فصلٌ في كيفية الذكاة]
(المتن)
بَابٌ الذَّكَاةُ قَطْعُ مُمَيِّزٍ يُنَاكِحُ تَمَامَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ مِنَ الْمُقَدَّمِ بِلا رَفْعٍ قَبْلَ التَّمَامِ. وَفِي النَّحْرِ طَعْنٌ بِلَبَّةٍ، وَشُهِرَ أَيْضًا الاِكْتِفَاءُ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ، وَالْوَدَجَيْنِ، وَإنْ سَامِرِيًّا، أَوْ مَجُوسِيًّا تَنَصَّرَ، وَذَبَحَ لِنَفْسِهِ مُسْتَحَلَّهُ وَإِنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ، إِنْ لَمْ يَغِبْ، لا صَبِيٍّ ارْتَدَّ وَذِبْحٍ لِصَنَمٍ، أوْ غَيْرِ حِلٍّ لَهُ إِنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنَا، وَإِلَّا كُرِهَ كَجِزَارَتِهِ، وَبَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ لِعِيدِهِ، وَشِرَاءِ ذِبْحِهِ، وَتَسَلُّفِ ثَمَنِ خَمْرٍ، وَبَيْعٍ بِهِ، لا أَخْذِهِ قَضَاءً، وَشَحْمِ يَهُودِيٍّ، وَذِبْحٍ لِصَلِيبٍ أَوْ عِيسَى، وَقَبُولِ مُتَصَدِّقٍ بِهِ لِذَلِكَ،
(الشرح)
(الذَّكَاةُ قَطْعُ مُمَيِّزٍ يُنَاكَحُ تَمَامَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ) يريد أن صفة الذبح قطع تمام الحلقوم والودجين، وظاهره عدم اشتراط قطع المريء، وهو المشهور وقاله في المدونة (١)، والحلقوم مجرى النفس، والودجان عرقان في صفحتي (٢) العنق، والمريء عرق أحمر تحت الحلقوم وهو مجرى الطعام والشراب.
قوله: (مُمَيِّزٍ) احترازًا من الصبي الذي لا ميز (٣) له، ومن المجنون والسكران لافتقار الذكاة إلى نية، واحترز بقوله: (يُنَاكَحُ) من المرتد والمجوسي (٤) والصابئ ونحوهم ممن لا تجوز مناكحته، وأشار بقوله: (مِن المُقَدَّمِ) إلى أن الذكاة المذكورة (٥) شرطها أن تكون من مقدم العنق احترازًا مما إذا ذبح من القفا أو من أحد جانبي العنق فإنها لا تؤكل، وقاله في المدونة (٦).
قوله: (بِلا رَفْعٍ قَبْلَ التَّمامِ) احترازًا مما إذا رفع يده قبل تمام الذكاة ثم عاد فأجهز فإنها لا تؤكل على تفصيل في ذلك، ولا خلاف أنه إذا أطال بعد الرفع ثم عاد أنها لا
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٣.
(٢) في (ن): (محفتي).
(٣) في (ن ٢): (تمييز).
(٤) قوله: (المجوسي) ساقط من (ن).
(٥) قوله: (المذكورة) ساقط من (ن).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٣.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
تؤكل إذا كانت قبل العود على حال لو تركت عليها لم تعش، وأما إن كانت تعيش لو تركت فإنها تؤكل، قاله ابن القصار (١)؛ لأن الثانية ذكاة مستقلة.
قوله: (وَفي النَّحْرِ طَعْنٌ بِلَبَّةٍ) يعني: وصفة الذكاة في النحر أن يطعن المذكي بالسكين أو غيرها من الآلات في لبة المذكَّى.
وفي المدونة: ما بين اللبة والمذبح منحر ومذبح (٢)، فإن نحر فجائز وإن ذبح فجائز (٣).
اللخمي: ولا يكفي الطعن في الحلقوم لبقاء الحياة بعد شقه (٤).
قوله: (وَشُهرَ أَيْضًا الاكْتِفَاءُ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ) وهو قول ابن القاسم وابن حبيب خلافًا لسحنون (٥).
قوله: (وَالْوَدَجَيْنِ) أي: ونصف الودجين وهو محتمل لمعنيين:
أحدهما: أن يقطع واحدًا منهما ويترك الآخر، وفيه رواية بالأكل ورواية بعدمه، قيل: وهو الأقرب لعدم إنهار الدم.
والثاني: أن يقطع من كل واحد منهما النصف فقط، فقد صدق عليه في كل صورة أنه قطع نصف الودجين، وقد اختلف في ذلك فعن عبد الوهاب عدم الإجزاء (٦)، وفي تبصرة ابن محرز: إن بقي اليسير لم يحرم (٧).
قوله: (وَإِنْ سَامِرِيًّا، أَوْ مَجُوسِيًّا تَنَصَّرَ) هو راجع إلى قوله: (مميز يناكح) يعني: تصح ذكاة المميز الذي يناكح وإن كان سامريًّا أو مجوسيًّا تنصر (٨)، ابن الفاكهاني في شرح الرسالة: والمذهب صحة ذكاة السامرية وهم صنف من اليهود وإن أنكروا بعث
_________________
(١) انظر: المنتقى: ٤/ ٢١١.
(٢) قوله: (ومذبح) زيادة من (س).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٣.
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٣٤، التبصرة، للخمي، ص: ١٥٢١.
(٥) انظر: المنتقى: ٤/ ٢٢٣ و٢٢٤.
(٦) انظر: المعونة: ١/ ٤٥٥.
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٣٦.
(٨) قوله: (هو راجع إلى قوله مجوسيًّا تنصر) ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٣٠٠ ]
الأجساد (١). وذكره غيره من الأشياخ. وأما المجوسي إذا تنصر فقد نص محمد على أكل ذكاته، وكذلك النصراني العربي (٢).
قوله: (وَذَبَحَ لِنَفْسِهِ مُسْتَحَلَّهُ) هو قيد فيمن تصح (٣) ذكاته من الكتابيين وغيرهم، واحترز بذلك مما إذا لم يذبح لنفسه بل ذبح لمسلم، ومما إذا ذبح ما لا يستحله وسيأتي ذلك.
قوله: (وَإنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ، إِنْ لَمْ يَغِبْ) يعني أن ذكاته تصح وإن أكل الميتة كالإفرنج (٤)، ولا بد من عدم (٥) غيبته عليها، ونص الباجي (٦) والقرافي على أن الإباحة مع عدم الغيبة (٧)، وعن ابن العربي إباحة ما قتلوه وإن رأينا ذلك؛ لأنه من طعامهم (٨).
قوله: (لا صَبِيٍّ ارْتَدَّ) أي: فإن ذبيحته لا تؤكل، وقاله في المدونة (٩)، وقيل: تؤكل؛ لأنه لا يقتل إذا ارتد قبل بلوغه، فردته كلا ردة.
قوله: (وَذِبْحٍ لِصَنَمٍ) أي: وكذلك لا يؤكل ما ذبح للصنم. ابن عبد السلام: ولا خلاف أنه حرام؛ لأنه مما أُهلَّ به لغير الله (١٠).
قوله: (أَوْ غَيْرِ حِلٍّ لَهُ إِنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنَا) أي: وكذلك لا يؤكل ما ذبحه الكتابي مما يرى أنه غير حلال له إن ثبت تحريمه عليه بشرعنا كذي الظفر، وهو المشهور وقاله في المدونة (١١)، خلافًا لابن وهب وابن عبد الحكم في الإباحة نظرًا إلى وجود الذكاة وقد نسخ بشرعنا شريعتهم (١٢)، وقيل: بالكراهة.
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٣/ ٢١٧.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٦٦.
(٣) في (س): (تحل).
(٤) في (س): (كالفرنج).
(٥) قوله: (عدم) ساقط من (ن).
(٦) في (ز ٢): (اللخمي).
(٧) في (ز): (الإباحة). وانظر: المنتقى: ٤/ ٢٢٠ و٢٢١، والذخيرة: ٤/ ١٢٤.
(٨) انظر: إرشاد السالك: ١/ ١٠٦.
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٢٥٦.
(١٠) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٢١.
(١١) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٤.
(١٢) قوله: (بشرعنا شريعتهم) يقابله في (ن ٢): (شرعنا شرعهم).
[ ٢ / ٣٠١ ]
قوله: (وَإلا كُرِهَ) أي: وإن ثبت تحريمه لا بشرعنا بل بإخباره فإنه يكره من غير تحريم كالطريفة (١)، وكان مالك يقول أولًا بالجواز ثم ثبت على الكراهة ولم يحرمه، والقولان في المدونة (٢).
قوله: (كَجِزَارَتهِ) أي: فإنها تكره، وسواء كان ذلك في الأسواق أو للمسلمين (٣) في بيوتهم؛ لأنه (٤) لا ينصحهم.
قوله: (وَبَيْعٍ) أي: وكذا يكره أن يكون بياعًا في الأسواق أو صيرفيًّا، "وقد أمر عمر - ﵁ - بإقامتهم من الأسواق كلها"، ويحتمل أن يكون مراده أنه (٥) لا يباح (٦) له شيء من الأنعام التي يذبحها لعيده كما قال في العتبية.
وروي عن مالك إجازته (٧)، ثم قال فيها: قيل لمالك: أيكري المسلم الدواب والسفن إلى أعيادهم، قال: تجنبهم أحب إليَّ (٨).
وفي المدونة: ولا يكري إبله أو (٩) سفينته لهذا (١٠).
ابن رشد: وهذا كما قيل أنه مكروه وليس (١١) بحرام (١٢)، وإليه أشار بقوله: (وَإِجَارَةٍ لِعِيدِهِ).
قوله: (وَشِرَاءِ ذِبْحِهِ) أي: وكذلك يكره الشراء من ذبيحته.
قوله: (وَتَسَلُّفِ ثَمَنِ خَمْرٍ، وَبَيْعٍ بِهِ، لا أَخْذِهِ قَضَاءً) هذا كقوله في المدونة: وإذا باع
_________________
(١) في (ن ٢): (الظرفية). والطريفة هي فاسدة الرئة الملتصقة بالظهر، كما فسرها الشراح. وانظر: شرح الخرشي: ٣/ ٦.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٤.
(٣) قوله: (الأسواق أو للمسلمين) يقابله في (ن): (في أسواق المسلمين).
(٤) قوله: (بيوتهم؛ لأنه) يقابله في (ن ٢): (سوقهم فإنه).
(٥) قوله: (أنه) ساقط من (ز ٢).
(٦) في (ن ٢): (يباع).
(٧) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٢٧٢.
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٢٧٦.
(٩) في (ن ٢): (ولا).
(١٠) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٢١.
(١١) في (س): (ليس).
(١٢) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٢٧٦.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
الذمي خمرًا بدينار كرهت للمسلم (١) أن يتسلفه منه أو يبيعه به شيئًا أو يأخذه هبة أو يعطيه فيه دراهم ويأخذه أو يأكل (٢) من طعام ابتاعه الذمي بذلك الدينار، وجائز أن يأخذه منه قضاء عن (٣) دين كما أباح الله تعالى أخذ الجزية منهم (٤).
قوله: (وَشَحْمِ يَهُودِيٍّ) هذا هو المشهور من قول ابن القاسم، وعنه أيضًا الإباحة وهو قول أشهب (٥) وابن نافع، ولمالك في الموازية قول بالمنع (٦).
