للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء الثاني
دار ابن حزم
[ ٢ / ١ ]
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
[ ٢ / ٢ ]
(٢)
[ ٢ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٢ / ٤ ]
فصل شروط صحة الصلاة
ذكر فيه شرطين من شروط الصلاة، وأتبع ذلك للأذان لأن الصلاة كما يتوقف الدخول فيها على دخول الوقت يتوقف على شروطها، وذكر أحكام الرعاف هنا لأنه من الخبث، ومثله لصاحب الجواهر وجماعة، وذكره ابن الحاجب في كتاب الطهارة لأنه من إزالة النجاسة.
فقال: شرط الصلاة فرضًا كانت أو نفلًا، وقتية أو فائتة، ذات ركوع وسجود كـ: الخمس، أو لا، كـ: الجنازة وسجود التلاوة:
[١] طهارة حدث أصغر أو أكبر، ترابية أو مائية، فالطهارة واجبة شرطًا ابتداءً قبل الدخول فيها وبعده حتى لو أحدث في أثنائها عمدًا أو سهوًا أو سبقه الحدث بطلت طهارته.
[٢] وشرط لها أيضًا طهارة خبث ابتداء دوامًا لـ:
- جسده.
- وثوبه.
- ومكانه.
[ ٢ / ٥ ]
وقول البساطي: (قدم الخلاف: هل هي واجبة مع الذكر والقدرة، أو سنة؟
قيل: وهو مناف لما هنا). انتهى.
وقدمنا في إزالة النجاسة ما يدفع ما أشار إليه من التنافي، وهو الذي تلخص من كلامه في الموضعين، أن في حكم إزالتها ثلاثة:
- واجبة غير شرط.
- واجبة شرط بقيد الذكر والقدرة فيهما.
- وسنة.
[الرعاف في الصلاة:]
ثم فرع على شرطية طهارة الخبث بقوله: وإن رعف قبلها، أي: قبل دخوله فيها، ودام رعافه، أي: ظن دوامه بالعادة، ورجا انقطاعه آخر الصلاة لآخر الاختياري، وصلى بحيث يوقعها قبل انتهاء القامة الأولى في الظهر، أو قبل القامتين في العصر.
وقيل: ما لم يخف فوات الضروري.
واستظهره الشارح تبعًا لابن عبد السلام؛ لأن الراعف معذور، واقتصر المصنف على الأول؛ لقوله في توضيحه: ظاهر كلام ابن رشد أن الأول هو المذهب؛ لتصديره به، وعطفه الآخر بقيل.
وبهذا يندفع قول الشارح: (لم أر من صرح بمشهوريته)، وقولنا: (رجا انقطاعه) تحرزًا عما لو علم أنه لا ينقطع بأن يصلي على حاله ولا يؤخر؛ إذ لا فائدة في التأخير.
أو حصل له الرعاف فيها، أي: فى أثنائها، كانت فرض عين أو كفاية أو سنة؛ ولذا بالغ بقوله: وإن عيدًا أو جنازة، وظن دوامه، أي: الرعاف له، أي: آخر الوقت الاختياري في فرض العين وفى غيره؛ لخوف الفوات أتمها على حاله.
[ ٢ / ٦ ]
واعتمد المؤلف على إطلاق ابن يونس حيث لم يقيد بكونه فعل شيئًا منها أولا.
تنبيهان:
الأول: قول الشارح: (يشير به لقول أشهب: إن خاف أن يخرج لغسل الدم أن تفوته الجنازة وصلاة العيد، وكان لم يكبر للجنازة شيئًا، ولا عقد ركعة من العيد فليمض كما هو على صلاة العيد والجنازة، ولا ينصرف) مناف لقول المصنف: (أو فيها)، إلا أن يحمل على أنه لم يكبر شيئًا غير تكبيرة الإحرام.
الثاني: قررنا كلامه هنا على ظاهره، مع أن فعل الذي في توضيحه في هذه عن ابن عبد السلام: إن ظن دوامه لآخر الضروري، وفي الاختياري نظر.
وابن هارون قال: يمكن أن يجري هنا القولان اللذان فيما إذا أصابه الرعاف قبل دخوله في الصلاة. انتهى.
[شرط الإتمام:]
وأشار لشرط الإتمام بقوله: إن لم يلطخ فرش مسجد من حصره أو بسطه.
وفهم منه أنه إن لطخه ولو بقطرة خرج ولا يتمها فيه، صرح به الشارح في الصغير، وفي الأوسط: إن خشي تلوث فرش المسجد أومأ.
وفهم من قوله: (فرش مسجد) أنه لو لم يكن فرش، بل كان محصبًا أو ترابًا أو كان في غير مسجد كبيته مثلًا أتمها، وهو كذلك، ذكره الشرمساحي.
[فعل من يخشى الأذى:]
وأومأ مهموز الأخير جوازًا لخوف تأذية بحصول ضرر في جسمه من زيادة ضرر رعافه، فتنصب المواد للوجه، أو ضرر بعينه كالأرمد إذا سجد
[ ٢ / ٧ ]
اتفاقًا، أو لخوف تلطخ ثوبه اتفاقًا، كما في المقدمات، أو جوازًا على قول ابن حبيب، أو عدمه على قول ابن مسلمة عند غير ابن رشد.
وظاهر كلامه الإيماء لخوف أحد هذين الأمرين، والذي في الذخيرة: اختلف في تفسير الضرر الذي يومئ لأجله:
- محمد: معناه لا في جسمه.
- وقال غيره: بل معتاده.
ويتضرر بالتلوث، كما قلنا في الطين الخضخاض، يصلي فيه قائمًا؛ ليسلم من التلويث، والدم أقبح من الطين، والأول أقيس، فإن العجز عن إزالة النجاسة لا يسقط وجوب الركوع والسجود، كما قلنا في العجز عن الستر في العورة.
لا لخوف تلطخ جسده، فلا يجوز له الإيماء اتفاقًا؛ لعدم فساده، ويركع ويسجد، وأما الثوب فلإفساده بالغسل ولتضرر به، وحيث أومأ ففي المدونة للركوع من قيام والسجود من جلوس.
وإن لم يظن دوامه لآخر الاختياري ورشح يسيرًا بحيث لم يقطر ولم يسل فتله.
البساطي: ولم يدعه ينزل عليه. انتهى. وفيه شيء مع ما فسروا به الرشح.
[كيفية الفتل:]
ثم الفتل يكون بأنامل يسراه الخمس العليا، فيجعل أنملة كل أصبع منها في أنفه، ويحركها لينزل الدم عليها، ويتمادى على صلاته وجوبًا.
تنبيه:
على ما قلنا حمل المؤلف قول مالك وابن نافع في المجموعة: وفتلها بأنامله الأربع، قائلًا: وإبهامه، لكنه أطلق لليد فيها، وخصه المصنف باليسرى لأنها هي المعدة لذلك. انتهى.
[ ٢ / ٨ ]
وفي المجهول: أنه باليمنى. وظاهره الاقتصار على يد واحدة.
وقال أبو الحسن الصغير: إِن تخضب عليا أنامل اليسرى انتقل إلى عليا أنامل اليمنى.
وظاهر كلامه: أنه يصلي وهو في أنامله، وروى مالك عن سعيد بن المسيب (١) وسالم بن عبد اللَّه (٢) أنهما كانا يمسحان ثم يمضيان على صلاتهما ولا يمسان ماء.
وظاهره أيضًا: إمامًا كان أو مأمومًا، وهو كذلك، قاله ابن رشد. وظاهره: كان المسجد محصبًا أو مفروشًا.
وفي الطراز: هذا الفتل إنما شرع في محصب غير مفروش حتى ينزل المفتول في خلل الحصباء، أما المفروش فيخرج من أول ما يسيل أو يقطر أحسن؛ لأنه ينجس الموضع.
[القدر المعفو عنه:]
فإن زاد عن درهم بعد انتقاله للأنامل الوسطى قطع صلاته؛ لحصول المنافي، كذا في رواية ابن زياد، ولا يجوز له التمادي ولا البناء بعد غسل الدم، فالكثير في هذه الرواية ما زاد على درهم، وهو مخالف لما قدمه في المعفوات: أن اليسير ما دون الدرهم، فيتلخص من كلامه قولان في حد اليسير، ويحتمل أنهم وسعوا هنا خاصة في العفو؛ لأنه محل ضرورة،
_________________
(١) هو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، أبو محمد، (١٣ - ٩٤ هـ = ٦٣٤ - ٧١٣ م): سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة. جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع، وكان يعيش من التجارة بالزيت، لا يأخذ عطاء. وكان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته، حتى سمي راوية عمر. توفي بالمدينة. ينظر: الأعلام (٣/ ١٠٢).
(٢) هو: سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي، (٠٠٠ - ١٠٦ هـ = ٠٠٠ - ٧٢٥ م): أحد فقهاء المدينة السبعة ومن سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم. دخل على سليمان بن عبد الملك فما زال سليمان يرحب به ويرفعه حتى أقعده معه على سريره. توفي في المدينة. ينظر: الأعلام (٣/ ٧١).
[ ٢ / ٩ ]
وهذه هي الحالة الأولى من الحالات الثلاث التي ذكرها في توضيحه للراعف، حيث قال:
الأولى: لا يسيل ولا يسقط فلا يجوز له أن يخرج، وإن قطع أفسد عليه وعليهم إن كان إمامًا.
الحالة الثانية مما في توضيحه: وكأنه سقط فيها من الكتاب هنا كأن سال أو قطر.
يدل عليه ذكر الشرط، وهو قوله: كإن لطخه، والتشبيه في الساقط راجع لحكم القطع فقط، لا له ولما قبله، كقوله في توضيحه: والثانية: أن يقطر أو يسيل ويتلطخ به فلا يجوز له التمادي، وإن لم يقدر الساقط كما ذكرنا، وإلا فكما قال البساطي: اللَّه أعلم بصحة هذا الكلام.
ولما رأى المصنف أن تلوث المسجد كتلطخه قال: أو خشي تلوث مسجد، أي: تلطخه، والثاء الأخيرة مثلثة، وغاير بينهما تفننًا.
تنبيهان:
الأول: قول البساطي: (ليس في كلامه ما يدل على أن المراد زنة الدرهم أو مساحته) هو كذلك، ولعله إنما سكت عنه كغيره لذكرهم في المعفوات أن المراد المساحة.
والثاني: لما كان مفهوم الشرط لا يعلم منه التخيير بين القطع والتمادي صرح به، فقال: وإلا بأن سال أو قطر ولم يتلطخ به فله القطع، وله التمادي، وهي الحالة الثالثة التي قال في توضيحه: الثالثة: أن يسيل أو يقطر ولم يتلطخ به فيجوز له القطع والتمادي.
ولما اختلف قول مالك هل البناء أفضل أو القطع أشار لاختيار الأول بقوله: وإذا غسل الدم ندب له البناء؛ لأن عليه الصحابة والتابعين وجمهور أصحاب مالك، وأخذ ابن القاسم بقوله الآخر، وهو: القطع، ورجح بأنه الذي يوجبه القياس والنظر.
[ ٢ / ١٠ ]
[كيفية الخروج للبناء:]
وإذا بنى فيخرج ممسكًا أنفه من أعلاه؛ خشية إبقاء الدم فيه، وحكمه حكم الطاهر، قاله ابن هارون، ونظر فيه ابن عبد السلام بأن المحل محل ضرورة.
تنبيه:
لعل المؤلف أطلق تبعًا لابن عبد السلام، وعليه فلا يعتبر تقييد الشارحين ومن تبعهما بما قاله ابن هارون. ليغسل الدم وبنى على ما تقدم له.
[شروط البناء:]
ولما كان للبناء أربعة شروط أشار لأحدها بقوله: إن لم يجاوز أقرب مكان ممكن قرب، فإن جاوزه بطلت صلاته للزيادة، وأتى بـ (أقرب) مع (قرب)؛ لصدقه على قريب غيره أقرب منه، وعلى بعيد غيره أبعد منه.
ولثانيها بقوله: ولم يستدبر قبلة بلا عذر، فإن استدبرها لغير عذر بطلت، وله لم تبطل، قاله ابن العربي وسند.
تذييل:
تردد بعض مشايخي في قيد العذر، هل هو خاص بما يليه فقط، أو عام فيه وفيما قبله؟ ويتجه حينئذ سؤال، وهو: لم قيدوا في هذا أو هذين، وأطلقوا فيما بعد؟
وللثالث بقوله: ولم يطأ نجاسة رطبًا أو قشبًا.
وللرابع بقوله: ولم يتكلم أي: فإن تكلم ولو سهوًا بطلت في العمد والجهل اتفاقًا، وفي السهو عند ابن حبيب.
وأشار للقول بعدم البطلان بـ (لو)، وظاهر كلامه: أنه لا فرق بين أن يكون الكلام في ذهابه أو عوده، وهو كذلك على المشهور.
[ ٢ / ١١ ]
تنكيت:
غفل البساطي عن كون (سهوًا) معطوفًا على المفهوم المثبت، كما قررنا، فقال: "
تنبيه:
لا يظهر لقوله: (سهوًا) معنى؛ لأنها شروط عدمية، مجموعها ملزوم للصحة، وضد أحدها ملزوم لعدم الصحة، والمبالغة أنها تكون في هذا". انتهى. فتأمله.
وإذا اجتمعت للراعف هذه الشروط بنى إن كان بجماعة: إمامًا أو مأمومًا عند مالك وجميع أصحابه.
[الإمام الراعف:]
واستخلف الإمام، قال القرافي: اتفاقًا وصار المستخلف بفتح اللام إمامًا له، فيصلي معه ما أدرك من صلاته بعد غسل الدم، ويلغز بها، فيقال: رجل صلى بعض صلاته إمامًا، وبعضها مأمومًا، وصحت صلاته، واللَّه أعلم.
تنبيه:
لم يبين هنا حكم الاستخلاف، وهو: الاستحباب في غير الجمعة، والوجوب فيها.
[بناء الفذ:]
ولما كان في مفهوم الشرط خلاف مشهور في الفذ بيَّنه بقوله: وفي بناء الفذ، وهو قول مالك وظاهر المدونة عند جماعة، وعدم بنائه فيقطع، وهو قول ابن حبيب، وشهره الباجي، خلاف.
منشؤه هل رخصة البناء لحرمة الصلاة المنع من إبطال العمل، أو لتحصيل فضل الجماعة؟
[ ٢ / ١٢ ]
[مسألة:]
وإذا بنى من له البناء لم يعتد بشيء مما فعله قبل الرعاف إلا بركعة كملت بسجدتيها على المشهور، فيعتد بها، ويبتدئ من أول التي تليهما، فيشرع في القراءة، ولا يرجع لمحل السجود.
وقال عبد الملك ومحمد: يبني على ما مضى، ولا يبتدئها.
وصوروا المسألة فيما إذا رعف في الثانية أو الثالثة بعد أن سجد منها سجدة، وأشاروا إلى أن سبب الخلاف تعارض مكروهين تفريق آخر الركعة والزيادة في أفعال الصلاة.
ابن رشد: وكذلك الخلاف إذا رعف في الأولى، هل يبتدئ من أول القراءة أو من حيث وقف. انتهى. ولذلك لم يفرق المصنف بين الركعة الأولى وغيرها.
[مسألة:]
وإذا غسل الراعف المأموم الدم أتم صلاته غير الجمعة مكانه الذي غسله فيه الدم وجوبًا، إن ظن فراغ إمامه من صلاته، وأمكن الإتمام فيه، بأن يكون صالحًا للصلاة، وتصح صلاته أصاب ظنه أو أخطأ، وعلق الحكم على الظن لتعذر العلم بفعل الإمام غالبًا.
ومفهومه: لو شك لزمه الرجوع، وسيصرح به.
تنبيه:
لو قال كابن الحاجب: (فراغ الإمام)؛ ليدخل في ذلك الإمام الراعف إذا استخلف لكان أحسن، إلا أن يقال: لما استخلفه صار إمامًا له.
وإلا يمكن الإتمام فيه لعدم صلاحيته فالأقرب من الأمكنة إليه، أي: إلى مكان غسل الدم مما يصلح أن يتم فيه، ولا يرجع لموضع صلاته؛ لأنه زيادة عمل فيها.
وإلا بأن لم يتم مكانه مع ظنه فراغ إمامه أو مكان الإتمام فيه، وإلا
[ ٢ / ١٣ ]
أتمها في المكان الأقرب، بل رجع لمكان الإمام، بطلت صلاته، أصاب ظنه في فراغ إمامه أو أخطأ.
فإن وجده لم يفرغ لأنه إذا ظن فراغه ورجع صار كمتعمد الزيادة في صلاته.
وظاهره: ولو كان بمسجد مكة أو المدينة، وهو كذلك على المشهور.
[مسألة:]
ورجع لزومًا إن ظن بقاءه، أي: بقاء إمامه أو شك في بقائه ليتم باقي صلاته، ولو كان ظنه أو شكه أنه بتشهد، أي: فيه على المشهور، ولا يشترط رجوعه لمكانه الذي كان يصلي فيه أولًا، بل إلى حيث يصح الاقتداء.
وإنما لزمه الرجوع مع الشك لأن الأصل لزوم متابعة الإمام، فلا يخرج عنه إلا بعلم أو ظن.
[مسألة:]
ورجع في الجمعة للجامع مطلقًا وجوبًا، لكن مع ظن بقائه اتفاقًا، ومع ظن فراغه على المشهور، وأحرى الشك، لأول الجامع؛ لأنه شرط في صحتها، ولا يكلف الرجوع لمكانه منه.
البساطي: الألف واللام للعهد، أي: لجامعه الذي كان فيه، ويقتضي أنه إذا أوقعها بجامع غيره بعد فراغ الإمام لم يصح، وهو المشهور، ولابن شعبان تصح. انتهى.
وانظر إذا كانت صلاته خارج المسجد الجامع بشرطه، هل يعود لموضعه أو للجامع؟
وإلا بأن لم يرجع مع ظنه أو شكه في المسألتين -أعني مسألة غير الجمعة ومسألة الجمعة- بطلتا، أي: الصلاتين.
وإعادة الشارح ضمير (بطلتا) لما إذا جاوز المكان القريب الممكن في
[ ٢ / ١٤ ]
المسألة الأولى، ولما إذا لم يرجع للجامع في هذه، غير ظاهر.
[مسألة:]
وهذا إذا كان صلى مع الإمام ركعة من الجمعة، ولذا قال: وإن لم يتم معه ركعة بسجدتيها في الجمعة ابتدأ ظهرًا بإحرام جديد بأي مكان كان، كما نص عليه في النوادر؛ بناءً على أن الجمعة لا تتعدد.
تنكيت:
قول البساطي: (ومن الظاهر أن هذا إذا لم يجد من يصلي معه جمعة أخرى بالبلد، وأما إن كان فيها جمع وظن أو شك في إدراك جمعة في غير ذلك المسجد أنه يجب عليه طلب ذلك) فيه نظر، نعم يتمشى ما قال على القول بتعددها.
[مسألة:]
وسلم المأموم وانصرف إن رعف بعد سلام إمامه، وأجزأته صلاته، ونحوه في المدونة.
وظاهر كلام المؤلف: سواء كان في جمعة أو غيرها، وهو كذلك، وإن قصره في توضيحه على الجمعة.
[مسألة:]
لا إن رعف قبله، أي: قبل سلام إمامه وبعد فراغه من التشهد، فإنه لا يسلم، بل يذهب لغسل الدم، ثم يرجع، ويتشهد، واللَّه تعالى أعلم.
تنبيهات:
الأول: لم يقع هذا الفرع في نسخة البساطي، فقال: مفهوم الشرط: أنه إذا رعف قبل سلام إمامه أنه لا يسلم حتى يخرج ويغسل الدم، ثم يعود للجامع، وهو كذلك. انتهى.
وكان ينبغي له أن يقول: إنه مأخوذ من مفهوم الظرف، واللَّه تعالى أعلم.
[ ٢ / ١٥ ]
الثاني: لا يعلم من كلامه هل يعيد التشهد أم لا، ونص التهذيب إعادته، كما ذكرنا، ومثله في النوادر.
الثالث: قول ابن عبد السلام: (معناه إن لم يكن تشهد أولًا، وأما لو تشهد فإنه يعيد أولًا، وأما لو تشهد فإنه يعيد دون تشهد)، ومتابعة المصنف له في توضيحه، تعقبه ابن عرفة بنصها، واللَّه تعالى أعلم.
الرابع: وجه إعادة التشهد أن حقه أن يتصل بالسلام، والتشهد السابق حصل بينه وبين السلام عمل كثير: خروجه للغسل ورجوعه، أزال حكمه، واحتاج لتشهد غيره؛ ليتصل بالسلام.
[لا بناءَ بغير الرعاف:]
ولا يبني أحد بغيره، أي: غير الرعاف، كحدث وجرح؛ لأن الأصل عدمه مع المنافي، ورد البناء في الرعاف، وبقي ما عداه على أصله، ونبه به على خلاف بعض العلماء في البناء بغيره، كظنه رعافًا فخرج لغسله فظهر له نفيه، فلا يبني، و[لا] (١) تبطل صلاته، فالتشبيه في عدم البناء.
تنبيه:
محل البناء في الرعاف إن اتحد، وأما لو رعف وخرج وغسل الدم ورجع لصلاته ثم رعف ثانية لم يبن، وتبطل صلاته، ذكره ابن فرحون.
[من ذرعه القيء:]
ومن ذرعه بالذال المعجمة، أي: غلبه وسبقه قيء، وهو في صلاته لم تبطل صلاته ويتمها على المشهور.
وظاهره: نجسًا كان أو طاهرًا، قليلًا كان أو كثيرًا، ومفهوم (ذرعه) أنه لو تعمده بطلت، وهو كذلك، وسيصرح بهذا المفهوم في السهو.
_________________
(١) ما بين معكوفتين من "م"، والصواب حذفه.
[ ٢ / ١٦ ]
تنكيت:
تعقب الشارح كلام المؤلف بقول صاحب الطراز القيء النجس الخارج عن صفة الطعام، مبطل على المشهور، وإن لم يتعمد.
والظاهر: يختلف فيه المتعمد وغيره، وكان حقه أن يقول: وفي بطلان صلاة من ذرعه القيء خلاف.
[اجتماع البناء والقضاء:]
ثم بين حكم ما إذا اجتمع البناء مع القضاء، فقال: وإذا اجتمع بناء -وهو: ما فات المسبوق بعد دخوله مع الإمام- وقضاء -وهو: ما يأتي به عوضًا عما فاته قبل دخوله معه- لراعف في رباعية كعشاء مثلًا أدرك الوسطيين منها مع الإمام، وفاتته الأولى، ثم رعف في الرابعة، وخرج لغسل الدم ففاتته، قدم البناء عند ابن القاسم، واقتصر عليه المصنف، فيأتي بركعة بأم القرآن سرًا، ويجلس؛ لأنها آخرة إمامه، وإن لم تكن ثانيته هو، ثم يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرًا؛ لأنها أولى الإمام، وتلقب بأم الجناحين؛ لوقوع القراءة بأم القرآن وسورة في طرفيها.
تتمة:
مثل الراعف الغافل والناعس والمزحوم ونحوهم، قال ابن عبد السلام: وعليه فلو قال لكراعف لكان أشمل، وعند سحنون يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرًا من غير جلوس، ثم بركعة بأم القرآن فقط.
[مسألة:]
أو أدرك إحداهما، وتحته صورتان:
الأولى: أن تفوته الأولى والثانية ويدرك الثالثة، وتفوته الرابعة بالرعاف، فعند ابن القاسم يأتي بركعة بأم القرآن فقط ويجلس؛ لأنها ثانيته ورابعة الإمام، ومن سنة القضاء أن يقوم له من جلوس، ثم يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرًا ولا يجلس؛ لأنها ثالثته وأولى الإمام، ثم يأتي بركعة كذلك ويجلس للسلام، فالسورتان متأخرتان عكس الأصل؛ ولذا سماها
[ ٢ / ١٧ ]
بعضهم: المقلوبة، وعلى قول سحنون يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس؛ لأنها ثانيته، وإن كانت أولى إمامه، ثم بركعة بأم القرآن وسورة ولا يجلس، كذا في التوضيح، وفي البساطي: (ويجلس)؛ لأنها ثانية إمامه، ولو كانت ثالثته، ثم بركعة بأم القرآن سرا، فصلاته كلها جلوس (١).
والصورة الثانية: أن تفوته الأولى، ويدرك الثانية وتفوته الثالثة والرابعة، فعند ابن القاسم يأتي بركعة بأم القرآن فقط ويجلس؛ لأنها ثانيته ثم بركعة بأم القرآن فقط ويجلس؛ لأنها رابعة إمامه، ثم بركعة بأم القرآن وسورة ويجلس، فصلاته كلها جلوس، وتسمى ذات الجناحين (٢)، وعند سحنون يأتي بركعة بأم القرآن وسورة ويجلس؛ لأنها ثانيته، ثم بركعتين بأم القرآن فقط.
[مسألة:]
أو أدرك من فرضه أربع ركعات ثانية من فرضه ركعتان، وفاته الأولى، وبقي عليه الثالثة والرابعة، كحاضر أدرك ثانية صلاة مسافر، وحكمها كالتي قبلها على القولين.
وفي بعض النسخ: (لحاضر)، أي: إذا اجتمع بناءً وقضاء لحاضر، واللَّه أعلم.
تنكيت:
قال البساطي: في كون هذه مما اجتمع فيه البناء والقضاء على ما فسروهما نظر، إلا أن يقال: البناء ما ينبني على المدرك، والقضاء ما انبنى عليه المدرك.
[مسألة:]
أو أدرك حاضر ثانية مسافر خوف بحضر، قسم الإمام فيه الناس طائفتين، فأدرك شخص مع الطائفة الأولى الركعة الثانية، وانصرف معهم،
_________________
(١) وتسمى هذه الصلاة بالحبلى.
(٢) ما أخذته عن شيخي علي ونيس بوزغيبة -رحمه اللَّه تعالى- أن هذه تسمى حبلى، كما سبق في الهامش السابق.
[ ٢ / ١٨ ]
ففاتته الأولى قبل الدخول مع الإمام، وركعتان بعده، فعند ابن القاسم يأتي بركعة بأم القرآن فقط ويجلس؛ لأنها ثانيته تغليبًا لحكم نفسه، ثم بركعة بأم القرآن فقط ويجلس؛ لأنها آخرة إمامه ثم بركعة بأم القرآن وسورة ويجلس، وتصير صلاته كلها جلوسًا.
وعند سحنون يأتي بركعة بأم القرآن وسورة ويجلس؛ لأنها ثانيته، ثم بركعتين بأم القرآن فقط، كذا قرره شارحه، ولم يصورها في توضيحه، بل قال: هو ظاهر.
وقوله: قدم البناء يحتمل رجوعه للصورة الأخيرة، ويقدر مثله في الأربع قبلها، ويحتمل عكسه، ووجه تقديمه على القضاء انسحاب حكم المأمومية عليه، فكان أولى بالتقديم منه، وجلس من اجتمع له البناء والقضاء في آخرة ركعات الإمام، ولو لم تكن ثانيته، كما في الصورة الأولى إذا أدرك الوسطيين وفاتته الأولى والرابعة.
وتقدم عن سحنون أنه لا يجلس، وأشار لخلافه بـ (لو)، وهذه المسائل الخمس لم يدخل المأموم فيها مع الإمام ثانيًا، وبقى عليه صور أخرى يدخل معه فيها ثانيًا:
- منها: أن يدرك الأولى ثم يرعف، وتفوته الثانية والثالثة، ثم يدرك الرابعة.
قال بعض الأندلسيين: هما بناء. وأطلق عليهما في المدونة القضاء.
- ومنها: أن تفوته الأولى ويدرك الثانية، وتفوته الثالثة ويدرك الرابعة، فالأولى قضاء بلا إشكال، واختلف في الثالثة: فعلى مذهب الأندلسيين البناء، وعلى مذهب المدونة القضاء.
- ومنها: أن يدرك الأولى ويرعف في الثانية، ويدرك الثالثة وتفوته الرابعة، فلا إشكال أن الرابعة بناء، واختلف في الثانية على القولين، انظرهما في الكبير.
واختلف هل يقدم فيها البناء على القضاء، وهو قول ابن القاسم، أو
[ ٢ / ١٩ ]
القضاء على البناء، وهو مذهب المدونة وقول سحنون، واللَّه أعلم.
* * *
[فصل ذكر فيه حكم العورة، وحدها، وصفة الساتر، وما يتعلق بذلك]
وسميت السوأتان عورة لأن كشفهما يوجب خللًا في حرمة مكشوفهما، والمرأة عورة؛ لأنها يتوقع من رؤيتها وسماع كلامها خلل في الدين والعرض، وليس المراد بالعورة المستقبح؛ لأن المرأة الجميلة تميل إليها النفوس، وبهذا يظهر أن المرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل في حكم الستر، وسائر مسائل العورة تخرج على هذا المعنى، قاله في الذخيرة.
[كيفية ستر العورة:]
وافتتح المصنف الكلام بالاستفهام على لسان سائل، فقال: هل ستر عورته -أي: المصلي المفهوم من السياق في أول الفصل الذي قبله، حيث قال: شرط الصلاة- بكثيف بمثلثة بعد الكاف صفة لمحذوف، أي: ثوب غليظ، وخرج به الرقيق غير الساتر؛ فإنه كالعدم.
[الستر بإعارة ونحوها:]
وإن حصل الكثيف بإعارة بغير طلب، قال في الذخيرة: ويلزمه قبوله؛ للقدرة على الساتر، كـ: الماء للتيمم، أو طلب باستعارة ونحوها.
[الاستتار بالنجس:]
ولا فرق بين كون الاستتار بطاهر أو نجس وحده، إِنْ: لم يجد غيره، وهو ظاهر في نجس الذات، فالمتنجس أولى؛ ففي الذخيرة: أو وجد جلد كلب أو خنزير أو ميتة فظاهر المذهب التستر به في غير الصلاة، وعلى قول عبد الملك في عدم الانتفاع بالنجاسة لا يلبسه.
[ ٢ / ٢٠ ]
وإذا أبحنا له الحرير أو الجلد النجس وجبت الصلاة به؛ لأنه مأذون فيه.
كحرير يصلي به إذا لم يجد غيره على المشهور؛ لأنه إنما منع خوف الكبر أو السرف، وهما منتفيان عند الضرورة.
[المفاضلة بين الحرير والنجس:]
وهو -أي: الحرير- مقدم على النجس مع اجتماعهما عند ابن القاسم؛ لأن تركه ليس من شروطها، بخلاف ترك النجاسة، فقدم لخفته.
أصبغ: يقدم النجس.
[حكم الستر:]
شرط في صحة الصلاة إن ذكر وقدر، إن لم يكن بخلوة، بل وإن كان بخلوة كان في ضوء أو ظلام للصلاة، لا فرض في نفسه، خلافًا للتونسي.
ابن عطاء اللَّه: المعروف من المذهب أن ستر العورة المغلظة من واجباتها، وشرط فيها مع العلم والقدر. انتهى.
أو سترها واجب غير شرط، وهو ظاهر قول صاحب القبس وعبد الوهاب أنه ليس من شروطها في ذلك.
خلاف، وعلى الأول إذا صلى بادي العورة لم تصح، وعلى الثاني تصح، ويعصي، ويعيد في الوقت.
تنبيهات:
الأول: انظر هل القول الثاني قيد بما قيد به الأول من الذكر والقدرة أو لا.
الثاني: جعل الشارح في مقابلة الأول الوجوب والندب، كما قال ابن
[ ٢ / ٢١ ]
بشير عن المذاكرات، وحكايته الوجوب والسنية عن القاضي إسماعيل (١) وابن بكير، واستظهاره لذلك يحتاج لتشهير ذلك، حتى يعادلا الأول، واللَّه أعلم.
الثالث: كشف بعض العورة ككلها، أبو عمر: لإجماعهم على إعادة كاشف بعض عورته عمدًا.
[اختلاف العورة من شخص لآخر:]
ولما كانت العورة تختلف باعتبار بعض الأشخاص مع بعض بيَّن ذلك بقوله: وهي من رجل مع رجل ما بين سرة وركبة، ومن أمة مع رجل أو امرأة إن لم يكن في الأمة شائبة حرية، بل وإن كان بشائبة، ويشمل أم الولد والمكاتبة والمعتقة لأجل وبعضها والمدبرة ما بين سرة وركبة، ولا يدخلان.
تكميل:
إذا خشي من الأمة الفتنة وجب الستر؛ لدفعها، لا لأنها عورة، ومن امرأة حرة مع المرأة: ما بين سرة وركبة على المشهور، وبين خبر هي.
_________________
(١) هو: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الجهضمي الأزدي، (٢٠٠ - ٢٨٢ هـ = ٨١٥ - ٨٩٦ م): فقيه على مذهب مالك، جليل التصانيف، من بيت علم وفضل. قال ابن فرحون: (كان بيت آل حماد بن زيد على كثرة رجالهم وشهرة أعلامهم من أجل بيوت العلم في العراق، وهم نشروا مذهب الإمام مالك هناك وعنهم أخذ، فمنهم من أئمة الفقه ورجال الحديث عدة كلهم جلة ورجال سنة، تردد العلم في طبقاتهم وبيتهم نحو ثلاثمائة عام. ولد في البصرة واستوطن بغداد، وكان من نظراء المبرد. وولي قضاء بغداد والمدائن والنهروانات، ثم ولي قضاء القضاة إلى أن توفي فجأة، ببغداد. وكان موته هو الباعث للمبرد على تأليف كتابه (التعازي والمراثي - خ) كما قال في مقدمته). من تآليفه (الموطأ) و(أحكام القرآن) و(المبسوط) في الفقه، و(الرد على أبي حنيفة) و(الرد على الشافعي) في بعض ما أفتيا به، و(الأموال والمغازي) و(شواهد الموطأ) عشر مجلدات، و(الأصول) و(السنن) و(الاحتجاج بالقرآن) مجلدان، (وفضل الصلاة علي النبي -ﷺ - ط). ينظر: الأعلام (١/ ٣١٠).
[ ٢ / ٢٢ ]
تنبيه:
ظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين المسلمة مع المسلمة أو مع الكافرة، وهو الذي صححه ابن العربي في الأحكام، وهي طريقة، وذكر القرطبي في سورة النور وابن عطية أن المسلمة لا يحل لها أن تكشف شيئًا من بدنها بين يدي المشركة، إلا أن تكون أمة لها.
[عورة الحرة مع الأجنبي:]
وعورة الحرة مع رجل أجنبي جميعها. الباجي: ودلالها وقصتها، غير الوجه والكفين؛ فإنهما غير عورة بالنسبة إلى الصلاة، وأما تحريم النظر لهما منها فلخوف الفتنة، لا لكونهما عورة.
وانظر: هل المراعاة في كون ما ذكر عورة اتصاله، أو هو عورة ولو انفصل، كما يقوله الشافعية.
[ما يبطل صلاة المرأة من كشف العورة:]
وأعادت حرة صلاتها:
[١] لصدرها، أي: لأجل كشفه.
[٢] وكشف أطرافها، كـ: ظهور قدميها وكوعيها وشعرها.
[وقت الإعادة:]
بوقت، سواء كانت عامدة أو ناسية أو جاهلة.
تنبيهان:
الأول: ليس في هذا معارضة لما قدمنا عن أبي عمر، لأن عورة الحرة ضربان:
- مخففة، كهذا.
- ومغلظة، وهو ما عداه، فلو صلت مكشوفة البطن أعادت أبدًا، واللَّه أعلم.
[ ٢ / ٢٣ ]
الثاني: في قوله: (بوقت) إجمال؛ لأن المراد فيه الاصفرار في الظهرين، والليل كله في العشاءين، ولكنه تركه لوضوحه وللعلم به.
[حكم الإعادة:]
ككشف أمة فخذًا، تشبيه في حكم الإعادة في الوقت.
[كشف الرجل فخذه:]
لا رجل، فلا يعيد لكشف فخذه، والعرف أن عورتها أغلظ؛ ولذا اتفقوا على كون فخذها عورة.
[حد العورة مع المحرم:]
واختلفوا في فخذه وعورة الحرة مع محرم لها من الرجال كابنها غير الوجه والأطراف، كـ: القدمين والكوعين وشعر الرأس ونحوهما، فهي دون العورة بالنسبة للأجنبي، وفوقها بالنسبة للمرأة.
[ما تراه الحرة من الأجنبي:]
وترى الحرة من الرجل الأجنبي ما يراه الأجنبي من محرمه، وهو: الوجه والأطراف؛ إذ ليس هو عورة بالنسبة له، وإن كان عورة بالنسبة لغيره، وقرره البساطي على أن عورة الرجل الأجنبي بالنسبة للمرأة غير عورتها بالنسبة له؛ فعورتها بالنسبة له ما عدا الوجه والكفين، كما تقدم، وعورته بالنسبة لها ما عدا الوجه والأطراف، كما أن عورتها محرمة بالنسبة له، كذلك هي. انتهى. وله بحث هنا انظره.
[ما ترى الحرة من المحرم:]
وترى الحرة من المحرم لها ما عدا ما بين السرة والركبة، كرجل مع رجل مثله، وجوز البساطي فيه الوجهين السابقين من كون المراد العورة أو النظر، وكون المراد العورة بعيد من لفظ المصنف لوجهين:
الأول: مخالفة الأسلوب.
والثاني: التكرار بالنسبة للثاني.
[ ٢ / ٢٤ ]
[تغطية الأمة الرأس:]
ولا تطلب أمة قن أو ذات شائبة، كـ: مكاتبة ومدبرة ومعتق بعضها بتغطية رأس في صلاتها وجوبًا ولا ندبًا، فيجوز لها أن لا تغطيه كالرجل، وإذا صلت بغيره لم تعد، ويحتمل أن لا تطلب به إيجابا، فيندب لها، واختاره ابن الجلاب.
تنبيه:
ذكر هذين الاحتمالين شيوخ المدونة في قولها: (شأن الأمة أن تصلي بغير قناع)، وعادة المصنف ذكر تأويلين في مثل هذا.
[ستر العورة بخلوة:]
وندب سترها -أي: العورة- بخلوة في غير الصلاة، وأجاز الشارح عود الضمير للأمة.
[من يندب له ستر العورة:]
وندب لأم ولد ولحرة صغيرة تؤمر بالصلاة ستر واجب على الحرة البالغة، كقول المدونة: ومن تؤمر منهن بالصلاة في الستر كالحرة البالغة.
[مسألة:]
وأعادت صغيرة صلاتها إن راهقت -أي: قاربت البلوغ- الظهرين للاصفرار ككبيرة بالغة تعيدهما أيضًا للاصفرار، إن تركا القناع، وترك تاء التأنيث من (تركا) جائز؛ لاتصال الفعل بضمير الغائبتين؛ لتعليلهم وجوب التأنيث في: (هند قامت) بتوهم أن ثم فاعلًا مذكرًا منتظرًا لو ترك التأنيث؛ إذ يجوز أن يقال حينئذ: (هند قام أبوها)، فلما فقد شرط الوجوب بقي الجواز، ولتصريحهم بأن المثنى فى هذا المفرد (١).
ومفهوم: (إن راهقت) أن من دونها لا يعيد، وهو ظاهر، وللبساطي هنا تعقب، انظره والكلام معه في الكبير.
_________________
(١) من تركه التاء من قوله (تركا) شيئان موحشان: أحدهما أن التأنيث حقيقي؛ إذ الضمير عائد على صغيرة راهقت وكبيرة. والآخر: أن بالمؤنث علامة التأنيث في لفظه.
[ ٢ / ٢٥ ]
[القياس على مسائل فيها الإعادة بالوقت:]
ثم شبه في حكم الإعادة في الوقت مسائل، فقال:
[١] كمصل بحرير، أي: فيه، وإن لم ينفرد الحرير، بل كان لابسًا له مع غيره، أو غير لابس للغير، كثوب كتان مثلًا، بل وإن انفرد الحرير بالصلاة فيه، وبالغ عليه لأن فيه قولًا بالإعادة أبدًا، فهو أشد.
وقولنا: (فيه) تحرز عما لو كان حاملًا له بكمه أو جبته، فإنه لا إعادة عليه.
[٢] أو مصل بنجس أو متنجس، قال الشارح: يعيد فيها وفي التي قبلها. بغير -أي: بغير الحرير والنجس الذي صلي فيه أولًا- وجعله البساطي متعلقًا بهذه الثانية، أي: صلي بنجس لابسًا لغيره معه، ثم رجع لتقرير الشارح.
تنبيه:
فرقوا بين كون الإعادة هنا للاصفرار ولذي العذر للغروب بأن صلاة ذي العذر فرض، فلا تمنع في وقت من الأوقات، والمصلي بنجس يشبه النفل فلا يفعل وقت الاصفرار.
[٣] أو صلي بمتنجس بوجود -أي: مع وجود- مطهِّر يطهره به، وأمكنه ذلك مع اتساع الوقت.
ثم بالغ بقوله: وإن صلى بنجس أو بمتنجس وظن عدم صلاته التي صلاها، بأن نسيها، وصلى ثانيًا بطاهر؛ إذ مع وجود ما يطهر به ثوبه، وصلى ثانيًا، ثم ذكر أنه كان صلاها أولًا بنجس أو متنجس، فإنه يعيد؛ لأن الثانية لم تقع جائزة، ونحوه للشارح.
[صلاة العاجز عن الستر:]
لا عاجز عن الستر بطاهر أو حرير أو نجس صلى عريانًا، ثم وجد
[ ٢ / ٢٦ ]
ثوبًا في الوقت، فلا يعيد عند ابن القاسم، سواء قلنا الستر غير شرط، أو شرط مع الذكر والقدرة.
ابن عرفة: ولم يحك ابن رشد غيره.
المازري: المذهب يعيد في الوقت، وتبعوه. انتهى.
وما تبعوه عليه خلاف ما درج عليه المصنف، وأشعر قوله: (صلى عريانًا) بأنه أكملها، وهو كذلك؛ لأنه لو وجد ما يستر به أثناءها لاستتر، وإلا أعاد في الوقت، ذكره ابن عرفة.
[انقضاء الوقت بالأداء:]
كفائته صلاها بمتنجس أو حرير أو عريانًا، ثم وجد ما يطهر به، أو ثوبًا طاهرًا، فلا يعيد، لانقضاء وقتها بفراغها، فهو تشبيه لإفادة الحكم.
[الثوب يصف أو يشف:]
وكره محدد يصف عورته لرفقته، أو خفيف يشف، وسراويل مثلًا، لا الرقيق الصفيق الذي لا يصف إلا بريح، فلا يكره.
ولا فرق فيما يصف بين الصلاة وغيرها، وليس ذكره لذلك فيها موجبًا للحصر فيها، وحكمه بالكراهة لا يعلم منه هل يعيد أو لا؟ ونص في توضيحه على الإعادة، وعزاه للنوادر.
[انتقاب المرأة:]
وكره انتقاب امرأة في صلاتها؛ لأنه من الغلو ككفت كلم، أي: تشميره، وكفت شعر -أي: ضمه- لصلاة، راجع للثلاثة.
[التلثم:]
وكره تلثم بمثلثة قبل الميم، وظاهره: ولو لامرأة، وهو كذلك، قاله مالك.
يقال: لثمت المرأة تلثم لثمًا، والتثمت وتلثمت، إذا شدت اللثام، واللثام بالثاء: ما كان على طرف الأنف من النقاب، وأما اللتم بالمثناة
[ ٢ / ٢٧ ]
فالطعن في النحر كاللبت.
[متى يجوز التلثم؟]
وإن خشيت المرأة رؤية رجل سدلته، الكراهة فى الرجل إن لم يكن ذلك زيه، كالتكرور والمغاربة.
[الاطلاع على ما لا يحل لحاجة:]
ككشف مشتر، أي: مريد شراء أمة - صدرًا أو ساقًا أو معصم، ونحوه في تبصرة اللخمي، وفي بعض النسخ: (مستر) بسين مهملة كمصل بإزار يسدل طرفه، ويكشف صدره، وفي بعضها (مسدل)، وللبساطي هنا كلام، انظره في الكبير.
[اشتمال الصماء:]
وكره صماء -أي: اشتمالها- وهي اللبسة المسماة بها، ابن عرفة: وهي أن يشتمل بثوب يلقيه على منكبيه، مخرجًا يده اليسرى من تحته. انتهى.
وفي الصحاح والقاموس: أن يرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن، فيعطفهما جميعًا.
بستر -أي: معه- بإزار مثلًا، وإلا يكن اشتمالها مع ساتر منعت؛ لوجود كشف العورة حينئذ، ولم يحك ابن عرفة غير الكراهة.
[الاحتباء:]
كاحتباء، ابن عرفة: وهو إدارة الجالس بظهره وركبتاه (١) إلى صدره بثوبه معتمدًا عليه. انتهى.
والتشبيه لإفادة الحكم فيما بعد، وإلا فهو ممنوع حيث لا ستر معه، وبه صرح اللخمي، وجوز البساطي كون التشبيه فيما قبل (إلا)، فيكون مكروهًا مع عدم الساتر.
_________________
(١) كذا في سائر النسخ على لغة القصر، وهي إلزام المثنى الألف، وتقدير حركات إعرابية على الألف، وكان ينبغي أن يقول على لغة جمهور العرب: ركبتيه؛ ويمكن إعراب (وركبتاه): أن الواو للاعتراض، و(ركبتاه): مبتدأ لخبر محذوف تقديره كذلك.
[ ٢ / ٢٨ ]
وظاهره: لا كراهة مع وجوده، والفرق على هذا التقرير بينهما ظاهر، وأما إن تعلق بما بعد (إلا) فيقتضي أن الاحتباء كاشتمال الصماء في التحريم دون الكراهة عند من له خبرة بتراكيب الكلام، وظاهر كلامهم على المعنى الأول. انتهى.
[حكم من صلى بحرير:]
وعصى ذكر وصحت صلاته إن لبس حريرًا فيها مع وجود غيره؛ إذ لبسه لخالصه حرام ولو لحكه أو في جهاد، خلافًا لابن حبيب في الأول، ولابن الماجشون في الثاني.
تنكيت:
قال ابن عرفة: نَقْلُ ابْنِ الحاجبِ عدمَ صحتِها لا أعرفه. انتهى. وربما دخل في قوله لبس افتراشه للصلاة؛ لأنه لبس، وإجازة ابن الماجشون افتراشه والاتكاء عليه خلاف قول مالك.
ابن عرفة: قول ابن العربي: (يجوز للزوج الجلوس عليه تبعًا لزوجته) لا أعرفه.
وقوله: (حرير) يحتمل جميعه، ويحتمل ولو بعضه. ابن عرفة: في كراهة ما سداه حرير ثالثها: يجوز الخز لا غيره، ورابعها: منعهما ابن رشد.
الخز: ما لحمته وبر الإبل. انتهى. وانظر فيه عزو الأقوال الأربعة.
[لبس الذهب:]
أو لبس ذهبًا فيها خاتمًا أو غيره، والظاهر: أن بعض الثوب ذهب كالحرير.
فائدة:
جمع ابن مالك لغات الذهب في بيتين، فقال:
نضر نضار نضير زبرج سيرا وزخرف عسجد عقيان الذهب
والتبر ما لم يفده وأشركوا ذهبا وفضة في سبيك هكذا العرب (١)
_________________
(١) من "ن ٢": القِرَبُ.
[ ٢ / ٢٩ ]
[الصلاة بالمسروق والنظر لمحرم:]
أو سرق أو غصب فيها، أو نظر محرمًا فيها أي محرم كان، وهو أحد قولين ذكرهما المازري، وحذف (فيها) من الثلاثة الأول لدلالة هذا الرابع.
ويدخل في كلام المصنف من نظر عورة نفسه أو عورة إمامه أو غيرها.
ابن عرفة عن ابن سحنون: من نظر عورة إمامه أو نفسه بطلت صلاته، بخلاف غيرهما، ما لم يشغله ذلك، أو يتلذذ به.
تنبيه:
إن جعل (١) كلامه على إطلاقه في نظر العورة خالف ابن سحنون في نظر عورة غيرهما، إلا أن يقيد بما ذكر، واللَّه تعالى أعلم.
[صلاة غير واجد سترا:]
وإن لم يجد مريد الصلاة عريانًا إلا سترًا لأحد فرجيه فقط: قبل، أو دبر، فثالثها يخير في ستر أيهما شاء، وثانيها: ستر القبل؛ لأنه أفحش، وهما معًا في الكافي، والأولى: ستر الدبر؛ لأنه أسوأ عوارًا، خصوصًا عند الركوع والسجود، قاله الطرطوشي.
ويفهم من كلام الطرطوشي تقديم الدبر، ومن كلام صاحب الكافي القبل، واللَّه أعلم.
وقول ابن عرفة: (من وجد ساترًا لأحد عورتيه أو بعضها) شامل لصورة كل إحداهما أو بعضهما.
وظاهر كلام المصنف: ولو كان الساتر طينًا أو حشيشًا، وهو كذلك، حكاه الطرطوشي.
[العاجز عن الساتر:]
ومن عجز عن ساتر طاهر أو غيره صلى عريانًا، قال في الإرشاد:
_________________
(١) من "ن ٢": حمل.
[ ٢ / ٣٠ ]
قائمًا راكعًا ساجدًا، فإن اجتمعوا، أي: العراة المفهومين من (عريانًا) للصلاة بظلام فكالمستورين، يصلون قيامًا مع تقديم إمامهم، يركعون ويسجدون، وإن كان معهم نساء كذلك صلين خلف الرجال كذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾.
وإلا بأن لم يكونوا في ظلام بل في نهار أو ليل مقمر تفرقوا -أي: تباعدوا- إن أمكن، بحيث لا ينظر بعضهم بعضًا، وصلوا أفذاذًا.
فإن لم يمكن تفرقهم لعدو أو سبع صلوا جماعة قيامًا غاضين أبصارهم، يحتمل ويركعون ويسجدون وإمامهم وسطهم في الصف على ما اختاره عبد الحق وغيره من الشيوخ، ويحتمل يومئون بالركوع، والسجود أخفض منه، وعليه قرره البساطي.
فائدة:
قال الجوهري: يقال: (جلست وسط القوم) بالتسكين؛ لأنه ظرف، و: (جلست وسط الدار) بالتحريك؛ لأنه اسم، وكل موضع يصلح فيه بين فهو وسط بالسكون، وإن لم يصلح فيه فوسط بالتحريك، وربما سكن، وليس بالوجه.
زاد في القاموس: أن التحريك والإسكان فيما هو مصمت كالحلقة، فإذا كانت أجزاؤه متباينة فالإسكان فقط.
[مسألة:]
فإن علمت قنة في صلاة بعتق سابق على صلاتها أو في أثنائها، بأن سمعته من مالكها مثلًا، مكشوفة رأس أو وجد عريان ثوبًا بعد الدخول في الصلاة استترا، أي: كل منهما إن قرب من الساتر، بحيث لا يكون عليه في تناوله فعل كثير.
و(استترا): جواب الشرط، وأتى به مذكرًا تغليبًا.
وإلا بأن لم يستترا مع قرب الساتر أعادا بوقت؛ لوجوب الستر عليهما حينئذ، ولم يعد أبدًا؛ لدخولهما بوجه مشروع.
[ ٢ / ٣١ ]
ومفهوم (إن قرب) يحتمل أنه إن بعد تمادى، ويحتمل قطع، وهما قولان حكاهما في توضيحه.
قال: فإن بعد، فقيل: يتمادى، ويعيد، وقيل: يقطع. انتهى. وفرضها كابن الحاجب في منكشفة الرأس؛ لأنه أحسن من قول غيرهما: إذا افتتحت الصلاة بما لا يجزئ الحرة من اللباس.
[اشتراك العراة في ثوب:]
وإن كان لعراة ثوب مشترك بينهم بملك أو إجارة أو بإعارة صلوا فيه أفذاذًا، إذا فرغ أحدهم أخذه الآخر إن اتسع الوقت لقدرتهم على الستر، ولا يجمع بهم إمامهم ليلًا أو نهارًا، فإن تنازعوا في التقدم أو ضاق الوقت، فقال: الظاهر في ذلك عدم القرعة.
[مسألة:]
وإن كان الثوب لأحدهم ندب له إعارتهم إذا كان فيه فضل عن ستر عورته.
ابن عرفة: لو كان فيه فضل ستر عورته ففي جبره على صلاتهم واستحبابه قولا ابن رشد واللخمي.
الطراز: إن لم يكن معه غيره استحب دفعه لغيره.
* * *
فصل ذكر فيه استقبال القبلة وما يتعلق به
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
والشطر لغة: النصف والجهة، والثاني هو المراد هنا، قالوا: نزلت بعد أن صلى رسول اللَّه -ﷺ- نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر
[ ٢ / ٣٢ ]
شهرًا، بعد وقعة بدر بشهرين أو ثلاثة (١).
[شرط استقبال القبلة:]
وعطف المصنف هذا الشرط على الشروط السابقة، فقال: وشرط مع الأمن استقبال عين الكعبة (٢)، أي: ذاتها يقينًا بجميع بدنه لا جهتها لمن بمكة؛ لأن القدرة على اليقين تمنع من الاجتهاد، لكونه معرضًا للخطأ.
