٤١.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٤١.
(٥) في (ن): (اقتداء).
[ ٢ / ٢١٢ ]
فيها فلا شيء عليه.
قوله: (أَوِ الإِفَاضَةِ لِلْمُحَرَّمِ) أي: وكذلك يجب عليه الهدي إذا أخَّر طواف الإفاضة إلى أن خرجت أشهر الحج ودخل المحرَّم، وقاله في الجلاب (١).
قوله: (وَرَمْي كُلِّ حَصَاةٍ أَوِ الْجَمِيعِ لِلَّيْلِ) هو معطوف على قوله: (كتأخير الحلق لبلده أو الإفاضة) أي: ويجب الدم بتأخير رمي حصاة أو الجميع إلى أن دخل الليل، ولم يختلف قول مالك في الهدي إذا ترك جمرة العقبة حتى (٢) دخل الليل، واختلف قوله إذا نسي بعضها. ابن القاسم: وأحب إليَّ أن يكون عليه الدم (٣). ابن يونس: وقاله غير واحد من القرويين، قال: وأما اليوم الثاني فسواء ترك جمرة واحدة أو الجمرات الثلاث فإن الخلاف يدخله في وجوب الدم أم لا (٤).
قوله: (وَإِنْ لِصَغِيرٍ لا يُحْسِنُ الرَّمْيَ) هكذا قال في المدونة (٥)، ومعناه: إذا كان الصبي صغيرًا لا يعرف رمي الجمرات (٦) ولم يرمِ وليه ولا غيره عنه حتى دخل الليل، فإن الهدي يجب على من أحجه، فإن كان الصبي يحسن الرمي رمى، فإن ترك إلى الليل فعليه الهدي أيضًا، وقاله مالك (٧) في المدونة، ويكون ذلك أيضًا (٨) على من أحجه، وحكمُ المجنون ومن لا يستطيع الرمي حكم الصغير، ولهذا قال: (أَوْ عَاجِزٍ، وَيَسْتَنِيبُ) أي: كالمريض والمغمى عليه ونحوهما، وقاله في المدونة (٩). الأبهري: ويرجع في عدم القدرة إلى غلبة الظن، ونص اللخمي على أنه إذا خشي زيادة مرضه يستنيب (١٠).
قوله: (فيتَحَرَّى وَقْتَ الرَّمْي، وَكَبَّرَ) أي: فإن استناب من يرمي عنه فإنه يتحرى
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٢٣٠.
(٢) في (س): (إلى أن).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٤.
(٤) انظر: الجامع، لابن يونس، ص: ١٦٢٠.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٧.
(٦) في (ز): (الجمار).
(٧) قوله: (مالك) ساقط من (ن).
(٨) قوله: (أيضًا) ساقط من (س).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٨.
(١٠) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٢، التبصرة، للخمي، ص: ١٢٣٠.
[ ٢ / ٢١٣ ]
وقت رَمْيِ (١) نائبه ويكبر لكل حصاة تكبيرة واحدة، وقاله في المدونة (٢).
قوله: (وَأَعَادَ إِنْ صَحَّ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْغُرُوبِ مِنَ الرَّابِعِ) يريد: وعليه الدم، وذلك واضح مما تقدم.
قوله: (وَقَضَاءُ كُلٍّ إِلَيْهِ) أي: وقضاء كل (٣) الجمار إلى (٤) غروب الشمس من اليوم الرابع.
قوله: (وَاللَّيْلُ قَضَاءٌ) هذا هو المشهور، وقيل: أداء.
قوله: (وَحُمِلَ مُطِيقٌ، وَرَمَى، وَلا يَرْمِي فِي كَفِّ غَيْرِهِ (٥» أي أن المريض إذا كان يقدر على الرمي محمولًا ووجد مَن يحمله حُمل ورمى عن نفسه، ولا يرمي الحصاة في كفِّ غيره وليرميها هو عنه؛ لأن مثل هذا لا يعد راميًا (٦).
قوله: (وَتَقْدِيمِ الحَلْقِ أَوِ الإِفَاضَةِ (٧) عَلَى الرَّمْي) أي: وكذلك يجب عليه الدم إذا قدم الحلاق على الرمي أو قدم الإفاضة على الرمي، ومذهب المدونة وهو الأصح أن في تقديم الحلق الدم كما قال (٨)؛ لأنه وقع قبل حصول شيء من التحلل، وحكى ابن بشير قولًا بعدم الدم (٩). والذي رواه أيضًا ابن القاسم عن مالك وبه أخذ: أن في تقديم الإفاضة على الرمي الدم وحجه مجزئ (١٠). وعن مالك: لا يجزئه وهو كمن لم يفض.
وقال أصبغ: أحب إليَّ أن يعيد وذلك في يوم النحر آكد (١١).
قوله: (لا إِنْ خَالَفَ فِي غَيْرٍ) يريد: كما لو حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي فلا
_________________
(١) قوله: (رمي) زيادة من (س).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٧.
(٣) قوله: ("إِلَيْهِ" أي: وقضاء كل) ساقط من (س).
(٤) في (ز): (إليه).
(٥) في (س): (غير).
(٦) في (س) و(ن): (رميًا).
(٧) في (ز): (والإفاضة).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٣ و٤٣٤.
(٩) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٣.
(١٠) قوله: (مجزئ) ساقط من (ن)
(١١) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٨٣.
[ ٢ / ٢١٤ ]
شيء عليه على الأصح؛ لما روي أنه ﵇ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: "اذبح ولا حرج"، وقال آخر: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: "ارمِ ولا حرج"، فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أُخِّر إلا قال: "افعل ولا حرج" (١). وقال عبد الملك: إن حلق قبل النحر فعليه دم (٢).
قوله: (وَعَادَ لِلْمَبيتِ بمِنًى فَوْقَ الْعَقَبَةِ ثَلاثًا) أي: فإذا أفاض يوم النحر عاد إلى منى ليبيت بها ثلاث ليالٍ، والأَفضل له الرجوع لها (٣) على الفور، وله التربص بمكة عقيب الإفاضة، وعن مالك: أحب إليَّ إذا طاف يوم الجمعة أن يعود إلى منى ولا يمكث ليصلي الجمعة بمكة، ولا يكون المبيت إلا فوق العقبة، وأما فيما بينها وبين مكة فلا (٤)؛ لأنه ليس من منى، و(ثلاثًا) معمول لمحذوف؛ أي: يبيت ثلاثًا بحذف التاء منه؛ لأن المراد ثلاث ليالٍ.
قوله: (وَإنْ ترَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ فَدَمٌ) نحوه في المدونة (٥)، وعن مالك: لا هدي عليه إلا أن يترك الليلة كلها (٦)، وفهم من قوله: (جل ليلة) أنه لو بات عن منى نصف ليلة فما دون لا يجب عليه الدم، وهو ظاهر المدونة (٧).
قوله: (أَوْ لَيْلتَيْنِ إِنْ تَعَجَّلَ) هذا معطوف على قوله: (ثلاثًا)، والعامل فيه أيضًا محذوف، والتقدير: وعاد للمبيت بمنى فيبيت بهها ثلاث ليالٍ إن لم يتعجل أو ليلتين إن تعجل.
قوله: (وَلَوْ بَاتَ بِمَكَّةَ) هذا هو المشهور، وعن ابن الماجشون وابن حبيب (٨) إن
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٥/ ١٤٨، في باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها، من كتاب العلم، برقم: ٨١، ومسلم: ٦/ ٤٤٧، في باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، من كتاب الحج، برقم: ٢٣٠١، ومالك: ١/ ٤٢١، في باب جامع الحج، من كتاب الحج، برقم: ٩٤١.
(٢) في (ن): (أهدى)، قوله: (النحر فعليه دم) يقابله في (س): (الفجر أهدى). وانظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤١٣.
(٣) قوله: (لها) زيادة من (س).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤١٥.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٩.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤١٥.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٩.
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٤٥٣.
[ ٢ / ٢١٥ ]
بات بمكة لزمه العود إلى منى ليرمي لليوم (١) الباقي؛ لأنه خرج (٢) عن سنة التعجيل، فإن لم يرجع لزمه الدم.
قوله: (أَوْ مَكَّيًّا) يريد أنه (٣) لا فرق في التعجيل (٤) بين المكي والآفاقي، وعن مالك في ذلك قولان (٥)، و(مكيًّا) هذا يصح أن يكون خبرًا لكان المحذوفة، والتقدير: ويعود للمبيت ثلاثًا إن لم يتعجل أو ليلتين إن تعجل ولو بات بمكة أو كان مكيًّا.
قوله: (قَبْلَ الْغُرُوب مِنَ الثَّانِي) متعلق بقوله: (إن تعجل)، واحترز به مما إذا غربت عليه الشمس في منى قَبل تعجيله فإنه حينئذٍ لا يباح له التعجيل؛ لأن الليلة إنما أمر بالمقام فيها (٦) لأجل النهار، فإذا غربت فكأنه التزم رمي الثالث.
قوله: (فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الثَّالِثِ) هذا مما لا إشكال فيه وإلا فلا معنى للتعجيل.
(المتن)
وَرُخِّصَ لِرَاعٍ بَعْدَ الْعَقَبَةِ أَنْ يَنْصَرِفَ، وَيَأْتِيَ الثَّالِثَ فَيَرْمِي لِلْيَوْمَيْنِ وَتَقْدِيمُ الضَّعَفَةِ فِي الرَّدِّ لِلْمُزْدَلِفَةِ، وَتَرْكُ التَّحْصِيبِ لِغَيرِ مُقْتَدًى بِهِ، وَرَمَى كُلَّ يَوْمٍ الثَّلاثَ، وَخَتَمَ بِالْعَقَبَةِ مِنَ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ، وَصِحَّتُهُ بِحَجَرٍ كَحَصَى الْخَذْفِ. وَرَمْي وَإنْ بِمُتَنَجِّسٍ عَلَى الْجَمْرَةِ، وَإنْ أَصَابَتْ غَيْرَهَا، إِنْ ذَهَبَتْ بِقُوَّةٍ، لا دُونَهَا وَإنْ طَارَتْ غَيْرَهَا لَهَا، وَلا طِينٍ وَمَعْدِنٍ، وَفِي إِجْزَاءِ مَا وَقَفَ بِالْبِنَاءِ تَرَدُّدٌ. وَتَرَتُّبِهِنَّ. وَأَعَادَ مَا حَضَرَ بَعْدَ الْمَنْسِيَّةِ، وَمَا بَعْدَهَا فِي يَوْمِهَا فَقَطْ، وَنُدِبَ تَتَابُعُهُ، فَإنْ رَمَى بِخَمْسٍ خَمْسٍ؛ اعْتَدَّ بِالْخَمْسِ الأُوَّلِ، وَإنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ؛ اعْتَدَّ بِسِتٍّ مِنَ الأُولَى وَأَجْزَأَ عَنْهُ وَعَنْ صَبِيٍّ وَلَوْ حَصَاةً بحَصَاةٍ وَرَمَى الْعَقَبَةَ أَوَّلَ يَوْمٍ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَإِلَّا إِثْرَ الزَّوَالِ قَبْلَ الظُّهْرِ.
(الشرح)
قوله: (وَرُخِّصَ لِرَاعٍ بَعْدَ الْعَقَبَةِ أَنْ يَنْصَرِفَ، وَيَأْتِيَ الثَّالِثَ فَيَرْمِي لِلْيَوْمَيْنِ) يريد أن الرخصة جاءت في رعاة الإبل أنهم يجوز لهم إذا رموا جمرة العقبة أن ينصرفوا
_________________
(١) في (ز): (اليوم).
(٢) في (س): (خروج).
(٣) قوله: (أنه) ساقط من (ن)
(٤) قوله: (في التعجيل) زيادة من (س).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤١٦.
(٦) في (ز): (بالقيام بها).
[ ٢ / ٢١٦ ]
عن منى إلى رعيهم فيقيمون يومًا وليلتين، ثم يأتوا في الثالث من يوم النحر فيرموا ليومهم الذي فات (١) وليومهم الذي هم فيه، وهو المراد باليومين، ثم يتعجلوا إن شاءوا أو يقيموا، وحكى ذلك في الجلاب (٢).
قوله: (وَتَقْدِيمُ الضَّعَفَةِ في الرَّدِّ لِلْمُزْدَلِفَةِ) يريد أن الرخصة جاءت أيضًا في تقديم الضعفة؛ وهم النساء والصبيان والمرضى ومن يشق ذلك عليه عند رجوع الناس من عرفة إلى مزدلفة، وقد جاء أنه ﵊ بعث أم حبيبة من جمع وذلك لكثرة زحام الناس حينئذٍ.
قوله: (وَتَرْكُ التَّحْصِيب لِغَيْرِ مُقْتَدًى بِهِ) أي: وكذلك جاءت الرخصة في ترك النزول بالمحصب؛ وهو الأبطح حيث المقبرة من مكة لمن لا يقتدى به، وهكذا روي عن مالك أنه كان يفتي من لا يقتدى به بذلك (٣) وكان لا يفتي به من يقتدى به مخافة أن تشاع عنه الفتوى بذلك فيترك الناس إذا سمعوا (٤).
قوله: (وَرَمَى كلَّ يَوْمٍ الثَّلاثَ، وَخَتَمَ بِالْعَقَبَةِ) لأنه يرمي أولًا الجمرة (٥). يريد: أنه يرمي في كل يوم من الأيام الثلاثة التي بعد يوم (٦) النحر الجمرات الثلاث بعد الزوال، وقاله مالك (٧) في المدونة (٨).
وقوله: (وَخَتَمَ بِالْعَقَبَةِ) أي: بجمرة العقبة؛ لأنه يرمي أولًا الجمرة التي تلي مسجد (٩) منى وهي الأولى، ثم يرمي بعدها الوسطى، ثم يختم بجمرة العقبة، يومان للمتعجل (١٠) وثلاثة لغيره.
_________________
(١) في (س) و(ن): (مضى).
(٢) انظر: التفريع: ١/ ٢٣٤.
(٣) قوله: (أنه كان يفتي من لا يقتدى به بذلك) زيادة من (س).
(٤) انظر: المنتقى: ٤/ ٨٥.
(٥) قوله: (لأنه يرمي أولًا الجمرة) ساقط من (س).
(٦) قوله: (يوم) ساقط من (س).
(٧) قوله: (مالك) زيادة من (س).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٦ و٤٣٧.
(٩) قوله: (مسجد) زيادة من (س).
(١٠) في (ز) و(ز ٢) و(ن) و(ن ١) و(ن ٢): (للتعجيل).
[ ٢ / ٢١٧ ]
قوله: (مِنَ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ) هو وقت الأداء فيها، والأفضل عقيب الزوال.
قوله: (وَصِحَّتُهُ بِحَجَرٍ) أي: وصحة الرمي بشروط منها أن يكون (١) المرمي به حجرًا احترازًا به من نحو الطين والآجُرِّ ونحوهما، ولا يختص بجنس بل ما يسمى جصًّا (٢) حجرًا أو رخامًا (٣).
قوله: (كَحَصَى الخَذْفِ) الخذف بالحصى الرمي به بالأصابع وهي بالخاء والذال المعجمتين (٤). سند (٥): واختلف في قدرها فقيل: قدر الفول، وقيل: قدر النوى، وقيل: قدر الأنملة طولًا وعرضًا، ولا يجزئ اليسير (٦) جدًّا كالقمحة والحمصة؛ لأنه كالعدم (٧).
قوله: (وَرَمْيٍ) أي: ومما يشترط في صحة ذلك أن يرمي الحصاة ولا يجزئ وضعها ولا طرحها، وقاله في المدونة (٨)، وعن أشهب أن الطرح مع النية مجزئ (٩).
قوله: (وَإنْ بِمُتَنَجِّسٍ) يريد: أنه لا يشترط في الحجر الذي يرمي به أن يكون طاهرًا، بل لو رمى بحجر متنجس أجزأه، وهكذا نقل عن مالك (١٠).
_________________
(١) قوله: (أي: وصحة الرمي بشروط منها أن يكون) يقابله في (س): (أي يشترط كون).
(٢) قوله: (جصًّا) زيادة من (س).
(٣) قوله: (ولا يختص بجنس بل ما يسمى جصًّا حجرًا أو رخامًا) ساقط من (ن).
(٤) انظر: الصحاح: ٤/ ١٣٤٧.
(٥) قوله: (الخذف بالحصى الرمي به بالأصابع وهي بالخاء والذال المعجمتين. سند) يقابله في (ز) و(ن): (بالخاء والذال المعجمتين وبالفاء، الجوهري: هو الرمي بالحصى بالأصابع انتهى).
(٦) في (ن ٢): (الصغير).
(٧) قوله: (فقيل: قدر الفول، وقيل: قدر النوى، وقيل: قدر الأنملة طولًا وعرضًا، ولا يجزئ اليسير جدًّا كالقمحة والحمصة؛ لأنه كالعدم.) يقابله في (س): (فقيل مثل النواة، وقيل: دون الأنملة، ويكره بالحجر الكبير لئلا يؤذي الناس، وهو يجري، والصغير مثل الحمصة والقمحة لا يرمى به؛ لأنه كالعدم). وانظر: الذخيرة: ٣/ ٢٦٤.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٦.
(٩) قوله: (ومما يشترط في صحة ذلك أن يرمي الحصاة ولا يجزئ وضعها ولا طرحها، وقاله في المدونة، وعن أشهب أن الطرح مع النية مجزئ) يقابله في (س): (يشترط الرمي، قال في المدونة، وإن وضع الحصاة أو طرحها لم يجزئه). وانظر: التوضيح: ٣/ ٣٠.
(١٠) قوله: (يريد: أنه لا يشترط في الحجر الذي يرمي به عن مالك) يقابله في (س): (هو الذي نقله =
[ ٢ / ٢١٨ ]
قوله: (عَلَى الجَمْرَةِ) هو كقوله في المدونة: وإن رمى حصاة فوقعت قرب الجمرة فإن وقعت موضع حصى الجمرة، وإن لم تبلغ الرأس أجزأه (١). والجمرة اسم لموضع الرمي والجمار الحجارة (٢).
قوله (٣): (وَإنْ أصَابت غَيْرَهَا، إِنْ ذَهَبَتْ بِقُوَّةٍ) يريد إذا أتى بما هو المطلوب منه وهو الرمي على الجمرة فإن ذلك يجزئه وإن أصابت الحصاة غيرها إذا ذهبت بقوة الرمية كما إذا رماها فوقعت على محمل ثم ذهبت إلى الجمرة بقوة الرمية وكذلك لو دفعت دون الجمرة ثم تدحرجت إليها بقوة الرمية، فلو دفعت في محمل رجل فقبضها صاحب المحمل لم يجزئه، وكذلك لو دفعت على موضع عالٍ ثم تدحرجت لأن هذا ليس من فعله ولا من قوة الرمية وهو معنى قوله لا دونها ونحوه في المدونة (٤) هو كقوله في المدونة، وإن وقعت في محمل رجل فنفضها صاحب المحمل لم يجزئه، ولو أصابت المحمل ثم مضت بقوة الرمية الأولى حتى وقعت في الجمرة أجزأه.
قوله: (لا دونها) أي لا دون موضع الجمرة فإنها لا تجزئه (٥).
قوله: (وَإِنْ طَارَتْ غَيْرُهَا لَهَا) أي: فإن رمى الحصاة فوقعت على حصاة أخرى فوقعت الثانية في الرمي فإنه لا يجزئه (٦).
_________________
(١) = ابن الحاج عن مالك أنه يجزئه). وانظر: الكافي: ١/ ٣٧٧.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٦.
(٣) قوله: (هو كقوله في المدونة وإن رمى حصاة الحجارة) يقابله في (ن) و(ز): (متعلق بقوله: "ورمى").
(٤) في (س): (وقوله).
(٥) قوله: (يريد إذا أتى ونحوه في المدونة) زيادة من: (ن ٢).
(٦) قوله: (قوله: "لا دونها" أي لا دون موضع الجمرة فإنها لا تجزئه) ساقط من (ن)، وقوله: (هو كقوله في المدونة، وإن وقعت في محمل رجل فنفضها لا تجزئه) يقابله في (ز): (يريد: أنه إذا أتى بما هو المطلوب منه وهو الرمي على الجمرة فإن ذلك يجزئه، وإن أصابت الحصاة غيرها إذا ذهبت بقوة الرمية، كما إذا رماها فوقعت على محمل ثم ذهبت إلى الجمرة بقوة الرمية، وكذا لو وقعت دون الجمرة ثم دحرجت إليها بقوة الرمية، فلو وقعت على محمل رجل فنفضها صاحب المحمل لم تجزئه، وكذا لو وقعت على موضع عالٍ ثم تدحرجت؛ لأن هذا ليس من فعله ولا من قوة الرمية، وهو معنى قوله: (لا دُونَهَا) ونحوه في المدونة).
(٧) قوله: (فإن رمى الحصاة فوقعت على حصاة أخرى فوقعت الثانية في الرمي فإنه لا يجزئه) يقابله في=
[ ٢ / ٢١٩ ]
قوله: (وَلا طِينٍ وَمَعْدِنٍ) أي فإنه لا يجزئه. الشيخ: وظاهر المذهب منع الطين والمعادن كالحديد والزرنيخ (١).
قوله: (وَفي إِجْزَاءِ مَا وَقَفَ بِالْبِنَاءِ ترَدُّدٌ) أي: إذا رمى الحصاة على الجمرة فوقعت في شقوق البناء فلم تنزل فإن في ذلك تردُّدًا؛ أي (٢): بين المتأخرين، فذهب شيخنا الشيخ خليل المكي (٣) إلى عدم الإجزاء، وكان يفتي به في الجموع الكثيرة، وكان شيخ شيخنا سيدي (٤) عبد الله المنوفي فيما نقل عنه الشيخ يميل إلى الإجزاء (٥)؛ لأن البناء متصل بالجمرة (٦).
قوله: (وَتَرَتُّبِهِنَّ (٧» هذا أيضًا من الوجوه التي تشترط في صحة الرمي؛ وهو أن يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد منى ثم يثني (٨) بالوسطى ثم يختم بجمرة العقبة، هكذا في أيام الرمي كلها. الباجي: والترتيب واجب بين الجمرات كركعات الصلاة (٩). يريد: لأنه ﵊ فعل ذلك، وقال: "خذوا عني مناسككم" (١٠)، وفعله أيضًا الصحابة والتابعون، ولا أظنهم يختلفون في مثل ذلك.
قوله: (وَأَعَادَ مَا حَضَرَ بَعْدَ المَنْسِيَّةِ، وَمَا بَعْدَهَا في يَوْمِهَا فَقَطْ) مثاله: أن ينسى الجمرة الأولى من ثاني النحر وقد رمى اليوم الثالث والرابع، ثم بعد رميه ذكر المنسية فإنه
_________________
(١) = (س): (فإن وقعت دون الرمي على حصاة فطارت الثانية في المرمى لم يجزئه لعدم الإنضال، ولو تدحرجت من مكان عالٍ إليها لم يجزئه).
(٢) قوله: (أي فإنه لا يجزئه الشيخ وظاهر المذهب منع الطين والمعادن كالحديد والزرنيخ) يقابله في (ز) (ن): (قد مر بيانه عند قوله: "وصحته بحجر"). وانظر: التوضيح: ٣/ ٣٠.
(٣) قوله: (أي) زيادة من (س).
(٤) في (ن): (المالكي).
(٥) قوله: (سيدي) زيادة من (س).
(٦) انظر: مناسك الحج: ٢٠٩.
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ٣١.
(٨) في (ز): (وترتيبهن).
(٩) في (ز): (هي).
(١٠) انظر: المنتقى: ٤/ ١٠٤.
(١١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
يرمي الجمرة الأولى التي نسيها ويعيد ما بعدها وهما الوسطى وجمرة العقبة في يومها، ثم يعيد المفعولة في اليوم الرابع على المشهور، وقيل: لا يعيد، ولا يعيد لليوم (١) الثالث لخروج وقته، وإليه أشار بقوله: (فقط)، وهكذا ذكر اللخمي وغيره عن ابن القاسم (٢).
قوله: (وَنُدِبَ تَتَابُعُه (٣)، فَإنْ رَمَى بِخَمْسٍ خَمْسٍ، اعْتَدَّ بِالخْمْسِ الأُوَلِ) هذه مسألة المدونة قال فيها: ومن رمى الجمار الثلاث بخمس خمس يوم ثاني النحر، ثم ذكر من يومه رمى الأولى التي تلي مسجد منى بحصاتين، ثم الوسطى بسبع، ثم العقبة بسبع ولا دم عليه، ولو ذكر من الغد رمى هكذا وليهدِ على أحد قولي (٤) مالك (٥).
قوله: (وَإنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ، اعْتَدَّ بِسِتٍّ مِنَ الأُولَى) أي: إذا رمى الجمار الثلاث ثم ذكر أنه نسي حصاة لا يدري من أي جمرة هي (٦)، فإنه يرمي الأولى بحصاة ويعتد منها بست حصيات كما ذكر (٧)، ثم يرمي الوسطى والعقبة بسبع سبع، وإنما كان الأمر على هذا لجواز كون المنسية من الأولى، ولا يجوز له رمي ما بعدها إلا بتمامها (٨)، فاحتاط وجعلها منها ليكون على يقين، وهذا هو المشهور وهو (٩) اختاره ابن القاسم، وقيل: يستأنف جميع الجمرات الثلاث، وهما في المدونة (١٠).
قوله: (وَأَجْزَأَ عَنْهُ وَعَنْ صَبِيٍّ) يعني: أنه لو رمى الجمرة بتمامها عن نفسه ثم رمى بها أيضًا عن الصبيِّ بتمامها، ثم كذلك في الجمرتين الباقيتين فإنه يجزئه، وقاله (١١) عبد الملك وزاد: وقد أخطأ، وكذلك لو رمى عن الصبي أولًا ثم رمى عن نفسه
_________________
(١) في (ز): (اليوم).
(٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٢٨.
(٣) في (ز): (تتابعها).
(٤) قوله: (أحد قولي) يقابله في (ن): (أصل قول).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٥.
(٦) قوله: (هي) زيادة من (س).
(٧) قوله: (كما ذكر) زيادة من (س).
(٨) في (س): (بعد تمامها).
(٩) قوله: (هو) زيادة من (ن).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٦.
(١١) في (ن): (وقال).
[ ٢ / ٢٢١ ]
على ما تقدم.
وأشار بقوله: (وَلَوْ بِحَصَاةٍ حَصَاةٍ) إلى أنه إذا رمى الجمار الثلاث حصاة عن نفسه، ثم حصاة عن الصبيِّ، ثم كذلك إلى آخرها أنه يجزئه وهو المشهور، وعن (١) القابسي: أنه يعيد عن نفسه ولا يعتد من ذلك إلا بحصاة واحدة.
ابن يونس: وليس بصحيح لأنه تفريق يسير (٢).
قوله: (وَرَمَى الْعَقَبَةَ أوَّلَ يَوْمٍ طُلُوعَ الشَّمْسِ) يريد: أنه يرمي جمرة العقبة يوم النحر، وهو المراد بـ (أول يوم طلوع الشمس)، وهذا هو الأفضل فيها (٣).
قوله: (وَإِلَّا إِثْرَ الزَّوَالِ قَبْلَ الظُّهْرِ) أي: وإن كان الرمي في غير يوم النحر رمى الجمرات الثلاث إثر الزوال قبل صلاة الظهر وهو الأفضل، قاله في الموازية والواضحة (٤).
(المتن)
وَوُقُوفُهُ إِثْرَ الأُولَيَيْنِ قَدْرَ إِسْرَاعِ الْبَقَرَةِ، وَتَيَاسُرُهُ فِي الثَّانِيَةِ وَتَحْصِيبُ الرَّاجِعِ لِيُصَلِّيَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ إِنْ خَرَجَ لِكَالْجُحْفَةِ لا كَالتَّنْعِيم؛ وَإِنْ صَغِيرًا. وَتَأَدَّى بِالإِفَاضَةِ وَالْعُمْرَةِ، وَلا يَرْجِعُ الْقَهْقَرَى. وَبَطَلَ بِإقَامَةِ بَعْضِ يَوْمٍ لا بِشُغْلٍ خَفَّ، وَرَجَعَ لَهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ. وَحُبِسَ الْكَرِيُّ، وَالْوَليُّ لِحَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، قَدْرَهُ وَقُيِّدَ إِنْ أَمِنَ، وَالرُّفْقَةُ فِي كَيَوْمَيْنِ. وَكُرِهَ رَمْيٌ بِمَرْمِيٍّ بِهِ، كَأَنْ يُقَالَ لِإفَاضَةِ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، أَوْ زُرْنَا قَبْرَهُ - ﷺ - وَرُقِيُّ الْبَيْتِ، أَوْ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْبَرِهِ ﵊ بِنَعْلٍ؛ بِخِلافِ الطَّوَافِ وَالْحِجْرِ، وَإِنْ قَصَدَ بِطَوَافِهِ نَفْسَهُ مَعَ مَحْمُولِهِ لَمْ يُجْزِئْ عَنْ وَاحِدٍ، وَأَجْزَأَ السَّعْي عَنْهُمَا كَمَحْمُولِينَ فِيهِمَا.
(الشرح)
قوله: (وَوُقُوفُهُ إِثْرَ الأُولَيَيْنِ قَدْرَ إِسْرَاعِ الْبَقَرَةِ) هذا معطوف على قوله: (وندب تتابعه) أي: وندب الوقوف إثر رمي الجمرة الأولى والوسطى قدر ما يقرأ القارئ
_________________
(١) قوله: (إلى آخرها أنه يجزئه وهو المشهور، وعن) يقابله في (ن): (حتى يفرغ من الجمار فإنه أجزأ عن نفسه وعن الصبي وهذا هو المشهور وذهب).
(٢) انظر: الجامع، لابن يونس، ص: ١٦٣٧.
