أي هذا باب في بيان حكم النكاح وأركانه وما يتعلق به من المسائل إذ النكاح على شطرين أركان ولواحق وهي المسائل التابعة له كترتيب الأولياء ومن له الإجبار منهم والصحة والفساد وتنازع الزوجين إلى غير ذلك كما ستعرفه إن شاء الله تعالى (واعلم) أن مباحث هذا الباب التي سيقع الكلام عليها ستة (الأول) في معنى النكاح لغة واصطلاحًا (الثاني) في مشروعيته (الثالث) في حكمته (الرابع) في حكمه (الخامس) في أركانه (السادس) في اللواحق (فأما) معناه لغة فقال صاحب المصباح نكح الرجل والمرأة أيضًا ينكح من باب ضرب نكاحًا قال ابن فارس وغيره يطلق على
[ ٢ / ٢ ]
الوطء وعلى العقد دون الوطء. وقال ابن الغويطة أيضًا نطحتها تزوجتها. ويقال للمرأة حللت فانكحي بهمزة وصل أي فتزوجي وامرأة ناكح ذات زوج واستنكح بمعنى نكح ويتعدى بالهمزة إلى آخر فيقال أنكحت الرجل المرأة يقال مأخوذ من نكحه الدواء إذا خامره وغلبه أو من تناكح الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض أو من نكح المطر الأرض إذا اختلط بثراها وعلى هذا فيكون النكاح مجازًا في العقد والوطء جميعًا لأنه مأخوذ من غيره فلا يستقبح القول بأنه حقيقة لا فيهما ولا في أحدهما. ويؤيده أنه لا يفهم العقد إلا بقرينة نحو نكح في بني فلان ولا يفهم الوطء إلا بقرينة نحو نكح زوجته وذلك من علامات المجاز وإن قيل غير مأخوذ من شيء يترجح الاشتراك لأنه لا يفهم واحد من قسيميه إلا بقرينة اهـ (وقال) الفراء العرب تقول نكح المرأة بضم النون بضعها وهو كناية عن الفرج فإذا قالوا نكحها فمعناه أصاب نكحها وهو فرجها وقد يقال ناكحها وباضعها هذا ما حكاه الواحدي اهـ. وفي شفاء الغليل لأبي الحسن قال القاضي عياض في التنبيهات أصل النكاح في وضع اللغة الجمع والضم يقال نكحت البر في الأرض إذا أدخلته فيها ونكحت الحصا أخفاف الإبل إذا دخلت فيها ثم استعمل في الوطء وهو في عرف الشرع يطلق على العقد لأنه بمعنى الجمع ومآله إلى الوطء وقد جاء في كتاب الله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾، ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾، ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ ويبعد أن يراد بها الوطء إذ الوطء عمومًا منهي عنه بغير عقد. وقد ورد أيضًا بمعنى الوطء في قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ اهـ. وقال الأزهري أصل النكاح في كلام العرب الوطء وقيل للتزويج نكاح لأنه سبب الوطء ويقال نكح المطر الأرض ونكح النعاس عينه إذا دخل فيها وقال ابن جني سألت أبا علي الفارسي عن قولهم نكحها فقال فرقت العرب فرقًا لطيفًا يعرف به موضع
[ ٢ / ٣ ]
العقد من الوطء فإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا المجامعة لأن بذكر المرأة أو الزوجة يستغنى عن العقد وإذا قالوا نكح فلان بنت فلان أو أخته أرادوا تزوجها وعقد عليها اهـ قال الحطاب والصحيح أنه لا يطلق على الصداق وقيل ورد بمعنى الصداق في قوله تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا﴾ اهـ (ومعناه) اصطلاحًا عرفه الإمام ابن عرفة بقوله النكاح عقد على مجرد متعة التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها ببينة قبله غير عالم عاقدها حرمتها إن حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على الآخر اهـ (فقوله) رحمه الله تعالى عقد هو مصدر عقد تقول عقدت العهد والحبل والبيع فانعقد قاله الجوهري ويطلق على الربط ووصل الشيء بالشيء وعلى الالتزام به على سبيل الاستيثاق والإحكام وأنه جنس يشمل جميع العقود حسية كانت أو معنوية كما علمت وعبر به لافتقاره إلى المتعاقدين وهما الزوج والولي وإلى المعقود عليه وهما المهر ومتعة التلذذ بالزوجة وإلى المعقود به وهو الصيغة الدالة على الإيجاب والقبول فهذه الأركان العرفية الآتية بيانها إن شاء الله تعالى (وقوله) على مجرد متعة التلذذ بآدمية أخرج به العقد على الرقاب وهو البيع والعقد على المنافع وهو الإجارة والكراء ومجرد مضاف ومتعة بضم الميم وكسرها مضاف إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف أي المتعة المجردة بمعنى أنها هي المقصودة من غير إضافة شيء إليها (فبقوله) مجرد متعة يخرج به ملك اليمين لأن العقد فيه شامل للرقبة أيضًا ومتعة مضاف والتلذذ مضاف إليه من إضافة الاسم إلى المسمى أي المتعة التي هي التلذذ المعلوم فهذا وقع التعريف بها. وقال التاودي في حاشيته على الزرقاني لا فائدة للفظة متعة ولا للفظ مجرد بل يكفي الاقتصار على التلذذ والمراد به ما يشمل الوطء. وقال الرصاع التمتع أعم من التلذذ لأن التمتع يكون حسيًا كالركوب والأكل والشرب والمقدمات ومعنويًا كالجاه والولاية ثم أخرج الأمور المعنوية بقوله التلذذ ثم أخرج من الحسية التلذذ بالطعام والشراب بقوله بآدمية اهـ وقيل احترز بقوله بآدمية من الجنية (وقيل) ذكره لبيان الواقع زيادة في الإيضاح والبيان قلت والظاهر أنه ذكره
[ ٢ / ٤ ]
ليرتب عليه بقية التعريف (وقوله) غير موجب هو بالنصب حال من التلذذ أي حالة كون التلذذ بتلك الآدمية غير موجب قيمتها أخرج به الأمة المحللة وهي التي أباح سيدها وطأها لمن استعارها منه لذلك على مذهب الإمام عطاء القائل بجواز إعارة الفروج المملوكة فإن التلذذ بها يوجب على المتلذذ قيمتها وتبقى بيده على ملك اليمين مع أن تحليلها يصدق عليه عقد على مجرد التلذذ بآدمية فلهذا أخرجه (وقوله) بينة قبله متعلق بمحذوف حال من التلذذ أخرج به بعض صور الزنى لا أنه صفة لعقد لأن الإشهاد ليس شرطًا في العقد بل في جواز الدخول فقط كما يأتي (وقوله) غير عالم عاقدها حرمتها يجوز رفعه على أنه صفة لعقد ونصبه على أنه حال من المتعة أي حالة كون المعقود عليها غير عالم عاقدها أي المتعة حرمتها (فمفهومه) إن كان العاقد يعلم حرمتها فليس بنكاح وهو كذلك على المشهور بناء على أن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا وهل لا يكون نكاحًا مطلقًا أي سواء كان تحريمها بالكتاب كالأم والبنت أو بالإجماع كبنت الأخ من الرضاع أو إنما لا يكون نكاحًا إذا كان تحريمها بالكتاب فقط أما إذا كان تحريمها بالإجماع فيسمى نكاحًا فاسدًا قولان المشهور منهما الثاني (وحاصله) أن ما حرم بالكتاب العزيز ليس حكمه حكم النكاح وأن وطأه زنى على المشهور وأن ما حرم بالإجماع فهل يصدق عليه أنه نكاح تثبت فيه لوازم النكاح وتترتب عليه آثاره غير أنه يفسخ لفساده إذا عثر عليه أو لا يصدق عليه ذلك ويكون وطؤه زنى قولان المشهور منهما الأول وهو أن حكمه حكم النكاح فالأول يقول بعدم حده ويلحق به الولد والثاني عكسه فصاحب القول الأول يراعي المحرمات بالكتاب فقط وما حرم بالإجماع لا يكون حكمه كذلك وصاحب القول الثاني يراعي ما يشملهما معًا هذا معنى قوله رحمه الله تعالى إن حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على الآخر (فقوله) أو الإجماع عطف على مقدر فاعل شرط معطوف بأن على أن حرمها الكتاب والتقدير غير عالم عاقدها حرمتها إن حرمها الكتاب أي القرآن على المشهور أو حرمها الكتاب أو الإجماع على الآخر كذا قال بعضهم ويلزم
[ ٢ / ٥ ]
على هذا تقدير حذف أو التي هي لأحد الشيئين أو الأشياء مع معطوفها وهو مختص بالفاء والواو وثم وأم المتصلة وذلك مخل بفصاحة التأليف وقول بعضهم صوابه أن يقول أو أو الإجماع بتكرير أو فتكون أو الأولى عطفت مقدرًا أي أو إن حرمها على إن حرمها الكتاب المذكور وأو الثانية عطفت الإجماع على الكتاب في الجملة المقدرة المعطوفة بأو الأولى كما مر ويجاب عنه بأنه اتكل على المعنى لركاكة اللفظ وثقله بتكرير أو بلا فاصل وهو مخل بالفصاحة أيضًا وقول آخرين صوابه والإجماع بالواو وقيل صوابه أو والإجماع بالواو بعد أو فاسد لأنه يفيد أن الثاني يشترط في كونه ليس نكاحًا تحريمه بالكتاب والإجماع معًا وليس كذلك إذ يكفي عنده تحريم الإجماع وحده ولا يخفى أن تحريم الكتاب يستلزم تحريم الإجماع بدون عكس ولهذا ظهر وجه فساد تصويبه بأو وبواو عقب أو ويجوز أن يراد بالإجماع ما يعم الكتاب والسنة وهي عبارة مطروقة فيكون عطفه على الكتاب من باب عطف عام على خاص فلا يحتاج فيه إلى تأويل بتكلف وهو أطهر والله تعالى أعلم (تنبيهان) الأول قال الرصاع فإن قلت كيف قال الشيخ ﵀ إن حرمها الكتاب على المشهور فظاهره العموم في كل ما حرم الكتاب وأنه يحد ولا يلحق به ولد وقد قال في المدونة فيمن تزوج المعتدة وهو عالم بتحريمها لا يحد وقد حرم ذلك بالكتاب قلت النص فيها كما ذكره السائل لكن المسألة قالوا أنها خرجت على خلاف الأصل ولذا عارضوها بمن تزوج امرأة خامسة قال اللخمي ولا فرق بينهما والأصل ما أشار إليه الشيخ ﵁ وما خرج عن الأصل نادر لا يقع النقض به اهـ (الثاني) قد تقدم أن من تزوج بأمة عالمًا بحرمتها ووطئها فإنه زان على المشهور ويلزمه الحد ولا يلحق به الولد وهو مذهب الشافعية وقيل لا يلزمه الحد لأن وطأه ليس بزنى ويلحق به الولد وهو القول الشاذ عندنا وهو مذهب الحنفية وإنما يفسخ نكاحه فقط لفساده لأن آية التحريم وهي قول الله ﷿ ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ مجملة لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان وإنما يمكن
[ ٢ / ٦ ]
إضافته إلى الأفعال وذلك الفعل غير مذكور في الآية فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أولى من بعض فصارت الآية مجملة من هذا الوجه (فأجاب) عنه بعض الشافعية من وجهين (الأول) أن تقديم قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ يدل على أن المراد من قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ تحريم نكاحهن (الثاني) أن من المعلوم بالضرورة من دين محمد ﷺ أن المراد منه تحريم نكاحهن والأصل فيه أن الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف فإذا قيل: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ فهم كل أحد أن المراد تحريم أكلها وإذا قيل: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم﴾ فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن. ولما قال ﵊: لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى معانٍ ثلاث، فهم كل أحد أن المراد لا يحل إراقة دمه وإذا كانت هذه الأمور معلومة بالضرورة كان إلقاء الشبهات فيها جاريًا مجرى القدح في البديهيات وشبه السوفسطائية فكانت في غاية الركاكة والله أعلم (وقال) الفاكهاني ويجري مجرى النص عندنا ما علم المراد به من جهة عرف التخاطب وإن لم يكن نصًا نحو قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾ و﴿حرمت عليكم الميتة﴾ إذ ليس بنص في تحريم وطء الأمهات ولا في تحريم أكل الميتة وإنما هو مجاز لأنه علق التحريم على الأعيان والمراد تحريم الأفعال فيها لأن اللفظ لما كثر استعماله فيما هو مجاز فيه خرج عن حد المجاز ولحق بالحقيقة وكذا لو قال حرمت عليكم الفرس فهم منه الركوب أو حرمت عليكم الجارية فهم الوطء دون ما عداه لأنه المقصود منها وبعض الحنفية يدعي في ذلك الإجمال وليس بصحيح لما قدمناه اهـ (وقال) ابن العربي قد بينا بين الله لكم وبلغكم في العلم أملكم أن التحريم ليس بصفات أعيان لحرمة وأن الأعيان ليست موردًا للتحليل والتحريم ولا مصدرًا وإنما يتعلق التكليف بالأمر والنهي بأفعال المكلفين من حركة وسكون لكن الأعيان لما كانت موردًا للأفعال أضيف الأمر والنهي والحكم إليها وعلق بها مجازًا بديعًا على معنى الكناية بالمحل عن
[ ٢ / ٧ ]
الفعل الذي يحل فيه من باب قسم التسبيب في المجاز اهـ (لطيفة) العقد على الزوجة شرط في صحة النكاح وسبب في إباحة التلذذ بها ومانع من إنكاحها رجلًا آخر فقد اجتمع الشرط والسبب والمانع في شيء واحد (وأما) مشروعيته فبالكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله ﷿: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ الآية، وأما السنة فقد تزوج النبي ﷺ بأزواج وقال: تزوجوا الودود الولود فإني أباه بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط وقال: عليكم بالتزويج فإنه يجلب الرزق إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث والآثار الدالة على الترغيب فيه. وهل النكاح من باب القوت أو من باب التفكه خلاف تنبني عليه أحكام كما في المنهج المنتخب منها أن الأبوين إذا احتاجا إلى النكاح هل الابن يجب عليه ذلك كالنفقة أم لا خلاف (وأما) حكمة مشروعيته فلدفع غوائل الشهور وللتنبيه باللذة الفانية على اللذة الباقية لأنه إذا ذاق هذه اللذة وعلم أن له إذا عمل الخير ما هو أعظم منها في الآخرة سارع في فعل الخيرات وللمسارعة في تنفيذ إرادة الله تعالى لأنه أراد بقاء الخلق إلى يوم القيامة ولا يحصل ذلك إلا بالنكاح وتنفيذ إرادة رسوله ﷺ لقوله: تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولبقاء ذكر الوالدين ورفع الدرجات بسبب دعاء الولد الصالح لهم قاله ابن راشد والله تعالى أعلم (وأما) حكمه فقد أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى بقوله:
(وباعتبار الناكح النكاح واجب أو مندوب أو مباح)
يعني أن النكاح يختلف حكمه باعتبار خال الناكح فتارة يكون واجبًا عليه وذلك إذا قدر عليه وخاف الزنى بتركه وتارة يكون مندوبًا في حقه وذلك إذا رجي النسل ولم يخف الزنى بتركه رغب فيه أولا وكذا يستحب إذا رغب فيه ورجي النسل وتارة يكون مباحًا له وذلك إذا لم يرج النسل وهو معرض عن النساء. (وقال) اللخمي وهو في الشرع على أربعة أقسام واجب غير موسع لمن خشي
[ ٢ / ٨ ]
الزنى وعجز عن التسري ولا يذهب عنه بالصوم. وواجب موسع إن كان كذلك ويقدر على التسري فهو مخير بينه وبين النكاح فإن كان يذهبه الصوم وجب أحد الثلاثة على التخيير والزواج أولى لقوله ﵊ يا معشر الشبان من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء فقدم النكاح على الصوم والسراري لتنقل طباعهن للولد. ومندوب للأمن من الزناء الراغب في النساء وهو يولد له. ومباح للمعرض عن النساء وهو لا نسل له وكذلك في المرأة إلا في التسري قاله بهرام في كبيره. ولم يتعرض الناظم للمكروه ولا للحرام مع أن النكاح تعرض له الأحكام الخمسة كما نقل على اللخمي أيضًا فيكره إن كان يقطعه عن عبادة وهو لا يشتهيه. ويحرم إذا كان يضر بامرأة بعدم وطء أو نفقة أو كسب من حرام لكن قال ابن رحال يقيد المنع بما إذا لم تعلم المرأة بعجزه عن الوطء وإلا جاز النكاح إن رضيت وإن لم تكن رشيدة وكذلك الرشيدة في الإنفاق. وأما الإنفاق من كسب حرام فلا يجوز معه النكاح وإن رضيت (قال) المهدي في الحاشية وقول التسولي قد يرد بأن ما قالوه من باب ارتكاب أخف الضررين غير صحيح لأنه يقدر على تركهما لكونهما في طوقه فيجب عليه تركهما ولا يرتكب واحد منهما وإنما يرتكب الأخف عند عدم القدرة على الترك كالمضطر لأكل الميتة وما أشبه ذلك وقول التسولي ولأنه يزجر على الإضرار وإطعامها الحرام وإلا طلق عليه هذا فيه تهافت أي تساقط إذ حاصله أنه يجوز له أن يتزوجها ويطعمها الحرام ابتداء فإذا تزوجها زجر عن إطعامها الحرام وإن لم ينزجر طاق عليه وهذا كلام ركيك بلغ الغاية في السقوط اهـ. والذي عليه جمهور العلماء أن الأصل في النكاح الندب لقوله ﷺ: يا معشر الشباب الحديث المتقدم وقيل بوجوبه لحمل الحديث عليه. والباءة بالموحدة والمد وآخره هاء التأنيث والمراد به هنا المال الموصل له فهو على حذف مضاف أي مؤن النكاح. وقوله وجاء بكسر الواو والمد نوع من الخصاء شبه ما يقطع النكاح من الصوم فذلك إذا صنع بالفحل
[ ٢ / ٩ ]
انقطع ذلك عنه. ويستحب كونها بكرًا ولو أكبر من الثيب لأنها لم تجرب الرجال. ونظر وجهها وكفيها بإذن لقول الله ﷿: ﴿ولو أعجبك حسنهن﴾. وروي عن المغيرة بن شعبة أنه قال خطبت امرأة فقال لي النبي ﷺ أنظرت إليها فقلت لا فقال فانظر إليها فإنه أجدر أن يدوم ما بينكما. وفي طرر ابن عات قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بنت عشر سنين تسر الناظرين وبنت عشرين لذة للمتعانقين وبنت ثلاثين ذات سمن ولين وبينت أربعين ذات بنات وبنين وبنت خمسين عجوز في الغابرين كنت رأيت هذا اللفظ في بنت الستين وكنت رأيت في بنت الخمسين بغية للقانعين اهـ. ومن نوادر حديث خالد بن سعد مولى الفقيه محمد بن لبابة يرفعه إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ من يمن المرأة تبكيرها بالبنت الحديث اهـ. ومن المستحبات خطبة بكسر الخاء ما ورد من الخطب في استدعاء النكاح والإيجاب إليه وبضم الخاء ما يقوله الخطيب في الجمعة والأعياد وبفتح الخاء المرة الواحدة قال صاحب نيل الإرب في مثلثات العرب
وموة الوعظ تسمى خطبه ثم التماس للنكاح الخطبه
وما به يخطب فهو الخطبه وحمرة أي في سواد الشعر
وتقليلها لأن الناس فيهم الضعيف وذو الحاجة. وفي الواضحة كانوا يستحبون أن يحمد الله الخاطب ويصلي على نبيه ﷺ ثم يخطب المرأة ثم يجيبه المخطوب إليه بمثل ذلك من حمد الله تعالى والصلاة على نبيه ﷺ ثم يذكر إجابته اهـ. قالب عض الأكابر أقلها أن يقول الولي الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله زوجتك على كذا ويقول الزوج الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله قبلت نكاحها كذا في الحطاب. وأن تكون الخطبة يوم الخميس لأن النبي ﷺ كان يتبرك به ويسافر فيه أو يوم الجمعة بعد العصر لقربه من الليل لاجتماع الناس فيه. وأن يكون العقد في شوال والبناء فيه لأن النبي ﷺ تزوج عائشة ﵂ في شوال وبنى بها فيه وقيل تزوج بها في رمضان
[ ٢ / ١٠ ]
والأصح الأول. وينبغي أن يخالف الجهال ومن لا يعبأ به في كراهتهم عقد النكاح في المحرم والدخول فيه متمسكًا بما عظم الله ورسوله من حرمته وردعًا للجهال قاله الإمام المازري في شرحه المسمى بالمفهوم على مسلم. ويستحب إشهاد عدلين غير ولي حين العقد خوف موت أو ندم وليس الإشهاد شرطًا في صحته لحصوله بالإيجاب والقبول وإنما هو شرط كمال في العقد وشرط في صحة الدخول على المشهور كما يأتي. وإشهاره ولو بتصفيق بيد كدف ودخان. وفي الحديث أظهروا النكاح واضربوا عليه بالغربال قال ابن حبيب يعني الدف وقال غيره هو مغشي من جهة واحدة. (ابن) المواز قال مالك لا بأس بالدف والكبر والمزهر فالدف معروف والكبر بفتحتين الطبل والمزهر بكسر الميم آلة طرب وهو المعروف بالعود. وقال ابن حبيب رخص في العرس بإظهار الكبر والدف والمزهر وعفي عن اللعب بذلك في العرس وكره مالك الغناء في العرس وغيره إلا مثل ما كان نساء الأنصار يقلن أو رجزًا خفيفًا لا بكثير ولا بقليل اهـ من ابن راشد (قلت) وعادة أهل توزر وعملها إشهار النكاح بالطبول وإطلاق البارود وعادة أهل حاضرة تونس إشهاره بجمع غفير من الصبيان ولفيف الناس بالتصفيق وغيره عند سوق الجهاز وحمله على ظهور الدواب لبيت البناء وكذلك تهنئة عروس في عقد ودخول والدعاء له كأن يقال له بالرفاء والبنين بارك الله لك ولا بأس بالزيادة على هذا من ذكر السعادة وما أحب من خير ومعنى الرفا بكسر الراء والمد الاتفاق والملاءمة. وكان النبي ﷺ إذا رفا الإنسان إذا تزوج قال بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير كذا في كبير الشيخ بهرام. والوليمة والأصل فيها أن النبي ﷺ أولم على زينب رضي الله تعالى عنها بشاة وأولم على بعض نسائه بالخبز والتمر والأقط وقال ﷺ لعبد الرحمن لما أخبره بأنه تزوج بارك الله لك أولم ولو بشاة. وقيل بوجوبها حيث حمل الأمر عليه قال مالك رحمة الله عليه كان ربيعة يقول إنما تستحب الوليمة لإثبات النكاح ولإظهاره لأن الشهود قد يهلكون اهـ. وأن تكون بعد البناء
[ ٢ / ١١ ]
وقيل قبله أفضل وتتعدد بتعدد الزوجات فمن نكح ثلاثًا في عقد واحد أولم لكل واحدة في يوم أو نكحهن مرتبًا ولم تتخلل الوليمة. ولا يقضى بها على المشهور لأنها مستحبة كما مر. وتجب إجابة من عين إن لم يحضر من يتأذى به المدعو ولم يكن منكر ولا كثرة زحام وان لا يكون بالطريق شدة وحل. وأن لا تختص الدعوة بالأغنياء. وأن لا يكون على رؤوس الآكلين من ينظر إليهم. وأن لا يفعل طعامها لأجل المفاخرة والمباهاة لا للأكل فقط فإن توفرت هذه الشروط وحضر فهو في الأكل بالخيار إن كان مفطرًا. والوليمة في اللغة هي طعام العرس خاصة. والخرس بضم الخاء المعجمة طعام النفاس. والعقيقة طعام المولود. والنقيعة طعام القادم من سفر. والمأدبة بضم الدال وفتحها طعام الدعوة واجتماع الأحباب. والأعذار من أعذر طعام الختان. والحذاقة بضم الحاء المهملة طعام الصبي عند حذاق القرآن وحفظه. والوكيرة براء بعد ياء ساكنة طعام بناء دار فهذه ثمانية وردت من كلام العرب كما في بهرام وغيره ويستحب الإتيان للعادية كالوليمة ويباح ما عداها كما في حاشية البناتي وقد نظمتها فقلت
وليمة للعرس خرس للنفاس عقيقة لولدها فلا التباس
نقيعة لقادم من سفر مأدبة طعام دعوة دري
ما كان للختان أعذار علم حذاقة لحفظ قرآن رسم
وكيرة طعام دار بنيت فذي ثمان خصصت وبينت
ولام ولدها بالسكون لغة في ولدها بالتحريك (وقوله) وباعتبار الناكح النكاح البيت فالنكاح مبتدأ وواجب وما عطف عليه خبره وباعتبار يتنازعه الثلاثة واعمل الأخير وأضمر في الأول والثاني ولم يبرز لأنه فضلة (هذا) وقد تقدم الكلام على أركان النكاح الخمسة الحقيقية في تعريف الإمام ابن عرفة والكلام الآن على أركانه الخمسة الاصطلاحية المترجم لها وإليها أشار الناظم رحمه الله تعالى بقوله
(والمهر والصيغة والزوجان ثم الولي جملة الأركان)
[ ٢ / ١٢ ]
قال ابن الحاجب أركان النكاح الصيغة والولي والزوج والزوجة والصداق اهـ وبيان كونها اصطلاحية لا حقيقية أنها شروط لتحصيل ماهية النكاح الذي هو العقد ومن المعلوم أن الشرط خارج عن الماهية فلا يصح حمله عليها حمل مواطأة إذ لا يقال النكاح زوج وزوجة الخ بل يقال النكاح شرط وجوده زوج وزوجة الخ بخلاف الأركان الحقيقية فإنها تحمل عليه حمل هو هو فيقال النكاح عقد على مجرد متعة إلى آخر التعريف المشتمل على جنس المعرف بفتح الراء وفصوله الأربعة التي وقع الاحتراز بها عن الغير كما مر بيانه إذا تقرر هذا علمت أن إطلاق الأركان على المهر وما عطف عليه مجاز ثم لما غلب الاستعمال صار إطلاقه عليها حقيقة عرفية وتنوسي المجاز ولا مشاحة في الاصطلاح وستمر بك إن شاء الله تعالى موضحة بذكر شروطها ركنًا ركنًا. وأما الإشهاد فليس بركن كما مر وإليه أشار الناظم بقوله
(وفي الدخول الحتم للإشهاد وهو مكمل في الانعقاد)
يعني أن وجوب الإشهاد بالنكاح شرط في صحة الدخول وشرط كمال في الانعقاد، وإنما شرع الإشهاد تحصينًا لحقوق الزوجين وسدًا لذريعة الزنى ولم يكن في أنكحة الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأمنهم من ذلك بل كانوا يعلنون فقط فإن دخل الزوج بزوجته بدون إشهاد فسخ نكاحه بطلقة بائنة لأنها بحكم حاكم وكان الفسخ بطلاق لاعترافهما بالزوجية ولا حد عليهما اتفاقًا إذا اعترفا بالوطء وكان النكاح فاشيًا أو شهد عدل على النكاح أو على ابتنائهما باسم النكاح أو جاءا مستفتيين فإن لم يكن شيء من ذلك حدًا لتهمة الزنى ولو جهلًا وجوب الإشهاد على المشهور وله أن يتزوجها بعد الاستبراء واستبراؤها كالعدة فإن لم يعترفا بالوطء فعليها الأدب باجتهاد الحاكم. وأشار صاحب الطرر إلى الخلاف في الحد إذا تقاررا بالوطء ولم يقرا بالزنى وإنما أقرا بما لو أقاما عليه البينة لم يحدا قال واصل أشهب أنه لا يحد أحد بأكثر مما أقر به وقال في آخر طرره في ترجمة تسجيل نكاح ادعاه أحد الزوجين ما نصه ابن رشد رحمه الله تعالى إذا تقارر الرجل والمرأة على النكاح ولم
[ ٢ / ١٣ ]
تقم على أصله بينة وهما غير طاريين فلا يخلو الأمر من وجهين أحدهما أن تكون المرأة في ملكه وتحت حجابه فالميراث بينهما قائم والزوجية بينهما ثابتة إذا طال كونه معها واشتهر الأمر لأنه إذا لم يطل ذلك ويشتهر فوجوده معها ريبة توجب عليهما الأدب والحد إن تقاررا بالوطء على اختلاف في ذلك وكذلك إذا لم يعلم منهما إقرار لأن كونها في ملكه وتحت حجابه كالإقرار منهما بالنكاح أو أقوى وأما إذا كانت بائنة عنه منقطعة فإن شهد فيه بالسماع وطال الأمر مدة تبيد فيها الشهود ففي ذلك قولان قد قيل إن الشهادة في ذلك بالسماع عاملة وقيل لا تجوز وأما إن لم يمض من المدة ما تبيد فيه الشهود فلا خلاف أن الميراث لا يكون بينهما إلا أن تقوم بينة على أصل النكاح وأما الطارئان فلا يعترضان اهـ (قلت) ولعلهم لم يراعوا الخلاف حتى ينتفي الحد إن دخلا بلا إشهاد ولم يحصل فشو ونحوه لأن هاته المسألة مبنية على سد الذرائع. كما علمت وهو مقدم على مراعاة الخلاف لأنه أقوى منها في الاعتبار. وقول الناظم وفي الدخول خبر مقدم والحتم مبتدأ مؤخر وللإشهاد متعلق به وهو مبتدأ ومكمل خبره وفي الانعقاد متعلق به (فالركن الأول) الزوج ويشترط في جواز إقدامه على النكاح أن يكون خاليًا من الموانع الآتي بيانها في شروط الزوجة كما يشترط في لزوم النكاح له أن يكون مطلق اليد والاختيار ليس بمحجور عليه ولا بمكره فإن كان محجورًا عليه أو نكرهًا فإن نكاحه غير لازم ففي الحطاب ستة يرد نكاحهم العبد والسفيه والمفلس والمحرم والمريض والمرتد إلا أن يجيز السيد للعبد وولي السفيه وغرماء المدين بهذه الثلاثة تجوز بالإجازة والثلاثة الباقية لا تجوز بالإجازة ويفسخ وإن دخلوا ولهم أن يراجعوا إذا طلقوا طلاقًا رجعيًا اهـ (فرع) مرتب إذا وطئها المكره على العقد غير مكره على الوطء لزمه إمضاء النكاح على المسمى وإن زاد على صداق المثل ويدرأ الحد عنه إلا أن يقول وطئتها على غير رضى مني بالنكاح فيحد ويلزمه المسمى وتحد المرأة إن كانت عالمة بأنه مكره على النكاح وغير راض بالوطء (والركن الثاني) الزوجة ويشترط فيها ما يشترط في
[ ٢ / ١٤ ]
الزوج ما عدا إطلاق اليد لأنها إن كانت محجورة فلا اعتبار بإذنها وإن لم تكن محجورة لزمها النكاح بمجرد الإذن. وأن تكون خلية من الموانع التي تقتضي تحريمها قال ابن رشد وهي على شطرين (الأول) فيما يحرم على التأبيد (والثاني) فيما يحرم في حالة (فالذي) يحرم على التأبيد خمسة أنواع (النوع الأول) المقاربة وهي السبع الوارد فيها نص الكتاب العزيز في قول الله ﷿: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ﴾ إلى آخر الآية. وهي أصول الرجل وفصوله وفصول أو أصوله وأول فصل من كل أصل وإن علا فالأصول الأمهات وإن علون والفصول البنات وإن سفلن لابن أو بنت والمنفية بلعان والمخلوقة من ماء الزنى على المشهور. وفصول أول أصوله الأخوات وإن سفلن. وأول فصل من كل أصل العمات والخالات فبنات العمات والخالات حلائل (الثاني) الرضاع فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والولادة وسيأتي في بابه (الثالث) المصاهرة قال الله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ وحلائل الأبناء وإن سفلوا وكذا زوجة ابن البنت وأمته. وحلائل الآباء وإن علون من الجانبين لقول الله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ وكذا حليلة الابن من الرضاع وقال: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ وكذا منكوحة الأب من الرضاع (الرابع) اللعان فالملاعنة محرمة على التأبيد ولو أكذب الملاعن نفسه كما يأتي (الخامس) النكاح في العدة وقد وقع النص على تحريم العقد على المعتدة في قول الله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ الآية، قال صاحب المختصر وحرم خطبة معتدة ومواعدتها كوليها كمستبرأة من زنى وتأبد تحريمها بوطء اهـ ثم ينكشف أن عدتها قد انقضت ثبت نكاحها وليس لأحدهما نقضه (والذي يحرم) في حالة دون حالة عشرة أنواع (الأول) المرض من الجانبين إذا كان مخوفًا غير متطاول وسيأتي بيان المرض المانع عند قول الناظم. ومن مريض ومتى من المرض
