أما الكراء فهو في اللغة الأجر قال في المصباح الكراء بالمد الأجرة وهو مصدر في الأصل من كاريته من باب قتل والفاعل مكار على النقص والجمع مكارون ومكارين مثل قاضون وقاضين ومكاريون بالتشديد خطأ واكريته الدار وغيرها أكراء فأكتراه بمعنى أجرته فاستأجر والفاعل مكتر ومكر بالنقص أيضًا وجمعهما كجمع المنقوص اهـ. وفي اصطلاح الفقهاء المعاوضة على منافع غير الآدمي كراء والمعاوضة على منافع الآدمي جعل أو إجارة ثم عرف كل واحد من الثلاثة بتعريف يخصه فعرف الإمام ابن عرفة الكراء بقوله الكراء عقد على منافع غير ءادمي أو ما يبان به وينقل غير سفينة اهـ فخرج بقوله منافع البيع ونحوه وخرج بقوله غير ءادمي منفعة الآدمي فإنها جعل أو إجابة كما مر وقوله أو ما يبان به وينقل عطف على غير وغير الآدمي هو ما كان كالدور والأرضين والذي يبان به وينقل ما كان كالدابة والثوب وءالات الصنائع فهذه كلها من باب الكراء وخرج بقوله غير سفينة السفينة فإن العقد عليها يسمى جعلًا على أحد قولين وذهب غيره إلى أنها من باب الكراء وهو القول الراجح كما في ابن رحال وعليه درج صاحب المختصر فقال ككراء السفن وقول المدونة من اكترى سفينة الخ قال التاودي ولو قال عقد على منافع غير ءادمي وسفية لأفاد وتبعه التسولي (قلت) ولو حذف غير سفينة أيضًا لكان جاريًا على القول الراجح. وأركانه ستة العقد والمكري وهو بائع المنفعة والمكتري بكسر الراء وهو مشتريها والمكترى بفتح الراء وهو ما اشتريت منفعته والعوض ويطلق عليه الكراء والصيغة أو ما يقوم مقامها كاكري وأكترى وسوغ وتسوغ وقبل بالتشديد وتقبل إلى غير ذلك مما هو مصطلح عليه. وقوله (وما يتصل به) أي بالكراء من اختلاف المتكاريين وكراء الرواحل والإجارة والجعل والأبواب المستثناة من أصول ممنوعة كالمساقاة والمغارسة والقراض وأدخل معها الشركة وعقد لكل منها فصلا يخصه وغرر هذه المسائل اهر لأن العامل فيها لا يدري
[ ٣ / ١٤٥ ]
هل يكون له شيء أم لا وعلى تقدير تحصيله هل يعلم مقداره قلة وكثرة وإنما اغتفرت لشدة الحاجة إليها (ولما) كان الكراء على ثلاثة أوجه وجيبة وهو ما كانت المدة فيه محدودة معينة كهذا اليوم أو هذا الشهر أو شهر كذا أوهذا العام أو عام كذا أو مشاهرة وهو ما كانت مدته محدودة غير معينة نحو كل يوم بكذا أو كل شهر بكذا أو مركب منهما كهذا العام كل شهر منه بكذا ألم الناظم بجميعها وأشار إلى الأول منها فقال
(يجوز في الدور وشبهها الكرا لمدة حدت وشيء قدرا)
(ولا خروج عنه إلا بالرضى حتى يرى أمده قد انقضا)
يعنى أن كراء الدور ونحوها من الحوانيت والحمامات والأفران والأرضين لمدة محدودة معينة وعوض معلوم كالثمن جائز فإذا وقع العقد على هذا الوجه وأراد أحد المتكاريين فسخه قبل انقضاء المدة فليس له ذلك إلا برضى صاحبه فيكون إقالة بشرطها المتقدم قال ابن يونس وإن اكترى منه سنة بعينها أو شهرا بعينه فلا يكون لاحدهما فسخه إلا أن يتراضيا على ذلك جميعًا قال ابن حبيب وكذا لو قال ستة أشهر أو سنة كذا فهذا كله وجيبة لازمة إلا أن يشترط الخروج لمن شاء فيلزمها ذلك ولا يجوز فيه حينئذ النقد أي لتردده بين السلف والكراء ويجوز في الأول النقد والتأخير ولم يختلف في هذا مالك وأصحابه اهـ مواق وأشار إلى الوجه الثاني والوجه الثالث فقال
(وجائز أن يكترى بقدر معين في العام أو في الشهر)
(ومن أراد أن يحل ما أنعقد كان له ما لم يحد بمدد)
(وحيثما حلح الكرا يدفع من قد اكترى منه بقدر ما سكن)
(كذاك أن بعض الكراء قدما فقدره من الزمان لزما)
[ ٣ / ١٤٦ ]
يعني إنه يجوز للإنسان أن يكترى دارًا مثل مشاهرة كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا فإذا وقع العقد على هذا الوجه وأراد أحدهما فسخه فله ذلك في الدار ونحوها أما إذا كان المكترى أرضًا فتلزمهما السنة بجراثتها كما يلزمهما الكراء إذا حدت الشهور مثلًا بالعام كمن اكترى دارا ثلاث سنين كل سنة بكذا كما هو موجود عندنا فقوله كل سنة بكذا من المشاهرة وحدها بثلاث سنين وجيبة فهذا هو الوجه الثالث وحكمه حكم الأول وليس مستغنى عنه لأنه نوع بخصوصه. وإذا فسخ الكراء في المشاهرة فإن المكتري يدفع للمكري كراء قدر المدة التي سكنها فإن نقد شيئًا من الكراء وسكن بعض المدة فإنه يلزمه أن يسكن بقدر ما نقده في المستقبل ولو تراضينا على الفسخ فليس لهما ذلك لأنه كراء وسلف كما تقدم عند قوله
وسوغت إقالة فيما اكتري إن لم يكن أعطى الكراء المكتري
فإن لم يسكن جاز كمن لم يعط الكراء أصلا كما مر (تنبيه) ظاهر النظم إن من أراد أن يحل ما أنعقد من الكراء كان له ذلك سواء سكن بعض المدة التي سماها أم لا إلا إذا نقد كراها أو كان المكترى أرضا وحرثها فإنه يلزمه وهو كذلك على القول المشهور ومقابله قولان (أحدهما) إنه يلزمهما أقل ما سمياه فإن قال كل شهر بكذا لزمه شهر أو كل سنة بكذا لزمه في سنة (وثانيهما) إنه يلزمهما الأقل أن شرع في السكنى فإذا سكن بعض الشهر في المشاهرة أو بعض السنة في المسانهة ولو يومًا واحدًا لزم كل منهما بقية الشهر أو السنة وليس لأحدهما الفسخ إلا برضى صاحبه هذا هو القول المعتمد وبه جرى العمل. وقوله حل الكراء فعل ونائب فاعل أي فسخ الكراء وقوله قدما فعل ماض مبني للنائب وألفه للإطلاق وألفه للإطلاق كألف لزما قال
(وشرط ما في الدار من نوع الثمر إذا بدا الصلاح فيه معتبر)
(وغير بادي الطيب أن قل اشترط حيث يطيب قبل ما له ارتبط)
(وما كنحل أو حمام مطلقًا دخوله في الأكترآء متقى)
[ ٣ / ١٤٧ ]
يعني أن من أراد كراء دار فيها شجر أو نحل أو حمام وأراد اشتراطه وضمه إلى الدار ففيه تفصيل وهو أن الشجر إذا كان فيه ثمر قد بدا صلاحه جاز اشتراط ثمره قليلا كان أو كثيرًا لأنه جائز البيع وجمع البيع مع الكراء غير ممنوع وإن كانت الأشجار فيها ثمر لم يبد صلاحه أو ليس فيها ثمار أصلا جاز اشتراطها أيضًا لاكن بشرط أن تكون قليلة قدر ثلث مجموع الكراء مع قيمة الثمرة وتطيب قبل انقضاء مدة الكراء وإنما جاز اشتراطها مع عدم وجودها أو كانت موجودة ولم يبد صلاحها وإن بيعها قبل ذلك لا يجوز لأنها محل ضرورة. وإما النحل وطير الحمام فلا يجوز اشتراطهما مطلقًا قليلًا كان أو كثيرًا لأنهما ليسا من نفس الدار كالشجر. وقوله قبل ما له ارتبط أي قبل انقضاء الأمد الذي ارتبط إليه فاللام في له بمعنى إلى واشترط وارتبط مبنيان للنائب وضميرهما يعود على غير بادي الطيب قال
(وجاز شرط النقد في الأرجاء بحيث لا يخشى انقطاع الماء)
(وبالدقيق والطعام تكترى والبد بالزيت وينقد الكرا)
يعني أن اشتراط النقد في كراء الرحي إذا أمن انقطاع الماء الذي تطحن به كما إذا كانت تطحن بالدواب جائز فغن لم يؤمن انقطاع الماء لم يجز تعجيل النقد إلا تطوعا وإنه يجوز كراء الرحي بالدقيق وكرا البد بالزيت وتعجيل الكراء بشرط وبلا شرط وقوله الأرحاء بفتح الهمزة جمع رحى وتكترى مبني للنائب والبد بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال المهملة المعصرة قال
﴿فصل في كراء الأرض وفي الجائحة فيه﴾
أي هذا فصل في بيان ما يجوز كراء الأرض به وما لا يجوز وبيان ما يكون جائحة في الكراء وما لا يكون جائحة وبدا بالأول فقال
(والأرض لا تكرى بجزء تخرجه والفسخ مع كراء مثل مخرجة)
[ ٣ / ١٤٨ ]
ولا بما تنبته غير الخشب من غير مزروع بها أو القصب)
(ولا بما كان من المطعوم كالشهد واللبن واللحوم)
يعني أن الأرض لا يجوز أن تكرى بجزء مما تخرجه مما زرع فيها ككرائها لمن يزرعها قمحًا أو خضرًا ونحوهما على أن لربها الربع منه مثلًا أو بما تنبته مما هو من روع في غيرهما كقطن وكتان لا يصلحان للزراعة فيها وأولى في المنع إذا كانا يصلحان للزراعة فيها إلا الخشب والقصب ونحوهما من صنوبر وحلفاء وغير ذلك من الأشجار والنباتات التي يطول مكثها في الأرض فإنه يجوز كراؤها به. وإنه لا يجوز كراؤها بالطعام وسواء كان مما يخرج منها كالقمح والبطيخ والفلفل والملح ونحوها أو لا ينبت فيها ولا يخرج منها كالشهد واللبن واللحم فإنه إذا وقع كراؤها بذلك كله وعثر عليه قبل الفوات فسخ وإن فات فعلى المكتري كراء مثلها ليخرج به المتكاريان من منع كراء الأرض بالطعام ونحوه مما تقدم. وحاصل مذهب مالك رضي الله تعالى عنه أن الأرض لا تكرى إلا بالدنانير والدراهم والعروض وغيرها من أقسام البيع ما عدا الطعام وما الحق به وما تنبته مما لا تطول إقامته فيها. وذهب بعض العلماء إلى جواز كرائها بكل شيء ولو طعاما أو جزءًا مما يخرج منها وبه قال الليث وتبعه على ذلك جمهور علماء الأندلس قال ابن رحال وهو الراجل ويجوز الإقدام عليه ابتداء وقيل غير ذلك كما هو مبسوط في المقدمات. وقول الناظم مخرج بفتح الميم والراء أي تلك القيمة هي وجه الخروج من المنع وغير منصوب على الاستثناء من عموم ما أو على الحال والخشب بفتحتين والشهد بضم الشين وفتحها معروف واحدته شهدة بفتح الشين وكسرها قال
(وتكترى الأرض لمدة تحد من سنة والعشر منتهى الأمد)
يعني إنه يجوز كراء الأرض لمدة محدودة أقلها بما يتاتي الانتفاع به كسنة وأكثرها عشر سنين كما قال الناظم وسواء كانت أرض بعل أو سقي. وقال المتيطي الذي
[ ٣ / ١٤٩ ]
عليه العمل وبه الحكم إنه يجوز كراء الرباع العشر سنين والعشرين سنة وأزيد من ذلك ولا بأس بتعجيل الوجبة كلها اهـ وفي تعجيل الكراء تفصيل وهو أن كان تعجيله وطعًا جاز مطلقًا وإن كان بشرط جاز النقد في الأرض المأمونة الري دون غيرها ولا يجبر المكتري على دفع الكراء إلا إذا رويت الأرض رية لا تحتاج معها إلى زيادة قال
(وإن تكن شجرة بموضع جاز أكتراؤها بحكم التبع)
يعني أن من اكترى أرضًا وفيها شجرة أو أكثر فإنه يجوز للمكتري أن يشترط ثمرها لنفسه لأنها تابعة للأرض غير مقصودة لذاتها وتقدم شرط الجواز عند قوله وشرط ما في الدار من نوع الثمر البيت فما كان هناك يكون هنا نصًا سواء وكررها هنا للتنصيص على حكمها خوفًا من أن يتوهم أن حكمهما مختلف على أن التنصيص في كل شيء مطلوب بقدر الإمكان حتى لا يكون بعد البيان قال
(ومكتر أرضًا وبعد أن حصد أصاب زرعه انتثار بالبرد)
(فنابت بعد من المنتثر هو لرب الأرض لا للمكتري)
يعني أن من أكترى أرضًا فزرعها ولما تم الزرع وحصده أو أراد حصاده أصابه البرد بفتحتين وهو المعروف عندنا بالحجر فانتثر حبه فيها ثم نبت في العام القابل فإنه يكون لرب الأرض كالذي جره السيل إليه لا للمكتري هذا هو المشهور بناء على أن الأرض مستهلكة وأما على أنها مربية فهو للمكتري وعليه كراء السنة كما إذا زرعه ولم ينبت ثم نبت في العام القابل فعليه كراء السنة الماضية وكراء السنة التي هو فيها إن كان لغير عطش أما إذا كان لعطش فعليه كراء عام واحد وبعد أن بفتح دال بعد وهمزة أن وبعد الثانية بالبناء على الضم والمنتثر بكسر الثاء المثلثة قال
_وجائز كراء الأرض بالسنه والشهر في زراعة معينه)
يعني إنه يجوز كراء الأرض لمدة معينة كشهر أو سنة في التي تزرع بطونا من الخضر
[ ٣ / ١٥٠ ]
والبقول بكراء معين فإن تمت المدة وله فيها زرع لم يستكمل فليس لرب الأرض قلعه وعليه تركه إلى تمامه وعلى المكتري كراء مدة استكماله على حساب ما أكترى ثم شرع في الثاني وهو الجائحة فقال
(وبتو إلي القحط والأمطار جائحة الكرا ومثل الفار)
(ويسقط الكرآء إما جمله أو بحساب ما الفساد حله)
(وليس يسقط الكرا في موجد بمثل صر أو بمثل برد)
يعني أن من أكترى أرضًا للزراعة ولم يتمكن من الإزدراع ماء فيها بأن توالي عليها القحط والجدب بعدم المطر أو بتعذر إجراء العين أو إخراج ماء البئر أو توالت عليها الأمطار حتى غمرها الماء أو منعته فتنة من الإدزراع أو هلك الزرع بالفار والدود فإن الكرآء يسقط عن المكتري إما جملة حيث لم يتمكن من العمل فيها أو تمكن وهلك الجميع أو بقي شيء منه لا عبرة به في العادة لقلته وإن سلم منه ما له بال لزمه من الكراء بحساب ذلك وسقط عنه كراء ما لم يسلم ولو قل وإما إذا هلك الزرع لا بسبب الأرض ولا بما يرجع إليها كما إذا أصابه برد أو صر بكسر الصاد وهو البرد الشديد والجليد أو أصابه حر شديد أو غاصب أو سارق أو جيش أو جراد بعد الابان لا قبله ومنعه من الإزدراع خوف إذايته أو إذاية ولده ما ينبت فلا كراء عليه ثم قال
﴿فصل في أحكام من الكراء﴾
لو قال في كراء العروض وأحكام من الكراء لأنهما المذكوران في هذا الفعل لوفى بالمراد قاله التسولى وإلى الأول منهما أشار بقوله
(والعروض إن عرف عينًا فالكرا يجوز فيه كالسروج والفرا)