قوله: (وَذِبْحٍ لِصَلِيبٍ، أَوْ عِيسَى) أي: ومما يكره أيضًا أكل ما ذبحه الكتابي للصليب أو لعيسى ﵇. ابن القاسم: وما ذبحوه وسموا عليه اسم المسيح فهو بمنزلة ما ذبحوا لكنائسهم (٧)، زاد ابن حبيب: وكذلك ما ذبحوه للصليب (٨).
وقال سحنون وابن لبابة: هو حرام؛ لأنه مما أهل به لغير الله، وذهب ابن وهب إلى جوازه من غير كراهة (٩).
قوله: (وَقَبُولِ مُتَصَدَّقٍ بهِ لِذَلِكَ) ابن عبد السلام: سئل مالك عن الطعام يتصدق به النصراني (١٠) عن موتاه فكره للمسلم قبوله، قال: لأنه يُعمل (١١) تعظيمًا لشركهم (١٢).
(المتن)
وَذَكَاةِ خُنْثَى وَخَصِيٍّ وَفَاسِقٍ. وَفِي ذَبْحِ كِتَابِي لِمُسْلِمٍ قَوْلانِ. وَجَرْحُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ وَحْشِيًّا، وَإنْ تَأنَّسَ عَجَزَ عَنْهُ إِلَّا بِعُسْرٍ. لا نَعَمٍ شَرَدَ، أَوْ تَرَدَّى بِكَوَّةٍ بِسِلاحٍ مُحَدَّدٍ، وَحَيَوَانٍ عُلِّمَ بِإرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ بِلا ظُهُورِ تَرْكٍ، وَلَوْ تَعَدَّدَ مَصِيدُهُ، أَوْ أَكَلَ،
_________________
(١) قوله: (للمسلم) ساقط من (ن)، وفي (ن ٢): (للمسلمين).
(٢) قوله: (يأكل) ساقط من (ن).
(٣) قوله: (عن) زيادة من (ن ٢).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٥٥٢.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٦٧ و٣٦٨.
(٦) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٨٩.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٥٣٦.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٦٨.
(٩) انظر: البيان والتحصيل: ابن رشد: ٣/ ٢٧٢.
(١٠) في (س): (النصارى).
(١١) قوله: (يُعمل) زيادة من (س).
(١٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٦٨.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
أَوْ لَمْ يُرَ بِغَارٍ، أَوْ غَيْضَةٍ، أَوْ لَمْ يَظُنَّ نَوْعَهُ مِنَ المُبَاحِ، أَوْ ظَهَرَ خِلافُهُ لا إِنْ ظَنَّهُ حَرَامًا، أَوْ أَخَذَ غَيْرَ مُرْسَلٍ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمُبِيحَ فِي شَرِكَةِ غَيْرِهِ كَمَاءٍ، أَوْ ضَرْبٍ بِمَسْمُومٍ، أَوْ كَلْبِ مَجُوسِيٍّ، أَوْ بِنَهْشِهِ مَا قَدَرَ عَلَى خَلاصِهِ مِنْهُ،
(الشرح)
قوله: (وَذَكَاةِ خُنْثَى، وَخَصِيٍّ، وَفَاسِقٍ) أي: وكذلك تكره ذكاة هذه الثلاثة، وقاله ابن رشد (١) وغيره، وعللت الكراهة في الأولين بأن ضعف قوتهما يمنع من وقوع الذكاة على وجهها، وأما في الفاسق ونحوه فلنقص دينه.
قوله: (وَفي ذَبْحِ كِتَابيٍّ لِمُسْلِمٍ قَوْلانِ) أي: في الصحة وعدمها وهما منصوصان لمالك، وينبني (٢) عليهما إبَاحة الأكل وعدمه (٣).
قوله: (وَجَرْحُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ وَحْشِيًّا، وَإنْ تَأَنَّسَ عَجَزَ عَنْهُ (٤» هذا أيضًا أحد أنواع الذكاة وهو العقر، والكلام فيه يتعلق بثلاثة أركان: الصائد والمصيد والمصيد به، فقوله: (مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ) إشارة إلى الصائد، واحترز بالمسلم من غيره فلا يصح من الكتابي على المشهور خلافًا لأشهب وابن وهب (٥)، واختاره الباجي (٦) واللخمي (٧) وابن يونس، وعن مالك الكراهة (٨) وهو قول ابن حبيب (٩)، ولا يصح من المجوسي قولًا واحدًا ولا يؤكل صيد الصابئ كذبيحته، واحترز بقوله: (مميز) من الصبي الذي لا (١٠) يعقل القربة والمجنون والسكران لاحتياج الصيد إلى نية، واحترز بقوله: (جرح) مما إذا مات من الخوف ونحوه فإنه لا يؤكل، وقوله: (وحشيًّا) (١١) هو إشارة إلى الصيد وهو
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٢٨٩ و٢٩٠.
(٢) في (ز): (ينبغي).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٦٥.
(٤) قوله: (وَإنْ تَأَنَّسَ عَجَزَ عَنْهُ) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٥٢.
(٦) انظر: المنتقى: ٤/ ٢٥٤.
(٧) قوله: (اللخمي) ساقط من (ن)، انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٤٩٠.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٥٣٦.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٥٢.
(١٠) قوله: (لا) زيادة من (ز ٢).
(١١) في (ن ٢): (وحشا).
[ ٢ / ٣٠٤ ]
الوحش المعجوز عنه، واحترز (١) به من الإنسي فإنه لا يؤكل لحمه (٢) بالعقر، وقال ابن حبيب: تؤكل به البقر نظرًا إلى أن لها أصلًا في التوحش، وكذلك يؤكل عنده بالعقر حمام البيوت والإوز إذا ندت بخلاف الدجاج؛ إذ ليس له أصل في التوحش (٣).
قوله: (وَإنْ تَأَنَّسَ) يريد: ثم ندَّ بعد ذلك وعجز عنه، ولهذا كان قوله: (عَجَزَ عَنْهُ) قيدًا في جميع ذلك.
قوله: (إِلا بِعُسْرٍ) أي (٤): في تحصيله، وظاهره أنه لو كان يقدر على إمساكه بلا مشقة فإنه لا يؤكل إلا بما يؤكل به الإنسي، وهو كذلك، لأنه مقدور عليه من غير كلفة فأشبه الإنسي.
قوله: (لا نَعَمٍ شَرَدَ أَوْ تَرَدَّى بِكُوَّةٍ) اعلم انه لا خلاف إذا ندَّت النعم أو الإبل (٥) أنها لا تؤكل بالعقر، وكذلك البقر على المشهور خلافًا لابن حبيب، وأما قوله: (أَوْ تَرَدَّى بِكُوَّةٍ) فيشير به إلى أن (٦) ما وقع في حفرة من النعم لا يجوز أكله بالعقر وهو المشهور، وقال ابن حبيب: إذا طعن في جنب أو كتف أو نحوه أكل (٧).
قوله: (بِسِلاحٍ مُحَدَّدٍ، وَحَيَوَانٍ عُلِّمَ) هذا هو الركن الثالث من أركان الصيد وهو ما يصاد به من سلاح أو حيوان، والباء في (بسلاح) متعلقة بقوله: (وجرح) أي: ومن شرط الجرح أن يكون بسلاح محدد أو حيوان معلم، فاحترز بالمحدد من مثل البندق والشرك والحبال إلا أن يأخذه مجتمع الحياة فيذكيه، وكذلك العصا ونحوها، وإنما اشترط في الحيوان التعليم لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤].
ابن حبيب: والتكليب التعليم (٨)، ولقوله ﵊: "إذا أرسلت كلبك
_________________
(١) قوله: (واحترز) زيادة من (س).
(٢) قوله: (لحمه) ساقط من (س).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٥٤.
(٤) قوله: (أي) ساقط من (س).
(٥) قوله: (النعم أو الإبل) يقابله في (س): (الإبل والغنم).
(٦) قوله: (أن) زيادة من (س).
(٧) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٨١.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٤١.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
المعلَّم" (١) فذكر التعليم، ولا يختص ذلك بالكلب بل كل ما يقبل التعليم كذلك. ابن شعبان: ولو سنورًا وابن عرس (٢). ابن حبيب: والنسر (٣) والنمس (٤) لا يقبلان التعليم (٥)، واشترط في المدونة في التعليم أمرين أن ينزجر إذا زجر وأن ينطاع إذا أرسل (٦)، واعتُرِض بأن الطير لا ينزجر.
قوله: (بِإرْسَالٍ مِنْ يَدِهِ) لما ذكر أن شرط الجارح التعليم نبه على أنه لا بد مع ذلك أن يرسله الصائد من يده فلو انبعث من غير إرسال لم يؤكل ما قتله؛ لقوله ﵊: "إذا أرسلت كلبك " (٧) الحديث، واختلف إذا انبعث بنفسه ثم أتبعه ربه بالإشلاء هل يؤكل ما قتله وهو قول أصبغ (٨)، أو لا وهو المشهور، أو يؤكل إن زاده ذلك قوة وهو قول عبد الملك (٩)، أو يؤكل إن كان حين الإرسال قريبًا منه وهو قول ابن حبيب (١٠).
قوله: (بلا ظُهُورِ تَرْكٍ) أي: ويشترط أيضًا في أكل ما قتله الجارح أن يكون على انبعاثه من حين أرسله ربه إلى حين أخذ الصيد، فلو أرسله ربه فاشتغل بأكل ميتة أو مع كلب آخر وقف معه ثم انبعث ثانيًا حتى أخذه فإنه لا يؤكل، أما إذا أرسله على جماعة فقتل منها واحدًا بعد واحد (١١) فإن اشتغاله بالأول لا يضر في جواز أكل الثاني، وهو
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري: ١/ ٧٦، في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، من كتاب الوضوء، برقم ١٧٣، ومسلم: ٣/ ١٥٢٩، في باب الصيد بالكلاب المعلمة، من كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، برقم ١٩٢٩.
(٢) انظر: المنتقى: ٤/ ٢٥٠.
(٣) في (ن ٢): (النمر).
(٤) في (ز): (والنمر).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٤٢، والمنتقى: ٤/ ٢٥٠ حيث ذكر النمر.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٥٣٢.
(٧) سبق تخريجه.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٤٨.
(٩) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٨٥.
(١٠) انظر: التوضيح: ٣/ ١٨٨.
(١١) قوله: (بعد واحد) ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٣٠٦ ]
مذهب المدونة (١)، وقيل: لا يؤكل، وإلى الأول أشار بقوله: (وَلَوْ تَعَدَّدَ مَصِيدُهُ) والفرق بين هذا وبين (٢) ما تقدم أنه في الأولى (٣) اشتغل بخلاف ما أرسل عليه ولا (٤) كذلك هنا، وقال محمد: إن قتل الجارح واحدًا بعد واحد أكل الأول فقط، وإن قتلهما دفعة أكلا معًا (٥)، ثم أشار إلى بقية الأمور التي لا تضر في الصيد ولا تؤثر في عدم أكله بقوله: (أَوْ أَكَلَ) أي: الجارح من الصيد فإنه لا يضر، وهو المشهور في الوحش، وأما في الطير فلا خلاف أن أكله من الصيد لا يضر.
قوله: (أَوْ لَمْ يُرَ بِغَارٍ، أوْ غَيْضَةٍ) يريد أن الصائد إذا لم ير الصيد لاختفائه عنه في غار أو غيضة فأرسل عليه الجارح فقتله فإنه يؤكل. المازري: وهو المشهور، ونص ابن الجلاب في مسألة الغار على الأكل (٦)، وقال سحنون: إذا أرسله وهو لا يدري أفيه شيء أم لا أنه لا يؤكل ولو نواه، وقال أشهب: لا يصح له أن ينوي ما لم يره من الصيد (٧).
