أي من الأحكام كعدم افتقار الرجعة إلى الولي والإذن والصداق والجبر عليها إذا طلق في الحيض ونحو ذلك (تمهيد) يتوجه النظر في هذا الباب إلى بيان أصل مشروعية الطلاق وبيان نهاية عدده للحر والعبد وبيان حكمه وأقسامه (فأما) الأصل في مشروعية الرجعة فقول الله ﷿: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحًا﴾ الآية. وقد طلق النبي ﷺ حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما وارتجعها بأمر من الله تعالى نزل عليه جبريل ﵇ أن راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة. والرجعة بفتح الراء وكسرها وصوب الجوهري الفتح واستعملها الفقهاء بالكسر قال أبو فارس والرجعة مراجعة الرجل أهله وقد تكسر وهو يملك الرجعة على زوجته وطلاق رجعي بالوجهين كذا في المصباح وغيره. واصطلاحًا عرفها الإمام ابن عرفة بقوله هي رفع الزوج أو الحاكم حرمة المتعة بالزوجة بطلاقها فتخرج المراجعة اهـ وذلك لأن الرجعة من الطلاق الرجعي الآتي بيانه والمراجعة من الطلاق البائن ولذلك يعبرون فيها بالمفاعلة لاحتياجها إلى الطرفين الزوج والولي كما سيأتي. وأدخل
[ ٢ / ١١٦ ]
بقوله أو الحاكم صورة ما إذا طلق زمن الحيض وامتنع من الرجعة فإن الحاكم يرتجعها له جبرًا ويجوز له الوطء برجعته لأنه نائب عنه. وخرج بقوله حرمة الخ رفع الحلية فإنه نفس الطلاق. وخرج بقوله بطلاقها المتعلق بحرمة رفع حرمة الظهار بالتكفير والله أعلم (وأما) الطلاق فالأصل فيه قول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ وقال تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾. وقد طلق النبي ﷺ حفصة كما مر والعالية إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الواردة في هذا الشأن وانعقد الإجماع على جوازهما لنص القرآن والسنة (وأما) معناه لغة فهو الإرسال والانحلال قال الفرابي نعجة طالق بغير هاء إذا كانت مخلاة ترعى وحدها فالتركيب يدل على الحل والانحلال ومن هنا قيل أطلقت القول إذا أرسلته من غير قيد ولا شرط وأطلقت البينة إذا شهدت من غير تقييد بتاريخ كذا في المصباح. وقال صاحب القاموس وطلقت من زوجها كنصر وكرم طلاقًا بانت فهي طالق وطالقة وأطلقها وطلقها اهـ فكأن ذات الزوجة موثوقة عند زوجها فإذا طلقها فقد أرسلها من وثاقه ولهذا يقول الناس هي في حبالك إذا كانت تحتك يقصدون بذلك أنها مرتبطة عندك بعقد النكاح ارتباطًا معنويًا كارتباط الناقة الحسي في حبالها ويقال في المحجور كذلك، وقال إمام الحرمين هو لفظ جاهلي ورد الشرع بتقريره اهـ. واصطلاحًا عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الطلاق صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بزوجته موجبًا تكثرها مرتين للحر ومرة لذي الرق حرمتها عليه قبل زوج اهـ (فقوله) صفة كالجنس يشمل جميع الصفات سواء كانت وجودية تدرك بالحس كالبياض والسواد أو بالعقل كالعلم والقدرة أو تقديرية لا وجود لها ذهنًا وخارجًا كالطهارة والطلاق إلا أن الشرع قدر وجودها في الشخص وقيامها به فكأنها محيطة به. وقوله حكيمة احترز به من الصفة الوجودية بقسميها. وقوله موجبًا تكررها الخ احترز به من رفع الحلية بها بالدخول في الإحرام بالحج أو العمرة أو بالدخول في الاعتكاف أو الصلاة ونحوها
[ ٢ / ١١٧ ]
وموجبًا بالنصب على الحال أو من صفة إما من ضمير ترفع جارية على غير صاحبها في المعنى وفي بعض النسخ بالرفع على أنه نعت سببي لصفة. وقوله تكررها بالرفع فاعل بموجب وتكرر مضاف وضمير الموصوف الذي هو الرابط مضاف إليه. وحرمتها بالنصب مفعول بموجب. والتكرر هو ما بعد الطلقة الأولى. وقوله مرتين إنما قيد به لأن ذلك هو الموجب للتحريم والزائد لا أثر له ويقال الطلاق الثاني تكرر وكذا الثالث ولا يصدق على الأول أنه متكرر إذ التكرر إنما يكون بعد فرد فنهاية طلاق الحر ثلاث ونهاية طلاق العبد اثنتان كما يأتي (وأما) أركانه من جهة توقف الماهية عليه فأربعة (الأول) الزوج إذا أراد أن يوقع الطلاق بنفسه فشرطه أن يكون مسلمًا على المشهور. وأن يكون بالغًا فينفذ طلاق السفيه دون الصبي ولو ناهز البلوغ على المشهور لأنه غير مكلف. ودليل الشاذ أن ما قارب الشيء يعطى حكمه. وأن يكون عاقلًا فلا يصح طلاق المجنون في حال جنونه فهو كالصبي. وأما السكران بحرام فإنه يلزمه الطلاق مطلقًا ميز أو لم يميز على القول المشهور (وإن) طائعًا فلا ينفذ طلاق المكره وسيأتي الكلام عليه وعلى السكران في كلام الناظم (الثاني) المطلقة بفتح اللام مشددة ويشترط فيها أن يملك المطلق بكسر اللام عصمتها حال الطلاق تحقيقًا أو تعليقًا كما لو قال لأجنبية أو بائن إن تزوجتك فأنت طالق أو قال فلانة طالق ونوى به بعد نكاحها أو لم ينو ودل بساط على التعليق كوقوع مشاجرة مع أهلها مثلًا عند خطبتها فقال هي طالق فإن تزوجها في الصور الثلاث طلقت على المشهور ومقابله لا يلزمه قال ابن راشد دليل عدم لزوم الطلاق المعلق هو قوله ﷺ لا طلاق قبل النكاح وهو مذهب الإمام الشافعي واختاره جماعة من أشياخنا وقال الترمذي وهو قول أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ. وهذا الحديث خرج عن سبب وهو أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال لامرأة إن تزوجتك فأنت طالق ثم أراد أن يتزوجها فأمره ﵇ بذلك وقال لا طلاق قبل النكاح اهـ هذا كله إن كان التعليق تحقيقًا أو تقديرًا فإن لم
[ ٢ / ١١٨ ]
يكن كذلك بل قال هي طالق أو حرام وهي ليست في عصمته ولم يقصد التعليق على أنه إن تزوجها ولا يعرفه فهل تطلق عليه كالصور الثلاث في القول المشهور أو لا تطلق عليه خلاف والذي عليه الجمهور من المتأخرين أنه لا يلزمه الطلاق لأن العامة لا تعرف التعليق كما في نوازل النكاح من البرزلي والمعيار فهذا محصل كلامهما في النازلة باختصار وسيأتي تعليق الحرام قصدًا بأبسط من هذا عند قول الناظم ويلزم الطلاق بالصريح. وبالكنايات على الصحيح. البيت عند ذكر الطلاق بلفظ الحرام (الثالث) ما يدل على فك العصمة بين الزوجين وسواء كانت دلالته عليه لفظية وضعية كلفظ فيه الطاء واللام والقاف أم لا كالكتابة والإشارة المفهمة بإصبع أو إصبعين أو ثلاث مثلًا إذا قصد واحدة أو اثنتين أو ثلاث تطليقات ولو من قادر على القول المعتمد فلا يقع الطلاق بمجرد العزم الذي ليس معه لفظ وفي لزومه بكلامه الذي يتحدث به في نفسه وعدم لزومه خلاف والذي نصره أهل المذهب عدم اللزوم وهو المشهور ابن عبد السلام وهو الأظهر لأن الطلاق حل للعصمة المنعقدة بالنية والقول فوجب أن يكون حلها كذلك إنما يكتفى بها في التكاليف المتعلقة بالقلب لا فيما بين الآدميين (تنبيه) إذا أراد الزوج الطلاق بالكتابة فإذا كتب وهو عازم على الطلاق وقع عليه وإن لم يخرج الكتاب من يده وإن كتب غير عازم لم يقع عليه شيء إلا أن يخرجه من يده عازمًا فإن أخرجه من يده غير عازم فله رده ما لم يبلغ المرأة فيلزمه وكيفية الكتب لا يخلو حال الزوجة إما أن تكون من ذوات الأشهر أو من ذوات الأقراء فإن كانت من ذوات الأشهر كالصغيرة والآيسة جاز له أن يكتب بإيقاع الطلاق في الحال وإن كانت من ذوات الأقراء فقال ابن القاسم يكتب إذا جاءك كتابي وأنت طاهر فأنت طلق لا يزيد على ذلك فإن كانت طاهرًا وقع الطلاق وإلا بقيت زوجة قال فإن كانت حاملًا كتب حاملًا أو طاهرًا بعد أن وضعت فأنت طالق لا يزيد على ذلك فإن كانت على ما شرط وقع الطلاق وإلا بقيت زوجة كذا في الفائق (الرابع) قصد النطق باللفظ الدال عليه لا إن سبقه
[ ٢ / ١١٩ ]
لسانه بان قصد التكلم بغير الطلاق فتكلم به فقال أنت طالق فلا شيء عليه ويقبل قوله في الفتوى دون القضاء إلا إذا ثبت غلطه فينفعه في القضاء أيضًا كما في الحطاب وغيره أو لقن لفظ الطلاق بلا فهم لمعناه فلا يلزمه شيء لا في الفتوى ولا في القضاء وفي لزومه بالهزل وعدم لزومه خلاف يأتي في كلام الناظم والمشهور اللزوم. وأما نهاية عدده فهو ثلاث تطليقات للحر سواء كانت الزوجة حرة أو أمة واثنتان للعبد وسواء كانت الزوجة حرة أو أمة كذلك قال ابن راشد دليل الأول قول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ (روي) أن رجلًا قال للنبي ﷺ الطلاق مرتان فأين الثالثة قال التسريح بإحسان. ودليل الثاني طلق مكاتب امرأة حرة تطليقتين فاستفتى عثمان ابن عفان ﵁ فقال حرمت عليك وبذلك أفتاه أيضًا زيد بن ثابت ﵁ وكان يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا طلق العبد امرأته تطليقتين فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره حرة كانت أو أمة. واحتج على ذلك بعضهم بقول الله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ قال فكان الواجب أن يكون طلقة ونصفًا فكملت عليه الطلقتان لأن الطلاق لا يتبعض قال ولذلك كانت عدة الأمة حيضتين وفي هذا الاستدلال نظر لأن العبد إذا جلد أربعين فذلك أرفق من جلد الحر إذ الثمانون أشد نكالًا بلا شك وقياس هذا أن يكون للحر طلقتان وللعبد ثلاث تطليقات لأن التطليقتين أضيق من الثلاث وذلك مما لا يقوله أحد فوجب أن يقتصر على الاستدلال على ما ذكرناه والله أعلم اهـ (وأما) حكمه فالأصل فيه الإباحة كما في المتيطية وقد يعرض له الوجوب كما إذا فسد ما بينهما ولا يأمن على دينه أو بدنه معها والاستحباب إن كانت غير عفيفة ولم تتبعها نفسه لخبر إن لي زوجة لا ترد يد لامس فقال له النبي ﷺ فارقها قال إني أحبها قال فأمسكها صححه النسائي أو توفرت فيه شروط الطلاق السني حيث عزم على الفراق. والحرمة وإن خيف من ارتكابه الوقوع في كبيرة أو كانت حائضًا أو نفساء. والكراهة إن كان كل منهما قائمًا