[ ٢ / ١٥ ]
البيت في فصل صريح الطلاق فإذا وقع عقد النكاح في المرض المانع فإنه يفسخ قبل البناء وبعده ولو ولدت الأولاد ويلحقون به فإذا مات أحدهما قبل الفسخ فلا ميراث له لأنه فاسد لعقده ولا شيء للزوجة من الصداق إذا حصل موت أو فسخ قبل البناء ولها المسمى بعده من ثلث ماله ثم قال ابن راشد (الثاني) الإحرام بأحد النسكين فلا يجوز لمحرم بحج أو عمرة نكاح ولا إنكاح حتى يطوف طواف الإفاضة ويصلي ركعتي الطواف (الثالث) الردة فإذا نكح الرجل بعد ارتداده لم يجز ويفسخ رجع إلى الإسلام أو لم يرجع (الرابع) أن تكون ذات زوج غير مسبية لقول الله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ الآية لأن السبي يهدم النكاح (الخامس) الكفاءة في الدين إلا الكتابية للمسلم قال الله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾، ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ وقال تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ (السادس) الرق فلا يجوز للرجل أن يتزوج أمته ولا المرأة عبدها (السابع) المستوفاة طلاقًا فإذا طلق الحر زوجته ثلاثًا أو طلق العبد زوجته اثنتين فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا بشروطه المذكورة في محلها (الثامن) أن تكون المرأة راكنة إلى الغير ولم يبق بينهما إلا العقد (التاسع) أن تكون يتيمة غير بالغ وفي إنكاحها ثلاث روايات إحداها أنها تزوج مطلقًا وذلك لسائر الأولياء. وثانيتها أنها لا تزوج حتى تبلغ. وثالثتها أنها تزوج إذا بلغت عشر سنسن وكانت مطيقة للوطي ودعتها ضرورة إلى ذلك وخيف فسادها ويأذن القاضي وبهذه الرواية جرى عمل المتأخرين (العاشر) محرمة الجمع ولها صورتان (الأولى) الجمع بين الختين وهو محرم بالكتاب قال الله تعالى في آية المحرمات: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾. وألحقت السنة بذلك الجمع بين العمة وابنة أخيها والخالة وابنة أختها قال رسول الله ﷺ: لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها. وقد أجمع المسلمون على الأخذ بهذا النهي في الجمع بين الأختين وفي الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في
[ ٢ / ١٦ ]
النكاح وفي الوطء بملك اليمين (وكذا) لا يجوز الجمع بين العمتين ولا بين الخالتين فصورة العمتين أن يتزوج رجلان كل واحد منهما أم الآخر وصورة الخالتين أن يتزوج رجلان كل واحد منهما بنت الآخر فيولد لكل بنت فكل واحدة من البنتين عمة الأخرى في الأولى وكل واحدة خالة الأخرى في الثانية ومعنى قول القائل
ولي خالة وأنا خالها ولي عمة وأنا عمها
فأما التي أنا عم لها فإن أبي أمه أمها
أخوها أبي وأبوها أخي ولي خالة هكذا حكمها
فأين الفقيه الذي عنده علوم الديانة أو وجهها
يبين لنا نسبًا خالصًا ويكشف للنفس ما غمها
صورة الأولى أخوه لأمه تزوج بجدته من أبيه فأولدها بنتًا فهي عمته وهو عمها وصورة الثانية جده من جهة أمه تزوج أخته من أبيه فأولدها بنتًا فهي خالته وهو خالها (فريدة) تقول امرأة لطفل يا ولد أخي ويا ولد أختي صورتها أخوها لأبيها تزوج أختها لأمها فولدت طفلًا. وتقول امرأة لطفل أيضًا يا ولد أخي ويا من أبوه أخو أولادي صورتها رجل تزوج امرأة وأبوه تزوج ابنتها فولد لكل طفل فولد الكبرى أخو الصغرى وأبوه أخو أولادها. وقول القائل في ستة نسوة كلهن من امرأة واحدة اثنتان منهن بناتي واثنتان عماتي واثنتان أخواتي صورتها امرأة لها بنتان ورجل وأبوه وابنه تزوج الابن بالأم والأب بإحدى البنتين والرجل بالأخرى وولد كل بنتان وهو واضح (الصورة الثانية) الجمع مع أربعة نسوة والخامسة محرمة إجماعًا على الحر والعبد. واختلف في المخلقة وهي التي أفسدت على زوجها فطلقها هل يتأبد بتحريمها على من أفسدها وكذا الهاربة على من هرب بها والراجح عدم التأبيد والله أعلم (والركن الثالث) الصيغة وإليها أشار الناظم بقوله
(فالصيغة النطق بما كانكحا من مقتض تأبدا مستوضحا)
[ ٢ / ١٧ ]
يعني أن الصيغة هي التلفظ من الولي بكلام يدل ويقتضي تمليك عصمة وليته على التأبيد لنكاحها ممن خطبها منه اقتضاء واضح الدلالة على ذلك كقوله أنكحت وزوجت وكذلك وهبت وتصدقت وأعطيت ومنحت قاصدًا بواحدة من هذه الأربعة النكاح مع ذكر الصداق قال ابن الحاجب الصيغة من الولي لفظ يدل على التأبيد مدة الحياة كأنكحت وزوجت وملكت وبعت وكذلك وهبت بتسمية الصداق ومن الزوج ما يدل على القبول اهـ وسواء تقدم الإيجاب على القبول الذي هو مندوب أو تقدم القبول على الإيجاب كأن يقول الزوج للولي زوجني فيقول الولي زوجتك فينعقد النكاح (فرع) سئل العلامة الورزيري عمن قال لرجل إن أعطيتني كذا وكذا زوجتك ابنتي هل يلزمه التزويج إن أعطاه ذلك أم لا (فأجاب) قال في العتبية من قال لرجل إن أتيتني بخمسين دينارًا زوجتك ابنتي فعدة لا تلزم وقال التونسي أحب إلي أن تلزم والله أعلم اهـ قلت المشهور في المسألة اللزوم وهو مذهب المدونة إن ورطه ببيع أثاثه مثلًا ولها نظائر في التزامات الحطاب. وفهم من قوله فالصيغة النطق الخ أنه لا ينعقد بالإشارة المفهمة ونحوها كقول صاحب الاستذكار النكاح يفتقر إلى التصريح ليقع الإشهاد عليه لكن قال الحطاب ينبغي أن يقيد ذلك بمن يمكنه النطق اهـ قال ابن راشد فإن كان الزوجان صماوين بكماوين قلت هذا ما أصدق فلان الأصم الأبكم زوجه الصماء البكماء وتبني على ما تقدم إلى الإشهاد فتقول شهد على إشهاد الزوجين المذكورين بما فيه عنهما من أسهداه به على أنفسهما في صحتهما وجواز أمرهما وعلم رضاهما بذلك بالإشارة المفهمة عنهما مرادهما ورضاهما بعد تلقينه لهما في كل فصل من الفصول المذكورة المرة بعد المرة بالإشارة التي لم يشك شهوده في فهمها لها ووقوفهما عليها أشهده مع ذلك المنكح فلان بما فيه عنه وهو بصحة وجواز أمر وذلك بتاريخ كذا اهـ والهاء من أشهداه عائد على من في قوله أشهداه وقد رأيت في بلد نفطة زوجين بهاته الصفة يفهم كل واحد منهما صاحبه فهمًا جيدًا والرجل قلال صناعة (تنبيهان) الأول لا بد من الفور بين الإيجاب والقبول فإن
[ ٢ / ١٨ ]
تأخر بيسير كاليوم واليومين جاز وإلا فلا وهذا في النكاح الموقوف وقد اضطربت أقوالهم فيه فمن ذلك قول الباجي هو أن يعقد الولي نكاحها ويوقفه على إجازتها ويذكر أنه لم يعلمها ذلك وكذا لو أنفذ الزوج قبوله وبقي الإيجاب موقوفًا انظر الرصاع. وأما تقديم الإيجاب على القبول في البكر المجبرة يزوجها أبوها من غائب فهو جائز طل الزمن أو لم يطل قال في الأجوبة الفاسية (وسئل) شيخ شيوخنا أبو محمد عبد الله العبدوسي عمن أشهد أنه أنكح ابنته البكر من فلان بصداق مسمى فلم يبلغه الخبر إلا بعد سنين (فأجاب) إن هذا إيجاب للرجل المذكور فيها فإن قبله الزوج حين بلغه صح نكاحه قرب أم بعد ولا يجري فيه الخلاف الذي في النكاح الموقوف قال وكثير من الطلبة يلتبس عليه الفرق بين المسألتين اهـ (وسئل) الشيخ السراج عن رجل عقد النكاح لولده على امرأة ولم يسمع من الولد قبول ولا رد فبقي الولد كذلك سنة ومات فهل يصح هذا النكاح ويحمل على القبول فيلزم الصداق والميراث والعدة أو يحمل على عدمه ولا يلزم شيء من ذلك (فأجاب) بأنه لا يحمل على القبول ولا صداق في ذلك ولا ميراث ولا عدة لأن النكاح لم ينعقد ولم يثبت إلا بثبوت قبوله وقبوله لم يثبت اهـ ونظيرها في عدم صحة النكاح لعدم ثبوت شرطه فتوى الإمام البرجيني ونقل عن الإمام القصار خلافه ويجري مجرى الرضى بالقول حضور الزوج لإطعام الطعام كذا في المعيار (تنبيه) لا بد من تقييد المسألة بكون الابن رشيدًا إذ لو كان سفيهًا لزمه النكاح على القول بأن للولي جبر السفيه على النكاح كذا في السجلماسي على العمل الفاسي (الثاني) أن ناكح الفاتحة ليس بعقد شرعي وإنما هو تراكن فلا يترتب عليه أثر النكاح من إرث وصداق وإن قبضت الزوجة شيئًا ردته ففي المعيار نقلًا عن ابن لب في نوازل النكاح من أن عادة الناس عند الخطبة التواعد على الإيجاب والانعقاد يتوقف على زمان يحضره الشهود وينبرم به الأمر فمن ادعى انبرام العقد قبل ذلك فهو مدع خلاف العرف ودعواه غير مثبتة اهـ (وقول) الناظم فالصيغة النطق مبتدأ وخبر وبما متعلق بالنطق
[ ٢ / ١٩ ]
بمعنى المنطوق وكانكحا صفة أما أو صلة ومن بيان لما ومقتض صفة لموصوف محذوف تقديره كلام وتأبدا مفعول مقتض ومستوضحًا بكسر الضاد واضحًا نعت له (والركن الرابع) المهر ويسمى الصداق كما سيأتي قريبًا والأصل في مشروعيته الكتاب العزيز قال الله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾. وقال ﷻ: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات﴾. وقد فعله النبي ﷺ وقال التمس ولو خاتمًا من حديد إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. وحكمه الوجوب فلا يجوز العقد على شرط إسقاطه وقد شرع الناظم في بيان بعض شروط فقال
(وربع دينار أقل المصدق وليس للأكثر حد ما ارتقي)
(أو ما به قوم أو دراهم ثلاثة فهي له تقاوم)
يعني أنه يشترط في الصداق أن يكون أقله ربع دينار شرعي من الذهب الخالص أو ثلاثة دراهم شرعية من الفضة الخالصة أو ما يساوي أحدهما من العروض (قال) ابن عات في طرره إذا تزوج بعرض خاصة قيل أنه يعتبر في قيمته أحدهما وقيل لا يعتبر إلا الورق خاصة وبالقول الأول قال ابن سهل ﵀ اهـ (وأما) أكثره فلا حد له حتى لا يرتقي عليه ولا يتعداه. وفي الطرر استحب عمر أربعمائة درهم (قال) ابن لبابة أراد عمر أن يحمل الناس أن لا يجاوزوا هذه العدة حتى أتت امرأة فقالت له يا أمير المؤمنين يقول الله ﷿ خلاف ما تريد أن تفعل قال وما يقول قالت يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارًا﴾ فقال كل الناس أعلم منك يا عمر حتى النساء. وقال ابن حبيب المياسرة في الصداق أحب إلينا وأقرب إلى اليسر في الدين اهـ وقال ﵊ من يُمن المرأة قلة صداقها. وقوله فهي له تقاوم أي الدراهم الثلاثة تقاوم ربع دينار فضمير له يعود عليه. ومفهومه أنه إذا كان الصداق أقل من ربع دينار فهو فاسد وهو كذلك وأنمه إن دخل فإن لم يدخل خير بين إتمامه ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما يساوي ذلك فلا يفسخ وبين عدم إنمامه
[ ٢ / ٢٠ ]
فيفسخ على المشهور بطلاق لأنه مختلف فيه ولها نصف المسمى كما قال صاحب المختصر وسقط بالفسخ قبله إلا نكاح الدرهمين فنصفهما اهـ وقوله المصدق بضم الميم وفتح الدال وقوله حد بالرفع والتنوين اسم ليس وقوله ما ارتقي ما نافية وارتقي بضم التاء مبني للنائب. ولما ذكر أقل الصداق ذكر قدر الدراهم الشرعية بدراهم وقته استشعارًا لسؤال سائل سأله عن ذلك فقال:
(وقدرها بالدرهم السبعين نحو من العشرين في التبيين)
(وينبغي في ذاك الاحتياط كخمسة بقدرها تناط)
يعني أن العشرين درهمًا من الدراهم السبعينية المعروفة عندهم في ذلك الوقت أو نحوها هي قدر الدراهم الثلاثة الشرعية ومع ذلك فينبغي الاحتياط بزيادة خمسة دراهم على العشرين لتحقيق قدر الثلاثة الدراهم خوفًا من أن يكون في العشرين نقص أو غش فينقص الصداق الشرعي عن أقله فيزول الخوف بتلك الزيادة (قلت) وفي هذا التقريب تأمل وقد قربت الدينار الشرعي في زماننا فوجدته نصف لويز بضم أوله مصغرًا والدرهم الشرعي قدر نصف فرنك وهما سكتان جيدتان من سكك الأفرنج وكنت سمعت ذلك من بعض مشائخي رحمهم الله تعالى (وقوله) نحو أي قرب. وقوله تناط قال التسولي معنى تناط هنا تضبط الثلاثة الدراهم الشرعية والنوط التعليق يقال ناطه ينوطه أي علقه ومعنى التعليق هنا الضبط لأنه يفسر في كل شيء بما يناسبه ألا ترى أنه في تعليق القدرة بالممكنات بمعنى التأثير وفي تعليق العلم بالمعلوم بمعنى الانكشاف وفي تعليق المجرور بعامله بمعنى أنه معمول والله أعلم اهـ (ولما) كان الصداق على نوعين صداق تسمية وصداق تفويض شرع الناظم في بيانهما فقال:
(ومنه ما سمي أو ما فوضا فيه وحتمًا للدخول فرضا)
فنكاح التسمية هو أن يسمي الصداق فيه وهو الغالب في الأنكحة ومنه إذا كانت عدة قوم جارية بينهم في قدر معلوم لا ينقص عنه فإنه في حكم المسمى. ونكاح التفويض هو
[ ٢ / ٢١ ]
أن يعقداه بدون ذكر صداق وهو جائز لقول الله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ ولولا صحة النكاح على التفويض لما صح إيقاع الطلاق قاله ابن راشد. وعرفه الإمام ابن عرفة بقوله ما عقد دون تسمية مهر ولا إسقاطه ولا صرفه لحكم أحد وأخرج بالقيد الأخير نكاح التحكيم اهـ قال الرصاع قوله ما عقد دون تسمية أصله نكاح عقد فأطلق ما على النكاح لأن نكاح التسمية قسم منه وهو جنس له وقوله دون تسمية احترز به من نكاح المسمى وقوله ولا صرفه لحكم أحد أخرج به إذا تزوجها على حكم فلان فيما يعنيه من مهرها لأن حكمه حكم المسمى وهو المسمى بنكاح التحكيم اهـ وإذا وقع العقد على شرط إسقاط الصداق فسخ قبل البناء وثبت يعده بصداق المثل (وأما) نكاح التحكيم فقد عرفه الإمام ابن عرفة بقوله ما عقد على صرف قدر مهرها لحكم حاكم قال الرصاع بيانه ظاهر اهـ وجمعها صاحب المختصر بقوله وجاز نكاح التفويض والتحكيم عقد بلا ذكر مهر قال الحطاب عقد بلا ذكر مهر تفسير لنكاح التفويض والتحكيم لأنه لما جمع النوعين فسرهما بالقدر المشترك بينهما وهو عدم ذكر المهر ولا صرف الحكم فيه لحاكم ونكاح التحكيم بأنه صرف الحكم فيه لحاكم اهـ. وقوله وحتمًا للدخول فرضًا يعني أن صداق المثل في نكاح التفويض يفرض لوقوع الدخول فرضًا محتمًا وأما قبل الدخول فلا يتحتم الفرض وإن امتنعت من تمكينه حتى يفرض لها لزمه أحد أمرين إما الفراق ولا شيء عليه أو الفرض ويكره لها أن تمكن نفسها قبل أن يدفع لها ربع دينار أو ما يماثله ولزمها المفروض في نكاح التفويض وفي تحكيم الزوج إن فرض لها صداق المثل قال صاحب المختصر ومهر المثل ما يرغب به مثله فيها باعتبار دين وجمال وحسب ومال وبلد وأخت شقيقة أو لأب اهـ ولا يلزمه أن يفرض لها ذلك بل إن شاء طلق ولا شيء عليه وجاز الرضى بدونه للرشيدة وللأب في محجورته والسيد في أمته ولو بعد الدخول بها وتقرر
[ ٢ / ٢٢ ]
صداق المثل على الزوج وللوصي في السفيهة الرضى بدونه قبل الدخول وإن لم ترض حيث كان نظرًا لها كرجاء حسن عشرة الزوج لها لا بعده لتقرره بوطئه فإسقاط شيء منه غير نظر فليس الوصي كالأب لقوة تصرفه دونه لا البكر المهملة فليس لها الرضى بدون صداق المثل. وقوله وحتمًا صفة لموصوف محذوف كما مر وهو مفعول مطلق لفرضًا النبي للنائب وألفه للإطلاق وللدخول يجوز أن تكون اللام داخلة على مضاف محذوف كما قدرناه ويجوز أن تكون بمعنى بعد كما في قول الله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ (فرع) إذا اختلفا في التفويض والتسمية قال مالك في المدونة في رجل تزوج امرأة فهلكت قبل البناء فلما طلب بالصداق قال تزوجت على تفويض فالقول قوله مع يمينه وله الميراث وليس عليه صداق وإن طلق قبل البناء فلا شيء عليه وإن مات الزوج وادعت المرأة تسمية وقال ورثته كان على تفويض فالقول قولهم مع أيمانهم ولها الميراث دون الصداق. وحمل الشيخ أبو الحسن قوله على أن النكاح كان عندهم على تسمية وعلى تفويض قال ولو كانت العادة عند قوم التسمية خاصة لم يصدق الزوج في دعوى التفويض وكان القول قول من ادعى التسمية إذا أتت هي أو والدها بما يشبه كذا في الفائق ثم قال
(وكل ما يصح ملكًا يمهر إلا إذا ما كان فيه غرر)
يعني أن كل ما يصح ملكه يصح أن يكون مهرًا إلا إذا كان فيه غرر كثير كالعبد الآبق والبعير الشارد والثمرة التي لم يبد صلاحها أو جلد أضحية لأنه لا يجوز بيعه أو عقد بألف وإن كانت له زوجة فالفان فسخ قبل البناء للشك الواقع في قدر الصداق وثبت بعده بصداق المثل لأنه نكاح بغرر. وفي المختصر مع مزج الزرقاني الصداق كالثمن في مقابلة السلعة إثباتًا ونفيًا فيشترط فيه كونه طاهرًا منتفعًا به مقدورًا على تسليمه معًا وما في موانعه كوقوعه بخمر أو خنزير ولو كانت الزوجة ذمية أو مجهول ويغتفر فيه من يسير القدر ما لا يغتفر في الثمن لجوازه بشورة وبصداق المثل اهـ وإنما اغتفر فيه ذلك لأن النكاح مبني على المكارمة بخلاف البيع لأنه مبني على المشاحة فلا يجوز
[ ٢ / ٢٣ ]
فيه الغرر مطلقًا والله أعلم (فرع) إن وقع النكاح بقلة خل حاضرة مطينة فإذا هي خمر ثبت النكاح وعليه مثل الخل كمن تزوجت بمهر فوجدت به عيبًا فلها مثله غير معيب إن وجد وإلا فبقيمته ترجع. وإن وقع بقلة خمر فإذا هي خل ثبت النكاح أيضًا لكن إن رضياه فلعلها تقول لم أشتر خلًا إن كرهت أو هو يقول لم أبع منك خلًا إن كره النكاح. وقوله
(والمهر والصداق ما قد أصدقا وفي الكتاب بالمجاز أطلقا)
يعني أن القدر الذي يبذله الزوج لزوجته في النكاح يسمى مهرًا ويسمى صداقًا وقد زيد عليهما ثمانية وهي الفريضة والحباء بالكسر والمد والنحلة بكسر النون والنفقة والأجر والعقر بضم أوله وسكون ثانيه والطول بفتح الطاء والعليقة ومعناها واحد كما في شفاء الغليل لأبي الحسن وغيره وقد نظمتها فقلت
اعلم هداك الله للفلاح أسماء ما يبذل في النكاح
مهر صداق وفريضة حبا ونحلة نفقة دع الصبا
عليقة أجر وعقر يا فتى ثمت طول عدها عشرًا أتى
وأما إطلاق الصداق على الكتاب الذي هو الحجة المتضمنة لشهادة الشهود على النكاح فهو مجاز. وقوله أصدقا وأطلقا بالبناء للنائب والفهما للإطلاق (تنبيه) قال ابن عات في طرره وقد سئل عن شراء الرق يكتب فيه الصداق وأجرة الكاتب على من تكون قال على الذي يتوثق لنفسه وهو ولي المرأة اهـ ونقل بعض القرويين مثله عن الوانوغي قال ولابن سها خلافه (قلت) والذي عليه عمل تونس أن الزوج هو الذي يشتري الرق ويعطي أجرة الكاتب ويأخذها وإذا احتاجت الزوجة إلى نسخة أخذتها وأعطت جميع ما يلزمها وأما أحر وثيقة سبب الأيم أو اليتيمة وكذا أجرة العون الذي يبلغ إذن القاضي للشهود فإنها لا تكون على الزوج بل على الزوجة إلا بشرط كما في البرنامج ثم قال
(ويكره النكاح بالمؤجل إلا إذا ما كان مع معجل)
[ ٢ / ٢٤ ]
يعني أنه يكره عقد النكاح ابتداء على تأجيل الصداق كله بأجل معلوم إلا إذا كان المؤجل معه معجل بأن اتفقا على أن بعضه مؤجل وبعضه معجل فلا كراهة وما درج عليه الناظم من التفصيل ضعيف والراجح الكراهة مطلقًا قال مالك فيمن تزوج امرأة بدنانير مسماة نقدًا وبدنانير إلى سنة لا يعجبني هذا النكاح وليس هو نكاح من أدركنا اهـ (فرع) لو تزوجها بثلاثين دينارًا عشرة منها نقدًا وعشرة منها إلى أجل وسكتا عن العشرة الثالثة فالرواية أن العشرة المسكوت عنها ساقطة ولو كان ذلك في البيع لكانت تلك العشرة المسكوت عنها حالة. والفرق أن النكاح قد يظهر فيه عدد في العلانية ويكون في السر دونه فيكون سكوتهم بعد توزيع العشرين دليلًا على أن الصداق عشرين وليس كذلك في البيع فافترقا قاله ابن راشد وقوله
(وأجل الكوالئي المعينه ستة أشهر لعشرين سنه)
(بحسب المهور في المقدار ونسبة الأزواج والأقدار)
يعني أنه يجوز في أجل الكالئي وهو دين الصداق إذا وقع ونزل أن يكون من ستة أشهر فأقل من يوم العقد إلى عشرين سنة وذلك بحسب أمور ثلاثة وهي قلة المهر وكثرته وكبر الزوجين وصغرهما وعلو القدر وضعته فإن زاد على العشرين لم يفسخ حتى يبلغ خمسين فإذا بلغها فسخ قبل الدخول وثبت بعده وهو ما رجع إليه ابن القاسم كما في نقل المواق خلاف ما في بعض الشراح أنه رجع إلى الأربعين قاله الزرقاني. واعلم أن قوله وأجل الكوالئي البيت يتضمن شرطًا من شروط الصداق بطريق المفهوم وهو أن يكون الصداق حالًا أو إلى أجل غير بعيد جدًا (تنبيه) من شرط الصداق أيضًا أن لا يكون مغصوبًا علماه وأن لا يكون مع بيع أو قرض ونحوهما على المشهور. وأن لا يتضمن إثبات النكاح رفعه كدفع العبد في صداقه نفسه أن ثبوت ملكها لزوجها يوجب فسخ نكاحها إذ لا يجوز للمرأة أن تتزوج ملكها كما مر وذلك لتنافي أحكام الملك للزوجية فهي تطلبه بحقوق الملك ومن جملتها رفع
[ ٢ / ٢٥ ]
درجتها عليه وهو يطلبها بحقوق الزوجية ومن جملتها رفع درجته عليها قال الله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ ويلزم رفع الصداق على تقدير ثبوت الملك فيكون النكاح خاليًا من الصداق فيفسخ قبل البناء وبعد البناء تملكه ويفسخ النكاح أيضًا إذ هو من الأنكحة الفاسدة إن كان قد أصابها ويلحق به الولد على المشهور. وأن لا يقترن به شرط ينافيه كما سيأتي في ذكر الشروط التي تقع في النكاح وقد نظمتها فقلت
شرط الصداق كونه مثل الثمن وربع دينار أقله اعلمن
مجردًا من كثرة التغرير وعقد مثل البيع في المشهور
وكونه ملكًا وبالحلول أو آجلًا حد بدون طول
وخاليًا من الشروط المفسده وغير رافع له إن أثبته
وسيأتي الكلام على ما ينبني على الأنكحة الفاسدة من فسخ وغيره في فصل فاسد النكاح إن شاء الله تعالى (تنبيه) يجب على الزوج نصف الصداق إذا طلق قبل البناء كما يأتي ويتكمل بوطء أو التمكين منه وإن مجبوبًا وسواء كان الوطء حلالًا أو حرامًا كان في الفرج أو في الدبر وإقامة سنة إن بلغ وأطاقت الوطي ولو لم يطأها ولا تلذذ بها وبموت أحدهما قبل البناء إن سمى صداقًا بخلاف التفويض فلا شيء فيه بالموت قبل البناء وقبل الفرض (والركن الخامس) الولي وقد شرع الناظم في بيانه فقال
* * *
(فصل في الأولياء ومن له الولاية)
أي هذا فصل في بيان الأولياء ومن له الولاية منهم في النكاح ومن لا ولاية له وترتيبهم ومن له الجبر ومن لا جبر له. والأولياء جمع ولي قال الله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ أي الشرك ويتباعدون منه فكل مؤمن ومؤمنة ولي من أولياء الله تعالى ومن حزبه. والولي لغة
[ ٢ / ٢٦ ]
يطلق على المطيع وعلى الصديق والنصير والقريب (واصطلاحًا) يطلق على ولي المرأة وعلى ولي الزوج إذا كان محجورًا أو رقيقًا والأول هو المقصود هنا. وقد عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الولي من له على المرأة ملك أو أبوة أو تعصيب أو إيصاء أو كفالة أو سلطنة أو ذو إسلام (فقوله) على المرأة يشمل الحرة والأمة (وقوله) أو أبوة أي شرعية إذا الأب الزاني لا عبرة به يشمل الجد لأم وليس بمراد لأنه من ذوي الأرحام وليسوا بآباء وأما الملك فظاهر. وقوله أو تعصيب كالأخ الشقيق أو لأب والأعمام وأبناءهم كذلك. وقوله أو إيصاء يشمل الوصي ووصيه. وقوله أو كفالة يشمل الذكر والأنثى لكن المذهب أن الكافلة لا حق لها في الولاية. وقوله أو سلطنة المراد به القاضي أو نائبه. وقوله أو ذو إسلام معطوف على من له على المرأة ولاية وهو أعم الولايات قاله الشيخ ميارة. والولي الاصطلاحي ركن من أركان النكاح كما تقدم. والدليل على أنه واجب ركن قول الله ﷿: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ وهو خطاب للأولياء ولا يصح العضل إلا لمن إليه العقد قاله ابن راشد (وقال) القاضي أبو بكر بن العربي العضل يتصرف على وجوه مرجعها إلى المنع وهو المراد هنا فنهى الله تعالى أولياء المرأة عن منعها من نكاح من ترضاه وهذا دليل قاطع على أن المرأة لا حق لها في مباشرة النكاح وإنما هو حق الولي ولولا ذلك لما نهاه الله تعالى عن منعها (فإن قيل) لو كان الولي هو المنكح فكيف يقال له لا تمتنع من فعل نفسك وهو محال (قلنا) ليس الأمر كما ذكرتم للمرأة حق الطلب للنكاح وللولي حق المباشرة للعقد فإذا أرادت من يرضى حاله وأبى الولي من العقد فقد منعها مرادها. وقال عند قول الله ﷿: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ قال علماؤنا في هذه الآية دليل على أن النكاح للولي لا حظ للمرأة فيه لأن صالح مدين تولاه وبه قال فقهاء الأمصار وقال أبو حنيفة لا يفتقر النكاح إلى الولي إلى أن قال ومن المشهور في الآثار لا نكاح إلا بولي وقال النبي ﷺ: أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل
[ ٢ / ٢٧ ]
فنكاحها باطل فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها فإن استمروا فالسلطان ولي من لا ولي له (فائدة) قال القاضي أبو بكر بن العربي قوله تعالى: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي﴾ فيه عرض الولي وليته على النكاح وهذه سنة قائمة عرض صالح مدين على صالح بني إسرائيل وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ﵄ وعرضت الموهوبة نفسها على النبي ﷺ اهـ (قال) ابن راشد الحكمة في كون الزوجة لا حق لها في مباشرة نكاح نفسها هو أنها لما كانت لها داعية الشهوة لم يجعل لها ذلك بل جعل إلى وليها إذ لو أسند أمرها إليها لوضعت نفسها في دناءة وكان ذلك مضرًا بها وبالولي والله أعلم. ولما كان الولي لا يستحق الولاية إلا بشروط ذكر الناظم منها أربعة فقال
(وعاقد يكون حرًا ذكرا مكلفًا والقرب فيه اعتبرا)
(الأول) منها الحرية فلا تصح ولاية الرقيق (الثاني) الذكورية قال القاضي أبو محمد لا خلاف أن المرأة لا تكون ولية على المرأة وقال ابن يونس وحيث كانت المرأة لا تعقد على نفسها كان عقدها على امرأة غيرها أحرى أن لا يجوز فقد قال الرسول ﷺ لا تنكح المرأة المرأة ولا المرأة نفسها (الثالث) البلوغ فلا يصح عقد الصبي وإن مميزًا (الرابع) العقل فالمجنون أو المعتوه لا يصح عقده فهذا الشرط والذي قبله هما معنى قوله مكلفا. وأما ما ذكره من اشتراط القرب فلا يعول عليه وسيأتي حكمه في ترتيب الأولياء. وبقي على الناظم من شروط الولاية ثلاثة (أحدها) الموافقة في الدين فلا يزوج المسلمة إلا مسلم (ثانيها) أن يكون حلالًا فلا تصح ولاية محرم بحج أو عمرة (ثالثها) أن يكون رشيدًا فلا ولاية لسفيه قال ابن وهب ويستحب حضوره ولا تضر غيبته قال ابن القاسم ولا يعقد فلو زاد الناظم
وشرطه رشد وليس محرما وأن تكن مسلمة فمسلما
وحذف شرط القرب وأبدله بغيره لكان أشمل وأسلم "قال" ابن راشد واختلف في اشتراط العدالة قال الشافعي رحمة الله عليه هي شرط والمشهور عندنا أنها ليست بشرط
[ ٢ / ٢٨ ]
لأن الفاسق وإن لم يكن عنده وازع ديني فعنده وازع طبيعي يمنعه أن يوقع وليته في دناءة والوازع الطبيعي أقوى. وكره القاضي أبو محمد ولاية الفاسق مع وجود عدل قال فإن عقد جاز ونظم بعضهم جميعها فقال
شروط الولي لعقد النكاح تلوح بخير كضوء الصباح
فأولهن ذكورية فإياك واحذر وقوع السفاح