[ ٣ / ١٥١ ]
(ومكتر لذاك لا يضمن ما يتلف عنده سوى أن ظلما)
(وهو مصدق مع اليمين وإن يكن من ليس بالمأمون)
يعني إنه يجوز كراء ما تعرف عينه ولا يلتبس بغيره من العروض كالسروج والحلي والثياب والفراء وهو بالمد قصره لضرورة الوزن جمع فرو كدلو وهو ما يلبس من جلود السباع غالبا ومفهوم قوله أن عرف عينًا إن ما لا تعرف عينه من العروض كبعض الأواني والقدور ونحوها مما يقرب من المثليات جدًا لا يجوز كراؤه لأنه قد يتصرف فيه بالبيع ونحوه ويرد مثله مع الكراء فيكون سلفًا جر نفعًا فيتهمان على ذلك من أول الأمر على أن يسلفه ماعونًا ويرد له مثله مع شيء ءاخر وهو الكراء في الظاهر وهو عين النفع. وما درج عليه الناظم من التفرقة بين ما تعرف عينه من العروض فيجوز كراؤه وما لا تعرف عينه فلا يجوز كراؤه هو أحد قولين في المسئلة ومقابله الجواز مطلقا وهو المشهور فحقه أن يقتصر عليه أو يذكر القولين معًا وينص على المشهور والعذر له رحمه الله تعالى وأما الدنانير والدراهم فهي غير داخلة في العروض فلا يصح أن تكون مفهوم الشرط إذ لا يصح كراؤها بحال لأن كراءها سلف بمنفعة ظاهر لا خفاء فيه وهو عين الريي ثم إن المكتري إذا ادعى ضياع ما أكتراه ولم تقم له بينة على ضياعه فإنه مصدق بيمينه سواء كان مأمونًا أو غير مأمون فيحلف يمينًا واحدة لقد ضاع وما أخفاه وإن ضياعه ليس بسببه ولا بتعديه ويبرأ من الضمان وعليه من الكراء قدر ما انتفع كما لو قامت على ضياعه بينة فإن نكل عن اليمين ضمنه مع جميع الكراء ولا تنقلب لأنها يمين تهمة كما لو تسبب في ضياعه ببينة أو باعترافه وقوله يتلف بفتح اللام وقوله أن بكسر الهمزة شرطية وظلما فعل الشرط وألفه للإطلاق وفاعله ضمير تقديره هو يعود على المكتري وجواب الشرط محذوف تقديره فإنه يضمن وإلى الثاني أشار بقوله
(والمكتري إن مات لم يحن كرا واستؤنف الكراء كيف قدرا)
[ ٣ / ١٥٢ ]
(حيث أبي الوارث إتمام الأمد واستوجبوا أخذ المزيد في العدد)
(والنقص بين العددين إن وجد له وفآء من تراث من فقد)
يعني أن من أكترى عقارًا أو غيره لمدة معينة بكراء معين يدفعه مشاهرة فسكن بعض المدة ثم مات فإنه لا يحل عليه كراء ما لم يسكنه بل يبقى على حاله ثم إن التزمت الورثة بأداء الكراء من أموالهم فلهم ذلك لأن كل من مات عن حق فهو لورثته ويتنزلون منزلته وإن لم يريدوا ذلك وامتنعوا من قبوله فلرب الدار إقالتهم وله استئناف كرائها لما بقي من المدة المضروبة مع الميت فإذا وقعت المناداة عليها ووقف السوم وانتهى فإن كانت فيه زيادة فهي مستوجية للورثة وإن كان فيه نقص عن الكراء الذي أكترى به الميت وقف من تركته قدر النقص ويدفع للمكري عند وجوبه فإن لم يوجد له وفآء في التركة فهي مصيبة نزلت به ولا يرجع على الورثة بشيء (تنبيه) إذا أكرى مستحق وقف ومات قبل انقضاء مدة الكراء وانتقل الاستحقاق لمن في طبقته أو لمن يليه ولو بقي من المدة يسير انفسخ الكراء فيما بقي بخلاف موت الناظر إذا لم يكن من أهل الوقف أو المالك فإنه لا ينفسخ لأن المالك له التصرف في نقل النفعة أبدا ومستحق الوقف إنما له التصرف فيها مدة حياته فقد تبين إنه أكرى ملكه وملك غيره كذا في الحطاب وغيره (وقوله) لم يحن بالنون من حان بمعنى حل فلو عبر بيحل باللام لكان أولى بالمبتدي. وقوله والنقص بين العددين أي بين العدد الأول الذي وقع الكراء به للمين والعدد الثاني الذي وقع الكراء به بعد موته. وقوله تراث بضم أوله معناه مال قاله الله تعالى ويأكلون التراث أكلًا لما الاية قال
(وفي امرئى ممتع في المال يموت قبل وقت الاستغلال)
(وقامت الزوجة تطلب الكرا قولان والفرق لمن تأخرا)
(وحالة المنع هي المستوضحة وشيخنا أبو سعيد رجحه)
[ ٣ / ١٥٣ ]
(وشيخه محمد بن بكر إلى الممات مال عند النظر)
(فإن تكن والإزدراع قد مضى ابانه فلا كراء يقتضى)
(وإن تكن ووقت الإزدراع باق فما الكرآء ذو امتناع)
الأبيات الستة يعني أن من متعته زوجته بنحو أرض يستغلها ثم يموت بعد الإزدراع وقبل الاستغلال الذي هو يبس الزرع ثم تقوم الزوجة على الورثة تطلب كراء أرضها على الأيام الباقية بعد موت زوجها إلى إنتهاء الزرع لأنها متعت زوجها لا ورثته ونازعها الورثة في ذلك ففي المسئلة ثلاثة أقوال (أحدها) لا كراء لها ورحجه أبو سعيد فرج أبن لب وارتضاه الناظم حيث قال (وحالة المنع هي المستوضحة الخ) تبعًا لشيخه أبي سعيد ووجه رجحانه أن الزوج لما حرث الأرض حاز منفعة السنة كلها فلهذا كانت حالة المنع مستوضحة (ثانيها) لها كراء تلك المدة لأنها متعت زوجها لا ورثته كما قالت ولا يسقط حقها إلا بالأمر البين (ثالثها) الفرق بين أن يموت بعد فوات وقت الإزدراع فلا كراء لها وقبل فواته فلها كراء ما بقي إلى الطيب وهذا القول لأبي عبد الله محمد بن بكر بفتح الباء وتشديد الكاف شيخ أبي سعيد بن لب كما قال الناظم ورجع قوله ومال إليه عند النظر والتأمل واستمر على اختياره ولم يتغير فيه اجتهاده إلى أن مات. وإليه أشار الناظم بقوله (والفرق لمن تأخرا) ثم فسر الفرق بقوله (فإن تكن والإزدراع قد مضى) الخ البيتين فكان على الناظم أن يقدمها على البيتين قبلهما لما فيهما من تفسير القول الثالث ويكون الكلام هكذا والفرق لمن تأخرا فإن تكن والإزدراع قد مضى الخ وضمير تكن يعود على الوفاة قال
(وفي الطلاق زرعه للزراع ثم الكراء ما له من مانع)
(وخيرت في الحرث في إعطاء قيمته والأخذ للكراء)
[ ٣ / ١٥٤ ]
يعني أن من طلق زوجته بعد زرع الأرض التي متعته بها وقبل انتهاء الزرع فإن زرعه يكون له ويلزمه من الكراء بقدر مدة ما بين وقت الطلاق ووقت الحصاد تنسب تلك المدة من العام ويؤخذ هذا الكرآء على قدر تلك النسبة كما في ابن سلمون وسيأتي إنه لا شيء لها بعد التناهي فإن حرث الأرض ولم يزرعها كانت الزوجة مخيرة في إعطاء قيمة الحرث وتتمسك بمنفعة أرضها أو تسليمها للزوج وأخذ الكراء منه قال
(وحيثما الزوجة ماتت فالكرا على الأصح لازم من عمرا)
(بقدر ما بقي للحصاد من بعد رعي حظه المعتاد)
يعني أن من متعته زوجته أرضًا يستغلها ثم ماتت بعد أن عمرها بالإزدراع وقبل انتهاء الزرع قام عليه ورثتها يطلونه بكراء باقي المدة وامتنع الزوج من ذلك فالحكم في النازلة أن الزوج يلزمه كراء باقي المدة من يوم موتها إلى حصاد الزرع من بعد طرح حضه المعتاد له في الإرث من نصف أو ربع على القول الأصح لأنها أعطته منفعة ما تملك وقد انتهى ملكها بموتها ومقابل الأصح لا شيء على الزوج من الكراء وهو قول ابن لب في الفرع المتقدم وقيل ينظر إلى زمن موتها فإن كان قبل انقطاع الابان فالكراء وإن كان بعدا لإنقطاع فلا كراء وهو ما أختاره ابن بكر وإن كان بعد الحرث فقط خير الوارث في دفع قيمة الحرث وأخذ الأرض أو تسليمها للزوج وأخذ الكراء ففي هذا الفرع الأقوال الثلاثة المتقدمة وخالف الناظم شيخه فيه لعله ثم فرق بين حياتها وموتها والله أعلم هذا كله إذا وقع الموت أو الطلاق قبل انتهاء الزرع وأما إذا وقع بعد تناهيه فقد أشار الناظم إلى حكمه فقال
(وأن تقع وقد تناهى الفرقة فالزوج دون شيء استحقه)
(ونزل الوارث في التأنيث وعكسه منزلة الموروث)
يعني أن الزوجين إذا وقعت الفرقة بينهما بموت أحدهما أو بموتهما أو بطلاق بعد
[ ٣ / ١٥٥ ]
انتهاء الزرع ويبسه فإن الزوج أو وارثه استحق الزرع بدون شيء وقوله ونزل الورث البيت (قال) ابن سلمون وحكم ورثة من مات منهما حكم موروثه إن كان انقطاع الزوجية بينهما بالموت اهـ وقول الناظم الفرقة فاعل تقع وجملة وقد تناهى حال من الفاعل (ثم) قام يتكلم على اختلاف المتكاريين فقال
﴿فصل في اختلاف المكري والمكتري﴾
واختلافهما أما في قدر المدة أو في قدر الكراء أو في القبض ولم يذكر الاختلاف في أصل العقد بأن ادعى رجل على ءاخر كراء شيء فأنكره فلو قال الناظم
والمدعي اكتراء شيء أو كرا تلزمه بينة إن انكرا
فإن نفاها يحلف المنكر أو يقلبها عن خصمه كما رووا
فإن نفاها المدعي ونكلا عن اليمين قوله قد بطلا
ويقول
(القول للمكري مع الحلف اعتمد في مدة الكراء حيث ينتقد)
(ومع سكنى مكتر وما نقد تحالفا والفسخ في باقي الأمد)
(ثم يؤدي ما عليه حلفا في أمد السكنى الذي قد سلفا)
(وأن يكونا قبل سكنى اختلفا فالفسخ مهما نكلا أو حلفا)
(والقول في ذلك قول الحالف وفي لاحق الزمان أو في السالف)
الأبيات الخمسة يعني أن المتكاريين إذا اتفقا على عقد الكراء وقدر العوض واختلفا في قدر المدة فقال المكري شهر واحد وقال المكتري بل شهران اثنان ولم تكن لوحد منهما بينة فإن القول للمكري بيمينه إذا قبض الكراء الذي هو متفق عليه وظاهره سواء سكن المكتري الشهر الذي يدعيه المكري أو لم يسكن اشبهت دعواه
[ ٣ / ١٥٦ ]
أم لا لاكن الظاهر بل المتعين اعتبار الشبه وسواء اشبه المكنري أم لا وهو أمر لا يخفى أما أن سكن الكتري الشهرين في المثال المذكور فيكون القول له لأن جانبه ترجح بحيازة السكنى التي يدعيها ومفهوم قوله حيث ينتقد أن الكراء إذا لم ينتقد والمكتري ساكن في الدار فإنهما يتحالفان ويبدأ المكتري باليمين فإذا حلفا معًا أو نكلا معًا فسخ العقد في باقي المدة ثم يؤدي المكتري ما حلف عليه في مدة السكنى التي سلفت وإذا حلف أحدهما ونكل الأخر قضي للحالف على الناكل كما يأتي. وأن كان اختلافهما قبل السكنى والمكتري لم ينقد شيئًا من الكراء كما هو موضوع المسألة فالكم في ذلك الفسخ أيضًا إذا حلفا أو نكلا ويقضي للحالف على الناكل كما مر ومن تمام هذه الأبيات قوله الآتي كذلك حكمه مع ادعائه البيت الخامس مبينًا. وقوله الحلف بسكون اللام. وقوله اعتمد مبنى للنائب وألف حلفًا في البيت الثالث للإطلاق وفيه ضمير يعود على مكترِ. وقوله في لاحق الزمان أو في السالف مختص بالاختلاف بعد السكنى ثم اشار إلى اختلافهما في قدر الكراء فقال
(وإن يكن في القدر قبل السكنى تحالفا والفسخ بعد سنا)
(وإن يكن من بعد سكنى اقسما وفسخ باقي مدة قد لزما)
(وحصة السكنى يؤدي المكتري إن كان لم ينقد لباقي الأشهر)
(والقول من بعد انقضاء الأمد للمكتري والحلف إن لم ينقد)
(كذاك حكمه مع إدعائه لقدر باقي مدة اكترائه)
يعني أن المتكاريين إذا اختلفا في قدر الكراء فقط كان يقول المكتري كراء المسكن مثلًا عشرون للشهر ويقول المكتري بل بخمسة عشر للشهر ولم تكن بينة لكل منهما تصدته في دعواه قفي ذلك تفصيل يرجع إلى ثلاثة أحوال (أحدها) أن يختلفا قبل السكنى ففي هذا يتحالفان والبداءة بالمكري كما مر ويتفاسخان ونكولهما كحلفهما ويقضي
[ ٣ / ١٥٧ ]
للحالف على الناكل كما تقدم (ثانيها) أن يختلفا بعد الشروع في السكنى ففي هذا الحال يتحالفان أيضًا على نحو ما تقدم ويفسخ الكراء فيما بقي من الدة ويؤدي الكتري كراء ما سكن على حساب ما حلف عليه إذا لم ينقد الكراء لماضي المدة فإن نقد لها قدرًا معلومًا كان القول قول المكري (ثالثها) أن يختلفا بعد انقضاء أمد السكني ففي هذا الحال يكون القول في ذلك قول المكتري مع يمينه مع الشبه أما أن اتفقا على قدر المدة واختلفا في انقضائها لعدم اتفاقهما على مبدئها فهي مسئلة أخرى تضمن معناها البيت الأخير والحكم فيها أن القول للمكتري بيمينه وله قلبها على المكري فإن نكل عنها قضي للمكتري بما قاله فالتشبه في قوله كذاك راجع لكون القول قول المكتري المفهوم من اكترائه بيمينه وعليه ترجع الضمائر الثلاثة في حكمه وإدعائه واكترائه فالبيت الأخير من تمام ما اشتملت عليه الأبيات السابقة على هذه الأبيات فكان على الناظم ذكرها هناك وإنما ذكرته متصلًا بهذه ولم نفصله عنها كما فعل الشيخ ميارة خوفًا من طول الفصل بالشرح والمشروح بين المشبه والمشبه به فيتحير الطالب. وقوله سنا ءاخر البيت الأول بضم السين وألفه للإطلاق معناه شرع ثم أخذ يتكلم عل باختلافهما في القبض والجنس فقال
(والقول في القبض وفي الجنس لمن شاهده مع حلفه حال الزمن)
يعني أن المتكاريين إذا اختلفا في قبض الكراء أو في جنسه أو فيهما معا ولم تكن لواحد منهما بينة فإن القول لمن شهد له حال الزمن والمكان بيمينه بناء على أن العرف كشاهد واحد ففي الاختلاف في قبض الكراء يعتبر فيه الزمان قربًا وبعدًا أو العادة وفي الاختلاف في الجنس يعتبر فيه تعامل أهل المكان في ذلك الزمان أيضا. وقوله شاهده مبتدأ وحال الزمن خبره والجملة صلة من ومع حلفه بسكون اللام متعلق بمحذوف حال من القول ثم شرع يتكلم على كراء الرواحل والسفن فقال
[ ٣ / ١٥٨ ]
﴿فصل في كراء الرواحل والسفن﴾