القرافي: اتفاقًا.
فإذا صف صف مع حائطه فصلاة الخارج ببدنه أو بعضه عنها باطلة؛ لأنه مأمور بأن يستقبلها بجملته، فإذا لم يحصل له ذلك استدار.
قال: وكذلك الصف الطويل، بل بقربها يصلون دائرة أو قوسًا، إن قصروا عن الدائرة. انتهى.
وخرج بـ (الأمن) المسايفة حين الالتحام، وفهم من قوله: (عين) أنه لا
_________________
(١) قال السيوطي في لباب النقول، ص ١٩: "قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ الآيات قال ابن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن البراء قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي نحو بيت المقدس ويكثر النظر إلى السماء ينظر أمر اللَّه فأنزل اللَّه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فقال رجل من المسلمين وددنا لو عدمنا عدم من مات منا قبل أن نصرف إلى القبلة وكيف بصلاتنا قبل بيت المقدس فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ وقال السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فأنزل اللَّه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى آخر الآية له طرق نحوه وفي الصحيحين عن البراء مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ وأخرج ابن جرير من طريق السدي بأسانيده قال لما صرف النبي -ﷺ- نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكة تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم وعلم أنكم أهدى منه سبيلًا ويوشك أن يدخل في دينكم فأنزل اللَّه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ الآية".
(٢) قال الأجهوري: (وقوله): عين الكعبة، أي: يقينًا بدليل قوله: فإن شق إلخ فلو خرج بدنه أو بعضه عن مقابلها بطلت صلاته قاله (تت) ونحوه يأتي عن ابن الحاجب، وانظر هذا مع ما يأتي من إن من التفت بجسده كله عن القبلة وقدماه للقبلة إن صلاته صحيحة.
[ ٢ / ٣٣ ]
يصلي في سرب أو مطمر تحتها، وهو كذلك، قاله في الطراز.
[العجز عن استقبال العين:]
فإن شق على من بمكة استقبال عينها، كـ: شيخ كبير يحتاج لصعود سطح، أو مريض عاجز، أو مربوط، ونحوه، ففي جواز الاجتهاد منه في طلب العين ويسقط عنه طلب اليقين ومنعه نظرًا لأن القدرة على اليقين تمنع من الاجتهاد نظر، وأشار به لقول ابن شاس.
وقد تردد المتأخرون في ذلك، ونحوه لابن الحاجب، وتبعهما المصنف، وكان حقه بأن يحكيه ترددًا على اصطلاحه، وللبساطي هنا شيء، انظره في الكبير.
[استقبال جهتها:]
وإلا يكن بمكة أو يكون بها وعجز فالأظهر عند ابن رشد -أي: الذي اقتصر عليه في مقدماته، لا أنه استظهره- طلب جهتها التي هي فيها، لا سمتها، خلاف لابن القصار (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: وانظر العاجز عن المسامتة لجهله بالمسامتة هل يعيد في الوقت إذا علم المسامتة فيه أم لا، واعلم أن من لم يقدر على المسامتة يقينًا فإنه يجتهد في المسامتة ومن قدر عليها بمشقة وقلنا بأنه مجتهد فإنه يجتهد في المسامتة أيضًا. وظاهر كلام (تت) في شرحه الصغير إن من لم يقدر على المسامتة يقينًا يجتهد في الجهة؛ فإنه قال في قوله: وإلا فالأظهر جهتها، أي: وإلا يكن بمكة أو كان بها وعجز فالأظهر إلخ، وفيه نظر. ولذا قال السنهوري إن قوله: وإلا فالأظهر إلخ هو مقابل لقوله: لمن بمكة والمعنى إن من لم يكن بمكة ففرضه استقبال الجهة على وجه الاجتهاد إذا كان أهلًا لذلك فإن لم يكن أهلًا له فشأنه التقليد ونصب اجتهادًا قال (م): إن على التمييز وهو الظاهر واستبعد (ب) بأنه وقوله: وإلا فالأظهر يحتمل أن يكون ماشيًا فيه على ما أصله من إنه لابن رشد وإلى هذا ذهب شارح الشر ويحتمل أن لا يكون على قاعدته، ولهذا قال (ب): لما ذكر ما اقتصر عليه المؤلف إن عبد السلام استظهره ولو كان لابن رشد على القاعدة لبين ذلك. وأما (م) فنسب الاستظهار للمتأخرين فيحتمل أن ابن رشد منهم وإن لا. انتهى. كلام =
[ ٢ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = السنهوري وما ذكره في نصب اجتهاد ما استظهره (د) فإنه قال: الأحسن في اجتهاد أن يكون منصوبًا على نزع الخافض وما ذكره في إن إلا ظهر لبس لابن رشد نحوه في (غ) فإنه قال قوله: وإلا فإلا ظهرًا إلخ ظاهره إن هذا الاستظهار لابن رشد ولم أجد له في البيان ولا في المقدمات وإنما وجدته لابن عبد السلام وهو ظاهر كلام غير واحد. انتهى. ثم ذكر الأجهوري تنبيهات مفيدة رأيت ذكرها للفائدة، فقال: تنبيهات: الأول: مقابل إلا ظهر قول ابن الغفار القائل بوجوب المسامتة لكن بالاجتهاد. قال (ق) ابن عرفة والأكثر الواجب على من بغير مكة استعمال القبلة لا السبت خلافًا لابن القصار. الثاني: قوله اجتهاد ابن رشد فإن صلى بغير اجتهاد لم تجزه صلاته ولو وقعت إلى القبلة. الثالث: يستثنى من كلامه المسافر في النافلة ويستثنى منه من بالمدينة قال ابن الحاجب ومن بالمدينة يستدل بمحرابه -ﷺ- لأنه قطعي. قال في توضيحه: أي: ثبت بالتواتر إن هذا محرابه الذي كان يصلي إليه وهو مسامت قطعًا إما لأنه باجتهاده وهو لا يقرأ على خطأ أو لأنه بوحي أو بإقامة جبريل. انتهى. فإن قلت: إذا كان باجتهاد فلا يستثنى قلت هذا فاسدٌ لأنه يجب على من بالمدينة تقليده ولا يجوز له الاجتهاد بها ولو قيل: إنه باجتهاد وقد يقال: هذا يفهم حكمه مما ذكره (المص) بالأولى وذلك أنه إذا كفى من لم يكن بمكة وكان مجتهدًا تقليد ما أظهره اجتهاده فكيف ما أظهره باجتهاده ﵊ وأيضًا فالمجتهد يقلد محراب المص كما يأتي فكيف بمحرابه ﵇ وأيضًا يفهم تقليد المجتهد محراب المدينة من قاعدته إنه لا يترك القطع إلى الظن، ثم إنه يلحق بمن بالمدينة من بجامع عمرو بالقسطاط لا بغيره إذ قبلته قبلة إجماع فلا يجوز لمن بمجلة أن يجتهد. الرابع: قال القراء في شرح الرسالة: من جحد وجوب الاستقبال فهو كافر يقتل بعد الاستتابة إن لم يرجع فإن رجع ترك فإذا كانت واجبة فإنه يجب تعلم أدلتها لمن يتأتى منه ذلك، وقد اختلف في أدلتها فقال ابن القاسم: دليل القبلة في النهار تستقبل ذلك عند وقوفك قبل الأخذ في الزيادة وذلك قبلتك، قيل: هذا الذي قاله ابن القاسم: لا يجري في كل زمان. الخامس: قال شيخنا الشريف محمد الميقاتي في رسالته المسماة بإتحاف الحبيب بمعرفة التوقيعات والأوقات والقبلة بالتقريب ما نص المراد منه: ولأهل وصعيدها الأعلى وسواء حلها السفلى وثغورها أسوان وقوص والقسطاط والمحلة وإسكندرية =
[ ٢ / ٣٥ ]
[كيفية استقبال الجهة:]
وعلى اعتبار الجهة لا يقتصر على قدر جهة من جهاته، بل كاستقبال أجزاء الدائرة المحيطة بمركزها، فإذا تخيلنا الكعبة مركزًا خرج منه خطوط مجتمعة الأطراف في المركز، فكلما بعدت اتسعت؛ فلذلك كان الصف الطويل مستقبلًا اجتهادًا لا يقينًا وقطعًا، واللَّه أعلم.
تنبيه:
أعرب البساطي (اجتهادًا) تمييزًا محولًا عن الفاعل، أي: ويحصل ذلك الاجتهاد.
قال: وأعربه الشارح حالًا، وليس بواضح. انتهى.
[دليل استقبال الجهة:]
كأن نقضت -أي: الكعبة- ولم يبق لها أثر؛ فإنه يجتهد في طلب الجهة.
[حكم المخالفة:]
وبطلت صلاته إن خالفها، أي: الجهة التي ظهرت له بالاجتهاد مع
_________________
(١) = ورشيد ودمياط وبرقة وترابلس والأندلس وسواحل الغرب، وإما على سمتها ما بين الركن العربي والميزاب يحصل الاستقبال فيها بجعل نبات نعش إذ غربت خلف الكتف اليسرى وإذا طلعت الخد الأيسر والقطب على الأذن اليسرى ومشرق أول الصيف على العين اليسرى ومغربه خلف الظهر، ومشرق الاعتدال قبالة الوجه خلف الأذن اليمنى ومشرق أول الشتاء على العين اليمنى وقيل قبالة الوجه ومغربة على الكتف اليمنى وريح الصبا على العين اليسرى والدبور خلف الظهر مائلًا إلى اليمنى والشمال على الكتف اليسرى والجنوب على الأذن اليمنى واللَّه أعلم. انتهى. قلت: وإذا جعل المصلي المغرب خلف الظهر في أي زمن كان أو جعل المشرق أمام وجهه في أي زمان كان صحت صلاته عندنا؛ لأن الانحراف هنا حيث لم يصادق القبلة انحراف يسير. . فالعراق قبالة مصر من جهة المشرق، والشام في جهة شماله مستقبل قبلة مصر، واليمن في جنوبه. السادس: يكفي الاجتهاد، حتى على قول ابن القصار.
[ ٢ / ٣٦ ]
ظهور علاماتها عمدًا، وان صادف القبلة في الجهة التي خالف إليها، ويعيد أبدًا.
قال في الطراز: لتركه الواجب، كما لو صلى ظانًا أنه محدث، ثم تبين أنه متطهر.
تنبيه:
ما قررنا به كلامه نحوه للشارح، وقرره الشارح على أنه عرف جهة القبلة وصلى لغيرها متعمدًا، ثم تبين له أنه صلى إليها فباطلة، ويعيد أبدًا.
[الاستقبال في النافلة:]
ولما قدم حكم استقبالها في الفرض شرع في ذكره في النافلة بقوله: وصوب: مبتدأ، أي: جهة. سفر قصر لراكب دابة، وهذا يتعلق ببدل، وإن تقدم عليه؛ لأنه يغتفر في الجار والمجرور مثل ذلك، فقط إن لم يكن الراكب بمحمل، بل وإن كان بمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية وعكسه وسكون الحاء: ما يركب فيه من شقذف أو غيره، بدل: خبر عن صوب، أي: عوض عن توجهه للقبلة.
وبالغ على المحمل لئلا يتوهم أنه كالسفينة ابتداءً ودوامًا في صلاة نفل لا فرض.
البساطي: صوب من عطف الجمل، أي: شرط استقبال القبلة كذا.
وأبيح صوب وان كان النّفل وترًا، وبالغ عليه لئلا يتوهم خروجه عن النّفل، إن لم يسهل ابتداء النّفل، بأن لا تكون معقولة ولا واقفة، بل وإن سهل الابتداء لها، بأن كانت كذلك، خلافًا لابن حبيب في إيجابه الاستقبال حينئذ.
وخرج بـ (سفر القصر) ما دونه، وسفر المعصية؛ فلا يتنفل عليها فيه، وإن كانت للقبلة؛ قصرًا للرخصة على موردها، وخرج بـ (راكب) الماشي حال مشيه؛ لعمل السلف، وبقوله: (فقط) السفينة.
[ ٢ / ٣٧ ]
[الصلاة في السفينة:]
ثم ذكر حكم الصلاة في السفينة، فقال: لا لراكب سفينة، فإن صوبها ليس قبلة، فلا يتنفل فيها إلا للقبلة، فيدور لجهة القبلة إذا دارت لغيرها.
تنبيه:
وقع في بعض النسخ هنا لفظة (معها)، فاختلف الشارحان في ضميره، فأعاده الشارح للسفينة، والبساطي للقبلة، أي: يدور مصاحبًا لها، كـ: (جاء زيد والنيل).
[شرط الدوران:]
إن أمكن دورانه، وإلا يمكن دورانه فكالدابة، يصلي حيث توجهت، ولا يدور.
ابن القاسم: وتجزئه صلاته.
وهو المشهور.
[الفرق بين السفينة والدابة:]
وأشار المصنف للفرق بين السفينة والدابة بإمكان الدوران وعدمه.
[سبب منع التنفل فيها:]
ولما قدم أن التنفل لا يجوز في السفينة إلا إذا دار معها بشرطه، ذكر اختلاف شيوخ المدونة في فهم قولها: (لا يتنفل في السفينة إيماء، وحيث ما توجهت به مثل الدابة)، فقال: وهل محل منع التنفل في السفينة لغير القبلة إن أومأ، وأما إن ركع وسجد فحيث توجهت السفينة من غير دوران معها، وهو فهم ابن التبان (١) وأبي إبراهيم، أو منعه فيها لغير القبلة مطلقًا،
_________________
(١) هو: عبد اللَّه أبو محمد بن إسحاق المعروف بابن التبان الفقيه الإمام: كان من العلماء الراسخين والفقهاء المبرزين ضربت إليه أكباد الإبل من الأمصار لعلمه بالذب عن مذهب أهل الحجاز ومصر ومذهب مالك، وكان من أحفظ الناس للقرآن والتفنن في علومه والكلام على أصول التوحيد مع فصاحة اللسان، وكان مستجاب الدعوة رقيق =
[ ٢ / ٣٨ ]
سواء صلى إيماء أو ركع وسجد، وهو فهم أبي محمد وابن هارون؟ تأويلان.
تنكيت:
تلخص مما نقلناه أن التأويلين على منع الإيماء في السفينة، وهو كذلك.
الشرمساحي: وفي التنفل في المركب لغير القبلة للضرورة قولان، وعلى الجواز لا بد أن يسجد، بخلاف الدابة، فإنه يومئ. انتهى.
فقول البساطي في تقرير تأويل ابن التبان في يومئ فاسد، فإنه قال: اختلف في قوله في السفينة يدور معها، هل هو إذا أومأ، وأما إن ركع وسجد فلا، وهو تأويل ابن التبان، أو مطلقًا، وهو قول أبي محمد.
ونحو ما قرره البساطي ما تبعه فيه بعض مشايخي.
_________________
(١) = القلب غزير الدمعة وكان من الحفاظ وكان يميل إلى الرقة وحكايات الصالحين عالمًا باللغة والنحو والحساب والنجوم. وذكره القابسي بعد موته فقال: رحمك اللَّه يا أبا محمد فقد كنت تغار على المذهب وتذب عن الشريعة وكان من أشد الناس عداوة لبني عبيد، كريم الأخلاق حلو المنظر بعيدًا من الدنيا والتصنع من أرق أهل زمانه طبعًا وأحلاهم إشارة وألطفهم عبارة، سمع منه أبو القاسم المنستيري ومحمد بن إدريس بن الناظور وأبو محمد بن يوسف الحبي وأبو عبد اللَّه الخراط وابن اللبيدي. فائدة: قال أبو محمد لبعض من يتعلم منه: خذ من النحو ودع وخذ من الشعر وأقل وخذ من العلم وأكثر فما أكثر أحد من النحو إلا حمقه ولا من الشعر إلا أرذله ولا من العلم إلا شرفه وقال يومًا: لا شيء أفضل من العلم. قال الجبنياني: العمل به أفضل؟ فقال: صدق، العلم إذا لم يعمل به صاحبه فهو وبال عليه وإذا عمل به كان حجة له ونورًا يوم القيامة. وتوفي يوم الإثنين لثنتي عشرة خلت من جمادى الأخيرة سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وصلى عليه القاضي محمد بن عبد اللَّه بن هاشم وخرج الناس لجنازته من ثلث الليل حتى ضاقت بهم الشوارع وفاضوا في الصحراء غدوة الثلاثاء مولده سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
[ ٢ / ٣٩ ]
[تقليد المجتهد غيره:]
ولا يقلد مجتهد مجتهدًا غيره؛ لأن القدرة على الاجتهاد تمنع من التقليد، فالاجتهاد واجب.
[تقليد المحراب:]
ولا يقلد مجتهد محرابًا ببلد خراب، ليس فيه أحد، كما قال ابن القصار، إلا محرابًا لمصر من الأمصار، فيقلده المجتهد.
وظاهره: ولو كان المصر خرابًا، والذي في توضيحه عن ابن القصار بعدما قدمناه عنه: والبلد العامر الذي تكون فيه الصلاة، ويعلم أن إمام المسلمين نصب محرابه، أو اجتمع أهل البلد على نصبه، فإن العالم والعامي يقلدونه؛ لأنه علم أنه لم يبن إلا بعد اجتهاد العلماء في ذلك. انتهى.
ومفهوم (مجتهد) أن العامي يقلد أيَّ محراب كان، وسيأتي، وانظر ما حكيناه عن الذخيرة في الكبير.
فائدة:
رأيت للعلامة الشهاب الأبشطي (١) الشافعي﵀- المصر: كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، والقرية: عبارة عن مجمع الناس للإقامة والاستيطان.
[إذا كان المجتهد أعمى:]
وإن كان المجتهد أعمى، وحيث لم يقلد سأل عن الأدلة التي يستدل بها على القبلة، وقلد غيره، أي: غير المجتهد من المقلدين، كـ: الأعمى العاجز.
_________________
(١) لم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٤٠ ]
[شروط المقلَّد:]
[١] مكلفًا لا كافرًا ولا صبيًا؛ لعدم الوثوق من بخبرهما، وليس في كلامه ما يخرج الفاسق، فلو قال: (عدلًا)، بدل (مكلفًا) لكان أحسن.
[٢] عارفًا بطرق الاجتهاد، فلا يقلد الجاهل بها.
[تقليده المحراب:]
أو قلد محرابا تقدم أي محراب كان، وظاهر كلامه التخيير.
[تعذر ما سبق:]
فإن لم يجد غير المجتهد مجتهدًا يقلده، ولا محرابًا، فإنه يتخير جهة من الجهات ويصلي إليها، ويسقط عنه الطلب إذا فعل مقدوره، ولا تفريط عنده، قاله ابن عبد الحكم.
أو تخير -بالحاء المهملة- مجتهد، بأن خفيت عليه أدلة القبلة، كـ: محبوس ببيت مظلم، أو لسحاب، أو مطر، لا يمكن معه النظر في أدلتها، تخير -بالخاء المعجمة- جهة من الجهات الأربع، وصلى إليها صلاته مرة واحدة، قاله ابن عبد الحكم.
وصدر به المصنف لأنه قول الكافة، ثم ذكر قول ابن مسلمة الذي استحسنه ابن عبد الحكم بقوله: ولو صلى الصلاة الواحدة أربعًا -أي: أربع مرات- لكل جهة مرة احتياطًا لحسن (١)، أي: لكان مذهبا حسنا.
وأشار لاختيار اللخمي له بقوله: واختير، ولما لم يجزم به ابن الحكم قولًا، أتى باختيار اللخمي بصيغة الفعل، ويدخل في كلامه المجتهد تلتبس عليه الأدلة.
وقول البساطي عن ابن القصار: إنه يقلد المحراب، ليس كذلك، إنما
_________________
(١) قلت: بل على الأخذ بالاحتياط يصلي ثمانيًا، أي: باعتبار الجهات الفرعية؛ إذ لا شك أن القبلة إذا كانت في اتجاه جنوب شرق، كما هو الحال عندنا بليبيا وسائر دول المغرب، فإن المصلي جهة الجنوب لا يكون مصيبًا جهتها، فتأمل منصفًا.
[ ٢ / ٤١ ]
قال ابن القصار: إن صلى لا إعادة عليه.
[الخطأ في القبلة:]
وان تبين لمصل خطأ في القبلة بصلاة -أي: فيها- بأن استدبر أو شرق أو غرب قطع غير أعمى وغير منحرف يسيرًا، فأما الأعمى المنحرف ولو مستدبرًا وغيره ممن انحرف يسيرًا فيستقبلانها، ويكملان صلاتهما، إذا كانا بغير مكة، وظاهر كلامه: سواء تبين الخطأ لمجتهد أو غيره.
وإن تبين خطأ في القبلة بعدها -أي: بعد فراغه منها- أعاد في الوقت المختار.
وفرق في الذخيرة بينها وبين التي قبلها بأن ظهور الخطأ في أثنائها كظهور الخطأ في الدليل قبل بت الحكم، فيجب الاستئناف إجماعًا، وبعدها كظهوره بعد بت الحكم، فلا يؤمر.
[حكم الناسي:]
وهل يعيد الناسي، البساطي: نسي أنه مطلوب أن يستقبل في صلاته أبدًا؛ لتفريطه، وهو قول القابسي، وإليه ذهب ابن يونس، قائلًا: والرواية فيه كذلك.
ابن رشد: وهو الأصح.
وشهره ابن الحاجب، أو في الوقت، وقاله ابن رشد عن المشهور. خلاف.
[حكم الجاهل:]
وسكت عن إعادة الجاهل، وفي كونها أبدًا وشهره ابن الحاجب، أو في الوقت: قولان، لابن الماجشون وابن حبيب، أو بأنها أحرى بالنسبة للناسي؛ لأن الجاهل في العبادة كالعامد.
[صلاة السنة في الكعبة:]
وجازت سنة فيها، أي: الكعبة السابق ذكرها، كـ: الوتر، وأحرى
[ ٢ / ٤٢ ]
النافلة المؤكدة، كـ: الفجر؛ إذ هو رغيبة، وأحرى النافلة غير المؤكدة، وهو قول ابن عبد الحكم، وجعله في توضيحه مقابلًا للمشهور، والمشهور مذهب المدونة، ففيها: (لا يُصلَّى في الحجر ولا في الكعبة فريضة ولا ركعتا الطواف الواجب ولا الوتر ولا ركعتا الفجر، فأما غير ذلك فلا بأس)، ومشى هنا على خلافه.
[صلاتها في الحجر:]
وجازت سنة في الحجر؛ لأنه جزء منها، لأن من لم يطف به بمنزلة من لم يطف بجميعها، لأي جهة، ظاهره: من جميع جهاتها، وعلى هذا تجوز الصلاة في البيت، ولو لجهة بابه مفتوحًا، وفي الحجر مستدبرًا للبيت، وهو في الثانية غير ظاهر؛ لأنه يصير حينئذ غير مستقبل لشيء من البيت.
وقول البساطي: (لأنه مستقبل بعضا منه على كل حال يدل على أن قوله: لأي جهة متعلق بالحجر)، وفيه ما قدمناه.
وقول الشارح: (ولو صلى لبابها) يدل على أن قوله: (لأي جهة) متعلق بالكعبة، ولو قدمه المصنف على قوله: (وفي الحجر) لاندفع ما قلنا.
وربما أشعر قوله: (في الحجر) بأنها إليه غير جائزة، ابن عرفة: اللخمي لا نص في الصلاة إليه.
فقيل: باطلة؛ لعدم القطع بأنه منه، والحق أن ستة أذرع منه تواتر.
وقول عياض: (المقصود استقبال بنائه لا بقعته، ولو كان البقعة لاتفقوا على أن استقبال الحجر يبطلها، ولو تيقن كونه منه). انتهى.
وظاهر كلام عياض الصحة فيما قابل الستة الأذرع.
[الفرض فيها:]
لا فرض، فلا يجوز فيها، وإذا فعل في أحدهما فيعاد في الوقت عند مالك، والقياس أبدًا كابن حبيب.
[ ٢ / ٤٣ ]
[تأويل ما في المدونة:]
وأُوِّل قول المدونة من صلى في الكعبة أعاد في الوقت بالنسيان؛ لتشبيهه لها بقولها: (كمن صلى لغير القبلة)، أي: وحكم من صلى لغيرها ناسيًا الإعادة في الوقت، وعامدًا أبدًا، وهذا فهم ابن يونس وجماعة، وبالإطلاق -أي: حملت عليه ناسيًا كان أو عامدًا، وهذا فهم عبد الوهاب واللخمي وابن عات.
والتشبيه في مطلق الإعادة؛ لأن المصلي داخلها مستقبل ضرورة.
[الصلاة على ظهر الكعبة:]
وبطل فرض على ظهرها، فيعاد أبدًا على المشهور؛ بناءً على أن الأمر بالبناء، وظاهره: ولو كان بين يديه قطعة من [سطحها] (١)، وهو كذلك.
تنبيه:
لم يذكر ابن الحاجب بطلانها، وإنما قال: (والصلاة على ظهرها أشد).
فقال المؤلف: الأشدية على المشهور؛ لأنه هناك يعيد في الوقت، وهنا أبدًا.
ومفهوم (فرض) جواز النّفل، وهو كذلك على ما في الجلاب.
[صلاة الفرض ركوبًا:]
كالراكب الصحيح الآمن اختيارًا، فيبطل فرضه، ويعيده أبدًا؛ ولذا قال: إلا لالتحام في قتال عدو، فيصح فرضه راكبًا، ولو لغيرها، وخرج بالالتحام صلاة القسمة في القتال؛ فإن الاستقبال شرط فيها.
أو لأجل خوف من شيء يفترسه كسبع وفهد وذئب إن نزل عن دابته،
_________________
(١) في "ن ٤": أسفلها.
[ ٢ / ٤٤ ]
فيصلي راكبًا إيماءً، وإن صلى لغيرها، أي: القبلة، وإن أمن المصلي على الدابة بشرطه أعاد الخائف صلاته بوقت.
ابن فرحون: الاختياري، بخلاف العدو.
تنبيه:
فرق الباجي بين السباع والعدو بأن خوف العدو متيقن بخلاف السبع ونحوه، ولو استوى تيقن الخوفين أو ظنهما لاستوى حكمهما.
وفرق عبد الحق بأن العدو مراده النفس، واللص مراده المال، والسباع ربما تفرقت وذهبت عنه، وربما قدر على الانحراف عن موضعها، ولا تتبعه، والعدو ليس كذلك غالبًا، فكان حكمه أشد.
وإلا لخضاض من الماء، وهو: الذي لا يغمره ولا يمنعه من السجود فيه والجلوس، إلا في إضرار ثيابه، لا يطيق النزول به، ويخشى خروج الوقت، فيودي فرضه راكبا للقبلة (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: " (قوله): وإلا لخضخاض لا يطيق للنزول به (ش) جعل (تت) وتبعه بعض الشارحين إن خشية تلوث ثيابه مما يبيح له الصلاة على الدابة وفيه نظر، بل إنما هو مسوغ للصلاة، أيما قال في الرسالة: والمسافر يأخذه الوقت في طين خضخاض لا يجد أين يصلي فلينزل عن دابته ويصلي فيه قائمًا يومي بالسجود أخفض من الركوع؛ فإن لم يقدر أن ينزل فيه، أي: في الخضخاض صلى على دابته إلى القبلة قال ابن عمر قولها: فإن لم يقدر إلخ عدم القدرة يكون بخوف الفرق انتهى ويفهم من هذا أن من خشي تلوث ثيابه إن نزل عن الدابة وهو يطيق النزول به إذا صلى على الدابة في هذه الحالة؛ فإن صلاته باطلة، وقد فسر الشيخ (ص) قول (المص) لا يطيق النزول به بما فسر ابن عمرو الحاصل: إن خشية تلوث الثياب لا توجب صحة الصلاة على الدابة وتبيح الصلاة إنما في الأرض وهل يقيد خشية تلوث الثياب المبيح للصلاة أيما بكونها يفسدها الغسل كما تقدم في الرعاف أم لا، وليت في تكميل التقييد للشيخ (غ) عن ابن عرفة ما نصه وفي الأيما خوف تلطخ الثياب بطين ثالثها إن لم يكن واسع المال أو كانت ذات قيمة والطين يفسدها، الأول لابن عبد الحكم وسماع القرينين، والثاني لرواية زياد وابن حبيب ونقله عن أصحاب مالك، قائلًا: يستحب تأخيره إلى آخر الوقت، والثالث لتخريج ابن رشد على شر إما الوضوء =
[ ٢ / ٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وفسر ابن حبيب وقته بالمختار ثم إن وصل حيث لا طين إلخ هذا من تتمة القول الثالث ويجري في القول الأول حيث صلى أيما والحاصل إن قوله: ثم إن وصل جار فيما إذا صلى أيما وذلك في القول الأول مطلقًا وفي الثالثة فيما إذا كان غير واسع أو واسع الحال وكان لثيابه قيمة والطين يفسدها، وهو يفيد أن القول الثالث أضعفها. قلت: وانظر هذا مع ما ذكره (ح) عن ابن ناجي فإنه عزا القول بالأيما لتلطخ الثياب لمالك، وقال: إنه المشهور وعزا لابن عبد الحكم والقرينين القول بالسجود وإن تلطخت ثيابه، ونص (ح) قال ابن ناجي في شرح قول الرسالة: والمسافر يأخذه الوقت إلخ. ظاهر كلامه وإن كان إنما يخشى على ثيابه فقط، أي: إنه يومي وإن كان إنما يخشى إذا لم يوم على ثيابه فقط وهو قول مالك وهو المشهور وقال ابن عبد الحكم: ورواها أشهب وابن نافع: يسجد وإن تلطخت ثيابه انتهى. تنبيهات: الأول: لم يقيد (المص) المسألة بخوف خروج الوقت مع أنه مقيد به والمراد به الوقت المختار لكن على تفصيل التيمم، والحاصل: إنما يصلي في الخضخاض أيما من يقدر على النزول به وخشي تلوث ثيابه إنهم يوم إذا يئس أن يخرج منه الوقت وإما إن تيقن الخروج منه قبل خروج الوقت فإنه يؤخر لآخر الوقت؛ فإن لم يذر هل يخرج منه في الوقت أم لا يخرج في الوقت فيصلي أيما فيه وسط الوقت، فهذا كالمسافر العادم لكما على ما تقدم في التيمم. الثاني: قال ابن عمر: قال ابن الطلاع: إذا امتلأ الجامع يوم الجمعة وكان بازايه خضخاض فمن آتى بعد امتلأ السجد صلى هناك قائمًا، وقيل: يذهبون إلى مسجد آخر ويصلون فيه الجمعة بإمام وهذا على القول بجواز الجمعة في مصر واحد مرتين. انتهى. وقاله الأفقهي وانظر على هذا لو جاء يوم الجمعة ولم يجد مدخلًا في المسجد وفي رحابه صلين خضخاض هل يصلي هناك صلاة الطين أو ينصرف ويصلي ظهرًا أربعًا. ذكر ذلك ابن الطلاع في مختصره فقال: يصلي فيه يسجد ويجلس فيه؛ لأن الجمعة فرض ولو خشي الضرر ولو صلى ظهرًا أربعًا فهو في سعة من ذلك للرخصة التي جاءت عن الصحابة في التخلف عن الجمعة لأجل الطين والمطر انتهى وما ذكره عن الطلاع يخالف ما ذكره عنه ابن عمر؛ فإنه ذكر أنه يصلي في الخضخاض ويجلس فيه وذكر ابن عمر أنه يصلي فيه قائمًا. الثالث: مثل الخضخاض في قسميه السابقين قال الأفقهي في شرح الرسالة: ومثل الخضخاض وحده وهو أحرى لأنه كان يباح الأيما بالسجود في الطين الخضخاض فأحرى الماء. انتهى. وهذا فيمن يقدر على النزول ومن لا يقدر على النزول فإنه يصلي على الدابة بمنزلة من لا يقدر على النزول بالخضخاض انتهى ثم إن كلام =
[ ٢ / ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأقفهي هذا في صلاة غير الجمعة لما قدمه من أنه يصليها فيه راكعًا ساجدًا. الرابع: يفهم من قول (المص) وصوب سفر قصر إلخ إن غير المسافر لا يصلي النافلة على الدابة ولو كان يباح له صلاة الفرض عليها بوجه من الوجوه السابقة وأما إن كان يصلي عليها الفريضة قائمًا وراكعًا وساجدًا فإنه يصلي عليها النافلة وهدا واضح. (قوله): أو لمرض ويؤديها عليها رض فلما وفيها كراهة الأخير، (ش) قوله: ويؤديها عليها كالأرض قال في الرسالة بعد أن توقف له، أي: إنه إنما يصليها عليها حال وقوفها ولا يصليها عليها سائرة، وفي المدخل ويومي للأرض بالسجود لا إلى كور الرحلة؛ فإن أومي إليه فصلاته باطلة انتهى. قلت: وكذا إذا أومي لجيد الدابة كظهرها أو رقبتها ثم إن قول (المص): أومي لمرض أن يطيق النزول به كما يفيده تأخيره عن قوله: لا يطيق النزول به (وقوله): ويؤديها عليها كالأرض بل لا يتصور فيما ذلك عادة ويكون حكمه حكم ما قبله من مسألة الخضخاض فقول (تت) تبعًا (للشر) أو لم من لا يطيق النزول به غير ظاهر، ونص (الشر) في قوله: أو لمرض مراده المريض الذي لم يقدر أن ينزل عن الدابة وهو يقدر أن يؤدي الصلاة على الدابة كما يؤديها على الأرض من ركوع وسجود فيه نظر، وذلك لأن من يقدر على الركوع والسجود على الدابة لا يصلي عليها بركوع وسجود وإنما يصلي عليها أيما ويصلي على الأرض بركوع وسجود، فصلاته على الأرض أكمل من صلاته على الدابة فليس له أن يصلي على الدابة إلخ. هذا وقد شرط (المص) في صلاته على الدابة أن يكون أداؤها عليها كأدائها على الأرض، والحاصل أن من يقدر أن يصلي على الدابة بركوع وسجود ولا يقدر مع ذلك على القيام ويقدر أن يصليها على الأرض كذلك فإنه لا يصليها على الدابة؛ لأن من يصلي بالأرض من جلوس ويقدر على الركوع والسجود فإنه يركع ويسجد، وليس كذلك من يقدر أن يصلي جالسًا على الدابة بركوع وسجود إذ ليس له أن يصلي بالركوع والسجود وإنما يصلي أيما. و(خ) فيكون تأديتها على الأرض أتم فيجب تأديتها بالأرض لأن الدابة لا يصلي عليها إلا أيما ولو مع القدرة على الركوع والسجود، وقد أشار إلى ذلك الشيخ بطرة (الشر) ونقله عنه شيخنا، فقال شيخنا: نزل (الشر) وهو بقدر إلخ غير ظاهر؛ لأن من يقدر على الركوع والسجود ولا يصلي الفريضة إلا بالأرض وإنما يصلي الفريضة على الدابة لو ترك صلى جالسًا أيما كما في الرسالة لعدم إفادة النزول (خ) انتهى. وفي (ح) إشارة إليه ويفهم من هذا أن من يصلي بالأرض أيما من قيام فإنه يصليها أيما لا على الدابة لزيادة القيام، وقد ذكر الشيخ (تت) عند قول (المص) وصوب سفر قصر إلخ عن سند ما يفيد أنه لو صلى عليها، أي: الدابة قائمًا وراكعًا ساجدًا من غير نقص أجزئ. على مذهب سحنون: لا يجز به لدخوله على الفور. انتهى. وهو لا يخالف ما ذكره (المص) من قوله: وبطل =
[ ٢ / ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فرض على ظهرها إلخ إذ هو فيمن لا يقدر أن يؤدي الصلاة عليها قائمًا وراكعًا ساجدًا من غير نقص فإنه يؤديها عليها ولو كان صحيحًا ولا مشقة عليه في النزول وقد أشرنا إلى ذلك سابقًا فإن قيل: كلام سند في صلاة النفل لا في صلاة الفرض. قلت: يرده ما يفيده كلام ابن جماعة في مناسكه فإنه يفيد إنه في الفرض لكنه لم يذكر عنه إن القول بالأجزاء هو المذهب كما ذكره (تت). وكلام ابن سند الذي ذكره (تت) ظاهر في أنه في الفريضة أيضًا إذ قوله: ولو صلى قائمًا وراكعًا ساجدًا من غير نقص أجزئ إلخ، ظاهر في أنه في الفرض إذ الجلوس في النفل ليس نقص مانع من الصحة كما هو المراد هنا على ما يأتي، ونص مختصر المناسك من أوله وقالها ابن شاس المالكي: لا يؤدي فرض على راحلة وإن عقلت فإن أديت مثل أدائها بالأرض ففي الجواز والكراهة قولان، قال سند: اختلف في الصحيح إذا صلى عليها قائمًا في وقته وراكعًا ساجدًا لغير ضرورة فإن خشي على نفسه أو ماله صلى كيف أمكن راكعًا أو ماشيًا للقبلة أو غيرها ولا إعادة. انتهى. وقوله: فإن خشي على نفسه إلخ هو مفهوم قوله لغير ضرورة وما عزاه لابن شاس نحوه فيه وظاهره أنه يجري في المريض وغيره ولكن كلام (المص) إنه ليس للصحيح أن يصلي الفريضة على الدابة في غير الالتحام والخوف من كسبع أو كخضخاض لا يطيق النزول به أو المرض على تفصيله. ويراجع كلام شراح المدونة وقول الشاذلي، وحاصل مسألة صلاة الفريضة على الدابة أنه إن قدر على السجود والجلوس لم يختلف فيه قول مالك: إنه لا يصلي إلا بالأرض وإن قدر على الجلوس دون السجود أو عجز عنها، ففي المسألة ثلاثة أقوال: لا يجوز له أن يصليها إلا بالأرض، وقيل: يجوز له أن يصليها على الدابة، وقيل: من يقدر على الجلوس لا يجوز له أن يصليها على الدابة، وقيل: من يقدر على الجلوس لا يجوز له أن يصليها إلا بالأرض بخلاف المضطجع. انتهى. قلت: وما ذكره في القول الأول من أنه إذا كان لا يقدر أن يجلس على الأرض ويقدر أن يجلس على الدابة فإنه يتعين أداؤها على الدابة ولعل وجهه أن طروا لوجه الذي بعده لا يخالف ما لسند لأن قوله: إن قدر على الجلوس والسجود إلخ إن أراد أنه قدر عليها على الأرض وعلى الدابة فهذا كلام على الحكم ابتدأ. وكلام سند: على الحكم بعد الوقوع، ثم إن كلام الشاذلي هذا يشعر بأنه يعتبر في كونه يؤديها عليها كالأرض ما تتوقف عليه صحة الصلاة فقط؛ فإذا كان يؤديها على الدابة أيما للركوع وعلى الأرض كذلك غير أنه على الأرض يقدر على التربع وعلى قراءة السورة مثلًا ولا يقدر على ما ذكر على الدابة فله أن يؤديها على الدابة إلا أنه ينبغي أن يكون تأديتها على الأرض في هذه الحالة أولى تنبيه. يستفاد من تحصيل الشاذلي أن المريض الذي يقدر على النزول ويؤديها عليها كالأرض أنه يتعين أن يؤديها على الدابة على =
[ ٢ / ٤٨ ]
ومفهومه: أن من يطيق النزول به يلزمه أن ينزل، ويؤديها قائمًا، يومئ للسجود أخفض من الركوع، ونحوه في الرسالة، وأعاد الاستثناء لخوف اللبس بالفاصل، وهو الإعادة في الوقت.
أو إلا لمرض لا يطيق النزول معه عن الدابة للأرض، ويؤديها -أي: والحال أن يؤدي الفريضة- عليها -أي: على الدابة- في محمله كالأرض، فهما متساويان، وهو يشمل صورتين:
الأولى: إذا كانت الصلاة إيماء على الأرض وعلى الدابة.
_________________
(١) = الراجح من الأقوال تتمة: كما أنه اغتفر في حق المريض إيقاع الصلاة المكتوبة على الدابة يفتقر له الصلاة على السرير من الشريط وشبهه إذا لم يقدر على النزول إلى الأرض ولا يفتقر ذلك في حق الصحيح ولا المريض الذي يقدر على النزول، فقول (الشر) هنا وفي شامله لا لخلاف في جوازه الصلاة على السرير من الخشب قاله بعض الشراح وظاهره: إنه لا يصح صلاة المريض على السرير المعمول من الشريط ولو كان يصلي عليه أيما حيث كان يقدر على النزول للأرض ولعل ذلك إذا كان يومي له إذا يومي للأرض فصلاته صحيحة كما قالوه في المصلي على الدابة. وقد تعرض (طخ) لمسألة السرير هنا ونفرض لها (ح) عند قول (المص) فيما يأتي وسجود على جبهته وقوله: وفيها كراهة الأخير، أي: وفي المدونة كراهة الصلاة على الدابة في الفرع الأخير من الفروع الأربع وهو المشار إليه بقوله: أو لمرض، ويؤديها عليها كالأرض وبعيها والشديد المرض الذي لا يقدر أن يجلس لا يعجبني أن يصلي المكتوبة في المحمل لكن على الأرض، قال في تكميل التقييد ابن عرفة فسرها اللخمي والمازري بلا كراهة وابن رشد والتونسي بالمنع. انتهى. وزاد غيره وتأولها ابن يونس على من صلى على الدابة حيث ما توجهت به ولو استقبل القبلة لجلس وعزاه لابن أبي زيد فالخلاف في حال. انتهى. ويرد على (المص) أن لفظ المدونة لا يعجبني واختلف في حملها على الكراهة أو على المنع ولم يرجح واحد منهما بل مقتضي عز والمنع لابن رشد والتونسي قوته على تأويل الكراهة، فلو قال (المص): وفيها الأخير لا يعجبني لسلم مما ذكر ومن إيهام أن الواقع في المدونة التعبير بالكراهة ويجري فيه ما جرى من التأويلين، وقد علم مما ذكرنا أن كلام (المص) فيمن يطيق النزول عن الدابة ويسوغ له أن يصلي على الأرض كما يسوغ له أن يصلي على الدابة ولا يقال: إن كلام المدونة صادق بمن لا يقدر على النزول عن الدابة؛ لأنه هذا لا يتوهم من له أدنى معرفة كراهة الصلاة على الدابة".
[ ٢ / ٤٩ ]
والثانية: إذا كان يركع ويسجد عليهما، وحمله الشارح على الثانية، وأعربه حالًا؛ لأنها قيد فيما قبلها، فلو انتقت هذه الحالة لم يجز إيقاع الفرض على الدابة، ويحتمل أن يكون جملة استئنافية.
فلها -أي: للقبلة- بأن يوجه الدابة إليها، وفهم منه أنه لو كان أداؤه لها بالأرض أتم منه بالمحمل لتعينت بالأرض، وهو كذلك.
وفيها -أي: المدونة- كراهة الأخير، أي: فرض المريض المؤدي له على الدابة كالأرض، وانظر نص المدونة وتأويلها في الكبير.
* * *
فصل ذكر فيه فرائض الصلاة، وسننها
ومندوباتها، وما يتعلق بذلك.
[أولًا- فرائض الصلاة:]
فقال: فرائض الصلاة ست عشرة فريضة:
الأولى: تكبيرة الإحرام لإمام وفذ ومأموم؛ لخبر: "تحريمها التكبير" (١)، أي: لا يدخل في حرمتها إلا به، وإضافة التكبير للإحرام يقتضي أنها غيره، وهو كذلك.
_________________
(١) قال في البدر المنير (٣/ ٤٤٧، وما بعدها): "هذا الحديث له طرق، أشهرها: عن علي -﵁-. رواه (الأئمة) الشافعي، وأحمد، والدارمي، والبزار في "مسانيدهم" وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي في "سننهم"، والحاكم أبو عبد اللَّه في "مستدركه على الصحيحين" من حديث عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن محمد ابن الحنيفة، عن علي مرفوعًا باللفظ المذكور، وقد أسلفنا أقوال الأئمة في عبد اللَّه بن محمد بن عقيل في باب (الوضوء). قال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. قال: وعبد اللَّه بن =
[ ٢ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = محمد بن عقيل صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه (قال): وسمعت محمد بن إسماعيل -يعني: البخاري- يقول: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديثه. قال محمد: (هو) مقارب الحديث. وقال العقيلي: فى إسناده لين، وهو أصلح من حديث جابر. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن علي (إلا) من هذا الوجه بهذا الإسناد. وقال الحاكم: حديث علي الذي رواه ابن عقيل، عن محمد ابن الحنيفة عنه هو أشهر أسانيده، قال: والشيخان أعرضا عن حديث ابن عقيل أصلًا. وقال الحافظ أبو نعيم الأصفهاني: هذا الحديث مشهور (و) لا يعرف إلا من حديث ابن عقيل بهذا اللفظ من حديث علي. وكذا قال البيهقي في خلافياته: أن أشهر إسناد فيه حديث علي. وقال البغوي: هذا حديث حسن. وقال الرافعي في "شرح المسند": هذا حديث ثابت أخرجه مع أبي داود والترمذي محمد بن أسلم في "مسنده" ولفظه: "مفتاح الصلاة الطهور، وإحرامها التكبير وإحلالها التسليم". وذكره ابن السكن في "سننه الصحاح المأثورة". قلت: وأرسله محمد ابن الحنفية مرة، رواه الطبراني والبيهقي من حديث عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عنه رفعه (إلى) النبي -ﷺ- بلفظ محمد بن أسلم المذكور، ولا يقدح هذا في طريق الوصل. الطريق الثاني: عن جابر -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- "مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء". رواه الأئمة أحمد، وأبو داود الطيالسي، والبزار في "مسانيدهم" والترمذي في "جامعه" والطبراني في "أصغرها معاجمه" والعقيلي في "تاريخه" والبيهقي في "شعب الإيمان" من حديث سليمان بن قرم -بفتح القاف وسكون الراء- عن أبي يحيى القتات -بقاف، ثم مثناة فوق، ثم ألف، ثم مثناة فوق أيضًا- عن مجاهد، عن جابر به (ورواه ابن السكن بالقطعة الثانية فقط). قال الطبراني: لم يروه عن أبي يحيى -واسمه: زاذان- إلا سليمان بن قرم، تفرد به حسين بن محمد المروزي. قلت: وأبو يحيى القتات مختلف فيه، كما استعلمه في باب (شروط) الصلاة -إن شاء اللَّه تعالى- (و) قال النسائي: ليس بالقوي. وكذا سليمان بن قرم أيضًا وثقه أحمد وغيره. وقال ابن عدي: أحاديثه حسان، وخرج له في الصحيح. قال الحاكم: أخرج له مسلم شاهدًا، وقد غمز بالغلو وسوء الحفظ جميعًا. وقال ابن حبان: رافضي غال يقلب الأخبار. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. ووقع للقاضي أبي بكر بن العربي: إن أصح شيء في هذا الباب وأحسن حديث جابر (هذا). وليس بجيد منه؛ لما علمت، ولما أخرجه العقيلي في "ضعفائه" قال: إن حديث علي وأبي سعيد الآتي أصلح منه مع لينهما. =
[ ٢ / ٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الطريق الثالث: عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم". رواه ابن ماجه في كتاب الطهارة، والترمذي في كتاب الصلاة، والعقيلي في "تاريخه" من حديث أبي سفيان طريف بن شهاب -ويقال: ابن سفيان. ويقال: ابن سعد ويقال: طريف الأشل السعدي- عن أبي نضرة (المنذر بن) مالك العبدي، عن أبي سعيد به، قال الترمذي: حديث علي -يعني: السالف- أصح إسنادًا وأجود من هذا الحديث. وقال العقيلي: إسناده لين، وهو أصلح من حديث جابر. وقال عبد الحق في "أحكامه": هذا حديث لا يصح؛ لأن في إسناده أبا سفيان طريف بن شهاب. وقال الشيخ تقي الدين في "الإمام" بعد أن أخرجه من طريق ابن ماجه: أبو سفيان هذا - قال أبو عمر: أجمعوا (على) أنه ضعيف الحديث. وهو كما قال، فقد قال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن عدي: روى عنه الثقات، وإنما أنكر عليه في متون الأحاديث أشياء لم يأت بها غيره، وأما أسانيده فهي مستقيمة. قلت: وفي سند الترمذي: سفيان بن وكيع شيخه، قال البخاري: يتكلمون فيه لأشياء لقنوها. وقال أبو زرعة: متهم بالكذب. وتكلم فيه أبو حاتم وابن عدي وأبو زرعة؛ لأجل أنه يتلقن، لكن الترمذي حسن حديثه: "اللهم ارزقني حبك". قلت: ولحديث أبي سعيد هذا طريق (آخر) رواه الحاكم في "مستدركه" في أوائل (الطهارة) من حديث حسان بن إبراهيم، عن سعيد بن مسروق (الثوري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، قال. وشواهده عن أبي سفيان) عن أبي نضرة كثيرة فقد رواه أبو حنيفة وحمزة الزيات، وأبو مالك النخعي وغيرهم عن أبي سفيان. قلت: لكن في "علل الدارقطني" أن سعيد بن مسروق (لا) يحدث عن أبي نضرة. الطريق الرابع: عن عباد بن تميم، عن عمه عبد اللَّه بن زيد، عن النبي -ﷺ- قال: "افتتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". رواه الدارقطني في "سننه" وفي إسناده الواقدي، وهو مشهور الحال. وذكره ابن طاهر في "تذكرته" من طريق آخر، والمخرج واحد، وأعله بأبي غزية القاضي، وقال: هو الذي سرقه. الطريق الخامس: عن عطاء، عن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". رواه الطبراني في "أكبر معاجمه" وفي إسناده نافع مولى يوسف السلمي، قال أبو حاتم: متروك الحديث. =
[ ٢ / ٥٢ ]
فائدة
ابن العربي: الإحرام نية.
ابن يونس: ولا يحملها الإمام عن المأموم كما يحمل عنه الفاتحة؛ لأن الأصل عدم حملها، جاءت السنة بحمل الفاتحة، وبقي ما عداها على أصله.
_________________
(١) = وله طريق سادس موقوف عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: "مفتاح الصلاة التكبير"، وانقضاؤها التسليم". رواه البيهقي، قال: ورواه الشافعي في القديم. ورواه الطبراني في "أكبر معاجمه" من حديث أبي إسحاق (ورواه أبو نعيم في كتاب الصلاة من حديث زهير، عن أبي إسحاق) به ولفظه: "تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم". وله طريق سابع موقوف على أنس -﵁- قال: "مفتاح الصلاة الطهور والتكبير تحريمها". رواه ابن عدي وضعفه بنافع أبي هرمز قال النسائي وغيره: ليس بثقة. فهذه طرق الحديث (والأخيرة لا تقدح في الأولى بل هي شاهدة) لها، وأما أبو حاتم ابن حبان فقال في كتابه "وصف الصلاة بالسنة": حديث: تحريمها التكبير وتحليلها التسليم لا يصح من جهة النقل. قال: وذلك أن ما روي له إلا طريقان: محمد ابن الحنفية، عن علي. وأبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري؛ فأما رواية محمد ابن الحنيفة فما رواها إلا ابن عقيل. وأما رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد فما رواها عنه إلا أبو سفيان، وقد ذكرنا السبب في جرحهما في كتاب "المجروحين" وقد وهم حسان بن إبراهيم؛ فرواه عن سعيد بن مسروق، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وذلك يوهم أن أبا سفيان هو والد سفيان الثوري، ولم يعلم أن أبا سفيان هو طريف السعدي كان واهيًا في الحديث؛ فإن أبا سفيان الثوري هو سعيد بن مسروق كان (ثقة) فحمل هذا على ذلك، ولم يميز؛ إذ الحديث لم يكن من صناعته. هذا لفظه، وتبعه ابن طاهر في "تذكرته" على ذلك، وقد علمت أن للحديث خمس طرق، وكلام غيره على الطريقين الأولين. فائدة: قال ابن العربي في "شرح الترمذي": سمي الوضوء مفتاحًا؛ لأن الحدث مانع من الصلاة كالغلق على الباب يمنع من دخوله إلا بمفتاح. وقال الأزهري: (سمى) التكبير تحريمًا؛ لأنه يمنع المصلي من الكلام والأكل وغيرهما. قال: وأصل التحريم من قولك: حرمت فلانًا كذا -أي: منعته- وكل ممنوع فهو حرام وحرم".
[ ٢ / ٥٣ ]
فائدة:
قال ابن بشير في كتابه التحرير: أقوال الصلاة كلها ليست فرضًا، إلا ثلاثة:
- تكبيرة الإحرام.
- والفاتحة.
- والسلام.
وأفعالها كلها فرائض، إلا ثلاثة:
- رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام.
- والجلسة الوسطى.
- والتيامن عند السلام.
