وفيها فصلان:
الفصل الأول: في إسقاط الحق قبل وجوبه.
الفصل الثاني: في الشروط المنافية لمقتضى العقد.
[ ٢٧١ ]
(خاتمة)
في التنبيه على مسائل حكم فيها بعدم اللزوم لكونها من باب اسقاط الحق قبل وجوبه، أو لكون الإلتزام فيها مخالفًا لمقتضى العقد
وفيها فصلان:
(الفصل الأول)
في اسقاط الحق قبل وجوبه
ونذكر في ذلك مسائل:
المسألة الأولى
إسقاط الشفعة (١) قبل بيع الشريك
قال في كتاب الشفعة (٢) من المدونة، وإذا سلم الشفيع الشفعة بعد البيع فلا قيام له، ولو قال للمبتاع قبل الشراء اشتري (٣) فقد سلمت
لك الشفعة، وأشهد بذلك فله القيام بعد الشراء لأنه سلم ما لم يجب له، وإن سلم بعد
_________________
(١) العرب في العصر الجاهلي كانوا يعرفون نظام الشفعة فقد نقل الحطاب في مواهب الجليل عن ابن رشد في مقدمته (أن الأصل في تسمية هذا الحق شفعة أن الرجل في الجاهلية كان إذا اشترى حائطًا - يعني بستانًا - أو منزل أو شقص من حائط أو منزل آتاه جاره أو شريكه فشفع له في أن يوليه إياه - يعني يتملكه من المالك بمثل ما ملك- ليتصل الملك أو يندفع عنه الضرر حين يشفعه فيه فسمى لذلك شفعة) أنظر الحطاب على خليل جـ ٥ ص ٣١٠.
(٢) أنظر المدونة جـ ١٤ ص ١١٤/ ١١٥.
(٣) في - ع- إن اشتريت.
[ ٢٧٣ ]
الشراء على مال أخذه جاز، وإن كان قبل الشراء بطل ورد المال وكان على شفعته (١). قال (٢) ابن يونس لأن من وهب مالًا يملك لم تصح هبته. قال أشهب، وعبد الملك كمن أذن له ورثته بأن يوصي بأكثر من ثلثه في صحته فلا يلزمهم ذلك، وقال اللخمي ويختلف إذا سلمها قبل الشراء وقال له اشتري فإذا اشتريت فلا شفعة لي عليك فقيل لا يلزمه ذلك وله أن يستشفع، ويجري فيها قول آخر أنه لا شفعة له قياسًا على من قال إن اشتريت عبد فلان فهو حر أو (٣) إن تزوجت فلانة فهي طالق، ومن جعل لزوجته الخيار إن تزوج عليها فأسقطت ذلك الخيار قبل أن يتزوج عليها فقد قالوا أن ذلك لازم لها، وهو في الشفعة أبين لأنه أدخل المشتري في الشراء للإمكان الترك ولولا ذلك لم يشتري فأشبه هبة قارنت البيع، ولأنه لو قال له اشتري ذلك الشقص والثمن علي فإشتراه للزمه أن يغرم الثمن الذي اشتراه به، لأنه أدخله في الشراء وهذا قول مالك، وابن القاسم فهو في ترك الشفعة أبين، وإختلف فيمن قال لزوجته إن جئتني بمالي عليك فأنا أطلقك فجاءته به فقال (٤) مرة يلزمه إن طلقها. أ. هـ.
ونقله ابن عرفه ثم قال بعده وفي أجوبة ابن رشد الفرق بين قوله إن تزوجت فلانة فهي طالق، وإن اشترى فلان شقص كذا فقد أسقطت عنه الشفعة أن الطلاق حق لله تعالى لا يملك المطلق رده إن وقع ولو رضيت المرأة برده فرده (٥) إذ ليس هو (٦) لها فلزم بعد النكاح [كما] (٧) ألزمه
نفسه قبله، وإسقاط الشفعة إنما هو حق له لا لله تعالى يصح له الرجوع فيه برضاء المشتري فلا يلزم إلا بعد وجوبه. ابن عبد السلام هذا الفرق ليس بالقوى ويظهر
_________________
(١) أنظر المدونة جأ ١٤ ص ١٢٤.
(٢) في - م - وقال.
(٣) في - م - وإن.
(٤) في - م - ثم قال.
(٥) هناك تصحيح في هامش النسخة - م - لم ترده.
(٦) عبارة - م، ع- بحق لها.
(٧) ما بين القوسين ساقط من - م -.
[ ٢٧٤ ]
ببادئ الرأي صحة تخريج اللخمي، ثم ذكر عن شيخه ابن الحباب (١) فرقًا أطال فيه البحث والكلام فليراجعه [فيه] (٢) من أراده (٣). وقال أبو الحسن الصغير: قيل لابي عمران إذا قال له إذا وجبت لي الشفعة فقد سلمتها لك هل هي مثل مسألة الكتاب؟ قال ذلك سواء ولا يلزمه شيء بخلاف من قال إن اشتريتك فأنت حر أو (٤) قال لزوجته (٥)
إن تزوجتك فأنت طالق أن ذلك يلزمه لأنه معلوم أن وجوب الشفعة إنما يكون بعد وجوب البيع الشيخ: ولعل الفرق بين الطلاق والعتق وبين الشفعة أن الطلاق والعتق من حق الله تعالى بخلاف الشفعة (٦). أ. هـ
وسيأتي في كلام ابن رشد نحو ما ذكره أبو الحسن عن أبي عمران.
فرع
قال اللخمي: وإن ترك الشفعة بشرط فقال إن اشتريت ذلك الشقص فقد سلمت لك شفعتي على دينار تعطيه إياي، فإن لم يبعه منك فلا جعل لي عليك جاز ذلك، ولو اشترط النقد لم يجز (٧). أ. هـ
_________________
(١) في - م - ابن الحاجب وهو تصحيف ظاهر والصواب هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عمر المعافري المعروف بابن الحباب الإمام البارع المحقق المتفنن الأصولي الجدلي المؤلف المتقن، أخذ عن ابن زيتون وغيره، وعنه جماعة منهم المقري، وابن عبد السلام، وبينهما مناظرات، وابن عرفه وكان يثني عليه بالعلم، ونقل عنه في مختصره له تقييد على مغرب ابن عصفور، وإختصار المعالم. توفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة. أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ٢٠٩، ٢١٠.
(٢) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٣) أنظر مختصر ابن عرفه الفقهي جـ ٣ ورقة ٧٢ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٨٤٦.
(٤) في - ع- أو.
(٥) في - م، ع- بأمرأة ..
(٦) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٤ ورقة ٧٤ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٩.
(٧) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٤ ورقة ٧٤ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٩.
[ ٢٧٥ ]
فرع
قال ابن رشد في آخر الرسم [الأول] (١) من سماع أشهب من كتاب العيوب: إذا قال الرجل إن (٢) كان فلان قد اشترى هذا الشقص بكذا فقد سلمت له الشفعة فهذا يلزمه التسليم إن كان قد اشترى فلان وأما إن قال إن اشترى فلان الشقص فقد سلمت له الشفعة فهذا لا يلزمه التسلم إن اشترى (٣) لأنه [قد] (٤) أسقط حقه قبل أن يجب له (٥). أ. هـ
المسألة الثانية
إذا أجاز الورثة الوصية بأكثر من الثلث، أو لبعض الورثة. قال في التوضيح فلهم ثلاثة أحوال:
الأول: أن يكون ذلك في الصحة من غير سبب فإجازتهم غير لازمة لهم، لأنهم كمن أعطى شيئًا قبل ملكه، أو جريان سبب ملكه بدار الكتب
أشار إليه مالك في الموطأ (٦)، وروى عن مالك أن ذلك لازم لهم، ومثله في الموازية فيمن قال ما أرث من فلان صدقة عليك وفلان صحيح قال يلزمه ذلك إذا كان في غير يمين. اللخمي والأول أشهر، وهذا أقيس لأنه إلتزم ذلك بشرط حصول الملك فأشبه من أوجب الصدقة بما يملك إلى أجل أو بلد سماه، أو بعتق ذلك، أو بطلاق من (٧) يتزوج فيه (٨). أ. هـ
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) في - م - إذا.
(٣) هنا تنتهي النسخة - ع- لوجود خرم بها في أول وأخر النسخة.
(٤) ساقطة من - م -.
(٥) أنظر البيان والتحصيل جـ ٣ ورقة ٤٦ ظهر وما بعدها مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١٢.
(٦) أنظر موطأ الإمام مالك وشرحه تنوير الحوالك للسيوطي جـ ٢ ص ١٣٣، الطبعة الأخيرة مطبعة مصطفى الحلبي ١٩٥١ م.
(٧) في - م - ما وهو الصواب.
(٨) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ١٩٢ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
[ ٢٧٦ ]
وقال ابن عرفه وفي الموطأ (١)، والعتبية قال مالك إذا (٢) أذن الورثة للصحيح أن يوصي بأكثر من ثلثه لم يلزمهم [ذلك] (٣) إن مات لأنهم أذنوا في وقت لا منع لهم فيه. أبو محمد (٤) هذا مشهور مذهبه، وعنه أنه يلزمهم. ابن زرقون في الموازية من قال ما أرث من فلان صدقة عليك وفلان صحيح لزمه ذلك إن كان في غير يمين فهذا مثل ذلك. قلت: وزاد اللخمي والأول أشهر وهذا أقيس كمن أوجب صدقة بما يملك إلى أجل، أو في بلد سماه، أو بعتق ذلك، أو بطلاق من يتزوج فيه (٥) أ. هـ
حكاه الشيخ خليل، وابن عرفة من الخلاف في هذا الوجه تبعًا لأبي عمر بن عبد البر (٦) مخالفًا لما ذكره الباجي في المنتقى فإنه قال:
إن كانت الإجازة بغير سبب فلا خلاف في المذهب إن (٧) ذلك لا يلزم المجيز من الورثة وله الرجوع لأنه حال لم يتعلق به (٨) حقوقهم بالتركة (٩). أ. هـ
_________________
(١) أنظر موطأ الإمام مالك وشرحه تنوير الحوالك جـ ٢ ص ١٣٤.
(٢) في - م - إن.
(٣) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٤) في - م - ابن عمر وهو الصواب.
(٥) أنظر مختصر ابن عرفه الفقهي جـ ٣ ورقة ٢٤٣ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١١١٣٣. وجـ ٧ ورقة ١٧٩ ظهر من نسخة أخرى وقفت عليها بعين المكان تحت رقم ١٠٨٤٧.
(٦) هو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الإمام الحافظ النظار شيخ علماء الأندلس، وكبير مجتهديها الشهير الذكر في الأقطار شهرته تغني عن التعريف به تفقه بابن الفرضي ولازمه كثيرًا، وأحمد بن عبد الملك بن هشام، سمع منه عالم كثير كأبي العباس الدلائي، وأبي عمر سفيان بن القاضي. ألف في الموطأ كتابًا مفيد كالتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لم يتقدمه فيه أحد وكذلك الإستذكار بمذهب علماء الأمصار، والإستيعاب في أسماء الصحابة، والكافي في الفقه، وكتاب فضائل مالك وأبي حنيفة والشافعي وغير ذلك مولده سنة ثمان وستين وثلاثمائة وتوفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ١١٩، والديباج جـ ٢ ص ٣٦٧ وما بعدها.
(٧) عبارة - م - أنه لا يلزم ذلك.
(٨) في - م - فيه.
(٩) أنظر المنتقى جـ ٦ ص ١٨١.
[ ٢٧٧ ]
وصرح الرجراجي [أيضًا] (١) بنفي الخلاف في ذلك، وهو ظاهر كلام ابن رشد في آخر شرح المسألة الثانية من رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب الهبات قال ولا يلزم الوارث على [كل] (٢) حال ما أذن لمورثه فيه في صحته من الوصية، ولم يحك ابن يونس، وأبو الحسن في ذلك خلافًا ولفظ ابن يونس: ومن العتبية، والمجموعة، والموطأ قال مالك إذا أذن الورثة للصحيح أن يوصي بأكثر من ثلثه يلزمهم ذلك إن مات لأنهم أذنوا له في وقت لا منع لهم. أ. هـ.
وظاهر كلام اللخمي أن القول الثاني مخرج من مسألة الموازية ونصه قال مالك في الموطأ إن أذن الورثة للصحيح أن يوصى بأكثر من ثلثه لم يلزمهم، لأنهم أذنوا في وقت لا منع لهم، وفي كتاب الصدقة من كتاب محمد فيمن قال ما أرثه من فلان صدقة عليك وفلان صحيح فلا يلزمه ذلك إذا كان في غير يمين، والأول أشهر وهذا أقيس. لأنه إلتزم ذلك بشرط الملك فأشبه من أوجب الصدقة بما يملك إلى أجل، أو في بلد
سماه، أو بعتق ذلك، أو بطلاق من (٣) يتزوج فيه. أ. هـ
قلت: كلام اللخمي يدل على أنه خرج (٤) القول باللزوم من مسألة الموازية، والظاهر أنه لا يتخرج لأن الوارث في مسألة الإجازة لم يهب شيئًا، وإنما أجاز فعل شخص لا يقدر على رد (٥) فعله الأن، كما قال في الموطأ أن الشخص إذا كان صحيحًا كان أحق بجميع ماله يصنع فيه ما يشاء (٦) وفي مسألة الموازية الوارث نفسه وهب ما يرثه إذا دخل في ملكه ويأتي الكلام عليها إن شاء الله مستوفي.
الحال الثاني (٧): إذا أجاز الورثة الوصية في الصحة لسبب كالسفر والغزو
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٢) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٣) في - م - ما وهو تصحيف.
(٤) في - م - يتخرج.
(٥) عبارة - م - رده الأن.
(٦) أنظر الموطأ وشرحه تنوير الحوالك جـ ٢ ص ١٣٤.
(٧) في - م - الحالة الثانية.
[ ٢٧٨ ]
قال في التوضيح لبعض ورثته [أو] (١) بأكثر من ثلثه، فروى ابن القاسم في العتبية أن ذلك يلزمهم (٢)، وقاله ابن القاسم. وقال ابن وهب في العتبية كنت أقول بهذا ثم رجعت إلى أن ذلك لا يلزمهم، وقاله محمد وأصبغ وهو الصواب (٣). أ. هـ.
قلت: والمسألة في رسم نذر من سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا واقتصر الشيخ خليل في مختصره على القول بعدم اللزوم، والذي (٤) رجحه أصبغ وحكى في الشامل القولين من غير ترجيح.
الحال الثالث (٥): إذا أجاز الورثة الوصية في المرض، فلا يخلو المرض إما أن يكون مخوفًا أو غير مخوف، فإن كان غير مخوف فحكمه
حكم الإجازة في الصحة قاله عبد الوهاب (٦)، وقبله الشيخ خليل في التوضيح وجزم به في
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) في - م - يلزمه.
(٣) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ١٩٢ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٤) في - م - الذي.
(٥) في - م - الحالة الثالثة.
(٦) هو القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي الفقيه الحافظ الحجة النظار العالم الماهر الأديب الشاعر من أعيان علماء الإسلام. أخذ عن أبي بكر الأبهري، وحدث عنه وأجازه، وتفقه عن كبار أصحابه كابن القصار، وابن الجلاب، والباقلاني، وروى عن جماعة منهم عبد الحق بن هارون، وأبو بكر الخطيب، وكان أبو بكر الباقلاني يعجبه حفظه أبو عمران الفاسي القيرواني ويقول لو اجتمع في مدرستي هو وعبد الوهاب - صاحب الترجمة - لأجتمع علم مالك أبو عمران يحفظه وعبد الوهاب ينصره. ولي قضاء الدينور وولى قضاء المالكية بمصر أخر عمره وبها مات قاضيًا. ألف في المذهب والخلاف والأصول مؤلفات كثيرة مفيدة منها كتاب النصرة لمذهب إمام دار الهجرة والمعونة لمذهب عالم المدينة، وكتاب الأدلة في مسائل الخلاف وشرح رسالة ابن أبي زيد، والممهد في شرح مختصر الشيخ أبي محمد أصبغ وشرح المدونة، والتلقين، والإفادة والتلخيص في أصول الفقه، وعيون المسائل في الفقه، وكتاب أوائل الأدلة في مسائل الخلاف، والإشراف على مسائل الخلاف، وكتاب الفروق في مسائل الفقه وغير ذلك. ولد سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وتوفي بمصر سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ١٠٣/ ١٠٤ والديباج جـ ٢ ص ٢٦ وما بعدها.
[ ٢٧٩ ]
الشامل، وإن كان المرض مخوفًا فلا يخلو أما أن يصح بعد ذلك المرض أو يموت فيه، فإن صح بعده لم تلزمهم الإجازة حتى يأذن له في المرض الثاني قاله ابن القاسم في آخر سماع يحيى من (١) كتاب الوصايا، وقبله ابن رشد، ونقل نحوه [عن] (٢)
ابن كنانة (٣) [لكن] (٤) قال بعد
بعد أن يحلفوا ما سكنوا إلا غير رضا ولا يلزمهم ذلك، قال ابن رشد وهو بعيد يعني ألزامهم اليمين، وجعل الرجراجي قول ابن كنانة مخالفًا لقول ابن القاسم، وعلى قول ابن القاسم اختصر ابن الحاجب، والشيخ خليل في مختصره، وإن لم يصح بعد ذلك المرض بل مات فيه فالورثة على ثلاثة أقسام، فمن كان منهم بالغًا رشيدًا بائنًا عن الموصي، ولا سلطان له عليه، ولا نفقة فلا رجوع له، ومن كان منهم سفيهًا فهذا لا يجوز إذنه ولا يلزمه، ولم يحكاه أبو الحسن في هذين القسمين خلافًا، وصرح الرجراجي بنفي الخلاف في الثاني، وحكى في الأول قولين قال والمشهور اللزوم.
والقسم الثالث: من كان رشيدًا وهو في نفقة الموصي كزوجته وأولاده، أو له عليه دين، أو في سلطانه فلا يخلو إما أن يسألهم في الإذن أو يتبرعوا له به، فإن تبرعوا باإذن ففي لزوم ذلك لهم قولان المشهور منهما عدم اللزوم، وهو مذهب المدونة. قال في أخر كتاب الوصايا الثاني من المدونة: ومن أوصى في مرضه بأكثر من ثلثه فأجاز ورثته ذلك قبل موته من غير أن يطلبهم [الميت] (٥)، أو طلبهم فأجازوا ثم رجعوا بعد موته قال مالك من كان منهم بائنًا
_________________
(١) في - م - في.
(٢) ساقطة من - م - ..
(٣) هو أبو عمر عثمان بن كنانة مولى عثمان بن عفان من فقهاء المدينة الذين لازموا الإمام مالك، كان يحضره مالك لمناظرة أبي يوسف عند الرشيد وهو الذي جلس في حلقته بعد وفاته. قال في حقه ابن بكير لم يكن عند مالك أضبط ولا أدرس من ابن كنانة، كان يغلب عليه الرأي ولم يكن عنده في الحديث حظ يذكر. وتوفي ﵀ بمكة سنة ست وثمانين ومائة قال ابن بكير كان بين موت ابن كنانة ومالك عشر سنين أو نحوها وكانت وفاته بمكة وهو حاج. أنظر ترجمته في ترتيب المدارك جـ ٣ ص ٢١/ ٢٢.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) ساقطة من الأصل.
[ ٢٨٠ ]
من ولد قد احتلم، أو أخ أو ابن عم فليس ذلك لهم، ومن كان في عياله من ولد قد احتلم، وبناته وزوجاته فذلك لهم، وكذا ابن العم الوارث إن كان ذا حاجة إليه ويخاف إن منعه صح أضر به في منع رفده إلى أن يجيزوا بعد الموت فلا رجوع لهم بعد ذلك، ولا يجوز إذن البكر، والابن السفيه وإن لم يرجعا (١). أ. هـ
وإن سألهم في ذلك لم يلزمهم قولًا واحدًا. قال أبو الحسن الصغير وظاهر كلام غيره أن الخلاف يجري في ذلك أيضًا (٢).
تنبيهات
الأول: إذا قال الوارث بعد ان أجاز الورثة (٣) في الحال الذي يلزمه إجازتها لم أعلم أن لي رد الوصية، فإن كان مثله يجهل ذلك حلف ولم يلزمه. قاله في التوضيح، وظاهره سواء كانت إجازة الوارث في المرض أو بعد الموت، وهذا إذا لم ينفذوها فإن نفذوها ثم ادعوا الجهل فذكر ابن رشد في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الهبات ثلاثة أقوال أحدهما أنه يرجع فيما أنفذوا، وإن علم أنه جهل، قال وهو ظاهر قول ابن القاسم في أخر كتاب الوصايا من المدونة في الابن الذي في عيال الرجل فأذن له في مرضه في الوصية من ثلث ماله ثم نفذ ذلك بعد موته، أنه ليس له أن يرجع ظاهره وإن كان جاهلًا يظن به ذلك.
والثاني [أنه] (٤) يرجع إذا كان يشبه ما ادعاه من الجهل مع يمينه وهو قوله في هذه الرواية. قال وهي يمين تهمة إلا أن يحقق عليه أنه أنفذها بعد العلم بأنه لا يلزمه، وقيل بغير يمين.
_________________
(١) أنظر المدونة جـ ١٥ ص ٧٥/ ٧٦.
(٢) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٤ ورقة ١٦٦ ظهر، ١٧٧ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٩.
(٣) في - م - الوصية وهو الصواب.
(٤) ساقطة من الأصل.
[ ٢٨١ ]
والثالث أنه ليس له أن يرجع إلا أن يعلم أنه جهل ذلك (١). أ. هـ وقال الشيخ خليل في مختصره ولزم (٢) إجازة الوارث بمرض لم يصح بعده إلا
لتبين عذر بكونه في نفقته، أو دينه أو سلطانه إلا أن يحلف من يجهل مثله أنه جهل أن له الرد لا بصحة ولو لكسفر (٣) وهو بين مما تقدم.
الثاني: إذا قلنا لا يلزم الإذن من في عياله ونحوه فهل يحلف؟ ذكر في التوضيح في الابن الكبير إذا كان في عيال أبيه أنه يحلف أنه إنما أجاز خيفة منه أن يصح فيقطع عنه معروفه (٤). وقال في الشامل وفي الابن الكبير في عياله قولان، وعلى الرجوع يحلف ما أجاز إلا خوفًا منه
وحكم غير الابن كذلك والله تعالى أعلم.
الثالث: إذا أجاز الورثة الوصية بعد موت الموصي، فلا خلاف أن ذلك لازم إذا كان المجيز مالكًا لأمره (٥). والله تعالى اعلم.
المسألة الثالثة
من ترك إرثه من شخص في حياة ذلك الشخص، أو وهبه لشخص آخر فقد تقدم ما في الموازية فيمن قال ما أرث من فلان صدقة عليك وفلان صحيح، وأن ذلك يلزمه (٦)، وقال في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الهبات وسئل عن رجل حضرته الوفاة فاستوهب امرأتين له ميراثهما منه ففعلتا، ووهبتا [له] (٧) ذلك فلم يقض فيه بشيء ثم مات فلمن تراه؟ قال أراه للمرأتين مردودًا عليهما، ولا يعجبني أن يفعل الرجل مثل هذا يسأل امرأته أن
_________________
(١) أنظر المدونة جـ ١٥ ص ٧٥.
(٢) أنظر مختصر خليل ص ٢٨٨.
(٣) في - م - بكسفر وهو الصواب.
(٤) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ١٩٢ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٥) في - م - لأمر نفسه.
(٦) في - م - لا يلزمه.
(٧) ساقطة من الأصل.
[ ٢٨٢ ]
تهب له ميراثها. قال ابن رشد هذا مثل ما قاله في الموطأ وهو بين لأن الغرض إنما هو أن يصرفه إلى من يحب
من ورثته سواهما أو غيرهم، إذ لا حاجة به (١) إلى ميراثهما منه سوى ذلك فإذا لم يقض فيه بشيء حتى مات كان مردودًا عليهما بمنزلة ما إذا (٢) إستأذن ورثته، أو (٣) يوص لبعض ورثته بشيء [أكثر] (٤) من ثلثه فأذنوا له بذلك فلم يفعل حتى مات لم يلزمهم فيما أذنوا بشيء (٥)، وقد مضى في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الشهادات القول مستوفى في هبة [الوارث] (٦) ميراثه في مرض الموروث أو في صحته (٧). أ. هـ
ونص ما تقدم له في الرسم المذكور ولا أعرف نص خلاف في أن هبة الوارث لميراثه في مرض الموروث جائزة، وهو بين من قول ابن القاسم في هذه الرواية، ونص من قوله في رسم الأقضية والحبس من سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبات لأنه قال فيه أن ذلك يلزمه إلا أن يقول كنت أظنه يسيرًا لا أعلم أنه يبلغ هذا القدر وشبه ذلك من قوله، فيحلف على ذلك ولا يلزمه، ومثله لمالك في الموطأ لأنه قال فيه أن الميت إذا قال لبعض ورثته أن فلانًا لأحد من ورثته ضعيف وقد أحببت أن تهب لي ميراثك فأعطاه إياه أن ذلك جائز إذا سماه له الميت إذ لا فرق بين أن يهب أحد الورثة ميراثه لمن سواه من الورثة، أو لأجنبي من الناس، ولا بين أن يسميه له الميت، أو لا يسميه له، وما في رسم نقدها من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات محتمل للتأويل على ما سنذكره إذا مررنا به من الناس من ذهب إلى أن هبة الوارث لميراثه في مرض الموروث (٨) لا يجوز
لأنه وهب مالا يملك بعد على ما في المدونة من أن المريض
_________________
(١) في - م - له.
(٢) في - م - لو.
(٣) في - م - أن.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) في - م - فيه شيء.
(٦) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٧) أنظر البيان والتحصيل جـ ٣ ورقة ٢٤٧ وجه وظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١٢.
(٨) في - م - الموت.
[ ٢٨٣ ]
إذا استأذن بعض ورثته في أن يوص لبعضهم فأذنوا له [لزمهم] (١) إذا لم يحكم لهم بحكم المالك للميراث في المرض، وإنما كان له التحجير على مورثه فإذا رفع عنه التحجير بالإذن له لزمه، وإن لم يكن مالكًا للمال، وقال أن ذلك يقوم أيضًا من قول مالك في الموطأ أن الوارث إذا وهب لمورثه في مرضه ميراثه منه فمات قبل أن يقضي فيه أنه يرجع إليه إذ لو أجاز هبته له لقال أنه لا يكون له منه إلا ميراثه منه، قال فكما (٢) لا تجوز هبته له من أجل أنه لم يتقرر له عليه ملك فكذلك لا يجوز لغيره ليس (٣)
ذلك بصحيح، والفرق بينه وبين غيره أنه إذا وهبه لمورثه فقد علم أن القصد في ذلك إنما هو ليرفع التحجير عنه في أن يصرفه إلى من أحب من الورثة إذ لا يحتاج هو إلى هبة إن صح ولا ينتفع بها إن مات، فإذا لم يقض فيها بشيء حتى مات رجعت إلى الواهب، وإذا وهبه لغيره فقد ملكه بالهبة ما وهبه إياه ولا يقال أن ذلك لا يجوز من أجل أنه وهبه ما لم يملكه بعد لأنه لم يبتله له الأن، وإنما وهبه له بشرط ملكه له بموت مورثه كما لو قال إن ملكت فلانًا فهو حر، أو إن ملكته فهو لفلان فلا فرق في وجه القياس بين صحة الموروث ومرضه في هبة الوارث (٤) لميراثه منه، والتفرقة بين المرض والصحة في ذلك استحسان، وتحصل (٥) على هذا في المسألة ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع في الحالين، والفرق بينهما. أ. هـ.
وقال في أول رسم من سماع عيسى من كتاب الهبات قال عيسى وسئل ابن القاسم عن رجل صالح مالك أمره تصدق على آخر مثله بميراثه
من أبيه إذا مات والأب باق أيجوز له؟ فقال لا أرى أن يجوز هذا ولا أقضي به عليه وهو أعلم لأنه أمر لا يدري قدره، ولا يعلمه، ولا يدري كم يكون دينارًا أو ألف دينار فلا يدري ما هو وهو أعلم. قال محمد بن رشد قوله لا أرى أن يجوز معناه لا أرى أن يجوز هذا عليه أي لا يلزمه
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٢) في - م - وكما.
(٣) في - م - وليس ..
(٤) في - م - الثواب.
(٥) في - م - ويصير.
[ ٢٨٤ ]
ذلك ولا أقض عليه به، وهو أعلم لأنه لا يدري قدره، ولا كم يكون [دينارًا أو ألفًا (١)] فإنما قال أن ذلك لا يلزمه [من أجل أنه لم يدر قدر ما وهب لا] (٢) من أجل أنه وهب ما لم يملكه [إذ لم يهبه اليوم فيكون قد وهب ما لم يملكه (٣)] بعد، وإنما أوجب ذلك على نفسه يوم يموت أبوه فيجب له ميراثه كمن قال إن ورث فلان أو اشتريته فهو حر يلزمه ذلك بخلاف قوله هذا اليوم حر، وقوله في هذه الرواية أن ذلك لا يلزمه خلاف ما يأتي من قوله في رسم الأقضية والحبس من سماع أصبغ أن ذلك يلزمه إلا أن يقول كنت ظننت أنه يسير ولو علمت أنه بهذا القدر ما وهبته وشبه ذلك من قوله فيحلف على ذلك، ولا يلزمه فاتفقت الروايات جميعًا على أن الواهب ميراثه في مرض الميت ليس بواهب لما لم يملكه بعد، وأنه إنما هو واهب له إذا ملكه بقوله المتقدم قبل أن يملكه، واختلف هل يلزمه إذا مات [قبل قوله (٤)] المتقدم، فقال في هذه الرواية لا يلزمه إذا لم يدر يوم أوجبه كم يكون يوم الموت، وفي (٥)
رواية أصبغ يلزمه إلا أن يقول لم أظن أنه يكون هذا المقدار فيحلف على ذلك ولا يلزمه، ومن أهل النظر من ذهب إلى أن معنى رواية أصبغ أن الصدقة كانت بعد موت الأب فلذلك ألزمه بها بخلاف هذه الرواية التي قال فيها أن الصدقة والأب باق
فإنها غير جائزة. قال وهو الذي على مذهبه في أخر الوصايا (٦) الثاني من المدونة، لأن الوارث لا يملك ميراثه في مرض الموت فتجوز فيه هبته، وإنما له في مرضه التحجير عليه في أن يوص بأكثر من ثلثه أو يوص لبعض ورثته فهذا الذي أذن [له] (٧) فيه لزمه على ما قاله في المدونة، وإما أن يهبه هو لأحد فلا قال وفي الموطأ ما يدل على أنه لا يجوز للوارث أن يهب له ميراثه في مرض موته قال ابن رشد:
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٣) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٤) ساقطة من - م -.
(٥) في - م - وقال في ..
(٦) أنظر المدونة جـ ١٥ ص ٧٥ وما بعدها.
(٧) في - م - ساقطة.
[ ٢٨٥ ]
وليس ذلك عندي بصحيح بل الذي في الموطأ أن هبة الوارث ميراثه في مرض الموروث (١) جائز لازم، وليس عندي في المدونة ما يخالف ذلك، ولا في هذه الرواية [أيضًا] (٢) ما يدل على خلاف ذلك، لإحتمال أن يريد أن الصدقة [قد] (٣) وقعت في صحة الموروث قبل مرضه، وهذا أولى ما حملت عليه حتى تتفق الروايات (٤)، لأن حمل بعضها على التفسير لبعض أولى من حملها على الخلاف، فنقول على هذا أنه إذا وهب ميراثه في صحة الموروث (٥) لم يجز (٦) عليه، وكان له أن يرجع عنه على معنى هذه الرواية ولا نص خلاف في ذلك، وإنما يدخل فيه الخلاف بالمعنى إذ لا فرق في حقيقة القياس في ذلك بين الصحة والمرض، وإذا وهب ميراثه في مرض الموروث (٧) [الذي مات فيه] (٨)
لزمه، ولم يكن له أن يرجع عليه إلا أن يتصدق عليه وهو بظنه النصف أو الربع فيكون للتفرقة بين ذلك وبين الذي يجهل قدر المال [وجه] (٩) وهو أن الذي شك فيما بين الجزئين قد رضي بهبة
أكترهما فيجب أن يلزمه وبالله التوفيق. وقال في رسم الأقضية والحبس (١٠) من سماع أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في رجل تصدق على رجل بميراثه من أبيه بعد أن يموت أبوه، وأشهد له، وقبل ذلك منه ثم بدا للمتصدق، وقال أنني كنت حين فعلت ذلك لا أدري ما أرث نصفًا أو ربعًا، ولا أدري ما عدد ذلك من الدنانير، ولا من الرقيق، ولا ما سعة ذلك من الأرض، وعدد الأشجار فلما تبين لي مورثي من أبي وما أرث مما ترك
_________________
(١) في - م - الموت.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) في - م - الرواية.
(٥) في - م - الموروث هكذا صححت.
(٦) في - م - يجبر.
(٧) في - م - الموت وهو الصواب.
(٨) ما بين القوسين ساقط من الأصل ..
(٩) ما بين القوسين ساقط من لأصل.
(١٠) أنظر البيان والتحصيل جـ ٤ ورقة ١٠٨ وجه وظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١٣.
[ ٢٨٦ ]
ذلك كثيرًا وكنت ظننت بأنه دون ذلك وأنا لا أجيز الأن فقال ابن القاسم: أن تبين ما قال أنه لم يكن يعرف يسر أبيه ولا وفره لغيبة كانت عنه رأيت أن يحلف ما ظن ذلك، ويكون القول قوله وإن كان عارفًا بأبيه ويسره، وإن لم يعلم قدر ذلك جاز ذلك على ما أحب أو كره، وقال أصبغ. قال ابن رشد: قد سبق الكلام عليها [مستوفى] (١) في سماع عيسى قلت فتحصل من كلام ابن رشد أنه إذا وهب ميراثه بعد موت مورثه لزمه بلا خلاف، وإن وهبه في حال مرض موته (٢) الذي مات فيه لزمه أيضًا، ولا يعرف به نص خلاف إلا ما يؤخذ من سماع عيسى وليس الأخذ عنه بصحيح، وإن وهبه في صحة مورثه فالقياس أنه يلزمه ولكنه لا يعرف نصًا في عدم اللزوم، وحمل سماع عيسى بعدم اللزوم عليه أما ما ذكره من اللزوم إذا وهبه بعد الموت، أو في المرض فظاهر وكذا ما ذكر من أن اللزوم في حالة الصحة هو القياس، وأما كونه ليس بمنصوص فليس بظاهر، وقد تقدمت مسألة الموازية، وهي نص في اللزوم في حالة الصحة.
وقال في كتاب الهبة من المدونة: وإن وهبه مورثه من فلان وهو لا يدري كم هو ربع أو سدس، أو وهبه نصيبه من دار، أو جدار
ولا يدري كم ذلك فذلك جائز، والغرر في الهبة لغير الثواب يجوز (٣). أ. هـ
فظاهرها سواء كان في الصحة أو في المرض، أو بعد الموت وقال المشذالي في حاشيته على المدونة: قال الوانوغي (٤) معنى المسألة أن فلانًا مات حين الهبة، أو مرض أما لو كان صحيحًا فلا يلزم الواهب ما وهبه قال ابن القاسم: فيمن تصدق بميراثه من أبيه إذا مات والأب باق لا أرى أن يجوز هذا ولا يقضى به.
_________________
(١) ساقطة من - م.
(٢) في - م - مورثه وهو الصواب.
(٣) أنظر المدونة جـ ١٥ ص ١١٩.
(٤) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد الوانوغي التوزي نزيل الحرمين الشريفين الإمام العلامة العمدة المحقق الفهامة كان آية في الذكاء والحفظ شديد الإعجاب بنفسه، والإزدراء لمعاصرية. أخذ عن ابن عرفة، وأحمد بن عطاء الله التونسي، وابن خلدون، وعنه ابن ناجي وغيره له طرر على المدونة في غاية الجودة وأسئلة في فنون من العلم بعث بها إلى القاضي البلقيني وإجابة عنها ثم رد ما قاله البلقيني وهو يشهد بفضله، وكتاب على قواعد ابن عبد السلام مولده سنة ٧٥٥ هـ وتوفي بمكة سنة ٨١٩ هـ أنظر ترجمته في شجرة النور جـ ١ ص ٢٤٣.
[ ٢٨٧ ]
ابن رشد قوله لا يجوز أي لا يلزمه، وله أن يرجع ولا نص خلاف فيه، ولو وهب ميراثه في مرض الموت الذي مات منه لزمه، ولم يكن له رجوع إلا إذا ظنه يسيرًا ثم بان أنه كثير فيحلف على ذلك ولا يلزمه، ولا نصه خلاف في ذلك أنظر تمامه. قلت: وقد أومأ بقوله (١) ولا نص خلاف إلى أنه لا يبعد تخريج اللزوم، وإن كثر وما أحسن قولها ولو شاء لم يجعل، وقوله في العتبة إذ لو شاء لاستتبت
[وهذا بالنسبة إلى ما يتعلق بوقت الهبة] (٢)، [وأما ما ذكره] (٣) بالنسبة إلى كونه يجهل قدره فالمعروف من المذهب أن الجهل بقدر الموروث لا يبطل الهبة، وكلام المدونة المتقدم صريح في ذلك. وقال في النوادر بعد ذكره كلام العتبية المتقدم من (٤) سماع أصبغ قال أبو محمد وأعرف لابن القاسم في غير موضع (٥) أن هبة المجهول جائزة. وقال ابن عبد الحكم: تجوز (٦) هبة المجهول وإن ظهر (٧) أنه كثير بعد ذلك. وقال
ابن عرفة بعد ذكر كلام المدونة للخمي هبة المجهول والصدقة به (٨) ماضية ويستحب كونها بعد معرفة قدر العطية خوف الندم، ثم ذكر في لزوم هبة ما جهل قدره من أرث ناجز ثلاثة أقوال:
الأول: اللزوم مطلقًا، وعزاه للمدونة مع ابن رشد، وابن عبد الحكم قائلًا ولو ظهرت كثرته.
والثاني: عدم اللزوم مطلقًا، وعزاه لنقل اللخمي عن ابن القاسم
والثالث: اللزوم إن عرف قدر جميع المال الموروث ولو جهل نصيبه من الميت، وعدم اللزوم إذا جهل قدر المال. ولو عرف قدر نصيبه، وعزاه لابن
_________________
(١) في - م - في قوله.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) في م - عن.
(٥) في - م - موضوع.
(٦) في - م بجواز.
(٧) في م - ظن.
(٨) ساقطة من الأصل.
[ ٢٨٨ ]
فتوح عن بعضهم مع ابن رشد عن بعض المتأخرين، ثم قال حكى ابن العربي (١) في (٢) عارضته في باب القطائع في جواز هبة المجهول روايتين ثم قال وفي التنبيه لابن بشير في كتاب العرايا حكى محمد الإجماع على جواز هبة المجهول، وقال من لا تحقيق عنده من الملقبين بالفقهاء في هبة المجهول قولان وهو غلط منه لما رأى من الخلاف فيمن وهب مجهولًا
وقال ما ظننت هذا المقدار هل له رده أم لا (٣). أ. هـ
ويعني ابن بشير أنه لا خلاف في الجواز، وإنما الخلاف في اللزوم يبين ذلك بقيمة كلامه في التنبيه في المحل الذي ذكره ابن عرفه قال أثر كلامه المتقدم وهذا أصل ثاني لا يعود بالخلاف في صحة هبة المجهول وإنما هو خلاف في إلزامه كل ما ظهر لأنه خرج من يده ويمكن أن يكون فوق ما ظن، أو لا يلزمه إلا القدر الذي يظن أنه وهبه. أ. هـ
تنبيهات
الأول: يظهر من كلام ابن رشد المتقدم أن الخلاف إنما هو حيث يهب
_________________
(١) هو القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن العربي الإشبيلي الإمام الحافظ المتبحر خاتمة علماء الأندلس وحفاظها الجليل القدر الشهير الذكر، شهرته تغني عن التعريف به سمع أباه وخاله أبا القاسم الحسن الهوزني، ورحل للمشرق مع أبيه سنة ٤٨٥ هجرية ولقي بالمهدية أبا الحسن بن الحداد الخولاني، وقرأ عليه تأليفه، ولإمام المازري، ولقي بالإسكندرية أبا بكر الطرطوشي، وصحب أبا حامد الغزالي، فانتفع به. أخذ عنه من لا يحصى كثرة منهم القاضي عياض، والإمام السهيلي، وأبو القاسم الحوفي. بقي يفتي أربعين سنة. له مؤلفات تدل على غزارة علمه وفضله منها عارضة الأحودي في شرح الترمذي، والقبس في شرح موطأ مالك بن أنس وترتيب المسالك في شرح موطأ مالك وأحكام القرآن، وكتاب الخلاقيات وكتاب مشكل الكتاب والسنة والناسخ والمنسوخ، والإنصاف في مسائل الخلاف. ولد سنة ثمان وستين وأربعمائة واختلف المترجمون له في سنة وفاته فقيل توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل توفي سنة ثلاث وأربعين. أنظر ترجمته في هجرة النور الزكية جـ ١ ص ١٣٦ وما بعدها وتاريخ الدولتين ص ٩٠٨.
(٢) في - م - من.
(٣) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٤ ورقة ٢٢ ظهر و٢٣ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١١١٣٣.
[ ٢٨٩ ]
ما يرثه من قريبه على الجزم من الأن، وأما لو صرح بالتعليق وقال (١) إن ملكت الشيء الفلاني فهو صدقة على فلان أنه يلزمه، وهو ظاهر إذا كان في غير يمين كما تقدم.