فالرواحل جمع راحلة وهي الناقة النجيبة والمراد بها هنا الدابة من حيث هي والسفن جمع سفينة وفصلهما عما قبلهما لأن لهما إحكامًا تخصهما وقد شرع في بيانها فقال
(وفي الرواحل الكراء والسفن على الضمان أو بتعيين حسن)
(ويمنع التجيل في المضمون ومطلقًا جاز بذي التعيين)
يعني أن كراء الرواحل والسفن على ضربين مضمون ومعين ولكل واحد منهما أحكام تخصه فالكراء المضمونهو الذي لم تعين فيه الدابة أو السفينة بالإشارة إليها كأن يقول إنسان لأخر اكتري منك دابتك أو سفينتك أو دابة أو سفينة ولو كانت حاضرة بالمجلس حيث لم تعين بالإشارة إليها ولو كان المكتري يعرفها قبل ذلك ولا يجوز في هذا العقد تأخير الكراء كما قال الناظم لأنه يؤدي إلى دين بدين وحينئذ فلا بد من تعجيله إلا إذا شرع في السفر وكما لا يلزم تعيين المركوب لا يلزم تعيين الراكب لا بشخصه ولا بصنفه عند عقد الكراء بل يصح عقده على حمل آدمي لاكن لا يلزمه حمل عظيم الجثة أو المريض ونحوهما في كراء الدابة بخلاف ما لو وقع العقد على حمل رجل فأتى له بامرأة فله الامتناع من حملها فإذا ماتت الدابة أو تعيبت فأن المكري يلزمه أن يأتي بغيرها للمكتري جبًا عليه لعدم فسخ الكراء لأنه مضمون بخلاف المعين كما يأتي إلا إنه إذا قدم له دابة فركبها فليس له أن يأتي للمكتري بمثلها إلا برضاه وإذا مات الراكب أو تعذر ركوبه لم ينفسخ الكراء وإن ورثته أو الحاكم يكترون مكانه غيره ممن هو مساو له أو دون (والكراء) المعين هو ما كانت الدابة أو السفينة حاضرة فيه وأشير إليها كهذه الدابة أو هاته السفينة ويجوز أن يكون الكراء فيه نقدًا أو مؤجلا كما قال الناظم فإذا ماتت الدابة أو تعذر سيرها قبل إتمام المسافة انفسخ الكراء ويرجعان إلى المحاسبة بحساب ما سار من الطريق وما بقي منها سهولة
[ ٣ / ١٥٩ ]
وصعوبة ويجوز له قبول غيرها أن لم ينقد الكراء أو نقد واضطر كما إذا كان في مفازة ونحوها من المواضع التي لا يجد فيها دابة (وقوله) وفي الرواحل متعلق بمحذوف خبر مقدم والسفن معطوف عليه الكراء مبتدأ مؤخر. وقوله حسن بضم السين فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود على تعيين والجملة من الفعل والفاعل صفة لتعيين قال
(وحيث مكتر لعذر يرجع فلازم له الكراء اجمع)
يعني أن من اكترى دابة أو سفينة لركوب ونحوه إلى موضع كذا بكراء معلوم قم حصل له عذر كمرض يمنعه من الانتفاع بما اكتراه فإن الكراء لازم له ولا ينقص عليه منه شيء. ومفهوم قوله لعذر إنه إذا تخلف لغير عذر فإن الكراء كله يلزمه من باب أولى وله كراء الدابة ونحوها في مثل ما اكتراها له وإذا مات فلورثته أو الحاكم ذلك كما تقدم قال
(وواجب تعيين وقت السفر في السفن والمقر للذي اكتري)
(وهو على البلاغ أن شيء جرى فيها فلا شيء له من الكرا)
يعني أن من اكترى سفينة ومثلها الدابة فالواجب عليه أن يعين وقت السفر لاختلاف الأزمنة بالنسبة لوقت السفر وعظم الخطر في بعضها دون بعض فإذا وقع تعيينه علم كل واحد من المتكاريين قدر الكراء مما يزيده حال الزمان وينقصه ويجب عليه أيضًا تعيين المحل الذي أراد السفر إليه وهو الذي عبر عنه الناظم بالمقر وإن كراءها على البلاغ كالجعل فإنه لا أجرة فيه إلا بإتمام العمل فإن غرقت السفينة في اثناء الطريق فلا كراء وإن شحطت فلا كراء أيضًا ما لم يقرب محل النزول وإلا فيلزمه من الكراء قدر ما انتفع به ولا ضمان على صاحبه إذا غرق ما فيها من طعام وغيره حيث لم يتسبب في ذلك وإلا ضمنه وقوله السفن بسكون الفاء وقوله فيها الضمير يعود على السفن وضمير له يعود عل ىلمكري (ولما) فرغ من الكلام عل ىلكراء شرع يتكلم على الإجارة فقال
[ ٣ / ١٦٠ ]
﴿فصل في الإجارة﴾
قد تقدم أول باب الكراء أن العقد على منفعة غير الآدمي يسمى كراء في الاصطلاح والعقد على منفعة الآدمي يسمى جعلا أو إجارة وأبحاثها ستة (الأول) في معناها لغة وإصطلاحًا (والثاني) في أصل مشروعيتها (والثالث) في حكمها (والرابع) في حكمتها (والخامس) في أركانها (والسادس) في مسائلها (فأما) معناها في اللغة فقال في القاموس الأجر الجزاء على العمل كالإجارة مثلثه اهـ (وقال) القرافي في الذخيرة ويقال آجر بالمد والقصر فأنكر بعضهم المد وهو منقول ولما كان أصل هذه المادة الثواب على الأعمال وهي منافع خصصت الإجارة ببيع المنافع على قاعدة العرف في تخصيص كل نوع تحت جنس باسم ليحصل التعارف عند الخطاب قال وقد غلب وضع الفعالة بالكسر للصنائع نحو الصناعة والخياطة والتجارة والفعالة بالفتح لأخلاق النفوس نحو السماحة والشجاعة والفصاحة والفعالة بالضم لما يطرح من المحقرات نحو الكناسة والقلامة والفضالة والنخالة كذا في الحطاب. ومعناها في الاصطلاح فقال فيه ابن عرفه بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشيء عنها بعضه يتبعض بتبعيضها اهـ فأخرج بقوله منفعة الذوات. وأخرج بقوله ما أمكن نقله كراء الدور والأرضين. واخرج بقوله غير سفينة كراء السفن وغير منصوب على الحال. وأخرج بقوله ولا حيوان لا يعقل كراء الرواحل فإن ذلك كله من باب الكراء لا من باب الإجارة وأما بيع منفعة الحيوان العاقل فهي الإجارة المقصودة بالتعريف (وقوله) بعوض هو أحد أركان الإجارة ثم وصفه بكونه غير ناشيء عنها ليخرج به القراض والمساقاة والمغارسة. وأخرج بقوله يتبعض بتبعيضها الجعل. وقوله بعضه ضميره يعود على العوض وضمير بتبعيضها يرجع إلى الإجارة أي يتبعض عملها (قال) الإمام ابن عرفة إنما ذكرته خوفًا من نقض عكس الحد أي يكون غير جامع لأجل قوله تعالى إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على
[ ٣ / ١٦١ ]
أن تأجرني ثماني حجج لأن هذه الصورة اجمعوا على أنها إجارة عوضها البضع وهو لا يتبعض فلو اسقطت قولى بعضه وقلت بتبعض بتبعيضها لخرجت هذه الصورة من الحد فكان غير منعكس اهـ رصاع. وعرفها ابن راشد فقال حقيقة الإجارة تمليك منفعة عين معلومة زمنا معلوما بعوض اهـ (وأما) الأصل في مشروعيتها فبالكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى فإن ارضعن لكم فئاتوهن أجورهن وقوله تعالى إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي الآية المتقدمة (وأما) السنة فقد فعلها النبي ﷺ وفعلها الصحابة وقال ﵊ من استأجر اجيرًا فليعلمه أجره وقال ﷺ ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطي بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر جيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره رواه البخاري (وفيه) حديث الرقية بالفاتحة المشهوران أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله (وأما) حكمها فقال ابن عرفة هي جائزة إجماعًا. وقال ابن العربي وأنكرها الأصم وهو عن الشريعة أصم. وقال الصقلي خلاف الأصم فيها لغو لأنه مبتدع. وقال ابن راشد حكمها الجواز ابتداء واللزوم بنفس العقد ما لم يقترن بها ما يفسدها كالسلف كان يدفع لحائك ينسج له ثوبًا بعشرة على أن يسلفه رطلا من غزل وذلك غير جائز لأنه سلف وإجاره (وأما) الحكمة في مشروعيتها فلتتعاون ودفع الحاجات وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله ورفعا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا الاية (وقال) ابن العربي أن الله سبحانه شرع البيع والابتياع في الأموال لاختلاف الأغراض وتبدل الأحوال فلما دعت الحاجة إلى انتقال الأملاك شرع لها سبيل البيع وبين أحكامه ولما كانت المنافع كالأموال في الحاجة إلى استفائها إذ لا يقدر كل أحد أن يتصرف لنفسه في جميع أغراضه نصب الله تعالى الإجارة في استفاء المنافع بالأعواض لما في ذلك من حصول الأغراض اهـ (وأما) أركانها فستة العقد والمستأجر والأجير والأجرة والمنفعة والصغة (أما) العقد فيشترط فيه أن لا يكون في وقت نهي وأن لا يقترن به ما يفسده كما مر (وأما) المستأجر والأجير المعبر عنهما بالعاقد
[ ٣ / ١٦٢ ]
فشرط صحة عقدهما التمييز ولزومه الرشد (وأما الأجرة) فهي كالثمن فيما يحل ويحرم هذا هو المذهب قال ابن عبد البر في الاستذكار وذهب أهل الظاهر وطائفة من السلف إلى جواز المجهولات في الإجارة من البدل وأجازوا أن يعطي حماره لمن يسقي عليه أو يعمل بنصف ما يرزق بسعيه على ظهره ويعطي الحمام لمن ينظر فيه بجزء منه مما يحصل منه كل يوم قياسًا على القراض والمساقاة قالوا وأباح الله إجارة المرضع وما يأخذه الصبي من لبنها مع اختلاف أحوال الصبيان في الرضاع واختلاف البان النساء وورد القرءان بجوازه اهـ مواق وفي هاته الرواية فسحة لمن جرت عادتهم بذلك للضرورة. وأما المنفعة فيشترط فيها أن تكون معلومة تتقوم وأن تكون مباحة وأن يقدر على تسليمها وأن تكون مما تحصل به المنفعة للمستأجر فلا تصح الإجارة على منفعة مجهولة وقولي تتقوم احترازا من منفعة الجعالة فإنها لا تتقوم ولا تصح ايضًا الإجارة على صياغة أواني الذهب والفضة ولا على الغناء والنياحة ولا استئجار الأعمى للخط ولا الأخرس للخصام ولا الاستئجار على العبادات كالصوم والصلاة (فائدة) مرتبة على قولي تتقوم قال ابن العربي الفرق بين الإجارة والجعالة أن الإجارة يتقدر فيها العوض والمعوض من الجهتين والجعالة يتقدر فيها الجعل والعمل غير مقدر اهـ (وأما) الصيغة فهي التلفظ بمادة الإجارة أو ما يقوم مقامها من كل ما يدل على الرضى كالبيع وقد نظمت هذه الأركان فقلت
أركانها عقد وأجر منفعه وءاجر ومؤجر لينفعه
وصيفة ومثلها ما يكتفي به عن اللفظ يكون ذا وفا
(وأما) مسائلها فهي كثيرة وقد ذكر الناظم منها ما تدعو حاجة الحكام إليه وهو المقصود من هذا الرجز فقال
(العمل المعلوم من تعيينه يجوز فيه الأجر مع تبيينه)
(وللأجير أجرة مكمله إن تم أو بقدر ما قد عمله)
[ ٣ / ١٦٣ ]
يعني أن الإجارة جائزة بشرط تعيين العمل كخياطة وبناء ورضاع ورعي غنم ونحوها وبيان قدر الأجر وجنسه وصفته بيانًا حقيقًا أو حكميًا كما إذا كانت عادة قوم إعطاء اجر معلوم على عمل معلوم لا يزيد عنه ولا ينقص بحيث لا يقع فيه بين الأجير والمستأجر نزاع فإنه يجزئى عن البيان بالكلام والغالب في هذا أن يكون في الأمور التي ليس لها بال ثم أن أتم الأجير عمله أستحق أجرته كاملة وإن لم يتمه كان له من الأجرة بقدر عمله وسواء كان عدم الإتمام لعذر أو لغير عذر على القول المشهور المعمول به ويجبر على إتمام العمل كرضاع ونحوه إن كان لغير عذر لأن عقد الإجارة لازم لكل واحد منهما كالبيع فإذا حصل السكوت حتى انقضى الأجل انفسخت الإجارة فيما بطل وليس عليه قضاءه بأيام آخر وله أجرته على قدر عمله كما مر ثم شرع يتكلم على اختلاف المتئاجرين فقال
(والقول للعامل حيث يختلف في شأنها قبل الفراغ إن حلف)
(وإن جرى النزاع قبل العمل تحالفا والفسخ بين جلي)
يعني أن العامل والمعمول له إذا اختلفا في شأن الأجرة ففيه تفصيل وهو إن كان اختلافهما بعد الفراغ من العمل فالقول قول العامل بيمينه إذا أدعى ما يشبه وسواء أدعى المعمول له ما يشبه أم لا وإلا رد لأجرة مثله أن لم يدع المعمول له ما يشبه وإلا كان القول له بيمينه ويقضى للحالف على الناكل وإن كان اختلافهما قبل العمل تحالفا وفسخت الإجارة بينهما ونكولهما كحلفهما ويقضى للحالف على الناكل كما تقدم وهذا كله مع عدم البينة وإلا كان العمل عليها. وقول الناظم يختلف بالبناء للنائب وتعبيره بالشأن شامل لجميع الإختلافات التي تقع بين المتئاجرين فهو كالترجمة لما بعده وإليه أشار الناظم بقوله
(وإن يكن في صفة المصنوع أو نوعه النزاع ذا وقوع)
[ ٣ / ١٦٤ ]
(فالقول للصانع من بعد الحلف وذاك في مقدار أجره عرف)
(فإن يكن منه نكول حلفًا رب المتاع وله ما وصفا)
يعني أن الصانع والمصنوع له إذا تنازعا في صفة المصنوع أو في نوعه أو في قدر الأجرة ولم تكن بينة لواحد منهما في ذلك فأن القول في الفروع الثلاثة قول الصانع بيمينه فإن نكل عن اليمين حلف المصنوع له ويقضى له بما قال فأن نكل عنها قضي للصانع بما قال وألف حلفًا ووصفا للإطلاق قال
(والقول قول صاحب المتاع في تنازع في الرد مع حلف قفي)
يعني أن الصانع وصاحب المتاع إذا تنازعا في رد المتاع وعدم رده كان يقول الصانع رددت إليك متاعك ويقول صاحب المتاع لم ترده إلي فإن القول قول صاحب المتاع بيمينه وسواء قبض الصانع المتاع بأشهاد أم لا عمله بأجر أو بدون أجر هذا إذا كان من المنتصبين للصنعة بين الصنعة بين الناس لأنه ضامت وأما غير المنتصف فسيأتي الكلام عليه في فصل العارية قال
(والقول للأجير إن كان سأل بالقرب من فراغه أجر العمل.)