زاد في المقدمات: والاعتدال؛ فإنه مختلف فيه. انتهى. ونظمت المسائل الست، وزدت المسائل الخمس المختلف في فرضيتها وسنيتها، فقلت:
وأقوال الصلاة الفرض منها ثلاث ليس فيها ما يزاد
فإحرام سلام والمثاني لفذ والإمام كذا نفاد
وكل الفعل فرض لا ثلاث تيامنك السلام إذا يراد
ورفع يد مع الإحرام صفة لا وسط جلسة وفقًا أفادوا
وخذ خمسًا أتاك الخلف فيها بسنة أم بفرض تستفاد
طهارة بقعة ستر وثوب ورفع من ركوع لا يجاد
وفصل الاعتدال بين ركن وآخر فاحفظنها كي تساد
والفريضة الثانية: قيام لها، فلا يكبر جالسًا ولا راكعًا، وإن فعل لم يجزئه؛ للعمل.
إلا لمسبوق فتأويلان في وجوب قيامه لها وعدم وجوبه في فهم قول
[ ٢ / ٥٤ ]
المدونة: وإذا كبر للركوع ونوى به العقد أجزأه.
الباجي وابن بشير: التكبير له إنما هو حال الانحناء.
قالا: وهو ظاهر.
وقال غيرهما: معناها كبر قائمًا.
ابن المواز: لو كبر منحنيا لم تصح له تلك الركعة.
وشهره في التنبيهات، وكان ينبغي للمؤلف أن يذكر المشهور، وينبه على التأويلين.
سؤال:
ما الفرق بين صحة إيقاع الإحرام منحنيًا عند من حمل المدونة عليه، وعدم صحة إيقاع السلام قائمًا؟
الجواب:
إن الركوع يصدق عليه القيام لصحة وصفه بأنه قائم غير مستقيم القيام، والسلام لا يصدق عليه أنه أوقعه جالسًا.
[ما يقال للإحرام:]
وإنما يجزئ للإحرام في الصلاة اللَّه كبر، وإن أعجميًا، لا: اللَّه أجل وأعظم، ولا: الأكبر، ولا: الكبير، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي وأبي يوسف، وإنما لم يجزئ للعمل، والمحل محل توقيف ولا يجزئ مرادفه من لغة أو لغتين، كـ: خذ، أي: أكبر، ولو أسقط حرفًا واحدًا لم يجزئه، ولو كان بلسانه عارض يمنع الراء لم يسقط عنه التكبير؛ لأن كلامه يعد تكبيرًا عند العرب، ولو كان مقطوع اللسان لا ينطق إلا بالباء سقط عنه.
[العجز عن الإحرام:]
فإن عجز المصلي عن النطق بها مع قدرته على النطق بغيرها سقط عنه النطق بها.
[ ٢ / ٥٥ ]
قال الأبهري وعبد الوهاب: ويكتفي بالنية والعاجز عن النطق جهة تكفيه النية اتفاقًا.
والفريضة الثالثة: نية الصلاة المعينة، فيقصد عند الدخول فيها إيقاعها بعينها: ظهرًا أو عصرًا أو غيره؛ لأنها في الذمة كذلك، وأخرج به الفرض المطلق.
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف عدم افتقار كل جزء من أجزائها أو عدد من أعداد ركعاتها إلى نية، بل تنسحب النية على جميع أركانها حكمًا.
وقيل: يفتقر وجوبًا.
والقولان في المذهب، حكاهما ابن بزيزة (١). انتهى.
قال القرافي عن بعض الفضلاء: إن نوى الفريضة لزم أن لا يثاب على السنن والفضائل لعدم قصدها، وإن نواهما لزم نية الصلاة سننًا وفروضًا حتى يثاب على الجميع، وأنتم لا تقولون به.
وأجيب بأنه ينوي الفرض فيثاب على سننه وفضائله لاندراجهما في النية تبعًا؛ لأنه قد استقر أن لكل فرض خاص سنة خاصة، أي: وفضائل كذلك.
[التلفظ بالنية:]
ولفظه -أي: تلفظه بما يقصده- واسع غير مضيق فيما يعبر به عنه، كذا قرره البساطي. انتهى. فلا فرق بين قوله: (أصلي الصبح) مثلًا، أو:
_________________
(١) هو: عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد القرشي، التميمي، التونسي، المعروف بابن بزيزة (أبو محمد) (٦٠٦ - ٦٦٢ هـ) (١٢٠٩ - ١٢٦٤ م) صوفي، فقيه، مفسر، ولد بتونس في ١٤ المحرم، وتوفي في ٤ ربيع الأول. من تآليفه: الإسغاد في شرح الإرشاد، شرح الأحكام الصغرى لعبد الحق الإشبيلي، تفسير القرآن، وشرح التلقين مخطوط، ينظر: نيل الابتهاج ١٧٨.
[ ٢ / ٥٦ ]
(أصلي فريضة الصبح)، أو: (أدائها).
وقال الشارح: الأولى عدم النطق به، فإن نطق لم يضر، وهو عين قوله: (ولفظه واسع). انتهى.
ونحو هذا قول بعض مشايخي: ينبغي أن يتلفظ بقصده، بأن يقول: نويت فرض الوقت مثلًا؛ لأن النية محلها القلب، فلا مدخل للسان فيها، فإن تلفظ فواسع، وقد خالف الأولى. انتهى.
ويحتمل إن ترك اللفظ في النية والإتيان به واسع، فهما متساويان.
[تخالفُ النية واللفظ:]
وإن تخالفا -أي: نيته ولفظه- فالعقد، وهو: النية، تعتبر دون اللفظ، كـ: ناوٍ ظهرًا تلفظ بعصر مثلًا، قال في الإرشاد: الأحوط الإعادة.
[نقض النية:]
والرفض -بأن يحدث ما ينافي نيته أولًا ويناقض جزمها، كـ: نيته الخروج في الحال أو أثنائه- مبطل، هذا كالصوم، بخلاف الوضوء والحج، وتقدم الفرق في الوضوء.
ثم شبه في البطلان، فقال: كسلام تيقن إيقاعه عقب اثنتين من رباعية مثلًا، وأتمها بنفل، أو ظنه -أي: السلام من اثنتين- فأتم بنفل فيهما، بطلت صلاته في الأولى، ومحل البطلان في الثانية إن طالت قراءته ولو لم يركع، أو ركع ولم يطل.
وإلا بأن انتفى ما تقدم بأن لم يتم بنفل في الأولى، ولم تطل قراءته، ولم يركع في الثانية، فلا تبطل، وفيه إجمال يأتي بيانه.
[مسائل لا تبطل الصلاة فيها:]
ثم شبه في عدم الإبطال خمس مسائل، فقال:
[١] كأن لم يظنه -أي: السلام- من فرضه، بأن ظن أنه في نافلة من غير أن يعتقد السلام، فالمشهور الإجزاء، وعدمه صححه الجلاب.
[ ٢ / ٥٧ ]
[٢] أو عزبت النية، بأن غفل عنها بعد الإتيان بها في محلها، لم تبطل صلاته، وسواء كان عزوبها لأمر دنيوي تقدم صلاته، أو طرأ له فيها، وهو كذلك، خلافًا لابن العربي في إبطالها بدنيوي تقدمها.
[٣] أو لم ينو عدد الركعات على الأصح؛ لأن كل صلاة تستلزم عدد ركعاتها.
[٤، ٥] أو الأداء أو ضده، وهو: القضاء، لم تبطل إذا لم ينوهما، بل أطلق، لأن كونها وقتية يستلزم كونها أداء، وكونها فائتة يستلزم كونها قضاء.
وبما ذكرنا في صدر هذه المسائل الخمس يندفع قوله الشارح: لو قال: "كأن غربت" لكان أحسن؛ لأن المعنى: وإلا فلا تبطل صلاته، كأن عزبت نيته.
والفريضة الرابعة: نية اقتداء المأموم بصلاة إمامه، فان لم ينوه ولكن تابعه بغير نية بطلت صلاته.
قال ابن عبد السلام: كان بعض أشياخنا يقول: هذا الشرط لا بد منه، ولكنه لا يلزم التعرض إليه بما يدل عليه مطابقة؛ إذ هناك ما يدل عليه التزامًا، كـ: انتظار المأموم إمامه بالإحرام، ولو سئل حينئذ عن سبب الانتظار لأجاب بأنه مأموم، وما قاله ظاهر. انتهى.
وتخصيص المأموم مخرج للإمام، فلا تجب عليه نية الإمامة، وقد استثنوا من ذلك خمس مسائل ينوي الإمام فيها الإمامة، ستأتي في شروط الاقتداء.
تنبيه:
قال بعض مشايخي: قد أشكل على بعض مشايخنا الجمع بين هذا وذاك، لما قيل له: كيف تجعلون الاقتداء تارةً ركنًا، وتارةً شرطًا، والركن
[ ٢ / ٥٨ ]
داخل الماهية، والشرط خارجها؟ ! وأجاب بأنه: لا إشكال؛ لاختلاف الجهة، وذلك أن ركنيتها مأخوذة بالنسبة للصلاة، وشرطيتها بالنسبة للاقتداء، وهذا جلي من كلامهم. انتهى.
وفيه شيء، وقد يقال: إن المصنف أشار بما هنا وهناك إلى قولين بالركنية والشرطية.
[مسألة في الائتمام:]
وجاز له -أي: للمأموم- دخول في الصلاة على ما أحرم به الأمام، ظاهره: العموم؛ لقول الطراز: إذا أحرم بما أحرم به إمامه.
قال أشهب: يجزئه.
اللخمي عن الموازية: أجاز أشهب في كتاب محمد أن يدخل على نية الإمام، وإن لم يعلم في أي صلاة هو، ومعتمد الجواز إهلال علي وأبي موسى -﵄- في حجة الوداع بما أهل به رسول اللَّه -ﷺ-، ولنا في هذه المسألة بحث، وهو: أنه إن نوى حجًا مطلقًا صح وانصرف لفرض إجماعًا، ولا كذلك الصلاة، وأيضًا الإفراد في الحج أفضل عندنا، وعلمنا أنه -ﷺ- إنما يفعل الأفضل، وأيضًا المقيس عليه ذكر المصنف فيه قولين بغير ترجيح، وكان ينبغي أن يكون المقيس كذلك، وبقي هنا كلام، انظره في الكبير.
[مما تبطل به النية:]
وبطلت نية بسبقها لتكبيرة الإحرام إن كثر السبق، فسبقها مضاف للفاعل، أي: تسبق هي، والمفعول محذوف، والا بأن لم يكثر السبق فخلاف في البطلان وعدمه، الأول لابن الجلاب وتلميذه عبد الوهاب، وعليه فيشترط مقارنة النية للتكبير، والثاني لابن رشد وابن عبد البر وابن عات، وهو ظاهر المذهب، وعليه فلا تشترط المقارنة.
تنبيه:
تلخص من كلامه أن للنية أحوالًا:
[ ٢ / ٥٩ ]
- مقارنتها، ولا إشكال فيه، قال المصنف: ومعناه أنه لا يجوز الفصل بين النية والتكبير، لا أنه يشترط أن تكون مصاحبة للتكبير.
- وتقدمها كثيرًا، وأطلق البطلان فيه كابن الحاجب، وقدره بعض مشايخي بعدم الاستصحاب، والخلاف في اليسير (١)، ولم يقيده المصنف بالاستصحاب، وقيده به ابن الحاجب.
قال المصنف: إذ الاستصحاب نية.
- وتأخرها، قال في توضيحه: ولا خلاف في عدم إجزائه.
والفريضة الخامسة: فاتحة، أي: قراءتها في الفرض دون غيرها من القرآن، خلافًا لأبي حنيفة، ودون قراءة جملة، خلافًا لابن زياد في قوله: من صلى ولم يقرأ لا إعادة عليه، ورواه عن مالك، وخلافًا لابن شبلون في
_________________
(١) قال الأجهوري: "اليسير إن ينوي في بيته ثم تذهب عنه النية حتى يتلبس بالتكبير لها في المسجد أو بعد ذلك الصادق ببعد الفراغ منها، وهذا يفيده قول ابن عبد البر حاصل مذهب ما لا يضر غزو بها بعد قصده المسجد لها ما لم يصرفها لغير ذلك، ابن عات وهو ظاهر المذهب. انتهى. المراد منه ويعتبر مسجد المدينة من أبعد دار منها لأن الإمام إنما يتكلم على بلده، وكذا يحمل عليه كلام من بعده ويدل له تشبيهها بنية الوضوء والغسل والقول بالبطلان عزاه (تت) لابن الجلاب وصاحب الرسالة وعبد الوهاب، وقال ابن العربي: أجمعوا على أنه لا بد من مقارنتها قاله (ق) وذكره (ح) بما لفظه، قال ابن العربي في أوائل العارضة: قال بعضهم: يجوز تقديم النية على التكبير قياسًا على أحد القولين في الوضوء، وهذا جهل عظيم؛ فإن النية في الصلاة متفق عليها وهي أصل، والنية في الوضوء مختلف فيها فرع لها ومن الجهل جهل الأصل على الفرع، ولكن القوم يستطيلون على العلوم بغير محصول. (قوله): وفاتحة بحركة لسان على إمام وقد وإن لم يسمع نفسه (ش)، أي: في الفرض والنفل قاله في الكافي وهو ظاهر كلام المؤلف، ونقل (تت) عن البرزلي أنها في النفل سنة على المشهور. انتهى. وهل تجب قراءتها على من يلحن فيها أم لا وينبغي أن يقال: تجب قراءتها على القول بأن اللحن فيها لا يبطل إذ هي (خ) بمنزلة ما لا لحن فيها وإما على القول بأنه يبطل فإنه لا يقرأها وعلى هذا؛ فإن كان يلحن في بعض دون فإنه يجب أن يقرأ ما لا لحن فيه ويترك ما يلحن فيه وهذا إذا كان ما يلحن فيه متواليًا وإلا فيظهر أن يترك الكل".
[ ٢ / ٦٠ ]
عدم فرضية الفاتحة؛ لقوله بسقوط فرضيتها لحمل الإمام لها، وهو لا يحمل فرضا، وأما قراءتها في النّفل فسنة على المشهور، نص عليه البرزلي.
فائدة:
سميت فاتحة لأنها فاتحة الكتاب، كتسمية مكة أم القرى؛ لأنها أصلها، وتسمى: سورة الحمد، والسبع المثاني، والصلاة، والوافية بالفاء، والواقية بالقاف، والكافية، والشافية، والأساس، وأم القرآن، فهذه عشرة أسماء.
وتسمى أيضًا: الكنز، والدعاء، وتعليم المسألة، والشفاء؛ لخبر: "هي شفاء لكل داء" (١).
وهي سبع آيات اتفاقًا، لكن بعضهم عد البسملة دون ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وبعضهم عكس.
[ما يشترط في قراءتها:]
بحركة لسان، لا في نفسه دون حركته؛ إذ ليس بقراءة، بدليل جوازه للجنب.
وأفهم كلامه: أنه لو قطع لسانه أو كان أخرس لم تجب عليه القراءة في نفسه، وهو كذلك، خلافًا لأشهب.
_________________
(١) هذا الحديث لم أجده في شيء من كتب الحديث، وقد رأيت الخطيب الشربيني قد قال في السراج المنير (١/ ١١): "وتسمّى أمّ القرآن لأنها مفتتحه ومبدؤه فكأنها أصله ومنشؤه، ولذلك تسمى أساسًا أو لأنها تشتمل على ما فيه من الثناء على اللَّه تعالى، والتعبّد بأمره، ونهيه وبيان وعده ووعيده أو على جملة معانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الطريق المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء، وسورة الكنز لأنها نزلت من كنز تحت العرش، والوافية والكافية لأنها وافية كافية في صحة الصلاة بخلاف غيرها عند القدرة عليها، والشافية والشفاء لقوله ﵊: "هي شفاء لكل داء" والسبع المثاني لأنها سبع آيات باتفاق". ولكن الشربيني متأخر عن صاحبنا بنحو ٣٥ عاما.
[ ٢ / ٦١ ]
قال في الطراز: والوجوب على إمام وفذ، لا مأموم؛ لخبرة "قراءة الإمام قراءة المأموم" (١)، ويحصل فرضها بحركة اللسان وإن لم يسمع نفسه، خلافًا للشافعية.
والفريضة السادسة: قيام لها -أي: للفاتحة- لا لنفسه في حق الإمام والفذ، فلو عجز عنه سقط، ولو قدر في أثنائها وجب، ولو عجز عن بعضها فهل يجلس ليكملها، أو يفعل ما يقدر عليه؟ خلاف (٢).
وقيل: القيام واجب مستقل.
وفائدة الخلاف إذا عجز عن الفاتحة وقدر عليه، وأما المأموم فلا يجب عليه قيام لها.
ابن يونس: لما جوزوا له ترك القراءة خلف الإمام جاز له ترك القيام.
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وإنما هو بلفظ: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"، فرواه من حديث جابر: أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٩ رقم ١٤٦٨٤) وعبد بن حميد (ص ٣٢٠، رقم ١٠٥٠)، والطحاوي (١/ ٢١٧) وابن ماجه (١/ ٢٧٧، رقم ٨٥٠)، والدارقطني (١/ ٣٢٣) وقال: لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسين بن عمارة وهما ضعيفان. والبيهقي (٢/ ١٦٠، رقم ٢٧٢٤). ومن حديث أنس: أخرجه ابن عساكر (٤٩/ ٣٤١). ومن حديث ابن عمر: أخرجه الخطيب (١/ ٣٣٧). وأخرجه أيضًا: الدارقطني (١/ ٣٢٥) وقال: محمد بن الفضل: متروك. ومن حديث أبي سعيد: أخرجه الطبراني فى الأوسط (٧/ ٣٠٨، رقم ٧٥٧٩). ومن حديث عبد اللَّه بن شداد: أخرجه عبد الرزاق (٢/ ١٣٦، رقم ٢٧٩٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٣٠، رقم ٣٧٧٩). وأخرجه أيضًا: البيهقي (٢/ ١٦٠، رقم ٢٧٢٣).
(٢) قال الأجهوري: " (قوله): وقيام لها (ش)، أي: الفاتحة التي هي زمن فإن عجز عن القيام لبعض فهل يسقط القيام لما يقدر على القيام فيه منها ويأتي بها كلها من جلوس أو يأتي بما يقدر عليه قائمًا ويجلس في غيره قولان، قاله (تت) عند قوله: وإن عجز عن فاتحة إلخ. وذكر (تت) هنا ما ظاهره يخالف ذلك وذكر (ح) هناك أن المشهور أنه يقوم".
[ ٢ / ٦٢ ]
[حكم تعلم الفاتحة:]
وإذا قلنا بوجوبها في الصلاة فيجب تعلمها إن أمكن، بأن اتسع الوقت، وقبل التعلم، ووجد معلمًا، وإلا يمكن ذلك ائتم وجوبًا بمن يحسنها إن وجده على الأصح، فان صلى منفردًا مع إمكانه بطلت عند محمد وسحنون.
فرع:
لو سمعها في أثناء صلاته فحفظها، قال المازري: لا نص، ثم حكى عن ابن سحنون عن أبيه وبعض أصحابنا يتم صلاته، كعاجز عن القيام قدر عليه أثناءها.
[سقوطها والقيام لها:]
فإن لم يمكنا أعاد الشارح ضميره لمن لا يجد من يعمله أو وجد وضاق الوقت أو لم يضق ولكن لم يقبل حينئذ ولم يمكن الإتمام لعدم من يقتدي به، فالمختار من الخلاف عن اللخمي سقوطهما، أي: الفاتحة والقيام لها السابق في قوله: (وقيام لها)، وهو ظاهر صنيعه في توضيحه.
وقال البساطي: حمل الشارح ضمير (يمكنا) على التعليم والائتمام، أي: وإن لم يمكن التعليم والائتمام، فقولان: السقوط لغير بدل، والسقوط لبدل، وهو ما تيسر من الذكر، واختار اللخمي الأول.
فيظهر من هذا التقرير أن ضمير سقوطهما للفاتحة وبدلها، أي: وهو الائتمام، وعلى هذا فكلامه قلق. انتهى. وانظر بقيته في الكبير.
تتمة:
قال ابن عرفة: لو أحصر عنها في أثنائها فرجًا عودها في الوقت أو بعده كمتقدم رجا رفع رعاف حدث فيها.
[بدل القراءة:]
وندب لمن سقطت عنه القراءة فصل -أي: يقف وقوفًا ما- بين
[ ٢ / ٦٣ ]
ركني تكبيره وركوعه، ولا يعوض القراءة بمعناها في لغته اتفاقًا.
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف: أنه لا يستحب الذكر بدل القراءة، واختار اللخمي خلافه، وكأنه لم يقو عنده، فلم ينبه عليه، وإن قال بعض أئمتنا بوجوبه.
فرع:
قال أشهب: لو قرأ في صلاته شيئًا من التوراة والانجيل والزبور فقد أفسدها، وهو كالكلام، وكذا لو قرأ شعرًا فيه تسبيح وتحميد لم يجزئه.
[محل وجوب الفاتحة:]
واختلف: هل تجب الفاتحة في كل ركعة، وشهره ابن شاس، وصححه في التلقين، وتبعه ابن الحاجب، وهو رأي جماعة، أو الوجوب في الجل، وهو لأبي عمر عن ابن القاسم، وشهره في الإرشاد، القرافي: وهو ظاهر المذهب؟ خلاف.
على أن المصنف في توضيحه ضعف الثاني، وفهم من قوله: (الجل) أن المتروك منه القراءة ثلاثية أو رباعية، وأنه لو تركها في ركعة من ثنائية أو في اثنتين من رباعية لم يكن الحكم كذلك، على أنه حكى في توضيحه في ذلك قولين عن ابن عطاء اللَّه:
- أشهرهما يتمادى، ويسجد قبل السلام، وهو مذهب المدونة.
- وثانيهما لأصبغ وابن عبد الحكم: يلغي ما ترك من القراءة، ويسجد بعد السلام.
[ ٢ / ٦٤ ]
[حكم ترك بعضها:]
وإن ترك آية منها، ولم يمكنه تلافيها، سجد قبل سلامه، ولا تبطل (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: " (قوله): وإن ترك آية منها سجد (ش) لو قال: وإن ترك بعضها أو كلها ولو في محل صلاته سجد لطابق ما في التوضيح من إن من تركها في نصف يسجد وصلاته صحيحة على المشهور. وما ذكره الفاكهاني من إن المشهور أن من تركها في محل صلاته يسجد، ورجح ابن راشد البطلان فيما شهر فيه في التوضيح السجود، وقد ذكر بعض حذاق أشياخي كلام التوضيح وقال ملخص ما ذكره في توضيحه أنه قال: إذا بنينا على قول المغيرة الذي يرى أنها واجبة في ركعة واحدة فإما أن يتركها في نصف الصلاة أو في أقل، ففي الأول قولان؛ أشهرهما: أنه يتمادى ويسجد قبل السلام ويعيد الصلاة، أي: احتياطًا وهو مذهب المدونة وثانيهما: لأصبغ وابن عبد الحكم: يكفي ما ترك فيه الفاتحة ويأتي بمثله ويسجد بعد السلام. انتهى. وقال (تت): وفهم من قوله: الجل إن المتروك منها القراءة ثلاثية ورباعية وإنه لو تركها في ركعة ثنائية أو في اثنتين من رباعية لم يكن الحكم كذلك على أنه حكي في توضيحه في ذلك قولين: ابن عطاء اللَّه أشهرهما: يتمادى ويسجد قبل السلام وهو مذهب المدونة، وثانيهما: لأصبغ وابن عبد الحكم: يلغي ما ترك منه قراءة الفاتحة ويسجد بعد السلام. انتهى. لكن الذي في التوضيح أنه يتمادى ويسجد قبل السلام ويقيد احتياطًا. انتهى. قلت: تحرير القول في السجود عند من يقول بالغًا ما سقطت فيه الفاتحة من الركعات أنه إن تركها من أولى الرباعية وثانيتها سجد قبل السلام لانقلاب الركعات في حقه، وإن تركها من الثالثة والرابعة منها أو من إحداهما سجد بعد السلام، فكل من كلام (تت) و(المص) مقيد، ثم إن قول (المص) وإن ترك آية منها إلخ يجري على القول بوجوبها في الجل وهو واضح، وعلى القول بوجوبها في الكل كما هو ظاهر كلامه، ولعله مراعاة للقول بوجوبها في الجل وإلا فكيف يجزي سجود السهو في ترك بعض الركن، ثم ظاهر كلام (المص) أيضًا يصدق بما إذا تركها في أكثر من ركعة ولعل وجهه مراعاة للقول بأنها لا تجبر في الكل الصادق بوجوبها في ركعة فقط. ويبقى النظر فيما إذا ترك الآية المذكورة في كل ركعات الصلاة والظاهر أنه يجري على مسألة من ترك ركنًا سهوًا وهذا كله في ترك الفاتحة سهوًا وأما تركها عمدًا، أي: في ركعة فذكر (د) فيه قولين عند قوله: أو الجل خلاف، أحدهما: أنه يسجد وتجزيه صلاته، والثاني: أنه يعيد الصلاة. انتهى. إن ترك بعضها عمدأ يجري فيه القولان المذكوران.=
[ ٢ / ٦٥ ]
والفريضة السابعة: ركلوع، وهو لغة: انحناء الظهر، وشرعًا: أقله أن ينحني، ويضع يديه على آخر فخذيه -بحيث تقرب راحتاه -وهما: بطنا كفيه، والجمع راح بغير تاء- فيه -أي: في انحنائه المفهوم من ركوع- من ركبتيه-، فما دونه لا يسمى ركوعًا شرعًا.
[أكمل الركوع:]
وأشار لأكمله بقوله: وندب تمكينهما -أي: راحتيه- منهما -أي: ركبتيه- فلا يطبق، ويستحب نصبهما -أي: ركبتيه- بأن يقيمهما معتدلتين، قاله ابن فرحون، أي: فلا يبرزهما.
فقول البساطي: (يبرزهما قليلًا مستويتين؛ ليمكن وضع كفيه عليهما) غير ظاهر.
تنبيه:
لا ينكس رأسه بحيث يكون أعلى ظهره أخفض من أسفله، ولا عكسه، بل يجعله مستويًا؛ لخبر: "لا يذبح الرجل في الركوع كما يذبح الحمار" (١).
_________________
(١) = وأما على القول بوجوبها في الكل فتبطل الصلاة بترك بعضها عمدًا يجري فيه القولان، وما ذكره (د) من الخلاف في سجود السهو حيث تركها عمدًا خلاف، ما يفيده كلام بعض شراح الرسالة من أن من تركها عمدًا، في أقل الصلاة على القول بوجوبها في الجل فتبطل صلاته ولا يجري فيها الخلاف في تارك السنة عمدًا ولكنه خلاف ما للمحشي كما علمته من تنبيه ابن فرحون على ابن الحاجب. فعلى هذا، أي: قوله وإن ترك آية منها سجدا إن ابتدأ المصلي بالفاتحة قبل أن يعتدل قائمًا فينبغي أن يسجد قبل السلام إن كان قرأ في حال قيامه آية ونحوها، وتصح صلاته إن كانت فرضًا أو نفلًا. وأما على القول بأنه لا سجود عليه فلا ينبغي أن يسجد في هذه الصورة لأنه أتى بالفاتحة كلها ترك الاعتدال في بعضها. انتهى".
(٢) ذكره في التلخيص الحبير (١/ ٥٨٩)، وعزاه للدارقطني، ولم أجده فيه، وفوق كل ذي علم عليم.
[ ٢ / ٦٦ ]
تذييل:
لو لم يضعهما على ركبتيه لم يسم ركوعًا، قاله الباجي، وأفتى أبو يوسف الزغبي (١) أحد شيوخ ابن ناجي بالبطلان، وحكى عن شيخه الغبريني (٢) الإجزاء، وأنه مستحب، وأنه كان يفتي به.
واختلف فتوى شيخه أبي محمد الشبيبي (٣) بالبطلان، ثم الصحة. انتهى. ومشى المصنف هنا على استحبابه.
والفريضة الثامنة: رفع منه -أي: من الركوع- فإن لم يرفع وجبت الإعادة على المشهور.
والفريضة التاسعة: سجود، وهو لغة: الانخفاض إلى الأرض على جبهته فيمس بها الأرض، أو ما اتصل بها، كـ: سرير.
تنبيه:
أطلق الجبهة وأراد بعضها، لقول عياض: لا يشترط تمكين جميعها، بل بعضها كاف. ومثله لابن عبد السلام.
[حكم السجود على الجبهة فقط:]
وأعاد صلاته إن سجد على جبهته فقط، وإعادته لترك السجود على
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) هو: أحمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد، أبو العباس الغبريني، (٦٤٤ - ٧٠٤ هـ = ١٢٤٦ - ١٣٠٤ م): مؤرخ، نسبته إلى (غبرى) من قبائل البربر في المغرب، ومولده في بجاية، وتولى قضاءها، ومات فيها شهيدًا. له (عنوان الدراية فيمن عرف من علماء المائة السابعة في بجاية - ط). ينظر الأعلام (١/ ٩٠).
(٣) هو: عبد اللَّه بن يوسف البلوي الشبيبي، (٠٠٠ - ٧٨٢ هـ = ٠٠٠ - ١٣٨٠ م): فقيه واعظ من علماء المالكية. كان مفتي القيروان. وهو شيخ أبي القاسم البرزلي، وابن ناجي. له "شرح لرسالة ابن أبي زيد - خ" في الصادقية. توفي بالقيروان. ينظر: الأعلام (٤/ ١٤٨).
[ ٢ / ٦٧ ]
أنفه بوقت (١)، وعليه دون جبهته أبدًا على المشهور.
_________________
(١) قال الأجهوري: " (قوله): وأعاد لترك أنفه بوقت (ش) الراجح أن السجود على الأنف مستحب والإعادة مراعاة لمن يقول بوجوبه إذ المستحب لا تترتب الإعادة بتركه، كما يفيده كلامهم عند قوله وبمشغل عن فرض وعن بعيد في الوقت، (وقوله): بوقت، أي: اختياري كذا ينبغي؛ لأن السجود عليه مستحب على المشهور، وظاهر كلام (المص) هذا الحكم جار ولو ترك السجود عليه في سجدة واحدة من رباعية، (قوله): وسن على أطراف قدميه وركبتيه كيديه على الأصح، (ش) أشار بقوله وسن على أطراف قدميه وركبتيه لقول ابن القصار الذي يقوي في نفسي أن السجود على الركبتين وأطراف القدمين سنة. انتهى. وظاهره أنها سنة واحدة وكلام (المص) لا يأباه هذا، وقد تقرر أن البغداديين لا يفرقون بين السنة والمستحب فلا دلالة فيه للمصر، وأما الثالث فقال بعض الشارحين أشار به لقول سند: الأصح إعادة من ترك السجود على اليدين سنة، وقد يقال: بل فيه دلالة على ذلك لأن الأصل فيما يعاد لتركه من غير الفرائض إنما هو السنن وسيأتي وعن سنة يعيد في الوقت، أي: وإما عن مستحب فلا إعادة، ثم قال بعض الشارحين وفي الذخيرة ولو جلس بين السجدتين ولم يرفع يديه فالمشهور تجزيه. انتهى. وهو قول سحنون ويتخرج عليه سنية السجود عليها. انتهى. وقوله: يتخرج عليه إلخ فيه نظر لكن مقتضي كلام (الشر) تسليم هذا التخرج. وقول ابن عرفة: سمع يحيى قبض الساجد أصابعه على شيء أو لغير عذر عمدًا استغفر اللَّه منه ابن رشد إيجابه الاستغفار يدل على أنه سنة. انتهى. لا يدل على أن السجود على اليدين سنة بل على أن ترك قبض الأصابع سنة. وكذا قول ابن عرفة ابن القاسم أرجو خفة ترك وضع يديه في سجوده لإمساكه عفان فرسه إن لم يجد بدًا ابن رشد هذا أحسن من سماع زياد ولا أحب له تعمده. انتهى. لا يدل على أن السجود عليها سنة أيضًا. وقول شارح الرسالة في قول الرسالة: وتباشر بكفيك الأرض، أي: استحبابًا يدل على أن السجود عليهما مستحب وهو نحو قول ابن رشد ويكره ستر اليدين بالكمين من غير ضرورة حرًا وبردًا. انتهى. والحاصل أنه ليس في هذه النصوص ما يفيد سنية السجود على اليدين فيه نظر، ثم إنه يفهم من كلام غير واحد أن قوله على الأصح راجع لقوله كيديه. وفي (تت): وتعقب (الشر) على المص بأنه لم يقف على الخلاف في السجود على اليدين منصوصًا وإنما محرج على القولين ببطلان صلاة من لم يرفع يديه من السجدتين، وأقره البساطي فيه نظر؛ فإن العوفي ذكر الخلاف في ذلك، فقال: هل حكم اليدين في السجود حكم الوجه أو حكم الركبتين؟ والأكثر أن حكمها كالوجه. انتهى. =
[ ٢ / ٦٨ ]
فرع:
في الطراز: لو رفع من الركوع فسقط على جنبه وانقلب على جبهته أجزأه عند أبي حنيفة، خلافًا للشافعي، ويتخرج في المذهب على قولين، قياسًا على من قرأ السجدة، فأهوى إليها، فركع ساهيًا. انتهى.
وذكر القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ أن سجود بني إسرائيل كان على شق واحد. انتهى. وانظر سبب كونه كذلك في بقية كلامه (١).
_________________
(١) = فقوله: أو حكم الركبتين يدل على أن السجود عليها سنة والأكثر أنها كالوجه يرد على قول (المص) على الأصح، هذا وما نقل من حمل الأمر في حديث: "أمرت إن أسجد على سبعة أعضاء" على الوجوب أو الندب يخالف ما ذكره (المص). تنبيه: انظر على ما ذكره (المص) في أن ما ذكر سنة هل ذلك في جميع الصلاة أو في كل ركعة أو في كل سجدة؟ وقال في الرسالة: وتكون رجلاك في سجودك قائمتين وبطون إبهاميها إلى الأرض، قال شارحها: وكذلك بطون سائر الأصابع انتهى. أي: وهذا مستحب".
(٢) قال القرطبي (١/ ٤٣٦، وما بعدها): "قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ هذه الآية تفسر معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١]. قال أبو عبيدة: المعنى زعزعناه فاستخرجناه من مكانه. قال: وكل شيء قلعته فرميت به فقد نتقته. وقيل: نتقناه رفعناه. قال ابن الأعرابي: الناتق الرافع، والناتق الباسط، والناتق الفاتق. وامرأة ناتق ومنتاق: كثيرة الولد. وقال القتبي: أخذ ذلك من نتق السقاء، وهو نفضه حتى تقتلع الزبدة منه. قال: وقوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قال: قلع من أصله. واختلف في الطور، فقيل: الطور اسم للجبل الذي كلم اللَّه عليه موسى ﵇ وأنزل عليه فيه التوراة دون غيره، رواه ابن جريج عن ابن عباس. وروى الضحاك عنه: أن الطور ما أنبت من الجبال خاصة دون ما لم ينبت. وقال مجاهد وقتادة: أي: جبل كان. إلا أن مجاهدًا قال: هو اسم لكل جبل بالسريانية، وقال أبو العالية. وقد مضى الكلام هل وقع في القرآن ألفاظ مفردة غير معربة من غير كلام في مقدمة الكتاب. والحمد للَّه. وزعم البكري أنه سمي بطور ابن =
[ ٢ / ٦٩ ]
[ما يسن في السجود:]
وسن السجود على أطراف قدميه، فيباشر بأصابعهما الأرض، ويجعل كعبيه أعلى، واحترز به عن السجود على ظهورهما.
وسن على ركبتيه، قال ابن القصار: والذي يقوى في نفسي أنه سنة، ثم شبه في الحكم قوله: كيديه، أي: يسن السجود عليهما على الأصح، تعقبه الشارح بأنه لم يقف على الخلاف في هذه، فانظره في الكبير.
والفريضة العاشرة: رفع منه، أي: من السجود، قال في توضيحه: اتفاقًا، تبعًا للمازري؛ إذ لو لم يرفع منه فهو سجدة واحدة، وإن طال. انتهى.
وحكى الشارح السنية عن مالك، وحكى ابن عرفة الخلاف في الوجوب والسنية.
والفريضة الحادية عشرة: جلوس سلام، أي: لأجله بقدر ما يعتدل ويسلم، وأما بقية جلوس السلام فسنة على المشهور، وعبارته أحسن من قول غيره: (قدر السلام من الجلسة الأخيرة).
_________________
(١) = إسماعيل ﵇، واللَّه تعالى أعلم. القول في سبب رفع الطور: وذلك أن موسى ﵇ لما جاء بني إسرائيل من عند اللَّه بالألواح فيها التوراة قال لهم: خذوها والتزموها. فقالوا: لا! إلا أن يكلمنا اللَّه بها كما كلمك. فصعقوا ثم أحيوا. فقال لهم: خذوها. فقالوا لا، فأمر اللَّه الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظلة، وأتوا ببحر من خلفهم، ونار من قبل وجوههم، وقيل لهم: خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل. فسجدوا توبة اللَّه وأخذوا التوراة بالميثاق. قال الطبري عن بعض العلماء: لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق. وكان سجودهم على شق، لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفًا، فلما ﵏ قالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها اللَّه ورحم بها عباده، فأمروا سجودهم على شق واحد. قال ابن عطية: والذي لا يصح سواه أن اللَّه تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم لا أنهم آمنوا كرهًا وقلوبهم غير مطمئنة بذلك".
[ ٢ / ٧٠ ]
والفريضة الثانية عشرة: سلام إثر التشهد، فلا يقوم مقامه التكبير، خلافًا لابن شبلون.
[شرط صحة السلام:]
وأشار لشرط إجزائه بقوله: عُرِّف بأل، فلا يجزئ ما عرف بالإضافة، كـ: سلامي، أو سلام اللَّه عليكم، ولا ما نكر على المشهور، ومقابله لابن شبلون، ولا ما نون مع التعريف، وهو كذلك على أحد قولين حكاهما الجزولي.
لا يقال: ظاهر كلام المصنف أنه يكفي السلام فقط، كما هو أحد قولين حكاهما الجزولي.
لأنا نقول: مراده السلام المعروف، وهو السلام عليكم.
تنبيه:
هذا اللفظ متعين، كان المصلي منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، كان خلفه رجل أو امرأة فقط أو متعدد منهما أو من أحدهما، قاله الجزولي؛ إذ لا يخلو من مصحوب من الملائكة، وأقلهم الحفظة الذين لا يفارقونه.
وحكى الزناتي قولًا أنه بحسب المسلم عليه من أفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، كما تقتضيه اللغة العربية.
[اشتراط الخروج به:]
وفي اشتراط تجديد نية الخروج به منها كافتقار نية الإحرام لذلك، سند: وهو ظاهر المذهب. وعدم اشتراطه لانسحاب حكمها عليه، وشهره الفاكهاني في شرح الرسالة (١): خلاف.
_________________
(١) قال الأجهوري: " (قوله): وفي اشتراط نية الخروج به خلاف، (ش) أحدهما: أنه يشترط كافتقار تكبيرة الإحرام للنية، قال سند: وهو ظاهر المذهب، وثانيهما: عدم اشتراطها لانسحاب حكم النية في أول الصلاة عليه كانسحابها على بقية الأركان وشهره الفاكهاني في شرح الرسالة. انتهى. من (تت). =
[ ٢ / ٧١ ]
[ما يجزئ فيه:]
ولما كان الأصل الإتيان في تسليمه الرد بالسلام المتقدم مع إجزاء غيره، قال: وأجزأ في تسليمه الرد على الإمام، وعلى من على اليسار، سلام عليكم مرتبًا كالأول، لكن غير معرف، أو وعليك السلام بالتقديم والتأخير والإفراد.
والفريضة الثالثة عشرة: طمأنينة على الأصح عند ابن الحاجب، وهي رجوع الأعضاء على حالها قبل في جميع الأركان.
والفريضة الرابعة عشرة: ترتيب أداء، فيقدم الإحرام على القراءة، ثم هي على الركوع، ثم هو على السجود، وهو على السلام.
قال في المقدمات: إجماعًا.
والفريضة الخامسة عشرة: اعتدال في الفصل بين الأركان على الأصح؛ لأنه قد يطمئن غير معتدل، وقد يعتدل غير مطمئن، وقد يجتمعان، فإن لم يعتدل وجبت الإعادة.
والأكثر من أهل المذهب على نفيه، أي: نفي وجوب الاعتدال، وأنه للكمال؛ ولذا قال ابن القاسم فيمن لا يعتدل في رفعه من الركوع والسجود: أجزأه، واستغفر اللَّه، أي: لعدم إتمام أركانها على الهيئة التي وردت بها السنة.
لا يقال: كان ينبغي له أن يقدم هذه على التي قبلها؛ ليعود (على الأصح) لهما.
_________________
(١) = قلت: كلام ابن عرفة يفيد أن الثاني هو المعتمد فإنه قال: وفي استحباب نية الخروج ولزومها قولًا المتأخرين وعزاهما ابن العربي للمعروف من المذهب وابن حبيب عن ابن الماجشون ولم يحك ابن رشد غير الأول. انتهى. فرع: لو خرج من الظهر بنية العصر ففي بطلان صلاته قولان أصحهما البطلان انتهى. أي: إن كان عمدًا أو إن كان سهوًا سجد للسهو وآتى بغيره".
[ ٢ / ٧٢ ]
لأنَّا نقول: لو فعله لتوهم أن قوله: (والأكثر على نفيه) راجع للوجوب فيهما، وليس كذلك.
وأيضًا أخره لينبه على مقابل الأكثر هنا دون الأول؛ لأن الأكثر مظنة الشهرة.
وعد صاحب الجلاب الفرائض عشرة، وعدها عياض في قواعده عشرين.
والفريضة السادسة عشرة: يحتمل أنها:
- ترك الكلام.
- ونيته الخروج منها لسلام.
- أو الخشوع.
والأول أولى؛ للاتفاق على أن عمده لغير ضرورة مبطل، وعده العوفي من الشروط، وفيه تفصيل يطول ذكره، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، ويليه الثاني؛ لأنه أحد القولين المشهورين، وأما الثالث فالظاهر عدم فرضيته، وعلى القول بفرضيته لا تبطل الصلاة بعدمه، وإنما ينقص أجرها.
تتمة:
عد بعضهم فرائضها عشرين، فقال: عشرة متفق عليها في المذهب وغيره:
[١] الطهارة من الحدث.
[٢] ومعرفة دخول الوقت.
[٣] والنية.
[٤] والقيام للفرض.
[٥] والتوجه للقبلة.
[ ٢ / ٧٣ ]
[٦] والركوع.
[٧] والسجود.
[٨] والرفع منه.
[٩] وقدر ما يوقع فيه السلام من الجلوس الأخير.
[١٠] وترك الكلام.
وثلاث متفق عليها في المذهب:
[١] تكبيرة الإحرام.
[٢] وقراءة أم القرآن.
[٣] والسلام.
وتسع مختلف فيها في المذهب وغيره:
[١] طهارة الثوب.
[٢] والبدن.
[٣] والبقعة.
[٤] وستر العورة.
[٥] وترك الكلام (١).
[٦] ورفع الرأس من الركوع.
[٧] والاعتدال في الفصل بين أركانها.
[٨] واستصحاب النية.
[٩] والخشوع فيها (٢).
_________________
(١) مكرر.
(٢) كذا في سائر النسخ، وعد هذه الفرائض تسع، إلا إذا عددنا طهارة البدن وطهارة الثوب وطهارة المكان فرضًا واحدًا، واللَّه أعلم.
[ ٢ / ٧٤ ]
تنبيه:
إنما اقتصر المصنف على الستة عشر المذكورة في كلامه لأنها أركان داخل الماهية، ولم يذكر الأربعة: الطهارة والاستقبال وستر العورة ومعرفة دخول الوقت لأنها شروط خارج الماهية، وذكرها في محالها، وإنما لم يذكر الخشوع وإن كان داخل الماهية للخلاف في فرضيته، والظاهر أن المذهب عنده عدمها، أو لأنه وإن كان فرضًا فالصلاة لا يبطلها عدمه، وإنما ينقص أجرها، واللَّه تعالى أعلم.
فائدة:
قال الشهاب القرافي: لفظ: (واللَّه أعلم) لا ينبغي أن توضع هي ونحوها إلا وينوي بها ذكر اللَّه تعالى، فإن استعمال ألفاظ الأذكار لا على وجه الذكر والتعظيم قلة أدب مع اللَّه، منهي عنه، بل ينوي معناها التي وضعت له لغةً وشرعًا. انتهى. واللَّه أعلم.
* * *
[ ٢ / ٧٥ ]
[سنن الصلاة]
وسننها -أي: الصلاة المفروضة-:
- سورة بعد الفاتحة لغير مؤتم في الركعة الأولى مرة، وفي الركعة الثانية مرة، ثنائية كانت الصلاة أو ثلاثية أو رباعية، حضرية أو سفرية، واعتمد هنا قوله في توضيحه: (ظاهر كلامهم أن السنة قراءة السورة؛ لأن كمالها سنة خفيفة)، على أنه قال قبله: (الظاهر: أن كمالها فضيلة، والسنية قراءة شيء مع الفاتحة)، بدليل أن السجود إنما هو دائر مع ما زاد على الفاتحة، لا على السورة، كما صرح به صاحب الإرشاد.
ومفهوم سورة: الاقتصار عليها، فلا يقرأ سورتين فأكثر، وإن جاز، وهو كذلك، بل هو الأفضل؛ للعمل.
وفهم من قوله: (سورة) أنه لو أعاد الفاتحة لم تحصل السنة، وهو كذلك، فيعيدها بعدها، ومن التقييد بالأولى والثانية أنها لا تسن في غيرهما، وهو كذلك.
وفهم منه أيضًا: أنه لو تركها في الأوليين لا يقرؤها في الأخريين، وهو كذلك.
تنبيهات:
الأول: ظاهر كلامه حصول السنة، ولو كرر السورة الأولى في الثانية، وقد ذكر ابن عرفة كراهته.
[ ٢ / ٧٦ ]
الثاني: عدل عن قول ابن الحاجب في الأوليين ليدخل ما ليس له أخريان، كـ: الصبح والجمعة والمقصورة، واللَّه أعلم.
الثالث: قيدنا الصلاة بالمفروضة لتخرج السنة والتطوع، فإن السورة ليست فيهما سنة؛ ولذا تعقب ابن عرفة ابن الحاجب تبعًا لابن شاس أن السورة سنة في السنة والنافلة، قائلًا: لا أعرفه.
والسنة الثانية: قيام لها، أي: للسورة، فهو مطلوب لغيره لا لنفسه.
والسنة الثالثة جهرًا، فله أن يسمع نفسه ومن يليه إذا أنصت له، والمرأة دونه في ذلك، ويرفع الإمام صوته ما أمكنه ليسمع الجماعة.
والسنة الرابعة سرًا أعلاه أن يسمع نفسه فقط، وأقله أن يحرك لسانه بالقراءة من غير أن يسمع نفسه، فإن لم يحرك لم يجزئه ذلك.
الطراز: السر ما لم يسمع بإذن أصلًا؛ لأن ذلك لتصحيح الحروف؛ إذ القراءة فعل اللسان؛ لأنها عبارة عن جمع الحروف باللسان؛ لأنها أخذت من القراءة، وهو الجمع، والإسماع زائد على أصل الكلام؛ لتحقق ثمرة الكلام، وهو الإفهام.
وعلى هذا الأصل يجري كل ما تعلق بالنطق، كـ: الطلاق، والعتاق، والاستثناء، وغيره.
وقال الهندواني (١) من الحنفية: السر أن يسمع نفسه؛ إذ مجرد حركة
_________________
(١) قال في طبقات الحنفية (٢/ ٦٨): "ومحمد بن عبد اللَّه بن محمد أبو جعفر الهندواني البلخي الحنفي يقال له لكماله في الفقه: أبو حنيفة الصغير يروى عن محمد بن عقيل وغيره وتفقه على أبي بكر بن محمد بن أبي سعيد وأخذ عنه جماعة، عاش اثنتين وستين سنة وكان من الأعلام، توفي ببخارى في ذي الحجة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. ومحمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي الحسن الومردي المعروف بشمس الدين بن الصائغ سمع الحديث بمصر والشام وبرع ودرَّس وأفاد، وصنف فأجاد فمن ذلك التعليقة في المسائل الدقيقة ومجمع الفرائد ومنغ الفوائد سبع عشرة مجلدة، والمباني =
[ ٢ / ٧٧ ]
اللسان لا تسمى قراءة بدون الصوت، بل هي حمحمة ودندنة. انتهى.
ونحوه في أذكار النووي رحمهما اللَّه تعالى.
بمحلهما -أي: كل منهما بمحله- فيجهر بالصبح والجمعة، وأولتي المغرب والعشاء والشفع والوتر ونوافل الليل.
والسنة الخامسة: كل تكبيرة واحدة من جميع تكبيرات الصلاة، إلا الإحرام؛ فإن تكبيره فرض، كما تقدم، وصدر به في الشامل.
البساطي: والظاهر أن المصنف شهره. انتهى.
وفي ابن زرقون عن الأبهري: إن جميعه سنة واحدة، قال: وهو الصواب، وعليه جماعة الفقهاء بالأمصار.
وحمل الشارح كلام المصنف عليه، قائلًا: لم أر من الأشياخ من شهر الأول ولا رجحه، بل الأكثر أن جميعه سنة واحدة. انتهى.
وعليه فيقرأ (تكبيره) بالهاء، لا بالتاء.
تنكيت:
قول البساطي: (لم يبنوا فروعهم على واحد من القولين؛ لأنهم لم يجعلوا على تكبيرة واحدة سجودًا، وجعلوه في ترك ثلاث) غير ظاهر؛ لأنهم لم يقولوا بالسجود في كل سنة، وإنما هو في المؤكدة.
وكذا قوله: (وجعلوه في ترك ثلاث) ليس كذلك، بل المذهب السجود لترك تكبيرتين فأكثر، وأما ترك الثلاث فترك السجود القبلي فمبطل إذا طال.
_________________
(١) = في المعاني والمنهج القويم في قواعد تتعلق بالقرآن الكريم، وشرح ألفية ابن مالك وشرح مشارق الأنوار وشرح البردة، وكتاب الثمر الجني في الأدب السني، وغير ذلك. توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان المكرم سنة سبع وسبعين وسبعمائة".
[ ٢ / ٧٨ ]
والسنة السادسة: سمع اللَّه لمن حمده: عند الرفع من الركوع: لإمام، وفذ.
ابن ناجي: سنة باتفاق، وهل ذلك سنة واحدة أو كل واحدة سنة، يجري ذلك على الخلاف في التكبير. انتهى.
ومعنى سمع اللَّه لمن حمده تقبل منه.
والسنة السابعة والثامنة: كل لفظ تشهد: أول وثان، فهما سنتان.
والسنة التاسعة: الجلوس الأول جميعه عند الأكثر فيما فيه جلوس ثان، وحكى اللخمي وجوبه.
والسنة العاشرة: الجلوس الزائد على قدر السلام من الجلوس الثاني، وأما قدر ما يقع فيه منه فقد تقدم وجوبه، والواجب لا بد له من محل، ولا محل له إلا الجلوس إجماعًا، وما لا الواجب المطلق إلا له، وهو مقدور للمكلف فهو واجب.
والسنة الحادية عشرة: القدر الزائد على قدر الطمأنينة منها، وهو أحد القولين، والآخر: وجوبه.
والسنة الثانية عشرة: رد مقتد السلام على إمامه، أي: سلام الفريضة الذي عن يمين إمامه، ولا يجب هذا الرد كغيره في غيرها؛ لأن الإمام إنما قصد به الخروج من الصلاة.
وظاهر كلامه: أنه لا يشترط حضور الإمام، فيرد الإمام المسبوق، وهو الذي رجع إليه مالك، وأخذ به ابن القاسم.
وأشعر قوله: (إمامه) بأن هذا فيمن أدرك معه ركعة فأكثر، وإن لم يدرك إلا التشهد فلا يرد، لأنه ليس إمامًا له في صلاته، وهو كذلك، ولذا لا يسجد معه للسهو، قاله في الذخيرة.
وأشار للسنة الثالثة عشر بقوله: ثم رد على يساره وبه أحد، ولا يجمع في رده على الإمام والمأموم بتسليمة واحدة؛ تشريفًا للإمام.
[ ٢ / ٧٩ ]
وظاهره: ولو كان من على يساره غير مشارك له في صفة صلاته، كالصبي.
البساطي: وهو كذلك على المشهور.
والسنة الرابعة عشر: جهر تسليمة التحليل -وهي: الأولى- فقط، فلا يسن بغيرها، ووجه الجهر بها استدعاؤها للرد، وهو يفتقر للجهر.
تنبيه:
ظاهره: مساواة النساء الرجال، والفرض والسهو، ويسمع نفسه ومن يليه، ولا يجهر جدًا، وهو كذلك، ونحوه في المدونة.
[مسألة:]
وإن سلم إمام أو مأموم أو فذ أولًا على اليسار ثم تكلم قبل رده على الإمام أو على يمينه لم تبطل صلاته، تعمد الخروج به أو لا؛ لأن كونه على اليمين سنة، لا يؤدي تركها للإبطال، كذا قال البساطي، وفيه نظر مع قول المؤلف فيما يأتي: إن التيامن مستحب.