ومنها بلوغ وحرية وإسلام دين هدى للفلاح
وتمليك نفس وعقل وعدل ورشد أتاك كنظم الوشاح
(ولما) كانت الولاية على قسمين عامة وخاصة فالعامة ولاية الإسلام. والأصل فيها قول الله ﷿: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾. والخاصة ولاية النسب والسبب فالنسب كالأبوة والبنوة وما شاكلها في العصوبة كالأخوة والجدودة والعمومة والسبب الملك والإيصاء والتولية بالتوكيل والولاء. والولاية الخاصة مقدمة على الولاية العامة ولها مراتب شرع الناظم في بيانها وهو أول الكلام على اللواحق فقال
(والسبق للمالك فابن فأب فالأخ فابنه فجد النسب)
(فالأقربين بعد بالترتيب بحسب الدنو في التعصيب)
يعني أن المالك مقدم على سائر الأولياء فيعقد على أمته ولو كان لها أب أو ابن حران إذ لا حق لهما معه في الولاية. وأن الابن ولو سفل مقدم على الأب إذا لم تكن المنكوحة مجبرة له ولا جدد عليها الحجر بشروطه الآتية في بابه وإلا فالأب أو وصيه مقدم على ابنها. وإن الأب الشرعي فالأب من زنى لا عبرة به مقدم على الأخ والأخ مقدم على ابنه. وابن الأخ مقدم على جد النسب وإن سفل. واحترز بقيد النسب من الجد لأم كما تقدم (ثم) الأقربين الأعمام وأبنائهم وسائر العصبة بعد من ذكر مرتبين الأقرب فالأقرب بقدر القرب في التعصيب في الميراث فيقدم الشقيق على غيره وبقي على الناظم المولى الأعلى وهو المعتق بكسر التاء ذو الولاء ثم الكافل ثم القاضي
[ ٢ / ٢٩ ]
أو نائبه ثم ولاية الإسلام العامة فتوكل رجلًا من المسلمين يعقد نكاحها. وقوله والسبق للمالك مبتدأ وخبر وقوله فابن وما بعده من المعاطيف بالجر وقوله بحسب الدنو أي بقدر القرب من غير زيادة ولا نقص. وقوله
(وللوصي العقد قبل الأوليا وقيل بعدهم وما إن رضيا)
(وبعض استحب للوصي أن يسند العقد إلى الولي)
يعني أن وصي الأب ووصيه وإن تعدد لثالث وأكثر أولى بالعقد على محجورته من أوليائها وهو مقدم عليهم فإن زوجها أحد الأولياء بغير إذن الوصي فسخه الوصي ما لم تطل المدة وتلد الأولاد هذا هو القول المشهور الراجح وقيل أنهم مقدمون عليه إذ لا يلزم من ولايته على المال ولايته على النكاح ولم يرتض هذا القول لضعفه. وقال بعض الفقهاء يستحب إسناد الوصي العقد إلى الولي خروجًا من الخلاف. والخلاف والاستحباب المذكوران إنما هو في حق البالغ بكرًا كانت أو ثيبًا وفي الوصي غير المجبر بدليل قوله الآتي في بيان من له الإجبار وكالأب الوصي فيما جعلا أب له الخ وإلا فلا كلام لأحد منهم معه. وقوله وما إن رضيا ما نافية وإن زائدة ورضيا فعل ماض مبني للنائب وألفه للإطلاق ونائب فاعله ضمير يعود على القول المفهوم من قيل (ولما) كان الوصي أو المالك أو الكافل أو المعتق بكسر التاء قد يكون امرأة وقد يكون تقدم أن من شرط الولي في النكاح أن يكون ذكرًا أشار إلى حكم المرأة إذا كانت وصيًا فقال
(والمرأة الوصي ليست تعقد إلا بتقديم امرئ يعتمد)
يعني أن المرأة إذا كانت وصيًا على أنثى لا يصح أن تعقد نكاح محجورتها بنفسها وإنما تقدم رجلًا يعتمد عقده ويعتبر شرعًا بشروطه المتقدمة ومثلها في ذلك المالكة في أمتها والمعتقة بالكسر في معتقتها بالفتح والكافلة على أحد قولين في مكفولتها (قال) ابن يونس ولما كانت المرأة لا تعقد على نفسها كان عقدها على امرأة غيرها أحرى أن
[ ٢ / ٣٠ ]
لا يجوز فقد قال الرسول ﷺ لا تنكح المرأة المرأة ولا المرأة نفسها ويلحق بالمرأة الوصي المرأة المالكة تريد تزويج أمتها والكافة تريد تزويج مكفولتها والمعتقة بكسر التاء في معتقتها والعبد الوصي على أنثى فلا بد من توكيلهم من يعقد على الأنثى اهـ قال مالك وإن استخلفت أجنبيًا جاز وإن كان أولياء الابنة حضورًا اهـ فإن لم توكل وباشرت هي أو العبد العقد بنفسها فسخ النكاح أبدًا وإن طال وولدت الأولاد وسواء أجازه الولي أو لا ولها المسمى بالدخول ويفسخ بطلاق لأنه من المختلف فيه ولذا وجب فيه الإرث. وأما المرأة الوصي على ذكر أو العبد الوصي عليه فسيأتي الكلام عليهما عند قوله والعبد والمرأة مهما وصيا الخ وقوله يعتمد بضم أوله وفتح ما قبل آخره وفيه ضمير يعود على امرئ وجملة يعتمد من الفعل ونائب الفاعل في محل جر صفة امرئ وقوله
(والعبد والمحجور مهما نكحا بعير إذن فانفساخ وضحا)
(وربع دينار لها بما استحل منها إن ابتنا وذا به العمل)
(وإن يمت زوج فالإرث هدر والعكس للحاجر فيه النظر)
يعني أن العبد إذا تزوج بغير إذن سيده والمحجور إذا تزوج بغير إذن أبيه أو وصيه ثم علم السيد أو الحاجر بذلك فإن النكاح يفسخ بطلاق ثم إن كان الفسخ قبل البناء فلا شيء للزوجة للقاعدة وهي كل صداق يسقط بالفسخ قبل البناء وإن كان بعد البناء فترد الزوجة ما قبضته من الصداق وليس لها منه إلا ربع دينار قدر ما يستحل به الفرج من الصداق على القول الذي به العمل فإذا لم يقع فسخ حتى مات الزوج الحر إذ العبد لا يتوهم فيه الإرث فهذا من تتمة الكلام على المسألة إلا أنه خاص بالمحجور وهو مراده بالعكس فينظر حاجره في الأصلح فإن رأى أن الميراث أكثر من الصداق أمضى النكاح وجوبًا ولا يرده وإن رأى أن الصداق أكثر من
[ ٢ / ٣١ ]
الميراث فسخه ولا يجوز له إمضاؤه إذ لا مصلحة للمحجور في إمضائه ولم يتكلم على زوجة العبد الذي تزوج بغير إذن سيده إذا ماتت قبل الفسخ لأن العبد لا يرث ولا يورث كما مر فإمضاؤه وفسخه على السواء (تنبيه) ظاهر قوله فانفساخ وضحا تحتم الفسخ وإن أجازه السيد أو الحاجر وهو خلاف المشهور في العبد وخلاف المنصوص في المحجور بل لكل من السيد أو الحاجر الخيار بين فسخ النكاح بطلقة بائنة حتى في حق الصبي وبين إمضائه. ومحل الخيار في فسخه وإمضائه إن لم يخرج من الولاية فإن لم يطلع عليه حتى خرج منها ثبت النكاح. وشمل قوله بغير إذن ما إذا فقد إذن أحد السيدين فإن للذي لم يأذن فسخه. وهو المحجور إن كان ذا أبوين بأن ألحقته الفاقة برجلين ادعاه كل منهما أو كان ذا وصيين وأذن له احدهما أو أجازه بعد الوقوع دون الآخر كالسيدين في العبد والظاهر مراعاة المصلحة في الفسخ وعدمه فإن اتفقا على أحدهما فظاهر وإلا نظر الحاكم والله أعلم. وقوله هدر بفتح الدال المهملة معناه سقط وبطل. وقوله
(وعاقد على ابنه حال الصغر على شروط مقتضاة بالنظر)
(إن ابنه بعد البلوغ دخلا مع علمه يلزمه ما حملا)
(وحيث لم يبلغ وإن بنى فما يلزمه شيء وهبه علما)
(والحل بالفسخ بلا طلاق إن رد ذاك وبلا صداق)
يعني أن الأب أو ما يقوم مقامه من وصي أو مقدم إذا عقد واحد منهم على محجوره الصغير نكاح امرأة على شروط جائزة اقتضى نظره الدخول عليها لما رأى له فيها من المصلحة حيث كانت الزوجة مرغوبًا فيها كطلاق من يتزوج عليها ثم بلغ الصبي ودخل بالزوجة عالمًا بتلك الشروط فإنه يلزمه ما حمله عليه عاقده وأما قبل بلوغه فلا يلزمه شيء منها دخل أو لم يدخل علم أو لم يعلم وحيث كان لا يلزمه في وجه من الوجوه المذكورة فإذا بلغ وكرهه وأراد فسخه عن نفسه وكذا إن بلغ ولم
[ ٢ / ٣٢ ]
يدخل أو دخل غير عالم بالشروط فله فسخه بلا طلاق وبلا صداق (قال) التسولي وبالجملة إن الشروط لا تلزم المحجور إلا بقيود ثلاثة البلوغ والدخول والعلم فإن فقد الأول أو الثالث فلا تلزمه والقول قوله بيمينه في عدم العلم ويسقط حق الزوجة لأنها مكنت من نفسها من لا تلزمه الشروط وإن فقد الثاني وهو الدخول مع وجود العلم والبلوغ فلا يسقط حقها وللزوج الخيار في التزام النكاح بشروطه أو فسخه فإن فسخه فالفسخ بلا لاق وبلا صداق لا عليه ولا على حاجره اهـ وقوله إن ابنه هو بالرفع فاعل بفعل محذوف يفسره دخلا المذكور والتقدير إن دخل ابنه وألف دخلا للإطلاق. وقوله حملا بفتح الميم أي حمله عليه وألحقه به وألفه للإطلاق أيضًا (تنبيه) يجوز للأب إجبار ابنه الصغير على النكاح وفي الوصي ثلاثة أقوال الإجبار وعدمه والتفرقة بين أن تكون المرأة ذات شرف أو ابنة عم فله الإجبار وإلا فلا وهو الظاهر وأما البالغ فلا يخلو حاله إما أن يكون سفيهًا أو رشيدًا فإن كان سفيهًا فاختلف فيه فقيل يجبر كالصغير وقيل لا يجبر قال ابن راشد نقلًا عن ابن يونس عدم الجبر هو الصواب لأنهم أجمعوا على أن نصف الصداق يلزمه إذا طلق فإذا زوجه وليه وهو كاره فلا يؤمن منه أن يطلق فيؤدي إلى إتلاف ماله وهو إنما قدم عليه ليصلحه لا ليتلفه عليه. وإن كان رشيدًا عقد لنفسه أو وكل من يعقد نكاحه ولو كان عبدًا على المشهور وقيل لا يصح توكيل العبد ويجب على الوكيل أن يعقد النكاح بما اقتضاه توكيله نصًا أو عرفًا فإن عين له المرأة والصداق وجب عليه الوقوف عند ذلك وإن جعل ذلك إلى نظره فله أن ينكحه ممن شاء ممن هي في قدره وحاله وليس عليه تسميتها له قبل العقد بخلاف ولي المرأة إذ له الحل على نفسه بخلافها وله أيضًا أن ينكحه بما شاء من الصداق ما لم يجاوز صداق مثلها من مثله مما لا يتغابن فيه فإن خالف الوكيل في ذلك كله لم يلزمه ما فعله عليه ويكون له الخيار في الإمضاء والرد ولا شيء عليه وإن وكلت امرأة رجلًا على أن يزوجها فإن عينت له الزوج فالأمر ظاهر وإن لم تعين له أحدًا وقالت زوجني ممن أحببت فزوجها من رجل
[ ٢ / ٣٣ ]
هل يوقف الأمر على رضاها وبه قال مالك وهو المشهور أو يلزمها النكاح وهو قول ابن القاسم خلاف قال ابن ناجي في صغيره والعمل على قول ابن القاسم وقال اللخمي وهو أحسن وإن عقد رجل نكاح رشيد أو أجنبي أو امرأة بدون وكالة بيده والمعقود عليه حاضر ساكت فلما تم عقد النكاح قال لا أرضى ولا أمرت به وإنما سكت لعلمي أن ذلك غير لازم لي حلف إن لم يكن بالفور ورد ما لم يطل بالعرف أو يقبل التهنئة قال الشيخ سيدي خليل وحلف رشيد وأجنبي وامرأة أنكروا الرضى والأمر حضورًا إن لم ينكروا بمجرد علمهم وإن طال كثيرًا لزم اهـ فإن أنكر بالفور فلا يمين وإن كان غائبًا وأنكر بمجرد علمه فلا يمين عليه كالحاضر سواءً قال مالك فيمن زوج ابنه البالغ وهو غائب فأنكر إذا بلغه فإن النكاح ساقط ولا شيء عليه ولا على الأب من الصداق كذا في الفائق وقد تقدم الكلام على من زوج ابنه الغائب ثم مات ولم يعلم منه الرضى بالنكاح ولا عدمه. وقوله
* * *
(فصل فيمن له الإجبار)
أي هذا فصل في بيان من له الإجبار من الأولياء. والإجبار لغة من أجبرته على كذا أي حملته عليه قهرًا وغلبة فهو مجبر بفتح الباء اسم مفعول وفي لغة جيدة أيضًا جبرته جبرًا من باب قتل ومعناه واحد وقد ذكر الناظم هنا اللغتين كما ستعرفه. واصطلاحًا هو تزويج من له الجبر من الأولياء وليته بدون توقف على إذنها ورضاها. وهو مختص بالمالك في أمته وعبده والأب في بعض بناته وأبنائه الصغار والوصي إذا جعل له الأب ذلك على تفصيل يأتي ثم لا جبر لغير هؤلاء بالأصالة. وقوله (وما يتعلق به) أي من استحباب إذن البكر البالغ ذات الأب التي لم ترشد ومنع الضرر وإنكاح اليتيمة وكون الصمت إذنًا في حق البكر ونحو ذلك (ولما) كان الأب لا يجبر في صور قليلة قدم الكلام عليها ليتفرغ لصور الجبر فقال
[ ٢ / ٣٤ ]
(ثيوبة النكاح والملك معا للأب الإجبار بها قد منعا)
يعني أن الأب يمنع من الإجبار في صورتين (إحداهما) الحرة البالغ إذا ثيبت بنكاح سواء كان صحيحًا أو فاسدًا كما سيذكره قريبًا فلا يجبرها وإن كانت سفيهة كبكر رشدت أو أقامت ببيتها سنة من الدخول وأنكرت الوطء وأولى في عدم الجبر إقرارها به (الثانية) الأمة البالغة إذا ثيبت بوطء الملك فإذا حصل عتقها ولها أب حر فلا يجبرها على النكاح أيضًا ومحل كون الثيب البالغ إذا ثيبت بنكاح أو ملك لا تجبر على النكاح ما لم يظهر منها فساد أما إن ظهر فسادها وعجز الولي عن صونها فإنه يجبرها على النكاح سواء كان أبًا أو غيره لكن الأحسن رفع غير الأب من الأولياء أمر ذلك للحاكم فإن زوجها جبرًا بدون رفع مضى نقله التتائي عن ابن عرفة وقد نظمتها لغزًا فقلت
ما ثيب رشيدة يا صاح تجبر بالشرع على النكاح
وقوله ثيوبة مبتدأ أول والنكاح مضاف إليه والملك بالجر معطوف عليه ومعًا حال منهما وللأب متعلق بمعنا والإجبار مبتدأ ثان وبها متعلق به وضميره للثيوبة وقد حرف تحقيق ومنعًا بالبناء للنائب وفيه ضمير نائب فاعل يعود على الإجبار وجملة قد منعا خبرًا لمبتدأ الثاني وجملة المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول والروابط ظاهرة (ثم) شرع في مسائل الإجبار فقال:
(كما له ذلك في صغار بناته وبالغ الأبكار ويستحب إذنها)
وتقدير كلامه مع ما تقدم أن الأب الحر قد منع إجباره في ابنته البالغ الحرة الثيب بنكاح أو ملك ولا يكون له ذلك كما يكون له في بناته الصغار والبكر البالغ لكن يستحب إذنها تطيبًا لخاطرها واستكشافًا لباطنها فلعل عندها ما هو مستقبح فيمن يريد تزويجها منه لم يطلع عليه فتظهره له. وبعبارة أخرى أن الأب له إجبار بناته الصغار على النكاح سواء كن أبكارًا أم ثيبات بنكاح أو غيره كما له ذلك في بناته الأبكار البالغات ولو عانسات
[ ٢ / ٣٥ ]
على المشهور ويستحب له إذن البالغ إذا لم يرد تزويجها من ذي عاهة وإلا وجب كما يأتي. وفي وثائق الغرناطي سبع يزوجن بغير إذن البكر ذات الأب التي ليست بمرشدة ولا معنسة وابنته الثيب إذا طلقت بعد البناء وقبل البلوغ والابن الصغير والعبد والأمة والمكاتب. والوصي في يتيمه الصغير وعبيد من في حجره واختلف في سبع منها المعنسة وسيأتي الكلام عليها عند قوله وثيب بعارض كالبكر البيت ثم قال
(والسيد بالجبر مطلقًا له تفرد)
يعني أن السيد انفرد من سائر الأولياء بجبر مماليكه على النكاح مطلقًا ذكورًا كانوا أو إناثًا كبارًا كانوا أو صغارًا كانت الإناث ثيبات أو أبكارًا ما لم يكن مضرًا بهم كتزويجهم من صاحب برص أو جذام ونحوها فلا جبر قال صاحب المختصر وجبر المالك عبدًا أو أمة بلا إضرار اهـ. وقال الرسول ﵊ لا ضرر ولا ضرار الحديث. وقوله والسيد بالجبر الخ مبتدأ وجملة له تفرد من المبتدأ والخبر خبره وبالجبر متعلق بتفرد ومطلقًا حال من ضمير الاستقرار في جملة له تفرد. وقوله
(والأب إن زوجها من عبد فهو متى أجبر ذو تعد)
يعني أن الأب وإن كان له إجبار ابنته البكر على النكاح شرعًا فإنما يكون له ذلك فيما لا ضرر عليها فيه أو لا تلحقها به معرة أما ما فيه ضرر أو لحوق معرة فليس له جبرها فإذا زوجها من عبد سواء كان أبيض أو أسود وأحرى إذا زوجها من ذي برص أو جذام أو جنون جبرًا عليها وأبت البنت ذلك فعلى الحاكم منعه لأنه تعدى ما حدده الشارع له فلو قال الناظم والأب إن زوج من كعبد لشمل الجميع وقوله
(وكالأب الوصي فيما جعلا أب له مسوغ ما فعلا)
يعني أن الوصي مثل الأب فيما جعل له الأب من تزويج بناته جبرًا قبل البلوغ وبعده بدون استئذان أو عين له زوجًا غير فاسق أو معيب ويفرض لها صداق أمثالها
[ ٢ / ٣٦ ]
(ثيوبة النكاح والملك معا للأب الإجبار بها قد منعا)
يعني أن الأب يمنع من الإجبار في صورتين (إحداهما) الحرة البالغ إذا ثيبت بنكاح سواء كان صحيحًا أو فاسدًا كما سيذكره قريبًا فلا يجبرها وإن كانت سفيهة كبكر رشدت أو أقامت ببيتها سنة من الدخول وأنكرت الوطء وأولى في عدم الجبر إقرارها به (الثانية) الأمة البالغة إذا ثيبت بوطء الملك فإذا حصل عتقها ولها أب حر فلا يجبرها على النكاح أيضًا ومحل كون الثيب البالغ إذا ثيبت بنكاح أو ملك لا تجبر على النكاح ما لم يظهر منها فساد أما إن ظهر فسادها وعجز الولي عن صونها فإنه يجبرها على النكاح سواء كان أبًا أو غيره لكن الأحسن رفع غير الأب من الأولياء أمر ذلك للحاكم فإن زوجها جبرًا بدون رفع مضى نقله التتائي عن ابن عرفة وقد نظمتها لغزًا فقلت
ما ثيب رشيدة يا صاح تجبر بالشرع على النكاح
وقوله ثيوبة مبتدأ أول والنكاح مضاف إليه والملك بالجبر معطوف عليه ومعًا حال منهما وللأب متعلق بمعنا والإجبار مبتدأ ثان وبها متعلق به وضميره للثيوبة وقد حرف تحقيق ومنعا بالبناء للنائب وفيه ضمير نائب فاعل يعود على الإجبار وجملة قد منعا خبر لمبتدأ الثاني وجملة المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول والروابط ظاهرة (ثم) شرع في مسائل الإجبار فقال
(كما له ذلك في صغار بناته وبالغ الأبكار ويستحب إذنها)
وتقدير كلامه مع ما تقدم أن الأب الحر قد منع إجباره في ابنته البالغ الحرة الثيب بنكاح أو ملك ولا يكون له ذلك كما يكون له في بناته الصغار والبكر البالغ لكن يستحب إذنها تطيبًا لخاطرها واستكشافًا لباطنها فلعل عندها ما هو مستقبح فيمن يريد تزويجها منه لم يطلع عليه فتظهره له. وبعبارة أخرى أن للأب إجبار بناته الصغار على النكاح سواء كن أبكارًا أم ثيبات بنكاح أو غيره كما له ذلك في بناته الأبكار البالغات ولو عانسات
[ ٢ / ٣٧ ]
لا يكون الحاكم وليا في النكاح حتى يثبت عنده أربعة عشر فصلًا وهي كونها صحيحة بالغًا غير محرمة ولا محرمة على الزوج وأنها حرة وأنها بكر أو ثيب وأنها لا ولي لها أو أن وليها عضلها أو غاب وأنها خلية من الزوج والعدة ورضاها بالزوج والصداق وفوضت عقد النكاح إليه وفي غير المالكة أمر نفسها أن الزوج كفؤ لها في الحال والمال وأن المهر مهر مثلها اهـ. والذي عليه عمل تونس اليوم هو أن شهادة السبب ينقلها شهود النكاح الذين قدمهم القاضي لذلك من الذين شهدوا لها ويكتبونها مع رسم النكاح ولا يذكرون جميع الفصول المذكورة كما في وثائقهم الحديثة وهي كافية لمن اقتصر عليها (قال) الحطاب فإن زوجها القاضي من غير إثبات ما ذكر فالظاهر أن لا يفسخ حتى يثبت ما يوجب فسخه قال ولم أر في ذلك نصًا اهـ وقوله
(وتأذن الثيب بالإفصاح والصمت إذن البكر في النكاح)
(واستنطقت لزائد في العقد كقبض عرض وكزوج عبد)
يعني أن الثيب بنكاح أو ملك لما كانت لا تزوج إلا برضاها لانتفاء الجبر عنها فلا بد أن تأذن بالنطق والرضى ولا يكفي صمتها وأن البكر التي لم يكن لها أب ولا وصي مجبر إذنها الصمت لقوله ﷺ البكر تستأمر وإذنها صماتها والثيب تعرب عن نفسها وكما يكتفى من البكر بالصمت في الرضى بالنكاح كذلك في التفويض لمن يعقد عليها فإن قالت بعد تمام العقد وانبرامه جهلت أن الصمت رضى لم تصدق ولم يقبل عذرها بالجهل وهذه إحدى المسائل التي لا يُعذر فيها بالجهل وقد نظمها الشيخ بهرام فقال
ثلاثون لا عذرًا لجهل يرى بها وزدها من الأعذار تسعًا لتكملا
فأولها بكر تقول لعاقد جهلت بأن الصمت كالنطق قولا
كمن سكتت حين الزواج فجومعت فقالت أنا لم أرض بالعقد أولا
كذا شاهد في المال والحد مخطئا شهادة صدق ضامن حين بدلا
[ ٢ / ٣٨ ]
وآكل مال لليتيم وواطئ رهين اعتكاف بالشريعة جاهلا
كذا قاذف شخصًا يظن بأنه رقيق فبان الشخص حرًا مكملا
ومن قام بعد العام يشفع حاضرا مع العلم بالمبتاع والبيع أولا
ومن ملكت أو خيرت ثم لم تكن لتقضي حتى فارقت وتفاصلا
كذاك طبيب قاتل بعلاجه بلا علم أو مفتٍ تعدى جاهلا
وبائع عبد بالخيار يروم أن يرد وقد ولى الزمان مهرولا
ومن أثبتت إضرار زوج فأمهلت فجامعها قبل القضاء معاجلا
وعبد زنى أو يشرب الخمر جاهلا بعتق فحد الحر يجري مفصلا
ويفسخ بيع فاسد مطلقًا ولا يسامح فيه من عن الحق عولا
وكل زكاة من دفعها لكافر وغير فقير ضامن تلك مسجلا
ومن يعتق الشخص الكفور لجهله فلا يجز في كقارة وتبتلا
كذا مشتري من أوجب الشرع عتقه عليه ولا رد له وله الولا
وآخذ حد من أبيه مفسق كتحليفه إذ بالعقوق تسربلا
ومن يقطع المسكوك جهلًا فلا يرى شهادته من أجل ذاك تقبلا
كمن يريا عدلين فرجًا محرما يباح وحرًا يسترق فأهملا
وسارق ما فيه النصاب مؤاخذ وإن لم يكن صرف النصاب معاولا
وواطئ من قد أرهنت عنده فما يكون له عن حد ذلك معزلا
كذلك من يزني ويشرب جاهلًا من أهل البوادي حده ليس مهملا
ومن رد رهنًا بعد حوز لربه فلا شك أن الحوز صار معطلا
وتخيير من قد أعتقت ثم جومعت يفوت بجهل الحكم والعتق أهملا
ومن أنفقت من مال زوج لغيبة فجا نعيه ردت من الموت فاضلا
ولا ينف حمل الفرش زوج لها إذا رآه ولم ينهض بذاك معولا
ومن سكتت حين ارتجاع وجومعت فقالت لقد كان اعتدادي كاملا
[ ٢ / ٣٩ ]
وليس لمن قد حيز عنه متاعه مقالًا إذا ما الحوز كان معطلا
وقد قام بعد الحوز يطلب ملكه وقيل له قد بعت ذلك أولا
ومن هو في صوم الظهار مجامع لزوجته يستأنف الصوم مكملا
وليس لذي مال يباع بعلمه ويشهد قبضًا بعده أن يبدلا
ومن زوجها قد ملك الغير أمرها فلم تقض حتى جومعت صار معزلا
وإن ملكتها الزوج ثم تصالحا عقيب قبول كان ليس مفصلا
وما سئلت عنه فليس لها إذن تقول ثلاثًا كان قصدي أولا
وإن بعد تمليك قضت ببتاتها فقال جهلت الحكم فيه تعاجلا
فليس له عذر إذا قال لم أرد سوى طلقة والحكم فيه كما خلا
وإن أمة قالت وبائعها لقد تزوجها شخص ففارق وانجلا
فليس لمن يبتاعها بعد علمه بذلك عذر أن يرد إذ قلا
ولا يطأنها أو يزوجها إلى ثبوت خلو من زواج تحولا
ومن قبل تكفير الظهار مجامع يذوق عقابًا بالذي قد تحملا
وحق التي قد خيرت ساقط إذا بواحدة قالت قضيت تجملا
وليس لها عذر بدعوى جهالة وذاك الذي قد أوقعت عاد باطلا
ومن قال أن شهرين غبت ولم أعد بقاها وطالت صار عنها محولا
وذاك كثير في الوضوء ومثله بفرض صلاة ثم حج تحصلا اهـ
(وحيث) كانت البكر لا تعذر بالجهل ندب إعلامها بأن الصمت رضى. وإنما يلزم استنطاق البكر والرضى بصريح القول إذا كانت زيادة في العقد مخالفة للعادة وذلك كقبض عرض في صداقها إذا كانت عادتهم النقد أو أراد الولي أن يزوجها من عبد ويفهم من الإتيان بالكاف أن ذلك لا ينحصر في المثالين المذكورين وهو كذلك قال أب الضياء في مختصره والثيب تعرب كبكر رشدت أو عضلت أو زوجت بعرض
[ ٢ / ٤٠ ]
أو رق أو عيب أو يتيمة قبل البلوغ أو أفتيت عليها وزاد بعضهم المعنسة على القول بأنها لا تجبر وتقدم بيان المشهور فيها وقد نظمتها فقلت
سبع من الأبكار يلزم نطقها عند النكاح ولا اعتبار بصمتها
فيتيمة قبل البلوغ وعانس ورشيدة معضولة عن عرسها
أو زوجت بعروض أو ذي عاهة أو من رقيق وبافتيات من أهلها
وإنما كانت سبعًا لأن ذا العاهة والرقيق شيء واحد من جهة العيب فكل منهما ليس بكفء والله أعلم. وفي شرح الشيخ سيدي محمد ميارة قال في المنهج السالك والمستأذنات في النكاح على قسمين أبكار وثيبات فإذن البكر يكون بالصمت ويكون بالقول وإذن الثيب لا يكون إلا بالقول وقد استقصى الإمام القاضي أبو عبد الله المقري كل من يلزمها النكاح من الأبكار فقال في كلياته الفقهية كل بكر تستأمر فإذنها صماتها إلا المرشدة والمعنسة والمصدقة عرضًا والمعلمة بعد العقد بالقرب والمزوجة ممن فيه رق أو عيب والصغيرة المنكحة لخوف بعد العشر ومطالعة الحاكم والمشتكية بالعضل اهـ وقول الناظم وكزوج هو بالتنوين وعبد نعته. وقوله
(وثيب بعارض كالبكر وبالحرام الخلف فيها يجري)
(كواقع قبل البلوغ الوارد وكالصحيح ما بعقد فاسد)
يعني أن الثيوبة إذا حصلت بأمر عارض كحمل شيء ثقيل أذهب عذرتها فهي كالعدم وكأنها لم تزل عذرتها ويستمر عليها حكم الجبر الذي على البكر العذراء اتفاقًا. وأما الثيوبة الحاصلة بوطء حرام كما إذا زنت أو غصبت فهل يبقى الجبر مستمرًا عليها كالتي قبلها أو ينقطع عنها الجبر ولا تزوج إلا برضاها خلاف جرى بين العلماء فيها والمشهور الجبر (ثم) شبه في الخلاف المذكور قوله كواقع قبل البلوغ الوارد. يعني أن الثيوبة إذا حصلت بنكاح واقع قبل ورود البلوغ بعلامة من علاماته ثم مات الزوج أو طلق ورجعت قبل البلوغ فهل تجبر مرة ثانية أو لا تجبر أقوال الجبر مطلقًا
[ ٢ / ٤١ ]
وعدمه كذلك والتفصيل وهو إن كان يريد تزويجها مرة ثانية قبل البلوغ فله جبرها وإن كان يريد أن يزوجها بعد البلوغ فلا يجبرها لأنها صارت ثيبًا وهذا هو القول الراجح. وفي وثائق الغرناطي واختلف في جبر سبع الأب في ابنته البكر المعنسة والبكر التي عادت إليه قبل المسيس بموت أو طلاق وابنته الثيب بزنى أو بالنكاح إذا طلقت قبل البلوغ أو مات عنها زوجها والبالغ المولى عليها والسيد في أم ولده وكل من بقيت فيه بقيت رق من تدبير أو كتابة أو عتق إلى أجل حاشا المعتق بعضه والوصي في اليتيمة البكر غير البالغ إذا جعل الأب ذلك إليه وقال له زوجها وأما إن قال له أنت وصي عليها أو على بضعها فلا يزوجها إلا برضاها بعد بلوغها اهـ وقد تقدم أنه إذا زوجها مضى كما استظهره الزرقاني. وقوله (وكالصحيح ما بعقد فاسد) يعني أن الثيوبة إذا حصلت بنكاح فاسد ثم وقع فسخه أو طلاق أو موت الزوج فإنها تكون مانعة من الجبر على النكاح مرة ثانية ولا تزوج حينئذ إلا برضاها كما إذا ثيبت بنكاح صحيح لأن النكاح الفاسد يدرأ به الحد ويلحق فيه الولد ويلزمها الاعتداد في بيتها كما يلزمها ذلك في النكاح الصحيح وأنها قد عرفت ما عرفته من زوجت بنكاح غير فاسد إذ هما في هذه المسألة سواء. وقوله
(وإن يرشدها الوصي ما أبي فيها ولاية النكاح كالأبِ)
يعني أن الوصي إذا رشد محجورته الثيب بعد الدخول وتأيمت بعد الترشيد فلا تنقطع ولايته عليها في النكاح بل هي باقية له عليها كالأب يرشد ابنته فلا ينقطع نظره عنها في الولاية إلا إذا كان هناك ابنها فإنه يقدم عليه كما يقدم على الوصي أيضًا بخلافه قبل الترشيد فإن الأب أو الوصي يقدمان عليه. وجملة ما أبي أي ما منع الخ جواب الشرط وحذفت منه الفاء الرابطة على حد قول حسان رضي الله تعالى عنه
من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان
وهو جائز لغة (تنبيه) لا يجوز للوصي أن يرشد محجورته إلا بعد الدخول بها إذ
[ ٢ / ٤٢ ]
ليس له ذلك قبله كالأب قال الشيخ خليل وللأب ترشيدها قبل دخولها كالوصي بعده اهـ وأعاد الناظم هاته المسألة في باب الحجر حيث قال
وحيث رشد الوصي من حجر ولاية النكاح تبقى بالنظر
(ولما) فرغ من بيان النكاح الصحيح بذكر أركانه وشروطه شرع في بيان الناكح الفاسد وهو ما اختل فيه ركن من أركان الصحيح أو شرط من شروطه فقال
* * *
(فصل في فاسد النكاح وما يتعلق به)
أي هذا فصل في بيان حكم النكاح إذا وقع فاسدًا من فسخ وعدمه وما يترتب عليه من الآثار ككون الفسخ بطلاق أو بغير طلاق وهل فيه الإرث إذا حصل موت قبل الفسخ أم لا وهل فيه الحد بالوطء أم لا وهل يلحق فيه الولد أم لا وهل يؤثر الشرط إذا وقع في العقد أم لا وقد أشار الناظم إلى جميعها فقال
(وفاسد النكاح مهما وقعا فالفسخ فيه أو تلاف شرعا)
يعني أن كل نكاح وقع فاسدًا فإنه يرجع فيه إلى أحد أمرين إما فسخه وإما تلافيه وتداركه بعدم الفسخ وإذا أردت معرفة ذلك
(فما فساده يخص عقده ففسخه قبل البنا وبعده)
يعني أن كل ناكح فاسد لعقده سواء كان فساده متفقًا عليه عند الأئمة كنكاح المحارم والأصهار ونحوهما من المحرمات المتقدمة في شروط الزوجين أو مختلفًا فيه كنكاح المحرم بحج أو عمرة ونكاح الشغار الآتي بيانه فإنه يفسخ أبدًا وفيه المسمى بعد البناء
(وما فساده من الصداق فهو بمهر المثل بعد باق)
يعني أن كل نكاح فاسد لصداقه بأن كان بشيء مجهول أو إلى أجل مجهول أو بخمر أو خنزير أو بعير شارد أو عبد آبق أو ثمرة لم يبد صلاحها إلى غير ذلك مما تقدم
[ ٢ / ٤٣ ]