الثاني: إذا وهب ميراثه لمورثه فلم يقض فيه بشيء فإنه يرجع للواهب كما تقدم في سماع ابن القاسم عن مالك. قال في المنتقى: ورواه ابن وهب أيضًا إلا أن ابن وهب روى عنه أنه قال إلا أن يكون سمى له من يهبه [له] (٢) من ورثته فذلك له. قال الباجي: [لأنه] (٣) قد يبين [له] (٤) الوجه الذي سأله (٥) إنفاذه فيه، وقد وجد الإنفاذ من الواهب الوارث ولو قال أعطيته [ما] (٦) أوصى به لفلان فقد روى ابن عبد الحكم عن مالك في الموازية أنه [إذا] (٧) أذن له أن يوصي به لوارث آخر فإن أنفذه مضى
وإن لم ينفذه فهو رد، ثم قال في الموطأ ولو وهب له ميراثًا فأنفذ لمالك بعضه وبقي بعضه فهو رد على الواهب (٨). أ. هـ
الثالث: هبة الوارث [غير] (٩) ميراثه لمورثه إنما يلزمه إذا لم يكن في سلطانه، كما تقدم في إجازة الوصية. قال في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات وسئلته عن الرجل يسأل امرأته في مرضه أن تضع (١٠) عنه مهرها (١١) وتتصدق عليه بشيء من مالها فتفعل، ثم أرادت بعد موته أو بعد أن صح الرجوع فيه هل ترى لها ذلك بمنزله الميراث قال ابن القاسم: ليس لها
_________________
(١) في - م - وقال.
(٢) ساقطة من - م -.
(٣) ما بين القوسين ساقط من م.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) في - م - سمى له وهو تصحيف.
(٦) ساقطة من - م -.
(٧) ساقطة من - م -.
(٨) أنظر المنتقى جـ ٦ ص ١٨٢.
(٩) ساقطة من - م -.
(١٠) في - م - تهب منه.
(١١) في - م - أو.
[ ٢٩٠ ]
ذلك، ولا يعجبني ذلك لها صح أو مات قضى فيه بشيء أو لم يقض، وليست الصدقات والديون في هذه بمنزلة المواريث، وهذا وجه الشأن فيه وهو قول مالك. قال محمد بن رشد لا اختلاف أن ما وهبت المرأة لزوجها من مالها أو من صداقها عليه فيه مرضه أو في صحته لازم لها، وليس لها الرجوع في شيء منه في حياته ولا بعد موته إلا أن يكون أكرهها على ذلك بالإخافة والتهديد مثل أن يسألها ذلك فتأبى فيقول والله لئن لم تفعلي ذلك للأضيقن عليك، ولا أدعك تأتي أهلك على ما قاله [ابن القاسم] (١) في رسم أخذ يشرب خمرًا من سماع ابن القاسم من كتاب الدعوى والصلح، وما أشبه ذلك فلا يلزمها لأن إكراه الرجل امرأته إكراه على ما قاله في المدونة، وقوله لا يعجبني ذلك لفظ فيه تجوز ولا يسوغ له (٢) ذلك فقد يعبرون بالمكروه عن الحرام، وأما إذا سألها في مرضه [أن تهب] (٣) له ميراثها مما يخلفه، أو بعضه فلا يلزمها ذلك ولها أن ترجع فيه إذا مات قضى فيه بشيء أم لم يقض بخلاف الابن البائن
عن أبيه يسأله أبوه في [مرضه] (٤) أن يهب له ميراثه مما يخلفه، أو من بعضه فهذا إن قضى فيه بشيء له لزمه، ولم يكن له أن يرجع عنه.
المسألة الرابعة
إذا وهبت الزوجة يومها لضرتها، أو لزوجها، أو أسقطت حقها من القسم فلها الرجوع متى شاءت.
قال في أخر [كتاب] (٥) النكاح الثاني (٦) من المدونةوإذا رضيت امرأة بترك أيامها وبالأثرة عليها على أن لا يطلقها جاز، ولها الرجوع متى شاءت فإما عدل أو طلق (٧). أ. هـ
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) في الأصل لها.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) ساقطة من - م.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) الرابع وهو الصواب.
(٧) أنظر المدونة جـ ٤ ص ١٢٠.
[ ٢٩١ ]
قال اللخمي: وسواء كانت الهبة مقيدة بوقت أو للأبد لأن ذلك مما يدركها فيه الغيرة، ولا تقدر على الوفاء بما وهبت إلا أن يكون اليوم واليومين (١).
تنبيهات
الأول ظاهر كلام أبي الحسن الصغير أن ما ذكره اللخمي من استثناء اليوم واليومين تقييد للمدونة وهو (٢) ظاهر كلام ابن عبد السلام، والشيخ خليل في التوضيح قال ابن الحاجب بعد أن ذكر هبتها لضرتها، وللزوج ولها الرجوع متى شاءت (٣). قال ابن عبد السلام يعني في القسمين معًا سواء وهبت ذلك لضرتها أو لزوجها قالوا لأن ذلك مما لا تصبر
عليه عادة، ولهذا لو وهبت اليوم واليومين لما كان لها الرجوع (٤). ا. هـ
ونحوه في التوضيح فإنه ذكر كلام اللخمي وسكت (٥) عنه وظاهر كلامه في مختصره الإطلاق فإنه قال ولها الرجوع متى شاءت. قال ابن عرفة: بعد أن ذكر كلام اللخمي قلت ظاهرها الإطلاق (٦). أ. هـ
قلت: وهذا هو الجاري على تعليل المسألة بكونها من باب إسقاط الحق قبل وجوبه، وبذلك وجهها أبو إسحاق التونسي قال الشيخ أبو الحسن ذكر
_________________
(١) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٢ ورقة ١٧٩ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٧.
(٢) في الأصل - وظاهر.
(٣) أنظر مختصر ابن الحاجب ورقة ١٠٦ وجه رقم المخطوط ١٧٧٩١ تونس.
(٤) هذه المسألة ساقطة من النسخة التي وقفت عليها من شرح ابن عبد السلام على مختصر ابن الحاجب فبين ذلك أثناء مقابلة مختصر ابن الحاجب لشرح ابن عبد السلام، حيث انتقل مباشرة من قول ابن الحاجب في مسألة اختلاف الزوجين في متاع البيت إلى مسألة الصلح وبعث الحكمين بعيد كتاب الطلاق بيسير، فأسقط بذلك الكلام عن الوليمة والجزء الأكبر من الكلام على القسم والنشوز. حيث موضع هذه المسألة. أنظر مختصر ابن الحاجب ورقة ١٠٥ وجه إلى ١٤٠، وكذلك شرح ابن عبد السلام على مختصر ابن الحاجب ورقة ٢١٦ ظهر و٢١٧ وجه رقم المخطوط ١٢٢٤٤ تونس.
(٥) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٦ ظهر رقم المخطوط ١٢٢٥٦ تونس.
(٦) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ٢٩ ظهر رقم المخطوط ١٢١٤٧ تونس
[ ٢٩٢ ]
عبد الحميد عن أبي إسحاق قال جعل لها الرجوع لأنه شيء لم يجب لها فوهبت ما لم يتقرر [لها] (١) ملكه لكنه قال قال عبد الحق وفي هذه العلة نظر لأنها لو تركت المطالبة بنفقة جملها أو بنفقتها [هي (٢)] لزمها ذلك، وإن كانت النفقة للمستقبل (٣) فأنظره. أ. هـ
قلت: ما ذكره من سقوط النفقة هو أحد القولين وسيأتي أنه الراجح منهما فلم يبقى بين هذه المسألة ومسألة اسقاط النفقة فرق إلا من جهة قوة الضرر هنا، وأنه لا يمكن الصبر عليه فيجئ ما قاله اللخمي وأنظر ما ذكره المشذالي في حاشيته على المدونة عن ابن عرفة ونصه قوله ولها الرجوع متى شاءت قال ابن عرفة: عندي أنه إذا كان ما وهبته الزمن اليسير كاليوم واليومين لا رجوع لها لقول عاريتها إذا رجع فإنه
يقضى عليه بما يعار إلى مثله، وقولهم في السلف إذا طلب في الحال لجامع المعروف، قال المشذالي وهذا غير بين لأن مدرك مسألتنا راجع لضرر بدني، ولا يقاومه ما يرجع إلى أمر (٤) مالي. أ. هـ
فجعل التقييد باليومين (٥) من عند ابن عرفة مع أنه حكاه في مختصره عن اللخمي، وإعترضه بأنه خلاف ظاهر إطلاق المدونة.
الثاني: قال في التوضيح [وأنظر] (٦) هل يقيد رجوعها في هذه المسألة بما إذا لم تدخل ضرتها الأخرى (٧) في شيء كما قال في إعتصار الأب مال ولده (٨). أ. هـ
قلت: الذي يظهر من كلامهم عدم التقييد سواء عللنا المسألة بالضرر،
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٢ ورقة ١٧٩ ظهر مخطوط رقم ١٢٠٩٧ تونس.
(٤) في - م - ضرر وهو الصواب.
(٥) في - م - باليوم.
(٦) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٧) هكذا صححت بالهامش في م.
(٨) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٦ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
[ ٢٩٣ ]
أو بإسقاط الحق قبل وجوبه كما في الشفعة حيث لم يعتروا إدخال المشتري في الشراء وكلفته مع أنها في الغالب أعظم من كلفة الزوجة فتأمله والله تعالى أعلم.
فرع
إذا قلنا للمرأة الرجوع فرجعت ولم يبلغ ذلك الزوج فليس عليه قضاء ما فات قبل أن يبلغه الرجوع. قال في الجواهر وما فات قبل بلوغ خبر الرجوع فلا يقضى (١). أ. هـ.
الثالث: قال ابن الحاجب: وإذا وهبت واحدة يومها لضرتها فللزوج الإمتناع لا للموهوبة. قال ابن عبد السلام: أن هبة الضرة (٢)
لضرتها يومها جائز، ثم للزوج الإمتناع من قبول تلك الهبة وليس للموهوبة الإمتناع منه لأن الحق في الإستمتاع بالواهبة بيد الرجل، فلو جاز للموهوبة قبول هذه الهبة بغير رضى الزوج لسقط الزوج في المتعة بالواهبة بغير رضاها وهو باطل، وكذلك لو قبل الزوج الهبة لم يكن (٣) للموهوبة الإمتناع من القبول (٤). أ. هـ
قلت: لأن له الإستمتاع بها في كل وقت، وإنما غمتنع عليه لحق الزوجات الأخرى فلما أسقطت إحداهن يومها للأخرى، ورضي الزوج بذلك جاز ولم يكن للموهوبة في ذلك مقال (٥). ولم ينبه في التوضيح على قول ابن الحاجب لا للموهوبة. والله تعالى أعلم.
ثم قال ابن الحاجب فإن (٦) وهبت للزوج قدرت كالعدم ولا يخصص هو [قال ابن عبد السلام، والشيخ خليل يعني إذا وهبت لضرتها بقيت أيام القسم على حالها، ويكون للموهوبة يومان، وأما إذا وهبت الزوج فإنها تكون كالعدم، ولا يخصص هو (٧)] بذلك اليوم غيرها. زاد ابن عبد السلام فقال لأن معنى هبتها للزوج إسقاط حقها لا أنها جعلت ما كان لها بيده هكذا قالوا، وقال بعض أهل العلم إذا وهبت يومها للزوج كان مخيرًا بين إسقاط يومها وبين أن يخصص به واحدة قال ابن عبد السلام قلت والأقرب سؤالها عن مرادها بالهبة هل الإسقاط أو تمليك الزوج، فإن
أرادت تمليك الزوج فيكون مخيرًا في جعله لمن شاء، ونقله عمن جعله إليها إذا شاء (٨). أ. هـ.
ونقل في التوضيح هذا الأخير فقال وينبغي إذا وهبت الزوج أن تسأل هل أرادت الإسقاط أو تمليك الزوج، فإن أرادت الثاني فله أن يخصص ليومها من يشاء (٩). أ. هـ
[قلت] (١٠): وهذا التفصيل هو الذي يفهم من كلام اللخمي فإنه هبة المرأة يومها جائزة، إلا أن يأبى الزوج لأن له حقًا في الإستمتاع بها وهبتها على ثلاثة أوجه فإن اسقطت يومها ولم تخص أحدًا عاد القسم لثلاثًا، وإن خصت به واحدة كان لها وبقى القسم أرباعًا وقد وهبت سودة (١١) يومها
_________________
(١) أنظر الجواهر لابن شاس جأ ١ ورقة ١٤٥ وجه رقم المخطوط ١٣٤٥٢ تونس.
(٢) في - م - المرأة.
(٣) عبارة - م - للزوجة الإمتناع من القبول وهو تصحيف.
(٤) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٦ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٥) نفس المصدر السابق ونفس الورقة والجزء.
(٦) في - م - فلو.
(٧) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٨) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٦ ظهر وما بعدها. تنبيه يوجد تخليط في التسفير فاحذره. مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٩) نفس المصدر السابق ونفس الورقة والجزء.
(١٠) ساقطة من الأصل.
(١١) سودة: هي أم المؤمنين بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدود القرشية. توفي عنها زوجها السكران بن عمر فتزوجها الرسول ﷺ بمكة وهي أول امرأة تزوجها ﵇ بعد خديجة، اختلف في تاريخ وفاتها فقيل توفيت في أخر خلافة عمر، وقيل سنة أربع وخمسين ورجحه الواقدي. أنظر ترجمتها في الإصابة جـ ٤ ص ٣٣٨.
[ ٢٩٤ ]
لعائشة (١) رضي الله تعالى عنها فكان لها يومان. وقال
بعض أهل العلم إن وهبته للزوج كان بالخيار بين أن يسقط [حقه] (٢) فيه ويكون القسم لثلاثًا، أو يخص به واحدًا ويكون القسم أرباعًا. أ. هـ.
نقل (٣) ابن عرفة كلام اللخمي فأجحف في اختصاره ونصه للخمي: إن أسقطت الحرة (٤) يومها، أو وهبته لضرتها فللزوج منعها لحقه في المتعة بها فإن وافقها فالمسقطة كالعدم، واختص القسم بمن سواها، وللموهوبة يومها. وقال بعض العلماء أن وهبته له فله أن يخص به واحدة أو يخص القسم بمن سواها، ثم قال وظاهر قوله قال بعض العلماء أن المذهب خلافه وهو مقتضى قول ابن الحاجب وابن شاس (٥) وفيه نظر إحتمال كونه كهبة
أحد الشفعاء حقه
_________________
(١) هي عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ التميمية أم عبد الله الفقيهة أم المؤمنين الربانية حبيبة النبي ﷺ، روت عن النبي ﷺ كثيرًا وعن أبيها، وعمر، وحمزة بن عمر الأسلمي، وسعد بن أبي وقاص، وفاطمة الزهراء وغيرهم. روت عنها أختها أم كلثوم بنت أبي بكر، وابن أخيها القاسم، وابن ابن أخيها عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ومن أكابر التابعين خلق منهم عمرة بنت عبد الرحمن، وقال أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ أمر قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا. توفيت في رمضان سنة ثمان وخمسين وصلى عليها أبو هريرة. أنظر ترجمتها في التهذيب جـ ١٢ ص ٤٣٣.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) في - م - ونقل.
(٤) في - م - المرأة.
(٥) هو أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس الجدامي السعدي الفقيه المالكي الشهير كان فقيهًا فاضلًا في مذهبه عارفًا بقواعده. يقول صاحب الديباج رأيت بمصر جمعًا كثيرًا من أصحابه يذكرون فضائله وصنف في مذهب الإمام مالك ﵁ كتابًا نفيسًا سماه الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، وضعه على تركيب الوجيز لأبي حامد الغزالي وفيه دلالة على غزارة فضائله يقول الحجوي وقد تسرقه طريقته فيدخل بعض أقوال الشافعية في المذهب المالكي ومع ذلك فهو كتاب من أحسن ما صنف المالكية. كان مدرسًا بمصر بالمدرسة المجاورة للجامع العتيق، وكان من أبناء الأمراء توفي مجاهدًا في دمياط سنة عشر وستمائة أنظر ترجمته في الفكر السامي جـ ٢ ص ٢٣٠ شجرة النور الزكية جـ ١ ص ١٦٥، والديباج المذهب جـ ١ ص ٤٣٤، ٤٤٤.
[ ٢٩٥ ]
للمبتاع، وأحد غرماء المفلس حقه له يستغرقه من سواه، أو كهبة أحد أولياء القتيل حقه للقاتل، والأول أظهر، والثاني أجرى على شرائه ذلك (١). أ. هـ
قلت: أما قوله أن ظاهر قول اللخمي قال بعض العلماء أن المذهب خلافه فغير (٢) ظاهر لأنه جعل المسألة على ثلاثة أوجه، وهذا هو الوجه الثالث ولم (٣) يذكر فيه إلا ما نقله عن بعض العلماء فالذي يظهر من كلامه أنه ارتضاه، وإلا لنبه على ذلك. وأما قوله أن مقتضى كلام ابن شاس وابن الحاجب أن ما نقله اللخمي عن بعض العلماء خلاف المذهب فصحيح، بل ذلك صريح في كلامهما، ولذلك لم يذكر ابن عبد السلام والشيخ خليل خلاف ذلك إلا على سبيل البحث، وجزم الشيخ خليل في مختصره بما قاله ابن شاس، وابن الحاجب على ما في النسخ الصحيحة منه، وبذلك جزم صاحب الشامل فقال: وقدرت عدمًا إن وهبت يومها له، أو أسقطته ولا يخصص هو لضرتها فله الإمتناع لا للضرة إن رضي. أ. هـ
وهذا هو الذي استظهره ابن عرفة حيث قال: والأول أظهر فإنه يعني بالأول أن يكون ذلك كهبة أحد الشفعاء حقه للمبتاع، وكهبة أحد غرماء المفلس حقه للمفلس، ومسألة الشفعة ذكر ابن رشد فيها في أول كتاب الشفعة قولين أرجحهما أن نصيب الواهب يرجع لبقية الشركاء، ومسألة التفليس لا شك أن الغرماء يقسمون (٤) حصة الواهب كما ذكر ذلك ابن عرفة، فتحصل من هذا أن الراجح من المذهب أنها إذا وهبت يومها للزوج، أو أسقطت حقها تصير كالعدم، وليس للزوج أن يخص بيومها واحدة من البواقي والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ٢٩ ظهر، ٣٠ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٢) في - م - غير.
(٣) في - م - لم.
(٤) في - م - يقتسمون.
[ ٢٩٦ ]
الرابع: قال اللخمي [واختلف] (١) في بيعها اليوم وشبهه فقال مالك في كتاب محمد: لا أحب أن تشتري من صاحبتها يومًا ولا شهرًا، وأرجو
أن يكون في ليلة خفيفًا، قيل له فإن أرضى أحدى امرأتيه بشيء لحالها ليومها ليكون فيه عند الأخرى، فقال أن الناس لا يفعلون ذلك، وغيره أحب إلي. ومحل قوله في التفرقة بين القليل والكثير لما كانت لا تقدر على الوفاء فيما طالت مدته. أ. هـ
وأنظر الخلاف الذي حكاه اللخمي ما هو فإن الذي تحصل من هذا الكلام أن مالكًا كره للضرة أن تشتري من ضرتها يومًا أو شهرًا وخفف شراء الليلة، وقال في كتاب محمد في ارضاء الرجل زوجته في يومها تركه أحب إلي، والظاهر أنه أراد أن الخلاف في شراء اليوم فقال أولًا لا أحب لها أن تشتري يومها، ثم قال في الرجل يرضى امرأته بشيء ليكون في يومها عند الأخرى فقال غيره أحب إلي فظاهره أنه خفف ذلك، ولا فرق بين شراء الزوجة يوم صاحبتها، أو شراء الزوج ذلك، وقال في سماع أشهب من كتاب النكاح سأل سأل عمن يرضي إحدى امرأتيه بعطية في يومها ليكون فيه عند الأخرى قال الناس يفعلونه، قيل له أتكرهه قال غيره أحب إلي. قال ابن رشد سئل في هذا الرسم بعينه من هذا السماع من طلاق السنة عن المرأة تشتري من صاحبتها يومها فقال لا يعجبني، وإني لأكرهه أرأيت لو اشترت شهرًا أو سنة، وأني لأرجو أن تكون الليلة خفيفة، فظاهر قوله أنه فرق في الليلة الواحدة بين أن يكون الرجل هو المشتري لها من امرأته، أو تمون صاحبتها هي التي اشترتها منها فجعل شراء المرأة الليلة من صاحبتها أشد في الكراهة، فيتحمل أن يكون الفرق بينهما عنده أن المرأة لا تدري ما يحصل لها بما أعطت من الإستمتاع بزوجها إذ قد يصيبها في تلك الليلة، وقد لا يصيبها والرجل يدري ما يحصل له من الإستمتاع إذ هو المالك للإصابة، وأما شراء المدة الطويلة فالكراهة فيها
بينة من كل واحد منهما لأنه غرر، إذ لا يدري هل يعيش إلى تلك المدة هو، أو الذي اشترى الإستمتاع به (٢). أ. هـ
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٢) أنظر البيان والتحصيل جـ ٢ ورقة ٢٣ ظهر و٢٤ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١١.
[ ٢٩٧ ]
فالذي تحصل من كلام ابن رشد أن شراء الليلة الواحدة مكروه سواء اشتراها الزوج، أو صاحبتها لكن شراء صاحبتها أشد كراهة، وأما شراء أكثر من ذلك فمكروه سواء كان المشتري هو الزوج أو الضرة، وأنظر هذا الذي ذكره ابن رشد (١)، والشيخ خليل في الجائزات، وشراء يومها منها (٢) وكذا قول صاحب الشامل، وشراء ليلتها منها فجعل (٣) ذلك جائز من غير كراهة وظاهرهما سواء كان الزوج هو المشتري أو الضرة، وكأنهما إعتمدا على ما (٤) قاله ابن عبد السلام ونصه: واختلف في بيعها اليوم واليومين من ضرتها، أو من زوجها. قلت: والأقرب الجواز إذ لا مانع [منه] (٥) سواء جعل العوض المأخوذ في ذلك عن الإستمتاع، أو عن إسقاط الحق وهو الأقرب. أ. هـ
وإقتصر ابن عرفة على حكاية كلام ابن رشد ثم كلام اللخمي، ثم قال بعده قلت: هذا خلاف تفرقة ابن رشد (٦). أ. هـ
فكأنه يشير إلى ما ذكرنا، وهو أن اللخمي سوى بين شراء الرجل والضرة الليلة الواحدة فتأمله والله تعالى أعلم.
الخامس: قال ابن عرفة عن اللخمي وليس للأمة إسقاط حقها في قسمها إلا بإذن سيدها كالعزل لحقه في الولد، إلا أن تكون غير بالغ أو يائسة، أو حاملًا، واستحسن أن أصابها مرة وأنزل أن لها أن تسقط حقها في القسم ما بينها وبين الطهر ابن عرفة يرد بإحتمال خيبتها فيها، ورجائه في تكرره (٧).
_________________
(١) عبارة - م - اللخمي وابن رشد مع قول الشيخ خليل.
(٢) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٦ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٣) في - م - فحلًا.
(٤) عبارة - م - على القول.
(٥) ساقطة من - م -.
(٦) أنظر مختصر ابن عرفة في الفقه جـ ٢ ورقة ٣٠ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٧) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ٣٠ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
[ ٢٩٨ ]
المسألة الخامسة
الأمة إذا كانت تحت العبد، وقالت أشهد أني متى أعتقت فقد اخترت زوجي، أو اخترت نفسي فقال مالك في أول رسم (١) من سماع أشهب من كتاب الإيلاء لا أرى ذلك لازمًا [لها] (٢)، وحكى ابن حارث (٣) عن أصبغ أن ذلك يلزمها قال ورواه ابن نافع، وسيأتي في المسألة التي بعدها بيان الراجح من القولين.
المسألة السادسة
فيمن شرط لزوجته إن تزوج عليها أو تسرر، أو أخرجها من بلدها فأمرها بيدها فتقول أشهد أني متى فعل زوجي ذلك فقد اخترت نفسي أو اخترت زوجي. فقال مالك في كتاب ابن سحنون ذلك لازم لها، وحكى (٤) الباجي، وابن يونس عن المغيرة أنه لا يلزمها (٥)، وقال ابن عرفة في الكلام على خيار المعتقة تحت العبد حصل ابن زرقون في التسوية بين هذه المسألة، والتي
_________________
(١) هذه المسألة غير واردة في سماع أشهب من كتاب الإيلاء في النسخة التي اطلعت عليها من البيان. أنظر البيان والتحصيل جـ ٢ ورقة ٢٣١ وجه وما بعدها مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١١.
(٢) ساقطة من - م.
(٣) هو أبو عبد الله محمد بن حارث بن أسد الخشني القيرواني ثم الأندلسي الفقيه الحافظ الإمام العالم المتفنن المشاور المؤرخ. تفقه بأحمد بن نصر، وأحمد بن زياد، وأحمد بن يوسف وسمع من جماعة منهم ابن أيمن، وقاسم وابن لبابة، تفقه به جماعة منهم حويبل له تأليف منها كتاب الإتقان والإختلاف في مذهب مالك وكذلك كتاب رأي مالك الذي خالفه فيه أصحابه، وكتاب الرواه عن مالك وكتاب طبقات فقهاء المالكية، وكتاب طبقات علماء أفريقيا وكتاب مناقب سحنون كتاب الإقتباس وكتاب القضاة بقرطبة يقال أن له مائة ديوان رحل وعمره اثني عشر من القيروان بقرطبة سنة ٣١٠ واستوطنها وبها توفي في صفر الخير سنة أحدى وستين وثلاثمائة وقيل سنة أربع وستين. أنظر ترجمته في الديباج جـ ٢ ص ٢١٢، ٢١٣ وشجرة النور الزكية جـ ١ ص ٩٤، ٩٥.
(٤) أنظر المنتقى جـ ٣ ص ٢٩٦ وما بعدها.
(٥) أنظر جامع ابن يونس جـ ١ ورقة ٦٨ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٩٢٣. تنبيه بين الجزء الأول والثاني من النسخة التي وقفت عليها تكرار يسير فاحذره.
[ ٢٩٩ ]
قبلها في لزوم ما أوقعناه قبل حصول سبب خيارهما وعدمه، ثالثها التفرقة المذكورة لابن الحارث عن أصبغ مع رواية ابن نافع والباجي عن المغيرة مع فضل عن ابن حازم، ومعروف قول مالك (١). أ. هـ
فعلم أن التفرقة بينهما هي المعروف من قول مال، وعلى ذلك مشى الشيخ خليل ﵀ في مختصرهفي فصل الرجعة قال ابن رشد في السماع المتقدم هذه المسألة هي التي تحكى عن ابن الماجشون أنه سئل مالك رحمه الله تعالى فيها عن الفرق بين الحرة والمة فقال له أتعرف دار قدامة (٢)، وكانت دارًا يلعب فيها بالحمام معرضًا له لقلة التحصيل فيما سئل عنه، وتوبيخًا له على ترك أعمال نظره في ذلك حتى يسأل إلا في أمر مشكل، وهذا من نحو قوله لابن القاسم في شيء سئلة عنه أنت حتى الساعة هاهنا تسأل عن مثل هذا، ولعمري
أن مثل الماجشون (٣) في فهمه وجلالة قدره لحرى أن يوبخ على مثل هذا السؤال، لأن مالكًا لم يفرق بين الحرة والأمة كما قال، وإنما فرق بي خيار أوجبه الله تعالى بالشرع على لسان نبيه ﷺ للزوجات الإيماء على أزواجهن بشرط عتقهن بغير اختيار أزواجهن وبين خيار شرطه الزوج باختيار لزوجته حرة كانت أو امة، والفرق بينهما أن ما خير الله عباده فيه على شرط، وجعله شرعًا مشروعًا فليس لأحد أن يسقط ما أوجبه الله له من الخيار في ذلك قبل أن يجب له بحصول الشرط، ويوجب على نفسه أحد الأمرين من الأخذ أو الترك لأنه إذا فعل ذلك صار مبطلًا للشرع (٤) الذي شرعه الله تعالى لعباده في حقه، وذلك مما لا يجوز، ولا يلزم (٥)
ألا ترى لو أن رجلًا غنيًا قال أشهدكم أني إن افترقت فلا آخذ من الصدقات التي أباحها الله
_________________
(١) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ٦٤ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٢) دار قدامة: هي دار ابن مظعون في حق بني سهم ثم آلت إلى ربع بني جمح. راجع في ذلك أخبار مكة جـ ٢ ص ٢٧٣، ٢٦٤.
(٣) رجل له قدرة هكذا صحح بهامش - م -.
(٤) في - م - للشرط وهو تصحيف ظاهر.
(٥) في - م - يلزم وهو تصحيف ..
[ ٣٠٠ ]
للفقراء شيئًا، أو إن افتقرت فأنا آخذ ما أوجب الله لي من الحق فيها ثم افتقر لم يحرم عليه الأخذ إن أراد أن يأخذ، ولا يلزمه الأخذ إن أراد ألا يأخذ، وكان مخيرًا بين الأخذ والترك على حكم الله تعالى في الشرع وما أوجبه الزوج لزوجته على نفسه من الخيار في نفسها بشرط (١) بخلاف ذلك يجب إذا اختارت نفسها أو زوجها قبل حصول الشرط بشرط حصوله أن يلزمها ذلك، لأنها إن اختارت زوجها فهو حق لها تركته إذ لا يلزمها قبول ما أعطاها زوجها، وإن (٢) اختارت نفسها جاز ذلك عليها وعلى زوجها، ولم يكن لواحد منهما في ذلك رجوع لأنه [طلاق] (٣) قد وقع على صفة يلزم بحصولها إذ [لا يلزم] (٤) فرق
بين أن يقول الرجل امرأتي طالق إن كان (٥) كذا وكذا، أو تقول هي إذا تملكت الطلاق بشرط أنا طالق إن كان كذا وكذا لذلك الشرط، وهذا بين ولله الحمد. أ. هـ
من أول سماع أشهب من (٦) كتاب الإيلاء، وقد تكرر سماع أشهب في هذا الكتاب مرتين في النسخة التي وقفت عليها من البيان، وهذه المسألة في أول سماع أشهب الثاني، وذكر ابن عرفه أول كلام ابن رشد وقال بعده: سمعت في صغري والدي (٧) رحمه الله تعالى يحكى عن بعض الشيوخ، وأظن شيخه الشيخ الفقيه أبي يحيى بن جماعة (٨) أو الشيخ
الخليب أبا محمد البرجيني
_________________
(١) في - م - منالشرط.
(٢) في - م - فإن.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٥) في - م - إن كانت.
(٦) في - م - في.
(٧) هو محمد بن عرفة والد الفقيه أبي عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغمي الشيخ المجاور بالحرمين الشريفين. توفي سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. أنظر ترجمته في درة الحجال في أسماء الرجال جـ ٢ ص ١٣٣ والديباج جـ ٢ ص ٣٣٠ وما بعدها ضمن ترجمة ابنه.
(٨) هو أبو يحيى أبو بكر بن القاسم بن جماعة الهواري الفقيه الإمام العمدة العالم الفاضل القدوة. أخذ عن أئمة من أهل المشرق والمغرب منهم ابن دقيق العيد وعنه ابن عبد السلام وغيره. ألف في البيوع تأليفًا يتعين على كل متدين في معاملاته الوقوف عليه، والسبب في تأليفه أنه طلب منه أن يؤلف في التصوف فأنعم به وشرع في تأليف بيوعه. قيل له في ذلك فقال هذا هو التصوف لأن مدار التصوف على أكل الحلال، ومن لا يعرف أحكام المعاملات لا يسلم من أكل الحرام بالربا والبيوع الفاسدة، فألفه للتوصل لأكل الحلال، ومن أكل الحلال فعل الحلال. حج مع أبي الحسن المنتصر سنة ٦٩٩ هجرية، وتوفي سنة ٧١٢ هجرية أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ٢٠٥، ٢٠٦.
[ ٣٠١ ]
أن قوله أتعرف دار قدامة تعريض له بتقدم دخول كان لابن الماجشون لدار قدامة، فاته به علم ما سأل عنه من الفرق، ونحو هذين الأمرين قول عياض قال ابن حارث كانت لابن الماجشون نفس أبية كلمه مالك يومًا بكلمة خشنة فهجره عامًا كاملًا استقضى عليه الفرق بين المسألتين، فقال له أتعرف دار قدامة؟ وكانت دارًا يلعب فيها الأحداث بالحمام، وقيل بل عرض له بالعجز. أ. هـ
وقال البرزلي: قيل أن مالك رمى عبد الملك بن الماجشون بدار قدامة لأنه نسبه للصغر واللعب، وقيل نسبه للبله لأنها معروفة بينة (١). أ. هـ
ثم قال ابن عرفة [ثم] (٢) قال ابن رشد الفرق بينهما فذكر ما تقريره تخيير العتق موجب له شرعًا [فلو لزم سابق قولها على العتق بطل التخيير به ضرورة مناقضة التخيير للزوم، وكلما بطل التخيير بطل ما أوجبه الشرع (٣)] فلو لزم سابق قولها بطل ما أوجبه الشرع، واللازم باطل قطعًا واختيار ذات الشرط قبل حصوله لما لم يكن ملزومًا لإبطال ما أوجبه الشرع لزم لأنه إلتزام على تقدير وقوع أمر قبل وقوعه، ولو إلتزم بعده لزمه فكذلك قبله كقول الزوج امرأته طالق إن كان كذا ثم استشهد على لغو إلتزام الأمة لعتق بقوله ألا ترى لو أن غنيًا قال إن افتقرت فلا أخذ الزكاة التي أباح الله للفقراء، أو إن افتقرت فأنا آخذ ثم افتقر لم يحرم أخذه، ولا يلزمه لأن الشرع خيره فيهما قال ابن عرفة قلت: فيما فرق به نظر من وجهين
_________________
(١) أنظر نوازل البرزلي جـ ٢ ورقة ٢٧ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٧٩٣.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) ساقطة من الأصل.
[ ٣٠٢ ]
الأول: أنه يلزمه لغو الطلاق المعلق على العصمة قبل حصولها
كقوله إن تزوجت فلانة فهي على حرام بيان الملازمة أن الشرع جعل النكاح سبب حلية الزوجة لزوجها، فإلزامه تحريمها قبله مناقض لموجب [النكاح] (١) الواجب بالشرع.
الثاني: منع مناقضة إلزامها ما إلتزمت لما أوجبه الشرع من خيارها وسنده أن اللزوم الاحق لا يناقض التخيير الأصلي كعدم مناقضة الوجوب العارض الإمكان (٢) الذاتي، واستشهاده بقوله لو أن غنيًا إلخ يرد بأن الكلام في إلتزام ما يلزم غير معلق إن إلتزم معلقًا، وما جاء به لا يلزم غير معلق بحال، ومن أنصف علم أن سؤال ابن الماجشون ليس عن أمر جلي، ولذا سوى بينهما مالك مرة، وبعض أصحابه ثم قال، وفرق الصقلي أيضًا بأن خيار الأمة أنما يجب لعتقها فاختيارها قبله ساقط كالشفعة وإسقاطها قبل الشراء، والمملكة جعل لها الزوج ما كان له إيقاعه معلقًا على أمر فكذلك الزوجة. قال ابن عرفة ينتج [من] (٣) هذا لزوم ما أوقعته من طلاق لا ما أوقعته من اختيار زوجها فتأمله. وقول ابن رشد لحري يقع بياء بعد الراء ودونها، وكلاهما صحيح. أ. هـ
وإقتصر الشيخ خليل في التوضيح على الفرق الذي ذكره ابن يونس وقال في أخر باب الرجعة عن ابن يونس والفرق عندي بينهما أن الأمة إنما يجب لها أن تختار إذا أعتقت، والعتق لم يحصل بعد فقد سلمت أو أوجبت شيئًا قبل وجوبه لها فلم يلزم كتارك الشفعة قبل أن يستوجبها والحرة قد أوجب لها زوجها الشرط إن فعل وملكها منه ما كان له أن يلزمه نفسه قبل أن يفعله (٤). أ. هـ
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) في - م - الإنكار.
(٣) ساقطة من - م -.
(٤) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٢٣ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
[ ٣٠٣ ]
وعليه اقتصر البرزلي، وقال بعده فكأنه قال هذا جرى سبب وجوبه وإن لم يجب، والأمة لم يجب ولا جرى سبب وجوبه فهو أبعد (١). أ. هـ
وذكر [عن] (٢) ابن رشد أنه سئل عن الفرق بين قول الرجل إن تزوجت فلانة فهي طالق، وبين إن شاترى فلان شقص كذا فقد أسقطت الشفعة؟ فأجاب بأن الطلاق فيه حق لله من الجانبين فليس لواحد منهما إسقاطه إذا حصل موجبه، والشفعة حق لأدمي له (٣) الرضا والرجوع ما لم يلزم بعد الوجوب (٤). أ. هـ فتأمله.
المسألة السابعة
إذا أبرأت الزوجة زوجها من الصداق في نكاح التفويض قبل البناء وقبل أن يفرض لها فقال ابن شاس، وابن الحاجب يتخرج ذلك على الإبراء مما جرى سبب وجوبه قبل [حصول] (٥) [الوجوب (٦)] (٧). أ. هـ
[قال في التوضيح هل يلزم نظرًا] (٨) لتقدم سبب الوجوب، وهو ها هنا العقد، أو لا يلزم لأنها أسقطت حقًا قبل وجوبه (٩). وإقتصر الشيخ خليل في مختصره وصاحب الشامل [على القول] (١٠) بأن ذلك لا يلزمها، وذكر
ابن عرفة كلام ابن شاس، وقال بعده قلت: في ثاني وصاياها إن أجاز وارث في مرض مورثه وصيته بأكثر من ثلثه لزمه إن كان بائنًا عنه ليس في عياله، وفي
_________________
(١) أنظر نوازل البرزلي جـ ٢ ورقة ٢٧ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٧٩٣.
(٢) ساقطة من - م -.
(٣) في - م - فله.
(٤) نفس المصدر السابق ونفس الجزء والورقة.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) ساقطة من - م -.
(٧) أنظر الجواهر جـ ١ ورقة ١٤٢ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٣٤٨٢.
(٨) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٩) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ١ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(١٠) ساقطة من الأصل.
[ ٣٠٤ ]
حمالتها أن أخر الطالب الحميل بعد محل الحق فهو تأخير للغريب. قلت فهو اسقاط للحق، قبل وجوبه بعد سببه على المشهور في شرط طلب الحميل بتعذر الأصل (١). أ. هـ
المسألة الثامنة
إذا أسقطت المرأة عن زوجها نفقة المستقبل فحكى في التوضيح في لزوم ذلك قولين فإنه لما وجه الخلاف في المسألة السابقة، قال كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل الشراء، وفي ذلك قولان وكالمرأة إذا أسقطت نفقة المستقبل عن زوجها هل يلزمها [ذلك] (٢) لأن سبب وجوبها قد وجد أو لا يلزمها لأنها لم تجب بعد قولان حكاهما ابن راشد يعني القفصي وكعفو المجروح عما يأول إليه الجرح، وكأجازة الورثة الوصية للوارث أو بأكثر من الثلث لأجنبي في مرض الموصي (٣)، وأمثلة هذا كثيرة. أما إن لم يجز سبب الوجوب لم يجز (٤) بالإتفاق حكاه القرافي (٥). أ. هـ
وذكر ابن عبد السلام هذه النظائر، وذكر معها [مسألة] (٦) ذات الشرط والمعتقة تحت العبد ثم قال وبعض هذه المسائل أقوى من بعض (٧). أ. هـ
قلت: وإقتصر القرافي في الفرق الثالث والثلاثين على عدم اللزوم وحكاه عن الأصحاب، ونصه المسألة السابعة إذا أسقطت المرأة نفقتها قال الأصحاب رحمهم الله تعالى أن لها المطالبة [بها] (٨) بعد ذلك مع أنها إسقاط بعد
_________________
(١) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٧ ورقة ١٨٠ ظهر وكذلك جـ ٢، ورقة ١١ ظهر وما بعدها رقم المخطوط ١٢١٤٧ تونس ١٠٨٤٧٥ تونس
(٢) ساقطة من - م -.
(٣) في - م - الموت.
(٤) يجز: بمعنى يعتبر هكذا بالأصل المنقول عنه.
(٥) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ١ ظهر رقم المخطوط ١٢٢٥٦ تونس.
(٦) ساقطة من - م -.
(٧) أنظر شرح ابن عبد السلام على مختصر ابن الحاجب جـ ٣ ورقة ١٨٩ ظهر، ١٩٠ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٤٤.
(٨) ساقطة من الأصل.
[ ٣٠٥ ]
السبب الذي هو النكاح، وقبل الشرط الذي هو التمكن (١) أو يقال التمكن هو السبب خاصة، ولم يوجب فقد أسقطت قبل السبب والأول عندي أظهر، وإسقاط إعتبار العصمة بالكلية لا يتجه فإن التمكين بدون العصمة موجود في الأجنبية (٢) ولا يوجب النفقة، والأحسن أن يقال هو من ملكه غير أنه يشق على الطباع ترك النفقات فلم يعتبر صاحب الشرع الإسقاط لطفًا بالنساء، لا سيما مع ضعف عقولهن، وعلى التعليلين يشكل بما إذا تزوجته وهي تعلم بفقره (٣) قال مالك ليس لها طلب فراقه بعد ذلك مع أنه قبل العقد وقبل التمكين، والفرق أن المرأة إذا تزوجت من تعلم فقره فقد سكنت نفسها سكونًا كليًا فلا ضرر عليها في الصبر عن (٤) ذلك، كما لو (٥) تزوجت مجنونًا (٦)، أو عنينا فلا مطالبة لها لفرط سكون النفس (٧). أ. هـ
وقبله ابن الشاط (٨)، وقال ما قاله في هذه المسألة ظاهر، وما
اختاره هو المختار، وما اعتذر به عن المذهب ظاهر، وما فرق به بين هذه المسألة ومسألة ما إذا تزوجته عالمة بفقره ظاهر. أ. هـ
_________________
(١) في - م - التمكين هكذا صححت بالهامش في الأولى والثانية.
(٢) في - م - لأجنبية.
(٣) في - م - فقره.
(٤) في - م - على.
(٥) في - م - إذا.
(٦) في - م - مجبوبًا.