(بعد يمينه لمن يناكر وبعد طول يحلف المستاجر)
يعني أن الأجير والمستأجر إذا تنازعا في قبض الأجرة وعدم قبضها كان يقول الأجير ما دفع إلي المستأجر من أجرتي شيئًا وطلب الخلاص معه فيه وقال المستأجر في جوابه دفعت إليه أجره كاملًا ولم يبق له في ذمته من أجره شيء ففي المسئلة تفصيل وهو أن كان قيام الأجير بالقرب من فراغه من العمل كاليومين والثلاثة قالقول قوله بيمينه وإن كان قيامه بعد طول بأن زاد على الثلاثة أيام فالقول للمستأجر بيمينه هذا إذا توصل صاحب المتاع بمتاعه وإلا فالقول قول الأجير بيمينه ولو طال الزمان جدا قال
(والوصف من مستهلك لما تلف في يده يقضى به بعد الحلف)
[ ٣ / ١٦٥ ]
(وشرطه إتيانه بمشبه وإن لجهل أو نكول ينتهي)
(فالقول قول خصمه في وصفه مستهلكا بمشبه مع حلفه)
يعني أن الصانع إذا ادعى هلاك الشيء المصنوع ولم تقم على هلاكه بينة فإنه يضمنه لاكن بشرطين أحدهما أن يكون من المنتصبين للصنعة بين الناس (وثانيهما) أن لا يكون الشيء المصنوع ببيت صاحبه أو بحضرته وإلا فلا ضمان عليه إلا إذا تسبب في هلاكه فإنه يضمنه سواء كان عمدًا أو خطأ وسيأتي الكلام على غير المنتصب للصنعة والرامي وحارس الحمام وغيرهم في فصل العارية والوديعة والأمناء (ثم) أن أتفق الصانع والمصنوع له على صفة الشيء المستهلك فإنه يقول مثله إن كان من المثليات أو قيمته إن كان من المقومات وإن اختلفا في وصفه بأن وصفه مالكه بأحسن مما وصفه به صانعه فالقول للصانع بيمينه إنه كان على ما وصفه به إذا أتى بما يشبه فأن أتى بما لا يشبه أو أتى بما بشبه ونكل عن اليمين حلف رب المتاع وقضي له بما قال أن أشبه وإن لم يشبه واحد منهما أو جهلا صفته معًا فإن الصانع تلزمه قيمة شيء وسط من جنسه هذا إذا كان الصانع يعمل بنفسه إما إذا كانت له صناع يعملون بإشارته فإن كان هو الذي يتولى المعاملة والقبض والدفع فالخصومة معه والضمان عليه كما مر وإن كان الذي تولى ذلك هو الأجير فالخصومة معه والضمان عليه لا على مستأجره صاحب الحانوت كما في نوازل الإجارات من المعيار. وقول الناظم والوصف مبتدأ ومن مستهلك بكسر اللام سماه به لهلاك الشيء تحت يده بدعواه متعلق بمحذوف صفة للمبتدأ ولما تلف متعلق بالوصف وجملة يقضى به خبر المبتدأ وقوله في وصفه مستهلكا بفتح اللام ثم ذكر الناظم قاعدة في بيان ما يلزم مدعي الهلاك إذا ضمن فقال
(وكل من ضمن شيئًا أتلفه فهو مطالب به أن يخلفه)
(وفي ذوات المثل مثل يجب وقيمة في غيره تستوجب)
[ ٣ / ١٦٦ ]
يعني أن كل من أدعى تلف شيء من المال تحت يده سواء كان صانعًا أو غيره ووجب عليه ضمانه فإنه مطلوب بأخلافه لربه فإن كان من المثليات لزمه مثله وإن كان من المقومات ضمن قيمته وقوله يخلفه بضم أوله وكسر ما قبل ءاخره من أخلف الرباعي وتستوجب بضم أوله وفتح ما قبل ءاخره مبني للنائب وصميره يعود على قيمة (ولما) فرغ من الكلام على الإجارة شرع في بيان الجعل فقال
﴿فصل في الجعل﴾
قال في المصباح والجعل بالضم الأجر يقال جعلت له جعلًا والجعالة بكسر الجيم وبعضهم يحكي التثليث والجعيلة مثل كريمة لغات في الجعل وأجعلت له بالألف أعطيته جعلًا فأجتعله هو إذا أخذه اهـ (وقال) الإمام ابن عرفة في تعريفه الجعل عقد معاوضة على عمل ءادمي يجب عوضه بتمامه لا بعضه ببعضه اهـ فقوله رحمه الله تعالى عقد جنس للمعرف وغيره من العقود. وقوله معاوضة يخرج به التبرعات كالصدقة. وقوله على عمل يخرج به العقد على الذوات. إضافة عمل إلى ءادمي يخرج به الكراء (وقوله) يجب عوضه بتمامه يخرج به القراض والمساقاة والمزارعة لجواز عدم الربح وعدم الغلة والزرع. وقوله لا بعضه ببعضه تخرج به الإجارة لوجوب بعض العوض إذا ترك الأجير العمل قبل تمامه كما تقدم.
وعرفه ابن راشد بقوله الجعل إعطاء أجرب في مقابلة عمل بشرط التمام. والأصل في مشروعية الكتاب والسنة (أما) الكتاب فقول الله تعالى قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير الآية فجعل لمن جاء بصواع الملك الذي فقدوه ادعاء حمل بعير من الطعام ولم يقدر له مدة ولم يقع تعيين أحد بخصوصه (وأما) السنة فقوله ﷺ يوح حنين من قتل قتيلًا فله سلبه. وحكمة مشروعيته الرفق ودفع الحاجة كما في لب اللباب. وأركانه خمسة العقد والعاقد والمعقود به والمعقود عليه والصيغة (أما) العقد فشرطه أن لا يقع في وقت نهي وأن لا يقترن بسلف كما
[ ٣ / ١٦٧ ]
مر (وأما) العاقد فيتناول الجاعل والمجعول له ويشترط فيهما أهلية الاستيجار ولا يشترط في المجعول له أن يكون معينًا كما تقدم في الأية (وأما) المعقود به فيشترط فيه أن يكون معلومًا منتفعًا به طاهرًا مقدورًا على تسليمه وفي جواز الجعل بجزء منه خلاف (وأما) المعقود عليه فيشترط فيه أن يكون مما لا يلزم المجعول له عمله فإن كان مما يلزمه لم يجز أخذ الجعل عليه كان يجد بعيرًا شاردًا لأن رده واجب عليه قال ابن سلمون ومن رد ءابقا أو ضالة من غير عمل فلا جعل له على رده ولا على دلالته لوجوب ذلك عليه اهـ. وأن يكون مما يجوز له عمله فلا يجوز الجعل على إتيان بخمر أو زانية. وأن يكون مما ينتفع به الجاعل على أحد قولين ولم ينقل ابن يونس إلا القول بعدم الجواز مقتصرا عليه قال عبد الملك من جعل لرجل جعلا على أن يرقى إلى موضع من الجبل سماه له إنه لا يجوز ولا يجوز إلا فيما ينتفع به الجاعل يريد لأنه من أكل أموال الناس بالباطل. وفي ابن عات لا يجوز الجعل على إخراج الجان من الرجل لأنه لا يعرف حقيقته ولا يوقف عليه ولا ينبغي لأهل الورع الدخول فيه وكذا الجعل على حل المربوط والمسحور انظر الأكمال عند قوله ﷺ من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل كما في الواق (وفي) الحطاب قال الآبي ولا يحل ما يأخذه الذي يكتب البراءات لراد التليفة لأنه من السحر وأما ما يؤخذ على حل المعقود فأن كان برقية بالرقي العربية جاز وإن كان بالعجمية لم يجز وفيه خلاف وكان الشيخ ابن عرفة يقول أن تكرر منه النفع بذلك جاز اهـ. ويشترط في المعقود عليه أيضًا أن يكون مما لا ينتفع الجاهل به إلا بعد تمامه فلا يجوز الجعل على حفر بئر في أرض يملكها كما يأتي. وأن يكون العمل غير مقدر بزمن كما ستعرفه وفي اشتراط كونه غير كثير وعدم اشتراطه وصحح قولان (وأما) الصيغة فهي لف الجعل أو ما يدل عليه ويكتفي به دلالة واضحة على تمليك المنفعة بعوض بشرط التمام وقد نظمن هذه الأركان فقلت
[ ٣ / ١٦٨ ]
أركانه عقد وعاقد عوض وعمل معين لمن نهض
وصيغة ومثلها ما يكتفي والله يعطي أجره لمن عفا
قال
(الجعل عقد جائز لا يلزم لاكن به بعد الشروع يحكم)
(وليس يستحق مما يجعل شيئًا سوى إذا يتم العمل)
(كالحفر للبئر ورد الأبق ولا يحد بزمان لاحق)
يعني أن الجعل عقد جائز عند توفر شروطه وانتفاء موانعه لاكنه غير لازم قبل الشروع في العمل منحل من جهة العامل والجاعل وأما بعد الشروع فيه فإنه يحكم بلزومه من جهة الجاعل فقط وإن العامل لا يستحق شيئًا من الجعل إلا بتمام العمل لقول الله تعالى ولمن جآء به حمل بعير فمفهومه إنه لم يأت به فلا شيء له وأما بعد تمام عمله فإنه يستحق جعله المسمى له كاملًا ومحل كون العامل لا يستحق شيئًا من الجعل إلا بعد تمام العمل أم لم ينتفع الجاعل بعمله وإلا فأنه يستحق بنسبة عمل الثاني وسواء كان عمل الثاني قدر عمل الأول أو أقل أو أكثر مثل أن يجعل للأول عشرة دراهم على تبليغ خشبة إلى موضع كذا فبلغها نصف المسافة مثلا وتركها ثم جعل لأخر عشرة على تبليغها فأن الأول يستحق عشرة وهكذا ولا مفهوم للإستيجار بل لو بلغها إنسان بدون أجر فإنه يستحق قيمة عمله لأن المدار على الانتفاع وقد حصل كما في الأجهوري ثم مثل الناظم للجعل بمثالين قال (كالحفر للبئر ورد الأبق) فإما حفر البئر لإخراج الماء فيشترط فيه أن يكون في أرض موات لا في أرض مملوكة لأنه على تقدير عدم تمام عمله يذهب عمله باطلًا مع انتفاع الجاعل به في أرضه إلا إذا جاعل غيره على التمام فإنه يستحق بنسبة عمل الثاني كما في المثال المتقدم (وأما) رد الأبق فيشترط فيه جهل مكانه كالبعير الشارد فإن علما أو أحدهما مكانه فسخ العقد فإن لم يعثر عليه حتى تم العمل فإن كان العالم هو الجاعل والجاهل
[ ٣ / ١٦٩ ]
العامل فله الأكثر من الجعل وأجرة مثله وأن أنفرد العامل بالعلم فلا شيء له وقيل له بقدر تعبنه وإذا تنازعا في العلم وعدمه فالقول لمن أدعى عدم العلم منهما لأن الأصل في العقود الصحة ما لم يغلب الفساد وأن الجعل لا يجوز فيه ضرب الأجل لأن المجعول له يكون له الترك متى شاء فلا وجه لتحديده بزمن ولما فيه من زيادة الغرز إذ ربما ينقضي الأجل قبل تمام العمل فيذهب عمله باطلا أو يتم العمل قبل انقضائه فيأخذ شيئًا لا يستحقه لأنه يأخذ الجعل كاملًا لتمام العمل ويسقط عنه عمل بقية الأجل إلا إذا شرط العامل على الجاعل ترك العمل متى شاء فإنه يجوز ضرب الأجل. وأن اشتراط النقد في الجعل لا يجوز لأنه يؤدي إلى التردد بين السلفية والثمينة وأما تعجيله على الطوع فهو جائز (وأعلم) أن النسبة بين الجعل والإجارة العموم والخصوص الوجهي على التحقيق وبيانه أن العمل المجاعل عليه بعضه تصح فيه الإجارة والجعل كحفر بئر في أرض موات لأنه أن عين فيها مقدارا مخصوصًا من الأذرع كان إجارة وإن عاقده على إخراج الماء كان جعلا. وبعضه لا تصح فيه الإجارة وذلك كالمعاقدة على إحضار عبد ءابق أو بعير شارد ونحوهما من كل ما يجهل فيه العمل وبعضه لا تصح فيه الجعالة وتتعين فيه الإجارة وذلك كالمعاقدة على عمل في أرض مملوكة للجاعل كحفر بئر فيها قاله النفراوي على الرسالة (ولما) فرغ من الكلام على الجعل شرع يتكلم على المساقاة فقال
﴿فصل في المساقاة﴾
هو مصدر مفرد ينصب بالفتحة على الأصل (قال) القاضي عياض هي مشتقة من سقي الثمرة إذ هي معظم عملها وأصل منفعتها. وقال الرصاع نقلًا عن الجوهري إن المساقاة استعمال رجل رجلًا في نخل أو كرم يقوم بإصلاحها ليكون له سهم معلوم من غلتها قال وهذا قريب من الحقيقة الشرعية إلا أن فيه قصورا عنها فإنها أعم لأنها لا تختص بالنخل والكرم فيكون في الشرع تعميم لما خصصته اللغة اهـ. وعرفها
[ ٣ / ١٧٠ ]