(٣) قوله: (فيها) ساقط من (ن)، وفي (ز): (منها).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٠١.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
المسرع سورة البقرة، وأما جمرة العقبة فلا يقف عندها.
قوله: (وَتَيَاسُرُهُ في الثَّانِيَةِ) أي: ومما يندب أيضًا تياسر (١) الرامي عند الجمرة الوسطى (٢)، وهو مراده بالثانية، فإذا رماها انصرف منها ذات الشمال إلى الجمرة التي في بطن المسيل فيقف أمامها مما يلي يسارها ووجهه إلى البيت، وقاله ابن المواز (٣)، وفهم من كلامه أن الأولى لا يتياسر في وقوفه عندها، وحكاه الباجي عن مالك (٤)، وقيل: إن وقوفه فيهما سواء. بعض الأشياخ: وهو مذهب مالك، وحكي أن الأول مذهب ابن المواز.
قوله: (وَتَحْصِيبُ الرَّاجِع ليُصَلِّي أرْبَعَ صَلَوَاتٍ) أي: ومما يندب أيضًا (٥) للراجع من منى إلى مكة أن ينزل بالمحصب ليصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كما فعله ﵇ ثم يدخل مكة بعد ذلك. ابن حبيب: وهذا في غير التعجيل (٦)، وأما في التعجيل (٧) فلا (٨).
قوله: (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ إِنْ خَرَجَ لِكَالْجُحْفَةِ) أي: ومما يندب أيضًا طواف الوداع لمن خرج إلى نحو الجحفة من المواقيت الآفاقية؛ لقوله ﵊: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف" (٩)، وسواء خرج لأحد النسكين أو
_________________
(١) في (ن): (مياسرة).
(٢) قوله: (قدر ما الوسطى) ساقط من (س).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٠٢.
(٤) انظر: المنتقى: ٤/ ٨٩.
(٥) قوله: (أيضًا) ساقط من (س).
(٦) في (س) و(ن): (المتعجل).
(٧) في (س): (المتعجل).
(٨) قوله: (أي: ومما يندب أيضًا للراجع من منى إلى مكة أن ينزل بالمحصب ليصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كما فعله ﵇ ثم يدخل مكة بعد ذلك. ابن حبيب: وهذا في غير التعجيل، وأما في التعجيل فلا) ساقط من (ن ١). وانظر: المنتقى: ٤/ ٨٦.
(٩) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٦/ ٢٥١، في باب طواف الوداع، من كتاب الحج، برقم: ١٦٣٦، عن ابن عباس - ﵁ - وهو في حكم المرفوع، ومسلم: ٧/ ٦، في باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، من كتاب الحج، برقم: ٢٣٥٠، واللفظ له، ومالك: ١/ ٣٧٠، في باب وداع البيت، من كتاب الحج، برقم: ٨٢٥، عن عروة بن الزبير - ﵁ -.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
لحاجة. وعن أشهب: ليس عليه ذلك (١)، والأول (٢) مذهب المدونة (٣) وسواء كان الخارج آفاقيًّا أو مكيًّا.
قوله: (لا كَالتَّنْعِيمِ) أي: فإن خرج لنحو التنعيم فلا يندب في حقه الوداع لقرب المسافة، إلا أن ينوي الإقامة في الموضع الذي قد (٤) خرج إليه.
قوله: (وَإنْ صَغِيرًا) يريد أنه لا فرق في طواف الوداع بين الصغير والكبير، وهو مذهب المدونة (٥).
قوله: (وَتَأَدَّى بِالإِفَاضَةِ وَالْعُمْرَةِ) يعني: أنه (٦) إذا طاف للإفاضة ثم خرج من فوره أو طاف للعمرة ثم خرج كذلك أنه يجزئه؛ لأن الغرض أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف وقد (٧) حصل، فلو لم يخرج من فوره بل أقام إقامة تبطل حكم التوديع فإنه يؤمر بذلك.
قوله: (وَلا يَرْجِعُ الْقَهْقَرَى) أي: إذا خرج مفارقًا للبيت لا يخرج مقهقرًا؛ إذ لم يرد ذلك عنه ﵊، والقهقرى (٨): أن يخرج ووجهه في خروجه للبيت ثم يمشي إلى خلفه إلى أن يتوارى عنه البيت.
قوله: (وَبَطَلَ بِإقَامَةِ بَعْضِ يَوْمٍ (٩) لا بِشُغْلٍ خَفَّ) أي: فإن ودع ثم أقام بمكة يومًا أو بعضه فإنه يطوف ثانيًا لبطلان الأول بخلاف ما إذا باع أو اشترى بعض حوائجه بمكة يوما (١٠) في ساعة أو فعل ما خف من شغله فإن طوافه الأول باقٍ، وهكذا قال (١١)
_________________
(١) انظر: المنتقى: ٣/ ٥١١.
(٢) في (س): (والأولى).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٣.
(٤) قوله: (قد) زيادة من (ن).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٣.
(٦) قوله: (أنه) زيادة من (س).
(٧) قوله: (قد) زيادة من (ن).
(٨) في (س): والمقهقر.
(٩) قوله: (يَوْمٍ) ساقط من (ز)، وفي المطبوع من مختصر خليل: (يَوْمٍ بِمَكَّةَ).
(١٠) قوله: (بمكة يوما) زيادة من (ن).
(١١) قوله: (قال) ساقط من (س).
[ ٢ / ٢٢٤ ]
في المدونة (١)، وعن مالك: إن ودع ثم أقام بمكة إلى الغد أنه من ذلك في سعة أن يخرج من غير وداع (٢).
قوله: (وَرَجَعَ لَهُ) أي: لطواف الوداع إذا تركه.
قوله: (إِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ (٣) أَصْحَابِهِ) أي (٤): الذين يسير بسيرهم، قال في المدونة: ويرجع له ما لم يبعد (٥). ابن القاسم: ولم يحدَّ فيه مالك أكثر من قوله: إن كان قريبًا، وأنا أرى أن يرجع ما (٦) لم يخش فوات أصحابه أو منعًا من كَرِيِّه فيمضي حينئذٍ ولا شيء عليه، ومن تركه فلا شيء عليه (٧).
قوله: (وَحُبِسَ الْكَرِيُّ وَالْوَلِيُّ لِحَيْضٍ أوْ نِفَاسٍ قَدْرِه) يريد أن المرأة إذا حاضت أو نفست؛ أي: ولم تكن طافت للإفاضة فإن الكري (٨) يجبر على الإقامة بها بمقدار حيضها أو نفاسها، قال في المدونة: ويحبس عليها أقصى ما يمسكها الدم في الحيض والاستظهار، وأقصى جلوس النساء في النفاس من غير سقم، ولا يحبس أكثر من هذا (٩). وأشار بقوله: (والولي) إلى ما ذكره الباجي وغيره أنه يحبس على وليته كحبس الكري (١٠)؛ إذ لا يمكنها أن تسافر مع غيره من الأجانب، وسواء في ذلك المحرم والزوج.
قوله: (وَقُيِّدَ إِنْ أَمِنَ) أي: فأما إذا لم يكن أمن كزماننا فلا. وقد قال اللخمي نحوه.
قوله: (وَالرُّفْقَةُ، في كَيَوْمَيْنِ) أي: وكذلك تحبس الرفقة لأجل المرأة كيومين (١١) فإن
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٢.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٣٧.
(٣) في (ز) و(ن) والمطبوع من مختصر خليل: (فوات).
(٤) قوله: (أي) ساقط من (س).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٣.
(٦) في (س): (من).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٣٧.
(٨) في (ز): (المكري).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٣.
(١٠) في (س): (المكري). وانظر: المنتقى: ٤/ ١١٨.
(١١) في (س): (نحو اليومين).
[ ٢ / ٢٢٥ ]
كان عذرها يزيد على ذلك فلا، ونقله في الذخيرة عن مالك (١).
قوله: (وَكُرِهَ رَمْيٌ بمَرْمِيٍّ بهِ) يريد: أنه يكره أن يرمي الجمار بالحصى الذي رمي به، وشهره ابن بشير ثم حَكى قولًا بأن له الأخذ من ذلك، ومذهب أشهب وابن شعبان عدم الإجزاء فيعيد (٢)، ومذهب المدونة الإجزاء (٣).
قوله: (كَأَنْ يُقَالُ لِلإِفَاضَةِ طَوَافُ الزِّيَارةِ) يريد أن هذه المسألة تشارك ما قبلها في الكراهة كما ذكره (٤)، فكما كره أن يرمي بما رمي به كذلك يكره أن يسمي طواف الإفاضة بطواف الزيارة، وقاله في المدونة (٥)، وعلله بعضهم بأن لفظ الزيارة يقتضي التخيير، وطواف الإفاضة ركن لا تخيير فيه.
قوله: (أَوْ زُرْنَا قَبْرَهُ ﵇) أي: ومما يكره أيضًا قول: "زرنا قبر النبي - ﷺ -"، وعلله بأن زيارة قبره - ﷺ - من أعظم القرب التي يترجح فعلها على تركها (٦) فلا تخيير فيها، وقيل: لأن للزائر فضلًا على المزور، ورده (٧) عياض "بحديث زيارة (٨) أهل الجنة ربهم (٩) ".
قوله: (وَرُقِيُّ الْبَيْتِ، أَوْ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْبَرِهِ ﵇ بِنَعْلٍ) أي: ومما يكره أن يرقى بيت الله الحرام، أو يصعد على ظهره، أو على منبره ﵇ بنعل، قال في المدونة: وكره مالك أن يدخل البيت بالنعلين أو يرقى بهما الإمام أو غيره أو منبره ﵇ (١٠)، وحكى التونسي كراهة الصعود بهما على ظهر البيت (١١) الحرام (١٢).
_________________
(١) قوله: (قوله: "وَالرُّفْقَةُ، في كَيَوْمَيْنِ" ونقله في الذخيرة عن مالك) ساقط من (ن). وانظر: الذخيرة، للقرافي: ٣/ ٢٧١ و٢٧٢.
(٢) انظر: الذخيرة: ٣/ ٢٦٤، والتوضيح: ٣/ ٢٩.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٦.
(٤) قوله: (كما ذكره) ساقط من (س).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٠٠.
(٦) قوله: (على تركها) ساقط من (س).
(٧) في (ز): (وزاده).
(٨) قوله: (زيارة) ساقط من (ز).
(٩) في (ن) و(ن ٢): (لربهم).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٦ و٤٢٧.
(١١) انظر: التوضيح: ٢/ ٥٨٦.
(١٢) قوله: (الحرام) زيادة من (ن).
[ ٢ / ٢٢٦ ]
قوله: (بِخِلافِ الطَّوَافِ وَالحِجْرِ) هو كقوله في المدونة: ولم يكره مالك الطواف بالبيت بالنعلين والخفين، ثم قال فيها: وأجاز ابن القاسم أن يدخل بهما الحجر (١). ابن يونس: وقال لا ينبغي على أصله أن يدخل الحجر بهما؛ لأنه من البيت، وهو مذهب أشهب قال: وكراهتي لذلك في البيت أشد (٢).
قوله: (وَإنْ قَصَدَ بِطَوَافِهِ نَفْسَهُ مَعَ مَحْمُولِهِ، لَمْ يُجْزِئْ عَنْ وَاحِدٍ) يريد أن من حمل في طوافه مريضًا أو صغيرًا أو نحوهما ونوى بذلك الطواف عنه وعن محموله، فإن ذلك الطواف (٣) لا يجزئ عن واحد منهما، وهو المشهور خلافًا لعبد الملك في أنه يجزئ (٤) عنه دون محموله، ولابن القاسم: أنه يجزئ (٥) عن الصبيِّ فقط، قال: وأحب إليَّ أن يعيد عن نفسه (٦).
قوله: (وَأَجْزَأَ السَّعْيُ عَنْهُمَا) أي: عنه وعن محموله فيه إذا نوى ذلك عنهما معًا لخفة أمر السعي، قاله في المدونة (٧).
قوله: (كمَحْمُولَيْنِ فِيهِما) أي: في الطواف والسعي، ومعناه: أن من حمل صبيين أو أكثر في الطواف والسعي ينوي بذلك عنهما، فإنه يجزئ عنهما في العبادتين.
فصلٌ [في محظورات الإحرام]
(المتن)
فَصْلٌ حَرُمَ بِالإِحْرَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ لُبْسُ قُفَّازٍ، وَسَتْرُ وَجْهٍ إِلَّا لِسَتْرٍ بِلَا غَرْزٍ وَرَبْطٍ؛ وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ، وَعَلَى الرَّجُلِ مُحِيطٌ بعُضْوٍ، وَإِنْ بِنَسْجٍ أَوْ زَرٍّ أَوْ عَقْدٍ، كخَاتَمٍ وَقَبَاءٍ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمًّا، وَسَتْرُ وَجْهٍ أَوْ رَأْسٍ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا: كَطِينٍ، وَلَا فِدْيَةَ فِي سَيْفٍ، وَإِنْ بِلَا عُذْرٍ وَاحْتِزَامٍ، أَوِ اسْتثْفَارٍ لِعَمَلٍ فَقَطْ. وَجَازَ خُفٌّ قُطِعَ أَسْفَلَ مِنْ
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٦ و٤٢٧.
(٢) انظر: الجامع، لابن يونس، ص: ١٥٦٥.
(٣) قوله: (فإن ذلك الطواف) يقابله في (ن ٢): (فإنه).
(٤) في (ز): (يجزئه).
(٥) في (ز): (يجزئه).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٥٩.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٧ و٤٣٨.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
كَعْبٍ لِفَقْدِ نَعْلٍ أَوْ غُلُوِّهِ فَاحِشًا. وَاتِّقَاءُ شَمْسٍ أَوْ رِيحٍ بِيَدٍ. أَوْ مَطَرٍ بِمُرْتَفِعٍ وَتَقْليمُ ظُفُرٍ انْكَسَرَ، وَارْتِدَاءٌ بِقَمِيصٍ، وَفِي كُرَاهَةِ السَّرَاوِيلِ رِوَايَتَانِ. وَتَظَلُّلٌ بخِبَاءٍ أوْ بِنَاءٍ وَمَحَارَةٍ لا فِيهَا، كَثَوْبٍ بِعَصًا، فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ خِلافٌ.
(الشرح)
(حَرُمَ بِالإِحْرَامِ عَلى المَرْأَةِ لُبْسُ قُفَّازٍ) هذا هو المشهور، وقوله في المدونة: "يكره لها أن تلبس القفازين" (١) محمول على التحريم لقوله بعده: فإن فعلت افتدت. وقال ابن حبيب: لا أبلغ بها الفدية لما جاء فيه من الرخصة عن عائشة - ﵂ -، قال: والمنع أحسن للحديث (٢).
قوله: (وَسَتْرُ وَجْهٍ إِلا لِسَتْرٍ) أي: وكذلك يحرم عليها أن تستر وجهها في إحرامها (٣)، فإن فعلت افتدت إلا أن تكون قصدت بذلك الستر عن الناس، فإن فعلت ذلك لحر أو برد افتدت، قال في المدونة: ووسع مالك لها أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترًا، فإن لم ترد سترًا فلا تسدل (٤). قال ابن القاسم: وما علمت أن مالكًا كان يأمرها إذا سدلت (٥) رداءها أن تجافيه عن (٦) وجهها وما علمت أنه ينهاها أن يصيب الرداء وجهها إذا سدلته (٧)، وإن رفعته من أسفل وجهها افتدت؛ لأنه لا يثبت حتى تعقده بخلاف السدل (٨). وإليه أشار بقوله: (بِلا غَرْزٍ وَرَبْطٍ).
قوله: (وَإِلا فَفِدْيَةٌ) أي: فإن فعلت شيئًا مما حرم عليها أو غرزت ما سدلته على وجهها بإبرة أو ربطته، افتدت.
قوله: (وَعَلى الرَّجُلِ محيط بِعُضْوٍ) أي: ويحرم بالإحرام على الرجل لبس مخيط. يريد: باعتبار ما خيط له سواء كان مصنوعًا على قدر البدن أو عضو منه، فلو ارتدى
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٦١.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٤٢.
(٣) قوله: (في إحرامها) زيادة من (س).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٣.
(٥) في (ن ٢): (اسدلت).
(٦) في (ز): (على).
(٧) في (ن ٢): (اسدلته).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٣.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
بالقميص جاز؛ لأنه لم يلبسه (١) باعتبار ما خيط له.
قوله: (وَإِنْ بِنَسْجٍ) يريد: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون مخيطًا أو صنع نسجًا على هيئة ما يخاط، كما يفعل في بعض البلاد البرانس من غير خياطة، وكما يصنع القميص من اللبد بغير خياطة.
قوله: (أَوْ زِرٍّ أَوْ عَقْدٍ) أي: فإذا عمل للثوب الذي يحرم فيه زرًّا وأقفله عليه أو عقده أو خلله بخلال، كان في معنى المخيط وعليه الفدية.
قوله: (كَخَاتَمٍ) أي: وكذلك يحرم عليه أيضًا لبس الخاتم. اللخمي: ويجوز الخاتم والسوار والعصائب للمرأة؛ لأن لباس المخيط يجوز لها (٢)، وفي مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس أن يلبس المحرم الخاتم (٣).
قوله: (وَقَبَاءٍ، وَإنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمًّا) أي: وكذلك يحرم عليه لبس القباء، فإن فعل وإن لم يدخل يديه في كميه افتدى؛ لأنه في معنى اللباس، وقاله في المدونة (٤)، وإن لم يزره عليه.
قوله: (وَسَتْرُ وَجْهٍ أَوْ رَأْسٍ بِما يُعَدُّ سَتْرًا (٥) كَطِينٍ (٦» أي: ويحرم على الرجل بالإحرام ستر وجهه ورأسه؛ لأن إحرامه فيهما، قاله في المدونة (٧) والجواهر (٨)، إلا أنه لا خلاف في منع تغطية الرأس، والمشهور في الوجه المنع، وإليه ذهب مالك (٩)، وحكي عن بعض (١٠) المتأخرين الكراهة، واقتصر عليها ابن القصار (١١).
_________________
(١) في (س): (يلبس).
(٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٩٠.
(٣) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٤٤١.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٢.
(٥) في (ز) والمطبوع من مختصر خليل: (ساترا).
(٦) قوله: (كَطِينٍ) ساقط من (ن ٢).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٣.
(٨) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٩٠.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٤٨.
(١٠) قوله: (بعض) ساقط من (س) و(ن ٢).
(١١) انظر: المنتقى: ٣/ ٣٢٩.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
قوله: (بِما يُعَدُّ سَتْرًا (١) كَطِينٍ) قال سند: وإذا لطخ رأسه بالطين افتدى كالعمامة، وسواء غطى جميع رأسه أو بعضه (٢).
قوله: (وَلا فِدْيَةَ في سَيْفٍ، وَلَوْ بِلا عُذْرٍ) أي: لا فدية في تقليده به ولو كان ذلك لغير عذر. ابن المواز: وهو قول مالك وزاد: ولينزعه مكانه (٣). ابن يونس: وقاله أصبغ، وقال ابن وهب (٤): عليه الفدية (٥). ابن رشد (٦): والأول أصح.
قوله: (وَاحْتِزَامٍ، وَاسْتِثفَارٍ) أي: وكذلك لا تجب عليه (٧) الفدية في الاحتزام ولا في الاستثفار.
قوله: (لِعَمَلٍ فَقَطْ) هو قيد في قوله: (واحتزام)، وهكذا قال في المدونة (٨)؛ أي: فإن لم يكن لعمل افتدى. ابن الجلاب: وقد اختلف قوله في الاستثفار عند الركوب والنزول (٩)، فكره ذلك مرة وأجازه (١٠) مرة (١١) أخرى (١٢).
قوله: (وَجَازَ خُفٌّ قُطِعَ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ لِفَقْدِ نَعْلٍ) لقوله ﵊: "إلا ألا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما من أسفل من الكعبين" (١٣).
_________________
(١) في (ز) والمطبوع من مختصر خليل: (ساترا).
(٢) انظر: الذخيرة: ٣/ ٣٠٧.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٤٧.
(٤) قوله: (وقاله أصبغ، وقال ابن وهب) يقابله في (ن): (وقال أصبغ. قال أشهب).
(٥) انظر: الجامع، لابن يونس، ص: ١٧٢٩ و١٧٣٠.
(٦) في (س) و(ن ٢): (ابن راشد).
(٧) قوله: (عليه) ساقط من (س).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٧٠.
(٩) زاد هنا في (ن ٢): (وهو أن يأخذ طرف إزاره ويجعله في حجره، قاله الأبهري). وزاد في (ن): (وهو أن يأخذ طرف إزاره ويجعله في حجره).
(١٠) في (س): (وأجاز ذلك مرة أخرى).
(١١) قوله: (مرة) زيادة من (ن ٢).
(١٢) انظر: التفريع: ١/ ٢٠٠.
(١٣) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٦/ ٣٨٠، في باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين، من كتاب الحج، برقم: ١٧١١، ومسلم: ٦/ ١٠٢، في باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح ، من كتاب الحج، برقم: ٢٠١٢، ومالك: ١/ ٣٢٤، في باب ما ينهى عنه من لبس الثياب في الإحرام، من=
[ ٢ / ٢٣٠ ]
قوله: (أَوْ غُلُوِّهِ فَاحِشًا) نحوه في ابن يونس (١).
قوله: (وَاتِّقَاءُ شَمْسٍ أَوْ رِيحٍ بِيَدٍ) أي: وكذلك يجوز الاتقاء من (٢) الشمس والريح باليد؛ لأن مثل هذا لا يعد ساترًا.
قوله: (أَوْ مَطَرٍ بِمُرْتَفِعٍ) يريد: أنه يجوز له أن يتقي المطر بشيءٍ مرتفع كالخيمة ونحوها. ابن الحاجب: ويجوز له أن يرفع شيئًا فوق رأسه ليقيه المطر (٣).
قوله: (وَتَقْلِيمُ ظُفُرٍ انْكَسَرَ) هو معطوف على فاعل جاز، وهو كقوله في المدونة: وإن انكسر له ظفر (٤) فليقلمه ولا شيء عليه (٥). ابن يونس: كاكتحاله أو ادِّهانه لضرورة. أبو إسحاق: وكذا لو انكسر له ظفران أو ثلاثة فقلمهما فلا شيء عليه (٦).
قوله: (وَارْتِدَاءٌ بِقَمِيصٍ) أي: وجاز أيضًا ارتداء بقميص بأن يضعه على ظهره أو يتَّزر (٧) به؛ لأن مثله (٨) لا يعد لبسًا (٩) باعتبار ما خيط له، والجبة ونحوها كالقميص.
قوله: (وَفي كَرَاهَةِ السَّرَاوِيلِ رِوَايَتَانِ) يريد: أنه اختلف في السراويل هل يكره لبسها للمحرم أو لا؟ على روايتين. الباجي: ووجه الكراهة عندي قبح الزي، كما كره لغير المحرم لبسه مع الرداء (١٠).
قوله: (وَتَظَلُّلٍ بِخِبَاءٍ أَوْ بِنَاءٍ (١١» ابن عبد البر: أجمعوا على ذلك (١٢). وفي الذخيرة:
_________________
(١) = كتاب الحج، برقم: ٧٠٧. بلفظ: "إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين".
(٢) انظر: الجامع، لابن يونس، ص: ١٧٢٣.
(٣) قوله: (من) ساقط من (ن ٢).
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٧٥، وهذا القول منسوب في التوضيح لابن الحاج.
(٥) قوله: (له ظفر) يقابله في (ن ٢): (ظفره).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٠.
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ٩٣، الجامع، لابن يونس، ص: ١٧٣٩.
(٨) في (ن ٢): (يأتزر).
(٩) في (ن): (مثل هذا).
(١٠) في (ز): (لباسًا).
(١١) انظر: المنتقى: ٣/ ٣٢٢.
(١٢) قوله: (بِخِبَاءٍ أَوْ بِنَاءٍ) يقابله في (ز): (بناء وخباء).
(١٣) انظر: التمهيد: ١٥/ ١١١.
[ ٢ / ٢٣١ ]
لا خلاف في جواز دخوله تحت السقف والخيمة (١).
قوله: (وَمَحَارَةٍ لا فِيهَا كَثَوْبٍ بِعَصًا) أي: وجاز الاستظلال بالمحارة وما في معناها إن لم يكن داخلًا فيها، وهو قول مالك والجمهور خلافًا لسحنون (٢)، فإن كان فيها فظاهر المذهب المنع (٣). ابن عبد البر: وهو قول مالك (٤)، وظاهر كلام ابن القاسم وأشهب، وعن مالك قول بالتوسعة فيه، وأجازه عبد الملك للنازل بالأرض؛ لأنه يشبه الخباء المضروب ومنعه للمسافر، ونحوه ليحيى بن عمر (٥)، وأما الثوب المجعول (٦) على عصا أو أعواد فلا يجوز الاستظلال به للراكب قولًا واحدًا، واختلف في النازل فمنعه أيضًا مالك لما فيه من الترفه، وجوزه عبد الملك قياسًا على الخيمة.
قوله: (فَفِي وَجُوبِ الْفِدْيَةِ خِلافٌ) أي: فإن استظل داخل المحارة أو تحت ثوب موضوع على أعواد ونحوها فإنه يفتدي به (٧) وجوبًا، وقيل: لا، وحكى ابن يونس (٨) وأبو إسحاق وابن عبد البر الأول عن مالك، وكذا نقله اللخمي في المحارة (٩).
(المتن)
وَحَمْلٌ لِحَاجَةٍ أَوْ فَقْرٍ بِلَا تَجْرٍ، وَإبْدَالُ ثَوْبِهِ أَوْ بَيْعهُ بِخِلَافِ غَسْلِهِ إِلَّا لِنَجِسٍ فَبِالْمَاءِ فَقَطْ، وَبَطُّ جُرْحِهِ، وَحَكُّ مَا خَفِيَ بِرِفْقٍ، وَفَصْدٌ إِنْ لَمْ يَعْصِبْهُ، وَشَدُّ مِنْطَقَةٍ لِنَفَقَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ، وَإضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ، وَإلَّا فَفِدْيَةٌ، كَعَصْبِ جُرْحِهِ أَوْ رَأْسِهِ، أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ كَدِرْهَمٍ أَوْ لَفِّهَا عَلَى ذَكَرٍ، أَوْ قُطْنَةٍ بِأُذُنَيْهِ، أَوْ قِرْطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ، أَوْ تَرْكِ ذِي نَفَقَةٍ ذَهَبَ أَوْ رَدِّهَا لَهُ. وَلِمَرْأَةِ خَزٌّ وَحَلِيٌّ وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَتِهِ بِعَضُدِهِ أَوْ فَخِذِهِ، وَكَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادٍ، وَمَصْبُوغٌ لِمُقْتَدًى بِهِ وَشَمُّ كَرَيْحَانٍ،
_________________
(١) انظر: الذخيرة: ٣/ ٣٠٥.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٤٨.
(٣) قوله: (المنع) ساقط من (س).
(٤) انظر: الكافي: ١/ ٣٨٧، والتمهيد: ١٥/ ١١١.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٤٨ - ٣٥٠.
(٦) في (ز): (المحمول).
(٧) قوله: (به) زيادة من (ن).
(٨) قوله: (ابن يونس) ساقط من (س).
(٩) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٣٠٠.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ طِيبٌ، وَاسْتِصْحَابُهُ وَحِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ، وَغَمْسُ رَأْسِه أَوْ تَجْفِيفُهُ بِشِدَّةٍ، وَنَظَرٌ بِمِرْآةٍ وَلُبْسُ مَرْأَةٍ قَبَاءً مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِمَا دَهْنُ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ وَإِنْ صَلَعًا وَإِبَانَةُ ظُفُرٍ أَوْ شَعَرٍ.
(الشرح)
قوله: (وَحَمْلٌ لِحاجَةٍ وَفَقْر (١) بِلا تَجْرٍ) أي: وجاز الحمل لحاجة. يريد: على الرأس إذا كان راجلًا كما في المدونة (٢)، قال فيها: مثل خرجه فيه زاده أو جرابه، واحترز بذلك مما إذا حمله لغير حاجة فإنه يفتدي، وكذلك لو كان غنيًّا فحمله بُخلًا فلا خلاف (٣) أنه يفتدي، قال في المدونة: ولا أحب له أن يحمل على رأسه تجارة لنفسه من بَزٍّ أو سقط، ولا يتجر فيما يغطي به رأسه في إحرامه (٤). أشهب: إلا أن يكون ذلك عيشه (٥)، وهو تقييد للمدونة.
قوله: (وَإبْدَالُ ثَوْبِهِ أَوْ بَيْعُهُ، بِخِلافِ غَسْلِهِ، إِلا لِنَجَسٍ فَبِالمَاءِ فَقَطْ) هذا كقوله في المدونة: وجائز أن يبدل ثوبه الذي أحرم فيه ويبيعه (٦)، وأكره أن يغسل ثوبه أو ثوب غيره خيفة قتل الدواب إلا أن يصيب ثوبه نجاسة أو جنابة فيغسله بالماء وحده لا بالحُرُض، زاد في رواية الدباغ عن مالك: فإن فعل افتدى.
قوله: (وَبَطُّ جُرْحِهِ) قال في الموطأ (٧): ولا بأس أن يبط جراحه ويفقأ دمله ويقطع عرقه إذا احتاج إلى ذلك (٨) ونحوه في الموازية (٩). ابن زرقون عن ابن (١٠) عبد البر: ولا خلاف بين العلماء في ذلك.
_________________
(١) في (ز) والمطبوع من مختصر خليل: (أو فقر).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٤.
(٣) قوله: (فلا خلاف أنه) ساقط من (س).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٤.
(٥) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٩١.
(٦) في (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١): (وأن بيعه). وانظر: المدونة: ١/ ٤٥٩.
(٧) في (ز) و(ن): (المدونة).