في شروط الصداق أو اشتمال العقد على شرط مؤثر فيه من الشروط الآتية فإنه يفسخ قبل البناء ولا شيء لها ويثبت بعده بصداق المثل (فرع مرتب) إذا نكحها بجنين في بطن أمه أو آبق أو شارد فقبضته فإن لم يفت بيدها ردته وإن فات في بدن أو سوق كان لها وغرمت قيمته وما حصدت من الحب أو جذت من الثمرة ردت مكيلته وما هلك من ذلك في يدها ضمنته وإن فسخ قاله مالك كذا في الفائق. وقوله الآتي وذكره هنا أولى
(وفسخ فاسد بلا وفاق بطلقة تعد في الطلاق)
يعني أن كل نكاح فاسد مختلف في صحته وفساده بين العلماء إذا أريد فسخه فإنه يفسخ بطلاق بائن مراعاة لمن يقول بصحته وتقع به الحرمة كما تقع بالنكاح الصحيح سواء حصل تلذذ أم لا فتحرم على آبائه وعلى أبنائه إلى غير ذلك مما تقدم. وقوله
(ومن يمت قبل وقوع الفسخ في ذا فما لإرثه من نسخ)
يعني أن كل ناكح فاسد مختلف فيه صحة وفسادًا إذا مات أحد الزوجين قبل وقوع فسخه فإنهما يتوارثان كما يتوارثان في النكاح الصحيح وأن فساده لا يكون مانعًا من الإرث ولا ناسخًا له بل هو أمر لازم ما لم يكن ذلك لحق الورثة في الإرث في نكاح المريض فلا إرث. وقوله
(وفسخ ما الفساد فيه مجمع عليه من غير طلاق يقع)
هو مفهوم قوله وفسخ فاسد بلا وفاق البيت السابق يعني أن كل نكاح متفق على فساده فإنه يفسخ بغير طلاق ولا تقع به الحرمة إلا إذا حصل وطء أما مجرد العقد فقط فإنه لا يؤثر وإذا مات أحد الزوجين قبل الفسخ فلا إرث لأنه كالعدم وقوله
(وتلزم العدة باتفاق لمبتنى بها على الإطلاق)
يعني أن كل نكاح وقع فسخه بعد البناء فإن العدة تجب على المرأة سواء كان النكاح متفقًا على فساده أو مختلفًا فيه هذا معنى قوله على الإطلاق وقوله
[ ٢ / ٤٤ ]
(وحيث درء الحد يلحق الولد في كل ما من النكاح قد فسد)
يعني أن كل نكاح متفق على فساده إن وقع فيه درء الحد ودفعه عن الواطئ كنكاح ذات محرم أو رضاع غير عالم من عقد عليها حرمتها فإنه لا يحد لعدم علمه ويلحق به الولد ومفهومه وهو أنه إذا لم يدرأ عنه الحد بأن كان يلزمه حيث كان يعلم حرمتها فإن الولد لا يلحق به وهو كذلك لأن وطأه من الزنى على المشهور كما تقدم (ثم) إن هذا المفهوم مقيد بغير المسائل التي يحد فيها الواطئ ويلحق به الولد فيجتمع فيه الأمران الحد والنسب. وذلك فيمن تزوج امرأة وأقر أنه طلقها ثلاثًا وعلم أنها لا تحل له إلا بعد زوج فوطئها وأولدها فإنه يحد لإقراره بالزنى ويلحق به الولد لحق الله تعالى وحق الولد في ثبوت النسب. أو تزوج امرأة ثم أقر أنها خامسة ووطئها وهو يعلم حرمتها وأولدها فإنه يحد ويلحق به الولد (أو) تزوج امرأة فأولدها وهو مقر بأنه كان يعلم حرمتها عليه قبل الوطء بنسب أو رضاع أو صهر ونحوها فإنه يحد ويلحق به الولد. أو يشتري الرجل أمة فيولدها ثم يقر بأنها ممن تعتق عليه بمجرد الملك. أو يشتري أمة فيولدها ثم يقر بأنه كان عالمًا بحرمتها حين الوطء. أو كانت عنده أمة فأولدها ثم أقر أنه كان غصبها من الغير أو اشتراها من غاصب وهو يعلم ذلك. أو اشترى جاريتين بالخيار في أحدهما ثم أقر أنه وطئ إحداهما بعد أن اختار الأخرى. أو اشترى جارية فوطئها فلما طلبه ربها بثمنها أنكر الشراء وقال هي عندي وديعة (قال) صاحب التوضيح وليس ذكر هذه المسائل على طريق الحصر بل الضابط فيها أن كل حد يثبت بالإقرار ويسقط بالرجوع فالنسب معه ثابت وكل حد لازم لا يسقط بالرجوع عنه فالنسب معه غير ثابت ولهذا لو ثبت علمه بالتحريم ببينة على إقراره قبل نكاحه لها أو وطئه إياها فهو محض زنى لا يلحق به الولد لأن الولد إنما ألحق به فيما ذكر لكون إقراره بالعلم بالتحريم لا يعمل بالنسبة لنفي الولد لاتهامه على قطع نسبه الذي هو حق لله وحق للولد كما مر وإنما يعمل بالنسبة لحده إن لم يرجع عن إقراره بخلاف ما إذا ثبت علمه قبل النكاح أو الوطء وأسرته
[ ٢ / ٤٥ ]
البينة فإنه لا يلحق به الولد اهـ. وقول الناظم درء الحد مبتدأ ومضاف ومضاف إليه خبره محذوف تقديره ثابت وقوله ما من النكاح الخ فما اسم موصول وجملة قد فسد صلته ومن النكاح بيان لما متعلق بفسد ثم قال
(وللتي كان بها استمتاع صداقها ليس له امتناعه)
يعني أن كل من دخل بامرأة في النكاح الفاسد الذي يفسخ ولو بعد البناء فإن لها صداق أمثالها كاملًا سمى لها قدرًا معلومًا أو لم يسم لها شيئًا إن استمتع بها بالوطء أما إن استمتع بمقدمات الجماع فلا تستحق بها جميع الصداق بل يعطي لها شيء في مقابلة ذلك خليل وتعاض المتلذذ بها. وقوله
(والعقد للنكاح في السر اجتنب ولو بالاستكتام والفسخ يجب)
يعني أن النكاح إذا وقع على الاستسرار وأمر الشهود وغيرهم بكتمانه لا لخوف ظالم أو ساحر وهو المعروف عند الفقهاء بنكاح السر فإنه يجب اجتنابه لأنه ممنوع ويجب فسخه بطلاق بائن لأنه مختلف فيه إن وقع. وظاهر كلام الناظم أن يفسخ مطلقًا ولو طال بعد الدخول وهو اختيار ابن الحاجب والمشهور عدم فسخه ويعاقب الزوجان والشهود (قال) ابن ناجي العقاب إنما يكون بعد الدخول وإن لم يحصل فسخ بأن طال الزمان. وقال غيره إنما يعاقب الزوجان إذا كانا غير مجبرين أما إن كانا مجبرين فالذي يعاقب وليهما كل ذلك مع العمد لا مع الجهل. وقال يحيى بن عمر إذا أشهدا عدلين فليس بسر وإن أمراهما بالكتمان ويؤمر الشهيدان بأن لا يكتما وقيل نكاح السر هو ما كان الدخول فيه بدون إشهاد (تنبيه) يجب على الشاهد الملكي أن لا يتحمل شهادة نكاح السر إلا بإذن من حاكم حنفي أو شافعي ليرتفع عنه العقاب وقوله
(والبضع بالبضع هو الشغار وعقده ليس له قرار)
فالبضع بضم الباء كناية عن الفرج بالفرج والوطء بالوطء والشغار بكسر الشين وقد
[ ٢ / ٤٦ ]
تفتح وبالغين المعجمتين وهل هو مشتق من الرفع تقول رفع الكلب رجله ليبول وإنما يفعل ذلك عند بلوغه وهو موجود في المرأة عند الجماع أو من الخلو والفراغ تقول بلدة شاغرة أي خالية من أهلها ولذا استعمل في النكاح بغير مهر. وهل تحريمه متفق عليه أو فيه خلاف قولان (قال) الشيخ أبو محمد ولا يجوز نكاح الشغار وهو البضع بالبضع اهـ قال بعضهم وإنما كان ممنوعًا لخبر مسلم نهى رسول الله ﷺ عن نكاح الشغار وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق وهو فاسد وهل فساده لعقده أو لصداقه أو لهما أقوال وقسمه أهل المذهب ثلاثة أقسام صريح ووجه ومركب منهما فالصريح هو ما ذكره الناظم نحو زوجني ابنتك أو وليتك بغير شيء على أن أزوجك ابنتي أو أختي بغير شيء فيفسخ بطلاق أبدًا ولو ولدت الأولاد هذا معنى قول الناظم وعقده ليس له قرار وللمدخول بها صداق مثلها بالغًا ما بلغ ولا شيء لغير المدخول بها في الأقسام الثلاثة. والوجه هو أن يقول زوجني وليتك بمائة على أن أزوجك ابنتي بمائة أو بخمسين فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده بالأكثر من المسمى وصداق المثل. والمركب منهما نحو زوجني ابنتك بغير شيء على أن أزوجك وليتي بمائة مثلًا فالتي لم يسم لها يفسخ نكاحها قبل البناء وبعده ولها صداق المثل بالدخول كالصريح والتي سمي لها يفسخ نكاحها قبل البناء ويثبت بعده بالأكثر من المسمى وصداق المثل كالوجه والله أعلم (تنبيهات الأول) لو زوج كل واحد وليته من الآخر ولم يفهم توافق بينهما على ذلك لا من جهة الشرط ولا من جهة العادة ولا من جهة القرينة بأن كان أمرًا اتفاقيًا بحيث لا يتوقف نكاح إحداهما على نكاح الأخرى لجاز وخرج عن الشغار قاله أبو عمران ومثله في النفراوي على الرسالة (الثاني) الشغار يكون في المجبرة وغيرها وفي العبيد كالأحرار سواء (الثالث) هل يفسخ نكاح الشغار بطلقة بائنة كما مر وهو المشهور أو بغير طلاق وهو مذهب سحنون وعليه أكثر الروات قولان وتظهر ثمرة الخلاف فيمن تزوجها بعد ذلك هل تكون معه على طلقتين فقط إذا كان حرًا أو تكون معه على الطلاق
[ ٢ / ٤٧ ]
كله أو طلقها قبل الفسخ هل لها نصف الصداق أم لا أو خالعها على شيء هل ترجع بما أعطته له أم لا فإذا قيل بطلاق تأخذ نصف الصداق ولا ترجع بالخلع وبغير طلاق لا شيء لها من الصداق وترجع بما أعطته خلعًا (الرابع) لو عقد رجل على من زوجت شغارًا ولم يفسخه الزوج ولا حكم حاكم بفسخه فإن عقده لا يصح لأنها زوجة كما في الزرقاني (الخامس) لو تزوج شخص تزوجًا مختلفًا فيه وطلق من تزوجها ثلاثًا ثم تزوجها قبل زوج فلا يفسخ نكاحه عند ابن القاسم كذا في التوضيح قال الشيخ الأجهوري أي وحينئذ تبقى معه بعصمة جديدة على هذا اهـ انظر بسط المسألة فيه كذا في الزرقاني ثم قال
(وأجل الكالئ مهما أغفلا قبل البناء الفسخ فيه أعملا)
يعني أن النكاح إذا لم يتعرض فيه لأجل الكالئ وهو المؤخر من دين الصداق قصدًا أو غفلة كان تزوجها بمائة ثمانين نقدًا وعشرين كالئًا لم يذكر له أجل ولم تكن عندهم عادة تحدده فإنه يفسخ قبل البناء على المشهور ويثبت بعده بصداق المثل حالًا. وقوله أغفلا وأعملا مبنيان للنائب وألفهما للإطلاق وقوله
(وما ينافي العقد ليس يجعل شرطًا وغيره بطوع يقبل) يعني أن الشرط الواقع من الزوجين أو من احدهما أو من وليهما كما مر إذا كان منافيًا لعقد النكاح كان لا يقسم لها أو لا نفقة لها أو أن أمرها بيدها تطلق نفسها متى شاءت وكيف شاءت أو لا ميراث بينهما أو جعل لها نفقة معلومة في كل شهر أو نفقة ولدها مدة غير معينة لا يجوز ويفسخ به النكاح قبل البناء بطلقة بائنة إن وقع شيء من ذلك قبل العقد بالتواطؤ عليه كما هو الغالب أو مع العقد ويثبت بعد البناء بصداق المثل على المشهور وقيل يفسخ أبدًا وقيل إن أسقطا شرطهما صح وإلا فسد وفسخ قبل وبعد. وإن كان غير مناف للعقد فتارة يقتضيه وإن لم يذكر كشرط أن ينفق عليها أو يبيت عندها أو نحو ذلك فاشتراطه وعدم اشتراطه سواء لأنه واجب
[ ٢ / ٤٨ ]
عليه بالأصالة وتارة لا يقتضيه العقد ولا ينافيه كشرطها عليه أن لا يتزوج عليها أو لا يخرجها من بلدها أو دارها فهذا يكره الدخول عليه في العقد ولا يلزم حيث كان غير معلق على طلاق ويجوز بعده بلا كراهة وهو معنى قوله بطوع يقبل أي يقبل على الطوع ولا يؤثر في عقد النكاح شيئًا سواء كان من المكروه أو من الجائز. وفي خاتمة التزامات الحطاب من الفصل الثاني الشروط في النكاح على ثلاثة أقسام (القسم الأول) ما يقتضيه العقد كشرطه أن ينفق على الزوجة أو يقسم لها أو لا يؤثر عليها وذلك جائز لا يوقع في العقد خللًا ولا يكره اشتراطه ويحكم به سواء شرط أو ترك فوجوده وعدمه سواء (القسم الثاني) ما يكون مناقضًا لمقتضى العقد كشرطه على المرأة أن لا يقسم لها أو أن يؤثر عليها أو لا يعطيها ولدها أو على أن أمرها بيدها متى شاءت أو على أن الطلاق بيد غير الزوج فهذا القسم لا يجوز اشتراطه في عقد النكاح ويفسد به النكاح إن شرط فيه ثم اختلف في ذلك فقيل يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده وقيل يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويسقط الشرط وهذا هو المشهور. وقيل إن أسقط مشترط الشرط شرطه صح النكاح وإن تمسك به فسخ (القسم الثالث) ما لا يقتضيه العقد ولا ينافيه وللزوجة فيه غرض كشرطه أن لا يتزوج عليها أو أن لا يتسرى أو أن لا يخرجها من بلدها أو بيتها أو أن لا يغيب عنها فهذا النوع لا يفسد به النكاح ولا يقتضي فسخه لا قبل الدخول ولا بعده فإن اشترط الزوج شيئًا من ذلك في العقد أو بعده فلا يخلو إما أن يعلقه بطلاق أو عتق أو تمليك أو لا فإن علقه لزمه ذلك كقوله إن تزوجت عليها فهي طالق أو فالزوجة طالق أو فأمرها بيدها وسواء اشترطت ذلك في عقد النكاح أو تطوع به الزوج. وإن لم يعلق ذلك بطلاق ولا عتق ولا تمليك فالشرط مكروه ولا يلزم ويستحب له الوفاء بذلك اهـ (فرع) إذا اختلف الزوجان في الشرطية والطوعية والمعية والبعدية فالقول لمن ادعى الشرطية أو القبلية أو المعية لعرف الناس اليوم قال ناظم العمل
والشرط في النكاح محمول على أنه في أصل العقود جعلا
[ ٢ / ٤٩ ]
وقال الشيخ الزقاق في نظم ما جرى به العمل
وشرط نكاح أن نزاع بطوعه جرى مطلقًا فاحمل على الشرط واعدلا
فقوله مطلقًا قال التاودي أي أبهم الموثق أو كتب طوعًا كان ذلك عند عقد النكاح أو قربه فاحمل على الشرط. وقال التسولي ما كان في العقد لا يوصف بطواعية حقيقية بل مجازًا لأن المرأة تأبى من العقد حتى يلتزم الزوج الشروط وما كان كذلك ليس بطوع. وقال الونشريسي في المنهج الفائق وقول الموثقين بعد انعقاد النكاح أو البيع تطوع فلان بكذا حشو لا معنى له (ثم) قال التسولي ولا تتحقق البعدية حتى يطول ما بين العقدين طولًا بينًا كالشهر ونحوه وقال في موضع آخر من شرحه على التحفة كأربعة أشهر فحينئذ تثبت الطوعية وتنتفي الشرطية (ثم قال) الونشريسي متى ضاق على الموثق المجال ركن إلى الطوع مصورًا في صورة الجائز ما لا يجوز في الحقيقة حتى قيل التطوع حمار الموثقين لأن كثرًا ما يركبه ويلوذ به في تحصين ما يكتبه اهـ وقد نبه الحريري على إمتاع الزوجة أو وليها للزوج بالسكنى وما في كتبه على الطوع وإرادة الإمضاء والضمائر على الشرط منعقدة وأنها تقوم مقام الشرط الصريح عند العلماء اهـ (فرع) من تزوج امرأة على أنه إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا وإلا فلا نكاح بينهما وجاء قبل الأجل أو عنده فسخ قبل البناء وثبت بعده بالمسمى وأما إن أتى به بعد انقضاء الأجل أو لم يأت به أصلًا فيفسخ قبل البناء وبعده وقيل النكاح ثابت والشرط باطل وقيل النكاح ثابت والشرط لازم كذا في المتيطية (فرع) إذا وقع النكاح على شرط الخيار فإن كان ذلك في المجلس وما قرب منه بعد الاقتران جاز قال ابن راشد قال ابن القاسم إن شرطا مشورة فلان في الشيء القليل وهو حاضر البلد يأتيانه من فورهما جاز وإن كان الخيار لهما أو لأحدهما اليوم واليومين والثلاثة فهو ممنوع لأنهما لو ماتا قبل الخيار لم يتوارثا فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده ولها المسمى اهـ (فرع) إذا اشترطت الزوجة النفقة على والد زوجها فلا يخلو الزوج إما أن يكون صغيرًا أو كبيرًا رشيدًا أو في حجر أبيه فإن كان كبيرًا غير مولى
[ ٢ / ٥٠ ]
عليه فسخ النكاح قبل البناء لأنه أمر مجهول وإن كان مولى عليه أو صغيرًا فقال مالك يفسخ قبل البناء ويثبت بعده ويبطل الشرط وتكون النفقة على الزوج وقال أيضاُ يجوز لأنه المطلوب بالنفقة إلى أن يبلغ الصغير ويرشد الكبير فصار كالضامن لها فإن مات قبل ذلك لم يلزمهم في ثلثه ولا في رأس ماله شيء قاله ابن راشد في فائقه (تنبيه) قد تقدم أن الزوجة إذا شرطت على الزوج نفقة ولدها بدون أجل كان ذلك مفسدًا للنكاح وعليه فإن للزوج الرجوع على المرأة بما أنفق على ولدها بالشرط من ابتدائها إلى حين فسخ النكاح أو تصحيحه بمهر المثل قاله الحطاب في التزاماته (فرع) قال في المعيار (وسئل) ابن زرب عمن شرط لزوجته نفقة ولدها من غيره أجلًا معلومًا (فأجاب) بأنه لا يجوز (وأجاب) أبو بكر بن عبد الرحمن بأن ذلك جائز فإن مات الولد رجع ذلك إلى أمه لأنه من صداقها اهـ وما قاله ابن عبد الرحمن هو المعول عليه وبه الفتوى (فرع) إذا التزم الزوج لزوجته نفقة أولادها على أن يستغل ما يكون لأولادها من المال مدة الزوجية جاز إذا كان فائد المال المستغل يسيرًا بحيث يرى أن الغرض المقصود إنما هو التبرع بالنفقة على وجه الإحسان للزوجة ويكون فائد المال لا يبلغ إلا بعض النفقة ووجه التخفيف في مثل هذا أن الملتزم للنفقة كأنه إنما تبرع بما تزيد النفقة على فائد المال إذا كانت الزيادة ظاهرة بينة أما إذا كان المقصود المكايسة والانتفاع من الجهتين فلا خفاء في المنع قاله ابن لب (فرع) قال أحمد بن يحيى الونشريسي في المنهج الفائق قد نص ابن رشد في النوازل على أن المرأة ليس لها أن تسقط عن زوجها من الشروط إلا ما لا يتعلق به حق لغيرهما كما إذا جعل لها أن تطلق نفسها إن تزوج عليها أو يكون طلاق المتزوجة بيدها في هذا وشبهه ينتفع به الزوج بإسقاطها الشرط أما إذا تعلق بالشرط حق لغيرهما فلا كما إذا كان الشرط أن الداخلة عليها بنكاح طالق فهذا لا تسقط الزوجة حكمه لأنه تعلق به حق لله تعالى اهـ (فرع) ذكر الزرقاني عند قول الشيخ خليل وجاز شرط أن لا يضر بها الخ ما نصه ولو شرط للزوجة في العقد أنها مصدقة في الضرر بغير
[ ٢ / ٥١ ]
يمين فروى سحنون أخاف أن يفسخ النكاح قبل البناء فإن دخل مضى ولا يقبل قولها إلا ببينة على الضرر وحكي عن ابن دحون أنه كان يفتي بأن ذلك لا يلزم ولا يجوز إلا ببينة ولا اختلاف أنه إذا لم يكن مشترطًا في أصل العقد أنه جائز اهـ قال الأمير في حاشيته عليه قوله أخاف أن يفسخ لأنه يؤثر خللًا في الصداق ولأنها قد تطلق بالضرر فيكون من ناحية شرط أن الطلاق لها والعصمة بيدها عكس المشروع اهـ وهو ظاهر لا خفاء فيه وعليه فلا يعول على غيره (خاتمة) ذكر أبو عبد الله أحمد بن علي الفاسي في شرحه على الزقاقية الأصلية (قاعدتين) الأولى هل ورد حكم بين حكمين أم لا فأثبته المالكية وهو من أصولهم ونفاه الشافعية ويعمل به عند من أثبته في بعض صور تعارض الأدلة ولا ترجيح (قال) ابن رشد روي أن عبد الوارث بن سعيد قال قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فقلت لأبي حنيفة ما تقول في رجل باع بيعًا واشترط شيئًا فقال البيع باطل والشرط باطل ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال البيع جائز والشرط باطل ثم أتيت ابن شبرمة فسألته فقال البيع جائز والشرط جائز (فقلت) سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال لا أدري ما قالا إن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وشرط ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال لا أدري ما قالا قالت عائشة ﵂ أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة وأعتقها وإن اشترط أهلها الولاء فإن الولاء لمن أعتق البيع جائز والشرط باطل ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال لا أدري ما قالا قال جابر بن عبد الله بعت من النبي ﷺ ناقة وشرط لي حلابها وظهرها أي ركوبها إلى المدينة البيع جائز والشرط جائز (فعرف) مالك ﵀ الأحاديث كلها فاستعملها في مواضعها وتأولها على وجوهها ولم يمعن غيره النظر ولا أحسن تأويل الأثر اهـ (قلت) وفي ذلك قول ابن غازي
بيع الشروط الحنفي حرمه وجائز سوغ لابن شبرمة
[ ٢ / ٥٢ ]
وفصلت لابن أبي ليلى الأمه ومالك إلى الثلاث قسمه
فإنهما قد يبطلان معًا على مذهب مالك كبيع وشرط يناقض المقصود كشرط أن لا يبيع مثلًا وقد يصحان معًا كبيع بشرط رهن أو حميل وقد يصح البيع ويبطل الشرط كالبيع بشرط عدم القيام بالجائحة وما قيل في البيع يقال في غيره من بقية عقود المعاوضة كالنكاح والإجارة والمساقاة ثم قال (القاعدة الثانية) هل اشتراط ما يوجب الحكم خلافه مما لا يقتضي فسادًا يعتبر أم لا وعليه اشتراط للرجعة في الخلع فقيل بائن للعوض وشرطه لا ينفعه وهو مذهب المدونة وقيل رجعية للشرط. ومن اشترط أن لا رجوع له في الوصية فهل له الرجوع أم لا قولان ابن ناجي الذي به العمل الرجوع. ومن اشترط الاعتصار في الصدقة أو التزم عدمه في الهبة فهل يعمل بشرطه أم لا قولان. ومن اشترط الضمان فيما لا يغلب عليه من العواري والرهان ونفي الضمان فيما يغاب عليه منهما ففي إعمال الشرط وعدم إعماله قولان المشهور في جميعها عدم اللزوم (قال) الونشريسي في إيضاح المسالك تنبيه نص الفقهاء رضي الله تعالى عنهم على أن التزام ما يخالف سنة العقود شرعًا من ضمان وعدمه ساقط على المشهور كالوديعة على الضمان والاكتراء كذلك اهـ فهاتان قاعدتان جليلتان من قواعد المذهب فشد يدك عليهما ولا تجعل الشروط كلها من باب واحد ثم قال الناظم
(ويفسد النكاح بالإمتاع في عقدته وهو على الطوع اقتفي)
يعني أن النكاح إذا وقع في عقدته إمتاع فإنه يفسد. والإمتاع هو إعطاء الزوجة أو أبيها شيئًا للزوج كسكنى دار أو استغلال أرض فإذا وقع في العقد فإن النكاح يفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل ويبطل الإمتاع وإن كان بعد العقد جاز وهو محمول على الطوع عند الناظم كما تقدم عند قوله وما ينافي العقد البيت وإنما يكون مفسدًا للنكاح إذا كان على وجه الشرطية لأن ما يبذل من الصداق بعضه في مقابلة ذلك وهو مجهول لأنه يستغل إلى الموت أو الفراق ولا يدري متى يكون وقد يستغرق
[ ٢ / ٥٣ ]
ذلك الصداق كله فيبقى البضع عاريًا عنه قاله المازري وإن كان ذلك لمدة محدودة بأجل منع أيضًا لأنها إجارة ونكاح والجمع بينهما ممنوع على المشهور فإن طاعت له بشيء من ذلك بعد العقد كما مر فلا بأس (تنبيه) قال التسولي إذا عثر على ذلك بعد البناء وطالت المدة فإنها ترجع عليه بقيمة ما استغل بعد أن ترد لمهر مثلها على أنه لا امتناع في نكاحها والغالب أن مهر المثل حينئذ أقل من المسمى يرتفع للإمتاع المذكور اهـ وقوله
(فصل في مسائل من النكاح)
أي هذا فصل في بيان مسائل متفرقة من لواحق النكاح وقوله
(والعبد والمرأة حيث وصيا وعقدا على صبي أمضيا)
يعني أن العبد أو المرأة إذا وصي على صبي ذكر وكذا على سفيه وعقد له النكاح فإنه يمضي حيث كان نظرًا كما مر (ففي) طرر ابن عات وأما العبد والمرأة يزوجان بنيهما وبني من أوصي بهم إليهما الذكران اهـ ومفهوم قوله على صبي أن العبد والمرأة الوصيين على صبية لا يصح عقدهما عليها وهو كذلك بل يوكلان من توفرت فيه شروط الولاية يعقد عليها كما تقدم عند قوله والمرأة الوصي ليست تعقد. إلا بتقديم امرئ يعتمد. وقوله
(والأب لا يقضي اتساع حاله تجهيزه لابنته من ماله)
يعني أن الأب إذا كان غنيًا وزوج ابنته البكر أو الثيب التي في حجره وتحت ولاية نظره لا يلزمه أن يجهزها بشيء زائد على صداقها من ماله وإنما يلزمه أن يجهزها بما قبضه عينًا من صداقها خاصة. وسيأتي أنه يستحب تجهيزها بمالها من غير الصداق فإن نازع الزوج في ذلك وطلب الزيادة وقال إنما بذلت ألفًا مثلًا ليجهزها أبوها بألف
[ ٢ / ٥٤ ]
أخرى من ماله وامتنع أبوها من ذلك فإن كان قبل البناء خير الزوج في تجهيزها بالصداق فقط أو يفارق ولا شيء عليه وإن كان بعد البناء حط عنه ما زاده لأجل الجهاز ويكون لها صداق المثل حيث لم تكن بينهم عادة في ذلك فإن اعتاد الناس الزيادة على الصداق فإنه يقال لأبي الزوجة إما أن تشورها بشورة أمثالها وإلا خير الزوج بين الرضى بدون زيادة وبين الحلف ويفسخ النكاح عن نفسه ولا شيء عليه إلا طلقة واحدة هذا كله في غير الرشيدة أما الرشيدة فحكمها في قوله
(وبسوى الصداق ليس يلزم تجهز الثيب من يحكم)
يعني أن الثيب الرشيدة لا يلزمها القاضي أن تتجهز بأكثر من صداقها الذي قبضته عينًا حيث لم يكن عرف بالزيادة بل إنما تتجهز بصداقها فقط وسيأتي أن تجهيزها بغير صداقها حيث كانت غنية مستحب فإن كان صداقها غير عين بأن كان دارًا أو حيوانًا أو عرضًا فلا يلزمها بيعه والتجهز به خلافًا لما في المتيطة وحينئذ يجب على الزوج أن يأتيها بما تحتاج إليه من غطاء ووطاء وكسوة حيث لم تكن عادتهم أن الأب يأتي بمثل ذلك أو هي التي تأتي بلوازمها إن لم يكن لها أب وإلا فالحكم على ما جرت به العادة. وما درج عليه الناظم من كون الزوجة أو وليها يلزمها أن تتجهز بصداقها هو المشهور من قول مالك وأصحابه وقيل لا يلزمها ذلك لأن الصداق ثمن لما باع وللبائع أن يحبس الثمن لنفسه ولا مقال للمشتري فيه. وقيل أنها تمسك ربع دينار لئلا يخلو البضع عن عوض. وفي ابن راشد دليل المشهور ما روي أن رسول الله ﷺ أخذ صداق فاطمة فصرفه في جهازها. وحيث وجب عليها التجهز بنقدها على المشهور فإنها تمنع أن تنفق منه إلا أن تكون محتاجة فتأكل منه وتكتسي بالمعروف ولا تقضي منه دينها وأضعافه وهو أصح كما في الفائق وبالأول العمل. وقوله وبسوى الصداق متعلق بتجهز بضم الهاء وهو بالنصب
[ ٢ / ٥٥ ]
مفعول يلزم بضم أوله من ألزم الرباعي ومن فاعل بيلزم مؤخر عن المفعول وجملة يحكم بضم أوله وفتح الكاف مشددة صلة من الموصولة الواقعة على القاضي الحاكم في النازلة لا محل لها من الإعراب وقوله
(وأشهر القولين أن تجهزا له بكالئ لها قد حوزا)
يعني أن أجل الكالئ إذا حل على الزوج قبل البناء وقبضته قبل الدخول فأشهر القولين أن تتجهز به لزومًا لأنه صار من جملة النقد الذي يلزمها التجهز به والمشهور المقابل للأشهر لا يلزمها ذلك. وقوله تجهزا يجوز فيه فتح التاء والها وحذفت منه إحدى التاءين تخفيفًا ولإقامة الوزن إذ أصله تتجهز ويجوز فيه ضم التاء وكسر الهاء ومفعوله محذوف أي نفسها فالأول قاصر والثاني متعد وألفه على كل حال للإطلاق وقوله
(وللوصي ينبغي وللأب تشويرها بمالها والثيب)
يعني أنه يستحب للأب وللوصي تشوير البكر بمالها غير الصداق لما لها في ذلك من الحظوة وزيادة الرفعة كما يستحب للثيب الرشيدة ذلك بخلاف السفيهة فإن حكمها حكم البكر كما مر. وقوله بمالها بكسر اللام وقوله والثيب بالجر عطف على وللوصي ثم قال
(وزائد في المهر بعد العقد لا يسقط عمن زاده إن دخلا)
(ونصفه يحق بالطلاق من قبل الابتناء كالصداق)
(وموته للمنع منه مقتضي فإنه كهبة لم تقبضِ)
يعني أن من تزوج امرأة على صداق سماه لها ثم بعد تمام العقد زادها شيئًا من المال على المسمى فإن دخل بها لزمته تلك الزيادة كلها طلق أو لم يطلق مات أو لم يمت وإن طلقها قبل البناء لزمه نصفها مع نصف الصداق وإن مات أو فلس قبل البناء سقطت تلك الزيادة لأنها كهبة لم تقبض. وقال الأبهري القياس أن تجب لها بالموت
[ ٢ / ٥٦ ]
أن حكمها إن كان حكم المهر فتجب لها بالموت وإن كان حكمها حكم الهبة وجب أن لا يجب لها نصفها بالطلاق قبل الدخول لتأخير القبض ولما وجب لها نصفها بالطلاق دل على أن حكمها حكم الصداق وإنما هي كالهبة بعد البيع حكمها حكم الثمن اهـ وهو كلام حسن للغاية. وفهم من قول الناظم أن الزيادة التي زادها التزم بها في ذمته ولم يدفعها لها أو لوليها وإلا فهو قوله الآتي
وكل ما يرسله الزوج إلى زوجته من الثياب والحلى
فإن يكن هدية سماها فلا يسوغ أخذه إياها
فلو قدم الناظم تلك الأبيات الآتية هنا ليكون الكلام مرتبطًا بعضه ببعض لكان أولى. وقوله يحق بكسر الحاء وضمها من حق بمعنى ثبت ووجب ومن قبل الابتناء متعلق بالطلاق وللمنع متعلق بمقتضي وقوله
(وإن أتى الضمان في المهر على إطلاقه فالحمل صح مجملا)
يعني أن من زوج غيره كابنه أو أخيه أو خديمه أو صديقه وضمن عنه الصداق في نفس العقد ضمانًا مجملًا لم يبين فيه هل هو على الحمل فلا يرجع أو على الحمالة فيرجع كسائر أنواع الضمان فإنه يحمل على الحمل لا الحمالة وصح مع إجماله لأنه من المعروف وحينئذ فلا رجوع له بما أداه كما لو صرح بالحمل فإن صرح بالحمالة رجع عليه كما إذا ضمنه بعد العقد فالصور ست لأن الضمان إما في العقد أو بعده وفي كل واحد منهما إما أن يصرح بالحمل أو بالحمالة أو يبهم فإن صرح بالحمالة في العقد أو صرح بها أو أبهم بعده رجع وإن صرح بالحمل أو أبهم في العقد أو صرح به بعده لم يرجع فالرجوع في ثلاث وعدمه في ثلاث (قال) ابن راشد إذا حمل الصداق حامل أب أو أخ أو أجنبي لزمه ولا رجوع له به على الزوج لأن ذلك بمعنى الصلة وليس ذلك كحمالة الديون فإن مات الحامل قبل دفع الصداق فلا يخلو الحمل إما أن يكون في نفس العقد وقبل استقرار المهر في ذمة الزوج أو بعد العقد وبعد استقراره في ذمة الزوج فإن كان في نفس العقد وقبل استقرار المهر في ذمة الزوج فللزوجة أخذه