قوله: (أَوْ لَمْ يَظُنَّ نَوْعَهُ مِنَ الْمُباحِ) يريد أن الصائد إذا أرسله على صيد ولم يظن جنسه ولا تحققه من أي أنواع المباح هو، يريد: مع علمه أنه ليس بمحرم فإنه يصح. ابن الحاجب: ولو أرسله ولا ظن صح على المشهور (٨)، ولم يحك اللخمي خلافه، وحكى ابن بشير قولين بالصحة وعدمها (٩).
قوله: (أَوْ ظَهَرَ خِلافُهُ) أي: وكذلك يصح إذا ظن نوعًا من المباح فأرسل عليه فإذا هو نوع غيره من المباح، وهو قول أشهب واختاره الأشياخ، وقال أصبغ: لا يصح (١٠)،
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٣٤.
(٢) قوله: (وبين) ساقط من (س).
(٣) في (س) و(ن ٢): (الأول).
(٤) في (ن ٢): (وليس).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٤٦.
(٦) انظر: التفريع: ١/ ٣١٢.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٤٩.
(٨) انظر: الجامع بين الأمهات: ٣١٤.
(٩) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٠٠.
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٤٧.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وقال ابن بشير: هو خلاف في حال أن قصد الذكاة مطلقًا صح وإلا فلا (١).
قوله: (لا إِنْ ظَنَّهُ حَرَامًا) أي: فإنه لا يؤكل إذا قتله الجارح ولو ألفاه مباحًا، وقاله في المدونة (٢).
قوله: (أَوْ أَخَذَ غَيْرَ مُرْسَلٍ عَلَيْهِ) أي: مثل أن يرسله على بقرة وحش فأخذ حمار وحش أو غيره من المباح، وقاله في المدونة ثم قال فيها: وإن أرسله على صيد لا يرى غيره ونوى ما صاد سواه، فليأكل ما صاده (٣).
قوله: (أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْمُبِيحَ في شَرِكَةِ غَيْرِهِ) أي: وكذلك لا يؤكل الصيد إذا لم يتحقق المبيح لأكله كما إذا اشترك مع المبيح لأكله ما أعان على (٤) قتل الصيد من أحد الأمور التي يذكرها؛ لأن الأمر إذا دار بين التحريم والحلية غلب التحريم، ثم أشار إلى الأمور التي لا يؤكل معها، فقال: (كَماءٍ) يريد: أن الجارح إذا ألجأ الصيد حتى دخل معه الماء ثم أخذه وقتله وهو في الماء أو رمى سهمًا على طير فوقع فيه فمات داخل الماء، ومثل ذلك ما إذا وقعت البهيمة في الماء فلم يقدر صاحبها أن يذبحها إلا ورأسها في الماء أنها لا تؤكل، وقاله في العتبية (٥).
قوله: (أَوْ ضُرِبَ بِمَسْمُومٍ) أي: رماه الصائد بسهم مسموم، قال مالك في العتبية فيمن رمى صيدًا بسهم مسموم فيدرك ذكاته: لا أرى أن يؤكل وإن ذكي، فقيل له: إن السم (٦) يجتمع في بضعة واحدة وتقطع، قال: لا أرى (٧) ذلك، ونهى عنه، وقال: أخاف أن يكون السم قتله ويخاف على من يأكل منه الموت، ونهى عنه، وقال سحنون: يؤكل (٨).
_________________
(١) انظر: الجامع بين الأمهات: ٣١٤.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٠.
(٣) قوله: (ما صاده) ساقط من (ن ٢)، و(ن). وانظر: المدونة: ١/ ٥٣٥.
(٤) قوله: (على) ساقط من (ن ٢).
(٥) قوله: (في العتبية) يقابله في (س): (ابن حبيب). وانظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٤٥.
(٦) في (ز): (السهم)، والمثبت من (ص) و(ز ٢)
(٧) في (ز): (أدري).
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٢٧٧.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
قوله: (أَوْ كَلْبِ مَجُوسِيٍّ) أي: وكذلك (١) لا يؤكل الصيد إذا اشترك (٢) في قتله كلب مسلم وكلب مجوسي، يريد: إذا كان المجوسي هو المرسل له، وأما لو أرسله المسلم من يده وهو معلم فإن الصيد يؤكل، وقاله في المدونة (٣)، وهو كذبحه بسكين المجوسي.
قوله: (أَوْ بِنَهْشِهِ (٤) مَا قَدَرَ عَلَى خَلاصِهِ مِنْهُ) يريد أن الصيد إذا مات من نهش الجارح والصائد يقدر على خلاصه منه فلم يفعل، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى مع، والضمير فيه وفي (منه) عائد على الجارح وفي (خلاصه) على الصيد، ولا بد في كلامه حينئذٍ من حذف، والتقدير: ولا يؤكل الصيد إذا اشترك في قتله ذكاة الصائد مع نهش الجارح المقدور على خلاصه منه، واحترز بذلك مما إذا لم يقدر على خلاصه (٥) منه ولم يفرط حتى مات بنفسه فإنه يؤكل إن بينه الجارح، قاله في المدونة (٦).
(المتن)
أَوْ إِغْرَاءٍ فِي الْوَسَطِ أَوْ تَرَاخَى فِي اتِّبَاعِهِ؛ إِلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لا يَلْحَقُهُ، أَوْ حَمَلَ الآلَةَ مَعَ غَيْرٍ، أَوْ بِخُرْجٍ، أَوْ بَاتَ أَوْ صُدِمَ، أَوْ عَضَّ بلا جُرْحٍ أَوْ قَصَدَ مَا وَجَدَ، أَوْ أَرْسَلَ ثَانِيًا بَعْدَ مَسْكِ أَوَّلَ، وَقَتَلَ، أَوِ اضْطَرَبَ فَأَرْسَلَ وَلمْ يُرَ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُضْطَرَبَ، وَغَيْرَهُ فَتَأْوِيلانِ.
(الشرح)
قوله: (أَوْ إِغْرَاءٍ في الْوَسَطِ) يريد: أن الكلب إذا انبعث على الصيد بنفسه ثم أغراه الصائد بعد ذلك فإنه لا يؤكل لقوله ﵊: "إذا أرسلت كلبك المعلم " (٧) الحديث، وظاهر ما هنا أن الإغراء هو المثير للشك وليس كذلك، بل هو المرجح جانب (٨) الإباحة، إلا أن يقال: لولا الإغراء لما شك في عدم أكله وفيه نظر؛ إذ يصير تقدير كلامه: ولا يؤكل الصيد إذا لم يتحقق المبيح بسبب إغراء الجارح في
_________________
(١) قوله: (وكذلك) ساقط من (س).
(٢) في (س): (أشرك).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٥٣٦.
(٤) في (ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١) و(ن ٢): (بنهشة).
(٥) في (ز): (صلاحه).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٥٣٧ و٥٣٨.
(٧) سبق تخريجه.
(٨) في (س): (من جانب).
[ ٢ / ٣٠٩ ]
الوسط، وما ذكره من أن الإغراء في الوسط لا يفيد (١) هو المشهور خلافًا لأصبغ، وقال عبد الملك: إن زاده قوة أكل وإلا فلا (٢)، وقد تقدم ذلك.
قوله: (أَوْ تَرَاخَى فِي اتِّبَاعِهِ، إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لا يَلْحَقُهُ) يريد أن الصائد إذا تراخى في اتباع الصيد حتى قتله الجارح لا يؤكل إلا أن يعلم أنه لا يدركه ولو جَدَّ في أثره؛ لأنه مع القدرة على إدراكه يشبه الإنسي الذي لا يؤكل بالعقر، بخلاف ما إذا علم أنه لا يدركه فإنه على أصله من جواز الأكل بالعقر، وهذا معطوف على قوله: (لَا إِنْ ظَنَّهُ حَرَامًا) وما بعده كذلك.
قوله: (أَوْ حَمَلَ الآلَةَ مَعَ غيْرٍ أَوْ بِخُرْجٍ) أي: وكذلك لا يؤكل الصيد إذا فرط الصائد في عدم ذكاته حتى مات (٣) بنفسه بأن وضع آلة الذبح في مكان يحتاج معه إلى طول، كما إذا كانت مع غيره أو في خرجه؛ إذ يطلب منه حملها (٤) في مكان يسهل تناولها منه ككمه وخفه وحزامه ويده.
قوله: (أَوْ بَاتَ) أي: عن صائده ثم وجده من الغد فيه أثر كلبه أو بازه أو وجد فيه سهمه وهو ميت، قال في المدونة: ولو أنفذت مقاتله الجوارح أو سهمه وهو فيه بعينه. مالك: وتلك السنة وهذا هو المشهور (٥). وقال أصبغ وابن عبد الحكم: يؤكل، وقال محمد: إن كان بسهم ووجده في مقتله أكله وإلا فلا، وقال عبد الملك: إن وجده منفوذ المقاتل أكل وإلا فلا (٦).
قوله: (أَوْ صُدِمَ، أَوْ عُضَّ بِلا جُرْحٍ) أي: وكذلك لا يؤكل الصيد إذا مات من صدم الكلب أو الجارح أو صدمه جبل من خوفه، أو مات من عض الكلب من غير جرح وهو المشهور، ولا خلاف أنه (٧) إن جرحه الجارح حتى أدماه (٨) أنه يؤكل.
_________________
(١) في (ز): (لا يقيد).
(٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٨٥.
(٣) في (س): (فات).
(٤) في (س): (جعلها).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٥٣٣.
(٦) قوله: (وقال عبد الملك: إن وجده منفوذ المقاتل أكل وإلا فلا) ساقط من (س). وانظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٤٤.
(٧) قوله: (أنه) ساقط من (ز ٢).
(٨) في (ن ٢): (أدما به).
[ ٢ / ٣١٠ ]
قوله: (أَوْ قَصَدَ مَا وَجَدَ) أي: لم يقصد شيئًا معينًا. بعض الأشياخ: ولا خلاف في المذهب أنه لا يباح الإرسال إلا (١) على صيد يقوم بين يديه، معناه: ويرسله على أن كل صيد وجده في طريقه أخذه، وهو مراد الشيخ هنا.
قوله: (أَوْ أَرْسَلَ ثَانِيًا بَعْدَ مَسْكِ (٢) أَوَّلَ، وَقتَلَ) أي: وكذلك لا يؤكل الصيد إذا أرسل عليه جارحًا (٣) فأمسكه ثم أرسل عليه (٤) ثانيًا فقتله الثاني؛ لأن الصيد بعد إمساك (٥) الأول لا يؤكل بالعقر، لأنه مقدور عليه حينئذٍ.
قوله: (أَوِ اضْطَرَبَ فَأَرْسَلَ وَلَمْ يُرَ إِلا أنْ يَنْوِيَ المُضْطَرَبَ، وَغَيْرَهُ فتَأْوِيلانِ) أي: وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح إذا اضطرب فأرسله ربه ولم يظهر له صيد إلا أن ينوي الصائد المضطرب عليه وغيره فإنه اختلف فيه، فقيل: يؤكل. ابن رشد: وهو معنى ما في المدونة في الذي يرسل كلبه على جماعة من الصيد وينوي إن كان وراءها جماعة أخرى لم يرها فيأخذ ما لم ير أنه يأكله. قال: ومن الناس من حمل ذلك على الخلاف لما في المدونة مثل قول أشهب أنه لا يصح أن ينوي في إرساله ما لم يره، والأول أظهر (٦)، وهذا معنى قوله: (فتأويلان).