الإمام ابن عرفة بقوله هي عقد على عمل مؤنة النبات بقدر لا من غير غلته لا بلفظ بيع أو إجاره أو جعل فيدخل قولها لا بأس بالمساقاة على أن كل الثمرة للعامل ومساقاة البعل اهـ (فقوله) لا بلفظ بيع أو إجارة أو جعل يدخل فيه عقدها بلفظ عاملتك على طريق سحنون فإنها تنعقد عنه بغير لفظ ساقيتك كعاملتك وارتضاها جمع كثير من الشيوخ قائلًا وهي المذهب خلافًا لإبن القاسم القائل بإنها لا تنعقد إلا بلفظ ساقيتك (وقوله) لا من غير غلته يخرج به ما لو كان الجزء من غير الثمرة فلا تصح لخروجها عن المساقاة ككونها بدراهم أو عرض وإنما تكون إجارة تجري عليها إحكامها (وحكمها) الجواز بدليل ما في الصحيح إن رسول الله ﷺ ساقي أهل خيبر في النخل على أن لهم نصف الثمرة بعملهم والنصف يؤدونه له ﷺ أو لأصحابه. وحكمه مشروعيتها دفع الحاجة كما في لب اللباب. ولهذا استثنيت من أصول أربعة ممنوعة (الأول) الإجارة بمجهول (والثاني) المخابرة وهي كراء الأرض بما يخرج منها (الثالث) بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بل قبل وجودها (الرابع) الغرر لأن العامل لا يدري أتسلم الثمرة أم لا (قال) ابن شاس المساقاة سنة على حيالها. وقال ابن راشد حكمها الجواز ابتدائ واللزوم إذا وقعت وإلى هذا أشار الناظم بقوله
(إن المساقاة على المختار لازمة بالعقد في الأشجار)
(والزرع لم ييبس وقد تحققا قيل مع العجز وقيل مطلقا)
(والحقوا المقاثي بالزرع موما كالورد والقطن على ما قدما)
يعني أن عقد المساقاة على الأشجار والنبات وأن بعلا لازم لكل من المتعاقدين بنفس العقد كالبيع وإن لم يحصل شروع في العمل على القول المختار وهو المشهور وبه العمل ومقايله لا تلزم إلا بالشروع في العمل كالجعل. وإنها تكون في عمل الأشجار سواء عجز ربها عن القيام بها أم لا وتكون في الزرع بشروط أربعة بزيادة شرط
[ ٣ / ١٧١ ]
على ما في النظم (أحدها) أن لا يبدو صلاحه وهو مراد الناظم باليبس (وثانيها) أن يبرز من الأرص ويتحقق خروجه منها (وثالثها) أن يخاف عليه الموت بترك السقي (ورابعها) أن يعجز ربه عن القيام به هذا هو القول المشهور وقيل تجوز مطلقًا عجز ربه عن القيام به أولًا فيكون كالأشجار والحقت المقاثي وما أشبهها كالكتان والبصل بالزرع في جواز مساقاتها بالشروط المذكورة. وقوله وما كالورد ظاهره إنه معطوف على المقاثي بدليل قوله على ما قدما فيكون حكمه حكم المقاثي في الإلحاق بالزرع بشروطه ويجوز عطفه على الأشجار على أن ما مبتدأ وعلى ما قدما خبره وهو من جهة الراجحية أحسن لقول الشيخ خليل مشبها في الصحة ما نصه كزرع وقصب وبصل ومقثأة أن عجز ربه وخيف موته وبرز ولم يبد صلاحه وهل كذلك الورد ونحوه والقطن أو كالأول وعليه الأكثر تأويلان (قال) انب رحال فقوله كزرع التشبيه بقوله إنما تصح مساقاة شجر وقوله كزرع ظاهره كان بعلًا أو لا وهو كذلك. وقوله وعليه الأكثر هذا هو الراجح فإن الخلاف في هذه الأشياء كثير اهـ فقال
(وامتنعت في مخلف الاطعام كشجر الموز على الدوام)
(وما يحل بيعه من الثمر وغير ما يطعم من أجل الصغر)
يعني أن المساقاة ممتنعة في عمل الأشجار التي يكون إطعامها يخلف بعضه بعضًا لا ينقطع على الدوام كالموز وفي عمل الأشجار التي حل بيع ثمرها والزرع الذي بدا صلاحه لأن المشقة ترتفع عن ربه بالبيع على المشهور وفيما لا يطعم من الشجر لصغره لأن خدمته بدون شيء يحصل له تكون من الباطل إلا إذا كان على وجه الطواعية أو تبعا لغيره من جميع ما منع أو كان على سبيل الإجارة بجزء منه أو من غيره فإنه يجوز والتبعية أن يكون التابع الثلث فأقل كما يأتي مثاله في البياض. وقوله مخلف بضم أوله وكسر ما قبل ءاخره مخففا من أخلف الرباعي. وقوله وغير ما يطعم بالجر عطف على مخلف أو على ما يحل بيعه قال
[ ٣ / ١٧٢ ]
(وفي مغيب في الأرض كالجزر وقصب السكر خلف معتبر)
يعني إنه وقع خلاف بين أهل المذهب في مساقاة ما كان غائبًا في الأرض كالجزر واللفت والفجل ونحوها كالبطاطة وقصب السكر فقيل بالجواز وهو المشهور بشروط الزرع المتقدمة وقيل بعدم الجواز. وقوله مغيب بضم أوله وكسر ما قبل ءاخره مشددًا جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم وخلف بضم أوله وسكون ثانيه أي خلاف مبتدأ مؤخر ومعتبر صفته قال
(وإن بياض قل ما بين الشجر وربه يلغيه فهو مغتفر)
(وجاز أن يعمل ذاك العامل لاكن بجزء جزئها يماثل)
(بشرط أن يكون ما يزدرع من عنده وجزء الأرض تبع)
(وحيثما أشترط رب الأرض فائدة فالفسخ أمر مقضي)
يعني أن البياض الذي يكون في الجنات سواء كان بين الأشجار أو منفردًا عنها بناحية يجوز لربه الغاؤه للعامل وهو أحسن إذا قل كان يكون كراؤه منفردًا مائة درهم مثلًا والثمرة وحدها تساوي مائتين بعد إسقاط ما أنفق عليها فيختص به العامل ويزرع فيه ما شاء وسواء كان بشرط أو بلا شرط. ومفهوم قوله قل إنه إذا لم يكن قليلًا بان زاد على الثلث لم يجز الغاءه للعامل وهو كذلك ويبقى لربه يعمل فيه مزارعة او بأجر مع من شاء فإن اشترطه العامل فسدت المساقاة كما يأتي ولو بعد العمل ويكون له أجر مثله في خدمته ومساقاة مثله في الشجر. ويجوز لرب الأرض إدخال البياض القليل المتقدم في المساقاة لأنه في حكم التابع وتكون فائدته بينما لاكن بشروط (أحدها) أن يكون عمله فيه بجزء يماثل جزء المساقاة كربع وربع أو ثمن وثمن فلو كان على الثمن في الثمرة والربع أو النصف في البياض كما يوجد في بعض البلدان ففيه ثلاثة أقوال المنع لإبن القاسم والكراهة لأصبغ والجواز لغيرهما
[ ٣ / ١٧٣ ]
وإليه رجع أصبغ وهو الذي عليه عمل الناس فلا يشوش عليهم بقول ابن القاسم المشهور كما في المسناوى وذلك لقول الفقهاء أن ما جرى عليه عمل الناس وصادف قولًا ولو خارج المذهب جاز ويقع الحكم على مقتضاه (وثانيها) أن تكون الزريعة من عند العامل لأنها من جملة مؤنة المساقاة فلو كانت من عند ربه أو من عندهما فسدت لخروجت الرخصة عن محلها بناء على أنها لا تتعداه وأما على القول بأنها تتعداه فلا تفسد خصوصا إذا كانت الحاجة داعية لذلك بأن جرى بها عرف بلد (وثالثها) أن يكون جزء الجنان الذي هو البياض تبعًا لقيمة ثمرة الحائط كالمثال المتقدم وهذا الشرط مستغنى عنه بقوله قل اللهم إلا أن يكون قصده بذلك زيادة البيان والإيضاح (ورابعها) أن لا يشترط ربه فائدته لنفسه فإن اختل شرط من هذه الشروط فسدت على القول المشهور ويرد العامل إلى مساقاة مثله في الشجر وأجر مثله في البياض وقيل لا تفسد على نحو ما تقدم وقيل يجوز لربه اشتراطه لنفسه لأن العامل لا يتكلف له واختلاف العلماء فيه رحمة والله أعلم بالصواب قال
(ولا تصح مع كراء لا ولا شرط البياض لسوي من عملا)
(ولا اشتراط عمل كثير يبقى له كمثل حفر البئر)
يعني أن المساقاة لا يصح جمعها مع الكراء في عقد واحد عند ابن القاسم لأن الكراء بيع والبيع يمتنع جمعه معها كما تقدم وتصح عند أشهب ولا تصح المساقاة على أن يشترط البياض القليل لغير العامل كان يكون مشترطًا لرب الأرض كما مر أو لأجنبي والعمل على العامل وقيل يجوز ذلك كما سبق ولا تصح مع اشتراط عمل كثير ينشئه العامل كحفر بئر وبناء حائط أو طابية وما أشبه ذلك وأما العمل القليل الذي هو مفهوم العمل الكثير فهو جائز اشترط عليه أو لم يشترط كالعمل الكثير الذي هو من لوازم عمل المساقاة مما يحتاج إليه الحائط وما الحق به من سقي وآبار وتنقية مناقع
[ ٣ / ١٧٤ ]
الشجر ومجاري المياة والحصاد والدراس ونحوها كله على العامل كما عليه إقامة الأدوات من الدلاء والمساحي والإجراء وسائر ما يحتاج إليه مما يتوقف عليه العمل وكذلك لا تصح على إشتراط اختصاص أحدهما بكيل أو عدد أو بثمر نخلة ونحوها ويكون الباقي بينهما هذا إذا وقع في صلب العقد كما قال وإما إذا وقع بعده تطوعًا فإنه جائز وإنما كان ذلك مفسدًا مع الشرط عند ابن القاسم وإما عند غيره فلا فساد وعليه عمل الناس ولا جناح على من عمل به خصوصًا مع الضرورة. وقوله ولا توكيد لقوله لا التي قبلها. وقوله وال شرط بالجر عطف على كراء وكذا ولا اشتراط ولا اختصاصه وجملة قد عقد من الفعل والفاعل صلة ما أي من النخيل الذي قد عقد عليه رب الحائط أو العامل المساقاة وأولى في المنع إذا كان من غيرها على مذهب ابن القاسم. وفي المعيار عن أبي سعيد فرج أبن لب أن ما أرتكبه الناس وتقادم في عرفهم وجرى به عملهم ينبغي أن يلتمس له وجه شرعي ما أمكن على خلاف أو وفاق إذ لا يلزم ارتباط العمل بمذهب معين ولا بمشهور من قول قائل اهـ. والله أعلم فهذا هو الفقه المناسب لإجراء العمل بالشريعة السمحاء خصوصا في هذا الزمان فليس كل حافظ فقيه ولا كل من بيده سبحة نزيه قال
(وهي بشطر أو بما قد اتفق به وحد أمد بها يحق)
يعني أن من شرط صحة المساقاة بيان القدر الذي يأخذه العامل ولو أتى على جميع الثمرة كما تقدم عن أبن عرفة في التعريف وكونها بالنصف أولى للسنة كما مر ويتشرط في صحتها أيضًا بيان أمدها الذي تنتهى إليه فأن لم يبينا مدتها فهي إلى الجذاذ (وقوله) اتفق بالبناء للنائب وقوله به أي عليه وحد مبتدأ وأمد مضاف إليه وجملة يحق بها خبره قال
(والدفع للزكاة إن لم يشترط بينهما بنسبة الجزء فقط)
يعني أن المساقاة إذا أنعقدت بين رب الحائط ونحوه والعامل ولم يشترط احدهما على الآخر دفع الزكاة ولا جرى بينهم عرف في ذلك بإخراج الزكاة من نصيبه فإنها تخرج
[ ٣ / ١٧٥ ]
ابتداء من كامل الثمرة أو الزرع ثم يكون الباقي بينهما على ما اتفقا عليه وحيث وقع إخراج الزكاة من الكامل فقط أعطى كل واحد منهما ما وجب عليه من الزكاة بقدر نصيبه هذا معنى قوله بنسبة الجزء فقط يعني جزء الغلة لا أقل ولا أكثر. وفهم من قوله إن لم يشترط إنه إذا أشترط العامل أو رب الحائط أن دفع الزكاة يكون على أحدهما جاز وهو كذلك والعرف كالشرط (وفي المدونة) لا بأس أن تشترط الزكاة في حظ أحدهما لأنه يرجع إلى جزء معلوم ساقي عليه فإن لم يشترط شيئًا فشأن الزكاة أن يبدأ بها ثم يقتسمان ما بقي قال
(وعاجز عن حظه يكمل بالبيع مع بدو الصلاح العمل)
(وحيث لم يبد ولا يوجد من ينوب في ذاك مناب مؤتمن)
(فعامل يلغى له ما انفقا وقول خذ ما ناب وأخرج متقى)
يعني أن العامل إذا عجز عن عمل المساقاة فأن كان ذلك بعد بدو صلاح الثمرة فإن حظه يباع بغير طعام ويستأجر بثمنه أجير أمين يكمل بقية العمل وإن بقي فيه فضل كان له وإن نقص كان في ذمته وأن كان عجزه عن إتمام العمل قبل بدو الصلاح فإن وجد من يقوم مقامه فلا إشكال وإن لم يوجد من يقوم مقامه في ذلك من الأمناء فلا شيء له ولا عليه وتكون خدمته وتفقته ملغاة لا عبرة بها ولا يجوز له أن يعطيه ثمنًا في مقابلة نصيبه من الثمرة لأنه من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها هذا معنى قوله (وقول خذ ما ناب وأخرج متقى) أي ممنوع ومن باب أولى إذا قال له ذلك في الاختيار (قال) مالك في المدونة ومن ساقيته حائطك لم يجز أن يقيلك على شيء تعطيه إياه كان قد شرع في العمل أم لا لأنه غرر أن أثمر النخل فإنه بيع الثمر قبل زهره وإن لم يثمر فهو أكل المال بالباطل اهـ مواق ثم قال الناظم