(٨) انظر: الموطأ: ١/ ٣٥٨.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٥٥.
(١٠) قوله: (ابن) ساقط من (س).
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قوله: (وَحَكُّ مَا خَفِيَ بِرِفْقٍ) أي: وكذلك يجوز له أن يحك ما خفي من جسده برفق كرأسه وظهره برفق (١)، قال في البيان عن مالك: ولا يشد في حك ذلك وله في ذلك ما يراه وإن أدمى جلده (٢). يريد: لأنه إذا شدد مع عدم الرؤية ربما أتى على شيء من الدواب ولا يشعر به.
قوله: (وَفَصْدٌ) هو كقوله في الموطأ: لا بأس أن يقطع عرقه إذا احتاج إلى ذلك (٣). قال في الذخيرة: ولا تكره له الفصادة إلا لشد العصائب (٤) فإن فعل وجبت عليه الفدية، قاله مالك (٥)، وإليه أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يَعْصِبْهُ).
قوله: (وَشَدُّ مِنْطَقَةٍ لِنَفَقَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ) أي: فإن شدها لا للنفقة (٦) بل للتجارة، أو لم يكن فيها نفقة أو كانت النفقة لغيره فإنه لا يجوز، واحترز بقوله: (على جلده) مما إذا ربطها (٧) على إزاره فإنه لا يجوز أيضًا، ويفتدي في جميع ذلك.
قوله: (وَإضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرهِ) أي: وجاز له أن يضيف نفقة غيره بعد شد نفقة نفسه، وليس له أن يبتدئ شدها بنفقة الغير.
قوله: (وَإلا فَفِدْيَةٌ) أي: وإن خالف في أمر مما تقدم وجبت عليه الفدية، ونحوه في المدونة (٨).
قوله: (كَعَصْبِ جُرْحِهِ أَوْ رَأْسهِ، أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ كَدِرْهَمٍ) أي: وكذلك تجب الفدية في تعصيب جرحه وما بعده، قال في المدونة: وجاز أن يعصب على جراحه خرقًا ويفتدي، فإن عصب رأسه من صداع أو عصب رأسه أو جسده من جراح أو قروح، أو عصب على بعض جسده من غير علة أو ربط الجبائر على كسر أصابه أو لصق على
_________________
(١) قوله: (برفق) زيادة من (س).
(٢) انظر: التوضيح: ٣/ ٩١.
(٣) انظر: الموطأ: ١/ ٣٥٨.
(٤) في (ن ٢): (العصابة).
(٥) انظر: الذخيرة: ٣/ ٣١٠.
(٦) في (ن ٢): (نفقته).
(٧) في (س): (كانت مربوطة).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٧٠ و٤٧١.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
صدغيه (١) مثل ما يصنع الناس افتدى، إن شاء أطعم وإن شاء صام أو نسك (٢)، ولو ألصق على قرح (٣) به خرقًا صغارًا فلا شيء عليه، وإن كانت خرقًا كبارًا افتدى، وفصل في المدونة (٤) في التعصيب بين الخرق الكبار والصغار، وجعل قدر الدرهم كثيرًا (٥)، ولم يفرق بين اللصق والتعصيب (٦)، وفرق التونسي بينهما بأن التعصيب أشد؛ إذ لا بد فيه من حصول شيء على الجسد الصحيح بخلاف اللصق (٧).
قوله: (أَوْ لَفِّهَا عَلَى ذَكَرٍ) يشير إلى قول مالك في العتبية والموازية: ولا بأس أن يتخذ خرقة يجعل فيها ذكره (٨) عند النوم، وهو بخلاف لفها عليه للمني والبول، هذا يفتدي (٩).
قوله: (أَوْ قُطْنَةٍ بِأُذُنَيْهِ) أي: وكذلك يفتدي إذا جعل قطنة في أذنيه. يريد: سواء كانت القطنة صغيرة أو كبيرة (١٠).
قوله: (أَوْ قِرْطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ) أي: وكذلك يفتدي (١١) إذا ألصق (١٢) على صدغيه
_________________
(١) قوله: (فإن عصب رأسه من صداع أو عصب رأسه أو جسده من جراح أو قروح، أو عصب على بعض جسده من غير علة أو ربط الجبائر على كسر أصابه أو لصق على صدغيه) ساقط من (ن)، قوله: (أصابه أو لصق على صدغيه) يقابله في (ن ٢): (أصابعه أو لصق صدغيه).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٣.
(٣) في (ن): (جرح).
(٤) في (ن ٢) و(س) و(ن): (الموازية).
(٥) في (ن) و(ن ٢): (كبيرا).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤١٣.
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ٧٧.
(٨) في (س) و(ن) و(ن ٢): (فرجه).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٤٧.
(١٠) قوله: (وكذلك يفتدي إذا جعل قطنة في أذنيه. يريد: سواء كانت القطنة صغيرة أو كبيرة) يقابله في (ن): (لو جعل قطنة في أذنيه لعله فإنه يفتدي كان في القطنة طيب أم لا؛ لأن ذلك موضع الإحرام الذي لا يجوز للرجل ستره وعورض إجابهم بفدية في الأذنين مطلقة بمسألة الخرق الصغار فإنها لا فدية فيها لعموم الجرح وأجيب بأن ذلك لكثرة انتفاعه فيها الأذنين أشبها بكبير).
(١١) قوله: (يريد: سواء كانت وكذلك يفتدي) ساقط من (ن ٢).
(١٢) قوله: (إذا ألصق) يقابله في (ن ٢): (أو لصق).
[ ٢ / ٢٣٥ ]
قرطاسًا، وقد تقدم ذلك من لفظه في المدونة (١).
قوله: (وَتَرْكِ (٢) ذِي نَفَقَةٍ ذَهَبَ، أَوْ رَدِّهَا لَهُ) هذا معطوف على الجائز؛ أي: ويجوز لصاحب النفقة إذا شد نفقة غيره معها ونفدت نفقته أن يترك نفقة الغير إن ذهب صاحبها أو يردها له، وقاله اللخمي (٣).
قوله: (وَلِمَرْأَةِ (٤) خَزٌّ وَحُليٌّ) أي: ويجوز للمرأة أن تلبس الخز والحلي، وقاله في المدونة (٥) وهو المشهور، وحكى فيه اللخمي قولًا بالفدية.
قوله: (وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَتِهِ بِعَضُدِهِ أَوْ فَخْذِهِ) هكذا قال في المدونة (٦) وهو المشهور، وقال أصبغ: عليه في العضد فدية (٧).
قوله: (وَكَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادٍ (٨» هكذا قال في العتبية عن مالك (٩) خشية أن يكون من باب الرفاهية، وهو بخلاف وضع خده (١٠) عليها عند نومه، فإنه يجوز من غير كراهة.
قوله: (وَمَصْبُوغٌ لِمُفْتَدًى بِهِ) يريد المصبوغ بما لا طيب فيه. الباجي: ويكره ذلك للإمام ومن يقتدى به؛ لئلا يلتبس (١١) على من لا يعرف فيقتدي به في لبس المصبوغ الممنوع لبسه. رواه محمد عن مالك (١٢). ابن عبد البر: ولا خلاف أنه لا يجوز (١٣).
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤١٣.
(٢) في (ز) والمطبوع من مختصر خليل: (أو ترك).
(٣) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٩٤.
(٤) في المطبوع من مختصر خليل: (وللمرأة).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٣.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٧٠ و٤٧١.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٥٠.
(٨) الذي في شفاء، لابن غازي، ص: ٢٣٤: (وسادة).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٤٩، وانظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٤٥٥.
(١٠) في (س): (جسده).
(١١) في (س): (يلبس).
(١٢) انظر: المنتقى: ٣/ ٣٢٥.
(١٣) انظر: الاستذكار: ٤/ ٢١.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
قوله: (وَشَمٌّ كَرَيْحَانٍ) يريد: أنه يكره للمحرم أن يشم الريحان وما في معناه كالياسمين والورد والبنفسج، فإن تعمد شم شيء من ذلك (١) فلا فدية فيه عليه، وقاله في المدونة (٢).
قوله: (وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ (٣) طِيبٌ) يريد: أن المحرم يكره له المكث بمكان فيه (٤) طيب كموضع العطارين وشبههم. ابن القاسم في الموازية: ويكره له أن يخرج في رفقة معها أحمال الطيب (٥)، وإليه أشار بقوله: (وَاسْتِصْحَابُهُ) أي: استصحاب الطيب.
قوله: (وَحِجَامَةٌ بِلا عُذْرٍ) يريد: لخشية قتل الدواب التي في موضعها إن كانت في الرأس، وهذا هو المشهور. وقال (٦) سحنون: لا كراهة إذا لم يزل بسببها شعر، إلا في الرأس خيفة قتل الدواب (٧)، فلو حصل له عذر فلا كراهة، فإن لم تدع إليها ضرورة وحلق بسببها شعرا فهي حرام والفدية على المحرم (٨).
قوله: (وَغَمْسُ رَأْسِه (٩» أي: في الماء خيفة قتل دوابه (١٠)، وهكذا قال في المدونة وزاد: فإن فعل أطعم شيئًا (١١)، وقيده اللخمي بما إذا كانت له وفرة، فإن لم تكن له وعلم أنه لا شيء برأسه، أو كان حديث عهد بالحلاق، فلا بأس بغمس رأسه (١٢)، وأجاز ذلك ابن وهب وأشهب وأكثر العلماء وكانا يتغاطسان في الماء وهما محرمان قصدًا لمخالفة ابن القاسم (١٣).
_________________
(١) قوله: (فإن تعمد شم شيء من ذلك) زيادة من (س).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٩.
(٣) في (ز): (فيه).
(٤) في (س): (به).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٥٢.
(٦) قوله: (وقال) زيادة من (س).
(٧) في (س): (دوابه). وانظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٥٥.
(٨) قوله: (فإن لم تدع إليها ضرورة وحلق بسببها شعرا فهي حرام والفدية على المحرم) زيادة من (ن).
(٩) في (ز) والمطبوع من مختصر خليل: (رأس).
(١٠) قوله: (خيفة قتل دوابه) يقابله في (ن ٢): (خشية قتل الدواب).
(١١) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٠.
(١٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٨٨، ١٢٨٩.
(١٣) انظر: التمهيد: ٤/ ٢٧٠.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
قوله: (وَتَجْفِيفُهُ بِشِدَّةٍ) أي: إذا غسل رأسه يكره له أن يجففه بشدة، قال في البيان: مخافة أن يقتل في ذلك دواب جسده، ولو جففه برفق لا يخشى معه القتل لم يكره (١).
قوله: (وَنَظَرٌ بِمِرْآةٍ) إنما كره له ذلك كما قال في العتبية خشية أن يرى شعثًا فيصلحه، قاله محمد ومالك (٢).
قوله: (وَلُبْسُ مَرْأَةٍ (٣) قَبَاءً مُطْلَقًا) أي: ومما يكره أيضًا لبس القباء للمرأة المحرمة، قال في المدونة: حرة أو أمة لأنه يصفهن (٤)، ومراده بالإطلاق؛ أي (٥): في الإحرام وغيره.
قوله: (وَعَلَيْهما دَهْنُ اللِّحْيَةِ وَالرَّأسِ وَإِنْ صَلِعَا) يريد: ويحرم عليهما؛ أي: على (٦) الرجل والمرأة إلى آخره، فلا يجوز للرجل ترجيل لحيته ولا رأسه بالدهن، وكذلك المرأة لا يجوز لها أن ترجل شعرها بالدهن، وسواء كان مطيبًا أم لا لما فيه من الزينة، وكذلك لا فرق بين الأصلع وغيره كما قال.
قوله: (وَإبَانَةُ ظُفُرٍ) أي: ويحرم عليه (٧) إبانة الظفر؛ أي: قطعه، وهو معنى قوله في المدونة: ولا ينبغي لمحرم أن يقلم أظفاره، فإن فعل ناسيًا أو جاهلًا افتدى (٨). قال الأشياخ: معنى "لا ينبغي" لا يجوز.
قوله: (أوْ شَعْرٍ) أي: وكذلك يحرم عليهما أيضًا إبانة الشعر، قال مالك في المدونة: ومن نتف شعرة أو شعرات يسيرة أطعم شيئًا من طعام كان ناسيًا أو جاهلًا، وإن نتف ما أماط عنه به أذى افتدى (٩).
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ٤/ ٣١.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٥٣.
(٣) في (ن) والمطبوع من مختصر خليل: (امرأة).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٣.
(٥) قوله: (أي:) ساقط من (س).
(٦) قوله: (على) زيادة من (س).
(٧) قوله: (ويحرم عليه) يقابله في (س) و(ن) و(ن ٢): (وكذلك يحرم عليهما).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٠.
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٤٤١ و٤٤٢.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
(المتن)
أَوْ وَسَخٍ إِلَّا غَسْلَ يَدَيْهِ بِمُزِيلِهِ وَتَسَاقُطَ شَعَرٍ لِوُضُوءٍ أَوْ رُكُوبٍ. وَدَهْنُ الْجَسَدِ: كَكَفٍّ أوْ رِجْلٍ بِمُطَيِّبٍ أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَلَهَا قَوْلانِ اخْتُصِرَتْ عَلَيْهِمَا. وَتَطَيُّبٌ بِكَوَرْسٍ وَإِنْ ذَهَبَ رِيحُهُ، أَوْ لِضَرُورَةِ كُحْلٍ وَلَوْ فِي طَعَامٍ أَوْ لَمْ يَعْلَقْ؛ إِلا قَارُورَةً سُدَّتْ وَمَطْبُوخًا، وَبَاقِيًا مِمَّا قَبْلَ إِحْرَامِهِ، وَمُصِيبًا مِنْ إِلْقَاءِ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ خَلُوقِ كَعْبَةٍ، وَخُيِّرَ فِي نَزْعِ يَسِيرِهِ، وَإِلا افْتَدَى إِنْ تَرَاخَى كَتَغْطِيَةِ رَأسِهِ نَائِمًا. وَلا تُخَلَّقُ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَيُقَامُ العَطَّارُونَ فِيهَا مِنَ الْمَسْعَى، وَافْتَدَى الْمُلْقِي الْحِلُّ إِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ بِلا صَوْمٍ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَفْتَدِ الْمُحْرِمُ، كَأَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ.
(الشرح)
قوله: (أَوْ وَسَخٍ إِلا غَسْلَ يَدَيْهِ بمُزِيلِهِ) يريد: وكذلك يحرم عليهما إزالة الوسخ عنهما إلا إذا غسل يديه بما يزيل به الوسخ فلا شيء عليه؛ لأنه محل ضرورة، وكذلك ما عطف عليه من تساقط الشعر في الوضوء أو الركوب، وإليه أشار بقوله: (وَتَسَاقُطُ شَعَرٍ لِوُضُوءٍ أَوْ رُكُوبٍ) قال في المدونة: ولا شيء عليه فيما انقطع عند وضوئه من لحيته أو رأسه وأنفه إذا امتخط (١) أولما حلق الإكاف (٢) والسرج في الركوب من ساقه، وهذا خفيف لابد للناس منه (٣).
قوله: (وَدَهْنُ الجَسَدِ) أي: وكذلك يحرم على الرجل والمرأة دهن جسدهما؛ أي: سواء كان مطيبًا أم لا، وعليهما الفدية في ذلك خلافًا لابن حبيب في غير المطيب فإنه (٤) لا فدية عليهما فيه.
قوله: (كَكَفٍّ) أي: باطنه احترازًا من ظاهره.
قوله: (أَوْ رِجْلٍ (٥» أي: وكذا يحرم عليهما أيضًا دهن رجليهما.
قوله: (بِمُطَيِّبٍ أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ) إشارة (٦) إلى دهن الكف والرجل وفيهما ثلاث صور:
_________________
(١) قوله: (وأنفه إذا امتخط) يقابله في (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١): (أو أنفه أو امتخط).
(٢) في (ز) الركاب، والمثبت من (س)، والإكافُ والأُكاف: من المراكب شبه الرِّحالِ والأَقْتابِ وزعم يعقوب أَن همزته بدل من واو وُكافٍ ووِكافٍ والجمع آكِفةٌ وأُكُفٌ كإزارٍ وآزِرةٍ وأُزُرٍ غيرَه أُكافُ الحمار وإكافُه ووِكافُه ووُكافه والجمع أُكُفٌ وقيل في جمعه وَكُفٌ، انظر: لسان العرب: (أكف) ٩/ ٨.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٢.
(٤) في (ن ٢): (لأنه).
(٥) في (ز) والمطبوع من مختصر خليل: (ورجل).
(٦) في (س): (أشار).
[ ٢ / ٢٣٩ ]
الأولى: الجواز وهو دهنهما بغير مطيب لعلة به من شقوق ونحوها، ولا فدية. الثانية: المنع وهو دهنهما بمطيب لغير علة، ويفتدي إن فعل. الثالثة: المنع ولو مع علة على أحد القولين وهي التي أشار إليها بقوله: (وَلَهَا قَوْلانِ) أي: وإن دهنهما لعلة؛ يريد: بمطيب ففي ذلك قولان مقيدان بما عدا باطن الكف والقدم فإنه لا خلاف في الجواز وسقوط الفدية في دهنهما لها ويتبين ذلك بالنقل عن المدونة وغيرها (١).
قوله: (اخْتُصِرَتْ عَلَيْهِما) أي أن المدونة اختصرت على قولين، ففيها عند البراذعي: وإن دهن قدميه وعقبيه من شقوق فلا شيء عليه، وإن دهنهما لغير علة أو دهن ذراعيه أو ساقيه ليحسنهما لا (٢) لعلة افتدى (٣). وعند ابن أبي زمنين: ليحسنهما أو من علة افتدى، فحملها على الوجوب مطلقًا (٤). أبو الحسن الصغير وفي غير المدونة ما يدل على غير القولين هل لا شيء عليه في الساقين والدم عين إذا كان من علة قياسا على القدمين وعليه اختصر البراذعي أو عليه الفدية مطلقا لأن العلة في الساقين والدم أعين نادرة بخلاف القدمين فإنهما محل الشقوق وهذا يبنى على النادر هل يراعى في نفسه أو يرد إلى غالب جنسه وعليه اقتصر ابن أبي زمنين انتهى. فقد تبين من هذا أن محل القولين اللذين ذكرهما الشيخ في الدم والساقين وظاهر الكف والقدم وباطنهما انظر الكبير (٥).
قوله: (وَتَطَيُّبٌ بِكَوَرْسٍ وَإنْ ذَهَبَ رِيحُهُ) أي: ويحرم عليهما أن يتطيبا بالمؤنث من الطيب (٦) وهو ما يظهر ريحه وأثره كالزعفران والمسك والكافور والورس، وإلى جميع ذلك أشار بقوله: (بكورس)، والورس نبت باليمن رائحته طيبة صبغه ما بين الحمرة والصفرة. ابن شاس: ولو بطلت رائحة الطيب لم يبح (٧)؛ يريد (٨): لأن حكم المنع قد
_________________
(١) قوله: (مقيدان بما عدا باطن الكف والقدم فإنه لا خلاف في الجواز وسقوط الفدية في دهنهما لها ويتبين ذلك بالنقل عن المدونة وغيرها) زيادة من (ن).
(٢) في (س): (إلا).
(٣) انظر: تهذيب المدونة: ١/ ٦٠٤.
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٨٦.
(٥) قوله: (أبو الحسن الصغير وغير المدونة ما يدل انظر الكبير) زيادة من (ن).
(٦) في (س): (المطيب).
(٧) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٩٥.
(٨) قوله: (يريد:) ساقط من (س) و(ن ٢).
[ ٢ / ٢٤٠ ]
ثبت فيه والأصل استصحابه، وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ ذَهَبَ رِيحُهُ) وتجب الفدية باستعمال ذلك ولو لضرورة كحل، كما قال: (أَوْ لِضَرُورَةِ كُحْلٍ) أي: فإن اكتحل لأجل ذلك ولم يكن فيه طيب فلا فدية، وأشار بقوله: (وَلَوْ في طَعَامٍ) إلى أن الطيب يحرم عليهما استعماله ولو خلط بطعام (١) ثم أكله، وظاهره كان مطبوخًا فيه أم لا، والمشهور المنع، وهو مذهب المدونة إن لم يطبخ فيه وتجب فيه الفدية (٢)، وقيل: لا فدية، وقد (٣) رواه محمد عن مالك وهو قول أشهب (٤)، فإن طبخ بالنار وصبغ الفم (٥) فالمشهور عدم الفدية، وهو مذهب المدونة (٦)، وظاهر الموطأ (٧) والمختصر: وإن لم يصبغ الفم فلا فدية (٨).
قوله: (أَوْ لَمْ يَعْلَقْ) إشارة إلى قوله في المدونة: ومن مس الطيب بيده افتدى لصق الطيب (٩) بيده أم لا، قال: وتجب الفدية بمجرد اللمس (١٠).
قوله: (إِلا قَارُورَةً سُدَّتْ) أي: فإنه لا فدية فيها، وكذلك ما يذكره بعده (١١) من المعطوفات (١٢)، ومراده أنه من حمل قارورة مسدودة الفم في حال إحرامه لا فدية عليه؛ إذ لا رائحة لها حينئذٍ، وألحق بها (١٣) فأرة المسك غير المشقوقة.
قوله: (وَمَطْبُوخًا) أي: طعامًا مطبوخًا، يريد: بالطيب وقد تقدم أن المشهور: وإن
_________________
(١) قوله: (خلط بطعام) يقابله في (ن ٢) (خلط بها لطعام).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٩.
(٣) قوله: (قد) زيادة من (ن).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٥١.
(٥) زاد هنا في (ن): (فقولان).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٩.
(٧) انظر: الموطأ: ١/ ٣٢٩، حديث رقم: ٧٢٣.
(٨) انظر: المنتقى: ٣/ ٣٣٩.
(٩) قوله: (الطيب) ساقط من (س).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٠.
(١١) في (ن ٢): (بعد).
(١٢) في (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن ١) و(ن ٢): (المطعومات).
(١٣) في (س): (به).
[ ٢ / ٢٤١ ]
صبغ الفم.
قوله: (وَبَاقِيًا مِمَّا قَبْلَ إِحْرَامِهِ) الباجي: لأن الفدية إنما تجب بإتلاف الطيب وهو محرم (١)، وهذا أتلفه قبل إحرامه وإنما بقي منه الرائحة، إلا أن يكون قد بقي منه مقدار ما تجب الفدية بإتلافه فحينئذٍ تجب، وقيل: هو بمنزلة من تطيب بعد الإحرام إذ الاستدامة (٢) كالابتداء (٣).
قوله: (وَمُصِيبًا مِنْ إِلْقَاءِ رِيحٍ) يريد: أن من ألقت عليه الريح الطيب فنزعه عنه (٤) ناجزًا فلا شيء عليه، يدل عليه قوله بعد ذلك: (وَإلا افتدَى إِنْ تراخَى) أي: في نزعه (٥).
قوله: (أَوْ غَيْرِ) أي: أوقعه عليه (٦) غيره وهو نائم أو غير ذلك، فإن انتبه فنزعه في الحال فلا فدية، وإن تراخى لزمته الفدية (٧).
قوله: (أَوْ خَلُوقِ كَعْبَةٍ) يريد: أن ما أصابه من خلوق الكعبة؛ أي: إذا كان كثيرًا ونزعه في الحال فلا فدية، وإن تراخى لزمته الفدية (٨).
قوله: (وَخُيِّرَ في نَزْعِ يَسِيرِهِ) يريد: أنه مخير في نزع يسير الطيب، وفيه إشارة إلى أن الكثير لا يخير فيه كما تقدم.
قوله (٩): (وَإلَّا افتدَى إِنْ تراخَى)؛ أي: في مسألة إلقاء الريح وما بعدها.
قوله: (كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ نَائِمًا) يريد: أن حكم تغطية الرأس نائمًا (١٠) حكم إلقاء الطيب عليه، فإذا ألقى عليه غيره شيئًا (١١) غطى به رأسه، فإن انتبه فنزعه في الحال فلا شيء
_________________
(١) انظر: المنتقى: ٣/ ٣٢٧.
(٢) في (ز): (استدامته).
(٣) في (ن): (الافتداء).
(٤) قوله: (عنه) زيادة من (س).
(٥) في (س): (نزاعه).
(٦) قوله: (أوقعه عليه) زيادة من (ن).
(٧) قوله: (لزمته الفدية) يقابله في (س)، و(ن ٢): (افتدى كما قال).
(٨) قوله: (قوله: (أوْ خَلُوقِ كَعْبَةٍ) يريد: أن ما أصابه الفدية) ساقط من (ن).
(٩) قوله: (قوله) ساقط من (ز).
(١٠) قوله: (نائمًا) زيادة من (س).
(١١) في (س): (ثوبًا).
[ ٢ / ٢٤٢ ]
عليه، وإن تراخى افتدى.
قوله: (وَلا تُخَلَّقُ أيَّامَ الحَجِّ) أي: لا تخلق الكعبة في ذلك الزمن؛ يريد: لكثرة ازدحام الطائفين.
قوله: (وَيُقَامُ الْعَطَّارُونَ فِيهَا مِنَ الْمَسْعَى) أي: في أيام الحج من بين الصفا والمروة، وقاله في المدونة (١).
قوله: (وَافْتَدَى الْمُلْقِي الحِلُّ إِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ) يريد: أن الفدية حيث لا تجب على المحرم الملقَى عليه الطيب أو الثوب بأن (٢) يكون قد نزعه عنه في حال انتباهه يلزم الفاعل به ذلك، وقاله في المدونة (٣).
قوله: (بِلا صَوْمٍ) أي: أن الملقي إذا لزمته الفدية فإنما هي نيابة عن المحرم، فلذلك لا يصوم؛ إذ لا يصوم (٤) أحد عن أحد.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَفْتَدِ الْمُحْرِمُ) أي: فإن أعسر الملقي افتدى المحرم، ثم يرجع عليه إن لم يفتد بالصوم بالأقل من الطعام (٥) أو النسك، فإن صام لم يرجع بشيء (٦).
قوله: (كَأَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ) يعني: وكذلك الحكم فيمن حلق رأس محرم في مخاطبة الفاعل بالفدية حيث لا تجب على المفعول كما (٧) تقدم.
(المتن)
وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْمُلْقِي فِدْيَتَانِ عَلَى الأَرْجَحِ. وَإِنْ حَلَقَ حِلٌّ مُحْرِمًا بِإذْنٍ فَعَلَى الْمُحْرِمِ؛ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ، وَإنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حِلٍّ أَطْعَمَ وَهَلْ حَفْنَةٌ أَوْ فِدْيَةٌ؟ تَأْوِيلَانِ. وَفِي الظُّفُرِ الْوَاحِدِ -لَا لإمَاطَةِ الأَذَى- حَفْنَةٌ، كَشَعْرَةٍ أَوْ شَعَرَاتٍ، وَقَمْلَةٍ أَوْ قَمَلاتٍ، وَطَرْحِهَا كَحَلْقِ مُحْرِمٍ لِمِثْلِهِ مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ؛ إِلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ نَفْيَ الْقَمْلِ، وَتَقْرِيدِ بَعِيرِهِ لا كَطَرْحِ عَلَقَةٍ أَوْ بُرْغُوثٍ. وَالْفِدْيَةُ فِيمَا يَتَرَفَّهُ بِهِ أَوْ
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٩.
(٢) في (ز): (أن).
(٣) انظر: المدونة، دار صادر: ٢/ ٤٦٤.
(٤) قوله: (إذ لا يصوم) زيادة من (س).
(٥) في (س): (الإطعام).
(٦) زاد هنا في (ن): (وهو معنى قوله ورجع بالأقل إلا لم يفتد بصوم).
(٧) في (ن): (على ما).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
يُزِيلُ أَذًى: كَقَصِّ الشَّارِبِ أَوْ ظُفُرٍ وَقَتْلِ قَمْلٍ كَثُرَ، وَخَضْبٍ بِكَحِنَّاءٍ وَإِنْ رُقْعَةً إِنْ كَبُرَتْ، وَمُجَرَّدُ حَمَّامٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَاتَّحَدَتْ إِنْ ظَنَّ الإِبَاحَةَ، أَوْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا بِفَوْرٍ، أَوْ نَوَى التَّكْرَارَ، أَوْ قَدَّمَ الثَّوْبَ عَلَى السَّرَاوِيلِ.
(الشرح)
قوله: (وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْمُلْقِي فِدْيَتَانِ) يريد: فإن كان الملقي محرمًا فعليه حيث لا فدية على المحرم فديتان؛ فدية (١) لمسه الطيب وفدية لتطييب النائم، وهو قول ابن (٢) القابسي، وقال ابن أبي زيد: ليس عليه غير فدية. ابن يونس: وقول أبي الحسن أصوب (٣)، وإليه أشار بقوله: (عَلَى الأَرْجَحِ).
قوله: (وَإِنْ حَلَقَ حِلٌّ مُحْرِمًا بِإذْنٍ فَعَلَى المُحْرِمِ) المراد بالحل غير المحرم؛ أي: إذا حلق حلال شعر محرم بإذنه فإن الفدية على المحرم دون الحلال، وإن فعله بغير إذنه مكرهًا أو نائمًا فإنها على الفاعل، وإليه أشار بقوله: (وَإلا فَعَلَيْهِ) أي: على (٤) الحلال.
قوله: (وَإنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حِلٍّ أَطْعَمَ) هذه عكس التي قبلها، ومعناها أن المحرم إذا حلق شعر (٥) رأس الحلال فإنه يطعم، قال مالك في المدونة: يفتدي. وقال ابن القاسم: يطعم شيئًا من الطعام (٦). واختلف الأشياخ هل قول مالك بالفدية محمول على الحفنة وأنه وفاق لقول ابن القاسم، وإليه ذهب التونسي، أو هو خلاف، والفدية على ظاهرها، وإليه ذهب اللخمي (٧) والباجي وبعض البغداديين (٨)؟ وإلى هذا أشار بقوله: (وَهَلْ حَفْنَةٌ (٩) أَوْ فِدْيَةٌ؟ تَأْوِيلانِ).