(المتن)
وَوَجَبَ نِيَّتُهَا وَتَسْمِيَةٌ إِنْ ذَكَرَ. وَنَحْرُ إِبِلٍ، وَذَبْحُ غَيْرِهِ إِنْ قَدَرَ، وَجَازَا لِلضَّرُورَةِ، إِلَّا الْبَقَرَ فَيُنْدَبُ الذَّبْحُ كَالْحَدِيدِ، وَإحْدَادِهِ، وَقِيَامُ الإِبِلِ وَضَجْعُ ذِبْحٍ عَلَى الأَيْسَرَ وَتَوَجُّهُهُ، وَإِيضَاحُ الْمَحَلِّ، وَفَرْيُ وَدَجَي صَيْدٍ أُنْفِذَ مَقْتَلُهُ، وَفِي جَوَازِ الذَّبْحِ بالْعَظْمِ وَالسِّنِّ أوْ إِنِ انْفَصَلا، أَوْ بِالْعَظْمِ، وَمَنْعِهِمَا، خِلافٌ. وَحَرُمَ اصْطِيَادُ مَأْكُولٍ لا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ، إِلَّا بِكَخِنْزِيرٍ، فَيَجُوزُ كَذَكَاةِ مَا لا يُؤْكَلُ إِنْ أَيِسَ مِنْهُ،
(الشرح)
قوله: (وَوَجَبَ نِيَّتُهَا) الضمير عائد على الذكاة التي هي ذبح ونحر وعقر وهو
_________________
(١) قوله: (إلا) زيادة من (س).
(٢) في (ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (إِمْسَاكِ).
(٣) في (ز ٢): (جراحًا).
(٤) قوله: (عليه) زيادة من (س).
(٥) قوله: (إمساك) ساقط من (ن ٢).
(٦) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٢٧٥.
[ ٢ / ٣١١ ]
الاصطياد؛ أي: ووجب قصد الذكاة على كل تقدير فلو رمى بحجر أو غيره ولم ينوِ الاصطياد فوافق الإصابة فإنه لا يؤكل كما إذا ضرب شاة أو غيرها لا يريد ذبحها (١) فوافق الذبح أو النحر.
قوله: (وَتَسْمِيَةٌ إِنْ ذَكَرَ) يريد: في الأنواع الثلاثة، قال في المدونة: ولا بد من التسمية عند الرمي وعند إرسال الجوارح وعند الذبح (٢)، فإن نسي التسمية في ذلك كله أكل وسمى، وإن ترك التسمية عامدًا لم تؤكل (٣)، وظاهرها كما قال هنا أنها واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان، وعليه حملها بعض الأشياخ، ومنهم من حمل المدونة على أنها سنة.
قوله: (وَنَحْرُ إبِلٍ، وَذَبْحُ غَيْرِهِ، إِنْ قَدَرَ) أي: ووجب نحر الإبل وذبح غيرها مع القدرة، وأما مع الضرورة فيجوز الأمران في كل الحيوان، ولهذا قال: (وَجَازَا لِلضَّرُورَةِ).
قوله: (إِلا الْبَقَرَ فَيُنْدَبُ الذَّبْحُ) هو مستثنى من صدر المسألة، أي: ووجب في الإبل النحر وفي غيرها الذبح مع القدرة إلا البقر فإنه يجوز فيها الأمران، والمستحب الذبح.
قوله: (كَالْحَدِيدِ، وَإحْدَادِهِ) أي: ويندب ذبح البقر كما تندب الذكاة بالحديد، وكما يندب إحداده، أي: سنه لأنه أخف على الذبيحة، لقوله ﵇: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شفرته وليرح ذبيحته" (٤)، وأمر أن تُحدَّ الشِّفَار.
قوله: (وَقِيَامُ الإِبِلِ) أي: ومما يستحب في نحر الإبل أن تكون قائمة، لأنه أمكن للمذكي، ويريد: معقولة؛ لئلا تنفر فلا يستطيع ردها.
_________________
(١) في (ن ٢): (الذبح).
(٢) في (ن): (النحر).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٥٣٢، وتهذيب المدونة: ٢/ ٩.
(٤) أخرجه مسلم: ٣/ ١٥٤٨، في باب الأمر بإحسان الذبح ، من كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، برقم: ١٩٥٥، وأبو داود: ٢/ ١٠٩، في باب في النهي أن تصبر البهائم والرفق بالذبيحة، من كتاب الضحايا، برقم: ٢٨١٥، والترمذي: ٤/ ٢٣، في باب النهي عن المثلة، من كتاب الديات، برقم: ١٤٠٩، والنسائي: ٧/ ٢٢٧، في باب الأمر بإحداد الشفرة، من كتاب الضحايا، برقم: ٤٤٠٥، وابن ماجه: ٢/ ١٠٥٨، في باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، من كتاب الذبائح، برقم: ٣١٧٠.
[ ٢ / ٣١٢ ]
قوله: (وَضَجْعُ ذِبْحٍ عَلَى الأَيْسَرِ وَتَوَجُّهُهُ (١)، وَإِيضَاحُ المحَلِّ) الذبح بكسر الذال: هو ما يذبح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، وإنما استحب ضجعه على شقه (٢) الأيسر؛ لأنه أمكن للذابح، ولهذا قال ابن القاسم: إن الأعسر يضجعه على شقه الأيمن.
محمد: والسنة أن يكون إلى القبلة ورأسه مشرف (٣)، وتأخذ بيدك اليسرى جلدة حلقه من اللحي الأسفل بالصوف وغيره فتمد حتى تتبين البشرة (٤)، وهو معنى إيضاح المحل.
قوله: (وَفَرْيُ وَدَجَيْ صَيْدٍ أُنْفِذَ مَقْتَلُهُ) يريد: أنه يستحب للصائد إذا (٥) أدرك الصيد منفوذ المقاتل أن يفري أوداجه، قاله في المدونة وزاد فيها: فإن لم يفعل وتركه حتى مات أكله ولا شيء عليه (٦).
قوله: (وَفي جَوَازِ الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ وَالسِّنِّ أَوْ إِنِ انْفَصَلَا (٧)، أَوْ بِالْعَظْمِ، أَوْ مَنْعِهِمَا (٨) خِلافٌ) أي: وفي جواز الذبح بالعظم والسن مطلقًا، وهو قول ابن وهب عن مالك (٩) واختاره ابن القصار (١٠)، أو جوازه بهما إن انفصلا لا إن اتصلا؛ لأنه نهش وخنق، وهو قول مالك عند ابن حبيب (١١).
ابن رشد: وهو الصحيح (١٢)، أو إنما يجوز ذلك بالعظم دون السن وهو أيضًا عن
_________________
(١) قوله: (وَتَوَجُّهُهُ) في المطبوع من مختصر خليل: (وتوجيهه).
(٢) قوله: (شقه) ساقط من (ز ٢).
(٣) في (ز): (يفيد).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٥٩.
(٥) قوله: (إذا) ساقط من (ز ٢).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٥٣٣.
(٧) قوله: (أَوْ إِنِ انفصلا) يقابله في شفاء الغليل، لابن غازي، ص: ٢٦٢: (وانفصلا).
(٨) قوله: (أَوْ مَنْعِهِمَا) يقابله في شفاء الغليل، لابن غازي، ص: ٢٦٢: (ومنعهما).
(٩) انظر: المنتقى: ٤/ ٢١٠.
(١٠) انظر: المنتقى: ٤/ ٢١٠.
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٦٢.
(١٢) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٣٠٢.
[ ٢ / ٣١٣ ]
مالك (١)، قال في الإكمال: وهو المشهور (٢)، أو يمنع الذبح بهما مطلقًا وهو أيضًا عن مالك. الباجي: وهو الصحيح (٣).
قوله: (وَحَرُمَ اصْطِيَادُ مَأْكُولٍ لا بِنِيَّةِ الذَّكَاةِ) أي: لا بنية الذكاة (٤) المطلوبة في المأكول؛ لأنه من باب العبث، وقد نهى ﵊ عن تعذيب الحيوان لغير مأكله (٥).
قوله: (إِلا بِكَخِنْزِيرٍ فيجُوزُ) يريد: أنه يجوز اصطياد الخنزير ونحوه مما لا يؤكل بنية قتله لا غير، نص عليه اللخمي (٦).
قوله: (كَذَكَاةِ مَا لا يُؤْكَلُ إِنْ أَيِسَ مِنْهُ) هو مذهب ابن القاسم (٧)، وقيل: إنما يعقر لئلا يوهم إباحة أكله، وقال ابن وهب: يمنع ذلك (٨).
[فصل في الكراهة في الذكاة]
(المتن)
وَكُرِهَ ذَبْحٌ بِدَوْرِ حُفْرَةٍ، وَسَلْخٌ أَوْ قَطعٌ قَبْلَ الْمَوْتِ، كَقَوْلِ مُضَحٍّ: اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ؛ وَتَعَمُّدُ إِبَانَةِ رَأْسٍ. وَتُؤُوِّلَتْ أيْضًا عَلَى عَدَمِ الأَكْلِ إِنْ قَصَدَهُ أَوَّلًا، وَدُونَ نِصْفٍ أُبِينَ مَيْتَةٌ، إِلَّا الرَّأْسَ. وَمَلَكَ الصَّيْدَ الْمُبَادِرُ، وَإِنْ تَنَازَعَ قَادِرُونَ فَبَيْنَهُمْ، وَإِنْ نَدَّ وَلَوْ مِنْ مُشْتَرٍ فَلِلثَّانِي، لا إِنْ تَأَنَّسَ وَلَمْ يتَوَحَّشْ، وَاشْتَرَكَ طَارِدٌ مَعَ ذِي حِبَالَةٍ قَصَدَهَا، وَلَوْلاهُمَا لَمْ يَقَعْ، بِحَسَبِ فِعْلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَأَيِسَ مِنْهُ فَلِرَبِّهَا، وَعَلَى تَحْقِيقٍ بِغَيْرِهَا فَلَهُ كَالدَّارِ، إِلَّا أَنْ لا يَطْرُدَهُ لَهَا فَلِرَبِّهَا.
(الشرح)
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٣.
(٢) انظر: إكمال المعلم: ٦/ ٤١٨.
(٣) قوله: (قال في الإكمال: وهو وهو الصحيح) ساقط من (ن ٢). وانظر: المنتقى: ٤/ ٢١١.
(٤) قوله: (لا بنية الذكاة) زيادة من (س).
(٥) لم أقف عليه، وجاء حديث بمعناه أخرجه سعيد بن منصور في سننه: ٢/ ١٤٩، في باب ما يؤمر به الجيوش إذا خرجوا، برقم: ٢٣٨٤، وأبو داود في المراسيل: ١/ ٢٣٩، برقم: ٣١٦، بلفظ: "ولا تقتل بهيمة ليست لك فيها حاجة". وانظر الكلام عليه في: البدر المنير: ٦/ ٧٧١ وما بعدها.
(٦) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٤٦٦.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٨٣، والبيان والتحصيل ٣/ ٣٢٧.
(٨) انظر: الذخيرة: ٤/ ١٣٠.
[ ٢ / ٣١٤ ]
قوله: (وَكُرِهَ ذَبْحٌ بِدَوْرِ حُفْرَةٍ) يشير إلى قوله في المدونة: وبلغ مالكًا أن الجزارين يجتمعون على الحفرة ويذبحون حولها، فنهاهم عن ذلك وأمرهم بتوجيهها إلى القبلة (١)، وحمله أكثر الشيوخ على عمومه، أي: أنها تؤكل كانوا جاهلين أو عامدين وهو المشهور، وقال ابن حبيب: إنما حمل مالك أمرهم على الجهل، قال: وقد قال مالك: إنه متى (٢) ترك التوجه عامدًا لا تؤكل (٣).