[ ٢ / ١٢٠ ]
بحق الآخر أو لم تتوفر فيه شروط الطلاق السني الآتية. وأول من طلق إسماعيل بإشارة من أبيه إبراهيم ﵉ (وأما) أقسامه باعتبار السنة والبدعة فأربعة لأنه إما سني وإما بدعي وكل واحد منهما إما بائن وإما رجعي والبائن إما مطلق غير مقيد وإما مملك وإما خلعي وقد أشار الناظم إلى جميعها وبدأ بالطلاق السني إذ هو أولى بالتقديم مع بيان شروطه فقال
(من الطلاق الطلقة السنيه إن حصلت شروطها المرعيه)
(وهي الوقوع حال طهر واحده من غير مس وارتداف زائده)
يعني أن الطلاق الذي أباحته السنة هو ما اجتمعت فيه شروط أربعة الأول أن يوقع الطلاق في حال طهر المرأة فإن أوقعه في حيض أو نفاس فإنه بدعي حرام (الثاني) أن تكون واحدة فإن طلق اثنتين أو أكثر في كلمة واحدة فإنه بدعي مكروه في اثنتين حرام في ثلاث (الثالث) أن يكون ذلك الطهر الذي وقع فيه الطلاق لم يطأ فيه فإن وقع الطلاق في طهر وطئها فيه كان بدعيًا مكروهًا (الرابع) أن لا تكون هذه الواحدة مردفة في العدة فلو طلقها رجعيًا ثم أردف عليها في العدة طلقة أخرى فهو بدعي مكروه. وفي الحكام لابن العربي قال علماؤنا طلاق السنة ما جمع سبعة شروط وهي أن يطلقها واحدة وهي ممن تحيض طاهر لم يمسها في ذلك الطهر ولا تقدمه طلاق في حيض ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه وخلا عن العوض اهـ. وقوله حصلت بتخفيف الصاد وشروطها فاعل حصلت والمرعية أي المعتبرة شرعًا نعت شروطها. وقوله
(فمنه بائن ومنه الرجعي
يعني أن الطلاق السني ينقسم إلى قسمين بائن كطلقة قبل البناء ولم يظهر بها حمل لازم له أو صادفت آخر الثلاث ورجعي كطلقة بعد البناء بالشروط المذكورة ولم تصادف آخر الثلاث. وحاصل فقه المسألة كما في قوانين ابن جزي أن البائن يكون في أربعة مواضع وهي طلاق غير المدخول بها وطلاق الخلع وطلاق الثلاث فهذه
[ ٢ / ١٢١ ]
الثلاثة بائنة باتفاق والرابعة طلقة المبارئات التي يملكون بها المرأة أمر نفسها ويجعلونها واحدة بائنة من غير خلع وقيل له الرجعة وقيل هي ثلاث وأن الرجعي هو ما عدى هذه المواضع اهـ (قلت) ويستثنى من الطلاق البائن قبل البناء مسألتين يكون الطلاق فيهما رجعيًا وقد نظمتها فقلت
يا سادتي أهل التقى الثقات السالكين سبل النجاة
هل كان في الفروع الفقهيات رجعي من قبل البناء آت
نعم يكون ذاك في فرعين في كتب الفقه مبينين
من طلقت قبل البناء وظهر حمل بها وزوجها به أقر
أو روجعت من بعد الافتداء وطلقت من قبل الابتناء
فانظر هداك الله شرح المختصر أو لغز الفرحوني تحض بالدرر
(ولما) فرغ من الكلام على الطلاق السني بقسميه شرع يتكلم على الطلاق البدعي بقسميه كذلك فقال
وما عدى السني فهو بدعي)
(منه مملك ومنه خلعي وذو الثلاث مطلقًا ورجعي)
يعني أن الطلاق البدعي هو ما اختل فيه شرط من شروط الطلاق السني وهو قسمان بائن فمنه مملك كانت طالق طلقة مملكة على خلاف فيه تقدم في كلام ابن جزي وسيأتي في كلام الناظم أيضًا ومنه طلاق الخلع وهو ما كان بلفظ الخلع بدون عوض فحكمه حكم المملك وإما بعوض فهو جائز كما سيأتي ومنه طلاق الثلاث في كلمة واحدة مطلقًا سواء كان قبل البناء أو بعده. وقسم رجعي كطلقة في حيض أو نفاس أو في طهر مس فيه أو في العدة أو تطليقتين في كلمة واحدة ولم يبلغ الثلاث في الجميع (تتميم) بقي قسم ثالث لا يتصف بالسنة ولا بالبدعة وهو الصغيرة واليائسة والحامل البين حملها والمستحاضة التي لم تميز فطلاق هؤلاء لا يوصف بذلك من حيث الوقت ويوصف
[ ٢ / ١٢٢ ]
به من حيث العدد كذا في التلقين وغيره. واعلم أن الرجعة في الطلاق الرجعي على قسمين اختيارية وإجبارية وقد أشار إلى الأولى بقوله
(ويملك الرجعة في الرجعي قبل انقضاء الأمد المرعي)
(ولا افتقار فيه للصداق والإذن والولي باتفاق)
يعني أن الزوج إذا طلق زوجته طلاقًا رجعيًا سنيًا كان أو بدعيًا فإنه يملك رجعتها شرعًا لقول الله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ وحيث كان له الحق في الرجعة فلا يفتقر في الارتجاع لصداق أو إذن من الزوجة أو إيجاب من الولي بل له أن يرتجعها بدون شيء من ذلك قبل انقضاء العدة ويستحب الإشهاد عندنا إن لم يخف النزاع وكان الطلاق غير مكتوب عليه بالإشهاد وإلا وجب فإن أغفل الإشهاد حتى انقضت العدة لم يقبل قوله أنه ارتجعها في العدة سواء صدقته في ذلك أو كذبته إلا أن تثبت خلوة بها أو إقراره بذلك في العدة قاله ابن سلمون (تنبيه) قال ابن رشد ليس الإشهاد شرطًا في صحة الرجعة عند من أوجبه وإنما هو فرض على حياله يأثم تاركه والصحيح أنه مندوب وليس بواجب اهـ من الدر النثير وتكون الرجعة بقول كارتجعتها أو فعل كالوطء أو لمس أو قبلة ونحوهما بقصد الارتجاع وإلا كان ممنوعًا عندنا قال صاحب المختصر والرجعية كالزوجة إلا في تحريم الاستمتاع والدخول عليها والأكل معها اهـ وسيأتي نحوه فيما يجب للمطلقة فإن انقضى الأمد المرعي وهو العدة ولم يرتجعها فقد بانت منه ولا سبيل له عليها إلا بنكاح جديد بشروطه وأركانه وسيأتي الكلام على الخلاف الذي يقع بينهما في انقضاء العدة وعدم انقضائها عند قوله ومن يطلق طلقة رجعية الخ. وأشار إلى الثانية بقوله
(وموقع الطلاق دون طهر يمنع مع رجوعه بالقهر)
يعني أن من طلق زوجته طلاقًا رجعيًا وهي حائض أو نفساء فقد فعل حرامًا إن علم ذلك ويؤمر بالرجعة على كل حال فإن ارتجعها فذاك المراد وإن امتنع أجبر عليها
[ ٢ / ١٢٣ ]
بالقهر بالتهديد والسجن والضرب بمجلس واحد فإن استمر على امتناعه ارتجعها له الحاكم بأن يقول ارتجعتها لك ويسجل الإشهاد عليه بذلك ويجوز للزوج الوطء بهذا الارتجاع وإن لم تقارنه نية لأن نية الحاكم قائمة مقام نيته لأنه نائب عنه كما مر وإذا ارتجعها بنفسه أو ارتجعها له الحاكم فيستحب أن يمسكها إذا أراد طلاقها حتى تطهر طهرين ثم يطلقها بعد ذلك فإن طلقها في الطهر الموالي للحيض الأول مضى مع الكراهة ولا يجبر على الرجعة مرة أخرى ومحل وجوب الارتجاع إذا كان الطلاق رجعيًا كما مر أما إذا كان بائنًا فلا يؤمر به وقوله
(وفي المملك الخلاف والقضا بطلقة بائنة في المرتضى)
يعني أنه إن وقع اختلاف في المذهب في الطلاق المملك المتقدم ذكره فقيل هو طلقة رجعية وقيل ثلاث وقيل طلقة بائنة وهذا الأخير هو المرتضى وبه جرى العمل والقضاء ومثله طلاق الخلع بغير عوض لأنه بمعناه (فرع) إذا طلقها قبل خروجها من العدة بعد هذا الطلاق فعلى أنه رجعي فإن طلاقه ثانيًا يرتدف وإذا ارتجعها بدون ولي فإن ارتجاعه لا يفسخ وبه الفتوى كما في نوازل النكاح من المعيار. وقوله وفي المملك الخلاف مبتدأ وخبر وكذا قوله والقضاء بطلقة بائنة وفي المرتضى متعلق بما تعلق به قوله وبطلقة. وقوله
(وبائن كل طلاق أوقعا قبل البناء كيفما قد وقعا)
يعني أن كل طلاق أوقعه الزوج قبل البناء فإنه بائن كيفما وقع سنيًا كان أو بدعيًا إلا في فرعين أحدهما من طلق زوجته قبل البناء ثم ظهر بها حمل وادعت أنه منه ووافقها على ذلك ولم ينفه عن نفسه بلعان فإن طلاقه رجعي لا بائن. والآخر من خالع زوجته بعوض ثم راجعها بنكاح جديد وقبل البناء بها طلقها بدون عوض فطلاقه رجعي لا بائن كل ذلك إذا لم يبلغ الثلاث وقد مر ذكرهما نظمًا (قال) الشيخ ميارة ومما يناسب أن يذكر هنا الطلاق الذي يوقعه الحاكم وهو كله بائن مثل هذا
[ ٢ / ١٢٤ ]
إلا الطلاق على المولي وعدم النفقة اهـ وقد تقدم في الإيلاء وقوله أوقعا فعل ماض بفتح أوله وفاعله ضمير مستتر يعود على الزوج وألفه للإطلاق كألف وقعا. وقوله
(وبالثلاث لا تحل إلا من بعد زوج للذي تخلى)
يعني أن الزوجة التي طلقت بالثلاث لا تحل لزوجها الذي طلقها وتخلى عنها إلا إذا نكحت زوجًا غيره بشروط عشرة عندنا (الأول) أن يكون الزوج الذي تزوجته بالغًا وهي مطيقة للوطء (الثاني) أن يطأها وطئًا مباحًا فلو طلق قبل الوطء أو بعد وطء محرم فلا يحل (الثالث) أن يكون الوطء بانتشار (الرابع) أن يكون بتغييب الحشفة أو مثلها من مقطوعها في قبل (الخامس) أن يكون في نكاح فوطء السيد أمته لا يجزئ (السادس) أن يكون النكاح صحيحًا فلا تصح بنكاح المحلل (السابع) أن يكون النكاح لازمًا فلا تحل بنكاح العبد المعتدي ونحوه (الثامن) أن تعلم الخلوة بينهما ولو بامرأتين (التاسع) أن تعلم الزوجة بالوطء فلو جامعها الذي تحل به وهي نائمة أو مجنونة لم تحل بذلك أما الزوج فلا يشترط فيه العقل على أحد قولين (العاشر) أن يتصادق الزوجان على الوطء أو لم يعلم منهما إقرار ولا إنكار. وقوله وبالثلاث متعلق بمحذوف كما قدرناه وقوله للذي متعلق بتحل لا بتخلى (فائدة) مغيب الحشفة في الفرج يوجب أحكامًا كثيرة فإنه يحل المطلقة ثلاثًا للذي طلقها كما مر. ويوجب الحد. ويوجب الصداق. ويحصن الزوجين. ويوجب الغسل. ويفسد الحج. ويفسد الصوم. ويوجب الكفارة في نهار رمضان. ويوجب الكفارة على امرأته إذا أكرهها فيه. ويفسد تتابع الصوم في الكفارات. ويوجب العمرة. ويوجب الهدي إذا كان قبل الإفاضة وبعد جمرة العقبة. ويوجب الهدي إذا كان بعد الإفاضة وقبل رمي جمرة العقبة لمن أخرها. ويفسد الاعتكاف. ويفسد العمرة. ويوجب إحجاج المرأة إذا فسد حجها. ويبر في يمينه من حلف أن يطأ. ويوجب حنث من حلف أن لا يطأ. ويوجب القيمة على الأب في وطء