﴿فصل في الاغتراس﴾
وترجم له بعض الفقهاء بالمغارسة وعرفها الإمام ابن عرفة بالتقسم وهو أحد أقسام
[ ٣ / ١٧٦ ]
التعريف العشرة فقال المغارسة جعل وإجارة وذات شركة اهـ فالجعل كان يقول رجل لأخر أغرس في أرضي هذه زيتونًا أو نخيلا مثلًا ولك في كل شجرة تنبت كذا فهذا جعل تجري عليه أحكامه السابقة وسيأتي هذا في البيت الأخير من الفصل. والإجارة كان يقول له أغرس في هذه الأرض عنبًا أو تينًا عدده كذا ولك كذا فهذه إجارة محدودة بالعمل كخياطة الثوب فإذا غرسها استحق الأجر. نبت أو لم ينبت. والشركة أن يعطي رجل أرضه لأخر ليغرسها بجزء معلوم منها يستحقه بالإطعام أو بإنقضاء الأجل لها وهي لازمة بالعقد على الراجح ومقابله لا يحكم بلزومها على صاحب الأرض إلا بالشروع في العمل لأنها من باب الجعل وهو الظاهر وبه عمل تونس وهذا القسم هو المقصود هنا وإليه أشار الناظم بقوله
(الاغتراس جائز لمن فعل ممن له البقعة أو له العمل)
(والحد في خدمته أن يطعما ويقع القسم بجزء علما)
(وليس للعامل مما عملا شيء إلى ما جعلاه أجلا)
يعني أن الإنسان إذا كانت له أرض ولو حبسا فإنه يجوز له أن يعطيها لمن يعمل فيها على وجه المغارسة لاكن لا تصح إلا بشروط خمسة (أحدها) أن يكون ما يغرس فيها مما يطول مكثه فيها كالنخيل والزيتون أو لا يطول مكثه فيها جدًا كالقطن والزعفران على أحد قولين (وثانيها) بيان ما يغرس فيها من الأشجار نوعًا لا عددا إذا كان غير معلوم عندهم وإلا فلا يلزمه بيانه (وثالثها) بيان حد خدمة الغارس كان يجعلا ذلك إلى الإطعام وهو الأولى أو إلى أن يبلغ أربع سنين أو أكثر أو قدر قامة مثلًا مما لا يطعم فيه الغرس قبل ذلك وإلا فلا تجوز (ورابعها) بيان القدر الذي يأخذه الغارس في مقابلة عمله (وخامسها) أن يكون القدر المشترط له في الشجر والأرض معًا فإذا توفرت هذه الشروط صحت المغارسة ولزمت وبتمام عمله بلوغ الحد الذي اتفقا عليه تكون الأرض والشجر بينهما نصفين أو على ما اتفقا عليه من الأجزاء وأما قبل تمامه فليس
[ ٣ / ١٧٧ ]
له في مقابلة عمله شيء لا من الأرض ولا من الشجر ولا من غيرهما وعلى هذا إذا باع نصيبه قبل ذلك لمن يقوم مقامه فليس له ذلك ويرد وهو كذلك على ما ذهب إليه ابن العطار غير إنه إذا مات عن ورثه فلهم أن يقوموا مقامه إلى تمام العمل وقال ابن رشد لا يمنع من البيع قبل تمام العمل وبه عمل تونس وهذا الخلاف مبني على قاعدة وهي أن ما قارب الشيء هل يعطى حكمه أم لا فذهب ابن رشد إلى الأول وذهب ابن العطار إلى الثاني. وقول الناظم أوله العمل أو بمعنى الواو. وقوله والحد مبتدأ وفي خدمته متعلق به وهو مصدر مضاف إلى فاعله الذي هو ضمير الغارس المفهوم من الإغتراس. وقوله أن يطعما في تأويل مصدر خبر وألفه الإطلاق. والتقدير والحد في خدمة الغارس البقعة أطعام الشجر والمراد بالبقعة الأرض قال
(وشرط بقيا غير موضع الشجر لرب الأرض سائغ إذا صدر)
قال صاحب المتيطية وأن تغارسا على أن يكون الشجر بينهما نصفين ولهما أصولهما من الأرض وبقية الأرض لربها جاز وقال ابن سلمون بعد ذلك وإن كانت على الشجر خاصة دون مواضعها من الأرض أو على الأرض دون الشجر لم تجز فإن نزل ذلك كان للعامل أجر عمله انتهى قال
(وشرط ما يثقل كالجدار ممتنع والعكس أمر جار)
يعني أن رب الأرض لا يجوز له أن يشترط على الغارس ما يثقل عليه عمله كبنيان جدار حول الأرض أو حفر بئر فيها أو تكون الأرض مشعرة كلها أو جلها بالحلفاء فيشترط عليه إزالة شعرائها وأشجارها ونحو ذلك مما تكثر نفقته ومشقته لأنه غرر فإن الغرس ربما لم يتم فترجع الأرض لربها وقد انتفع بالبنيان حولها أو حفر البئر فيها ونحو ذلك فيذهب عمله باطلا وأما العكس وهو اشتراط الشيء اليسير الخفيف كتنقية بعض المواضع من الشجر ونحوه ليغرس فيه أو ترميم ما أنهدم من جدار الجنان ونحو ذلك فجائز لأنه أمر متعارف وجار بين الناس فلا يضر اشتراطه قال
[ ٣ / ١٧٨ ]
(وجاز أن يعطى بكل شجره تنبت منه حصة مقدره)
يعني أنه يجوز لرب الأرض أن يعطي أرضه مغارسة على وجه الجعل كما تقدم كان يقول له أغرس لي هذه الأرض نخيلًا أو زيتونًا وما أشبه ذلك ولك في كل شجرة تنبت نصفها أو ربعها أو دينا ونحو ذلك فهذه جعالة محضة وقوله يعطى بالبناء للنائب ونائب فاعله ضمير الغارس وضمير منه للغرس وحصة مفعول ثان ليعطى وباء بكل للعوض ثم شرع يتكلم على المزارعة فقال
﴿فصل في المزارعة﴾
قال ابن عرفة هي الشركة في الحرث اهـ وقد دل على جوازها والترغيب فيها قوله ﷺ لا يغرس مسلم غرسًا ولا يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان أو دابة أو شيء إلا كان له صدقة. وفي الحطاب قال البرزلي في حديث ءاخر لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت فأن الزارع هو الله. أبو هريرة لقوله تعلى أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (القرطبي) في تفسير قوله تعالى كمثال حبة أنبتت سبع سنايل الآية دليل على أن اتخاذ الحرث من أعلى الجرف المتخذة للمكاسب ويشتغل بها العمال ولهذا شرب الله بها المثل قال وفي الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها عنه ﷺ قال التمسوا الرزق في خبايا الأرض يعني الزرع (وفي) حديث مدح النخل من الراسخات في الوحل والمطعمات في المحل اهـ (قال) والمزارعة من فروض الكفاية يجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار. وعن عبد الله بن عبد الملك إنه لقي ابن شهاب الزهري فقال له دلني على مال أعالجه فانشأ يقول
أقول لعبد الله يوم لقيته وقد شد احلاس المطي مشرقًا
تتبع خبايا الأرض وأطلب مليكها لعلك يومًا أن تجاب فترزقا
انتهى وحق الناظم أن يذكر هذا الفصل في الشركة لأنه منها لاكن لما كانت له أحكام
[ ٣ / ١٧٩ ]
وشروط تخصه أفرده بالذكر وعبر بالمفاعلة التي من شأنها أن تكون بين اثنين لأنها تتصور هنا في بعض الصور إذا كان الزرع بينهما على الأصل واطردت في بقيتها ولها صور كثيرة منها ما هو جائز ومنها ما هو ممنوع وقد اقتصر الناظم على بيان بعضها مما تدعوا الحاجة إليه في الغالب فقال
(إن عمل العامل في المزارعه والأرض من ثان فلا ممانعة)
(إن أخرجا البذر على نسبة ما قد جعلاه جزؤا ببنهما)
(كالنصف أو كنصفه أو السدس والعمل اليوم به في الأندلس)
يعني أن المزارعة إذا وقعت على أن يكون عمل اليد والبقر على أحد المتزارعين وعلى الآخر الأرض جازت إذا كانت الزريعة بينهما على ما اتفقا عليه في الزرع الذي يؤخذ وقت المصيف كان يتفقا على أن يكون الزرع بينهما إنصافًا مثلًا والزريعة كذلك أو يتفقا على أن لصاحب العمل والبقر أو الأرض ربعًا أو سدسًا مما يحصل جاز أيضًا إذا أخرج صاحب الربع أو السدس من الزريعة قدر ما يخذه في فصل المصيف لا أقل ولا أكثر وإلى ذلك كله أشار الناظم بقوله (كالنصف أو كنصفه أو السدس) فما بعد الكاف مثال للجزء الذي دخلا على أخذه في وقته وظاهره إن ذلك جائز ولو كانت قيمة العمل مع البقر لا تعادل قيمة الأرض وبالعكس وهو كذلك على ما جرى به العمل في الأندلس. ومفهوم قوله إن أخرجا البذر الخ إنهما إذا لم يخرجاه على النسبة المذكورة ودخلا على المناصفة بينهما فيما يحصل في المصيف ففيه تفصيل وهو إن كان مخرج ثلثي الزرع مثلًا هو رب الأرض فلا أشكال في الجواز لأن ما زاده من سدس البذر يكون في مقابلة العمل أو هبة أو إعانة فيكون مفهوم الشرط على هذا الوجه مفهوم موافقة. وإن كان المخرج للثلثين هو العامل فإن كان على أن يأخذ كل واحد منهما قدر بذره جاز كما مر وهو منطوق الناظم وإن دخلا على أن يأخذ كل واحد منهما نصف الزرع وهو موضوع المسئلة امتنع لأن ما زاده العامل من
[ ٣ / ١٨٠ ]
سدس البذر يكون في مقابلة الأرض فيؤدي إلى كراء الأرض بطعام وهو لا يجوز على المذهب كما مر فيكون مفهوم الشرط على هذا الوجه مفهوم مخالفة (وقول) إن عمل العامل الخ يجوز في أن المكسورة الهمزة أن تكون مخففة من الثقيلة مهملة والقرينة حالية والفاء في قوله فلا ممانعة زائدة لتزيين اللفظ ويجوز أن تكون شرطية بناء على جواز دخولها على الجملة الاسمية فتكون الفاء حينئذ رابطة للجواب وهو الأظهر وقوله جزؤا بضم الزاي وقوله كالنصف الخ أي وذلك كالنصف قال
(والتزمت بالعقد كالإجارة وقيل بل بالمبذر للعمارة)
يعني أن المزارعة تلزم المتزارعين بمجرد العقد وليس لأحدهما فسخها إلا برضى صاحبه كما في المتيطي وغيره على القول الراجح وبه القضاء وقيل لا تلزم إلا ببذر ما حرثاه وعليه اقتصر الشيخ خليل حيث قال لكل فسخ المزارعة ما لم يبذر اهـ فيظهر من اقتصاره عليه إنه القول المشهور قال ابن رحال في الحاشية إن ما يقتصر عليه خليل يعبر عنه ابن ناجي بالمشهور استقرينا ذلك من شروحه على المدونة والرسالة ولم يبق لنا شك في ذلك اهـ ولا يلزم من كونه مشهورًا أن يقدم على غيره
دائمًا إذ قد يكون مقابله غير مشهور لاكنه راجح إما لقوة دليله وإما لمصلحة عامة والقاعدة أن الراجح والمشهور إذا تعارضا يقدم الراجح وجوبًا وقيل لا تلزم المزارعة إلا بالشروع فالأقوال ثلاثة (ولما) كان المراد بالعمل في الزارعة هو عمل الحرث لا غيره من حصاد ودراس وتصفية ونحوها وإنها لا تدخل في مطلق العمل عند السكت بل يكون ذلك عليهما معًا على قدر الانصباء إلا بشرط نبه عليه الناظم فقال
(والدرس والنقلة مهما اشترطا مع عمل كانا على ما شرطا)
يعني أن رب الأرض إذا شرط على العامل نقلة الزرع من الفدان إلى الأندر ودرسه كانا لازمين له على مقتضى الشرط وكذلك إذا جرت العادة بهما أو بغيرهما من اللوازم
[ ٣ / ١٨١ ]
هذا مذهب ابن القاسم وبه العمل وقال سحنون لا يجوز اشتراط ذلك لأنه مجهول وأختاره ابن يونس ثم قال
(والشرط أن يخرج عن معمور مثل الذي الفى من المحظور)
(وليس للشركة معه من بقا وبيعه منه يسوغ مطلقا)
(وحيث لا بيع وعامل زرع فغرمه القيمة منه ما امتنع)
يعني أن رب الأرض إذا حرث أرضه ثم عقد فيها مزارعة مع ءاخر واشترط عليه إنه يحرثها عند خروجه ويتركها على الحالة التي دخل عليها فإن ذلك لا يجوز وتفسخ الشركة به وهو معنى قوله وليس للشركة معه من بقا فعبر عن الفسخ بعدم بقاء الشركة وأما بيع رب الأرض العمارة من الشريك حين العقد فهو جائز مطلقًا سواء كان الثمن معجلًا أو مؤجلًا فإن لم يشترط عليه حرثها عند الخروج ولا باعها منه بلوقع السكوت عنها حتى زرعها العامل فقام رب الأرض عليه وطلب منه قيمتها فله ذلك ولا يمتنع على العامل غرم القيمة لأنها حق عليه طلبه مستحقه.