قوله: (وَفى الظُّفُرِ الْوَاحِدِ، لا لإِمَاطَةِ الأَذَى حَفْنَةٌ) أي: وفي تقليم الظفر الواحد
_________________
(١) قوله: (فدية) زيادة من (س).
(٢) قوله: (ابن) ساقط من (س).
(٣) انظر: الجامع، لابن يونس، ص: ١٧٢٦.
(٤) قوله: (على) زيادة من (س).
(٥) قوله: (شعر) ساقط من (س).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٠.
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٩٩.
(٨) انظر: التوضيح: ٣/ ٩٣.
(٩) قوله: (والفدية على ظاهرها أشار بقوله: وَهَلْ حَفْنَةٌ) ساقط من (ن).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
لغير إماطة الأذى حفنة من الطعام. واحترز بقوله: (لا لإماطة الأذى) مما إذا كان للإماطة فإنه يفتدي على المشهور.
قوله: (كَشَعْرَةٍ أَوْ شَعَرَاتٍ) أي: وكذلك يطعم حفنة إذا أزال من جسده شعرة واحدة (١)، أو شعرات متعددة لغير إماطة الأذى.
قوله: (وَقَمْلَةٍ أَوْ قَمَلاتٍ، وَطَرْحُهَا) أي: وكذلك يطعم حفنة إذا قتل قملة واحدة أو قملات، وكذلك إذا طرحها؛ لأن ذلك يؤدي إلى قتلها، وقوله: (وَطَرْحُهَا) أي: كذلك فحذف الخبر لفهم المعنى، واختلف إذا قتل الكثير من القمل فقال مالك عليه الفدية قال في البيان ورآه من إماطة الأذى وقال ابن القاسم يطعم كيسيره (٢).
قوله: (كَحَلْقِ مُحْرِمٍ لِمِثْلِهِ مَوْضِعَ الحِجَامَةِ) يريد أن حكم (٣) المحرم إذا حلق لمحرم موضع الحجامة حكم ما تقدم في أنه يطعم حفنة من الطعام لمكان الدواب، ولهذا إذا تحقق ألا دواب فلا شيء عليه؛ لأنه إنما أزال شعرًا من جسد غيره ولا شيء عليه فيه، ولهذا أشار بقوله: (إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ نَفْيَ الْقَمْلِ) نعم على المحجوم المحرم الفدية لكونه حلق قبل التحليل.
قوله: (وَتَقْرِيدِ بَعِيرِهِ) أي: وكذلك الحكم في المحرم إذا قرَّد بعيره؛ أي: إذا (٤) أزال عنه القراد فإنه يطعم حفنة من الطعام بيد واحدة.
قوله: (لا كَطَرْحِ عَلَقَةٍ أَوْ بُرْغُوثٍ) أي: فإنه لا شيء عليه في طرحهما، قاله الباجي (٥) وغيره.
قوله: (وَالْفِدْيَةُ فِيما يُتَرَفَّهُ بِهِ وَيُزِيلُ أَذًى كَقَصِّ الشَّارِبِ أَوْ ظُفُرٍ وَقَتْلِ قَمْلٍ كَثُرَ) يريد أن الفدية تجب في كل ما يحصل به الترفه أو يزيل به أذى كقص الشارب (٦) أو حلق (٧)
_________________
(١) قوله: (واحدة) ساقط من (س).
(٢) قوله: (واختلف إذا قتل الكثير من القمل كيسيره) زيادة من (ن).
(٣) قوله: (حكم) ساقط من (س).
(٤) قوله: (إذا) ساقط من (س).
(٥) انظر: المنتقى: ٤/ ١٣٧.
(٦) قوله: ("أَوْ ظُفُرٍ وَقَتْلِ قَمْلٍ كَثُرَ" يريد أن الفدية تجب الشارب) ساقط من (ز).
(٧) في (ز): (وحلق).
[ ٢ / ٢٤٥ ]
العانة أو نتف الإبط أو الأنف، وكذا تقليم الأظفار للإماطة، أو قتل ما كثر من القمل، وقاله مالك (١).
قوله: (وَخَضْبٍ بِكَحِنَّاءَ) أي: وكذا تجب الفدية في الخضب بالحناء وشبهه، يريد: كان في رأسه أو لحيته أو غيرهما من جسده، فإن خضب جرحه في إصبعه (٢)، ونحوه برقعة فإن كانت كبيرة فعليه أيضًا الفدية، وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ رُقْعَةً إِنْ كَبُرَتْ)، ونبه به على أنها إن صغرت فلا شيء عليه فيها، ونحوه في المدونة، وحكم المحرمة تخضب يديها أو رجليها أو رأسها أو تطرف (٣) أصابعها بحناء حكم الرجل في الفدية، وقاله في المدونة (٤).
قوله: (وَمُجَرَّدُ حَمَّامٍ) اختلف في وجوب الفدية بغسل المحرم في الحمام، ففي المدونة: إن تدلك وأنقى الوسخ وجبت عليه وإلا فلا (٥)، وقيل: تجب بمجرد التدلك ولو لم ينقِ الوسخ وحكاه (٦) اللخمي، وروي أنها تجب بمجرد الغسل وإن لم يتدلك ولم ينق الوسخ، وهو اختيار اللخمي وغيره (٧)؛ لأن صب الماء الحار على الجسد مظنة إزالة الوسخ، وإلى اختيار اللخمي أشار بقوله: (عَلَى المُخْتَارِ).
قوله: (وَاتَّحَدَتْ إِنْ ظَنَّ الإباحَةَ، أَوْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا بِفَوْرٍ (٨)، أَوْ نَوَى التَّكْرَارَ، أَوْ قَدَّمَ الثَّوْبَ عَلَى السَّرَاوِيلِ) يريد أن الفدية تتعدد بتعدد (٩) موجبها إلا في هذه المواضع الأربعة: الأول: أن يظن (١٠) الإباحة ابتداء أو يعلم وجوب الفدية بالمرة الأولى ويظن إباحة الاستعمال ثانيًا وثالثًا، والثاني: أن يفعل ذلك في فور واحد كأن يلبس ويتطيب
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٤.
(٢) في (ز): (إصبع).
(٣) في (س): (بطرف).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٦١.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٦١.
(٦) قوله: (وحكاه) ساقط من (ن).
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٨٨، ١٢٨٩.
(٨) قوله: (بِفَوْرٍ) ساقط من (ز).
(٩) قوله: (بتعدد) ساقط من (س).
(١٠) قوله: (أن يظن) يقابله في (ز): (بظن).
[ ٢ / ٢٤٦ ]
ويقلم أظفاره ويقتل القمل دفعة من غير تراخٍ، والثالث: أن يفعل ذلك ناويًا التكرار؛ يريد: ولو بَعُد ما بين الفعلين، والرابع: إلا (١) يحصِّل بالفعل الثاني نفعًا زائدًا على الأول، كأن يلبس الثوب أولًا ثم يلبس السراويل، أو العمامة بعد القلنسوة، أو الجبة بعد القميص.
(المتن)
وَشَرْطُهَا فِي اللُّبْسِ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، لا إن نَزَعَ مَكَانَهُ، وَفي صَلاةٍ قَوْلانِ. وَلَمْ يَأْثَمْ إِنْ فَعَلَ لِعُذْرٍ، وَهِيَ نُسُكٌ بِشَاةٍ فَأَعْلَى، أوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكينَ لِكُلٍّ مُدَّانِ كَالْكَفَّارَةِ، أَوْ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ؛ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالمَذْبَحِ الْهَدْيَ فَكَحُكْمِهِ، وَلا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ مُدَّيْنِ. وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ وَأَفْسَدَ مُطْلَقًا، كَاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ، وَإِنْ بِنَظَرٍ، قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا، أوْ بَعْدَهُ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ إِفَاضَةٍ وَعَقَبَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ، وَإلَّا فَهَدْيٌ كَإنْزَالٍ ابْتِدَاءً وَإِمْذَائِهِ. وَقُبْلَتِهِ وَوُقُوعِهِ بَعْدَ سَعْيٍ فِي عُمْرَتِهِ، وَإِلَّا فَسَدَتْ.
(الشرح)
قوله: (وَشَرْطُهَا، في اللُّبْسِ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، لا إِنْ نَزَعَ مَكَانَهُ) أي: وشرط الفدية بسبب اللبس أن يحصل به الانتفاع من حر أو برد، ولهذا لو نزعه مكانه لا شيء عليه كمن لبس قميصًا أو خفًّا ثم نزعه، وقاله مالك (٢). اللخمي: واختلف إذا صلى به صلاة ولم يطل، قيل: لا شيء عليه فيه (٣)، وقيل: يفتدي (٤)، وإليه أشار بقوله: (وَفي صَلاةٍ قَوْلانِ).
قوله: (وَلَمْ يَأْثَمْ إِنْ فَعَلَ لِعُذْرٍ) إشارة (٥) إلى أن من فعل شيئًا من الأمور السابقة، تارة يكون آثمًا كما إذا فعل ذلك لغير ضرورة ولا مشقة من حر أو برد، وتارة غير آثم لعذر حصل له من ضرورة أو مشقة شديدة ألجأته إلى ذلك، يريد: وعليه الفدية (٦).
_________________
(١) في (ز) و(ز ٢) و(ن ١) و(ن ٢): (أن).
(٢) قوله: (مالك) ساقط من (ن) و(س). وانظر: المدونة: ١/ ٤٦٢.
(٣) قوله: (قيل: لا شيء عليه فيه) ساقط من (س).
(٤) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٩٨.
(٥) في (س): (أشار).
(٦) زاد في (ن ٢): (والإثم عليه).
[ ٢ / ٢٤٧ ]
قوله: (وَهِيَ نُسُكٌ) أي: والفدية نسك لا هدي، والفرق بينها وبين الهدي أن الهدي على الترتيب، وأنه يختص بزمان ومكان يفعل فيهما، وأن الصوم يدخل على (١) بعض أفراده على سبيل النيابة كالأمداد في إطعام جزاء الصيد والنسك بخلاف ذلك.
قوله: (بِشَاةٍ فَأَعْلَى) هو بيان لقوله: (نسك) أي: والنسك شاة أو بقرة أو بدنة من الإبل.
قوله: (أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلٍّ مُدَّانِ) يريد أن فدية الأذى على التخيير، وهذا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي الموطأ: كان كعب بن عجرة معه ﵊ محرمًا فأذاه القمل في رأسه، فأمره ﵊ أن يحلق رأسه، وقال له: "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدَّيْن مدَّيْن (٢) لكل مسكين أو انسك بشاة" (٣)، أيُّ ذلك فعلت أجزأ عنك، قال في المدونة: والإطعام لستة مساكين مدان لكل مسكين بمدِّ النبي - ﷺ - من عيش أهل ذلك البلد من بر أو شعير (٤)، وإليه أشار بقوله: (كَالْكَفَّارَةِ).
قوله: (أَوْ صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (٥) وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى) هو مذهب المدونة (٦)، وفي الموازية هو مكروه (٧)؛ لأنها لم تقيد بالحج كالهدي، وأرى (٨) أنها أيام منهي عن صومها.
قوله: (وَلَمْ تَخْتَصَّ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ) هو أحد ما فرق به بين الهدي والنسك وهو المشهور، وقال ابن الجهم: لا يكون النسك إلا بمكة (٩).
_________________
(١) قوله: (على) ساقط من (س).
(٢) قوله: (مدَّيْن) زيادة من (س).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٢/ ٦٤٤، في باب قول الله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ وهي إطعام ستة مساكين، من أبواب الإحصار وجواز الصيد، برقم ١٧٢٠، ومسلم: ٢/ ٨٥٩، في باب جواز حلق الرأس للمحرم ، من كتاب الحج، برقم ١٢٠١، ومالك: ١/ ٤١٧، في باب فدية من حلق قبل أن ينحر، من كتاب الحج، برقم: ٩٣٧، واللفظ له.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٤.
(٥) قوله: (أيَّامٍ) ساقط من (س).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٣١.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٠.
(٨) في (س): (ورأى).
(٩) انظر: التوضيح: ٣/ ١٧١.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
قوله: (إِلا أَنْ يَنْوِيَ بِالْمَذْبَحِ الْهَدْيَ فكَحُكْمِهِ) أي: إلا أن ينوي بالنسك (١) الهدي فيصير له حكم الهدي، و(المذبح) اسم مفعول بمعنى المذبوح مثل مكروم ومكرم.
قوله: (وَلا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ مُدَّيْنِ) هكذا قال أشهب في النوادر (٢)، وقال (٣) أكثر الأشياخ وهو وفاق لقوله في المدونة: ولا يجزئ أن يغدي ويعشي (٤)؛ لأنه ﵊ سمى مدين (٥).
قوله: (وَالجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ) وهو معطوف على فاعل حرم، يريد أن المحرم يحرم عليه الجماع ومقدماته من القبلة والمباشرة للذة (٦) والغمزة والجسه (٧) وشبهها.
قوله: (وَأَفْسَدَ مُطْلَقًا) فاعل أفسد هو الجماع، والمعنى: أن الجماع يفسد الحج إذا وقع قبل التحليل، ولا فرق عندنا بين أن يطأ عمدًا أو نسيانًا في الفرج أو المحل المكروه من رجل أو امرأة كان معه إنزال أم لا، وإليه أشار بالإطلاق.
قوله: (كاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ، وَإنْ بِنَظَرٍ) أي: ومما يساوي الجماع في إفساد الحج استدعاء المني ولو بنظر، وهذا هو المعروف، وقيل: لا يفسده إلا ما يوجب الصداق والحد.
قوله: (قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَهُ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ إِفَاضَةٍ وَعَقَبَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ) يريد أن الفساد مشروط (٨)، بأن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده إن وقع قبل طواف الإفاضة ورمي (٩) جمرة العقبة يوم النحر أو قبله؛ أي: ليلة المزدلفة، والمشهور في القسم الأول من هذه الأقسام الأربعة الإفساد، واختلف في الجميع على أربعة أقوال: الفساد في الجميع، وعدمه في الجميع، والمشهور ما ذكر هنا (١٠) وهو مذهب المدونة (١١)، وقال
_________________
(١) في (ز) و(ز ٢) و(ن) و(ن ١) و(ن ٢): (بالمنسك).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٥٨.
(٣) في (س): (قال).
(٤) في (ز): (أو يعشي).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٤، وانظر: تهذيب المدونة: ١/ ٦١١.
(٦) قوله: (للذة) ساقط من (ن ٢).
(٧) قوله: (والجسة) زيادة من (ن ٢).
(٨) قوله: (الفساد مشروط) يقابله في (ز) و(ز ٢) و(ن) و(ن ١) و(ن ٢): (للفساد شروط).
(٩) في (ز): (أو من).
(١٠) قوله: (هنا) ساقط من (س).
(١١) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٨.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
ابن وهب وأشهب: إن وطئ يوم النحر بعد الإفاضة وقبل الرمي (١) أفسده، وعن مالك خامس: إن وقع قبلها (٢) بعد طلوع الفجر يوم النحر فعليه الهدي والعمرة (٣)، وإن كان قبل الفجر أفسد.
قوله: (وَإلا فَهَدْيٌ) أي: وإن لم يقع الوطء قبل الوقوف ولا بعده وقبل الإفاضة والرمي يوم النحر أو قبله، بل وقع قبل الإفاضة وبعد جمرة العقبة أو بالعكس أو قبلهما بعد (٤) يوم النحر فإنه لا يفسد وعليه الهدي.
قوله: (كَإنْزَالٍ ابْتِدَاءً) أي: فإن فيه الهدي ولا يفسد الحج.
قوله: (وَإمْذَائِهِ) أي: ابتداء.
قوله: (وَقُبْلَتِهِ) يريد: مع عدم الإنزال، قال في المدونة: وإذا نظر المحرم فأنزل ولم يتبع النظر ولا أدامه، أو قبَّل أو غمز أو جس أو باشر أو تلذذ بشيء من أهله ولم ينزل ولم تغب الحشفة منه في ذلك، فعليه في ذلك الدم وحجه تام (٥).
قوله: (وَوُقُوعِهِ بَعْدَ سَعْيٍ فِي عُمْرَتِهِ) يريد أن وقوع الوطء بعد السعي وقبل الحلق في العمرة موجب للهدي أيضًا من غير إفساد؛ إذ لم يبق من أركانها شيء لأن الحلق ليس بركن، فإن وقع الوطء قبل السعي أوفي أثنائه فسدت العمرة، وإلى هذا أشار بقوله: (وَإلا فَسَدَتْ) أي: العمرة إن وقع الوطء في السعي أو قبله.
(المتن)
وَوَجَبَ إِتْمَامُ الْمُفْسَدِ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ، وَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهُ إِلَّا فِي ثَالِثَةٍ، وَفَوْرِيَّةُ الْقَضَاءِ وَإِنْ تَطَوُّعًا، وَقَضَاءُ الْقَضَاءِ، وَنَحْرُ هَدْيٍ فِي الْقَضَاءِ. وَاتَّحَدَ وَإِنْ تَكَرَّرَ لِنِسَاءٍ بِخِلافِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ، وَأَجْزَأَ إِنْ عَجَّلَ وَثَلاثَةٌ إِنْ أَفْسَدَ قَارِنًا ثُمَّ فَاتَهُ وَقَضَى، وَعُمْرَةٌ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ رَكْعَتَي الطَّوَافِ، وَإِحْجَاجُ مُكْرَهَتِهِ وَإنْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، وَعَلَيْهَا إِنْ أعْدَمَ وَرَجَعَتْ كَالْمُتَقَدِّمِ.
(الشرح)
قوله: (وَوَجَبَ إِتْمَامُ الْمُفْسَدِ) يريد أن المحرم إذا أفسد حجه أو عمرته بالوطء أو
_________________
(١) قوله: (وقبل الرمي) زيادة من (س).
(٢) قوله: (وقع قبلها) يقابله في (س) و(ن): (وطئ قبلهما).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٢٢ و٤٢٣.
(٤) قوله: (بعد) زيادة من (س).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٣٩.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
غيره فإنه يجب (١) عليه أن يمضي على ذلك المفسد حتى يتمَّه كما لو لم يفسد، ولا خلاف في ذلك.
قوله: (وَإلا فَهُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ) أي: وإن لم يتمه فهو عليه باقٍ، ولو أحرم بحجة القضاء أو عمرة القضاء، قال في المدونة: ومن أفسد حجه بالوطء فلم يتمه حتى أحرم بحجة القضاء لم يلزمه ذلك ولا قضاؤه وهو على إحرامه الأول، ولا يكون ما جدد من إحرامه قضاء لحجته الفاسدة (٢).
قوله: (وَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهُ إِلا فِي ثَالِثَةٍ) أي: فإن لم يتم الفاسد وأحرم لقضائه في السنة الثانية منه فهو على ما أفسد ولا يكون ذلك قضاء عنه، ولا يقع على هذا قضاؤه إلا في السنة الثالثة.
قوله: (وَفَوْريَّةُ الْقَضَاءِ وَإِنْ تَطَوُّعًا) أي: ومما يجب عليه أيضًا أن يقضي ما أفسد من حج أو عمرة على الفور، وهو القضاء للحج في العام القابل ولا يؤخره عنه فإن أخره عصى وقضاه فيما بعده، وأما العمرة فيقضيها بعد التحلل من فاسدها؛ لأنها تقع في جميع السنة، وسواء كان الحج الذي أفسده فرضًا أو تطوعًا.
قوله: (وَقَضَاءُ الْقَضَاءِ) أي: ومما يجب عليه أيضًا قضاء القضاء، ومعناه إذا أحرم قضاء عما أفسد ثم أفسد القضاء ثانيًا، فإنه يلزمه أن يحج حجتين، إحداهما قضاء عن الأصل، والثانية عن القضاء المفسَد وهو المشهور، وقيل: لا يجب عليه إلا حجة واحدة وهي الأولى.
قوله: (وَنَحْرُ هَدْيٍ في الْقَضَاءِ) يريد: أنه كما تجب عليه حجة ثانية بسبب إفساده القضاء، كذلك يجب عليه هدي آخر مع الهدي الأول، وهو مذهب ابن القاسم (٣) وابن وهب، وقال عبد الملك: لا يلزمه غير الهدي الأول (٤).
قوله: (وَاتَّحَدَ، وَإنْ تَكَرَّرَ لِنِسَاءٍ) أي: واتحد الهدي وإن تكرر الوطء لأجل تعدد النساء، يريد أو في امرأة واحدة، وقاله في المدونة (٥).
_________________
(١) في (ن): (لا يجب).
(٢) انظر: تهذيب المدونة: ١/ ٥٩٣.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٣١.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٢٧، والمنتقى: ٤/ ٦.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٢٣.
[ ٢ / ٢٥١ ]
قوله: (بِخِلافِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ) أي: فإن الموجَب يتعدد بتعدد موجِبه، وهو المشهور في الصيد خلافًا لابن عبد الحكم، فإن الجزاء عنده لا يتعدد بتعدد موجب (١) الصيد، نقله سند (٢)، وتعدد الموجِب في الفدية مقيد بالأمور التي تقدمت وهو أن يحصل بالفعل الثاني نفع زائد على الأول، ولم يظن الإباحة، ولم ينوِ التكرار، ولم يكن في فور واحد.
قوله: (وَأَجْزَأَ إِنْ عَجَّلَ) أي: وأجزأ هدي الفساد إن عجل قبل القضاء، وهو قول عبد الملك (٣)، قال: وأحب إلينا أن يكون مع حجة القضاء (٤). الباجي: ويحتمل على (٥) قول أصبغ في هدي الفوات: أنه لا يجزئه (٦).
قوله: (وَثَلاثَةٌ إِنْ أَفْسَدَ قَارِنًا ثُمَّ فَاتَهُ وَقَضَى) أي: فإن أحرم بحجة وعمرة فأفسدهما ثم فاته الحج فإن عليه هديًا آخر لقرانه الأول.
قوله: (وعُمْرَةٌ إِنْ وَقَعَ): ثلاثة هدايا واحدًا عن قرانه (٧) الثاني وآخر عن فساده وثالث عن فواته، روي عن ابن القاسم أن عليه هديًا آخر لقرانه الأول (٨).
قوله: (وَعُمْرَةٌ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ رَكْعَتِيِ الطَّوَافِ) أي: وكذلك يجب عليه (٩) أن يأتي بعمرة إذا وقع منه الوطء قبل ركعتي الطواف، وكذا إذا وقع قبل الطواف أو بعده (١٠) في محل لا يكون مفسدًا، وهذا هو المشهور، وقيل: لا عمرة عليه وقع قبل الطواف أو بعده.
_________________
(١) قوله: (موجب) زيادة من (ن).
(٢) انظر: الذخيرة: ٣/ ٣٢٤.
(٣) في (ن ٢) (عبد الحكم).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٢٧.
(٥) في (ز): (أن يكون).
(٦) انظر: المنتقى: ٤/ ٦.
(٧) في (ز): (فواته). وقوله: (هديًا آخر لقرانه الأول. قوله: "وعمرة وإن وقع": ثلاثة هدايا واحدًا عن قرانه) زيادة من (ن ١)، وفي (ن): (فإنه يجب عليه).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٢٤.
(٩) قوله: (عليه) ساقط من (س).
(١٠) في (س): (بعضه).
[ ٢ / ٢٥٢ ]
قوله: (وَإحْجَاجُ مُكْرَهَتِهِ (١) وَإنْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ) أي: ووجب على المكرِه إحجاج مكرهته وإن طلقها ونكحت غيره أو كانت أَمَة.
قوله: (وَعَلَيْهَا إن أَعْدَمَ وَرَجَعَتْ) أي: فإن لم يكن مع الزوج ما يُحِجُّها به وجب عليها أن تحج نفسها وترجع عليه إذا أيسر، وقيل: ليس عليها حج ولا صيام وإنما ذلك على من أكرهها.
قوله: (كَالمُتقَدِّمِ) كما تقدم هذا فيمن أكره امرأته في رمضان وقد تقدم في باب الصيام (٢).
(المتن)
وَفَارَقَ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهُ مِنْ إِحْرَامِهِ لِتَحَلُّلِهِ، وَلا يُرَاعَى زَمَنُ إِحْرَامِهِ، بِخِلافِ مِيقَاتٍ إِنْ شُرِعَ وَإنْ تَعَدَّاهُ، فَدَمٌ، وَأَجْزَأَ تَمَتُّعٌ عَنْ إِفْرَادٍ وَعَكْسُهُ، لا قِرَانٌ عَنْ إِفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّعٍ وَعَكْسُهُمَا، وَلَمْ يَنُبْ قَضَاءُ تَطَوُّعٍ عَنْ وَاجِبٍ، وَكُرِهَ حَمْلُهَا لِلْمَحْمِلِ وَلِذَلِكَ اتُّخِذَتِ السَّلالِمُ، وَرُؤْيةُ ذِرَاعَيْهَا لا شَعْرِهَا، وَالْفَتْوَى فِي أُمُورِهِنَّ.
(الشرح)
قوله: (وَفَارَقَ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهُ) أي: زوجة كانت أو أمة.
قوله: (مِنْ إِحْرَامِهِ لِتَحَلُّلِهِ) أي: من حين إحرامه بحجة القضاء إلى أن يحل منها، قال في المدونة: وإن جامع زوجته في الحج فليفترقا إذا أحرما بحجة القضاء ولا يجتمعا حتى يحلا (٣)؛ أي: لئلا يتذاكرا ما كان منهما (٤) فيدعوهما إلى الفساد ثانية، واختلف هل افتراقهما واجب وهو ظاهر المدونة عند ابن بشير، أو مستحب وهو رأي ابن القصار، أو يفرق بين العامد والجاهل فإن صدر من عامد فالوجوب أو من الجاهل فالاستحباب، وهو رأي اللخمي (٥).
_________________
(١) وفي المطبوع من مختصر خليل: (مُكْرَهَةٍ).
(٢) قوله: (كما تقدم هذا فيمن أكره في باب الصيام) يقابله في (ن ٢): (أي في كتاب الصوم)، وفي (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن ١): (أي: كالمحرم إذا ألقى عليه الحِلُّ طيبًا وهو نائم ولم يجد الحل فدية).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٨.
(٤) قوله: (لئلا يتذاكرا ما كان منهما) يقابله في (ن): (ليلاتها إكراها كان بينهما).
(٥) قوله: (وهو رأي اللخمي) ساقط من (ن). وانظر: التوضيح: ٣/ ٦٠، التبصرة، للخمي، ص: ١٢٧٩.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
قوله: (وَلا يُرَاعَى زَمَنُ إِحْرَامِهِ) أي: فيجوز لمن أحرم أولًا بالحج من شوال أن يحرم بحجة القضاء يوم التروية أو غير ذلك.
قوله: (بِخِلافِ مِيقَاتٍ إِنْ شُرِعَ) أي: فليس لمن أحرم (١) أولًا من ذي الحليفة مثلًا أو غيرها من المواقيت المشروعة أن يحرم بحجة القضاء إلا من موضع إحرامه؛ فلو أحرم قبل الميقات فليس عليه أن يحرم إلا من الميقات، وقاله في المدونة (٢)؛ لأنه أحرم من مكان لم يشرع منه الإحرام.
قوله: (وَإنْ تَعَدَّاهُ، فَدَمٌ) أي: فلو لم يحرم ثانيًا من الميقات بل تعداه فإن عليه في ذلك الدم، قاله في المدونة (٣).
قوله: (وَأَجْزَأَ تَمَتُّعٌ عَنْ إِفْرَادٍ) يريد: أنه إذا أفسد حجًّا مفردًا فقضاه متمتعًا فإنه يجزئه؛ لأن التمتع إفراد وزيادة، ولا إشكال في ذلك إذا أحرم ثانيًا بالحج من المكان الذي أحرم منه بالحج أولًا.
قوله: (وَعَكْسُهُ) أي: وكذلك يجزئه إذا قضى إفرادٌ عن تمتع، وهو قول ابن القاسم، وقال ابن بشير: مقتضى الروايات عدم الإجزاء (٤).
قوله: (لا قِرَانٌ عَنْ إِفْرَادٍ) أي: فإن ذلك لا يجزئه على المشهور؛ لأن حج القارن ليس تامًّا كتمام المفرد، وقال عبد الملك: يجزئه (٥).
قوله: (أَوْ تَمَتُّعٍ) أي: وكذلك لا يجزئه (٦) قران عن تمتع؛ يريد: لأن القارن يأتي بعمل واحد للحج والعمرة معًا والمتمتع يأتي بعملين.
قوله: (وَعَكْسُهُمَا) أي: فلا يجزئه (٧) أن يقضي إفرادًا عن قران أو تمتعًا عن قران، وقاله في النوادر (٨).
_________________
(١) قوله: (لمن أحرم) يقابله في (س): (عليه أن يحرم).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤١٧، وتهذيب المدونة: ١/ ٥٩٢.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤١٧، وتهذيب المدونة: ١/ ٥٩٢.
(٤) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٩٦.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٢٦.
(٦) في (س): (يجزئ).
(٧) في (ز): (يجوز).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٢٥ و٤٢٦.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
قوله: (وَلَمْ يَنُبْ قَضَاءُ تَطَوُّعٍ عَنْ وَاجِبٍ) يريد: أن من تطوع بحج قبل الفرض ثم أفسده بالوطء فإنه يلزمه قضاؤه، ولم ينب له ذلك (١) عن حجة الإسلام إذا نوى به ذلك؛ لأن حجة القضاء مترتبة في ذمته وعليه حجة الفرض، وحجة واحدة لا تجزئ عن حجتين.