[ ٢ / ١٢٥ ]
جارية ابنه وعلى الجد في جارية ابن ابنه. ويوجب القيمة على الغاصب. ويوجب القيمة على أحد الشريكين. ويقطع عصمة الزوج المفقود إذا عقد عليها الثاني ودخل، ويقطع رجعة الزوج الأول الذي ارتجعها ولم تعلم بذلك. ويصح به نكاح الثاني في ذات الوليين ولم تعلم. ويوجب تحريم الربيبة. ويوجب فسخ نكاح البنت إذا تزوج الأم وأولج فيها. ويوجب تحريم الأخت الثانية بملك اليمين. ويوجب تحريم العمة على بنت أخيها بملك اليمين. ويوجب تحريم الخالة كذلك. ويوجب تحريم المنكوحة في العدة. ويوجب الصداق على الغاصب والزاني. ويصحح النكاح الفاسد لصداقه. وينشر الحرمة في النكاح الفاسد لعقده. ويوجب استئمار البنت البالغ إذا زوجها أبوها بعده. ويوجب العدة. ويوجب استبراء الأمة. ويوجب الاستبراء في الغصب والزنى. ويوجب الرجعة. ويوجب الخيار للتي يشترط لزوجته أن لا يتسرى عليها. ويقطع خيار الأمة إذا أعتقت تحت العبد. ويوجب كفارة الظهار إذا وطئ بعد أن شرع فيها. ويسقط الإيلاء عن المولي. ويوجب إسقاط اللعان. ويوجب الحد على الملاعن إذا وطئ بعد الدعوى. ويسقط نفقة البنت عن أبيها إذا طلقت. ويصح به البيع الفاسد في الجارية. ويسقط به الخيار في بيع الأمة. ويسقط به القيام بالعيب في الأمة. ويسقط به خيار الرد بالعيب في الزوجة. ويوجب الاستبراء في وطء الشبهة. ويوجب إسقاط اعتصار الأب فيما وهبه لابنه. ويوجب القيمة في هبة الثواب إلى غير ذلك من الأحكام هذا وقد بينا فيما تقدم نهاية عدد طلاق الحر والعبد مع دليلهما وأن الناظم رحمه الله تعالى ذكرهما هنا وبدأ بذكر نهاية طلاق الحر فقال
(وهي لحر منتهى الطلاق وحكمها ينفذ بالإطلاق)
(هب أنها في كلمة قد جمعت أو طلقة من بعد أخرى وقعت)
يعني أن ثلاث تطليقات هي نهاية الحر فما زاد على الثلاث لا يعتد به شرعًا ولا
[ ٢ / ١٢٦ ]
يلتفت إليه وحكمها الذي هو عدم حليتها لمن طلقها إلا بعد زوج نافذ بالإطلاق أي سواء جمعت في كلمة واحدة كقوله أنت طالق ثلاثًا أو وقعت متفرقة طلقة بعد طلقة إلى النهاية على الأصل. وما ذكره الناظم من لزوم الثلاث في كلمة واحدة هو المشهور وبه القضاء وقيل يلزم فيه طلقة بائنة وقيل رجعية وقيل لا يلزمه شيء وهو مذهب أهل الظاهر لأنه خلاف ظاهر الكتاب والسنة (قال) ابن رحال في الحاشية الخلاف في المسألة شهير في المذهب وخارجه من أهل السنة صحابة وغيرهم اهـ. وحكى التلمساني أن عندنا أي المالكية قولًا إنما تلزمه واحدة اهـ. وقال الإمام الرازي عند قول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ ما نصه الذي اختاره كثير من علماء الدين أنه لو طلقها اثنتين أو ثلاثًا لا يقع إلا الواحدة وهذا القول الأقيس لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود وأنه غير جائز فوجب أن يحكم بعدم الوقوع اهـ. وفي فائق الونشريسي نقلًا عن كتاب المقنع لابن مغيث بعد حكاية القول المشهور اختلف أهل العلم بعد إجماعهم أي أهل السنة والتأويل على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق فقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهم تلزمه طلقة واحدة وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى وابن رافع رأسه وأحمد بن بقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام الخشني فقيه عصره وأصبغ بن الحباب وجماعة سواهم من أهل قرطبة اهـ. وقال ابن ناجي في حق من دعا على ابن مغيث بعدم الإغاثة في دعائه عليه نظر لأنه لم يقل ما ذكر بالتشهي بل ظهر له في الاجتهاد فهو مأجور أخطأ أو أصاب في ذلك اهـ (قلت) قد علمت أنه قول في المذهب لا أنه من قبيل الاجتهاد اللهم إلا أن يقال المراد بالاجتهاد الأخذ بالقول المنقول عن الإمام وهو لزوم الواحدة إذا تقرر هذا ظهر جليًا قوة هذا القول وان تقليده وعمل الإنسان به في خاصة نفسه حيث لم تشهد عليه بينة خير من استعمال المحلل الصوري الذي لا يحللها اتفاقًا قال صاحب المعيار وسئل أي سيدي قاسم العقباني
[ ٢ / ١٢٧ ]
عن الشخص تنزل به مسألة لا يجد فيها مندوحة في مذهب إمامه أو له مندوحة فيها إلا أنها على قولة شاذة أو له مندوحة في مذهب الشافعي أو الحنفي أو غيرهما من أهل المذاهب هل له تقليد الشافعي مثلًا أو القولة الشاذة في مذهب إمامه ولا حرج عليه في ذلك وقد قال بعض الشيوخ إن نزلت به نازلة ولمالك فيها قولان أنه يجوز الأخذ بأثقلهما أو بأخفهما ولا حرج عليه وقد قالوا أن من أصل مذهب مالك مراعاة الخلاف لكن هذه المراعاة هل تراعى قبل الوقوع أو بعده أو لا تراعى إلا بعده وما ضابط المحل الذي تصح المراعاة فيه (فأجاب) تقليد المالكي في مسألة تنزل به شاذ مذهبه أو مذهب الشافعي خلاف الأولى لكن يتخلص به من لم تأسره البينة اهـ نحل الحاجة. وقول الناظم وطلقة الخ بالنصب على الحال من فاعل وقعت ثم قال
(وموقع ما دونها معدود بينهما إن قضي التجديد)
يعني أن الطلاق الذي أوقعه الزوج على زوجته إذا كان أقل من ثلاث بأن طلقها واحدة أو اثنتين ثم بعد ذلك تزوجت برجل آخر وطلقها فإذا قضى الله تعالى بتجديد النكاح بينها وبين زوجها الأول وراجعها فإذا طلقها فإنه يحسب عليه ما كان طلقها قبل تزوجها بغيره ولا يستأنف بل يضم الأخير للأول ويبني عليه لأن نكاح الأجنبي لا يهدم إلا الثلاث فقط عندنا. وبعبارة أخرى إن كان الزوج طلقها واحدة عادت في النكاح الثاني على طلقتين وإن كان طلقها اثنتين عادت إليه على طلقة حتى أنه إن طلقها واحدة لم تحل له إلا بعد زوج وهو مذهب الجمهور وذهب بعض العلماء إلى أن الزوج الثاني إن أصابها في نكاحه هدم طلاق الزوج الأول فترجع إليه بعصمة جديدة. وقوله وموقع الخ هو بفتح القاف اسم مفعول صفة لموصوف محذوف تقديره طلاق موقع ثم شرع يتكلم على طلاق الخلع فقال
[ ٢ / ١٢٨ ]
(فصل)
أي هذا فصل في ذكر مسائل الخلع ويتوجه النظر في هذا الفصل إلى بيان الخلع لغة واصطلاحًا وبيان أركانه وحكمه (فأما) معناه لغة فهو الإزالة مأخوذ من خلع الثوب إذ كل واحد من الزوجين لباس لصاحبه قال الله تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ فإذا فارقها نزع لباسه منها. وقال تعالى: ﴿فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس﴾ واصطلاحًا لم يعرفه الإمام ابن عرفة وعرفه صاحب المختصر بقوله وهو الطلاق بعوض اهـ. وأما أركانه فخمسة (الأول) موقع طلاق الخلع وهو إما زوج مكلف مسلم غير مكره ولو سفيهًا لأن له الطلاق بدون عوض أو ولي صغير أو مجنون (الثاني) المحل القابل وهو الزوجة الرشيدة أو ولي المجبرة (الثالث) العوض ويشترط فيه أن يكون مما يصح تملكه ولو كعبد آبق أو بعير شارد لأن له الطلاق بدونه وعليه فيجوز فيه الغرر مطلقًا لا بحرام كخمر أو خنزير ويلزمه الطلاق إن وقع ولا شيء له إن علم وحده أو معها أو كانا جاهلين فإن علمت دونه لم يقع طلاق (الرابع) المعوض به وشرطه أن يكون مملوكًا للزوج فلا يصح خلع من تبين كونها فاسدة النكاح المجمع على فساده كخامسة أو معتدة أو مرتدة أو بائنًا منه قبل ذلك الخلع بخلاف الرجعية فإنه يجوز خلعها (الخامس) الصيغة والألفاظ المستعملة في ذلك أربعة الخلع. والصلح. والإبراء. والافتداء وكلها ترجع إلى معنى واحد وهو بذل العوض على إيقاع الطلاق (قال) بعض الموثقين من أوقع كل لفظ من هذه الألفاظ موقع الآخر لم يكن مخطئًا لتقارب معانيها غير أن إيقاعها في مواضعها المصطلح عليها أولى (قال) صاحب المقدمات هو أن الخلع بذل جميع مالها على الطلاق. والصلح بذل بعضه. والإبراء ترك ما لها عليه من الحق على الطلاق أو ترك كل واحد منهما ما كان له على صاحبه على الطلاق. والافتداء بذل جميع الحق الذي أعطاها على الطلاق وقيل غير ذلك. وأما حكمه فالأصل فيه الجواز وقد تعرض له بقية الحكام الشرعية الخمس كما في ابن
[ ٢ / ١٢٩ ]
رحال (قال) الله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا﴾. وقال تعالى: ﴿وإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾. وقد جوز النبي ﷺ لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها كذا في أحكام ابن العربي وانعقد الإجماع على جوازه لنص القرآن والسنة وإلى ذلك أشار الناظم بقوله
(والخلع جائز والافتداء فالافتداء بالذي تشاء)
يعني أن الخلع والافتداء على الطلاق جائزان شرعًا وأن الافتداء هو ما يكون بما تشاؤه الزوجة من صداقها فتمسك بعضه وتعطيه بعضه فيكون بمعنى الصلح المتقدم ذكره ولهذا أسقطه بعضهم وعليه درج الناظم ثم إن الناظم لما عرف الافتداء عرف الخلع أيضًا وإلى تعريفه أشار بقوله
(والخلع باللازم في الصداق أو حمل أو عدة أو إنفاق)