قوله: (وَسَلْخٌ أَوْ قَطْعٌ قَبْلَ المَوْتِ) أي: وكذلك يكره سلخ الذبيحة أو قطع شيء منها قبل موتها، وقاله في المدونة ثم قال: فإن فعل (٤) أكلت مع ما قطع منها (٥).
قوله: (كَقَوْلِ مُضَحٍّ: اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ) أي: وكذلك يكره للمضحي أن يقول عند ذكاته أضحيته ذلك، وقاله في المدونة ثم قال: وهذه بدعة (٦). ابن رشد: وهذا في حق من يرى ذلك من لوازم التسمية، وأما على غير هذا الوجه فلا يكره (٧).
قوله: (وَتَعَمُّدِ إِبَانَةِ رَأْسٍ، وَتُؤُوِّلَت أَيْضًا عَلَى عَدَمِ الأكلِ إِنْ قَصَدَهُ أَوَّلًا) أي: وكذلك يكره للذابح أن يتعمد (٨) في ذبحه قطع الرأس لما فيه من التعذيب. ابن القاسم وأصبغ: ولو قصد ذلك ابتداء أكلت (٩). وقال مطرف وابن الماجشون: لا تؤكل (١٠). وتؤوِّل (١١) قوله في المدونة: ومن ذبح فترامت يده إلى أن أبان الرأس أكلت إن لم يتعمد ذلك (١٢)، على القولين كما أشار إليه، وفهم (١٣) ذلك من قوله أيضًا: لأن معناه أن
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٣.
(٢) قوله: (إنه متى) يقابله في (س) و(ز ٢) و(ن ٢): (إن من).
(٣) انظر: المنتقى: ٤/ ٢١٢.
(٤) في (ن ٢): (فعلت).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٣.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٤.
(٧) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٢٨٢.
(٨) في (ز): (يتعهد).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٤٥.
(١٠) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٤٥.
(١١) قوله: (تؤوِّل) زيادة من (س).
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٣.
(١٣) زاد في (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١): (من).
[ ٢ / ٣١٥ ]
المدونة تؤولت على الكراهة، وتؤولت أيضًا على عدم الأكل. ولو لم يقل أيضًا لأوهم أنها لم تؤول إلا على عدم الأكل فقط.
قوله: (وَدُونَ نِصْفٍ أُبِينَ مَيْتَةٌ، إِلا الرَّأْسَ) يريد أن الكلب أو البازي إذا قطع عضوًا من الصيد دون النصف (١) من يد أو رجل أو فخذ أو جناح فمات منه قبل أن يدرك ذكاته لم يؤكل وهو ميتة (٢)، وقاله في المدونة (٣)، وكذلك إذا ضرب شاة أو بقرة أو نحوهما (٤) فانقطع منها قطعة فإنها ميتة لا تؤكل ولو نوى (٥) بها الذكاة، وأما الرأس فليس بميتة وتؤكل معه. ابن زرقون: لأنه مقتل (٦) لا محالة، وهذا الذي أشار إليه إنما هو إذا أبين الجزء وانفصل أو كان في حكم البائن كالمتعلق بالجلد أو بيسير من (٧) اللحم. ابن حبيب: وإن كان مما تجري فيه الروح على هيئته أكل جميعه (٨).
قوله: (وَمَلَكَ الصَّيْدَ المُبادِرُ) يريد أن الصيد إذا رآه جماعة فبادر واحد منهم فأخذه أو بادر غير من رآه فأخذه فإنه يملكه، لأن الصيد إنما يملك بوضع اليد عليه لا بالرؤية.
قوله: (وَإنْ تَنَازَعَ قَادِرُونَ فبيْنَهُمْ) يريد (٩): لأن كل واحد منهم متمكن من أخذ الصيد، وإنما حكم به للجميع رفعًا للنزاع، ولأن الحكم به لأحدهم ترجيح بلا (١٠) مرجح.
قوله: (وَإنْ نَدَّ وَلَوْ مِنْ مُشْتَرٍ فَلِلثَّانِي) يريد أن الصيد إذا ند من ربه؛ أي: هرب منه سواء ملكه باصطياد أو بشراء فإنه يكون (١١) لمن صاده ثانيًا، إلا أن يكون قد تأنس عند
_________________
(١) قوله: (دون النصف) ساقط من (ن ٢).
(٢) قوله: (لم يؤكل وهو ميتة) يقابله في (ن ٢): (ما بان منه وهي ميتة).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٥٤١.
(٤) قوله: (أو نحوهما) يقابله في (ن ٢): (ونحوها).
(٥) في (ن ٢): (قصد).
(٦) في (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١): (مقتول).
(٧) قوله: (من) زيادة من (س).
(٨) انظر: المنتقى: ٤/ ٢٣٨.
(٩) قوله: (يريد) زيادة من (س).
(١٠) في (ز) و(ن ٢): (من غير).
(١١) في (ن ٢): (يوكل).
[ ٢ / ٣١٦ ]
الأول ولم يلحق بالوحش فإنه يكون للأول، وإليه أشار بقوله: (لا إِنْ تَأَنَّسَ وَلَمْ يَتَوَحَّشْ) ونص اللخمي (١) والمازري وابن شاس (٢) أن ذلك متفق عليه (٣)، فإن صاده قبل تأنس عند الأول وبعد أن لحق بالوحش، وكان الأول قد ملكه بصيد فهل يكون للأول أو للثاني؟ قولان، وقيل: إن طال مقامه عن الأول فهو للثاني، وإلا فهو للأول، واختلف إذا ملكه الأول بشراء هل تجري فيه الأقوال الثلاثة، وإليه ذهب ابن شاس وغيره فيما نقله عن (٤) ابن المواز، وقال ابن الكاتب: هو للأول على كل حال (٥).
قوله: (وَاشْتَرَكَ طَارِدٌ مَعَ ذِي حِبَالَةٍ قَصَدَهَا، وَلَوْلاهُمَا لَمْ يَقَعْ، بِحَسَبِ فِعْلَيْهِما) يريد (٦): إذا نصب شخص (٧) ما يصيد به (٨) من شبكة أو شرك أو فخ، وهو مراده بالحبالة، وفي معنى ذلك ما ينصب من حفرة ونحوها للصيد فطرده شخص آخر قاصدًا أن يقع في الحبالة ونحوها، (وَلَوْلَاهُمَا) أي: الطارد والحبالة لم يقع الصيد فإنهما؛ أي: الطارد وصاحب الحبالة يشتركان فيه بحسب فعليهما، فإذا قيل: أجرة الناصب تساوي درهمًا مثلًا، وأجرة الطارد تساوي درهمين، كان لصاحب الحبالة الثلث وباقيه للطارد، وهذا هو المشهور، وقال أصبغ: الصيد للطارد وعليه للآخر أجرة الحبالة (٩).
قوله: (وَإنْ لَمْ يَقْصِدْ وَأَيِسَ مِنْهُ فَلِرَبِّها) أي: وإن لم يقصد الطارد الحبالة وهو على إياس (١٠) من أخذ الصيد فهو لرب الحبالة، قال عيسى: قلت لابن القاسم: فلو لم يكن طرد الصيد إلى المنصب ولا رآه إلا أنه اتبعه حتى وقع فيه؟ فقال: إن كان
_________________
(١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٤٩٤.
(٢) في (س): (ابن رشد).
(٣) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٨٦، والتوضيح: ٣/ ٢١١.
(٤) في (ز) و(ز ٢): (عنه).
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٨٦.
(٦) قوله: (يريد) ساقط من (ز) و(ز ٢).
(٧) قوله: (شخص) ساقط من (ن ٢)، و(ن).
(٨) قوله: (به) زيادة من (ز ٢).
(٩) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٣١٦.
(١٠) في (س): (يأس).
[ ٢ / ٣١٧ ]
الصائد (١) قد انقطع منه وذهب الصيد حيث شاء فسقط (٢) في ذلك المنصب فهو لرب المنصب، وإن كان أعياه وأشرف على أخذه فهو كشيء حازه؛ لقدرته عليه حيث أضعفه فوقع في المنصب أو في دار رجل فهو للطارد دون صاحب المنزل (٣)، وإليه أشار بقوله: (وَعَلَى تَحْقِيقٍ بِغَيْرِهَا فَلَهُ كَالدَّارِ) وحكى (٤) عبد الحق عن بعض شيوخه قولين فيمن طرد صيدًا إلى دار رجل فأخذه فيها، فقيل: هو للطارد؛ لأن الدار لم تتخذ للصيد، وقيل: هي كالمنصب، وصوب الأول؛ لأن الدار لم تعمل لذلك والمنصب عمل للصيد (٥)، وأشار بقوله: (إِلا أَنْ لَا يَطْرُدَهُ لَهَا فَلِرَبِّها) إلى أنه إذا تبع الصيد ولم يقصد دخوله الدار وإنما دخلها هو من غير أن يلجئه الطارد إليها فلا شيء فيه للطارد وهو لربها (٦)، وقاله في المدونة (٧)، وقال أشهب: هو للطارد.
(المتن)
وَضَمِنَ مَارٌّ أَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ وَتَرَكَ، كَتَرْكِ تَخْلِيصِ مُسْتَهْلَكٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ بِيَدِهِ أَوْ شَهَادَتِهِ أَوْ بِإمْسَاكِ وَثِيقَةٍ أَوْ تَقْطِيعِهَا. وَفِي قَتْلِ شَاهِدَيْ حَقٍّ تَرَدُّدٌ، وَتَرْكِ مُوَاسَاةٍ وَجَبَتْ بِخَيطٍ لِجَائِفَةٍ، وَفَضْلِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ لِمُضْطَرٍّ، وَعُمُدٍ وَخَشَبٍ فَيَقَعَ الْجِدَارُ، وَلَهُ الثمَنُ إِنْ وُجِدَ. وَأُكِلَ الْمُذَكَّى، وَإِنْ أُيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ كتَحَرُّكٍ قَوِيٍّ مُطْلَقًا، أَوْ سَيْلِ دَمٍ، إِنْ صَحَّتْ إِلَّا الْمَوْقُوذَةَ، وَمَا مَعَهَا الْمَنْفُوذَةَ الْمَقَاتِلِ: بِقَطْعِ نُخَاعٍ، وَنَثْرِ دِمَاغٍ، وَحُشْوَةٍ، وَفَرْيِ وَدَجٍ، وَثَقْبِ مُصْرَانٍ.
(الشرح)
قوله: (وَضَمِنَ مَارٌّ أَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ وَتَرَكَ) يريد أن من رمى صيدًا أو أرسل عليه جارحه فمر به إنسان فأمكنته ذكاته بأن يكون معه آلة الذكاة أو نحو ذلك فتركه حتى مات، فإنه يضمن ذلك للصائد؛ أي: ولا يؤكل؛ لأنه تنزل منزلة ربه في تعيين الذكاة
_________________
(١) في (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١): (الصيد).
(٢) في (ز ٢) و(ن) و(ن ١) و(ن ٢): (حيثما يسقط).
(٣) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٣١٦.
(٤) في (ن ٢): (وذكر).
(٥) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٣١٧.
(٦) قوله: (لربها) في (ز ٢) و(س) و(ن ٢): (لرب الدار).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٥٣٨ و٥٣٩.