والسنة الخامسة عشرة: سترة عند ابن حبيب، وقاله ابن عبد البر.
عياض: مستحبة، وعليه الأكثر.
وأشار لمن يؤمر بها بقوله: لإمام وفذ، لا مأموم اتفاقًا، إما لأن الإمام سترة له، أو سترته سُتْرَتَهُ.
[شروط السترة:]
وأشار لشروطها -وهي خمسة- بقوله: إن خشيًا مرورًا بين أيديهما، وأما إن لم يخشيا لكونهما بصحراء لا يمر بهما أحد، أو على مكان مرتفع مثلًا، فلا تسن.
[صفة السترة:]
وأشار لصفتها بقوله:
[ ٢ / ٨٠ ]
[١] بطاهر، لا نجس.
[٢] ثابت، لا كسوط.
[٣] غير مشغل للمصلي.
[قدر السترة:]
وأشار لقدرها بقوله: في غلظ رمح وطول ذراع، لا ما دونهما، خلافًا لابن حبيب في قوله: لا بأس بما دون الرمح في الغلظ، ودون مؤخرة الرجل في الطول، ما لم ترق جدًا.
[ما لا يستتر به:]
[١] لا دابة، إما لخوف زوالها، وإما لنجاسة بولها، وإما لهما، فهو مفهوم (طاهر) أو (ثابت) أو هما.
تنكيت:
أطلق الدابة، وفي العتبية: لا يستتر بالخيل والبغال والحمر؛ لأن أبوالها نجسة، بخلاف الإبل والبقر والشياه، ونحوه للجلاب.
ابن راشد: ولم يعلم منه عين الحكم، والظاهر الكراهة؛ لقول ابن رشد: إن استتر بالخيل والبغال والحمير أساء، ولا إثم على المار خلفها.
[٢] ولا حجر واحد؛ خشية التشبيه بعبدة الأصنام، فإن لم يجد غيره جعله يمينًا أو يسارًا، ولا يصمده صمدًا.
وأفهم التقييد بالواحد الجواز بالمتعدد، وهو كذلك، ولم يعلم من كلامه عين الحكم في هذه المسألة والتي قبلها، ونص المدونة في هذه: أكره أن يصلي للحجر الواحد، وأما أحجار متعددة فجائز.
[٣] ولا خط يخطه بالأرض من المشرق للمغرب، أو من القبلة لدبرها.
عياض: وقيل: من اليمين إلى اليسار، منعطف الطرفين، كالهلال.
[ ٢ / ٨١ ]
وفي المدونة: الخط باطل (١).
_________________
(١) إشارة لتضعيف حديث الاستتار بالخط، وقد رأيت للشيخ الألباني -رحمه اللَّه تعالى- في ضعيف سنن أبي داود كلامًا نفيسًا هنا، فرأيت سرده لما فيه من فائدة فقهية وحديثية، قال (١/ ٢٣٩، وما بعدها): "١٠١ - باب الخطِّ إذا لم يجِدْ عصًا: ١٠٧ - عن أبي عمرو بن محمد بن حُريْثِ: أنه سمع جدهُ حريْثًا يحدث عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا صلّى أحدكم؛ فليجعلْ تِلْقاء وجْهِهِ شيئًا، فإن لم يجِدْ؛ فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا؛ فلْيخطّ خطًّا، ثم لا يضُرُّهُ ما مرّ أمامهُ". قلت: إسناده ضعيف، وله علتان: جهالة أبي عمرو بن محمد بن حريث، وجده حُريْث. والاضطراب في إسناده اضطرابًا شديدًا؛ ولذلك قال الدارقطني: "لا يصح، ولا يثبت". وقال أحمد: "ضعيف". وقال النووي: "لم يثبت". قال البغوي وغيره: هو حديث ضعيف. وأشار إلى تضعيفه سفيان بن عيينة والشافعي والبيهقي وغيرهم". وضعفه أيضًا ابن الصلاح والعراقي، وصت وجوه اضطرابه الرواية الآتية إسناده: حدثنا مُسدّد: ثنا بِشْرُ بن المُفضلِ: ثنا إسماعيل بن أُمية: حدثني أبو عمرو بن محمد بن حريث. . . قلت: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان؛ الأولى: جهالة أبي عمرو هذا وجده؛ ففي "التهذيب": "قال الطحاوي: أبو عمرو وجده مجهولان، ليس لهما ذكر في غير هذا الحديث". وقال الذهبي: "أبو عمرو بن محمد بن حريث لا يُعْرفُ". وكذلك قال الحافظ في "التقريب" فيه، وفي جده حريث. والأخرى: الاضطراب في إسناده، كما يأتي بيانه، وقد أورده ابن الصلاح في "علوم الحديث" من أمثلة الحديث المضطرب، وقال: "الاضطراب مُوجِبٌ ضعف الحديث؛ لإشعاره بأنه لم يضبط". والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٢٧٠) من طريق المصنف، ومن طريق أخرى عن مُسدد. . . به، وابن خزيمة (٨١٢) من طريق آخر عن بشر. وقال البيهقي: "وكذلك رواه روح بن القاسم ووهيب وعبد الوارث عن إسماعيل. وابن عيينة في إحدى الروايتين عنه عن إسماعيل". قلت: قد وصله عن ابن عيينة بالروايتين الإمام أحمد، فقال (٢/ ٢٤٩): ثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حُريث العُذْرِيِّ -قال مرة: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث- عن جده. سمعت أبا هريرة. . . به. =
[ ٢ / ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ورواه ابن ماجه (١/ ٣٠١) عن ابن عيينة وعن حميد بن الأسود عن إسماعيل. . . بالوجه الأول. فهذان وجهان من وجوه الاضطراب فيه، قد جمعهما أحمد في روايته هذه عن سفيان. وقد روى الوجه الآخر عن سفيان: عليّ بن المديني أيضًا؛ أخرجه المصنف، وهو:
(٢) عن أبي محمد بن عمروبن حُريْثِ عن جذه حُريْث -رجلٍ من بني عُذْرة- عن أبي هريرة عن أبي القاسم -ﷺ- قال. . . فذكر حديث الخط. قلت: إسناده ضعيف؛ لما سبق قبله. وقد أشار المصنف إلى تضعيفه وإلى بعض الاضطراب الذي في إسناده بقوله: وهو متصل بإسناد الحديث. قال سفيان: لم نجد شيئًا نشُد به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه. قال -يعني: علي بن المديني-: قلت لسفيان: إنهم يختلفون فيه؟ فتفكّر ساعةً، ثم قال: ما أحفظ إلا أبا محمد بن عمرو. قال سفيان: قدِم هنا رجل بعدما مات إسماعيل بن أمية، فطلب هذا الشيخ أبا محمد، حتى وجده، فسأله عنه؟ فخُلِط عليه". إسناده: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس: حدثنا علي -يعني: ابن المديني- عن سفيان عن إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حُريْث. قلت: وهذا إسناد ضعيف، كما سبق بيانه في الحديث المتقدم، وذكرت ثمة أن في هذه الرواية وجهًا ثانيًا من وجوه الاضطراب في إسناد الحديث، حيث قال سفيان في الرواية الأولى: عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث: رواه ابن خزيمة (٨١١). وهنا قال: عن إسماعيل عن أبي محمد بن عمرو بن حريث. وكذا رواه ابن حبان في "صحيحه" (٢٣٥٥ - الإحسان). قال البيهقي: "وهكذا رواه الشافعي والحميدي وجماعة عن سفيان". قال: "ثم روى عنه أنه شك فيه". ثم ساق هذه الرواية التي في الكتاب من طريق عثمان بن سعيد الدارمي: "سمعت عليًا -يعني: ابن عبد اللَّه بن المديني-. . . به أتم منه؛ ففيه: قال علي: قلت لسفيان: إنهم يختلفون فيه؛ بعضهم يقول: أبو عمرو بن محمد. وبعضهم يقول: أبو محمد بن عمرو؟ فتفكر ساعة، ثم قال: ما أحفظه إلا أبا محمد بن عمرو. قلت لسفيان: فابن جريج يقول: أبو عمرو بن محمد، فسكت سفيان ساعة، ثم قال: أبو محمد بن عمرو، أو أبو عمرو بن محمد. ثم قال سفيان: كنت أراه أخًا لعمرو بن حريث. =
[ ٢ / ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال مرة: العذْري. قال علي: قال سفيان: كان جاءنا إنسان بصري كلم عتبة (وفي نسخة: عقبة) ذاك أبو معاذ، فقال: إني لقيت هذا الرجل الذي روى عنه إسماعيل. قال علي: ذلك بعد ما مات إسماعيل بن أمية - فطلب هذا الشيخ حتى وجده. قال عتبة: فسألته عنه؟ فخلطه علي. قال سفيان: ولم تجد شيئًا يثمد هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه. قال سفيان: وكان إسماعيل إذا حدث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدونه به؟ ". وفي الحديث وجه ثالث من الاضطراب؛ قال أحمد (٢/ ٢٤٩): ثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة. . . يرفعه فذكر معناه. وقال عبد الرزاق: أنا معمر والثوري عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه. . . فذكر الحديث. وقال في موضع آخر من "المسند" (٢/ ٢٦٦): ثنا عبد الرزاق. . . به، وأخرجه البيهقي من طريق الحسيْنِ بن حفص عن سفيان: حدثني إسماعيل بن أمية. . . به، وتابعهما حُميْدُ بن الأسود عن إسماعيل بن أمية. . . به؛ إلا أنه قال: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليْمٍ عن أبيه، أخرجه البيهقي، لكن تقدم أنه عند ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: عن جده. . قال الحافظ العراقي في شرح علوم الحديث: "فإما أن يكون قد اختلف فيه على حميد بن الأسود -في قوله: عن أبيه، أو عن جده-، أو يكون ابن ماجه قد حمل رواية حميد بن الأسود على رواية سفيان بن عيينة، ولم يبين الاختلاف الذي بينهما، كما يقع في الأسانيد". وفي هذا الإسناد أوجه أخرى من الاضطراب، ذكرها الحافظ العراقي في شرح علوم الحديث (ص ١٠٥ - ١٠٦)، فمن شاء؛ فليراجعها فيه، ومن الممكن حصر هذا الاختلاف على إسماعيل بن أمية في موضعين من هذا الإسناد: الموضع الأول: أبو عمرو بن محمد بن حريث. . أو: أبو محمد بن عمرو بن حريث. والأول منهما هو الصحيح؛ لاتفاق جميع الرواة عن إسماعيل بن أمية عليه؛ إلا ابن عيينة في إحدى الروايتين عنه. والموضع الآخر: عن جده. . أو: عن أبيه. والأول: هو رواية الأكثرين عن إسماعيل -مثل بِشْرِ بن المُفضل وروْحِ بن القاسم ووُهيْبٍ وعبد الوارث وابن عيينة وحميد بن الأسود- في إحدى الروايتين عنهما-. =
[ ٢ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والقول الثاني: هو رواية الثوري ومعمر وابن عيينة وحميد -في الرواية الأخرى-، ومثل هذا الاضطراب مما يصعب الترجيح فيه؛ فإن في كل من القولين أو الروايتين من المرجِّحات ما ليس في الأخرى. فالرواية الأولى عن جده تترجح بكثرة رواتها -وهم بشر بن المفضل ومن معه-، والأخرى تترجح بأن من رواتها سفيان الثوري -وهو أحفظهم-؛ ولذلك رجحها بعضهم على الرواية الأولى، ونازع -بسبب ذلك- ابن الصلاح في ذكره الحديث مثالًا للمضطرب، ذلك لأن ابن الصلاح نفسه ذكر أنه إنما يسمى الحديث مضطربًا إذا تساوت الروايتان. فأما إذا ترجحت إحداهما على الأخرى فلا يسمى مضطربًا. قال: "وهذا قد رواه الثوري -وهو أحفظ من ذكرهم- فينبغي أن ترجح روايته على غيرها، ولا يسميه مضطربًا". وأيضًا؛ فإن الحاكم وغيره صحح الحديث المذكور، وكأن الحافظ ابن حجر ﵀ كان يذهب إلى هذا؛ فقد قال في التلخيص (٤/ ١٣٢): "قلت: وأورده ابن الصلاح مثالًا للمضطرب. ونوزع في ذلك، كما بينته في النكت. . . ". وقال في "بلوغ المرام" (١/ ٢٠٤): "وصححه ابن حبان ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن"! وأجاب عن ذلك شيخه الحافظ العراقي في "شرح علوم الحديث" -بعد أن أورد اعتراض المعترض على ابن الصلاح، الذي نقلنا معنى كلامه آنفًا- فقال: "والجواب: أن الوجوه التي يرجّح بها متعارضة في هذا الحديث: فسفيان الثوري -وإن كان أحفظ من سمّاه المصنف- فإنه انفرد بقوله: عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه. . وأكثر الرواة يقولون: عن جده -وهم بشر بن المفضل وروح بن القاسم ووهيب بن خالد وعبد الوارث بن سعيد-، وهولاء من ثقات البصريين وأئمتهم، ووافقهم على ذلك من حفاظ الكوفيين: سفيان بن عيينة. وقولهم أرجح: لوجهين: أحدهما: الكثرة. والثاني: أن إسماعيل بن أمية مكي، وابن عيينة كان مقيمًا بمكة، ومما يرجح به كون الراوي عنه من أهل بلده، وبكثرة الرواة أيضًا". قال: "فتعارضت حينئذ الوجوه القتضية للترجيح، وانضم إلى ذلك جهالة راوي الحديث -وهو شيخ إسماعيل بن أمية-، فإنه لم يرو عنه -فيما علمت- غير إسماعيل بن أمية، مع هذا الاختلاف في اسمه واسم أبيه، وهل يرويه عن أبيه، أو عن جده، أو هو نفسه عن أبي هريرة؟ وقد حكى أبو داود في "سننه" تضعيفه عن ابن عيينة، فقال: قال سفيان: لم تجد شيئًا نشد به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه. وقد ضعفه أيضًا الشافعي والبيهقي. وقول من ضعفه أولى بالحق من تصحيح =
[ ٢ / ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الحاكم له، مع هذا الاضطراب والجهالة براويه". قلت: وهذا هو الحق: أن الحديث ضعيف؛ لما ذكر. وان كان في تضاعيف كلام العراقي ما لا يخلو عن اعتراض، كقوله: "إن الثوري انفرد بقوله: عن أبي عمرو بن محمد عن أبيه"! مع أنه قد تابعه معمر، وسفيان بن عيينة -في إحدى الروايتين عنه- كما نقلناه في أول البحث عن "مسند أحمد". ومن وجوه الاضطراب: ما علقه ابن حبان في ترجمة (محمد بن عمرو بن سعيد بن العاص) (٧/ ٣٩٨) عن أبيه عن أبي هريرة قال. . . فذكره موقوفًا عليه. قال ابن حبان: "رواه يزيد بن هارون عن نصْرِ بن حاجب القرشي عن إسماعيل بن أمية". قلت: وهذا الوجه منكر -أو شاذ على الأقل-، والعلة من نصْرٍ؛ فإنه مختلف فيه. وقد قال النسائي فيه: "ليس بثقة". وقد يؤكد هذا أنه خالف كل الثقات الذين قالوا: عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، أو: أبي محمد بن عمرو بن حريث؛ فقال هذا: عن محمد بن عمرو بن سعيد بن العاص! ثم إنه لو سلمنا أن الحديث غير مضطرب، ورجحنا رواية الثوري -أو المخالفين-: له، فإن العلة الأخرى، وهي الجهالة -لا تزال قائمة، ولذلك نرى أن قول الحافظ - فيما سبق-: "بل هو حسن"! غير حسن؛ لا سيما وقد عارضه جماعة من المتقدمين من الأئمة كما سلف؛ وقد ذكر هو نفسه في "التهذيب" عن أحمد أنه قال: "الخط ضعيف". وقال الدارقطني: "لا يصح ولا يثبت". وقال الشافعي في "سنن حرملة": "ولا يخط المصلي بين يديه خطًا؛ إلا أن يكون ذلك في حديث ثابت فيُتّبع". اهـ. وقال مالك: "الخط باطل". كذا في "المدونة" (١/ ١١٣). قلت: وفي قول الشافعي هذا رد على النووي؛ حيث قال في المجموع (٣/ ٢٤٨): "والمختار استحباب الخط؛ لأنه وإن لم يثبت الحديث؛ ففيه تحصيل حريم للمصلي، وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال -دون الحلال والحرام-، وهذا من نحو فضائل الأعمال"! ! قلت: وفيما قاله نظر من وجهين: الأول: استحبابه الخط، مع اعترافه بضعف الحديث! وهذا أمر غريب؛ فإن الاستحباب حكم شرعي، لا بد له من دليل تقوم به الحجة، والحديث الضعيف لا يثبت به، أي: حكم شرعي. فلا جرم أن ذهب إمامه إلى عدم مشروعية الخط إلا أن يثبت الحديث. فلو أنه تبع إمامه في ذلك؛ لكان أصاب الحق. =
[ ٢ / ٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = اقول هذا؛ مع العلم أن ما ذهب إليه النووي كان مذهب الشافعي في القديم، ثم رجع عنه في الجديد إلى ما نقلناه عنه آنفًا، وذلك حين ظهر له ضعف الحديث، كما أشار إلى ذلك البيهقي. والوجه الآخر: نفقه اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف! وهذا غير صحيح؛ فإن المسألة مختلف فيها على ثلاثة أقوال، ذكرها الشيخ القاسمي في "قواعد التحديث" (ص ٩٤) أولاها -وهي عندي أوْلاها-: أنه لا يعمل به مطلقًا، لا في الأحكام ولا في الفضائل، حكاه ابن سيد الناس في "عيون الأثر" عن يحيى بن معين، ونسبه في "فتح المغيث" لأبي بكر بن العربي. وهو مذهب ابن حزم، كما صرح به في كتبه، منها: "الإحكام في أصول الأحكام" (١/ ١٣٦). وكيف يجوز العمل به، وقد اتفقوا جميعًا على أن الحديث الضعيف لا يفيد إلا الظن -والظن المرجوح- وهو أكذب الحديث بشهادة النبي -ﷺ-؟ ! وقد نعى اللَّه تعالى على قوم قبلنا عملهم بالظن، فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾؛ ولذلك نهى النبي -ﷺ- أمته عن رواية الحديث عنه إلا بعد العلم بصحته؛ فقال: "اتقوا الحديث عنِّي إلا ما علمتم"، أفيجيز لهم العمل به قبل أن يعرفوا صحته، وقد نهاهم عن روايته؟ ! اللهم! لا، وهذا بين لا يخفى، وقد مضى تفصيل القول في ذلك في المقدمة، على أن حديث الباب ليس من الفضائل، بل هو في الأحكام؛ لأن فيه الأمر بالخط، وهو يفيد الوجوب عند عدم القرينة، ولا قرينة هنا، وكأن النووي ﵀ لاحظ ما ذكرنا، فاحتاط في عبارته، فقال -كما تقدم-: "وهذا من نحو فضائل الأعمال"! هذا؛ وقال النووي (٣/ ٢٤٦) -بعد أن عزا الحديث للمصنف وابن ماجه-: "قال البغوي وغيره: هو حديث ضعيف، وروى أبو داود في "سننه" عن سفيان بن عيينة تضعيفه، وأشار إلى تضعيفه الشافعي والبيهقي وغيرهما". قلت: وأما ما نقله ابن التركماني وغيره عن ابن عبد البر، أنه قال في الاستذكار: "كان ابن حنبل وابن المديني يصححان هذا الحديث"! فلا أدري مقداره من الصحة والثبوت، ولا سيما وقد نقل الحافظ عن الخلال عن أحمد تضعيفه -كما سبق-. فإن صح ما في "الاستذكار"، فيكون لأحمد فيه قولان، والصحيح منهما: ما سبق، لما نقلناه عن الحافظ العراقي. وقد نقل هو عن بعضهم أن الحاكم صححه أيضًا، ولعل ذلك في غير كتابه "المستدرك"؛ فإني لم أجد الحديث فيه! واللَّه أعلم. ومما سبق من التحقيق؛ تعلم أن قول صاحب "التاج" (١/ ١٧٦) -في الحديث-: "رواه أبو داود وأحمد بسند صحيح"! غير صحيح أيضًا؛ وإنما جاءه ذلك من تقليده =
[ ٢ / ٨٧ ]
الطراز: وفي معنى الخط الحفرة تكون بين يدي المصلي أو النهر أو النار، وشبه ذلك مما لا ينصب قائمًا ويستتر لجرمه.
قال ابن رشد: وقد روي أن امرأة بالمدينة نظرت إلى ابن جريح (١) وقد خط خطأ يصلي إليه، فقالت: واعجبًا لهذا الشيخ وجهله بالسنة. فأشار إليها أن قفي، فلما قضى صلاته، قال: ما رأيت من جهلي؟
قالت: إنك تخط خطا وتصلي إليه، وقد حدثتني مولاتي، عن أمها، عن أم سلمة زوج النبي -ﷺ- أنه قال: "الخط باطل؛ لأن العبد إذا كبر تكبيرة الإحرام سدت ما بين السماء والأرض"، فسألها أن تقفوه إلى مولاتها، ففعلت، فحدثته بذلك، وقالت له: أتجهل هذا، وأنت من علماء المدينة؟ !
فقال عند ذلك:
خلت الديار فسدت غير مسود ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
فقال: أتبيعيها مني أعتقها، فإنه ينبغي أن من حفظ شيئًا من العلم أن لا يرق.
فقالت له: ذلك إليها.
فعرض عليها، فقالت: لا حاجة لي بذلك؛ لأن مولاتي حدثتني عن أمها، عن أم سلمة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا اتقى العبد ربه، ونصح
_________________
(١) = بعض المصححين له، دون النظر في إسناده، وليس ذلك من شأنه ولا من صناعته، كما يتبين ذلك جليًا لمن درس كتابه هذا دراسة إمعان وتدقيق! ومن هذا القبيل تقويته للحديث الآتي".
(٢) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد وأبو خالد، (٨٠ - ١٥٠ هـ = ٦٩٩ - ٧٦٧ م): فقيه الحرم المكي. كان إمام أهل الحجاز في عصره. وهو أول من صنف التصانيف في العلم بمكة. رومي الاصل، من موالي قريش. مكي المولد والوفاة. قال الذهبي: كان ثبتًا، لكنه يدلس. ينظر: الأعلام (٤/ ١٦٠).
[ ٢ / ٨٨ ]
مواليه، فله أجران" (١)، ولا أحب أن أنقص أجري.
[الصلاة لظهر من يشغل:]
وأشار لمفهوم (غير مشغل) بقوله: ولا لظهر امرأة أجنبية، ولو زوجته أمته (٢)؛ لإثارتها بالفكر ما يشغل، وألحقوا بها المأبون في دبره.
_________________
(١) هذا الحديث موضوع، وقصته تشهد بذلك، وشارحنا قد تلقفه من ابن رشد في البيان والتحصيل (١/ ٤٧٤)، ولم أر أحدًا من أهل الحديث قد رواه.
(٢) ولا يعترض علينا بما في البخاري من اعتراض أمنا عائشة بقدميها بينه -ﷺ- وبين القبلة، وبما قاله ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٦٦، وما بعدها) في هذا الحديث ما نصه: "مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. هذا من أثبت حديث يروى في هذا المعنى وقد روى القاسم عن عائشة مثله، حدثناه خلف بن قاسم قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السكن قال: حدثنا عبد اللَّه بن محمد البغوي قال: حدثنا عبيد اللَّه بن عمر القواريري قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا عبيد اللَّه بن عمر عن القاسم قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن المراة تقطع الصلاة فقالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي فتقع رجلي بين يديه أو بحذائه فيضربها فأقبضها. وحدثنا عبد اللَّه بن محمد قال: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قالا: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد اللَّه قال: سمعت القاسم ابن محمد يحدث عن عائشة قالت: بئسما عدلتمونا بالحمار والكلب لقد رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يصلي وأنا معترضة بين يديه فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتهما إلي ثم يسجد. وفيه من الفقه وجوه: - منها أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها. - ولا صلاة من مرت بين يديه، وهذا موضع اختلفت فيه الآثار. . ". ذلك لأن ذلك قد كان لضيق المكان، فينبغي عدم إخراج الحديث من سياقه، يقول ابن رجب في فتح الباري (٢/ ٧٢٩): "وقد تقدم هذا الحديث في (باب: التطوع خلف المرأة) من رواية أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول اللَّه ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. فدل على أن غمزها عند السجود كان لضيق المكان حيث كانت قدماها في موضع =
[ ٢ / ٨٩ ]
زاد البساطي: والكافر.
[الصلاة لظهر محرم:]
ولما لم يترجح عند المصنف في مفهوم (أجنبية) وهي المحرم شيئًا من القولين فيها، قال: وفي منع استتاره بظهر المحرم منه، كـ: أمه وأخته، وهو لمالك في العتبية، وجوازه في الجلاب وغيره: قولان.
_________________
(١) = سجوده، فكان يغمزها لتكف قدميها فيسجد في موضعهما، وكان ذلك في سواد الليل وظلمته، فلم يكن يدرك التنبيه منه بإشارة ونحوها، فلذلك احتاج إلى غمزها. ولم يجئ في حديثها هذا: بأي شيء كان يغمزها، وقد روي في حديث آخر، أنه كان إذا أراد أن يوتر غمزها برجله، وفي رواية: مسها برجله. ويأتي في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-. واستدل بالحديث على أن مس النساء بغير شهوة لا ينقض الطهارة، كما هو قول مالك وأحمد في ظاهر مذهبه. ومن يقول: إن المس لا ينقض بكل حال، كما يقول أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه". وقال ابن حجر: (١/ ٥٨٨): " (قوله باب التطوع خلف المرأة)، أورد فيه حديث عائشة أيضًا بلفظ آخر وقد تقدم في باب الصلاة على الفراش من هذا الوجه ودلالة الحديث على التطوع من جهة أن صلاته هذه في بيته بالليل وكانت صلاته الفرائض بالجماعه في المسجد وقال الكرماني: لفظ الترجمة يقتضي أن يكون ظهر المرأة إليه ولفظ الحديث لا تخصيص فيه بالظهر، ثم أجاب بأن السنة للنائم أن يتوجه إلى القبلة والغالب من حال عائشة ذلك. انتهى. ولا يخفى تكلفه وسنة ذلك للنائم في ابتداءً النوم لا في دوامه لأنه ينقلب وهو لا يشعر، والذي يظهر أن معنى خلف المرأة وراءها فتكون هي نفسها أمام المصلي لا خصوص ظهرها ولو أراده لقال خلف ظهر المرأة، والأصل عدم التقدير، وفي قولها: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح إشارة إلى عدم الاشتغال بها ولا يعكر على ذلك كونه يغمزها عند السجود ليسجد مكان رجليها، كما وقع صريحًا في رواية لأبي داود لأن الشغل بها مأمون في حقه -ﷺ-، فمن أمن ذلك لم يكره في حقه تنبيه الظاهر أن هذه الحالة غير الحالة التي تقدمت في صلاته -ﷺ- إلى جهة السرير الذي كانت عليه؛ لأنه في تلك الحالة غير محتاج لأن يسجد مكان رجليها ويمكن أن يوجه بين الحالتين بأن يقال: كانت صلاته فوق السرير لا أسفل منه كما جنح إليه الإسماعيلي فيما سبق لكن حمله على حالتين أولى، واللَّه أعلم".
[ ٢ / ٩٠ ]
تنبيه:
سكت المصنف عن ذكر الاستتار بالرجل وحلق الطائفين وحلق المحدثين والصغير، وذكرناه في الكبير.
[حكم المار بين يدي المصلي:]
وأشار لبيان حكم المار بين يدي المصلي لغير سترة أوْ لها بقوله: وأثم مار لى مندوحة -أي: سعة- في ترك المرور بين يديه، بأن لا يجعل له سترة، أوْ لا ينحاز شيء يصلي إليه، لخبر: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر" (١).
وفهم من قوله: (له مندوحة) أن من لا مندوحة له لا إثم عليه.
[حكم المصلي المتعرض:]
وأثم مصل تعرض للمرور بين يديه، بأن يصلي لموضع العادة المرور فيه، وهو يجد عنه مندوحة، فمن لم يتعرض لا إثم عليه، فالصور أربع:
- مار لا مندوحة له، ومصل تعرض، يأثم المصلي وحده.
- مار لا مندوحة له، ومصل لم يتعرض، لا إثم على واحد منهما.
- مار له مندوحة، ومصل تعرض، يأثمان.
- مار له مندوحة، ومصل لم يتعرض، يأثم المار فقط.
تنبيه:
ظاهر كلامه: أنه لا فرق بين مكة وغيرها، فقد سئل عن مكة والمرور بها بين يدي المصلي في المسجد: أترى أن يمنع فيها مثل ما يمنع في غيرها؟
_________________
(١) أخرجه مالك (١/ ١٥٤، رقم ٣٦٢)، وأحمد (٤/ ١٦٩، رقم ١٧٥٧٥)، ومسلم (١/ ٣٦٣، رقم ٥٠٧)، وأبو داود (١/ ١٨٦، رقم ٧٠١)، والترمذي (٢/ ١٥٨، رقم ٣٣٦)، وقال: حسن صحيح. والنسائي (٢/ ٦٦، رقم ٧٥٦)، وابن ماجه (١/ ٣٠٤، رقم ٩٤٥).
[ ٢ / ٩١ ]
قال: نعم، إني لأرى ذلك، كما إذا كان يصلي إلى عمود أو سترة.
وانظر إلى بيان القدر الذي يكون به مارًا بين يدي المصلي وسترته، وهل للمصلي أن يدرأه عند المرور؟ وحكم ما إذا درأه فمات، وقد قرب المصلي منها في الكبير.
والسنة السادسة عشرة: إنصات مقتد، أي: سكوته لأجل سماع ما يجهر فيه إمامه، وأطلق ليعم الفاتحة وغيرها، ومن يسمعه ومن لم يسمعه، إن لم يسكت إمامه، بل ولو سكت إمامه، أي: كان ممن يسكت بين التكبير والفاتحة كالشافعي، قاله في الذخيرة، وهو أحد قولي مالك، وهو المشهور.
وأشار بـ (لو) لقوله الآخر: إذا كان الإمام ممن يسكت بين التكبير والفاتحة قرأ من خلفه الفاتحة في سكتته.
* * *
[مندوبات الصلاة]
ولما فرغ من السنن ذكر المندوبات.
[قراءة المأموم في السرية:]
فقال: وندبت قراءة مأموم إن أسر إمامه، وهو لمالك، وله أيضًا: لا يندب له ذلك.
[رفع اليدين:]
كرفع المصلي يديه مع إحرامه في نقل الأكثر، وعده في الذخيرة من السنن كابن أبي زيد وابن رشد.
ومفهوم المعية: أنه لا يرفعهما عند الركوع، ولا عند الرفع منه على
[ ٢ / ٩٢ ]
المشهور، ولا عند القيام من اثنتين، خلافًا لابن وهب (١).
_________________
(١) ظاهر كلامه أن ابن وهب منفرد بذلك، وليس كذلك، بل نقل ذلك أيضًا أشهب، قال ابن رشد في البيان (١/ ٣٧٦): "وأما رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه، فمرة كرهه مالك، وهو مذهبه في المدونة ودليل هذه الرواية وما وقع في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب من حكاية فعل مالك؛ ومرة استحسنه ورأى تركه واسعًا، وهو قول مالك في رسم الصلاة الثاني من سماع أشهب. وروى مثله عنه محمد بن يحيى السبائي؛ ومرة قال: إنه يرفع ولم يذكر في ترك ذلك سعة، وهو قوله في رواية ابن وهب عنه؛ ومرة خيِّر بين الأمرين. والأظهر ترك الرفع في ذلك، لأن علي بن أبي طالب وعبد اللَّه بن عمر كانا لا يرفعان أيديهما في ذلك، وهما رويا الرفع عن النبي -ﷺ- في ذلك، فلم يكونا ليتركا بعد النبي، ﵇، ما رويا عنه إلا وقد قامت عندهما الحجة بتركه. وقد روي أيضًا عن النبي -ﷺ- الرفع عند القيام من الجلسة الوسطى وعند السجود والرفع منه، وذهب إلى ذلك بعض العلماء، ولم يأخذ مالك بذلك ولا اختلف قوله فيه، وباللَّه التوفيق". وقال (١/ ٤١٣، وما بعدها): "رفع مالك يديه في افتتاح الصلاة نحو صدره لا يبلغ بهما منكبيه هو نحو قوله في المدونة: إنه يرفعهما في ذلك شيئًا خفيفًا، وله في المختصر أنه يرفعهما حذو منكبيه مثل ما في حديث ابن عمر عن النبي -ﷺ- ومثله في كتاب ابن شعبان. قال ابن وهب: صليت مع مالك في بيته فرأيته يرفع يديه في أول ركعة، وكان إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه حذو منكبيه، وكان يقول: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين". وقال: أكره أن أحمل الجاهل على ذلك، فيقول: إنه من فرض الصلاة. وقد مضى القول في رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه في رسم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم". وقال (١/ ٤٧٠): "وسئل عن الإمام إذا قال سمع اللَّه لمن حمده، أيرفع يديه؟ قال: نعم. يرفع يديه، ويرفع من وراءه أيديهم إذا قالوا سمع اللَّه لمن حمده. قيل: أيرفع يديه إذا قال سمع اللَّه لمن حمده أم يرجئ ذلك حتى يقول ربنا ولك الحمد؟ فقال: إذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وكذلك يفعل من وراءه، وليس رفع الأيدي بلازم، وفي ذلك سعة. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها موعبًا في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم، ومضى منه شيء في أول رسم من هذا السماع، فلا معنى لإعادته شيء من ذلك". =
[ ٢ / ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تحقيق القول في رفع اليدين: ولما اشتد نكير الأصحاب من المتأخرين على من يرفع يديه فى خفضه ورفعه، ورام بعضهم اتهام من يفعله بما لا يليق، حتى ظن بعض الحمقى ممن يتبع الظاهر أن المذهب المالكي معارض للسنة، آخذ بآراء الرجال، وكان لابن عبد البر وغيره من المحققين من الأصحاب ومن الأحناف كلام نفيس في هذه المسألة رأيت سرده للبيان والتذكير، فأقول: قال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٠٧، وما بعدها): "مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه واذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا وقال: "سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد" وكان لا يفعل ذلك في السجود. هكذا رواية يحيى لم يذكر الرفع عند الركوع وتابعه من رواة الموطأ جماعة وروته أيضًا جماعة عن مالك فذكرت فيه رفع اليدين عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع من الركوع وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب وهو الصواب. وقد ذكرنا في التمهيد من تابع يحيى على روايته كما وصفنا ومن رواه كما ذكرنا بحمد اللَّه.
(٢) وذكر عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يرفع يديه في الصلاة. قال أبو عمر: معنى رفع اليدين عند الافتتاح وغيره - خضوع واستكانة وابتهال وتعظيم للَّه تعالى واتباع لسنة رسوله ﵇ وليس بواجب والتكبير في كل رفع وخفض أوكد منه، وقد قال بعض العلماء: إنه من زينة الصلاة. ذكر ابن وهب قال: أخبرني عياض بن عبد اللَّه الفهري أن عبد اللَّه بن عمر كان يقول: لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها وعن ابن لهيعة عن ابن عجلان عن النعمان بن أبي عياش كان يقال: لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي عند الافتتاح، وحين يريد أن يركع وحين يريد أن يرفع. وقال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات بكل إصبع حسنة وقد ذكرت الإسناد عن عقبة بن عامر بذلك في التمهيد. واختلف العلماء في رفع الأيدي في الصلاة وعند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع وعند السجود والرفع منه بعد إجماعهم على جواز رفع الأيدي عند افتتاح الصلاة مع تكبيرة الإحرام. فقال مالك فيما روى عنه ابن القاسم: يرفع للإحرام عند افتتاح الصلاة ولا يرفع في غيرها. قال: وكان مالك يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفًا. =
[ ٢ / ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال: إن كان ففي الإحرام. وهو قول الكوفيين أبي حنيفة وسفيان الئوري والحسن بن حي وسائر فقهاء الكوفة قديمًا وحديثًا وهو قول ابن مسعود وأصحابه والتابعين بها. وقال أبو عبد اللَّه محمد بن نصر المروزي: لا أعلم مصرًا من الأمصار تركوا بأجمعهم رفع اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة إلا أهل الكوفة فكلهم لا يرفع إلا في الإحرام. وذكر ابن خواز بنداد قال اختلفت الرواية عن مالك في رفع اليدين في الصلاة فمرة قال: يرفع في كل خفض ورفع على حديث بن عمر ومرة قال: لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام، ومرة قال: لا يرفع أصلًا والذي عليه أصحابنا أن الرفع عند الإحرام لا غير. قال أبو عمر: وحجة من ذهب مذهب ابن القاسم في روايته عن مالك في ذلك حديث ابن مسعود وحديث البراء بن عازب عن النبي ﵇ أنه كان يرفع عند الإحرام مرة لا يزيد عليها. وبعض رواتهما يقول: كان لا يرفع في الصلاة إلا مرة، وبعضهم يقول: كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. وقد ذكرنا الحديثين من طرق في التمهيد وذكرنا العلة عن العلماء فيهما هنا. وروى أبو مصعب وابن وهب عن مالك أنه كان يرفع يديه إذا أحرم وإذا ركع دياذا رفع من الركوع على حديث بن عمر وقد ذكرنا الأسانيد عنهم بذلك عن مالك في التمهيد. ورواه أيضًا عن مالك الوليد بن مسلم وسعيد بن أبي مريم وقال ابن عبد الحكم: لم يرو أحد عن مالك مثل رواية: ابن القاسم في رفع اليدين. قال محمد: والذي آخذ به أن أرفع على حديث ابن عمر. وذكر أحمد بن سعيد عن أحمد بن خالد قال: كان عندنا جماعة من علمائنا يرفعون أيديهم في الصلاة على حديث ابن عمر ورواية من روى ذلك عن مالك وجماعة لا يرفعون إلا في الإحرام على رواية ابن القاسم فما عاب هؤلاء على هؤلاء ولا هؤلاء على هؤلاء. وسمعت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد اللَّه بن هاشم يقول: كان أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم شيخنا يرفع يديه كلما خفض ورفع على حديث ابن عمر في الموطأ وكان أفضل من رأيت وأفقههم وأصحهم علمًا فقلت لأبي عمر: لم لا ترفع فنقتدي بك؟ قال: لا أخالف رواية ابن القاسم لأن الجماعة عندنا اليوم عليها ومخالفة الجماعة فيما أبيح لنا ليست من شيم الأئمة. =
[ ٢ / ٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وأبو ثور وإسحاق ومحمد بن جرير الطبري وجماعة أهل الحديث بالرفع على حديث ابن عمر إلا أن من أهل الحديث من يرفع عند السجود والرفع منه على حديث وائل بن حجر وعن النبي ﵇ في ذلك. وقال داود بن علي: الرفع عند تكبيرة الإحرام واجب ركن من أركان الصلاة. وأختلف أصحابه، فقال بعضهم: الرفع عند الإحرام وعند الركوع والرفع منه واجب. وقال بعضهم: لا يجب الرفع عند الإحرام ولا غيره فرضًا لأنه فعله رسول اللَّه -ﷺ- ولم يأمر به. وقال بعضهم: لا يجب الرفع إلا عند الإحرام وقال بعضهم: هو وأجب كله لقوله ﵇: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وحجة من رأى الرفع عند الركوع وعند الرفع منه حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن النبي ﵇ وهو حديث لا مطعن لأحد فيه. وروى مثل ما روى ابن عمر من ذلك عن النبي ﵇ نحو ثلاثة عشر رجلًا من الصحابة ذكر ذلك جماعة من أهل العلم بالحديث والمصنفين فيه منهم أبو داود وأحمد بن شعيب والبخاري ومسلم، وأفرد لذلك بابًا أبو بكر أحمد ابن عمرو بن عبد الخالق البصري البزار وصنف فيه كتابًا أبو عبد اللَّه محمد بن نصر المروزي من كتابه الكبير أكثر فيه من الآثار وطول. وروي الرفع في الخفض والرفع عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وأبو موسى وأبو سعيد وأبو الدرداء وأنس وابن عباس وجابر. وروي عن الحسن البصري قال كان أصحاب رسول اللَّه يرفعون أيديهم في الصلاة إذا ركعوا وإذا رفعوا كأنها المراوح. ولم يرو عن أحد من الصحابة ترك الرفع عند كل خفض ورفع ممن لم يختلف فيه إلا ابن مسعود وحده. وروى الكوفيون عن علي مثل ذلك وروى عنه المدنيون الرفع من حديث عبد اللَّه بن رافع، وكذلك اختلف عن أبي هريرة فروى عنه أبو جعفر القارئ ونعيم المجمر أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ويكبر في كل خفض ورفع ويقول: أنا أشبهكم صلاة برسول اللَّه. وروى عنه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أنه كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وهذه الرواية أولى لما فيها من الزيادة. وأما قوله: أنا أشبهكم صلاة برسول اللَّه؛ فإنما ذكره أبو سلمة وغيره عنه في التكبير =
[ ٢ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في كل خفض ورفع على ما يأتي بعد أن شاء اللَّه. وروي الرفع عند الركوع والرفع منه عن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام يطول الكتاب بذكرهم منهم: القاسم بن محمد وسالم والحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس ومجاهد ونافع مولى ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وابن أبي نجيح وقتادة والحسن بن مسلم. وقال بن سيرين: هو من تمام الصلاة. وقال عمر بن عبد العزيز: إن كنا لنؤدب عليها بالمدينة إذا لم نرفع أيدينا. وكان عمر بن عبد العزيز أيضًا يقول في ذلك: سالم، قد حفظ عن أبيه، وقد ذكرنا الأسانيد عن كل من ذكرنا بكل ما وصفنا في التمهيد. وقال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رأيت معتمر بن سليمان ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وإسماعيل ابن علية يرفعون أيديهم عند الركوع وإذا رفعوا رؤوسهم. وقيل لأحمد بن حنبل: نرفع عند القيام من اثنتين وبين السجدتين قال: لا أنا أذهب إلى حديث سالم عن أبيه ولا أذهب إلى وائل بن حجر لأنه مختلف في ألفاظه. قال أبو عمر: قد ذكرنا حديث وائل بن حجر في التمهيد وقد عارضه حديث ابن عمر بقوله: وكان يرفع بين السجدتين. وقيل لأحمد بن حنبل: يرفع المصلي عند الركوع فقال: نعم ومن يشك في ذلك كان ابن عمر إذا رأى رجلًا لا يرفع يديه حصبه. قال أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت زيد بن رافع قال سمعت نافعا قال: كان ابن عمر إذا رأى من لا يرفع حصبه. قال أبو عمر: كل من رأى الرفع وعمل به من العلماء لا يبطل صلاة من لم يرفع إلا الحميدي وبعض أصحاب داود ورواية عن الأوزاعي. وذكر الطبري قال: حدثنا العباس بن الوليد بن زيد عن أبيه عن الأوزاعي قال: بلغنا أن من السنة فيما أجمع عليه علماء أهل الحجاز والبصرة والشام أن رسول اللَّه ﵇ كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة وحين يكبر للركوع وحين يرفع رأسه منه إلا أهل الكوفة فإنهم خالفوا في ذلك أمتهم. قيل للأوزاعي: فإن نقص من ذلك شيئًا. قال: ذلك نقص من صلاته. قال أبو عمر: قد صح عن النبي ﵇ من حديث أبي هريرة وحديث رفاعة بن رافع في الذي أمره أن يعيد صلاته فقال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل" ثم علمه فرائض الصلاة دون سننها قال له: "إذا أردت الصلاة فأسبغ الوضؤ واستقبل القبلة وكبر ثم اقرأ ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تطمئن رافعًا، ثم اسجد حتى تطمئن =
[ ٢ / ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا" الحديث، فلم يأمره برفع اليدين ولا من التكبير إلا بتكبيرة الإحرام وعلمه الفرائض في الصلاة وسنبين هذا فيما بعد أن شاء اللَّه. فلا وجه لمن جعل صلاة من لم يرفع ناقصة ولا لمن أبطلها مع اختلاف الآثار في الرفع عن النبي ﵇، واختلاف الصحابة ومن بعدهم واختلاف أئمة الأمصار في ذلك، والفرائض لا تثبت إلا بما لا مدفع له ولا مطعن فيه. وقول الحميدي ومن تابعه شذوذ عند الجمهور وخطأ لا يلتفت أهل العلم إليه، وقد أوضحنا معاني هذا الباب وبسطناها فى التمهيد والحمد للَّه. واختلفت الآثار عن النبي ﵇ في كيفية رفع اليدين في الصلاة فروي عنه أنه كان يرفع يديه مدًا فوق أذنيه مع رأسه روي عنه أنه كان يرفع يديه حذو أذنيه وروي عنه أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه. وروي عنه أنه كان يرفعها إلى صدره، وكلها آثار معروفة مشهورة وأثبت ما في ذلك حديث ابن عمر هذا وفيه: "حذو منكبيه" وعليه جمهور التابعين وفقهاء الأمصار وأهل الحديث.
(٢) وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه في الإحرام حذو منكبيه وفي غير الإحرام دون ذلك قليلًا. وكل ذلك واسع حسن وابن عمر روى الحديث وهو أعلم بمخرجه وتأويله وكل ذلك معمول عند العلماء به". وأدلة عدم الرفع من المدونة (١/ ١٦٦) هي: " [١] قال وكيع عن سفيان الثوري عن عاصم عن عبد الرحمن بن الأسود وعلقمة قالا: قال عبد اللَّه بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة.
(٣) قال وكيع: عن ابن أبي ليلى عن عيسى أخيه والحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يرفعها حتى ينصرف.
(٤) قال وكيع: عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن قطاف النهشلي عن عاصم بن كليب عن أبيه أن عليًا كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود. قال: وكان قد شهد معه صفين.