(٧) أنظر الفروق جـ ١ ص ١٩٩.
(٨) هو أبو القاسم قاسم بن عبد الله بن محمد بن الشاط الأنصاري نزيل سبتة، الإمام العالم الجليل وحيد دهره، وفريد عصره الحافظ النظار المؤلف المعروف بجوده أجازه أبو القاسم بن البراء وأبو محمد بن أبي الدنيا، وابن الغماز، وأبو جعفر الطباع، وأخذ عنه ابن الحباب، والقاضي أبو بكر بن شيرين. له تآليف منها أنوار البروق في تعقب مسائل القواعد والفروق، وغنية الرائد في علم الفرائض، وتحرير الجواب في توفير الثواب وفهرسته حافلة. وكان مجلسه مؤلفًا للصدور من الطلبة والنبلاء من العامة، مولده في عام ثلاثة وأربعين وستمائة بمدينة سبته وتوفي بها عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة ﵀ أنظر ترجمته في الديباج المذهب جـ ٢ ص ١٥٢، ١٥٣ وشجرة النور الزكية جـ ١ ص ٢١٧.
[ ٣٠٦ ]
وعلى ذلك حمل ابن غازي ما وقع في بعض نسخ مختصر الشيخ خليل في فصل الصداق أعني قوله لا أن أبرأت قبل الفرض، أو أسقطت فرضًا قبل وجوبه (١) قلت: وهذا الذي اقتصر عليه القرافي، وقبله ابن الشاط وحمل عليه ابن غازي كلام الشيخ خليل في فصل الصداق مخالفًا (٢) لما نقله (٣) المتيطي وغيره من الموثقين، ونقله ابن عرفة عن المتيطي أن المرأة إذا أرادت التطليق على زوجها الغائب بعدم (٤) النفقة فلابد من حلفها على أنها لم تسقطها عنه، ومخالفًا أيضًا لما ذكره الشيخ خليل في توضيحه في الكلام على مسألة ذات الوليين لما ذكر النظائر التي لا يفيتها الدخول قال الرابعة التي تطلق بعدم النفقة ثم يكشف الغيب أنها أسقطتها عنه (٥). ونص على ذلك أبو عمران الجوراني (٦) في نظائره فقال: ومن طلقت عليه بعدم النفقة ثم أثبت أنها أسقطت عنه النفقة فهو أحق بها، وإن دخل بها الثاني، وذكر ذلك أيضًا غيره ممن (٧) صنف في النظائر، وعلى ذلك اختصر الشيخ خليل في مختصره لما ذكر
النظائر المذكورة في فصل المفقود وكذلك صاحب الشامل، وقال عبد الحق في تهذيبه في أواخر النكاح الثاني: ومن الواضحة إذا رفعت امرأة الغائب أمرها إلى الإمام في النفقة وله مال حاضر حلفها ما ترك لها نفقة، ولا بعث إليها نفقة، ولا وضعتها عنه ثم فرض لها ثم قال بعده بيسير لما تكلم عن هبة المرأة يومها بضرتها، وأن لها الرجوع، وأن (٨)
بعضهم علل ذلك بكونها أسقطت شيئًا قبل وجوبه فلم يلزمها كتارك الشفعة
_________________
(١) أنظر مختصر خليل ص ١١٣.
(٢) أنظر حاشية ابن غازي ورقة ١١١ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٥١١٨. وكذلك تكميل التقييد جـ ٢ ورقة ٦٨ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٥١٥٨.
(٣) عبارة - م - للمتيطي.
(٤) في - م - لعدم.
(٥) أنظر التوضيح جـ ١ ورقة ١٣٦ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٥.
(٦) لم أتمكن من الترجمة فيما توفر لدي الآن من كتب التراجم والسير.
(٧) في - م - فيمن.
(٨) في - م - فإن ..
[ ٣٠٧ ]
قبل وجوبها ما نصه: في هذه العلة نظر ألا ترى أنها لو تركت له المطالبة بنفقة حملها أو بنفقتها هي في (١) نفسها فيلزمها ذلك، وإن كانت النفقة المستقبلة لم تجب بعد وإنما يجب عليه ما احتاجت للوقت والحال (٢). أ. هـ
ونقله أبو الحسن وقبله، وقد تقدم ذكره في المسألة الرابعة فالذي تحصل من هذا أن المرأة إذا أسقطت هن زوجها نفقة المستقبل لزمها ذلك على القول الراجح والله تعالى أعلم.
وقال البرزلي في أواخر مسائل الأنكحة: وسأل أبو زكريا البرقي عمن إلتزمت له زوجته أنها لا تطلبه بنفقة ما دام غائبًا عنها، ولم يخرجها من بلدها وهي صفاقس (٣) فغاب عنها ومستقره تونس فطول الغيبة، ولم تعلم أين هو فرفعت أمرها، وشكت الضرورة بعدم النفقة، وطول الغيبة
هل لها قيام للضرورة وتطلق أم لا؟ فأجاب إسقاط النفقة بشرط عدم الخروج بها من بلدها لها الرجوع في الإسقاط، وله إخراجها هذا ظاهر المذهب. وأجاب البرجيني بأنه يسأل الشهود بينهما فإن فهموا الغيبة طالت أو قصرت، أو يعلم الغيبة المعتادة إلى الموضع المعتاد له، وإقامته فيه، أو موضع قريب منه لاسيما إذا كانت غيبة معتادة مستمرة معروفة فهذه قرينته تدل على صدق قول المرأة، ويعضده فهم الشهود لذلك فما يفهم منهما يعمل عليه (٤). أ. هـ
_________________
(١) في - م - بنفسها وهو الصواب.
(٢) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٢ ورقة ١٧٩ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٧.
(٣) من البلدان المشهورة بالبلاد التونسية يقول الوزير السراج نقلًا عن التيجاني في رحلته يقول دخلتها فرأيت فيها مدينة حاضرة وهي تقع شرقي المهدية ذات سورين يمشي الراكب بينهما، ويضرب البحر في الخارج منهما، وهي الأن المدينة الثانية بعد تونس العاصمة من حيث الأهمية الإقتصادية فهي مركز لـ كثير من النشاطات الإقتصادية والثقافية تبعد عن تونس العاصمة بحوالي ثلاثمائة كيلو متر تقريبًا. أنظر الحلل السندسية في الأخبار التونسية جـ ١ ص ٣٢٥ وما بعدها.
(٤) في - م - يحمل. أنظر نوازل البرزلي جـ ٢ ورقة ٦٥ ظهر، ٦٦ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ٥٤٣٠.
[ ٣٠٨ ]
المسألة التاسعة
إذا أسقطت الحاضنة حقها في الحضانة. قال المشذالي في كتاب الشفعة في تسليم الشفعة قبل الشراء قال [لي] (١) ابن عرفة الفتوى عندنا فيمن خالع زوجته على أن تسقط هي وأمها الحضانة أنها لا تسقط في الجدة لأنها أسقطت ما لم يجب لها، ثم قال المشذالي قال المتيطي ذكر ابن العطار في وثائقه عقد تسليم الأم ابنها إلى أبيه، وعلى إن أسلمت إليه ابنها منه، وأسقطت حضانتها فيه، وقطعت أمها فلانة، وأختها فلانة حجتها (٢) فيما كان راجعًا إليها من الحضانة، وانتقد [ذلك] (٣) [عليه] (٤) ابن الفخار (٥)، وقال الصواب أن يقال ثم قطعت حجتها فيما كان إليها
من حضانة فدل بهذا اللفظ على أن الجدة قطعت حجتها بعد أن وجب لها ذلك، وإما بالواو التي لا تفيد ترتبه فلا لأنها قطعت حجتها قبل وجوب الحضانة لها فلا يلزمها والله تعالى أعلم. قال المشذالي: وتفرقة ابن الفخار بين العاطفين ضعيفة في المعنى فتأمله. ثم قال المتيطي وهذا أصل مختلف فيه على ما وقع في المدونة في غر كتاب منها. فعلم من هذا أن الراجح الذي عليه الفتوى في إسقاط الحضانة قبل وجوبها عدم اللزوم.
تنبيهات
الأول: ليس من ذلك (٦) إسقاط الأم حقها في الحضانة في حال العصمة كما يفهم من الكلام السابق، وقد قال في المدونة وغيرها أنه يجوز الخلع على
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) في - م - حقها.
(٣) ساقطة من - م -.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن خلف الأنصاري المالكي يعرف ابن الفخار العالم النظار الفقيه الحافظ المحدث المسند العارف بالرجال، وذكر الغريب مع معرفته بالشروط. كان يحفظ صحيح مسلم وسنن أبي داود، وسمع من أبي بكر بن العربي، والقاضي عياض وشريح وغيرهم، وأخذ عنه جلة وحدثوا عنه منهم أبناء حوط الله وأبو جعفر بن عميرة. توفي بمراكش سنة ٥٩٠ هجرية أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ١٥٩.
(٦) في - م - هذا.
[ ٣٠٩ ]
إسقاط حضانتها، وإلا كان حكمها في ذلك حكم الجدة والخالة، وأيضًا فالحضانة واجبة للأم في حال العصمة. قال ابن عرفة في باب الحضانة ومستحقها وأبو الولد زوجان هما، وفي افتراقهما أصناف (١) الأول الأم (٢) إلخ. وعد اللخمي من الشروط المناقضة لمقتضى العقد أن يتزوج المرأة على ألا يكون الولد عندها: وأنه إن تزوجها على ذلك فسخ النكاح قبل الدخول، وصح بعده ويسقط الشرط وليس المراد ولدها من غيره لأن شرط ذلك لازم إذا كان للولد حاضن غيرها كما ذكره الشيخ خليلي في مختصره.
الثاني: إذا خالع الزوج زوجته على إسقاط حضانتها وهي حامل فالظاهر أن ذلك لازم لها كما يأخذ ذلك مما وقع في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم من طلاق السنة ونصه: وسئل مالك عمن صالح امرأته وهي حامل، وشرط عليها أن لا نفقة عليه حتى تضع فإن وضعت حملها أسلمته إلى أبيه فإن طلبته بنفقتها [هي] (٣) ورضاعه عليها حتى تفطمه فإن لم تستقم له بذلك فهي امرأته قال مالك: الصلح جائز وكل ما شرط عليها جائز إلا ما اشترط أنها ترجع إليه فليست ترجع إليه فقد بانت منه قال ابن رشد هذا كله كما قال لأن ما شرط عليها حق لها فجائز أن يشترطه عليها حاشا الرجعة (٤). والظاهر أن هذه المسألة ليست من باب اسقاط الحضانة قبل وجوبها لقول ابن رشد أن ذلك حق لها والله تعالى أعلم.
الثالث: قال المشذالي في كتاب الشفعة قال المتيطي الذي عليه العمل، وقاله غير واحد أن الأم إذا أسقطت حقها في الحضانة بشرط في عقد المبارأة أن
_________________
(١) في - م - اختلاف.
(٢) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ١١٠ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٣) ساقطة من - م -.
(٤) أنظر البيان والتحصيل جـ ٢ ورقة ٩٦ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١١.
[ ٣١٠ ]
ذلك يرجع إلى الجدة والخالة، [وقاله أبو عمران، وقال غيره من القرويين (١) يسقط بذلط حق الجدة والخالة (٢)] ولا كلام لهما في ذلك.
الرابع: إذا قلنا لا يلزمها إسقاط الحضانة قبل وجوبها فلا فرق بين أن تسقط ذلك بعوض أو بغير عوض، وأما إذا أسقطت الحضانة بعد
وجوبها فذلك لازم (٣) لها، وسواء أسقطت ذلك بعوض أو بغير عوض كما تقدم في كلام ابن رشد في النوع الخامس من الباب الثالث.
الخامس إذا أعتقت الأمة على ان أسقطت حضانتها فروى عيسى عن ابن القاسم أن ذلك لا يلزمها، وكذلك روى أبو زيد عن ابن القاسم، وروى ابن المواز عن ابن القاسم أن ذلك يلزمها. وسيأتي الكلام في ذلك في المسألة الثانية عشر.
المسألة العاشرة
إذا قال شخص لآخر إن قتلتني فقد وهبت لك دمي، أو فقد أبرأتك. فحكى ابن الحاجب في ذلك قولين قال قال ابن القاسم: وأحسنهما أن يقتل بخلاف عفوه بعد علمه. قال في التوضيح: هذا الذي نسبه المصنف لابن القاسم، وذكر في الجواهر أن أبا زيد رواه عن ابن القاسم هو في العتبية لسحنون ونصها: سئل سحنون عن الرجل يقول يا ليتني أجد من يقتلني، فقال له رجل أشهد على نفسك أنك وهبتني دمك وعفوت عني، وأنا أقتلك، فأشهد علي ذلك وقتله. فقال لي قد اختلف في ذلك أصحابنا والأحسن في ذلك أن يقتل القاتل لأن المقتول عفا عن شيء لم يجب له وإنما يجب لأوليائه، ولا يشبه من قتل فأدرك حيًا فقال أشهدكم أني [قد] (٤) عفوت عنه فقيل له فلو قال أقطع
_________________
(١) أشهرهم أبو عمران الفاسي، وابن معيشة، وابن الملجوجة. راجع في ذلك جامع القرويين في تاريخ المغرب العربي للدكتور عبد الهادي التازي جـ ٢ ص ٢٥٠ وما بعدها الناشر دار الكتاب اللبناني بيروت.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) في - م - واجب.
(٤) ساقطة من - م -.
[ ٣١١ ]
يدي فقطعه فقال لا شيء عليه لأن هذا ليس بنفس، وإنما هو جرح (١). (٢) أ. هـ.
والمسألة في أواخر نوازل سحنون من كتاب الديات قال في البيان: وفيها ثلاثة أقوال أحدها قول سحنون، والثاني أنه لا شيء على القاتل لأن المقتول قد عفى له عن دمه، فسقطت عنه تباعته على القول بجواز إسقاط الحق قبل وجوبه. والثالث أنه لا يقتص منه (٣) لشبهة عفو المقتول له عن دمه وتكون عليه الدية في ماله، وهذا القول أظهر الأقوال (٤). أ. هـ
[وذكر ابن عرفة] (٥) الأقوال الثلاثة التي ذكرها ابن رشد ثم قال قلت في النوادر عن ابن زيد عن ابن القاسم مثل [لفظ] (٦) سحنون، وقال الصقلي في كتاب الجعل والإجارة وروى سحنون عنه من قال لرجل اقتلني ولك ألف درهم (٧) فقتله لا قود عليه، ويضرب مائة ويحبس عامًا، ولا جعل له وقال يحيى بن عمر للأولياء قتله وعلله بما تقدم قال ولو قال اقتل عبدي ولك كذا وكذا أو بغير شيء فقتله ضرب مائة وحبس عامًا، وكذلك السيد يضرب ويحبس، واختلف هل يكون له على القاتل قيمة العبد أم لا والصواب أن لا قيمة عليه، كما لو قال احرق ثوبي ففعل فلا غرم عليه. قال ابن عرفة: قلت ما نقله الصقلي عن سحنون خلاف ما تقدم عنه في العتبية ولم يحك ابن رشد عنه خلاف الشيخ. وروى ابن عبدوس (٨) قال لرجل
أقطع يدي أو يد
_________________
(١) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ١٦٩ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٢) أنظر الجواهر جـ ٢ ورقة ١٠٢ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٩٢٤.
(٣) في - م - فيه.
(٤) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ١٦٩ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٥) ساقطة من - م -.
(٦) ساقطة من - م -.
(٧) في - م - دينار.
(٨) هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ابن عبدوس بن بشير الإمام المبرز العابد الفقيه الحافظ الزاهد المجاب الدعوة لم يكن في عصره أفقه منه، وهو رابع المحمديين الذين اجتمعوا في عصر واحد من أئمة المذهب ابن سحنون وابن عبد الحكم، وابن المواز. أخذ عن جماعة منهم سحنون وبه تفقه، وتفقه به جماعة منهم القاضي حماسي، وأبو جعفر أحمد بن نصر. ألف كتابًا شريفًا سماه المجموعة على مذهب مالك وأصحابه أعجلته المنية قبل تمامه، وله أيضًا كتاب التفاسير وهي كتب فسر فيها أصول من العلم كتفسير كتاب المرابحة، والمواضعة وكتاب الشفعة، وله أربعة أجزاء في شرح مسائل من كتب المدونة وكتاب الورع، وفضائل أصحاب مالك، ومجالس مالك أربعة أجزاء، وقد يضاف بعض هذه الكتب إلى المجموعة. أقام سبع سنين مدرس لا يخرج من داره إلا إلى الجمعة، ولم يكن في أصحاب سحنون أفقه من ابنه وابن عبدوس. توفي ابن عبدوس سنة ستين ومائتين، وقيل إحدى وستين، وصلى عليه أخوه .. مولده سنة اثنتين ومائتين أنظر ترجمته في الديباج جـ ٢ ص ١٧٤، ١٧٥ وشجرة النور الزكية جـ ١ ص ٧٠، وترتيب المدارك جـ ٤ ص ٢٢٢ وما بعدها.
[ ٣١٢ ]
عبدي عوقب المأمور إن فعل، ولا غرم عليه في الحر ولا في العبد ابن حبيب عن أصبغ يغرم قيمة العبد لحرمة القتل كما يلزمه دية الحر إذا قتله بإذن وليه (١). أ. هـ
قلت (٢): وفي الكلام الأخير سقط ونص ما في التوادر ومن المجموعة [لمالك] (٣)، ومن قال لرجل إقطع يدي أو يد عبدي أو أفقأ عينيهما عوقب المأمور إن فعل، ولا غرم عليه في الحر، ولا في عبده قال ابن حبيب عن أصبغ من أمر رجلًا بقتل عبده ففعل فإنه يغرم (٤) قيمته لحرمة القتل كما تلزمه دية الحر إذا قتله بإذن وليه فعفا عنه، ويلزم الآمر والمأمور ضرب مائة وحبس سنة (٥). أ. هـ من كتاب الديات.
تنببيهات
الأول: تعليله القول الأول في مسألة إن قتلتني فقد أبرأتك بأنه إسقاط للحق قبل وجوبه لا يتم [ذلك] (٦) لأنهم ألزموه بالعفو في مسألة قطع اليد،
_________________
(١) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٤ ورقة ١٦٩ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١١١٣٣.
(٢) في - م - تنبيه.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) في - م - يلزمه.
(٥) أنظر النوادر والزيادات جـ ٦ ورقة ٤٧ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ٥٧٧٠.
(٦) ساقطة من - م -.
[ ٣١٣ ]
وفيها أيضًا إسقاط الحق قبل وجوبه ولم أر فيها خلافًا، ويمكن
أن يفرق بينهما بأن الحق في مسألة القتل للأولياء فهو إسقاط لحق الغير، بخلاف مسألة قطع اليد فإن الحق له وأما مسألة قتل العبد فقد تقدم الخلاف فيها، وأن الصواب أنه لا قيمة للسيد لشبهها بمسألة قطع اليد، وروعي في القول الأخير حرمة القتل كما تقدم، وقال ابن رشد في سماع سحنون من كتاب الجنايات قول أصبغ إغرامه لحرمة القتل ليس بجيد لأن إغرامه القيمة إنما هو من باب العقوبة بالمال، وإذا عوقب القاتل بغرم مالا يجب عليه فالسيد أحق، ولا يعطى القيمة لجرمه في الأمر بقتل عبده، ولو قال أصبغ إنما أغرمه القيمة لإسقاطها السيد قبل وجوبها له، إذ لا يجب عليه إلا بعد قتل العبد لكان له وجه، لأن لزوم إسقاط الحق قبل وجوبه أصل مختلف فيه. أ. هـ.
الثاني: قال في النوادر أثر كلامه السابق: قال علي (١) عن مالك فيمن أنكح عبده حرة على ألا تبعة لها فيما شجها به إن شجها فلا يجوز هذا، ولها طلب حقها (٢). أ. هـ.
قلت: وهذه المسألة قد يقال أنها معارضة لمسألة قطاع اليد لكن إنما يسري ذلك من ظاهر قول الشيخ خليل في مختصره إن قتلتني فقد أبرأتك، فيتوهم أن مسألة قطع اليد هي أيضًا أن يقول له إن قطعت يدي فقد أبرأتك، وأما (٣) على ما في العتبية، والنوادر فيمكن أن يفرق بينهما بأنه في مسألة قطع اليد قال
_________________
(١) هو أبو الحسن علي بن زياد التونسي الفقيه الحافظ الأمين المرجوع إليه في الفتوى الجامع بين العلم والورع، لم يكن في عصره بإفريقيا مثله سمع جماعة منهم الليث، والثوري، ومالك، وعنه روى الموطأ وتفقه عليه. له كتب على مذهب مالك منها كتاب يسمى خير من زنته، وبه تفقه سحنون، وله غير هذا من الكتب التي رواها عن مالك وهي كتاب البيوع، وكتاب النكاح، والطلاق وهو أول من أدخل موطأ مالك لبلاد المغرب، ومنه سمع البهلول بن راشد وأسد بن الفرات وجماعة توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة حيث عاش بعد مالك نحو خمس سنين وقبره بتونس قرب سوق الترك الأن. أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ٦٠ وطبقات الفقهاء ص ١٥٢.
(٢) أنظر النوادر والزيادات جـ ٢ ورقة ٤٧ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ٥٧٧٠.
(٣) في - م - أمأ.
[ ٣١٤ ]
قال (١) إقطع يدي وإذن له في ذلك وأما في هذه المسألة فلم تأذن المرأة لزوجها في أن يشجها، وإنما أشهدت أنه إن فعل بها ذلك فلا تبعة لها عليه، ولا شك أن هذا أضعف من الأول والله تعالى أعلم.
المسألة الحادية عشرة
إذا عفا المجروح عما يؤل (٢) إليه جرحه تقدم في المسألة الثامنة (٣) في إسقاط المرأة نفقتها قبل وجوبها عن التوضيح أن الخلاف جار في ذلك، والذي في المدونة وغيرها أن ذلك لازم [كما] (٤) قال في كتاب الديات (٥) من المدونة، وإن قطع يده عمدًا فعفا عنه ثم مات منها فلأوليائه القصاص في النفس بقسامة إن كان عفوه عن اليد لا عن النفس، وللمقتول إن يعفو عن قاتله عمدًا، وكذلك في الخطأ إن حمل ذلك الثلث. قال الشيخ أبو الحسن: إن قال عفوت عن اليد فلا أشكال، وإن قال عفوت عن اليد وما ترامى إليه من نفس أو غيره فلا إشكال، وإن قال عفوت فقط (٦)
فهو محمول على انه عفا عما وجبت له في الحال وهو قطع اليد (٧). أ. هـ
وقال في النوادر في أول (٨) كتاب الديات: ومن المجموعة قال ابن القاسم، وأشهب ومن قطع يد رجل عمدًا أو خطأ فعفا عنه ثم مات من القطع، فإن عفا [عن الجرح] (٩) لا عن النفس ففيه القود من النفس في العمد والدية في الخطأ، وذلك بقسامة قال أشهب ولو قال في عفوه عفوت عن الجرح
_________________
(١) عبارة - م - قال له إقطع يدي فأذن له.
(٢) ثم آل هكذا في - م -.
(٣) في - م - الثانية وهو تصحيف.
(٤) ساقطة من - م -.
(٥) أنظر المدونة جـ ١٦ ص ٢٣٤.
(٦) أي اليد فقط.
(٧) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٤ ورقة ٣٦٣ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٩.
(٨) في - م - أوائل.
(٩) ساقطة من الأصل.
[ ٣١٥ ]
وما ترامى إليه، أو عن كل ما ترامى إليه فذلك لازم، ولا قود فيه ولا دية إذا خرجت الدية من ثلثه، وقال بعده في الجزء الثالث من الديات (١)، ومن كتاب ابن المواز وإذا عفا المجروح عن جرحه العمد ثم ترامى فيه فمات فلأوليائه أن يقسموا أو يقتلوا، لأنه لم يعف عن النفس قال أشهب إلا أن يقول عفوت عن الجرح وما (٢) ترامى إليه فيكون عفوًا عن النفس (٣). أ. هـ
وقال قبله ومن المجموعة، ونحوه في كتاب ابن المواز. قال ابن القاسم، وابن وهب: وغيره عن مالك في المقتول يعفو عن قاتله عمدًا في وصيته فذلك له دون أوليائه. قال عنه ابن نافع: إلا في قتل الغيلة. قال في كتاب ابن المواز: ويجوز عفو المقتول عن دمه العمد وإن كره ذلك وليه، وكذلك لا قول لغرمائه، وإن أحاط الدين بماله (٤)
ولم يحكوا في ذلك خلافًا، وقال القرافي في الفرق الثالث والثلاثين القصاص له سبب وهو إنفاذ المقاتل، وشرط وهو زهوق الروح فإن عفا عن القصاص قبلهما لم يعتبر عفوه، وبعدهما متعذر لعدم الحياة المانع من التصرف فلم يبق إلا بينهما فينفذ إجماعًا فيما علمت (٥). أ. هـ
قلت: ولم أقف على القول الثاني بعدم اللزوم إلا ما حكاه في التوضيح كما تقدم. نعم وقع الخلاف فيما إذا صالح عن الجرح وما ترامى إليه، وكان الجرح من جراح العمد التي فيها القصاص فظاهر المدونة الجواز، ونص عليه ابن حبيب في الواضحة ونص ابن القاسم في العتبية على المنع قال في البيان: والجواز أظهر لأنه إذا كان للمقتول أن يعفو عن دمه قبل موته جاز أن يصالح عنه بما شاء، وأما (٦) جراح العمد التي لا قصاص فيها فلا يجوز [فيها] (٧)
_________________
(١) في - م - الكتاب.
(٢) في - م - وعن ما.
(٣) أنظر النوادر والزيادات جـ ٦ ورقة ٤٧ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ٥٧٧٠.
(٤) نفس المصدر السابق ونفس الجزء ورقة ٤٦ ظهر.
(٥) أنظر الفروق للقرافي جـ ١ ص ١٩٨.
(٦) في - م - أما.
(٧) ساقطة من - م -.
[ ٣١٦ ]
الصلح على ذلك. قال في البيان: لا أعلم فيها نص خلاف. قال في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الديات ونقله في التوضيح في آخر كتاب الجراح قبل الكلام عن الديات بيسير (١) ويأخذ من كلامه إن عفوه لازم بلا خلاف لإحتجاجه به.
تنبيهات
الأول كلام القرافي يقتضي أن العفو إنما يلزم إذا وقع بعد إنفاذ المقاتل، ولم أر ذلك في كلام غيره بل كلام المدونة والنوادر المتقدم يدل على أن ذلك ليس بشرط، لأن فرض المسألة فيها فيمن قطعت يده، وقطع اليد ليس من المقاتل، وكذلك قوله في النوادر، وإذا عفا
المجروح عن جرحه ظاهره سواء أنفذ المقاتل أو لم ينفذ، وكذلك عبارة غيرهما من كتب المذهب بل عبارة القرافي في الذخيرة كعبارة النوادر.
الثاني: لو عفا [عن] (٢) قاتله على الدية لزم ورثته كما يفهم من كلام ابن القاسم في رسم أول (٣) من سماع أصبغ من كتاب الوصايا.
الثالث: عكس هذه المسألة إذا أوصى أن لا يعفى عن قاتله، وأن يقتل فهل للورثة أن يخالفوه ويعفوا، ويأخذوا الدية. قال الشيخ أبو الحسن: توقف في ذلك أبو عمران. وقال اللخمي قال أصبغ في كتاب ابن حبيب أن ثبت القتل ببينة لم يكن للأولياء أن يعفوا، وإن ثبت بقسامة منهم كان لهم العفو لإمكان أن يكون عفوهم لشبهة دخلت عليهم في أيمانهم (٤)
قلت: المسألة منصوصة في النوادر ذكر فيها قولين. قال أشهب فيمن قال
_________________
(١) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ١٦٩ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) هنا بياض بالأصل، وكذلك - م -، ولعل كلمة أول تفي بالغرض ويكون هناك تقديم وتأخير بحيث يكون سياق العبارة في أول رسم من سماع أصبغ.
(٤) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٤ ورقة ٣٦٣ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٩.
[ ٣١٧ ]
دمى عند فلان فاقتلوه، ولا تقبلوا منه دية فأراد الورثة أخذ الدية فليس لهم ذلك، وأن أقسموا ثم عفا بعضهم لم يجز عفوه، وإن نكل بعضهم فلا قسامة فيه حتى يقسموا (١) جميعًا. ثم قال بعد ذلك عن أصبغ ما ذكره [اللخمي] (٢) عن أصبغ.
الرابع: قال في النوادر عن ابن حبيب قال أصبغ من قتل عمدًا فوكل رجلًا فوض إليه أمر دمه، وأقامه فيه مقام نفسه فعفا عن الدم وأبلى الأولياء أو عفوًا، وأبي الوكيل فإن ثبت الدم ببينة فالأمر للوكيل
في العفو والقتل، وإن استحق بقسامة فالعفو والقتل للأولياء (٣).
قلت: هذا هو الجاري على قول أصبغ السابق، والجاري على قول أشهب أن الأمر فيه للوكيل لأن الوكيل قائم مقامه، وقد ذكر في الفرع السابق أنه لا كلام للأولياء إذا أوصى بالقتل ولو ثبت بقسامة فتأمله والله أعلم. وإقتصر في الذخيرة على قول أصبغ في الفرعين.
المسألة الثانية عشرة
إذا أعتق أمته على أن تتزوجه لزمه العتق ولا يلزمها النكاح. قال في كتاب العتق الثاني من المدونة: ومن اعتق أمته على أن ينكحها أو تنكح فلانًا فإمتنعت فهي حرة ولا يلزمها النكاح إلا أن تشاء (٤).
قال أبو الحسن قال ابن يونس: إنما قال ذلك لأن الأمة إذا أعتقت سقط إجبار السيد إياها فقد أسقطت بذلك حقها من الخيار قبل ثبوت ذلك الحق بها، فأسقطت الحق قبل وجوبه فلا يصح كالشفيع إذا أسقط حقه من الشفعة قبل
_________________
(١) أنظر النوادر والزيادات جـ ٦ ورقة ٤٧ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ٥٧٧٠.
(٢) ساقطة من - م -.
(٣) أنظر النوادر والزيادات جـ ٥ ورقة ٤٧ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ٥٧٧٠.
(٤) أنظر المدونة جـ ٧ ص ٦٠.
[ ٣١٨ ]
بيع الشقص (١)، وقوله ولا (٢) يلزمها النكاح إلا أن تشاء يريد بعقد (٣) ثان لأن (٤) العقد الأول فيه خيار (٥). أ. هـ كلام الشيخ
تنبيهات
الأول: قال في الوثائق المجموعة ولا يجوز هذا النكاح إلا بعد تمام العتق، وملك المرأة نفسها فإن شرط عليها النكاح قبل العتق ثم نكحها ودخل عليها فسخ وكان [لها] (٦) الصداق المسمى، وله بعد [ذلك] (٧) نكاحها إن شاء بعد الإستبراء من النكاح الأول. أ. هـ
الثاني: قال الباجي إذا اعتقت الأمة على إن تركت حضانة ولدها فروى [عيسى] (٨) عن ابن القاسم أنه يرد إليها بخلاف الحرة تصالح الزوج على تسليم الولد إليه لأنه يلزمها، وروى عنه أبو زيد أن الشرط لازم كالحرة (٩). أ. هـ من كتاب الأقضية. من ترجمة القضاء بالحضانة وما ذكره عن سماع عيسى هو في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب التخيير وفرضها في أم الولد، وذكر ابن رشد القولين لكنه عزاه لسماع أبي زيد مثل سماع عيسى واستظهره، وعزا القول الثاني لرواية ابن المواز عن ابن القاسم، ثم ذكر المسألة أيضًا في سماع أبي زيد من كتاب العتق وفيه أن الولد يرد إليها مثلما في سماع
_________________
(١) الشقص بالكسر السهم قال ابن دريد يقال لي في هذا المال شقص أي سهم، ومنه الحديث من أعتق شقصًا من مملوك فعليه خلاصه في ماله، فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل، ثم استسعى غير مشقوق عليه، والشقص أيضًا النصيب من الشيء قال الشافعي رضي الله تعالى عنه في باب الشفعة فإن اشترى شقصًا من دارك أراد بالشقص نصيبًا معلومًا غير مفروز. أنظر تاج العروس جـ ٤ ص ٤٠٣.
(٢) في - م - لا.
(٣) في - م - بعد عقد ثاني.
(٤) في - م - فإن.
(٥) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٣ ورقة ٢١٦ وجه وظهر رقم المخطوط ١٢٠٩٨ تونس.
(٦) ساقطة من الأصل.
(٧) ساقطة من الأصل.
(٨) ساقطة من - م -.
(٩) أنظر المنتقى جـ ٦ ص ١٩ وما بعدها.
[ ٣١٩ ]
عيسى، وأعاد ابن رشد ذكر القولين وتوجيههما (١) بأنهما مبنيان على أنه هل وقع الإسقاط مقدمًا على العتق أو بعده. قال والأظهر من جهة القياس أن ذلك لا يلزمها لأنهما وقعا معًا فوقع كل واحد قبل كمال صاحبه، وعلى هذا الأصل وقع الإختلاف في الرجل يعتق أمته على أن تتزوجه، والأظهر من جهة المعنى أن ذلك يلزمها لأنها اختارت عتقها على حضانة ولدها، كما اختارت الزوجة
نفسها على ذلك فوجب أن يستويا (٢). أ. هـ
فظهر أن القول بعدم اللزوم أرجح لكونه الموافق لمذهب (٣) المدونة في مسألة اشتراط النكاح. والله أعلم.
[قال في المدونة بعد الكلام السابق ما نصه: ابن أبي زيد من كتاب العتق، وقال أن ذلك لا يلزمه كما نص عليها ابن رشد خلاف ما نقله عنه الباجي ثم ذكر ابن رشد في شرحها القولين، واستظهر عدم اللزوم من جهة القياس ثم قال والأظهر من جهة المعنى أن ذلك يلزمها لأنها اختارت عتقها على حضانة ولدها كما اختارت الحرة نفسها على ذلك والله أعلم (٤).]
وكذلك إن قال رجل لرجل لك علي ألف درهم على أن تعتق أمتك وتزوجنيها فأعتقها فهي حرة، ولها ألا تنكحه والألف لازمة للرجل قال أبو الحسن: ظاهره أن الألف لازمة كلها، وقال ابن المواز إلا أن يتبين أنه زاد على قيمتها لموضع النكاح فيرد عليه مازاد على قيمتها وقاله أصبغ واستحسنه. قال الشيخ أبو الحسن وظاهر كلام ابن يونس أنه ساق كلام محمد مساق التفسير، وحمله عبد الحق على الخلاف فقال بعد ذكره كلام محمد، واستحسان أصبغ، ووقف محمد عن قوله فيها استحسان قول أصبغ، ورأى (٥) أن قول
_________________
(١) في - م - وترجيحهما وهو تصحيف.
(٢) أنظر البيان والتحصيل جـ ٢ ورقة ٢١١ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١١. وكذلك الورقة ١٣ وجه نفس الجزء.
(٣) أنظر المدونة جـ ٤ ص ١٩٧ وما بعدها.
(٤) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٥) في - م - وزاد.
[ ٣٢٠ ]
مالك أصوب، وأن ذلك المال في الحرية قليلًا كان أو كثيرًا ولا يدخل الإستثناء في شيء من الثمن (١). أ. هـ كلام الشيخ أبو الحسن.
قلت: زاد عبد الحق في النكت بعد قوله ولا يدخل الإستثناء في شيء من الثمن ما نصه: مثلما لو قال [له] (٢) رجل أعتقها ولك علي ثلاثون دينار أدفعها إليك، واستثنى لي عليها خدمة عشر سنين فأعتقها على ذلك لم يكن عليها من الخدمة شيء، ولا يرجع على السيد بما دفع عن الخدمة بشيء ألا ترى أن من اشترى نخلًا وفيها ثمر قد
أبر قبل أن يطيب بمائة دينار فطاب عنده، فأصابته جائحة انه ليس على البائع في ذلك جائحة، وإن كان ثمن أصل النخل قليلًا أربعين دينارًا أو أقل فأتمه مائة دينار للثمرة لم ينظر في شيء من الثمرة، ولم يحكم فيهبجائحة لأن الثمن كله إنما يقع للأصل، والثمرة تبع. أ. هـ
قلت: وحمل اللخمي ما في كتاب محمد على الخلاف، وجعل في المسألة ثلاثة أقوال ونصه: إذا قال أعتق جاريتك وزوجنيها، ولك علي ألف درهم ففعل، وأبت الجارية أن تتزوجه، فقال مالك الألف لازمة للرجل وللأمة ألا تتزوجه، وقيل للسيد من الألف قيمة الأمة، وقال أصبغ تفيض [الألف] (٣) على قيمة الأمة، وصداق المثل فيكون للسيد ما قابل الأمة، والقول الأول أحسن لأن قوله لك ألف يقتضي أن تكون الألف للسيد فإن رضيت الأمة بالنكاح كان لها صداقها غير ما أخذ السيد إلا ان يكون القابل يجهل، ويظن أن الصداق يكون للسيد فتفيض الألف على قيمة الرقبة، وصداق المثل، وينظر إلى قيمتها إذا بيعت بشرط، وليس قيمتها إذا بيعت على البائع للملك (٤)، ولو قال أعتقها وزوجنيها علي الألف لفظت الألف على حساب ما تقدم، وذلك بخلاف قوله ولك ألف درهم. أ. هـ بلفظه. وما قاله اللخمي ظاهر والله أعلم.
_________________
(١) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٣ ورقة ٢١٦ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٨.
(٢) ساقطة من - م -.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) في - م - للمالك.
[ ٣٢١ ]
المسألة الثالثة عشرة
من أسقط يمينًا قبل وجوبها كما إذا اشترط المسلف على المتسلف أنه مصدق دون يمين إذا ادعى أنه قضاه، وقد تقدم الكلام على ذلك في الباب الأول.
المسألة الرابعة عشرة
من أسقط حقه على (١) القيام بالعيب قبل أن يعلم به لا يلزمه قال ابن سلمون في أول البيوع: وإن إلتزم أن لا يقوم بعيب فلا يلزمه ذلك وله القيام إذا وجد عيبًا إلا أن يسمى له كما تقدم (٢). أ. هـ
وسنذكر هذه المسألة في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة عشرة
إذا أخر صاحب الدين الضامن بعد حلول الحق فهو تأخير للغريب كما تقدم في المسألة السابعة في كلام ابن عرفة عن المدونة في كتاب الحمالة.
المسألة السادسة عشرة
من أسقط القيام بالجائحة بعد عقد البيع، وقبل حصول الجائحة لم يلزمه ذلك (٣). قاله في المقدمات في الكلام على الشروط في البيع من كتاب البيوع الفاسدة، وسيأتي لفظه إن شاء الله تعالى في الفصل الثاني.
المسألة السابعة عشرة
إذا أسقط العهدة قبل عقد البيع إذا كانت العادة جارية بها فقيل يوفى بذلك، وقيل لا يوفى. وسيأتي هذه المسألة في الفصل الثاني [أيضًا] (٤).
_________________
(١) في - م - من.
(٢) أنظر كتاب العقد المنظم ااحكام على هامش كتاب تبصرة الحكام جـ ١ ص ١٦٣.
(٣) أنظر المقدمات جـ ٢ ص ٥٤٤.
(٤) ساقطة من - م -.
[ ٣٢٢ ]
تنبيهات
الأول نظم بعضهم [غالب] (١) هذه المسائل [المذكورة] (٢) فقال:
وإسقاط حق المرأة قبل وجوبه حكى فيه خلفا أهل مذهب مالك
ويجرى على هذا الخلاف مسائل يحققها أهل النهى والمدارك
شريك سخى طوعًا بإسقاط شفعة وذلك منه قبل بيع المشارك
وتارك إرث مجيز وصية بصحة موروث له غير هالك
كذلك من أمضى وصية منفق عليه مريض قد غدا في المهالك
وراضية بالهجر ليلة وصلها ومن بعد أمسى سنها غير ضاحك
ومختارة من قبل عتق لنفسها تروم فكاكًا من فتى متماسك
وتاركة للشرط من قبل عقدها تشكت بحال بعد ذلك حالك
ومسقط حق للحضانة لم يجب كذا حكمه فاحذر مقالة أفك
وعاف صحيح قبل قتل يناله تجاوز عن جان عليه وفاتك
وقد كملت تسعًا واحكم نظمها فجاء بحمد الله سهل المالك (٣)
على أنني أن ألف بعد زيادة فلست لها يا صاح يومًا بتارك
[وذكر بعضهم فيها هذا البيت:
على أن مشهور المسائل كلها سقوط لزوم فاعتمد قول مالك (٤)]
_________________
(١) ساقطة من - م -.
(٢) ساقطة من - م -.
(٣) في - م - المدارك.
(٤) هذا الإستدراك بهامش الأصل غير موجود في - م -.
[ ٣٢٣ ]
ونسب الشيخ شمس الدين التاتائي (١) في شرح الإرشاد هذه الأبيات [للعلامة] (٢) الدماميني (٣) وزاد (٤) بعدها ثلاثة أبيات فقال:
ومسقطة الأنفاق قبل وجوبه ومنكحة التفويض يا خير ناسك
إذا أبرأت من قبل فرض لها ومن عفا من مآل الجرح عند (٥) المهالك
وربة شرط واحد أو معدد إذا أبرأت قبل الوقوع لماسك
الثاني: هذا الخلاف في إسقاط الحق قبل وجوبه، وليس لأحد أن يأخذ الحق قبل وجوبه بلا خوف. قال في الرسم الأول من سماع أشهب من
_________________
(١) هو شمس الدين محمد بن إبراهيم التاتائي المالكي العلامة قاضي القضاة بالديار المصرية كان ممن جمع بين العلم والعمل. حفظ القرآن الكريم، والمنهج في الفقه لشيخه شيخ الإسلام القاضي زكريا، وجمع الجوامع لابن السبكي، وألفية ابن مالك، وأخذ الفقه بدمشق عن شيخ الإسلام تقي الدين بن القاضي عجلون، وبالقاهرة عن القاضي زكريا والبرهان بن أبي شريف، وأخذ الحديث بدمشق عن الحافظ برهان الدين الناجي، وبمصر عن المحدث التق الأوجاقي وغيره. من تصانيفه فتح الخليل في شرح مختصر خليل في فروع الفقه المالكي، والبهجة السنية في حل الإشارات السنية، وشرح ابن الحاجب الفرعي، وشرح الإرشاد لابن عسكر وخطط السداد والرشد في شرح نظم مقدمة ابن رشد وحاشية على شرح المحلي على جمع الجوامع وله شرح عظيم على الرسالة وعدة تصانيف مشهورة. ولد في ثامن عشر جماد الأولى سنة خمس وتسعين وثمانمائة وتوفي سنة ١٤٤٠ وقيل سنة ٩٤٢ هجرية. أنظر ترجمته في الأعلام جـ ٨ ص ١٩٤ وشذرات الذهب جـ ٨ ص ٢٢٤ وما بعدها.