[ ٢ / ٣١٨ ]
وربه لو أمكنته ذكاته ففرط فيه (١) حتى مات لا يأكله فكذلك هذا، وأجرى ابن محرز وبعض المتأخرين في ذلك قولين من الخلاف في الترك، هل هو (٢) كالفعل أم لا؟ (٣)
قوله: (كَتَرْكِ تَخْلِيصِ مُسْتَهْلَكٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ (٤) بِيَدِهِ) يريد أن من رأى ما يستهلك من نفس أو مال لغيره وهو يقدر على خلاصه فتركه حتى هلك فإنه يضمنه (٥)، ويأتي الإجراء المذكور (٦)، والباء في (بيده) متعلقة بـ (تخليص) وهي للظرفية.
قوله: (أَوْ شَهَادَتِهِ) يريد به أن من شهد لشخص بحق على آخر وجحده المديان حقه وهو قادر على تخليصه له بشهادته (٧)، فتركه حتى فات بموت الغريم ونحوه، فإنه يضمن ذلك.
قوله: (أَوْ بِإمْسَاكِ وَثيقَةٍ) أي: لغيره حتى فوت ما فيها على صاحبها، وكذلك إذا قطعها كما أشار إليه بقوله: (أَوْ تَقْطِيعِهَا) وعندي أن هذا أقوى مما قبله.
قوله: (وَفي قَتْلِ شَاهِدَيْ حَقٍّ تَرَدُّدٌ) أي: إذا قتل شاهدي حق فضاع الحق بسبب ذلك هل يضمن الحق كما في تقطيع الوثيقة، أو لا يضمنه؛ لأنه قد لا يقصد الإبطال لعداوة بينه وبين الشاهدين؟ ابن بشير: وهو أدنى مرتبة من تقطيع الوثيقة (٨)؛ لأن هذا لم يتعدَّ على نفس الشهادة وإنما تعدى على سببها، فلا شك أنه أضعف من الأول.
قوله: (وَتَرْكِ مُوَاسَاةٍ وَجَبَتْ بِخَيْطٍ لِجائِفَةٍ، أَوْ فَضْلِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ لِمُضْطَرٍّ) أي: ومما يكون الحكم فيه أيضًا الضمان ترك المواساة الواجبة بأحد الأمور المذكورة، وذلك بأن يكون شخص قد حصل له جرح جائفة أو غيرها فيمنع منه آخر ما يخيط (٩) به
_________________
(١) قوله: (فيه) ساقط من (ز ٢) و(س)، والمثبت من (ز).
(٢) قوله: (هو) ساقط من (س).
(٣) انظر: الذخيرة: ٤/ ١٨٠.
(٤) قوله: (أَوْ مَالٍ) يقابله في (س) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (ومال).
(٥) في (س) و(ن ٢): (يضمن).
(٦) قوله: (ويأتي الإجراء المذكور) ساقط من (ن ٢).
(٧) في (ن ٢): (بالشهادة).
(٨) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٠٧ و٢٠٨.
(٩) قوله: (فيمنع منه آخر ما يخيط) يقابله في (ن ٢): (فمنعه آخر يخيط).
[ ٢ / ٣١٩ ]
ذلك، فيؤدي إلى هلاكه، أو يضطر شخص إلى فضلة طعام أو فضلة ماء (١) عن صاحبه، فيمنعه ذلك حتى يهلك جوعًا أو عطشًا، وإنما قال: (لمضطر) ليشمل الآدمي وغيره من حيوان أو زرع أو نحوه، وإنما قال: (فضل طعام أو شراب) لأنه لو لم يفضل عن ربه بل كان هو أيضًا مضطرًّا لذلك فإنه لا يضمن.
قوله: (وَعُمُدٍ وَخَشَبٍ فَيَقَعُ الجْدَارُ) أي: ويجب أيضًا الضمان على من عنده عمد أو خشب، وقد اضطر جاره إلى إقامة جداره بذلك فمنعه ذلك حتى سقط الجدار.
قوله: (وَلَهُ الثَّمَنُ إِنْ وُجِدَ) يريد أن من تعين عليه دفع شيء من الأمور المذكورة إذا دفعه لمن وجب دفعه له فإنه يجب له ثمنه على أخذه، وهو مذهب المدونة (٢). ابن يونس: ولا تشطوا عليهم في الثمن، وقال أشهب: إذا لم يكن معهم ثمن لا شيء عليهم وهو وفاق (٣)، وذكر اللخمي خلافًا هل يتبعون بالثمن إذا أيسروا أم لا؟ (٤)
قوله: (وَأُكِلَ المُذَكَّى، وَإنْ أُيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ) المذكى تارة يكون قبل الذكاة صحيحًا وتارة مريضًا، فالأول لا إشكال فيه مع سيلان الدم أو غيره كما سيأتي في آخر المسألة، والثاني إن كان (٥) غير مأيوس منه عملت فيه الذكاة أيضًا (٦) كالصحيح، وإن كان مأيوسا فكذلك، قاله في الموطأ (٧) وهو مروي عن مالك وابن القاسم وأصبغ، وقال عبد الملك وابن عبد الحكم: لا يؤكل وهولمالك (٨).
وفي مختصر الوقار (٩)، وعلى الأول فلا بد فيها من اعتبار الحركة، فإن تحركت حركة بينة
_________________
(١) قوله: (فضلة طعام أو فضلة ماء) يقابله في (ن ٢): (فضل طعام أو فضل شراب).
(٢) انظر: المدونة في كتاب حريم الآبار، أي منع أهل الآبار الماء عن المسافرين: ٤/ ٤٦٨.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ١١/ ١١.
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٠٨.
(٥) في (ن ٢): (يكون).
(٦) قوله: (أيضًا) ساقط من (ز ٢).
(٧) انظر: الموطأ: ٢/ ٤٩٠، (وقد سئل عن شاة تردت فتكسرت فأدركها صاحبها فذبحها فسال الدم منها ولم تتحرك فقال مالك إذا كان ذبحها ونفسها يجري وهي تطرف فليأكلها).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٧٠.
(٩) قوله: (وهو لمالك. وفي مختصر الوقار) يقابله في (ن): (وهولمالك في مختصر الوقار)، وانظر: التوضيح: ٣/ ٢٤٠ و٢٤٢.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وسال دمها أكلت، وكذا إذا لم يَسِلْ على المنصوص، واختلف في وقت مراعاة الحركة فقيل: إنما ذلك بعد الذبح، وقيل: حين الذبح، وقيل: يكفي ذلك بعد الذبح أو معه، حكى ذلك في المقدمات (١)، وإلى ذلك أشار بقوله: (كَتَحَرُّكٍ قَوِيٍّ مُطْلَقًا) أي: سال معه دم أو لا، وخرَّج عدم أكلها إذا لم يسل من المنخنقة وأخواتها، ولا عبرة بسيل الدم فيها على انفراده، بخلاف الصحيحة فإن سيلان الدم فيها كافٍ وحده، ولهذا قال: (أوْ سَيْلِ دَمٍ إِنْ صَحَّتْ) يريد: وكذلك غيره من العلامات التي يستدل بها على الحياة.
قوله: (إِلا المَوْقُوذَةَ، وَمَا مَعَهَا المَنْفُوذَةَ المَقَاتِلِ) لَمَّا كان كلامه أولًا يوهم أن المأيوس منه يؤكل بالذكاة ولو أنفذت مقاتله، أخرج منه ما ذكر (٢) هنا، والمراد بـ (الموقوذة وما معها) ما ذكره في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] فالمنخنقة ما مات بحبل ونحوه من الخنق، والموقوذة المضروبة بخشبة أو حجر أو نحوهما، والمتردية التي تردَّت من شاهق أو في (٣) بئر أو حفرة فماتت، والنطيحة التي نطحتها أخرى فماتت، وما أكل السبع؛ أي: ما أكل منه، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] أي: ما أدركتم ذكاته منها قبل موته على رأي، أو هو منقطع على معنى: لكن ما ذكيتم من غيرها فإنه يؤكل، ولا خلاف أن الذكاة تعمل فيما علمت حياته من ذلك، كما أنها لا تعمل فيما أنفذت مقاتله على أحد القولين، وقيل: تعمل إن كان المقتل في غير محل الذكاة.
قوله: (بِقَطْعِ نُخَاعٍ، وَنَثْرِ دِمَاغٍ أَوْ حُشْوَةٍ، وَفَرْيِ وَدَجٍ، وَثَقْبِ مُصْرَانٍ) هو إشارة إلى الأمور التي اتفق على أنها مقاتل كما نص عليه الباجي؛ وهي (٤) خمسة:
الأول: انقطاع النخاع وهو المخ الأبيض الذي في وسط فقار العنق والظهر. الثاني: انتثار (٥) الدماغ. الثالث: انتثار الحشوة. الرابع: فري الودجين. الخامس: انفتاق (٦)
_________________
(١) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٢٢٠.
(٢) في (س): (ذكره).
(٣) قوله: (في) ساقط من (ز ٢).
(٤) في (س): (وهو).
(٥) في (ز): (انتشار).
(٦) في (ن): (انتقاب).
[ ٢ / ٣٢١ ]
المصران (١).
عياض: وقد عد شيوخنا قطع المصران وانتثار (٢) الحشوة وجهين من المقاتل، وهو عندي راجع إلى معنى واحد وهو أنه إذا قطع المصران أو شق انتثرت الحشوة من الثفل (٣)، وفي البيان (٤) وغيره (٥): إن خرق المصران لا يكون مقتلًا إلا إذا كان في مجرى الطعام قبل تغيره (٦)، وأما إن كان في مجراه بعد ذلك فلا؛ لأن الأول لا يحصل معه انتفاع بالغذاء بخلاف الثاني فلا يكون مقتلًا، ونحوه للقاضي.
(المتن)
وَفِي شَقِّ الوَدَجِ قَوْلانِ، وَفِيهَا أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ، أَوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لا يَعِيشُ إِنْ لَمْ يَنْخَعْهَا. وَذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِنْ تَمَّ بِشَعْرٍ، وَإنْ خَرَجَ حَيًّا ذُكِّيَ؛ إِلَّا أَنْ يُبَادِرَ فَيَفُوتَ، وَذُكِّيَ الْمُزْلَقُ إِنْ حَييَ مِثْلُهُ. وَافْتَقَرَ نَحْوُ الْجَرَادِ لَهَا بِمَا يَمُوتُ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ كَقَطْعِ جَنَاحٍ.
(الشرح)
قوله: (وَفي شَقِّ الْوَدَجِ قَوْلانِ) يعني أنه اختلف في شق الودج هل هو مقتل، وإليه ذهب بعضهم، أو ليس بمقتل وإليه ذهب ابن عبد الحكم (٧). الباجي (٨): واختلف في اندقاق العنق من غير انقطاع نخاعه، فروى مطرف وعبد الملك (٩) عن مالك (١٠) أنه من المقاتل، وروى عنه ابن القاسم أنه ليس بمقتل حتى يقترن به انقطاع النخاع (١١)، وإليه أشار بقوله: (وَفيهَا أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ، أوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لا يَعِيشُ إِنْ يَنْخَعْهَا).
_________________
(١) انظر: المنتقى: ٤/ ٢٢٧.
(٢) في (ز): (انتشار).
(٣) في (ز): (السفل). وانظر: التوضيح: ٣/ ٢٤٣.
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٢٩٣ و٢٩٤.
(٥) قوله: (من الثفل، وفي البيان وغيره) يقابله في (ن ٢): (وقيل).
(٦) في (س): (تغييره). وانظر: التوضيح: ٣/ ٢٤٣.