وقوله والشرط مبتدأ ومن المحظور متعلق بمحذوف خبره ومثله بالجر نعة لمعمور وضمير معه بسكون العين يعود على الشرط وضمير بيعه يعود على الحرث وضمير منه يعود على العامل وضمير فغرمه يعود على العامل أيضًا وضمير منه في البيت الأخير يعود على غرم القيمة وما نافية أي لا يمتنع على العامل غرم القيمة قال
(وحق رب الأرض فيما قد عمر باق إذا لم ينبت الذي بذر)
(بعكس ما كان له نبات ولم يكن بعد له ثبات)
يعني أن العامل إذا حرث الأرض وزرعها فلم ينبت ما زرعه فيها لعدم المطر فحقه باق في العمارة وله أن يزرعها مرة أخرى أو يبيعها من رب الأرض أو من غيره قال الشارح وكان على الناظم أن يقول وحق ذا العامل بدل رب الأرض اهـ وحيث كان
[ ٣ / ١٨٢ ]
هو المراد شرحت كلامه به وإما إذا نبت ما زرعه فيها وإصابته جائحة فمل يبق له حق ثابت فيها قال
(واجز في البذر اشتراك والبقر إن كان من ناحية ما يعتمر)
يعني إنه يجوز للمتزارعين عقد المزارعة على أ، يكون البذر والبقر مشتركًا بينهما ويكون العمل عليهما معًا أو على أحدهما ويكون على الأخر الأرض وهو معنى قوله من ناحية ما يعتمر أي الذي يعتمر يكون من جهة أحدهما فقط ولو كانت الأرض غير رخيصة كما تقدم. وإن كان على أحدهما الأرض والبقر والبذر على الأخر عمل ايد فقط وهي مسئلة الخماس فأجازها بعض العلماء للضرورة ومنعها ءاخرون وبجوازها جرى العمل في القطر الأفريقي (وقوله) من ناحية بالتنوين خبر كان مقدم على أسمها وما أسمها وجملة يعتمر من الفعل ونائب الفاعل صلة ما الواقعة على الأرض قال
(والزرع للزارع في أشياء ورب الأرض يأخذ الكراء)
(كمثل ما في الغصب والطلاق وموت زوجين والاستحقاق)
يعني أن من زرع أرض غيره وحده فأن الزرع يكون له ولرب الأرض كراء أرضه على تفصيل بيانه في أشياء مذكورة في أبواب متفرقة منها من غصب أرضًا أو تعدي على منفعتها وزرعها ولم يقم ربها حتى فات وقت الزراعة فعليه كراؤها لربها وإن قام عليه قبل فوات الوقت فإن كان الزرع لم ينبت أو نبت ولا ينتفع به أخذه رب الأرض بلا شيء وإن كان ينتفع به فرب الأرض مخير بين أن يأمره بقلعه أو يبقيه لنفسه ويدفع للزراع قيمته مطروحًا بعد إسقاط أجرة حصده وقيل الزرع لرب الأرض مطلقًا بلا شيء ولو فات وقت الابان لأن الغاصب ظالم والظالم لا حق له. ومنها من أمتعته زوجته أرضًا فزرعها ثم طلقها أو مات عنها فالزرع له فات الوقت أو لم يفت نبت أو لم ينبت وفي الكراء إذا لم ييبس الزرع لباقي المدة الخلاف المتقدم في باب الكراء. ومنها من استحقت من يده أرض بعد أن زرعها بشبهة ملك بأن
[ ٣ / ١٨٣ ]
اشتراها أو ورثها أو وهبت له ولم يعلم بغصبها أو جهل حاله ولم يفت وقت الزراعة فالزرع له وعليه كراء هذه السنة فقط (وأما) بعد فوات الأبان فالزرع له ولا كراء عليه وهذا هو الفرق بين ذي الشبهة والغاصب قال بمرام في الشامل ولا شيء لمستحقها في زرع ذي شبهة ونحوه وأن فات أبانه وإلا فله كراء سنة اهـ قال
(والخلف فيه هاهنا أن وقعا ما الشرع مقتض له أن يمنعا)
(قيل لذي البذر أو الحراثة أو محرز لأثنين من ثلاثة)
(الأرض والبذر والاعتمار وفيه أيضًا غير ذاك جار)
يعني أن أهل المذهب أختلفوا في الزرع لمن يكون إذا وقعت المزارعة ممنوعة على ثلاثة أقوال قيل يكون الزرع لصاحب البذر ويؤدي لغيره قيمة ما أخرجه وقيل للذي حرث الأرض وقيل لمن حصل على أثنين من ثلاثة وهي الأرض البذر والحرث وهو القول الراجح (وقوله) الأرض والبذر والاعتمار الثلاثة بالجر بدل من ثلاثة وضمير فيه في الموضعين يعود على الزرع وضمير له عائد على ما الواقعة على عقد المزارعة قال
(وقول مدع لعقد الأكترا لا الأزدراع مع يمين أوثرا)
يعني أن رب الأرض والعامل إذا اختلفا في كيفية العقد فأدعى أحدهما أنه وقع على وجه الاكتراء وأدعى الآخر إنه وقع على وجه الأزدراع فالقول قول من أدعى الاكتراء بيمينه وسواء كان هو رب الأرض أو العامل وله قلب اليمين على صاحبه على نحو ما تقدم وقوله أوثرا بضم أوله وألفه للإطلاق أي روي عن ابن القاسم قال
(وحيث زارع ورب الأرض قد تداعيا في وصف حرث يعتمد)
(فالقول للعامل واليمين وقلبها إن شاء مستبين)
[ ٣ / ١٨٤ ]
يعني أن العامل وصاحب الأرض إذا اخلتفا في صفة الحرث الذي دخل عليه العامل وأعتمد عليه في خدمته فقال رب الأرض إن العامل دخل على أن يحرث الأرض ثلاث مرات وقال العامل؟؟؟ دخل على أن يحرثها مرتين ولم تكن لواحد منهما بينة ولا عادة في ذلك فالقول للعامل بيمينه وله قلبها وقوله يعتمد مبني للنائب أي يقصد والجملة من الفعل ونائبة صفة لحرث ثم قال
﴿فصل في الشركة﴾
فيها ثلاث لغات إحداها وهي الفصحى على وزن نعمة ويليها على وزن تمرة ودونهما على وزن نبقة (والأصل) في مشروعيتها الكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى وأعلموا إنما غنمتم من شيء فإن الله خمسه الآية والأربعة الأخماس بين الغانمين على الشركة بينهم (وقال) تعالى حكاية عن أصحاب الكهب فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعامًا فليأتنكم برزق منه وليتطلف. وأما السنة فقول رسول الله ﷺ أن الله يقول أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهم وفي رواية من بينهما (قال) ابن راشد حقيقتها معلومة.
وحكمها الجواز وحكمة مشروعيتها التنبيه على التعاون والتواصل اهـ (وأركانها)
ثلاثة (الأول) الصيغة وهي لفظ أو ما يقوم مقامه يدل على أذن كل في التصرف ويكفي قولهما اشتركنا إذا فهم المقصود عرفا (والثاني) العاقد ويتناول كل واحد من الشريكين ويشترط فيه أن يكون من أهل الوكالة (والثالث) المشترك وهو المعقود عليه وهو إما مال كما في ءاية أصحاب الكهف وإما أبدان كما في ءاية الغنيمة وأما صالح لهما كما في الحديث ولكل واحد منهما أقسام وقد شرع الناظم في بيانها فقال
(شركة في مال أو في عمل أو فيهما تجوز لا لأجل)
(وفسخها إن وقعت على الذمم ويقسمان الربح حكم ملتزم)
[ ٣ / ١٨٥ ]
يعني أن الشركة على أربعة أقسام (الأول) أن تكون في المال وهي إما شركة مغارسة أو مزارعة وقد تقدم الكلام عليهما أو مضاربة مأخوذه من الضرب في الأرض قال الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض الآية وهو القراض الآتي ذكره في الفصل بعد هذا (وإما) شركة مفاوضة وهي أن يطلق كل واحد من الشريكين التصرف لصاحبه في المال الذي أخرجاه يفعل فيه ما يشاء من أنواع المتاجر كلها غيبة وحضورًا وتكون يد كل واحد منهما كيد صاحبه فما فعله أحدهما يكون لازمًا لصاحبه إذا كان عائدًا على شركتهما بمصلحة وله أن يتبرع باليسير ويعير الشيء الخفيف للإستجلاب (وإما) شركة عنان بكسر العين وفتحها وهي التي لم يقع فيها إطلاق التصرف لكل واحد منهما بإنفراده بل شرط كل واحد على صاحبه أن لا يتصرف إلا بحضرته وموافقته وسميت بهذا الإسم لأن كل واحد من الشريكين قد صاحبه بالشرط وأخذه بيده أخذًا معنويًا فهي مأخوذه من عنان الدابة وهو اللجام (والثانية) الشركة في العمل وهي شركة الأبدان وسيأتي الكلام على شرطها في قول الناظم وحيثما يشتركان في العمل البيت (والثالثة) الشركة في المال والعمل معًا كان يخرجا مالا ويشتريا به ملفًا ونحوه ويخيطانه جبائب وبرانس ونحوهما ويبيعانها مخيطة وهكذا وهي إما مطلقة أو مقيدة كما مر. وأن الشركة في هده الأقسام الثلاثة تكون لغير أجل لا لأجل لأن كل واحد منهما له أن يحل عن صاحبه ويقاسمه فيما بين أيديها من عين وعرض وغيرهما متى شاء كما في النهاية وحينئذ فلا فائدة في ضرب الأجل لعدم لزومه شرعًا (فرع) وفي ابن سلمون وسئل بعض فقهاء الشورى عن الرجل يجعل ديكا ويجعل الأخر دجاجة ويشتركان في الفلاليس فقال لا يجوز ذلك لأنهما لا يتعاونان على الحضانة قال فإن جعل أ؛ دهما حمامة أنثى والأخر ذكرًا جازت الشركة لأنهما يتعاونان على الحضانة اهـ (والرابعة) شركة الذمم وهي شركة الوجوه على أحد التفسيرين فيها وهي أن يشتري الشريكان سلعة بلا مال والمشترى بينهما يقتسمان ربحه فإن وقعت على هذا الوجه فسخت لأن فيها ضمانًا بجعل وإذا فسخت
[ ٣ / ١٨٦ ]
فإن ما أشترياه يكون ربحه بينهما عل ىما تعاقدا عليه وخسارته عليهما كذلك. وقوله وفسخها مبتدأ وقوله حكم ملتزم صفة وموصوف خبره (فرع) وفي الحطاب إذا قال رجل لأخر أقعد في حانوت وأنا ءاخذلك متاعًا تبيعه ولك نصف ما ربحت أو ثلثه لم يصلح ذلك فأن عملا عليه كان للذي في الحانوت أجر مثله ويكون الربح كله للذي أجلسه في الحانوت اهـ (ثم) شرع يتكلم عل ىما تجوز فيه الشركة وما لا تجوز فقال
(وإن يكن في العين ذاك اعتمدا يجزان الجنس هناك أتحدا)
يعني أن الأشتراك في الذهب والفضة يجوزان أتحد جنسهما كان يخرج هذا ذهبا وهذا ذهبا أو يخرج هذا فضة وهذا فضة بالإتفاق (وفهم) من قوله أن الجنس أتحد إنه لا يجوز مع أختلاف الجنس وهو كذلك على المشهور لأنه صرف وشركه وإذا لم يجز البيع مع الشركة كما تقدم فالصرف أولى بعدم الجواز ورجح جماعة من الفقهاء مقابله بدليل مالوا خرج هذا ذهبا وورقا وأخرج الأخر مثله ذهبا وورقا فإنه جائز اتفاقًا. وقوله وإن يكن بالتحتانية فيه ضمير يعود على الإشتراك ويجوز ضبطه بالفوقانية وضميره يعود على الشركة والأول أولى لأنه أتى بإسم الإشارة بلفظ المذكر وقوله في العين ففي بمعنى الباء قال
(وبالطعام جاز حيث أتفقا وهو لمالك بذاك متقى)
يعني أ، الأشتراك بالطعام المتفق جنسًا وصفه جائز عند ابن القاسم قياسًا على الدنانير والدراهم فكما أغتفر فيها يغتفر في الطعامين وعند مالك لا يجوز وعبر عنه بقوله متقى لما فيه من بيع الطعام قبل قبضه لأن كل واحد باع نصف طعامه بنصف طعام صاحبه ولم يحصل قبض حسا وابن القاسم لا يشترط أن يكون القبض حسيًا بل القبض الحكمي وهو المناجزة يكفي عن الحسي. ومفهوم قوله حيث أتفقا ان الطعامين إذا لم يتفقا جنسًا أو صفة كان الإشتراط ممنوعًا وهو كذلك باتفاق
[ ٣ / ١٨٧ ]
مالك وابن القاسم وإجازة سحنون إن اتفقا كيلا وقيمة. وفاعل جاز ضمير يعود على الإشتراك وقوله وهو مبتدأ ومتقى أي ممنوع خبره والمجروران متعلقان به والإشارة بذاك راجعة للطعام المتفق قال
(وجاز في العرض إذا ما قوما من جهة أو جهتين فأعلما)
يعني أن الأشتراك بالعرض منجهة ومن جهة أخرى عين أو طعام بالعرضين من الجهتين وسواء كانا متفقين أو مختلفين إذا قوم ما أخرجه كل واحد من الشريكين في جميع ما ذكر والخسارة بقدر القيمة جائز وقول الناظم
(كذا طعام جهة لا يمتنع وعين أو عرض لدى الأخرى وضع)
معناه أن الإشتراك يجوز بالطعام من جهة وبالعين أو بالعرض من جهة أخرى وهذا البيت فيه شبه تكرار مع قوله في البيت قبله وجاز في العرض الخ وقوله لدى الأخرى متعلق بوضع وإنما لم يقل وضعا بألف التثنية لأن العطف باو وهو لا تجب فيه المطابقة قال
(والمال خلطه ووضعه بيد واحد أو ف الأشتراك معتمد)
يعني أن المال الذي أخرجه الشريكان يجب خلطه حسا كخلط دنانير بدنانير أو دراهم بمثلها أو حكما بأن يكون المال في حوز واحد أو في حوزهما معا بأن يجعلا المالين في بيت واحد ويقفلا عليه بقفلين وإن متفقين وبيد كل واحد منهما مفتاحه هذا معنى قوله أو في الإشتراك معتمد ثم أن خلط المالين ولو حكما إنما هو شرط في حصول الضمان منهما لأانه شرط في صحة الإشتراك فإن صحتها لا تتوقف عليه فإن لم يحصل خلط لا حقيقة ولا حكما فإن التالف منهما يكون من ربه وحده وما أشتري من السلع بالسالم يكون بينهما للزوم الشركة بالعقد على المشهور وعلى الذي تلف ماله نصف ثمن المشتري بالسالم إن كانت الشركة بالنصف وإلا لزمه بقدر حظه (فرع) سئل بعض العلماء عن ثلاثة أخوة فتحوا حانوتًا للتجارة بمالهم
[ ٣ / ١٨٨ ]
فكان أحدهم بلي البيع والشراء حتى مات عن بنات وأخويه المذكورين فكان أحدهما بلي فيه التبايع حتى مات عن بنتين والأخ المذكور يتجر فيه كذلك وزاذ المال بيد هذا الأخير منهم فأخذ في شراء الجنات والفدادين وأولاد أخويه صغار في حضانته فأجاب بأن ما زاد من المال المدخول في الحانوت بينهم لأنهم قصدوا شركة المفاوضة في كل شيء وإن جميع ما أشتراه أحدهم يدخل فيه إشركاه وورثة الميت منهم بمنزلة أبيه حتى يقع القسم ومن أدعى منهم إنه قد أختص بما قولاه بالشراء من بعض الأملاك فلا ينفذ له لأنه مأذون له في المال ومن إذن له في حركة المال فلا يستبد بالربح ويكون الخيار للورثة بعد الرشد في الشركة وأخذ حصتهم من الثمن هذا إذا أدخلوا جمي عمالهم في الحانوت إما إذا لم يدخلوا جميعه بأن أبقى أحدهم أو كلهم لنفسه شيئًا من المال تحت يده أو كان قد استفاد شيئًا من المال بعد العمل في الشركة يعرف ذلك بالبينة فالقول قول متولي الشراء إن ثمتن ذلك ليس من مال الشركة بيمينه إن لم يقصد إدخاله في الشركة ويختص به عن إشراكه وكذلك إذا وقعت الشركة بين جماعة بالكتابة إذ لا فرق بينهما كما في المعيار ثم قال