(٢) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٣) هو بدر الدين محمد بن أبي بكر الدماميني القرشي الإسكندري العمدة المتفنن في العلوم والمعارف الفهامة الأديب النحوي العارف بالشروط أخذ من أعلام منهم ابن خلدون، وابن عرفة وعنه جماعة منهم الزين عبادة ورافقه إلى اليمن وعبد القادر المكي، وغيرهما. له حاشية على مغنى اللبيب سماها تحفة الغريب ولما دخل الهند رجع عنها، وألف هناك التحفة البدرية والمزج على المغنى لم يكمل وشرح التسهيل وشرح البخاري، ومجلد في الإعراب مولده سنة ثلاث وستين وسبع مائة ومات قتيلًا بالهند سنة سبع وعشرين وثمانمائة. أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ٢٤٠، ٢٤١.
(٤) هذه الأبيات للشيخ التاتائي.
(٥) في - م - قبل.
[ ٣٢٤ ]
[كتاب] (١) طلاق السنة في الذي يقول إن طلقت امرأتي يومًا من الدهر فقد ارتجعتها ثم طلقها قال لا أرى ذلك من قوله حتى يرتجعها بعد الطلاق. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن الرجعة لا تكون إلا بنية بعد الطلاق لقوله تعالى (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا) (٢) والفرق من جهة المعنى بين الطلاق قبل النكاح والرجعة قبل الطلاق أن الطلاق حق على الرجل والرجعة حق له فالحق الذي عليه يلزمه متى (٣) إلتزمه، والحق الذي له ليس له أن يأخذه قبل أن يجب له ولا اختلاف في أنه ليس لأحد أن يأخذ حقًا قبل أن يجب، وإنما اختلفوا في اسقاطه قبل وجوبه كالشفعة له أن يسقطها قبل وجوبها على اختلاف، وليس له أن يأخذها قبل وجوبها بإتفاق (٤). أ. هـ
وقد تقدم الخلاف في الأمة إذا اختارت نفسها لتقدير عتقها وفي (٥) اختيارذات الشرط نفسها بتقدير فعل زوجها ذلك الشرط إلا أن يقال هذا كله من إسقاط الحق بتقدير فعل زوجها ذلك الشرط إلا أن يقال هذا كله من إسقاط الحق قبل وجوبه لأن الحق الواجب لهما الخيار بعد [حصول] (٦) العتق والشرط، وبإلتزام أحد الأمرين يسقط الخيار فتأمله.
تنبيه
ذكر في التوضيح عن سحنون فيمن قال لزوجته إن دخلت الدار فأنت
_________________
(١) ساقطة من - م -.
(٢) قال الله تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة، واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وتلك حدود الله ومن يتعدى حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا). سورة الطلاق الآية رقم ١.
(٣) في - م - من حين إلتزامه.
(٤) أنظر البيان والتحصيل جـ ٢ ورقة ١٠١ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١١.
(٥) في - م - اختيار.
(٦) ساقطة من - م -.
[ ٣٢٥ ]
طالق، ثم أراد سفرًا وخاف أن تحنثه في غيبته فأشهد إن دخلت الدار فقد إرتجعتها أنه لا ينتفع بذلك، ولا تكون [له] (١) رجعة (٢). أ. هـ
ومشى على ذلك في مختصره فقال: ولا إن قال من يغيب إن دخلت فقد ارتجعتها. والله أعلم.
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٢٣ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
[ ٣٢٦ ]
«الفصل الثاني»
في الشروط المنافية (١) لمقتضى العقد
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
في الشروط المتعلقة بالنكاح
والشروط في النكاح على ثلاثة أقسام:
القسم الأول
ما يقتضيه العقد
كشرطه أن ينفق على الزوجة، أو يكسوها، أو يبيت عندها، أو يقسم لها أو لا يؤثر عليها، أو لا يضر بها في نفقة ولا كسوة، ولا في عشرة، وذلك جائز لا يوقع ذكره في العقد خالًا ولا يكره اشتراطه ويحكم به سواء شرط أو ترك فوجوده وعدمه سواء.
القسم الثاني
ما يكون مناقضًا لمقتضى العقد
كشرطه على المرأة ألا يقسم لها، أو أن يؤثر عليها، أو ألا ينفق عليها، أو لا يكسوها، أو لا يعطيها ولدها، أو لا يأتيها إلا ليلًا، أو لا يطأها نهارًا، أو لا أرث بينهما، أو على أن أحد الزوجين بالخيار، أو على أن الخيار لغيرهما، أو على أنه إن لم يأت بالصداق [إلى أجل (٢)]
كذا فلا نكاح بينهما، أو على أن
_________________
(١) في - م - المناقضة.
(٢) ساقطة من الأصل.
[ ٣٢٧ ]
أمرها بيدها متى شاءت، أو على أن الطلاق بيد غير الزوج فهذا [القسم] (١) لا يجوز اشتراطه في عقد النكاح ويفسد به النكاح أن شرطه فيه. ثم اختلف في ذلك فقيل يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وقيل يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده، ويسقط الشرط، وهذا هو المشهور، وقيل إن أسقط مشترط الشرط شرطه صح النكاح، وإن تمسك به فسد (٢).
تنبيه
من هذا القسم ما يقتضي الفسخ مطلقًا قبل البناء وبعده. قال في كتاب النكاح الثاني من المدونة: من زوج أمته، وشرط أن ما ولدت فهو حر لم يقر [على] (٣) هذا النكاح، ويكون لها إن دخل بها المسمى (٤)
قال ابن يونس: قال بعض الفقهاء وقيل لها صداق المثل وهو أبين لأن الصداق وقع للبضع (٥)، ولحرية الولد وما يخص كل [واحد] (٦) من ذلك جهول فوجب لذلك صداق المثل. قال ابن يونس: ووجه القول الأول: أن الصداق إنما وقع للبضع المتبين (٧)، والولد قد يكون وقد لا يكون. قال ابن المواز عن مالك: [إن] (٨) نكاحها يفسخ قبل البناء وبعده سواء زوجها من حر أو عبد له أو لغيره، ويكون الولد حرًا وولائه لسيد
الأمة الذي أعتقه (٩) أ. هـ.
_________________
(١) ساقطة من - م -.
(٢) في - م - فسخ.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) أنظر المدونة جـ ٤ ص ١٩٧ وما بعدها.
(٥) البضع بالضم الجماع، وفي الصحاح البضع بالضم النكاح، وفي الحديث البضع يزيد في السمع والبصر أي الجماع، وقيل البضع المهر أي مهر المرأة. أنظر تاج العروس جـ ٥ ص ٢٧٦.
(٦) ساقطة من - م -.
(٧) في - م - المتيقن.
(٨) ساقطة من - م -.
(٩) أنظر جامع ابن يونس جـ ٢ ورقة ١٠٠ ظهر وما بعدها مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٩٢٤.
[ ٣٢٨ ]
ونقل ابن عرفة المسألة بلفظ: وفي ثاني نكاحها من زوج أمته على أن ما ولدته حر لا يقر نكاحها بحال، ولو دخل ولها المسمى. ثم قال وقول ابن عبد السلام لم ينص على فسخه (١) في المدونة بعد البناء إنما قال فيها لا يقر هذا النكاح يرد لسابق نصها، ولعله اغتر بلفظ أبي سعيد (٢) المنتقد بترك أمرهم، وقال ابن رشد لا خلاف في فسخه أبدًا إلا أن يدخله الخلاف (٣). أ. هـ
قلت: يعني أن الخلاف يدخله تخريجًا من الخلاف في (٤) النكاح المقترن بشرط لا يخل، وما ذكره ابن عرفة هو نص الأم قبل ترجمة نكاح التفويض، وهذا الموضع لم ينبه عليه عبد الحق في التعقيب على التهذيب. والله أعلم.
فرع
ثم قال ابن عرفة واللخمي روى محمد من زوج أمته على أن ولدها أحرارًا فسخ نكاحه ولو بنى، وولده أحرارًا وولائهم لسيدهم، ولا قيمة على أبيهم فيهم. محمد: إن باعها بعد ذلك وهي غير حامل فولدها رقيق، وكذلك إن لم يبعها، وفسخ الشرط، أو تفاسخا، أو رجعا فيه قبل حملها لأنه رضا بفاسد رد قبل وقوعه (٥). أ. هـ
قلت: ظاهر كلام ابن عرفة أن هذا جميعه لمحمد، والذي نقله اللخمي
_________________
(١) عبارة - م - في المدونة على فسخه.
(٢) هو أبو سعيد أحمد بن زيد القزويني الفقيه الإمام العالم المحقق الأصولي تفقه بأبي بكر الأبهري وهو من كبار أصحابه، وأبي بكر بن عليوة وغيرهما وسمع من أبي زيد المروزي. قال الشيرازي صنف في المذهب والخلاف وكان زاهدًا عالمًا بالحديث، وله كتاب المعتمد في الخلاف نحو مائة جزء وهو من أهدب كتب المالكية، وله كتاب الإلحاف في مسائل الخلاف. يقول صاحب شجرة النور الزكية لم أقف على سنة وفاته وذكر غيره أنه توفي في نيف وتسعين وثلاثمائة أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ١٠٣، والديباج جـ ٢ ص ١٦٢، ١٦٣.
(٣) أنظر مختصر ابن عرفة في الفقه جـ ٢ ورقة ٥ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٤) في - م - من.
(٥) أنظر مختصر ابن عرفة في الفقه جـ ٢ ورقة ٥ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
[ ٣٢٩ ]
عن محمد إنما هو قوله إن باعها السيد بعد ذلك، وهي غير حامل كان ما ولدت عند المشتري رقيقًا، وهو المنقول عنه في النوادر (١)، ثم قال اللخمي بعده وكذلك [أرى] (٢) إن لم يبعها إلخ. [وفسخ الشرط أو تفاسخاه أو رجع السيد فيه، وكل ذلك قبل أن تحمل فإنه رقيق لأنه رضا بفاسد رد قبل وقوعه فلم يلزم. فقوله فكذلك إن لم يبعها (٣)] إنما هو من كلام اللخمي وهو ظاهر إن كان مراده أنهما تفاسخا النكاح وأما إن كان مراده أن السيد فسخ الشرط ورجع عنه مع بقاء الزوجين على النكاح كما يظهر من [آخر] (٤) كلامه ففيه نظر فتأمله، وعلى تقدير أن ذلك له فلا يؤخذ منه أن للسيد الرجوع عن ذلك فيما إذا تبرع بذلك لأمته، ولم يشترط عليه في نكاحها كما نبهت على ذلك في الباب الأول لأنه علل ذلك (٥) بأن الشرط فاسد. أ. هـ.
فرع
قال اللخمي وإن استحقت الأمة أخذها المستحق وجميع ولدها، ورد عتق ما كانت ولدت قبل رد السيد لأن العتق من السيد ليس من الأب الواطئ، فإن استحق الولد كان للمستحق أن يرد العتق. أ. هـ
فرع
فإن زوجها على أن أول ولد تلده حر. فقال ابن القاسم في رسم الجواب من سماع عيسى: وفي رسم الكبش (٦) من سماع يحيى من كتاب النكاح أنه يفسخ النكاح أيضًا أبدًا على كل حال، وإن طال، وقال ابن الماجشون في الواضحة: أنه يفسخ قبل البناء وبعده ما لم تلد أول ولد، فإن لم يفسخ حتى ولدت كان حرًا وثبت النكاح لأن الشرط قد ذهب. قال ابن رشد في الجواب
_________________
(١) أنظر النوادر والزيادات على المدونة جـ ٢ ورقة ٢٢٩ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٣٧٢.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) عبارة - م - بذلك لأن.
(٦) الكبس بالسين هكذا صححت بهامش - م، والصحيح أنها بالشين وليس العكس.
[ ٣٣٠ ]
المذكور: وقوله يأتي على رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة في نكاح المريض والمريضة أنهما إذا صحا قبل الفسخ ثبتا على نكاحهما (١). أ. هـ
وحكمهما كما تقدم فيجوز عند ابن القاسم ولسيدها أن يبيعها، وأن (٢) يصدقها ما لم تحمل بأول ولد، ويكون الولد رقيقًا بعد ذلك، وأما إن حملت فلا يجوز له ذلك إلا أن يرهقه دين فتباع عليه في دينه وقيل لإتباع في الدين، وقد أطال ابن رشد الكلام في ذلك، وفي جواز قسمتها إذا مات سيدها وهي حامل، وفي الكلام على ما إذا باعها سيدها وهي حامل، أو أصدقها لزوجته فراجع ذلك إن أردته (٣) في الجواب المذكور.
فرع
إذا زوج (٤) أمته عبد غيره على أن ما تلده الأمة بين السيدين. فروى محمد عن مالك أن النكاح يفسد (٥). قبل البناء وبعده، ويكون الولد لسيد الأمة وحكى أبو الفرج أن الولد بينهما نقله ابن عرفة وغيره، قالوا ويجب لها بالدخول مهر المثل. قال بعض القرويين: إن زاد مهر المثل على المسمى فعلى رواية محمد يسقط الزائد، وعلى رواية (٦) أبي الفرج لا يسقط لحصول غرض الزوج (٧). أ. هـ والله تعالى أعلم.
القسم الثالث
ما لا (٨) يقتضيه العقد ولا ينافيه وللزوجة فيه غرض
كشرطه ألا يتزوج عليها، وألا (٩) يتضرر، وألا يخرجها من بلدها أو من
_________________
(١) أنظر البيان والتحصيل جـ ٢ ورقة ٥٤ ظهر، ٥٨، ٥٩ وجه ط ١٠٦١١.
(٢) في - م - بإسقاط أن.
(٣) في - م - أن أردت.
(٤) في - م - إن تزوجت.
(٥) في - م - يفسخ.
(٦) في - م - قول.
(٧) أنظر مختصر ابن عرفة في الفقه جـ ٢ ورقة ٦ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٨) في - م - بإسقاط لا.
(٩) في - م - أو لا.
[ ٣٣١ ]
بيتها، وألا يغيب عنها فهذا النوع لا يفسد به النكاح ولا يقتضي فسخه (١) لا قبل الدخول ولا بعده، فإن شرط الزوج شيئًا من ذلك في العقد، أو بعدهفلا يخلو إما أن يعلقه (٢) بطلاق أو عتق، أو تمليك أو لا. فإن علقه بطلاق، أو عتق، أو تمليك لزمه ذلك كقوله إن تزوجت عليها فهي طالق، أو فالزوجة طالق، أو فأمرها بيدها، أو بيد أبيها، أو غيره، [أو أمر الداخلة بيد الزوجة الأولى، أو بيد أبيها (٣)]
أو إن (٤) تسريت فالسرية حرة، أو نحو ذلك، وسواء كانت أسقطت من صداقها لذلك شيئًا أو لم تسقط، وسواء شرطت ذلك في عقد النكاح أو تطوع به الزوج فإن فعل شيئًا من ذلك لزمه ما شرط ولا ترجع عليه بما أسقطته من صداقها لذلك لأن مقصودها قد حصل كما لو قالت [له] (٥) أسقطت عنك مائة من صداقي على أنك إن تزوجت علي فأنا طالق، أو فالزوجة طالق فإن تزوج عليها لزمه الطلاق، ولا رجوع لها بما أسقطت، واختلف في جواز النكاح على ذلك ابتداء ففي الموازية [قال] (٦) لا يحل الشرط ابتداء فإن وقع جاز النكاح ولزم الشرط، وقال ابن القاسم يكره العقد على [ذلك (٧)] وقال اللخمي أجاز ذلك سحنون ابتداء وزوج غلامه أمته على أنه أن يسرق (٨) زيتونه كان أمر امرأته بيده، وأنكر ابن بشير على اللخمي وجود هذا القول وقال فعل سحنون (٩) لا يدل على أن مذهبه الجواز لأنه قد يستخف مثل هذا للضرورة، وأيضًا فإن فعل أحد لا يدل على الجواز إلا من وجبت له العصمة.
قال الشيخ خليل في التوضيح: وفيما قاله ابن بشير نظر لأن العلماء لم تزل تستدل على مذهب العلماء بأفعالهم لا سيما مثل سحنون
_________________
(١) في - م - الفسخ.
(٢) في - م - يعلقها.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) في - م - وإن.
(٥) ساقطة من - م.
(٦) ساقطة من الأصل.
(٧) ساقطة من الأصل.
(٨) في - م - سرق.
(٩) في - م - اللخمي.
[ ٣٣٢ ]
الذي هو [من] (١) أشد الناس ورعًا، بل فعل أهل الورع أقوى في الجواز من قولهم لأنه قد يفتى لغيره بالجواز ويتورع هو عن فعله وقول ابن بشير إن فعل أحد لا يدل على الجواز أن أراد به (٢) لا يكون حجة [فصحيح] (٣) فذلك قوله، وإن أراد أنه لا يدل على أن مذهبه الجواز فممنوع كما ذكرنا (٤). أ. هـ
وهو كلام حسن، وأصله لابن عبد السلام، وقبله ابن عرفة وقال بعده وكذلك تلقى غير واحد من الشيوخ قول اللخمي بالقبول (٥). أ. هـ
يعني قوله عن سحنون، وقال ابن عرفة لما ذكر ابن عبد السلام تعقيب ابن بشير على اللخمي، قال الذي وجدته في التبصرة هو مانصه قال سحنون فيمن زوج أمته (٦) عبده إلخ. وإذا كان هكذا فهو فتوى بالجواز، ودعوى أن ذلك للضرورة لا يلتفت إليها إلا بدليل. قال ابن عرفة: الذي وجدته في التبصرة في غير نسخو واحدة منها نسخة عتيقة مشهورة بالصحة أثار المقابلة عليها واضحة ما نصه وأجازه سحنون ابتداء وزوج غلامه أمته إلخ وهذا ما ذكره ابن بشير نصًا سواء. أ. هـ كلام ابن عرفة.
قلت: وقد رأيت [في] (٧) نسخة من التبصرة (٨) فيها مثل ما ذكره ابن
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) في - م - أنه.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) أنظر التوضيح جـ ١ ورقة ١٥٥ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٥.
(٥) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ٦ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس رقم ١٢١٤٧. تنبيه هذا الجزء المشار إليه يوجد في أوله نقص نحو الكراسة من باب النكاح، ومطلع هذا الجزء شروط الصداق، وللأهمية وجب التنبيه للأخذ بالعلم.
(٦) في - م - عبده أمته والصواب فيمن زوج غلامه أمته.
(٧) ساقطة من الأصل.
(٨) وهو تعليق مفيد، وتقييد حسن على كتاب المدونة للعلامة أبو الحسن اللخمي، وهو كتاب كبير جدًا اعتنى فيه مؤلفه بتخريج الخلاف في المذهب، واستقراء الأقوال، وربما اتبع نظره فخالف بذلك المذهب فيما ترجح عنده فخرجت اختياراته في كثير منها عن قواعد المذهب وفي قبول مثل ذلك اختلاف عند الأصوليين.
[ ٣٣٣ ]
عبد السلام، وإن لم يعلق ذلك بطلاق، ولا عتق، ولا تمليك فالشرط مكروه ولا يلزم، ويستحب له الوفاء بذلك وسواء وضعت لذلك شيئًا من صداقها
أم لا، ولا رجوع لها عليه بما وضعته إلا أن تكون شرطت عليه هذه الشروط بعد العقد ووضعت عنه لأجل ذلك بعض صداقها فإنه إن خالف رجعت عليه بما وضعته. قال في كتاب النكاح الأول (١) من المدونة: ومن نكح امرأة على ألا يتزوج عليها ولا يتسرر، ولا يخرجها من بلدها جاز النكاح وبطل الشرط، وإن وضعت عنه لذلك من صداقها في العقد لم ترجع به، وبطل الشرط إلا أن يكون عنه طلاق أو عتق، ولو شرطت [عليه] (٢) هذه الشروط بعد العقد ووضعت لذلك بعض صداقها لزمه ذلك، فإن أتى (٣) شيئًا من ذلك رجعت عليه بما وضعته، وإن أعطته مالًا على ألا يتزوج عليها فإن فعل [ذلك] (٤) فهي طالق ثلاثًا فإن تزوج وقع الطلاق، وبانت منه، ولم ترجع [عليه] (٥) بشيء إذا تم لها شرطها (٦). أ. هـ
تنبيهات
الأول: إذا أعطته شيئًا على ألا يتزوج عليها، أو لا يتسرر ثم فعل فلها الرجوع عليه بما أعطته كما ترجع بما أسقطته من صداقها، وإنما ذكر في المدونة إسقاط الصداق لأنه قد يتوهم أن أمره خفيف فنبه بالأخف على الأشد كما أشار إلى ذلك في التوضيح (٧). أ. هـ
الثاني: ظاهر كلامه في المدونة أن العقد على ذلك جائز. قال في التوضيح: وهو ظاهر كلام ابن الحاجب قال ومنعه في السليمانية
وكتاب المدنيين
_________________
(١) الصواب الثاني.
(٢) ساقطة من - م -.
(٣) في - م - أبي وهو تصحيف.
(٤) ساقطة من - م -.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) أنظر المدونة جـ ٤ ص ٤٨.
(٧) أنظر التوضيح جـ ١ ورقة ١٥٥ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٥.
[ ٣٣٤ ]
لأن له أن يوفى وأن لا يوفى فصار ما يعطيه (١) تارة ثمنًا وتارة سلفًا. قال ووجه الأول أنهما دخلًا على الوفاء بالشرط، وإن خالف بعد ذلك فأمر طارئ (٢). أ. هـ
الثالث: قال في التوضيح: ظاهر كلام ابن الحاجب وكلام غيره أن لها أن ترجع سواء خالف عن قرب أو بعد تحقيقًا للعوضية، وقاله ابن عبد السلام، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه ينبغي أن يفرق في ذلك بين القرب والبعد، كما فرقوا إذا أراد طلاقها فوضعت عنه من صداقها، أو سألها الحطيطة فقالت أخاف أن تطلقني فقال لا أفعل فحطت عنه ثم طلقها، أو أعطت زوجها مالًا على أن يطلق ضرتها فطلقها ثم أراد مراجعتها وكما قالوا إذا سئل البائع المشتري الإقالة فقال له المشتري إنما مرادك البيع لغيري لأني اشتريتها برخص فقال (٣) البائع متى بعتها فهي لك بالثمن الأول، أنه إذا باع عقب الإقالة، أو قريبًا منها فللبائع شرطه، وإن باع بعد الطول، أو بحدوث سبب اقتضاه فالبيع ماض (٤).
قلت: كأنه ﵀ لم يقف على نص في رجوعها عليه إذا تزوج عليها بعد البعد، وقد تقدم في النوع الخامس من الباب الثالث عن اللخمي أنه إذا أعطته مالًا على ألا يتزوج عليها فتزوج عليها أنها ترجع عليه قرب تزويجه أو بعد، وتقدم أيضًا ظاهر المدونة، وظاهر كلام المتيطي، وابن فتحون وغيرهما، وهذا بخلاف (٥) ما إذا أعطته مالًا على
ألا يتزوج عليها فقبل (٦) ذلك ثم طلقها فيفصل في ذلك بين القرب والبعد كما إذا سألها وضع صداقها فوضعته، ثم طلقها فيفصل فيه أيضًا كما تقدم ببانه في النوع الخامس، وكما
_________________
(١) في - م - تعطيه وهو الصواب.
(٢) أنظر التوضيح جـ ١ ورقة ١٥٥ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٥.
(٣) عبارة - م - فيقول.
(٤) انظر التوضيح جـ ١ ورقة ١٥٥ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٥.
(٥) عبارة - م - الخلاف فيما.
(٦) في - م - ففعل وهو تصحيف.
[ ٣٣٥ ]
سيأتي في المسألة الثانية في الكلام على الشروط في البيع، ويأتي أيضًا الكلام على مسألة الإقالة وذكر الخلاف فيها، وأن هذا يشبه أن يكون من باب الجعل، وإذا كان كذلك فالمجعول عليه في هذه المسائل عدم الزواج عليها، أو التسرر أو عدم إخراجها من بلدها أو دارها فمتى فعل شيئًا من ذلك لم يحصل المجعول عليه، لأن المتبادر أنها أرادت أنه لا يفعل ذلك مطلقًا مادامت في عصمته، والمجعول عليه في مسألة الطلاق هو ترك الطلاق والمتبادر أن مرادها عدم الطلاق الأن، أو فيما قارب ذلك كما يظهر من كلام اللخمي المتقدم في النوع الخامس من الباب الثالث فتأمله. اللهم إلا أن تدل قرينة في الصورة الأولى على عدم الزواج عليها الان أو قريبًا من ذلك، أو تدل قرينة في الصورة الثانية على أرادتها عدم الطلاق مطلقًا فيتساويان، وكلامه في التوضيح المتقدم هنا في مسألة اعطائها على ألا يطلقها فيه إجمال، وقد استوفى (١) الكلام عليها في باب الخلع وذكرنا ذلك في النوع الخامس من الباب الثالث.
الرابع: ما ذكره في المدونة (٢) فيما إذا وضعت للشرط شيئًا من صداقها [في العقد هو المشهور، ومثاله إذا تقرر أن صداقها (٣)] ألف ثم قالت له أنا أسقطت لك مائتين على ألا تتزوج علي، أو لا تتسرر (٤)
أو نحو ذلك فالمشهور أنها لا ترجع عليه بشيء إن خالف، ومقابله رواه أشهب عن مالك أنها ترجع بما وضعت وصوبه ابن يونس، وقيل ترجع بالأقل ما وضعت، أو من تمام صداق المثل (٥). ذكر هذه الأقوال (٦) في التوضيح، ووجه الشيخ أبو الحسن
_________________
(١) في - م - استوفينا.
(٢) أنظر المدونة جـ ٤ ص ٢١٩ وما بعدها.
(٣) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٤) في - م - يتسرر.
(٥) أنظر جامع ابن يونس على المدونة جـ ٢ ورقة ١١٥ ظهر، ١١٦ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٩٤٢.
(٦) أنظر التوضيح جـ ١ ورقة ١٥٥ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٥.
[ ٣٣٦ ]
المشهور بأن النكاح مبنى على المكارمة (١) يعني فكل ما سقط (٢) قبل العقد كأنه لا وجود له. فتأمله
الخامس: إذا كان لا رجوع لها بما وضعته قبل (٣) العقد [فمن باب أحرى إذا لم يتعين في العقد (٤)] ما وضعت، وإنما خففت عنه الصداق لما شرطته كما لو قالت أتزوجك مثلًا بمائة على هذه الشروط، وعلم ان صداق مثلها مائتان فخالف فالمشهور أنها لا ترجع عليه بما خففت، وقيل لها أن ترجع بتمام صداق مثلها.
المسألة الثانية
في الشروط في الخلع
كما إذا خالعها على ان تخرج من المسكن التي هي فيه فإن الخلع يلزمه، وتبين منه ولا تخرج من الممكن لأن خروج المعتدة من مسكنها حرام، والخلع على الحرام لا يلزم كما لو (٥) خالعها بخمر، أو خنزير فيقع
الطلاق بائنًا، ولا شيء له في الخمر والخنزير، وبكسر الخمر وبقتل الخنزير سواء كان في يده أو في يدها إلا أن يتخلل الخمر فيكون حلالًا للزوج وكذلك لو خالعها على أن تسلفه، أو على أن تؤخره بدين في ذمته [حالًا] (٦) لأن ذلك سلف جر نفعًا، وهو حرام فيلزمه الطلاق بائنًا، ولا يلزمها أن تسلفه، ولا أن تؤخره، وكذلك إذا خالعها على أن يعجل لها (٧) ما لا يجب قبوله من السلف لأنه من باب حط الضمان وأزيدك، وأما إن خالعها على أنه لا سكنى لها فإن أراد إلزامها كراء
_________________
(١) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٢ ورقة ١١٦ وجه وظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٧.
(٢) في - م - أسقط.
(٣) في - م - في.
(٤) ساقطة من - م -.
(٥) في - م - إذا.
(٦) ساقطة من الأصل.
(٧) في - م - له.
[ ٣٣٧ ]
المسكن وهو لغيره أو له، وسمى الكراء لزمها ذلك، وإن أراد على أن تخرج من مسكنه تم الخلع ولا تخرج، ولا كراء له عليها (١). قاله في كتاب إرخاء الستور من المدونة. قال اللخمي أرى عليها الأقل من كراء المسكن، أو ما كانت تكتري به إلا أن يكون انتقالها لمسكن لها أو لأبيها [ولا كراء له] (٢) وهو خلاف المشهور ومذهب المدونة، [وتقدم الكلام] (٣) في الباب الأول على ما إذا خالعها على [أن عليها] (٤) نفقة نفسه، أو نفقة غيره، أو نفقة ولدها الصغير أكثر من حولين، ومن ذلك أيضًا ما ذكره في كتاب إرخاء الستور من المدونة ونصه: وإن (٥) أعطته شيئًا على أن (٦) يطلق ويشترط الرجعة، أو خالعها وشرط أنها إن طلبت منه شيئًا عادت زوجة، أو شرط رجعتها فشرطه باطل، والخلع يلزمه ولا رجعة له إلا بنكاح مبتدأ.
قال ابن يونس: لأن شرطه لا يحل سنة الخلع قاله مالك (٧). أ. هـ
فرع
ومن ذلك أيضًا ما وقع في سماع عيسى من كتاب ترجمته فيمن خالع امرأته على أن تخرج لبلد غير بلده أخذ منها على ذلك شيئًا أم لا، فأبت أن تخرج فهي على خلعها، ولا تجبر على الخروج. قال ابن رشد: لأن الخلع عقد يشبه عقد البيع تملك المرأة به نفسها كملكها زوجها بالنكاح، فوجب ألا يلزم الشرط فيه بالخروج من البلد، والإقامة فيه أو ترك النكاح وشبهه من تحجير النكاح كما هو كذلك. أ. هـ
_________________
(١) أنظر المدونة جـ ٥ ص ٢٦ وما بعدها.
(٢) ساقطة من - م -.
(٣) ساقطةمن - م -.
(٤) ساقطةمن - م -.
(٥) في - م - إذا.
(٦) في - م - أنه.
(٧) أنظر المدونة حـ ٥ ص ٣٤٢.
[ ٣٣٨ ]
المسألة الثالثة
في الشروط المتعلقة بالبيع
وقد جعلها ابن رشد في كتاب البيوع (١) الفاسدة من المقدمات على أربعة أقسام.
القسم الأول
من أقسام الشروط المتعلقة بالبيع:
شرط ما يقتضيه العقد
كتسليم المبيع، والقيام بالعيب، ورد العوض عند انتقاض البيع أو ما لا يقتضيه ولا ينافيه لكونه (٢) لا يؤل إلى غرر، وفساد في الثمن والمثمون (٣) ولا إلى الإخلال بشرط من الشروط المشترطة في صحة البيع، وفيه مصلحة لأحد المتبايعين كالأجل، والخيار، والرهن، والحميل، وبيع الدار واستثناء سكناها أشهرًا معلومة أو سنة، وكبيع الدابة واستثناء ركوبها
ثلاثة أيام أو نحو ذلك، أو إلى مكان قريب. فهذا القسم من الشروط صحيح لازم به مع الشرط، ولا يقضى [به] (٤) بدون شرط إلا ما كان [مما] (٥) يقتضيه العقد فإنه يقضى به ولو لم يشترط، ويتأكد مع الشرط
فرع (٦)
قال البرزلي في مسائل الضرر عن ابن رشد: فيمن له داران باع إحداهما وشرط على المشتري ألا يرفع على الحائط الفاصل بين الدارين شيئًا مخافة أن يظلم عليه داره، ويمنعه من دخول الشمس فيها فإلتزمه أن البيع جائز والشرط لازم (٧). أ. هـ
_________________
(١) أنظر المقدمات الممهدات جـ ٢ ص ٥٤٢ وما بعدها.
(٢) في - م - ككونه.
(٣) في - م - أو المثمون.
(٤) ساقطة من - م -.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) هذا الفرع بالكامل ساقط من - م -.
(٧) أنظر نوازل البرزلي جـ ٣ ورقة ١٣٨ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٧٩٤.
[ ٣٣٩ ]
وانظر كلام ابن سهل فإنه ذكر في ذلك خلافًا (١)، وذكرها المتيطي
قبل باب بيع الأرض بزرعها (٢).
فرع
ومن ذلك بيع الجارية، واشتراط رضاع ولدها، ونفقته على المشتري سنة على أنه إن مات الولد أرضع له آخره وإن ماتت الجارية جاء المشتري بأخرى توضع الولد. قال ابن رشد: في شرح المسألة السادسة من سماع ابن القاسم من جامع البيوع إن وقع البيع على الشرطين إن ماتت أتوا بأخرى، وإن مات الرضيع أرضعوا له آخر، وأرادوا بقولهم إن ماتت أتوا بأخرى كون الرضاع مضمون على المشتري جاز البيع اتفاقًا، وإن أرادوا بذلك كون الرضاع في عين الأمة ما لم تمت وإن ماتت أتوا بخلفها (٣) لم يجز كما لو شرطوا أن الرضاع يبطل بموتها، أو يرجع عليه البائع بقدره لأنه إن كان في عين الأمة دخله التحجير على المشتري في الأمة إذ لا يجوز التصرف فيها بما يجوز لذي الملك في ملكه من أجل الشرط وإن شرطوه في عين الصبي ومضمونًا على المشتري دخله الغرر
_________________
(١) للفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول لابن دحون، وأبو علي المسيلي البيع جائز والشرط ساقط، وله أقامتها زاد المسيلي ويمنع من الضرر. الثاني أبو المطرف عبد الرحمن أن البيع جائز والشرط جائز، ويقضى على المبتاع. والثالث قال أبو عبد الله بن عتاب العقود المنعقدة في البيوع بالشروط في مذهبنا تنقسم إلى أربعة أقسام قسم منها يصح فيها البيع والشرط، وقسم ثاني يصح البيع فيه ويبطل الشرط، وقسم ثالث يبطل البيع فيه والشرط ويغلبان على فسخه، وأن هذه المسألة ليست من هذه الأقسام الثلاثة ولا من بابها، وهي من القسم الرابع الذي الشروط فيه مكروهة فإن وقع البيع به خير مشترطها إن كان البيع لم يفت في اسقاطها ويصح البيع وينفذ، أو التمسك بها ويفسخ البيع بينهما، وإن فات البيع سقط الشرط ووجبت القيمة في ذلك فإن كان الإسطوان على حاله يوم التبايع فالبائع مخير إن أحب إسقاط الشرط نفذ البيع وجاز، وإن لم يسقط فسخ البيع فيه، وإن كان الإسطوان قد فات بما تفوت به الأصول من الهدم والبناء سقط الشرط ولزمت المبتاع فيه القيمة إلا أن تكون أقل من الثمن الذي به ابتاع فلا ينقص منه لأنه قد رضى بذلك الثمن مع الشرط الذي إلتزمه فإذا سقط عنه الشرط لم تكن له حجة فإن أثبت البائع ضرر نظر له في ذلك. أ. هـ أنظر الإعلام بنوازل الأحكام ورقة ٧٩ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٨٣٩٤.
(٢) أنظر المتيطية ورقة ٨١ ظهر، ٨٢ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية ١٨٦٩٦. تونس.
(٣) في - م - بخلافها.
[ ٣٤٠ ]
لأنه يبطل (١) بموت الصبي، وأختلف إذا لم يكن لهم في الشرط نية فحمله هنا على أنه مضمون على المشتري لا في عين الأمة فأجازه وحمله بعده في أخر رسم [من سماع] (٢) أشهب بعد هذا على أنه في عين الأمة فلم يجزه، واختلف
إذا وقع البيع على [أنه] (٣) إن مات الصبي أرضعوا له آخر، ولم ينصوا على أن الرضاع مضمون على المشتري بأن يقولوا إن ماتت أتوا بأخرى بل سكنوا على ذلك فحمله ابن القاسم في المدونة على المضمون فأجازه وحمله سحنون على أنه في عين الأمة فلم يجزه إلا على (٤) وجه الضرورة مثل أن يرهقه دين فتباع فيه عليه، وتأول على أن القاسم أنه أجازه مع كون الرضاع في عين الأمة فإعترض عليه، وقال كيف يجيز هذا ولا يجيز الإجارة على ذلك، ولا يلزم ابن القاسم اعتراضه لأنه لم يجزه، بأن حمل الأمر في المسكوت عليه (٥) على أن الرضاع مضمون على المشتري لا في عين الأمة. أ. هـ
وقول (٦) ابن رشد إذا اشترط الرضاع في عين الأمة بمعنى أنها ترضعه (٧) مادامت حية فإذا ماتت أتى المشتري بخلفها (٨) لم يجز لأن فيه تحجيرًا على المشتري. أصله للشيخ أبي إسحاق التونسي في آخر كتاب البيوع الفاسدة، وذكره ابن يونس بلفظ قيل ثم قال بعده ردًا له انه يقدر على بيعها بأن يشترط على المبتاع الرضاع. أ. هـ
وما ذكره ابن يونس هو الظاهر أعني أنه لا يمنع من البيع بشرط أن يشترط على المشتري الثاني رضاع الصبي، ولو شرط الرضاع مضمونًا على
_________________
(١) في - م - لأنه لا يبطل.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) ساقطة من - م -.
(٤) عبارة - م - لوجه.
(٥) في - م - عنه.
(٦) في - م - وقال.
(٧) في - م - أرضعته.
(٨) في - م - بخلافها.
[ ٣٤١ ]
المشتري كما قال (١) أبو إسحاق، وابن رشد لم يجز للمشتري أن يبيعها ويأتي بأخرى ترضع الصبي، لما في ذلك من التفرقة بين الأم وولدها فتأمله.
وفي كلام ابن عرفة في الكلام على التفرقة بين الأم وولدها ما يقتضي أن ذلك حق في عين الأمة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في الباب الأول.
تنبيهات
الأول: وقعت هذه المسألة في السماع المذكور من غير بيان كون الصبي حرًا أو رقيقًا. فقال ابن القاسم (٢): هذه وهم من مالك، أوامر رجع عنه لما فيه من التفرقة. قال ابن رشد: المعنى في هذه [المسألة (٣)] أن الولد حر، وكذلك قال فيها في آخر البيوع (٤) الفاسدة من المدونة وعلى ذلك أجاب مالك ﵀ فالوهم (٥) من ابن القاسم فيما حمل عليه المسألة، ونسب مالك إلى الوهم فيه، ومعنى المسألة أن رب الأمة أعتق ولدها ثم باعها ولم يبق من أمد رضاعه إلا سنة فاجاز له أن يشترط [بقية رضاعه على المشتري (٦)].
[الثاني: قال سحنون لا أدري لم جوز مالك هذه المسألة، وهو لا يجيز أن يشترط (٧)] على المرضعة إن مات الولد أن تأتي بغيره، ولكنها مسألة ضرورة (٨) يعني مسألة الأمة. قال ابن يونس: الفرق عندي بين المسألتين أن الغرر في مسألة بيع الأمة تابع أنه انضاف إلى أصل جائز وهو بيع الأم، والغرر في مسألة الضئر (٩) منفرد فلم يجز كقول مالك
في بيع لبن شاة شهرًا أو أشهرًا أنه لا يجوز،
_________________
(١) في - م - قاله.
(٢) عبارة - م - المذكور هذا وهم عن مالك.
(٣) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٤) أنظر المدونة جـ ٩ ص ١٦٧.
(٥) عبارة - م - قالوا وهم ابن القاسم.
(٦) ساقطة من الأصل.
(٧) ساقطة من الأصل.
(٨) ضرورة بمعنى حاجة أنظر تاج العروس جـ ٣ ص ٣٤٩.
(٩) الضئر بالكسر مهموزًا العاطفة على ولد غيرها أي على غير ولدها المرضعة له. أنظر تاج العروس جـ ٣ ص ٣٦٦.
[ ٣٤٢ ]
وأجاز كراء ناقة شهرًا، واستثناء حلبها فالغرر إذا إنفرد يمنع بخلاف [ما] (١) إذا كان تبعًا والأصل فيه أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها وقال (من باع نخلًا وفيها ثمر مؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع (٢» فكان للمشتري اشتراطه إذا إنضاف إلى أصل، ومنع من بيعه إذا انفرد وقد أجمعت الأمة على [جواز] (٣) بيع الجبة محشوة [قطنًا] (٤) وإن لم ير قطنها ولا يجوز بيع قطنها منفردًا أو (٥) وهو محشوًا فيها.
الثالث (٦): تقدم في الباب الأول أن ابن رشد جعل نفقة هذا الصغير كالدين لا تبطل بالفلس، وتقدم على (٧) الوصايا، ويحاص الغرماء بمبلغ نفقته الواجبة له عليه بعتقه إياه وهو صغير.