(٧) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٣٥٥.
(٨) قوله: (الباجي) ساقط من (ن ٢).
(٩) قوله: (عبد الملك) يقابله في (س)، و(ن): (ابن عبد الحكم).
(١٠) قوله: (مالك) ساقط من (ن).
(١١) انظر: المنتقى: ٤/ ٢٢٧.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
قوله: (وَذَكَاةُ الجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِنْ تَمَّ بِشَعْرٍ) يريد أن البهيمة المأكولة إذا ذكيت فخرج من بطنها جنين ميت، فإنه يؤكل عملًا بقوله ﵊: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (١)، يروى برفع (٢) ذكاة الثاني وهو الأصح، والمعنى يحصل بذكاة أمه، ويروى بالنصب (٣) على معنى ذكاة الجنين أن يذكى مثل ذكاة أمه، ثم حذف مثل وما قبله وأقيم المضاف مقام المضاف إليه، فيفتقر الجنين إلى الذكاة في هذا دون الأول، وأشار بقوله: (إِنْ تَمَّ بِشَعْرٍ) إلى أن الحكم الذي ذكره مشروط بكمال خلقته (٤) ونبات شعره. اللخمي: وإن لم تجر فيه حياة (٥) لم تنفع فيه ذكاة أمه ولا يؤكل، وإذا جرت فيه الحياة فإن ذكيت أمه فخرج ميتًا أكل.
قوله: (وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ذُكِّيَ، إِلا أَنْ يُبَادِرَ فَيَفُوتُ) إنما يذكى في هذه الحالة؛ لأنه استقل بحكم نفسه، قاله اللخمي، إلا أن يسبقهم بنفسه من غير تفريط فلا بأس به وهو ظاهر (٦).
قوله: (وَذُكِّيَ المُزْلَقُ إِن حَيِيَ مِثْلُهُ) هذه مسألة العتبية قال فيها: من رواية أبي زيد بن [أبي] الغمر (٧) عن ابن القاسم في بقرة أزلقت ولدها أنه ينظر فإن كان مثل ذلك يحيا
_________________
(١) صحيح، أخرجه أبو داود: ٢/ ١١٤، في باب ما جاء في ذكاة الجنين، من كتاب الذبائح، برقم: ٢٨٢٨، والترمذي: ٤/ ٧٢، في باب ذكاة الجنين، من كتاب الأطعمة، برقم: ١٤٧٦، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: ٢/ ١٠٦٧، في باب ذكاة الجنين ذكاة أمه، من كتاب الذبائح، برقم: ٣١٩٩، والحاكم: ٤/ ١٢٧، برقم: ٧١٠٩، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. جاء هذا الحديث من طرق عدة انظر الكلام عليها: نصب الراية: ٤/ ١٨٩ وما بعدها.
(٢) في (ز): (بنصب).
(٣) في (ز)، و(ز ٢): (بالرفع).
(٤) في (س): (خلقه).
(٥) قوله: (تجر فيه حياة) يقابله في (ن ٢): (توجد).
(٦) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٥٤٠.
(٧) قوله: (أبي زيد بن [أبى] الغمر) ساقط من (ن). وفي (س) و(ز): (أبي زيد بن العمر) ولعله تصحيف إذ هو: أبو زيد، عبد الرحمن بن عمر بن أبي الغمر، المتوفى سنة ٢٣٤ هـ، رأى مالكًا، ولم يأخذ منه شيئًا، وهو راوية الأسدية، كان فقيهًا مفتيًا، لا يرى مخالفة ابن القاسم. من آثاره مختصر للأسدية. وله سماع من ابن القاسم قيل بأنه متضمن في كتاب المجالس وهو سؤالاته لابن القاسم.=
[ ٢ / ٣٢٣ ]
ويعيش لم يكن بأكله بأس إذا ذكي (١)، وإن كان مثله لا يعيش لا يؤكل وإن ذكي، وإن شك في أمره فكان مثله يعيش ومثله لا يعيش لم يؤكل (٢)، وإن ذكي فقوله هنا (إن حيي مثله) يدل على الوجهين الآخرين وهو أنه إن لم يحيَ مثله أو شك في أمره لا يذكى ولا يؤكل، وهو واضح. ابن رشد: ولا أعلم (٣) في هذه المسألة نص خلاف (٤).
قوله: (وَافْتَقَرَ نَحْوُ الجَرَادِ لَهَا بِما يَمُوتُ بهِ) نحو الجراد ما لا نفس له سائلة، والمشهور افتقار الجراد لها؛ أي: للذكاة خلافًا لمطرف (٥)، والمشهور أنه لا يكفي أخذه، خلافًا لابن وهب، فإنه قال: إذا أخذت حية فماتت أكلت، وعلى المشهور إذا فعل بها ما تزهق به روحها بسرعة كقطع رأسها (٦) أو إلقائها في النار أو الماء الحار فإنه ذكاة بلا خلاف، وكذلك على مذهب المدونة (٧) إن لم تزهق به بسرعة كقطع أرجلها أو أجنحتها أو إلقائها في الماء البارد، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ كَقَطْعِ جَنَاحٍ) وقال سحنون: لا يكفي ذلك فيها (٨).
فصلٌ [في المباح من الطعام]
(المتن)
فَصْلٌ الْمُبَاحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ، وَالْبَحْرِيُّ وَإنْ مَيِّتًا، وَطَيْرٌ وَلَوْ جَلَّالةً وَذَا مِخْلَبٍ، وَنَعَمٌ، وَوَحْشٌ لَمْ يَفْتَرِسْ: كَيَرْبُوعٍ، وَخُلْدٍ، وَوَبْرٍ، وَأَرْنَبٍ، وَقُنْفُذٍ، وَضُرْبُوبٍ، وَحَيَّةٍ أُمِنَ سُمُّهَا. وَخَشَاشُ أَرْضٍ، وَعَصِيرٌ، وَفُقَّاعٌ، وَسُوبِيَاء، وَعَقِيدٌ أُمِنَ سُكْرُهُ، وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ، غَيرَ آدَمِيٍّ، وَخَمْرٍ إِلَّا لِغُصَّةٍ،
_________________
(١) = انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: ٤/ ٢٢، والديباج، لابن فرحون: ١/ ٢٤٢، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: ١٥٨.
(٢) قوله: (إذا ذكي) ساقط من (ن ٢).
(٣) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٣٣٠.
(٤) في (س) و(ن ٢): (أعرف).
(٥) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٣٣٠.
(٦) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٩٥.
(٧) في (س): (رؤوسها).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٥٣٧.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٥٧.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
(المُباحُ طَعَامٌ طَاهِرٌ) يريد أن المباح من سائر الأطعمة هو الطاهر، فلا يؤكل من ذلك ما هو نجس بنفسه أو بمخالطة نجس له، فيطرح جميعه إن كان مائعًا، أو ما سرت فيه خاصة إن كان جامدًا، وسيأتي بيان ذلك.
قوله: (وَالبَحْرِيُّ وَإنْ مَيْتًا) يريد أن البحري يؤكل جميعه سواء مات حتف أنفه أو بسبب مسلم أو مجوسي طفا أو رسب؛ ولهذا قال: (وإن ميتًا)؛ لقوله ﵊: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (١)، قال في المدونة: يؤكل ولو وجد في بطن طير الماء أو بطن حوت كان له شبه في البر أم لا (٢).
قوله: (وَطَيْرٌ وَلَوْ جَلَّالةً) لا إشكال أن الطير جميعه مباح ولو أكل الجيف. ابن رشد: لا خلاف في المذهب أن أكل لحم الطير الذي يتغذى بالنجاسة حلال جائز (٣).
قوله: (وَذَا مِخْلَبٍ) ابن شاس: والطير كله مباح ذو المخلب وغيره. أبو إسحاق: وعن مالك لا يؤكل كل ذي مخلب، وهو المذهب عندنا (٤).
وظاهر قوله: "لا يؤكل" المنع، وعن ابن أبي أويس (٥) كراهته (٦).
قوله: (وَنَعَمٌ) لا إشكال في إباحتها، والمراد بالنعم الإبل والبقر والغنم، وظاهره جلَّالة كانت أو غيرها وهو المشهور، وقيل: لا تؤكل الجلَّالة.
قوله: (وَوَحْشٌ لَمْ يَفْتَرِسْ) أي: ومما يباح أكل الوحش الذي لا يفترس كالظباء وبقر الوحش وحمره وغيره مما لا يعدو. واحترز بذلك مما يفترس كالأسد والنمر
_________________
(١) صحيح، أخرجه مالك: ١/ ٢٢، باب الطهور للوضوء، من كتاب الطهارة، برقم: ٤١، وأبو داود: ١/ ٦٩، باب الوضوء بماء البحر، من كتاب الطهارة، برقم: ٨٣، والترمذى: ١/ ١٠٠، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، من أبواب الطهارة، برقم: ٦٩، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي: ١/ ٥٠، باب ماء البحر، من كتاب الطهارة، برقم: ٥٩، وابن ماجه: ١/ ١٣٦، باب الوضوء بماء البحر، من كتاب الطهارة وسننها، برقم: ٣٨٦.
(٢) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ٥٧.
(٣) انظر: البيان والتحصيل ٣/ ٣٧٠.
(٤) قوله: (وهو المذهب عندنا) يقابله في (ن): (وهو المشهور عندة). وانظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠٢
(٥) قوله: (ابن أبي أويس) يقابله في (ن ١): (ابن القاسم).
(٦) انظر: إكمال المعلم: ٦/ ١٨٨.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
والفهد والضبع والهر الوحشي، ومذهب الموطأ تحريم ذلك (١)، وقيل: ذلك مكروه، وهو ظاهر المدونة (٢). ولابن حبيب: الفرق بين ما يعدو كالأسد والنمر فيحرم، وبين ما لا يعدو كالضبع والثعلب والذئب، فيكره (٣).
قوله: (كَيَرْبُوعٍ، وَخُلْدٍ، وَوَبْرٍ، وَأَرْنَبٍ، وَقُنْفُذٍ، وَضُرْبُوبٍ) اليربوع: أكبر من الفأر رجلاه أطول من يديه عكس الزرافة. والخلد: فأر أعمى. القاضي: وهو بضم الخاء المعجمة وفتح اللام، وبفتح الخاء وسكون اللام، وفتحهما (٤) أيضًا، وبكسر الخاء وسكون اللام. والوبر: قال الجوهري: هو بالتسكين دويبة أصغر من السنور (٥)، وقال ابن عبد السلام: هو بفتح الباء (٦). والأرنب: دابة قدر الهر في أذنيه طول. والقنفذ: بضم القاف والفاء وبفتح الفاء أيضًا، الجوهري: واحد القنافذ (٧). والضربوب: حيوان ذو شوك كالقنفذ الكبير، والتشبيه بين هذه الأشياء وما قبلها يحتمل أن يكون في مجرد الإباحة ويحتمل أن يكون في الإباحة وعدم الافتراس. قال في المدونة: ويجوز أكل الضب والأرنب والوبر والخلد والضرابيب والقنفذ (٨).
قوله: (وَحَيَّةٍ أُمِنَ سُمُّهَا) أي: ومما يباح الحية إذا أمن سمها، قال في المدونة: وإذا ذكيت الحيات (٩) في موضع ذكاتها فلا بأس بأكلها (١٠). وموضع ذكاتها، قال أبو الحسن الصغير: يريد حلقها موضع الذكاة من غيرها.
قوله: (وَخَشَاشُ أَرْضٍ) أي: وكذا يباح أكل خشاش الأرض وهوامها، قاله في
_________________
(١) انظر: الموطأ: ٢/ ٤٩٦.