(٥) وكان أصحاب ابن مسعود يرفعون في الأولى ثم لا يعودون وكان إبراهيم النخعي يفعله". وللحافظ جمال الدين الزيلعي تحقيق نفيس للمسألة، فأتى على ذكرها فقهًا وحديثًا، وأجاب جوابًا شافيًا عما هو حاصل الآن بين الفريقين، فقال -رحمه اللَّه تعالى- في =
[ ٢ / ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = نصب الراية (١/ ٣٠٩، وما بعدها): "الحديث الرابع: روى أبو حميد الساعدي، قال: كان النبي -ﷺ- إذا كبر رفع يديه إلى منكبيه، قلت: رواه الجماعة إلا مسلمًا من حديث محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللَّه -ﷺ-، قالوا: ولم؟ ! فواللَّه ما كنت بأكثرنا له تبعة، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فأعرض، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم كبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل، فلا يصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه، فيقول: "سمع اللَّه لمن حمده"، ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلًا، ثم يقول: اللَّه أكبر، ثم يهوي إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يقول: "اللَّه أكبر"، ويرفع، ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى، وقعد متوركا على شقه الأيسر، قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي. انتهى. أخرجوه مختصرًا ومطولًا، وضعفه الطحاوي بما سيأتي في حديث رفع اليدين، وفي الجلوس. ومن أحاديث الباب: ما أخرجه الأئمة الستة عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه، قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع من السجدتين. انتهى. قال في الكتاب: وهذا محمول على حالة العذر. قال الطحاوي في شرح الآثار: إنما كان رفعهم الأيدي إلى المناكب لعلة البرد، بدليل أن وائل بن حجر لما روى الرفع إلى الأذنين، قال في حديثه: ثم أتيته من العام المقبل، وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا يرفعون أيديهم إلى المناكب، قال: فتحمل أحاديث المناكب على حالة العذر، وتتفق الآثار بذلك، واللَّه أعلم. . الحديث التاسع والثلاثون: يوجد في بعض نسخ الهداية -للشافعي- ما روي عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، قلت: أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن الزهري عن سالم عن أبيه عبد اللَّه بن عمر، قال: كان رسول اللَّه إذا قام للصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم كبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، فإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه =
[ ٢ / ٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من السجود. انتهى. قال البخاري في كتابه المفرد في رفع اليدين: وروي عن أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد أنه لم ير ابن عمر رفع يديه إلا في التكبيرة الأولى. قال ابن معين: إنما هو توهم لا أصل له، أو هو محمول على السهو، كبعض ما يسهو الرجل في صلاته، ولم يكن ابن عمر يدع ما رواه عن النبي -ﷺ- مع ما رواه عن ابن عمر مثل طاوس. وسالم. ونافع. ومحارب بن دثار. وأبي الزبير أنه كان يرفع يديه، فلو صحت رواية مجاهد لكانت رواية هؤلاء أولى، ثم أخرج روايات هؤلاء المذكورين: أن ابن عمر كان يرفع يديه في الصلاة، واللَّه أعلم. أحاديث أصحابنا: منها حديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم، كانها أذناب خيل شمس؟ ! اسكنوا في الصلاة"، أخرجه مسلم واعترضه البخاري في كتابه الذي وضعه في رفع اليدين، فقال: وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة، قال: دخل علينا رسول اللَّه -ﷺ-، ونحن نرفع أيدينا في الصلاة، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنها أذناب خيل شمس؟ ! اسكنوا في الصلاة"، وهذا إنما كان في التشهد لا في القيام، ففسره رواية عبد اللَّه ابن القبطية، قال: سمعت جابر بن سمرة، يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي -ﷺ-، قلنا: السلام عليكم. السلام عليكم، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال: "ما بال هؤلاء يومنون بأيديهم، كأنه أذناب خيل شمس؟ !، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم ليسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله". انتهى. وهذا قول معروف لا اختلاف فيه، ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الرفع في تكبيرات العيد أيضًا منهيًا عنه، لأنه لم يستثن رفعًا دون رفع، بل أطلق. انتهى. كلامه. ورواية عبد اللَّه ابن القبطية هذه أخرجه مسلم أيضًا، وفي لفظ النسائي، قال: "ما بال هولاء يسلمون بأيديهم، كأنها أذناب خيل شمس؟ ! "، الحديث. ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسر أحدهما بالآخر، كما جاء في لفظ الحديث الأول: دخل علينا رسول اللَّه -ﷺ-، وإذا الناس رافعي أيديهم في الصلاة، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم، كأنه أذناب خيل شمس؟ ! اسكنوا في الصلاة"، والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، إنما يقال ذلك لمن يرفع يديه أثناء الصلاة، وهو حالة الركوع والسجود، ونحو ذلك، هذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقت، كما شاهده، وروى الآخر في وقت آخر، كما شاهده، وليس في ذلك بعد، واللَّه أعلم. حديث آخر: أخرجه أبو داود، والترمذي عن وكيع عن سفيان الثوري عن عاصم بن =
[ ٢ / ١٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة، قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول اللَّه -ﷺ-؟ فصلى، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة. انتهى. وفي لفظ: فكان يرفع يديه أول مرة، ثم لا يعود، قال الترمذي: حديث حسن. انتهى. وأخرجه النسائي عن ابن المبارك عن سفيان به. قال الشيخ تقي الدين في الإمام: وعاصم بن كليب أخرج له مسلم، وعبد الرحمن بن الأسود أيضًا أخرج له مسلم، وهو تابعي، وثقه ابن معين، وعلقمة، فلا يسأل عنه للاتفاق على الاحتجاج به. انتهى. واعترض على هذا الحديث بأمور: -منها ما رواه الترمذي بسنده عن ابن المبارك، قال: لم يثبت عندي حديث ابن مسعود: أنه ﵇ لم يرفع يديه إلا في أول مرة، وثبت حديث ابن عمر أنه رفع عند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من الركعتين، ورواه الدارقطني، ثم البيهقي في سننهما وذكره المنذري في مختصر السنن. ثم قال: وقال غير ابن المبارك: لم يسمع عبد الرحمن من علقمة. انتهى. ومنها تضعيف عاصم بن كليب، نقل البيهقي في سننه عن أبي عبد اللَّه الحاكم أنه قال: عاصم بن كليب لم يخرج حديثه الصحيح، وكان يختصر الأخبار فيؤديها بالمعنى، وهذه اللفظة، ثم لا يعود غير محفوظة في الخبر. انتهى. والجواب؛ أما الأول: فقال الشيخ في الإمام: وعدم ثبوت الخبر عند ابن المبارك لا يمنع من النظر فيه، وهو يدور على عاصم بن كليب، وقد وثقه ابن معين، كما قدمناه. قال: وقول شيخنا أبي محمد المنذري: وقال غيره: لم يسمع عبد الرحمن من علقمة، فغير قادح أيضًا، فإنه عن رجل مجهول، وقد تتبعت هذا القائل فلم أجده، ولا ذكره ابن أبي حاتم في مراسيله، وإنما ذكره في كتاب الجرح والتعديل، فقال: وعبد الرحمن بن الأسود، دخل على عائشة، وهو صغير، ولم يسمع منها، وروى عن أبيه. وعلقمة، ولم يقل: إنه مرسل، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقال: إنه مات سنة تسع وتسعين، وكان سنه سن إبراهيم النخعي، فإذا كان سنه سن النخعي، فما المانع من سماعه عن علقمة، مع الاتفاق على سماع النخعي منه؟ ! ومع هذا كله، فقد صرح الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب المتفق والمفترق -في ترجمة عبد الرحمن هذا-، أنه سمع أباه. وعلقمة. انتهى. وقال ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام: ذكر الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: حديث وكيع لا يصح، والذي عندي أنه صحيح، وإنما المنكر فيه على وكيع زيادة: ثم لا يعود، وقالوا: إنه كان يقولها من قبل نفسه، وتارةً لم يقلها، وتارةً أتبعها الحديث، كأنها من كلام ابن مسعود، وكذلك قال الدارقطني: إنه حديث صحيح، إلا =
[ ٢ / ١٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هذه اللفظة، وكذلك قال أحمد بن حنبل. وغيره، وقد اعتنى الإمام محمد بن نصر المروزي بتضعيف هذه اللفظة في كتاب رفع اليدين. انتهى. كلامه. قلت: قد تابِع وكيعًا على هذه اللفظة عبد اللَّه بن المبارك، كما رواه النسائي، وقد قدمناه، وأيضًا، فغير ابن القطان ينسب الوهم فيها لسفيان الثوري لا لوكيع، قال البخاري في كتابه -في رفع اليدين-: ويروى عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب، فذكره بسنده ومتنه، قال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم: نظرت في كتاب عبد اللَّه بن إدريس عن عاصم بن كليب، فلم أجد فيه: ثم لم يعد. قال البخاري: وهذا أصح، لأن الكتاب أثبت عند أهل العلم. انتهى. فجعل الوهم فيه من سفيان، لأن ابن إدريس خالفه، وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سألت أبي عن حديث رواه سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد اللَّه أن النبي -ﷺ- قام فكبر، فرفع يديه، ثم لم يعد، فقال أبي: هذا خطأ، يقال: وهم فيه الثوري، فقد رواه جماعة عن عاصم، وقالوا كلهم: أن النبي -ﷺ- افتتح فرفع يديه، ثم ركع، فطبق، وجعلهما بين ركبتيه، ولم يقل أحمد ما روى الثوري. انتهى. فالبخاري. وأبو حاتم جعلا الوهم فيه من سفيان. وابن القطان، وغيره يجعلون الوهم فيه من وكيع، وهذا اختلاف يؤدي إلى طرح القولين، والرجوع إلى صحة الحديث لوروده عن الثقات، وأما الثاني: وهو تضعيف عاصم، فقد قدمنا أنه من رجال الصحيح، وأن ابن معين، قال فيه: ثقة، كما ذكره الشيخ في الإمام. قال الشيخ: وقول الحاكم: إن حديثه لم يخرج في الصحيح، فغير صحيح، فقد أخرج له مسلم حديثه عن أبي بردة عن علي في الهدي، وحديثه عنه عن علي: نهاني رسول اللَّه -ﷺ-، أن أجعل خاتمي في هذه. والتي يليها، وغير ذلك، وأيضًا فليس من شرط الصحيح التخريج عن كل عدل، وقد أخرج هو في المستدرك عن جماعة لم يخرج لهم في الصحيح، وقال: هو على شرط الشيخين، وإن أراد بقوله: لم يخرج حديثه في الصحيح، أي: هذا الحديث، فليس ذلك بعلة، وإلا لفسد عليه مقصوده كله من كتابه المستدرك. انتهى. طريق آخر للحديث أخرجه الدارقطني، ثم البيهقي في سننهما. وابن عدي في الكامل عن محمد بن جابر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه، قال: صليت مع رسول اللَّه -ﷺ-. وأبي بكر. وعمر، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة، قال الدارقطني: تفرد به محمد بن جابر، وكان ضعيفًا عن حماد عن إبراهيم، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا عن عبد اللَّه من فعله غير مرفوع، وهو الصواب. وقال البيهقي في سننه: وكذلك رواه حماد بن سلمة عن أبي سليمان عن إبراهيم عن =
[ ٢ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن مسعود مرسلًا، وهذه الرواية أخرجها البيهقي في الخلافيات بسنده عن إبراهيم أن ابن مسعود كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه أول مرة، ثم لم يرفع بعد ذلك. قال الحاكم: وهذا هو الصحيح، وإبراهيم لم ير ابن مسعود، والحديث منقطع، ومحمد بن جابر تكلم فيه أئمة الحديث، وأحسن ما قيل فيه: إنه يسرق الحديث من كلم من يذاكره، حتى كثرت المناكير والموضوعات في حديثه. قال الشيخ: أما قوله: إنه كان يسرق الحديث من كل من يذاكره، فالعلم بهذه الكلية متعذر، وأما إن ذلك أحسن ما قيل فيه، فأحسن منه قول ابن عدي: كان إسحاق بن أبي إسرائيل يفضل محمد بن جابر على جماعة شيوخ هم أفضل منه، وأوثق، وقد روى عنه من الكبار: أيوب. وابن عون. وهشام بن حسان. والثوري. وشعبة. ابن عيينة. وغيرهم، ولولا أنه في ذلك المحل لم يرو عنه هؤلاء الذين هو دونهم، وقد خولف في أحاديث، ومع ما تكلم فيه فهو ممن يكتب حديثه، وممن تكلم فيه البخاري، قال فيه: ليس بالقوي، وقال ابن معين: ضعيف. انتهى. ومن الناس القائلين بالرفع من سلك في حديث ابن مسعود هذا مسلك البحث والمناظرة، فقال: يجوز أن يكون ابن مسعود نسي الرفع في غير التكبيرة الأولى، كما نسي في التطبيق. وغيره، واستبعد أصحابنا هذا مثل ابن مسعود، واحتجوا بحديث أخرجه الدارقطني في سننه والطحاوي في شرح الآثار عن حصين بن عبد الرحمن، قال: دخلنا على إبراهيم النخعي فحدثه عمرو بن مرة، قال: صلينا في مسجد الحضرميين، فحدثني علقمة بن وائل عن أبيه أنه رأى النبي -ﷺ-، يرفع يديه حين يفتتح، وإذا ركع، وإذا سجد، فقال إبراهيم: ما أرى أباه رأى رسول اللَّه -ﷺ-، إلا ذلك اليوم الواحد، فحفظ عنه ذلك، وعبد اللَّه بن مسعود لم يحفظه، إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. انتهى. ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، ولفظه: أحفظ وائل، ونسي ابن مسعود؟ ! ورواه الطحاوي في شرح الآثار، وزاد فيه: فإن كان رآه مرة يرفع، فقد رآه خمسين مرة لا يرفع. انتهى. ذكر هذا الكلام كله ابن الجوزي في التحقيق. قال صاحب التنقيح: قال الفقيه أبو بكر بن إسحاق، هذه علة لا يساوى سماعها، لأن رفع اليدين قد صح عن النبي -ﷺ-، ثم عن الخلفاء الراشدين، ثم الصحابة والتابعين، وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب قد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعد، وهي المعوذتان، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه، كالتطبيق، ونسي كيف قيام الاثنين خلف الإمام، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه، أن النبي -ﷺ- صلى الصبح يوم النحر في وقتها، ونسي كيفية جمع النبي -ﷺ- بعرفة، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في =
[ ٢ / ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = السجود، ونسي كيف كان يقرأ النبي -ﷺ-: " ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ "، وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة، كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين. وقال البخاري في كتابه -في رفع اليدين-: كلام إبراهيم هذا ظن منه، لا يرفع به رواية وائل، بل أخبر أنه رأى النبي -ﷺ- يصلي، وكذلك رأى أصحابه غير مرة يرفعون أيديهم، كما بينه زائدة، فقال: حدثنا عاصم ثنا أبي عن وائل بن حجر أنه رأى النبي -ﷺ- يصلي، فرفع يديه في الركوع، وفي الرفع منه، قال: ثم أتيتهم بعد ذلك، فرأيت الناس في زمان برد، عليهم جل الثياب، تحرك أيديهم من تحت الثياب. انتهى. وقال البيهقي في المعرفة: قال الشافعي: الأولى أن يؤخذ بقول وائل، لأنه صحابي جليل، فكيف يرد حديثه بقول رجل ممن هو دونه، وخصوصًا، وقد رواه معه عدد كثير. انتهى. حديث آخر أخرجه أبو داود عن شريك عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، قال: كان النبي -ﷺ- إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود. انتهى. قال أبو داود: رواه هشيم. وخالد. وابن إدريس عن يزيد، لم يذكروا فيه: ثم لا يعود. انتهى. قال الشيخ في الإمام: واعترض عليه بأمور؛ أحدها: إنكار هذه الزيادة على شريك، وزعموا أن جماعة رووه عن يزيد، فلم يذكروها، قال الشيخ: وقد توبع شريك عليها، كما أخرجه الدارقطني عن إسماعيل بن زكريا ثنا يزيد بن أبي زياد به، نحوه وأنه كان تغير بآخره، وصار يتلقن، واحتجوا على ذلك بأنه أنكر الزيادة، كما أخرجه الدارقطني عن علي بن عاصم ثنا محمد بن أبي ليلى عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، قال: رأيت النبي -ﷺ- حين قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حتى ساوى بهما أذنيه، فقلت: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: ثم لم يعد. قال: لا أحفظ هذا، ثم عاودته، فقال: لا أحفظه. وقال البيهقي: سمعت الحاكم أبا عبد اللَّه يقول: يزيد بن أبي زياد كان يذكر بالحفظ، فلما كبر ساء حفظه، فكان يقلب الأسانيد، ويزيد في المتون، ولا يميز، وقال الحاكم، ثم البيهقي عنه، بسنده عن أحمد بن حنبل، قال: هذا حديث واه قد كان يزيد بن أبي زياد يحدث به برهة من دهره، فلا يذكر فيه: ثم لا يعود، فلما لقن أخذه، فكان يذكره فيه. قال الشيخ: ويزيد بن أبي زياد معدود في أهل الصدق، كوفي، يكنى أبا عبد اللَّه، ذكر أبو الحارث القروي، قال أبو الحسن: يزيد بن أبي زياد، جيد الحديث، وذكر مسلم =
[ ٢ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في مقدمة كتابه صنفًا، فقال فيهم: إن الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب. ويزيد بن أبي زياد. وليث بن أبي سليم. الأمر الثاني: المعارضة برواية إبراهيم بن يسار عن سفيان ثنا يزيد بن أبي زياد -بمكة- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. قال سفيان: فلما قدمت الكوفة سمعته يقول: يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود، فظننتهم لقنوه، رواه الحاكم، ثم البيهقي عنه. قال الحاكم: لا أعلم أحدًا ساق هذا المتن بهذه الزيادة عن سفيان بن عيينة غير إبراهيم بن بشار الرمادي، وهو ثقة، من الطبقة الأولى، من أصحاب ابن عيينة، جالس ابن عيينة نيفًا وأربعين سنة. ورواه البخاري في كتابه في رفع اليدين: حدثنا الحميدي ئنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد بمثل لفظ الحاكم. قال البخاري: وكذلك رواه الحفاظ ممن سمع يزيد قديمًا: منهم شعبة. والثوري. وزهير، وليس فيه: ثم لم يعد. انتهى. وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: يزيد بن أبي زياد كان صدوقًا، إلا أنه لما كبر تغير، فكان يلقن، فيتلقن، فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماع صحيح، وسماع من سمع منه في آخر قدومه الكوفة ليس بشيء. انتهى. طريق آخر لحديث البراء، أخرجه أبو داود عن وكيع عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء، قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- رفع يديه حين افتتح الصلاة، ثم لم يرفعهما حتى انصرف. انتهى. قال أبو داود: هذا الحديث ليس بصحيح، وكأنه ضعفه بمحمد بن أبي ليلى، وذكره البخاري في كتابه - في رفع اليدين معلقًا، لم يصل سنده به. ثم قال: وإنما روى ابن أبي ليلى، هذا من حفظه، فأما من روى عن ابن أبي ليلى من كتابه، فإنما حدث عنه عن يزيد بن أبي زياد، فرجع الحديث إلى تلقين يزيد، والمحفوظ ما روى عنه الثوري. وشعبة. وابن عيينة، قديمًا، ليس فيه: ثم لم يرفع. انتهى. وقال الحازمي في كتابه الناسخ والمنسوخ: الوجه التاسع عشر: أن يكون أحد الروايتين لم يضطرب لفظه، فترجح خبره على خبر من اضطرب لفظه، لأنه يدل على ضبطه نحو حديث ابن عمر أنه ﵇ كان يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، واذا رفع، فإنه يروى عن ابن عمر من غير وجه، ولم يختلف عليه فيه، فهو أولى بالمصير من =
[ ٢ / ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حديث البراء بن عازب: أنه -﵇- كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود، لأنه يعرف بيزيد بن أبي زياد، وهو قد اضطرب فيه. قال سفيان بن عيينة: كان يزيد بن أبي زياد يروي هذا الحديث، ولا يقول فيه: ثم لا يعود، ثم دخلت الكوفة فرأيته يرويه وقد زاد فيه: ثم لا يعود، لقنوه، فتلقن، . انتهى. قال البيهقي في المعرفة: ويدل على أنه تلقنها، أن أصحابه القدماء لم يؤثروها عنه، مثل سفيان الثوري. وشعبة. وهشيم. وزهير. وغيرهم، وإنما أتى بها عنه من سمع منه بآخره، وكان قد تغير واختلط، وابن أبي زياد ضعفه ابن معين، وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عبد الرحمن عن البراء. ومحمد بن أبي ليلى أضعف عند أهل الحديث من ابن أبي زياد، واختلف عليه في إسناده، فقيل هكذا، وقيل: عنه عن الحكم بن عتيبة عن ابن أبي ليلى، وقيل: عنه عن يزيد بن أبي زياد عن ابن ليلى، فعاد الحديث إلى يزيد. قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: كان أبي ينكر حديث الحكم، وعيسى، ويقول: إنما هو حديث يزيد بن أبي زياد، وابن أبي ليلى سيِّئ الحفظ. وابن أبي زياد ليس بالحافظ. انتهى. حديث آخر، أخرجه البيهقي في الخلافيات عن عبد اللَّه بن عون الخراز ثنا مالك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: أن النبي -ﷺ- كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة، ثم لا يعود. انتهى. قال البيهقي: قال الحاكم: هذا باطل موضوع، ولا يجوز أن يذكر إلا على سبيل القدح، فقد روينا بالأسانيد الصحيحة عن مالك بخلاف هذا، ولم يذكر الدارقطني هذا في غرائب حديث مالك قال الشيخ: والخراز هذا بخاء معجمة، بعدها راء مهملة، آخره زاي معجمة. حديث آخر، أخرجه البيهقي في الخلافيات أيضًا، أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق عن الحسن بن الربيع عن حفص بن غياث عن محمد بن أبي يحيى عن عباد بن الزبير: أن رسول اللَّه -ﷺ-، كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول الصلاة، ثم لم يرفعها في شيء حتى يفرغ. انتهى. قال الشيخ في الإمام: وعباد هذا تابعي، فهو مرسل. انتهى. حديث آخر، حديث: "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن"، وقد تقدم الكلام عليه. حديث آخر، ذكر الحاكم أبو عبد اللَّه في كتاب المدخل إلى معرفة الإكليل في ذكر المجروحين تحت ترجمة جماعة وضعوا الحديث في الوقت لحاجتهم إليه. قال: وقيل لمحمد بن عكاشة الكرماني: إن قومًا يرفعون أيديهم في الركوع، وبعد =
[ ٢ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رفع الرأس من الركوع، فقال: حدثنا المسيب بن واضح ثنا عبد اللَّه بن المبارك عن يونس بن زيد عن الزهري عن أنس، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من رفع يديه في الركوع، فلا صلاة له". انتهى. قال الحاكم: فكل من رزقه اللَّه فهما في نوع من العلم، وتأمل هذه الأحاديث علم أنها موضوعة على رسول اللَّه -ﷺ-. انتهى. وهذا الحديث رواه ابن الجوزي بإسناده في الموضوعات عن محمد بن عكاشة به، ثم نقل عن الدارقطني أنه قال: محمد بن عكاشة هذا كان يضع الحديث، ثم رواه ابن الجوزي من حديث المأمون بن أحمد السلمي ثنا المسيب بن واضح عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال: "من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له". انتهى. وكذلك رواه في كتاب التحقيق، ونقل في الكتابين عن ابن حبان أنه قال: مأمون هذا كان دجالًا من الدجاجلة، قال ابن الجوزي: وما أبله من وضع هذه الأحاديث الباطلة لتقاوم بها الأحاديث الصحيحة، فقد روى الرفع من الصحابة جماعة كثيرون، وسمى ستة وعشرين رجلًا، قال: ومن لم يكن الحديث صناعته لم ينكر عليه الاحتجاج بالأباطيل. انتهى. الآثار في ذلك: روى الطحاوي، ثم البيهقي من حديث الحسن بن عياش عن عبد الملك بن أبجر عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود، قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود. قال: ورأيت إبراهيم. والشعبي يفعلان ذلك. قال الطحاوي: فهذا عمر لم يكن يرفع يديه أيضًا إلا في التكبيرة الأولى، والحديث صحيح، فإن مداره على الحسن بن عياش، وهو ثقة حجة، ذكر ذلك يحيى بن معين عنه. انتهى. واعترضه الحاكم: بأن هذه رواية شاذة لا يقوم بها حجة، ولا تعارض بها الأخبار الصحيحة عن طاوس بن كيسان عن ابن عمر أن عمر كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه، وروى هذا الحديث سفيان الثوري عن الزبير بن عدي به، ولم يذكر فيه: لم يعد، ثم رواه الحاكم، وعنه البيهقي بسنده عن سفيان عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود أن عمر كان يرفع يديه في التكبير. انتهى. قال الشيخ: وما ذكره الحاكم فهو من باب ترجيح رواية لا من باب التضعيف، وأما قوله: إن سفيان لم يذكر عن الزبير بن عدي فيه: لم يعد، فضعيف جدًا، لأن الذي رواه سفيان في مقدار الرفع، والذي رواه الحسن بن عياش في محل الرفع، ولا تعارض بينهما، ولو كانا في محل واحد لم تعارض رواية من زاد برواية من ترك، والحسن بن عياش أبو محمد هو أخو أبي بكر بن عياش. =
[ ٢ / ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال فيه ابن معين: ثقة، هكذا رواه ابن أبي خيثمة عنه. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: الحسن. وأخوه أبو بكر بن عياش كلاهما من أهل الصدق والأمانة، وقال ابن معين: كلاهما عندي ثقة. أثر آخر أخرجه الطحاوي عن أبي بكر النهشلي ثنا عاصم بن كليب عن أبيه أن عليًا -﵁- كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يعود يرفع. انتهى. وهو أثر صحيح. قال البخاري في كتابه في رفع اليدين: وروى أبو بكر النهشلي عن عاصم بن كليب عن أبيه أن عليًا رفع يديه في أول التكبيرة، ثم لم يعد، وحديث عبيد اللَّه بن أبي رافع أصح. انتهى. فجعله دون حديث عبيد اللَّه بن أبي رافع في الصحة، وحديث ابن أبي رافع صححه الترمذي. وغيره، وسيأتي في أحاديث الخصوم. وقال الدارقطني في علله: واختلف على أبي بكر النهشلي فيه، فرواه عبد الرحيم بن سليمان عنه عن عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي -ﷺ-، ووهم في رفعه، وخالفه جماعة من الثقات: منهم عبد الرحمن بن مهدي. وموسى بن داود. وأحمد بن يونس. وغيرهم، فرووه عن أبي بكر النهشلي موقوفًا على علي، وهو الصواب، وكذلك رواه محمد بن أبان عن عاصم موقوفًا. انتهى. فجعله الدارقطي موقوفًا صوابًا، واللَّه أعلم. أثر آخر أخرجه البيهقي عن سوار بن مصعب عن عطية العوفي أن أبا سعيد الخدري. وابن عمر كانا يرفعان أيديهما أول ما يكبران، ثم لا يعودان. انتهى. قال البيهقي: قال الحاكم: وعطية سيِّئ الحال، وسوار أسوأ حالًا منه، وأسند البيهقي عن البخاري أنه قال: سوار بن مصعب منكر الحديث، وعن ابن معين أنه غير محتج به. أثر آخر أخرجه الطحاوي في شرح الآثار عن إبراهيم النخعي، قال: كان عبد اللَّه بن مسعود لا يرفع يديه في شيء من الصلوات، إلا في الافتتاح. انتهى. قال الطحاوي: فإن قالوا: إن إبراهيم عن عبد اللَّه غير متصل، قيل لهم: كان إبراهيم لا يرسل عن عبد اللَّه إلا ما صح عنده وتواترت به الرواية عنه، كما أخبرنا، وأسند عن الأعمش أنه قال لإبراهيم: إذا حدثتني عن عبد اللَّه، فأسند، قال: إذا قلت لك: قال عبد اللَّه: فاعلم أني لم أقله حتى حدثنيه جماعة عنه، وإذا قلت لك: حدثني فلان عن عبد اللَّه، فهو الذي حدثني وحده عنه، قال: ومذهبنا أيضًا قوي من جهة النظر، فإنهم أجمعوا أن التكبيرة الأولى معها رفع، وأن التكبيرة بين السجدتين لا رفع بينهما، وأختلفوا في تكبيرة الركوع. وتكبيرة الرفع منه، فألحقهما قوم بالتكبيرة الأولى، وألحقهما قوم بتكبيرة السجدتين، ثم إنا رأينا تكبيرة الافتتاح من صلب الصلاة لا تصح بدونها الصلاة، والتكبيرة بين السجدتين ليست بذلك، ورأينا تكبيرة الركوع =
[ ٢ / ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والنهوض ليستا من صلب الصلاة، فألحقناهما بتكبيرة السجدتين، واللَّه أعلم. انتهى. كلامه. أحاديث الخصوم: منها حديث ابن عمر أخرجه البخاري. ومسلم عن سالم عن أبيه، ولفظ البخاري: قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، وحين يرفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في السجود. انتهى. ولفظ مسلم: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قام للصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، وحين يرفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في السجود. انتهى. ولفظ مسلم: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قام للصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم كبر، وإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود. انتهى. وقوله فيه: ثم كبر، ليست عند البخاري، قال ابن عبد البر في التمهيد: هذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي رفعها سالم عن أبيه عن النبي -ﷺ- ووقفها نافع عن ابن عمر: فمنها ما جعله من قول ابن عمر. ومنها ما جعله عن ابن عمر عن عمر، والقول فيها قول سالم، ولم يلتفت الناس فيها إلى نافع، فهذا أحدها. والثاني: حديث "من باع عبدا وله مال". والثالث: حديث: "الناس كإبل مائة". والرابع: حديث "فيما سقت السماء والعيون العشر". قال الشيخ في الإمام: وقد جاء هذا الحديث مرفوعًا من جهة حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أن رسول اللَّه -ﷺ- إذا دخل في الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ومن جهة إبراهيم بن طهمان عن أيوب السختياني عن نافع به مرفوعًا أيضًا، رواهما البيهقي في سننه. انتهى. وأخرجه البخاري عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى ثنا عبيد اللَّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر، فذكره، وزاد فيه: وإذا قام من الركعتين رفع يديه. قال الشيخ في الإمام: قال الإسماعيلي في كتابه: هكذا يقوله عبد الأعلى، وأومأ إلى أنه أخطأ، قالوا: خالفه ابن إدريس. وعبد الوهاب. والمعتمر عن عبيد اللَّه عن نافع، فذكره من فعل ابن عمر. انتهى. وقال أبو داود بعد تخريج رواية عبد الأعلى هذه: والصحيح أنه من قول ابن عمر، وليس بمرفوع، ورواه البيهقي عن عبيد اللَّه أيضًا، فوقفه على ابن عمر، وهو الصحيح. قال الشيخ في الإمام: وعن هذا جوابان: أحدهما: الرجوع إلى الطريقة الفقهية والأصولية في قبول زيادة العدل الثقة إذا تفرد بها، وعبد الأعلى من الثقات المتفق على الاحتجاج بهم في الصحيح. الثاني: أن عبد الأعلى لم ينفرد بها، فإن البيهقي لما ذكره في الخلافيات، قال: =
[ ٢ / ١٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الأعلى هكذا، وتابعه معتمر عن عبيد اللَّه بن عمر نحوه، ثم أخرج رواية معتمر، وأخرج النسائي رواية معتمر في سننه نحو البيهقي. ثم قال: وقوله: إذا قام من الركعتين لم يذكره عامة الرواة عن الزهري، وعبيد اللَّه ثقة، ولعل الخطأ من غيره. انتهى. واعلم أن حديث ابن عمر هذا رواه مالك في موطئه عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان لا يفعل ذلك في السجود. انتهى. لم يذكر فيه الرفع في الركوع، هكذا وقع في رواية يحيى بن يحيى، وتابعه على ذلك جماعة من رواة الموطأ: منهم يحيى بن بكير. والقعنبي. وأبو مصعب. وابن أبي مريم. وسعيد بن عفير، ورواه ابن وهب. وابن القاسم. ومعن بن عيسى. وابن أبي أويس عن مالك، فذكروا فيه الرفع في الركوع، وكذلك رواه جماعة من أصحاب الزهري عن الزهري، وهو الصواب، ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر في كتاب التقصي. وقال في التمهيد: وذكر جماعة من أهل العلم أن الوهم في إسقاط الرفع من الركوع إنما وقع من جهة مالك، فإن جماعة حفاظًا رووا عنه الوجهين جميعًا. انتهى. وكذلك قال الدارقطني في غرائب مالك: إن مالكًا لم يذكر في الموطأ الرفع عند الركوع، وذكره في غير الموطأ، حدث به عشرون نفرًا من الثقات الحفاظ: منهم محمد بن الحسن الشيباني. ويحيى بن سعيد القطان. وعبد اللَّه بن المبارك. وعبد الرحمن بن مهدي. وابن وهب. وغيرهم، ثم أخرج أحاديثهم عن عشرين رجلًا. قال: وخالفهم جماعة من رواة الموطأ، فرووه عن مالك، وليس فيه الرفع في الركوع: منهم الإمام الشافعي. والقعنبي. ويحيى بن يحيى. ويحيى بن بكير. ومعن بن عيسى. وسعيد بن أبي مريم. وإسحاق الحنيني، وغيرهم، واللَّه أعلم، واعترض الطحاوي في شرح الآثار حديث ابن عمر هذا، فقال: وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، ثم أسند عن أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد، قال: صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة، قال: فلا يكون هذا من ابن عمر إلا وقد ثبت عنده نسخ ما رأى النبي -ﷺ- يفعله، قال: فإن قيل: فقد روى طاوس عن ابن عمر خلاف ما رواه مجاهد، قلنا: كان هذا قبل ظهور الناسخ. انتهى. وأجاب البيهقي في كتاب المعرفة، فقال: وحديث أبي بكر بن عياش هذا أخبرناه أبو عبد اللَّه الحافظ، فذكره بسنده، ثم أسند عن البخاري أنه قال: أبو بكر بن عياش اختلط بآخره، وقد رواه الربيع. وليث. وطاوس. وسالم. ونافع. وأبو الزبير. ومحارب بن دثار. وغيرهم، قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر. وإذا رفع، وكان =
[ ٢ / ١١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يرويه أبو بكر بن عياش قديمًا عن حصين عن إبراهيم عن ابن مسعود مرسلًا موقوفًا: أن ابن مسعود كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعهما بعد، وهذا هو المحفوظ عن أبي بكر ابن عياش، والأول خطأ فاحش لمخالفته الثقات من أصحاب ابن عمر، قال الحاكم: كان أبو بكر بن عياش من الحفاظ المتقنين، ثم اختلط حين نسي حفظه، فروى ما خولف فيه، فكيف يجوز دعوى نسخ حديث ابن عمر بمثل هذا الحديث الضعيف؟ ! أو نقول: إنه ترك مرة للجواز، إذ لا يقول بوجوبه، ففعله يدل على أنه سنة، وتركه يدل على أنه غير واجب. انتهى. قال الشيخ في الإمام: ويزيل هذا التوهم يعني دعوى النسخ ما رواه البيهقي في سننه من جهة ابن عبد اللَّه بن حمدان الرقي ثنا عصمة بن محمد الأنصاري ثنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان لا يفعل ذلك في السجود، فما زالت تلك صلاته حتى لقي اللَّه تعالى. انتهى. رواه عن أبي عبد اللَّه الحافظ عن جعفر بن محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن قريش بن خزيمة الهروي عن عبد اللَّه بن أحمد الدمجي عن الحسن به. حديث آخر، أخرجه البخاري. ومسلم عن مالك بن الحويرث، واللفظ لمسلم: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع. انتهى. حديث آخر، أخرجه البخاري عن أبي عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللَّه -ﷺ-، كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فإذا ركع كبر ورفع يديه حتى يحاذي منكبيه، فإذا رفع كبر ورفع يديه يحاذي بهما منكبيه، وفيه: ثم إذا قام من الركعتين كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، الحديث، وفي آخره: فقالوا جميعًا: صدقت، وقد تقدم بتمامه في أول الباب. واعترضه الطحاوي في شرح الآثار، فقال: هذا الحديث لم يسمعه محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد ولا من أحد ذكر مع أبي حميد، وبينهما رجل مجهول، ومحمد بن عمرو ذكر في الحديث أنه حضر أبا قتادة، وسنه لا يحتمل ذلك، فإن أبا قتادة قتل قبل ذلك بدهر طويل، لأنه قتل مع علي، وصلى عليه علي، وقد رواه عطاف بن خالد عن محمد بن عمرو، فجعل بينهما رجلًا، ثم أخرجه عن يحيى. وسعيد بن أبي مريم ثنا عطاف بن خالد حدثني محمد بن عمرو بن عطاء =
[ ٢ / ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حدثني رجل: أنه وجد عشرة من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- جلسوا، فذكر نحو حديث أبي عاصم، سواء. قال: فإن ذكروا ضعف عطاف، قيل لهم: وأنتم أيضًا تضعفون عبد الحميد بن جعفر أكثر من تضعيفكم لعطاف، مع أنكم لا تطرحون حديث عطاف كله، وإنما تصححون قديمه وتتركون حديثه، هكذا ذكره ابن معين في كتابه. وابن أبي مريم سماعه من عطاف قديم جدًا. وليس أحد يجعل هذا الحديث سماعًا لمحمد بن عمرو من أبي حميد، إلا عبد الحميد، وهو عندكم أضعف، ثم أخرج عن عيسى بن عبد الرحمن بن مالك عن محمد بن عمرو بن عطاء، أحد بني مالك عن عباس بن سهيل الساعدي، وكان في مجلس فيه أبو سهيل بن سعيد الساعدي. وأبو حميد. وأبو هريرة. وأبو أسيد، فتذكروا الصلاة، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللَّه -ﷺ-، الحديث، وليس فيه: فقالوا: صدقت. قال: وقوله فيه: فقالوا جميعًا: صدقت، ليس أحد يقولها إلا أبو عاصم. انتهى. وأجاب البيهقي في كتاب المعرفة، فقال: أما تضعيفه لعبد الحميد بن جعفر فمردود، بأن يحيى بن معين وثقه في جميع الروايات عنه، وكذلك أحمد بن حنبل، واحتج به مسلم في صحيحه. وأما ما ذكر من انقطاعه، فليس كذلك، فقد حكم البخاري في تاريخه بأنه سمع أبا حميد. وأبا قتادة. وابن عباس، وقوله: إن أبا قتادة قتل مع علي، رواية شاذة، رواها الشعبي، والصحيح الذي أجمع عليه أهل التاريخ أنه بقي إلى سنة أربع وخمسين، ونقله عن الترمذي. والواقدي. والليث. وابن منده في الصحابة، أطال فيه. ثم قال: وإنما اعتمد الشافعي في حديث أبي حميد برواية إسحاق بن عبد اللَّه عن عباس بن سهيل عن أبي حميد، ومن سماه من الصحابة، وأكده برواية فليح بن سليمان عن عباس بن سهيل عنهم، فالإعراض عن هذا والاشتغال بغيره ليس من شأن من يريد متابعة السنة. انتهى. كلامه. حديث آخر، أخرجه مسلم عن وائل بن حجر أنه رأى رسول اللَّه -ﷺ- رفع يديه حين دخل في الصلاة، وحين ركع، وحين رفع رأسه من الركوع، أخرجه مختصرًا ومطولًا، قال الطحاوي في شرح الآثار: وحديث وائل هذا معارض بحديث ابن مسعود: أنه -﵇- كان يرفع يديه في تكبيرة الافتتاح، ثم لا يعود. وابن مسعود أقدم صحبة، وأفهم بأفعال النبي -ﷺ- من وائل. ثم أسند عن أنس، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه، وابن مسعود كان من أولئك الذين كانوا يقربون من النبي -ﷺ-، ليعلموا أفعاله كيف هي؟، فهو أولى مما جاءه من هو أبعد منه. انتهى. =
[ ٢ / ١١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حديث آخر، أخرجه أصحاب السنن الأربعة، والبخاري في كتابه- في رفع اليدين عن الأعرج عن عبيد اللَّه بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته، وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته، وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك. انتهى. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال الشيخ في الإمام: ورأيت عن علل الخلال عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي، قال: سئل أحمد عن حديث علي هذا، فقال: صحيح، قال الشيخ: وقوله فيه: وإذا قام من السجدتين يعني الركعتين. انتهى. وقال النووي في الخلاصة: وقع في لفظ أبي داود: السجدتين، وفي لفظ الترمذي: الركعتين، والمراد بالسجدتين الركعتان، يدل عليه الرواية الأخرى، وغلط الخطابي في قوله: المراد السجدتان، لكونه لم يقف على طرق الحديث. انتهى. قال الطحاوي في شرح الآثار: وقد روي عن علي خلاف هذا، ثم أخرج عن أبي بكر النهشلي ثنا عاصم بن كليب عن أبيه أن عليًا كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يرفع بعده. قال الطحاوي: فلم يكن علي ليرى النبي -ﷺ- يرفع، ثم يتركه، إلا وقد ثبت عنده نسخه. قال: وتضعف هذه الرواية أيضًا أنه روي من وجه آخر، وليس فيه الرفع، ثم أخرجه عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد اللَّه بن الفضل عن الأعرج به، ولم يذكر فيه: الرفع. انتهى. وقال الشيخ في الإمام: قال عثمان بن سعيد الدارمي: وقد روي من طريق واهية عن علي أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يعود. قال: وهذا ضعيف، إذ لا يظن بعلي أنه يختار فعله على فعل النبي -ﷺ-، وهو قد روى عن النبي -ﷺ- أنه كان يرفع عند الركوع، وعند الرفع منه، قال الشيخ: وما قاله الدارقطني ضعيف، فإنه جعل رواية الرفع -مع حسن الظن بعلي- في ترك المخالفة، دليلًا على ضعف هذه الرواية، وخصمه يعكس الأمر، ويجعل فعل علي بعد الرسول -ﷺ- دليلًا على نسخ ما تقدم، واللَّه أعلم. انتهى. حديث آخر: أخرجه أبو داود عن ابن لهيعة عن أبي هبيرة عن ميمون المكي: أنه رأى عبد اللَّه بن الزبير -وصلى بهم- يشير بكفيه حين يقوم، وحين يرفع، وحين يسجد، وحين ينهض للقيام، فيقوم، فيشير بيديه، فانطلقت إلى ابن عباس، فقلت: إني رأيت ابن الزبير يصلي صلاة لم أر أحداع يصليها، ووصفت له هذه الإشارة، =
[ ٢ / ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فقال: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول اللَّه -ﷺ- فاقتد بصلاة ابن الزبير. انتهى. وابن لهيعة معروف. حديث آخر. أخرجه ابن ماجه حدثنا محمد بن يسار ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ثنا حميد عن أنس: أن النبي -ﷺ- كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع. قال الشيخ في الإمام: ورجاله رجال الصحيحين. قال: وقد رواه البيهقي في الخلافيات من جهة ابن خزيمة عن محمد بن يحيى بن فياض عن عبد الوهاب الثقفي به، وزاد فيه: وإذا رفع رأسه من الركوع، ورواه البخاري في كتابه المفرد -في رفع اليدين- حدثنا محمد بن عبيد اللَّه بن حوشب ثنا عبد الوهاب به: أن النبي -ﷺ- كان يرفع يديه عند الركوع. انتهى. قال الطحاوي: وهم يضعفون هذا، ويقولون: تفرد برفعه عبد الوهاب، والحفاظ يوقفونه على أنس. انتهى. حديث آخر، رواه أبو داود وابن ماجه أيضًا عن إسماعيل بن عياش عن صالح بن كيسان عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة، قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يرفع يديه في الصلاة حذو منكبيه حين يفتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد. انتهى. قال الطحاوي: وهذا لا يحتج به، لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين. انتهى. وأخرجه أبو داود عن يحيى بن أيوب عن عبد الملك بن جريج عن الزهري عن أبي بكر بن الحارث عن أبي هريرة مرفوعًا، نحوه، وزاد فيه: وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك. قال الشيخ في الإمام: وهؤلاء كلهم رجال الصحيح، وقد تابع يحيى بن أيوب على هذا المتن عثمان بن الحكم الجذامي عن ابن جريج، ذكره الدارقطني في علله، وكذلك تابعه صالح بن أبي الأخضر عن ابن جريج، رواه ابن أبي حاتم علله أيضًا، لكن ضعف الدارقطني الأول، وأبو حاتم. قال الدارقطني: وقد خالفه عبد الرزاق، فرواه عن ابن جريج بلفظ التكبير دون الرفع، وهو الصحيح، فقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه صالح بن أبي الأخضر عن أبي بكر بن الحارث، قال: صلى بنا أبو هريرة، فكان يرفع يديه إذا سجد، واذا نهض من الركعتين، وقال: إني أشبهكم صلاة برسول اللَّه -ﷺ-، فقال أبي: هذا خطأ، إنما هو كان يكبر فقط، ليس فيه رفع اليدين. انتهى. وله طريق آخر عند الدارقطني في العلل أخرجه عن عمرو بن علي عن ابن أبي عدي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع، ويقول: أنا أشبهكم صلاة برسول اللَّه -ﷺ-. =
[ ٢ / ١١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الدارقطني: لم يتابع عمرو بن علي على ذلك، وغيره يرويه بلفظ التكبير، وليس فيه رفع اليدين، وهو الصحيح. انتهى. حديث آخر، رواه ابن ماجه أيضًا حدثنا محمد بن يحيى ثنا أبو حذيفة ثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير: أن جابر بن عبد اللَّه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، فعل مثل ذلك، ويقول: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- فعل مثل ذلك. انتهى. قال الشيخ في الإمام، وذكر ابن عبد البر في التمهيد أن الأثرم رواه عن أبي حذيفة به، فلم يذكر فيه: الرفع من الركوع. انتهى. وأخرجه البيهقي في الخلافيات عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر بن عبد اللَّه، قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- في صلاة الظهر يرفع يديه إذا كبر، وإذا رفع رأسه من الركوع، ثم أخرجه عن إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير به، وفيه: إذا ركع. قال: هكذا، رواه ابن طهمان، وتابعه زياد بن سوقة، وهو حديث صحيح، رواته عن آخرهم ثقات. انتهى. حديث آخر أخرجه الدارقطني في سننه عن إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس عن حطان بن عبد اللَّه عن أبي موسى الأشعري، قال: هل أريكم صلاة رسول اللَّه -ﷺ-؟ فكبر، ورفع يديه، ثم كبر، ورفع يديه للركوع، ثم قال: سمع اللَّه لمن حمده، ورفع يديه، ثم قال: هكذا فاصنعوا، ولا ترفع بين السجدتين. انتهى. وأخرجه البيهقي عن محمد بن حميد الرازي عن زيد بن الحباب عن حماد به. قال الشيخ في الإمام: فهاتان الروايتان مرفوعتان، ورواه ابن المبارك عن حماد بن سلمة، فوقفه عن أبي موسى: أنه توضأ، ثم قال: هلموا أريكم، فكبر، ورفع يديه، ثم كبر، ورفع يديه. ثم قال: هكذا فاصنعوا، ولم يرفع في السجود، أخرجه البيهقي. انتهى. حديث آخر، رواه البيهقي في سننه عن الحاكم بسنده عن آدم بن أبي إياس ثنا شعبة ثنا الحكم بن عتيبة، قال: رأيت طاوسا كبر، فرفع يديه حذو منكبيه عند التكبير، وعند ركوعه، وعند رفع رأسه من الركوع، فسألت رجلًا من أصحابه، فقال: إنه يحدث به عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب عن النبي -ﷺ-. انتهى. قال البيهقي: قال الحاكم: الحديثان محفوظان أعني حديث ابن عمر عن النبي -ﷺ- في الرفع. وحديث ابن عمر عن أبيه عمر عن النبي -ﷺ- نحوه. قال الشيخ في الإمام: وفي هذا نظر، ففي علل الخلال عن أحمد بن أثرم، قال: سألت أبا عبد اللَّه يعني أحمد بن حنبل عن حديث شعبة عن الحكم أن طاوسًا، يقول: =
[ ٢ / ١١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عن ابن عمر عن عمر عن النبي -ﷺ-، فقال: من يقول هذا عن شعبة؟ قلت: آدم بن أبي إياس، فقال: ليس هذا بشيء، إنما هو عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-، وقال الدارقطني: هكذا رواه آدم بن أبي إياس. وعمار بن عبد الجبار المروزي عن شعبة، وَهُمَا وَهِمَا فيه، والمحفوظ عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-. قال الشيخ: وأيضًا فهذه الرواية ترجع إلى مجهول، وهو الذي حدث الحكم من أصحاب طاوس، فإن كان روي من وجه آخر متصلا عن عمر، وإلا فالمجهول لا يقوم به الحجة، وهو ما أخرجه البيهقي في الخلافيات من طريق ابن وهب: أخبرني حيوة بن شريح الحضرمي عن أبي عيسى سليمان بن كيسان المدني عن عبد اللَّه بن القاسم، قال: بينما الناس يصلون في مسجد رسول اللَّه -ﷺ-، إذ خرج عليهم عمر بن الخطاب، فقال: أقبلوا علي بوجهكم، أصلي بكم صلاة رسول اللَّه -ﷺ- التي كان يصلي ويأمر بها، فقام مستقبل القبلة، ورفع يديه، حتى حاذى بهما منكبيه، ثم كبر، ثم ركع، وكذلك حين رفع، فقال للقوم: هكذا كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بنا. انتهى. قال الشيخ: ورجال إسناده معروفون، فسليمان بن كيسان أبو عيسى التميمي، ذكره ابن أبي حاتم، وسمى جماعة روى عنهم، وجماعة رووا عنه، ولم يعرف من حاله بشيء، وعبد اللَّه بن القاسم مولى أبي بكر الصديق، ذكره أيضًا، وذكر أنه روى عن ابن عمر. وابن عباس. وابن الزبير، وروى عنه جماعة، ولم يعرف من حاله أيضًا بشيء. قال البخاري في كتابه في رفع اليدين: وكذلك يروى حديث الرفع عن جماعة من الصحابة: منهم أبو قتادة. وأبو أسيد الساعدي. ومحمد بن مسلمة البدري. وسهيل بن سعد الساعدي. وعبد اللَّه بن عمر. وابن عباس. وأنس بن مالك. وأبو هريرة. وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص. وعبد اللَّه بن الزبير. ووائل بن حجر. ومالك بن الحويرث. وأبو موسى الأشعري. وأبو حميد الساعدي. انتهى. يعني أنهم رووه عن النبي -ﷺ-، ورواه الدارقطني في غرائب مالك من حديث خلف بن أيوب البلخي عن مالك بن أنس عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر، قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. انتهى. قال الدارقطني: هكذا قال: عن عمر، ولم يتابع عليه، قال الشيخ: وكان مراده لم يتابع عليه عن مالك، واللَّه أعلم. انتهى. الآثار في ذلك: روى البخاري في كتابه المفرد -في رفع اليدين-: حدثني مسدد ثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن الحسن، قال: كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يرفعون أيديهم في الصلاة. انتهى. =
[ ٢ / ١١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الشيخ في الإمام: ورواه أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى الأثرم: حدثنا أحمد بن حنبل ثنا محمد بن معاذ. وابن أبي عدي. وغندر عن سعيد عن قتادة عن الحسن، قال: كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يرفعون أيديهم في الصلاة إذا ركعوا، وإذا رفعوا، كأنها المراوح. انتهى. قال البخاري: ولم يستثن الحسن أحدًا، ولا ثبت عن أحد من الصحابة أنه لم يرفع يديه. انتهى. أثر آخر، رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع من الركوع، ورواه يحيى بن بكير عن مالك، وفيه: وإذا ركع. انتهى. أثر آخر أخرجه البيهقي عن عبد الرزاق، قال: ما رأيت أحسن صلاة من ابن جريج، رأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وأخذ ابن جريج، صلاته عن عطاء بن أبي رباح، وأخذ عطاء صلاته من عبد اللَّه بن الزبير، وأخذ ابن الزبير صلاته من أبي بكر الصديق. انتهى. وأخرجه عن أيوب السختياني عن عطاء بن أبي رباح نحوه، وقد تقدم، وقال: رواته ثقات. أثر آخر أخرجه البيهقي أيضًا عن ابن جريج عن الحسين بن مسلم بن يناق، قال: سألت طاوسًا عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: رأيت عبد اللَّه بن عباس. وعبد اللَّه بن الزبير. وعبد اللَّه بن عمر يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا من الركوع. أثر آخر أخرجه البيهقي أيضًا عن راشد بن سعد عن محمد بن سهم عن سعيد بن المسيب، قال: رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وفيه من يستضعف. أثر آخر أخرجه البيهقي أيضًا عن ليث عن عطاء، قال: رأيت جابر بن عبد اللَّه. وابن عمر. وأبا سعيد. وابن عباس. وابن الزبير. وأبا هريرة يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا من الركوع، وليث مستضعف، وأخرجه البخاري في كتابه -في رفع اليدين- عن ابن عمر. وابن عباس. وابن الزبير. وأبي سعيد. وجابر. وأبي هريرة. وأنس بن مالك أنهم كانوا يرفعون أيديهم، قال: ورويناه عن عدة من التابعين، وفقهاء مكة. والمدينة. وأهل العراق. والشام. والبصرة. واليمن، وعدة من أهل خراسان: منهم سعيد بن جبير. وعطاء بن أبي رباح. ومجاهد. والقاسم بن محمد. وسالم بن عبد اللَّه بن عمر. وعمر بن عبد العزيز. والنعمان بن أبي عياش. والحسن. وابن سيرين. وطاوس. ومكحول. وعبد اللَّه بن دينار. ونافع. وعبيد اللَّه بن عمر. والحسن بن مسلم. وقيس بن سعد، وكذلك يروى عن أم الدرداء أنها كانت ترفع يديها. =
[ ٢ / ١١٧ ]
تنبيه:
لم يبين حد الرفع، وهو أن يحاذي بهما منكبيه.
[وقت رفعهما:]
ووقت رفعهما حين شروعه؛ ففي الدخيرة: إن التكبير شرع في الصلاة مقرونًا بحركة الأركان، ولما لم يكن مع تكبيرة الإحرام ركوع شرع معها حركة اليدين.
_________________
(١) = وكان ابن المبارك يرفع يديه، وهو أعلم أهل زمانه فيما يعرف، ولقد قال ابن المبارك: صليت يومًا إلى جنب النعمان فرفعت يدي، فقال لي: أما خشيت أن تطير؟، قال: فقلت له: إن لم أطر في الأولى، لم أطر في الثانية. قال وكيع: رحم اللَّه ابن المبارك، كان حاضر الجواب. انتهى. كلامه. وقال البيهقي: وقد روينا الرفع في الصلاة من حديث أبي بكر الصديق. وعمر بن الخطاب. وعلي بن أبي طالب. وابن عمر. ومالك بن الحويرث. ووائل بن حجر. وأبي حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: منهم أبو قتادة. وأبي هريرة، ومحمد بن مسلمة. وأبو أسد. وسهيل بن سعد، وعن أبي موسى الأشعري. وأنس بن مالك. وجابر بن عبد اللَّه بأسانيد صحيحة، يحتج بها، قال: وسمعت أبا عبد اللَّه الحافظ، يقول: لا تعلم سنة اتفق على روايتها عن النبي -ﷺ- الخلفاء الأربعة، ثم العشرة، فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في البلاد الشاسعة، غير هذه السنة. انتهى. وقال الشيخ في الإمام: وجزم الحاكم برواية العشرة ليس عندي بجيد، فإن الجزم إنما يكون حيث يثبت الحديث ويصح، ولعله لا يصح عن جملة العشرة. انتهى. قال البيهقي: وهو كما قال أبو عبد اللَّه، فقد روى هذه السنة عن أبي بكر الصديق. وعمر بن الخطاب. وعثمان. وعلي. وطلحة. والزبير. وسعد. وسعيد. وعبد الرحمن بن عوف. وأبي عبيدة بن الجراح. ومالك بن الحويرث. وزيد بن ثابت. وأبي بن كعب. وابن مسعود. وأبي موسى. وابن عباس. والبراء بن عازب. والحسين بن علي. وزياد بن الحارث الصدائي. وسهل بن سعد الساعدي. وأبي سعيد الخدري. وأبي قتادة الأنصاري. وسلمان الفارسي. وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص. وعقبة بن عامر. وبريدة بن الحصيب. وأبي هريرة. وعمار بن ياسر. انتهى. قال الشيخ في الإمام: ورأيت بعد ذلك أسماء أتوقف في حكايتها إلى الكشف من نسخة أخرى: منهم أبو أمامة. وعمير بن قتادة الليثي. وأبو مسعود الأنصاري، ومن النساء: عائشة، وروي عن أعرابي آخر صحابي، كلهم عن النبي -ﷺ-، انتهى".
[ ٢ / ١١٨ ]
تنبيه:
ربما يستغني عن هذا بقوله مع إحرامه؛ إذ لا يكون رفعه مع الإحرام إلا عند الشروع، فهو هنا صفة كاشفة.
[تطويل صلاة الصبح:]
وندب تطويل قراءة صلاة صبح بطوال المفصل، فما زاد مع اتساع الوقت، فإن خشي الإسفار خفف.
وطوال: بكسر الطاء، لا غير، وأما بضمها: فالرجل الطويل، وبفتحها: المدة، قاله ابن مالك.
تتمة:
سمي مفصلًا لكثر الفصل بين سوره، وقيل: لقلة منسوخه، واختلف هل أوله الجاثية أو القتال أو الفتح أو الشورى أو الحجرات أو النجم أو الرحمن؟ أقوال.
ابن فرحون: أصحها القتال، ومنتهى طواله إلى عبس، ومتوسطه منها إلى الضحى، وقصاره إلى آخره.
[القراءة في الظهر:]
والظهر تليها -أي: تلي الصبح- في طول قراءتها عند مالك. أشهب مثلها.
قال الجلاب: إن ابتدأ في الصبح أو الظهر بسورة قصيرة تركها، وشرع في طويلة.
[القراءة في العصر والمغرب:]
وندب تقصيرهما بمغرب وعصر، فظاهره مساواتهما، وهو قول مالك وابن حبيب، فيقرأ فيهما بالتين والزيتون.
[ ٢ / ١١٩ ]
[القراءة بالعشاء:]
ثم شبه في الحكم، فقال: كتوسط بعشاء بين قراءة الظهر والمغرب، فيقرأ فيه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾.
تنبيه:
قال ابن فرحون: وهذا مع الاختيار، وأما مع الضرورة كالسفر فيخفف بحسب الإمكان وقد أجاز مالك القراءة في الصبح بسبح والضحى.
[قصر الثانية عن الأولى:]
وندب تقصير قراءة ركعة ثمانية عن أولى، وهذا وما بعده معطوف على الضمير المضاف إليه تقصير.
وفهم منه: أن المساواة مندوبة، ولم يعلم من كلامه حكم تطويل الثانية عن الأولى، وجهل ابن العربي من لم يطول الأولى عن الثانية، وكره بعضهم كون الثانية أطول.
[قصر الجلوس الأول عن الثاني:]
وندب تقصير جلوس أول عن ثان، فمساواته له أو زيادته عليه مخالفة للمندوب.
[ما يقول الفذ والمأموم:]
وندب قول مقتد بالإمام وفذ ربنا ولك الحمد، بإثبات الواو مع (لك)؛ لأن الكلام مع إثباتها جملتان، بخلاف حذفها، والتطويل في الدعاء مطلوب (١)، وهو قول ابن القاسم.