قوله: (وَكُرِهَ حَمْلُهَا لِلْمَحْمَلِ (٢» أي: أنه يكره للمحرم أن يحمل زوجته أو غيرها للمحمل، قال في كتاب محمد: وإن الناس ليتخذون سلالم (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَلذَلِكَ اتُّخِذَتِ السَّلالِمُ) أي لأجل الكراهة المذكورة.
قوله: (وَرُؤْيَةُ ذِرَاعَيْهَا لا شَعْرِهَا) قال مالك في كتاب محمد: ولا يلمس المحرم كفي امرأته تلذذًا، ويكره له (٤) أن يرى ذراعيها، ولا بأس أنه يرى شعرها (٥).
قوله: (وَالْفَتْوَى في أُمُورِهِنَّ (٦» هو معطوف على قوله: (لا شعرها) أي: وكذلك لا يكره الفتوى في أمور النساء، وقاله مالك في الموازية (٧).
(المتن)
وَحَرُمَ بِهِ وَبِالْحَرَمِ مِنْ (٨) نَحْوِ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ خَمْسَةٌ لِلتَّنْعِيمِ، وَمِنَ الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةٌ لِلْمَقْطَعِ، وَمِنْ عَرَفَةَ تِسْعَةٌ، وَمِنْ جُدَّةَ عَشْرَةٌ لآخِرِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَيَقِفُ سَيْلُ الْحِلِّ دُونَهُ تَعَرُّضُ بَرِّيٍّ، وَإِنْ تَأَنَّسَ أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ،
(الشرح)
أي: وحرم بالإحرام، يريد بحج أو عمرة التعرض إلى قتل صيد بري وإن كان متأنسًا أو لم يؤكل، فاحترز بالبري من البحري فإن صيده للمحرم جائز. ابن شاس: وأما البري فيحرم إتلاف جميعه ما أكل لحمه وما لم يؤكل كان متأنسًا أو متوحشًا مملوكًا أو مباحًا (٩)، ولما كان المكان الذي يحرم فيه الاصطياد
_________________
(١) قوله: (له ذلك) ساقط من (س).
(٢) قوله: (لِلْمَحْمَلِ) ساقط من (س).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٢٠.
(٤) قوله: (له) ساقط من (س).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٢٠.
(٦) في (س) والمطبوع من مختصر خليل: (أمرهن).
(٧) في (ز): (المدونة). وانظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٢٠.
(٨) قوله: (مِنْ) ساقط من (ز).
(٩) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٩٨.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
على المحرم (١) وغيره محدودًا أشار إلى بيانه على ما رواه مالك عن عمر (٢) - ﵁ - في تحديد معالم الحرم، قال في الموازية (٣): وحده مما يلي المدينة نحو من أربعة أميال إلى منتهى التنعيم، ومما يلي العراق ثمانية أميال إلى مكان يقال له المقطع، ومما يلي عرفة تسعة أميال، ومما يلي طريق اليمن سبعة أميال إلى موضع يقال له آضاة، ومما يلي جدة عشرة أميال إلى منتهى الحديبية، قال: والحديبية في الحرم، وقال ابن القاسم: سمعت أن الحرم يعرف بأن لا يجري (٤) سيل من الحل فيدخل الحرم، وإنما يخرج السيل من الحرم إلى الحل وهو يجري من (٥) الحل فإذا انتهى إلى الحرم وقف ولم يدخل الحرم إلا سيل الحرم، نقله في النوادر (٦)، وهو معنى قوله هنا: (وَيَقِفُ سَيْلُ الحلِّ دُونَهُ).
(المتن)
أَوْ طَيْرَ مَاءٍ وَجُزْئِهِ وَبَيضِهِ، وَلْيُرْسِلْهُ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ، وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ لا بِبَيْتِهِ، وَهَلْ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ؟ تَأْوِيلانِ. فَلا يَسْتَجِدُّ مِلْكَهُ وَلا يُسْتَوْدَعُهُ، وَرُدَّ إِنْ وُجِدَ مُودِعَهُ وَإلَّا بُقِّيَ، وَفِي صِحَّةِ شِرَائِهِ قَوْلانِ، إِلَّا الْفَأْرَةَ وَالْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ مُطْلَقًا، وَغُرَابًا وَحِدَأَةً، وَفِي صَغِيرِهِمَا خِلافٌ، كَعَادِي سَبُعٍ كَذِئْبٍ إِنْ كَبُرَ، كَطَيْرٍ خِيفَ إِلَّا بِقَتْلِهِ، وَوَزَغًا لِحِلٍّ بِحَرَمٍ، كَأَنْ عَمَّ الْجَرَادُ فَاجْتَهَدَ، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ، وَفِي الْوَاحِدَةِ حَفْنَةٌ، وَإِنْ فِي نَوْمٍ: وَالْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ، وَإِنْ لِمَخْمَصَةٍ وَجَهْلٍ وَنِسْيَانٍ،
(الشرح)
قوله: (أوْ طَيْرِ مَاءٍ وَجُزئِهِ وَبَيْضِهِ) أي: وكذلك يحرم عليه أن يتعرض لطير الماء، قال في المدونة: وإن أصاب شيئًا منه فعليه جزاؤه (٧)، وقال في الجواهر: ويحرم التعرض لأجزائه وبيضه (٨).
قوله: (وَلْيُرْسِلْهُ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ) هذا قريب من قوله في المدونة: ومن أحرم ومعه
_________________
(١) قوله: (على المحرم) يقابله في (ز) و(ن ٢): (للمحرم).
(٢) في (س): (ابن عمر).
(٣) في (ن): (المدونة).
(٤) في (س): (يجيء).
(٥) في (س): (في).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٥٠٢.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٢.
(٨) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٩٨.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
صيد (١) بيده يقوده أو في قفص معه فليرسله ثم لا يأخذه حتى يحل، فإن أرسله من يده حلالًا أو حرامًا لم يضمن شيئًا؛ لأن ملكه زال عن الصيد بإحرامه (٢)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ) وهو المشهور خلافًا لابن القصار والأبهري، وقيل: ليس عليه إرساله.
قوله: (لا بِبَيْتِهِ) أي: فلا يجب على من أحرم وفي بيته صيد أن يرسله ولا شيء عليه، وقاله في المدونة (٣)، واختلف هل هو على إطلاقه وهو رأي ابن يونس أو هو مقيد بما إذا لم يحرم من بيته، فإن (٤) أحرم من بيته وجب عليه أن يرسله كما قال (٥) في القفص (٦)، وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وَهَلْ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ؟ تَأْوِيلانِ) أي: من بيته أو بشرط ألا يحرم منه تأويلان.
قوله: (فَلا يَسْتَجِدُّ مِلْكَهُ) أي: فإن أبقى الصيد بيده بعد إحرامه حتى حل فليس له أن يتملكه، وهو معنى قوله: (فلا يستجد ملكه)، ويحتمل أن يريد أن المحرم لا يجوز له في حال إحرامه استحداث ملك الصيد. ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من وهب له صيد في حال إحرامه لا يجوز له قبوله ولا شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه (٧).
قوله: (وَلا يُسْتَوْدَعُهُ) أي: ولا يجوز للمحرم أن يأخذ صيدًا وديعة عنده لغيره، فإن استودعه وجب عليه إرساله وضمن لربه قيمته، ولو أحرم وبيده صيد وديعة رده لصاحبه إن وجده فإن لم يجد صاحبه أبقاه بيده، وإليه أشار بقوله: (وَرُدَّ إِنْ وَجَدَ مُودِعَهُ وَإلا بَقِيَ) قال في الموازية (٨): وإن أرسله ضمن (٩).
_________________
(١) في (ز): (صيده).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٧ و٤٤٨.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٧.
(٤) في (ز): (أو إن).
(٥) قوله: (قال) زيادة من (س).
(٦) انظر: الجامع، لابن يونس، ص: ١٧٦١ و١٧٦٢.
(٧) انظر: التمهيد: ٩/ ٥٨.
(٨) في (ز)، وفي (ن ٢): (المدونة).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٧١.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
قوله: (وَفي صِحَّةِ اشْتِرَائِهِ قَوْلانِ) يريد (١): إنما هذا بعد الوقوع، وإلا (٢) فقد تقدم أن ابن عبد البر حكى الإجماع على عدم جواز شراء المحرم الصيد في حال إحرامه؛ أي: فلو تعدى واشتراه فهل شراؤه صحيح أم فاسد؟ قولان.
قوله: (إِلا الْفَأْرَةَ وَالحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ مُطْلَقًا، وَغُرَابًا، وَحِدَأَةً) وهذا (٣) مستثنى من قوله: (حرم بالحرم والإحرام تعرض بري)؛ أي: إلا ما ورد في الصحيحين مما يباح قتله في الحل والحرم، وهي: الفأرة وما بعدها، وقد روي أنه ﵇ قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" (٤)، خرجه الصحيحان، وقوله: (مُطْلَقًا) أي: أنه لا فرق في الفأرة والحية والعقرب بين الكبير والصغير؛ لأن صغيرها (٥) يؤذي ككبيرها (٦).
قوله: (وَفي صَغِيرِهِمَا خِلافٌ) أي: صغير الغراب والحدأة، قال ابن راشد: والمشهور القتل (٧)؛ لعموم الحديث، وقال ابن هارون: المشهور المنع (٨).
قوله: (كَعَادِي سَبُعٍ) أي: وكذلك لا يحرم قتل كل عادٍ (٩) من السباع كالأسد والنمر والفهد ونحوها مما يعدو، وهو المشهور حملًا لقوله ﵇: "والكلب العقور" على ذلك، وقيل: المراد الكلب الإنسي. الباجي: ولم يختلف قول مالك في الأسد والفهد والنمر أنه يجوز قتلها، واختلف قوله في الذئب، فروي عنه إباحة ذلك، وعنه منعه (١٠)،
_________________
(١) قوله: (يريد:) ساقط من (س).
(٢) في (س): (وإنما).
(٣) في (س): (هو).
(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٣/ ١٢٠٤، في باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم، من كتاب بدء الخلق، برقم ٣١٣٦، ومسلم: ٢/ ٨٥٦، في باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، من كتاب الحج، برقم ١١٨٩، ومالك: ١/ ٣٥٧، في باب ما يقتل المحرم من الدواب، من كتاب الحج، برقم: ٧٩١.
(٥) في (ز): (صغيرهما).
(٦) في (ز): (ككبيرهما).
(٧) انظر: لباب اللباب، ص: ٧٧.
(٨) انظر: التوضيح: ٣/ ١٠٠.
(٩) في (س): (كل ذي عاد).
(١٠) انظر: المنتقى: ٣/ ٤٥٣ و٤٥٤.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وإليه أشار بقوله: (كَذِئْبٍ).
قوله: (إِنْ كَبُرَ) يعني أن الذئب الذي روي عن (١) مالك إباحة قتله إنما هو إذا كان كبيرًا؛ لأنه الذي يحصل منه الأذى غالبًا، وأما الصغير فلا يقتل على مذهب المدونة (٢)، وعن ابن القاسم الكراهة، وقال أشهب: يقتل (٣).
قوله: (كَطَيْرٍ خِيفَ، إِلا بِقَتْلِهِ) أي: وكذا يقتل الطير إذا عدا عليه وخيف من إذايته (٤) ولا تندفع إلا بقتله، وقال أشهب: عليه في الطير الفدية (٥).
قوله: (وَوَزَغًا لِحِلٍّ بِحَرَمٍ) أي: وكذلك يجوز للحلال أن يقتل الوزغ في الحرم، وفهم من تخصيصه جواز القتل بالحلال أن المحرم يمنع من ذلك، وقاله مالك (٦).
قوله: (كَأَنْ عَمَّ الْجَرَادُ) أي: ولا يستطاع دفعه، قال في المختصر: ولا شيء على من أصاب منه حينئذٍ شيئًا ولو أطعم شيئًا من الطعام كان أحسن (٧).
قوله: (فَاجْتَهَدَ (٨» أي: في التحفظ منه.
قوله: (وَإلا فَقِيمَتُهُ) أي: وإن لم يكثر الجراد ولا مشقة فيه فعليه ضمانه إذا قتله وهو المراد بالقيمة.
قوله: (وَفي الْوَاحِدَةِ حَفْنَةٌ) أي: من الطعام بيد واحدة، وهو معنى قوله في الموازية: قبضة (٩).
قوله: (وَإنْ في نَوْمٍ) أي: إذا تقلَّب عليه في نومه فقتله فعليه جزاؤه.
قوله: (وَالجَزَاءُ بِقَتلِهِ، وَإنْ لِمَخْمَصَةٍ) الضمير في (بقتله) عائد على الصيد المفهوم من السياق؛ أي: ويجب الجزاء بقتل الصيد وإن كان السبب في ذلك حصول مخمصة
_________________
(١) في (ز): (عنه).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٩.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٣.
(٤) في (س): (أذيته).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٣.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦١.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٥.
(٨) في (ز) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (واجتهد).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٤.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
ومجاعة، وقاله في الجواهر (١) وغيرها، وحكى اللخمي قولًا بعدم الجزاء (٢). وأشار بقوله: (وَجَهْلٍ وَنِسْيَانٍ) إلى أن حكم الجهل والنسيان والعمد في قتل الصيد وإتلافه في الجزاء واحد؛ يريد: إلا في الإثم، وعن ابن عبد الحكم: أن لا جزاء (٣) في غير العمد (٤).
(المتن)
وَتَكَرَّرَ كَسَهْمٍ مَرَّ بِالْحَرَمِ، وَكَلْبٍ تَعَيَّنَ طَرِيقُهُ، أَوْ قَصَّرَ فِي رَبْطِهِ، أَوْ أَرْسَلَ بِقُرْبِهِ فَقَتَلَ خَارِجَهُ، وَطَرْدِهِ مِنْ حَرَمٍ، وَرَمْيٍ مِنْهُ أَوْ لَهُ، وَتَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ، وَجَرْحِهِ وَلَمْ يتَحَقَّقْ سَلامَتَهُ، وَلَوْ بِنَقْصٍ، وَكَرَّرَ إنْ أَخْرَجَ لِشَكٍّ ثُمَّ تُحُقِّقَ مَوْتَهُ، كَكُلٍّ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ، وَبِإرْسَالٍ لِسَبُعٍ، أَوْ نَصْبِ شَرَكٍ لَهُ، وَبِقَتْلِ غُلامٍ أُمِرَ بِإفْلاتِهِ فَظَنَّ الْقَتْلَ، وَهَلْ إِنْ تَسَبَّبَ السَّيِّدُ فِيهِ أَوْ لا؟ تَأْوِيلانِ.
(الشرح)
قوله: (وَتَكَرَّرَ) أي أن الجزاء يتكرر بحسب (٥) تكرار الموجب، وهو المشهور خلافًا لابن عبد الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] أي: في الآخرة أو يعفو عنه.
قوله: (كَسَهْمٍ مَرَّ بالْحَرَمِ) أي: وكذلك يجب الجزاء على من رمى صيدًا وهما في الحل إلا أن السهم قطع أطراف (٦) الحرم، ثم خرج إلى الحل فقتل الصيد فيه، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا جزاء (٧).
قوله: (وَكَلْبٍ تَعَيَّن طَرِيقُهُ) أي: وكذلك يجب الجزاء على من أرسل كلبًا على صيد في الحل فدخلا معًا في الحرم ثم خرجا منه فأدركه في الحل فقتله فيه، وقيد وجوب الجزاء بما إذا لم يكن للكلب طريق سوى الحرم كما قال: (تعين طريقه)؛ لأن الرامي حينئذٍ منتهك حرمة الحرم، فإن كان له طريق من غير الحرم فلا شيء عليه لعدم الانتهاك.
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٠٠.
(٢) في (ز): (الإجزاء)، انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٣٠٤، وما بعدها.
(٣) قوله: (لا جزاء) يقابله في (ز) و(ن): (الإجزاء).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٥.
(٥) في (ز): (بحيث).
(٦) في (س): (هواء طرف).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٧٤.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
قوله: (أَوْ قَصَّرَ في رَبْطِهِ) يريد أنه إذا كان محرمًا أو هو في الحرم ومعه كلب أو جارح يصيد به فانفلت من يده فقتل صيدًا، وقد كان قصر في رباطه أولًا، فعليه الجزاء، وإن لم يقصر فلا شيء عليه.
قوله: (أَوْ أُرْسِلَ بِقُرْبِهِ فَقَتَلَ خَارِجَهُ) الضمير في (بِقُرْبِهِ) و(خَارِجَهُ) عائد على الحرم، ولا بد من حذف في كلامه ومعناه: وكذلك يجب عليه الجزاء إذا أرسل جارحه بقرب الحرم (١) فدخل ثم خرج فقتل الصيد خارجه، لأنه منتهك حرمة الحرم.
قوله: (وَطَرْدِهِ مِنْ حَرَمٍ) وهذا وما بعده معطوف على قوله: (وَالجَزَاءُ بِقَتْلِهِ) أي: ويجب الجزاء بطرد الصيد من الحرم إلى الحل، وقاله في المدونة (٢)، يريد إذا كان الصيد لا يمكنه النجاة بنفسه؛ لأنه أخرجه من مأمنه وعرضه للتلف، فإن كان ينجو بنفسه فلا شئ عليه.
قوله: (وَرَمْيٍ (٣) مِنْهُ أَوْ لَهُ) أي: وكذلك يجب الجزاء إذا كان في الحرم فرمى صيدًا في الحل أو العكس، وهو معنى قوله: (أو له) أي: رمى من الحل للحرم، وقاله في المدونة (٤)، وقال أشهب وعبد الملك: إذا رمى صيدًا من الحل وهو في الحرم فلا جزاء عليه (٥).
قوله: (وَتَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ) كما إذا نتف ريشه فمات، أو حبسه فمات، أو نفَّره (٦) فهلك ونحو ذلك في المدونة (٧).
قوله: (وَجَرْحِهِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ سَلامَتَهُ) كما إذا جرحه وغاب عنه، وقاله في المدونة (٨)،
_________________
(١) قوله: (ولا بد من حذف في كلامه ومعناه: وكذلك يجب عليه الجزاء إذا أرسل جارحه بقرب الحرم) ساقط من (ز).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٤.
(٣) في (ز): (أو رمي).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٤.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٧٤.
(٦) في (ز): (نغزه).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٧.
(٨) انظر: المدونة (دار صادر): ٢/ ٤٣٣.
[ ٢ / ٢٦١ ]
وقال عبد الملك: لا شيء عليه (١)؛ لأن الأصل براءة الذمة، أما إذا أُنْفِذَتْ مقاتله فلا خلاف في الجزاء؛ لأنه حينئذٍ في حكم الميت، واختلف إذا أيقن لحاقه بنقص فالمشهور وهو مذهب المدونة: لا شيء عليه (٢)، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ بِنَقْصٍ) أي: ولا شيء عليه إن تحقق سلامته ولو مع نقص، وقال محمد: يلزمه ما بين القيمتين (٣)، فيقوَّم صحيحًا مثلًا بعشرة أمداد ومعيبًا بثمانية فيغرم مُدَّين وهو ما بين القيمتين.
قوله: (وَكَرَّرَ إِنْ أَخْرَجَ لِشَكٍّ، ثُمَّ تَحَقَّقَ مَوْتَهُ) يريد فإن جرح صيدًا وغاب عنه، ولم يتحقق سلامته فأخرج جزاءه وهو على شك، ثم ثبت أنه مات بعد الإخراج فإنه يخرج ثانيًا، وهو مراده بالتكرار (٤)، واقتضى كلامه أنه لو بقي على شكه (٥) لم يكن عليه جزاءٌ ثانٍ.
قوله: (كَكُلٍّ مِنَ المُشْتَرِكِينَ) أي: وكذلك يتكرر الجزاء إذا اجتمع على قتل الصيد اثنان فأكثر ويكون على كل واحد جزاء كامل وهو المشهور، وفي الذخيرة قول باتحاد الجزاء (٦) كمذهب الشافعي (٧).
قوله: (وَبِإرْسَالٍ لِسَبُعٍ) أي: وكذا يترتب الجزاء على من أرسل كلبًا أو بازيًّا على ما يجوز قتله كالسبع والنمر والذئب ونحو ذلك فقتل صيدًا، وهو مذهب المدونة (٨)، وقال أشهب: لا جزاء عليه (٩).
اللخمي: وهو أبين (١٠).
قوله: (أَوْ نَصْبِ شَرَكٍ لَهُ) أي: وكذا يترتب عليه الجزاء إذا نصب شركًا للسبع
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٨.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٧.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٨.
(٤) قوله: (بالتكرار) ساقط من (س).
(٥) في (ز): (شك).
(٦) في (ن): (الأجزاء).
(٧) انظر: الذخيرة: ٣/ ٣٢٠.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٥.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٨.
(١٠) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٣٢٥.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
ونحوه فوقع فيه صيد فعطب، وقاله في المدونة، وقال سحنون: لا جزاء لأنه فعل ما يجوز له (١).
وقال أشهب: إن كان موضعًا يتخوف فيه على الصيد وداه وإلا فلا شيء عليه، واختاره ابن المواز (٢).
قوله: (وَبِقَتْلِ غُلامٍ أُمِرَ بِإفْلاتِهِ فَظَنَّ الْقَتْلَ) هذه مسألة المدونة وهي إذا أمر المحرم عبده أن يرسل صيدًا كان معه فظن العبد أنه أمره بذبحه فذبحه، فعلى السيد الجزاء قال فيها: وإن كان العبد محرمًا فعليه الجزاء أيضًا ولا ينفعه خطؤه (٣). اللخمى: والأحسن ألا شيء على السيد كان العبد حلالًا أو حرامًا؛ لأن الخطأ من العبد (٤).
قوله: (وَهَلْ إِنْ تَسَبَّبَ السَّيِّدُ فِيهِ أَوْ لا؟ تَأْوِيلانِ) أي: وهل وجوب الجزاء على السيد مشروط بأن يكون هو المتسبب للعبد في أخذ الصيد، وإليه ذهب ابن الكاتب قال: وأما إن صاده العبد بغير إذنه فلا شيء على السيد إذ لم يفعل إلا خيرًا، أو ذلك (٥) مطلقٌ، وإليه ذهب ابن محرز (٦)؟
(المتن)
وَبِسَبَبٍ وَلَوِ اتَّفَقَ، كَفَزَعِهِ فَمَاتَ، وَالأَصَحُّ وَالأَظْهَرُ خِلافُهُ، كَفُسْطَاطِهِ وَبِئْرٍ لِمَاءٍ، وَدِلالَةِ مُحْرِمٍ أَوْ حِلٍّ، وَرَمْيِهِ عَلَى فَرْعٍ أَصْلُهُ بِالْحَرَمٍ، أَوْ بِحِلٍّ وَتَحَامَلَ فَمَاتَ بِهِ، إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، وَكَذَا إِنْ لَم يُنْفَذْ عَلَى الْمُخْتَارِ، أَوْ أمْسَكَهُ لِيُرْسِلَهُ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ، وإلَّا فَعَلَيْهِ، وَغَرِمَ الْحِلُّ لَهُ الأَقَلَّ، وَلِلْقَتْلِ شَرِيكَانِ. وَمَا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ مَيْتَةٌ، كَبَيْضِهِ وَفِيهِ الْجَزَاءُ، إِنْ عَلِمَ وَأَكَلَ، لا فِي أَكْلِهَا، وَجَازَ مَصِيدُ حِلٍّ لِحِلٍّ وَإنْ سَيُحْرِمُ، وَذَبْحُهُ بِحَرَمٍ مَا صِيدَ بِحِلٍّ، وَلَيْسَ الإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ بِصَيْدٍ، بِخِلافِ الْحَمَامِ.
(الشرح)
قوله: (وَبِسَبَبٍ وَلَوِ اتَّفَقَ كَفَزَعِهِ فَماتَ) هذا هو السبب الاتفاقي، وهو ألا يقصد إلى قتل
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٧.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٩.
(٣) انظر: المدونة، دار صادر: ٢/ ٤٣٣.
(٤) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٣٢١.
(٥) في (س): (وذلك).
(٦) انظر: التوضيح: ٣/ ١٠٥.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
الصيد ألبتة، وإنما اتفق إهلاكه من غير شعور كما إذا رآه الصيد ففزع منه فمات أو فر فعطب فعليه الجزاء، قاله في المدونة (١)، وقال أشهب: لا جزاء (٢) عليه. أبو إسحاق: وهو الصواب، واختاره ابن المواز وهو أظهر (٣)، ولا تكون حرمته أعظم من حرمة الآدمي (٤)، وإليه أشار بقوله: (وَالأَصَحُّ وَالأَظْهَرُ خِلافُهُ) أي: خلاف قول ابن القاسم.
قوله: (كَفُسْطَاطِهِ وَبِئْرٍ لِمَاءٍ) أي: فإنه لا جزاء عليه بسببهما، وقاله ابن القاسم (٥) وأشهب (٦).
قوله: (وَدِلالَةِ مُحْرِمٍ أَوْ حِلٍّ) أي: وكذا لا جزاء على من دل غيره على صيد فقتله (٧) سواء كان الدال حلالًا أو حرامًا، وقاله في المدونة (٨)، وحكى ابن المواز عنه أنه قال: إذا دل المحرم محرمًا على صيد فقتله فعلى كل واحد منهما جزاء، وإن دل حلالًا فليستغفر الله ولا شيء عليه، والأشبه أن عليه الجزاء إذا دل حلالًا (٩)، وقال ابن وهب: هو أحب إليَّ (١٠).
قوله: (وَرَمْيِهِ عَلَى فَرْعٍ أصْلُهُ بِالحَرمِ) أي: وكذلك لا جزاء على من رمى (١١) صيدًا على فرع في الحل أصله في الحرم، وهو مذهب المدونة (١٢)؛ لأنه إنما صاد في الحل، وقال عبد الملك: عليه الجزاء (١٣).
قوله: (أوْ بِحِلٍّ وتَحَامَلَ فَماتَ بِهِ، إِنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ) أي: وكذلك لا جزاء على من رمى
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٧.
(٢) في (س): (شيء).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٨.
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ١٠٤.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٧.
(٦) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٢٩٩.
(٧) قوله: (فقتله) ساقط من (ن ٢).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٤.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٧.
(١٠) انظر: التوضيح: ٣/ ١٠٧.
(١١) في (ن): (أصاب).
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٥٥٣.
(١٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٧٣.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
صيدًا في الحل فتحامل حتى دخل الحرم فمات فيه إن كان قد أنفذ مقتله، وهذا مما لا إشكال فيه. اللخمي: اختلف إذا لم ينفذ مقاتله، فقال أشهب: يؤكل (١)، وقال أصبغ: لا يؤكل ولا جزاء عليه (٢)، قال: وقول أشهب أبين؛ لأنه إنما مات من تلك الرمية بالحضرة فكانت مقتلًا (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَكَذَا إِنْ لَمْ يُنْفَذْ عَلَى المُخْتَارِ) وقال التونسي: الأشبه أن عليه الجزاء ولا يؤكل (٤).
قوله: (أَوْ أَمْسَكَهُ ليُرْسِلَهُ إِنْ قتَلَهُ مُحْرِمٌ) أي (٥): وكذلك لا جزاء على المحرم إذا أمسك صيدًا ليرسله فقتله محرم، يريد: وعلى المحرم (٦) الجزاء، قاله في المدونة (٧)، واحترز بقوله: (ليرسله) (٨) مما إذا أمسكه للقتل فإن عليه الجزاء، وبقوله: (محرم) مما إذا قتله حلال فإن الجزاء على الممسك، وإليه أشار بقوله: (وَإلا فَعَلَيْهِ) وقال سحنون: لا شيء عليه.
قوله: (وَغَرِمَ الحِلُّ لَهُ الأَقَلَّ) (٩) أي: فإن أمسكه للقتل فقتله حلال فعلى القاتل القيمة ما لم تكن أكثر من الجزاء فلا يلزمه إلا الجزاء؛ لأن المحرم يقول: كنت أقدر على السلامة بإطلاقه (١٠) فعليك ما أدخلت عليَّ بقتله. وقال أشهب: على كل واحد منهما جزاء إن كان في الحرم ويغرم الحلال قيمته للمحرم، وإن كان في الحل غرم له قيمته والجزاء على المحرم وحده (١١)، وإليه أشار بقوله: (وَلِلْقَتْلِ شَرِيكَانِ) أي: في الجزاء.
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٣٢٠ و٣٢١.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٧٤.
(٣) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٣٢٤.
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ١٠٨.
(٥) قوله: (قوله) ساقط من (ز).
(٦) في (ن): (القاتل).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٥.
(٨) قوله: (فقتله محرم، يريد: وعلى المحرم : "ليرسله") ساقط من (س).
(٩) قوله: (قوله: "وَغَرِمَ الحِلُّ لَهُ الأقَلَّ") زيادة من (س).
(١٠) قوله: (بإطلاقه) زيادة من (س).
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٧٠.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
قوله: (وَمَا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ مَيْتَةٌ (١» أي: فلا يأكله حلال ولا حرام، وعن ابن القاسم: إن كان عالمًا أنه صيد من أجله أو من أجل محرم سواه فالجزاء عليه؛ وإن لم يعلم فلا شيء عليه (٢)، وقال أصبغ: لا جزاء (٣) عليه وإن صيد من أجله وعلم (٤).
قوله: (كَبَيْضِهِ) أي: كبيض الصيد فإنه إذا أخذه المحرم أو أخذ من أجله فهو ميتة لا يؤكل لحلال ولا لحرام، وهو مذهب الجمهور.
قوله: (وَفِيهِ الجَزَاءُ، إِنْ عَلِمَ وَأَكَلَ (٥» هو مقيد بما صيد للمحرم؛ يعني: فإن صيد لأجل المحرم فعلم به وأكل فإن عليه الجزاء؛ لأن الصائد (٦) إنما اصطاده لأجله، وقد تقدم ما في ذلك.
قوله: (لا في أَكْلِهَا) أي: أكل الميتة فلا يترتب عليه بأكلها جزاء ئانٍ وهو المشهور.