(٢) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ٦٣.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٧٢.
(٤) في (س): (وفتحها).
(٥) انظر: الصحاح، للجوهري: ٢/ ٨٤١، مادة (وب ر).
(٦) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٢٦.
(٧) انظر: الصحاح، للجوهري: ٢/ ٥٦٩.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٢.
(٩) قوله: (الحيات) ساقط من (س).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٢.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
المدونة (١).
قوله: (وَعَصِيرٌ) قال في المدونة: وعصير العنب ونقيع الزبيب وجميع الأنبذة حلال، ما لم يسكر من غير توقيت بزمان ولا هيئة (٢).
قوله: (وَفُقَّاعٌ وَسُوبِيَاء) هكذا نص عليه غير واحد. ابن شاس: وشرب السوبية حلال ما لم تدخلها الشدة المطربة فتحرم (٣).
قوله: (وَعَقِيدٌ أُمِنَ سُكْرُهُ) العقيد هو العصير يغلى حتى ينعقد. قال ابن شاس: وجائز شرب العقيد الذي ذهبت منه قوة الإسكار (٤). قال في المدونة: ولا يحل الطبخ بالثلثين (٥) ولا غيرهما (٦)، بل ما منع إسكار كثيره (٧).
قوله: (وَللضَّرُورةِ مَا يَسُدُّ) أي: ومما يباح في حال الضرورة فقط ما يسد الرمق من الميتة إلا ما يستثنيه (٨)، ولا خفاء أن الميتة تباح للمضطر، وحد (٩) الضرورة خوف الهلاك على النفس، وأشار بقوله: (مَا يَسُدُّ) إلى أن الذي يباح من ذلك ما يسد الرمق، وفي الجواهر: ولا يتقدر بسد الرمق بل يشبع ويتضلع، وقال عبد الملك وابن حبيب: إن كانت المخمصة دائمة تزود وشبع، وإن كانت نادرة اقتصر على سد الرمق (١٠). وفي الرسالة: ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع منها (١١) ويتزود فإن استغنى عنها طرحها (١٢). ابن الفاكهاني: وقوله: "ويشبع ويتزود" هو المشهور، ثم ذكر خلاف ابن
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٢.
(٢) انظر: المدونة: ٤/ ٥٢٤.
(٣) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠٦.
(٤) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠٥.
(٥) في (ز): (بالثلاثين).
(٦) في (ز): (غيرها).
(٧) انظر: المدونة: ٤/ ٥٢٥.
(٨) في (س): (يستنيبه).
(٩) قوله: (وحد) يقابله في (س): (الذي وجد).
(١٠) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠٣.
(١١) قوله: (منها) ساقط من (ن ٢).
(١٢) انظر: الرسالة، لابن أبي زيد: ١/ ٨٠.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الماجشون وابن حبيب، وقوله هنا خلاف المشهور.
قوله: (غَيْرَ آدَمِيٍّ وَخَمْرٍ، إِلا لِغُصَّةٍ) ابن شاس: وأما جنس المستباح فكل ما يرد عنه جوعًا وعطشًا يرفع الضرورة أو يخففها (١) كالأطعمة النجسة والميتة من كل حيوان غير الآدمي، الشيخ أبو بكر: ولا يأكل ابنَ آدمَ وإن مات جوعًا، قاله علماؤنا (٢). وكالدم وشرب المياه النجسة وغيرها من المائعات سوى الخمر فإنها لا تحل إلا لإساغة (٣) الغصة على خلاف فيها، فأما الجوع والعطش فلا؛ إذ لا يفيد ذلك قيل: ربما زادت العطش، وقيل: تباح.
(المتن)
وَقَدَّمَ الْمَيِّتَ عَلَى خِنْزِيرٍ، وَصَيْدٍ لِمُحْرِمٍ، لا لَحْمِهِ، وَطَعَامِ غَيْرٍ؛ إِنْ لَمْ يَخَفِ الْقَطْعَ وَقَاتَلَ عَلَيهِ. وَالْمُحَرَّمُ النَّجَسُ، وَخِنْزِيرٌ وَبَغْلٌ وَفَرَسٌ وَحِمَارٌ وَلَوْ وَحْشِيًّا دَجَنَ. وَالْمَكْرُوهُ سَبُعٌ وَضَبُعٌ وَثَعْلَبٌ وَذِئْبٌ وَهِرٌّ وَإِنْ وَحْشِيًّا وَفِيلٌ وَكَلْبُ مَاءٍ وَخِنْزِيرُهُ وَشَرَابُ خَلِيطَيْنِ، ونبيذ وَنَبْذٌ بِكَدُبَّاءٍ، وَفِي كُرْهِ الْقِرْدِ وَالطِّينِ وَمَنْعِهِ قَوْلانِ.
(الشرح)
قوله: (وَقَدَّمَ المَيِّتَ عَلَى خِنْزِيرٍ) يريد أن المضطر إذا وجد ميتة ولحم خنزير فإنه يقدم الميتة على الخنزير؛ أي: لأنها تحل حيةً والخنزير لا يحل مطلقًا، والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من التحريم المثقل، قاله ابن العربي.
قوله: (وَصَيْدٍ لِمُحْرِمٍ) أي: إذا وجد المحرم الصيد والميتة أكل الميتة. ابن شاس: وقال ابن عبد الحكم: لو نابني ذلك لأكلت الصيد (٤).
قوله: (لا لَحْمِهِ) أي: فإنه يقدمه على الميتة. ابن شاس: هو أولى منها لأن تحريمه خاص (٥).
قوله: (وَطَعَامِ غَيْرٍ، إِنْ لَمْ يَخَفِ الْقَطْعَ) ابن شاس: فإن وجد ميتة وطعام
_________________
(١) في (ز) و(ز ٢): (يحققها).
(٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠٣.
(٣) في (ز) و(ز ٢): (إلا ساعة).
(٤) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠٤.
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠٤.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
الغير أكل طعام الغير إذا أمن أن يعد سارقًا، وهل يضمن القيمة إن أكل أو لا؟ قولان (١).
قوله: (وَقَاتَلَ عَلَيْهِ (٢» ابن شاس: وإذا ظفر بطعام من ليس مضطرًّا فليطلبه منه بثمن في ذمته ويظهر له حاجته إليه، فإن أبى استطعمه، فإن أبى أعلمه أنه يقاتله عليه، فإن امتنع منه غصبه منه، فإن دفعه جاز له دفع المالك وإن أدى إلى القتل، ويكون دمه حينئذٍ مهدورًا، ولو قتله المالك وجب القصاص (٣).
قوله: (وَالمُحَرَّمُ: النَّجَسُ) هذا قسيم قوله: (المباح طعام طاهر)، ولا إشكال في تحريم الأطعمة النجسة في حال الاختيار، وسواء في ذلك الجامد والمائع.
قوله: (وَخِنْزِيرٌ) هو مما اتفق على تحريمه للنص الوارد فيه.
قوله: (وَبَغْلٌ، وَفَرَسٌ، وَحِمَارٌ) المشهور تحريم البغال والحمير، وعن مالك كراهتها (٤)، وظاهر الموطأ تحريم الخيل (٥)، وحكي فيها في الجواهر الكراهة والتحريم والإباحة (٦).
قوله: (وَلَوْ وَحْشِيًّا دَجَنَ) هو قول مالك فإنه قال: إذا دجن الحمار الوحشي؛ أي: تأنس فإنه لا يؤكل ويصير كالحمار الأهلي (٧). وقال ابن القاسم: هو مباح (٨).
قوله: (وَالمَكْرُوهُ: سَبُعٌ، وَضَبُعٌ، وَثَعْلَبٌ، وَذِئْبٌ، وَهِرٌّ؛ وَإنْ وَحْشِيًّا) هو نحو قوله (٩) في المدونة: لا أحب أكل الضبع ولا الثعلب ولا الهر الوحشي ولا الإنسي (١٠) ولا شيء
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠٤.
(٢) قوله: (عَلَيْهِ) ساقط من (س).
(٣) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠٣ و٤٠٤.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٥٠.
(٥) انظر: الموطأ: ٢/ ٤٩٧.
(٦) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠١.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٢.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٥٤٢.
(٩) قوله: (نحو قوله) يقابله في (ن): (قوله).
(١٠) قوله: (ولا الإنسي) ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٣٢٩ ]
من السباع (١)، وهو الذي يحكيه العراقيون عن المذهب، ومذهب الموطأ التحريم (٢)، وثالثها لابن حبيب: ما يعدو حرام كالسبع والنمر، وما لا يعدو كالضبع والهر مكروه (٣).
قوله: (وَفِيلٌ) اختلف في أكل الفيل على ثلاثة أقوال: التحريم، والكراهة، والإباحة، وصحح الشيخ في توضيحه الإباحة (٤)، ولا أعرف من شهر الكراهة كما هو ظاهر كلامه هنا.
قوله: (وَكَلْبُ مَاءٍ وَخِنْزِيرُهُ) حكى فيهما ابن الجلاب الكراهة (٥) كما حكى (٦) هنا، وحكى ابن بشير فيهما الإباحة والمنع (٧).
قوله: (وَشَرَابُ خَلِيطَيْنِ ونبيذ) أي: ومما يكره شرب الخليطين؛ لأنه ﵊ نهى عن شربهما.
القرافي: ولا ينبذ (٨) تمر مع زبيب، ولا بسر ولا زهو مع رطب، ولا حنطة مع شعير، ولا أحدهما مع تين أو عسل (٩).
قوله: (وَنَبْذٌ بِكَدُبَّاءَ) يعني أن الانتباذ في الدباء ونحوها كالآنية المزفتة مكروه.
قال في الجواهر: والانتباذ فيما عدا الدباء والمزفت جائز، وفيهما مكروه (١٠). زاد (١١) في الجلاب: الحنتم والنقير (١٢) لورود الحديث الصحيح فيهما (١٣).
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٤١.
(٢) انظر: الموطأ: ٢/ ٤٩٦.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٧٢.
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٢٤ و٢٢٥.
(٥) انظر: التفريع: ١/ ٣١٨.
(٦) قوله: (حكى) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٣٠.
(٨) في (ن ٢): (ينتبذ).
(٩) انظر: الذخيرة: ٤/ ١١٧.
(١٠) قوله: (قوله: "وَنَبْذٌ بِكَدُبَّاءَ" الصحيح فيهما) ساقط من (ن ٢). وانظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠٥.
(١١) في (ز): (إذ).
(١٢) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٢.
(١٣) هو حديث وفد عبد القيس، المتفق عليه، أخرجه البخاري: ١/ ٢٩، باب أداء الخمس من الإيمان، =
[ ٢ / ٣٣٠ ]
قوله: (وَفي كُرْهِ الْقِرْدِ وَالطِّينِ وَمَنْعِهِ قَوْلانِ) أما القرد فحكى في الجواهر عن الباجي كراهته، وعن ابن المواز تحريمه، وكذا في الواضحة، وأجاز بعض الأصحاب أكله إذا كان يرعى الكلأ (١). وحكي في الجواهر عن محمد (٢) كراهة الطين، وعن ابن الماجشون تحريمه (٣).
* * *
_________________
(١) = من كتاب الإيمان، برقم: ٥٣، ومسلم: ١/ ٤٦، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله - ﷺ - وشرائع الدين ، من كتاب الإيمان، برقم: ١٧.
(٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠٢.
(٣) قوله: (محمد) ساقط من (ن).
(٤) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤٠٠.
[ ٢ / ٣٣١ ]