(وحيثما يشتركان في العمل فشرطه إتحاد شغل ومحل)
يعني أن شركة العمل يشترط في جوازها شروط منها أن تكون الصنعة متحدة كنجارين ونساجين أو كان بين الصنعتين تلازم كغزال ونساج لا إن كانتا متباينتين كحداد ونساج فإنها لا تجوز (ومنها) أن يكون محلهما متحدًا على القول المشهور المعمول به (ومنها) أن يتساويا في السرعة والإتقان أو يتقاربا وإلا فلا تجوز إلا إذا كان الربح بينهما على قدر عملهما فإنه جائز (ومنها) أن يكون إشتراكهما للتعاون على ترويج خدمتهما وكثرة الدخل لا على مجرد الخلطة للصحبة والإنس (ومنها) الإشتراك في ءالة العمل إما بملك أو بإكتراء من الغير وأما لو أخرج كل واحد ءالته أو كانت من عند أحدهما وءاجر شريكه نصفها فقيل بالواز وقيل بعدمه إبتداء لما في ذلك
[ ٣ / ١٨٩ ]
من الجمع بين عقدين لا يجوز الجمع بينهما كما تقدم ويصح بعد الوقوع على القول المعتمد قال
(وحاضر يأخذ فائدًا عرض في غيبة فوق ثلاث أو مرض)
يعني أن أحد الشريكين إذا غاب أو مرض في شركة العمل فإن كان تخلفه ثلاثة أيام فأقل فإنه يلغى وما يحصل للحاضر في غيبة شريكه أو مرضه يكون بينهما على ما وقع عليه الإتفاق لحقة الأمر في ذلك وإن كانت أكثر من ثلاثة أيام وهو منطوق الناظم فلا إلغاء ويختص به الحاضر هذا ظاهر كلامه وفي الحطاب إن الأجرة التي استفادها الحاضر تكون بينهما وللعامل على الغائب ونحوه أجر عمله. وقوله وحاضر. أي وعامل حاضر قال
(ومن له تحرف أن عمله في غي روقت تجره الفائد له)
يعني أ، أحد الشريكين في العمل إذا عمل بحرفته وصنعته في غير وقت العمل الذي يعمل فيه مع شريكه فإن ما أستفاده من ذلك يكون له وحده ثم شرع يتكلم على القراض الموعود بذكره فقال
﴿فصل في القراض﴾
وهو بكسر القاف مشتق من القرض وهو القطع سمي بذلك لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها بقطعة من الربح وهذا إسمه عنذ أهل الحجاز ويقولون في كتبهم كتاب القراض وأهل العراق يسمونه مضاربة ويقولون في كتبهم كتاب المضاربة أخذوا ذلك من قول الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض وذلك أن الرجل في الجاهلية يدفع إلى الرجل ماله على الخروج به إلى الشام وغيرها فيشتري به المتاع على أن يأخذ جزءًا من ربحه فلما جاء الإسلام أقره النبي ﷺ. ولا خلاف بين المسلمين في جوازه وهو رخصة مستثنى من الإجارة المجهولة ومن سلف جر
[ ٣ / ١٩٠ ]
نفعًا للضرورة الداعية إليه إذ ليس كل أحد يقدر على تنمية ماله والتصرف فيه بنفسه (وعرفه) الإمام ابن عرفة بقوله تمكين مال لمن يتجربه بجزء من ربحه لا بلفظ الإجارة فيدخل بعض الفاسد كالقراض بالدين والوديعة ويخرج عنها قولها ومن أعطى رجلًا مالًا يعمل به على أن الربح للعامل ولا ضمان على العامل لا بأس به اهـ. واحترز بقوله بجزء من ربحه من الإجارة وإلا بضاع وهو أن يعطي الرجل ماله لأخر ليتجر له به على أجرة وكذا الشركة لأن الربح فيها نشأ عن المالين فلم يأخذ كل واحد منهما إلا ربح ماله وأشار الناظم إلى تعريفه وبيان ما يلزم به فقال
(إعطاء مال من به يتاجر ليستفيد دافع وتاجر)
(مما يفاد فيه جزءًا يعلم هو القراض ويفعل يلزم)
يعني أن للقراض في إصطلاح الفقهاء هو إعطاء رجل مالًا لأخر يعمل به على وجه التجارة ليستفيد كل منهما جزءًا معلومًا كنصف أو ربع من ربحه بعد تحصيل رأس المال وإنه لا يلزم إلا بالشروع في العمل بسفر او انفاق المال في التجارة وإما قبل الشروع في العمل فلا يلزم ولكل واحد منهما فسخه ويرد العامل المال الذي قبضه ولو تزود للسفر ولما كان قوله إعطاء مال يشمل العروض والعين الغائبة والجزاف مع أن القراض بها لا يجوز نبه عليه بقوله
(والنقد والحضور والتعيين من شرطه ويمنع التضمين)
(ولا يسوغ جعله إلى أجل وفسخه مستوجب إذا نزل)
(ولا يجوز شرط شيء ينفرد به من الربح وإن يقع يرد)
يعني أن القراض يتشرط في صحته أن يكون بالنقد المسكوك الحاضر المعين قدره كمائة أو ألف لا بالعروض والطعام ونحوهما ولا بغير المسكوك من النقدين إن وجد وإلا فيجوز أن تعومل به (قال) النفراوي عند قول الشيخ وقد رخص فيه بنقار
[ ٣ / ١٩١ ]
الذهب والفضة والنقار بكسر النون القطع الخالصة من الذهب والفضة ومثلها التبر والحلي فأن حكم الجميع واحد في الجواز أن تعومل بها قال والحاصل إن غير المضروب من تبر ونقار وحلى لا يجوز جعله رأس مال إلا بشرطين التعامل به في بلد العمل وعدم وجود المسكوك وإن وقع شيء من ذلك رأس مال مع فقد الشرطين أو أحدهما مضى بالعمل وقيل بمجرد تمام العقد اهـ ولا يجوز القراض بالدين في الذمة وسواء كان على العامل أو على غيره فإن كان على العامل فإنه يبقى دينًا في ذمته والربح له والخسارة عليه وإن كان على غيره فله أجر مثله في إستخلاصه وقراض مثله في ربحه بعد الوقوع ولا يصح بالزاف لأن الجهل بمقدار المال يؤدي إلى الجهل بالربح وهذا يغني عنه قوله فيما تقدم جزءًا يعمل. ولا يجوز في القراض إشتراط بضمان رأس المال على العامل عند التلف أو الخسارة أو عدم تصديقه إذا ادعى تلفه فإن وقع على هذا الشرط بطل الشرط فقط وقوله مقبول لأنه على الأمانة حتى يثبت خلافها ويكون فيه على قراض المثل إذا وقع على الضمان أو الخسارة ولا يجوز فيه ضرب الأجل كان يقول للعامل أعمل به سنة من الآن ولا تعمل به بعدها لأن الآجل ينافي ما جاء به فيكون مخرجًا له عن أصله ولا يجوز فيه إشتراط شيء من الربح ينفرد به العامل أو رب المال فإنه يرد وتقدم مثله في المساقاة وقوله وفسخه مبتدأ والضمي رالمضاف إليه يعود على العقد بشرط التضمين والأجل وعدم النقد والحضور الخ ومستوجب بفتح الجيم خبره ثم شرع يتكلم على اختلاف رب المال وعامل القراض فقال
(والقول قول عامل أن يختلف في جزء القراض أو حال التلف)
(كذاك في إدعائه الخسارة وكونه قراضًا أو إجاره)
يعني أن رب المال وعامل القراض إذا اختلفا بعد الشروع في العمل فقال العامل أخذت المال على النصف من ربحه وقال رب المال بل أخذته مني على الثلث ولم تكن بينة فالقول للعامل إذا أدعى ما يشبه بيمينه وله قلبها على نحو ما تقدم وكذلك يكون
[ ٣ / ١٩٢ ]
القول قول العامل في دعوى تلف المال والخسارة إذا بين الوجه ولم يظهر كذبه وإلا ضمن ولو قال ربن المال هو بضاعة بأجر وقال العامل هو قراض أو بالعكس فالقول للعامل بيمينه (تنبيه) لم يتكلم الناظم على حكم اختلافهما في الرد وعدمه كان يقول العامل رددته لربه ويقول ربه لم يرده إلى فالقول قول العامل بيمينه إن قبضه بغير إشهاد إما إذا قبضه بإشهاد للتوثق كما هو موجود اليوم فإنه لا يصدق ولا على رب المال اليمين في عدم القبض ولرب المال قلبها عليه قال
(وليس للعامل في غير السفر نفقة والترك شرط لا يقر)
يعني أن العامل لا يجوز له أن ينفق من مال القراض إلا في السفر وإما في الحضر فلا يجوز له ذلك فإن شرط رب المال على العامل أن لا ينفق منه في السفر مع أنه يحمل الإنفاق منه فإنه لا يجوز ولا يثبت القراض به وهو معنى قوله لا يقر وللعامل أجر مثله بعد العمل. وقوله والترك شرط راجع لمفهوم قوله في غير السفر وإما في السفر فإنه ينفق منه وشرط ترك الإنفاق منه والحالة ما ذكر مفسد للعقد وإذا فسد فإنه لا يغر قال
(وعند ما مات ولا أمين في وراثة ولا أتوا بالخلف)
(رد لصاحبه المال ولا شيء من الربح لمن قد عملا)
(وهو إذا أوصى به يصدق في صحة أو مرض يستوثق)
يعني إن عامل القراض إذا مات ولم يكن في ورثته أمين يكمل العمل في المال ولا أتى ورثته بأمين عارف يخلفه فإن المال يرد إلى ربه ولا شيء لورثته من الربح في مقابلة ما عمله مورثهم ومفهومه إن لو كان فيهم أمين ولو دون مورثهم في الأمانة أو أتوا بأمين أجنبي ثمل مورثهم فيها وكان عارفًا بأحوال التجارة فإن الورثة يقضى لهم بإتمام العمل ويستحقون ما كان لمورثهم وهو كذلك. وأن العامل إذا أوصى بإن عنده مالًا قراضًا لفلان ثم مات فإنه يصدق في ذلك ويخرج من رأس ماله وسواء
[ ٣ / ١٩٣ ]
أوصى به في حال الصحة أو في حال المرض وظاهره إنه يصدق سواء عين المال أو لم يعين وسواء عرف أصل القراض أو لم يعرف كان عليه دين أو لا وهو كذلك على تفصيل فيه انظره في شرح التسولي (تنبيه) قال الشيخ ميارة ومن هلك وعليه قراض أو عنده وديعة لم يوجد في أمتعته ولا أوصى به فإن ذلك يكون في ماله ويحاصص به غرماءه قال البرزلي ولا يقضي على التركة بالربح إلا أن يتحقق اهـ قال
(وأجر مثل أو قراض مثل لعامل عند فساد الأصل)
يعني أن القراض إذا وقع فاسدًا وعثر عليه بعد العمل فإن الواجب فيه الرجوع إلى أجر المثل أو قراض المثل والفرق بينهما أن أجر المثل في ذمة رب المال وقراض المثل في الربح فإن لم يكن ربح فلا شيء له وأجر المثل يحاصص بها الغرماء وقراض المثل يقدم فيه عليهم. وقد ضبطت الصور التي يكون فيها قراض المثل في إحدى عشرة صورة كما في إبن راشد وإبن عرضون وغيرهما. وهي القراض بالعروض والقراض بجزء مبهم. والقراض إلى أجل. والقراض على إنه لا يشتري إلا سلعة كذا مما لا يكثر وجوده وأشترى غير ما أمر به. والقراض بدين يقبضه العامل من أجنبي ويتجر به. والقراض على الضمان. والقراض على أن يشتري عبد فلان ثم يبيعه ويتجر بثمنه. والقراض على إنه يعطيه دنانير فيصرفها ثم يتجر بثمنها.
والقراض على أن يعطيه مالًا ليخرج به إلى بلد يشتري به متاعا. وزيد عليها مسئلة الكتاب التي ليست من القراض الفاسد وهي إذا أختلاف في جزء من الربع وأتيا بما لا يشبه. والذي حكاه ابن مغيث وأبو الحسن المتيطي أن قراض المثل في القراض الفاسد في أربعة مواضع لا غير وهي القراض بالعروض (أو) بالجزء المبهم (أو) أجل (أو) بضمان وما عدا هذه الأربعة ففيه أجر المثل وقد نظمت جميعًا على هذا الترتيب فقلت
ولجر مثل في القراض إن فسد إلا في صورة وعشر قد ورد
[ ٣ / ١٩٤ ]
يكون فيها بقراض مثله ككونه بعرض أو لجهله
أو كان محدودا بوقت قدرًا أو يشتري غير الموصوف للشرا
أو كان بالدين الذي من أجنبي يقبضه أو بضمانه أبي
أو يتشري عبدًا لزيد قد عقل والتجر في ثمنه فقد حظل
أو كان لا يبتاع إلا لاجل ثم أشترى بالنقد هكذا نقل
أو كان في المال شريكًا يعتبر أو يعمل الصرف وفيه يتجر
أو ياخذ المال على شرط السفر لبلدة يبتاع ما فيه نظر
فمنع ذا من جهة التحجير لأنه ينقاد كالبعير
ومثلها مسئلة الخصام في قد رجزء الربح للإمام
وقد نفى قولهما المقام فهذه الغاية والتمام
حمدًا لربي الواحد القدير نسأله تكملة الأخير
الحمد لله يقول كاتب هذا الكتاب فقير ربه عثمان بن المكي قد تم بإعانة الله تعالى الجزء الثالث من شرحي توضيح الأحكام على تحفة الحكام في سابع عشر ذي القعدة الحرام من عام سبعة وثلاثين وثلاثمائة وألف من هجرة سيدنا محمد ﵊
الحمد لله على أفضاله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحابته والناسجين على منواله هذا وأن النظارة العلمية قد اطلعت على ما كتبه الفاضل الزكي العالم المدرس الشيخ السيد عثمان بن المكي عل ىرجز ابن عاصم المسم ىبتحفة الحكام من البيوع إلى الحبس فألفته حسنًا في بابه نافعًا لراغبيه وطلابه فلذا شكرت مؤلفه على حسن صنعة وأذنت له في نشره وطبعه رجاء لتعميم نفعه وكتب بالنظارة العلمية بالجامع الأعظم أدام الله عمرانه في يوم السبت ١٠ من حمادي الأولى سنة ١٣٣٨ الموافق ليوم ٣١ من جانفي الأفرنجي سنة ١٩٢٠
صح أحمد بيرم سالم بو حاجب محمد رضوان محمد الطاهر بن عاشور
[ ٣ / ١٩٥ ]
لمالكه السعادة والسلامة وطول العمر ما غنت حمامه
وعز دائم لا ذل فيه يصاحبه إلى يوم القيامة
الجزء الرابع من
توضيح الأحكام على تحفة الحكام
تأليف
العلامة التحرير والدراكة الشهير الشيخ سيدي
عثمان بن المكي التوزري الزبيدي أحد
أعيان المدرسين من الطبقة العلياء بجامع
الزيتونة الأعظم بتونس عمره
الله بدوام ذكره
آمين
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
طبعة أولى
بالمطبعة التونسية- نهج سوق البلاط عدد ٥٧ - تونس
سنة ١٣٣٩
[ ٤ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم﴾
(ولما) فرغ الناظم رحمه الله تعالى من الكلام على المعاوضات وتوابعها شرع يتكلم على التبرعات ولواحقها فقال