يعني أن الخلع هو ما كان بالحق اللازم الذي لها عليه من صداق حال لم تقبضه أو مؤجل فتبرئه منه أو بإسقاط نفقة حملها اللازمة لها عليه أو بإسقاط كراء مسكن عدتها منه أو بتحمل نفقة ولدها منه بأن يخالعها على أن نفقته عليها مدة معينة ولو زائدة على مدة حولين كما يأتي أو على أن رضاعه عليها إلى فطامه وتمنع من النكاح إن أرادته في خلال مدة الرضاع ويفسخ إن وقع على ما به العمل لأنه يضر بالصبي وقد شاهدت ذلك المرار العديدة وبه كنت حكمت وقت مباشرتي خطة القضاء ببلدي تورز قال صاحب العمل المطلق
ومن بإرضاع الصبي اختلعت من النكاح بالقضاء منعت
أو خالعها على إسقاط حضانتها إذا كان ذلك لا يضر بالصبي بأن يقبل غير أمه وإلا فلا يجوز (فرع) إذا أسقطت جدته أم أمه حضانتها مع أمه فإنها لا تسقط لأنها أسقطت شيئًا قبل وجوبه وهو غير لازم أما إذا أسقطتها بعد وجوبها لها تحقيقًا فإن ذلك يلزمها (فرع) قال ابن سلمون فإن ادعى الأب على الحاضنة أنها أسقطت
[ ٢ / ١٣٠ ]
حضانتها وأنكرت ذلك فعليها اليمين قاله ابن الهندي ويلزمها هذا الإسقاط إن نكلت عن اليمين ولا يعود الابن إلى حضانتها إلا باختيار الوالد فإن التزمت نفقته وكسوته على أن يعود إلى حضانتها بعد سقوطها لزمها ذلك وإن صالح الأب الحاضنة على مال دفعه إليها على أن أسقطت حضانتها فالصلح جائز ولا قيام لأحدهما على صاحبه فإن قام عليها في المال رجعت في حضانتها (فرع) في نوازل المهدي الصغرى نقلًا عن الالتزامات إذا اختلعت الأم بنفقة ابنتها على أن يكون الأمر لها في تزويجها فيوفى لها بذلك وليس للأب عزلها ويكون العاقد غيرها ثم قال الناظم
(وليس للأب إذا مات الولد شيء وذا به القضاء في المدد)
يعني أن الزوج إذا خالع زوجته على إرضاع ولدها منه إلى فطامه أو على نفقته مدة معينة ثم مات الولد قبل تمام المدة التي وقع عليها الخلع أو قبل فطامه فإنه لا شيء له في مقابلة ذلك على الزوجة لأن مقصوده الذي هو كفايته مؤنة ولده قد حصل هذا هو المشهور وبه القضاء حيث لم يشترط عليها عاش الولد أو مات كما يأتي قريبًا وسيأتي بيان حكم ما إذا ماتت هي وقوله في المدد بضم الميم جمع مدة متعلق بمات وقوله
(والخلع بالإنفاق محدود الأجل بعد الرضاع بجوازه العمل)
يعني أن الخلع إذا كان بالإنفاق بعد تمام الرضاع مدة معينة كأربع سنين أو إلى البلوغ فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى فقيل لا يجوز ويسقط الزائد على الحولين وقيل يجوز وعليه الأكثر وبه العمل كما قال الناظم. وقوله محدود بالنصب على الحال من الإنفاق ثم ذكر حكم اشتراط الرجوع عليها بالنفقة إذا مات الولد فقال
(وجاز قولًا واحدًا حيث التزم ذاك وإن مخال عبه عدم)
يعني أن الزوجة إذا خالعت زوجها بالإنفاق على ولدها منه أو على غيره مدة معلومة زائدة على الحولين سواء عاش الولد أو مات فإن ذلك جائز لازم اتفاقًا فإن مات الولد أو نحوه أخذ الزوج منها قدر مؤنة باقي المدة مشاهرة لأن النفقات تقدر غالبًا
[ ٢ / ١٣١ ]
مشاهرة لا مياومة ولا مجامعة كل شهر بحلوله حتى يتم الأجل وقوله التزم بالبناء للنائب والإشارة بذلك الذي هو نائب الفاعل تعود على الإنفاق وعدم بضم أوله معناه مات وقوله
(وللأب الترك من الصداق أو وضعه للبكر في الطلاق)
يعني أنه يجوز للأب المجبر دون غيره من سائر الأولياء أن يسقط من صداق ابنته على زوجها ما يراه مصلحة لها وله أيضًا أن يضع جميع نصف الصداق على زوجها في الطلاق قبل المسيس لقول الله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ فقوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾ أي الزوجات الرشيدات وقوله: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ فالذي بيده عقدة النكاح عند المالكية هو الأب في ابنته البكر غير الرشيدة والسيد في أمته وعند الشافعية هو الزوج وعفوه هو أن يعطيها النصف الآخر فيكون لها الصداق كاملًا نصفه بالاستحقاق ونصفه بالعفو. وقولنا قبل المسيس احترازًا مما لو وقع مسيس فإنه لا يجوز له الإسقاط ولا العفو لأن الزوج أخذ سلعتها التي جعل الصداق عوضًا عنها وصار مالًا من مالها وأما السيد في أمته والرشيدة فلهما ذلك من غير تقييد بنصف ولا بطلاق قبل المسيس أو بعده وأما المهملة فلا يجوز عفوها ويرد إن وقع وكذلك الصغيرة التي لها وصي فلا عفو لها ولا لوصيها أو ولي غيره. وقوله أو وضعه هو بالرفع معطوف على الترك ثم قال
(والبكر ذات الأب لا تختلع إلا بإذن حاجر وتمتنع)
يعني أن البكر التي في ولاية أبيها لا يجوز لها أن تختلع إلا بإذنه فإن وقع منها خلع بغير إذنه منعت ولو خالعت بخلع أمثالها أو أقل ووجب رد المال وبانت من زوجها لتفريطه وقوله
(وجاز إن أب عليها أعمله كذا على الثيب بعد الإذن له)
[ ٢ / ١٣٢ ]
يعني أن الأب إذا خلع عن ابنته البكر التي في ولاية نظره فخلعه جائز نافذ أذنت فيه أو لم تأذن ولو بجميع صداقها حيث كان نظرًا ويحمل عليه حتى يتبين خلافه وكذلك يجوز خلع الأب عن ابنته الثيب إذا أذنت له فيه وإلا فلا يجوز وتبين من الزوج ويرد المال لتفريطه. والإشارة بقوله كذا راجعة إلى الحكم وهو جواز الخلع من الأب ثم قال رحمه الله تعالى
(وامتنع الخلع على المحجور إلا بإذنه على المشهور)
يعني أنه لا يجوز لولي الذكر البالغ السفيه أن يخالع عنه بكل وجه من الوجوه إلا بإذنه على القول المشهور. وقوله
(والخلع جائز على الأصاغر مع أخذ شيء لأب أو حاجر)
يعني أن الخلع على الذكر الصغير جائز لأب أو حاجر غيره مع أخذ شيء من الزوجة أو غيرها إذا كان نظرًا أما بدون شيء فلا يجوز إلا إذا كانت العاقبة ببقاء العصمة غير حميدة فله ذلك قاله اللخمي واختاره ابن ناجي وهو ظاهر لا خفاء فيه والله أعلم وقوله
(ومن يطلق زوجة وتختلع بولد منها له ويرتجع)
(ثم يطلقها بحكم الشرع أن لا يعود حكم ذاك الخلع)
يعني أن من خالع زوجته بنفقة ولدها منه إلى البلوغ مثلًا ثم راجعها بنكاح جديد ثم طلقها فإن نفقته لا تعود عليها بحكم الشرع بل تكون على أبيه إلا إذا تحملت بها مرة ثانية وقيل تعود عليها واختاره بعض الشيوخ وقوله
(وإن تمت ذات اختلاع وقفا من مالها ما فيه للدين وقفا)
(للأمد الذي إليه التزما فهو مشارك به للغرما)
يعني أن الزوجة إذا خالعها زوجها بنفقة ولدها منه أو بنفقة غيره مدة معلومة أو إلى البلوغ ثم ماتت في أثناء المدة فإنه يوقف من مالها ما يكفي مؤنة الابن إلى انقضاء
[ ٢ / ١٣٣ ]
المدة التي التزمت الإنفاق فيها فإن كانت عليها ديون فللزوج محاصصة غرمائها بما التزمته من النفقة لأنه دين من الديون يشارك به الغرماء فيقال ما يفي بنفقته في المدة الباقية فيقال كذا فيحاصص به مع أرباب الديون ويوقف عند أمين ولا يدفع للأب لأن الولد إذا مات بعد ذلك رجع ما بقي ميراثًا لورثتها أو لأرباب الديون ولا يستحق الأب منه شيئًا كما تقدم في قوله وليس للأب إذا مات الولد شيء الخ حيث لم يشترط عاش أو مات. وقوله التزما بالبناء للنائب ونائب الفاعل ضمير الإنفاق المفهوم من السياق وألفه للإطلاق. وقوله فهو مشارك الخ فالفاء داخلة في جواب شرط مقدر أي فإن كانت عليها ديون فهو مشارك الخ ثم لا يخفى أن ما ذكره الناظم في هذين البيتين وفي اللذين قبلهما مفرع على القول بجواز الخلع بالنفقة الزائدة على الحولين وعليه فالمتعين من جهة الصناعة أن يكون الكلام مرتبًا على ما يقتضيه حال الترتيب بأن يقول هكذا
والخلع بالإنفاق محدود الأجل بعد الرضاع بجوازه العمل
وليس للأب إذا مات الولد شيء وذا به القضاء في المدد
وجاز قولًا واحدًا حيث التزم ذاك وإن مخال عبه عدم
وإن تمت ذات اختلاع وقفا من مالها ما فيه للدين وقفا
للأمد الذي إليه التزما فهو مشارك به للغرما
ومن يطلق زوجة وتختلع بولد منها له ويرتجع
ثم يطلقها بحكم الشرع أن لا يعود حكم ذاك الخلع
وموقع الثلاث الخ ولعل ناسخ المبيضة هو الذي قدم وأخر كذا قال بعضهم اعتذاراَ على الناظم وقوله
(وموقع الثلاث في الخلع ثبت طلاقه والخلع رد إن أبت)
يعني أن من أعطت زوجها مالًا على أن يطلقها واحدة أو ليطلقها وأطلقت ولم تقيد بواحدة ولا بغيرها فطلقها ثلاثًا فإن الطلاق واقع لا محالة والخلع مردود حيث لم ترض وما درج عليه الناظم هو أحد قولين في المسألة واستظهره ابن عرفة وابن
[ ٢ / ١٣٤ ]
راشد قائلين لأنه بطلاقها إياها ثلاثًا يعيبها لامتناع كثير من الناس من تزوجها خوف جعلها إياه محللًا فتسيء عشرته ليطلقها فتحل للأول ودرج صاحب المختصر على القول الآخر وهو لزوم الخلع وهو مذهب المدونة وغيرها لحصول غرضها وزيادة قاله التتائي وما درج عليه الناظم هو المعتمد فلو زاد ﵀
إن عينت واحدة أو أطلقت وقيل بل يلزمها وإن أبت
وأبت في كلام الناظم من الإباية بمعنى الامتناع وفي البيت الزائد أبت بتشديد التاء من البتات بمعنى القطع ثم قال
(فصل)
أي هذا فصل في ذكر صريح الطلاق وكنايته على سبيل الإجمال لأن المقصود هنا نفوذه لا بيان جزئياته وإليه الإشارة بقوله
(وينفذ الطلاق بالصريح وبالكنايات على الصحيح)