فرع
قال مالك في رسم سلعة سماها من سماع (٨) ابن القاسم من جامع البيوع لا بأس ببيع نصف الأمة، أو الدابة على أن على المشتري نفقتها سنة، وأنه إن مات أو باعها فذلك له ثابت على المشتري. قال ابن رشد وقعت هذه المسألة على نصها في هذا السماع من كتاب السلطان ووصل بها إلى (٩) سحنون
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) نص الحديث قال رسول الله ﷺ (من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع). أخرجه أبو داود جـ ٩ ص ٢٩٩، والترمذي جـ ٥ ص ٢٥٢، ٢٥٣ والنسائي جـ ٧ ص ٢٩٦، ٢٩٧، وموطأ مالك جـ ٢ ص ٦١١ وأحمد بن حنبل جـ ٢ ص ٩، ٧٨، ٩٢، أنظر المعجم المفهرس جـ ٦ ص ٣٠٤.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) نسخة الأصل بإسقاط أو.
(٦) في - م - قلت.
(٧) في - م - في.
(٨) في النسخة - م من سماع عيسى.
(٩) عبارة - م - أن سحنون أنكرها.
[ ٣٤٣ ]
وأنكرها، والمعنى عندي في مخالفة سحنون لمالك
أن مالكًا حمل قوله إن ماتت الدابة فذلك له ثابت على أنه يأتيه في كل يوم من الطعام بما كان ينفق عليها إلى أن تنقضي السنة، فأجاز ذلك إذ لا وجه للكراهة فيها على هذا الوجه، لأنه باع نصف المة أو الدابة بثمن مسمى، ونفقة معلومة يستوفيها (١) كانت الأمة أو الدابة باقية، ى أو لم تكن فبعض ثمن نصفها نفقتها المعلومة لإنقضاء السنة، وحمل سحنون ذلك على أنه إن ماتت المة أو الدابة يأخذ ما بقي من النفقة حالًا، أو قيمة ذلك فأنكر جوازه لما فيه من الغرر، وعلى هذا لو وقع الأمر على أحد الوجهين بنص لا احتمال فيه لأرتفع الخلاف، ولو باع نصف الأمة أو نصف الدابة بشرط أن نفقتها على المشتري سنة، ولم يزد على النفقة شيئًا لجاز [ذلك] (٢)
على معنى قوله في المدونة يجوز بيع نصف الثوب أو الدابة على أن يبيع له المشتري النصف الآخر إلى شهر، وعلى ما في رسم البراءة من سماع عيسى فإن ماتت الأمة، أو الدابة قبل السنة رجع البائع على المشتري في قيمة النصف الذي باعه منها يوم باعه لفواته بالموت بقدر ما يقع بما بقي من النفقة من جميع الثمن لأن البائع باع نصف الوصيفة بما سمى من الثمن، وبالنفقة على نصفها الذي لم يبعه سنة، فإن كان باعه بعشرة دنانير وقيمة النفقة على نصفها الذي لم يبعه ديناران فأنفق عليه نصف السنة ثم مات وجب أن يرجع البائع على المبتاع بنصف سدس قيمة النصف الذي باعه منها يوم باعه لفواته بالموت كان أقل من دينار أو أكثر، كما لو كان باع منه نصف الجارية بعشرة دنانير، وعرض قيمته ديناران فإستحق نصفه لأن ما بطل من النفقة بموت الوصيفة كإستحقاق بعض الثمن وهو عوض، وقد قيل أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو الذي يأتي على ما في العشرة لابن القاسم في الذي يبيع الأمة وقد أعتق ولدًا لها صغيرًا
واشترط نفقته على المشتري حتى يثغر، ويستغني عن أمه فيموت قبل ذلك أن المشتري لا يتبع يشيء لأنه إنما أريد بهذا الشرط كفاية مؤنة الصبي، ولم يطلب به التزايد في الثمن وهو بعيد. وبالله التوفيق.
_________________
(١) في - م - يشتريها.
(٢) ساقطة من - م - ..
[ ٣٤٤ ]
القسم الثاني
ما يؤل إلى الإخلال بشرط من الشروط المشترطة في صحة البيع
كشرط ما يؤدي إلى جهل، غرر في العقد، أو في الثمن، أو في المثمون أو إلى الوقوع (١) في ربا الفضل، أو في ربا النساء كشرط مشورة شخص بعيد، أو شرط الخيار إلى مدة مجهولة، أو إلى مدة زائدة عما قرره الشرع في السلعة المبيعة، أو شرط تأجيل الثمن إلى أجل مجهول أو شرط زيادة شيء مجهول في الثمن أو في المثمون. فهذا النوع يوجب فسخ البيع على كل حال فاتت السلعة أو لم تفت، ولا خيار لأحد المتبايعين في امضائه فإن كانت السلعة المبيعة قائمة ردت بعينها وإن فاتت ردت قيمتها بالغة ما بلغت، ويستثنى من هذا النوع مسألة، وهي البيع بشرط أن يسلف المشتري البائع، أو بالعكس فإنه لا يجوز لأنه يؤدي إلى الجهل بالثمن، فإن وقع ذلك فالمشهور أنه يفسخ مادام مشترط السلف متمسكًا به فإن أسقط مشترط السلف شرطه صح البيع، وسواء أخذ مشترط السلف سلفه وغاب عليه أم لا على المشهور. وقال سحنون إنما يصح إسقاط الشرط إذا لم يأخذ مشترط السلف ما اشترطه من السلف [ويغيب عليه (٢)]، وأما إن أخذه وغاب عليه فلابد من فسخ ذلك ورد السلعة (٣) لأنه قد تم ما أراده من السلف، وهذا إذا كانت السلعة قائمة بيد
المشتري، فأما إن فاتت فلا يفيد الإسقاط لأن القيمة قد وجبت عليه حينئذ فلابد من فسخه، فغن كان السلف من البائع فله الأقل من الثمن أو القيمة يوم القبض، ويرد عليه السلف هذا مذهب المدونة وهو المشهور، وقاله المازري، وظاهر اطلاق ابن الحاجب وغيره أنه لا فرق بين أن يكون الإسقاط قبل فوات السلعة أو بعد فواتها.
فرع
قال في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من جامع البيوع: سمعت
_________________
(١) عبارة - م - إلى الرجوع وهو تصحيف.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) في - م - السلف وهو تصحيف.
[ ٣٤٥ ]
مالكًا يقول لا أحب البيع على أنه إذا وجد ثمنًا قضاه، وإن هلك ولا شيء عنده فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: فإن وقع هذا الشرط وفات لزم المشتري قيمتها يوم قبضها. قال محمد بن رشد: هذا الشرط من الشروط التي يفسد بها البيع لأنه غرر فالحكم فيه الفسخ مع قيام السلعة شاء أو أبيا، ويصح في فواتها بالقيمة بالغة ما بلغت، وهو ظاهر قول ابن القاسم وتفسير لقول مالك إذ قد يقول كثيرًا فيما يجب فيه الفسخ لا أحب هذا، أو أكرهه وشبهه من الألفاظ فيكتفى بذلك من قوله. أ. هـ
ونقله في النوادر وزاد فيه قال ابن القاسم: هذا حرام، ويرد فإن فات فعليه قيمتها يوم قبضها (١). أ. هـ
وهو صريح (٢) فيما قاله ابن رشد فقوله هو ظاهر قول ابن القاسم يقتضي أنه لم يقف عليه صريحًا من قوله، وقول ابن رشد فيصح في فواتها بالقيمة [فيه (٣)] مسامحة وصوابه ويفسخ في فواتها بالقيمة لأن ذلك حكم البيع الفاسد، ولا يقال فيه صح بالقيمة لأنه لو صح مضى بالثمن. والله أعلم.
تنبيه (٤)
قال ابن عرفة بعد أن ذكر ما تقدم قلت: الأظهر حمل قول مالك على الكراهة خلاف قول ابن القاسم، لأن حقيقة هذا الشرط هو مقتضى الحكم في عدم الطلب في الدنيا لقوله تعالى (فنضرة إلى ميسرة) [البقرة: ٢٨٠] فإذا مات عديمًا فلا ميسرة، وأما في الآخرة فهو خلاف مقتضى الحكم على ما قاله عز الدين بن
_________________
(١) أنظر النوادر والزيادات جـ ٣ ورقة ٦٨ ظهر. مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ٥٧٣١.
(٢) في - م - صحيح وهو تصحيف.
(٣) ساقطة من - م -.
(٤) في - م - فرع.
[ ٣٤٦ ]
عبد السلام (١)
أنه يؤخذ من حسنات المدين (٢) بقدر الدين
وهذا عندي غرر يسير لأن أحكام المبيعات إنما هي مبنية على المقصود منها، وقصد (٣) الناس بها إنما هي في الأمور الدنيوية (٤). أ. هـ مختصرًا
قلت (٥): ما قاله ابن عرفة غير ظاهر لأن الحكم بإنظار المعسر إنما هو بعد الوقوع والنزول، وأما الدخول على ذلك ابتداء فهو غير جائز لأنه من بيع الغرر، وهذا فتأمله.
وقال الشيخ خليل في التوضيح في باب الصداق لما تكلم على تأجيله إلى
_________________
(١) هو الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي مولدًا المصري دارًا ووفاة الملقب بسلطان العماء، والملقب له هو الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد كان ﵀ شيخ الإسلام علمًا وعملًا وورعًا وزهدًا لآمر بالمعروف ناهيًا عن النكر في زمانه، المطلع على حقائق الشريعة العارف بمقاصدها. تفقه على الشيخ فخر الدين ابنعساكر وقرأ الأصول على الشيخ سيف الدين الآمد وغيره، وسمع الحديث من الحافظ أبي محمد القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم ابن عساكر وشيخ الشيوخ عبد اللطيف بن إسماعيل بن أبي سعيد البغدادي وغيرهم روى عنه تلامذته شيخ الإسلام ابن دقيق العيد والإمام علاء الدين أبو الحسن الباجي، والحافظ أبو محمد الدمياطي وغيرهم. درس بدمشق أيام مقامه بها ثم ارتحل إلى القاهرة ومن تصانيف الشيخ عز الدين بن عبد السلام القواعد الكبرى، وكتاب مجاز القرآن وهو مطبوع في الأستانة بإسم الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، وهذان الكتابان شاهدان بإمامته وعظيم منزلته في علوم الشريعة واختصر القواعد الكبرى في قواعد صغرى، وله كتاب شجرة المعارف حسن جدًا، وكتاب الدلائل المتعلقة بالملائكة والنبين ﵈، والخلق أجمعين بديع جدًا والتفسير مجلد مختصر، ومختصر صحيح مسلم والأيمان ف أدلة الأحكام والفتاوى المصرية والفتاوى الموصلية، وكتاب الفرق بين الأيمان والإسلام وخلاف ذلك من الآثار الجميلة الجليلة العظيمة طبع بعضها وبعضها الآخر يحن إلى البعث والنشور .. ولد بدمشق سنة ثمان وسبعين وخمسمائة هجرية، وتوفي سنة ستين وستمائة هجرية بالقاهرة ودفن بالقرافة الكبرى. أنظر ترجمته في طبقات الشافعية للأسنوي جـ ٢ ص ١٩٧ وما بعدها، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي جـ ٨ ص ٢٠٩ وما بعدها، ومرآة الجنان جـ ٤ ص ١٥٣، ١٥٤.
(٢) في - م - المديان.
(٣) في - م - مقصود.
(٤) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ١٥٤ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٥) في - م - فرع.
[ ٣٤٧ ]
الموت، أو فراق قال شيخنا يعني الشيخ عبد الله المنوفي (١) يقوم منها منع من يشتري [سلعة (٢)] إلى الميسرة كقول [بعض] (٣) الفقراء إلى أن يفتح الله علي بالثمن، وهذا إذا صرح بذلك ابتداء، وأما إن اشتراها ولم يذكر ذلك ابتداء فهو جائز، وهو محمول على الحلول (٤). أ. هـ
وكأنه ﵀ لم يقف على النص المتقدم وكلامه يدل على ما قلناه من الفرق والله تعالى أعلم.
فرع
ومثل ذلك ما إذا اشترى سلعة بثمن إلى أجل فإن مات قبله فالثمن عليه صدقة. قال في النوادر: فهو غرر لا يحل (٥). أ. هـ
والحكم فيه كما تقدم يفسخ البيع وترد السلعة إن كانت قائمة وإن (٦) فاتت فالقيمة يوم قبضها.
فرع
ومن ذلك من ابتاع سلعة بثمن إلى أجل على أنه إن سافر قبل الأجل فالثمن عليه حال، فإنه يفسخ إن كانت السلعة قائمة فإن فاتت ففيها القيمة يوم
_________________
(١) هو أبو عبد الله بن محمد بن سليمان المنوفي الفقيه الإمام الجامع بين العلم والعمل مع الصلاح والدين المتين أحد شيوخ مصر علمًا أخذ عن زكي الدين محمد بن القويبع والشرف الزواوي وأبي عبد الله بن الحاج صاحب المدخل وعنه جماعة منهم أحمد بن هلال الربعي والشيخ خليل بن إسحاق الجندي، وبه انتفع وألف تأليفًا في مناقبه وكراماته. مولده سنة ست وثمانين وستمائة، وتوفي في رمضان سنة تسع وأربعين وسبعمائة. أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ٢٠٥.
(٢) ساقطة من - م -.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) أنظر التوضيح جـ ١ ورقة ١٥٤ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٥.
(٥) أنظر النوادر والزيادات جـ ٣ ورقة ٦٨ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ٥٧٣١.
(٦) في - م - فإن.
[ ٣٤٨ ]
قبضها. قاله في النوادر أيضًا قال ولا بأس أن يشترط عليه حميلًا إن سافر قبل الأجل. قال وإن باع عبدًا إلى أجل، وشرط إن لم يقبضه الثمن في الأجل فالعبد حر، فإنه يلزمه ذلك، وليس للمشتري بيع العبد حتى يحل الأجل، فإن قضاه وإلا عتق، وإن حل وعليه دين محيط رق والبائع أحق به من الغرباء. والله تعالى أعلم.
فرع
ومن ذلك أيضًا ما وقع في أول سماع أشهب من جامع البيوع فيمن اشترى سلعة، وشرط على البائع عند عقد البيع أنه إن (١) ادعاها مدع فثمنها رد علي بغير خصومة، فقال (٢) لا يعجبني هذا لأنه اشترط ما ليس في كتاب الله تعالى. قال ابن رشد قوله لا يعجبني يدل على أنه
رأه بيعًا فاسدًا لما اقترن به من الشرط وذلك بين لأنه غرر، وقوله اشترط ما ليس في كتاب الله تعالى أي خلاف ما أوجبه الكتاب وقرره الشرع المبين عن الله تعالى، وأنزله (٣) في كتابه من أنه لا يأخذ أحد بمجرد الدعوى دون بينة. أ. هـ مختصرًا.
قلت: والحكم فيه كما تقدم أن ترد السلعة إن كانت قائمة فإن فاتت فالقيمة. والله تعالى أعلم.
فرع
ومن ذلك بيع الأرض الموظفة أي التي عليها خراج يسلمه المشتري [في] (٤) كل سنة، وقد أطال الموثقون الكلام فيها، ولخص ابن عرفة الكلام في ذلك في آخر الكلام على الشروط في البيع، وفرق بين أن يكون ما قرر (٥) عليها عند إحيائها، أو قرر عليها بعد الإحياء، وقال أن الذي استقر عليه العمل عندهم أنه يجوز شراء الأرض التي قرر عليها شيء عند إحيائها، قال وهي
_________________
(١) في - م - إذا.
(٢) في - م - قال.
(٣) في - م - ما أنزله.
(٤) ساقطة من - م -.
(٥) في - م - قدر وهو تصحيف.
[ ٣٤٩ ]
المسماة بأرض الخراج. قال ولا ينبغي أن يختلف في ذلك. قال وأما التي قرر عليها شيء بعد إحيائها فهي التي يسميها (١) الموثقون أرض الوظيف، وأرض الطبل وفيه خلاف، وقول ابن القاسم أنه لا يجوز بيعها للجهل بالثمن، وأطال في ذلك فاليراجعه من أراد ذلك (٢). وبالله التوفيق.
القسم الثالث
من أقسام الشروط المتعلقة بالبيع:
ما يكون منافيًا لمقتضى عقد البيع
لأن فيه تحجيرًا على المشتري في السلعة التي اشتراها. قال في المقدمات: وهي بيوع الشروط المسماة عند العلماء [ببيوع] (٣) الثنايا قال مثل أن يبيع السلعة على أن المشتري لا يبيعها ولا يهبها، أو على أن [يتخذ (٤)] الجارية أم ولد، أو على ألا يخرج بها من البلد، أو على ألا يعزل عنها، أو على ألا يركبها البحر، أو على أنه إن باع المشتري السلعة فالبائع أحق بها بالثمن الذي يبيعها به، أو على أنه فيها بالخيار إلى أجل بعيد لا يجوز الخيار إليه، أو ما أبه ذلك من الشروط التي تقتضي التحجير على المشتري في السلعة التي اشتراها. قال فهذا النوع اختلف فيه إذا وقع شيء منه على قولين:
أحدهما أنه يفسخ ما دام البائع متمسكًا بشرطه، فإن ترك الشرط صح البيع هذا إن (٥) كانت السلعة قائمة، فغن فاتت كان فيه (٦) الأكثر من الثمن أو القيمة يوم قبضه المشتري، وهذا هو المشهور في المذهب، وقيل يرجع البائع على المشتري إذا فاتت السلعة بمقدار ما نقصه من الثمن بسبب الشرط، وذلك
_________________
(١) في - م - يسمونها.
(٢) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ١٥٧ وجه وظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٣) ساقطة من - م -.
(٤) ساقطة من - م -.
(٥) في - م - إذا.
(٦) في - م - فيها.
[ ٣٥٠ ]
بأن تقوم السلعة بالشرط وبغير الشرط، فما كان بين القيمتين من الأجزاء يرجع البائع بذلك الجزء من الثمن.
والقول الثاني: أن حكم هذه [البيوع] (١) حكم البيع الفاسد يفسخ على كل حال في قيام السلعة، وتكون فيه القيمة بالغة ما بلغت في (٢) الفوات (٣)
قال في المقدمات ويستثنى من هذا الباب على القول المشهور مسألة واحدة، وهي شراء السلعة على الخيار إلى أجل بعيد لا يجوز الخيار إليه، فإنه يفسخ فيها البيع على كل حال، ولا يمض [البيع] (٤) إن رضى مشترط الخيار بترك الشرط، لأن رضاه بذلك ليس بترك منه للشرط، وإنما من اختيار للبيع على الخيار الفاسد (٥). أ. هـ
قلت: ولهذا ذكرنا هذه المسألة في القسم الثاني، وجعلناها (٦) مما يؤدي إلى خلل في عقد البيع، ولم يستثنى في المقدمات إلا هذه المسألة. وقال في البيان (٧) لما تكلم على هذه الشروط في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من جامع البيوع: هذا حكم هذا الباب إلا في مسألتين: أحدهما إذا باع الأمة وشرط على المشتري أنه لا يطأها فإن وطأها فهي حرة أو فعبده حر، أو عليه صدقة أو صيام، أو ما أشبه ذلك فهذا يفسخ على كل حال على حكم البيع الفاسد، ولا يكون للبائع أن يترك الشرط من أجل أنها يمين قد لزمت المشتري، وليس له أن يسقطها عنه على ما يأتي في رسم العشور من سماع عيسى. والثانية أن يشترط أحد المتبايعين الخيار إلى أجل بعيد ثم ذكر نحو ما تقدم في كلامه في المقدمات، وذكر ابن عرفة المسألتين (٨) وعزا الأولى للمقدمات والثانية لرسم
_________________
(١) ساقطة من - م -.
(٢) في - م - من.
(٣) أنظر المقدمات الممهدات جـ ٢ ص ٥٤٢.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) أنظر المقدمات الممهدات جـ ٢ ص ٥٤٢.
(٦) في - م - وجعل.
(٧) في - م - المقدمات.
(٨) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ١٥٣ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
[ ٣٥١ ]
العشور، وقد استثناهما جميعًا في رسم القبلة كما ذكرنا كلامه فيه أحسن من كلامه في المقدمات وأبين. والله تعالى أعلم.
(تكميل)
يستثنى من هذا القسم بيع العبد والأمة بشرط تنجيز العتق فإن ذلك جائز. قال اللخمي في كتاب البيوع الفاسدة: وذلك على أربعة أوجه لأنه إما أن يشتريه على انه حر بالشراء، أو على أنه يعتق بعد الشراء وأوجب ذلك على نفسه، أو على أن المشتري بالخيار في العتق أو يشترط العتق ولا يقيده بإيجاب ولا خيار. قال وأي ذلك كان فالبيع جائز وإنما يفترق الجوا في صفة وقوع العتق وفي شرط النقد (١) فأما الوجه الأول وهو ما إذا باعه على أنه حر فإنه يكون حرًا بنفس البيع قال الرجراجي: ولا خيار في ذلك للمشتري، ولا يحتاج إلى تجديد عتق وإن مات بفور العقد (٢) صار حرًا يرث ويورث، ولا خلاف في ذلك في المذهب. وأما الوجه الثاني وهو ما إذا باعه على أن يعتقه المشتري وأوجب ذلك على نفسه فقال اللخمي: إذا كان الشرط على ان يعتقه المشتري وإلتزم ذلك أجبر على أن يوقع العتق، وإن ألد (٣) أعتقه الحاكم عليه، وقال الرجراجي (٤) إذا باعه على أن يعتقه المشتري فلا يعتق بنفس الشراء، وإنما يعتق بعتق جديد لكن يجبر المشتري على العتق لأنه على إيجاب العتق اشترى، فإما أعتقه وإلا أعتقه عليه السلطان، والنقد (٥) في هذين الوجهين جائز بشرط أو بغير شرط. أ. هـ.
وأما الوجه الثالث ما إذا باعه على أن المشتري بالخيار في العتق فإن اشترط البائع النقد فالبيع مفسوخ للغرر لأنه تارة بيع وتارة سلف، وإن لم يشترط البائع النقد فالبيع جائز وللمشتري الخيار قدر
ما يستخير [فيه] (٦)
_________________
(١) في - م - العقد.
(٢) في - م - العتق.
(٣) في - م - لد.
(٤) عبارة - م - وأما الرجراجي قال.
(٥) في - م - والعقد وهو تصحيف.
(٦) ما بين القوسين ساقط من - م -.
[ ٣٥٢ ]
ويستشير، كما لو اشتراه من غير شرط [العتق] (١) فإن أعتقه فلا كلام، وإن لم يعتقه فللبائع الخيار في ان يرد عبده وينقض البيع، أو يترك الشرط ويلزمه البيع. وأما الوجه الرابع وهو ما إذا باعه يشرط العتق ولم يقيده بأيجاب ولا خيار اختلف في ذلك على قولين: أحدهما أن الخيار في ذلك للمشتري فإن شاء أعتق وإن ترك، وهذا قول ابن القاسم في المدونة (٢)، وهو المشهور. والثاني أنه يجبر على العتق ويحكم عليه به كما لو اشتراه على إيجاب العتق وهو قول أشهب وبه أخذ سحنون، واختاره [اللخمي (٣)]، واستظهره ابن رشد أيضًا فعلى هذا القول يجبر المشتري على العتق إذا امتنع [منه] (٤) فإن لد أعتقه الحاكم كما تقدم في الوجه الثاني ويجوز النقد بشرط أو بغير شرط، وعلى (٥) القول الأول فإن أعتق المشتري العبد أو الأمة بعد العقد أو بقرب ذلك فلا كلام للبائع، وسواء كان أعتق المشتري من نفسه، أو بعد قيام البائع عليه بذلك وطلبه منه وسواء كان العتق قبل أن يحصل في العبد أو الأمة [عيب، أو بعد حصول العيب فيهما، بل ولو مات العبد أو الأمة] (٦) قبل عتقهما بقرب العقد فلا شيء على المشتري [ولا له] (٧)،
وإن امتنع المشتري من عتق العبد أو الأمة فإن قام البائع بعد العقد أو قربه بشهر ونحوه فليس له إلا أخذ عبده، أو أمته ونقض البيع أو ترك الشرط من غير شيء إلا أن يتفق هو والمشتري على أن يعطيه شيئًا لأجل ترك الشرط فذلك لهما، هذا إذا كان كان العبد أو الأمة صحيحين لم يدخلهما عيب، وإن دخلهما عيب فالمشتري بالخيار بين
أن يعتقهما معيبين ولا شيء عليه، أو يغرم للبائع ما نقصه لأجل الشرط ويصير (٨) العبد أو الأمة ملكًا له هذا إذا كان البائع عالمًا بتأخير العتق إلى شهر ونحوه، وإن كان البائع غير عالم كان الخيار له بين أن
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) أنظر المدونة جـ ٩ ص ١٥٣ وما بعدها.
(٣) ساقطة من - م.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) في الأصل على بإسقاط الواو.
(٦) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٧) ما بين القوسين ساقط من - م - ..
(٨) في - م - فيصير.
[ ٣٥٣ ]
يرضى بعتقهما معيبين ولا شيء له، أو يرجع بما نقصه من الثمن لأجل الشرط وليس للبائع أن يسترجعهما إلا أن يرضى المشتري بذلك، وإن لم يقم البائع بقرب العقد بل سكت حتى طال الأمد كثيرًا كالسنة. قال ابن يونس: فإن كان عالمًا بعدم عتق المشتري فلا قيام له على المشتري ولا شيء له عليه، لأن تركه المطالبة بمقتضى شرطه يؤذن بإسقاطه على المشتري (١) قال ابن رشد: ولا يدخل في هذا عندي الخلاف (٢) الذي في المسكوت هل هو أذن أم لا؟ وسواء كان العبد أو الأمة صحيحين، أو دخلهما عيب، أو ماتا وإن لم يعلم البائع بذلك حتى طال الأمد فإن كان العبد والأمد صحيحين لم يدخلهما عيب فله الخيار بين أن يسترجع عبده أو أمته، أو يدعهما ويرجع بما نقصه لأجل الشرط من ثمنها، ولو رضى المشتري بعتقها بعد الطول لم يسقط ذلك عنه الرجوع بما قبضه البائع من الثمن لأجل الشرط.
قال في البيان: لأنه لم يتم للبائع ما قصده بشرطه من تعجيل العتق إذ إنما أعتق المشتري لنفسه بعد أن قضى وطره من وطء الأمة، واستخدام العبد إلا أن يرضى البائع بعتق المشتري حينئذ فذلك جائز، ولا يجوز للمشتري الوطء حتى يفصل أمره مع البائع، ولو أعتق المشتري العبد أو الأمة عن ظهار أو عتق واجب عليه بعد أن حصل فيهما عيب مفيت، أو بعد طول أجزاء هذا ملخص كلام صاحب النوادر واللخمي، وابن رشد في رسم القبلة من سماع
ابن القاسم. وفي رسم (٣) العتق من سماع أصبغ من جامع البيوع، وكلام الرجراجي، ونقل ابن عرفة غالب ذلك باختصار، ويجرى ما ذكرناه من التفصيل في الوجه الثالث وهو ما إذا باع العبد أو الأمة على أن المشتري بالخيار كما صرح بذلك اللخمي، وينزل ورثة كل من المشتري والبائع منزلته، وإن دخلها عيب مفيت فليس للبائع أن يسترجعها، وإنما له الرجوع بما نقصه لأجل الشرط من ثمنها، إلا أن يتفق وهو والمشتري على عتقهما على تلك الحال، وإن لم يقم البائع إلا بعد موتهما، وقد طالت إقامتهما
_________________
(١) عبارة - م - بإسقاط حقه.
(٢) في - م - الاختلاف.
(٣) أنظر البيان والتحصيل جـ ٣ ورقة ٢٦ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١٢.
[ ٣٥٤ ]
بيد المشتري (١) ولم يعتهما فللبائع الرجوع بما نقصه لأجل الشرط كما تقدم. قال ابن رشد: ولا يفوت العبد أو الأمة إلا بالعيوب المفسدة (٢) كما في رواية أصبغ وقيل يحصل الفوات بحوالة الأسواق وهو بعيد لأنه ليس بيعًا فاسدًا (٣). قلت: وهذا القول الثاني عزاه اللخمي لرواية محمد بن المواز.
تنبيهات
الأول: قال ابن رشد في رسم القبلة المذكور: وجه العمل في التوصل إلى معرفة ما نقص الشرط من ثمن العبد أو الأمة أن يقوم المبيع بالشرط وبغير الشرط، وينظر ما نقصه الشرط [فيؤخذ بمثله من الثمن وقال أصبغ يرجع بما نقصه الشرط] (٤) من قيمته يوم الشراء إلا أن يقارب ذلك الثمن الذي بيع به فعلى هذه الرواية إذا كانت قيمته يوم الشراء بغير شرط قريبة من الثمن الذي بيع به لم يكن للبائع على المشتري
شيء، وإن كانت أكثر من الثمن بكثير رجع عليه لما زادت القيمة على الثمن الذي اشتراه به، وقول مالك أصح في المعنى من رواية أصبغ لأن البيع قد يكون بمثل القيمة أو أقل أو أكثر. أ. هـ.
قلت: ما عزاه ابن رشد لمالك خلاف ظاهر المدونة. قال فيها في كتاب البيوع (٥) الفاسدة: ومن ابتاع أمة على تعجيل العتق جاز لأن البائع تعجل الشرط بما وضع من الثمن فلم يقع به غرر، فإن أبى أن يعتق فإن اشترى على إيجاب العتق لزمه [العتق] (٦)، وإن لم يكن على الإيجاب لم يلزمه عتق، وكان للبائع ترك العتق وتمام البيع أو يرد البيع، فإن رد البيع بعد أن فاتت فله القيمة. وقال أشهب لا يرد البيع ويلزمه العتق بما شرط. قال ابن يونس يريد له الأكثر من الثمن والقيمة يعني على قول ابن القاسم ونقله أبو الحسن،
_________________
(١) في الأصل بيده.
(٢) عبارة - م - المفيتة.
(٣) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ١٥٤ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٤) ساقطة من - م -.
(٥) أنظر المدونة جـ ٩ ص ٢٥٠.
(٦) ساقطة من الأصل.
[ ٣٥٥ ]
وقبله، وقال بعده الشيخ (١) وإنما قال ذلك ليكمل للبائع ما وضع من الثمن لمكان العتق، وقوله له القيمة يريد يوم البيع لأنه بيع صحيح قاله ابن عمران (٢). أ. هـ
قلت: وما ذكره ابن رشد أبين، ويفسر به كلام المدونة والله تعالى أعلم.
الثاني: لا يجوز اشتراط النقد في هذا الوجه على قول ابن القاسم لأنه يصير تارة ثمنًا وتارة سلفًا، وما ذكرناه من تأخير العتق إلى الأمد القريب والبعيد إنما هو بعد الوقوع، ولا يجوز الدخول ابتداء على تأخير العتق، وإنما يجوز هذا البيع على تعجيل العتق فإن وقع التراض من المشتري فيفصل فيه كما تقدم وكما أشار لذلك (٣) ابن يونس ونقله أبو الحسن.
الثالث: سوى في رسم القبلة المذكور بين الشراء بشرط العتق والشراء والعدة بالعتق. قال ابن رشد: ومساواته صحيحة لتساويهما في المعنى لأن الشرط (٤) هو أن يقول البائع للمبتاع أبيعها منك بكذا وكذا على أن تعتقها، والعدة أن يقول المشتري للبائع بعها مني وأنا أعتقها، أو بعها مني بكذا وكذا وأنا أعتقها، وإذا قال ذلك المبتاع [للبائع] (٥) فباعه البائع على ما وعده فكأنه قد (٦) اشترطه إذ لم يبعه إلا على ما وعده فوجب أن يلزم، وقد قيل أن العدة بخلاف الشرط فلا يلزم المشتري لا (٧) يكون للبائع في ذلك كلام.
الرابع: هذا كله إذا باعه بشرط العتق [الناجز، وأما إذا باعه بشرط العتق] (٨) المؤجل، أو الكتابة، أو التدبير أو اتخاذ
_________________
(١) عبارة - م - وقال بعده أي المقيد عن الشيخ وإنما تأول ذلك.
(٢) في - م - أبو عمر.
(٣) في - م - إلى ذلك.
(٤) عبارة - م - لأن الشراء بشرط العتق.
(٥) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٦) عبارة - م - فله شرطه.
(٧) في - م - بإسقاط لا.
(٨) ما بين القوسين ساقط من - م -.
[ ٣٥٦ ]
الأمة أم ولد فذلك لا يجوز للتحجير على المشتري، وللغرر والجهل لأن البائع وضع من الثمن لأمر قد يكون وقد لا يكون، والحكم في ذلك ما (١) تقدم فعلى المشهور يفسخ البيع مادام البائع متمسكًا بشرطه فإن ترك شرطه صح البيع وهذا ما لم يفت المبيع فإن فات كان فيه الأكثر من الثمن أو القيمة يوم القبض، وهذا قول ابن القاسم، وعلى القول الثاني لابد من فسخه وهو قول أشهب.
تنبيه
ما ذكرناه من عدم جواز اشتراط العتق المؤجل (٢) قاله في كتاب البيوع الفاسدة من المدونة وأطلق، وكذا أطلق غير واحد، وقيده المشذالي
في حاشية (٣) المدونة فقال: إلى أجل بعيد وأما القريب جدًا فحكمه حكم العتق الناجز. قلت: وهو (٤) تقييد ظاهر لأنه إنما منع من ذلك للغرر وإذا كان الأجل قريبًا جدًا كان من الغرر الخفيف المغتفر في البيع وقد أجازوا بيع العبد واستثناء خدمته الأيام اليسيرة كالعشرة أو أقل، فكذلك هنا إذا شرط العتق إلى عشرة أيام، أو أقل جاز والله تعالى أعلم.
الخامس: قال في النوادر ومن كتاب ابن المواز قال مالك لا أحب أن يأخذ الرجل من الرجل مالًا على تدبير عبده فإن نزل (٥) مضى التدبير ويرد إلى القيمة يوم قبضه. قال محمد: جواب مالك على أنه باع عبده ممن يدبره ولو أخذ مالًا من رجل على أن يدبر عبده فدبره فاليرد المال وينفذ التدبير، وكذلك ما أخذ على اتخاذ الأمة أم ولد ثم اتخذها كما يرجع لو باعها على ذلك يرجع بما وضعه (٦) له. أ. هـ مختصرًا بالمعنى
السادس: قال اللخمي والصدقة والهبة كالعتق فإن باعه على أنه صدقة
_________________
(١) في - م - كما.
(٢) أنظر المدونة جـ ٩ ص ١٥٢.
(٣) في - م - في حاشية على المدونة.
(٤) في - م - وهذا.
(٥) في - م - ترك.
(٦) أنظر النوادر والزيادات جـ ٢ ورقة ١٠٣ ظهر، ١٠٤ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٣٧٢.
[ ٣٥٧ ]
لفلان أو على أنه يتصدق به على فلان، وإلتزم المشتري ذلك جاز العقد والنقد، وإن كان على أن المشتري بالخيار في انفاذ الصدقة جاز العقد دون النقد، ويختلف إذا أطلق ذلك ولم يقيده بإلتزام ولا بخيار. فقال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن باع من امرأته خادمًا بشرط أن تتصدق (١) بها على ولده ذلك جائز ولا تلزمها الصدقة بالحكم والبائع بالخيار إن لم تتصدق بها إن شاء أجاز البيع على ذلك وإن شاء رده، وعلى قول أشهب، وسحنون تلزمها الصدقة من غير خيار. أ. هـ
ونقله (٢) ابن عرفة عن اللخمي في الكلام على بيع وشرط. قلت: وهذا إذا كانت الهبة أو الصدقة منجزة أو مؤجلة إلى أجل قريب كما تقدم في العتق وأما إن كانت مؤجلة إلى أجل بعيد فلا يجوز للغرر، ولو كان الشيء الملتزم صدقة أو هبة مما يوقن (٣) بقاؤه كالدور والأرض، لأنه يدخله الغرر من جهة موت المشتري قبل الصدقة والهبة فيبطلان فتأمله. والله أعلم.
السابع: تقدم أن من هذا القسم إذا باع السلعة على ألا يبيعها وذكر اللخمي في ذلك تفصيلًا فقال: إن باعه على ألا يبيعها جملة أو على ألا يبيعها إلا من فلان فالحكم كما تقدم، وإن كان على ألا يبيعها من فلان وحده أو من هؤلاء النفر جاز، وإن كان على ألا يبيعها (٤) من فلان كان بيعًا فاسدًا، وليس على المشتري إلا الثمن باعها به من فلان لأنه بيع ليس فيه تمكين فلا يضمنه المشتري. أ. هـ
قلت: ما ذكره اللخمي من جواز البيع إذا باع السلعة على ألا يبيعها من فلان، أو من هؤلاء النفر ظاهر كلامه أنه المذهب، وعزاه ابن رشد لابن القاسم، وذكر فيه خلافًا، فإنه قال في المسألة الثالثة من رسم القبلة من سماع ابن القاسم من جامع البيوع بعد أن قرر حكم البيع على ألا يبيع ما نصه: وإذا باع على ألا يبيع إلا من فلان فهو بمنزلة إذا باع على ألا يبيع، وأجاز ابن القاسم
_________________
(١) في - م - يتصدق.
(٢) أنظر مختصر ابن عرفة في الفقه جـ ٢ ورقة ١٥٤ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٣) في - م - يؤمن.
(٤) على أن لا يبيعها هكذا في - م -.
[ ٣٥٨ ]
البيع على ألا يبيع إلا من فلان في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح، وكرهه أصبغ في الواضحة وإتفقًا على كراهة البيع على ألا يبيع لمن يضر بالبائع. أ. هـ.
قلت: فإذا باع سلعة من شخص على ألا يبيعها من فلان أو من هؤلاء النفر ثم باعها المشتري من فلان، أو من واحد من النفر المذكورين فإن بيعه يرد على ما يظهر من كلام اللخمي، وابن رشد. قال ابن رشد غاية ما نقل في الكراهة فقط وما ذكره ابن رشد من أنه إذا باع على أن لا يبيع إلا من فلان فهو بمنزلة [ما] (١) إذا باع على ألا يبيع ليس بخلاف لما ذكره اللخمي فيما إذا باع على ألا يبيع من فلان لأن الذي يظهر من كلام اللخمي أن البائع شرط (٢) على المشتري أن يبيع السلعة من فلان، وأنه لا يبقيها (٣) في ملكه، وأما إذا كان معناه أنه إذا أراد البيع باعها من فلان فهي مثل ما قاله ابن رشد فتأمله والله تعالى أعلم.
الثامن: قال اللخمي قال في كتاب محمد: فيمن باع جارية على ألا يخرجها من بلدها، أو على أن يخرجها إلى (٤) الشام يفسخ البيع إلا أن يضع البائع شرطه. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: فيمن باع عبدًا على أن يخرجه مبتاعه إلى بلد آخر لا بأس به وهو أبين لأن الشأن أن البائع إنما يشترط ذلك لضرورة (٥) يتقيها من العبد إن هو بقى، فقد يكون شريرًا، وقد يكون إطلع على أسراره، أو موضع ماله أو غير ذلك [من العذر] (٦)، أو يتقي مثل ذلك من المة، وإن كان المشتري طارئًا كان أبين في [الجواز] (٧) لأنه يفعل ذلك من غير شرط. أ. هـ
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) في - م - يشترط.
(٣) في - م - يبيعها.
(٤) في - م - من.
(٥) عبارة - م لضرر يتقيه.
(٦) ساقطة من الأصل.
(٧) ساقطة من الأصل.
[ ٣٥٩ ]
قلت: ظاهره أن ما ذكره عن مختصر ما ليس في المختصر خلاف لما في كتاب ابن المواز لقوله [بعده] (١) وهذا أبين، والظاهر أنه ليس
بخلاف لأن الذي في الموازية شرط عليه أن يخرجه إلى بلد معين وهو الشام مثلًا ففيه تحجير، وأما الذي في مختصر ما ليس في المختصر فلم يشترط إلا إخراجه من البلد الذي بيع فيها فقط، ولا شك أنه خفيف فالجواز فيه كما قال اللخمي ظاهر، بل نقول (٢) أنه ليس بمخالف لما في الموازية فتأمله. وعلى هذا فيلزم (٣) الشرط، وللبائع أن يرد البيع إن أقام به المشتري في البلد وهو ظاهر من كلام اللخمي. والله تعالى أعلم.
وقال ابن رشد في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من جامع البيوع: أجاز ابن وهب أن يبيع العبد على أن يخرجه إلى الشام، ولم يجز أن يبيعه على ألا يبيعه إلا بالشام، والوجهان على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك [سواء] (٤) أ. هـ
وهو موافق لكلام اللخمي إلا أنه زاد حكاية قول ابن وهب.
التاسع: تقدم أن من الشروط التي لا تجوز إذا شرط (٥) ألا يركبها البحر، وبذلك صرح ابن رشد في المقدمات (٦)، وفي رسم القبلة المتقدم ذكره على أنه المذهب، ولم يذكر خلافه، ونقله (٧) ابن عرفة وغيره أيضًا وقبلوه. وقال اللخمي: وإن شرط ألا يجيزها البحر جاز لأنه أبقى ما سوى ذلك من البلدان، ويختلف إذا شرط أن يجيزها قياسًا على من شرط أن يخرجها من بلدها. أ. هـ
_________________
(١) ساقطة من - م -.
(٢) عبارة - م - على قول.
(٣) في - م - لا يلزم.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) في - م - إذا اشترط.
(٦) أنظر المقدمات الممهدات جـ ٢ ص ٥٤٢.
(٧) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ٦ وجه وما بعدها مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
[ ٣٦٠ ]
قلت: ما ذكره في الفرع الأول خلاف ما نقل غيره أنه المذهب، وما ذكره في الفرع الثاني من القياس غير ظاهر، والظاهر فيه المنع. والله تعالى أعلم.
العاشر: تقدم أن مذهب ابن القاسم أن بيع الرجل السلعة على أن المشتري إذا باعها فبائعها أحق بها بالثمن الذي يبيعها به، وبذلك صرح ابن رشد في المقدمات (١)، وفي رسم القبلة المتقدم ذكره، وذكر فيه إذا وقع القولين المتقدمين في هذا القسم من الشروط، وزاد في رسم القبلة قولًا ثالثًا فقال بعد ذكره القولين وروى عن ابن القاسم أنه فرق بين أن يبيع الرجل السلعة على ألا يبيعها ولا يهب وما أشبهه من الشروط وبين أن يبيعه إياها على أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن فجعل هذا بيعًا فاسدًا يفسخ على كل حال، وإن رضى البائع بترك الشرط بخلاف الأول. أ. هـ
فتحصل في المسألة ثلاثة أقوال، ولابن رشد اختيار نذكره قريبًا يكون رابعًا.