[ما يقال في الركوع والسجود:]
وندب تسبيح بركوع -أي: فيه- وفي سجود من غير تحديد بعدد، وإطلاقه يقتضي أي تسبيح كان، وقول البساطي: (وفي الرسالة: "يقول في
_________________
(١) لما فيه من إظهار التذلل للَّه والاستئناس بذكره.
[ ٢ / ١٢٠ ]
الركوع: سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي السجود: سبحانك ربي، ظلمت نفسي وعملت سوءًا، فاغفر لي")، كالمتعقب به على المصنف غير ظاهر؛ لقولها: أو تقول إن شئت، فإن ظاهرها التخيير في هذا وغيره.
[التأمين:]
وندب تأمين فذ عند قوله: (ولا الضالين) مطلقًا، كانت صلاته جهرية أو سرية، وإمام بسر، أي: في قراءته السرية اتفاقًا، لا في قراءته جهرًا على المشهور، نحوه قول الرسالة: ولا يقولها الإمام فيما جهر فيه، ويقولها فيما أسر فيه.
وندبِ تأمين مأموم بسر عند قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أو جهر عند قول إمامه: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ لخبر الصحيح: "إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" (١).
[محل التأمين:]
ومحل تأمين المأموم عند جهر الإمام إن سمعه على الأظهر من القولين عند ابن رشد، والآخر يؤمن مطلقًا سمعه أو لا، فيتحرى، ومفهوم الشرط إن لم يسمعه في الجهر لم يؤمن، وما ذكره من أن التأمين مستحب هو المذهب، وعند القرافي وغيره أنه سنة.
وآمين: بالمد والقصر مع التخفيف فيهما.
وقيل: بتشديد الميم في الأول.
والأول أفصحها، وحصل بعضهم فيها خمس لغات، أفصحهن وأشهرهن المد والتخفيف.
الثانية: القصر والتخفيف.
_________________
(١) هذا اللفظ أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٩٧، رقم ٢٦٤٤)، وأحمد (٢/ ٢٣٣، رقم ٧١٨٧)، وابن حبان (٥/ ١٠٦، رقم ١٨٠٤).
[ ٢ / ١٢١ ]
الثالثة: القصر والتشديد.
الرابعة: المد والإمالة.
الخامسة: المد والتشديد.
وهل هو عربي أو عبراني عربته العرب، وبنيت نونه على الفتح، أو أعربته اسم للَّه تعالى، ونونه مضمومة على النداء، تقديره يا آمين استجب دعانا؟ أقوال.
[الإسرار به:]
وندب لمن استحب له التأمين من إمام ومأموم وفذ إسرارهم به، وقيل: بجهر الإمام به في الجهر.
[القنوت:]
وندب قنوت، والمراد به هنا الدعاء بخير.
ابن العربي: وهو لغة: الطاعة، والقيام، وطول الصلاة، والصمت، والخشوع، والعبادة، وإقامتها، والإقرار بالعبودية، والدوام على الطاعة، والدعاء بخير أو شر.
يقال: قنت له وعليه.
ويستحب كونه سرًا على المشهور، فلو عطفه بالواو ليفيد هذا الحكم لكان أحسن.
بصبح فقط بعد سورة ثانية، لا بوتر مطلقًا، ولا في النصف الأخير من رمضان، خلافًا لأبي حنيفة في الأول، وللشافعي مع إحدى الروايتين عن مالك في الثاني.
اللخمي: والقياس أن فيه السهو.
وندب كونه قبل الركوع، مالك: لعمل الناس في الزمان الأول؛ ولما فيه من الرفق بالمسبوق، وعدم الفصل بين الركوع والسجود.
[ ٢ / ١٢٢ ]
ابن حبيب: بعد الركوع.
وفي المدونة: هما سواء (١).
_________________
(١) ذهب بعض الناس إلى أن القنوت بالصبح بدعة، وأثار برأيه شغبًا في المساجد، وشق عصا المسلمين، وبات الناس على حد قولهم فسطاطين: مبتدع ومتبع، وليس الأمر كما توهم هؤلاء ممن يتبعون المذهب الظاهري، أو يتبعون مشايخه، فينكرون علينا التقليد، ويبيحونه لأنفسهم، ومهما يكن من أمر فإن القنوت بالصبح ثابت بالدليل، قال ابن حجر (٢/ ٤٩٠، وما بعدها): " (قوله: باب القنوت قبل الركوع وبعده)، القنوت يطلق على معان والمراد به هنا الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام. قال الزين بن المنير: أثبت بهذه الترجمة مشروعية القنوت إشارة إلى الرد على من روي عنه أنه بدعة كابن عمر، وفي الموطأ عنه أنه كان لا يقنت في شيء من الصلوات، ووجه الرد عليه ثبوته من فعل النبي -ﷺ- فهو مرتفع عن درجة المباح. قال: ولم يقيده في الترجمة بصبح ولا غيره مع كونه مقيدًا في بعض الأحاديث بالصبح، وأوردها في أبواب الوتر أخذًا من إطلاق أنس في بعض الأحاديث، كذا قال، ويظهر لي أنه أشار بذلك إلى قوله في الطريق الرابعة: كان القنوت في الفجر والمغرب؛ لأنه ثبت أن المغرب وتر النهار فإذا ثبت القنوت فيها ثبت في وتر الليل بجامع ما بينهما من الوترية مع أنه قد ورد الأمر به صريحًا في الوتر، فروى أصحاب السنن من حديث الحسن بن علي قال: علمني رسول اللَّه -ﷺ- كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم أهدني فيمن هديت" الحديث وقد صححه الترمذي وغيره لكن ليس على شرط البخاري.
(٢) قوله سئل أنس في رواية إسماعيل عن أيوب عند مسلم قلت لأنس فعرف بذلك أنه أبهم نفسه قوله فقيل: أوقنت؟ في رواية الكشميهني بغير واو وللاسماعيلى: هل قنت؟ قوله: قبل الركوع زاد الإسماعيلي: أو بعد الركوع قوله: بعد الركوع يسيرًا قد بين عاصم في روايته مقدار هذا اليسير حيث قال فيها: إنما قنت بعد الركوع شهرًا. وفي صحيح ابن خزيمة من وجه آخر عن أنس أن النبي -ﷺ- كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم وكأنه محمول على ما بعد الركوع بناءً على أن المراد بالحصر في قوله: إنما قنت شهرًا، أي: متواليًا.
(٣) قوله حدثنا عبد الواحد هو ابن زياد وعاصم هو ابن سليمان الأحول قوله: قد كان القنوت فيه إثبات مشروعيته في الجملة كما تقدم قوله: قال فإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع، فقال: كذب لم أقف على تسمية هذا الرجل صريحًا ويحتمل أن يكون محمد بن سيرين بدليل روايته المتقدمة؛ فإن مفهوم قوله: بعد =
[ ٢ / ١٢٣ ]
[لفظه:]
وندب لفظه المشهور، وهو: ما روى ابن وهب أن جبريل علمه
_________________
(١) = الركوع يسيرًا يحتمل أن يكون وقبل الركوع كثيرًا ويحتمل أن يكون لا قنوت قبله أصلًا ومعنى قوله كذب، أي: أخطأ وهو لغة أهل الحجاز يطلقون الكذب على ما هو أعم من العمد والخطأ، ويحتمل أن يكون أراد بقوله كذب، أي: إن كان حكى أن القنوت دائمًا بعد الركوع وهذا يرجح الاحتمال الأول ويبينه ما أخرجه ابن ماجه من رواية حميد عن أنس أنه سئل عن القنوت فقال: قبل الركوع وبعده إسناده قوي، وروى ابن المنذر من طريق أخرى عن حميد عن أنس: أن بعض أصحاب النبي -ﷺ- قنتوا في صلاة الفجر قبل الركوع وبعضهم بعد الركوع وروى محمد بن نصر من طريق أخرى عن حميد عن أنس: أن أول من جعل القنوت قبل الركوع، أي: دائمًا عثمان لكي يدرك الناس الركعة وقد وافق عاصمًا على روايته هذه عبد العزيز بن صهيب عن أنس كما سيأتي في المغازي بلفظ: سأل رجل أنسًا عن القنوت بعد الركوع أو عند الفراغ من القراءة قال: لا بل عند الفراغ من القراءة، ومجموع ما جاء عن أنس من ذلك أن القنوت للحاجة بعد الركوع لا خلاف عنه في ذلك وأما لغير الحاجة فالصحيح عنه أنه قبل الركوع. وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك والظاهر أنه من الاختلاف المباح، قوله: كان بعث قومًا يقال لهم القرأء سيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب المغازي، وكذا على رواية أبي مجلز والتيمي الراوي عنه هو سليمان وهو يروي عن أنس نفسه ويروي عنه أيضًا بواسطة كما في هذا الحديث.
(٢) قوله: حدثنا إسماعيل هو ابن علية وخالد هو الحذاء قوله: كان القنوت في المغرب والفجر قد تقدم توجيه إيراد هذه الرواية في أول هذا الباب وتقدم الكلام على بعضها في أثناء صفة الصلاة. وقد روى مسلم من حديث البراء نحو حديث أنس هذا وتمسك به الطحاوي في ترك القنوت في الصبح قال: لأنهم أجمعوا على نسخه في المغرب فيكون في الصبح كذلك. انتهى. ولا يخفى ما فيه وقد عارضه بعضهم فقال: أجمعوا على أنه -ﷺ- قنت في الصبح ثم اختلفوا هل ترك فيتمسك بما أجمعوا عليه حتى يثبت ما اختلفوا فيه. وظهر لي أن الحكمة في جعل قنوت النازلة في الاعتدال دون السجود مع أن السجود مظنة الإجابة كما ثبت أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وثبوت الأمر بالدعاء فيه أن المطلوب من قنوت النازلة أن يشارك المأموم الإمام فى الدعاء ولو بالتأمين ومن ثم اتفقوا على أنه يجهر به بخلاف القنوت في الصبح فاختلف في محله وفي الجهر به".
[ ٢ / ١٢٤ ]
للنبي -ﷺ- بعد ما كان يدعو على مضر، فأمره بالسكوت، وقال: إن اللَّه لم يبعثك سبابًا ولا لعانًا، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذابًا، ليس لك من الأمر شيء، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم فإنهم ظالمون، ثم علمه: اللهم إنا نستعينك (١)، أي: نطلب منك العون.
_________________
(١) قال في البدر المنير (٤/ ٣٧٠، وما بعدها): "الأثر الثامن: عن عمر -﵁- "أنه قنت بهذا، وهو: اللَّهم إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللَّهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ونخشى عذابك (إن عذابك الجد) بالكفار ملحق، اللَّهم (عذب) كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللَّهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك، وأوزعهم (أن يشكروا نعمتك و) أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك (وعدوهم) إله الحق واجعلنا منهم" وهذا الأثر رواه البيهقي من حديث سفيان (حدثني) ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن (عمير أن عمر -﵁-) قنت بعد الركوع فقال: "اللهم اغفر (لنا و) للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف (بين قلوبهم وأصلح) ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللَّهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك، اللَّهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك (الذي) لا ترده عن القوم المجرمين، بسم اللَّه الرحمن الرحيم، اللَّهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم اللَّه الرحمن الرحيم، اللَّهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك (نسعى) ونحفد، نخشى عذابك الجد، ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق". قال البيهقي: هذا عن عمر موصول صحيح. قال ذلك بعد أن روى بعضه مرفوعًا وحكم عليه بالإرسال، وهو كما قال. وقد أخرجه أبو داود في "مراسيله" من حديث خالد بن أبي (عمران) قال: "بينا رسول اللَّه -ﷺ- يدعو على مضر إذ جاءه جبريل -﵇- فأومأ إليه أن اسكت فسكت، فقال: يا محمد، إن اللَّه لم يبعثك سبابًا ولا لعانًا، وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابًا ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾. قال: ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك ونخضع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك، إن عذابك بالكافرين ملحق". =
[ ٢ / ١٢٥ ]
ونستغفرك: أي نطلب مغفرتك من المعاصي والتقصير في خدمتك.
ونؤمن بك: نصدق ونذعن.
ونتوكل عليك: أي نفوض.
_________________
(١) = قال البيهقي: وروى -يعني: (أثر) عمر- سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب فخالف في بعضه ثم أسنده إلى والد سعيد قال: "صليت خلف عمر بن الخطاب صلاة الصبح فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع: اللَّهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى (عذابك) إن عذابك بالكافرين ملحق، اللَّهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير (كله) ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخضع لك، ونخلع من يكفرك". (ثم) قال البيهقي: كذا قال: "قبل الركوع" وهو وإن كان إسنادًا صحيحًا؛ فمن روى عن عمر قنوته بعد الركوع أكثر؛ فقد رواه أبو رافع وعبيد بن عمير وأبو عثمان النهدي وزيد بن وهب، والعدد أولى بالحفظ من الواحد، وفي حسن سياق عبيد بن عمير للحديث دلالة على حفظه وحفظ من حفظ عنه. قال: وروينا عن علي -﵁- "أنه قنت في الفجر فقال: اللَّهم إنا نستعينك ونستغفرك". ورأيت في "مسند الفردوس" لابن شهرديار من زوائده على والده وهو في (مجلدات صغار) "أن الحارث -يعني: ابن أبي أسامة- روى عن العباس، عن عبد الوارث، عن حنظلة، عن أنس مرفوعًا: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين (يحادون) رسلك ويصدون عن سبيلك وألق بينهم العداوة والبغضاء". وأن ابن (منيع) روى عن أبي نصر (البابي) عن (أبي هلال عن حنظلة) (أنه -﵇- كان يدعو مدة (في) صلاة الفجر بعد الركوع: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب واجعل قلوبهم كقلوب النساء الكوافر". قال: ورواه الموصلي عن إسحاق بن إسرائيل، عن حماد بن زيد، عن حنظلة مثله) قال الرافعي: ونقل الروياني عن أبي العاص أنه كان يزيد في آخر القنوت: (﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ إلى آخر السورة. واستحسنه. وهذا من عنده ولم أره في حديث، لا جرم استغربه النووي في "شرح المهذب" واستضعفه بأن المشهور كراهة القراءة في غير القيام. قال: وإنما قال: "عذب كفرة أهل الكتاب" لأنهم كانوا هم الذين يقاتلون المسلمين حينئذ، وأما اليوم فيقال: عذب الكفرة وغيرهم ليعمهم وغيرهم؛ لأن الحاجة إلى الدعاء على غيرهم كالحاجة إلى الدعاء عليهم أو أكثرهم".
[ ٢ / ١٢٦ ]
ونخلع ونخضع لك: أي نخضع ونذل ونخلع الأديان والأنداد والشركاء.
ونترك من يكفرك: أي موالاته، فنترك العابد كما تركنا المعبود.
اللهم إياك نعبد: قدم إياك للتخصيص، أي: لا نعبد إلا أنت.
ولك نصلي: يحتمل الحقيقة والدعاء.
ونسجد: وذكر نسجد بعد الصلاة يحتمل أنه من عطف الخاص على العام؛ لأنه أشرف أحوالها؛ لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، وللتبرؤ من السجود لغيره، ويحتمل أن يريد بالسجود الخضوع.
وإليك نسعى: أي فيما يرضيك.
ونحفد: بكسر الفاء وفتحها، أي: نخدم، وتقديم مفعول نعبد ونصلي ونسجد ونحفد للاختصاص.
نرجو بذلك رحمتك، ونخاف عذابك: فنحن بين الرجاء والخوف؛ لأن شأن القادر أن يُرْجَا فضله، ويخاف عذابه.
أبو الحسن الزيات: رحمتك جنتك.
وقال غيره: نرجو رحمتك لأن أعمالنا لا تفي بشكر نعمتك.
فلا ملجأ لنا إلا رجاء رحمتك.
والجد: بكسر الجيم: الحق الثابت ضد الهزل.
وملحق: بفتح الحاء المهملة اسم مفعول، والفاعل هو اللَّه أو الملائكة.
قال المصنف: وبكسرها إما بمعنى لاحق الرباعي كالثلاثي، أو محذوف المفعول، أي: ملحق بهم الهوان، وهـ[ـذا] الذي فسرنا هو المراد بقوله: إلى آخره.
وفهم من قوله: (ولفظه) أنه لو أتى بغير هذا اللفظ مثل: اللهم اهدنا
[ ٢ / ١٢٧ ]
بفضلك فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا مع من توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت. . إلى آخره (١)، لأتى بمندوب، وأخل بآخر.
وظاهره: أنه لو أتى ببعضه لم يأت بالمستحب، وفي سهو الذخيرة ما يحتمل أنه لو أتى ببعضه لأتى بمستحب، وهو قولها عندنا يسجد؛ لنقص الأقوال المحدودة المتعلقة باللَّه تعالى، ولنقص الأفعال على تفصيل، وقولنا المحدودة احترازًا من القنوت والتسبيح. انتهى.
تنبيه:
قوله: "قنا شر ما قضيت" مع أن القضاء لا يمكن أن يقع غيره، قال القرافي: معناه أن اللَّه تعالى يقدر المكروه بعدم دعاء العبد المستجاب، فإذا استجاب دعاءه لم يقع المقضي، لفوات شروطه، وليس هو ردًا للقضاء المبرم، ومن هذا الباب صلة الرحم تزيد في العمر والرزدق.
[التكبير في الشروع:]
وندب تكبيره -أي: المصلي- في وقت الشروع في إقبال الصلاة،
_________________
(١) رواه من حديث السيد الحسن: أخرجه الطيالسي (ص ١٦٣، رقم ١١٧٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٩٥، رقم ٦٨٨٩)، وأحمد (١/ ٢٠٠، رقم ١٧٢٧)، وأبو داود (٢/ ٦٣، رقم ١٤٢٥)، والترمذي (٢/ ٣٢٨، رقم ٤٦٤) وقال: حسن. والنسائي (٣/ ٢٤٨، رقم ١٧٤٥)، وابن ماجه (١/ ٣٧٢، رقم ١١٧٨)، والدارمي (١/ ٤٥٢، رقم ١٥٩٣)، وابن الجارود (ص ٧٨ رقم ٢٧٢)، وابن خزيمة (٢/ ١٥١، رقم ١٠٩٥)، وأبو يعلى (١٢/ ١٣٢، رقم ٦٧٦٢)، وابن حبان (٣/ ٢٢٥، رقم ٩٤٥) والطبراني (٣/ ٧٣، رقم ٢٧٠١)، والحاكم (٣/ ١٨٨، رقم ٤٨٠٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبيهقي (٢/ ٢٠٩، رقم ٢٩٥٧). وأخرجه أيضًا: البزار (٤/ ١٧٥، رقم ١٣٣٦). ومن حديث السيد الحسين بن على: أخرجه أحمد (١/ ٢٠١، رقم ١٧٣٥). ومن حديث ابن عمر: أخرجه الخطيب (١٠/ ٢٨٥). ومن حديث بريدة: أخرجه الطبراني فى الأوسط (٧/ ٢٣٢، رقم ٧٣٦٠). قال الهيثمي (٢/ ١٣٨): رواه الطبراني فى الأوسط وقال: لم يروه عن علقمة إلا أبو حفص عمر قلت ولم أجد من ترجمه.
[ ٢ / ١٢٨ ]
إلا في قيامه للثالثة من اثنتين في ثلاثية أو رباعية؛ فلاستقلاله قائمًا، لعمل أهل المدينة، والتكبير مطلوب في حق الإمام والمأموم والفذ، إلا أن المأموم لا يقوم حتى ينتصب إمامه ويكبر، وإذا كبر قام حينئذ، ولو بعد استقلاله، نص عليه في الرسالة وغيرها.
[صفة الجلوس:]
وندب الجلوس -أي: صفته- وهو كله بين السجدتين أو التشهدين سواء على المشهور، وبين الصفة المستحبة بقوله: بإفضاء ورك الرجل اليسرى وإليته للأرض، وينصب الرجل اليمنى عليها وإبهامها باطنه للأرض، فتصير رجلاه من الجانب الأيمن.
تنبيهان:
الأول: نبه بقوله: (كله) على مخالفة تفريق ابن العربي بين الجلوس الأول وجلوس التسليم، فإنه اختار هذه الصفة في جلوس التسليم، وفي الأول كون إليته على رجله اليسرى.
الثاني: التأكيد في كلامه عام مخصوص بمن صلى جالسًا، فإنه يستحب تربعه.
[صفة الركوع:]
وندب وضع يديه على ركبتيه بركوعه، ولا يطبق، وعلى هذا فهذا تكرار مع قوله: (وندب تمكينها منهما)، وقد يقال: تمكينهما زيادة على وصفهما، فليس بتكرار.
قال بعض من تكلم على هذا المحل: يوجد في بعض النسخ إسقاط لفظ بركوعه، وجر لفظ وضع عطفًا على قوله: (بإفضاء اليسرى)، فيكون من تمام صفة الجلوس، وكأنه إصلاح. انتهى.
[صفة السجود:]
وندب وضعهما حذو أذنيه، أي: إزاءهما -أو قربهما بسجود؛ لأن
[ ٢ / ١٢٩ ]
ما قارب الشيء له حكمه.
وندب مجافاة -أي: مباعدة- رجل لا امرأة؛ لأنها تكون منضمة فيه -أي: في السجود- بطنه عن فخذيه.
وندب مباعدة مرفقيه عن ركبتيه، ظاهره: ولو في الفرض والنّفل الطويل.
وفي المدونة: له أن يضع ذراعيه على فخذيه لطول السجود في النّوافل، وأما المكتوبة وما قصر من النّوافل فلا يضعهما على فخذيه، ولم يجد أين يضعهما، يعني: الإمام.
تتمة:
بقي على المصنف استحباب تفريق ركبتيه، ونص عليه ابن الحاجب.
[الصلاة بالرداء:]
وندب الرداء -أي: جعله على منكبيه- في صلاته، قال ابن رشد: ورجحه جماعة.
وقال الأبهري: سنة.
وهو ظاهر المدونة، ولا فرق بين الإمام وغيره.
[سدل اليدين:]
وندب سدل يديه، أي: إرسالهما لجنبه في الفرض فيه طول.
قال الهروي (١) في الغريبين: سدلوا أي: أرسلوا من غير أن يضموا جوانبه. انتهى.
وقال غيره: السدل أن يضع وسط الرداء على رأسه، ويرسل طرفيه
_________________
(١) هو: أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الباشاني، أبو عبيد الهروي، (٠٠٠ - ٤٠١ هـ = ٠٠٠ - ١٠١١ م): باحث من أهل هراة (في خراسان)، له (كتاب الغريبين - ط): غريب القرآن وغريب الحديث، و(ولاة هراة). ينظر: الأعلام (١/ ٢١٠).
[ ٢ / ١٣٠ ]
من غير أن يجمعهما على كتفيه. انتهى.
ولا ينافيه إطلاق الأول، واللَّه أعلم.
[القبض:]
وهل يجوز القبض لكوع يده اليسرى بيده اليمنى، ويجعلهما تحت صدره فوق سرته في صلاة النّفل مطلقًا، طال أم لا، أو يجوز إن طول، ويكره إن قصر: تأويلان.
واختلف هل كراهته في الفرض للاعتماد لشبهه بالمستند، وهو تأويل عبد الوهاب، فلو فعله استئنافًا لا للاعتماد لم يكره، أو كراهته خيفة اعتقاد وجوبه، وليس واجبًا، أو كراهته خوف إظهار خشوع -أي: وليس موجودًا في الباطن- وهو تأويل عياض، وعليه فلا يختص ذلك بفرض ولا نفل: تأويلات.
ولم يذكر المؤلف من علل الكراهة كونه مخالفًا لعمل أهل المدينة (١).
_________________
(١) أدلة السدل على ما قال العلامة محمد المحفوظ بن محمد الأمين التنواجيوي الشنقيطي، هي:
(٢) حديث الطبراني في الكبير ولفظه (كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا كان في صلاته رفع يديه قبال أذنيه فإذا كبر أرسلها) اهـ. المراد منه، وهو يوافق معناه ما جاء في حديث أبي حميد الساعدي الآتي.
(٣) ومن الأدلة للسدل كذلك حديث أبي حميد الساعدي الذي أخرجه البخاري وأبو داود، وهو في سنن أبي داود من طريق أحمد بن حنبل قال: (اجتمع أبو حميد مع نحو عشرة من الصحابة من بينهم سهل بن سعد، فذكروا صلاة النبي -ﷺ-، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللَّه -ﷺ-، قالوا: ولم، فواللَّه ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا ثم يقرأ ثم يكبر فيركع). انتهى. المراد منه، ولما فرغ قالوا له: صدقت، ومعلوم أن موضع اليدين من الإنسان القائم جنباه لا صدره، وسهل بن سعد راوي حديث (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على اليسرى) بين الحاضرين، ولو لم يكن يعلم أن الحديث ترك العمل به لقال له تركت وضع اليد على اليد، وهو إنما قال له صدقت، انظر: سنن أبي داود (١/ ١٩٤). =
[ ٢ / ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ولأبي حميد رواية أخرى في نعت كيفية صلاته -ﷺ- بالفعل ترك فيها اليدين حتى استقرتا في موضعهما، وهذه الرواية الفعلية التي ذكرها الطحاوي وابن حبان.
(٢) ومن أدلته أيضًا ما نقل عن الحافظ ابن عبد البر في كتاب العلم أنه قال: (لقد نقل مالك حديث السدل عن عبد اللَّه بن الحسن) اهـ.
(٣) ومنها ما روي من كون العلماء قد أثبتوا كون عبد اللَّه بن الزبير كان لا يقبض ولا يرى أحدًا قابضًا إلا فك يديه، وقد نقل الخطيب في تاريخ بغداد كون عبد اللَّه بن الزبير أخذ صفة الصلاة من جده أبي بكر الصديق -﵁-، وهذا يظهر منه على هذا القول كون أبي بكر -﵁- كان لا يقبض، وهذه الرواية عن عمله، وروى عنه علمه بوقوع القبض، والظاهر تأخر العمل.
(٤) ومنها ما نقله ابن أبي شيبة عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب وابن سيرين وسعيد بن جبير، فقال: إنهما كانوا لا يقبضون في الصلاة، وهم من كبار التابعين الآخذين عن الصحابة -﵃- ومعترف لهم بالعلم والورع. ومثلهم أبو مجلز وعثمان النهدي وأبو الجوزاء، فقد نقل هؤلاء أن القبض خاص بأحبار اليهود وبالمسيحيين، فقد سئل ابن سيرين عن وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة فقال: إنما ذلك من أجل الروم، وقال الحسن البصري: قال النبي -ﷺ-: "كأني أنظر إلى أحبار اليهود واضعي أيمانهم على شمائلهم في الصلاة)، نقلًا عن ابن أبي شيبة".
(٥) ومن الأدلة أيضًا: كون السدل قال العلماء: إنه إما ندب أو مباح، وحين حاول أحد علماء الشافعية أن يقول: إنه مكروه رد عليه الآخرون بأن الإمام الشافعي في الأم قال: إنه لا بأس به لمن لا يعبث بيديه في الصلاة. وأما القبض ففيه مع قول الندب قول بالكراهة وقول بالمنع، فصار من الشبه التي يطلب تركها بالحديث المتفق عليه وهو قوله -ﷺ-: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات. . " الحديث، وحرمته نقلها محمد السنوسي في كتابه (شفاء الصدر باري المسائل العشر) وكذلك نقلها الحطاب وغيره عند الكلام على القبض في الصلاة.
(٦) ومن الأدلة أيضًا حديث المسيء صلاته الذي ذكرته رواية الحاكم عنه، وهي على شرط الشيخين، وفيها فروض الصلاة ومندوباتها ولم يذكر فيها القبض، ولفظه -بعد أن طلب المسيء صلاته أن يُعلَّم- قال له النبي -ﷺ-: "أنه تلزمه الطهارة، ثم يكبر فيحمد اللَّه ويمجده ويقرأ من القرآن ما أذن اللَّه فيه، ثم يكبر فيركع ويضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله ويستوي، ثم يقول: سمع اللَّه لمن حمده، ويستوي قائمًا حتى يأخذ كل عظم مأخذه، ثم يقيم صلبه ثم يكبر فيسجد فيمكن جبهته من السجود حتى تطمئن مفاصله، ويستوي ثم يكبر فيرفع رأسه ويستوي قاعدًا على مقعدته ويقيم =
[ ٢ / ١٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صلبه"، وصفَ الصلاة هكذا حتى فرغ ثم قال: "لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك" فرواية هذا الحديث من طريق الحاكم مصرحة بانحصار ما يفعل في الصلاة من الفروض والمندوبات ولم تذكر القبض، وقد قال ابن القصار وغيره: إن هذا من أوضح الأدلة على عدم طلب القبض في الصلاة.
(٢) ومن الأحاديث المماثلة له في الدلالة على عدم ذكر القبض بين مندوبات الصلاة: ما أخرجه أبو داود وصححه عن سالم البراد قال: أتينا عقبة بن عامر فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، فقام في المسجد فكبر، فلما ركع وضع يديه على ركبتيه وجعل أصابعه أسفل من ذلك وجافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه، ثم قال: سمع اللَّه لمن حمده، فقام حتى استقر كل شيء منه، ثم كبر وسجد ووضع كفيه على الأرض ثم جافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه، ثم كبر ورافع رأسه فجلس حتى استقر كل شيء، ففعل ذلك أيضًا، ثم صلى أربع ركعات مثل هذه الركعة، ثم قال: هكذا رأيناه -ﷺ- يصلي، فهذا حصر عند العلماء لم يبق بعده شيء دال على طلب القبض بصفته مندوبًا لأن المندوبات جاءت بالتمام، فهو دال على أن آخر عمله -ﷺ- تركه للقبض إن صح فعله له.
(٣) ومن الأدلة كذلك: حديث النهي عن الاكتتاف في الصلاة، والقبض عندهم هو الاكتتاف، والحديث أخرجه الإمام مسلم، ولفظه هو: أن عبد اللَّه بن عباس -﵄- قال لمن رآه يصلي ضافرًا رأسه: لا تفعل، فإني سمعت رسول اللَّه ي يقول: "إن مثل هذا كمثل من يصلي وهو مكتوف" أهـ. وقال القرطبي (٢٠/ ٢٢٠): "وأما ما روي عن علي -﵇-: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة: خرجه الدارقطني (فقد أختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: لا توضع فريضة ولا نافلة لأن ذلك من باب الاعتماد ولا يجوز في الفرض ولا يستحب في النفل، الثاني: لا يفعلها في الفريضة ويفعلها في النافلة استعانة لأنه موضع ترخص، الثالث: يفعلها في الفريضة والنافلة وهو الصحيح لأنه ثبت أن رسول اللَّه (-ﷺ-) وضع يده اليمنى على اليسرى من حديث وائل بن حجر وغيره قال ابن المنذر: وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وحكى ذلك عن الشافعي واستحب ذلك أصحاب الرأي، ورأت جماعة إرسال اليد. وممن روينا ذلك عنه ابن المنذر والحسن البصري وإبراهيم النخعي. قلت: وهو مروي أيضًا عن مالك قال ابن عبد البر: إرسال اليدين ووضع اليمنى على الشمال كل ذلك من سنة الصلاة". وممن ذهب إلى ترجيح القبض صاحب كتاب نصرة القبض، ولأهمية ما فيه أذكره لك بنصه: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم وصلى اللَّه وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا: =
[ ٢ / ١٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال العلامة المحقق الفهامة المدقق ناصر السنة المحمدية وينبوع المعارف الربانية سيدي محمد بن أحمد بن المسناوي تغمده اللَّه برحمته وأنالنا من بركاته آمين: الحمد للَّه الذي جعل العلما مصابيح الاهتدا وأباح لعباده [. . .] بمن شاء منهم والاقتدا والصلاة والسلام على سيدنا محمد المتبوع الحقيقي في الانتها كالابتدا وعلى آله وأصحابه الذين من تمسك بشيء من مذاهبهم القويمة فقد رشد واهتدى وبعد: فلما وقع في هذه الأعصار التي هطلت فيها سحايب الجهل على البوادي والأمصار إنكار القبض على من فعله من المالكية في صلاة الفرض وبولغ في التشنيع عليه حتى نسب إلي ما لا يحب أحد أن ينسب إليه رسمنا في ذلك هذا التقييد وذكرنا فيه من نصوص الأئمة ما ليس عليه مزيد وضمناه ثلاثة مباحث: الأولان منها توطئة للثالث ترجمناه برسالة نصرة القبض والرد على من أنكر مشروعيته في صلاة الفرض واللَّه ولي الإعانه والهادي إلى الصواب سبحانه. المبحث الأول: في حكم القبض في صلاتي النفل والفرض: اعلم أن قبض اليسرى باليمنى في قيام الصلاة وبدله مختلف فيه في مذهب مالك على أربعة أقوال مذكورة في مشاهير كتب أئمة مذهبه كمختصر ابن الحاجب وابن عرفة وغيرهما: الاستحباب والكراهة والجواز والمنع، فأما القول باستحبابه في الفرض والنفل وترجيحهما فيه على الإرسال والسدل فهو قول مالك في الواضحة وسماع القرينين أيضًا، واختاره غير واحد من المحققين كالإمام أبي الحسن اللخمي والحافظ أبي عمر بن عبد البر والقاضيين أبو بكر ابن العربي وأبي الوليد بن رشد وعده في مقدماته من فضائل الصلاة وتبعه القاضي عياض في قواعده، وكذا القرافي في كتاب الذخيرة صدر بأنه من الفضائل، ثم ذكر بعد ما فيه من الخلاف ومن اصطلاحه فيه تقديم المشهور على غيره كما نبه عليه في خطبته قال: وهو في الصحاح عنه -ﷺ- ومثل ما للقرافي لابن جزي في قوانينه ونسبه عياض في الإكمال إلى الجمهور وهو أيضًا في الذخيرة للقرافي والميزان للشعراني. قول الأئمة الثلاثة الشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل وزاد ابن عبد البر في الاستذكار على نسبته لمن ذكر نسبته لسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وداود بن علي وأبي جعفر الطبري وغيرهم من أئمة المذاهب قال القباب في شرح قواعد عياض: "قال اللخمي: إن القبض ثابت للحديث عن النبي -ﷺ- في البخاري ومسلم ولأنها وقفة العبد الذليل لربه وحديث البخاري المشار إليه هو ما رواه في باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: عن عبد اللَّه بن سلمة عن مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك للنبي -ﷺ- قال ح [لعله يريد الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى]: قوله: "كان =
[ ٢ / ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الناس يؤمرون": هذا حكمه الرفع لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي -ﷺ- كما سيأتي وقوله: "أبو حازم: لا أعلمه"، أي: سهل بن سعد "إلا ينمي": بفتح أوله وسكون النون وكسر الميم وفي رواية إسماعيل بن أبي أويس عن مالك ببناء ينمي للمفعول وعليها قالها في أعلمه: ضمير شأن والحديث على هذا مرسل لأن أبا حازم لم يعين من نماه قال أهل اللغة: نميت الحديث إلى غيري: رفعته وأسندته قال ابن حجر: "وفي اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي: نميت فمراده يرفع ذلك إلى النبي -ﷺ- ولو لم يقيد". اهـ واعترض بعضهم هذا وقال: إنه معلول لأنه ظن أبي حازم قال ابن حجر: ورد أن أبا حازم لو لم يقل لا أعلمه الخبر لكان في حكم المرفوع لأن قول الصحابي كنا نؤمر بكذا يصرف بظاهره إلى من له الأمر وهو النبي -ﷺ-؛ لأن الصحابي في مقام الشرع فيحمل على من صدر عنه الشرع ومثله قول عائشة: "كنا نؤمر بقضاء الصوم" فإنه محمول على أن الآمر بذلك النبي -ﷺ-. وأطلق البيهقي في أنه لا خلاف في ذلك بين أهل النقل، واللَّه أعلم. ثم قال ابن حجر: "فإن قيل: لو كان مرفوعًا ما احتاج أبو حازم إلى قوله: لا أعلمه إلى آخر الحديث فالجواب: أنه أراد الانتقال إلى التصريح فالأول لا يقال له مرفوع وإنما يقال له حكم المرفوع". اهـ. وحديث مسلم هو ما أخرجه في باب وضع اليمنى على الأخرى في الصلاة عن وائل بن حجر أنه رأى النبي -ﷺ- يفعل ذلك فانظر لفظه فيه وقال المواق. ابن عرفة وروى القرينان: "يستحب، أي: القبض في الفريضة والنافلة" ابن رشد: وهو الأظهر لأن الناس كانوا يؤمرون به في الزمن الأول وأن النبي -ﷺ- كان يفعله" ونقل المواق أيضًا عن ابن العربي أنه قال: "كره مالك وضع اليد على الأخرى في الصلاة وقال: أنه ما سمع بشيء في قوله سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ ابن العربي: قد سمعنا وروينا محاسن والصحيح أن ذلك يفعل في الفريضة". اهـ وذكر في سنن المهتدين عن ابن عبد البر أنه قال في تمهيده: "لا وجه لكراهة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة لأن الأشياء أصلها الإباحة ولم ينه اللَّه ورسوله عن ذلك فلا معنى لمن كره ذلك هذا لو لم ترو إباحته عن رسول اللَّه -ﷺ- فكيف وقد صح عنه فعله والحض عليه" وقال ابن حجر: "قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي -ﷺ- فيه خلاف وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وهو الذي ذكره مالك في الموطأ ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة". اهـ. ونص ما في موطأ مالك: عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري أنه قال: "من كلام النبوة: "إذا لم تستح فافعل ما شئت" ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة تضع اليمنى على اليسرى وتعجيل الفطر والاستينا بالسحور". اهـ. وعبد الكريم هذا وإن كان ضعيفًا حتى قيل: إنه أضعف رجال الموطأ =
[ ٢ / ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قد توبع على هذا في الموطأ أيضًا عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك. اهـ وقد رواه البخاري كما تقدم بعض الكلام عليه وقال ابن حجر أيضًا: قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنه يحصل بها اشتغال اليدين وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع وكان البخاري لاحظ ذلك فعقبه بباب الخشوع ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية والعادة أن من احترز على شيء جعل يديه عليه. وقال عياض في الإكمال: وذهب جمهور العلماء من أئمة الفتوى إلى أخذ الشمال باليمين في الصلاة وأنه من سننها وتمام خشوعها وضبطها عن الحركة والعبث وهو أحد القولين لمالك في الفرض والنفل، ورأت طائفة إرسال اليدين في الصلاة منهم الليث وهو القول الآخر لمالك ثم قال: والآثار بفعل النبي -ﷺ- والحض عليه صحيحة والاتفاق على أنه ليس بواجب وعن علي -﵁- في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ أن معناه وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة يعني: على الصدر عند النحر، وقيل في معنى ذلك غير هذا: من نحر الأضحية وصلاة العيد، وقيل: نحر البدن بمنى وصلاة الصبح بجمع اهـ بلفظه. ويرجح القبض أيضًا نص الأئمة كما في المواق على أن ما اختلف في مشروعيته أرفع درجة من المباح، قال عز الدين بن عبد السلام الشافعي في قواعده: "إن كان الخلاف في المشروعية فالفعل أفضل" فما كرهه أحد الأئمة رآه غيره ففعله أفضل كرفع اليدين في التكبيرات قال: "وإنما قلنا هذا لأن الشرع يحتاط لفعل المندوبات كما يحتاط لفعل الواجبات" اهـ. وهذا مقتضى مذهب مالك أيضأ فإنه نص في الموطأ على أن [. . .] المباح لا يوفي به وذهب فيما كرهه واستحبه غيره إلى أنه يلزم الوفاء به ألا ترى أنه قد كره هدي المعيب ونذره والإجارة مع الحج مع قوله: يلزم نذره وتنفيذ الوصية بالحج ترجيحًا لما اختلف على مشروعيته في المباح ومقتضى هذا كما قال الشيخ علي الأجهوري موافقة مذهب مالك لما ذكره عز الدين، كما أن مقتضاه أيضًا أن فعل القبض أفضل من تركه لاندراجه في هذه القاعدة وأما القول بكراهته فيهما فقد ذهب طائفة منهم الليث بن سعد إمام أهل مصر وهو القول الأخير لمالك ومذهب المدونة في الفريضة قال فيها: "ولا يضع يمناه على يسراه في فريضة وذلك جائز في النوافل لطول القيام" قال صاحب البيان: "ظاهره أن الكراهة في الفرض والنفل إلا أن أطال في النفل فيجوز" [. . .] وذهب غيره إلى أن مذهبه الجواز في النافلة مطلقًا لجواز الاعتماد فيها من غير ضرورة وقال الليث: "سدل اليدين في الصلاة أحب إلا أن يطول في القيام فلا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة" واختلف في توجيه الكراهة المروية عن مالك على أقوال، والذي عليه المحققون كالقاضي عبد الوهاب =
[ ٢ / ١٣٦ ]
[صفة الهوي للسجود:]
وندب تقديم يديه في هوي سجوده قبل ركبتيه، وندب تأخيرهما وتقديم ركبتيه عند القيام.
ابن رشد: هو أولى الأقوال بالصواب. انتهى.
ويدل له خبر: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، ولكن
_________________
(١) = وغيره أنه إنما كرهه لمن يفعله بقصد الاعتماد، أي: تخفيف القيام عن نفسه بذلك إذ هو شبيه بالمستند ولهذا قال مرة: ولا بأس به في النوافل لطول الصلاة، وذلك لأن النافلة يجوز فيها الجلوس من غير عذر وكيف بالاعتماد فأما من فعله تسننًا ولغير اعتماد فلا يكرهه فليس هو كما قال أبو الحسن علي الأجهوري تعليلًا بالمظنة بل إذا انتفى الاعتماد عند القائل به لم يكره القبض بخلاف التوجيهين الأخيرين الآتيين فإنهما تعليل بالمظنة، وعلى هذا مشى عياض في قواعده حيث قيد استحباب القبض بما إذا لم يرد الاعتماد وقال بعضهم: إنما كرهه مخافة أن يعتقد وجوبه وإلا فهو مستحب، وقال آخرون: مخافة أن يظهر من الخشوع ما لا يكون في الباطن، قال في التوضيح: وتفرقته بين الفريضة والنافلة يرده ويرد الذي قبله وزاد الأجهوري في تضعيف الثاني نقلًا عن بعضهم أنه يؤدي إلى كراهة كل المندوبات وفي رحلة العياشي أبي سالم عبد اللَّه بن أبي بكر بن عياش ما نصه: "وأما القبض فقد علم ما فيه من الخلاف وقد قال به أئمة محققون من أهل المذهب كاللخمي وغيره خصوصًا إن علل بخشية اعتقاد الوجوب فإن ما هذا سبيله من المكروهات لا يعبأ به المحققون إذا صحت به الأحاديث سيما مع انتفاء العلة كهذه المسألة فلو طرد ذلك لأدى إلى ترك السنن كلها أو غالبها المداوم عليها لأن المداومة عليها ذريعة إلى ذلك وإنما قال الإمام -﵁- بذلك في مسائل قليلة لعارض في الوقت اقتضى ذلك كقول بعض العوام في آخر الست من شوال العيد الثاني فرأى الإمام قطع هذه المفسدة أولى من المحافظة على هذا المندوب فإذا انقطعت هذه المفسدة وأمن من عودها فلا معنى لترك ما جاءت به الأحاديث الصحيحة إلا محض التقليد الذي لا زبدة له إذا مخض ويسمج في السمع إطلاق الكراهة فيما صح عنه -ﷺ- أنه فعله أو أمر به ورغب فيه إلا لضرورة قال: "وقد رأيت كثيرًا من الملائكة يقبضون أيديهم في الصلاة" وذلك لخفة الأمر فيه كما تقدم ولكون السدل في البلاد المشرقية كلها شعار الروافض ولا يفعله من الأئمة إلا المالكية والعوام يعتقدون أنه لا يفعله إلا الرافضة فمن رأوه سادلًا في الصلاة قالوا إنه رافضي". أهـ.
[ ٢ / ١٣٧ ]
يضع يديه ثم ركبتيه" (١)، فإذا أمره -ﷺ- أن يضع يديه بالأرض قبل ركبتيه في السجود لئلا يشبه البعير في بروكه وجب أن يضع يديه بالأرض إذا قام؛ لئلا يشبه البعير في قيامه، وهذا نحي مالك بقوله في سماع أشهب: ما يطيق هذا إلا الشاب القليل اللحم.
[عقد اليمنى في التشهد:]
وندب للمصلي عقده يمناه -أي: يعقد من أصابعها- في تشهديه الأول والثاني فيما فيه تشهدان، وكذا فيما فيه تشهد واحد.
[صفة العقد:]
الثلاث من أصابعها: الخنصر والبنصر والوسطى، وترك التاء من (الثلاث) نظرًا لتأنيث الأصابع.
تنبيه:
جميع أسماء الأصابع مؤنثة إلا الإبهام، فإن بعض بني أسد يقولون: هذا إبهام.
والتأنيث أجود، وعليه العرب غير من ذكرنا، قاله أبو حيان (٢) في البحر. انتهى.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٨١، رقم ٨٩٤٢)، وأبو داود (١/ ٢٢٢، رقم ٨٤٠)، والنسائي (٢/ ٢٠٧، رقم ١٠٩١)، والبيهقي (٢/ ٩٩، رقم ٢٤٦٥). وأخرجه أيضًا: الدارمي (١/ ٣٤٧، رقم ١٣٢١).
(٢) هو: محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي الأندلسي الجياني، النفزي، أثير الدين، أبو حيان، (٦٥٤ - ٧٤٥ هـ = ١٢٥٦ - ١٣٤٤ م): من كبار العلماء بالعربية والتفسير والحديث والتراجم واللغات. ولد في إحدى جهات غرناطة، ورحل إلى مالقة. وتنقل إلى أن أقام بالقاهرة. وتوفي فيها، بعد أن كف بصره. واشتهرت تصانيفه في حياته وقرئت عليه. من كتبه (البحر المحيط - ط) في تفسير القرآن، ثماني مجلدات، و(النهر - ط) اختصر به البحر المحيط، و(مجاني العصر) في تراجم رجال عصره، ذكره ابن حجر في مقدمة الدرر وقال: إنه نقل عنه، ولم يذكره في ترجمة أبي حيان، و(طبقات نحاة الأندلس) و(زهو الملك في نحو الترك) و(الإدراك للسان الأتراك - ط) و(منطق الخرس في لسان الفرس) و(نور الغبش في =
[ ٢ / ١٣٨ ]
الجوهري: أصبع تؤنث وتذكر.
مادة السبابة والإبهام ويجعل حرف إسبابة لوجهه.
فائدة:
سميت سبابة لأنهم كانوا يشيرون بها للسب في المخاصمة، وتسمى أيضًا مسبحة؛ لأنه يشار بها للتوحيد.
في كلام المؤلف إجمال؛ فإنه يحتمل أن يضم الإبهام للسبابة تحتها شبه تسعة وعشرين، كما قال ابن الحاجب؛ لأن ما فعله في السبابة والإبهام هو العشرون، وقبض الثلاثة على طرف الكف هو التسعة.
ويحتمل أن يجعل الأصابع في وسط الكف شبه ثلاثة وعشرين، كما قاله ابن بشير.
ويحتمل أن يجعل الأصابع وسط الكف إلا أن الإبهام على أنمله الوسطى شبه ثلاثة وخمسين، كما قال الباجي.
وفهم منه أنه لا يعقد شيئًا من أصابع اليسرى، وهو كذلك، بل يبسطها مفرقة.
_________________
(١) = لسان الحبش) و(تحفة الأريب - ط) في غريب القرآن، و(منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك - خ) في شستربتي (٣٣٤٢)، ومنه المجلد الأول في خزانة الرباط (٢٢٤ أوقاف) و(التذييل والتكميل - خ) السفر الرابع منه، في الرباط (٢١٢ ق) في شرح التسهيل لابن مالك، نحو، و(عقد اللآلىء - خ) في القراءات، و(الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية) و(التقريب - خ) بخطه، و(المبدع - خ) في التصريف، و(النضار) مجلد ضخم ترجم به نفسه وكثيرًا من أشياخه، و(ارتشاف الضرب من لسان العرب - خ) و(اللمحة البدرية في علم العربية - خ)، وله شعر في (ديوان - خ) مرتب على الحروف رأيته في خزانة الرباط (٦٩ أوقاف) ونشر أحمد مطلوب، وخديجة الحديثي، في بغداد، كتابًا سمياه (من شعر أبي حيان الأندلسي). ينظر: الأعلام (٧/ ١٥١).
[ ٢ / ١٣٩ ]
وندب تحريكها -أي: السبابة- في تشهديه دائمًا عند ابن القاسم. الفاكهاني: يمينًا وشمالًا؛ لخبر: "هي مقمعة للشيطان" (١).
[صفة السلام:]
وندب تيامن بالسلام بقدر ما يرى صفحة وجهه، قاله ابن عبد السلام، ولم يذكر كونه يشير بالسلام قبالة وجهه، ثم يتيامن.
الفاكهاني: الذي يظهر الإجزاء.
الأقفهسي: لو أوقع التسليمة عن يمينه من غير استقبال فالمشهور يجزئه.
العوفي (٢) في شرحه لقواعد عياض: أما المأموم فالذي عليه المذهب يسلم الأول عن يمينه لا قبالة وجهه، وبها يخرج من صلاته، ثم يسلم على الإمام قبالة وجهه، ويقصده بنيته حيث كان، والثالثة عن يساره.
[الدعاء بالتشهد الثاني:]
وندب دعاء بتشهد ثان، ابن عبد السلام: على ظاهر المذهب. ومفهوم (ثان) عدم استحبابه في أول، وسيأتي النص على كراهته.
[صفة التشهد:]
واختلف: هل لفظ التشهد المعهود الذي استحبه مالك في المدونة وكان عمر يعلمه الناس على المنبر، وهو: التحيات للَّه، الزاكيات للَّه، الصلوات للَّه، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبد اللَّه ورسوله سنة، وهو المشهور عند ابن يونس، أو فضيلة، كما في الجلاب، وشهره ابن عطاء اللَّه؟ خلاف.
_________________
(١) رواه البيهقي في الكبرى (٢/ ١٣٢، رقم ٢٦١٦).
(٢) إن لم يكن القباب فلا أعرفه، وما أظنه هو؛ لأن هذا عوفي، والقباب جذامي.
[ ٢ / ١٤٠ ]
تنبيه:
أقيم من قوله: (وعلى عباد اللَّه الصالحين) أن من قال لرجل: فلان يسلم عليك، ولم يأمره بذلك، أنه غير كاذب؛ لأن المراد بذلك المؤمنون، واستظهره ابن ناجي إذا كان القائل يعلم أن المنقول عنه يفهم معنى ما هو يتكلم به.
تنبيهان:
الأول: قال ابن العربي: إذا قال: السلام عليك أيها النبي ينبغي أن يقصد حينئذ الروضة الشريفة.
الثاني: قال ابن ناجي: ليس جميع التشهد سنة، بل بعضه قياسًا على السورة.
[الصلاة على الرسول -ﷺ-:]
واختلف هل الصلاة على نبيه -ﷺ- سنة، وهو الصحيح عند جماعة، وشهره في الجواهر، أو فضيلة؟
قال الشارح: وصححه ابن عطاء اللَّه. خلاف.
وحذف لفظ سنة أو فضيلة بعد لفظ التشهد ولفظة خلاف لدلالة هذا عليه.
وحكى اللخمي قولًا بوجوب الصلاة عليه -ﷺ-، ولم يقره، وعزاه في الذخيرة لابن المواز.
تتمات:
الأولى: لم يذكر المصنف لفظ الصلاة على النبي -ﷺ-، وفي بعض الأحاديث: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على
[ ٢ / ١٤١ ]
إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد" (١).
وفي الرسالة: "كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد".
وتعقب قولها: (رحمت) الثاني.
الثانية: قال ابن فرحون: محل الصلاة التشهد الثاني.
الثالثة: الضمير في (نبيه) يحتمل عوده للَّه -تعالى- أو للمصلي.
الرابعة: إنما خص إبراهيم ﵊ من بين الأنبياء بذكرنا له في الصلاة لوجهين، ذكرناهما في الكبير، انظرهما فيه مع بقية فوائد تركنا ذلك لطوله.
[البسملة:]
ولا بسملة فيه الضمير للتشهد، وفي بعض النسخ (فيها)، أي: الفاتحة، كذا قرره الشارح في بعض شروحه، والبساطي على الصلاة المعهودة، قال: وعلى هذا فالنفي للوجوب والسنية والاستحباب. انتهى.
ويشمل قوله: (ولا بسملة فيها) -على ما قاله البساطي- في الفاتحة والسورة التي بعدها، كما قال في الرسالة، وهو حسن.