يعني أن الطلاق يلزم بالقول الصريح اتفاقًا وبالكناية على القول الصحيح المشهور فالصريح هو ما فيه الطاء واللام والقاف نحو طلقت أو أنت طالق وكذا إن قال أنت طالقًا بالنصب أو بالخفض لأنه إن كان جاهلًا فواضح وإن كان عالمًا فهازل وهزله جد كذا في الزرقاني (فرع) قال ابن العربي إضافة الطلاق إلى جزء من أجزائها مسألة كبيرة فيها خلاف فقال مالك والشافعي يطلق جميعها وقال أبو حنيفة يلزمه الطلاق في ذكر الرأس ونحوه ولا يلزمه الطلاق في ذكر اليد ونحوها وفي قوله روحك طالق أو كلامك طالق قولان عندنا والمختار اللزوم في الكلام وعند أبي حنيفة لا يلزم فيه شيء اهـ. والكنايات قسمان ظاهرة وخفية فالظاهرة هي ما كانت في العرف دالة على الطلاق مثل سرحتك وفارقتك أو أنت علي حرام. والخفية هي التي لم تكن كذلك بأن كانت محتملة له ولمعناها الأصلي نحو اذهبي وانصرفي أو أنت حرة ويقبل قوله فيما يدعيه إن رفعته زوجته للقاضي فإن قال نويت به الطلاق لزمه وإن نوى
[ ٢ / ١٣٥ ]
عدمه لم يلزمه شيء ويحلف. وقوله على الصحيح راجع لقوله وبالكنايات ومقابل القول الصحيح عدم لزوم الطلاق بالكناية وإنما يلزم بالصريح فقط وبه قال جماعة منهم أصبغ فقد قال لا يلزم في تحريم الزوجة شيء كتحريم الطعام. وقال القاضي أبو بكر بن العربي إذا حرم الزوجة فقد اختلف العلماء في ذلك على خمسة عشر قولًا (الأول) أنها يمين تكفر قاله أبو بكر الصديق وعائشة والأوزاعي (الثاني) قال ابن مسعود تجب فيه كفارة وليست بيمين وبه قال ابن عباس في إحدى روايتيه والشافعي في أحد قوليه (الثالث) أنها طلقة رجعية قاله عمر بن الخطاب والزهري وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون (الرابع) أنها ظهار قاله عثمان وأحمد بن حنبل (الخامس) أنها طلقة بائنة قاله حماد بن سلمة ورواه ابن خويز منداد عن مالك (السادس) أنها ثلاث تطليقات قاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو هريرة ومالك (السابع) قال أبو حنيفة إن نوى الطلاق أو الظهار كان ما نوى وإلا كانت يمينًا وكان الرجل موليًا من امرأته (الثامن) أنه لا ينفعه نية الظهار وإنما يكون طلاقًا قاله ابن القاسم (التاسع) قال يحيى بن عمر يكون طلاقًا فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها حتى يكفر كفارة الظهار (العاشر) هي ثلاث قبل وبعد لكنه ينوي في التي لم يدخل بها في الواحدة قاله مالك وابن القاسم (الحادي عشر) ثلاث ولا ينوي بحال ولا في محا قاله عبد الملك في المبسوط (الثاني عشر) هي في التي لم يدخل بها واحدة وفي التي دخل بها ثلاث قاله أبو مصعب ومحمد بن عبد الحكم (الثالث عشر) أنه إن نوى الظهار وهو أن ينوي أنها محرمة كتحريم أمه كان ظهارًا وإن نوى تحريم عينها بجملته بغير طلاق تحريمًا مطلقًا وجبت كفارة يمين وإن لم ينو شيئًا فعليه كفارة يمين قاله الشافعي (الرابع عشر) أنه إن لم ينو شيئًا لم يكن شيء (الخامس عشر) أنه لا شيء عليه فيما قاله مسروق وربيعة من أهل المدينة ورأيت بعد ذلك لسعيد بن حنبل أن عليه عتق رقبة وإن لم يجعلها ظهارًا ولست أعلم له وجهًا ثم قال بعد أن ذكر توجيه الأقوال المذكورة وعدد صورها عشرة (الأولى) قوله حرام (الثانية)
[ ٢ / ١٣٦ ]
قوله علي حرام (الثالثة) أنت حرام (الرابعة) أنت علي حرام (الخامسة) الحلال علي حرام (السادسة) ما أنقلب إليه حرام (السابعة) ما أعيس فيه حرام (الثامنة) ما أملكه حرام علي (التاسعة) الحلال حرام (العاشرة) أن يضيف التحريم إلى جزء من أجزائها فأما الأولى والثانية والتاسعة فلا شيء عليه فيها لأنها لفظ مطلق لا ذكر للزوجة فيه ولو قال ما أنقلب إليه حرام فهو يلزمه ما يلزمه في قوله الحلال علي حرام أن يدخل فيه الزوجة إلا أن يحاشيها ولا يلزمه شيء في غيرها من المحللات والصحيح جواز المحاشاة بالقلب وأما إضافة التحريم إلى جزء من أجزائها فحكمه ما تقدم في إضافة الطلاق إلى الجزء اهـ. وفي فائق الونشريسي قال ابن العربي التزام الحرام في حلال أو مباح حرام وعلى فاعله التوبة مما اجترح من الجناح وليس ما حرم على نفسه من ذلك بحرام وهذا أمر مجمع عليه لقوله تعالى: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾ فإن صدر هذا في الأنثى وهي مملوكة فكذلك وإن صدر في الحرة وهي في العصمة فكذلك عند طوائف من العلماء وطائفة حملته على الطلاق إذ هو كناية عنه وهل هو ثلاث أو واحدة بائنة أو واحدة رجعية الخلاف وإن صدر في حرة وليست في العصمة ولم يتعلق بشرط التزويج سقط كالطلاق وإن تعلق بشرط لم يلزم بخلاف الطلاق والفرق بينهما أن الشرع ورد بحل العصمة بالطلاق دون الحرام والحرام ملحق بالطلاق في جميع وجوهه لكونه أصلًا متفقًا عليه ويقصر بالحرام على العصمة الحاصلة دون غيرها لكونه فرعًا مختلفًا فيه اهـ. وفي نوازل الطلاق من المعيار سئل السيد عبد الله بن عبد الله الشريف التلمساني عمن قال لزوجته أنت علي حرام ولم ينو الثلاث واطلع على جميع الأقوال الواردة في المسألة واتفق مع زوجته على تقليد من يقول يلزمه طلقة بائنة وعقد النكاح على ذلك (فأجاب) يتركان وتقليدهما وليس لقاضي الموضع أن يتعرض لهما والله تعالى أعلم اهـ. وفي نوازل الطلاق من العلمي (وسئل) أبو عبد الله محمد بن القاسم القصار عمن قال لزوجته عليه الحرام لو دخلت دار فلان ثم إنها بعد سنين دخلتها فهل سيدي يلزمه
[ ٢ / ١٣٧ ]
الثلاث أو طلقة بائنة لكون الرجل لم يعتد بذلك الحلف (فأجاب) المشهور يلزمه الثلاث وصحح كثير من المحققين لزوم واحدة بائنة والفتوى به وقالوا أنه يخلص مع الله اهـ. وقال عقبة وقال أبو العباس سيدي أحمد بن عرضون بعد أن ذكر خمسة أقوال للمالكية في المسألة المشهور لزوم الثلاث ويليه في القوة أنها طلقة بائنة وهذا القول اختاره غير واحد منهم ابن رشد والقاضي أبو بكر بن العربي والإمام ابن سراج والإمام أبو عبد الله بن الفخار والشيخ أبو عبد الله السرقسطي وغيرهم من المتأخرين اهـ ونظمه صاحب العمل الفاسي فقال
وطلقة بائنة في التحريم وحلف به في عرف الإقليم
وأفتى به الشيخ التاودي وغيره وكفى بهؤلاء الشيوخ سلفًا وخلفًا قدوة والله الموفق للصواب. واعلم أن التحريم والتحليل صعب جدًا والاحتياط في الحرام كالاحتياط في الحلال فقد قال ﵊ في اليوم الذي مات فيه لا يتكل الناس علي بشيء لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله تعالى في كتابه يا فاطمة بنت رسول الله ويا صفية عمة رسول الله اعملا لما عند الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئًا هذا الحديث رواه ابن القاسم عن مالك كما في أحكام ابن العربي عند قول الله ﷿: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ في سورة الشعراء وفي الجزء الأول من المعيار قال رسول الله ﷺ الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو عفو ثم قال الناظم
(وينفذ الواقع من سكران مختلط كالعتق والأيمان)
يعني أن طلاق السكران بحرام نافذ إذا كان عنده نوع تمييز كما ينفذ عليه عتقه ويمينه التي صدرت منه بطلاق أو غيره فإن كان سكره بحلال أو كان غير مختلط ولا مميز فإن كان مطبقًا لا يميز الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة فلا يلزمه طلاق ولا عتق ولا يمين لأنه كالمجنون وما درج عليه الناظم من الأقوال التي وردت في المسألة
[ ٢ / ١٣٨ ]
ضعيف والمشهور ما تقدم وهو لزوم طلاق السكران بحرام ميز أو لم يميز (فرع) سئل سيدي عبد الرحمن الحائك عن السكران إذا طلق وأراد ارتكاب قول ابن عبد الحكم فيه أن السكران لا يلزمه طلاق وإن خالف المشهور فأجاب المشهور لزوم الطلاق كما في التوضيح وغيره وما لابن عبد الحكم مقابل لا تجوز الفتوى به إلا لأمر اقتضاه ومن أخذ به في نفسه خلصه وذلك ما لم تأسره البينة وإلا فلا يحكم عليه إلا بالراجح وهذا من فائدة ذكر الأقوال الشاذة في المذهب والله الموفق اهـ من أجوبة الشيخ المهدي. وقوله مختلط بكسر اللام اسم فاعل مجرور ونعت لسكران وقوله
(ومن مريض ومتى من المرض مات فللزوجة الإرث مفترض)
(ما لم يكن بخلع أو تخيير أو مرض ليس من المحذور)
يعني أن من طلق زوجته قبل البناء أو بعده طلاقًا رجعيًا أو بائنًا صادف آخر الثلاث أولا وهو مريض مرضًا مخوفًا غير متطاول ومات من مرضه الذي طلق فيه فإن زوجته ترثه وإن انقضت عدتها وتزوجت أزواجًا فلا ينقطع ميراثها منه إلا إذا صح منه صحة بينة أو تسببت هي في الطلاق كما لو أعطته مالًا فطلقها عليه أو خيرها فاختارت الطلاق أو كان المرض غير مخوف أو كان مخوفًا لكنه متطاول يقدر معه على التصرف كمرض السل الذي يلازم صاحبه الفراش فإنها لا ترثه في جميعها وما درج عليه الناظم في مسألتي الخلع والتخيير خلاف الراجح والراجح أنها ترثه فيهما والله تعالى أعلم وقوله
(والخلف في مطلق هزلًا وضح ثالثها إلا أن الهزل اتضح)
يعني أن أهل المذهب اختلفوا في حكم من طلق زوجته هزلًا ولعبًا على ثلاثة أقوال قيل يلزمه مطلقًا وهو المشهور وقيل لا يلزمه وقيل إن اتضح الهزل ودل دليل عليه لم يلزمه وإن لم يتضح الأمر لزمه وقوله
(ومالك ليس له بملزم لمكره في الفعل أو في القسم)
[ ٢ / ١٣٩ ]