[ ٢ / ٥٧ ]
من تركته من رأس المال ولا يحاسب الورثة الزوج به إن كان وارثًا وتحاصص به الغرماء فإن لم يترك شيئًا فلا شيء لها على الزوج إلا أن يكون لم يدخل فلا يكون له سبيل عليها إلا بدفع صداقها. وإن كان الحمل بعد استقرار المهر في ذمة الزوج ففي بطلانه بالموت قولان لابن القاسم وابن الماجشون. وفي كتاب الحمالة إذا قال ما لك قبل فلان فأنا به كفيل فمات قائل ذلك قبل أن يؤخذ من ذمته فإنه يؤخذ من تركته وعلى قولها هنا يكون للزوجة أخذه من تركة الحامل إن خلف وفاء قال الشيخ أبو الحسن فإن لم يخلف وفاء وكان الحمل بغير رضاها فإنه يبقى على الزوج وإن كانت رضيت أن تتحول بحقها في ذمة الحامل لم يكن لها حبس نفسها وكان له أن يدخل بها إلا أن يكون الصداق مؤجلًا فلا يبرأ الزوج لأن الحوالة بما لا يحل أي من الديون الفاسدة (تنبيه) إذا كان الحامل حين الحمل مريضًا نظر فإن كان أجنبيًا أو قريبًا ممن لا يرثه الزوج ولا الزوجة نفذ الحمل من ثلثه وإن كان ممن يرثه أحدهما بطل إن كان الحامل أب الزوج قولًا واحدًا واختلف في النكاح فقال مالك لا يعجبني يريد ويفسخ وقال مرة هو جائز قال ابن القاسم وينظر له وصيه بعد موته فإن رآه غبطة له دفع عنه الصداق من ماله وإلا فسخه عنه ولو صح الأب ثبت النكاح والضمان ولو كان الابن كبيرًا فإن شاء ود الصداق وبنى على أهله وإن شاء فسخه (فرع) إذا وقع نزاع في الضمان فقال الحامل أبًا كان أو غيره إنما أردت الحمالة أو قال ذلك ورثته وقالت الزوجة أو المحمول عنه أردت الحمل ولم تذكر البينة تفسير ذلك فقيل هو على الحمل كما تقدم لأن العرف جار في ضمان الصدقات على الحمل حتى يشترط غيره وقيل على الحمالة حتى يشترط الحمل والصحيح الأول وهذا إنما يكون لعادة اقتضته وإلا فالأصل وحده الرجوع إذا دعاه الملتزم ويحلف أن اتهم على ذلك اهـ. وقول الناظم على إطلاقه متعلق بمحذوف حال من المهر ومجملًا اسم مفعول حال من الضمان وجملة فالحمل صح مجملًا جواب أن ولهذا قرن بالفاء ثم قال
[ ٢ / ٥٨ ]
(ونحلة ليس لها افتقار إلى حيازة وذا المختار)
يعني أن ما يعطيه والد أحد الزوجين لولده من المال في عقد نكاحه وينعقد النكاح عليه يسمى نحلة بكسر النون وضمها وهي لازمة للناحل في ماله وذمته يؤخذ بها في حياته ومن تركته بعد موته ولا تفتقر إلى حيازة لأنها أشبهت البيع فلم تكن هبة محضة حتى تفتقر إلى حيازة. وقيل لا بد فيها من الحيازة والأول هو المشهور المعمول به وإليه أشار الناظم بقوله وذا المختار (فرع) لا شفعة في النحلة على ما به العمل لأنها لم تكن بيعًا محضًا (فائدة) عقود التبرعات النحلة التي ذكرها الناظم هنا والهبة والصدقة والحبس والعرية بفتح العين وكسر الراء وتشديد الياء وهي هبة الثمرة. والمنحة وهي هبة لبن الشاة. والهدية وهي معروفة. والإسكان وهو هبة منافع الدار مدة من الزمان كسنة. والعمرى وهي تمليك المنفعة مدة عمره. والعارية وهي تمليك منافع الدابة ونحوها بغير عوض. والإرفاق وهو إعطاء منافع العقار للجار ليغرز في جداره خشبة مثلًا أو طريق أو فضل ماء ليسقي زرعه. والعدة وهي إخبار عن إنشاء المخبر معروفًا في المستقبل. والإخدام وهو إعطاء منفعة خادم غلامًا كان أو جارية. والصلة وهو معروفة بين الأقارب. والحباء بالكسر والمد العطاء الذي يعطيه الزوج لولي الزوجة عند العقد أو قبله فهذه كلها من أنواع العطية وكلها تفتقر إلى حيازة ما عدى النحلة (قال) ابن سهل عقود التبرعات الصدقة والهبة والحبس والعمرى والإرفاق والصلة ومنه إقطاع الإمام والإخدام والإسكان والنحلة والعارية والهدية والمنحة والعرية والاعتلال والعطية والحبا والرهن وهو آكدها اهـ وقوله
(وينفذ المنحول للصغير مع أخيه في الشياع إن موت وقع)
يعني أن من نحل ولده الكبير في عقد نكاحه ونحل معه ولده الصغير أملاكًا مشتركة بينهما ثم مات الأب قبل بلوغ الصبي نفذ لهما جميع ذلك وقيل تبطل حصة الصغير إن مات الناحل قبل حيازة الكبير لجميعها لأن حصة الصغير محض هبة والقول الأول هو المختار وبه الفتوى لأن عقد النكاح في بعضها كالحيازة في جميعها وقوله
[ ٢ / ٥٩ ]
(ومع طلاق قبل الابتناء تثبت والفسخ مع البناء)
(والخُلف فيها مع وقوع والفسخ في تناكح قبل البناء فاعرفِ)
يعني أن النكاح إذا انعقد على نحلة ثم طلق الزوج قبل البناء وأولى بعده أو وقع فسخ بعد البناء فإن النحلة ثابتة للمنحول وإن فسخ النكاح قبل البناء فخلاف قيل للناحل وقيل للمنحول وبه العمل. وقوله ومع بسكون العين متعلق بقوله تثبت وفي تثبت ضمير يعود على النحلة والفسخ بالجر عطف على طلاق وقوله فاعرف مفعوله محذوف أي ذلك الحكم المذكور وهو الخلاف في المسألة ثم قال
(فصل في تداعي الزوجين وما يلحق به)
أي هذا فصل في بيان تنازع الزوجين وترافعهما لدى القاضي وما يلحق بذلك كتراضيهما على بقاء الزوجية بينهما بعد التحالف وكون الفسخ بطلاق. واعلم وفقني الله وإياك لطاعته إن تنازع الزوجين إما في أصل الزوجية ولم يذكره الناظم وأشار إليه الشيخ خليل بقوله إذا تنازعا في الزوجية ثبتت ببينة ولو بالسماع بالدف والدخان وإلا فلا يمين ولو أقام المدعي شاهدا وحلفت معه وورثت الخ وقد نظمت كلامه هذا ببعض زيادة من الزرقاني فقلت
ومن يقم عن منكر الزوجيه كلف بالشهادة المرضيه
ولو بسمع بكدف واشتهر حتى بدا لمن نشأ كمن حضر
أن يكن السمع من العدول وغيرهم والعقد بالتفصيل
وإن يكن قيامه مجردا فلا يمين مطلقا وعضدا
ولو أقام شاهدا لا تقتضي إلا بموت وبه جرى القضا
وبعده يثبت الإرث بالحلف دون صداقها الذي لها وصف
[ ٢ / ٦٠ ]
وقولي والعقد بالتفصيل إشارة إلى ما في البناني وهو أن بينة السماع لا بد أن تكون مفصلة كبينة القطع بأن تقول سمي لها كذا نقد كذا وأجل كذا وعقد لها وليها فلان كما في عبارة المتيطي التي نقلها الحطاب فلا يكفي الإجمال اهـ وهو أنها كما في غيره أن يقول الشهود لم نزل نسمع من أهل العدل وغيرهم أن فلانًا تزوج فلانة بصداق سماه لها قدره كذا الخ زوجها له بذلك وليها فلان الخ وهي في هاته الصورة كشهادة القطع كما في المسناوي وغيره قالوا ولهذا لم يشترط فيها طول الزمان كشهادة السماع المتقدمة في بابها التي لم يشترطوا فيها التفصيل المذكور ولا يكون كلامه هنا مشكل مع قوله المتقدم وفسخ إن دخلا بلاه ولا حد إن فشا الخ وذلك حيث لم يحصل تفصيل في الشهادة فارتفع الإشكال قاله المسناوي وقولي فلا يمين مطلقًا أي سواء كانا حاضرين باديين أو طارئين وقبل تتوجه اليمين في الطارئين والمعروف من المذهب الأول وإليه الإشارة بقولي وعضد (فرع) سئل محمد بن بشير قاضي قرطبة عن رجل ادعى أنه تزوج امرأة وأنكرت التزويج وزعمت أنها كانت عنده أجيرة فغلبها على نفسها وأحبلها فولدت وزعم أنه تزوجها تزويج صحة ولم يكن الولد إلا لرشدة أي من حلال لا من زناء وليس لواحد منهما مثبت بما ادعى (فقال) إن كان الرجل لا يعرف بمثل ما رمته به المرأة وكانت في يديه متقادمة ويذكر أنها امرأته وإن لم يشهد على أصل ذلك فليس عليه بينة والقول له وإن كان على غير ذلك استوفي في أمره وكشف وسئل حتى يقع الحكم اهـ من الدر النثير (وأما) في قدر المهر أو صفته أو نوعه وقد أشار إلى الأول بقوله
(الزوج والزوجة مهما اختلفا في قدر مهر والنكاح عرفا)
يعني أن الزوجين إذا اختلفا في قدر المهر والنكاح معروف بينهما ثابت ففيه تفصيل أشار إليه بقوله
(فإن يكن ذلك من قبل البنا فالقول للزوجة قد تعينا)
[ ٢ / ٦١ ]
(مع اليمين إن لم تكن تحجر وعاقد يحجرها بها حري)
(وبعد ذا يحلف زوج أنكرا ثم يكون بعدها مخيرا)
(في دفع ما كان عليه القسم أو الفراق دون شيء يلزم)
(وإن تراضيا على النكاح ففي الأصح الرفع للجناح)
(وفي انفساخ حيث يفقد الرضى بطلقة واحدة جرى القضا)
(وتأخذ الزوجة مع نكوله ما يقتضيه الحلف في حلوله)
(والحكم في نكول كل منهما بما به بعد اليمين حكما)
(وقيل بل نكوله مصدق لما ادعته زوجة محقق)
حاصل فقه المسألة التي اشتملت عليها الأبيات التسعة أن الزوجين إذا كان اختلافهما قبل البناء في قدر المهر بأن قال هو مائة مثلًا وقالت بل مائتان فالقول قول الزوجة بيمينها إن كانت رشيدة فإن كانت محجورة فاليمين على حاجرها لأنه هو الذي تولى العقد وقد فرط بعدم الإشهاد فإن نكل غرم للزوجة الزائد على ما قال الزوج ثم إذا حلفت الرشيدة أو الحاجر على المائتين في المثال المذكور حلف الزوج المنكر لدعواها أنه إنما تزوج بمائة ثم يكون مخيرًا بعد يمينه فإما أن يدفع ما حلفت عليه أو حلف عليه حاجرها وهو المائتان أو يطلق ولا شيء عليه. وما درج عليه الناظم من أن الزوج يخير بعد يمينه ضعيف والمعتمد ما في المدونة وهو أنه يخير الزوج إذا حلفت الزوجة بين أن يدفع ما قالت أو يحلف ويفسخ النكاح. وظاهر قوله فإن يكن ذلك من قبل البناء ولو بعد طلاق أو موت وليس كذلك بل القول قول الزوج كما إذا وقع الاختلاف بعد البناء كما سيأتي ولهذا أصلح ولده السعيد الشطر الأول من البيت الثاني بقوله إن كان ذا قبل الفراق والبنا. ويقول مكان البيت الرابع
[ ٢ / ٦٢ ]
ثم يكون زوجها مخيرا في دفعه المهر الذي قد انكسرا
أو اليمن وإذا ما يقسم كان الفراق دون شيء يلزم
ثم يزيد بيتًا يكون نصه
أو كان بعد موتها أو فرقته فالقول قول الزوج دون زوجته
وبهذا لم ينقص شيئًا عما في المدونة ثم يقول وإن تراضيا على النكاح الخ قال التسولي لكن الذي زاده الشارح هو قول المصنف الآتي والقول قول الزوج فيما عينا الخ فوجه تورك ولده عليه أنه أسقط منه الفراق كما أسقطه هنا اهـ. (ثم) إذا حلفا معًا على ما درج عليه الناظم أو على مذهب المدونة ثم تراضيا على البقاء فإن رجع أحدهما لقول الآخر بعد الحلف وقبل الحكم بفسخه فلهما ذلك بدون جناح ولا إثم بناء على أن النكاح لا ينفسخ بتمام التحالف وقيل ينفسخ بتمام التحالف كاللعان والأول أرجح. وتظهر ثمرة الخلاف فيمن مات بعد تمام التحالف وقبل الفسخ بحكم حاكم أو طلق ثلاثًا فعلى الأولى يتوارثان وتطلق عليه ثلاثًا لا ميراث ولا طلاق قاله ابن راشد في فائقه والله أعلم بالصواب. وإن لم يرجع أحدهما لقول الآخر بعد الحلف فالذي جرى به العمل والقضاء أنه يفسخ بطلقة واحدة وقيل يفسخ بلا طلاق هذا حكم ما إذا حلفا معًا فإن حلفت الزوجة الرشيدة أو ولي المحجورة ونكل الزوج عن اليمين أخذت الزوجة ما يقتضيه حلفها أو حلف حاجرها وهو المائتان في المثال المفروض وبقيت زوجة فإن نكلا معًا خير الزوج في دفع ما ادعته أو الفراق دون شيء يلزمه وهو معنى قوله بما به بعد اليمين حكمًا ومقابل الأصح أن نكوله مصدق ومحقق لما ادعته الزوجة وهو معنى قوله وقيل بل نكوله مصدق الخ وإنما يكون النكول هنا ليس تصديقًا للناكل الأول وهو الزوجة لأن اليمين توجهت عليهما معًا لا على احدهما وبدأت الزوجة لأنها كالبائعة فجانبها أقوى على القول المشهور وقيل بتبدئة الزوج واستحسن الشيخ أبو الحسن أن يقترعا (وقول) الناظم يحجرها بضم الجيم وقوله والحلف بفتح الحاء وسكون اللام وقوله مخيرًا بفتح الياء اسم مفعول (وذلك) كله
[ ٢ / ٦٣ ]
إذا أشبهت دعواهما أو لم يشبه واحد منهما فإن انفراد أحدهما بالشبه دون الآخر فقد أشار إليه الناظم بقوله
(وحيثما ادعي ما قد ينكر تردد الإمام لفيه يؤثر)
(فقال يحلفان والنكاح بينهما الفسخ له يتاح)
(وجعل القول لمن جاء بما يشبه وارتضاه بعض العلما)
يعني أن أحد الزوجين إذا ادعى على الآخر بما يستنكر من الصداق في القلة والكثرة عادة وادعى الآخر ما يشبه ولا يستنكر فإن الإمام مالكًا رضي الله تعالى عنه تردد قوله في ذلك فقال مرة يتحالفان ويفسخ النكاح بينهما وقال مرة القول قول من ادعى منهما ما يشبه كسائر أبواب الفقه واختاره اللخمي قال الشيخ أبو الحسن وهذا أصوب لأن ذلك دليل كالشاهد يحلف معه من قام له ذلك الدليل وإليه أشار الناظم بقوله وارتضاه بعض العلماء. وقوله تردد بالرفع على أنه مبتدأ وجملة يؤثر بضم أوله وفتح ما قبل آخره معناه يروى خبره والنكاح مبتدأ أول والفسخ مبتدأ ثان وبينهما متعلق به وجملة يتاح خبر المبتدأ الثاني والجملة من الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول وله متعلق بالفسخ وضميره المجرور هو الرابط بينهما ويتاح بالتاء المثناة فوق بعد التحتانية المثناة معناه يتيسر ويسهل وفي بعض النسخ يباح بالباء من الإباحة بمعنى الجواز أي والنكاح يسهل أو يجوز فسخه بعد الحلف وقوله
(والنوع والوصف إذا ما اختلفا فيه للاختلاف في القدر اقتفا)
يعني أن الزوجين إذا اختلفا في نوع الصداق أو وصفه قبل البناء كأن يقول الزوج بجارية وتقول الزوجة بألف درهم وقيمتهما متساوية أو اتفقا على النوع واختلفا في الصفة كأن يقول بجارية سوداء وتقول بجارية بيضاء فإن الحكم في ذلك يتبع الحكم في الاختلاف في القدر نصًا سوا وقوله للاختلاف مفعول مقدم باقتفى ولامه زائدة
[ ٢ / ٦٤ ]
لتقوية العامل لتأخره عنه وفي القدر يتعلق بالاختلاف ومعنى اقتفى اتبع ثم قال
(والقول قول الزوج فيما عنيا من قدره مع حلفه بعد البنا)
(وتحلف الزوجة إن لم يحاف وتقتضي ما عينت بالحلف)
قد تقدم الكلام على حكم الاختلاف بين الزوجين في القدر قبل البنا أتبعه بالكلام هنا على اختلافهما في القدر بعد البناء وهو تصريح بمفهوم قوله السابق فإن يكن ذلك من قبل البنا وكذا الاختلاف بعد موت أو طلاق كما مر فأخبر في هذين البيتين أن الزوجين إذا اختلفا في قدر الصداق بعد البناء فإن القول في ذلك قول الزوج مع يمينه لأنها مكنته من نفسها فصارت مدعية وهو مقر لها بدين وإن نكل حلفت الزوجة وأخذت ما حلفت عليه هذا هو المشهور من مذهب مالك وأصحابه وقال ابن حبيب يتحالفان مع بقاء العصمة ويثبت لها صداق المثل. وقيل إن اختلفا في الصفة فما قاله ابن حبيب وإن اختلفا في القدر فكالمشهور ولا ينظر للشبه هنا والله أعلم (ولما) قدم الكلام على حكم الاختلاف في النوع قبل البناء أتبعه بالكلام على الاختلاف فيه بعد البناء فقال
(إن هما تخالفا في نوع ما أصدق ما كان فحلفا ألزما)
(وفي الأصح يثبت النكاح ومهر مثلها لها مباح)
يعني أن الزوجين إذا اختلفا في نوع الصداق كما مر مثاله وكان ذلك بعد البناء بدليل قوله في البيت قبله مع حلفه بعد البناء وكذا الفراق كان مما يشبه أو لا فإنهما يلزمان بالحلف ونكولهما كحلفهما ويقضى للحالف على الناكل كما تقدم وفي ثبوت النكاح بعد الحلف وهو الأصح وفسخه قولان وعلى كل من القولين يباح لها مهر مثلها ما لم يزد على دعواها وإلا أعطيت ما ادعته فقط ولم ينقص عن دعواه وإلا لزمه ما اعترف به. وقوله ما كان فما نكرة خبر كان مقدم والتقدير وإن هما تخالفا يعني بعد بناء أو
[ ٢ / ٦٥ ]
فراق في نوع الصداق أيًا كان مما يكون صداقًا للنساء عادة كالدراهم والثياب أو كالخشب والحديد وقوله فحلفا هو بفتح الحاء وسكون اللام مفعول ثان بألزما ومفعوله الأول نائب فاعل الذي هو ضمير المثنى وقوله
(فصل في الاختلاف في القبض)
أي في بيان المرافعة التي تقع بين الزوجين لدى القاضي في شأن اختلافهما في قبض نقد الصداق أو كالئه واعلم أن اختلافهما في ذلك تارة يكون قبل البناء وتارة يكون بعده وإلى الأول أشار الناظم بقوله
(وإن هما قبل البناء اختلفا في القبض للنقد الذي قد وصفا)
(فالقول للزوجة واليمين أو للذي في حجره تكون)
يعني أن الزوجين إذا اختلفا في قبض النقد من الصداق وهو ما كان مشروطًا على الزوج بالحلول فلما طلبته الزوجة به ادعى أنه دفعه لها وأنكرت ذلك فإن القول قولها بيمينها إن كانت رشيدة أو مع يمين حاجرها إن كانت محجورة فإن حلفت الرشيدة أو حلف ولي المحجورة استحقت ما وقع عليه الحلف وإلا حلف الزوج وبرئ فإن نكل غرم وأشار إلى الثاني بقوله
(والقول قول الزوج بعد ما بنى ويدعي الدفع لها قبل البنا)
(وهو لها فيما ادعى من بعد أن بنى بها والعرف رعيه حسن)
يعني أن الزوجين إذا اختلفا بعد البناء في دفع الحال من الصداق قبله فإن القول قول الزوج مع يمينه بشروط أربعة (أحدها) أن يدعي دفعه قبل البناء وإليه أشار الناظم بقوله. ويدعي الدفع لها قبل البناء. فإن ادعى دفعه لها بعد البناء كان القول قولها وإليه أشار الناظم بقوله. وهو لها فيما ادعى من بعد أن. بنى بها (ثانيها) أن
[ ٢ / ٦٦ ]
لا يتأخر قبض الحال منه عن البناء عرفًا وهو معنى قوله (والعرف رعيه حسن) (ثالثها) أن لا يكون بيدها رهن فيه (رابعها) أن لا يكون الحال مكتوبًا في حجة فإن توفرت هاته الشروط كان القول قول الزوج بيمينه وإن اختل شرط منها كان القول قولها بيمينها ولو كان مكتوبًا بكتاب وقيل بلا يمين إذا كان بكتاب واقتصر عليه الزرقاني وليس بظاهر لأنه يؤدي إلى نفي يمين المنكر. وزاد بعض الموثقين قيدًا آخر وهو إذا عقد في الصداق أنه لا يبرئه منه بناؤه عليها ولا طول مقامها معه فإنه إن ادعى بعد ذلك الدفع إليها أو إلى وليها قبل البناء أو بعده لم يقبل قوله وكان كسائر الديون الخ ولعله تفسير للشرط الرابع تأمل (تنبيه) جعل في المدونة ورثة كل واحد من الزوجين قائمًا مقامه وسواء ماتا معًا أو أحدهما قال فيها وإن قال ورثة الزوج في المدخول بها قد دفعه أو قالوا لا علم لنا فلا شيء عليهم فإن ادعى ورثتها العلم حلفوا أنهم لا يعلمون أن الزوج لم يدفعه ولا يمين على غائب ومن يعلم أنه لا علم عنده اهـ بهرام في كبيره (فرع) قال ابن راشد إذا قامت البينة على إقرار الأب أو الوصي بقبض الصداق ثم ادعى أنه لم يقبض وقال ظننت به الخير فلذلك أشهدت له بالقبض ففي تحليفه له ثلاثة أقوال (أحدها) أنه يحلف قاله في الموازية وبه قال أصبغ وابن حارث وابن لبابة قالوا لأن ذلك مما يجري بين الناس (ثانيها) أنه لا يمين عليه حكاه ابن حبيب عن مالك وأصحابه قال ابن حبيب إلا أن يأتي الأب بسبب يدل على ما ادعى وتقع على الزوج تهمة فيحلف ونحوه لابن عبد الحكم قال ولو جاز له تحليفه لما كان للوثائق معنى (ثالثها) التفرقة فإن قام على قرب كالعشرة أيام ونحوها حلف وإن قام على بعد فلا يمين عليه وبه جرى العمل اهـ (ثم) قال الناظم
(والوقل واليمين للذي ابتنا في دفعه الكالئ قبل الابتنا)
(إن كان قد حل وفي الذي يحل بعد بنائها لها القول جعل)
[ ٢ / ٦٧ ]
(ثم لها امتناعها أن يدخلا أو تقبض الحائن مما أجلا)
يعني أن الزوج إذا بنى بزوجته ثم طلبته بالكالئ فادعى أنه دفعه لها أو لحاجرها قبل البناء وأنكرت ذلك فإن كان الكالئ قد حل عليه قبل البناء وادعى دفعه قبله ولم يكن مكتوبًا عليه بحجة وأنه لا يتأخر قبضه عن البناء عرفًا وليس بيدها رهن فيه الشروط المتقدمة فإن القول قوله بيمينه وإلا فالقول قولها مع اليمين كما مر فإن لم يحل الكالئ إلا بعد البناء كان القول قولها بيمينها على كل حال (ثم) إن لم يكن قد دخل بها وحل أجل الكالئ أو بعضه وطلبها بالدخول فلها منع نفسها منه حتى تقبضه لأنه صار من جملة الحال فقوله الحائن اسم فاعل من حان إذا وصل حينه أي الحال وأولى النقد بالأصالة فإن لم تمنع نفسها من الدخول بل مكنته منها فلها منع نفسها من الوطء بعده حتى تقبضه فإن مكنته من الوطء قبل القبض فليس لها حينئذ منع نفسها بعد ذلك لأنه صار دينًا في ذمته لا تطلق عليه به إن أعسر (تنبيه) إن استحق من يدها ما كان أعطاه لها من الصداق فلها منع نفسها منه ولو بعد الوطء لأنها تقول مكنته من نفسي ليدوم لي ما قبضته منه فإذا دفع لها بدل ما استحق من يدها فلا كلام لها. وقول الناظم ثم لها امتناعها البيت لو زاد بيتًا قبله وبيتًا بعده تتميمًا للفائدة بأن يقول
والزوج بالزوجة يطلب البنا وهي مطيقة المسيس مكنا
ثم لها امتناعها إن تدخلا أو تقبض الحائن مما أجلا
وبعد قبضها الصداق تمهل إن طلبت بقدر ما تجمل
لكان أفيد. وقوله يحل بكسر الحاء وتقبض بكسر الباء من قبض كضرب (فروع) (الأول) إذا قبضت الزوجة الصداق وادعت تلفه وهي في العصمة فهل عليها غرمه حيث طلب منها الزوج ذلك ليشتري به جهازًا أو لا فقال ابن الماجشون ليس عليها ذلك لأنه مالها لا حق له فيه فإذا قالت سرق وحلفت لم تضمن مالها وإنما حلفها
[ ٢ / ٦٨ ]
للشبهة وقيل عليها أن تجهز بمثله إذا لم تقم لها بينة بذلك واختار الشيخ أبو الحسن الأول قال لأن أصل استمتاع الزوج مكارمة (الثاني) إذا اشترت به ما لا يصلح لجهازها ثم تلف فمصيبة منها (الثالث) إذا طلقها قبل الدخول فادعت تلفه وخالفها الزوج في ذلك فإن القول قولها فيما لا يغاب عليه كالبعير والجارية وتحلف ما لم تكن قرينة تكذبها وأما ما يغاب عليه من عين ونحوها فلا براءة لها من نصفه إلا أن تقوم لها بينة بتلفه (الرابع) إذا قامت امرأة تطلب صداقها بعد أعوام من وفاة زوجها ففي أحكام ابن سهل إذا كانت التركة لم تقسم لم يضرها سكوتها وتحلف إلا أن يكون الورثة بنيها فلا يمين عليها لأن الابن لا يحلف أباه فإن قسمت تركته وهي حاضرة تنظر ثم قامت بعد ذلك فلا شيء لها إلا لعذر يمنعها من القيام بأن يكون لمن اقتسموا التركة سلطان ونحوه فتكون على حقها وإن طال الزمان كالدين في جميع ما ذكر (الخامس) إذا قام رجل يطلب كالئ ابنته بعد وفاة زوجها فقال ابن لبابة يحلف أبوها أنه ما قبض لها من زوجها في حياته ولا من أحد بعد وفاته شيئًا من كالئها وإنه لباق عليه إلى حين يمينه وقد تقدم ما يقرب من هذا (السادس) إذا طلب الزوج أبا زوجته بالنقد بعد البناء وادعى أنه جهزها به كان القول قوله بيمينه لتعلق حق الزوج به ما لم يتبين كذبه في تناكرهما قرب البناء ودخولها على الزوج بغير شيء (السابع) إذا ادعى الوصي أنه جهز محجورته بنقدها فلا ينبغي أن يكون كالأب في ذلك لأنه مأمور بالإشهاد فإذا ضيعه فقد لزمه الغرم وكذلك غيره من الأولياء فلا براءة مما ابتاعه لها بنقدها من الجهاز إلا بإيراده بيت البناء ويوجهه لها مع شهادة البينة بخلاف الأب لأنه لما كان العرف جاريًا بأنه يجهز ابنته بصداقها بغير إشهاد كان القول قوله مع يمينه كما مر (الثامن) إذا طلب أبو البنت زوج ابنته بدفع ما حل عليه من كالئها بعد البناء بها وبجعله تحت يده لها إلى رشدها فإن وافقته ابنته على طلبه كان له ذلك وإن خالفته وأرادت إبقاءه تحت يد زوجها لتحسين المعاشرة بينهما لم يكن له ذلك ما لم يخف عليه من الفلس كذا في نوازل البرزلي. وقوله
[ ٢ / ٦٩ ]
(فصل فيما يهديه الزوج ثم يقع الطلاق)
أي هذا فصل في بيان المرافعة فيما يهديه بضم أوله أي يسوقه الزوج لزوجته ويرسله لها على وجه الهدية أو العارية أو المقاصة به من صداقها أو هبة الثواب ثم يقع الفراق بينهما وقد ألم الناظم بجميعها فقال
(وكل ما يرسله الزوج إلى زوجته من الثياب والحلى)
(فإن تكن هدية سماها فلا يسوغ أخذه إياها)
(إلا بفسخ قبل أن يبتنيا فإنه مستخلص ما بقيا)
(وإن يكن عارية وأشهدا من قبل سرًا فله ما وجدا)
(ومدع إرسالها كي تحتسب من مهرها الحلف عليه قد وجب)
(ثم لها الخيار في صرف وفي إمساكها من الصداق فاعرف)
(ومدعي الإرسال للثواب شاهده العرف بلا ارتياب)
الأبيات السبعة يعني أن ما يرسله الزوج لزوجته من الثياب والحلى وغيرهما قبل البناء ثم يقع الفراق بينهما فيريد الزوج أخذه من يدها فهل له ذلك أم لا فيه تفصيل وهو إن يكن سمى ما أرسله إليها هدية فلا يجوز له ارتجاعه من يدها إلا أن يقع فسخ النكاح بينهما قبل البناء فله استرجاع ما بقي بيدها دون ما ضاع منه فلا تطالب به وحاصل كلام الفقهاء في هذه المسألة كما في حاشية ابن رحال أن من أهدى هدية قبل البناء وطلق قبله أو بعده فلا رجوع له مطلقًا وإن كانت قائمة لأنه طلق باختياره ولا خلاف في ذلك وإن طلق عليه لعدم الإنفاق فكذلك على الراجح وهو قول ابن القاسم وإن فسخ قبل البناء فيأخذ القائم منها على الراجح وإن فسخ بعد البناء
[ ٢ / ٧٠ ]
فقد فاتت كالطلاق وإن كانت الهدية بعد الدخول والطول فلا رجوع فيها وإن لم يطل فله أخذ هديته وهذا كله في الهدية المتطوع بها ولم تشترط ولا جرى عرف بها فإن اشترطت كانت كالصداق في جميع الأحوال وإن جرى بها عرف فأجراها ابن حبيب كذلك على القول الذي يقول يقضي بها فتنتصف بالطلاق قبل الموت وتكمل به وأبطلها مالك في الموت والطلاق وعلى قول من لا يقضي بها فهي كالمتطوع بها من غير شرط اهـ. وإن سمى ما أرسله إليها عارية وأشهد بها سرًا فله استخلاص ما وجد منها في الطلاق والفسخ وبقاء العصمة إن لم تعلم المرأة أو أولياها بالعارية وإلا ضمنتها كما لو أشهد علانية. وإن ادعى أنه أرسله إليها ليقاصصها به من الصداق ونازعته الزوجة في ذلك حلف على دعواه وخيرت الزوجة بين صرف ما أرسله الزوج إليها ورده له أو تحبس ذلك بيدها وتحسبه من المهر كما قال الزوج. وإن سمى ذلك هبة ثواب لتعطيه شيئًا في مقابلته وخالفته في ذلك رجع أمرهما للعرف فمن شهد له العرف حكم له القاضي به فإن لم يكن عرف فهو محمول على الهبة التي لغير ثواب لقصد المكارمة. وقوله مدع إرسالها قال أبو البقاء الشيخ يعيش الشاوي الأولى إرساله بتذكير الضمير كالباقي ولهذا قررت كلام الناظم بالتذكير ويجاب عنه بأنه لما نظر إلى اعتقاد الزوجة والظاهر عند الناس أنث الضمير على تقدير أنها هدية. وقوله ومدعي الإرسال مضاف ومضاف إليه وقوله
(وشرط كسوة من المحظور للزوج في العقد على المشهور)
يعني أن شرط الزوج على الزوجة كسوة له في عقد النكاح ممنوع على القول المشهور لاجتماعه مع البيع أو لأن الكسوة قد تساوي ما أعطى الزوج من المهر فيخلو البضع عن العوض كما مر عند قوله ويفسد النكاح بالإمتاع الخ فإن وقع ذلك فسخ قبل البناء وثبت بعده بصداق المثل ولو كان فيما أعطى الرجل فضل كثير على ما أعطته المرأة سدًا للذرائع فيخشى إن صح الأمر من هذين أن لا يصح من غيرهما. وفهم من قوله
[ ٢ / ٧١ ]
وشرط كسوة الخ إن كان طوعًا بعد العقد جاز وهو كذلك اتفاقًا لكن الذي جرى به العمل هو القول بالجواز ولو مع الشرط أو جرت بها العادة فيقضي بها. وقوله وشرط كسوة من المحظور بالظاء المشالة مبتدأ وخبر وللزوج وفي العقد يتعلقان بالشرط الذي هو مصدر وعلى المشهور يتعلق بما تعلق به الخبر (فرع) سئل صاحب المعيار عن الرجل يعطي للمرأة ما تفتدي به من زوجها أو أعطاه هو من يده لزوجها بأمرها على أن يتزوجها أو كان ينفق عليها في العدة أو في غير العدة على ذلك ثم لم يكن بينهما نكاح إما منها أو منه أو انعقد بينهما النكاح ولم يبق إلا توكيل الولي أو إعطاء الزوج للشهود ويشيع لها ما جرت العادة بتشييعه في ليلة العقد ثم طال الأمر ولم يقع إشهاد على الولي ثم إنها بدا لها هل يلزمها في هذه الوجوه شيء مما خسر الزوج أو لا وهل يرد الشهود الأجر لأن النكاح لم يتم أم لا وهل يسوغ للشاهد أن يطلب إجارة أخرى إذا أرادوا تكميله أم لا (فأجاب) إن للرجل الرجوع بما أنفق على المرأة المذكورة أو بما أعطى في اختلاعها إذا جاء التعذر والامتناع من قبلها لأن الذي من أجله أعطى ماله لم يثبت له وإذا كان التعذر من قبله فلا رجوع له عليها ولا على الشهود لأن التمكين كالاستيفاء وليس للشاهد أن يطلب المتخاطبين بأجرة أخرى عند تمام الأمر بينهما والله ﷾ أعلم وبه التوفيق ثم قال