تنبيه
والإقالة في هذا بخلاف البيع. قال مالك في أول رسم من سماع أشهب من جامع البيوع: فيمن أقال من حائط على أنه متى باعه [بائعة (٢)] المستقيل فالمشتري أحق به بالثمن الذي يبيعه به، ثم باعه بعد زمان أن للمشتري أن يأخذه (٣) بالثمن الذي باعه به آخرًا، وله أن يتركه قال ابن رشد: أوجب مالك للمقيل أخذ الحائط بشرطه، وإن باعه المستقيل بعد زمان بقوله في الشرط متى باعه لأن متى لا تقتضي قرب الزمان بخلاف ما في سماع محمد بن خالد لابن القاسم، وابن كنانة من
التفرقة بين القرب والبعد على أنه إن باعه من غيره فهو له بالثمن وكأن المقيل تخوف من المستقيل أنه إنما استقاله ليبيعه من غيره بزيادة أعطيها، وإنما جاز هذا الشرط في الإقالة لأنها (٤) معروف فعله معه
_________________
(١) أنظر المقدمات الممهدات جـ ٢ ص ٥٤٢.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) عبارة - م - إن باعه بالثمن الذي باعه به أخرى.
(٤) في - م - لأنه.
[ ٣٦١ ]
واشترط أن يكافئه عليه بمعروف فلزم ذلك فيها بخلاف البيع، ولمحمد بن خالد (١) في سماعه أن الإقالة على هذا الشرط لا تجوز كالبيع والذي يوجبه القياس والنظر عندي أنه لا فرق في هذا بين الإقالة والبيع، وأنه إذا أقاله أو باعه على أنه متى باعه من غيره فهو أحق به أن ذلك لايجوز، لأن فيه إبطالًا لحق المشتري وظلمًا (٢)
له في أن يؤخذ منه ما ابتاعه دون حق وأنه إن هو استقاله أو سأله البيع ابتداء فقال له أخشى أنك إنما سألتني الإقالة أو البيع لربح أعطيت في ذلك لا لرغبة فيه، فقال لا أريد إلا الرغبة فيه فأقاله، أو باعه على أنه أحق به بالثمن إن باعه أن يكون أحق به إن باعه بالقرب لأنه تيقن أنه إنما استقاله أو سأله البيع لذلك. قال ابن رشد: ولو أقاله أو باعه على أنه إن أراد بيعه فهو أحق به بالثمن الذي يعطى فيه لم يجز ذلك في البيع، ويختلف في الإقالة لأن بابها المعروف لا المكايسة (٣). أ. هـ مختصرًا
وفي سماع سحنون من جامع البيوع عن ابن القاسم فيمن استقال مبتاعه فقال له أخاف أنك تريد بيعها لربح، فقال البائع إنما أردتها لنفسي فأقاله على ذلك ثم باع تلك السلعة أنه إن علم أنه استقاله ليبيعها فبيعه منتقض غير جائز، وإن باعها لغير ذلك بدا له في بيعها فطال (٤) زمانها فبيعه جائز كقول (٥) مالك في من طلب من امرأته أن تضع له مهرها، فقالت أخاف إن وضعته طلقتني، فقال ما (٦) أفعل فوضعته ثم
_________________
(١) هو محمد بن خالد بن مرتنيل مولى عبد الرحمن بن معاوية يعرف بالأشج قرطبي نبيه رحل فسمع من ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب وابن نافع ونظرائهم من المدنيين والمصريين وكان الغالب عليه الفقه ولم يكن له علم بالحديث، وقد ذكره العتبي في المستخرجة، ولي الشرطة والصلاة والسوق بقرطبة، وكان صلبًا في أحكامه، ورعًا فاضلًا لا تأخذه في الله لومة لائم، محمود السيرة، ولم يزل على وتيرة إلى أن توفي سنة عشرين ومائتين وقيل سنة أربع وعشرين، وله اثنان وسبعون سنة. أنظر ترجمته في الديباج جـ ٢ ص ١٦٣، وترتيب المدارك جـ ٤ ص ١١٧، ١١٨.
(٢) في - م - ظلامة ..
(٣) أنظر مختصر نوازل ابن رشد ورقة ٤٥ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٨٩.
(٤) في - م - وطال.
(٥) في - م - لقول.
(٦) في - م - لا.
[ ٣٦٢ ]
طلقها لها الرجوع عليه بما وضعت إلا أن يطول الزمان، ويتبين صحة ذلك فلا رجوع لها. قال ابن رشد: قوله أن البيع منتقض إذا علم أنه إنما استقاله ليبيعها صحيح لأنه إنما أقاله على أن لا يبيعها فإن باعها نقض البيع وردت إليه سلعته، ويستدل على ذلك ببيعه إياها بقرب ذلك، وإذا نقض البيع فيها انتقضت الإقالة وردت إلى المقيل، ولو أقاله على أنه إن باعها كان أحق بها بالثمن الذي يبيعها به فباعها بقرب ذلك لرد البيع فيها، وأخذها المقيل على ما مضى في سماع أشهب وتنظير ابن القاسم بمسألة الطلاق صحيح لأن قول المرأة لزوجها أخاف مثل قول المبتاع أخاف أن أقيلك
إلخ ولو لم يجري بينهما هذا الكلام وإنما سأل الرجل زوجته أن تضع عنه الصداق فوضعته ثم طلقها بالقرب لرجعت عليه إذا علم أنها إنما وضعته رجاء استدامة صحبته، ولو سأل البائع المبتاع الإقالة فأقاله دون كلام ثم باعها البائع بالقرب لم يكن للمبتاع في ذلك قول فهنا تفترق المسألتان، ففي وضع المرأة صداقها إذا سألها الزوج ذلك لا فرق بين أن تضعه وتسكت، أو تقول أخشى إن وضعته
[أن] (١) تطلقني فيقول لا أفعل، أو تقول إنما أضعه عنك على أنك إن طلقتني رجعت به عليك أنه لا يكون لها أن ترجع عليه إن طلقها بقرب ذلك إلا أن تقول له إنما أضعه لك على ألا تطلقني أبدًا، أو على أنك متى طلقتني رجعت عليك به فيكون لها أن ترجع متى [طلقها] (٢) كان ذلك بالقرب أو بعد طول من الزمان (٣). أ. هـ
ومسألة سحنون هذه هي التي تقدمت في كلام الشيخ خليل في المسألة السابقة في شروط النكاح لكنه ذكرها على وجه أخص (٤)، وهو أن البائع قال للمشتري متى بعتها فهي لك بالثمن الأول، والذي في كلام سحنون أنه سأله الإقالة فقال إني أخاف أنك تريد بيعها [لربح] (٥) فقال البائع إنما أردتها لنفسي
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) أنظر البيان والتحصيل جـ ٣ ورقة ٥ ظهر و٦ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١٢.
(٤) عبارة - م - على وجه آخر.
(٥) ما بين القوسين ساقط من - م -.
[ ٣٦٣ ]
فأقاله على ذلك، ولم يذكر فيه أنه قال له متى بعتها فهي لك بالثمن الأول، وذكر المسألة في سماع محمد بن خالد عن ابن القاسم من جامع البيوع على نحو ما ذكر صاحب (١) التوضيح وقال بعدها قال محمد بن خالد وكان ابن نافع يقول لا تجوز الإقالة في هذا، وهو بمنزلة البيع. قال ابن لبابة: هذا جيد من فتواه وإستحسنه قال ابن رشد: هذه مسألة قد مضى القول في شرحها في أول رسم من سماع أشهب، وفي سماع سحنون، ونقل ابن عرفة في كلامه على الشروط ما تقدم عن مالك في سماع أشهب، وما تقدم عن ابن القاسم في سماع سحنون، [وسماع] (٢) محمد بن خالد ثم قال قلت: لما ذكر الصقلي
قول ابن القاسم بالجواز. قال قال الشيخ هذا خلاف ما في الموطأ عن عمر (٣) لا تقر (٤) بها وفيها شرط لأحد، وفي المختصر أن ذلك في البيع لا خير فيه، والإقالة بيع. أ. هـ
والحاصل أن هذا الشرط لا يجوز في البيع ويفسده كما تقدم وليس في ذلك خلاف، وأما في الإقالة فإختلف فيه فقال (٥) مالك وابن القاسم بجوازه، ولذلك اقتصر عليه الشيخ خليل في كلامه السابق في (٦) شروط النكاح، واقتصر عليه غير واحد من الموثقين [فإن وقعت الإقالة على ذلك ثم باعها المشتري نقض بيعه، وكانت للمقيل بالثمن الأول سواء باعها بالقرب أو بعد طول إن كان قال في شرطه متى بعتها، وأما إذا قال إن بعتها فينتقض بيعه إذا باعها بالقرب ولا ينتقض إذا باعها بعد البعد كما تقدم في كلام ابن رشد، واقتصر المتيطي على هذا التفصيل لكنه فرض المسألة فإن] (٧)، والخلاف جار في الإقالة
_________________
(١) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٧٦ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) هو أبو حفص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي المتوفى سنة ثلاث وعشرين هجرية. أنظر ترجمته في طبقات ابن سعد جـ ٣ ص ٢٦٥.
(٤) في - م - يقر بها.
(٥) في - م - وقال.
(٦) في - م - من.
(٧) ما بين القوسين ساقط من - م -.
[ ٣٦٤ ]
ولو كانت في الأمة فإن (١) المسألة مفروضة في سماع محمد بن خالد عن ابن القاسم فيمن يبيع أرضه أو جاريته ثم يستقيل، ومقتضى كلامهم أن ذلك لا يوجب منع البائع من وطئها بعد الإقالة وهو ظاهر فتأمله. [وقال المتيطي بعد أن ذكر المسألة وفرضها في دار وحكم العروض والحيوان في ذلك كالعقار (٢).] (٣)
القسم الرابع
من أقسام الشروط المتعلقة بالبيع:
ما يكون الشرط فيه غير صحيح
إلا أنه خفيف فلم تقع له حصة من الثمن فيصح البيع ويبطل الشرط. قال في المقدمات: وذلك مثل أن يبيعه السلعة ويشترط أنه لم يأت بالثمن إلى ثلاثة أيام أو نحوها فلا بيع بينهما، ومثل الذي يبتاع الحائط بشرط البراءة من الجائحة لأن الجائحة لو أسقطها بعد وجوب البيع لم يلزمه ذلك لأنه أسقط حقًا قبل وجوبه، فلما اشترط إسقاطها في عقد البيع لم يؤثر ذلك في صحته، لأن الجائحة أمر نادر فلم يقع لشرطه حصة من الثمن، ولم يلزم الشرط إذ حكمه أن يكون غير لازم إلا بعد وجوب الرجوع للجائحة وما أشبه ذلك (٤). أ. هـ
ولنذكر من هذا النوع فروعًا:
الفرع الأول
الذي ذكره في المقدمات وهو أن يبيع السلعة، ويشترط له إن لم يأت بالثمن إلى أجل [كذا] (٥) فلا بيع بينهما وفيه اضطراب كثير يظهر ذلك لمن راجع كلام أهل المذهب فيه، والذي تحصل لي من كلام المدونة وشروحها كالشيخ
_________________
(١) في - م - وإن.
(٢) أنظر مختصر المتيطية ورقة ٧٨ ظهر وما بعدها مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٨٦٩٦.
(٣) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٤) أنظر المقدمات الممهدات جـ ٢ ص ٥٤٤.
(٥) ساقطة من - م.
[ ٣٦٥ ]
أبي إسحاق التونسي، وابن يونس، واللخمي، وأبو الحسن الصغير، والرجراجي، ومن (١) كلام ابن بشير وصاحب التوضيح، وابن
عرفة وغيرهم أن في المسألة سبعة (٢) أقوال: الأول كراهة هذا البيع ابتداء فإن وقع صح البيع ويبطل الشرط (٣)، وهذا مذهب المدونة، وعليه اقتصر الشيخ خليل في مختصره. قال في كتاب البيوع الفاسدة منها قال مالك: ومن اشترى سلعة على أنه إن لم ينعقد ثمنها إلى ثلاثة أيام وقال أصبغ في موضع آخر إلى عشرة أيام فلا بيع بينهما فلا يعجبني أن يعقد (٤) البيع على هذا، وكأنه زاده في الثمن على أنه إن إنقده إلى ذلك الأجل فهي له، وإلا فلا شيء له فهذا من الغرر والمخاطرة فإن نزل (٥) ذلك جاز البيع وبطل الشرط، وغرم الثمن الذي اشترى به، ولكني أجعل هلاك السلعة ولو (٦) كانت حيوانًا من البائع حتى يقبضها المبتاع بخلاف البيع الصحيح يحبسها البائع بالثمن (٧) تلك هلاكها من المبتاع بعد عقده البيه (٨). أ. هـ
القول الثاني أن مفسوخ. والقول الثالث أن البيع جائز والشرط جائز. حكى هذه الأقوال القاضي عياض في التنبيهات. القول الرابع التفصيل بين قوله إن جئتني بالثمن، [قوله إن لم تأتين بالثمن فإن قال أبيعك على إن جئتني بالثمن] (٩) فالبيع بيني وبينك فالثمن حال كأنه رأه بيعًا ثانيًا، وإنما يريد فسخه بتأخير النقد فيفسخ الشرط ويعجل النقد وأما (١٠) إذا قال إن لم تأتين بالثمن فكأنه لم ينعقد بينهما بيع إلا أن يأتيه بالثمن فلا يجبر على النقد إلا إلى
_________________
(١) في - م - من كلام.
(٢) في - م - ثلاثة بدل سبعة.
(٣) أنظر المدونة جـ ٩ ص ١٦٦.
(٤) في - م - يعقد.
(٥) عبارة - م - ترك.
(٦) في - م - وإن
(٧) في - م - للثمن.
(٨) أنظر المدونة جـ ٩ ص ١٦٦.
(٩) ساقطة من - م.
(١٠) عبارة (م) وإذا
[ ٣٦٦ ]
أجل. حكاه في التنبيهات عن الدمياطي، وحكى الأقوال الأربعة (١) صاحب التوضيح، والرجراجي في شرح
المدونة. القول الخامس أنه يوقف المشتري فإن نقد مضى البيع، وإلا رد حكاه في التنبيهات [أيضًا] (٢)، وحكاه ابن عرفة. القول السادس أن ذلك جائز فيما لا يسرع إليه التغيير كالربع (٣)
وما أشبهه، ويكره فيما يسرع إليه التغيير حكاه ابن بشير في كتاب التنبيه. القول السابع أنه إن كان الأجل بعيد كشهر فحكمه حكم البيع الفاسد حكاه في التنبيهات عن أبي لبابة عن ابن القاسم، ومفهومه أنه إذا كان الأجل أقل من ذلك لايكون كالبيع الفاسد، وسيأتي لفظ التنبيهات، وقال اللخمي إن دخلا على أن المبيع على ملك البائع فإن أتى بالثمن إلى ذلك الأجل أخذها كان كبيع الخيار يجوز فيه [عند الأجل] (٤) ما يجوز في بيع الخيار، ويفترق فيه أمد السلعة من أمد الدار، ومصيبته قبل القبض وبعده من البائع، وإن دخلا على أنه مشتري فإن لم يأت بالثمن أخذ المبيع عن الثمن كان شرطًا فاسدًا، واختلف في الشرط الفاسد فقيل البيع فاسد، وقيل جائز والشرط باطل، وقيل إن أسقطه جاز وإن تمسك به فسخ وهو أحسنها. أ. هـ
تنبيهات
الأول: فإذا (٥) فرعنا على مذهب المدونة من جواز البيع بعد الوقوع وبطلان الشرط، فاختلف هل يجبر المشتري على نقد الثمن في الحال، أو لا شيء عليه حتى يحل الأجل. قال في التنبيهات والأول (٦) ظاهر المدونة وحملها أكثرهم على الثاني، وحكى القولين الرجراجي في شرح المدونة
وابن
_________________
(١) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٧٧ ظهر - مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم (١٢٢٥٦)
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) الربع: الدار بعينها حيث كانت كما في الصحاح، وأنشد الصاغاني لزهير بن أبي سلمى: فلما عرفت الدار قلت لربعها إلا أنعم صباحًا أيها الربع وأسلم أنظر تاج العروس جـ ٥ ص ٣٣٧.
(٤) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٥) في - م - إذا.
(٦) في - م - أول.
[ ٣٦٧ ]
عرفة وزاد ابن عرفة ثالثًا بالفرق بين قوله إن ججئتني بالثمن وإلا فلا بيع بيننا فيجبر على التعجيل، وقوله أم لم تأتين فيؤخر للأجل، وعزاه للدمياطية وهو (١) القول الرابع الذي ذكرناه في أصل المسألة جعله ابن عرفة مفرعًا على مذهب المدونة، وحكاه الرجراجي في أصل المسألة، وكلام التنبيهات محتمل للأمرين، والظاهر ما قاله ابن عرفة، قال اللخمي: واختلف بعد القول ان الشرط باطل هل يبقى البيع إلى أجله لأن الفساد ليس في الأج، أو يوقف الآن فإن أمضيا (٢) البيع ودفع الثمن وإلا أفسخ (٣)، وأرى أن يبقى البيع إلى أجله لأن الفساد ليس في الأجل، وإنما الفساد في قوله إن لم تأتين بالثمن آخذ السلعة. أ. هـ
قلت: وهذا القول الثاني في كلام اللخمي هو القول الخامس الذي حكيناه في أصل المسألة، وكذلك حكاه ابن عرفة في أصل المسألة وهو الظاهر، وعلى ما قاله اللخمي فيتحصل في التفريع على مذهب المدونة أربعة أقوال أكثر الشيوخ على القول الثاني. أنه لا يجبر على النقد حتى يحل الأجل، وهو اختيار اللخمي، وعلى القول بفساد البيع فحكمه حكم البيع الفاسد، وعلى القول بأن البيع جائز والشرط جائز فحكمه حكم بيع الخيار، ويجوز فيه من الأجل ما يجوز في بيع الخيار في مثل تلك السلعة قاله الرجراجي.
الثاني: وقع في عبارة الشيخ خليل في مختصره، وفي عبارة غيره في فرض المسألة أن البيع وقع على أنه إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا من غير بيان للأجل، وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين الأجل القريب والبعيد، وتقدم في كلام المدونة أن ذلك إلى ثلاثة أيام. قال وفي
[موضع آخر] (٤) إلى عشرة أيام، وقال في التنبيهات في الكتاب إلى يوم أو يومين أو عشرة أيام. قال كذا عندي،
_________________
(١) في - م - وهذا.
(٢) في - م - أمضى.
(٣) في - م - فسخ.
(٤) ساقطة من الأصل.
[ ٣٦٨ ]
وكذا في أصل شيوخه رواية يحيى بن عمر (١) ذكرها عنه ابن لبابة، وسقطت لفظة عشرة أيام من رواية غير يحيى وعند بعضهم أو أيام يسيرة مكانها، وفي كتاب محمد إن لم يأت بالثمن إلى شهر فلا بيع بينهما قال أما الدور والرباع فلا بأس به، وأما الحيوان فأكرهه لأنه يحول، وشرط ذلك في العروض باطل والبيع نافذ، وسوى ابن القاسم بين العروض وغيرها وأبطل الشرط وكرهه (٢) مالك في الجميع قال ابن لبابة: وجدت لابن القاسم إذا كان إلى شهر أن سبيله سبيل البيع الفاسد. أ. هـ
والظاهر على مذهب المدونة أنه لا فرق بين طول الأجل وقصره. والله تعالى أعلم.
الثالث: تقدم في كلام المدونة أن ضمان المبيع في هذه المسألة من البائع، ولو كان مما [لا] (٣) يغاب عليه كالحيوان حتى يقبضه المشتري. قال الشيخ أبو الحسن: قال الشيوخ هذه المسألة من مغربات المسائل جعل حمه قبل القبض حكم البيع الفاسد، وبعد القبض حكم البيع الصحيح لأنه أمضاه بالثمن، والصحيح أن هذا البيع عنده مكروه. أ. هـ
وقال المشذالي في حاشيته على المدونة قال الشيخ أبو الحسن: وقوله لأن ذلك من الغرر والمخاطرة إنما يرجع لما علله به، وهو قوله كأنه زاده في الثمن إن لو كان ذلك حقيقة. أ. هـ
_________________
(١) هو أبو زكريا يحيى بن عمر بن يوسف بن عامر الكناني الأندلسي القيرواني الإمام المبرز العابد الثقة الزاهد الفقيه الحافظ المحاب الدعوة سمع من سحنون وبه تفقه، والحارث بن مسكين، والبرقي والدمياطي وأصبغ بن الفرج وغيرهم من أهل إفريقيا والمشرق. كانت الرحلة إليه وبه تفقه خلق منهم أخوة محمد، وابن اللباد، وأبو العرب، وأحمد بن خالد. مصنفاته نحو الأربعين منها اختصاره المستخرجة، وكتاب في أصول السنن وكتاب رد فيه على الشافعي وغير ذلك كثير. مولده بالأندلس سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتوفي في ذي الحجة سنة تسع وثمانين ومائتين بسوسة، وقبره قرب باب البحر. أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ٧٣.
(٢) في - م - وكرره هكذا صححت بهامش - م -.
(٣) ساقطة من الأصل.
[ ٣٦٩ ]
الفرع الثاني
إذا باع الحائط وشرط في عقد البيع أن الجائحة على المشتري فالبيع جائز والشرط باطل، وتلزم الجائحة البائع إذا نزلت وهذا الفرع هو المسألة الثانية في كلام المقدمات السابق، وأصل المسألة في رسم باع [غلاما] (١) من سماع ابن القاسم من كتاب المساقاة والجوائح، وتكلم عليها ابن رشد بنحو ما تقدم في كلامه في المقدمات ولم يزد، وذكر اللخمي المسألة في كتاب الجوائح، وعزا هذا القول لرواية محمد، وزاد بعده وفي السليمانية البيع فاسد قال وقال ابن شهاب (٢) البيع جائز والشرط جائز ورأى أن يخير البائع بين أن يسقط شرطه وتكون المصيبة منه، أو يرد البيع ويكون له بعد الفوات الأكثر من القيمة أو الثمن، وإنما لم يصح الشرط لأن ما تنتقل إليه الثمرة من حلاوة ونضج مشتري، وإنما اشترى الثمرة على أنها على تلك الصفة فإشتراط الجائحة بمنزلة من اشترط أن يأخذ ثمن
ما لم يكن بعد. أ. هـ.
ونقل ابن عرفة ما في سماع ابن القاسم من الكلام على الجوائح (٣) وكلام اللخمي، وذكر في التوضيح هذه المسألة والتي قبلها والخمس التي بعدها لما تكلم على أن لفظ العبد يتناول ثياب مهنته، وذكر أن المتيطي وغيره ذكر ستة مسائل قال مالك فيها بصحة البيع وبطلان الشرط، وذكر الستة الأولى ثم
_________________
(١) ساقطة من - م -.
(٢) هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري المدني، ويعرف بابن شهاب والزهري، وهو أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام. روى عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس وغيرهم، وروى عنه أبو الزبير المكي، والأوزاعي، ومالك، وابن عيينة وأحاديثة ألفا حديث ومائتا حديث، وكان الزهري ثقة كثير الحديث والعلم والرواية. فقيهًا جامعًا، وقد اختبر علمه وحفظه هشام بن عبد الملك فرأى ما أبهره من متانة حفظه. ولمالك عنه في الموطأ رواية يحيى مائة واثنان وثلاثون حديثًا منها اثنان وتسعون مسندة، وسائرها منقطعة ومرسلة. ولد في السنة التي توفيت فيها عائشة ﵂ وهي سنة ثمان وخمسين، وتوفي ﵀ سنة خمس وعشرين ومائة. أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ٤٦.
(٣) أنظر مختصر ابن عرفة في الفقه جـ ٢ ورقة ٢٣٥ ظهر وما بعدها مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
[ ٣٧٠ ]
أضاف إليها السابعة، لكنه لما ذكر في مسألة الجائحة القول الأول قال بعده خلافًا لما في السليمانية أنه يوفى له بالشرط هكذا نقل ابن عبد السلام، ونقل اللخمي عن السليمانية أن البيع فاسد قال وقال ابن شهاب [أن] (١) البيع جائز والشرط جائز (٢). أ. هـ
ولم يذكر ابن عبد السلام النظائر، وإنما استطرد مسألة الجائحة في شرح (٣) قول ابن الحاجب، ويلزم البائع ما بقي فيتحصل في هذه المسألة أربعة أقوال: الأول: صحة البيع وبطلان الشرط، وهو قول مالك في كتاب المواز وفي سماع ابن القاسم، وعليه اقتصر ابن رشد في البيان والمقدمات، وعليه اقتصر الشيخ خليل في مختصره. الثاني: ما في السليمانية أن البيع فاسد على ما نقله اللخمي. والثالث: أن البيع جائز والشرط جائز، وهو الذي في السليمانية على ما نقله ابن عبد السلام، وهو قول ابن شهاب. والرابع اختيار اللخمي فيكون هذا الشرط من القسم [الثاني] (٤) من أقسام الشروط في البيع وظاهر كلام المتيطي أن القول الأول لمالك في المدونة [فإنه] (٥) لما تكلم على بيع الجارية بشرط أنها عريانة في آخر
الكلام على المواضعة. قال وهذه المسألة من الست مسائل التي ذكر فيها مالك في المدونة أن البيع جائزوالشرط باطل ثم ذكرها، وأما المسألة [الأولى] (٦) فقد تقدم كلام (٧) المدونة فيها، وأما هذه المسألة فلم أر من عزاها للمدونة، ولعل لفظ المدونة زائد في النسخة التي وقفت عليها المتيطية فاني لم أراه في مختصرها لأبن هارون (٨)
ولم يذكره الشيخ خليل عنه في التوضيح والله تعالي أعلم.
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٧٧ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٣) في - م - شرط وهو تصحيف ظاهر.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) ساقطة من - م -.
(٧) عبارة - م الكلام فيها.
(٨) هو أبو عبدالله محمد بن هارون الكناني التونسي الإمام في الفقه وأصوله، وعلم الكلام وفصوله الملامة المتفنن المؤلف المتقن، وصفه ابن عرفة ببلوغ درجة الإجتهاد المذهبي، أخذ عن جلة منهم أبو عبدالله بن هارون الأندلسي، وعنه جلة منهم ابن عرفة، وبن مرزوق الجد. له مؤلفات مهمة منها شرح مختصر ابن الحاجب الأصلي، ومختصره الفرعي، وشرح المعالم الفقهية، وشرح التهذيب في أسفار عديدة ومختصره، وشرح الحاصل، وله مختصر المتيطية أسقط منها نحو الثلثين .. ولد سنة ثمانين وستمائة، ونال لقب المفتي في سنة ٧٤٦هجرية، وبقي مفتيًا إلي أن مات في عام خمسين وسبعملئة هو وزوجته في يوم واحد وحفر لهما قيران متدانيان وحضر لدفنهما السلطان أبو الحسن المريني. أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ٢١١، وتاريخ الدولتين الموحدية والحفصية ص ٨٨.
[ ٣٧١ ]
الفرع الثالث
من إشترى أرضًا وفيها زرع أخضر على أن الزكاة على البائع (١) هكذا ذكر المسألة في التوضيح لما ذكر النظائر التي ذكر عن المتيطي وغيره أن مالكًا قال فيها بصحة البيع وبطلان الشرط، والذي في المتيطية
ومختصرها لابن هارون مانصه: الثانية من باع علي أن لازكاة عليه (٢).وهو مشكل كما سيأتي بيانه. قال في كتاب الزكاة من المدونة: ومن باع أرضه بزرعها وقد طاب [زرعها] (٣) فزكاته على البائع، وإن كان الزرع أخضر فاشترطه المبتاع فزكاته على المشتري (٤). قال ابن يونس قال في المستخرجة: فإن اشترطالمشترى زكاته على البئع لم يجز لأنه غرر إذ لا يعلم مقداره. أ. هـ. ونقله أبو الحسن، وما نقله عن المستخرجة هو في رسم القرية من سملع عيسى من كتاب زكاة الحبوب. قال ابن القاسم: في رجل باع أرضًا وفيها زرع لم يطب فاشترط المشترى لبزكاة على البائع قبل أن يطيب الزرع أو قد طاب. قال مالك هو على المشتري، ولا يجوز أن يشترط الزكاة قبل [أن يطيب الزرع فإذا طاب الزرع فهى على البائع إلا (٥)] أن يشترطها على المشتري. قال ابن رشد: هذه مسألة صحيحة، إما إذا إشترى الأرض وفيها
_________________
(١) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٧٧ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٢) أنظر إختصار المتيطية ورقة ١٠٥ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٨٦٩٦.
(٣) ساقطة في الأصل.
(٤) أنظر المدونة جـ ٢ ص ٣٤٥، ٣٤٦.
(٥) ما بين القوسين ساقطة من - م -.
[ ٣٧٢ ]
زرع لم يطب فاشترطه فالبيع جائز والزكاة عليه، فإن اشترط الزكاة على البائع فسد البيع لأنه اشترط عليه مجهول لايعلم قدره ولا مبلغه، واما إذا طاب الزرع فاشترى الأرض بزرعها فالزكاة على البائع فإن إشترطها على المشترى فذلك أجوز للبيع إذ قد قيل أنه إذا باع جميع الزرع، ولم يشترط جزء الزكاة فسد البيع لأنه باع ما ليس له وهو مذهب الشافعي (١). (٢)
أ. هـ
واقتصر صاحب النوادر وصاحب الطراز على نقل مافي المتبية، وظاهر كلامهم، وكلام ابن يونس، وأبي الحسن أن البيع يفسد بذلك كما صرح ابن رشد بذلك، ولم أر من صرح بصحة البيع وبطلان الشرط إلا المصنف في التوضيح، وأما كلام المتيطية ومختصرها فمشكل لأنه يقتضي أن البائع هو المشترط (٣) الزكاة على المشتري، واشتراط البائع لذلك على المشترى صحيح على كل حال، لأنه إذا كان الزرع قد طاب فالزكاة على البائع وقد تقدم نص ابن القاسم على أنه يجوز أن يشترطها على المشترى وقال ابن رشد أن ذلك
_________________
(١) أنظر البيان والتحصيل جـ ١ ورقة ١٨٥ ظهر وكذلك الورقة ١٨٠ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١٠.
(٢) هو محمد بن أدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الشافعي، وأمة أسدية، الإمام البعيد الصيت والذكر الجليل القدر العلامة الحافظ الحجة النظار المتفق على جلالته وفضله وعلمه، شهرته في أقطار الأرض تغنيعن التعريف به، وترجمته واسعة أفردت بالتأليف. روى عن مالك، ومسلم بن خالد، وفضل بن عياض وعمه محمد بن شافع وغيرهم، وروي عنه أحمد بن حنبل والمزني، وأبو ثور، والزعفراني ومحمد بن عبدالحكم، وغيرهم من الأتباع كثير جدًا وانتشر مذهبه إنتشار مذهب أبي حنيفة، ومن دعائه اللهم يالطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير، وهو مشهور بين العلماء بالإيجابة .. ولد بالشام بغزة وقيل باليمن سنة خمسين ومائة، وحمل إلى مكة وهو إبن سنتين فنشًا بها، وتردد بالحجاز والعراق وغيرهما ثم قدم مصر فاستوطنها. وكانت وفاته بمصر يوم الخميس وقيل يوم الجمعة سنة أربع ومائتين ودفنه بنو عبد الحكم في مقابرهم، وصلى عليه أمير مصر. أنظر ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى جـ ١ ص ١٩٢ وما بعدها والديباجج٢ ص ١٥٦ وما بعدها، وترتيب المدارك جـ ٣ ص ١٧٤ وما بعده. ومرآة الجنان جـ ٢ ص ١٣، ١٤ وشجرة النور الزكية جـ ١ ص ٢٨.
(٣) في- م - مشترط.
[ ٣٧٣ ]
أجوز للبيع، وصرح بالجواز إشتراط ذلك غير واحد، وإن (١) كان الزرع لم يطب فالزكاة على المشتري، ولو لم يشترطها البائع فاشتراطها [عليه] (٢) صحيح لأنه من الشروط التى يقتضيها العقد فتأمله وقد مشي الشيخ خليل في مختصره على ما قاله في توضيحه، وتقدمت النصوص بخلاف ذلك والله تعالي أعلم:
الفرع الرابع
إذا شرط في عقدة البيع في الأمة التى تجب فيها المواضعة (٣) أن لا مواضعة فيها فمذهب المدونة أن البيع صحيح ويبطل الشرط. قال في كتاب الإستبراء (٤) من المدونة: وأكره ترك المواضعة وأئتمان البائع (٥) على الإستبراء فأن فعلًا أجزأهما أن قبضها على الأمانة، وهى من البائع حتى تدخلا في أول دمها فإن قبضها على شرط الحيازة وسقوط المواضعة كالوخش (٦) أو لم يشترط إستبراء في المواضعة، وجهلا وجه المواضعة فقبضها كالوخش، ولم يتبرأ البائع من الحمل لم يفسد البيع وألزمتها حكم المواضعة. قال الشيخ أبو الحسن الصغير إذا اشترطا إسقاط المواضعة، أو وقع الأمر مبهمًا، ولم يشترطا إسقاطهما ولا وجوبها عمدًا أو جهلًا، ولم يتبرأ البائع من الحمل فالبيع صحيح على مذهب الكتاب (٧)، ويلزمهما حكم المواضعة. وفي كتاب محمد أن البيع فاسد إذا
_________________
(١) في- م - إن بإسقاط الواو.
(٢) ساقطة في الأصل.
(٣) المواضعة الراهنة وهى مجاز ومنه الحديث ئجئت لا واضعك الرهان والمواضعة متاركة البيع، والموافقة في الأمر على الشئ تناظير فيه ويقال هلم أواضعك الرأى أى أطلعك على رأيى وتطلعنى على رأيك وقال أبو سعيد استوضع منه أي أستحط. أنظر تاج العروس جـ ٥ ص ٥٤٤.
(٤) أنظر المدونة جـ ٦ ص ١٣١.
(٥) في- م - المبتاع.
(٦) الوخش الردئ من كل شئ وقال الليث الوخش رذال الناس وساقطهم يقال رجل وخش وإمرأة وخش وقول وخش. أنظر تاج العروس جـ ٤ ص ٣٦٤.
(٧) يعنى على مذهب المدونة.
[ ٣٧٤ ]
إشترطا ترك المواضعة الشيخ فعلى هذا إذا أبهما يكون (١) البيع صحيحًا فيتفقان في هذا (٢). أ. هـ
وحكى ابن عرفة فيما إذا شرطا ترك المواضعة خمسة أقوال فذكر القولين السابقين مذهب المدونة، وما في كتاب محمد، والقول الثالث صحة البيع ولزوم الشرط، وعزاه لإبن عبد الحكم، وهكذا ذكره ابن رشد في المقدمات، والقول الرابع إذا (٣) شرط مع ذلك نقد الثمن بطل البيع
وإلا فلا، وعزاه لابن حبيب (٤)، والخامس أن تمسك البائع يشرطه بطل البيع وإلا فلا وعزاه للخص،وهذا الخلاف إذا ترك شرط المواضعة، وإما إذا وقع الأمر مبهمًا، ولم يشترطا إسقاط المواضعة ولا وجوبها، فالبيع صحيح بإتفاق ويلزمها حكم المواضعة (٥) ٦٠. هـ
تنبيهات
الأول: إذا وقع البيع بشرط ترك المواضعة أو مبهمًا فلا يضر فيه إشتراط النقد، ويقضي بالمواضعة، وينزع الثمن من البئع على مذهب المدونة، كما يفهم من كلام ابن عرفة حيث جعل القول بالتفصيل بين إشتراط نقد الثمن وعدم نقده (٦) مقابلًا لمذهب المدونة، وعزاه لابن حبيب وهذا بخلاف ما إذا وقع البيع بشرط المواضعة فإن إشتراط النقد يفسده حينئذ، والفرق بينهما أنهما إذا شرطا المواضعة، شرطا البائع النقد فقد دخلا على الغرر لأنه تارة يصير ثمنًا وتارة [يصير] (٧) سلفًا بخلاف ما إذا شرطا ترك المواضعة فلم يدخلا على الغرر بل على أنه ثمن. قال ابن يونس: قال أصبغ ما بيع على المواضعة، أو على
_________________
(١) في- م - كان.
(٢) أنظر المقدمات جـ ٤ ص ٦٠٩.
(٣) في- م إن.
(٤) في- م - لابن الحاجب.
(٥) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهى جـ ٢ ورقة ١٧٥ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٦) في- م - إشتراطه.
(٧) ساقطة من- م -.
[ ٣٧٥ ]
معرفة المواضعة والإستبراء فإن شرط النقد يفسد البيع إلا أن يتطوع به بعد العقد فيجوز مايقع على البت ممن لايعرف المواضعة مثل بيع أهل مصر (١) ومن لايعرفها من البلدان يتبايعون على النقد، ولا يشترطون نقدًا ولا مواضعة فهو بيع لازم ولا يفسخ، ويقضى عليهما بالمواضعة. قال مالك في العتبية ولوأنصرف بها المبتاع، وغاب عليها رد (٢) على المواضعة ولا حجة للمبتاع
بغيبته عليها وهو قد أئتمنه عليها (٣). أ. هـ
وقال ابن عرفة: وشرط نقد المواضعة في عقد بيعها [فيها] (٤) يفسده وطوعه بعد جائز في بيعه بتًا وبخيار مذكور في كتاب الخيار، وروى محمد بيسع من لا يعرف المواضعة كمصر (٥) يبيعون على النقد ولا يشترطون نقدًا ولا مواضعة صحيح ويقضى بها، وينزع الثمن من البائع أن طلبه المبتاع قال ابن عرفة: قلت وأن لم يطلبه لقول محمد لا يوقف بيد البائع ولو طبع عليه، وفرق بينه وبين رهن ما لا يعرف بعينه مطبوعًا عليه بأنه في المواضعة عين حقه. أ. هـ
قلت: وقوله في الرواية ولا يشترطون نقدًا ولا مواضعة معناه لا يدخلون على المواضعة، ويشترطون تعجيل النقد، وقول ابن عرفة ينزع الثمن وإن لن يطلبه المبتاع ليس بظاهر لجواز التطوع بالنقد في بيع المواضعة.
الثانى: قوله في المدونة ولم يتبرأ البائع من الحمل يريد وإما أن تبرأ من الحمل فإن كان الحمل ظاهرًا فلا مواضعة، وإما أن [كان] (٦) خفيفًا (٧) فشرط
_________________
(١) المصريون يشاربهم على ابن القاسم وأشهب، وابن وهب، وأصبغ بن الفرج وابن عبد الحكم ونظرائهم
(٢) في- م - ردت وهو تصحيف.
(٣) أنظر جامع ابن يونس على المدونة جـ ١ ورقة ٩٧ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٩٣٢.
(٤) ساقطة من- م -.
(٥) في- م - كأهل مصر.
(٦) ساقطة من الأصل.
(٧) في- م - خفيًا وهو الصواب.
[ ٣٧٦ ]
البراءة منه يفسد البيع في العلية التي تحتاج للمواضعة (١) على المشهور للغرر، وقيل يصح البيع ويبطل الشرط قاله في كتاب ابن المواز، وقيل البيع والشرط جائزان حكاه (٢) ابن عبد الحكم. نقل هذه الأقوال الثلاثة ابن رشد، وأبو الحسن وغيرهما في كتاب الإستبراء.
الثالث: إذا أسقط المشترى المواضعة بعد العقد صحذلك ولو كره البائع على مذهب المدونة خلافًا لسحنون. قال في كتاب الإستبراء من المدونة: وللمبتاع قبولها في المواضعة قبل محيضها على الرضا بالحمل أن كان بها، ولا يجوز ذلك في أصل التبايع، وله أن يزوجها مكانه قبل أن يستبرأها كما كان للبائع، ويحل للزوج وطأها مكانها (٣). أ. هـ
وقال في المقدمات إذا أراد المبتاع بعد أن إشترى على المواضعة وصح عقد البيع ترك المواضعة، ويرضي بالأمة وإن كانت حاملًا كان ذلك له عند ابن القاسم، وإن كره البائع، وقال سحنون لا يجوز ووجه قوله أنه أسقط الضمان على (٤) البائع على أن يتعجل خدمة الجارية ويدخله سلف جر نفعًا لأنه عجل له النقد بما تعجل من خدمة الجارية (٥).
وقال ابن عرفة: وفي صحة غسقاطها بعد العقد قولان لها وللشيخ عن ابن عبدوس قائلًا [حتى] (٦) كأنه أسقط ضمانها عن البائع لما تعجل من خدمتها وكذا أن طاعما مما بذلك كأنه عجعل له الثمن لما (٧) تعجل من نفعها فهو سلف
_________________
(١) في- م - إلى مواضعة.
(٢) في - م - قاله.
(٣) أنظر المدونة جـ ٦ ص ١٣٥.
(٤) في - م - عن.
(٥) أنظر المقدمات الممهدات جـ ٢ ص ٦٠٩، ٦١٠.
(٦) ساقطة من - م -.
(٧) في - م - بما.
[ ٣٧٧ ]
ينفع، وذكره ابن رشد كأنه من عنده قال ويدخله (١) أبتياع الضمان (٢). أ. هـ
الفرع الخامس
إذا باع الأمة العلية (٣) بشرط البراءة من الحمل الخفي، وقد تقدم الكلام عليها في المسألة الرابعة، وأن المشهور أن البيع يفسد بذلك، والله تعالى أعلم.