يعني أن من أكره على النطق بالطلاق فطلق فلا يلزمه طلاق عند مالك لخبر مسلم لا طلاق في إغلاق أي إكراه وخبر حمل عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (تتمة) قال الزرقاني من أكره على أن يطلق طلقة فطلق ثلاثًا أو على أن يعتق عبدًا فأعتق أكثر أو على أن يطلق زوجته فأعتق عبده أو عكسه فالظاهر عدم لزوم شيء من ذلك له لأن ما يصدر منه حال إكراهه بمنزلة المجنون قاله علي الأجهوري وكذا إذا أكره على طلاق زوجة من إحدى زوجتيه أو زوجاته فطلق أكثر من واحدة أو أكره على طلاق حفصة فطلق عمرة والإكراه أن يكون بمجرد غلبة الظن ولا يشترط يقين الخائف اهـ قال الأمير في حاشيته على مجموعه عند قوله وفي عج وعب أي علي الأجهوري وعبد الباقي لو أكره على طلاق فزاد أو أعتق أو عكسه فلغو لتنزيله منزلة المجنون الخ في النفس من ذلك شيء فإن بعض الأئمة كالحنفية يقولون بلزوم طلاق المكره وقد قال المصنف باللزوم إذا ترك التورية فهذا أشد من ترك التروية نعم ربما يظهر هذا الكلام على القول الشاذ الذي نقله شيخنا السيد من أن طلاق الغضبان لا يلزم اهـ. وقوله أو في القسم يعني أن من أكره على يمين بالطلاق أو بغيره فحلف ثم حنث فإن مالكًا ﵁ لا يلزمه شيئًا لا طلاقًا ولا غيره (وظاهره) أن الإكراه في الصورتين لا يترتب عليه شيء سواء كان شرعيًا أو غير شرعي وليس كذلك بل الإكراه الشرعي بمنزلة الطوع كما مر في أبواب متفرقة. وأما الإكراه على فعل المحلوف عليه كحلفه بطلاق لا دخل دارًا فأكره على دخولها أو حمل وأدخلها مكرهًا فلا حنث عليه إذا لم يتعلق به حق مخلوق وكانت صيغة يمينه على بر كما مثلنا فإن كانت صيغة حنث فإنه يحنث ولم يكن الآمر بالإكراه هو الحالف ولم يعلم أنه سيكره ولم يقل في يمينه لأدخلها طائعًا ولا مكرهًا ولم يفعله بعد زوال الإكراه عندنا حيث كانت يمينه غير مقيدة بأجل فإن اختل شرط من هذه الشروط الستة حنث كما في الزرقاني وغيره (تنبيه) يكون الإكراه نافعًا في صيغة البر إذا كان على فعل الحالف نفسه كما إذا حلف بعليه الطلاق لا يدخل الدار فدخلها أو أدخل إليها
[ ٢ / ١٤٠ ]
مكرهًا كما مر وأما فعل غيره كحلفه أن لا تبيت زوجته مثلًا بموضع كذا ففيه قولان الحنث وعدمه كذا في الحطاب عن ابن عرفة وبالأول أفتى أبو الحسن وقال بعضهم إن قصدت تحنيثه فلا يحنث معاملة لها بنقيض مقصودها وإلا حنث وقوله لها جار ومجرور متعلق بملزم بكسر الزاي وضمير له عائد على الطلاق وقوله في الفعل متعلق بمكره بفتح الراء وفي بمعنى على (فرع) وفي نوازل الطلاق من المعيار سئل الشيخ العبدوسي عن رجل سألت منه زوجته أن يحرم لها ضرتها ويطلقها وشدت عليه في ذلك فاستحفظ على ذلك بشهوده بأن قال مهما طلق زوجته فلانة بأي طلاق كان أو حرمها بأي تحريم كان أو قال متى حلت حرمت فغير ملتزم لذلك وأنه مبطله فطلقها وحرمها وقال متى حلت حرمت عليه فهل ينفعه استرعاؤه في ذلك أم لا فأجاب أنه لا يلزمه تحريمها على الوجه المذكور لأجل استرعائه على الوجه المذكور وهي باقية في عصمته حيث لم يقصد تحريمها حال تحريمها لفظًا فإن قصده فلا ينفعه الاستحفاظ اهـ وقد تقدمت الإشارة إلى جواز الاسترعاء في الطلاق في باب الصلح وكررتها هنا لما فيها من زيادة البيان ثم قال
(فصل)
أي هذا فصل في بيان ذكر الخلاف الواقع بين العلماء في مسألة من حلف بأن قال الأيمان تلزمني هل يلزمه شيء في ذلك أم لا وإليه أشار الناظم بقوله
(وكل من يمينه باللازمه له الثلاث في الأصح لازمه)
(وقيل بل واحدة رجعية مع جهله وفقده للنية)
(وقيل بل بائنة وقيل بل جميع الأيمان وما به عمل)
يعني أن من حلف بالأيمان اللازمة قائلًا في صيغتها الأيمان تلزمني لا أفعل كذا أو لا فعلت أو لأفعلن أو جميع الأيمان كلها أو أيمان المسلمين أو إن فعلت فجميع
[ ٢ / ١٤١ ]
الأيمان أو الأيمان اللازمة علي أو تلزمني فقد اختلف فيما يلزمه على أربعة أقوال على ما هنا (الأول) يلزمه الثلاث قال الناظم وهو أصحها وقال غيره وبه العمل (الثاني) تلزمه طلقة رجعية حيث كان جاهلًا ولم تكن له نية في يمين (الثالث) تلزمه طلقة بائنة (الرابع) تلزمه جميع الأيمان التي يقع الحلف بها من طلاق ن في عصمته وعتق من يملكه وصدقة بثلث ماله ومشي لحج وكفارة يمين وصوم سنة وكفارة ظهار قال الناظم وما به عمل مع أنه هو المشهور (قلت) نفي العمل به لا يستلزم نفي مشهوريته وإنما المشعر بنفي المشهورية حكايته بقيل مع تأخيره وعن ابن عبد البر أن عليه كفارة يمين بالله لا غير وعن أبي بكر الفهري وتلميذه القاضي ابن العربي والإمام عبد الرحمن السهيلي وابن علوان أن عليه ثلاث كفارات لكل يمين من الجمع كفارة ووجهه السهيلي بما يطول جلبه كما في نوازل المعيار ومحصله أن الطلاق لا يتناوله هذا اللفظ لأنه ليس بيمين حتى يدخل فيه وأن الحالف به ليس بمقسم إجماع أهل العربية في أبواب القسم لا يكون إلا بحروف القسم كالواو والباء والتاء فإذا قال قائل والطلاق لأفعلن كذا لكان هذا قسمًا لغة عربية لا شرعًا كالذي يقول والكعبة لأفعلن ونحو ذلك فإذا كان كذلك فهو مقسم وحالف ولكن لا يلزمه في حكم الشريعة شيء أي لأنه حلف بحادث فإن قال علي الطلاق إن فعلت كذا وكذا لزمه لا أنه من حيث أنه مقسم ولكن يسمى مطلقًا ربط طلاقه بشرط فإن وقع الشرط وقع الطلاق أو العتاق أو شيء من هذا ومن تورع أن يحل ما حرم الله فلم يتورع أن يحرم ما أحل الله اهـ قال الحطاب إطلاق اليمين على الطلاق والعتاق مجاز ألا ترى أن حروف القسم لا تدخل عليها وقال ابن الحاجب النذور والطلاق والعتق على صفة فيهن أي على حصول شرط تسمى يمينًا وهي في الحقيقة تعليق وفي التوضيح عند الكلام على لغو اليمين وكانت الحقيقة الشرعية في اليمين إنما هي الحلف بالله تعالى ولذلك تدخل عليه حروف القسم وأما الطلاق والعتق والصدقة فليست يمينًا شرعًا وإنما هي التزامات ولذلك لا تدخل عليها
[ ٢ / ١٤٢ ]
حروف القسم وكان الحلف بذلك ممنوعًا اهـ إذا تقرر هذا علمت حكم ما تحلف به عامة الناس اليوم وهو قولهم بالحرام أو باللازمة لا يفعل كذا أو ليفعلن كذا فإنه من باب أولى غي عدم اللزوم لأن الحرام مقيس على الطلاق عند من قال بلزوم الطلاق بلفظ الحرام إنشاءً أو تعليقًا أو التزامًا نحو زوجته حرام أو إن دخلت الدار مثلًا فزوجتي حرام أو عليه الحرام لا يفعل كذا أو ليفعلن كذا وحينئذ لم يبق للحالف به إلا النية والحلف بالنية لا ينعقد كما في الزرقاني والمعيار وغيرهما على أن كل كلام له حكم في نفسه لا يصح أن يضمر به غيره كما تقدم في الظهار هذا على تقدير أن الحالف بتلك الصيغة يقصد بها التعليق وأما على تقدير عدم قصده لأن العامة لا تعرف التعليق على التحقيق كما في المعيار نقلًا عن التونسيين قاطبة فيمن قيل له تزوج فلانة فقال هي حرام فإذا تزوجها فإنها لا تحرم عليه وقيل تحرم عليه على تقدير إن تزوجتها فهي حرام وهنا أن العامة يحلفون بلفظ الحرام ويعتقدون الحنث عند فعل المحلوف على تركه فيلزمهم الطلاق كالحلف بالله تعالى فتلزمه الكفارة عند الحنث كما هو الظاهر ويحلف به من كانت له زوجة ومن لم تكن له زوجة فهو إما عابث أو حالف بحادث فيلزمه الاستغفار لا غير والله تعالى أعلم فمن الواجب على الفقيه إذا سئل عن مسألة في باب اليمين مثلًا أن يسأل الحالف عن صيغة يمينه فلربما يعتقد الحالف أنها يمين شرعية مع أنها في الواقع ليست شرعية فإذا كانت شرعية يسأله هل لها سبب أم لا وإذا تسببت عن شيء هل زال السبب الذي حمله عن اليمين أم لا وهل عنده نية إذا احتاج المقام إليها أم لا وهل عندهم عرف يحملون عليه إذا فقدت النية أم لا فإن حالة المفتي مع المستفتي كحالة الطبيب مع المريض في السؤال عن أحواله نسأل الله ﷾ أن يلهمنا الصواب وعن الأبهري لا يلزمه إلا الاستغفار لأنه حلف يمينًا وهي الأيمان تلزمني غير شرعية وبقوله أفتى الإمام ابن سراج وقبله القاضي الحميدي وابن السراج وقالا من قلد هذا فه مخلص (قلت) ووجه هذا القول والله أعلم هو ما قاله ابن راشد في الفائق أن أيمان جمع يمين ولفظ يمين موضوع للقدر المشترك
[ ٢ / ١٤٣ ]
بين الألفاظ الموضوعة للأيمان إما شرعًا أو عرفًا فمدلولها إذًا إنما هو اللفظ لا المعنى ومقتضى هذا أن لا يلزم الحالف بها شيئًا وقد أجمع الناس على أن الحالف بالحادث لا تلزمه كفارة ويعزى هذا للشافعي رحمه الله تعالى وأما ملك رحمه الله تعالى فلم يحك عنه فيها شيء اهـ (فائدة مهمة) قال الشيخ أحمد بابا ويعرف بالسوداني قال الإمام الشاطبي لقيت يومًا بعض أصحابنا الأستاذ شيخنا المشاور أبا سعيد بن لب أكرمه الله فقال أردت أن أطلعكم على بعض مستنداتي في الفتوى الفلانية وما شاكلها ووجه قصدي للتخفيف فيها وكان أطلعنا على جواب بخطه من سؤال أفتى فيه بمراعاة اللفظ والميل إلى جانبه فنازعناه فيه وانفصل المجلس على المنازعة فأرانا مسائل النهاية وأحكام ابن الفرس وغيرهما وبسط لنا ما يقتضي الاعتماد على لفظ الحالف وإن كان فيه خلاف ما لنيته بناء على قول من يقول به من أهل المذهب وغيرهم وقال أردت أن أنبهكم على قاعدة في الفتوى نافعة جدًا ومعلومة من سند العلماء وأنهم كانوا ما يشددون على السائل في الواقع إن جاء مستفتيًا قال الشاطبي وكنت قبل هذا المجلس تترادف علي وجوه الإشكالات في أقوال مالك وأصحابه فبعد ذلك المجلس شرح الله بنور ذلك الكلام صدري فارتفعت ظلمات تلك الإشكالات دفعة واحدة لله الحمد وجزاه الله عني خيرًا وجميع معلمينا اهـ. وقول الناظم باللازمة الباء صلة لما قبلها لا للقسم كما قررنا به كلامه لا لصيغة اليمين كما توهمه بعض الطلبة والله ﷾ أعلم ثم قال