قوله: (وَجَازَ مَصِيدُ حِلٍّ لِحِلٍّ) لا إشكال في ذلك إذا صيد (٧) في غير الحرم. ابن شاس: ولا بأس بأكل المحرم من لحم صيد صاده الحلال لنفسه أو لحلال (٨).
قوله: (وَإِنْ سَيُحْرِمُ) يريد أن الحكم في ذلك الجواز وإن كان الذي صيد من أجله يريد أن يحرم بعد ذلك.
قوله: (وَذَبْحُهُ بِحَرَمٍ مَا صِيدَ بِحِلٍّ) أي: يجوز للمحرم (٩) أن يذبح في الحرم ما صيد في الحل، وقاله في المدونة (١٠).
قوله: (وَلَيْسَ الإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ بِصَيْدٍ) أي: فللمحرم وغيره أن يذبحه في الحرم وغيره.
_________________
(١) في المطبوع من مختصر خليل: (ميت)
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٦٥ و٤٦٦.
(٣) قوله: (لا جزاء) يقابله في (ن): (جزاء).
(٤) انظر: عيون المجالس: ٢/ ٨٧٥، وعقد الجواهر: ١/ ٣٠١.
(٥) قوله: (وَأَكَلَ) ساقط من (ن ٢).
(٦) في (س): (الصيد).
(٧) قوله: (إذا صيد) ساقط من (ن ٢).
(٨) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٠٠.
(٩) في (ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١) و(ن ٢): (للحل).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٤٥١.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
قوله: (بِخِلافِ الحَمَامِ) أي: فإنه يكره ذبحها قاله مالك (١)، وهل الكراهة على المنع أو على بابها؟ قولان.
(المتن)
وَحَرُمَ بِهِ قَطْعُ إِلَّا الإِذْخِرَ وَالسَّنَا، كَمَا يُسْتَنْبَتُ، وَإِنْ لَمْ يُعَالَجْ، وَلا جَزَاءَ، كَصَيْدِ الْمَدِينَةِ بَيْنَ الْحِرَارِ، وَشَجَرِهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ، وَالْجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ بِذَلِكَ، مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ، أَوْ إِطْعَامٌ بِقِيمَةِ الصَّيدِ يَوْمَ التَّلَفِ بِمَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَبِقُرْبِهِ. وَلا يُجْزِئُ بِغَيْرِهِ وَلا زَائِدٌ عَلَى مُدٍّ لِمِسْكِينٍ؛ قَالَ إِلَّا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فَتَأْوِيلانِ. أَوْ لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ، وَكَمَّلَ لِكَسْرِهِ: فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ وَالْفِيلُ بِذَاتِ سَنَامَيْنِ، وَحِمَارُ الْوَحْشِ، وَبَقَرُهُ بَقَرَةٌ وَالضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ شَاةٌ كَحَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِ بِلا حُكْمٍ،
(الشرح)
قوله: (وَحَرُمَ بِهِ) أي: بالحرم قطع ما ينبت بنفسه؛ أي: ما عادته أن يطلع من غير صنع أدمي ولا معالجة.
قوله: (إِلا الإِذْخِرَ وَالسَّنَا) أي: فلا يحرم قطعهما، معناه ولا يكره لما جاء في الحديث (٢).
قوله: (كَمَا يُسْتَنْبَتُ) أي: فلا يحرم قطعه أيضًا كشجر الرمان والخوخ ونحوهما
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٠.
(٢) جاءت الأحاديث صريحة في جواز قطع الإذخر، وقاس أهل المذهب "السنا" عليه قياس الأولى بالحكم؛ لأن حاجة الناس إليه في الأدوية أكثر وأشد من حاجة أهل مكة إلى الإذخر، فجاء فيما يخص الإذخر حديث متفق عليه، أخرجه البخاري: ١/ ٤٥٢، في باب الإذخر والحشيش في القبر، من كتاب الجنائز، برقم ١٢٨٤، ومسلم: ٢/ ٩٨٦، في باب تحريم مكة ، من كتاب الحج، برقم ١٣٥٣. وجاء في فضل "السنا" قوله - ﷺ -: "لو أن شيئًا كان فيه شفاء من الموت لكان في السنا". أخرجه الترمذي: ٤/ ٤٠٨، في باب السنا، من كتاب الطب، برقم: ٢٠٨١، وقال: هذا حديث حسن غريب، وأحمد: ٦/ ٣٦٩، برقم: ٢٧١٢٥، وابن أبي شيبة: ٥/ ٣٣، في باب شرب الدواء الذي يمشي، من كتاب الطب، برقم: ٢٣٤٣٥، والحاكم: ٤/ ٢٢٣، برقم: ٧٤٤٠، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الكبرى: ٩/ ٣٤٦، في باب أدوية النبي - ﷺ - ، من كتاب الضحايا، برقم: ١٩٣٦٤.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
والبقول والسلق والخس (١) وغير ذلك مما ينبت بالعلاج والصنعة، وأشار بقوله: (وَإِنْ لَمْ يُعَالَجْ) إلى أن ما كان عادته أن يستنبت فاتفق أنه طلع بنفسه من غير علاج فإن حكمه حكم غالبه ويجوز قطعه نظرًا إلى الجنس، وحكم العكس على العكس من ذلك.
قوله: (وَلا جَزَاءَ) أي: ويستغفر الله، قاله في المدونة (٢).
قوله: (كَصَيْدِ المَدِينَةِ بَيْنَ الحِرَارِ، وَشَجَرِهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ) يعني أن صيد المدينة يحرم في حرمها كما يحرم قطع شجر حرم مكة ولا جزاء فيه، كما أنه لا جزاء في الشجر ونحوها على ما سبق، والتشبيه بين صيد (٣) حرم المدينة وقطع شجر حرم مكة في تحريم الصيد وعدم الجزاء، وكذلك حكم شجر المدينة، وهو مراده (٤) بقوله: (وشجرها)، والأصل في تحريم صيد المدينة وشجرها ما في الصحيح أنه ﵊ قال: "إني لأحرم ما بين لابَتَي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها" (٥)؛ أي: بين الحِرَار الأربع، وإليه أشار بقوله: (بين الحرار). ابن حبيب: إنما هذا في الصيد وأما في قطع الشجر فبريد في بريد (٦)، وقاله غيره ونص عليه مالك أيضًا (٧)، وإليه أشار بقوله (٨): (وَشَجَرِهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ) والمشهور ما قدمناه أن لا جزاء في صيد المدينة خلافًا لابن نافع، وعليه فيحرم أكله، وروى أشهب فيه الكراهة (٩).
_________________
(١) قوله: (والسلق والخس) يقابله في (ن): (الفستق والحمس).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٦.
(٣) قوله: (صيد) زيادة من (س).
(٤) قوله: (حرم مكة ولا جزاء شجر المدينة، وهو مراده) يقابله في (ن ٢): (في قطع شجر مكة ولا جزاء، كما أنه لا جزاء في شجرها على ما سبق، والتشبيه بين حرم المدينة وشجر مكة في تحريم الصيد وعدم الجزاء، وكذلك حكم شجر المدينة، وهو المراد).
(٥) أخرجه مسلم: ٢/ ٩٩٢، في باب فضل المدينة ، من كتاب الحج، برقم: ١٣٦٣، وابن أبي شيبة: ٧/ ٢٩٥، برقم: ٣٦٢٢٠، وعبد بن حميد، ص ٨١، برقم: ١٥٣، وأحمد: ١/ ١٨١، برقم: ١٥٧٣، وأبو يعلى: ٢/ ٥٨، برقم: ٦٩٩.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٥٠٣.
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ١٢٠.
(٨) قوله: ("بين الحرار" ابن حبيب إنما هذا في الصيد بقوله) زيادة من (س).
(٩) انظر: البيان والتحصيل: ٤/ ١٩.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
قوله: (وَالجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ بذَلِكَ) الأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقوله: (فقيهين) أَي: بذلك؛ إذ (١) لا يشترط أن يكونا فقيهين بجميع أبواب الفقه.
قوله: (مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ) الضمير عائد على الصيد؛ أي: والجزاء مثل الصيد، والمراد ما قاربه في الصورة والقدر، ولهذا كان في النعامة بدنة (٢) لقربها منها صورة وقدرًا، فإن لم يوجد مثله في القدر والصورة فالقدر كافٍ.
قوله: (أَوْ إِطعَامٌ) يشير إلى أن ذلك على التخيير، وهو قوله (٣) تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥].
قوله: (بقِيمَةِ الصَّيْدِ) أي أن المقوَّم هو الصيد المقتول لا عدله، فيقال: كم يساوي هذا الظبي (٤) الذي وجب فيه الجزاء؟ فإذا قيل عشرة أمداد من الحنطة أعطي ذلك للفقراء.
قوله: (يَوْمَ التَّلَفِ) أي: أن القيمة إنما تعتبر يوم التلف وهو الأصح، وقيل: يوم القضاء، وقيل: الأكثر من القيمتين (٥) من يوم القضاء إلى يوم الإتلاف.
قوله: (بِمَحَلِّهِ) أي: محل الإتلاف؛ يريد: إذا كان له هناك قيمة، فإن لم يكن له (٦) قيمة فالمعتبر أقرب الأماكن إلى محل الإتلاف، وإليه أشار بقوله: (وَإلا فَبِقُرْبِهِ) كسائر المتلفات.
قوله: (وَلا يُجْزِئُ بِغَيْرِهِ) يعني: أنه مطلوب ابتداء بأن يخرج بمحل التقويم، فإن أخرجه في غيره فمذهب المدونة عدم الإجزاء، ومذهب الموطأ الإجزاء.
قوله: (وَلا زَائِدٌ عَلَى مُدٍّ لِمِسْكِينٍ (٧» أي: لا يجزئ ذلك، وهو ظاهر الموطأ (٨)
_________________
(١) قوله: (إذ) زيادة من (س).
(٢) في (ن): (فدية).
(٣) في (ن ٢): (كقوله).
(٤) في (ن): (الطير).
(٥) قوله: (من القيمتين) زيادة من (س).
(٦) قوله: (له) ساقط من (س).
(٧) الذي في شفاء الغليل، لابن غازي، ص: ٢٤٦: (لكل مسكين).
(٨) انظر: الموطأ: ١/ ٣٥٥.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
والمدونة (١).
قوله: (قَالَ (٢) إِلا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فتَأْوِيلانِ) (٣) قال محمد: إن أصاب الصيد بمصر فأطعم في المدينة أجزأه بخلاف العكس (٤)، واختلف هل هو تفسير أو خلاف؛ وإليه أشار بقوله: (إِلا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فتَأْوِيلانِ) وقال أصبغ: يجزئ حيث شاء إذا أخرج (٥) على سعر البلد المحكوم فيه (٦).
قوله: (أوْ لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ وَكَمَّلَ لِكَسْرِهِ) هكذا قال في المدونة: وإنما وجب في كسر المد يوم (٧)؛ لأنه لا يمكن إلغاؤه، ولا يتبعض الصوم فلم يبقَ إلا جبره بالإكمال كالأيمان في القسامة.
قوله: (فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ) هذا مما لا إشكال فيه؛ لأن البدنة تقارب النعامة في القدر والصورة، وتقدير كلامه فالنعامة فيها (٨) بدنة أو نظيرتها بدنة، أو ففي النعامة بدنة.
قوله: (وَالْفِيلُ بِذَاتِ سَنَامَيْنِ) أي: وكذلك في الفيل بدنة ذات سنامين وهي البدنة الخراسانية، وقيل: قيمته طعامًا لغلاء عظامه ولا ينظر إلى شبع لحمه.
قوله: (وَحِمَارُ الْوَحْشِ وَبَقَرُهُ بَقَرَةٌ) أي: وفي كل من حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة. ابن شاس: وكذلك في الإبل بقرة (٩).
قوله: (وَالضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ شَاةٌ) أي: وفي الضبع شاة، وكذلك في الثعلب شاة، ولم يذكر ابن شاس في الضبع (١٠) خلافًا في ذلك (١١)، وحكى في الثعلب قولين أحدهما: أن
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٤.
(٢) قوله: (قَالَ) ساقط من (ز).
(٣) قوله: (قوله: "قال إلا أن يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فتَأْوِيلانِ") ساقط من (ن ٢).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٨٠.
(٥) في (ز): (خرج).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٨٠.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٤.
(٨) قوله: (فيها) زيادة من (س).
(٩) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٠٢.
(١٠) قوله: (في الضبع) زيادة من (س).
(١١) قوله: (في ذلك) ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٢٧٠ ]
فيه شاة، والآخر: قيمته طعامًا أو يصوم (١).
قوله: (كَحَمَامِ مَكَّةَ) أي: فإن فيه شاة لقضاء عثمان - ﵁ - (٢) بذلك، فإن لم توجد الشاة فقال مالك وعبد الملك: لا يخرج طعامًا بل يصوم عشرة أيام، وقال أصبغ: إن شاء صام أو أطعم قدر ما تُشْبع الشاة من الطعام، وإن أحب صام لكلِّ مدٍّ يومًا (٣).
قوله: (وَالْحَرَمِ) أي: وكذلك في حمام الحرم شاة وهو المشهور، وقاله مالك وابن الماجشون وأصبغ وهو مذهب المدونة (٤)، وقال ابن القاسم: فيه حكومة (٥).
قوله: (وَيَمَامِهِ) أي: في يمام مكة والحرم شاة، وفي المدونة: واليمام مثل الحمام (٦).
قوله: (بِلا حُكْمٍ) أي: فلا يحتاج في حمام مكة والحرم ولا في يمامهما (٧) إلى حُكْمِ حَكَمَيْن كغيرهما؛ لأن ذلك من باب الديات التي تَقَرَّرَ (٨) حكمها فلا يحتاج إلى إنشاء حكم في كل واقعة بل يقتصر فيه على ما ورد.
(المتن)
وَلِلْحِلِّ وَضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعٍ وَجَمِيعِ الطَّيرِ الْقِيمَةُ طَعَامًا، وَالصَّغِيرُ وَالْمَرِيضُ وَالْجَمِيلُ كَغَيْرِهِ، وَقُوِّمَ لِرَبِّهِ بِذَلِكَ مَعَهَا، وَاجْتَهَدَا، وَإنْ رُوِيَ فِيهِ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ فَتَأْوِيلانِ. وَإِنِ اخْتَلَفَا ابْتُدِئَ، وَالأَوْلَى كَوْنُهُمَا بِمَجْلِسٍ، وَنُقِضَ إِنْ
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٠٢.
(٢) أخرجه الشافعي، ص ١٣٥، برقم: ٦٤٤، بلفظ: "قدم عمر بن الخطاب - ﵁ - مكة فدخل دار الندوة في يوم الجمعة وأراد أن يستقرب منها الرواح إلى المسجد، فألقى رداءه على واقف في البيت فوقع عليه طير من هذا الحمام، فأطاره، فانتهزته حية فقتلته، فلما صلى الجمعة دخلت عليه أنا وعثمان بن عفان - ﵁ -، فقال: احكما على في شيء صنعته اليوم فقلت لعثمان بن عفان: كيف ترى في عنز ثنية عفراء تحكم بها على أمير المؤمنين؟ قال: إني أرى ذلك، فأمر بها عمر - ﵁ -". قال ابن حجر: "إسناده حسن"، وابن أبي شيبة: ٣/ ١٧٨، برقم: ١٣٢٢٢، بلفظ: "أول من فدى طير الحرم شاة عثمان"، وقال ابن حجر: فيه جابر وهو الجعفي ضعيف. انظر تفصيل ذلك في التلخيص الحبير: ٢/ ٥٩٩ وما بعدها.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٧٦.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٥١.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٧٦.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٥١.
(٧) قوله: (في يمامهما) يقابله في (س): (يمامها).
(٨) في (ز) و(ن ٢): (يقدر).
[ ٢ / ٢٧١ ]
تَبَيَّنَ الْخَطَأُ. وَفِي الْجَنِينِ وَالْبَيْضِ عُشْرُ دِيَةِ الأُمِّ وَلَوْ تَحَرَّكَ، وَدِيَتُهَا إِنِ اسْتَهَلَّ، وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ وَالصَّيْدِ مُرَتَّبٌ هَدْيٌ، وَنُدِبَ إِبِلٌ فَبَقَرٌ، ثُمَّ صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَصِيَامُ أَيَّامِ مِنًى بِنَقْصٍ بِحَجٍّ إِنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَلَمْ تُجْزِئْ إِنْ قُدِّمَتْ عَلَى وُقُوفِهِ، كَصَوْمٍ أَيْسَرَ قَبْلَهُ، أَوْ وَجَدَ مُسَلِّفًا لِمَالٍ بِبَلَدِهِ،
(الشرح)
قوله: (وَلِلْحِلِّ وَضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعِ وَجَمِيعِ (١) الطَّيْرِ الْقِيمَةُ طَعَامًا) أي: والواجب في حمام الحل وما ذكره معه القيمة طعامًا، وقد نص فى المدونة على ذلك فى الضب واليربوع والأرنب وشبهه (٢)، وقال ابن وهب: فى الضب شاة (٣)، وقاله أيضًا مالك في اليربوع والأرنب (٤).
قوله: (وَالصَّغِيرُ وَالمَرِيضُ وَالجَمِيلُ كَغَيْرِهِ) يريد أن الصغير من الصيد (٥) كالكبير والمريض كالسليم (٦) والجميل كغيره (٧)، فقوله: (كغيره) أي: فى الثلاثة؛ يريد: وكذلك الأنثى كالذكر (٨).
قوله: (وَقُوِّمَ لِرَبِّهِ بِذَلِكَ مَعَهَا) يشير إلى أن من قتل بازيًّا معلمًا أو غيره مما فيه منفعة شرعية فإنه يقوم لربه (٩) بما فيه من المنفعة فيعطي القيمة على ما هو عليه ويخرج الجزاء، وإلى هذا أشار بقوله: (معها) أي: مع القيمة التي وجبت جمعًا بين حق الله تعالى وحق الآدمي وهو المشهور، وقيل: لا جزاء عليه.
قوله: (وَاجْتَهَدَ، وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ) الضمير فى الموضعين عائد على الجزاء، وأحدهما
_________________
(١) في (ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١): (فَجَمِيعِ).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٠.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٧٩.
(٤) انظر: المنتقى: ٣/ ٤٣٨.
(٥) في (س): (المصيد).
(٦) في (س): (والسليم).
(٧) قوله: (كغيره) ساقط من (س).
(٨) قوله: (الأنثى كالذكر) يقابله في (س): (الذكر والأنثى).
(٩) قوله: ("مَعَهَا" يشير يقوم لربه) ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
متعلق بـ (اجتهد) والآخر بـ (روي)؛ أي أن الحكمين يجتهدان في الجزاء وإن روي فيه ما روي، قال في المدونة: ولا يكتفيان في الجزاء بما روي فيه وليبتدئا بالاجتهاد، ولا يخرجا باجتهادهما عن آثار من مضى (١)، يريد: مثل أن يخرجا عما وجب فيه القضاء ببدنة إلى شاة أو بالعكس.
قوله: (وَلَهُ أَنْ يَنتقِلَ، إِلا أَنْ يَلْتَزِمَ فتَأْوِيلانِ) أي: إذا خيره الحكمان في المثل والإطعام والصيام فاختار أحدها فحكما عليه به، ثم أراد بعد حكمهما أن ينتقل إلى غيره فله ذلك، وهو مذهب المدونة قال فيها: وإن حكما عليه بالجزاء فأراد بعد حكمهما أن يرجع إلى الإطعام أو الصيام فحكما عليه به هما أو غيرهما فذلك له (٢)، واختلف هل ذلك على ظاهره أم لا؟ فقال ابن الكاتب: إنما قال "له أن ينتقل" لأنه ألزم نفسه ذلك قبل أن يعرفه، ولو أنهما حكما عليه بالجزاء من النعم (٣) أو الطعام، وعرف مبلغ ذلك لزمه ولم يكن له أن يعدل إلى غيره. ابن محرز: وخالفه غيره من شيوخنا وحملوا ما في الكتاب على ظاهره (٤)، وإلى هذا أشار بالتأويلين، وحكى ابن شعبان ثالثًا: أنه لا ينتقل ويلزمه ما حكما به عليه (٥).
قوله: (وَإنِ اخْتَلَفَا ابْتُدِئَ) أي: إذا حكما ثم اختلفا فيما حكما به فإن غيرهما يبتدئ الحكم حتى يجتمعا على أمر واحد، وقاله في المدونة، قال في المدونة (٦): وليس له أن يأخذ بقول أرفقهما (٧)؛ أي: لأنه يصير كمن أخرج بقول واحد. اللخمي: ويجوز إذا ابتدأ غيرهما أن يكون أحدهما أحد الأولين.
قوله: (وَالأَوْلَى كَوْنُهُما بِمَجْلِسٍ) أي: ليطلع كل منهما على حكم صاحبه، قاله محمد (٨). سند: ولا بد من لفظ الحكم والأمر بالجزاء، ولا تكفي الفتوى ولا يكون
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٤.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٩.
(٣) قوله: (من النعم) ساقط من (ن).
(٤) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣١١.
(٥) انظر: التوضيح: ٣/ ١٧٠.
(٦) في (س) و(ن): (الموازية).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٩.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٧٩.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
القائل أحدهما (١).
قوله: (وَنُقِضَ إِنْ تبَيَّنَ الخَطَأُ) أي: ونُقض حكمُهما إن تبين خطؤه كما (٢) إذا حكما بشاة فيما فيه بدنة أو بقرة أو العكس، وقاله في المدونة ثم قال: ويوقف الحكم فيه (٣)، وقيل: إن وافق قول قائل لم ينتقض، وقال اللخمي: الاستحسان أنهما إن حكما ببقرة أو بدنة فيما فيه شاة أنه يجزئ، وإن حكما فيما فيه (٤) الطعام بالنعم لم يجزئ (٥).
قوله: (وَفي الجَنِينِ وَالْبَيْضِ عُشْرُ دِيَةِ الأُمِّ) أي: والواجب في الجنين عشر دية أمه، وكذلك حكم البيض وهو مذهب المدونة (٦)، وقيل: إنما فيه الحكومة، وقيل: كالأم، وقيل: هذا إن كان فيها فرخ وإلا صام أو أطعم مسكينًا.
قوله: (وَلَوْ تَحَرَّكَ) أي: الجنين وقاله في المدونة (٧)، وقال أشهب: فيه الجزاء كاملًا (٨).
قوله: (وَدِيَتُهَا إِنِ اسْتَهَلَّ) أي: والواجب في الجنين إذا استهل دية أمه؛ أي: جزاؤها.
قوله: (وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ وَالصَّيْدِ مُرَتَّبٌ وهدي) قد تقدم أن فدية الأذى وجزاء الصيد على التخيير، وأشار بهذا إلى أن ما عداهما مما وجب كتعدي الميقات أو ترك الجمار أو المبيت ليلة من ليالي منى أو لترك طواف أو غيره فعلى الترتيب.
قوله: (هَدْيٌ، وَنُدِبَ إبِلٌ فَبَقَرٌ) هذا بيان كون هذه الأمور على الترتيب، أي: فبسبب ذلك طولب أولًا بإخراج هدي، والأولى أن يكون من الإبل أو البقر، لأن المقصود هنا كثرة اللحم للفقراء بخلاف الأضحية.
قوله: (ثُمَّ صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) أي: فإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام كما قال الله تعالى:
_________________
(١) انظر: الذخيرة: ٣/ ٣٣٢.
(٢) قوله: (إن تبين خطؤه كما) زيادة من (س).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٩.
(٤) قوله: (فيه) ساقط من (س).
(٥) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٣٢٧.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٦.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٦.
(٨) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٠٢.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قوله: (مِنْ إِحْرَامِهِ) أي: من حين إحرامه بالحج إلى يوم النحر لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
قوله: (وَصِيَامُ (١) أَيَّامِ مِنًى بِنَقْصٍ بِحَجٍّ إِنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ (٢» أشار بهذا إلى أن موجب الهدي (٣) إن كان سابقًا على الوقوف كالتمتع والقران والفساد (٤) والفوات وتعدي الميقات، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج من حين الإحرام إلى يوم النحر كما تقدم، فإن أخرها إلى يوم النحر صام أيام التشريق وهي الثلاثة، وهذا معنى قوله: (وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى بِنَقْصٍ) أي: بسبب نقصٍ حَصَلَ في الحج. ابن شاس: وقيل: لا يصومها (٥) في أيام التشريق (٦)؛ إذ هي منهي عن صيامها وإنما يصوم ما بعدها.
قوله: (وَسَبْعَةً (٧)، إِذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى) هو كقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: من منى.
قوله: (وَلَمْ تُجْزِئْ (٨) إِنْ قُدِّمَتْ عَلَى وُقُوفِهِ) يعني أنه إذا صام الأيام السبعة قبل وقوفه بعرفة لم تجزه (٩)؛ لأنه صامها قبل وقتها. اللخمي: وظاهر المذهب نفي الإجزاء، وأرى (١٠) أن ذلك يجزئه؛ لأن التأخير توسعة لمكان سفره (١١)، ونحوه لابن وهب وابن حبيب (١٢).
_________________
(١) الذي في شفاء الغليل، لابن غازي، ص: ٢٤٦: (وصام).
(٢) قوله: (إِنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ) ساقط من (ن ٢).
(٣) قوله: (موجب الهدي) يقابله في (ز): (موجب الحج الهدي).
(٤) في (ن ٢): (الفاسد).
(٥) في (س): (يصومهما).
(٦) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣١٢.
(٧) في (ن ٢): (وسبع).
(٨) في (ن ٢): (تُجِزْ).
(٩) في (س): (يجزئ)، وفي (ز) و(ز ٢) و(ن) و(ن ١): (يجزئه).
(١٠) في (ن): (وروي).
(١١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٥٢.
(١٢) انظر: التوضيح: ٣/ ١٧٤.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
قوله: (كَصَوْمٍ أَيْسَرَ قَبْلَهُ) أي: وكذلك لا يجزئه الصوم إذا أيسر قبل الشروع فيه، وقاله (١) في المدونة (٢)؛ يريد: لأن الله تعالى إنما أباح الصوم لغير الواجد؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قوله: (أَوْ وَجَدَ مُسَلِّفًا لِمَالٍ بِبَلَدِهِ) هو كقوله في المدونة: ومن وجد من يسلفه فلا يصم (٣)، وليستلف إن كان موسرًا ببلده.
(المتن)
وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، وَوُقُوفُهُ بِهِ الْمَوَاقِفَ، وَالنَّحْرُ بمِنًى إِنْ كَانَ فِي حِجٍّ، وَوَقَفَ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ، كَهُوَ بِأَيَّامِهَا، وَإِلَّا فَمَكَّةُ، وَأَجْزَأَ إِنْ أُخْرِجَ لِحِلٍّ، كَأَنْ وَقَفَ بِهِ فَضَلَّ مُقَلَّدًا، وَنُحِرَ. وَفِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ بَعْدَ سَعْيِهَا ثُمَّ حَلَقَ، وَإنْ أَرْدَفَ لِخَوْفِ فَوَاتٍ أَوْ لِحَيْضٍ؛ أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ لِقِرَانِهِ، كَأَنْ سَاقَهُ فِيهَا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِمَا إِذَا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ. وَالْمَنْدُوبُ بِمَكَّةَ الْمَرْوَةُ، وَكُرِهَ نَحْرُ غَيْرِهِ كَالأُضْحِيَّةِ، وَإِنْ مَاتَ مُتَمَتِّعٌ فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ؛ إِنْ رَمَى الْعَقَبَةَ.
(الشرح)
قوله: (وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ) يريد أن من وجد الهدي قبل أن يستكمل الأيام الثلاثة فإنه يستحب له الرجوع إلى الهدي، وقاله مالك (٤). اللخمي: وهذا يحسن فيمن قدم الصوم على الوقت المضيق (٥).
قوله: (وَوُقُوفُهُ بِهِ الْمَوَاقِفَ) أي: ويستحب (٦) له أن يقف بالهدي المواقف؛ وهي عرفة والمزدلفة والمشعر الحرام.
قوله: (وَالنَّحْرُ بِمِنًى إِنْ كَانَ في حَجٍّ) أشار بهذا إلى أن للهدي محلين؛ أحدهما منى والآخر مكة، وأن شرط الهدي الذي ينحر بمنى أن يقف (٧) به بعرفة، وأن يكون في
_________________
(١) في (ن): (قال).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤١٤.
(٣) في (ز): صوم، وفي (ن ٢): (يصوم). وانظر: المدونة: ١/ ٤١٤.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٥٩.
(٥) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٤٩.
(٦) في (ن ٢): (واستحب).
(٧) في (س): (يوقف).
[ ٢ / ٢٧٦ ]
حج وأن ينحر في أيام منى. عياض: فمتى انخرم شرط منها لم يجزئ (١) النحر بمنى (٢)،
يريد: وإنما ينحر بمكة كما أشار إليه (٣) الشيخ بقوله: (وَإلا فَمَكَّةُ).
قوله: (وَوَقَفَ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ كَهُوَ) يريد به (٤): أنه لا فرق بين أن يقف بالهدي (٥) بعرفة ربُّه أو نائبه، ثم نبه على أن النائب هنا مقيد بأن يكون قد أذن له أن يوقفه عنه، فأقامه بمقام نفسه بقوله: (كهو).
قوله: (بِأيَّامِهَا) هو عائد على منى، والباء فيه للظرفية؛ أي: في أيام منى، وهو أحد الشروط السابقة.
قوله: (وَأَجْزَأَ إِنْ أُخْرِجَ لِحِلٍّ) يريد أن ما فات وقوفه من الهدي بعرفة فإنه ينحر بمكة بعد أن يخرج به من الحرم (٦)؛ يريد: إذا اشتراه من الحرم، وأما إن (٧) اشتراه من الحل (٨) فإنه يجزئه ذلك، وقاله في المدونة (٩).