[البسملة والتعوذ:]
وجازت -أي: البسملة- كتعوذ بنفل -أي: كصلاة نفل، وكرهًا -أي: البسملة والتعوذ- بفرض -أي: فيه- ففي المدونة: لا يقرأ بسم اللَّه
_________________
(١) رواه بنحوه بزيادة [آل إبراهيم]: من حديث كعب بن عجرة: عبد الرزاق (٢/ ٢١٢، رقم ٣١٠٦)، وأحمد (٤/ ٢٤٤، رقم ١٨١٥٨)، والبخاري (٤/ ١٨٠٢، رقم ٤٥١٩)، ومسلم (١/ ٣٠٥، رقم ٤٠٦)، وأبو داود (١/ ٢٥٧، رقم ٩٧٦)، والترمذي (٢/ ٣٥٢، رقم ٤٨٣)، والنسائي (٣/ ٤٨، رقم ١٢٨٩)، وابن ماجه (١/ ٢٩٣، رقم ٩٠٤). ومن حديث طلحة بن عبيد اللَّه: أخرجه النسائي (٣/ ٤٨، رقم ١٢٩٠).
[ ٢ / ١٤٢ ]
الرحمن الرحيم في الفريضة سرًا ولا جهرًا إمام ولا غيره، وذلك في النافلة واسع، وإن شاء قرأ أو ترك ولا يتعوذ في المكتوبة. انتهى. وعليه عمل أهل المدينة.
فائدة:
ذكر القرافي من المالكية والغزالي من الشافعية وجماعة أن من الورع الخروج من الخلاف (١)، كـ: قراءة البسملة أول الفاتحة، وخالفهم في ذلك جماعة.
_________________
(١) قد قيد هذا الورع الشاطبي في الموافقات (١/ ١٦٣، وما بعدها) في حديثه عن المقدمة الثالثة عشرة، فقال: "كل أصل علمي يتخذ إمامًا في العمل؛ فلا يخلو إما أن يجري به العمل على مجاري العادات في مثله، بحيث لا ينخرم منه ركن ولا شرط، أو لا، فإن جرىح فذلك الأصل صحيح، وإلا؛ فلا. وبيانه أن العلم المطلوب إنما يراد -بالفرض- لتقع الأعمال في الوجود على وفقه من غير تخلف، كانت الأعمال قلبية أو لسانية، أو من أعمال الجوارح، فإذا جرت في المعتاد على وفقه من غير تخلف؛ فهو حقيقة العلم بالنسبة إليه، وإلا لم يكن بالنسبة إليه علمًا لتخلفه، وذلك فاسد؛ لأنه من باب انقلاب العلم جهلًا. ومثاله في علم الشريعة الذي نحن في تأصيل أصوله: أنه قد تبين في أصول الدين امتناع التخلف في خبر اللَّه تعالى، وخبر رسوله -ﷺ- وثبت في الأصول الفقهية امتناع التكليف بما لا يُطاق، وألحق به امتناع التكليف بما فيه حرج خارج عن المعتاد، فإذًا؛ كل أصل شرعي تخلف عن جريانه على هذه المجاري، فلم يطرد، ولا استقام بحسبها في العادة؛ فليس بأصل يعتمد عليه، ولا قاعدة يستند إليها. ويقع ذلك في فهم الأقوال، ومجاري الأساليب، والدخول في الأعمال. فأما فهم الأقوال؛ فمثل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، إن حُمل على أنه إخبار؛ لم يستمر مخبره لوقوع سبيل الكافر على المؤمن كثيرًا بأسره وإذلاله؛ فلا يمكن أن يكون المعنى إلا على ما يصدقه الواقع ويطرد عليه، وهو تقرير الحكم الشرعي؛ فعليه يجب أن يُحمل. ومثله قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، إن حُمل على أنه تقرير حكم شرعي؛ استمر وحصلت الفائدة، وإن حُمل على أنه إخبار بشأن الوالدات؛ لم تتحكم فيه فائدة زائدة على ما عُلم قبل الآية. وأما مجاري الأساليب؛ فمثل قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ إلخ [المائدة: ٩٣]. =
[ ٢ / ١٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فهذه صيغة عموم تقتضي بظاهرها دخول كل مطعوم، وأنه لا جناح في استعماله بذلك الشرط، ومن جملته الخمر، لكن هذا الظاهر يفسد جريان الفهم في الأسلوب، مع إهمال السبب الذي لأجله نزلت الآية بعد تحريم الخمر؛ لأن اللَّه تعالى لما حرم الخمر؛ قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، فكان هذا نقضًا للتحريم، فاجتمع الإذن والنهي معًا؛ فلا يمكن للمكلف امتثال. ومن هنا خطأ عمر بن الخطاب من تأول في الآية أنها عائدة إلى ما تقدم من التحريم في الخمر، وقال له: "إذا اتقيت اجتنبت ما حرم اللَّه". إذ لا يصح أن يقال للمكلف: "اجتنب كذا"، ويؤكد النهي بما يقتضي التشديد فيه جدًا، ثم يقال: "فإن فعلت؛ فلا جناح عليك". وأيضًا؛ فإن اللَّه أخبر أنها تصد عن ذكر اللَّه، وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء بين المتحابين في اللَّه، وهو بعد استقرار التحريم كالمنافي لقوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣]؛ فلا يمكن إيقاع كمال التقوى بعد تحريمها إذا شربت؛ لأنه من الحرج أو تكليف ما لا يُطاق. وأما الدخول في الأعمال؛ فهو العمدة في المسألة، وهو الأصل في القول بالاستحسان والمصالح المرسلة؛ لأن الأصل إذا أدى القول بحمله على عمومه إلى الحرج أو إلى ما لا يمكن شرعًا أو عقلًا؛ فهو غير جار على استقامة ولا اطراد، فلا يستمر الإطلاق، وهو الأصل أيضًا لكل من تكلم في مشكلات القرآن أو السنة، لما يلزم في حمل مواردها على عمومها أو إطلاقها من المخالفة المذكورة، حتى تقيد بالقيود المقتضية للاطراد والاستمرار فتصح، وفي ضمنه تدخل أحكام الرخص، إذ هو الحاكم فيها، والفارق بين ما تدخله الرخصة وما لا. ومن لم يلاحظه في تقرير القواعد الشرعية؛ لم يأمن الغلط، بل كثيرًا ما تجد خرم هذا الأصل في أصول المتبعين للمتشابهات، والطوائف المعدودين في الفرق الضالة عن الصراط المستقيم، كما أنه قد يعتري ذلك في مسائل الاجتهاد المختلف فيها عند الأئمة المعتبرين والشيوخ المتقدمين. وسأمثل لك بمسألتين وقعت المذاكرة بهما مع بعض شيوخ العصر. . والثانية: مسألة الورع بالخروج عن الخلاف؛ فإن كثيرًا من المتأخرين يعدون الخروج عنه في الأعمال التكليفية مطلوبًا، وأدخلوا في المتشابهات المسائل المختلف فيها. ولا زلت منذ زمان أستشكله؛ حتى كتبت فيها إلى المغرب، وإلى أفريقية؛ فلم يأتني جواب بما يشفي الصدر، بل كان من جملة الإشكالات الواردة؛ أن جمهور مسائل الفقه مختلف فيها اختلافًا يعتد به، فيصير إذًا أكثر مسائل الشريعة من المتشابهات، وهو خلاف وضع الشريعة. =
[ ٢ / ١٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأيضًا؛ فقد صار الورع من أشد الحرج؛ إذ لا تخلو لأحد في الغالب عبادة ولا معاملة ولا أمر من أمور التكليف من خلاف يطلب الخروج عنه، وفي هذا ما فيه. فأجاب بعضهم: بأن المراد بأن المختلف فيه من المتشابه المختلف فيه اختلافًا دلائل أقواله متساوية أو متقاربة، وليس أكثر مسائل الفقه هكذا، بل الموصوف بذلك أقلها، لمن تأمل من محصلي موارد التأمل، وحينئذ لا يكون المتشابه منها إلا الأقل، وأما الورع من حيث ذاته، ولو في هذا النوع فقط؛ فشديد مشق، لا يحصله إلا من وفقه اللَّه إلى كثرة استحضار لوازم فعل المنهي عنه، وقد قال ﵇: "حفت الجنة بالمكاره"، هذا ما أجاب به. فكتبت إليه: بأن ما قررتم من الجواب غير بين؛ لأنه إنما يجري في المجتهد وحده، والمجتهد إنما يتورع عند تعارض الأدلة، لا عند تعارض الأقوال؛ فليس مما نحن فيه، وأما المقلد؛ فقد نص صاحب هذا الورع الخاص على طلب خروجه من الخلاف إلى الإجماع، وإن كان من أفتاه أفضل العلماء المختلفين، والعامي -في عامة أحواله- لا يدري من الذي دليله أقوى من المختلفين والذي دليله أضعف، ولا يعلم: هل تساوت أدلتهم أو تقاربت أم لا؛ لأن هذا لا يعرفه إلا من كان أهلًا للنظر، وليس العامي كذلك، وإنما بني الإشكال على اتقاء الخلاف المعتد به، والخلاف المعتد به موجود في أكثر مسائل الشريعة، والخلاف الذي لا يعتد به قليل؛ كالخلاف في المتعة، وربا النساء، ومحاش النساء، وما أشبه ذلك. وأيضا؛ فتساوي الأدلة أو تقاربها أمر إضافي بالنسبة إلى أنظار المجتهدين، فرب دليلين يكونان عند بعض متساويين أو متقاربين، ولا يكونان كذلك عند بعض؛ فلا يتحصل للعامي ضابط يرجع إليه فيما يجتنبه من الخلاف مما لا يجتنبه، ولا يمكنه الرجوع في ذلك إلى المجتهد؛ لأن ما يأمره به من الاجتناب أو عدمه راجع إلى نظره واجتهاده، واتباع نظره وحده في ذلك تقليد له وحده، من غير أن يخرج عن الخلاف، لا سيما إن كان هذا المجتهد يدعي أن قول خصمه ضعيف لا يعتبر مثله، وهكذا الأمر فيما إذا راجع المجتهد الآخر؛ فلا يزال العامي في حيرة إن اتبع هذه الأمور، وهو شديد جدًا، و"من يشاد هذا الدين يغلبه"، وهذا هو الذي أشكل على السائل، ولم يتبين جوابه بعد. ولا كلام في أن الورع شديد في نفسه، كما أنه لا إشكال في أن التزام التقوى شديد؛ إلا أن شدته ليست من جهة إيقاع ذلك بالفعل؛ لأن اللَّه لم يجعل علينا في الدين من حرج، بل من جهة قطع مألوفات النفس وصدها عن هواها خاصة. وإذا تأملنا مناط المسألة؛ وجدنا الفرق بين هذا الورع الخاص وغيره من أنواع الورع بينا، فإن سائر أنواع الورع سهل في الوقوع، وإن كان شديدا في مخالفة النفس، =
[ ٢ / ١٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وورع الخروج من الخلاف صعب في الوقوع قبل النظر في مخالفة النفس؛ فقد تبين مقصود السائل بالشدة والحرج، وأنه ليس ما أشرتم إليه. ا. هـ. ما كتبت به، وهنا وقف الكلام بيني وبينه. ومن تأمل هذا التقرير؛ عرف أن ما أجاب به هذا الرجل لا يطرد، ولا يجري في الواقع مجرى الاستقامة للزوم الحرج في وقوعه؛ فلا يصح أن يستند إليه، ولا يجعل أصلًا يبنى عليه. والأمثلة كثيرة؛ فاحتفظ بهذا الأصل؛ فهو مفيد جدًا، وعليه ينبني كثير من مسائل الورع، وتمييز المتشابهات، وما يعتبر من وجوه الاشتباه وما لا يعتبر، وفي أثناء الكتاب مسائل تحققه إن شاء اللَّه". واعلم أن ليس كل خلاف بين المذاهب المعتبرة وأقوال العلماء الثقات المنتشرة ينبغي أن يعتبر، وذلك لما قال الشاطبي (٥/ ٢١٠، وما بعدها): "المسألة الثانية عشرة: من الخلاف ما لا يعتد به في الخلاف، وهو ضربان: أحدهما: ما كان من الأقوال خطأ مخالفًا لمقطوع به في الشريعة، وقد تقدم التنبيه عليه. والثاني: ما كان ظاهره الخلاف وليس في الحقيقة كذلك، وأكثر ما يقع ذلك في تفسير الكتاب والسنة، فتجد المفسرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب أقوالًا مختلفة في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى الواحد، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل، فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه، وهكذا يتفق في شرح السنة، وكذلك في فتاوي الأئمة وكلامهم في مسائل العلم، وهذا الموضع مما يجب تحقيقه، فإن نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها في الحقيقة خطأ، كما أن نقل الوفاق في موضع الخلاف لا يصح. فإذا ثبت هذا، فلنقل الخلاف هنا أسباب: أحدها: أن يذكر في التفسير عن النبي -ﷺ- في ذلك شيء أو عن أحد من أصحابه أو غيرهم، ويكون ذلك المنقول بعض ما يشمله اللفظ، ثم يذكر غير ذلك القائل أشياء أخر مما يشمله اللفظ أيضًا، فينصهما المفسرون على نصهما، فيظن أنه خلاف، كما نقلوا في المن أنه خبز رقاق. وقيل: زنجبيل. وقيل: الترنجبين. وقيل: شراب مزجوه بالماء. فهذا كله يشمله اللفظ؛ لأن اللَّه من به عليهم، ولذلك جاء في الحديث: "الكمأة من =
[ ٢ / ١٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المن الذي أنزل اللَّه على بني إسرائيل"، فيكون المن جملة نعم، ذكر الناس منها آحادًا. والثاني: أن يذكر في النقل أشياء تتفق في المعنى بحيث ترجع إلى معنى واحد، فيكون التفسير فيها على قول واحد، ويوهم نقلها على اختلاف اللفظ أنه خلاف محقق، كما قالوا في السلوى إنه طير يشبه السماني. وقيل: طير أحمر صفته كذا. وقيل: طير بالهند أكبر من العصفور. وكذلك قالوا في المن: شيء يسقط على الشجر فيؤكل وقيل صمغة حلوة. وقيل: الترنجبين. وقيل: مثل رب غليظ. وقيل: عسل جامد. فمثل هذا يصح حمله على الموافقة وهو الظاهر فيها. والثالث: أن يذكر أحد الأقوال على تفسير اللغة، ويذكر الآخر على التفسير المعنوي، وفرق بين تقرير الإعراب وتفسير المعنى، وهما معًا يرجعان إلى حكم واحد؛ لأن النظر اللغوي راجع إلى تقرير أصل الوضع، والآخر راجع إلى تقرير المعنى في الاستعمال، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]، أي: المسافرين، وقيل: النازلين بالأرض القواء وهي القفر، وكذلك قوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، أي: داهية تفجؤهم، وقيل: سرية من سرايا رسول اللَّه -ﷺ-، وأشباه ذلك. والرابع: أن لا يتوارد الخلاف على محل واحد، كاختلافهم في أن المفهوم له عموم أولًا، وذلك أنهم قالوا: لا يختلف القائلون بالمفهوم أنه عام فيما سوى المنطوق به، والذين نفوا العموم أرادوا أنه لا يثبت بالمنطوق به، وهو مما لا يختلفون فيه أيضًا، وكثير من المسائل، على هذا السبيل فلا يكون في المسألة خلاف، وينقل فيها الأقوال على أنها خلاف. والخامس: يختص بالآحاد في خاصة أنفسهم، كاختلاف الأقوال بالنسبة إلى الإمام الواحد، بناءً على تغير الاجتهاد والرجوع عما أفتى به إلى خلافه، فمثل هذا لا يصح أن يعتد به خلافًا في المسألة؛ لأن رجوع الإمام عن القول الأول إلى القول الثاني اطراح منه للأول ونسخ له بالثاني، وفي هذا من بعض المتأخرين تنازع، والحق فيه ما ذكر أولًا، ويدل عليه ما تقدم في مسألة أن الشريعة على قول واحد، ولا يصح فيها غير ذلك، وقد يكون هذا الوجه على أعم مما ذكر كأن يختلف العلماء على قولين ثم يرجع أحد الفريقين إلى الآخر، كما ذكر عن ابن عباس في المتعة وربا الفضل، =
[ ٢ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وكرجوع الأنصار إلى المهاجرين في مسألة الغسل من التقاء الختانين، فلا ينبغي أن يحكى مثل هذا في مسائل الخلاف. والسادس: أن يقع الاختلاف في العمل لا في الحكم، كاختلاف القراء في وجوه القراءات، فإنهم لم يقرؤوا به على إنكار غيره، بل على إجازته والإقرار بصحته، وإنما وقع الخلاف بينهم في الاختيارات، وليس في الحقيقة باختلاف، فإن المرويات على الصحة منها لا يختلفون فيها. والسابع: أن يقع تفسير الآية أو الحديث من المفسر الواحد على أوجه من الاحتمالات، ويبني على كل احتمال ما يليق به من غير أن يذكر خلافًا في الترجيح، بل على توسيع المعاني خاصة، فهذا ليس بمستقر خلاف؛ إذ الخلاف مبني على التزام كل قائل احتمالًا يعضده بدليل يرجحه على غيره من الاحتمالات حتى يبني عليه دون غيره، وليس الكلام في مثل هذا. والثامن: أن يقع الخلاف في تنزيل المعنى الواحد، فيحمله قوم على المجاز مثلًا وقوم على الحقيقة، والمطلوب أمر واحد، كما يقع لأرباب التفسير كثيرًا في نحو قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: ٣١]، فمنهم من يحمل الحيات والموت على حقائقهما، ومنهم من يحملهما على المجاز، ولا فرق في تحصيل المعنى بينهما، ونظير هذا قول ذي الرمة: وظاهر لها من يابس الشخت وبائس الشخت وقد مر بيانه، وقول ذي الرمة فيه: إن "بائس" و"يابس" واحد، ومثل ذلك قوله: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠]، فقيل: كالنهار بيضاء لا شيء فيها، وقيل: كالليل سوداء لا شيء فيها، فالمقصود شيء واحد وإن شبه بالمتضادين اللذين لا يتلاقيان. والتاسع: أن يقع الخلاف في التأويل وصرف الظاهر عن مقتضاه إلى ما دل عليه الدليل الخارجي، فإن مقصود كل متأول الصرف عن ظاهر اللفظ إلى وجه يتلاقى مع الدليل الموجب للتأويل، وجميع التأويلات في ذلك سواء، فلا خلاف في المعنى المراد، وكثيرًا ما يقع هذا في الظواهر الموهمة للتشبيه، وتقع في غيرها كثيرًا أيضًا، كتأويلاتهم في حديث خيار المجلس بناء على رأي مالك فيه، وأشباه ذلك. والعاشر: الخلاف في مجرد التعبير عن المعنى المقصود وهو متحد كما اختلفوا في الخبر: هل هو منقسم إلى صدق وكذب خاصة، أم ثم قسم ثالث ليس بصدق ولا كذب؟ فهذا خلاف في عبارة، والمعنى متفق عليه، وكذلك الفرض والواجب يتعلق النظر فيهما مع الحنفية بناءً على مرادهم فيهما. =
[ ٢ / ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال القاضي عبد الوهاب في مسألة "الوتر أواجب هو؟ ": "إن أرادوا به أن تركه حرام يجرح فاعله به، فالخلاف بيننا وبينهم في معنى يصح أن تتناوله الأدلة، وإن لم يريدوا ذلك، وقالوا: لا يحرم تركه ولا يجرح فاعله، فوصفه بأنه واجب خلاف في عبارة لا يصح الاحتجاج عليه". وما قاله حق، فإن العبارات لا مشاحة فيها، ولا ينبني على الخلاف فيها حكم، فلا اعتبار بالخلاف فيها. هذه عشرة أسباب لعدم الاعتداد بالخلاف، يجب أن تكون على بال من المجتهد، ليقيس عليها ما سواها، فلا يتساهل فيؤدي ذلك إلى مخالفة الإجماع. فصل: وقد يقال: إن ما يعتد به من الخلاف في ظاهر الأمر يرجع في الحقيقة إلى الوفاق أيضًا. وبيان ذلك أن الشريعة راجعة إلى قول واحد كما تبين قبل هذا، والاختلاف في مسائلها راجع إلى دورانها بين طرفين واضحين أيضًا يتعارضان في أنظار المجتهدين، وإلى خفاء بعض الأدلة وعدم الاطلاع عليه. أما هذا الثاني، فليس في الحقيقة خلافًا؛ إذ لو فرضنا اطلاع المجتهد على ما خفي عليه لرجع عن قوله، فلذلك ينقض لأجله قضاء القاضي. أما الأول، فالتردد بين الطرفين تحر لقصد الشارع المستبهم بينهما من كل واحد من المجتهدين، واتباع للدليل المرشد إلى تعرف قصده، وقد توافقوا في هذين القصدين توافقًا لو ظهر معه لكل واحد منهم خلاف ما رآه لرجع إليه، ولوافق صاحبه فيه، فقد صار هذا القسم في المعنى راجعًا إلى القسم الثاني، فليس الاختلاف في الحقيقة إلا في الطريق المؤدي إلى مقصود الشارع الذي هو واحد، إلا أنه لا يمكن رجوع المجتهد عما أداه إليه اجتهاده بغير بيان اتفاقًا، وسواء علينا أقلنا بالتخطئة أم قلنا بالتصويب، إذا لا يصح للمجتهد أن يعمل على قول غيره وإن كان مصيبًا أيضًا، كما لا يجوز له ذلك إن كان عنده مخطئًا، فالإصابة على قول المصوبة إضافية، فرجع القولان إلى قول واحد بهذا الاعتبار، فإذا كان كذلك، فهم في الحقيقة متفقون لا مختلفون. ومن هنا يظهر وجه الموالاة والتحاب والتعاطف فيما بين المختلفين في مسائل الاجتهاد، حتى لم يصيروا شيعًا ولا تفرقوا فرقًا؛ لأنهم مجتمعون على طلب قصد الشارع، فاختلاف الطرق غير مؤثر، كما لا اختلاف بين المتعبدين للَّه بالعبادات المختلفة، كرجل تقربه الصلاة، وآخر تقربه الصيام، وآخر تقربه الصدقة إلى غير ذلك من العبادات، فهم متفقون في أصل التوجه للَّه المعبود وإن اختلفوا في أصناف =
[ ٢ / ١٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = التوجه، فكذلك المجتهدون لما كان قصدهم إصابة مقصد الشارع صارت كلمتهم واحدة وقولهم واحدًا، ولأجل ذلك لا يصح لهم ولا لمن قلدهم التعبد بالأقوال المختلفة كما تقدم؛ لأن التعبد بها راجع إلى اتباع الهوى، لا إلى تحري مقصد الشارع، والأقوال ليست بمقصودة لأنفسها، بل ليتعرف منها المقصد المتحد، فلا بد أن يكون التعبد متحد الوجهة، وإلا، لم يصح، واللَّه أعلم. فصل: وبهذا يظهر أن الخلاف -الذي هو في الحقيقة خلاف- ناشئ عن الهوى المضل، لا عن تحري قصد الشارع باتباع الأدلة على الجملة والتفصيل، وهو الصادر عن أهل الأهواء، وإذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصًا على الغلبة والظهور بإقامة العذر في الخلاف، وأدى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء، لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها، وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق، وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى، وذلك مخالفة الشرع، ومخالفة الشرع ليست من الشرع في شيء، فاتباع الهوى من حيث يظن أنه اتباع للشرع، ضلال في الشرع ولذلك سميت البدع ضلالات، وجاء: "إن كل بدعة ضلالة"؛ لأن صاحبها مخطىء من حيث توهم أنه مصيب، ودخول الأهواء في الأعمال خفي، فأقوال أهل الأهواء غير معتد بها في الخلاف المقرر في الشرع، فلا خلاف حينئذ في مسائل الشرع من هذه الجهة. فإن قيل: هذا مشكل، فإن العلماء قد اعتدوا بها في الخلاف الشرعي، ونقلوا أقوالهم في علمي الأصول، وفرعوا عليها الفروع، واعتبروهم في الإجماع والاختلاف، وهذا هو الاعتداد بأقوالهم. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أنهم اعتدوا بها، بل إنما أتوا بها ليردوها ويبينوا فسادها، كما أتوا بأقوال اليهود والنصارى وغيرهم ليوضحوا ما فيها، وذلك في علمي الأصول معًا بين، وما يتفرع عنها مبني عليها. والثاني: إذا سلم اعتدادهم بها، فمن جهة أنهم غير متبعين للهوى بإطلاق، وإنما المتبع للهوى على الإطلاق من لم يصدق بالشريعة رأسًا، وأما من صدق بها وبلغ فيها مبلغًا يظن به أنه غير متبع إلا مقتضى الدليل يصير إلى حيث أصاره، فمثله لا يقال فيه: إنه متبع للهوى مطلقًا، بل هو متبع للشرع، ولكن بحيث يزاحمه الهوى في مطالبه من جهة اتباع المتشابه، فشارك أهل الهوى في دخول الهوى في نحلته، وشارك أهل الحق في أنه لا يقبل إلا ما عليه دليل على الجملة. وأيضًا، فقد ظهر منهم اتحاد القصد على الجملة مع أهل الحق في مطلب واحد، =
[ ٢ / ١٥٠ ]
[مكرهات الصلاة]
ثم شرع في تعداد المكروهات، فقال مشبهًا بالحكم السابق: كـ: [١] دعاء عقب تكبيرة الإحرام:
[أ] قبل قراءة على المشهور.
تنبيه:
ربما أشعر تخصيصه الدعاء بجواز الذكر، وإلا لقال كابن الحاجب: (ويكره الدعاء وغيره بينهما على المشهور).
[ب] وكره دعاء أيضًا بعد فاتحة وقبل السورة اتفاقًا، حكاه المصنف، لئلا يشتغل عن السورة، وهي سنة بما ليس بسنة.
_________________
(١) = وهو اتباع الشريعة، وأشد مسائل الخلاف مثلًا مسألة إثبات الصفات حيث نفاها من نفاها، فإنا إذا نظرنا إلى الفريقين وجدنا كل فريق حائمًا حول حمى التنزيه ونفي النقائص وسمات الحدوث، وهو مطلوب الأدلة، فاختلافهم في الطريق قد لا يخل بهذا القصد في الطرفين معًا، وهكذا إذا اعتبرت سائر المسائل الأصولية. وإلى هذا، فإن منها ما يشكل وروده ويعظم خطب الخوض فيه، ولهذا لم يظهر من الشارع خروجهم عن الإسلام بسبب بدعهم. وأيضًا، فإنهم لما دخلوا في غمار المسلمين، وارتسموا في مراسم المجتهدين منهم بحسب ظاهر الحال، وكان الشارع في غالب الأمر قد أشار إلى عدم تعيينهم، ولم يتميزوا إلا بحسب الاجتهاد في بعضهم، ومدارك الاجتهاد تختلف، لم يمكن والحال هذه إلا حكاية أقوالهم، والاعتداد بتسطيرها والنظر فيها، واعتبارهم في الوفاق والخلاف ليستمر النظر فيه، وإلا أدى إلى عدم الضبط، ولهذا تقرير في كتاب الإجماع، فلما اجتمعت هذه الأمور، نقل خلافهم. وفي الحقيقة، فمن جهة ما اتفقوا فيه مع أهل الحق حصل التآلف، ومن جهة ما اختلفوا حصلت الفرقة، وإذا كان كذلك، فجهة الائتلاف لا خلاف فيها في الحقيقة لصحتها واتحاد حكمها، وجهة الاختلاف هم مخطئون فيها قطعًا، فصارت أقوالهم زلات لا اعتبار بها في الخلاف، فالاتفاق حاصل إذن على كل تقدير".
[ ٢ / ١٥١ ]
[ج] وكره أيضًا [في أثناءها] (١) بأن يخللها به، حكاه في التوضيح عن بعضهم، وقيده في الذخيرة بالمكتوبة لا النافلة؛ لاشتمالها على الدعاء؛ فهي أولى به.
[د] وفي أثناء سورة اتفاقًا، حكاه المصنف عن ابن عطاء اللَّه. البساطي: يحتمل أن يريد المصنف التنبيه على خلاف من قال: يستحب للمصلي إذا مر بآية فيها وعد أو وعيد أو عذاب أن يدعو بما يناسبه.
[هـ] وكره أيضًا في ركوع على المعروف؛ لأنه إنما شرع فيه التسبيح.
[و] وبعد جلوس قبل التشهد اتفاقًا، ذكره عبد الحق وغيره.
[ز] وبعد سلام إمام، قبل سلام المأموم اتفاقًا، ذكره ابن الطلاع (٢).
[ح] وكره في تشهد أول على أحد قولين ذكرهما الباجي، واستظهره المصنف في توضيحه، قائلًا: السنة تقصيره، والدعاء يطوله.
تنكيت:
قول الشارح: (يكره بعد التشهد الأول)، وتبعه بعض مشايخي خلاف ما في التوضيح، وما ذكره الشارح وبعض مشايخي نظرًا لتقدير بعد كما في المسألة التي قبلها.
[مواضع جواز الدعاء:]
لا بين سجدتيه، أي: لا يكره عند الرفع من الأولى، بل هو جائز على الصحيح، واقتصر عليه الجلاب وابن الحاجب وجماعة، وما عدا هذه المواضع فيجوز فيها الدعاء اتفاقًا، كـ: السجود، وقبل الركوع، والرفع منه،
_________________
(١) هذا الموضع من المواضع العديدة التي لا يعتبر فيها شارحنا كلامه مع كلام المصنف من حيث المستوى النحوي.
(٢) هو: محمد بن الفرج القرطبي المالكي، أبو عبد اللَّه، ابن الطلاع، ويقال الطلاعي، (٤٠٤ - ٤٩٧ هـ = ١٠١٤ - ١١٠٤ م): مفتي الأندلس ومحدثها في عصره. من أهل قرطبة. كان أبوه مولى لمحمد بن يحيى البكري (الطلاع) فنسب إليه. له كتاب في (أحكام النبي) -ﷺ-، وكتاب في (الشروط) وغيره ذلك. ينظر: الأعلام (٦/ ٣٢٨).
[ ٢ / ١٥٢ ]
والتشهد الآخر حيث جاز الدعاء.
[صفة الدعاء:]
ودعاء بما أحب في جميع حوائجه، إن لم يكن لدنيا، بل وإن لدينا، كـ: طلب سعة الرزق، والزوجة الحسنة، وغير ذلك، وهي (١) بضم الدال، وحكى ابن قتيبة (٢) كسرها، ولفظها مقصور غير منون، وحكي تنوينه.
وهل حقيقتها ما على الأرض من الهواء والجو أو كل المخلوقات من الجواهر والأعراض؟ قولان.
قال ابن حجر (٣): والأول أولى، لكن يزاد فيه فيما قبل قيام الساعة، ويطلق على كل جزء منها مجازًا. انتهى.
_________________
(١) أي: الدنيا.
(٢) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو جعفر، (٠٠٠ - ٣٢٢ هـ = ٠٠٠ - ٩٣٤ م): قاض، من أهل بغداد، له اشتغال بالأدب والكتابة. كان يحفظ كتب أبيه وهي ٢١ كتابًا في غريب القرآن والحديث والأدب والأخبار. ولي القضاء بمصر سنة ٣٢١ هـ فجاءها، وعرف فضله فيها فأقبل عليه طلاب العلوم والآداب. ويرجح (الكندي) أنه عزل بعد ثلاثة أشهر من ولايته. ويقول أكثر مؤرخيه: إنه مات وهو على القضاء. وكانت وفاته بمصر. ينظر: الأعلام (١/ ١٥٦).
(٣) هو: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين، ابن حجر، (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ = ١٣٧٢ - ١٤٤٩ م): من أئمة العلم والتاريخ. أصله من عسقلان (بفلسطين) ومولده ووفاته بالقاهرة. ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث، ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ، وعلت له شهرة فقصده الناس للأخذ عنه وأصبح حافظ الإسلام في عصره، قال السخاوي: (انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر) وكان فصيح اللسان، راوية للشعر، عارفًا بأيام المتقدمين وأخبار المتأخرين، صبيح الوجه. وولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل. أما تصانيفه فكثيرة جليلة، منها (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة - ط) أربعة مجلدات، و(لسان الميزان - ط) ستة أجزاء، تراجم، و(الأحكام لبيان ما في القرآن من الأحكام - خ) و(ديوان شعر - خ) رأيته في الإسكوريال (الرقم ٤٤٤) وطبع في الهند، و(الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف). . ولتلميذه السخاوي كتاب في ترجمته سماه: (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر) في مجلد ضخم. ينظر: الأعلام (١/ ١٧٨). =
[ ٢ / ١٥٣ ]
تتمة:
مذهب مالك والشافعي جواز الدعاء في الصلاة بما في القرآن وغيره، خلافًا لأبي حنيفة: (لا يدعو إلا بما في القرآن، أو ما في معناه مما لا يسأل به الناس، فإن قال: أطعمني أو زوجني، فسدت صلاته).
وسمى في دعائه من أحب الدعاء له أو عليه، ولو قال لغائب أو حاضر مناديًا له: يا فلان فعل اللَّه بك كذا لم تبطل صلاته، قاله في النوادر، وانظر أحوال الدعاء على الظالم في الكبير.
[٢] وكره سجود على ثوب وطنفسة ونحوهما؛ لأنه يستحب مباشرة الأرض بيده ووجهه؛ لأنهما أشرف الأعضاء، ويخير في مباشرتها بما عداهما.
وأعاد لفظة (كره) لئلا يتوهم عطفه على الجائز، وانظر قوله: (ثوب)، هل يخرج به الفراش المرتفع عن الأرض فيمنع للصحيح، كما ذكره ابن فرحون، وكالفراش المحشو بالقطن، كما حكاه الجزولي، أو لا؟
وقوله: (ثوب) يشمل ما هو لابس له، أو غيره، وفيه تنبيه على
_________________
(١) = قلت: وقد تحول مالكيًا في آخر عمره، فقد نقل الكتاني في فهرس الفهارس (١/ ٣٢٥): "مذهبه: ومن الغرائب التي تتعلق بترجمته ما في ثبت الشهاب أحمد بن القاسم البوني أن الحافظ انتقل في آخر عمره لمذهب مالك قال: كما رأيت ذلك بخطه في مكة المكرمة، قلت: ولعل رجوعه في مسألة أو مسألتين، واللَّه أعلم". فلا أدري: ما هذه الغرابة؟ وما سرها؟ !، والبوني: هو الإمام العلامة المحدث المسند الجماع المطلع صاحب التآليف العديدة والأنظام الكثيرة، أبو العباس أحمد بن قاسم ابن أبي عبد اللَّه محمد ساسي التميمي البوني من بونة التي تعرف الآن بعنابة من القطر الجزائري، المولود ببونة سنة ١٠٦٣ والمتوفى سنة ١١٣٩ عن ست وسبعين سنة، ترجمه الأديب أبو زيد عبد الرحمن الجامعي الفاسي في رحلته المسماة بـ "نظم الدرر المديحية في محاسن الدولة الحسينية" و"التاج المشرق الجامع ليواقيت المغرب والمشرق". ولعل ما يدل على صدق ما نقل عن البوني أن الحافظ ابن حجر قد ملأ كتابه (فتح الباري) بنقول عن أئمة المذهب المالكي، وشحنه بها، حتى إن المرء إذا أزال تلك النقول لوقع الكتاب -دون مراء- في نصف حجمه.
[ ٢ / ١٥٤ ]
خلاف الشافعي في قوله بالإبطال إذا سجد على ثوب متصل به.
لا حصير، فلا يكره السجود عليها.
تنبيه:
إطلاقه الحصير يعم الحلفاء وغيره، وفسره ابن حبيب بالحلفاء ونحوه.
ابن بشير: ويتخذ بمصر والإسكندرية مصليات مما تنبت الأرض أعظم من ثياب القطن والكتان.
وتركه -أي: السجود- على الحصير أحسن من السجود عليه؛ لما في تركه من التواضع، وحكي بعضهم أن الحصير في المساجد من البدع المحدثة (١).
[٣] وكره رفع مؤم مصل عجز عن السجود على الأرض ما -أي: شيء لجبهته- يسجد عليه، أو ينصبه لذلك.
[٤] وكره سجود على كور عمامته -بفتح الكاف وسكون الواو- طاقاتها، وأطلق كما أطلق في المدونة، زاد فيها: ولا إعادة.
ابن حبيب: إذا كانت العمامة كالطاقة والطاقتين.
واختلف: هل هو خلاف أو هو تفسير؟
[٥] أو سجود على طرف كم لثوب لابسه، ولا خصوصية لطرف الكم.
[٦] وكره نقل حصباء من ظل له، أي: لسجوده في الشمس بمسجد؛ لتحفيره، فلا يكره في غير المسجد.
_________________
(١) لكن جاء في الحديث أن النبي -ﷺ- اتخذ حجرة من حصير يصلي فيها الليل في المسجد، رواه البخاري ٢/ ٢١٤ (الفتح). وفي الحديث عن عائشة: "كان النبي -ﷺ- يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله". رواه البخاري ٤/ ٢٧٥ (الفتح).
[ ٢ / ١٥٥ ]
[٧] وكره قراءة بركوع أو سجود؛ لخبر: "نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فادعوا فيه، فقمن أن يستجاب لكم" (١). أي: أولى.
[٨] وكره دعاء خاص؛ لإنكار مالك التحديد فيه، وفي عدد التسبيحات، وفي تعيين لفظها لاختلاف الآثار الواردة في ذلك، أو دعاء بعجمية لقادر على النطق بالعربية، وظاهره: اختصاص ذلك بالصلاة، كما في الأمهات، وعليه فيجوز في غيرها.
ومفهوم (قادر): جوازه لعاجز؛ لقول مالك: (لا يكلف اللَّه نفسًا إلا وسعها).
[٩] وكره التفات لغير القبلة بلا حاجة ما لم يستدبر؛ لخبر: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" (٢)، ومفهوم: (بلا حاجة) جوازه لها.
[١٠، ١١] وكره تشبيك أفي بع في حلاته، لا في غيرها، وفرقعتها فيها، ولمالك: لا يعجبني في المسجد ولا غيره.
[١٢] وكره إقعاء، فسره مالك بجلوسه على صدور قدميه في صلاته، وفسره غيره بجلوسه على إليتيه ناصبًا فخذيه كالكلب ونصب قدميه بالأرض.
[١٣] وكره تخصر، بأن يضعيده في خصره في حلاف.
[١٤] وكره تغميض بصره فيها؛ لئلا يتوهم أنه مطلوب فيها.
[١٥، ١٦، ١٧] وكره رفعه رجلًا عن الأرض، ظاهره: ولو طال قيامه، وقيده ابن عبد السلام بعدم الطول، أو وضع القدم على أخرى؛ لأنه
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٢١٩، رقم ١٩٠٠)، وابن أبي شيبة (٦/ ١٧٣، رقم ٣٠٤٥٦)، ومسلم (١/ ٣٤٨، رقم ٤٧٩)، وأبو داود (١/ ٢٣٢، رقم ٨٧٦)، والنسائي (٢/ ١٨٩، رقم ١٠٤٥)، وابن ماجه (٢/ ١٢٨٣، رقم ٣٨٩٩)، وابن حبان (٥/ ٢٢٢، رقم ١٨٩٦)، وابن الجارود (ص ٦١، رقم ٢٠٣)، وأبو عوانة (١/ ٤٩٠، رقم ١٨٢٢).
(٢) رواه البخاري (١/ ٢٦١، رقم ٧١٨).
[ ٢ / ١٥٦ ]
من العبث، وإقرانهما -أي: صفهما- يعتمد عليهما معًا دائمًا.
[١٨] وكره تفكر بدنيوي -أي: فيه- أو بسببه؛ لما فيه من قلة الخشوع، وظاهر كلام المصنف: ولو طال تفكره.
وفي الطراز: لو طالت فكرته في شيء بين يديه فسدت صلاته.
وفهم منه: أنه في أمور الآخرة غير مكروه.
[١٩، ٢٠] وكره حمل شيء بكم -أي: فيه- أو في فم ما لم يمنعه من إخراج الحروف.
[٢١] وكره تزويق قبلة؛ لئلا يشغله ذلك كله، وظاهره: كان التزويق بذهب أو غيره، قل أو كثر، والذي في سماع ابن القاسم: كره الناس تزويق المسجد حين جعل بالذهب لشغله المصلين.
قال ابن رشد: وقع لابن نافع وابن وهب جواز تزويق المساجد بما خف، والكتب في قبلتها ما لم يكثر. انتهى.
وفي الزاهي: ما كان في المساجد من صفائح الذهب والأوراق على الأبواب والجدر والقناديل وعلاقتها وما أشبه ذلك ولو كان في الكعبة زكاه الإمام كل عام كالمحبس الموقوف من الأنعام وكالموقوف من المال للقرض على سائر الأيام. انتهى. ومعنى (زكاه الإمام) أخذ منه الزكاة.
[٢٢] وكره تعمد مصحف فيه -أي: المحراب- ليصلي له -أي: للمصحف- ومفهوم (تعمد) أنه لو كان موضعه الذي تعلق فيه لم يكره، وهو كذلك.
[٢٣] وكره عبث بلحيته أو غيرها من جسده أو بخاتم مثلًا في يده.
واللخمي: لا بأس بتحريكه في أصابعه لعدد ركعاته؛ خوف السهو.
[الصلاة بالمساجد المدورة المثلثة:]
كبناء مسجد غير مربع، بأن يكون دائرة أو مثلث الزوايا؛ لتعذر
[ ٢ / ١٥٧ ]
استقامة الصفوف فيه، نص على ذلك ابن غلاب (١).
البساطي: والمراد بالمربع ما أحاط به أضلاع أربعة متساوية.
وعلة الكراهة موجودة في مربع قبلته في أحد أركانه، وفي كره الصلاة به لذلك وعدم كرهها قولان بغير ترجيح، واللَّه أعلم.
* * *
فصل ذكر فيه القيام والجلوس وحكمهما وما يتعلق بهما
[مراتب المصلي:]
ولما كانت مراتب المصلي سبعًا: أربعة واجبة، وثلاثة مستحبة.
[أولًا - المراتب الواجبة:]
أشار إليها مبتدئًا بالواجبة، فقال: يجب بفرض، يحتمل في صلاة فرض لا نفل، ويحتمل في فرض من صلاة فرض، كالفاتحة مثلًا:
- قيام استقلالًا، فلا يجب للسورة، إلا لمشقة فادحة تلحقه بسببه، وفي المدونة: يكره للقائم تنكيس الرأس، أو لخوفه -أي: المكلف- به -أي: بالقيام- فيها -أي: الفريضة- بأن يفتتحها قائمًا قادرا، ثم يعجز فيجلس في أثنائها.
ابن القاسم: لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
_________________
(١) هو: عبد السلام بن غالب، أبو محمد المسراتي القيرواني، المعروف بابن غلاب، (٣٧٦ - ٦٤٦ هـ = ١١٨٠ - ١٢٤٨ م): فقيه مالكي، أصله من "مسراتة" في ليبية. توفي بالقيروان. له كتب، منها "الوجيز - خ" في الفقه، بتونس، و"الزهر الأسنى في شرح أسماء اللَّه الحسنى - خ" في خزانة الرباط (٤٤ ك). ينظر: الأعلام (٤/ ٧).
[ ٢ / ١٥٨ ]
أو قبل في بعض النسخ (قبلها)، أي: قبل الدخول فيها، ضررًا مفعول خوف، كأن تكون عادته إذا قام أغمي عليه، فيجلس من أولها، ولذا أشار بقوله: كالتيمم -أي: كالضرر الموجب للتيمم-، وهو خوف المرض، أو زيادة أو تأخر برئه.
وأجاز الشارح في الصغير أن التشبيه في كون ذلك متفقًا عليه، ويخالفه قول التوضيح: لم يذكروا في هذا الباب خلافًا كالتيمم، والظاهر: أن لا فرق بينهما. انتهى.
وفي الذخيرة ما يخالف هذا، انظر الكبير.
كخروج ريح، البساطي: يحتمل أنه مثال للمشقة، أي: إن قام خشي النقض بالريح، وعليه مشقة في الطهارة، ويحتمل أنه مثال للضرورة، كما إذا كان خروج الريح يستتبع ضررًا به، والصحيح أنه تشبيه بين المشقة والضرر وبين خروج الريح، قصد به إفادة الحكم، يعني أنه إن قام خرج الريح، وإن جلس لم يخرج سقط عنه القيام، نص على ذلك ابن عبد الحكم.
وأشار للمرتبة الثانية بقوله: ثم استناد قائمًا إن عجز عنه استقلالًا، ويصح لكل ما يصح استناده إليه في حلاته لا لجنب وحائض عند ابن القاسم.
وخرج بمن يصح استناده إليه الأجنبية وزوجته وأمته، والواو في كلامه بمعنى أو.
وإذا قلنا: لا يستند لهما -أي: لأحدهما- فخالف واستند أعاد صلاته بوقت عند ابن القاسم (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: " (وقوله) وهما أعاد بوقت أنه إذا استند إلى جنب الصادق بالرجل والأنثى المحرم وللحائض المحرم فإنه يعيد في الوقت، وهذا إذا وجد من يستند عليه غيرهما وإلا فلا إعادة لأن الاستناد عليهما (ح) واجب، وفي كلام بعض الشارحين ما يفيد ذلك لكنه ذكره بحثًا فإنه قال في قوله: ولهما أعاد بوقت. =
[ ٢ / ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلت: لعله مع القدرة على الاستناد لغيرهما. انتهى. وأما لو استند يجوز له الاستناد عليه فلا إعادة عليه وأما استناده على من لا يصح الاستناد عليه فمقتضي كلام (تت) أنه يعيد أبدًا وفيه نظر حيث لم يقصد لذة ولا وجدها - وفي بعض التقارير ما نصه: اعلم أن الاستناد للحائض والجنب المذكورين عند عدم غيرهما واجب لأن ترك الاستناد إليهما يؤدي إلى صلاته جالسًا وهذا أشد من الاستناد إليهما وارتكاب الأخف مطلوب، وإذا استند إليهما في هذه الحالة وصلى فهل يعيد في الوقت أم لا وهو الظاهر؛ لأن الاستناد (ح) واجب كما علمته، وأما الاستناد لأمته وزوجته والأجنبية ممتنع حصول اللذة أو الاشتغال الذي تفسد به الصلاة، وسواء وجد غيرهن أم لا وإن لم يتحقق ذلك بأن تحقق خلافه أو تردد في ذلك فإن لم يجد غيرهن فإنه يستند إليهن في هاتين الحالتين ويصلي ولا إعادة عليه بحال، وأما إن وجد غيرهن فكذلك لأن علة الإعادة المذكورة في الحائض والجنب من نجاسة أثوابهن أو بعدهن عن الصلاة وهي منتفية فيهن إذ الغرض أنهن ليس بهن حيض ولا جنابة. تنبيه: ذكر (ق) ما يفيد أنه إذا صلى جالسًا مع قدرته على القيام مستندًا فصلاته صحيحة. انتهى. فهو جار على الراجح من أن الترتيب بين القيام مستند أو الجلوس مستقلًا مستحب لا واجب وانظر من إذا صلى قائمًا لا بدله من الاستناد وصلى جالسًا مستقلًا ويأتي حكمه وانظر أيضًا إذا صلى مضطجعًا مع قدرته عل الجلوس مستندًا عليه هو كذلك أم لا لشدة المباعدة بين القيام والاضطجاع بخلافها بين الجلوس والقيام والبطلان هو الذي يجب الجزم به، لأن تقديم الجلوس مستندًا على الاضطجاع واجب وهو الموافق لما في (ق)، ونصه ابن عرفة: إن عجز عن القيام مستندًا جلس وفيها جلوسه متمسكًا أحب إلي من اضطجاعه ابن يونس: فإن اضطجع أعاد ابن بشير أبدًا. انتهى. (قوله): ولهما أعاد بوقت، أي: ضروري وهل يجري ذلك في الظهر والعصر فيعيدهما للغروب أو إنما يجري في الظهر فقط وأما العصر فيعيدها الظاهر الضروري لقوله في توضيحه عن عياض: ذهب أكثر شيوخنا إلى أن علة الإعادة لكون المصلي باشر نجاسة في أثوابها فكان كالمصلي عليها. انتهى. وقد علمت إن المعتمد فيمن يصلي ملابسًا للنجاسة ناسيًا أو عاجزًا إنه يعيد الظهرين للاصفرار فقوله والظاهر الضروري إلخ ليس على إطلاقه بل هو في غير العصر وهذا واضح إذا استند إليهما مع عدم القدرة على الاستناد لغيرهما وإلا فيعيد أبدًا كمن صلى بالنجاسة ذاكرًا قادرًا لا يقال من صلى بجانب من بأثوابه نجاسة فإنه لا إعادة عليه إلا أن يجلس عليها أو تسقط عليه. و(ح) فلا إعادة على من استند للحائض والجنب. قلت: استناده عليهما نزل منزلة من جلس على متنجس أو سقط عليه على أن كلامه يقتضي أن أثوابهما إذا كانت طاهرة فلا إعادة وهو خلاف ظاهر كلام (المص) =
[ ٢ / ١٦٠ ]
واختلف: هل العلة بعدهما عن الصلاة، أو لمباشرة المصلي نجاسة أثوابهما.
وأشار للمرتبة الثالثة والرابعة بقوله: ثم إن عجز عن القيام بحالتيه وجب جلوس كذلك، أي: كحالتي القيام مستقلًا، ثم مستندًا لغير حائض أو جنب بمن يصح استناده له.
[صفة الجلوس:]
وتربع المصلي جالسًا، قال في الذخيرة: ليميز بين البدل والمبدل،
_________________
(١) = والموافق لما ذكره (المص) ما ذكره (الشر) في تعليل الإعادة بقوله: وقال ابن بشير: العلة في ذلك بعدهما من الصلاة. انتهى. المراد منه كما يفيده كلام التوضيح (قوله): ثم جلوس كذلك (ش) التشبيه في جميع ما تقدم فيدخل التفصيل المتقدم ذكره في الاستناد للجنب والحائض. تنبيهان: الأول: الترتيب الذي ذكره في الاستناد (المص) بين القيام مستندًا والجلوس مستقلًا ظاهر كلامه أنه واجب وهو ظاهر كلام ابن شاس وابن الحاجب وذكر ابن ناجي والشيخ زروق إن ذلك مستحب، وقال (ق) في العتبية: قال مالك: إن عجز عن القيام فأحب إلي أن يصلي متكئًا على عصى، إن قدر ابن رشد: لأنه لما سقط عنه القيام وجاز له أن يصلي جالسًا فصار قيامه نافلة فجاز أن يعتمد فيه كما يعتمد في النافلة. انتهى. ثم إن الجلوس الذي الترتيب بينه وبين القيام مستندًا هو الجلوس مستقلًا ويدل له قوله لأنه لما سقط عنه القيام وجاز له أن يصلي جالسًا إلخ. واعلم أن الترتيب بين القيام مستقلًا وبين كل واحد ما بعده واجب، وكذا بين القيام مستندًا وبين الجلوس كذلك والاضطجاع وكذا بين الجلوس مستقلًا والجلوس مستندًا والاضطجاع، وكذا بين الجلوس مستندًا والاضطجاع، وإما بين القيام مستندًا وبين جلوس مستقلًا فمستحب كما تقدم. والحاصل أن صور الترتيب بين هذه الأمور الخمسة عشر فصور الترتيب بين القيام مستقلًا وبين كل واحد من الأربعة بعده أربع، والترتيب بين القيام مستندًا وبين كل واحد من الثلاثة بعده ثلاثة، والترتيب بين الجلوس مستقلًا والاثنين بعده اثنتان والترتيب بين الجلوس مستندًا وبين الاضطجاع سورة واحدة، وكلها ما عدا الترتيب بين القيام مستندًا أو الجلوس مستقلًا واجبة وأما بينهما على ما تقدم الثاني لو لم يقدر على الاستناد حال تلبسه بالصلاة إلا بالكلام فإنه يتكلم ويصير هذا من الكلام لإصلاحها".
[ ٢ / ١٦١ ]
وأشار لحكم التربع بتشبيهه بمستحب وهو قوله: كالمتنفل للمعلم، بأن تربعه مستحب.
تتمة:
سمي تربعًا؛ لأنه جعل نفسه رباعًا، والمراد بالأربع ساقاه وفخذاه.
وغير المتربع جلسته الأولى إذا جلس بين سجدتيه كالمتشهد.
[الاستناد على ما يزول:]
ولو سقط قادر على القيام مستقلًا بأن خالف وصلى مستندًا بزوال عماده المستند له بطلت صلاته، أي: كان استناده بحيث لو أزيل العماد لسقط، وأحرى لو سقط حقيقة؛ لإخلاله بركن القيام.
وإلا بأن لو أزيل العماد لم يسقط كره الاستناد.
[المراتب المستحبة:]
ولما ذكر حالات الوجوب الأربع، أشار للثلاثة المستحبة بقوله: ثم إن عجز عن الجلوس وقدر على جميع حالات الاستلقاء الثلاث ندب بالبدأة على شق أيمن مستلقيًا كالملحد بقبره.