(فصل في الاختلاف في الشوار المورد بيت البناء)
قال في القاموس الشوار مثلثة متاع البيت. واعلم أن هذا الاختلاف ليس بين الزوجين كما هو ظاهر السياق بل هو بين الزوجة ووليها فيما اشترى لها من الثياب وغيرها من أنواع الشوار فيدعي الولي أن ما زاد على نقدها له لا لها وتخالفه في ذلك فتارة تكون دعواه مجردة عن البينة وتارة تكون مع البينة وقد أشار الناظم إلى الأول منهما بقوله
[ ٢ / ٧٢ ]
(والأب إن أورد بيت من بنى ببنته البكر شوار الابتنا)
(وقام يدعي إعارة لما زاد على نقد إليه سلما)
(فالقول قوله بغير بينه ما لم يطل بعد البنا فوق السنه)
يعني أن الأب أو من تنزل منزلته لا غيرهما ولو أما إن أوصل الشوار الذي اشتراه بالنقد الذي سلم إليه من ثياب وحلي وغيرهما لبيت ابنته البكر وكذا الثيب التي تحت حجره وحازته ثم قام وادعى عارية بعض ما أورده مما زاده على نقدها فإن القول قوله في عارية ذلك بيمينه لشبهة حق الزوج إن حلف أبوها إذا لم تجر العادة بالزيادة أو لم يطل الزمن فوق السنة من يوم البناء فإن كانت العادة جارية بالزيادة أو طال الزمن فوق السنة فلا يقبل قوله إلا أن يكون قد أشهد كما يأتي وظاهره قبول قوله في السنة سواء كانت البنت حية أو ميتة وهو كذلك كما في شراح المتن وفهم من قوله إن أورد أن الإيراد ثابت ببينة أو إقرار فإن لم يثبت وأنكرت ذلك حلفت وبرئت وفهم من قوله لما زاد أن دعواه العارية في قدر نقدها أو أقل لا تقبل وهو كذلك إلا إذا علم أن أصل ما جهزها به له فيحلف ويأخذه ويطلب بالوفاء وقوله سلمًا بضم أوله وكسر ثانيه مشددًا. وأشار إلى الثاني بقوله
(وإن يكن بما أعار أشهدا قبل الدخول فله ما وجدا)
يعني أن الأب أو من تنزل منزلته إذا أشهد بالعارية قبل الدخول أو بعده وقبل مضي السنة فله أخذ ما وجد من تلك العارية وأمل الذي لم يجده ففيه تفصيل يأتي وسواء قرب الزمان أو بعد كانت المرأة رشيدة أو غير رشيدة مقرة كانت أو منكرة ولا فرق حينئذ بين أب وغيره من الأولياء لأن المعتبر وجود الإشهاد وقد حصل (تنبيه) قال الزرقاني فإن أشهد ولو قبل مضي السنة قبل قولها بعدها ولو مع بعد لكن إن أشهد بها قبل البناء فبغير يمين وبعده وقبل مضي السنة فبيمين (فائدة)
[ ٢ / ٧٣ ]
هذه إحدى المسائل التي حدت بالسنة. ومنها عهدة السنة. والعبد الآبق يحبس سنة. واللقطة يعرف بها سنة. والمعترض يؤجل سنة. واليتيمة تقيم عند زوجها سنة ثم ترشد. والدار تباع بشرط سكناها سنة فأقل لا أكثر. والرجل يهب لابنه دار سكناه يخليها سنة. والحكم في الجرح بعد البرء سنة. والمرأة تقيم على زوجها شاهدًا بالطلاق والعبد على سيده بالعتق فينكلان عن اليمين فيسجنان سنة. والقاتل عمدًا إذا عفي عنه يضرب مائة ويحبس سنة. والبكر الزاني يغرب سنة. والزكاة لا تكون إلا بعد سنة. والمحضون يبقى عند أمه لا يطلبه أبوه سنة تبقى على حضانتها. والشفيع تسقط شفعته إذا سكت بدون عذر سنة اهـ من نوازل العلمي. ثم صرح الناظم بمفهوم الأب ومن تنزل منزلته ومفهوم البكر ومن تنزل منزلتها فقال
(وفي سوى البكر ومن غير أب قبول قول دون إشهاد أبي)
يعني أن الأب ومن تنزل منزلته لا تقبل دعواه العارية في غير البكر والثيب التي تحت حجره كما لا تقبل دعوى غير الأب أو الوصي من بقية الأولياء العارية لوليتهم بكرًا كانت أو ثيبًا رشيدة كانت أو سفيهة إلا بإشهاد قبل البناء فإن حصل إشهاد بالعارية قبله قبل قولهم ولو بعد طول. وقوله وفي سوى البكر متعلق بأبي بضم أوله يعني منع (ثم) أشار إلى حكم الضمان وعدمه فيما تلف من العارية فقال
(ولا ضمان في سوى ما أتلفت مالكة لأمرها العلم اقتفت)
يعني أن العارية التي تثبت للولي بالشروط المتقدمة إذا تلفت كلها أو تلف بعضها فلا ضمان على المرأة فيما تلف منها بوجه من الوجوه إلا في وجه واحد وهو إذا أتلفته هي بنفسها وكانت رشيدة عالمة بالعارية فإن تلف بغير سببها وقامت لها بينة بذلك أو كانت غير عالمة بالعارية فلا ضمان عليها أيضًا في التلف. وقوله العلم بالنصب على أنه مفعول مقدم باقتفت وجملة اقتفت صفة لمالكة وقوله أتلفت أي أهلكت ويقال تلف على وزن فرح هلك وقوله
[ ٢ / ٧٤ ]
(فصل في الاختلاف في متاع البيت)
أي هذا فصل في بيان الترافع الذي يقع بين الزوجين في الاختلاف في متاع البيت وسواء كان الزوجان حرين أو عبدين أو مختلفين مسلمين كانا أو كافرين أو كان الزوج مسلمًا والزوجة كافرة كتابية وسواء كانت الزوجية بينهما باقية أو افترقا ثم إن الحق تارة يثبت للزوج وتارة يثبت للزوجة وقد شرع الناظم في بيان ذلك فقال
(وإن متاع البيت فيه اختلفا ولم تقم بينة فتقتفى)
(فالقول قول الزوج مع يمين فيما به يليق كالسكين)
(وما يليق بالنساء كالحلي فهو لزوجة إذا ما تأتلي)
(وإن يكن لاق بكل منهما مثل الرقيق حلفا واقتسما)
(ومالك بذاك للزوج قضى مع اليمين وبقوله القضا)
(وهو لمن يحلف مع نكول صاحبه من غير ما تفصيل)
الأبيات الستة يعني أن الزوجين إذا اختلفا في متاع البيت ولم تقم لواحد منهما بينة تصدقه في دعواه فتتبع وجب الرجوع في أمرهما إلى شهادة العرف ويحمل أهل كل بلد أو بادية في ذلك على عرفهم فما علم أن الرجال يأتون به ويليق بهم كالسكين والكتب ونحوهما فهو لهم مع اليمين (قلت) ما أبعدها دعوى في مثل هذا. وما علم أن النساء يأتي نبه ويليق بهن وذلك كالحلي لا تلبسه إلا المرأة خاصة فهو لهن مع اليمين. وقال سحنون لا يمين فيهما والمشهور ما درج عليه الناظم ومنشأ الخلاف مبني على قاعدة وهي هل العرف كشاهد واحد أو كشاهدين خلاف فمن قال أن العرف كالشاهد الواحد ألزمه اليمين ومن قال كالشاهدين نفاها عنه (قال) المشاور وإن كانت الزوجة معلومة بالفقر لم يكن القول قولها إلا في قدر صداقها. وإن كان
[ ٢ / ٧٥ ]
المتنازع فيه يصلح للرجال والنساء عادة كالعبد والأمة والخاتم سواء كان ذهبًا أو فضة فقال المغيرة وابن وهب هو بينهما بعد إيمانهما واستحسنه أبو الحسن وقال مالك وجمهور أصحابه هو للرجل مع يمينه لأن البيت بيته وهو المشهور وبه القضاء كما قال الناظم وحيث كان القول لمن يشهد له العرف مع يمينه على القول المشهور المعمول به فإن نكل عنها من توجهت عليه وحلف الآخر قضي له به من غير تفصيل في ذلك بينهما لأن نكول من توجهت عليه اليمين كالشاهد عليه فيحلف معه الآخر ويستحق فإن نكل عن اليمين أيضًا قضي به للناكل الأول على القاعدة المتقدمة (فروع) الأول إذا اختلفا في رقبة الدار فالقول قول الزوج لأنه الحائز لها (الثاني) قال ابن راشد قال بعض المفتين في الرجل يخرج إلى سفر أو غزو فتموت زوجته بعده فيوجد في تابوتها أي خزانتها مثلًا من بين ثيابها دراهم مصرورة فيدعيها الزوج وينكر ورثة المرأة أن البينة على الزوج (الثالث) إذا ابتاع الرجل كسوة لزينتها ثم تموت فيريد أخذها قال في الطرر ليس له ذلك وهي موروثة عنها وكذلك في الطلاق قاله بعض الشيوخ وبه العمل (الرابع) ورثة كل من الزوجين مثلهما إلا أن الزوجين كانا يخلفان على البت والوارث على العلم اهـ من الفائق وقول الناظم وإن متاع البيت الخ إن شرطية ومتاع البيت مبتدأ وجملة اختلفا فيه خبر ودخلت إن على الجملة الاسمية بناء على مذهب من يرى جواز ذلك وجملة فالقول قول الزوج من المبتدأ والخبر جواب الشرط وبه يتعلق بيليق والحلي بضم الحاء وقد تكسر مع كسر اللام جمع حلي كثدي. وقوله إذا ما تأتلي ما زائدة وتأتلي معناه تحلف ومثل الرقيق منصوب على الحال من ضمير لاق أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي وذلك مثل الرقيق وإعراب الباقي ظاهر ثم قال
فصل في إثبات الضرر والقيام به وبعث الحكمين
أي هذا فصل في بيان الحكم الذي يترتب على إثبات ضرر أحد الزوجين بصاحبه والقيام
[ ٢ / ٧٦ ]
به بعد الطلاق لرد الخلع أو قبله عند الحاكم وبعث الحكمين المذكورين في القرآن العظيم إذا أشكل على الحاكم أمرهما. واعلم أن المرأة إذا ادعت أن زوجها أضر بها فلا يخلو إما أن يكون لها شرط في الضرر أو لا فإن كان لها فيه شرط كلفها القاضي إثبات شرطها وزوجيتها وسأل زوجها عما ادعت به عليه من إضراره بها فإن أقر سقط عنها مؤنة الإثبات ويقع الحكم عليه بالفراق بعد الإعذار إليه إن طلبت فراقه وإن أنكر دعواها الضرر كلفها القاضي إثبات ما ادعته. ولإثباته أمران أحدهما الشهادة على القطع على مذهب أصبغ المعمول به. والآخر الشهادة بالسماع الفاشي وإليهما أشار الناظم بقوله
(ويثبت الإضرار بالشهود أو بسماع شاع في الوجود)
يعني أن إضرار الزوج بزوجته إذا قامت به عليه وأنكره فإنه يثبت عليه إما بشهادة شاهدين عدلين فأكثر يشهدان بالقطع لمجاورتهم للزوجين أو قرابتهم منهما يشهدان بمعرفة الزوجين فلان وفلان معرفة تامة وأن فلانًا المذكور أضر بزوجته المذكورة في نفسها أو في مالها أو فيهما معًا ومسيء إليها ومتكرر بالإضرار عليها بضرب أو شتم أو عدم كلام أو تحويل وجهه عنها في غير حق أو تجويع إلى غير ذلك ما هو ضرر شرعي من غير ذنب تستوجب به ذلك وما علموا أنه أقلع عن ذلك ولا انتقل عنه إلى حين إيقاعهم لشهادتهم وما علموا مع ذلك أن عصمة النكاح انقطعت بينهما حتى الآن. وأما بشهادة السماع ووجه السماع في ذلك أن يكون فاشيًا مستفيضًا على السنة اللفيف من النساء والخدم والجيران أن فلانًا مضر بزوجته فلانة بكذا ويشهدون مع ذلك بأن الزوجية لم تنقطع بينهما إلى الآن فإذا ثبت الضرر بأحد هذين الأمرين المذكورين أعذر القاضي إلى الزوج في الشهود وأجله بثلاثين يومًا معها التلوم كما تقدم في الآجال فإن انقضى الأجل وأتى بشيء ينفعه فذاك وبقيت دعواها مجردة وإن لم يأت بشيء وطلبت الزوجة إحضاره لتتميم نازلتها أحضره القاضي وأعلمه
[ ٢ / ٧٧ ]
بانصرام الأجل والتلوم وسأله هل أتى بشيء مما ادعاه فأقر أنه لم يأت بشيء مما تأجل لأجله يوجب له نظرًا وبان له عجزه فعجزه وقضى بتعجيزه بعد الإعذار إليه بأبقي تلك حجة وعرض القاضي على الزوجة فلانة المذكورة الصبر عليه لما لها في ذلك من الأجر والثواب فامتنعت منه. وأشهدت أنها طلقت نفسها منه بشرطها الثابت عنده طلقة واحدة أولى بعد البناء ملكت بها أمر نفسها بمحضر من يشهد ويضع اسمه عقب هذا الرسم من الشهداء ممن شاهد التعجيز المذكور وسمع الطلاق الموصوف المسطور وأشهده القاضي فلان المترافع لديه وفقه الله ودامت نعمه عليه إشهادًا تامًا على حكمه بذلك وإنفاذه له وذلك في تاريخ كذا (قال) ابن راشد إنما ملكت أمر نفسها بالطلاق المذكور لأن التطليق بالضرر بائن وإن أوقعت واحدة حكاه ابن الهندي وابن العطار وبه الفتوى وقال ابن القطان هي رجعية وهو غلط لأنها إن كانت رجعية فلا تنتفع المرأة بها ويمضي إثباتها وعناؤها باطلًا قاله ابن الطلاع وقال ليس عند مالك في طلاق السلطان ما هو رجعي إلا الطلاق على المولى والمعسر بالنفقة والتطليق بالضرر خارج عن الوجهين فإن أوقعت الثلاث فله مناكرتها (فرع) إذا مكنته الزوجة من نفسها طوعًا بعد قيامها عليه بالضرر لم يكن لها قيام الشرط فإن أنكرت دعواه ذلك حلفت وأخذت بشرطها فإن نكلت حلف وسقط قيامها ولو أقرت وادعت الجهل لم ينفعها ذلك وسقط قيامها وهذه من المسائل التي لا يعذر فيها بالجهل اهـ (تنبيه) لا يشترط في شهادة السماع هنا طول الزمان ولا النقل عن الثقات على القول المشهور ولا تجوز شهادة النساء وحدهن لأن الطلاق من معاني الحدود فلا تجوز فيه شهادة النساء (قلت مقتضى) هذا التعليل اشتراط النقل عن الثقاة وغيرهم فيكون القول المقابل أسلم والله أعلم. وإن الإجمال في شهادة الضرر لا يجوز بل لا بد فيها من بيان وجه الضرر كما مر إذ ليس من الإضرار بالزوجة منعها من الحمام والنزهة وتأديبها عن ترك الصلاة وكلام الفاحشة والخروج بلا إذن ونحو ذلك من الأمور التي تستوجب بها الأدب حتى بالضرب فالناس معادن فمنهم من
[ ٢ / ٧٨ ]
لا يصلحه إلا الضرب الوجيع كالحديد ومنهم من لا يصلحه إلا الرفق كالياقوت وقوله
(وإن تكن قد خالعت وأثبتت إضراره ففي اختلاع رجعت)
(وباليمين النص في المدونه وقال قوم ما اليمين بينه)
يعني أن الزوجة إذا خالعت زوجها بمال أو إسقاط حضانتها مثلًا ثم قامت على الزوج وأرادت الرجوع بما خالعته به عند القاضي وقالت إنما خالعته إلا لضرر لحقها منه فلما أحضره القاضي أنكر دعواها الضرر وأنها خالعته على طيب نفس منها فكلفها القاضي عند ذلك إثبات دعواها فأثبتتها بشهادة القطع أو السماع كما مر وعجز الزوج عن الطعن فيها فحينئذ يحكم لها القاضي بالرجوع في الخلع بعد يمينها أنها لم تخالعه إلا لأجل إضراره بها كما نسبه الناظم للمدونة واعترض بأن المدونة ليس فيها النص عن اليمين وإنما هو في غيرها. وقال بعض العلماء لا تلزم هذه اليمين لعدم بيان وجهها وبه عمل تونس ولا يضرها ترك الاسترعاء في ذلك (قال) بعض العلماء إنما يكون لها الرجوع بما خالعت به إذا أثبتت الضرر إذا لم يكن الموضع التي هي به تتمشى فيه الأحكام الشرعية أما إذا كانت بموضع تقام فيه الأحكام الشرعية ولم تقم بالضرر وخالعت فإن خلعها ماض لأن عدم قيامها وسكوتها يعد رضى منها بذلك ذكره عظوم في برنامج الشوارد والطلاق ماض على كل حال وقوله
(كذا ذا عدل الإضرار شهد فالرد للخلع مع الحلف اعتمد)
(لأن ذاك راجع للمال وفرقة تمضي بكل حال)
يعني أن المختلعة لما كان لها الرجوع على الزوج بالخلع إذا أثبتت الضرر بشهادة عدلين بالقطع أو بشهادة السماع كذلك يكون لها الرجوع بالخلع إذا أثبتت الضرر بشهادة عدل واحد أو امرأتين لكن مع اليمين لن النزاع في المال وهو يثبت بشهادة عدل واحد أو امرأتين مع اليمين وعلى هذا إذا كان الخلع على إسقاط الحضانة فلا ترجع
[ ٢ / ٧٩ ]
لها لأنها ليست مالًا ولا آيلة إليه وأما الطلاق فهو ماض على كل حال رد المال أو لم يرد قال الشيخ خليل ورد المال بشهادة سماع على الضرر وبيمينها مع شاهد أو امرأتين اهـ (تنبيه) إذا أثبت الزوجة الضرر ورجعت على زوجها بالخلع وكان الزوج قد أخذ عنها حميلًا بما تحملت به أو دفعته له وتدرك له به الحميل فهل تسقط الحمالة أيضًا عن الحميل وبه العمل أو لا تسقط قولان قد تقدم حكم الضرر الذي اشترطته الزوجة على الزوج في عقد نكاحها وأنه أضر بها فأمرها بيدها ولم يتعرض له الناظم نصًا وإنما يفهم من كلامه الآتي وقد تعرض لبيان حكم الضرر الذي لم يكن لها به شرط قصدًا فقال
(وحيثما الزوجة تثبت الضرر ولم يكن لها به شرط صدر)
(قيل لها الطلاق كالملتزم وقيل بعد رفعه للحكم)
(ويزجر القاضي بما يشاؤه وبالطلاق إن يعد قضاؤه)
يعني أن الزوجة إذا أثبتت ضرر زوجها بها بالشهادة القاطعة أو بشهادة السماع إن أنكر دعواها كما مر ولم يكن لها به شرط في عقد نكاحها ولا تطوع لها به بعد العقد على أنه أضر بها فأمرها بيدها كما تقدم فقيل لها الطلاق من أول مرة بمجرد الثبوت كما أن الطلاق الملتزم به على وجود الضرر يكون كذلك وقيل حيث لم يكن لها به شرط فليس لها ولا للحاكم ذلك بل لا بد من رفعها إياه للحاكم ويزجره بما يقتضيه اجتهاده من توبيخ أو ضرب أو سجن ونحو ذلك فإن رجع فذاك المطلوب وإن لم يرجع عن إضرارها وتكررت شكواها أمره الحاكم بطلاقها فإن امتنع طلقها عليه لأنه نائب عنه أو أمر الزوجة به فتطلق نفسها طلقة واحدة تملك بها أمر نفسها لأنها بائنة كما مر هذا هو القول الراجح وبه العمل (فائدة) قال صاحب البرنامج مسألة كثيرة الوقوع بتونس فالمرأة تخرج من دار زوجها ثم تدعي أنها خرجت بنفسها وأبقت حوائجها بداره أنها تصدق أي بيمين لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان اهـ
[ ٢ / ٨٠ ]
باختصار (فرع) إذا أثبتت الزوجة على زوجها أن لطمها بضربة وأرادت القصاص منه فليس لها ذلك لما ورد أن النبي ﷺ جاءته امرأة فقالت إن زوجي لطم وجهي فقال بينكما القصاص فأنزل الله ﷿: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ الآية فأمسك النبي ﷺ حتى انزل الله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ قال ابن عباس معنى قوام أمين عليها يتولى أمرها ويصلحها في حالها. وقال ابن العربي عقبه وعليها له الطاعة لقول الله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ بفضل القوامية فعليه أن يبذل المهر والنفقة ويحسن العشرة ويحجبها ويأمرها بطاعة الله وينهي إليها شعائر الإسلام من صلاة وصيام وعليها الحفظ لماله والإحسان إلى أهله والالتزام لأمره في الحجبة وغيرها إلا بإذنه وقبول قوله في الطاعات والاعتراف بالدرجة التي له عليها فإن النبي ﷺ قال لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها الحديث اهـ فإن نشزت المرأة وخرجت عن طاعة زوجها بمنع وطء أو استمتاع أو خروج بلا إذن أو عدم ما أوجبه الله عليها من حقوق الله أو حقوق العباد فله أن يؤدبها بنفسه بأن يعظها بما يلين قلبها من ثواب وعقاب يترتبان على طاعته ومخالفته فإذا لم تتعظ كما هو عادة النساء غالبًا هجرها بأن يتجنبها في الفراش قدر شهر فإن تمادت على عصيانها ضربها ضربًا غير مبرح مكسر الراء وهو الذي لا يظهر له أثر على البدن إن ظن الإفادة. والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾ الآية (قال) القاضي أبو بكر بن العربي وقد ثبت أن النبي ﷺ أنه قال يا أيها الناس إن لكم على نسائكم حقًا ولنسائكم عليكم حقًا لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله تعالى قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربًا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف (قال) العلماء الفاحشة هي البذاء ليس الزنى اهـ فإن هربت وتحصنت بأهلها ولم يقدر زوجها على ردها فلا نفقة لها لأن
[ ٢ / ٨١ ]
النفقة في مقابلة الاستمتاع وهي قد فوتته عليه فإن لم يباشر الزوج أدبها بنفسه لعدم الفائدة ورفع أمره في ذلك إلى القاضي وطلب إسكانها بدار أمناء كان له ذلك بأي وجه من الوجوه كما في فائق ابن راشد وكذا إذا ادعت الزوجة الضرر وتكرر منها ذلك ولم تقم على دعواها بينة وطلبت السكنى بين قوم صالحين كان لها ذلك أيضًا فإذا أسكنها القاضي بين من يرضونه كلفهم تفقد خبرها وعليه أن يعمل بقول من ائتمنه عليهما رجلًا كان أو امرأة لأنه نائب عنه فإن انكشف له أمرها ورأى الإساءة من الزوج أدبه ونهاه فإن لم ينزجر وتكرر ذلك منه طلقها عليه بلا شيء وإن كان منها ائتمنه عليها إن كان للزوج فيها رغبة وبشر بالصبر لقول النبي ﷺ من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله ثواب آسية بنت مزاحم امرأة فرعون الحديث فإن لم يصبر على إذايتها خالعها بما يراه القاضي نظرًا وإن كانت الإساءة منهما فرق بينهما على بعض ما أصدقها ولا يستوعبه له كما يأتي قريبًا وإن أشكل عليه أمرهما ولم ينكشف وطال عليه تكرر شكواهما سواء أسكنهما بين قوم صالحين أم لا بعث إليهما حكمين على ما يقتضيه قول الله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما﴾ الآية وإلى هذا أشار الناظم بقوله
(وإن ثبوت ضرر تعذرا لزوجة ورفعها تكررا)
(فالحكمان بعد يبعثان بينهما بمقتضى القرآن)
(إن وجدا عدلين من أهلهما والبعث من غيرهم إن عدما)
(وما به قد حكما يمضي ولا إعذار للزوجين فيما فعلا)
يعني أن ضرر أحد الزوجين بصاحبه إذا تعذر ثبوته عند القاضي فإن العمل في ذلك أن يبعث إليهما حكمين عدلين حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن وجدا فإن لم يوجدا فمن غير أهلهما فيختبران أمرهما ويأمرانهما بالصلح ولا يلزم أن يكونا
[ ٢ / ٨٢ ]
معهما ملازمين وإنما يدخلان عليهما المرة والمرتين والثلاث قاله المشاور وعليهما أن يجتهدا في ذلك فإن قدرا على الإصلاح فذاك المراد وإلا نظرا في أمرهما بما تحصل عندهما فإن كانت الإساءة من الزوجة ائتمناه عليها إن كان لا يتجاوز الحق فيها عند ظلمها وكانت له رغبة فيها إلا أن يريد الزوج الفراق فيفرق بينهما ولا شيء لها من الصداق (قال) عبد الملك ولو حط عليها بأكثر من الصداق جاز إذا كان سدادًا. وإن رأيا الإساءة منه فرق بينهما ولا يسقطان عنه من الصداق شيئًا. وإن كانت الإساءة بينهما بالسوية أو أشكل الأمر عليهما قسما الصداق بينهما نصفين. وإن كان الظلم من أحدهما أكثر نظرا في ذلك فإن أشكل على الحكمين الحكم في ذلك أتيا إلى القاضي وأخبراه بذلك بمحضر عدلين وإن ما حكما به ماض ولا إعذار للزوجين فيما فعلاه (قال) ابن رشد لأنهما لا يحكمان بالشهادة وإنما يحكمان بما خلص عندهما من أحوالهما بعد الكشف والنظر (وقال) ابن العربي وقد بينا أنهما حكمان لا شاهدان وأن فعلهما ينفذ كما ينفذ فعل الحاكم في الأقضية وكما ينفذ فعل الحكمين في جزاء الصيد وهي أختها والحكمة عندي في ذلك وهي أن القاضي لا يقضي بعلمه فخص الشرع هاتين الواقعتين بحكمين لينفذ حكمهما بعلمهما وترتفع بالتعديد التهمة عنهما (فرع) لو اتفق الزوجان على حكمين وحكما نفذ حكمهما لأن التحكيم عندنا جائز وينفذ فعل الحكم في كل مسألة إلا في تسعة أشياء لا يحكم لفيها إلا القاضي وهي التسفيه والترشيد والنظر في الوصايا والأحباس المعقبة ومال اليتيم وأمر الغائب والأسباب أي البينات والولاء والنظر في الحدود والقصاص هذا إذا كان كل واحد منهما عدلًا بل ولو كان غير عدل فإن حكمه ينفذ على الصحيح قاله ابن العربي وقال ابن راشد ولو علم الزوجان أنهما مستجرحين فرضيًا بهما نفذ حكمهما على المشهور (فرع) إذا اجتمعا على الطلاق نفذ وكان طلقة بائنة وإن لم يرض الزوجان بعد الوقوع ولا ينفذ أكثر من طلقة واحدة أوقعاه بل واحدة منه فقط وتلزم واحدة إن اختلفا في العدد بأن قال واحد أوقعت واحدة وقال الآخر أوقعت اثنتين فلو
[ ٢ / ٨٣ ]
انفرد أحدهما بالطلاق لم ينفذ طلاقه (فإن) قيل فلم عدل القضاة عن الحكمين إلى الأمناء مع أن آيتهما محكمة وهو أمر لا ينبغي (أجيب) بأن الحكام وأهل العلم مجمعون على أنها فريضة وآيتها نص في الحكم باقية على ذلك لم تنسخ ولكن ضاق عليهم شرط الله في أن يجدوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها في كل نازلة مع إجماع العلماء على أن الحكمين إنما يتخيران عالمين فقيهين ذكيين ورعين فلما عز هذا المطلب لجأ الحكام فمن لم يجد من هذه صفتهما من أهل المتشاقين إلى إخراجهما إلى من يوثق بدينه وصلاح حاله من الرجال والنساء لتعرف أحوالهما والاطلاع بهما إلى ما يرجى أن يصلح بينهما فكثيرًا ما يكون ذلك بينهما لا على وجه التحكيم لمن عنده من رجل أو امرأة ولا على وجه الفصل بينهما ولا رأيت قط فيما شاهدت قديمًا وحديثًا أحدًا قضى على متشاقين بشهادة أمين ولا أمينة ولكنهم يحبسون الموصوف بالظلم منهما فلربما رجعا عن ذلك وتتاركا ولم يعودا إليه وهم الأكثرون قاله أبو إبراهيم كذا في العيار (قلت) ولا يكفي هذا الجواب لأنه إذا لم يوجد من أهلهما من تتوفر فيه الشروط بعث من غيرهما وإنما الجواب هو أن تقديم دار الأمين لرجاء اصطلاحهما كما هو الجاري به عمل تونس ولا يكون الترافع في ذلك إلا من لفيف الناس ومن لا يعبأ بهم (فرع) وسئل ابن الحاج عمن جعل أمينًا مع الرجل والمرأة على من تكون نفقة الأمين ومؤنته إن كانت على من طلبها أو على المتعدي وكيف إن أشكل الأمر على الحاكم (فأجاب) النفقة على من طلب الأمينة فإذا أشكل الأمر فعلى الزوج الذي تشتكي منه الضرر حتى يتبين غير ذلك والله أعلم اهـ وفي فائق ابن راشد فإن اتفق الزوجان على الأمينة كانت نفقتهما عليهما عند مالك اهـ ثم قال
(فصل في الرضاع)
أقول ينحصر الكلام في هذا الفصل في خمسة أنظار (الأول) في معناه لغة واصطلاحًا (الثاني) في أركانه وهي المرضع واللبن والمحل (الثالث) في الرضاع القاطع للنكاح
[ ٢ / ٨٤ ]
(الرابع) فيمن يحرم من الرضاع (الخامس) فيما يثبت به الرضاع (النظر الأول) في معناه لغة واصطلاحًا أما معناه لغة فهو امتصاص الثدي أو الضرع. ويقال الرضاع والرضاعة بفتح الراء وكسرها فيهما. ويقال رضع الصبي رضعًا مثل سمع يسمع سمعًا ويقال رضع يرضع رضعًا مثل ضرب يضرب ضربًا. ويقال رضع يرضع رضعًا من باب تعب ويقال أرضعته أمه إرضاعًا (قال) القاضي عياض وأرضعته أمه وامرأة مرضع أي لها ولد ترضعه فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت مرضعة اهـ قال ابن مالك في الكافية
وما من الصفات بالأنثى يخص عن تاء استغنى لأن اللفظ نص
وحيث معنى الفعل ينوي التاء زد كذي غدت مرضعة طفلًا ولد
وحاصله أنه إذا أريد أنها ترضع بالقوة فيجرد من التاء وإن أريد أنها ترضع بالفعل فتثبت التاء قال الله تعالى: ﴿يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت﴾. وفي التوضيح ذكر أهل اللغة أنه لا يقال في لبن بنات آدم لبن وإنما يقال فيه لبان واللبن لسائر الحيوان غيرهن وجاء في الحديث كثيرًا خلاف قولهم اهـ. وأما معناه اصطلاحًا فعرفه الإمام ابن عرفة بقوله الرضاع عرفًا وصول لبن آدمي لمحل مظنة غذاء آخر لتحريمهم بالسعوط والحقنة ولا دليل إلا مسمى الرضاع (فقوله) رحمه الله تعالى وصول جنس يشمل جميع أنواع الواصلات من مائعات وغيرها وإضافته إلى اللبن فصل يخرج به غيره من ريق ونحوه وسواء وصل اللبن بفعل فاعل وهو المرضع أو وصل من غيرها ولهذا قال وصول ولم يقل إيصال. وإضافة اللبن إلى آدمي فصل يخرج به لبن غيره من البهائم فإنه لا يحرم عندنا. وقوله لمحل أي جوف جار ومجرور متعلق بوصول ومحل مضاف ومظنة مضاف إليه وكذا ما بعده وغذاء بكسر الغين المعجمة بعدها ذال معجمة وهو ما يتغذى به فصل يخرج به ما لم يصل للجوف بأن رجع من الحلق أو وصل ولم يكن غذاء كما إذا وصل من منفذ ضيق ونحوه كما يأتي. وقوله آخر صفة لموصوف محذوف أي آدمي آخر فصل يخرج به وصول اللبن
[ ٢ / ٨٥ ]
لمحل صاحبته بأن أرضعت نفسها. وقوله لتحريمهم بالسعوط والحقنة علة لقوله لمحل مظنة الخ والسعوط ما صب من الأنف والحقنة ما يصب من الدبر ثم يصعد إلى المعدة. وينبغي أن يزيد في التعريف من منفذ واسع قاله البناني لإخراج الواصل من العين والأذن وأن يقيد أيضًا المظنة بغير الحقنة أما هي فلا بد فيها من الغذاء بالفعل ولا تكفي المظنة لقول المدونة وإن حقن بلبن فوصل لجوفه حتى يكون غذاء فإنه يحرم اهـ وهذا التعريف شامل لرضاع الكبير وللبان الصغيرة وللبن الذكر وللبن الميتة وللبن العجوز واللبن المخلوط وسيأتي بيان ذلك. وقوله ولا دليل إلا مسمى الرضاع أي عرفًا بحث فيه بأن له دليلًا في ذلك وهو إلحاقه بالرضاع أو الاحتياط وبيان ذلك أن الرضاع غلب في المعهود بين الناس على جذب اللبن من الثدي وامتصاصه بالشفتين لكن الفقهاء حكموا بأن الحقنة والسعوط يقع التحريم بهما دل ذلك على أن الرضاع عرفًا شرعيًا صادق عليهما والله أعلم (النظر الثاني في أركانه) وهي المرضع واللبن والمحل (أما) المرضع فيشترط أن تكون آدمية وإن صغيرة أو آيسة أو ميتة إذا تحقق أن لها لبنًا فلا أثر للبن البهيمة كالبقرة عندنا اتفاقًا كما تقدم ولا للبن الرجل على المشهور وقال ابن اللباد يحرم وقال غيره يكره. وقد أرضع رجل ابنته لما ماتت أمها إثر الولادة في بلدنا تورز وذلك لما ضمها إلى صدره ونام فلما استيقظ من نومه وجدها ترضع من ثديه وبقيت على تلك الحالة إلى أن صارت تتغذى بالطعام والشراب وقد أخبرني من أثق به بأن رجلًا أرضعه في حاضرة تونس وهذا من ألطاف الله تعالى بعبيده وهو على كل شيء قدير (وأما) اللبن فيشترط فيه أن يكون باقيًا على أصل خلقته أو خلط بطعام أو دواء واللبن غالب وعكسه لغو فإن تساويا فقولان التحريم وعدمه واختار أبو الحسن الثاني قال منفعة الطعام بانفراده كمنفعته إذا خلط بلبان اهـ فإن تغير عن أصل خلقته وخرج عن منفعة اللبن كماء أصفر أو أحمر لم يحرم (وأما) المحل الذي هو جوف الصبي فيشترط وصول اللبن إليه كما مر فلا أثر لغير الواصل ولا يشترط عندنا تعدد الرضعات بل يحصل الرضاع