(فصل)
أي هذا فصل في مسائل من الطلاق وتوابعه وقوله
(وموقع الطلاق دون نيه بطلقة يفارق الزوجيه)
(وقيل بل يلزمه أقصاه والأول الظهر لا سواه)
يعني أن من قال لزوجته أنت طالق مثلًا ولم ينو به واحدة ولا أكثر فقيل يلزمه طلقة
[ ٢ / ١٤٤ ]
واحدة لأنها محققة ويطرح المشكوك فيه لأنه كالعدم وقيل يلزمه الثلاث احتياطًا قال الناظم والأول الأظهر لا سواه لأن من يحتاط في الحرام يلزمه أن يحتاط في الحلال فكيف يحرمها على أحد ويحلها لآخر بالشك فلهذا كان القول الأول هو الأظهر والله تعالى أعلم وحيث كانت واحدة فهي رجعية إن توفرت فيها شروط الطلاق الرجعي ولو كان المطلق يجهل الطلاق الرجعي على التحقيق كما في حاشية الشيخ المهدي وأجوبته الصغرى فشد يدك عليه ثم شرع يتكلم على حكم من تزوج امرأة والتزم لها بأمور بعد العقد أو اشترطت عليه ثم طلقها وسقط ذلك عنه بزوال العصمة ثم راجعها هل يعود ذلك عليه فقال
(وما امرؤ لزوجة يلتزم مما زمان عصمة يستلزم)
(فذا إذا دون الثلاث طلقا زال وإن راجع عاد مطلقا)
(مثل حضانة والإنفاق على أولادها ومثل شرط جعلا)
يعني أن من تزوج امرأة والتزم لها بعقد نكاحها بشيء من شأنه أن يستلزم زمان العصمة ككفالة ولدها الربيب والإنفاق عليه أو اشترطت عليه في العقد بأن لا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يتزوج عليها ونحو ذلك من الشروط التي لا تؤثر في العقد كما تقدم وإن فعل شيئًا من ذلك فأمرها بيدها فإذا طلقها دون الثلاث ثم راجعها عاد عليه ما التزمه أو اشترط عليه عودًا مطلقًا سواء اشترطت عليه عودة ثانيًا أو التزمه أم لا أما إذا طلقها ثلاثًا الذي هو مفهوم دون الثلاث ثم راجعها بعد زوج لم يعد عليه شيء من ذلك لأنها صارت كأجنبية إلا بالتزام أو شرط جديد. وقوله وما امرؤ ما اسم موصول بمعنى الذي واقع على الشيء الملتزم أو المشترط عليه مبتدأ وجملة يلتزم امرؤ المقدر صلته والعائد محذوف تقديره يلتزمه لزوجته وقوله مما الجار والمجرور بيان لما وزمان منصوب بيستلزم وجملة يستلزم زمان عصمة صلة ما المجرورة والعائد محذوف أيضًا أي يستلزم بها في زمن العصمة وجملة فذا الخ خبر وقرن بالفاء لما في المبتدأ من
[ ٢ / ١٤٥ ]
معنى الشرط وقوله مثل بالرفع في الموضعين الأول خبر لمبتدأ محذوف والثاني معطوف عليه ويجوز نصبه على الحال والأولى أن يكون مثل حضانة ملاصقًا لقوله وما امرؤ البيت لأنه تمثيل له (تنبيه) ليس للزوجة أن تسقط عن الزوج ما التزمه من النفقة ونحوها على أولادها حيث عادت أو في زمن العصمة ولا ينفعه إسقاطها إن وقع وكذا لو كان الشرط طلاق من يتزوجها لأنه حق لله تعالى فلا يجوز إسقاطه وقوله
(كذا جرى العمل في التمتع فإنه يرجع بالرجوع)
(وشيخنا أبو سعيد فرقا بينهما ردًا على من سبقا)
(وقال قد قاس قياسًا فاسدًا من جعل البابين بابًا واحدًا)
(لأنه حق له قد أسقطه فلا يعود دون أن يشترطه)
(وذاك لم يسقطه مستوجبهو فعاد عند ما بدا موجبهو)
(والأظهر العود كمن تختلع فكل ما تتركه مرتجع)
الأبيات الستة يعني أن العمل جرى بأن الزوجة إذا أمتعت زوجها بعد عقد النكاح دارها مثلًا مدة معينة كما مر ثم طلقها دون الثلاث سقط الإمتاع فإذا راجعها رجع الإمتاع إلا إذا طلقها ثلاثًا ثم راجعها بعد زوج فإن الإمتاع لا يرجع إليه إلا بعقد جديد لأنه صار كأجنبي وحينئذ فلا فرق بين ما التزمه الزوج وبين ما التزمته الزوجة فإن كلًا منهما يسقط بالطلاق ويعود بالمراجعة أو لا يعود إذا طلق ثلاثًا فهما من باب واحد هكذا قاله الجزيري في المقصد المحمود وعلى قوله درج الناظم ثم أخبر أن شيخه أبا سعيد بن لب خالف الجزيري وفرق بين المسألتين وقال أن من قاس مسألة الإمتاع على مسألة التزام الزوج فقياسه فاسد لأن في مسألة الإمتاع الحق للزوج وقد أسقطه باختياره الطلاق لأنه بيده فلا يعود إليه بالمراجعة إلا بإمتاع ثان وأما ما التزمه الزوج لزوجته من الشروط والإنفاق على أولادها فإن الحق فيه للزوجة أو لبنيها وهم لم يسقطوا
[ ٢ / ١٤٦ ]
حقهم أما الزوجة فلأنه لا طلاق بيدها حتى تكون به مسقطة لحقها وأما الأولاد فكذلك أيضًا فهما من بابين لا من باب واحد (قال) الناظم والأظهر من القولين العود كما قال الجزيري بدليل من تختلع فإنها مختارة للفراق ومع ذلك فكل ما تتركه من الشروط بفراقها يرجع إليها بمراجعتها أما ما تتركه من صداقها لأجل الطلاق فليس بمراد وأنه لا يرجع إليها إلا بعقد جديد والله أعلم. وقوله كذا جرى الخ جار ومجرور حال من مضمون الجملة بعده. وقوله فرقا بفتح الراء مخففة وألفه للإطلاق كألف سبقا. وقوله من جعل اسم موصول فاعل قاس. وقوله لأنه تعليل للفساد. وقوله وذاك الإشارة راجعة للملتزم به للزوجة أو لأولادها. وقوله مستوجبة أي مستحقة وهو الزوجة وأولادها. وقوله عند ما بدا موجبه أي عند بدء موجبه والموجب هو المراجعة وأثبت الناظم صلة غير الفتح في مستوجبهو وموجبهو لضرورة النظم قال ابن مالك
واحذف لوقف في سوى اضطرار صلة غير الفتح في الإضمار
ومما جاء في إثبات صلة غير الفتح ضرورة قول الشاعر
إذا كنت في حاجة مرسلا فأرسل حليمًا ولا توصهي
وإن باب أمر عليك التوى فشاور حكيمًا ولا تعصهي
وقوله
(فصل في التداعي في الطلاق)
(والزوج إن طلق من بعد البنا ولادعاء الوطء رد معلنا)
(فالقول قول زوجة وتستحق بعد اليمين مهرها الذي يحق)
(وإن يكن منها نكول فالقسم عليه والواجب نصف ما التزم)
(ويغرم الجميع مهما نكلا وإن يكن لا لابتناء قد خلا)
[ ٢ / ١٤٧ ]
(فالقول قول زائر وقيل بل لزوجة وما عليه من عمل)
يعني أن الزوج إذا بنى بزوجته وخلا بها خلوة اهتداء بأن جيء بها إليه كالهدية ومكن منها ثم طلقها بعد الخلوة فادعت الوطء لتأخذ صداقها كاملًا ونفاه بناء على أن الصداق لا يتقرر بالدخول وحده بل لا بد من الوطء أو التمكين منه فالقول قولها وإن قام بها مانع شرعي كالحيض وهو من أهل الصلاح كما مر في الشهادات عند قول الناظم وها هنا عن شاهد قد يعني إرخاء ستر الخ وذلك بعد يمينها إن كانت كبيرة ولو سفيهة بكرًا كانت أو ثيبًا فإن حلفت أخذت جميعه وإن نكلت حلف الزوج ولزمه نصف الصداق وإن نكل غرم الجميع لأن الخلوة بمنزلة شاهد ونكوله بمنزلة شاهد آخر وإن كانت صغيرة حلف الزوج لرد دعواها وغرم النصف فقط ووقف النصف الآخر لبلوغها فإن حلفت بعده أخذته أيضًا وإن نكلت لم يحلف الزوج مرة ثانية فإن ماتت قبل بلوغها حلفت ورثتها واستحقته لاعتمادهم على صحة دعواها أو قرينة حال أو مقال وأما إذا خلا بها خلوة زيارة واختلفا في دعوى الوطء أيضًا فإن القول قول الزائر منهما مع يمينه وقيل القول قول الزوجة مطلقًا مع يمينها لكن ليس عليه عمل بل العمل على الأول وقوله ولا دعاء لام الجر زائدة لا تتعلق بشيء والمجرور معمول لرد مقدم عليه ثم قال
(ومن كسا الزوجة ثم طلقا يأخذها مع قرب عهد مطلقا)
(والأخذ إن مرت لها شهور ثلاثة فصاعدًا محظور)
يعني أن الزوج إذا كسا زوجته كسوة مفروضة عليه ثم طلقها طلاقًا بائنًا وليس بها حمل وأراد أخذ الكسوة فله ذلك إن كساها قبل الطلاق بأقل من ثلاثة أشهر كيفما وجدها خلقت أم لا هذا معنى قوله مطلقا وإن كساها قبل الطلاق بثلاثة أشهر فأكثر فلا يكون له ذلك بل أخذه محظور وممنوع كما قال الناظم بخلاف النفقة التي دفعها إليها فإنه يأخذها إذا بقيت ولو شيئًا منها وأما الكسوة التي كساها بها على وجه الهدية
[ ٢ / ١٤٨ ]
والزينة فلا شيء له فيها خلقت أم لا قرب زمانها أم لا فإن اختلفا في الفرض والهدية فقد أشار إليه الناظم بقوله
(وإن يكونا اختلفا في الملبس فالقول قول زوجة في الأنفس)
(والقول للزوج بثوب ممتهن
يعني أن الزوج إذا كسا زوجته ثم طلقها وادعى أن الكسوة التي ساقها إليها هي الكسوة المفروضة عليه ليسترجعها منها حيث كان الطلاق بالقرب وادعت هي أنها هدية فتبقى عندها فإن كان الثوب نفيسًا بحيث لا يكون إلا للزينة عادة كان القول قول الزوجة بيمينها وإن كان ثوب مهنة معتادًا للباس دائمًا كان القول قول الزوج بيمينه. وقوله الملبس بفتح الميم وضم الباء اسم مفعول من ألبس الرباعي. وقوله
وليس ذات الحمل بالحمل اقترن)
يعني أن من طلق زوجته وهي حامل فإن كسوتها واجبة عليه ما دامت حاملًا طالت المدة أو قصرت وقد تقدم حكم ما إذا اتفقا على قرب المدة أو بعدها فإن اختلفا في القرب والبعد فقد أشار إليه الناظم بقوله
(وحيثما خلفهما في الزمن يقال للزوجة فيه بيني)
(وعجزها يمين زوج يوجب وإن أراد قلبها فتقلب)
يعني أن الزوجين إذا اتفقا على أن الكسوة كسوة فرضية لا كسوة هدية غير أنهما اختلفا في قرب الزمن وبعده فالحكم في ذلك أن تطالب الزوجة بالبينة تشهد لها بطول الزمن لأنها مدعية فإن عجزت عنها أو نفتها من أول الأمر حلف الزوج لأنه مدعى عليه وإن أراد قلب اليمين عليها كان له ذلك فإن حلفت بقيت الكسوة بيدها وإن نكلت عن اليمين ردتها له. وقوله يمين زوج بالنصب على أنه مفعول مقدم ليوجب وضمير يوجب عائد على عجزها ثم قال
[ ٢ / ١٤٩ ]
(فصل)