الفرع السادس
إذا كانت المادة جارية بالبيع على المهدة (٤) فاشترط البائع في عقده البيع إسقاطها عنه فقيل يصح البيع ويوفي [له] (٥) بالشرط، ولا عهدة عليه وقيل يسقط [الشرط] (٦) ولا يوفي [له] (٧) به حكي القولين اللخمي في تبصرتة واختار الأول، وخرج ثالثًا بفساد البيع لفساد الشرط، ورد المازري التخريج بأن ذلك في الشرط المتفق على فساده، وأما المختلف فيه إختلافًا مشهورًا فلا يوجب فسادًا لأن الخلاف المشهور تحسن (٨) مراعاته، وأما أن شد وضعف فتسقط مراعاته. وحكي ابن عرفة الأقوال الثلاثة عن اللخمي لكنه لم ينبه على إختياره للقول
_________________
(١) في - م - فيدخله.
(٢) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهى جـ ٢ ورقة ١٧٦ وما بعدها مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٣) العلية بالضم: علو المرتبة والرفعة والشرف، ويقال إنقطاع الدم انظر تاج العروس جـ ١٠ ص ٢٥٠، والرائد ص ١٠٤٤.
(٤) العهدة الرجعة، ومنه تقول لاعهدة لي أي لارجعة، وفي حديث ععقبة ابن عامر عهدة الرقيق ثلاثة أيام هو أن يشتري الرقيق ولا يشترط البائع البراءة من العيب فما أصاب المشترى من عيب في الأيام الثلاثة فهو من مال البائع، ويرد إن شاء بلا بينة فإن وجد به عيبًا بعد الثلاثة فلا يرد إلا ببينة. وقيل العهد والعهدة بمعنى واحد تقول برأت إليك من عهدة هذا العبد أي مما يدركك فيه من عيب كان معهودًا فيه عندي، ويقال عهدته على فلان أي ما أدرك فيه من درك أي عيب فصلاحه عليه، ويقال استعهد من صاحبه إذا وصاه واشترط عليه وكتب عليه عهدة وهومن باب العهد والعهدة لأن الشرط عهد في الحقيقة أنظر تاج العروس جـ ٢ ص ٤٤٣.
(٥) ساقطة من - م -.
(٦) ساقطة من - م -.
(٧) ساقطة في الأصل.
(٨) في - م - تحصيل وهو تصحيف ظاهرة.
[ ٣٧٨ ]
الأول، وذكر الشيخ خليل في التوضيح في الكلام على العهدة أنه وقع في بعض النسخ ابن الحاجب بعد قوله وللمشتري إسقاطها بعد العقد مانصه: وللبائع قبله كعيب غيره قال وعليهما تكلم ابن رشد فقال يعني وللبائع إسقاط المهدة قبل العقد كما له أن يتبرأ
من عيوب سائر الرقيق (١). أ. هـ.
ولم يذكر هنا [غير هذا الكلام] (٢) ثم ثم ذكر في شرح قول ابن الحاجب والعبد يشمل ثياب مهنته النظائر التى يصح فيها البيع ولا يوفي بالشرط عن المتيطي وغيره، وذكر من جملتها هذه المسألة، ولم يذكر فيها خلافًا أيضًا، ولا نبه على أن هذا مخالف لما تقدم، واختصر على هذا القول في مختصره وقد ذكر المتيطي في الكلام على العهدة الخلاف الذي ذكره اللخمي، واقتصر في آخر كلامه على المواضعة لما ذكر النظائر على القول بصحة البيع وسقوط الشرط، وذكر صاحب الشامل في الكلام على العهدة القولين وصدر بالقول الأول، وأنه يوفي بالشرط، وعطف الثاني بقيل ثم لما ذكر النظائر إقتصر على القول الثاني الذي إقتصر عليه الشيخ خليل في مختصره، والحاصل إن كلًا من القولين قوي جدًا مرجح، وأما الثالث فضعيف بل أنما هو تخريج فقط، وإلا ظهر من القولين الأولين ما إقتصر عليه الشيخ خليل في مختصره لأنه من باب إسقاط الحق قبل وجوبه.
الفرع السابع
إذا بيع العبد أو الأمة فإن ثياب المهنة تدخل تبعًا، ولا يدخل معها ما كان للزينة فإن اشترط البائع ثياب المهنة، وأنه يبيع العبد عريانًا والأمة (٣) عريانة فهل يوفي له بالشرط، وهو قول عيسي ورواية عن ابن القاسم في المدونة وصححه ابن رشد في سماع أشهب من كتاب العتق (٤) من العتبية، وفي (٥) أول
_________________
(١) أنظر التوضيح جـ ٧ ورقة ٧٧ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٢) ساقطة من - م -.
(٣) في - م - والجارية.
(٤) في - م - العيوب.
(٥) في - م - ففي.
[ ٣٧٩ ]
رسم من سماع ابن القاسم من جامع
البيوع، وذكر أنه مضت به الفتوي، أو يصح البيع ويبطل الشرط وهكذا الذي رواه أشهب عن مالك في كتاب العيوب من العتبية. [قال ابن مغيث (١) في وثائقه وبه مضت الفتوي (٢)] عن الشيوخ (٣) وذكر القولين الشيخ خليل في توضيحه ومختصره، وابن عرفة.
فرع
إذا باع الجارية وعليها ثياب للزينة، وأخذها فهي للبائع. قال ابن رشد في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب جامع البيوع: ويلزم البائع أن يكسوها كسوة تصلح لمثلها للبدلة (٤)، وقيل لايجب (٥) ذلك عليه إذا لم يشترطه المبتاع فإن اشترطه المبتاع لزم البائع (٦). أ. هـ
ونقله ابن عرفة وقبله.
فرع
قال في سماع أشهب المتقدم لو باع الجارية على أن ينزع ما عليها ولا يكون لها إلا ثوبان خلقان (٧) في المنزل فجاء بهما فإذا هما لا يواريانها فليس
_________________
(١) هو القاضي أبو وليد يونس عبدالله بن محمد بن مغيث يعرف بابن الصفار أو القصار على خلاف في الرواية قرطبي. الإمام العالم الصالح الفقيه الحافظ النظار سمع أبو زرب، وابن أبي زمنين، وابن أبي العرب وغيرهم، وسمع منه جماعة منهم أبو الوليد الباجي، وابن عتاب، وابن عبدالبر. ألف كتاب الموعب في تفسير الموطأ، وجمع مسائل ابن زرب، وكتاب الإبتهاج بمحبة الله تعالي، وكتاب التهجد وفضائل المبتهجين، وكتاب التفسير، وفهرست، وغير ذلك. مما هو كثير في التصوف وغيره. توفي في رجب سنة تسع وعشرين وأربعمائة وقد ناف عن التسعين. أنظرترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ١١٣، ١١٤، والديباج جـ ٢ ص ٣٥٤، ٣٥٥.
(٢) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٣) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٧٧ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٤) البدلة بالكسر: وهو الثوب الخلق. أنظر تاج العروس جـ ٧ ص ٢٢٤.
(٥) في - م - لايجوز.
(٦) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ٢٢١ ظهر. مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٧) خلق الثوب أي بلى. أنظر تاج العروس جـ ٦ ص ٣٣٦.
[ ٣٨٠ ]
له ذلك ولو إشترطه، والبيع (١) لازم، ويلزمه (٢) أن يعطيها ثوبًا يواريها فأما ثوبان لا يواريانها فلا. وأرى أن يعطيها أزارًا قيل فالقميص قال لا بل أزارًا أو ثوبًا قال ابن رشد النظر وقياس المذهب فساد هذا البيع لأن اخلاق الثياب يختلف ولو وصفها له لم يجز إلا على إختلاف لأنهما حاضران بالبلد (٣). أ- هـ باختصار ابن عرفة.
الفرع الثامن
إذا اشترط المشتري ما لا غرض فيه ولا مالية كما لو شرط (٤) أنه أمى فيجده كاتبًا، أو أنه جاهلًا فيجده عالمًا ولا غرض له في ذلك فالعروف من المذهب أن الشرط يلغى، ومقابله أنه يوفي به. قال في التوضيح ومقابل المعروف ذكره صاحب البيان، وإن زرقون فلا إلتفات على قول ابن بشير لا أعلم فيه خلافًا، وقد يجرى الخلاف فيه على وجوب الوفاء بشرط ما لا يفيد (٥). أ. هـ ذكره في أول الكلام على خيار النقيصة.
قال ابن عرفة ما لا ينقص (٦) ولا غرض فيه بوجه لغو، وتخريج ابن بشير إيجابة الخيار من الخلاف في لزوم الوفاء به تخريج للشئ على نفسه والخلاف فيه منصوص (٧). أ. هـ
والمسالة في رسم الجواب من سماع عيسى من جامع البيوع.
_________________
(١) في- م - في البيع هكذا صححت بالهمامش.
(٢) في- م - ولزمه.
(٣) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ٢٣١ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٤) في- م - اشترط.
(٥) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٦٨ ظهر.
(٦) في- م - ما لا يناقض وهوتصحيف ظاهر
(٧) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ١٧١ وجه. مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
[ ٣٨١ ]
الفرع التاسع
إذا اشترط البائع على المشترى في عقده البيع أنه لايرد البيع (١) بما يظهر فيه من العيوب القديمة، فإن البيع يصح ويبطل الشرط إلا أن يشترط البائع البراءة من العيوب التى يجهلها في الرقيق خاصة فله ذلك إذا طالت إقامته عنده.
تنبيه
إذا أسقط المشتري العهدة (٢) بعد العقد لزمه ذلك كما صرح به ابن شاس، وتبعه ابن الحاجب، وابن عبد السلام والشيخ خليل في توضيحه (٣) ومختصره، وابن عرفة، وكذلك إذا أسقط حقه في المواضعة كما تقدم عن المدونة بخلاف ماذا أسقط حقه من الجائحة بعد العقد وقبل وجودها كما تقدم في كلام ابن رشد، والفرق بينهما أن العهدة والمواضعة حقان يجبان للمشترى بالعقد فإسقاطهما بعد العقد إسقاط للحق بعد (٤) وجوبه، بخلاف الجائحة لأنها أنما يجب الرجوع بها إذا وجد [سببها (٥)] وهو غير محقق الوجود، وإما إذا أسقطه حقه من القيام باعيب بعد
العقد وقبل ظهور العيب فقال الشيخ أبو الحسن: في كتاب الإستبراء في شرح مسألة إسقاط المواضعة بعد العقد يقوم من هنا أن من تطوع بعد عقد البيع أن لاقيام له بعيب يظهر في المبيع أنه يلزمه سواء كان مما تجوز منه البراءة أم لاتجوز منه البراءة أم لاتجوز منه البراءة، وفي كتاب ابن المواز في آخر باب البراءة من كتاب العيوب: فرق بين ما تجوز منه البراءة وما لا تجوز (٦) ونحوه في كتاب الصلح من المدونة في مسألة الدابة إذا تبرأ من مشتريها، وقال أبو محمد
_________________
(١) في- م - المبيع
(٢) معنى العهدة تعليق البيع بضمان البائع، والبيع فيها- يعني فيه- لازم لأخيار فيه لكنه أن سلم في مدة العهدة علم لزومه للمثبت بعيب مما، وإن اصابه نقص ثبت خيار المبتاع كعيب قديم. ابن عرفة عن الباجي جـ ٢ ورقة ١٩٠ ظهر رقم الكخطوط ١٢١٤٧ تونس.
(٣) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٩٦ ظهر، ٧٠ وجه رقم المخطوط ١٢٢٥٦ تونس
(٤) في- م - قبل وهو تصحيف.
(٥) ما بين القوسين ساقط من- م.
(٦) في- م - يجوز.
[ ٣٨٢ ]
صالح (١):
الفرق بينهما أن مسألة الإستبراء بغير عوض، وما في الروايات في كتاب (٢) الصلح، وكتاب ابن المواز بعوض. قال الشيخ أبو الحسن: ولا معنى لهذا الفرق لأنه لا يفرق به إلا حيث يقر بالفساد على العقد (٣). أ. هـ
قلت: أما مسألة كتاب الصلح فهي في أواخره، ونصها: قيل لابن القاسم فيمن باع من رجل عبدًا ثم صالحه بعد العقد من كل عيب به على دارهم دفعها إليه. قال قول مالك أن المتبرئ في العقد من كل عيب بالعبد، أو مشش بالدابة لا يبرأ حتى يريه ذلك أو يبينه، وإلا لم تنفعه في ذلك البراءة ويجب للمبتاع القيام بما ظهر من العيب (٤). أ. هـ.
وأما مسالة كتاب ابن المواز فذكرها في النوادر في ترجمة بيع البراءة ونصها: ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومن باع دابة ثم وضع له بعد البيع دينارًا على عيوبها فوجد عيبًا فله الرد. قال أصبغ: كما لو باعها /٤١٤/ بالبراءة لم ينفعه ثم ذكر عن ابن حبيب نحو ذلك، وإنه يرد الدينار (٥). وأما قول الشيخ أبو الحسن لامعنى للفرق الذي ذكر الشيخ أبو محمد صالح فغير ظاهر لأنه إذا أسقط حقه من القيام بالعيب بعوض فهي معاوضة مجهولة، لأن المشتري لا يدري ما الذي يظهر في السلعة المبيعة من العيوب فقد أخذ الدينار على شيء مجهول، وأما إذا أسقط ذلك بغير عوض فلا محظور في ذلك نعم إنما ينظر فيه هل هو من باب إسقاط الحق قبل وجوبه فيكون كالجائحة لا يسقط، أو إنما هو من [باب] (٦) اسقاط الحق بعد وجوبه فيلزم، وهذا هو الظاهر فإنه (٧) إن
_________________
(١) هو ابو محمد صالح بن سالم الخولاني روي عن ابن وهب والشافعي، وأشهب، وكان حافظًا للفقه، وتفقه بالشافعي ثم مال إلى المالكية توفى سنة سبع وستين ومائتين .. أنظر ترجمته في ترتيب المدارك جـ ٤ ص ١٨٤
(٢) في- م - من.
(٣) في- م - قبل.
(٤) أنظر المدونة جـ ١١ ص ٢١.
(٥) أنظر النوادر والزيادات جـ ٣ ورقة ٨٧ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ٥٧٣١.
(٦) ساقطة من الأصل.
(٧) في - م - لأنه.
[ ٣٨٣ ]
كان هناك عيب يوجب الرد فهو موجود غاية الأمر أن المشتري تحمله (١) بخلاف الجائحة فإن سببها غير موجود إلا فتأمله. فالإقالة صحيحة ويحمل كلام ابن سلمون المتقدم في المسألة الرابعة عشر من الفصل الأول على ما إذا إلتزم عدم القيام بالعيب في عقدة البيع كما يظهر ذلك من كلامه لمن تأمله، ونصه: وإذا إلتزم المشتري أن لا يقوم بعيب فلا يلزمه ذلك وله القيام به إذا وجد عيبًا إلا أن يسمى له كما تقدم (٢). أ. هـ
قلت: وفي مسألة كتاب الصلح أشكال من وجه آخر حيث سوى فيها بين العبد والدابة ينظر ذلك في شرح المدونة، والمشش بميم مفتوحة ثم شينين معجمتين أولاهما مفتوحة شيء يرتفع في وظيف الدابة حتى يكون له حجم [وليس] (٣) له صلابة العظم الصحيح، والوظيف مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل.
الفرع العاشر
إذا كان لشخص على آخر دين ثم اشترى صاحب الدين من المدين سلعة بثمن من صنف الدين وبصفته فأراد صاحب الدين أن يقاصه من (٤) ثمن سلعته بالدين الذي له فالمشهور من المذهب وجوب الحكم بالمقاصة وروى زياد (٥) عن مالك أنه لا يحكم بها. قال ابن رشد: ومثله في كتاب الصرف من المدونة خلاف ما في النكاح الثاني، والسلم والوكالات منها، واختلف على القول المشهور بوجوب الحكم بالمقاصة إذا اشترى منه بشرط أن لا يقاصه على ثلاثة أقوال: أحدهما أن الشرط باطل ويحكم بالمقاصة، وهو قول مالك في سماع
_________________
(١) عبارة - م - يجهله.
(٢) أنظر كتاب العقد المنظم للحكام على هامش كتاب تبصره الحكام جـ ١ ص ١٦٣.
(٣) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٤) في - م - في.
(٥) هو زياد بن محمد بن زياد بن عبد الرحمن الجمحي حفيد شبطون سمع من يحيى وغيره، وعنى بطلب العلم وجمعه، وكان فاضلًا ورعًا وكان مرشحًا لقضاء قرطبة وأشار الوزراء على المنذر الأمير بتوليته. توفي في رجب سنة ثلاث وسبعين ومائتين. أنظر ترجمته في ترتيب المدارك جـ ٤ ص ٤٤١.
[ ٣٨٤ ]
أشهب من كتاب المديان (١)، وقيل الشرط عامل، وهو قول ابن كنانة، وابن القاسم في المدينة (٢)، وقد تؤولت مسألة كتاب الصرف على هذا لأن الصرف لما كان على المناجزة فكأنهما شرطًا ترك المقاصة، وتعليله (٣) يرد هذا التأويل. وقيل أن البيع فاسد إذا كان الدين حالًا لأنه إذا شرط ترك المقاصة فكأنه شرط أن يؤخره بالدين فيدخله البيع والسلف، وروى ذلك عن ابن القاسم، وقال أصبغ هو خفيف إذا لم يضرب للدين أجلًا، ولم يشترط أن لا يقتضيه (٤) ذلك اليوم (٥). ذكر هذا الخلاف ابن رشد في رسم العشور من سماع عيسى من كتاب النذور، ويشبه أن يكون قول أصبغ رابعًا فتأمله. ويظهر من
كلام ابن رشد ترجيح القول [الأول] (٦) بصحة البيع وإبطال الشرط، وكرر الكلام أيضًا في سماع أشهب من كتاب المديان والتفليس، وزاد فيه مفرعًا على القول الثاني فقال: وإذا قلنا أن البيع جائز والشرط عامل فيلزمه أن يؤخره قد ما يرى، لأن قوله لا أقاصك بمنزلة قوله أؤخرك إذ لا يكون له أن يترك مقاصته ثم يطالبه برده إليه في المجلس، كالذي يسلف الرجل سلفًا حالًا ثم يطالبه بأدائه إليه في الوقت (٧). وذكر ابن عرفة في فصل المقاسة كلام ابن رشد في رسم العشور المذكور والله تعالى أعلم.
فرع
ومن هذا الباب ما إذا ابتعت سلعة بدراهم ودفعتها للبائع ثم أقالك قبل التفرق ودراهمك بيده، وشرطت عليه استرجاعها بعينها قال (٨) الشرط
_________________
(١) أنظر البين والتحصيل جـ ٤ ورقة ١٠٩ ظهر، ١١٠ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١٣.
(٢) في - م - المدونة.
(٣) في - م - ومقابله.
(٤) في - م - تقضيه.
(٥) البيان والتحصيل جـ ١ ورقة ٣٤٠ ظهر ١٠٦١٠.
(٦) ساقطة من - م - ..
(٧) أنظر البيان والتحصيل جـ ٤ ورقة ١٠٩ ظهر، ١١٠ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٦١٠.
(٨) في - م - فإن.
[ ٣٨٥ ]
لا يلزم (١). قاله في كتاب السلم الثاني من المدونة، ونقله في التوضيح في كتاب الصرف (٢)، ونقل ابن يونس فيه خلافًا فانظره.
المسألة الرابعة
وهي على ثلاثة أقسام:
١ - قسم يفسد به القرض.
٢ - وقسم لا يفسد [به] (٣) القرض، ويلزم الوفاء به.
٣ - وقسم اختلف فيه.
القسم الأول
كل ما جر نفعًا لغير المقترض سواء جره للمقترض، أو لغير المقرض والمقترض. قال في سماع ابن القاسم من كتاب السلم والآجال فيمن له على رجل عشرة دنانير حل أجلها فيعسر (٤) بها فيقول [له] (٥) رجل آخر أنا أيلفك عشرة دنانير. قال مالك إن كان الذي يعطي يكون له على الذي له الحق فلا خير فيه، وإن كان قضاء على (٦) الذي عليه الحق وسلفًا له فلا بأس به. قال محمد بن رشد: لأنه لا يحل [له] (٧) السلف ألا أن يريد به المسلف منفعة المتسلف لا منفعة نفسه ولا منفعة من سواه. أ. هـ
بمعنى فكل شرط أدى إلى منفعة غير المتسلف فإنه يفسد به القرض كشرط
_________________
(١) أنظر المدونة جـ ٩ ص ٧٢.
(٢) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٥٦ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٣) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٤) في - م - فعسر.
(٥) ساقطة من - م -.
(٦) في - م - عن.
(٧) ساقطة من - م -.
[ ٣٨٦ ]
أن يعطيه سالمًا بدل عفن أو سوس، أو شرط أن يقبضه (١) في بلد آخر إذا كان فيه نفع للمقرض بحمل أو غيره فيفسد القرض بذلك، ويلزمه رده إن كان قائمًا فإن فات رد مثل المثلى وقيمة المقوم على المشهور.
القسم الثاني
مالا يفسد به القرض، ويلزم الوفاء به كشرط المقرض (٢) الرهن والحميل وكشرط المستقرض الأجل فإن اقترض إلى أجل سماه لزم بلا خلاف في المذهب وإن لم يشترط أجلًا إلى التحديد بالعادة، وليس للمقرض الرجوع قبلها على ظاهر المذهب، وعليه اقتصر ابن الحاجب، والشيخ خليل في مختصره، ولو كان الدين مؤجلًا وحل أجله، أو حالا وقال رب الدين للذي عليه أؤخرك من غير تعيين مدة التأخير لزمه التأخير قدر العادة في ذلك كما تقدم في كلام ابن رشد في الفرع العاشر إذا شرط ترك المقاصة.
القسم الثالث
المختلف فيه، وهو ما إذا شرط فيه ما يوجبه الحكم كما إذا شرط رد المثل. قال في الذخيرة قال سند (٣) ومنع ابن القاسم أن يقول الرجل للرجل أقرضك هذه الحنطة على أن تعطيني مثلها، وإن كان القرض يقتضي إعطاء المثل لإظهار صورة المكايسة. قال أشهب: إن قصد بالمثل عدم الزيادة فغير مكروه، وكذلك إن لم يقصد شيئًا فإن قصد المكايسة كره ولا يفسد العقد لعدم
_________________
(١) في - م - يقضيه.
(٢) في - م - المقترض. وهو تصحيف في الأولى والثانية.
(٣) هو أبو علي سند بن عنان بن إبراهيم الأسدي المصري الإمام الفقيه الفاضل العالم النظار العمدة الكامل، تفقه عن أبي بكر الطرطوشي وسمع منه وانتفع به، وجلس لإلقاء الدروس بعده، وروى عن أبي طاهر السلقي، وأبي الحسن بن شرف، وعنه أخذ جماعة وانتفعوا به منهم أبو الطاهر إسماعيل بن عوف. ألف الطراز كتاب حسن مفيد شرح به المدونة نحو ثلاثين سفرًا، وتوفي قبل تمامه اعتمده الحطاب وأكثر من النقل عنه في شرح المختصر، وله تأليف في الجدل وغيره توفي بالإسكندرية سنة احدى وأربعين وخمسمائة أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ١٢٥.
[ ٣٨٧ ]
النفع للمقرض، ونقله ابن فرحون (١)
وقال ابن ناجي في شرح قوله في الرسالة إلا أن يقرضه قرضًا شيئًا في مثله صفة ومقدارًا يؤخذ من كلامه جواز اشتراط ما يوجبه الحكم لأن الصفة والمقدار [مما] (٢) يوجبهما الحكم وإن لم يقع الحكم (٣) عليهما في القرض، واختلف في فساد العقد به أن وقع وشرط على ثلاثة أقوال ثالثهما المنع في الطعام فإن وقع فسخ (٤). أ. هـ والله تعالى أعلم.
ومن ذلك ما إذا إلتزم المتسلف تصديق المسلف في عدم القضاء دون يمين، وقد تقدم الكلام على ذلك في الباب الأول والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة
في الشروط المتعلقة بالرهن والوديعة والعارية
أما الشروط المتعلقة بالرهن فهي أيضًا على ثلاثة أقسام: قسم يبطل به الرهن، وقسم لا يبطل به ويلزم الوفاء به، وقسم لا يبطل به الرهن ولا يلزم الوفاء به.
_________________
(١) هو قاضي المدينة المنورة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ أبي الحسن علي بن فرحون المدني. الشيخ الإمام العمدة أحد شيوخ الإسلام وقدوة العلماء الأعلام، وخاتمة الفضلاء الكرام. كان فصيح القلم كريم الأخلاق .. أخذ عن والده وعمه، والإمام ابن عرفة وأجازه والده، وابن الحباب، وابن مرزوق الجد، وعنه ابنه أبو اليمن وغيره له شرح على مختصر ابن الحاجب الفرعي حفيل للغاية في ثمانية أسفار، وتبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام لم يسبق لمثله وفيه من الفوائد ما هو معروف، والديباج المذهب في أعيان المذهب فيه نيف وثلاثون وستمائة نفس جمعوا من نحو عشرين مؤلفًا ودرة الغواص في محاضرة الخواص لم يسبق إلى مثله ألفه ألغازًا في الفقه ومقدمة في مصطلح ابن الحاجب، وإرشاد السالك إلى أفعال المناسك، وغير ذلك وكله نت تأليفه وهو غاية في الإجادة لإتساع علمه. عاش وهو يسكن دارًا بالكراء. ولد بالمدينة بعد السبعمائة بيسير، وتوفي ﵀ في ذي الحجة سنة تسع وتسعين وسبعمائة أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ٢٢٢، وكتابه الديباج جـ ١ المقدمة والتمهيد.
(٢) ساقطة من - م -.
(٣) في - م - العقد.
(٤) أنظر ابن ناجي على الرسالة جـ ٢ ص ١٥٦ وما بعدها.
[ ٣٨٨ ]
القسم الأول
القسم الثاني
فأما القسم الأول: فكل (١) شرط مناف لمقتضى العقد (٢) كشرط الراهن [أن] (٣) الرهن يبقى بيده، أو أنه يعاد إليه، أو أنه لا يباع في الدين المرهون فيه، أو [أنه] (٤) إن مضت مدة خرج من الرهن فأن الرهن يبطل بذلك كله فإن مات الراهن أو فلس دخل الغرماء كلهم في الرهن.
القسم الثاني: وهو مالا يبطل الرهن به، ويلزم الوفاء به كشرط كون الرهن تحت يد المرتهن، أو تحت يد عدل فإن أنعقد (٥) مبهمًا فالقول قول من دعا إلى وضعه على يد عدل فإن اختلف الراهن [والمرتهن] (٦) في الدلين فإن الحاكم ينظر في ذلك، وكذلك إن شرط المرتهن الإنتفاع بالرهن مدة معينة إذا كان الرهن في ثمن مبيع، وشرط ذلك في عقد البيع وكان الرهن مما يصح مراؤه كالدور والدواب والعبيد فإن ذلك لازم، لأنه بيع وإجارة، واجتماع البيع والإجارة جائز على المشهور، ولا (٧) يجوزاشتراط ذلك في [عقد] (٨) القرض ولا بعد عقد البيع لأنه إن كان ذلك بغير عوض فهو هدية مديان، وإن كان بعوض جرى ذلك على الكلام على (٩)
مبايعة المديان، وكذلك لا يجوز اشتراط منفعة الأشجار إذ لا يجوز كراؤها لأخذ ثمارها إلا أن تكون ثمرتها قد طابت فيجوز اشتراطها في ذلك العام فقط وكذلك لا يجوز اشتراط المنفعة مدة غير معينة كما لو قال له انتفع به (١٠) حتى أعطيك حقك فإن ذلك لا يجوز. [ومن الشروط اللازمة أن يشترط المرتهن أخذ غلة الرهن من دينه فيجوز ذلك في القرض ويلزم الراهن ولا يجوز ذلك في البيع إذا شرطه عقدة البيع للجهل
_________________
(١) في الأصل - فغن الرهن.
(٢) في الأصل - الرهن.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) ساقطة من - م -.
(٥) في - م - فإن وقع العقد.
(٦) ساقطة من الأصل.
(٧) في - م - فلا.
(٨) ما بين القوسين ساقط من - م.
(٩) في - م - في.
(١٠) في - م - بها.
[ ٣٨٩ ]
القسم الثالث
إذ لا يدري ما يقتضي يقل أو يكثر نص عليه في حريم البئر من المدونة] (١). ومن الشروط اللازمة أن يشترط المرتهن على الراهن أن الأمين يبيع الرهن عند الأجل ويوفيه حقه دون مشاورة القاضي، وسواء أذن في ذلك في عقدة الرهن أو بعده، وأما إذا اشترط المرتهن على الراهن أن يبيع الرهن وكان تحت يده فإن كان ذلك في عقد الرهن فلا يجوز، وإن كان بعده جاز
القسم الثالث: وهو ما لا يبطل به الرهن، ولا يلزم الوفاء به كما إذا شرط المرتهن عدم الضمان فيما يغاب عليه، أو شرط المرتهن (٢) على الراهن ضمان الرهن الذي لا يغاب عليه. أما الصورة الأولى وهي ما إذا شرط المرتهن عدم الضمان فيما يغاب عليه فاختلف في ذلك. فقال اللخمي قال مالك، وابن القاسم: أن شرط المرتهن أنه مصدق من غير (٣) بينة لم ينفعه شرطه، وقال أشهب الضمان ساقط بالشرط. قال اللخمي وأرى أن يسقط الضمان مع الشرط لأنه شرط صحيح لافساد فيه فوجب الوفاء به، وهذا إذا كان الرهن شرط (٤) في عقد البيع، وإن كان بعد تقرر الدين في الذمة كان له شرطه على كل حال لأن تطوعه بالرهن
معروف منه، واسقاط الرهن (٥) معروف ثان فأشبه العارية إذا شرط أن لا ضمان على المستعير، فإتفق ابن القاسم وأشهب أن لا ضمان عليه لأن العارية معروف، وإسقاط الضمان معروف ثان. أ. هـ
ونقله ابن عرفة، ولفظه وفي لغو شرط المرتهن سقوط ضمانه، وأعماله نقل اللخمي عن ابن القاسم مع مالك وأشهب، وصوبه ثم قال وهذا إن (٦) كان في عقد البيع والقرض، وإن كان بعدهما اعتبر (٧) إلخ، ونقل في
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٢) عبارة - م - أو شرط الراهن على المرتهن. وهو الصواب حيث يوجد تقديم وتأخير في عبارة الأصل.
(٣) في - م - دون.
(٤) عبارة - م - مشترط.
(٥) في - م - الضمان.
(٦) في - م - إذا.
(٧) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ٢٦٩ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
[ ٣٩٠ ]
التوضيح نحو هذا عن المازري (١) ونصه: وقول ابن القاسم وأشهب يحسن
إذا كان الرهن في عقد بيع أو سلف لأن الرهن [يكون له] (٢)
هناك حصة من الثمن في البيع، أو معناها في السلف، وأما لو كان الإشتراط في رهن تطوع به الراهن بعد عقد البيع والسلف من غير شرط فإنه هاهنا لا يحسن الخلاف لأن التطوع ها هنا بالرهن كالهبة، فإذا أضاف إلى هذا التطوع إسقاط الضمان فهو إحسان على (٣) إحسان فلا وجه للمنع فيه ويؤكد هذا أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أنه يوفى له بالشرط في العارية وما ذاك إلا لأن العارية لا عوض فيها وإنما هي هبة ومعروف ونحوه للخمي (٤) أ. هـ كلام التوضيح. وعلى قول ابن القاسم ومالك اقتصر الشيخ خليل في مختصره، ولم يذكر ما قيده به اللخمي والمازري مع أنه نقله في التوضيح، وقبله ابن عرفة [أيضًا] (٥) كما تقدم. قلت: وظاهر المدونة خلافه قال في كتاب الرهون من المدونة (٦): ومن ارتهن ما يغاب عليه
_________________
(١) هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري المعروف بالإمام خاتمة العلماء المحققين والأئمة الأعلام المجتهدين الحافظ النظار كان واسع الباع في العلم والإطلاع مع ذهن ثاقب ورسوخ تام بلغ درجة الإجتهاد، وبلغ من العمر نيفا وثمانين سنة، ولم يفت بغير مشهور مذهب مالك. أخذ عن أبي الحسن اللخمي، وعبد الحميد الصائغ وغيرهما، وعنه خلق كثير منهم أبو محمد عبد السلام البرجيني وبالإجازة ابن رشد الحفيد، والقاضي عياض، وابن الحاج. له مؤلفات تدل على فضله، وتبحره في العلوم منها شرح التلقين ليس للمالكية مثله، وشرح البرهان لأبي المعالي سماه إيضاح المحصول من برهان الأصول، وكتابة الكبير التعلقة على المدونة، وكتاب الرد على الإحياء للغزالي المسمى بالكشف والأنباء على المترجم بالإحياء وغير ذلك وله فتاوى ورسائل كثيرة، وكان إمامًا في الطب، وألف فيه في حكاية مشهورة فكان يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في الفتوى مات في ربيع الأول سنة ست وثلاثين وخمسمائة بالمهدية، ودفن بالمنستير. أنظر ترجمته في شجرة النور الزكية جـ ١ ص ١٢٧، ١٢٨ ونوابغ المغرب العربي حيث خصصت ترجمته بتأليف مستقل.
(٢) ما بين القوسين ساقط من - م ..
(٣) في - م - إلى.
(٤) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٩٠ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) في - م - الرواية.
[ ٣٩١ ]
وشرط أن لا ضمان عليه فيه وأنه (١) مصدق لم ينفعه شرطه وضمن أن ادعى أنه ضاع (٢). قال ابن يونس: لأن ذلك خلاف السنة. قال بعض البغداديين (٣) لأنه شرط ينافي حكم أصل العقد فلم يصح أصله إذا شرط في الوديعة أن يضمن، وقال في النوادر ولو شرط فيما يغاب عليه أن لا يضمنه، وأن يقبل قوله فيه فقال ابن القاسم شرطه باطل وهو ضامن لأن ذلك خلاف السنة. وقال البرقي عن أشهب شرطه جائز وهو مصدق
وكذلك في العارية (٤).
أ. هـ.
فلم يعلل ابن القاسم بطلان الشرط إلا بأنه خلاف السنة فظاهره سواء كان الرهن في العقد أو تطوعًا كما قال الشيخ خليل، وابن الحاجب وغيرهم والله تعالى أعلم.
وأما الصورة الثانية وهو (٥) ما إذا شرط الراهن الضمان فيما لا يغاب عليه. قال في التوضيح قال في المدونة، والموازية لا يلزمه وضمانه من ربه، وقال مطرف وإن اشترط ذلك لخوف طريق ونحوه فهلكت الدابة بسبب ذلك الخوف فإنه ضامن (٦). أ. هـ
وقال ابن عرفة ولابن رشد في سماع القريتين (٧) في تضمين الصناع: لو اشترط المعير أو الراهن ضمان مالا يغاب عليه من الحيوان فشرطه باطل من غير تفصيل قاله مالك وكل أصحابه حاشا مطرف [فإنه] (٨) قال إن شرط لأمر
_________________
(١) عبارة - م وإنما هو.
(٢) أنظر المدونة جـ ١٤ ص ٩ وما بعدها.
(٣) نسبة إلى بغداد عاصمة القطر العراقي والبغداديين أو العراقيين على حد سواء فيما أعلم يشار بهم إلى القاضي إسماعيل، والقاضي أبو الحسن بن العصار، وابن الجلاب، والقاضي عبد الوهاب، والقاضي أبو الفرج والشيخ أبو بكر الأبهري ونظرائهم.
(٤) أنظر النوادر والزيادات جـ ٤ ورقة ١٢١ وجه. مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ٥٧٣٠.
(٥) في - م - وهي.
(٦) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٩٠ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٧) في - م - القرويين.
(٨) ما بين القوسين ساقط من - م.
[ ٣٩٢ ]
فرع حكم العارية
خافه من نهر، أو لص، أو شبه ذلك فشرطه لازم إن عطب فيما خافه، وقال أصبغ لا شيء عليه في الوجهين كقول مالك وأصحابه (١). أ. هـ
وقال اللخمي في كتاب الرهن قال ابن القاسم إذا شرط ضمان الحيوان فإن شرطه باطل، ويجرى فيها قول آخر أنه ضامن لأن الحيوان مختلف في ضمانه فالشرط هاهنا أخذ بأحد القولين. أ. هـ
فرع
حكم العارية
حكم العارية في الضمان حكم الرهن يضمن المستعير ما يغاب عليه، ولا يضمن ما لا يغاب عليه فإن شرط المستعير على المعير نفي الضمان فيما يغاب عليه ففي ذلك طريقان: الأولى لابن الجلاب وابن رشد وغيرهما أن شرطه باطل والضمان له لازم، وقال ابن الجلاب في كتابه العارية ومن استعار ما يغاب عليه على أنه لا ضمان عليه فالشرط باطل وهو ضامن (٢). أ. هـ
قال ابن رشد في كتاب العارية من المقدمات فإن اشترط المستعير أن لا ضمان عليه فيما يغاب عليه فشرطه باطل، وعليه الضمان قاله ابن القاسم في بعض روايات المدونة، وهو أيضًا في العتبية لأشهب وابن القاسم من رواية أصبغ عنهما في بعض الروايات من كتاب العارية وعلى ما حكى ابن أبي زيد في المختصر عن أشهب في الصائغ يشترط أن لا ضمان عليه أن شرطه جائز ولا ضمان عليه ينفعه الشرط في العارية، لأنه إذا لزم في الصانع فأحرى أن يلزم في المستعير لأن المعير إذا أعاره على أن لا ضمان عليه، فقد فعل المعروف معه من وجهين، فالأظهر إعمال الشرط وما لا لإسقاطه وجه إلا أن يكون ذلك من باب إسقاط الحق قبل وجوبه فلا يلزم على أحد القولين. أ. هـ
_________________
(١) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٤ ورقة ٢٠٠ وجه نقل أبو الحسن هذه المسألة عن ابن رشد في باب العارية. مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٩ وكذلك مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٢ ورقة ٢٩٦ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢١٤٧.
(٢) أنظر التفريع في الفروع لابن الجلاب ورقة ١٥٢ وجه ص ٣٠٣ مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ٣٤٩٩.
[ ٣٩٣ ]
وقال في سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع ولابن القاسم وأشهب في سماع أصبغ من كتاب العارية أن الشرط غير عامل في الرهن والعارية ومثلة لابن القاسم أيضًا في بعض روايات المدونة في العارية، وفي كتاب
الرهن منها ثم قال ولا وجه لإسقاط الشرط في العارية لأنه فعل معه معروفًا من جهتين، والرهن قريب من العارية وما لإسقاطه فيهما وجه إلا أنه من باب إسقاط حق قبل وجوبه فيجرى ذلك على اختلافهم في هذا الأصل. أ. هـ
قلت: وله نحو ذلك في سماع أصبغ من كتاب العارية.
الطريقة الثانية: اللخمي والمازري، وقد تقدم في كلام اللخمي في مسألة الرهن أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أنه لا ضمان على المستعير إذا شرط نفي الضمان، وتقدم في كلام التوضيح عن المازري نحوه وقال اللخمي في كتاب العارية واختلف إذا شرط المستعير أنه مصدق في تلف الثياب، وما أشبهها فقال ابن القاسم، وأشهب له شرطه ولا شيء عليه وقال سحنون فيمن أعطى لرجل مالًا ليكون له ربحه، ولا ضمان عليه أنه ضامن فعلى هذا يسقط شرطه الأول أحسن لأن العارية معروف، وإسقاط الضمان معروف ثان، وليس بمنزلة ما كان أصلًا (١) لمكايسة، أو عن معاوضة كالرهان والصناع. أ. هـ
ونقل ابن عرفة كلام ابن الجلاب وابن رشد، وعبر عن كلام ابن الجلاب بقوله نقل الجلاب عن المذهب. ثم قال: وفي غير نسخة من اللخمي قال ابن القاسم وأشهب، وذكر ما تقدم ثم قال ابن عرفة قلت ما نقله عن ابن القاسم، وأشهب خلاف ما نقله (٢) غير واحد منهما، والعجب من ابن رشد وشارحي ابن الحاجب من عدم التنبيه عليه (٣). أ. هـ
_________________
(١) في - م أصله.
(٢) في - م خلاف نقل.
(٣) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٣ ورقة ٤٧ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٨٤٦.
[ ٣٩٤ ]
قلت: ما تعجب منه ظاهر، وقد نبه على ذلك الشيخ خليل في توضيحه (١) فنقل كلام اللخمي والمازري في شرح التلقين، ثم قال والذي في المقدمات الضمان، ونسبه لابن القاسم، وقال في مختصره وضمن المغيب عليه إلا ببينة، وهل إن شرط [نفيه] (٢) تردد (٣). وأعجب مما تعجب منه ابن عرفة ما وقع في (٤) سماع أصبغ من كتاب العارية عن أشهب، ونقل ابن رشد أن الشرط باطل في الرهن والعارية، وقد تقدم في كلام النوادر عن أشهب أن الشرط جائز في الرهن والعارية ونقله ابن يونس أيضًا من كتاب الرهون وقبله، ونقله عنه غير واحد، ونقل ابن عرفة في الرهن عن اللخمي عن أشهب أن الشرط عامل، وقبله، وكذلك الشيخ أبو الحسن الصغير والرجراجي، ونقل الشيخ أبو الحسن كلام اللخمي في كتاب الرهون، وكلام ابن رشد في كتاب العارية، ولم ينبه على ما بينهما من الخلاف في الرهن (٥) والعارية، ونقل ابن رشد في آخر كتاب تضمين الصناع عن أشهب القولين ويفهم (٦) من كلام ابن رشد أن الأشهر عن أشهب أن الشرط ينفعه، ولعل ابن القاسم له قولان أيضًا، فالذي تحصل من هذا أن المشهور عن ابن القاسم بطلان الشرط في الرهن والعارية، وعن أشهب أن الشرط جائز فيهما، وقد صرح الرجراجي في باب الرهن بأن المشهور من المذهب أن الضمان في العارية لا يسقط عن المستعير بشرطه. وأما قول ابن رشد أنه لا وجه لإسقاط الشرط في العارية
إلخ فغير ظاهر لأن ابن القاسم لم يعلل ذلك إلا بكون الشرط مخالفًا لأصل السنة في العقد
فلا حاجة إلى تخريجه على اسقاط الحق قبل وجوبه، بل الظاهر أنه لم
_________________
(١) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ٩٠ وجه وظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
(٢) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٣) أنظر مختصر الشيخ خليل ص ٢٠٩.