[ ٢ / ٨٦ ]
وإن بمصة والمعتبر عندنا وصوله إلى الجوف بأي طريق كان كما تقدم في بيان التعريف (النظر الثالث) في الرضاع القاطع للنكاح في الإسلام والشرك سواء وشرطه وصول اللبن لجوف الطفل في الحولين من ولادته أو بزيادة الشهر والشهرين إن لم يقع الفطام فإن وقع الفطام ولو فبل الحولين ثم وقع الرضاع فيهما بعد الاستغناء عنه وانتقل عيشه إلى الطعام طالت المدة أو قصرت لا يحرم فرضاع الكبير لا يحرم من باب أولى (النظر الرابع) فيمن يحرم من الرضاع وإليه أشار الناظم رحمه الله تعالى بقوله
(وكل من تحرم شرعًا بالنسب فميلها من الرضاع يجتنب)
أي يحرم وبعبارة أخرى أن كل امرأة حرمها الشرع العزيز بالنسب وهي السبعة المذكورة في قول الله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ فإن مثلها يحرم من الرضاع شرعًا وقد وقع النص على تحريم الأمهات والأخوات في القرآن العظيم قال الله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾. وقال رسول الله ﷺ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وفي رواية يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة (قال) ابن الحاجب فيقدر الطفل خاصة لصاحبة اللبن ولصاحبه إن كان فلذلك جاز أن يتزوج أخوه نسبًا أخته أو أمه من الرضاع. وقال الشيخ في الرسالة ومن أرضعت صبيًا فبنات تلك المرأة وبنات فحلها ما تقدم أو تأخر إخوة له اهـ فمن رضع امرأة حرمت عليه لأنها أمه ويحرم عليه كل من ولدته وإن لم ترضعه وكل من رضعها وإن لم تلده لأنهن أخواته ويحرم عليه بناتهن وبنات بناتهن وبنات بنيهن وبنات بنات بنيهن وإن سفلن ويحرم عليه أخواتها لأنهن خالات وأمهاتها لأنهن جدات وزوج المرضعة أبو الرضيع وأبوه جده وأخوه عمه وولده أخوه (تنبيه) إنما يكون الرضيع أخًا لبنات ذلك الفحل من الرضاع إذا كان قد وطئ المرضعة وأنزل قبل الإرضاع حتى يصدق عليه أنه شرب من لبن ذلك الفحل وأما لو رضع منها قبل نكاحه إياها
[ ٢ / ٨٧ ]
ثم عقد عليها ووطئها وأنزل بعد انقطاع الرضاع فلا تكون بناته أخوات له لأنه لم يشرب من لبنه حتى يكون ابنًا له لقولهم يجوز للربيب أن يتزوج بنت امرأة أبيه من رجل غيره بشرط فطامها قبل نكاح أبيه لأمها (النظر الخامس) فيما يثبت به الرضاع وثبوته بأحد أمرين إما بالإقرار وإما بالإشهاد وقد أشار إلى الأول منهما وله ثلاث حالات فقال
(فإن أقر الزوج بالرضاع فهو إلى فسخ النكاح داع)
(ويلزم الصداق بالبناء ونصفه من قبل الابتناء)
(كذاك بالإقرار منهما معا لا باعتراف زوجة إن وقعا)
الحالة الأولى أن الزوج المكلف إذا أقر بعد عقد النكاح أنه أخ لزوجته أو ابنها من الرضاع مثلًا وثبت إقراره بالبينة وأنكرت الزوجة ذلك أخذ بإقراره وفسخ النكاح ولها المسمى إن كان حلالًا وإلا فصداق المثل بالدخول وقد تقدم الكلام على الحد ولحوق الولد في تعريف النكاح وإن أقر بعد العقد وقبل البناء فأنكرت فسخ النكاح أيضًا ولها نصف الصداق لأنه يتهم على إقراره ليفسخ بلا شيء وإن كان إقراره قبل العقد فلا شيء لها في فسخه بعده وقبل البناء لأن نكاحه وقع فاسدًا ولها المسمى بعد البناء (الحالة الثانية) أن يتفق الزوجان على الرضاع فإن النكاح يفسخ ولا صداق لها قبل البناء ولها المسمى بعده. وقول الناظم كذاك بالإقرار منهما معا التشبيه راجع للحكم السابق وهو فسخ النكاح فقط لا إلى ما وراء ذلك من الصداق فهو غير تام (الحالة الثالثة) أن تعترف الزوجة وحدها بأنهما أخوان من الرضاع وينكر الزوج ذلك ولم تقم على دعواها بينة فلا يلتفت إلى قولها لأنها تتهم على فسخ النكاح فلا يفسخ ولا تقدر على طلب المهر لإقرارها بفساد العقد فإن طلقها قبل البناء فلا شيء لها لإقرارها بفساد النكاح فيكون كالفسخ قبل البناء وإن طلقها بعد البناء فلها الصداق كاملًا (فرع) فو أقر أبوا الذكر والأنثى برضاع ولديهما الصغيرين وأنهما أخوا
[ ٢ / ٨٨ ]
رضاع قبل إقرارهما قبل عقد النكاح ويفسخ العقد إن وقع لا بعد العقد فلا يقبل كإقرارهما برضاع ولديهما الكبيرين قبل العقد فلا يمضي عليهما إقرارهما ويكونان شاهدين كأجنبيين فيجري فيهما ما يجري في الثبوت الآتي كما في الزرقاني (قال) ابن راشد وإن كان لا يفسخ نكاحهما لكن يستحب له التنزه عنها وأشار إلى الأمر الثاني الذي يثبت به الرضاع فقال
(ويفسخ النكاح بالعدلين بصحة الإرضاع شاهدين)
(وباثنتين إن يكن قولهما من قبل عقد قد فشا وعلما)
(ورجل وامرأة كذا وفي واحدة خلف وفي الأولى اقتفي)
يعني أن النكاح يفسخ إذا ثبت الرضاع بشهادة عدلين وبامرأتين إن كان ذلك فاشيًا من قولهما قبل العقد فإن لم يحصل من قولهما فشو قبل العقد فإن الرضاع لا يثبت على القول المشهور والرجل والمرأة يشهدان بذلك مثل المرأتين في اشتراط الفشو قبل العقد ولا بد من التصريح بالفشو من الشهود عند القاضي والإعذار للزوجين في شهادة الرضاع واجب شرط في الحكم. وقد اختلف في شهادة المرأة الواحدة ولو مع الفشو فقيل لا يفسخ وهو المشهور وندب التنزه وقيل يفسخ قال ابن فتحون وهو أظهر وإليه أشار الناظم بقوله وفي الأولى بفتح الهمزة اقتفي أي ابتع الفسخ (قال) الشيخ ابن رحال في الحاشية وقد تحصل من إنقال الناس على هذا الكلام ثبوت الرضاع بعدلين دون شرط فشو. وبرجل وامرأة أو بامرأتين ثبته بهما بشرط الفشو فيها وبلا فشو لا ثبوت فيهما ولكن في ذلك خلاف قوي في الصورتين وإن صرح في التوضيح بأن المشهور فيهما عدم الثبوت وواحدة ولا فشو لا ثبوت اتفاقًا ومعه فيها خلاف والراجح عدم الثبوت والخلاف في العدالة مع وجود الفشو فظهر من ذلك عدم الشرطية لأنه قول ابن القاسم وروايته عن مالك. والأمان بعد العقد كالأجنبيين وقبله يثبت بهما الرضاع وإن لم يكن فشو اهـ. وقول الناظم
[ ٢ / ٨٩ ]
ورجل وامرأة كذا الخ بالجر معطوفان على العدلين وكذا في موضع الصفة والإشارة راجعة إلى شرط الفشو من قولهما أي ويفسخ النكاح بشهادة رجل وامرأة كاثنين كذا أي في الفشو من قولهما ويجوز أن يكون رجل بالرفع مبتدأ على حذف مضاف وامرأة معطوف عليه والتقدير وشهادة رجل وامرأة كذا أي كشهادة امرأتين في وجوب فسخ النكاح مع فشو الرضاع من قولهما (ولما فرغ) من الكلام على الرضاع شرع يتكلم على عيوب الزوجين فقال
(فصل في عيوب الزوجين وما يردان به)
فقوله وما يردان به من عطف خاص على عام لأن من العيوب ما لا يقع الرد به. واعلم أن أسباب الخيار في النكاح خمسة (السبب الأول) خيار التروي وقد تقدم الكلام عليه في الشروط التي تقع في النكاح (السبب الثاني) الضرر وقد ذكره الناظم قبل فصل الرضاع وكان حقه أن يذكر هذا الفصل ملاصقًا له (السبب الثالث) العتق وهو الأمة التي تعتق تحت زوجها العبد لا الحر وهذا خاص بالمرأة (السبب الرابع) الغرور بالحرية بأن تتزوج الحرة الرجل على أنه حر فإذا هو عبد وعكسه (السبب الخامس) العيب وإليه أشار الناظم بقوله:
(من الجنون والجذام والبرص والداء في الفرج الخيار يقتنص)
(بعد ثبوت العيب أو إقرار به ورفع الأمر في المختار)
يعني أن العيوب التي يثبت بها الخيار لأحد الزوجين في الآخر هي الجنون والجذام والبرص وداء فرج الرجل أو فرج المرأة. وحاصل العيوب التي توجب الخيار لأحد الزوجين أربعة عشر (أربعة) يشتركان فيها وهي الجنون والجذام والبرص والعذيطة بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة غائط يخرج عند الجماع (قال) في الفائق وقد نزلت في أيام أحمد بن نصر واختلف الزوجان فنفى ذلك كل واحد
[ ٢ / ٩٠ ]
منهما عن نفسه فقال أحمد يطعم أحدهما تينًا والآخر فقوسًا فيعلم من هو منهما. وأما البول في الفراش فلا رد به كما في المواق وبه أفتى العلامة الورزازي من الفاسيين وقيل يقع به الرد. وخمسة خاصة بالرجل وهي الجب بفتح الجيم والخصاء بكسر الخاء والاعتراض والعنة بضم العين وكبر الذكر جدًا وقد وقع الحكم بالخيار به من قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد الطاهر النيفر بموافقة شيوخ الشورى رحمهم الله تعالى أجمعين. وخمسة خاصة بالمرأة وهي القرن بفتح القاف وسكون الراء والرتق بفتح الراء والتاء والعفل بفتح العين والفاء والإفضاء وبخر الفرج لأنه منفر خلافًا للأئمة الثلاثة لا بخر الفم على المشهور وسيأتي بيانها في كلام الناظم ويكون الخيار لأحد الزوجين بالعيب بعد ثبوته عند القاضي إما بإخبار من له معرفة بذلك من الأطباء العدول فإن لم يكن عدول قبل غيرهم وإن مشركين ويكفي الواحد الاثنان أولى. وإما بإقرار المعيب بعيبه فإذا ثبت العيب ولم يبق مقال فيه للزوج المعيب أمره القاضي بطلاقها فإن امتنع منه طلقها الحاكم عليه أو يأمرها فتطلق نفسها في القول المختار وهو المشهور. وقيل لها أن تطلق نفسها بعد الثبوت بدون احتياج إلى الرفع للقاضي مرة أخرى لأنها فعلت ما يأمرها القاضي بفعله إن لو رفعت أمرها إليه وما شرحت به كلام الناظم أولى من شرح الغير (تنبيهات الأولى) يكون الطلاق واحدة بائنة ولو كان بعد البناء كما يأتي في المعترض ولها جميع الصداق لطول المدة اهـ مواق وتلزمها العدة بعد ذلك كما في التهذيب (الثاني) ظاهر النظم أن الخيار يثبت لأحد الزوجين ولو كان كل واحد منهما معيبًا بعيب صاحبه أو بغيره وهو كذلك على ما في الحطاب. وقال اللخمي إن اختلف عيبهما كجنونه وبرصها أو العكس كان لكل واحد منهما الخيار وإن كان موافقًا كبرصهما معًا كان له الخيار دونها لأنه بذل صداقًا لسالمة فوجد ما يكون صداقها دون ذلك اهـ بناني (الثالث) إنما يثبت الخيار بالعيب لأحد الزوجين أو لهما معًا إن لم يسبق العلم ولم يرض بقول أو فعل أو تمكين منه (فرع مرتب) إن ادعى المعيب على السالم ما يسقط خياره من سبق علم ونحوه مما تقدم ولا بينة له حلف السالم على
[ ٢ / ٩١ ]
نفي مسقط خياره وبقي على الخيار في الرد والإمساك فإن نكل عن اليمين حلف المعيب وسقط الخيار فإن نكل المعيب أيضًا كان نكوله تصديقًا للناكل الأول على مقتضى القاعدة ويبقى الخيار للسالم كذا حرره البناني على الزرقاني. وقول الناظم يقتنص بالبناء للنائب معناه يثبت ويحصل كما يحصل الصيد في يد صائده. ولما فرغ من الكلام على العيوب التي يشترك فيها الزوجان وكيفية المرافعة في ذلك عند القاضي شرع يتكلم على ما يختص بالزوج منها فقال
(وداء فرج الزوج بالقضاء كالجب والعنة والخصاء)
(وذاك لا يرجى له زوال فليس في الحكم به إمهال)
يعني أن عيب الزوج إذا كان جبًا أو عنة أو خصاء وكذا كبر الذكر جدًا فإن الحكم فيه يعجل ولا يمهل لأنه لما كان لا يرجى زواله صار الإمهال فيه عبثًا وحينئذ إما أن ترضى الزوجة بالبقاء معه أو تفارق. والجب هو قطع الذكر والأنثيين معًا. والعنة صغر الذكر جدًا كزر الثوب بكسر الزاي المعروف بالعقدة عند قوم والقفل عن آخرين من أهل قطرنا التونسي. والخصاء قطع الذكر أو الأنثيين فقط دون الذكر إن كان لا يمني ومثل قطع الذكر كله قطع حشفته على القول الراجح. ومحل الخيار في هذه العيوب التي ذكرها الناظم إذا كانت موجودة قبل البناء والوطء ولو مرة أما إذا أصيب بها بعده فإنها مصيبة نزلت بها ولا كلام لها في ضرر ترك الوطء ولو اشتعلت نارًا على الراجح كذا قال بعضهم. وقوله وداء فرج الزوج مبتدأ ومضافان وبالقضاء متعلق بمحذوف صفة المبتدأ تقديره الموجب للخيار بالقضاء وقوله كالجب خبرًا لمبتدأ والعنة وما بعده بالجر عطف عليه ثم ذكر العيوب التي يمهل فيها الزوج فقال
(وحيث عيب الزوج باعتراض أو برص وقيم عند القاضي)
(أجله إلى تمام عام كذاك في الجنون والجذام)
[ ٢ / ٩٢ ]
(وبعد ذا يحكم بالطلاق إن عدم البرء على الإطلاق)
(والعبد في الأصح كالأحرار وقيل بالتشطير كالظهار)
يعني أن عيب الزوج إذا كان مما يرجى برؤه وهو أربعة أشياء الاعتراض وهو عدم انتشار ذكره لعلة أو ربط بسحر. والبرص. والجنون بصرع أو وسواس. والجذام وقامت الزوجة بحقها عند القاضي فلا يحكم عليه بالطلاق ابتداء بل يؤجله سنة للدواء إذا أراد ذلك ويكون الأجل من يوم ثبوت العيب عنده فإن برئ في السنة فواضح إن تمت ولم يحصل له برء كان الخيار للزوجة في الإقامة معه أو الفراق فإن اختارت الفراق حكم القاضي به عليه بالإطلاق أي سواء كان قديمًا أو حادثًا وسواء رجي برؤه بعد ذلك أو لا هذا معنى قوله وبعد ذا يحكم بالطلاق البيت. والتأجيل في ذلك بالسنة للحر اتفاقًا واختلف في العبد فقيل هو كالحر وهو الأصح وقيل يؤجل شطرها ستة أشهر كالخلاف الواقع في ظهاره من زوجته إذا امتنع من التكفير فيدخل عليه الإيلاء فقيل يؤجل أربعة أشهر كالحر وقيل بالتشطير فيؤجل شهرين فقط (قلت) وفي التشطير على العبد تشديد عليه والمطلوب في حقه التخفيف فلا أقل أن يكون مثل الحر فلهذا كان القول الأول هو الأصح. وقول الناظم وبعد ذا الخ الظرف متعلق بيحكم والإشارة بذا للسنة وقوله عدم البرء فعل ونائب فاعل وعلى الإطلاق حال من الحكم وقوله
(وكالرجال أجل النساء في هذه الثلاثة الأدواء)
(وفي سواها لا يكون الأجل لهن إلا ما يرى المؤجل)
يعني أن الزوجة إذا ظهر بها جنون أو جذام أو برص فإنها تؤجل سنة للدواء وأن القاضي لا يحكم لزوجها بالخيار ابتداء كما مر في الزوج وأما داء فرجها كالرتق فإنها تؤجل للدواء بقدر اجتهاد الحاكم وهو المراد بقوله المؤجل بكسر الجيم وذلك بعد
[ ٢ / ٩٣ ]
أن يخبره الطبيب بما يبني عليه اجتهاده (فرع سئل) الفقيه ممد بن عبد القادر الفاسي هل حكم الزوجة في الاعتراض كحكم الرجل أم لا فإن عقدها واعتراضها شائع متعارف عند العرب والبربر (فأجاب) بأن مقتضى عبارتهم أن الاعتراض خاص بالرجل ولا رأينا من ذكره في حق النساء ومقتضى ما فسروا به الاعتراض أن لا يتحقق ذلك في جهة المرأة وإنما هو معتبر في جانب الرجل حيث قالوا المعترض هو الذي لا يقدر على الوطء لعلة معترضة وهو بصفة من يمكنه الوطء وربما اعترض عن امرأة دون أخرى وعلى هذا كلما امتنع من وطئها ولا علة بها هي في الحس فهو معترض لا هي لأن المحل منها سالم حسًا من الآفة فكيف ينسب إليها الاعتراض دونه وبأي شيء يتحقق ويعلم والله أعلم اهـ ثم قال الناظم
(ويمنع المبروص والمجذوم من بنائه وذو الجنون فاستبن)
(وذو اعتراض وحده لن يمنعا وهو مصدق إذا ما نوزعا)
(وإن يقل وطئت أثناء الأمد فقوله مع اليمين معتمد)
يعني أن الزوج إذا طلب البناء بزوجته في خلال الأجل المضروب له لمعالجة برصه أو جذامه أو جنونه فإنه لا يجاب إلى ذلك ويمنع منه لأنه يخشى على الزوجة من الإذاية بخلاف المعترض فإنه لا يمنع من البناء إذا طلبه وإليه الإشارة بقوله وذو اعتراض وحده لن يمنعا. وقوله وهو مصدق إذا ما نوزعا الخ يعني أن الزوجة إذا ادعت على زوجها بالاعتراض وأنكره فإنه مصدق في نفيه مع يمينه فإن نكل عن اليمين حلفت وكانت على حقها من الخيار فإن نكلت هي أيضًا بقيت على لزوم الزوجية. وقوله وإن يقل وطئت أثناء الأمد البيت يعني أن المعترض إذا أجل سنة للدواء وقال وطئتها أثناء الأجل وكذبته صدق بيمينه فإن نكل حلفت وكان لها الخيار بمضي الأجل وإن نكلت سقط خيارها. وما درج عليه الناظم من تصديق الزوج بيمينه هو القول المشهور في المسألة وقال البرزلي إذا اختلف الزوجان في المسيس القول
[ ٢ / ٩٤ ]
قول الزوج في الثيب وينظر النساء إلى البكر عبد الرزاق وهو أحسن الأقاويل ومذهب المدونة القول قول الرجل مطلقًا اهـ وفي الرهوني على الزرقاني أن العمل على قول سحنون وهو نظر الرجال لعيب الرجال ونظر النساء لعيب النساء في البكارة وغيرها اهـ (قلت) وبهذا القول المعمول به شاهدت العمل بتونس أما إن قال وطئتها بعد انقضاء الأجل وكذبته فإنه لا يصدق. وقوله
(وتمنع الإنفاق ما لم تدخل إن طلبته في خلال الأجل)
يعني أن زوجة المبروص أو المجذوم أو المجنون المضروب له أجل سنة للدواء إذا منعته من الدخول أثناء الأجل وطلبته بالنفقة في الأجل فلا نفقة لها في خلاله لأن النفقة في مقابلة الاستمتاع وقد منعت نفسها منه لسبب لا قدرة له على دفعه فهو معذور بذلك بخلاف المعترض فإنه لما كان غير ممنوع من البناء كما تقدم فإذا طلبته بالنفقة لزمته لأنه متمكن من الاستمتاع بها ولو في الجملة (فرع) إذا أجلت الزوجة للدواء من عيبها وطلبت النفقة فلا نفقة لها إن امتنع الزوج من ذلك لأنها وإن لم تمنعه هي من الاستمتاع فإنه إذا استمتع بها سقط خياره. وقوله
(والعيب في الرجال من قبل البنا وبعده الرد به تعينا)
(إلا اعتراضًا كان بعدما دخل والوطء منه هبة مرة حصل)
(وبالقديم الزوج والكثير يرد والحادث واليسير)
(إلا حدوث برص منزور فلا طلاق منه في المشهور)
(وزوجة لسابق لعقده وهو لزوج آفة من بعده)
حاصل ما تضمنته الأبيات الخمسة من فقه المسألة كما قاله أبو علي في الحاشية أن العيب الواقع قبل العقد يرد به مطلقًا كان بامرأة أو رجل قليلًا أو كثيرًا لأن من فيه العيب مدلس كان مجنونًا أو غيره وإن حدث بعد العقد فالزوجة لا ترد به
[ ٢ / ٩٥ ]
مطلقًا بلا قيد أصلًا وإن حدث بالزوج بعد العقد فالرد ثابت لها في الجذام البين والبرص المضر كان الجنون قبل الدخول أو بعده على خلاف في ذلك وأما الاعتراض فمهما وطئ الزوج مرة سقط حكمه وكذا إذا وطئ مرة ثم قطع ذكره مثلًا. وقول الناظم الزوج مبتدأ وجملة يرد من الفعل ونائب الفاعل خبره وبالقديم متعلق بيرد والكثير والحادث واليسير بالجر عطف على القديم (ثم) شرع يتكلم على العيوب المختصة بالمرأة فقال
(والرتق داء الفرج في النساء كالقرن والعفل والإفضاء)
يعني أن عيب فرج المرأة التي ترد به هو الرتق والقرن والإفضاء ويدخل تحت الكاف العفل وبخر الفرج فالرتق هو التصاق موضع الوطء والتحامه والعفل قيل هو رغوة تحدث في الفرج عند الجماع وقيل العفل في النساء كالأدرة في الرجال وهو بروز لحم في الفرج والقرن شيء يشبه قرن الشاة تارة يكون عظمًا فيعسر علاجه وتارة يكون لحمًا فلا يعسر والإفضاء اختلاط محل الجماع ومجرى البول بزوال الحائل الرقيق بينهما فلا تمسك بولًا ولا نطفة وقيل هو اختلاط محل الجماع ومجرى الغائط (ولما) فرغ من الكلام على العيوب الموجبة لخيار الزوجين مطلقًا شرع يتكلم على العيوب التي لا توجب الخيار لهما إلا بشرط السلامة فقال
(ولا ترد من عمى ولا شلل ونحوه إلا بشرط يمتثل)
يعني أن من تزوج امرأة فوجدها عمياء أو عوراء أو شلاء أو عرجاء أو قطعاء أو سوداء أو مقعدة أو منتنة الفم والأنف على المشهور ومقابل المشهور الرد ببخر الفم والأنف ولو بلا شرط واختير أو تبول في الفراش ونحو ذلك من غير العيوب المتقدمة فلا خيار له ولا رد إلا إذا تزوج على شرط السلامة فيعمل بشرطه ويكون له الرد وكذا قوله
(والزوج حيث لم يجدها بكرا لم يرجع إلا باشتراط عذرا)
[ ٢ / ٩٦ ]
(ما لم يزل عذرتها نكاح مكتتم فالرد مستباح)
يعني أن من تزوج بكرًا فوجدها ثبًا فلا خيار له ولا رجوع له بالثيوبة لأن لفظ بكر في اللغة يدل على التي لم ينعقد عليها نكاح البتة وهذه كذلك ولا يدل على كونها عذراء وهي التي بخاتم ربها لم تثقب. ومحل عدم رجوعه بذلك ما لم يشترط أنها عذراء أو أزيلت عذريتها بنكاح كتموه أو لم يجر العرف بعدم الفرق بين بكر وعذراء وأن البكر المراد بها العذراء وإلا فله الرجوع (قال) بعض الشيوخ من المحققين محل الرد بالثيوبة في البكر إذا لم يجر العرف بالرد وأنه لا فرق بين البكر والعذراء أما إذا جرى العرف بذلك فللزوج الرد إذا تزوجها بكرًا فوجدها ثيبًا سواء قالوا هي بكر أو عذراء وبه القضاء وعليه العمل اهـ ويثبت ذلك إما بإقرارها وإما بنظر النساء العارفات الدينات إن وجدن وإلا فبغيرهن مع التحري في ذلك رضيت بالرؤية أو لم ترض على ما به العمل. وفي نوازل النكاح من البرزلي (سئل) ابن أبي زيد عمن تزوج بكرًا فقال وجدتها ثيبًا (فأجاب) اختلف في ذلك وأحب إلينا نظر النساء إليهن فإن قلن القطع جديد لم يقبل منه وإن قلن قديم فإن زوجها أبوها أو أخوها فعليه صداقها ويرجع به عليها وإن كان غيرهما فهي الغارة فيرجع عليها به إلا ربع دينار اهـ ولا زال عمل تونس جاريًا بتوجيه القوابل في هذه المسألة إلى الآن (فرعان) الأول إذا ادعى الزوج أنها غير بكر وادعت هي اعتراضه أو عنته أو جبه وأنها بكر عذراء فإن النساء ينظرن إليها فإن تبين أنها ثيب كان له الخيار على نحو ما تقدم وإن تبين أنها بكر سقطت دعواه وبقيت على دعواها فإن صدقها في ذلك كان لها الخيار وإن أنكر دعواها فهل لا يصدق ويحلف على نفيه كما مر وتلغى شهادة النساء بالبكارة كما قال بعضهم أو ينظر إليه الرجال كما ينظر النساء إلى النساء خلاف والظاهر القول الثاني ليقع التعادل إذ لا فرق بين المسألتين وبه حكم قاضي الجماعة أبو عبد الله سيدي محمد الطاهر النيفر ﵀ في النازلة المتقدم ذكرها أول الفصل وبعد كتبي
[ ٢ / ٩٧ ]
هذا وجدت ما يعضده نصًا في المسألة قال الرهوني الثاني أي من التنبيهات ظاهر كلام العمليات أن العمل إنما جرى بالنظر لفرج النساء دون الرجال مع أن قول سحنون الذي جرى به العمل غير خاص بالنساء اهـ وتقدم نحوه قريبًا وقد كنت توجهت لأكتب ما أسمعه من القوابل في نازلتين من هذا القبيل فتبين من إحداهما صدق الزوج وتبين من الأخرى صدق الزوجة وأن الزوج وقع له اعتراض عليها كما قالت فعلى من ولاه تعلي من القضاء والعدول التنبه لمثل هذا بقدر الإمكان لفساد أهل الزمان ولهذا قال بعض العلماء لا تقبل دعوى عدم البكارة إلا من الرجل الصالح الثقة (الثاني) في نوازل النكاح من المعيار (سئل) أبو صالح عن المرأة إذا لم يكن لها ثديان هل ترد بذلك في النكاح أم لا (فأجاب) نعم ترد به اهـ. وقول الناظم ما لم يزل عذرتها نكاح الخ فيزول بضم أوله من أزال الرباعي وعذرتها بضم العين مفعول به مقدم ونكاح فاعل مؤخر ثم قال
(والقول قول الزوج قبل الابتنا في قدم العيب الذي تبينا)
(والقول بعد في الحدوث قول الأب والزوج إذ ذاك بيانه وجب)
(كذا برد ذي انتساب ألفيا لغية أو مسترقًا قضيا)
يعني أن من تزوج امرأة فوجد بها عيبًا من العيوب التي يقع بها الرد واختلفت مع الزوج فادعى الزوج أن العيب قديم يوجب له الخيار وادعت الزوجة أنه حادث ليكون مصيبة نزلت بالزوج فإن كان اختلافهما قبل البناء فالقول قول الزوج في قدمه مع يمينه إلا أن تأتي الزوجة أو وليها ببينة على حدوثه وإن كان بعد البناء فالقول قول الزوجة أو وليها في حدوثه وحلفت هي أو أبوها إن كانت سفيهة إلا أن يأتي الزوج ببينة أنه قديم. وقوله كذا برد ذي انتساب البيت يعني أنه كما يقضى للزوجة بأن عيبها المتنازع فيه كان بعد البناء يقضى لها أيضًا برد الزوج الذي تزوجته على أنه ذو نسب فوجدته ابن زنى لا نسب له وهو معنى قوله لغية أو تزوجته حرة على أنه
[ ٢ / ٩٨ ]
حر فوجدته عبدًا كله أو بعضه أو الإمضاء في المسألتين وكذلك عكسهما بأن تزوج رجل امرأة على أنها ذات نسب فوجدها بنت زنى أو تزوج امرأة على أنها حرة فوجدها أمة كلها أو بعضها وله الخيار في الوجهين وولد المغرور قبل علمه حر. ومفهومه أن لو كان ذلك بلا شرط فلا رد وهو كذلك والعرف شرط. وقوله لغية بفتح الغين وكسرها جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول ثان لألفيا تقديره منسوبًا لغية أي لزنية بلام الجر وكسر الزاي ومعناه ابن زنى كما مر ويجوز تعليق لغية بألفيا وقوله مسترقًا بالنصب عطف على محل لغية وقضيا فيه ضمير مجرور نائب فاعل يعود على الزوجة أي قضى لها وألف تبينا وألفيا وقضيا للإطلاق (تتميم) في بيان حكم الصداق بعد الرد بالعيب وحاصله أن الزوج البالغ إن دخل بزوجته المطيقة للوطء ثم ظهر بها عيب تر به بلا شرط ولم يحصل منه ما يوجب الرضى بالعيب وطلقها بعد الرفع للقاضي كما مر وجب عليه أن يدفع لها جميع ما سماه لها لأنها استحقته بالدخول ولو كان الزوج عنينًا أو مجبوبًا على طريقة ابن الحاجب قائلًا لأن الذي وقع العقد لأجله قد حصل واقتصر عليه صاحب المختصر خلافًا لابن عرفة حيث قصر الكلام على من يتأتى منه الوطء الكامل كالأبرص لا من كان ذكره صغيرًا جدًا أو لا ذكر له وإذا دفع الزوج لها صداقها رجع به على أبيها أو ابنها أو أخيها وكل من غرم من هؤلاء الصداق لا يرجع على الزوجة بشيء منه وتفوز بما قبضته حيث لم تحضر العقد فإن حضرت مجلس العقد رجع الزوج على الولي أو عليها ثم يرجع الولي عليها إن أخذه الزوج منه لا العكس وإن علم السالم بعيب الآخر قبل الدخول وفارق فإنه لا شيء للزوجة من الصداق لأن العيب إن كان بها في غارة وإن كان بالزوج فالفراق جاء من قبلها وسواء كان العيب يوجب الرد مطلقًا أو بمقتضى الشرط. وأن زوجها ولي بعيد كابن العم ممن يخفى عليه أمرها ودخل بها الزوج غير عالم بعيبها ثم فارقها بسبب العيب فلا رجوع للزوج عليه بشيء مما أخذته الزوجة من الصداق وإنما يرجع الزوج عليها بجميعه بحيث لا يكون لها منه إلا ربع دينار.
[ ٢ / ٩٩ ]
لأنه في مقابلة البضع وهو حق لله تعالى أما العيب الذي لا يوجب الرد إلا بشرط فإن كان قبل البناء فلا شيء لها كما مر وإن كان بعد البناء فإنها ترد إلى صداق أمثالها ويسقط عنه ما زاده لأجل السلامة ما لم يكن صداق المثل أكثر من المسمى فيدفع لها المسمى فقط ولا يرجع عليها بجميع الصداق فليس كالعيب الذي يثبت به الخيار بلا شرط (قلت) لو زاد الناظم رحمه الله تعالى بعد قوله. وإن يقل وطئت أثناء الأمد. فقوله مع اليمين معتمد. ببيتين وهما
وإن أبى من اليمين طلقت بعد يمنها وإلا أبقيت
وإن نفى الوطء بكل حال طلقها وإن أبى فالوال
ويقول آخر الفصل
ويرجع الزوج بكل نقد عن الولي الأقرب الذي عقد
كذا البعيد إن يكن لا يخفى عليه ذاك ويراه عرفا
وعنه أو عنها إذا ما اجتمعا في مجلس النكاح الزوج رجعا
وإلا فالزوج عليها يرجع وربع دينار فقط لا ينزع
إن كان من بعد البنا ذاك حصل وقبله ليس لها شيء جعل
كردها بعيبه قبل البنا وبعده لها الصداق بينا
وإن أتت بولد قل حرا من زوجها الحر الذي قد غرا
(ولما) كان الإيلاء والظهار قد يتسبب عنهما الطلاق كما يتسبب عن عيوب الزوجين ذكرهما عقبة فقال
(فصل في الإيلاء والظهار)
أي هذا فصل في مسائل الإيلاء والظهار. والأصل في مشروعية الإيلاء قول الله ﷿: ﴿للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ آلى من نسائه.