لما فرغ الناظم من الكلام على اختلاف الزوجين وتنازعهما بعد الطلاق في المسيس والكسوة شرع يتكلم على تنازعهما في انقضاء العدة وعدم انقضائها فقال
(ومن يطلق طلقة رجعيه ثم أراد العود للزوجيه)
(فالقول للزوجة واليمين على انقضاء عدة تبين)
(ثم له ارتجاعها حيث الكذب مستوضح من الزمان المقترب)
(وما ادعت من ذلك المطلقه بالسقط فهي أبدًا مصدقه)
يعني أن من طلق زوجته طلاقًا رجعيًا ثم أراد رجعتها فادعت انقضاء عدتها وأنها بانت منه وكذبها الزوج في دعواها وكانت عدتها بالأقراء وعلم زمن الطلاق فإن القول قولها في انقضائها مع يمينها حيث ادعت انقضاء العدة فيما يمكن غالبًا فإن أمكن نادرًا كشهر سئل النساء فإن قرب ما بين الطلاق والرجعة جدًا بحيث لا يمكن انقضاء مدة الأقراء فيه عادة كأقل من شهر وتبين كذبها فله مراجعتها وما ذكره الناظم من اليمين ليس عليه عمل ولا بمشهور والذي عليه العمل أنها تصدق في خمسة وأربعين يومًا بدون يمين بالنسبة إلى انقطاع الرجعة وأما بالنسبة إلى التزوج بغيره فلا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر على القول المعمول به. وقد وقع الحكم عندنا بتونس بعدم فسخ نكاح امرأة تزوجت بعد سبعين يومًا بدعوى انقضاء عدتها بالأقراء نظيرًا لمن يقول تصدق في ذلك. وإن كانت عدتها بالأشهر وادعت انقضاء عدتها وخالفها زوجها في ذلك فالحكم أن كلًا منهما مطلوب بالبينة لأنه مكلف بإحصائها قال القاضي أبو بكر بن العربي عند قول الله تعالى: ﴿وأحصوا العدة﴾ أن الخطاب راجع إلى الأزواج ولكن الزوجات داخلة فيه بالإلحاق بالزوج لأن الزوج يحصي ليراجع وينفق أو يقطع
[ ٢ / ١٥٠ ]
وليسكن أو يخرج ويلحق نسبه أو يقطع وهذه كلها أمور مشتركة بينه وبين المرأة وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك وكذلك الحاكم يفتقر إلى الإحصاء إلى العدة للفتوى عليها وفصل الخصومة عند المنازعة فيها وهذه فوائد الإحصاء المأمور به اهـ. وإن كانت عدتها بوضع حملها وادعت ولادة سقط كان القول قولها ولو بقرب الطلاق هذا معنى قوله أبدًا مصدقة وقوله من ذاك الإشارة راجعة إلى انقضاء العدة وقوله واليمين مبتدأ وجملة تبين بضم التاء خبره ومتعلق تبين محذوف تقديره عصمتها أي تقطع عصمتها من الزوج اليمين وقد علمت أن القول باليمين ليس عليه عمل (فرع) قال ابن راشد إذا ارتجعها في العدة فلم تعلم حتى تزوجت فالحكم فيها كالحكم في امرأة المفقود تفوت بالدخول اهـ وقوله
(ولا يطلق العبيد السيد إلا الصغير مع شيء يرفد)
(وكيفما شاء الكبير طلقا ومنتهاه طلقتان مطلقا)
(لكن في الرجعي الأمر بيده دون رضى وليها وسيده)
يعني أن الطلاق لما كان لمن أخذ بالساق فليس للسيد أن يطلق على عبده زوجته إلا إذا كان صغيرًا فله أن يطلق عليه بشرط أن يأخذ له شيئًا خلعًا من الزوجة أو غيرها يرفد ويعان به وأما العبد الكبير فله أن يطلق كيفما شاء وأراد بخلع أو غيره واحدة أو أكثر ومنتهى طلاقه طلقتان كان رقيقًا كله أو بعضه كانت الزوجة حرة أو أمة كما مر هذا معنى قوله مطلقا وأنه إذا طلق طلاقًا رجعيًا فله أن يرتجع بدون احتياج إلى إذن سيده ولا لإذن وليها لأن العصمة التي أذن له سيده فيها لا زالت بيده وليست رجعته ابتداء نكاح حتى يتوقف على إذنه ورضاه وعلى الإيجاب من وليها وقوله العبيد بالنصب على نزع الخافض أي على العبيد والسيد بالرفع فاعل يطلق وقوله
(والحكم في العبيد كالأحرار في غاية الزوجات في المختار)
[ ٢ / ١٥١ ]
يعني أن نهاية زوجات العبيد أربع نسوة مثل الأحرار على القول المشهور المختار ومقابله لا يتزوج العبد إلا امرأتين ومع كونه شاذًا ليس بمختار وقوله
(ويتبع الأولاد في استرقاق للأم لا للأب في الإطلاق)
(وكسوة لحرة والنفقه عليه والخلف بغير المعتقه)
(وليس لازمًا له أن ينفقا على بنيه أعبدًا أو عتقا)
يعني أن الأبوين إذا اختلفا في حرية الولد ورقيته فإن الولد تابع لأمه في الرق والحرية لا لأبيه وسواء كانت أمه حرة أو أمة خالصة أو بها شائبة رق كالمكاتبة وهذا معنى قوله بالإطلاق ولا يستثني من ذلك إلا الموطوءة بالملك لسيدها الحر والغارة فولدها حر وإن كانت الأم حرة فولدها حر ولو كان الأب عبدًا (فائدة جليلة) قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى عند قول الله ﷿: ﴿وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة﴾ وجود البنين يكون منهما معًا ولكنه لما كان تخلق المولود فيها ووجوده ذا روح وصورة بها وانفصاله كذلك عنها أضيف إليها ولجله تبعها في الرق والحرية وصار مثلها في المالية سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء علي بن عقيل يقول إنما تبع الولد الأم في المالية وصار بحكمها في الرق والحرية لأنه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له ولا مالية فيه ولا منفعة مبثوثة عليه وإنما اكتسب ما اكتسب بها ومنها فلأجل ذلك تبعها كما لو أكل رجل تمرًا في أرض رجل فسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة فإنها ملك صاحب الأرض دون الآكل بإجماع من الأمة لأنها انفصلت من الأكل ولا قيمة لها وهذه من البدائع اهـ وإن اختلف الأبوان في الدين والنسب فولدهما تابع لأبيه لا لأمه وفي هذا الفرع كلام مبسوط في المطولات فلو زاد الناظم
ولأبيه تابع في النسب والدين لا للأم فافهم تصب
لوفى بالمسألة. وقوله وكسوة لحرة والنفقة. عليه والخلف بغير المعتقة. البيت يعني أن
[ ٢ / ١٥٢ ]
العبد إذا كانت زوجته حرة فإن نفقتها وكسوتها ومسكنها واجبة عليه في غير خراجه وكسبه لأنهما لسيده بل ينفق عليها من ربح مال نفسه وغلة ماله أو مال وهب له أو أوصي له به أو تصدق به عليه فالخراج هو ما نشأ عن كإيجار نفسه والكسب هو ما نشأ عن مال اتجر به لسيده. واختلف إذا كانت زوجته أمة فقيل عليه ذلك أيضًا وهو المشهور ويقال له أنفق أو طلق وقيل ذلك على سيدها. وقوله وليس لازمًا له أن ينفقا. على بنيه أعبدًا أو أعتقا. يعني أن العبد لا يلزمه أن ينفق على أولاده عبيدًا كانوا أو أحرارًا من غير الخراج والكسب كما ينفق على زوجته كما تقدم وقوله ينفقا ألفه للإطلاق ثم قال
(فصل في المراجعة)
أي هذا فصل في بيان كيفية المراجعة بعد الطلاق البائن قوله
(وكابتداء ما سوى الرجعي في الإذن والصداق والولي)
(ولا رجوع لمريضة ولا بالحمل ستة الشهور وصلا)
يعني أن المراجعة من الطلاق البائن هي كابتداء نكاح في اشتراط الولي والإذن له من الزوجة غير المجبرة ووجود الصداق والإيجاب والقبول والإشهاد عند الدخول على نحو ما مر في باب النكاح نصًا سواء على المشهور ومقابله ما حكاه ابن لب من رواية أبي قرة السكسكي عن مالك رجل تزوج امرأة ثم طلقها أنه يجوز تزوجه إياها ثانيًا بأن تعقد هي على نفسها دون ولي وعللوا هذه الرواية بأن القصد بالولاية في النكاح النظر في الكفاءة وإنما يحتاج إلى النظر في هذا في النكاح الأول دون ما بعده من المراجعة إذ قد حصلت الزوجية ووقع النظر في كفاءتها اهـ من المعيار. وحيث كانت المراجعة كابتداء نكاح فلا تصح مراجعة مريضة مرضًا مخوفًا غير متطاول
[ ٢ / ١٥٣ ]
ولا حامل مقرب بلغت ستة أشهر لأنها في حكم المريضة والمرض مانع شرعي من عقد النكاح وقال بعض العلماء تجوز مراجعة الحامل المقرب واختاره الإمام المازري وصححه ابن عبد السلام. ومفهوم قوله ما سوى الرجعي أن الرجعة من الطلاق الرجعي ليست كابتداء نكاح حتى يحتاج فيها إلى تحصيل أركان النكاح وهو كذلك كما تقدم. وقوله ولا بالحمل لا تأكيد للنفي الأول وبالحمل معطوف على مريضة والباء بمعنى مع وجملة وصلا ستة الشهور في محل نصب على الحال من الحمل وألف وصلا للإطلاق وقوله
(وزوجة العبد إذا ما عتقت واختارت الفراق منه طلقت)
(بما تشاؤه ومهما عتقا فما له من ارتجاع مطلقا)
يعني أن العبد إذا كان متزوجًا بأمة ثم أعتقها سيدها عتقًا ناجزًا كان لها الخيار في البقاء مع زوجها أو مفارقته ووجبت الحيلولة بينهما حتى تختار فإن اختارت البقاء فالأمر واضح وإن اختارت الطلاق طلقت نفسها طلقة واحدة بائنة ولا يمضي ما زادت على الواحدة في القول المشهور وقيل لها أن تطلق نفسها طلقتين وهو منتهى طلاق العبد وهو معنى قول الناظم بما تشاؤه وما درج عليه خلاف المشهور ولا شيء لها من الصداق إذا كان ذلك قبل البناء لأن الفراق جاء من قبلها أما بعد البناء فلها الصداق كاملًا لأنه فوت عليها سلعتها بالتلذذ بها فلو عتق زوجها قبل اختيارها سقط خيارها كما يسقط خيارها إذا قبض السيد صداقها من العبد ثم نجز عتق أمته وكان سيدها عديمًا يوم العتق وكذلك يسقط خيارها إذا علمت بالعتق ومكنته من التلذذ بها ولا ينفعها دعوى الجهل إن قامت به كما مر في نظم الشيخ بهرام أما إن عتق زوجها بعد أن طلقت نفسها فلا سبيل له عليها مطلقًا سواء حصل عتقه في العدة أو بعدها إلا برضاها بشروط النكاح وقوله
[ ٢ / ١٥٤ ]
(فصل)
تقدم الكلام على قوله
(وفسخ فاسد بلا وفاق بطلقة تعد في الطلاق)
(ومن يمت قبل وقوع الفسخ في ذا فما لإرثه من نسخ)
(وفسخ ما الفساد فيه مجمع عليه من غير طلاق يقع)
(وتلزم العدة باتفاق لمبتنى بها على الإطلاق)
في فصل فاسد النكاح مستوفى فمن ذلك إن كان النكاح متفقًا على فساده كخامسة فلا طلاق ولا إرث ثم قال