(٤) في - م - من.
(٥) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٤ ورقة ٢٠٠ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٩.
(٦) في - م - ولا يفهم.
[ ٣٩٥ ]
يخرج (١) عليّ ذلك لأن الحق المسقط الذي هو ضمان المرتهن ترتب عليه بقبضةه للرهن فتأمله هذا حكم الصورة الأولى، وأما الصورة الثانية وهي ما إذا شرط المعير على المستعير ضمان مالا يغاب عليه فقال ابن رشد في المقدمات وفي سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع: وفي سماع أصبغ من كتاب العارية قول مالك وجميع أصحابه أن الشرط باطل جملة من غير تفصيل حاشا مطرف فإنه قال إن كان شرط عليه الضمان لأمر خافه من طريق مخوف، أو نهر أو لصوص، أو ما أشبه ذلك فالشرط لازم إن عطبت في الأمر الذي خافه، واشترط الضمان من أجله، وقال أصبغ (٢) لا شيء عليه في الوجهين مثل قول مالك وجميع أصحابه. أ. هـ
وقال في كتاب الرهون من المدونة، وإن (٣) استعرت من رجل دابة على أنها مضمونة عليك [لم] (٤) تضمنها (٥). أ. هـ
تنبيهات
الأول: إذا شرط المعير على المستعير الضمان فيما يغاب عليه مع قيام البينة، فجعلها ابن رشد في المقدمات، وفي سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع كما إذا شرط المعير على المستعير الضمان فيما لا يغاب عليه وجمعهما وقال (٦) قول مالك وجميع أصحابه أن الشرط باطل قلت: وفي عزوه بطلان الشرط لجميع أصحاب مالك نظر لأن أشهب يقول أن ضمان ما يغاب عليه من المستعير ولو قامت البينة، ولو لم يشترط المعير الضمان على
المستعير [فكيف إذا شرط ذلك المعير فتأمله] (٧).
_________________
(١) في - م - لا يتخرج.
(٢) في - م - أشهب.
(٣) في - م - إن.
(٤) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٥) أنظر المدونة جـ ١٤ ص ٣٤.
(٦) في - م - فقال.
(٧) ما بين القوسين ساقط من - م -.
[ ٣٩٦ ]
الثاني: حكم الرهن كالعارية قاله ابن رشد في سماع أشهب من تضمين الصناع ونصه: إذا شرط المعير أو [الراهن] (١) على المستعير أو المرتهن الضمان فيما لا يغاب عليه من الحيوان، أو مع قيام البينة فيما يغاب عليه فقول مالك وجميع أصحابه أن الشرط باطل حاشا مطرف، وذكر نحو ما تقدم ولم يذكر مسألة الرهون (٢) في المقدمات. قلت: وفيه من البحث ما تقدم في مسألة العارية والله تعالى أعلم.
الثالث: قال ابن رشد في المقدمات في كتاب العارية: وفي سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع وينبغي إذا شرط المعير على المستعير الضمان فيما لا يغاب عليه فأبطل الشرط بالحكم على المستعير أن يلزم إجارة المثل في استعماله العارية، لأن الشرط يخرج العارية عن حكمها وسنتها إلى باب الإجارة الفاسدة، لأن رب الدابة لم يرض أن يعيره إياها إلا بشرط أن يحرزها في ضمانه فهو عوض مجهول يرد إلى معلوم
وما ذكره ابن رشد بحثًا نقله اللخمي عن أشهب، وجعله خلاف مذهب المدونة ونصه في كتاب العارية قال ابن القاسم في كتاب الرهن فيمن استعار دابة على أنه غير مصدق في تلفها شرطه باطل يريد [على] (٣) أنها تمضي على حكم العارية، ولا ضمان عليه، ولا أجر (٤)، وقال أشهب عليه أجرة المثل فيما استعملها فيه، ورأها أجارة فاسدة فعلى قوله ترد قبل الإستعمال ويجرى فيها قول ثالث أن المعير قبل الإستعمال بالخيار فإن أسقط الشرط وإلا ردت، فإن فاتت بالإستعمال لم يغرم شيئًا لأنه
لم يدخل على أجارة، وإنما هو واهب منافع، والضياع طارئ يكون أو لا يكون، والسلامة أغلب فكان حمله على المعروف أولى. وقول رابع أنها مضمونة كما شرط لأنه الواجب في أحد قولي مالك من غير شرط فقد دخلا على إلتزام أحد القولين. أ. هـ
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٢) في - م - الرهن.
(٣) ساقطة من - م -.
(٤) في - م - أجرة.
[ ٣٩٧ ]
فرع إذا شرط رب الوديعة على المودع أن يضمنها إذا ضاعت
فرع الصناع ضامنون لما غابوا عليه عملوه بأجر أو بغير أجر إلا أن تشهد بينة بتلفه.
ونقل الشيخ أبو الحسن في كتاب العارية (١) كلام ابن رشد، واللخمي وجعل كلام ابن رشد مخالفًا للمدونة فتأمله.
فرع
إذا شرط رب الوديعة على المودع أن يضمنها إذا ضاعت فشرطه باطل كما تقدم في كلام ابن يونس، لأنه مخالف لأصل سنة الوديعة، وصرح بذلك الشيخ خليل في مختصره.
فرع
الصناع ضامنون لما غابوا عليه عملوه بأجر أو بغير أجر إلا أن تشهد بينة بتلفه. قال في المقدمات: فإن اشترط الصانع أنه لا ضمان عليه لم ينفعه شرطه، وكان عليه الضمان هذا قول مالك في المدونة في سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع، وينبغي على هذا القول أن يكون له الأجرة مثله لأنه إنما يرضى بالأجر المسمى بإسقاط الضمان عليه (٢)، وقال أشهب بنفعه الشرط ويسقط عنه الضمان، فعلى قوله يكون له الأجر المسمى، ونقله ابن عرفة، وأسقط عنه لفظة ينبغي فقال بعد أن ذكر القولين ابن رشد فعلى الأول له أجر مثله، وعلى الثاني المسمى (٣). أ. هـ
وقال اللخمي قال مالك: وابن القاسم في كتاب محمد: إذا اشترط الصانع أن لا ضمان عليه فشرطه ساقط ولو مكنوا من [ذلك] (٤) ما عمل أحد منهم حتى يشترط ذلك، ولابد للناس من عمل ثيابهم، وقال الشيخ أبو محمد ذكر عن أشهب أن لهم شرطهم يريد ما لم يكثر ذلك منهم، وإن كثر اشتراطهم سقط ولم يوف لهم بذلك، واختلف بعد القول بأنه شرط لا يوفي به فقيل
_________________
(١) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٤ ورقة ٢٠٠ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٩.
(٢) في - م - عنه.
(٣) أنظر مختصر ابن عرفة الفقهي جـ ٣ ورقة ١٧٢ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٨٤٦.
(٤) ساقطة من الأصل.
[ ٣٩٨ ]
الإجارة لازمة وشرطه باطل، وقيل إن أسقط الصانع الشرط صحت الإجارة، وإن تمسك به فسخت إن لم يعمل فإن عمل كان له الأكثر من المسمى وأجرة المثل، ويجري فيها قول ثالث أن الإجارة فاسدة تفسخ مع القيام، وإن أسقط الشرط، ويكون له مع الفوات أجرة المثل قلت أو كثرت. أ. هـ
قلت: وظهر الرواية أن الشرط باطل، والإجارة لازمة، ولا يزاد على المسمى.
تنبيه
ظاهر كلام ابن الحاجب أن القول بصحة الشرط رواه أشهب عن مالك وليس كذلك وإنما هو قول أشهب، وقد نبه على ذلك ابن عرفة فقال ونقله ابن الحاجب رواية وقبول ابن عبد السلام، وعزوها ابن ساش لأشهب لا أعرفه (١)، وسبقه إلى ذلك الشيخ خليل في التوضيح (٢).
فرع
الشروط في القراض
على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يفسد به القراض كإشتراط رب المال على العامل أن يكون المال بيده، أو أن يراجعه، أو أن يجعل عليه أمينًا، أو يعمل العامل بيده من خياطة أو خرز، أو غير ذلك، أو اشتراط رب المال على العامل ضمان المال فهذه الشروط كلها مفسدة للقراض فيفسخ إن وقع فإن فات بالعمل فمنها ما يرجع فيه لقراض المثل، ومنها ما يرجع فيه لأجرة المثل وهذا مبين في كتاب القراض.
الثاني: مالا يفسد به القراض، ولكنه لا يلزم كما إذا ضاع بعض المال بيد العامل قبل العمل أو بعده، أو خسر، أو أخذه اللصوص أو عاشر ظالمًا فقال
_________________
(١) أنظر مختصر ابن عرفة في الفقه جـ ٣ ورقة ١٧١ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٠٨٤٦.
(٢) أنظر التوضيح جـ ٢ ورقة ١٣٢ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٢٥٦.
[ ٣٩٩ ]
العامل لرب المال لا أعمل حتى تجعل ما بقي رأس مال وتسقط الخسارة ففعل ذلك وأسقط الخسارة فهو أبدًا على القراض الأول وأن حاسبه وأحضره ما لم يقبضه منه (١) قاله في المدونة.
الثالث: مالا يفسد العقد، ويلزم الوفاء به كما إذا شرط أن الربح لأحدهما، أو لغيرهما كما تقدم في الباب الأول، وكما إذا شرط أحدهما على الأخر زكاة الربح فإنه جائز ويلزم، فإن وجبت الزكاة أخرجت من حصة من شرطت عليه، وإن لم تجب فإنها تكون للمشترط زيادة على حصته والله تعالى أعلم.
فرع
الشروط في الوقف
على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يفسد به الوقف كشرط النظر لنفسه، أو تخصيص البنين دون البنات (٢).
الثاني: ما لا يفسد الوقف به ولا يلزم الوفاء به كما إذا شرط الواقف عمارة ما خرب من الوقف على المستحقين للوقف فإن الشرط يبطل، ويعمر من غلته، وكما إذا شرط الواقف أن لا يبدأ بإصلاح الوقف ونفقته.
الثالث: ما لا يفسد الوقف، ويلزم الوفاء به، وهو كثير مبسوط في كتب الفقهاء (٣).
_________________
(١) أنظر المدونة جـ ١٢ ص ٩٩.
(٢) إختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال ذكرها المتيطي في كتاب النهاية والتمام ورقة ٢٤٣ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٨٦٩٦. وهي أحدها أن الحبس يفسخ على كل حال وإن مات المحبس بعد ان حيز عنه، والثاني أنه يدخل فيه الإناث وإن حيز عنه، والثالث أنه يدخل فيه البنات ما لم يحز عنه فلا بدخلن إلا برضا البنين، والرابع أن الحبس يمضي كما شرط، ولا يدخلن وهو عند مالك أشد كراهة من هبة الرجل لبعض ولده دون بعض قال بعض الشيوخ ولم يختلفوا فقوله أن الهبة لبعض الولد دون بعض جائزة نافذة، وإن كان الحبس على البنات دون الذكور جاز والذي يترجح لدى عدم تخصيص البنين دون دون البنات لأنها دعوى عفى عنها الزمن وعلى هذا جرى عمل الناس اليوم.
(٣) في - م - الفقه.
[ ٤٠٠ ]
فرع
الشروط في الهبة
على أربعة أقسام:
الأول: ما تفسد به الهبة كشرط أن لا تحاز (١) عن الواهب.
الثاني: ما يخير الواهب في اسقاطه فتصح الهبة، أو التمسك به فتبطل.
الثالث: ما لا يفسدها، ولا يلزم الوفاء به.
والرابع: ما لا يفسدها، ويلزم الوفاء به، وأختلف فيمن وهب لرجل هبة، أو تصدق [على رجل بصدقة] (٢) على أنه لا يبيع ولا يهب على خمسة أقوال ذكرها ابن رشد في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات:
الأول أن الهبة والصدقة لا تجوز إلا أن يشاء الواهب، أو المتصدق أن يبطل الشرط، وتمضي الصدقة والهبة فإن مات الواهب أو المتصدق، أو الموهوب [له] (٣) أو المتصدق عليه بطلت الصدقة أو الهبة، وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية، ومثله قول ابن القاسم في [الرجل] (٤) الذي يتصدق على الرجل بالشيء على أنه إن باعه فهو أحق به يريد بثمن، أو بغير ثمن قال ليست هذه الصدقة بشيء، ومثله قول ابن القاسم في الذي يتصدق بعبد على أنهيخدمه يومين في كل جمعة أنها ليست بصدقة فإن مات المتصدق فالهبة على هذا القول على الرد ما لم يجيزها ويمضيها بترك الشرط.
القول الثاني: أن الواهب مخير [بين] (٥) أن يسترد هبته، أو يترك الشروط وورثته بعده ما لم ينقض أمره بموت الموهوب فيكون ميراثًا عنه، فالهبة
والصدقة
_________________
(١) في - م - يحاز.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) ساقطة من - م.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) ساقطة من الأصل.
[ ٤٠١ ]
على هذا القول على الإجازة ما لم يردها الواهب أو ورثته بعده قبل فواتها بإنقضاء أمد الشرط وهو موت الموهوب له الذي حجر عليه الهبة والبيع طول حياته، وهو قول أصبغ بعد (١) هذا من سماعه.
والقول الثالث: أن الشرط باطل والهبة جائزة وهذا القول يأتي على ما في المدونة في الذي حبس الدار على ولده واشترط أن ما احتاجت إليه من مرمتها عليهم أن الدار تكون حبسًا، ولا يلزمهم ما شرط عليهم وتكون مرمتها من غلتها (٢). وقد قال ابن المواز: إنما ذلك إذا حيز الحبس وفات بموت المحبس، وأما قبل ذلك فيرد إلا أن يسقط الذي حبسها شرطه، وتأويله بعيد في اللفظ غير صحيح في المعنى لأنه إذا جعل للمحبس حقًا في شرطه وجب أن ينزل ورثته منزلته فيه.
القول الرابع: أن الشرط عامل والهبة ماضية فتكون الصدقة بيد المتصدق عليه بمنزلة الحبس لا يبيع ولا يهب حتى يموت، فإن مات ورث عنه على سبيل الميراث، وهو قول عيسى بن دينار (٣) في هذه الرواية، وقول
مطرف في الواضحة، وهو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب لأن الرجل له أن يفعل في ماله ما شاء إن شاء بتله للموهوب أبدًا، أو المتصدق عليه من الآن، وإن شاء أعطاه المنافع طول حياته، وجعل المرجع بعد موته له يقضي منه دينه ويرثه عنه ورثته لما له في ذلك من الغرض أن يستديم الإنتفاع بما وهبه، ويرى أثر هبته عليه.
_________________
(١) عبارة - م - بعدها.
(٢) أنظر المدونة جـ ١٥ ص ١٠٤، ١٠٥.
(٣) هو أبو محمد عيسى بن دينار بن وهب القرطبي الفقيه العابد الفاضل النظار القاضي العادل المجاب الدعوة انتشر علم مالك بالأندلس به وبيحيى بن يحيى، لم يسمع من مالك، وسمع ابن القاسم واقتصر عليه فإعتلت في الفقه منزلته، وله عشرون كتابًا في سماعه عنه. له تأليف في الفقه يسمى كتاب الهدية كتب به إلى بعض الأمراء قال ابن عتاب وكتاب الجدار من كتاب الهدية، وكتب إلى ابن القاسم في رجوعه عما رجع عنه من كتاب أسد بن الفرات فيما بلغه، وسأله أعلامه بذلك فكتب إليه ابن القاسم (أعرضه على عقلك فما رأيته حسنًا فأمضيه، وما أنكرته فدعه) وهذا يدل على ثقة ابن القاسم بفقهه أخذ عنه ابنه إبان وغيره مات ببلدة طليطلة سنة اثنتي عشرة ومائتين أنظر ترجمته في الديباج جـ ٢ ص ٦٤ وما بهدها، وشجرة النور الزكية جـ ١ ص ٦٤، وترتيب المدارك جـ ٤ ص ١٠٥ وما بعدها.
[ ٤٠٢ ]
القول الخامس قول سحنون يكون ذلك حبسًا على الموهوب له، أو المتصدق عليه بما شرط بأن (١) لا يبيع ولا يهب فإذا مات المتصدق عليه على هذا القول رجع ذلك مرجع الأحباس على الخلاف فيه، وقول سحنون (٢) هذا معارض لقوله في نوازله في الذي يتصدق على رجل بعبد على ألا يبيعه ولا يهبه سنة، وهذه الأقوال كلها تدخل في مسألة سماع سحنون في الذي يتصدق على الرجل بالشيء على أنه أحق به أن باعه بثمن، أو بغير ثمن إلا قول سحنون هذا. أ. هـ
قلت: يعني [أن] (٣) القول بأن ذلك الشيء يكون حبسًا، وهو ظاهر وكذلك مسألة نوازل سحنون أعني من وهب لرجل عبدًا، أو تصدق به عليه على ألا يبيعه ولا يهبه سنة ثم هو له بعد السنة يصنع به ما شاء يجري فيها الأقوال الأربعة، ولا يجري فيها قول سحنون أنه حبس، ومثل ذلك مسألة رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ فيمن تصدق على رجل بعبد واشترط [عليه] (٤) أن يخدمه يومين في كل جمعة قال ابن القاسم فيها ليست بصدقة. قال ابن رشد: إنما رأى أن الشرط يفسد الصدقة لأنه لما شرط من خدمته يومين [من] (٥) كل جمعة فقد حجر عليه التصرف في صدقته
ألا يبيع بالسفر بها أو الوطء لها إن مانت أمة، والتفويت فصار كمن تصدق بصدقة وشرط على المتصدق عليه ألا يبيع ولا يهب ألا ترى أن الحبس لما كان لا يباع ولا يوهب جاز فيه هذا الشرط على ما في سماع أبي زيد، وأجاز ابن كنانة هذا الشرط في الحبس والصدقة، وقال أنه لا يفسد الصدقة بل يشدها، والمعنى عندي فيما ذهب إليه أنه رآه شريكًا معه في رقبة العبد بما استثنى لنفسه من خدمته، ولذلك أجازه في الصدقة والحبس
_________________
(١) في - م - من أن.
(٢) عبارة - م - وقول هذا ما نصه لقوله.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) ساقطة من - م -.
(٥) ساقطة من - م -.
[ ٤٠٣ ]
فأشار إلي أنها كالمسألة الأولى يجري فيها الأقوال الأربعة. قلت: وأظهر الأقوال [الأربعة] (١) الجاري على مذهب المدونة صحة الهبة والصدقة وبطلان الشرط لأنه شرط مخالف لمقتضى العقد لما فيه من التحجير، ألا ترى أنه لا يجوز له وطء الأمة فالظاهر بطلان الشرط، وقال في كتاب الهبة من المدونة: ومن وهب لرجل هبة على ألا يبيع ولا يهب لم يجز إلا أن يكون سفيهًا أو صغيرًا فيشترط [ذلك] (٢) عليه [في ولاية] (٣) فيجوز وإن شرط ذلك عليه بعد زوال الولاية لم يجز كان [ذلك] (٤) ولد الواهب أو أجنبيًا (٥). أ. هـ
فتكلم على الحكم ابتداء، ولم يبين الحكم بعد الوقوع، وقال أبو الحسن الصغير: أنظر بماذا (٦) يفسر الكتاب والأقرب أن يكون مثل ما في العتبية أنه يخير الواهب فإن بتلها وإلا نقضت (٧). أ. هـ
والقول الذي اختاره ابن رشد اختاره اللخمي أيضًا، ووجهه بما وجهه [به] (٨) ابن رشد، ولا شك أن له وجهًا من النظر ظاهرًا، لكن
الأظهر عندي بطلان الشرط وصحة العقد كما تقدم. والله تعالى أعلم.
تنبيه
قال المشذالي قوله في المدونة في المسألة السابقة إلا أن يكون سفيهًا أو صغيرًا قال أبو عمران: أنظر ما معناه والسفيه والصغير لا يجوز بيعها ولا هبتهما بشرط أم لا. قال أبو عمران لعله أراد ألا يباع عليه إذا احتاج إلى النفقة لأن لوليه بيع عروضه للنفقة فشرط ألا يباع ويباع غيرها إن وجد قال
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(٢) ساقطة من - م -.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) ساقطة من - م -.
(٥) أنظر المدونة جـ ١٥ ص ١٣١.
(٦) في - م - بما.
(٧) أنظر أبو الحسن على المدونة جـ ٤ ورقة ١٨٥ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٩.
(٨) ساقطة من - م -.
[ ٤٠٤ ]
القابسي الهبة جائزة، وهي كالحبس المعين ومن وهب هبة لسفيه أو صغير (١)، وشرط أن تكون يده مطلقة عليه، وأنه لا نظر لوصيه فيها نفذ ذلك الشرط. أ. هـ
قلت: في هذا نظر لأنه شرط لا يجوز لأن أضاعة المال لا تجوز وإطلاق يد السفيه على المال إضاعة له فتأمله، والصواب بطلان الشرط والله تعالى أعلم.
فرع
قال ابن القاسم في رسم الجواب من سماع عيسى من الكتاب المذكور: فيمن تصدق بجارية على رجل على أن يتخذها (٢) أم ولد لا يحل له وطؤها على الشرط، وإن وطأها فهي له [قلت] (٣): حملت أو لم تحمل، ولا قيمة عليه. قال ابن رشد: يعني لا يجوز له وطؤها حتى يوقف المتصدق أما أسقط شرطه أو استرد الجارية، فإن مات قبل أن يوقف على ذلك تخرج ذلك على قولين: أحدهما أن ورثته ينزلون منزلته في ذلك فيخيرون في اسقاط الشرط أو رد الجارية ما لم تفت بالوطء على مذهب ابن القاسم، وعند أصبغ إنما
تفوت بالحمل. والثاني أن الصدقة تبطل إن مات قبل أن تفوت الجارية بوطء أو حمل على اختلاف قول ابن القاسم وأصبغ، فالصدقة على القول الأول على الإجازة حتى ترد، وعلى القول الثاني على الرد حتى تجاز ويتخرج في (٤) المسألة قول ثالث، وهو أن تجوز الصدقة ويبطل الشرط [قياسًا] (٥) على مسألة الحبس يعني اشتراط الترميم على المحبس عليهم. أ. هـ
ونقل اللخمي قول ابن القاسم وأصبغ ثم قال: ولو أفاتها المعطي بعتق أو تدبير لزمته قيمتها لأنها فاتت في غير ما أعطيت له. أ. هـ
_________________
(١) في - م - يتيم.
(٢) في - م - على أن لا يتخذها.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) في - م - من.
(٥) ما بين القوسين ساقط من الأصل
[ ٤٠٥ ]
فرع قال اللخمي إذا قال إن مت أنت رجع العبد إلي، وإن مت أنا قبل كان لك
قال ومن تصدق على [ولده] (١) الكبير بصدقة على أن (٢) لا ميراث له منه (٣) [فالصدقة باطلة إذا كان الشرط في أصل الصدقة، وإن كان بعد الصدقة وإن قرب] (٤) فالصدقة جائزة والشرط باطل على ما قاله مطرف، وابن الماجشون [وأصبغ، واختلف إذا كانت الصدقة على صغير فقال أصبغ هي بمنزلة الصدقة على الكبير، واختاره ابن حبيب. وقال] (٥) ابن الماجشون الصدقة ماضية والشرط باطل كان الشرط مع الصدقة أو بعدها. وقال مطرف إن كان الشرط مع الصدقة، أو في فورها [في اليومين] (٦) فالصدقة باطلة، وإن تباعدا ذلك فالصدقة ماضية والشرط باطل، وهذا أضعف الأقوال وبالله التوفيق. قلت: أما بطلان الشرط إذا (٧) كان [الشرط] (٨) في أصل عقدها فظاهر لأنها معاوضة مجهولة فتأمله والله تعالى أعلم.
فرع
قال اللخمي إذا قال إن مت أنت رجع العبد إلي، وإن مت أنا قبل كان لك فإنه يمضي على ما شرط، وكانت العطية قد تضمنت عمري ووصية، فإن [مات المعطي قبل ردت إلى المعطي لأنها عمرى، وإن] (٩) مات المعطي قبل كانت في ثلثه. قال ابن القاسم [في العتبية] (١٠) وسواء حيزت العطية أو لم تحز لأن الوصايا وسائر ما يخرج من الثلث لا يحتاج إلى حوز. قال أصبغ: وليس له أن يحولها عن حالها يريد أنه أوجب الوصية كالمدبر وإن قال أهبك العبد على إن مت أنا قبل رجع العبد إلي وإن مت أنا قبل كان لورثتك كان على ما شرط،
_________________
(١) ساقطة من - م -.
(٢) في - م - أنه.
(٣) في - م - منها.
(٤) ما بين القوسين ساقط من الأصل
(٥) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٦) ما بين القوسين ساقط من - م -.
(٧) في - م - إن.
(٨) ساقطة من الأصل.
(٩) ما بين القوسين ساقط من الأصل.
(١٠) ساقطة من الأصل.
[ ٤٠٦ ]
فرع قال في المدونة ولا يعتصر الأبوان ما تصدقا به
فرع إذا شرط على القاضي أن يحكم بمذهب إمام معين
وقال المغيرة في كتاب المدنيين فيمن وهب أمته واشترط لنفسه كل ولد تلده فهو حلال جائز، وقد يهب الرجل الحائط ويشترط ثمرته يريد اشتراط الثمرة السنة والسنتين، ولا يجوز فيما كثر ويجوز في الولد، وإن طالت السنون لأن المقصود منها المنافع والخدمة وهي للموهوب له، والولد تبع ليس بمقصود، وقد يكون أو لا يكون. أ. هـ والله تعالى أعلم.
فرع
قال في المدونة ولا يعتصر الأبوان ما تصدقا به (١). قال المشذالي: ظاهره ولو شرطا الاعتصار. المتيطي: إذا شرط الأب في صدقة الاعتصار فقال ابن الهندي له ذلك، وحكاه الباجي أيضًا في وثائقه، وقال غيره شرطه (٢) لا يجوز ابن الهندي فإن قيل كيف يجوز له أن يشترط الاعتصار في الصدقة، وهي لا تعتصر قيل له وسنة الحبس لا يباع فإذا شرط المحبس في نفس الحبس كان له شرطه ابن رشد والاعتصار لا يكون في الصدقات إلا بشرط (٣)
فرع
إذا شرط على القاضي أن يحكم بمذهب إمام معين فقال في الجواهر ناقلًا عن الطرطوشي (٤) ما نصه: فإن شرط على القاضي أن يحكم بمذهب إمام معين
_________________
(١) أنظر المدونة جـ ١٥ ص ١٣٦.
(٢) عبارة - م - شرط الأب لا يجوز.
(٣) أنظر مختصر المتيطية ورقة ٢٥٢٠ وجه - ط ١٨٦٩٦ تونس.
(٤) هو أبو بكر محمد بن الوليد القرشي الفهري المعروف بابن زندقة الطرطوشي الإسكندري الإمام الفقيه الحافظ العالم العامل الثقة الفاضل الجليل القدر الشهير الذكر. صحب القاضي أبا الوليد الباجي بسرقسطه وأخذ عنه مسائل الخلاف، وكان يميل إليها، وتفقه عليه وسمع منه وأجاز له ثم رحل إلى المشرق، وحج فدخل بغداد والبصرة وتفقه عند أبي بكر الشاشي، وأبي سعيد الجرجاني وغيرهم من أئمة الشافعية وعنه أخذ من لا يعد كثرة منهم أبو الطاهر إسماعيل بن مكي، وسند مؤلف الطراز، وأبو بكر بن العربي، ومحمد بن مسلم المازري، والقاضي عياض بالإجازة كتب إليه يجيزه بجميع رواياته ومصنفاته. له تصانيف مفيدة منها سراج الملوك وكفى به دليلًا على فضله، ومختصر تفسير الثعالبي، وكتاب كبير في مسائل الخلاف وشرح رسالة ابن أبي زيد وتأليف عارض به الأحياء، واختصار الكشف والبيان عن تبيين القرآن، وغير ذلك كثير. ولد سنة احدى وخمسين وأربعمائة، وتوفي سنة عشرين وخمسمائة بالإسكندرية. أنظر ترجمته في الديباج جـ ٢ ص ٢٤٤ وشجرة النور الزكية جـ ١ ص ١٢٤، ١٢٥، ومرآة الجنان جـ ٣ ص ٢٢٥.
[ ٤٠٧ ]
من أئمة المسلمين ولا يحكم بغيره فالعقد صحيح، والشرط باطل كان موافقًا لمذهب المشترط أو مخالفًا له. قال وأخبرني القاضي (١) أبو الوليد قال كان الولاة عندنا بقرطبة إذا ولو القضاء رجلًا شرطوا عليه في سجله (٢) أن لا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده قال الأستاذ (٣)،
وهذا جهل عظيم منهم (٤). أ. هـ
ونقله (٥) الشيخ خليل في التوضيح عنه وهو خلاف ما نقله ابن فرحون في تبصرته في الباب الرابع من القسم الأول عن الطرطوشي أن العقد باطل والشرط باطل سواء قارب الشرط عقد الولاية أو تقدمه ثم وقع العقد. قال وقال أهل العراق تصح الولاية ويبطل الشرط ودليلنا أن هذا الشرط مناف لمقتضى العقد لأن العقد يقتضي أن يحكم بأي شيء هو الحق (٦) عنده وهذا الشرط قد حجر عليه (٧) فانظر ذلك.
تنبيه
قال ابن فرحون وكلام الشيخ أبو بكر الطرطوشي في القاضي المجتهد ولم يتعرض للقاضي المقلد كما في زماننا، وسيأتي الكلام على ذلك (٨). أ. هـ
قلت: لأن الشرط الذي عقده منافيًا لمقتضى العقد يصير في حق المقلد من مقتضيات العقد والله تعالى أعلم.
_________________
(١) يعني الباجي.
(٢) عبارة - م - في ذلك.
(٣) هو أبو بكر الطرطوشي حيث عبر عنه ابن الحاجب في مختصره الفقهي في باب العتق بالأستاذ. أنظر الحلل السندسية في الأخبار الأندلسية جـ ٣ ص ٢٠ بالهامش ..
(٤) أنظر الجواهر جـ ٢ ورقة ٨٨ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٣٤٨٣.
(٥) أنظر التوضيح للشيخ خليل جـ ٢ ورقة ١٤٨ وجه ط ١٢٢٥٦ تونس.
(٦) عبارة - م - بما تحقق عنده.
(٧) أنظر تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام جـ ١ ص ١٦.
(٨) نفس المصدر السابق جـ ١ ص ١٧.
[ ٤٠٨ ]
فرع
قال في المدونة في كتاب العتق الثاني: ومن قال لعبده أنت حر الساعة مثلًا وعليك مائة دينار إلى أجل كذا فقال مالك وأشهب هو حر الساعة ويتبع بالمائة أحب أم كره. وقال ابن القاسم هو حر، ولا يتبع بشيء، وقاله ابن المسيب (١). أ. هـ
وقال في النوادر من كتاب ابن المواز ومن قال لعبده أنت حر وعليك ألف درهم فلم يرض العبد فذلك عليه، وإن كره العبد قاله مالك وابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وعبد الملك، وأصحابهم. قال ابن
القاسم، وذكر عن ابن المسيب (٢) أنه حر ولا شيء عليه وهو أحب إلى ابن القاسم. قال أصبغ لم أجد لهذا أصلًا وليس بشيء، ولم يختلف فيها (٣) قول مالك وأصحابه وأهل المدينة (٤). وقاله ابن شهاب وكأنه باعه من نفسه وهو كاره فذلك لازم كما يزوجه كرهًا وينزع ماله كرهًا قال محمد وكما له أن يلزمه ذلك من غير حرية فلم تزده الحرية إلا خيرًا (٥). أ. هـ
قال ابن يونس ووجه قول ابن القاسم أنه لا يكون حرًا متبوعًا إن هذا
_________________
(١) أنظر المدونة جـ ٧ ص ٦٣.
(٢) هو أبو محمد سعيد بن المسيب بن أبي وهب المخزومي المدني روى عن أبي بكر مرسلًا، وعن عمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وهو أثبت الرواة عن أبي هريرة وكان زوج ابنته، وروى عن عائشة أم المؤمنين، أما الرواة عنه فكثرة عد منهم في التهذيب عددًا منهم الزهري ويحيى بن سعيد، وهو رأس علماء التابعين وفقيههم. وقال أحمد مرسلات سعيد صحاح لا يرى أصح من مرسلاته، ويكفي أن مالك قدوة الجميع اعتمد مرسلاته، ومما أرسله ما رواه ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وهو أوسع التابعين علمًا وأجلهم. توفي سعيد بن المسيب سنة احدى وتسعين للهجرة بالمدينة المنورة أنظر ترجمته في تهذيب التهذيب جـ ٤ ص ٨٤.
(٣) في - م - فيه.
(٤) أي المدنيون يشار بهم إلى ابن كنانة وابن الماجشون، ومطرف وابن نافع، وابن مسلمة ونظرائهم.
(٥) أنظر النوادر والزيادات جـ ٢ ورقة ٨٠ ظهر، ٨١ وجه ط ١٢٣٧٢ تونس
[ ٤٠٩ ]
من باب الإستسعاء (١)، وكما لو أعتقه على أنه يخدمه بعد العتق سنة أنه حر ولا شيء عليه (٢). أ. هـ
وقال في كتاب المكاتب من المدونة: وإن كاتبه على خدمة شهر جاز عند أشهب ولا يعتق حتى يخدم شهرًا، وقال ابن القاسم إن عجل عتقه على خدمة شهر بعد العتق فالخدمة باطلة وهو حر، وإن أعتقه بعد الخدمة لزمت العبد الخدمة. مالك وكل خدمة اشترطها السيد بعد أداء الكتابة فهي باطلة، وإن شرطها في الكتابة فأدى العبد قبل تمامها سقطت (٣). أ. هـ
قال أبو الحسن الصغير قوله جاز عند أشهب، وكذلك يجوز عند ابن القاسم، ويسأله عما أراد هل تعجيل العتق أم لا. قال ابن يونس: قال ابن القاسم يسأله هل أراد تعجيل العتق أو تأخيره بعد الخدمة، وأشهب يرى [أن] (٤) العتق مؤخر بعد الخدمة كما هو مؤخر بعد أداء الكتابة ألا إن يشترط تعجيل العتق قبل الخدمة فلا تجوز عندهما، ويعتق مكانه، وتسقط الخدمة ثم قال وكل خدمة اشترطها السيد بعد أداء الكتابة فباطل. الشيخ لأن ما يلحقه بعد الحرية هو من بقايا الرق، فهو كمن أعتق بعض عبده فيستتم عليه، قوله فأدى العبد قبل تمامها سقطت قال ابن المواز كل ما اشترطه السيد في الكتابة من خدمة بدن أو عمل يده فأدى الكتابة وبقي (٥) ذلك العمل أو بعضه فإنه ساقط ولا يؤدي لذلك عوضًا، لأن خدمة بدنه بقية من رقه فإذا دخلت الحرية رقبته
_________________
(١) استسعى العبد: إذا كلفة من العمل ما يؤدى به عن نفسه إذا أعتق بعضه ليعتق به ما بقي، والسعاية بالكسر ما كلف من ذلك، وفي الصحاح سعى المكاتب في عتق رقبته سعاية، واستسعيت له العبد في قيمته وفي الحديث إذا أعتق بعض العبد فإن لم يكن له مال استسعى غير مشقوق عليه. قال ابن الأثير إذا أعتق بعضه ورق بعضه يسعى في فكاك ما بقي من رقة فيعمل ويكسب ويصرف ثمنه إلى مولاه فسمي تصرفه في كسبه سعاية. أنظر تاج العروس جـ ١٠ ص ١٧٧، ١٧٨.
(٢) أنظر جامع ابن يونس على المدونة جـ ٢ ورقة ٤٣ ظهر مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٩٢٤.
(٣) أنظر المدونة جـ ٧ ص ٨٥.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) عبارة - م - على ذلك وهو تصحيف ظاهر.
[ ٤١٠ ]
فرع قال في كتاب المدبر من المدونة ولا بأس أن تأخذ مالا على أن تعتق مدبره،
سقط كل رق بقي فيه، وكذلك من بتل عتق عبده لم يجز أن يعجل عليه خدمة يشترطها لأن خدمته بقية من رقة فكما كان (١) من أعتق بعض عبده يستكمل عليه بقيته حتى لا يبقى فيه شيئًا من الرق فكذلك كل خدمة تبقى على مكاتب أو على عبد بتل (٢) سيده عتقه فهي ساقطة لأن ذلك بقية من رقه. أ. هـ
فرع
قال في النوادر: ومن قال لعبده أعتقتك على أن لا تفارقني كان حرًا وشرطه باطل قال ابن القاسم وإن قال أنت حر، واحمل هذا العمود فهو حر ولا شيء عليه إلا أن يقول أنت حر على أن تخدمني سنة، ولم يعجل الحرية قبل الخدمة فذلك عليه (٣). أ. هـ
فرع (٤)
قال في كتاب العتق الثاني من المدونة: ومن أعتق أمة على أن ينكحها أو تنكح فلانًا فإمتنعت فهي حرة، ولا يلزمها النكاح إلا أن تشاء وكذلك إذا قال رجل لرجل لك علي ألف درهم على أن تعتق أمتك وتزوجينيها فأعتقها فهي حرة، ولها ألا تنكحه والألف لازمة للرجل (٥). وقد تقدم الكلام على ذلك في المسألة (٦) الخامسة عشر من الفصل الأول من الخاتمة.
فرع
قال في كتاب المدبر من المدونة ولا بأس أن تأخذ مالًا على أن تعتق مدبره، وولاؤه لك، ولا أحب أن تبيعه ممن يعتقه (٧). أ. هـ
_________________
(١) في - م - أن.
(٢) بتل الشيء: معناه ميزه عن غيره وأبانه منه. أنظر تاج العروس جـ ٧ ص ٣٣٠.
(٣) أنظر النوادر والزيادات جـ ٢ ورقة ٨١ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٣٧٢.
(٤) في - م - إذا.
(٥) أنظر المدونة جـ ٧ ص ٦١.
(٦) عبارة - م - وعلى مسألة عتقها على اسقاط حضانتها في المسألة الثانية عشر في الفصل الأول من الخاتمة.
(٧) أنظر المدونة جـ ٨ ص ١٢.
[ ٤١١ ]
قال الشيخ أبو الحسن أنظر قوله لا أحب هل هو على بابه أم لا؟ ونقله ابن يونس بلفظ لا يجوز أن يبيع (١) قال سحنون قال ابن شهاب، وعمرو بن شعيب (٢) لا يباع إلا من نفسه قال الشيخ أبو الحسن كبيع العمر من المعمر لتخلص الرقبة له، فكذلك المدبر إذا اشترى نفسه فكأنه اشترى ما للسيد [عليه] (٣) من الخدمة لتخلص رقبته (٤).
[فرع (٥)]
قال في كتاب المكاتب من المدونة: ومن كاتب أمته على ألف درهم نجمها عليها على أن يطأها مادامت في الكتابة بطل الشرط وجازت الكتابة، وكذلك إن أعتق أمته إلى أجل على أن يطأها، أو شرط على المكاتبة إنما ولدت في كتابتها فهو عبد فالشرط باطل والعتق نافذ إلى أجله ولا تفسخ الكتابة كما لا أفسخها من عقد الغرر بما (٦) أفسخ به البيع، وكل ولد حدث للمكاتب من أمته، او للمكاتبة بعد الكتابة فهو بمنزلتها يرق برقها ويعتق بعتقها، وإن كاتبها أو أعتقها واشترط جنينها بطل الشرط وتم العتق (٧). أ. هـ
وقد تقدم الكلام على مسألة من إلتزم عدم الرجوع عن وصيته في الباب الأول.
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
_________________
(١) في - م - تبيعه.
(٢) هو عمرو بن شعيب بن عبد الله بن عمرو بن العاص أبو إبراهيم السهمي المدني الطائفي، تابعي وثقة جمهور العلماء، قال الذهبي كان أحد علماء زمانه توفي بالطائف سنة ثمانية عشر ومائة. أنظر ترجمته في تهذيب التهذيب جـ ٨ ص ٤٨، والأعلام جـ ٥ ص ٢٤٧.
(٣) ساقطة من - م -.
(٤) أنظر أبو الحسن على المدونة ورقة ٢٣٦ وجه مخطوط بدار الكتب الوطنية تونس تحت رقم ١٢٠٩٨.
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) في - م - كما.
(٧) أنظر المدونة جـ ٧ ص ٨٨.
[ ٤١٢ ]
وقد (١) تم الكلام فيما حررته من مسائل الإلتزام، وانتجز الغرض الذي قصدت من بيان الأنواع والأقسام، فجاء بحمد الله كتابًا مفيدًا في بابه، عظيم النفع لمن أمعن النظر فيه من طلابه، جمعت فيه فوائد عديدة وتحقيقات مفيدة وسفرت فيه عن نكت تستغرب، وتستبدع، وأوضحت فيه مشكلات ليس لها في كثير من المصنفات مورد، ولا مشرع، فنحمده على ما من به من إلهام هذا التصنيف وإتمامه على هذا الوضع والتوصيف ونسأله (٢) ﷾ أن يسهل علينا تحريره، واتقانه، وأن يعصمنا فيه من الخطأ والزلل، ولا يؤاخذنا بالتصنع في القول والعمل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
_________________
(١) عبارة - م - وقد انتهى الكلام.
(٢) دعاء ختم الكتاب. (وهذا آخر ما جرى به القلم من مؤلف هذا الكتاب والله أعلم بالصواب). هذا من إضافة الناسخ للنسخة الأصل.
[ ٤١٣ ]