[ ٢ / ١٠٠ ]
وأما الظهار فلم يقع منه ﵊ لأنه منكر من القول وزور كما قال الله تعالى وذلك حرام وفعل الحرام في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محال كما في ابن العربي وغيره (والإيلاء) لغة اليمين يقال آلى يؤلي وائتلى يأتلي قال الله تعالى: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم﴾ الآية. وقال ابن العربي الإيلاء في لسان العرب هو الحلف والجمع ألايا مثل عطية وعطايا قال الشاعر
قليل الألايا حافظ ليمينه فإن سبقت منه الألية برت
وآلى إيلاء مثل آتى إيتاء إذا حلف فهو مول وتآلى وائتلى كذلك اهـ (وشرعًا) عرفه الإمام ابن عرفة بقوله حلف الزوج على ترك وطء زوجته يوجب خيارها في طلاقه اهـ (فقوله) زوج يشمل الحر والعبد والمراد به المكلف المسلم لأن الكافر لا ينعقد إيلاؤه عندنا لأنه غير مغفور له إذا فاء. وقوله على ترك وطء زوجته أخرج به ما إذا حلف على ترك غير الوطء كما إذا حلف على ترك كلامها أو الإنفاق عليها مثلًا على المشهور .. وقال ابن العربي الصحيح أنه مول لوجود المضارة وقد قال الله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾. وقوله زوجته احترز به من الأجنبية أو أمته. وقوله يوجب خيارها أخرج به الحلف على ترك الوطء الذي لا يوجب خيارها كحلفه على ترك الوطء أربعة أشهر عندنا فأقل اتفاقًا أو كان الزوج لا يتأتى منه الوطء كالعنين والمجبوب كما يأتي في كلام الناظم أو كان يتأتى منه الوطء لكنه غير مكلف أو كانت الزوجة مرضعًا وقصد بذلك إصلاح الصغير أو كانت صغيرة لا توطأ عادة فلا يوجب حلفه على ترك وطئها خيارًا لها في جميعها. وقد اعترض على الشيخ في قوله يوجب خيارها بأنه من إدخال الحكم في الحد وهو ممنوع عند أهل النظر وأجيب بأجوبة يطول ذكرها منها أن التعريف الذي ذكره الشيخ رسم في الحقيقة لا حد وعليه فلا مانع من ذلك (وعرفه) الشيخ خليل بقوله الإيلاء يمين زوج مسلم مكلف يتصور وقاعه وإن مريضًا يمنع وطء زوجته وإن تعليقًا غير المرضع وإن رجعية أكثر من
[ ٢ / ١٠١ ]
أربعة أشهر أو شهرين للعبد ولا ينتقل للعتق بعده كوالله لا أراجعك أولا أطؤك (تنبيه) قال الزرقاني فإن آلى عاقلًا ثم جن وكل الإمام من ينظر له فإن رأى أن لا يفيء طلق عليه وإن رأى أنه يفيء كفر عنه أو أعتق إن كانت يمينه بعتق قاله أصبغ فإن وطء حال جنونه فهل هو فيئة ويحنث ويكفر عنه نظرًا لحال اليمين وهو قول أصبغ أو لا يحنث ويسقط حقها في الوقف ويستأنف له أجل إذا عقل وهو قول اللخمي نظرًا لحال الحنث على قوله يلغز ويقال لنا مول حصلت منه فيئة وسقط طلبه بها مع بقاء الإيلاء عليه واقتصر المواق على ما للخمي وهو المذهب وكلام أصبغ ضعيف اهـ قال البناني إلا أن قوله ويستأنف له أجل إذا عقل وهو قول اللخمي الخ فيه نظر إذ لم يقل اللخمي يستأنف له أجل اهـ. وقد أشار الناظم إلى تعريفه وبعض أحكامه فقال
(ومن لوطء بيمين منعه لزوجة فوق شهور أربعة)
(فذلك المولى وتأجيل وجب له إلى فيئته لما اجتنب)
يعني أن الزوج المسلم المكلف الذي يمكن وقاعه إذا حلف على ترك وطء زوجته غير مرضع ولا صغيرة فوق أربعة أشهر إذا كان حرًا أو أكثر من شهرين إذا كان عبدًا فهو المولي وظاهر قوله فوق أربعة أنه يكون موليًا ولو زاد عليها يومًا وهو كذلك كما في أبي الحسن. وكيفية العمل في ذلك أنه يجب على القاضي إذا قامت زوجة المولي لديه بحقها أن يؤجله أجل الإيلاء الآتي بيانه إلى فيئته ورجوعه إلى وطئها الذي اجتنبه بيمينه والفيئة هي تغييب الحشفة في القبل أو افتضاض البكر أو التكفير عن يمينه فإن وطئ داخل الأجل أو كفر عن يمينه انحل إيلاؤه وإن انقضى الأجل ولم يرجع إلى وطء زوجته أوقفه القاضي فإما فاء وإلا طلق عليه بعد الإمهال إن وعد به واختبر المرة بعد المرة فإن لم يرجع طلق عليه كما لو لم يحصل منه وعد بالوطء فإن ادعى الوطء صدق بيمينه فإن نكل حلفت أنه لم يطؤها ويقع الطلاق عليه إن شاءت فإن نكلت سقطت دعواها لأن نكولها تصديق له (فائدة)
[ ٢ / ١٠٢ ]
قال ابن العربي قال عبد الله بن عباس كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك فوقت لهم أربعة أشهر فمن آلى أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء حكمي اهـ وهذا دليل لمن يرى أن الإيلاء أربعة أشهر ورد بأمور منها عدم معقولية الذين يولون من نسائهم أربعة أشهر تربص أربعة أشهر قاله ابن العربي (فرع) وفيه إذا قال بالله لا أطؤها مدة كذا إلا أن يشاء الله قال ابن القاسم يكون موليًا وقال عبد الملك بن الماجشون ليس بمول وهذا الخلاف ينبني على أصل وهو معرفة فائدة الاستثناء فرأى ابن القاسم أن الاستثناء لا يحل اليمين وإنما هو بدل من الكفارة ورأى ابن الماجشون أنه يحلها وهو مذهب فقهاء الأمصار وهو الصحيح لأنه يتبين به أنه غير عازم على الفعل ولهذه النكتة قال مالك أنه إذا أراد بقوله إلا أن يشاء الله معنى قوله ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله ومورد الأشياء كلها إلى مشيئة الله تعالى فلا ثنيا له لأن الحال في الحقيقة كذلك وإن أراد بهذا القول حل اليمين فإنها تنحل عنه اهـ (قلت) والذي يقصده الناس اليوم هو الثاني أما الأول فلا يعرفونه ولا يلتفتون إليه وإن الذي اختاره ابن رشد كما في إيمان الحاوي نقلًا عن أبي عمران الفاسي أن الاستثناء ينفع في كل يمين حتى في الطلاق والعتاق. وقول الناظم لوطء اللام زائدة وبيمين متعلق بمنعه وضميره عائد على وطء وقوله
(وأجل الإيلاء من يوم الحلف وحانث من يوم رفعه ائتنف)
(ويقع الطلاق حيث لا يفي إلا على ذي العذر في التخلف)
يعني أن الأجل الذي يضربه القاضي للمولي وهو أربعة أشهر للحر وسواء كانت زوجته حرة أو أمة وشهران للعبد كانت زوجته حرة أو أمة أيضًا للرجوع إلى وطء زوجته يكون من يوم الحلف إن كانت يمينه منعقدة على بر سواء كانت يمينه صريحة في م
كون المدة أكثر من أربعة أشهر كوالله لا أطؤك أبدًا أو خمسة أشهر أو محتملة لأقل كقوله والله لا أطؤك حتى يقدم زيد أو يموت عمرو وإن كانت يمينه منعقدة على حنث كما
[ ٢ / ١٠٣ ]
لو قال إن لم أدخل الدار فأنت طالق بناء على أنه يمين فابتداء الأجل من يوم رفعه للحاكم بعد ثبوت ما يترتب عليه الحكم فإن لنقضى الأجل ولم يرجع إلى الوطء أو لم يفعل المحلوف عليه فإن الطلاق يقع عليه بعد الإمهال إن وعد به أو عاجلًا كما مر فيأمره الحاكم بالطلاق فإن امتنع طلق عليه أو يأمر الزوجة به فتطلق نفسها إن شاءت ثم يحكم ومحله إذا كان المولي غير معذور عند انقضاء الأجل كمريض ومسجون وغائب ويرسل إليه أما إن كان معذورًا فلا تطلق عليه بنفس انقضاء الأجل بل يمهل باجتهاد الحاكم حتى يمكنه ذلك فإن أمكنه ولم يرجع طلقت عليه إن طلبت ذلك وقوله
(وعادم للوطء للنساء ليس له كالشيخ من إيلاء)
يعني أن العاجز عن الوطء كالشيخ الفاني والمجبوب والعنين ومن قطع ذكره فقط إذا آلى فإن إيلاءه لا ينعقد ولا ينبني عليه حكم. وقوله
(وأجل المولي شهور أربعه)
يعني أن من حلف على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر وهو المسمى بالمولي إذا رفعت زوجته أمرها للحاكم فإنه يضرب له أجل الإيلاء أربعة أشهر لقول الله تعالى: ﴿والذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾ وهذا بيان لقوله المتقدم وتأجيل وجب. له إلى فيئته لما اجتنب. هذا للحر وأما العبد فأجل إيلائه شهران كما يأتي للناظم وقوله
(واشترك التارك للوطء معه)
(في ذاك حيث الترك قصدًا للضرر من بعد زجر حاكم وما انزجر)
(بعد تلوم
يعني أن الزوج إذا امتنع من وطء زوجته من غير حلف قاصدًا بذلك ضررها ورفعت أمرها للحاكم فإنه يزجره بما يناسب مقامه فإن رجع فلا إشكال وإن لم
[ ٢ / ١٠٤ ]
يرجع تلوم له بالاجتهاد فإن انقضى التلوم واستمر على امتناعه ضرب له أجل الإيلاء وإليه الإشارة بقوله واشترك التارك للوطء معه أي مع المولي في ذلك التأجيل بأربعة أشهر بعد التلوم. وما درج عليه الناظم في هذا الفرع خلاف المشهور والقول المشهور أنها تطلق عليه بعد التلوم من غير ضرب أجل (ولما) فرغ من الكلام على الإيلاء شرع يتكلم على الظهار وهو قول الرجل لزوجته أو أمته أنت علي كظهر أمي. والظهار لغة مأخوذ من الظهر لأن الوطء ركوب والركوب يكون على الظهر غالبًا (وعرفه) الإمام ابن عرفة بقوله الظهار تشبيه الزوج زوجته أو ذي أمة حل وطؤه إياها بمحرم منه أو بظهر أجنبية في تمتعه بهما والجزء كالكل والمعلق كالحاصل اهـ (فقوله) بمحرم بفتح الميم والراء وقوله في تمتعه هو وجه الشبه وباقيه ظاهر. وعرفه الشيخ خليل بقوله تشبيه المسلم المكلف من تحل أو جزؤها بظهر محرم أو جزئه ظهار اهـ فالمسلم يشمل الزوج والسيد أما الكافر فلا يصح ظهاره ولو رفع أمره إلينا عندنا والمكلف يشمل الحر والعبد. وتذكير الأوصاف يقتضي أن الظهار لا يقع من المرأة وهو كذلك كما في أحكام ابن العربي. وحكمه الحرمة لأنه كبيرة قال الله تعالى: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا وإن الله لعفو غفور * والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا﴾ الآية. وكان طلاقًا في الجاهلية وأول الإسلام حتى ظاهر أوس بن الصامت من امرأته فرفعت أمرها إلى النبي ﷺ كذا جاء في بعض الروايات وقالت له يا رسول الله إن زوجي أكل شبابي وفرشت له بطني فلما كبر سني ظاهر مني ولي صبية منه صغار إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا وهو ﵊ يقول لها اتق الله في ابن عمك فما برحت حتى نزل قول الله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ الآية فقال ﵊
[ ٢ / ١٠٥ ]
ليعتق رقبة قالت لا يجد قال فيصوم شهرين متتابعين قالت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به صيام قال فيطعم ستين مسكينًا قالت ما عنده من شيء يتصدق به قال فإني أعينه بفرق من التمر قالت يا رسول الله وأنا سأعينه بفرق آخر قال قد أحسنت فاذهبي وأطعمي ستين مسكينًا وارجعي إلى ابن عمك الحديث والفرق بالتحريك ستة عشر رطلًا وبالتسكين سبعمائة وعشرون رطلًا والوارد الأول وهو الظاهر (تنبيهات) الأول من غضب فظاهر من امرأته لم يسقط غضبه حكمه. وفي طرق هذا الحديث قال يوسف بن عبد الله بن سلام حدثتني خولة امرأة أوس بن الصامت قالت كان بيني وبينه شيء فقال أنت علي كظهر أمي ثم خرج إلى نادي قومه فقولها كان بيني وبينه شيء دليل على منازعة أحرجته فظاهر منها والغضب لغو لا يرفع حكمًا ولا يغير شرعًا وكذلك السكران يلزمه حكم الظهار إذا عقل (الثاني) قال ابن العربي فيما أوردناه من هذا الخبر دليل على أن النبي ﷺ حكم في الظهار بالفراق وهو الحكم بالتحريم بالطلاق حتى نسخ الله ذلك بالكفارة وهذا نسخ في حكم واحد في حق شخص واحد في زمانين وذلك جائز عقلًا واقع شرعًا (الثالث) قال الشافعي إذا ظاهر من أجنبية بشرط الزواج لم يكن ظهارًا وعندنا يكون ظهارًا كما لو طلقها كذلك للزمه الطلاق إذا تزوجها لأنها من نسائه حين شرط نكاحها على المشهور اهـ (قلت) ومقابل المشهور وهو القول الشاذ أقوى من جهة الدليل كما سيأتي في باب الطلاق (الرابع) إذا ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة فلا تلزمه إلا كفارة امرأة واحدة (الخامس) إذا قال أنت علي كأمي فإن نوى ظهارًا كان ظهارًا وإن نوى طلاقًا كان طلاقًا وإن لم تكن له نية كان ظهارًا. وقال الشافعي وأبو حنيفة إن لم ينو شيئًا لم يكن شيء. وإذا قال أنت علي حرام كظهر أمي كان ظهارًا ولم يكن طلاقًا لأن قوله أنت حرام يحتمل التحريم بالطلاق وهو مطلقه ويحتمل التحريم بالظهار فلما صرح به كان تفسيرًا لأحد الاحتمالين فقضي به فيه قاله ابن العربي. وقيل يؤخذ بالطلاق مع الظهار (السادس) إذا نوى
[ ٢ / ١٠٦ ]
الطلاق بصريحه كقوله أنت علي كظهر أمي فلا يلزمه إلا الظهار في الفتوى وكذا في القضاء على الأرجح كما في الدردير قال الدسوقي على قوله وهو الأرجح ما نصه فقد نقل في التوضيح عن المازري أن المشهور عم الانصراف للطلاق وكذا قال أبو إبراهيم الأعرج المشهور في المذهب أن صريح الظهار لا ينصرف للطلاق وأن كل كلام له حكم في نفسه لا يصح أن يضمر به غيره كالطلاق فإنه لو أضمر به غيره لم يصح وأنه لو أضمر هو بغيره لم يصح زاد ابن محرز وكذلك لو حلف بالله وقال أردت بذلك طلاقًا أو ظهارًا لم يكن له ذلك ولا يلزمه إلا ما حلف به وهو اليمين بالله اهـ (السابع) قال ابن العربي الظهار يحرم جميع أنواع الاستمتاع خلافًا للشافعي في أحد قوليه لأن قوله أنت علي كظهر أمي يقتضي تحريم كل استمتاع اهـ. وحيث كان الظهار من زوجته لا يحل له الاستمتاع بها إلا بعد التكفير فإن امتنع منه ورفعت زوجته أمرها للقاضي فإنه يضرب له أجل الإيلاء ويجري عليه حكم المولي وإليه أشار الناظم بقوله
وفي الظهار لمن أبى التكفير ذاك جار)
فالإشارة بذلك للتأجيل بشهور أربعة وقوله
(وأجل المظاهر المأثور من يوم رفعه هو المشهور)
(من بعد أن يؤمر بالتكفير وهي على الترتيب لا التخيير)
يعني أن أجل المظاهر الذي يضرب له كأجل الإيلاء يكون منى يوم رفعه للحاكم وهو الرواية المشهورة وقيل من يوم الظهار وذلك بعد أن يؤمر بالتكفير ويمتنع من أداء الكفارة وهي على الترتيب لا على التخيير كما مر في الآية والحديث (تنبيه) من تعدى حدود الله واستمتع قبل أداء الكفارة فإنها لا تتعدد عليه (فرع) لو طلق المظاهر زوجته بعد الظهار ثم عادت إليه بنكاح جديد لم يطأها حتى يكفر خلافًا للشافعي قاله ابن العربي. وقول الناظم المأثور أي المروي بالرفع نعت لأجل وقوله
[ ٢ / ١٠٧ ]
(كذاك أيضًا ما له ظهار من لا على الوطء له اقتدار)
يعني أن من لا قدرة له على الوطء كالمجبوب لا يلزم ظهاره ولا يصح كما لا يصح إيلاؤه ولا يلزم وما درج عليه الناظم أحد قولين في المسألة وقيل يصح ظهاره وهو الراجح وبه صدر ابن الحاجب فقال ويصح ظهار العاجز عن الوطء لمانع فيه أو فيها كالمجبوب والرتقاء وقال سحنون لا يصح اهـ (قلت) وهذا الخلاف مبني على قاعدة وهي أن المظاهر هل يمنع من الاستمتاع مطلقًا وقد تقدم قريبًا أو من الوطء فقط خلاف فعلى الأول يصح من المجبوب ونحوه لأن الاستمتاع يقع منه بدون وطء وعلى الثاني لا يصح منه لأنه لا يقدر على الوطء ولكل وجهة هو موليها والله أعلم.
(وإن يكن مظاهر أو مولي عبدًا يؤجل نصف ذا التأجيل)
(ثم الطلاق في انقضاء الأجل بعد تقضي الموجبات الأول)
يعني أن المظاهر أو المولي إذا كان عبدًا فإنه يؤجل نصف أجل الحر وهو شهران ثم إن كفر الحر أو العبد في أثناء الأجل في الظهار أو رجع لوطء زوجته في الإيلاء فالحكم ظاهر وإلا طلقت عليه عند انقضاء الأجل بعد الإمهال إن وعد به كما مر ولا بد من تحصيل الموجبات الأول بضم الهمزة من ثبوت الزوجية والظهار والإيلاء والامتناع من التكفير أو الوطء وعدم رضى الزوجة بالمقامة معه على تلك الحالة والإعذار إليه بأبقيت لك حجة فتقديمها على الحكم شرط في صحته وقوله يؤجل بالسكون (ولما) كان الطلاق في هذه المسألة رجعيًا لقول الفقهاء رحمهم الله تعالى كل طلاق يوقعه الحاكم فهو بائن إلا طلاق المولي والمعسر بالنفقة أشار الناظم إلى الفرع الأول منهما بقوله
(ويملك الرجعة فيما أصدرا من فاء في العدة أو من كفرا)
منطوق البيت تصوره ظاهر ولا تتوقف رجعتها على إذنها ولا على رضاها كما يأتي
[ ٢ / ١٠٨ ]
في الرجعة. ومفهوم قوله فاء في العدة أنه إذا ارتجع في العدة بدون فيئة بوطء ولا تكفير فإن رجعته لا تصح وهو كذلك قال صاحب المختصر وتتم رجعته إن انحل (تنبيه) إنما يكون طلاق المولي رجعيًا إن وقع الدخول بها أو ثبت وطؤها قبل البناء ولم تبلغ الثلاث وإلا فلا رجعة كما في ابن الحاجب وغيره. وقول الناظم أصدرا ضميره يعود عل الحاكم وألفه للإطلاق كألف كفرا بتشديد الفاء وضمير فاء عائد على من الأولى الواقعة على المولي وفي العدة متعلق به وضمير كفر يعود على من الثانية الواقعة على المظاهر ومتعلقه محذوف أي في العدة دل عليه المذكور ثم قال
(فصل في اللعان)
أي هذا فصل في بيان مسائل اللعان (اعلم) أن مباحث هذا الفصل التي يكون الكلام فيها خمسة (الأول) في بيان معنى اللعان لغة واصطلاحًا (الثاني) في مشروعيته (الثالث) في حكمته (الرابع) في حكمه (الخامس) في أركانه وأسبابه وشروطه وموانعه (فأما) معناه لغة فهو الإبعاد يقال لعنه الله إذا أبعده. وفي المصباح لعنه لعنًا من باب نفع طرده وأبعده أو سبه فهو لعين وملعون ولعن نفسه إذا قال ابتداء عليه لعنة الله والفاعل لعان قال الزمخشري والشجرة الملعونة هي كل من ذاقها كرهها ولعنها وقال الواحدي والعرب تقول لكل طعام ضار ملعون ولاعنه ملاعنة ولعانًا وتلاعنوا لعن كل واحد الآخر والملعنة بفتح الميم والعين موضع لعن الناس لما يؤذيهم هناك كقارعة الطريق ومتحدثهم والجمع الملاعن ولاعن الرجل زوجته قذفها بالفجور وقال ابن دريد كلمة إسلامية في لغة فصيحة اهـ وهو مشتق من اللعنة التي في خامسة يمين الزوج ولم يسم بالغضب الذي في خامسة يمين الزوجة تغليبًا للمذكر على المؤنث على مقتضى القاعدة ولن الرجل سابق وسبب في لعانها وجانبه أقوى من جانبها لأنه قادر على الائتلاف بالترك لأن العصمة بيده دونها. واصطلاحًا عرفه الإمام ابن عرفة بقوله هو حلف الزوج على زنى زوجته أو نفي حملها اللازم
[ ٢ / ١٠٩ ]
له وحلفها على تكذيبه إن أوجب نكولها حدها بحكم قاض اهـ (فقوله) الزوج الشامل للحر والعبد احترز به من السيد سواء حرًا أو عبدًا فإنه لا لعان عليه إذا نفى حمل أمته أو أم ولده وهو مصدق بلا يمين ويكن في معنى الزوج من وطئ امرأة اشتبهت عليه بزوجته ولا زوج لها فتأتي بحمل لستة أشهر فأكثر فتدعي أنه منه وينفيه بلعان وأما لرؤية الزنى فلا يتصور (وقوله) على زنى زوجته الخ سواء كان النكاح صحيحًا أو فاسدًا احترز به من رميها بمقدمات الجماع فإنه لا لعان فيه (وقوله) أو نفي حملها زاده ليدخل فيه ما إذا نفى الولد قال شارحه وهذه الصورة هي المقصودة في اللعان كما في التوضيح (وقوله) اللازم احترز به مما لو أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم العقد فإنه منتف عنه من غير لعان (وقوله) إن أوجب نكولها حدها احترز بهما لو ثبت غصبها ونفي الولد فيلاعن فيه هو وحده دون الزوجة ولا حد عليها إن نكلت) وقوله) بحكم قاض احترز به مما لو تلاعنا بدون الزوجة ولا حد عليها إن نكلت (وقوله) بحكم قاض احترز به مما لو تلاعنا بدون حكم فهو كالعدم ولا ينبني عليه حكم من الحكام الآتية وكذا يحترز به مما لو سكت عند الوضع ثم أراد أن ينفيه بلعان فلا يقبل منه كما يأتي في الموانع أو حلف كل واحد منهما يمينًا واحدة فإنه لا يكون لعانًا إذ لا يحكم به القاضي لنقصانه (وأما) مشروعيته فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع (أما) الكتاب فهو قول الله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة احدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين* ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾. وأما السنة فقد ثبت أن النبي ﷺ حكم بلعان عويمر العجلاني وزوجته وهلال بن أمية أيضًا فقد رمى الأول زوجته بأنه رآها مع رجل والثاني قذف امرأته برجل. وأما الإجماع فقد حكاه الفكهاني وغيره. وأما حكمته فلحفظ الحقوق والأنساب. وأما حكمه فقد يكون واجبًا لضرورة دفع النسب إذا كان عالمًا أنه ليس منه لأن ترك اللعان فيه مفسدة عظيمة إذ لا يجوز لأحد أن يستلحق بنسبه
[ ٢ / ١١٠ ]
من ليس منه قال الله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ الآية ولا ضرورة تدعوه لترك اللعان إذا كان صادقًا كما قاله أبو الحسن وقال ابن عرفة إن كان لنفي نسب وجب وإلا فالأولى تركه بترك سببه فإن وقع صدقًا وجب لدفع معرة القذف اهـ (فقوله) بترك سببه الخ سبب اللعان هو الرمي والقذف بالزنى وتركه بأن يسكت عما رآه فإن لم يترك القذف وكان صادقًا فيه وجب عليه اللعان لدفع المعرة التي تحصل له بالقذف لأنه إذا امتنع من الالتعان مع القذف حد والحد معرة. وأما أركانه فالزوج والزوجة. وأسبابه رؤية الزنى أو نفي الحمل. وشروطه الإسلام والبلوغ والعقل ودعوى الاستبراء أو عدم الوطء في نفي الحمل. وموانعه السكوت أو الوطء بعد العلم وستمر بك مفصلة إن شاء الله تعالى وبدأ الناظم بالأركان والأسباب وبعض الشروط فقال
(وإنما للزوج أن يلتعنا لنفي حمل أو لرؤية الزنى)
(مع ادعائه للاستبراء وحيضة بينة الإجزاء)
يعني أن اللعان لا يكون إلا للزوجين ولو فسد نكاحهما أو نكاح شبهة كما مر أو كانا فاسقين أو رقيقين بشرط إسلام الزوج وتكليفه ولو عنينًا أو هرمًا أو مقطوع الذكر أو الاثنين أو ذاهب البيضة اليسرى أو مجبوبًا لكن في الرؤية والقذف وأما في نفي الحمل فلا لعان على المجبوب ولا على الخصي بقسميه بل ينتفي عليه حملها الذي ادعت به عليه بغير لعان كحمل زوجة الصبي. ويشترط في الزوجة أن تكون مطيقة للوطء ولو كتابية أو غير مدخول بها أو لم تكن في العصمة بان فارقها فالبالغ تلاعن كالزوج والمطيقة يلاعن زوجها دونها وغير المطيقة لا لعان على واحد منهما ولا حد على الزوج لعدم لحوق المعرة لها. وسبب اللعان بين الزوجين أمران أحدهما نفي حمل ظهر بها أو ولد ولو ميتًا أو متعددًا (ثانيهما) رؤية الزنى ولو لم يقل رأيت فرج الزاني في فرجها كالمردود في المكحلة بل يكفي أن يقول رأيتها تزني أو تحققت
[ ٢ / ١١١ ]
زناها لأن الرؤية ليست بقيد بل يكفي التيقن ولو من البصير فلو قال الناظم أو تيقن الزنى لكان أشمل فإن الأعمى يلاعن حتى في دعوى الزنى حيث تيقنه بجس أو بحس على المشهور خلافًا لظاهر النظم لأنه يوهم قصره على البصير من تعبيره بالرؤية. وإنما يلتعن في نفي الحمل إذا ادعى الاستبراء بالوضع أو بالمدة أو بالحيض ولو مرة فإنها تجزئ أو ادعى عدم الوطء بالكلية لا مع عدمها فلا لعان ويحد للقذف كما لا يلتعن عند وجود الموانع الآتية عند قول الناظم وساكت والحمل حمل بين البيت وقوله يلتعنا ألفه للإطلاق ومع ادعائه متعلق به. وقوله وحيضة بينة الإجزاء مبتدأ وخبر والإجزاء بكسر الهمزة مضاف إليه من أجزأ. وقوله
(ويسجن القاذف حتى يلتعن وإن أبى فالحد حكم يقترن)
يعني أن من رمى زوجته بالزنى أو نفى حملها اللازم له فإنه يلاعن إذا كذبته في ذلك فإن امتنع من اللعان سجن حتى يلتعن فإن أبى حكم عليه بحد القذف. وقوله فالحد الفاء رابطة لجواب الشرط والحد مبتدأ وحكم خبره وجملة يقترن صفة لحكم ومتعلقه محذوف أي بامتناعه وقوله
(وما بحمل بثبوته يقع وقد أتى لمالك حتى تضع)
يعني أن اللعان إذا كان بسبب نفي حمل فإنه يقع بثبوته ثبوتًا ظاهرًا بشهادة امرأتين عارفتين هذا هو المشهور وروي عن مالك تأخير اللعان إلى وضع الحمل خوف انفشاش على ما اعتقد أنه حمل بعد اللعان. وقوله وما بحمل الخ فما اسم موصول مبتدأ واقع على اللعان وبحمل متعلق بمحذوف تقديره وجب والباء سببية والجملة صلة ما. وقوله بثبوته متعلق بيقع وجملة يقع خبرًا لمبتدأ وقوله
(ويبدأ الزوج بالالتعان لدفع حد أربع الأيمان)
(إثباتًا أو نفيًا على ما وجبا مخمسًا بلعنة إن كذبا)
[ ٢ / ١١٢ ]
(وتحلف الزوجة بعد أربعا لتدرأ الحد بنفي ما ادعى)
(تخميسها بغضب إن صدقا ثم إذا تم اللعان افترقا)
(ويسقط الحد وينتفي الولد ويحرم العود إلى طول الأمد)
(والفسخ من بعد اللعان ماض دون طلاق وبحكم القاضي)
الأبيات الستة تضمنت كيفية اللعان التي يحكم بها القاضي بين الزوجين هو أن يبدأ الزوج باللعان لدفع حد القذف عنه إن كانت الزوجة حرة مسلمة أو الأدب إن كانت أمة أو كتابية فيحلف الأربع الأيمان المذكورة في قول الله تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ الآية المتقدمة على الصيغة الواجبة شرعًا إثباتًا في الزنى فيقول أشهد بالله لرأيتها تزني أو تيقنتها تزني أو نفيًا في الحمل فيقول أشهد بالله ما هذا الحمل مني ولا بد من لفظ أشهد على ما جاء في الصيغة مخمسًا باللعنة فيقول لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم تحلف الزوجة على نفي دعواه ليرتفع عنها الحد بعد أن تخوف أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة أربع أيمان نفيًا في الزنى تقول في كل واحدة أشهد بالله ما رآني أزني أو ما زنيت أو إثباتًا في الحمل تقول في الحمل أشهد بالله أنه هذا الحمل منه وتخمس بالغضب فتقول غضب الله عليها إن كان من الصادقين فإن بدأت قبله أعادت على القول الراجح فإذا تم اللعان منهما على الكيفية الواردة شرعًا افترقا من غير احتياج إلى حكم حاكم على المشهور ويسقط الحد وينتفي الولد عن الزوج ويحرم عودها إليه أبدًا وتستحق مهرها ففي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال للمتلاعنين حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها قال يا رسول الله مالي قال لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كذبت عليها فذاك أبعد وأبعد لك منها قال بعض الشيوخ ففي الحديث دلالة على ثبوت مهر الملاعنة بالدخول
[ ٢ / ١١٣ ]
وهذا مجمع عليه كذا في النفراوي. وحاصل ما ينبني على اللعان ثلاثة أحكام من جهة الزوج وهي درأ الحد عنه ونفي الولد وإيجاب حد المرأة إن لم تلاعن وثلاثة أحكام أيضًا من جهة الزوجة وهي وقوع الفسخ بلا طلاق وسقوط الحد عنها وتأبيد التحريم. وقول الناظم وبحكم القاضي معطوف على دون والباء بمعنى مع والتقدير أن فرقة المتلاعنين هو فسخ بلا طلاق لكن لا تقع الفرقة حتى يحكم بها القاضي وما ذكره من توقف الفرقة على حكم القاضي شاذ لا يعول عليه والمشهور ما تقدم من أن النكاح يفسخ بينهما بمجرد تمام اللعان من غير طلاق ولا احتياج إلى حكم القاضي والله أعلم (فرع مرتب) وهو إن نكلت الزوجة بعد حلف الزوج رجمت بالحجارة إلى أن تموت إن كانت حرة محصنة بفتح الصاد بوطء تقدم من هذا الزوج الملاعن أو من زوج غيره في نكاح صحيح لازم وحصل فيه وطء مباح بانتشار ذكر المسلم المكلف فإن لم تكن محصنة جلدت مائة جلدة حيث كانت حرة مسلمة مكلفة فإن كانت أمة حدت نصف الحد خمسين جلدة وإن كانت كتابية أدبت باجتهاد الحاكم لأنها آذت زوجها وردت لحكام ديانتها بعد تأديبها لاحتمال استحقاقها الحد عندهم بنكولها وإن نكل الزوج حد لقذفها ثمانين جلدة حيث كان حرًا مكلفًا وكانت الزوجة حرة عفيفة ولحق به الولد لن الولد للفراش لا ينتفي إلا بلعان فإن كان الزوج صبيًا والزوجة بالغة فإن رماها بالزنى فلا لعان وعليها الحد. وإن كان بالغًا وهي صغيرة فإن لم تطق الوطء فلا حد ولا لعان أيضًا وإن كانت مطيقة للوطء التعن دونها كما مر فإن كان الزوج عبدًا مكلفًا والزوجة حرة مكلفة تلاعنا فإن نكل حد نصف حد الحر للقذف فإن كانت كتابية أو أمة فلا حد عليه كذا في الفواكه الدواني على رسالة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني للعلامة النفراوي. وقوله
(ومكذب لنفسه بعد التحق ولده وحد والتحريم حق)
[ ٢ / ١١٤ ]
(وراجع قبل التمام منهما يحد والنكاح لن ينفصما)
يعني أن من لاعن زوجته وبعد تمام اللعان منهما أكذب نفسه فإن الولد يلحق به ويحد حد القذف إن كانت الزوجة حرة مسلمة عفيفة على نحو ما مر وأما التحريم فإنه أمر واجب قد مضى فلا ترجع له أبدًا. وإن أكذب نفسه قبل تمام اللعان فإنه يحد كذلك ونكاحهما باق على حاله لم ينفسخ هذا معنى قوله والنكاح لن ينفصما أي لا ينقطع. وقوله ومكذب نفسه الخ مبتدأ وجملة التحق ولده من الفعل ولفاعل خبره والعائد محذوف تقديره به وبعد مبني على الضم (ثم) شرع في بيان موانع اللعان التي تقدمت الإشارة إليها فقال
(وساكت والحمل حمل بين يحد مطلقًا ولا يلتعن)
(ومثله الواطئ بعد الرؤية ويلحق الولد حد الفرية)
يعني أن الزوج المكلف المسلم إذا رأى حملًا بينًا بزوجته وسكت ثم أراد نفيه بلعان فإنه لا يقبل منه ولا يلتعن في ذلك ويلحق به الولد ويحد حد القذف المعبر عنه بالفرية ومعناها الكذبة وسواء كان سكوته كثيرًا وهو ظاهر أو قليلًا كاليوم واليومين وعلى ذلك نبه بالإطلاق فهو راجع لقوله وساكت. ومثله في عدم قبول قوله الذي رأى زوجته تزني فوطئها ثم أراد أن يلاعن فإنه لا يلتعن ويحد فتحصل من كلامه أن الحمل يمنع من اللعان فيه أحد أمرين إما السكوت أو الوطء وأما الرؤية فلا يمنع اللعان فيها إلا الوطء خاصة لو طال سكوته فلا يضر. وقوله
(وإن تضع بعد اللعان لأقل من ستة أشهر فالمهر بطل)
(وليس للتحريم من تأبيد إذ النكاح كان كالمفقود)
يعني أن من تزوج امرأة ولم يدخل بها وظهر بها حمل قبل البناء فأنكره وادعت أنه منه ولاعن ثم وضعته لأقل من ستة أشهر من يوم العقد فإن المهر يبطل ولا شيء عليه
[ ٢ / ١١٥ ]
منه وإن كان قد دفع نصفه رجع به لظهور كونها في العدة حين العقد ولا يتأبد تحريمها عليه الذي حصل باللعان لأن النكاح الذي وقع كالمعدوم حسًا لأنه معدوم شرعًا للاتفاق على فساده فهو مفسوخ شرعًا مفقود حكمًا لا يصح فيه لعان ولا يترتب عليه طلاق ولا ميراث ولا غيرهما ومفهوم قوله لأقل من ستة أشهر أنها لو وضعته لستة أشهر فأكثر لا يبطل المهر ولا التحريم وهو كذلك كما مر. ولما فرغ من الكلام على أسباب الطلاق الإجباري شرع يتكلم على الطلاق الاختياري فقال