قوله: (كَأَنْ وَقَفَ بِهِ فَضَلَّ مُقَلَّدًا، وَنُحِرَ) يريد (١٠): أن الهدي إذا أوقفه صاحبه فضلَّ بعد ذلك وهو مقلَّد فإنه يجزئه وينحر؛ أي: بمنى إن وجده في أيام منى وإلا فبمكة، قاله في المدونة (١١).
قوله: (وَفي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ بَعْدَ سَعْيِهَا ثُمَّ حَلَقَ (١٢» أي: والهدي الواجب في العمرة ينحر بمكة بعد كمال السعي بالمروة، قال في المدونة: ومن اعتمر في أشهر الحج وساق
_________________
(١) قوله: (لم يجزئ) يقابله في (ن): (أولم يجد).
(٢) انظر: إكمال المعلم: ٤/ ٢٨٤.
(٣) قوله: (أشار إليه): في (ن ٢): (وإليه أشار).
(٤) قوله: (به) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٥) قوله: (يقف بالهدي) يقابله في (س): (يوقف الهدي).
(٦) قوله: (من الحرم) يقابله في (ن ٢): (إلى الحل).
(٧) في (ن ٢): (لو).
(٨) قوله: (وأما إن اشتراه من الحل) زيادة من (س) و(ن ٢).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٤١٦.
(١٠) في (س): (يعني).
(١١) انظر: المدونة: ١/ ٤١١.
(١٢) قوله: (بَعْدَ سَعْيِهَا ثُمَّ حَلَقَ) زيادة من (ن ٢).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
هديًا معه وطاف لعمرته وسعى فلينحره في مكة (١) إذا أتم سعيه ثم يحلق أو يقصر ويحل (٢).
قوله: (وَإنْ أَرْدَفَ لِخَوْفِ فَوَاتٍ أَوْ لِحَيْضٍ، أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ لِقِرَانِهِ) يعني أن من ساق هديًا تطوعًا في عمرته ثم خشي إن تشاغل بعملها فاته الحج، أو تخشى المرأة الفوات للحيض فإنهما يحرمان بالحج ويصيران قارنين، ويجزئهما ذلك لقرانهما.
قوله: (كَأَنْ سَاقَهُ فِيهَا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ) أي: وكذلك يجزئه الهدي إذا ساقه في العمرة ثم حج من عامه عن متعته، وذكر في المدونة في إجزاء ذلك روايتين، وأن الذي رجع إليه مالك الإجزاء (٣).
قوله: (تُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِما إِذَا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ) هو (٤) تأويل عبد الحق وغيره، وتأولوا القول بالإجزاء على ذلك، فقال عبد الحق: معنى مسألة المتمتع الذي أخر نحر هديه إلى يوم النحر أنه ساقه ليجعله عن متعته فلما وجب بالتقليد والإشعار قبل أن يتعين عليه الدم للمتعة حمله محمل التطوع في أحد القولين، ولذلك لم يجزئه عما وجب عليه، وقال مرة: يجزئه إذا كان تطوع الحج يجزئ عن واجبه في غير وجه، فكيف بهذا الذي لم يقصد التطوع وقصد الواجب (٥).
قوله: (وَالْمَنْدُوبُ بِمَكَّةَ الْمَرْوَةُ) يعني أنه (٦) يستحب لمن نحر هديه بمكة ألا يعدل عن المروة لما ورد في ذلك.
قوله: (وَكُرِهَ نَحْرُ غَيْرِهِ كَالأُضْحِيَّةِ) يريد أن الأولى للمهدي أن يلي نحر هديه ويباشره بنفسه كما في الأضحية، ويكره له أن يستنيب غيره فيهما (٧)، فإن نحره عنه غيره أجزأه.
_________________
(١) قوله: (في مكة) زيادة من (ن ٢).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٠٩.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤١٠.
(٤) في (ن ٢): (هذا).
(٥) انظر: التوضيح: ٣/ ١٨٤ و١٨٥.
(٦) قوله: (أنه) زيادة من (ن).
(٧) في (س) و(ن ٢): (فيها).
[ ٢ / ٢٧٨ ]
قوله: (وَإنْ مَاتَ مُتَمَتِّعٌ فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، إِنْ رَمَى الْعَقَبَةَ) يريد أن المتمتع إذا مات بعد أن رمى جمرة العقبة فالهدي من رأس ماله؛ لأنه حصَّل معظم الأركان مع أحد التحللين فكان كمن شارف (١) على فراغ العبادة فيلزمه الهدي لذلك، فأخرج من رأس ماله، وهو قول ابن القاسم، وقال سحنون: لا شيء في ثلثه ولا شيء (٢) في رأس ماله على الورثة إلا أن يختاروا (٣). ومفهوم قوله: (إِنْ رَمَى الْعَقَبَةَ) أنه لو مات قبل رميها لا شيء عليه، وهو المشهور؛ لأنه لم (٤) يحصل له شيء من التحللين، وقيل: يخرج الهدي أيضًا من ماله، وهذا إذا مات بعد الوقوف بعرفة، فلو مات قبله فلا شيء على ورثته (٥).
(المتن)
وَسِنُّ الْجَمِيعِ وَعَيْبُهُ كَالضَّحِيَّةِ، وَالْمُعْتَبَرُ حِينُ وُجُوبِهِ وَتَقْلِيدِهِ، فَلا يُجْزِئُ مُقَلَّدٌ بِعَيْبٍ وَلَوْ سَلِمَ، بِخِلافِ عَكْسِهِ إِنْ تَطَوَّعَ بِهِ. وَأَرْشُهُ وَثَمَنُهُ فِي هَدْيٍ إِنْ بَلَغَ، وَإلَّا تَصَدَّقَ بِهِ. وَفِي الْفَرْضِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَيرٍ. وَسُنَّ إِشْعَارُ سُنُمِهَا مِنَ الأَيْسَرِ لِلرَّقَبَةِ مُسَمِّيًا، وَتَقْلِيدٌ، وَنُدِبَ نَعْلانِ بِنَبَاتِ الأَرْضِ، وَتَجْلِيلُهَا وَشَقُّهَا إِنْ لَمْ تَرْتَفِعْ، وَقُلِّدَتِ الْبَقَرُ فَقَطْ؛ إِلَّا بِأَسْنِمَةٍ لا الْغَنَمُ. وَلَمْ يُؤْكَلْ مِنْ نَذْرِ مَسَاكِينَ عُيِّنَ مُطْلَقًا عَكْسُ الْجَمِيعِ فَلَهُ إِطْعَامُ الْغَنِيِّ وَالْقَرِيبِ، وَكُرِهَ لِذِمِّيٍّ
(الشرح)
قوله: (وَسِنُّ الجَمِيعِ وَعَيْبُهُ كالضَّحِيَّةِ) يريد أن السن المطلوب في الأضحية يطلب هنا في الإبل والبقر والغنم، وأن العيب الذي لا تجزئ معه الأضحية لا يجزئ معه الهدي وسيأتي ذلك.
قوله: (وَالْمُعْتَبَرُ حِينَ وُجُوبِهِ وَتَقْلِيدِهِ) يريد أن المعتبر من السن والعيب إنما هو حين وجوب الهدي وتقليده ولهذا قال في المدونة: ومن قلد هديه وأشعره وهو لا يجزئه لعيب به فلم يبلغ محله حتى زال ذلك العيب لم يجزئه، وعليه بدله إن كان مضمونًا، ولو قلده سالمًا ثم حدث به ذلك قبل محله أجزأه (٦)، وإليه أشار بقوله: (فَلا يُجْزِئُ مُقَلَّدٌ
_________________
(١) في (س): (شارفه).
(٢) قوله: (ولا شيء) ساقط من (س).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٦٧ و٣٦٨، والبيان والتحصيل: ٣/ ٤١٠.
(٤) قوله: (لم) زيادة من (س).
(٥) قوله: (على ورثته) يقابله في (ن ٢): (لورثته).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤١١.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
بِعَيْبٍ وَلَوْ سَلِمَ، بِخِلافِ عَكْسِهِ).
قوله: (إِنْ تَطَوَّع بِهِ) أي: إذا قلده سليمًا (١) ثم تعيب فإنه يجزئه في التطوع، يريد وعليه بدله في الواجب إذا كان مضمونًا، نص عليه غير واحد.
قوله: (وَأَرْشُهُ وَثَمَنُهُ فِي هَدْيٍ إِنْ بَلَغَ، وَإلَّا تَصَدَّقَ بِهِ (٢» يريد: أنه يجعل ما يأخذه (٣) من أرش هدي (٤) التطوع في هدي إن بلغ وإلا تصدق به وكذلك ثمنه؛ أي: إذا استحق فرجع (٥) بثمنه، وقال ابن القاسم: إذا استحق فعليه (٦) بدله ويجعل (٧) ما يرجع به من ثمنه في هدي كما يفعل فيما يرجع به من عيب (٨)، ابن يونس، وروى أشهب عن مالك أنه يصنع بقيمة عيبه ما شاء، وقاله ابن القاسم في المجالس، وقال أصبغ: إن كان عيبًا يجزئ في الهدي وإلا أبدله كله وإن كان تطوعًا، وصوبه ابن المواز (٩).
قوله: (وَفي الْفَرْضِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَيْرٍ) أي: وإن كان الهدي واجبًا استعان بما يأخذه في (١٠) ثمن هدي غيره (١١)، وقاله في المدونة (١٢).
قوله: (وَسُنَّ إِشْعَارُ سُنُمِهَا مِنَ الأَيْسَرِ لِلرَّقَبةِ مُسَمِّيًا، وَتَقْلِيدٌ) لا إشكال أن التقليد والإشعار من سنة الهدي في الإبل إذا كان لها أسنمة، وقد ورد ذلك عنه ﵇ في غير حديث (١٣)،
_________________
(١) في (ن ٢): (سالما).
(٢) قوله: (بِهِ) ساقط من (س).
(٣) في (ن ٢): (يأخذ).
(٤) قوله: (هدي) زيادة من (س).
(٥) في (ن ٢): (فيرجع).
(٦) قوله: (فعليه) ساقط من (س).
(٧) في (ن ٢): (ويجعله).
(٨) في (س) و(ن ٢): (عيبه). وانظر: المدونة: ١/ ٤١٠.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٥٠، الجامع، لابن يونس، ص: ١٦٦١.
(١٠) في (ز): (من).
(١١) في (ز): (وغيره).
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٧٨.
(١٣) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٢/ ٦٠٨، في باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم، من كتاب الحج، برقم ١٦٠٨، ومسلم: ٢/ ٩١٢، في باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام، من كتاب الحج=
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وفي الموطأ عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان (١) إذا أهدى قلَّد هديه وأشعره يوجِّهُ به (٢) للقبلة ويقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر (٣)، وكان إذا طعن في سنام هديه قال: بسم الله والله أكبر (٤)، وهذا هو المشهور، وعن مالك أن الإشعار من الجانب الأيمن (٥)، وقال محمد: يشعر في أي الشقين شاء (٦)، وإن كانت الإبل غير مسنمة فظاهر المدونة جواز الإشعار أيضًا (٧)، وفي كتاب محمد: لا تشعر (٨)؛ لأنه تعذيب فيقتصر فيه على ما ورد، والمشهور أنه من الرقبة إلى المؤخر، وقال ابن حبيب: الإشعار طولًا (٩).
قوله: (وَنُدِبَ نَعْلانِ بِنَبَاتِ الأَرْضِ) يريد أنه يستحب لمن قلد هديه أن يعلق في عنقه نعلين، وقاله في الموطأ (١٠) والمدونة وغيرهما، والنعل الواحد كافٍ، وإذا علق ذلك في عنق الهدي فليكن الحبل من نبات الأرض كما قال، وقال ابن حبيب: لا فرق بين نبات الأرض وغيره (١١)، واختاره اللخمي، وحكى في الجواهر قولًا بكراهة التقليد بالنعال والأوتار (١٢).
_________________
(١) = برقم ١٢٤٣. بلفظ: "خرج النبي - ﷺ - من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد النبي - ﷺ - الهدي وأشعر وأحرم بالعمرة".
(٢) قوله: (كان) زيادة من (س).
(٣) قوله: (يوجه به) يقابله في (ز): (بوجهه)، وفي (ن ٢): (ويوجهه)، والمثبت من (س).
(٤) ذكره البخاري معلقًا: ٢/ ٦٠٧، في باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم، من كتاب الحج، ووصله مالك: ١/ ٣٧٩، في باب العمل في الهدي حين يساق، من كتاب الحج، برقم: ٨٤٨، والبيهقي في الكبرى من طريقه: ٥/ ٢٣٢، في باب الاختيار في التقليد والإشعار، من كتاب الحج، برقم: ٩٩٥١.
(٥) صحيح، أخرجه مالك: ١/ ٣٧٩، في باب العمل في الهدي حين يساق، من كتاب الحج، برقم: ٨٤٩.
(٦) انظر: الكافي: ١/ ٤٠٢.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٤٠.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٥.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٤١.
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٤١.
(١١) انظر: الموطأ: ١/ ٣٧٩، برقم: ٨٤٨.
(١٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٤٢.
(١٣) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٠٨.
[ ٢ / ٢٨١ ]
قوله: (وَتَجْلِيلُهَا) أي: ومما يستحب تجليل الهدايا، وقد كان (١) ابن عمر يجللها بالقباطي والأنماط والحلل ثم يبعث بها (٢) إلى الكعبة فيكسوها إياها (٣)، والمستحب عند مالك شق الجلال عن الأسنمة إلا أن تكون مرتفعة عن الأسنمة (٤)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَشَقُّهَا إِنْ لَمْ تَرْتَفِعْ) أي: فإن ارتفعت فلا.
قوله: (وَقُلِّدَتِ الْبَقَرُ فَقَطْ، إِلا بِأَسْنِمَةٍ) يريد أن البقر إذا لم يكن لها أسنمة فليس إلا التقليد، وإن كان لها أسنمة أشعرت أيضًا؛ لأنها حينئذٍ تشبه الإبل، وقيل: إن الإبل والبقر تشعر وإن لم يكن لها أسنمة.
قوله: (لا الْغَنَمُ) فلا تشعر ولا تقلد، فأما عدم إشعارها فلا خلاف فيه، وأما عدم تقليدها فهو المشهور خلافًا لابن حبيب.
قوله: (وَلَمْ يُؤْكَلْ مِنْ نَذْرِ مَسَاكِينَ عُيِّنَ مُطْلَقًا) يريد أن المعين من الهدي نذرًا للمساكين لا يجوز الأكل منه مطلقًا؛ أي: سواء بلغ محله أم لا.
قوله: (عَكْسُ الجَمِيعِ) أي: فيجوز في جميع الهدايا مطلقًا، يريد: إلا ما يستثنيه بقوله: (إِلَّا نَذْرًا لَمْ يُعَيَّنْ) إلى آخر كلامه، وعلى هذا فيؤكل من هديٍ وَجَبَ عليه لنقص في حج أو عمرة كهدي التمتع والقران وتعدي الميقات وترك الرمي أو المبيت بمزدلفة أو منى أو ترك الطواف وشبه ذلك، والمشهور في هدي الفساد كذلك، وفي كتاب محمد: لا يؤكل (٥)، وحيث جاز له الأكل من الهدي فله أن يطعم منه الغني والقريب ويكره للذمي، وإليه أشار بقوله: (فَلَهُ إِطْعَامُ الْغَنِيِّ وَالْقَرِيبِ، وَكُرِهَ لِذِّمِيٍّ).
(المتن)
إِلَّا نَذْرًا لَمْ يُعَيَّنْ، وَالْفِدْيَةَ وَالْجَزَاءَ بَعْدَ الْمَحِلِّ، وَهَدْيَ تَطَوُّعٍ إِنْ عَطِبَ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَتُلْقَى قَلائِدُهُ بِدَمِهِ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ، كَرَسُولِهِ، وَضَمِنَ فِي غَيْرِ الرَّسُولِ بِأَمْرِهِ
_________________
(١) في (ز): (قال).
(٢) قوله: (بها) ساقط من (ن ٢).
(٣) صحيح، أخرجه مالك: ١/ ٣٧٩، في باب العمل في الهدي حين يساق، من كتاب الحج، برقم: ٨٤٩، وابن أبي شيبة: ٣/ ٤٤٣، في باب في البيت ما كان كسوته، من كتاب الحج، برقم: ١٥٨١٨.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٤٠.
(٥) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٠٩.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
بِأَخْذِ شَيءٍ، كَأَكْلِهِ مِنْ مَمْنُوعٍ بَدَلَهُ، وَهَلْ إِلَّا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ فَقَدْرُ أكلِهِ؟ خِلافٌ. وَالْخِطَامُ وَالْجِلالُ كَاللَّحْمِ، وَإِنْ سُرِقَ بَعْدَ ذَبْحِهِ أَجْزَأَ، لا قَبْلَهُ، وَحُمِلَ الْوَلَدُ عَلَى غَيْرٍ، ثُمَّ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَإنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ لِيَشْتَدَّ، فَكَالتَّطَوُّعِ.
(الشرح)
قوله: (إِلا نَذْرًا لَمْ يُعَيَّنْ، وَالْفِدْيَةَ وَالجَزَاءَ بَعْدَ الْمَحِلِّ) أي: إلا (١) نذر المساكين الذي لم يعين وفدية الأذى وجزاء الصيد فإنه لا يؤكل منه بعد المحل، يريد: وأما قبله فله ذلك، وقد علمت أن هذا مخرج من قوله: (عكس الجميع) أي (٢): فإنه يأكل من جميع الهدايا إلا هذه الأشياء الثلاثة بعد محلها فلا يأكل منها، وله ذلك قبله وهو المشهور ولمالك في المبسوط: لا ينبغي أن يأكل من فدية الأذى وجزاء الصيد، فإن فعل فلا شيء عليه (٣)، وفي المدونة: استحباب (٤) ترك الأكل من نذر المساكين (٥).
قوله: (وَهَدْيَ تَطَوُّعٍ إِنْ عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ) أي: وكذلك لا يجوز أن يأكل من هدي التطوع إذا عطب قبل محله، يعني (٦): وأما إن عطب بعده فلا بأس بالأكل منه، قال في المدونة: لأنه غير مضمون وليس عليه بدله، فإن أكل منه أبدله (٧).
قوله: (فَتُلْقَى قَلائِدُهُ (٨) بِدَمِهِ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ) يريد: أن هدي التطوع إذا عطب قبل محله فإن مهديه ينحره ثم يلقي قلائده في دمه ويخلي بينه وبين الناس يأكلونه، وهكذا ورد في حديث الموطأ أنه ﵊ أمر بذلك (٩)، ونحوه في
_________________
(١) في (ز): (لا).
(٢) قوله: (أي) زيادة من (س).
(٣) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٠٩.
(٤) قوله: (استجاب) ساقط من (ن).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤١٠.
(٦) قوله: (يعني) زيادة من (س).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤١١.
(٨) في (ز) والمطبوع من مختصر خليل: (قلادته).
(٩) أخرجه مسلم بنحوه: ٢/ ٩٦٢، في باب ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق، من كتاب الحج، برقم: ١٣٢٥، ومالك مرسلًا: ١/ ٣٨٠، في باب العمل في الهدي إذا عطب أو ضل، من كتاب الحج، برقم: ٨٥١، ووصله أبو داود: ١/ ٥٤٧، في باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ، من كتاب المناسك، برقم: ١٧٦٢، والترمذي: ٣/ ٢٥٣، في باب إذا عطب الهدي ما يصنع به، من كتاب=
[ ٢ / ٢٨٣ ]
المدونة (١)، وأشار بقوله: (كَرَسُولِهِ) إلى أن حكم الرسول في الأكل من الهدي والتصدق وفي إلقاء القلائد والتخلية بين الناس وبينه كصاحبها، وقاله في المدونة وزاد: ولا يأكل منه الرسول وإن أكل لم يضمن (٢).
قوله: (وَضَمِنَ فِي غَيْرِ الرَّسُولِ بِأَمْرِهِ، بِأَخْذِ شَيْءٍ كَأَكْلِهِ مِنْ مَمْنُوعٍ) يريد أن صاحب الهدي إذا كان معه فأمر أحدًا بأخذ شيء من الهدي الذي لا يجوز له (٣) الأكل منه فإنه يضمن، وكذلك إذا أكل منه، وأما الرسول يأمر بذلك أو يأكل منه فإنه لا يضمن؛ لأنه أجنبي كما أشار إليه، وقد تقدم ذلك عن المدونة.
قوله: (بَدَلَهُ (٤» هو معمول و(ضَمِنَ)؛ أي: يضمن بدله وهو كقوله في المدونة: فإن أكل أو أمر بأكلها أو بأخذ شيء من لحمها فعليه البدل (٥).
قوله: (وَهَلْ إِلا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ، فَقَدْرُ أَكْلِهِ؟ خِلافٌ) أي: هل (٦) حكم البدل عام في نذر المساكين المعين وغيره أو هو خاص بغير المعين وأما المعين فالواجب عليه قدر ما أكل في ذلك خلاف بين الأشياخ (٧)؟ والذي شهره ابن الحاجب أن عليه في ذلك قدر ما أكل (٨)، وهو قول ابن القاسم في المدونة (٩)، وشهر في الكافي وجوب البدل (١٠).
قوله: (وَالخِطَامُ وَالجِلالُ كَاللَّحْمِ) أي: فليس له أن يأخذ شيئًا من ذلك ولا يأمر
_________________
(١) = الصوم، برقم: ٩١٠، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه: ٢/ ١٠٣٦، في باب في الهدي إذا عطب، من كتاب المناسك، برقم: ٣١٠٦، والنسائي في الكبرى: ٢/ ٤٥٤، في باب كيف يفعل بالبدن إذا زحفت فنحرت، من كتاب الحج، برقم: ٤١٣٧.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤١٥.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤١٥.
(٤) قوله: (له) زيادة من (س).
(٥) في (ز): (ببدله).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤١٥.
(٧) قوله: (هل) زيادة من (س).
(٨) قوله: (أو هو خاص بغير المعين وأما المعين فالواجب عليه قدر ما أكل في ذلك خلاف بين الأشياخ) زيادة من (ن ٢).
(٩) انظر: جامع الأمهات ٣٠٣.
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٣.
(١١) انظر: الكافي: ١/ ٤٠٣.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
بأخذه في (١) الهدي الممنوع من أكل لحمه، فإن أمر أحدًا بأخذ شيء من ذلك أو أخذ هو (٢) شيئًا رده، وإن أتلفه غرم قيمته للفقراء، وإن لم يكن ممنوعًا من أكل لحمه فله ذلك.
قوله: (وَإنْ سُرِقَ بَعْدَ ذَبْحِهِ أَجْزَأَ، لا قَبْلَهُ) يريد الهدي الواجب، وأما التطوع فلا بدل على صاحبه وإن سرق قبل الذبح، وقاله في المدونة (٣). أبو الحسن الصغير: ونذر المساكين المعين كالتطوع.
قوله: (وَحُمِلَ الْوَلَدُ عَلَى غَيْرٍ ثُمَّ عَلَيْهَا وَإلَّا فَلا (٤)، وَإنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ ليَشْتَدَّ، فكَالتَّطَوُّعِ (٥» يريد أن من أهدى ناقة أو بقرة أو شاة فولدت معه فإنه يحمل ولدها على غيرها إن وجد ما يحمله عليه، فإن لم يجد حمله عليها، فإن لم يمكن ذلك لضعفها أو خشية هلاكها فلا. ابن يونس: ويتكلف حمله من ماله، وإن باعه أو نحره فعليه بدله هديًا كبيرًا واجبًا، وقاله ابن القاسم، وقال أبو عمران: إذا لم يستطع حمله على حاله نَحَرَه بذلك الموضع ويصير كهدي تطوع عطب قبل محله إذا كان في فلاة أو حضر ولا يجد من يحتفظ به ولا يرتجي حياته (٦)، وإلى هذا أشار بقوله: (فَإنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ ليَشْتَدَّ، فكَالتَّطَوُّعِ) أي: فكهدي التطوع، وهذا كله إذا ولدت الهدية بعد التقليد أو الإشعار، وأما إذا ولدت قبل التقليد أو الإشعار فإنه يستحب له (٧) ذبح ولدها معها (٨)؛ لأنها كالأضحية إذا ولدت بخلاف ما إذا ولدت بعد نية الهدي (٩) التقليد أو الإشعار فإنه يجب (١٠) لتعيين أمه بذلك.
_________________
(١) في (س): (من).
(٢) قوله: (هو) زيادة من (س).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٢.
(٤) قوله: (وَإلَّا فَلا) ساقط من (س).
(٥) قوله: (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ ليَشْتَدَّ، فَكَالتَّطَوُّعِ) ساقط من (ز) و(ن ٢).
(٦) انظر: الجامع، لابن يونس: ١٦٦٤.
(٧) قوله: (له) ساقط من (س).
(٨) قوله: (الهدية بعد التقليد ذبح ولدها معها) يقابله في (ن ٢): (قبله فإنه يستحب له ذبح ولدها).
(٩) قوله: (نية الهدي) زيادة من (ن).
(١٠) قوله: (يجب) ساقط من (س).
[ ٢ / ٢٨٥ ]
(المتن)
وَلا يَشْرَبُ مِنَ اللَّبَنِ وَإنْ فَضَلَ، وَغَرِمَ إِنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ الأُمَّ أَوِ الْوَلَدَ مُوجَبَ فِعْلِهِ، وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا بِلا عُذْرٍ، فَلا يَلْزَمُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ، وَنَحْرُهَا قَائِمَةً أَوْ مَعْقُولَةً. وَأَجْزَأَ إِنْ ذَبَحَ غَيْرُهُ عنه مُقَلَّدًا، وَلَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ إِنْ غَلِطَ، وَلا يُشْتَرَكُ فِي هَدْيٍ، وَإنْ وُجِدَ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ إِنْ قُلِّدَ، وَقَبْلَ نَحْرِهِ نُحِرَا مَعًا إِنْ قُلِّدَا وَإلَّا بِيعَ وَاحِدٌ.
(الشرح)
قوله: (وَلا يَشْرَبُ مِنَ اللَّبَنِ وَإنْ فَضَلَ) إنما لم يشرب منه، لأنه خرج عن ملكه بالتقليد والإشعار وحين (١) خرجت الرقبة عن ملكه (٢) خرجت المنافع عن ملكه، ولأن في شربه من (٣) ذلك نوعًا من العود في الصدقة، ولأن ذلك يضعفها ويضعف ولدها، وقوله (٤): (وَإنْ فَضَلَ) هو كذلك (٥) في المدونة (٦).
قوله: (وَغَرِمَ إِنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ الأُمَّ أَوِ الْوَلَدَ مُوجَبَ فِعْلِهِ) ابن القاسم: فإن أضر بولدها حتى مات فعليه بدله مما يجوز في الهدي، وحكى بعضهم قولًا بإباحة الشرب من لبنها، ولابن القاسم في الموازية الكراهة، محمد: إلا أن يضرها (٧) ترك الحلاب (٨) فتحلب بقدر (٩) ذلك، وأجاز مالك شربه للضرورة (١٠).
قوله: (وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا بِلا عُذْرٍ) أي: وأما مع العذر فلا، ولمالك إباحة الركوب غير الفادح من غير ضرورة (١١). اللخمي: ولا يحمل عليها زاده ولا شيئًا يتعبها به (١٢)،
_________________
(١) في (ز ٢): (حيث).
(٢) في (ن ٢): (مالكه).
(٣) قوله: (من) ساقط من (ز ٢).
(٤) في (ن ٢): (قوله).
(٥) في (س): (كقوله).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٧٩.
(٧) في (ن) و(ن ٢): (يضر بها).
(٨) في (ن ٢): (الجلاب).
(٩) قوله: (بقدر) ساقط من (ن ٢).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٥٤ و٤٥٥.
(١١) انظر: الموطأ: ١/ ٣٧٨، برقم: ٨٤٧، وانظر: المنتقى: ٣/ ٥٤٢ و٥٤٦.
(١٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٤٧.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وذكر ابن الجلاب أنه يحمل عليها زاده للضرورة (١).
قوله: (فَلا يَلْزَمُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ) أي: فإذا ركبها لعذر فلا يلزمه النزول إذا زال تعبه واستراح، وقاله في المدونة (٢)، وفي الجلاب: إذا استراح نزل (٣).
قوله: (وَنَحْرُهَا قَائِمَةً أَوْ مَعْقُولَةً) أي: وكذلك يستحب نحر البدنة (٤) قائمة على قوائمها الأربع أو معقولة يدها اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها، وهكذا (٥) روي عنه ﵊ وعن أصحابه (٦).
قوله: (وَأَجْزَأَ إِنْ ذَبَحَ غَيْرُهُ عنه مُقَلَّدًا) يريد أن غير المهدِي إذا نحر عنه هديه أجزأ عن صاحبه إذا كان مقلَّدًا، وأما غير المقلد فلا.
قوله: (وَلَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ إِنْ غَلِطَ) أي: وكذلك يجزئ ما ذبحه غيره عنه (٧)، ولو نوى ذلك الذابح عن نفسه إذا كان فعله ذلك غلطًا، وهذا هو المشهور بخلاف المتعدي؛ لأن الغالط قصد القربة، وقال ابن المواز: يجزئ ولو نوى عن نفسه تعديًا؛ لأنه وجب بالتقليد (٨) والإشعار، وقال أشهب: لا يجزئ ولو غلط (٩).
قوله: (وَلا يُشْتَرَكُ في هَدْيٍ) أي: تطوعًا كان أو واجبًا، وكذلك النذر والجزاء
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٢١٥.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٨٠.
(٣) انظر: التفريع: ١/ ٢١٥.
(٤) في (ن ٢): (الهدية).
(٥) في (س): (وهذا).
(٦) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٢/ ٦١٢، في باب نحر الإبل مقيدة، من كتاب الحج، برقم ١٦٢٧، ومسلم: ٢/ ٩٥٦، في باب نحر البدن قيامًا مقيدة، من كتاب الحج، برقم ١٣٢٠. بلفظ: "أن ابن عمر - ﵁ - أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركة فقال: ابعثها قيامًا مقيدة سنة نبيكم - ﷺ -"، وأخرجه أبو داود بلفظه: ١/ ٥٤٩، في باب كيف تنحر البدن، من كتاب المناسك، برقم: ١٧٦٧ بلفظ: "أن النبي - ﷺ - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها".
(٧) قوله: ("مُقَلَّدًا" يريد أن غير المهدي إذا نحر عنه هديه إِنْ غَلِطَ) أي: وكذلك يجزئ ما يذبحه غيره عنه) ساقط من (س).
(٨) في (ن ٢): (التقليد).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٢٩.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
والفدية، وأهل البيت في ذلك والأجانب سواء، وقاله كله في المدونة (١)، وعن مالك جواز الاشتراك في هدي التطوع دون غيره (٢).
قوله: (وَإنْ وُجِدَ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ، إِنْ قُلِّدَ) أي: إن الهدي إذا ضل عن صاحبه فأبدله، وبعد نحر البدل وجد الضال فإنه أيضًا ينحر الضال إن كان مقلدًا؛ لأنه قد تعين بالتقليد، فإن وجده قبل نحر البدل نحرهما معًا إن كانا مقلدين، وإليه أشار بقوله: (وَقَبْلَ نَحْرِهِ نُحِرَا، إِنْ قُلِّدَا).
قوله: (وَإلا بِيعَ وَاحِدٌ (٣» أي: فإن وجد الأول قبل نحر الثاني وكانا معًا غير مقلدين أو الأول مقلدًا دون الثاني أو العكس فإنه يبيع واحدًا منهما، يريد غير مقلد، ويذبح الآخر أو ينحره، وكذلك إذا نحر البدل ثم وجد الأول وكان غير مقلد فله بيعه ونحوه في المدونة (٤).
فصلٌ [في موانع الحج والعمرة بعد الإحرام]
(المتن)
فَصْلٌ وَإِنْ مَنَعَهُ عَدُوٌّ، أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ لا بِحَقٍّ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَأَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوْتِهِ، وَلا دَمَ. بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ، وَلا دَمَ إنْ أَخَّرَهُ، وَلا يَلْزَمُهُ طَرِيقٌ مُخِيفَةٌ. وَكُرِهَ إبْقَاءُ إحْرَامِهِ إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا، وَلا يتَحَلَّلُ إنْ دَخَلَ وَقْتُهُ، وَإلَّا فَثَالِثُهَا يَمْضِي وَهُوَ تَمَتُّعٌ. وَلا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ وَلَم يَفْسُدْ بِوَطْءٍ، إنْ لَمْ يَنْوِ الْبَقَاءَ،
(الشرح)
(وَإِنْ مَنَعَهُ عَدُوٌّ أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ لا بِحَقٍّ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ) قال في المدونة: والمحصر بعدو غالب (٥) أو فتنة في حج أو عمرة يتربص ما رجي كشف ذلك، فإذا أيس أن يصل إلى البيت فليحل بموضعه حيث كان من البلاد في الحرم أو غيره، ولا
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٧.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٥٥.
(٣) في (ز): (وأخذ).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٨٢.
(٥) قوله: (غالب) زيادة من (س).
[ ٢ / ٢٨٨ ]
هدي عليه إلا أن يكون معه هدي فلينحره هناك ويحلق أو يقصر ويرجع إلى بلده (١)، فقوله: (وَإنْ مَنَعَهُ عَدُوٌّ) أي: من الكفار (أَوْ فِتْنَةٌ) أي: بين المسلمين، وقوله: (أوْ حَبْسٌ لا بِحَقٍّ) يريد أن المسجون إذا حبس ظلمًا فإنه يحل حيث كان من المواضع كالمحصر بعدو، وقاله في المدونة (٢)، وقيل: لا يحله إلا البيت سواء سجن بحق أم لا، والباء في (بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) للظرفية، وأشار به إلى أن المنع في (٣) تمام الحج والعمرة سواء.
قوله: (إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ) أي: إنما يجوز له التحلل إذا لم يعلم بالعدو أي (٤) بأن (٥) كان طارئًا بعد الإحرام أو متقدمًا ولم يعلم. اللخمي: أو علم وكان يرى أنه لا يضره (٦)، وقد أحرم ﵊ والمشركون (٧) بمكة وهو يرى أنهم لا يمنعونه فلما منعوه حل (٨)، قال: وإن علم أنهم (٩) يمنعونه لم يحل (١٠)؛ يريد: لأنه ألزم نفسه ذلك مع العلم. محمد: وكذلك إن شك فمنعوه لم يحل إلا أن يشترط ذلك (١١).
قوله: (وَأَيِسَ (١٢) مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوْتِهِ (١٣» يعني أنه لا يجوز له التحلل إلا بعد الإياس (١٤) من زوال المانع، يريد: إما بعلم أو غلبة ظن، وإن كان يرى (١٥) أنه يذهب
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٣٩٨.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٣٩٨.
(٣) في (س) و(ن ٢): (من).
(٤) قوله: (أي) زيادة من (س).
(٥) في (ن ٢): (فإن).
(٦) في (ن): (يصده).
(٧) قوله: (والمشركون) ساقط من (ن).
(٨) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٢/ ٦٤١، في باب إذا أحصر المعتمر، من أبواب الإحصار وجزاء الصيد، برقم ١٧١٣، ومسلم: ٢/ ٩٠٣، في باب بيان جواز التحلل بالإحصار وجواز القران، من كتاب الحج، برقم ١٢٣٠. بلفظ: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي - ﷺ - هديه وحلق رأسه. واللفظ للبخاري.
(٩) زاد في (ز ٢): (لم).
(١٠) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٥٥، ١٢٥٦.
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٣٤.
(١٢) قوله: (وَأَيِسَ) ساقط من (ن ٢).
(١٣) في (ن ٢): (فواته).
(١٤) في (س): (اليأس).
(١٥) قوله: (يرى) ساقط من (س).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
قبل ذلك أو شك أمهل حتى يصير إلى وقت إن ترك لم يدرك فيحل، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا يحل إلا (١) يوم النحر (٢).
قوله: (وَلا دَمَ) هو (٣) المشهور، وقاله في المدونة (٤) كما سبق، وقال أشهب: عليه الدم (٥).
قوله: (بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ) أي: فله التحلل بنحر هديه وحلق رأسه، وهو كقوله في المدونة فيما تقدم: والتقصير كالحلق في ذلك (٦).
قوله: (وَلا دَمَ إِنْ أَخَّرَهُ) أي: إن (٧) أخر حلاقه؛ لأنه لما لم يقع في زمانه ومكانه كان تحللًا لا نسكًا، قال في المدونة: وإن أخر حلاقه حتى رجع إلى بلده حلق ولا دم عليه (٨).
قوله: (وَلا يَلْزَمُهُ طَرِيقٌ مُخِيفَةٌ) هكذا حكي (٩) عن عبد الملك فإنه قال: إذا منع العدو الطريق فليس عليه (١٠) أن يسلك في طريق آخر بالأثقال حيث لا يسلكه بها ولا يركب المخاوف، وإن لم يكن إلا هذا فهو (١١) محصور، وإن وجد طريقًا مأمونة معلومة وهي أبعد فليس بمحصور إن بقي من المدة ما يدرك فيها الحج (١٢).
قوله: (وَكُرِهَ إِبْقَاءُ إِحْرَامِهِ إِنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا) يريد أنه يكره لمن فاته الحج بأحد الوجوه السابقة أن يبقى على إحرامه إن قارب مكة أو دخلها، وقد نص في المدونة
_________________
(١) في (س) و(ن): (إلى).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٣٢.
(٣) في (س): (على).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٣٩٧.
(٥) انظر: جامع الأمهات ٢٩٨.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٣٨٧.
(٧) قوله: (إن) ساقط من (ز ٢).
(٨) انظر: تهذيب المدونة: ١/ ٥٨٠.
(٩) قوله: (حكي) ساقط من (ن ٢).
(١٠) في (ز ٢): (له).
(١١) في (ز): (فهذا).
(١٢) انظر: المنتقى: ٣/ ٤٧٣.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
على أنه إذا دخلها طاف وسعى وحل من إحرامه ولا يثبت عليه (١).
سند: يريد (٢) فيكره له التمادي على الإحرام (٣). وألحق اللخمي بمن دخل مكة من كان قريبًا منها (٤)، وقال ابن وهب: لا يجوز له (٥) البقاء على الإحرام فإن بقي لم يجزئه عن حجه.
قوله: (وَلا يَتَحَلَّلُ إِنْ دَخَلَ وَقْتُهُ) أي: فإن أراد البقاء على إحرامه ثم بدا له أن يتحلل فله ذلك ما لم تدخل أشهر الحج من العام الثاني (٦)، فإذا دخلت فلا.
قوله: (وَإلا فَثَالِثُهَا يَمْضِي وَهُوَ تَمَتُّعٌ) أي: فإن تحلل بعد دخول أشهر الحج من العام الثاني فهل يمضي تحلله أم لا؟ ثلاثة أقوال كما أشار إليه، وكلها منصوصة لابن القاسم، فقال أولًا (٧): يمضي تحلله (٨) ويصح (٩)، ثم قال: لا يمضي تحلله، وقال أيضًا يمضي ويكون متمتعًا، فقوله: (وَهُوَ تَمَتُّعٌ) من تمام القول الثالث، ولابن القاسم أيضًا أنه لا يكون متمتعًا (١٠).
قوله: (وَلا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ) يريد أن الفريضة لا تسقط عن المحصور إذا تحلل من إحرامه، وقال عبد الملك (١١) وأبو مصعب (١٢)، وابن سحنون: تسقط لأنه أتى بالمقدور وبذل (١٣) وسعه، وعن أبي بكر الثعالبي تلميذ ابن شعبان: يسقط وإن صد
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٣٩٧.
(٢) قوله: (يريد) زيادة من (س).
(٣) انظر: الذخيرة: ٣/ ٢٩٥.
(٤) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٢٥٩.
(٥) قوله: (له) زيادة من (س).
(٦) قوله: (من العام الثاني) ساقط من (س) و(ن ٢).
(٧) في (ن ٢): (ولا).
(٨) قوله: (أم لا؟ ثلاثة أقوال كما أشار إليه، وكلها منصوصة لابن القاسم، فقال أولًا: يمضي تحلله) ساقط من (س).
(٩) في (ز): (أويصح).
(١٠) قوله: (متمتعًا) ساقط من (ز ٢). وانظر: التوضيح: ٣/ ١٣٢.
(١١) انظر: المنتقى: ٣/ ٤٧٥.
(١٢) في (ز): (أبو مصعب وابن إسحاق).
(١٣) في (س): (أبدله)، وفي (ن ٢): (بدل).
[ ٢ / ٢٩١ ]
قبل الإحرام (١).
قوله: (وَلَمْ يَفْسُدْ بِوَطْءٍ، إِنْ لَمْ يَنْوِ الْبَقَاءَ) يريد أن من جاز له التحلل فلم يفعل حتى أصاب النساء لم يفسد (٢) حجه إذا نوى التحلل، وإن نوى البقاء على إحرامه لقابل فسد حجه وقضى.
(المتن)
وَإنْ وَقَفَ وَحُصِرَ عَنِ الْبَيْتِ فَحَجُّهُ تَمَّ، وَلا يَحِلُّ إِلَّا بِالإِفَاضَةِ، وَعَلَيْهِ لِلرَّمْيِ وَمَبِيتِ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ هَدْيٌ، كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ، وَإنْ حُصِرَ عَنِ الإِفَاضَةِ، أَوْ فَاتَ الْوُقُوفُ بِغَيْرٍ: كَمَرَضٍ أَوْ خَطَأ عَدَدٍ، أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ لَمْ يَحِلَّ إِلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ بِلا إِحْرَامٍ، وَلا يَكْفِي قُدُومُهُ، وَحَبَسَ هَدْيَهُ مَعَهُ إن لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ فَوَاتٍ. وَخَرَجَ لِلْحِلِّ إِنْ أَحْرَمَ بِحَرَمٍ، أَوْ أرْدَفَ، وَأَخَّرَ دَمَ الْفَوَاتِ لِلْقَضَاءِ، وَأَجْزَأَ إِنْ قُدِّمَ،
(الشرح)
قوله: (وَإِنْ وَقَفَ وَحُصِرَ عَنِ الْبَيْتِ، فَحَجُّهُ تَمَّ وَلا محلُّ إِلا بِالإِفَاضَةِ وَعَلَيْهِ لِلرَّمْيِ وَمَبِيتِ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ هَدْيٌ كَنِسْيَانِ الجَمِيعِ) يريد أن من حصر بعد (٣) وقوفه بعرفة فقد تم حجه ولا يحله من إحرامه إلا طواف الإفاضة، وعليه بجميع ما فاته من رمي الجمار والمبيت بالمزدلفة وبمنى هدي واحد كمن ترك الجمار كلها ناسيًا حتى زالت أيام منى فحجه تام وعليه هدي واحد، وهكذا نص عليه في المدونة (٤)، وحملها سحنون على ما إذا كان الحصر بمرض، وهو نص لمالك في الواضحة، ومثله لابن القاسم في موضع في (٥) الموازية (٦).
وفي موضع آخر أنه (٧) أحصر بعدو. أبو محمد: وقوله: (بعدو) أصوب (٨).
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٣/ ١٢٧.
(٢) قوله: ("بِوَطْءٍ، إِنْ لَمْ يَنْوِ الْبَقَاءَ" يريد أن من جاز له يفسد) ساقط من (س).
(٣) في (ز ٢): (قبل).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٧.
(٥) في (ز ٢): (من).
(٦) في (ن): (المدونة).
(٧) قوله: (أنه) ساقط من (ن ٢).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٣١.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
قوله: (وَإنْ حُصِرَ عَنِ الإِفَاضَةِ، أَوْ فَاتَ الْوُقُوفُ بِغَيْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ خَطَأ عَدَدٍ، أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ لَمْ يَحِلَّ إِلا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ) يريد أن من أحصر (١) عن طواف الإفاضة أو فاته الوقوف بغير الأشياء السابقة، كما لو مرض حتى فرغ الناس من حجهم أو حصل الخطأ في العدد ففاته الوقوف لأجل ذلك أو حبسه (٢) السلطان أو غيره بحق كدين ثبت (٣) بطريقه (٤)، فإنه لا يحل إلا بفعل (٥) عمرة فيطوف ويسعى ثم يحلق ويكفيه إحرامه الأول، ولهذا قال: (بِلا إِحْرَامٍ) ثم قال: (وَلا يَكْفِي قُدُومُهُ) أي: فإن كان أول ما دخل مكة طاف للقدوم فلا يكفيه ذلك، لأنه لم ينوِ به التحلل.
قوله: (وَحَبَسَ هَدْيَهُ مَعَهُ، إِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ) يعني أن المريض إذا كان معه هدي فإنه يحبسه معه رجاء أن يصح فينحره بعد بلوغه محله، فإن خاف عليه لطول مرضه أو (٦) نحوه بعثه إلى مكة لينحر بها، وإنما جعلنا كلامه خاصًّا بالمريض (٧)؛ لأنه كذلك في المدونة (٨)، ولأنه هو الذي يحبس هديه معه، وأما من أحصر (٩) بعدو فإنه ينحر هديه حيث كان كما تقدم.
قوله: (وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ فَوَاتٍ) يريد أن ما قلده أو أشعره قبل فوات الحج لا يجزئ عن هدي الفوات سواء بعثه إلى مكة أو تركه حتى أخذه بصحبته؛ لأنه وجب بالتقليد والإشعار لغير الفوات، فلا يجزئه عن الفوات.
قوله: (وَخَرَجَ لِلْحِلِّ إِنْ أَحْرَمَ بِحَرَمٍ، أَوْ أَرْدَفَ) يريد أن من فاته الوقوف وقد أحرم بالحج من الحرم أو أردفه في الحرم لا بد من خروجه إلى الحل ليحصل له في إحرامه الجمع بين الحل والحرم.
_________________
(١) في (ن ٢): (حصر).
(٢) في (س): (حبس).
(٣) قوله: (ثبت) ساقط من (ز ٢).
(٤) في (ن ٢): (طريقه) بإسقاط الباء.
(٥) في (ن): (بعمل).
(٦) في (ن ٢): (و).
(٧) في (ز): (بالمرض).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٤٤.
(٩) في (ن ٢): (حصر)، وقوله: (وأما من) يقابله في (ن): (وأن كان).
[ ٢ / ٢٩٣ ]
قوله: (وَأَخَّرَ دَمَ الْفَوَاتِ لِلْقَصاص، وَأَجْزَأَ إِنْ قُدِّمَ (١» إنما أمر بالتأخير ليتفق الجابر النسكي والجابر (٢) المالي، قال في المدونة: ولا ينحره إلا في حجة القضاء بمنى (٣)، فإن اعتمر بعد أن فاته الحج فنحر هدي الفوات في عمرته (٤) أجزأه، وهذا معنى قوله: (وَأَجْزَأَ إِنْ قُدِّمَ) وقد كان مالك يخففه ثم استثقله، ابن القاسم: لأنه قال (٥) ولا أحب له أن يفعل إلا بعد القضاء فإن فعل وحج أجزأ عنه (٦)، وعن أشهب: عدم الإجزاء (٧).
(المتن)
وَإِنْ أَفْسَدَ ثُمَّ فَاتَ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَإنْ بِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ تَحَلَّلَ وَقَضَاهُ ذونَهَا، وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ. لا دَمُ قِرَانٍ وَمُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ، وَلا يُفِيدُ -لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ- نِيَّةُ التَّحَلُّلِ بِحُصُولِهِ. وَلا يَجُوزُ دَفْعُ مَالٍ لِحَاصِرٍ إِنْ كَفَرَ، وَفِي جَوَازِ الْقِتَالِ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ.
(الشرح)
قوله: (وَإنْ أَفْسَدَ ثُمَّ فَاتَ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَإنْ بِعُمْرَةِ التَّحَلُّل تَحَلَّلَ (٨) وَقَضَاهُ دُونَهَا، وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ) يريد أن من أفسد حجه بوطء أو غيره ثم فاته أو فاته أَولًا ثم أفسده (٩) قبل أن يتحلل بعمرة التحلل (١٠) أو فيها، فإنه يتحلل ويقضي الحج في قابل ولا يلزمه قضاء العمرة، وإليه أشار بقوله: (دُونَهَا)؛ لأنها ليست عمرة في الحقيقة، وإنما هي تحلل بطواف وسعي بدليل عدم تجديد الإحرام لها، وعليه هدي للفساد وهدي للفوات (١١)، وهو مذهب المدونة (١٢)، وقيل (١٣) يسقط عنه دم الفساد إذا جامع ثم فاته الحج.
_________________
(١) قوله: (وَأَجْزَأَ إِنْ قُدِّمَ) ساقط من (ن ٢).
(٢) في (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١): (والجائر).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٥.
(٤) في (س): (عرفة).
(٥) قوله: (لأنه قال) زيادة من (ن ٢).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٥.
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ١٣٥.
(٨) قوله: (التَّحَلُّلِ تَحَلَّلَ) يقابله في (ز): (التحليل).
(٩) في (ز): (أفسد).
(١٠) قوله: (بعمرة التحلل) ساقط من (س).
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٢٥.
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٤١٠.
(١٣) في (ز): (وقد).
[ ٢ / ٢٩٤ ]
قوله: (لا دَمُ قِرَانٍ وَمُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ) أي: فإن اتفق الفساد والفوات لقارن أو متمتع (١) فلا شيء عليه للقران الفائت ولا للتمتع الفائت، ويكون عليه ثلاث (٢) هدايا للفساد والفوات والقران أو التمتع الثاني، وعن ابن القاسم في سقوط دم القران الفائت (٣) والمتعة الفائتة قولان؛ ما ذكره هنا وقول آخر بعدم سقوطه حكاه الباجي (٤).
قوله: (وَلا يُفِيدُ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ بِحُصُولِهِ) أي أن المريض إذا شرط عند إحرامه أنه متى حصل له عجز يتحلل أن تلك النية لا تفيده ولو حصل العجز ولا يتحلل، وكذلك المرأة إذا اشترطت عند الإحرام أنها إذا حاضت تحللت فلا يفيدها ذلك.
قوله: (وَلا يجوزُ دَفْعُ مَالٍ لِحَاصِرٍ إِنْ كَفَرَ) يريد أن الكافر إذا حصر المسلمين عن الحج أو عن دخول مكة لا يجوز أن يعطى مالًا ليمكنهم من ذلك لما فيه من الذلة، وفهم من قوله: (إِنْ كَفَرَ) أن ذلك يجوز إذا كان مسلمًا، وهو مقتضى (٥) أشياخنا المتأخرين.
قوله: (وَفي جَوَازِ الْقِتَالِ مُطْلَقًا ترَدُّدٌ) يريد أنه اختلف في جواز قتال الحاصر مطلقًا؛ أي: مسلمًا كان أو كافرًا، فقيل: لا يجوز لما في الصحيحين أنه ﵊ قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنه لم يُحَلُّ القتالُ فيه لأحدٍ قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار (٦) فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة (٧) " (٨)، وقد جاء أيضًا في
_________________
(١) قوله: (أو متمتع) يقابله في (ن ٢): (متعة).
(٢) قوله: (ثلاث) ساقط من (ز ٢).
(٣) قوله: (الفائت) زيادة من (س).
(٤) انظر: المنتقى: ٤/ ١٥.
(٥) في (س): (كلام قول).
(٦) قوله: (وإنه لم يُحِلَّ القتالَ فيه لأحدٍ نهار) ساقط من (ن) و(ن ١) و(ن ٢).
(٧) قوله: (فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة) زيادة من (س).
(٨) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٣/ ١١٦٤، في باب إثم الغادر للبر والفاجر، من أبواب الجزية والموادعة، برقم ٣٠١٧، ومسلم: ٢/ ٩٨٦، في باب تحريم مكة ، من كتاب تحريم الحج، برقم ١٣٥٣.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
الصحيحين: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا" (١).
ابن هارون: والصواب جواز قتاله (٢)، وفي الكافي: يخير في القتال وعدمه والتربص لأن يكشف الله تعالى ذلك عنه (٣).
(المتن)
وَلِلْوَليّ مَنْعُ سَفِيهٍ، كَزَوْجٍ فِي تَطَوُّعٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فَلَهُ التَّحْلِيلُ، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ كَالْعَبْدِ، وَأَثِمَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ، وَلَهُ مُبَاشَرَتُهَا كَفَرِيضَةٍ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، وَإلَّا فَلا إِنْ دَخَلَ، وَلِلْمُشْتَرِي -إِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ- رَدُّهُ لا تَحْلِيلُهُ، وَإِنْ أَذِنَ فَأَفْسَدَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِذْنٌ لِلْقَضَاءِ عَلَى الأَصَحِّ، وَمَا لَزِمَهُ عَنْ خَطَإٍ أَوْ ضَرُورَةٍ، فَإنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الإِخْرَاجِ، وَإِلَّا صَامَ بِلا مَنْعٍ، وَإِنْ تَعَمَّدَ فَلَهُ مَنْعُهُ، إِنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ.
(الشرح)
قوله: (وَلِلْوَلِيِّ مَنعُ سَفِيهٍ كَزَوْجٍ فِي تَطَوُّعٍ) يريد أن للولي أن يمنع السفيه من الحج، قال (٤) مالك: ولا يحج إلا بإذن وليه إن رأى وليه ذلك نظرًا أذن وإلا فلا (٥)، ثم قال: وكذلك المرأة مع زوجها، يريد في التطوع كما قال هنا، ومعنى ذلك أنها (٦) إذا أرادت أن تتطوع بالحج أو العمرة فإن لزوجها منعها من ذلك، ويجب عليها أن تطيعه فإن أحرم السفيه بغير إذن وليه أو المرأة بغير إذن الزوج فله التحليل، وإليه أشار بقوله: (وَإنْ لَمْ يَأْذَنْ فَلَهُ التَّحْلِيلُ) أي: فإن لم يأذن من له المنع فله تحليلهما (٧).
قوله: (وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ) أي: وعلى المرأة القضاء، يريد إذا أذن لها (٨) الزوج أو زالت العصمة، بخلاف السفيه فإنه لا قضاء عليه إذا حلله وليه، وقاله مالك (٩)، وقيل: لا
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري: ١/ ٥١، في باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، من كتاب العلم، برقم ١٠٤، ومسلم: ٢/ ٩٨٧، في باب تحريم مكة ، من كتاب الحج، برقم ١٣٥٤.
(٢) انظر: التوضيح: ٣/ ١٢٩.
(٣) قوله: (عنه) ساقط من (ن ٢). وانظر: الكافي: ١/ ٤٠٠.
(٤) في (س): (قاله).
(٥) انظر: التوضيح: ٣/ ١٤٤.
(٦) قوله: (أنها) زيادة من (س).
(٧) في (ز): (تحليلها).
(٨) قوله: (لها) زيادة من (ز ٢).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٤٩١.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
قضاء على المرأة أيضًا.
قوله: (كَالْعَبْدِ) أي: فإنه إذا أحرم بغير إذن سيده فإن له تحليله وعليه القضاء، يريد إذا أذن له سيده أو عتق، وهو المشهور، وقال أشهب وسحنون: لا قضاء عليه (١).
قوله: (وَأَثِمَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ) أي: فإن لم يقبل من أمر بالمنع (٢) من الإحرام من سفيه أو زوجة أو عبد فإنه يأثم، ونص عليه في الذخيرة (٣).
قوله: (وَلَهُ مُبَاشَرَتُهَا) أي: وللزوج مباشرة زوجته وإكراهها على ذلك؛ لأنها متعدية بمنعها من مباشرتها.
قوله: (كَفَرِيضَةٍ قَبْلَ الميقَاتِ) يريد أن المرأة إذا أحرمت بالفريضة قبل الميقات المكاني والزوج معها أو الميقات الزماني فله تحليلها ومباشرتها لتعديها في تقدم الإحرام ومنع الزوج من حقه، وقيده اللخمي بما إذا خرج معها، وأما إن خرجت دونه أو خرج وأحرم معها فليس له تحليل ولا مباشرة، ونبه بقوله: (قَبْلَ الميقَاتِ) أنها (٤) إذا أحرمت بعد الميقات ليس له تحليلها.
قوله: (وَإلا فَلا إِنْ دَخَلَ) يريد أن الزوج إذا أذن لها في التطوع أن تحرم به (٥) فليس له تحليلها إذا دخلت في الحج، وكذلك العبد وغيره إذا أحرم بإذن، ويقضى لهما على (٦) الزوج والسيد وغيره، واحترز بقوله: (إِنْ دَخَلَ) مما إذا أراد الرجوع في الإذن قبل الإحرام، فنص مالك على أن له ذلك في العبد (٧)، وقال سند: ظاهر الكتاب: ليس له المنع بعد الإذن وإن لم يحرم (٨)، ونبه بقوله (كفريضة قبل الميقات) أنها إذا أحرمت بها (٩)
_________________
(١) انظر: التوضيح، لخليل: ٣/ ١٣٧.
(٢) في (ز): (بالتمتع).
(٣) انظر: الذخيرة: ٣/ ١٨٦.
(٤) في (ن ٢): (لأنها).
(٥) قوله: (به) زيادة من (ن ٢).
(٦) قوله: (على) ساقط من (ز ٢).
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ١٣٩.
(٨) انظر: الذخيرة: ٣/ ١٨٣.
(٩) قوله: (بها) ساقط من (ن).
[ ٢ / ٢٩٧ ]
بعد الميقات ليس له تحليلها (١).
قوله: (وَللْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ (٢) رَدُّهُ لا تَحْلِيلُهُ) يريد أن العبد المحرم إذا باعه سيده فليس لمشتريه أن يحلله من إحرامه وإنما له إن شاء أن يرده على بائعه، وقال (٣) سحنون: يفسخ البيع (٤)، وعلى الأول إن علم المشتري فلا كلام له.
قوله: (وَإنْ أَذِنَ فَأَفْسَدَ (٥) لَمْ يَلْزَمْهُ إِذْنٌ لِلْقَضَاءِ عَلَى الأَصَحِّ) يريد أن السيد إذا أذن لعبده (٦) في الإحرام فأحرم ثم أفسده بجماع أو غيره فإن السيد لا يلزمه الإذن ثانية، وقاله أشهب وصوبه ابن المواز وقال أصبغ: يلزمه (٧)؛ لأن ذلك من آثار إذنه.
قوله: (وَمَا لَزِمَهُ عنْ خَطَإٍ أَوْ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ في الإِخْرَاجِ، وَإِلا صَامَ بِلا مَنْعٍ، وَإنْ تَعَمَّدَ فَلَهُ مَنْعُهُ إِنْ أَضَرَّ بِهِ في عَمَلِهِ) هكذا قال ابن شاس (٨)، ومراده بالخطأ؛ أي: إذا قتل صيدًا خطأ أو لزمته (٩) فدية لإماطة أذى من ضرورة أو فوات حج بغير عمد.
* * *
_________________
(١) قوله: (ونبه بقوله كفريضة قبل الميقات أنها إذا أحرمت بها بعد الميقات ليس له تحليلها) زيادة من (س).
(٢) قوله: (إِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٣) في (س): وكان.
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ١٣٩.
(٥) قوله: (فَأَفْسَدَ) في المطبوع من مختصر خليل: (فأفسده).
(٦) في (ن ٢): (لعبد).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٦١.
(٨) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٠٦.
(٩) قوله: (لزمته) زيادة من (ن).
[ ٢ / ٢٩٨ ]