ثم ندب على شق أيسر، ثم ليصلي على ظهر ورجلاه للقبلة، إيماء في الحالات الثلاث، فإن فعل فواضح، وأما إن قدم الأيسر على الأيمن، أو قدم الظهر على الأيمن أو على الأيسر لفاته المندوب، وهذا حل منطوق كلام المؤلف.
ومفهومه: أنه لو عجز عن حال من حالات الاستلقاء الثلاث لسقط المعجوز عنه، ولم يتعين أحد الثلاثة بعينه، ويتعين لا لنفسه، ونحو ما قلناه قول البساطي: أفاد بقوله (ندب) أنه بعد العجز عن الجلوس لا يتعين أحد الثلاثة بعينه، ويتعين لا بعينه.
وقال قبله: ينبغي أن لا يكون الأخير مندوبًا، فيكون من عطف الجمل. انتهى.
[ ٢ / ١٦٢ ]
تنبيه:
إذا علمت ما قدمناه ظهر لك أن قول الشيخ بهرام -رحمه اللَّه تعالى-: (إنه يستحب له أن يبدأ بالجانب الأيمن ووجهه للقبلة، فإن لم يقدر فعلى جنبه الأيسر، فإن لم يقدر فعلى ظهره) سبق قلم، واللَّه تعالى أعلم.
[صفة صلاة العاجز:]
وأومأ مهموز الماضي والمضارع والأمر عاجز إلا عن القيام؛ فإنه مقدور عليه، فالمعجوز عنه حينئذ: الركوع والسجود والجلوس، فيومئ من قيامه لركوعه وسجوده، ونحوه قول المدونة: وإن لم يقدر على القيام كانت صلاته كلها قياما، ويومئ بالسجود أخفض من الركوع.
ومع قدرته على الجلوس أيضًا، فالمعجوز عنه الركوع والسجود أومأ للركوع من قيام كما تقدم، وأومأ بالسجود منه، أي: من الجلوس، ويحتمل من القيام، واحترز بالعاجز عن القادر، فلا يومئ في الفرض اتفاقًا، وهل يجوز في النافلة إذا صلى جالسًا من غير علة أو لا؟ قولان.
[ما يجب في الإيماء:]
واختلف هل يوجب فيه -أي: في الإيماء- الوسع، أي: انتهاء ما يطيقه من الانحطاط، حتى لو قصر عنه بطلت صلاته، وهو تأويل اللخمي، أو لا يجب فيه الوسع، بل يجزئ ما يكون إيماء مع القدرة على أكثر منه؟ تأويلان.
وهل يجزئ من فرضه الإيماء كمن بجبهته قروح لا يستطيع السجود عليها إن سجد على أنفه، وخالف فرضه من الإيماء، لحمل جماعة قول ابن القاسم في المدونة: (لا يسجد على أنفه) على موافقة قول أشهب: (يجزئه ذلك)، لأن الإيماء لا حد له، أو لا يجزئ، فهو خلاف قول ابن القصار؟ تأويلان في كون كلام ابن القاسم خلافًا أو وفاقًا.
وحذف (تأويلان) من الأول لدلالة هذا عليه.
[ ٢ / ١٦٣ ]
[الإيماء باليد للأرض:]
والعاجز يصلي جالسًا هل يومئ بيديه إلى الأرض، وهو قول أبي عمران، أو لا يومئ بهما، بل يضعهما على الأرض لزومًا، فإذا رفع وضعهما على ركبتيه، وهو المختار عند اللخمي، تأويلان.
ثم استشهد اللخمي بمسألة مالك المتفق عليها بقوله: كحسر عمامته عن جبهته حين إيمائه بسجود؟
وقوله: تأويلان راجع لما قبل (كحسر) مما ذكرنا (١).
[مسألة:]
وإن قدر المصلي على الكل من أركان الصلاة قيام وقراءة وركوع وسجود ورفع منها وجلوس، ولكن إن سجد لا ينهض بعد للقيام عجزًا، أتم ركعة، وهي الأولى بأركانها، ثم جلس، فأتم بقية صلاته جالسًا، قاله اللخمي وجماعة؛ لأن السجود أعظم من القيام؛ للاتفاق على وجوبه.
_________________
(١) قال الأجهوري: " (وقوله): كحسر عمامته تشبيه في الوجوب المستفاد مما قبله، أي: إنه يجب على المومي أن يحسر، أي: يرفع عمامته عن جبهته. (وقوله) بسجود يتنازعه يومي وهو يضع وحسر. (وقوله) تأويلان راجع لما قبل التشبيه، وجعل الشيخ داود كلام (المص) هذا شاملًا لأربع صور: وهي إيماؤه للركوع من قيام ومن جلوس، وإيماؤه للسجود من قيام ومن جلوس وذكر إحكامها هكذا قال (تت) وفيه نظر، إذ كلام (المص) في الإيماء للسجود من قيام وجلوس وليس فيه تعرض للإيماء للركوع، وقد يقال: بل فيه تعرض له بمفهومه، ونص الشيخ داود في قول (المص) في الإيماء للسجود من قيام وجلوس وليس فيه تعرض للإيماء للركوع من قيام فهل يومي بيديه إلى ركبتيه أو يضعهما على ركبتيه؟ في ذلك تأويلان، وإذا أومي للسجود من قيام فهل يومي بيديه إلى الأرض أو لا يومي بهما لأنهما تابعان في ذلك تأويلان وإذا أومي للركوع من جلوس فهل يومي بيديه إلى ركبتيه أو يضعهما على ركبتيه فإذا رفع أزالهما في ذلك؟ تأويلان، وإذا أومي للسجود من جلوس فهل يومي بيديه إلى الأرض أو يضعهما على الأرض فإذا رفع وضعهما على ركبتيه؟ وهو اختيار اللخمي في ذلك، تأويلان. انتهى. المراد منه. ثم إن (تت) تعقب كلام الشيخ داود بقوله وهو يعيد من كلام (المص) ويحتاج النوع الأول والثالث لنقل يشهد للتأويلين فيهما".
[ ٢ / ١٦٤ ]
وقيل: يصلي قائمًا إيماء للركوع والسجود والرفع منهما، إلا الأخيرة، فيركع لها ويسجد لقدرته على ذلك.
[مسألة:]
وإن خف معذور بأن زال عذره عن حالة أبيحت له كمضطجع أو جالس أو مؤم انتقل للأعلى منها، فينتقل الأول للجلوس إن قدر عليه فقط، والثاني للقيام إن قدر عليه، والثالث للركوع والسجود.
[العجز عن الفاتحة قائمًا:]
وإن عجز عن قراءة فاتحة قائمًا، ولا يعجز عنها جالسًا، جلس، وقرأها؛ لأن القيام إنما كان لها.
تنبيه:
لو عجز عن بعضها لوجب قيامه لما قدر عليه منها، ذكره ابن فرحون، وما ذكر ابن فرحون جعله البساطي مخرجًا، والمنصوص الجلوس؛ لأنه عبادة واحدة عنه، فلا يتبعض. انتهى.
ومفهوم (فاتحة) سقوط القيام للسورة؛ لعجزه عنه، ولا يجلس لها، انظر الكلام على ذلك في الكبير.
وعجز: بكسر الجيم أفصح من فتحها.
[العجز عن أركان الصلاة:]
وإن لم يقدر على شيء من أفعال الصلاة وأقوالها إلا على نية فقط، أو عليها مع الماء بطرف، فقال المازري وغيره كابن بشير ومن تبعه: لا نص.
ظاهره: في المسألتين، ومقتضى المذهب عند هذا القائل الوجوب بقدر ما يطيق، فيقصد في المسألة الأولي، ويؤمئ في الثانية للركوع والسجود، ويكون مصليًا بذلك، وانظر التعقب على المؤلف في الكبير.
[ ٢ / ١٦٥ ]
[مسألة:]
وجاز قدح عين أدى لجلوس في صلاة، وظاهره: طال ذلك أو لا كاليوم، وسواء كان القدح لصداع أو للرؤية، وهو كذلك، لا إن أبى القدح إلى استلقاء في حلاته إن قدح، فيعيد أبدًا عند ابن القاسم؛ لأنه غير عاجز عند ابن القاسم؛ لأنه غير جائز.
ابن الحاجب: وقال أشهب: معذور، وهو الصحيح.
وأشار المصنف لتصحيح ابن الحاجب بقوله: وصحح عذره في قدح يؤدي للاستلقاء أيضًا كالجلوس.
[ستر نجس بطاهر:]
وجاز لمريض ستر نجس فراش أو غيره بطاهر كثيف؛ ليصلي عليه للضرورة، ونحوه في المدونة.
وأشار بقوله: كالصحيح على الأرجح لتصويب ابن يونس قول بعض شيوخه بإلحاق الصحيح للمريض في ذلك لحائل الطاهر بينه وبين النجاسة، كحصير بطرفها نجاسة، ويقف ويصلي بموضع طاهر فيه، ويتحرك منه موضع نجس.
[الجلوس للمتنفل:]
وجاز لمتنفل جلوس في نافلته مع القدرة على القيام، ولو في أثنائها بعد إيقاع بعضها قائمًا، واستلزام ذلك جواز استناده فيها من باب أولى، إن لم يدخل على الإتمام قائمًا، فإن دخل عليه لزمه كذلك.
وظاهره: ملتزمًا له أو لا، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فمنعه أشهب، وأجازه ابن القاسم.
اللخمي: والإجازة أحسن؛ لأن الإحرام لا يتضمن التزام القيام.
ولم يرجح في توضيحه واحدًا منهما، وربما أشعر قوله: (لمتنفل) بخروج السنن المؤكدة، كالوتر والعيدين، وليس كذلك.
[ ٢ / ١٦٦ ]
لا الاضطجاع، مع القدرة على ما فوقه، وظاهره: صحيحًا أو مريضًا، وهو كذلك، وفي الجلاب: جوازه للمريض خاصة، وهو ظاهر المدونة عند اللخمي.
وإن أولًا، أي: لا يضطجع في أثناء التنفل (١)، وإن دخل على ذلك أولًا، فهو مخرج من قوله: (لمتنفل جلوس. . إلى آخره)، ونبه به على الفرق بينه وبين ما قبله، فإن ذلك يجوز للمتنفل أن يتم جالسًا، ولو نواها قائمًا على أحد القولين، إلا أن يلتزم الإتمام قائمًا، ولنا مع الشارحين مناقشة، انظرها في الكبير.
* * *
فصل في بيان حكم قضاء الفوائت
وجب على كل مكلف قضاء صلوات فائتة مطلقًا، سواء فائتة سهوًا
_________________
(١) قال الأجهوري: " (قوله): لا اضطجاع وإن أو لا، أي: إنه لا يجوز صلاة النافلة مضطجعًا، أي: لمن يقدر على الجلوس كما ذكره الشيخ و(الشر) وفي إطلاق (المص) نظر ونص الشيخ إذا كان قادرًا على القعود وإلا جاز وهو واضح التوضيح. انتهى. واعلم أن مفاد ما في الجلاب والمدونة إن المريض الذي لا يقدر إلا على الاضطجاع له أن يتنفل مضطجعًا أو في النوادر أنه يتركه في هذه الحالة، ولا يأتي به مضطجعًا فالكل يمنعون النفل مضطجعًا لمن يقدر على الجلوس ويختلفون فيمن لا يقدر عليه إلا مضطجعًا. وفي الجلاب والمدونة ما يفيد أنه يأتي به مضطجعًا، وفي النوادر ما يفيد منع الاتيان به كذلك وإذا تمهد هذا ففي كلام (تت) هنا نظر. قال في الجلاب ما نصه: ولا يتنقل المضطجع على جنبه ولا على ظهره إلا من علة. قال (تت) في شرحه ما نصه فيتنفل وظاهره دخل على ذلك أو عرض له في أثنانا فلته اللخمي وظاهر المدونة يريد قولها: ولا يصلي مضطجعًا إلا المريض، وفي النوادر: المنع وإن كان مريضًا، وأجازه الأبهري الصحيح. انتهى. ومن خطه نقلت".
[ ٢ / ١٦٧ ]
باتفاق، أو عمدًا على المعروف، وأنكر ما نسب لمالك من عدم قضاء المتعمد (١)، وسواء كانت يسيرة أو كثيرة، في ليل أو نهار، وقت جواز أو كراهة أو منع.
_________________
(١) قد حقق القول في هذه المسألة الإمام ابن القيم وهو من الحنابلة في كتابه (الصلاة وحكم تركها) بتحقيق بسام الجابي، فقال ص ٩٣، وما بعدها: "فصل في هل يصح قضاء الفائتة عمدًا أم لا: وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها فهي مسألة عظيمة تنازع فيها الناس هل ينفعه القضاء ويقبل منه أم لا ينفعه ولا سبيل له إلى استدراكها أبدًا. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومالك: يجب عليه قضاؤها ولا يذهب القضاء عنه إثم التفويت بل هو مستحق للعقوبة إلى أن يعفو اللَّه عنه. وقالت طائفة من السلف والخلف من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر يجوز له التأخير فهذا لا سبيل له إلى استدراكها ولا يقدر على قضائها أبدًا ولا يقبل منه. ولا نزاع بينهم أن التوبة النصوح تنفعه ولكن هل من تمام توبته قضاء تلك الفوائت التي تعمد تركها فلا تصح التوبة بدون قضائها أم لا تتوقف التوبة على القضاء فيحافظ عليها في المستقبل ويستكثر من النوافل وقد تعذر عليه استدراك ما مضى. هل هذا محل الخلاف ونحن نذكر حجج الفريقين. قال الموجبون للقضاء لما أمر النبي النائم والناسي بالقضاء وهما معذوران غير مفرطين فإيجاب القضاء على المفرط العاصي أولى وأحرى؛ فلو كانت الصلاة لا تصح إلا في وقتها لم ينفع قضاؤها بعد الوقت في حق النائم والناسي. قالوا وقد صلى العصر بعد المغرب يوم الخندق هو وأصحابه راجع البخاري رقم ٥٩٦ مسلم رقم ٦٣١ ومعلوم قطعًا أنهم لم يكونوا نائمين ولا ساهين عنها ولو اتفق النسيان لبعضهم لم يتفق للجميع. قالوا: وكيف يكون المفرط بالتأخر أحسن حالا من المعذور فيخفف عن المفرط ويشدد على المعذور. قالوا: وإنما أنام اللَّه ﷾ رسوله والصحابة ليبين للأمة حكم من فاتته الصلاة، وأنها لا تسقط عنه بالتفويت بل يتداركها فيما بعد. قالوا وقد أمر النبي من أفطر بالجماع في رمضان ان يقضي يومًا مكانه، أبو داود رقم ٢٣٩٣، ابن ماجة رقم ١٦٧١. قالوا: ولا قياس يقتضي وجوب القضاء؛ فإن الأمر متوجه على المكلف بفعل العبادة في وقتها فإذا فرط في الوقت وتركه لم يكن ذلك مسقط بفعل العبادة في وقتها؛ فإذا فرط في الوقت وتركه لم يكن ذلك مسقطًا لفعل العبادة عنه. قال الآخرون: أوامر الرب ﵎ نوعان: نوع مطلق غير مؤقت فهذا يفعل في =
[ ٢ / ١٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كل وقت، ونوع مطلق غير مؤقت بوقت محدود وهو نوعان: أحدهما: ما وقته بقدر فعله: كالصيام. الثاني: ما وقته أوسع من فعله: كالصلاة، وهذا القسم فعله في وقته شرط في كونه عبادة مأمورًا بها؛ فإنه إنما أمر به على هذه الصفة فلا تكون عبادة على غيرها. قالوا في أمر اللَّه به في الوقت فتركه المأمور حتى فات وقته لم يمكن فعله بعد الوقت شرعًا وإِن أمكن حسا بل لا يمكن حسا أيضًا فإن إيتانه بعد الوقت أمر غير المشروع. قالوا ولهذا لا يمكن فعل الجمعة بعد خروج وقتها ولا الوقوف بعرفة بعد وقته. قالوا ولا مشروع إلا ما شرعه اللَّه ورسوله وهو سبحانه ما شرع فعل الصلاة والصيام والحج إلا في أوقات مختصة به فإذا فاتت تلك الأوقات لم تكن مشروعة ولم يشرع اللَّه سبحانه فعل الجمعة يوم السبت ولا الوقوف بعرفة في اليوم العاشر ولا الحج في غير أشهره. وأما الصلوات الخمس فقد ثبت بالنص والإجماع أن المعذور بالنوم والنسيان وغلبة العقل يصليها إذا زال عذره، وكذلك صوم رمضان شرع اللَّه سبحانه قضاءه بعذر المرض والسفر والحيض، وكذلك شرع رسوله الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت للمعذور بسفر أو مرض أو شغل يبيح الجمع فهذه يجوز تأخيرها عن وقتها المختص إلى وقت الأخرى للمعذور ولا يجوز لغيره بالاتفاق بل هو من الكبائر العظام كما قال عمر بن الخطاب -﵁- الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر ولكن يجب عليه فعلها وإن أخرها إلى وقت الثانية في هذه الصورة لأنها تفعل في هذا الوقت في الجملة. وقد أمر النبي بالصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقيل له إلا نقاتلهم قال: "لا ما صلوا" مسلم (رقم) وهم كانوا يؤخرون الظهر خاصة إلى وقت العصر فأمر بالصلاة خلفهم وتكون نافلة للمصلي وأمره أن يصلي الصلاة في وقتها ونهى عن قتالهم. قالوا وأما من أخر صلاة النهار فصلاها بالليل أو صلاة الليل فصلاها بالنهار فهذا الذي فعله غير الذي أمر به وغير ما شرعه اللَّه ورسوله فلا يكون صحيحًا ولا مقبولًا. قالوا وقد قال رسول اللَّه: "من ترك صلاة العصر حبط عمله" البخاري (رقم ٥٥٣). وقال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" البخاري (رقم ٥٥٢) مسلم (رقم ٦٢٦). فلو كان يمكنه استدراكها بالليل لم يحبط عمله ولم يكن موتورًا من أعماله بمنزلة الموتر من أهله وماله. قالوا وقد صح عنه أنه قال: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد =
[ ٢ / ١٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أدرك العصر" البخاري (رقم ٥٥٦) مسلم (رقم ٦٠٨) فكذا من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ولو كان فعلها بعد المغرب وطلوع الشمس صحيحًا مطلقًا لكان مدركًا سواء أدرك ركعة أو أقل من ركعة أو لم يدرك منها شيئًا فإنه لم يرد أدرك ركعة صحت صلاته بلا إثم إذ لا خلاف بين الأمة أنه لا يحل له تأخيره إلى أن يضيق وقتها عن كمال فعلها وإنما أراد بالإدراك صحة والأجزاء وعندكم تصح وتجزيء ولو أدرك منها قدر تكبيرة أو لم يدرك منها شيئًا فلا معنى للحديث عندكم البتة قالوا واللَّه سبحانه قد جعل لكل صلاة وقتا محدود الأول والآخر ولم يأذن في فعلها قبل دخول وقتها ولا بعد خروج وقتها والمفعول قبل الوقت وبعده أمر غير المشروع فلو كان الوقت ليس شرطًا في صحتها لكان لا فرق في الصحة بين فعلها قبل الوقت وبعده؛ لأن كِلا الصلاتين صلاها في غير وقتها فكيف قبلت من هذا المفرط بالتفويت ولم تقبل من المفرط بالتعجيل. قالوا: والصلاة في الوقت واجبة على كل حال حتى أنه يترك جميع الواجبات والشروط لأجل الوقت فإذا عجز عن الوضوء والاستقبال أو طهارة الثوب والبدن وستر العورة أو قراءة الفاتحة أو القيام في الوقت وأمكنه أن يصلي بعد الوقت بهذه الأمور فصلاته في الوقت بدونها هي التي شرعها اللَّه وأوجبها ولم يكن له أن يصلي بعد الوقت مع كمال هذه الشروط والواجبات فعلم أن الوقت مقدم عند اللَّه ورسوله على جميع الواجبات؛ فإذا لم يكن إلا أحد الامرين وجب أن يصلي في الوقت بدون هذه الشروط والواجبات ولو كان له سبيل إلى استدراك الصلاة بعد خروج وقتها لكانت صلاته بعد الوقت مع كمال الشروط والواجبات خيرًا من صلاته في الوقت بدونها وأحب إلى اللَّه، وهذا باطل بالنص والإجماع. قالوا: وأيضًا فقد توعد اللَّه سبحانه من فوت الصلاة عن وقتها بوعيد التارك لها قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥] وقد فسر أصحاب رسول اللَّه السهو عنها بأنه تأخيرها عن وقتها كما ثبت ذلك عن سعد بن أبي وقاص وفيه حديث مرفوع سنن البيهقي ٢/ ٢١٤ وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩] وقد فسر الصحابة والتابعون إضاعتها بتفويت وقتها راجع صفحة ٣٢. والتحقيق أن إضاعتها تتناول تركها وترك وقتها وترك واجباتها وأركانها وأيضًا إن مؤخرها عن وقتها عمدًا متعد لحدود اللَّه كمقدمها عن وقتها فما بالها تقبل مع تعدي هذا الحد ولا تقبل مع تعدي الحد الآخر. قالوا وأيضًا فنقول لمن قال: إنه يستدركها بالقضاء، أخبرنا عن هذه الصلاة التي تأمر بفعلها هي التي أمر اللَّه بها أم هي غيرها =
[ ٢ / ١٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال: هي بعينها قيل له: فالعامد بتركها حينئذ ليس عاصيًا لأنه قد فعل ما أمر اللَّه به بعينه فلا يلحقه الإثم والملامة وهذا باطل قطعًا وإن قال: ليست هي التي أمر اللَّه بها قيل له: فهذا من أعظم حججنا عليك إذ أقررت أن هذه غير مأمور بها. ثم نقول أيضًا ما تقولون في من تعمد تفويتها حتى خرج وقتها ثم صلاها أطاعة صلاته تلك أم معصية فإن قالوا: صلاته طاعة وهو مطيع بها، خالفوا الإجماع والقرآن والسنن الثابتة، وإن قالوا: هي معصية، قيل: فكيف يتقرب إلى اللَّه بالمعصية وكيف تنوب المعصية عن الطاعة فإن قلتم هو مطيع بفعلها عاص بتأخيرها وهو أنه إذا تقرب بالفعل الذي هو طاعة لا بالتفويت الذي هو معصية قيل لكم الطاعة هي موافقة الأمر وامتثاله على الوجه الذي أمر به فأين اللَّه ورسوله ممن تعمد تفويت الصلاة بفعلها بعد خروج وقتها حتى يكون مطيعا له بذلك، فلو ثبت ذلك لكان فاصلًا للنزاع في المسألة. قالوا: وأيضًا فغير أوقات العبادة لا تقبل تلك العبادة بوجه كما أن الليل لا يقبل الصيام، وغير أشهر الحج لا يقبل الحج، وغير وقت الجمعة لا تقبل الجمعة فأي فرق بين من قال: أنا أفطر النهار وأصوم الليل أو قال: أنا أفطر رمضان في هذا الحر الشديد وأصوم مكانه شهرًا في الربيع، أو قال: أنا أؤخر الحج من شهره إلى المحرم أو قال أنا أصلي الجمعة بعد العشاء الآخرة أو أصلي العيدين في وسط الشهر وبين من قال انا أؤخر صلاة النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى النهار فهل يمكن أحدًا قط أن يفرق بين ذلك. قالوا: وقد جعل اللَّه سبحانه للعبادات أمكنة وأزمنة وصفات فلا ينوب مكان عن المكان الذي جعله اللَّه مكانًا ميقاتًا لها كعرفة ومزدلفة ومنى ومواضع الجمار والمبيت والصفا والمروة ولا تنوب صفة من صفاتها التي اوجبها اللَّه عليها عن صفة فكيف ينوب زمان عن زمانها الذي أوجبها اللَّه فيه عنه قالوا: وقد دل النص والإجماع على أن من أخر الصلاة عن وقتها عمدًا أنها قد فاتته كما قال النبي: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" البخاري (رقم ٥٥٢) مسلم (رقم ٦٢٦) وما فات فلا سبيل إلى إدراكه ألبتة ولو امكن أن يدرك لما سمي فائتا وهذا مما لا شك فيه لغة وعرفا وكذلك هو في الشرع وقد قال النبي: "لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من يوم عرفة" الموطأ (١/ ٣٩٠) مجمع الزوائد (٣/ ٢٥٥) أفلا تراه جعله فائتا بفوات وقته لما لم يمكن أن يدرك في يوم بعد ذلك اليوم وهذا بخلاف المنسية والتي نام عنها فإنها لا تسمى فائتة ولهذا لم تدخل في قوله: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" البخاري (رقم ٥٥٢) مسلم (رقم ٦٢٦). قالوا والأمة مجمعة على أن من ترك الصلاة عمدًا حتى يخرج وقتها فقد فاتته ولو =
[ ٢ / ١٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قبلت منه وصحت بعد الوقت لكان تسميتها فائتة لغوا وباطلا وكيف يفوت ما يدرك. قالوا: وكما أنه لا سبيل إلى استدراك الوقت الفائت أبدًا فلا سبيل إلى استدراك فرضه ووصفه. قالوا: وهذا معنى قوله في الحديث الذي رواه أحمد المسند (٢/ ٣٨٦) وغيره أبو داود (رقم ٢٣٩٦) الترمذي (رقم ٧٢٣) ابن ماجة (رقم ١٦٧٢) "من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر" فأين هذا من قولكم: يقضيه عنه صيام يوم من أي شهر أراد. قالوا: وقد أمر اللَّه سبحانه المسلمين حال مواجهة عدوهم أن يصلوا صلاة الخوف فيقصروا من أركانها ويفعلوا فيها الأفعال الكثيرة ويستدبروها فيها القبلة ويسلمون قبل الإمام، بل يصلون رجالًا وركبانًا حتى لو لم يمكنهم إلا الإيماء أتوا بها على دوابهم إلى غير القبلة في وقتها ولو قبلت منهم في غير وقتها وصحت لجاز لهم تأخيرها إلى وقت الأمن وإمكان الإتيان بها وهذا يدلُّ على أنَّها بعد خروج وقتها لا تكون جائزة ولا مقبولة منهم مع العذر الذي أصابهم في سبيله وجهاد أعدائه فكيف تقبل من صحيح مقيم لا عذر له البتة وهو يسمع داعي اللَّه جهرة فيدعها حتى يخرج وقتها ثم يصليها في غير الوقت وكذلك لم يفسح في تأخيرها عن وقتها للمريض بل أمره أن يصلي على جنبه بغير قيام ولا ركوع ولا سجود إذا عجز عن ذلك ولو كانت تقبل منه وتصح في غير وقتها لجاز تأخيرها إلى زمن الصحة. فأخبرونا، أي: كتاب أو سنة أو اثر عن صاحب نطق بأن من أخر الصلاة وفوتها عن وقتها الذي أمر اللَّه بإيقاعها فيه عمدًا يقبلها اللَّه منه بعد خروج وقتها وتصح منه وتبرأ ذمته منها ويثاب عليها ثواب من أدى فريضته هذا واللَّه ما لا سبيل لكم إليه البتة حتى تقوم الساعة ونحن نوجد لكم عن أصحاب رسول اللَّه مثل ما قلناه وخلاف قولكم. فصل في قول أبي بكر الصديق الذي لم يعلم أن أحدًا من الصحابة أنكره عليه. قال عبد اللَّه بن المبارك في الزهد رقم ٩١٤ أخبرنا إسماعيل ابن أبي خالد عن زيد أن أبا بكر قال لعمر بن الخطاب إني موصيك بوصية إن حفظتها إن للَّه حقًا بالنهار لا يقبله بالليل وحقا بالليل لا يقبله بالنهار وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم في الدنيا الحق وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف وإن اللَّه -﷿- ذكر أهل الجنة وصالح ما عملوا وتجاوز عن سيئاتهم فإذا ذكرتهم خفت إلا أكون منهم وذكر أهل النار وأعمالهم فإذا ذكرتهم قلت أخشى أن أكون منهم وذكر آية الرحمة وآية العذاب ليكون المؤمن راغبًا راهبًا فلا يتمنى على اللَّه غير الحق =
[ ٢ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ولا يلقى بيده إلى التهلكة فإن حفظت قولي: فلا يكونن غائب أحب اليك من الموت ولا بد لك منه وإن ضيعت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت ولن تعجزه. وقال هناد بن السري الزهد (١/ ٤٩٦) حدثنا عبده عن إسماعيل ابن أبي خالد عن زبيد اليامي قال لما حضرت أبا بكر الوفاة فذكره قالوا فهذا أبو بكر قال إن اللَّه لا يقبل عمل النهار بالليل ولا عمل الليل بالنهار ومن يخالفنا بهذه المسألة يقولون بخلاف هذا صريحًا وأنه يقبل صلاة العشاء الآخرة وقت الهاجرة ويقبل صلاة العصر نصف النهار. قالوا فهذا قول أبي بكر وعمر وابنه عبد اللَّه وسعد ابن أبي وقاص وسلمان الفارسي وعبد اللَّه بن مسعود والقاسم بن محمد ابن أبي بكر وبديل العقيلي ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبد اللَّه وعمر بن عبد العزيز -﵃- وغيرهم قال شعبة عن يعلى بن عطاء عن عبد اللَّه بن خراش قال: رأى ابن عمر رجلًا يقرأ في صحيفة قال له: يا هذا القارئ إنه لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها فصل ثم أقرأ ما بدا لك. قالوا: ولا يصح تأويلكم ذلك على أنه لا صلاة كاملة لوجوه. أن النفي يقتضي نفي حقيقة المسمى والمسمى هنا هو الترتيب وحقيقة منتفية هذه حقيقة اللفظ في الموجب للخروج عنها. الثاني: إنكم إذا أردتم بنفي الكمال الكمال المستحب فهذا باطل؛ فإن الحقيقة الشرعية لا تنتفي لنفي مستحب فيها، وإنما تنتفي لنفي ركن من أركانها وجزء من أجزائها وهكذا كل نفي ورد على حقيقة شرعية كقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له" مسند أحمد "ولا صلاة لمن لا وضوء له"، مسند أحمد ٢/ ٤١٨ أبو داود (رقم ١٥١) ابن ماجة (رقم ٣٩٩) "ولا عمل لمن لا نية له"، ابن أبي الدنيا الإخلاص والنية (رقم ٥٩) "ولا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل"، أبو داود (رقم ٢٤٥٤) النسائي (رقم ٢٣٣١) الترمذي (رقم ٧٣٠) ابن ماجة (رقم ١٧٠٠) "ولا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب"، البخاري (رقم ٧٥٦) مسلم (رقم ٣٩٤) ولو انتفت لانتفاء بعض مستحباتها فما من عبادة إلا وفوقها من جنسها ما هو أحب إلى اللَّه منها وقد ساعدتمونا على أن الوقت من واجباتها فإن انتفت بنفي واجب فيها لم تكن صحيحة ولا مقبولة. الثالث إنه إذا لم يكن نفي حقيقة المسمى فنفي صحته والاعتداد به أقرب إلى نفيه من كماله المستحب. وقال محمد بن المثنى: حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة قال =
[ ٢ / ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ذكر لنا أن عبد اللَّه بن مسعود كان يقول: إن للصلاة وقتا كوقت الحج المصنف لعبد الرزاق (رقم ٣٧٤٧) فصلوا الصلاة لميقاتها المحلى (٢/ ٣٧٢) فهذا عبد اللَّه قد صرح بأن وقت الصلاة كوقت الحج فإذا كان الحج لا يفعل في غير وقته فما بال الصلاة تجزيء في غير وقتها. وقال عبد الرزاق المصنف (رقم ٢٢٣٤) (١/ ٥٨٧) عن معمر عن بديل العقيلي قال: بلغني أن العبد إذا صلى الصلاة لوقتها صعدت ولها نور ساطع في السماء وقالت: حفظتني حفظك اللَّه وإذا صلاها لغير وقتها طويت كما يطوى الثوب الخلق فيضرب بها وجهه. فصل في حجج الذين يقولون بقضاء الصلاة المتروكة عمدًا: قال الذين يعتدون بها بعد الوقت ويبرئون بها الذمة واللفظ لأبي عمر ابن عبد البر فإنه انتصر لهذه المسألة أتم انتصار ونحن نذكر كلامه بعينه قال في الاستذكار في باب: النوم عن الصلاة: قرأت على عبد الوارث أن قاسما حدثهم حدثنا أحمد بن زهير حدثنا ابن الاصبهاني حدثنا عبيدة بن حميد عن يزيد بن أبي زياد عن تميم بن سلمة عن مسروق عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه في سفر فعرسوا من آخر الليل فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس فأمر بلالًا فأذن ثم صلى ركعتين قال ابن عباس فما يسرني بها الدنيا وما فيها يعني الرخصة مسند أحمد (١/ ٢٥٩) ومجمع الزوائد (١/ ٣٢١). قال أبو عمر ذلك عندي واللَّه أعلم لأنه كان سببًا إلى أن أعلم أصحابه المبلغين عنه إلى سائر أمته بأن مراد اللَّه عن عباده في الصلاة وإن كانت مؤقته أن من لم يصلها في وقتها يقضيها أبدًا متى ذكرها ناسيًا كان لها أو نائما عنه أو متعمدًا لتركها. إلا ترى أن حديث مالك في هذا الباب عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أن رسول اللَّه قال: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها" الموطأ (١/ ١٣) والنسيان في لسان العرب يكون للترك عمدًا أو يكون ضد الذكر قال اللَّه تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي تركوا طاعة اللَّه والإيمان بما جاء به رسول اللَّه فتركهم اللَّه من رحمته وهذا لا خلاف فيه ولا يجهله من له أقل علم بتأويل القرآن. فإن قيل فلم خص النائم والناسي بالذكر في قوله في غير هذا الحديث: "من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" الموطأ (١/ ١٣) قيل: خص النائم والناسي ليرتفع التوهم والظن فيهما لرفع القلم في سقوط التأثيم عنهما بالنوم والنسيان فأبان رسول اللَّه أن سقوط الإثم عنهما غير مسقط لما لزمهما من فرض الصلاة وأنها واجبة عليهما عند الذكر لها يقضيها كل واحد منهما بعد خروج وقتها إذا ذكرها ولم يحتج إلى ذكر العامد معهما لأن العلة المتوهمة في الناسي والنائم ليست فيه ولا عذر له في =
[ ٢ / ١٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ترك فرض قد وجب عليه من صلاته إذا كان ذاكرًا له وسوَّى اللَّه ﷾ في حكمها على لسان رسوله بين حكم الصلاة المؤقتة والصيام المؤقت في شهر رمضان بل كل واحد منهما يقضى بعد خروج وقته فنص على النائم والناسي في الصلاة كما وصفنا، ونص على المريض والمسافر في الصوم وأجمعت الأمة ونقلت الكافة فيمن لم يصم شهر رمضان عامدًا وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشرًا وبطرًا ثم تاب منه بعد ذلك أن عليه قضاءه وكذلك من ترك الصلاة عامدًا فالعامد والناسي في القضاء للصلاة والصيام سواء وإن اختلفا في الإثم كالجاني على الأموال المتلف لها عامدًا وناسيًا سواء إلا في الإثم وكان الحكم في هذا النوع بخلاف رمي الجمار في الحج الذي لا يقضى في غير وقته لعامد ولا ناس لوجوب الدم فيما ينوب عنها وبخلاف الضحايا أيضًا لأن الضحايا ليست بواجبة فرضًا والصلاة والصيام كلاهما فرض واجب ودين ثابت يؤدي أبدًا، ان خرج الوقت المؤجل لهما قال رسول اللَّه: "دين اللَّه أحق أن يقضى" البخاري (رقم ١٩٠٣) مسلم (رقم ١١٤٨) وإذا كان النائم والناسي للصلاة وهما معذوران يقضيانها بعد خروج وقتها كان المتعمد لتركها الآثم في فعله ذلك وإن أبي لا يسقط عنه فرض الصلاة وأن يحكم عليه بالإتيان بها؛ لأن التوبة من عصيانه في عمد تركها هي أداؤها وإقامتها مع الندم على ما سلف من تركه لها في وقتها. وقد شذ بعض أهل الظاهر، أي: ابن حزم وأقدم على خلاف جمهور علماء المسلمين وسبيل المؤمنين، فقال: ليس على المتعمد لترك الصلاة في وقتها أن يأتي بها في غير وقتها لأنه غير نائم ولا ناس وإنما قال رسول اللَّه: "من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" الموطأ (١/ ١٣) قال والمتعمد غير الناسي والنائم المحلى (٢/ ٢٣٥). قال: وقياسه عليهما غير جائز عندنا كما أن من قتل الصيد لا يجزيه عندنا. فخالف في المسألتين جمهور العلماء وظن أنه يستتر في ذلك برواية شاذة جاءت عن بعض التابعين شذ فيها عن جماعة من علماء المسلمين، وهو محجوج بهم مأمور باتباعهم، فخالف هذا الظاهري طريق النظر والاعتبار وشذ عن جماعة علماء الأمصار، ولم يأت فيما ذهب إليه من ذلك بدليل يصح في العقول. ومن الدليل على أن الصلاة تصلى وتقضى بعد خروج وقتها كالصيام سواء وإن كان إجماع الأمة الذين أمر من شذ عنهم بالرجوع إليهم وترك الخروج عن سبيلهم يغني عن الدليل في ذلك قول النبي: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل ان تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" البخاري (رقم ٥٥٦) مسلم (رقم ٦٠٨) ولم يستثن متعمدًا من ناس. ونقلت الكافة عنه: "أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل الغروب صلى تمام =
[ ٢ / ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صلاة العصر بعد الغروب" البخاري (رقم ٥٥٦)، وذلك بعد خروج الوقت عند الجميع، ولا فرق بين عمل صلاة العصر كلها لمن تعمد أو نسي أو فرط وبين عمل بعضها في نظر ولا اعتبار. ودليل آخر وهو أن رسول اللَّه لم يصل هو ولا أصحابه يوم الخندق صلاة الظهر والعصر حتى غربت الشمس لشغله بما نصبه المشركون من الحرب ولم يكن يومئذ نائمًا ولا ناسيًا ولا كانت بين المسلمين والكافرين يومئذ حرب قائمة ملتحمة وصلى الظهر والعصر بالليل. ودليل آخر أيضًا وهو أن رسول اللَّه قال بالمدينة لأصحابه يوم انصرافه من الخندق: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" البخاري (رقم ٩٤٦) ومسلم (رقم ١٧٧٠) فخرجوا مبادرين وصلى بعضهم العصر دون بني قريظة خوفًا من خروج وقتها المعهود ولم يصلها بعضهم إلا في بني قريظة بعد غروب الشمس لقوله: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" فلم يعنف رسول اللَّه أحدًا من الطائفتين وكلهم غير ناس ولا نائم وقد أخر بعضهم الصلاة حتى خرج وقتها ثم صلاها وقد علم رسول اللَّه ذلك فلم يقل لهم إن الصلاة لم تصل في وقتها ولا تقضى بعد خروج وقتها. ودليل آخر وهو قوله: "سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصوات عن ميقاتها" قالوا: انفصليها معهم قال: "نعم"، حدثنا عبد الوراث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا إسحاق بن الحسن العربي حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي المثنى الحمصي قال أتى إلي عن امرأة عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي فقال: "إنه سيجيء بعدي أمراء تشغلهم أشياء حتى لا يصلوا الصلاة لميقاتها" قالوا: نصليها معهم يا رسول اللَّه قال: "نعم" مسند أحمد (٣/ ٣١٤). قال أبو عمر أبو مثنى الحمصي هو الأملوكي ثقة. وفي هذا الحديث أن رسول اللَّه أباح الصلاة بعد خروج ميقاتها ولم يقل: إن الصلاة لا تصلى إلا في وقتها. والأحاديث في تأخير الأمراء الصلاة حتى يخرج وقتها كثيرة جدًّا وقد كان الأمراء من بني أمية وأكثرهم يصلون الجمعة عند الغروب وقد قال: "إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى"، وقد اعلمهم أن وقت الظهر في الحضر ما لم يدخل وقت العصر وروي ذلك عنه من وجوه صحاح قد ذكرت بعضها في صدر الكتاب يعني: الاستذكار في المواقيت. وحدثنا عبد اللَّه بن محمد بن راشد حدثنا حمزة بن محمد بن علي حدثنا أحمد بن =
[ ٢ / ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = شعيب النسوي، حدثنا سويد بن نضر حدثنا عبد اللَّه -يعني: ابن المبارك- عن سليمان بن مغيرة عن ثابت بن عبد اللَّه بن رباح عن أبي قتادة أن رسول اللَّه قال: "ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" مسلم (رقم ٦٨١) الترمذي (رقم ١١٧) أبو داود (رقم ٤٣٧). فقد سمى رسول اللَّه من فعل هذا مفرطا، والمفرط ليس بمعذور وليس كالنائم والناسي عند الجميع من جهة العذر، وقد أجاز رسول اللَّه صلاته على ما كان عليه من تفريطه. وقد روي في حديث أبي قتادة هذا أن رسول اللَّه قال: "وإذا كان الغد فليصلها لميقاتها" مسلم (رقم ٦٨١). وهذا أبعد وأوضح في أداء المفرط للصلاة عند الذكر وبعد الذكر، وحديث أبي قتادة هذا صحيح الإسناد إلا أن هذا المعنى قد عارضه حديث عمران بن الحصين في نوم رسول اللَّه في صلاة الصبح بسفره وفيه: قالوا: يا رسول اللَّه إلا نصليها لميقاتها من الغد؟ قال: "لا إن اللَّه لا ينهاكم عن الربا ثم يقبله منكم" مسند أحمد (٤/ ٤٤١). وروي من حديث أبي هريرة عن النبي مثله، وقد ذكرنا الأسانيد بذلك كله في التمهيد. وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثقفي وهو مذكور في الصحابة قال: قدم وفد ثقيف على رسول اللَّه فجعلوا يسألونه فلم يصل يومئذ الظهر إلا مع العصر. وأقل ما في هذا أنه أخرها عن وقتها الذي كان يصليها فيه لشغل اشتغل به. وعبد الرحمن بن علقمة من ثقات التابعين وكبارهم. وقد أجمع العلماء على أن من ترك الصلاة عامدًا حتى يخرج وقتها عاص للَّه، وذكر بعضهم أنها كبيرة من الكبائر، وأجمعوا على أن على العاصي أن يتوب من ذنبه بالندم عليه واعتقاد ترك العود، إليه قال اللَّه تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] ومن لزمه حق اللَّه أو لعباده لزمه الخروج منه وقد شبه رسول اللَّه حق اللَّه -﷿- بحقوق الآدميين وقال: "دين اللَّه أحق أن يقضى" البخاري (رقم ١٩٥٣) مسلم (رقم ١١٤٨). والعجب من هذا الظاهري في نقضه أصله بجهله وحبه لشذوذه، وأصل أصحابه فيما وجب من الفرائض بإجماع أنه لا يسقط إلا بإجماع مثله، أو سنة ثابتة لا ينازع في قبولها والصلوات المكتوبات واجبات بإجماع، ثم جاء من الاختلاف شذوذ خارج عن أقوال علماء الأمصار فاتبعه دون سنة رويت في ذلك وأسقط به الفريضة المجمع على وجوبها ونقض أصله ونسي نفسه. ثم ذكر أن مذهب داود وأصحابه وجوب قضاء الصلاة إذا فوتها عمدًا ثم قال: فهذا =
[ ٢ / ١٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قول داود وهو وجه أهل الظاهر. وما أرى هذا الظاهري إلا وقد خرج عن جماعة العلماء من السلف والخلف وخالف جميع فرق الفقهاء وشذ عنهم ولا يكون إمامًا في العلم من أخذ بالشاذ من العلم وقد أوهم في كتابه أن له سلفًا من الصحابة والتابعين تجاهلًا منه فذكر عن ابن مسعود ومسروق وعمر بن عبد العزيز في قوله: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] أن ذلك عن مواقيتها ولو تركوها لكانوا بتركها كفارًا وهو لا يقول بتكفير تارك الصلاة عمدًا إذا أبي إقامتها ولا بقتله إذا كان مقرًا بها فقد خالفهم فكيف يحتج بهم على أنه معلوم أن من قضى الصلاة، فقد تاب من تضييعها قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢] ولا تصح لمضيع الصلاة توبة إلا بأدائها كما لا تصح التوبة من دين الآدمي إلا بأدائه، ومن قضى صلاة فرط فيها فقد تاب وعمل صالحًا واللَّه لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وذكر عن سلمان أنه قال: الصلاة مكيال فمن وفاه وفي له، ومن طففه قد علمتم ما قاله اللَّه في المطففين. وهذا لا حجة فيه لأن الظاهر من معناه أن المطفف قد يكون من لم يكمل صلاته بركوعها وسجودها وحدودها وإن صلاها في وقتها. وذكر عن ابن عمر أنه قال: لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها. وكذا نقول: لا صلاة له كاملة الأجزاء كما جاء: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" سنن البيهقي (٣/ ١١١ و١٧٤) "ولا إيمان لمن لا أمانة له" مسند أحمد (٣/ ١٣٥) ومن قضى الصلاة فقد صلاها وتاب من نسي عمله بتركها وكل ما ذكر في هذا المعنى فغير صحيح ولا له في شيء منه حجة لأن ظاهره خلاف ما تأوله. فصل في حجج المانعين من صحة قضاء الصلاة المتروكة عمدًا. قال المانعون من صحتها بعد الوقت وقبولها: لقد أرعدتم وأبرقتم ولم تنصفونا في حكاية قولنا على وجهه ولا في نقلنا مذاهب السلف ولا في حججنا؛ فإنا لم نقل قط ولا أحد من أهل الإسلام أنها سقطت من ذمته بخروج وقتها وأنها لم تبق واجبة عليه حتى تجلبوا علينا بما أجلبتم وتشنعوا علينا بما شنعتم بل قولنا وقول من حكينا قوله من الصحابة والتابعين أشد على مؤخر الصلاة ومفوتها من قولكم؛ فإنه قد تحتمت عقوبته وباء بإثم لا سبيل له إلى استدراكه إلا بتوبة يحدثها وعمل يستأنفه. وقد ذكر من الأدلة ما لا سبيل لكم إلى رده فإن وجدتم السبيل إلى الرد فأهلًا بالعلم أين كان ومع من كان فليس القصد إلا طاعة اللَّه وطاعة رسوله ومعرفة ما جاء به. ونحن نبين ما في كلامكم من مقبول ومردود. فأما قولكم: أن سرور ابن عباس بتلك الصلاة التي صلاها بعد طلوع الشمس لأنه =
[ ٢ / ١٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كان سببًا إلى أن أعلم رسول اللَّه أصحابه المبلغين عنه إلى سائر أمته: بأن مراد اللَّه من عباده في الصلاة وإن كانت مؤقتة أن من لم يصلها في وقتها يقضيها أبدًا ناسيًا كان لها أو نائما أو متعمدًا لتركها، فهذا ظن محض منكم أن ابن عباس أراده ومعلوم أن كلامه لا يدل على ذلك بوجه من وجوه الدلالة ولا هو يشعر به، ولعل ابن عباس إنما سر بها ذلك السرور العظيم لكونه صلاها مع رسول اللَّه وأصحابه وفعل مثل ما فعلوا وحصل له سهمان من الأجر كما حصل للصحابة وخص تلك الصلاة بذلك تنبيهًا للسامع أنها مع كونها ضحى قد فعلت بعد طلوع الشمس فلا يظن أنها ناقصة وأنها لا أجر فيها في يسرني بها الدنيا وما فيها. وليس ما فهمتموه عن ابن عباس أولى من هذا الفهم، ولعله أراد أن ذلك من رحمة اللَّه بالأمة ليقتدي به من نام عن الصلاة ولم يفرط بتأخيرها فمن اين يدل كلامه هذا على أن سروره بتلك الصلاة لأنها تدل على أن من لم يصل وأخر صلاة الليل إلى النهار عمدًا وصلاة النهار إلى الليل أنها تصح منه وتقبل وتبرأ بها ذمته وإن فهم هذا من كلام ابن عباس لمن اعجب العجب فأخبرونا كيف وقع لكم هذا الفهم من كلامه وبأي طريق فهمتموه فصل في الكلام عن النسيان وأنواعه. وأما قولكم: إن النسيان في لغة العرب هو الترك كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] إلخ فنعم لعمر اللَّه إن النسيان في القرآن على وجهين نسيان ترك ونسيان سهو، ولكن حمل الحديث على نسيان الترك عمدًا باطل لأربعة أوجه: أحدها: أنه قال: "فليصلها إذا ذكرها" الموطأ (١/ ١٣)، وهذا صريح في أن النسيان في الحديث نسيان سهو لا نسيان عمد وإلا كان قوله إذا ذكرها كلامًا لا فائدة فيه فالنسيان إذا قوبل بالذكر لم يكن إلا نسيان سهو كقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وقوله: "إذا نسيت فذكروني" البخاري (رقم ١٩٣٣) مسلم (رقم ١١٥٥). الثاني: أنه قال فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها ومعلوم أن من تركها عمدًا لا يكفر عنه فعلها بعد الوقت إثم التفويت هذا مما لا خلاف فيه بين الأمة ولا يجوز نسبته إلى رسول اللَّه إذ يبقى معنى الحديث من ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها فكفارة إثمه صلاتها بعد الوقت، وشناعة هذا القول أعظم من شناعتكم علينا القول بأنها لا تنفعه ولا تقبل منه فأين هذا من قولكم. الثالث: أنه قابل الناسي في الحديث بالنائم وهذه المقابلة تقتضي أنه الساهي كما يقول جملة أهل الشرع النائم والناسي غير مؤاخذين. الرابع: أن الناسي في كلام الشارع إذا علق به الإحكام لم يكن مراده إلا الساهي، وهذا مطرد في جميع كلامه كقوله: "من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنما أطعمه اللَّه"، مسلم (رقم ٥٧٢). =
[ ٢ / ١٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فصل في الكلام عن متعمد تأخير الصلاة والناسي: وأما قولكم: وسوَّى اللَّه سبحانه في حكمهما، أي: حكم العامد والناسي على لسان رسوله بين حكم الصلاة المؤقتة والصيام المؤقت في شهر رمضان بأن كل واحد منهما يقضى بعد خروج وقته فنص على النائم والساهي في الصلاة كما وصفنا، ونص على المريض والمسافر في الصوم واجتمعت الأمة ونقلت الكافة: فيمن لم يصم شهر رمضان عامدًا وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشرًا وبطرًا ثم تاب منه أن عليه قضاءه إلى آخره فجوابه من وجوه: أحدها: قولكم إن اللَّه ﷾ سوَّى بينهما، أي: بين العامد والناسي، فكلام باطل على إطلاقه في سوى اللَّه سبحانه بين عامد وناس أصلًا، وكلامنا في هذا العامد العاصي الآثم المفرط غاية التفريط فأين سوَّى اللَّه سبحانه بين حكمهما في صلاة أو صيام. وقولكم فنص على النائم والناسي في الصلاة كما وصفنا، قد تقدم أن النسيان المذكور في الصلاة لا يصح حمله على العمد بوجه، وأن الذي نص عليه في الحديث هو نسيان السهو الذي هو نظير النوم فلا تعرض فيه للعامد. وأما نصه على المريض والمسافر في الصوم فهما وإن أفطرا عامدين فلا يمكن أخذ حكم تارك الصلاة عمدًا من حمكها وما سوى اللَّه ولا رسوله بين تارك الصلاة عمدًا أو أشرًا حتى يخرج وقتها وبين تارك الصوم لمرض أو سفر حتى يؤخذ حكم أحدهما من الآخر فمؤخر الصوم في المرض والسفر كمؤخر الصلاة لنوم أو نسيان، وهذان هما اللذان سوَّى اللَّه ورسوله بين حكمهما، نص اللَّه على حكم المريض والمسافر في الصوم المعذورين ونص رسول اللَّه على حكم النائم والنادي في الصلاة المعذورين، فقد استوى حكمهما في الصوم والصلاة، ولكن أين استوى حكم العامد المفرط الآثم والمريض والمسافر والنائم والناسي المعذورين يوضحه أن الفطر بالمرض قد يكون واجبًا بحيث يحرم عليه الصوم والفطر في السفر إما واجب عند طائفة من السلف والخلف أو أنه افضل من الصوم عند غيرهم، أو هما سواء أو الصوم أفضل منه لمن لا يشق عليه عند آخرين. وعلى كل تقدير فإلحاق تارك الصلاة والصوم عمدًا وعدوانًا به من أفسد الإلحاق وأبطل القياس وهذا مما لا خفاء به عند كل عالم. وقولكم: إن الأمة اجتمعت والكافة نقلت أن من لم يصم شهر رمضان عامدًا أشرًا أو بطرًا ثم تاب منه فعليه قضاؤه فيقال لكم أوجدونا عشرة من أصحاب رسول اللَّه ممن دونهم صرح بذلك ولن تجدوا إليه سبيلًا، وقد أنكر الأئمة كالإمام أحمد والشافعي وغيرهما دعوى هذه الإجماعات التي حاصلها عدم العلم بالخلاف لا العلم بعدم =
[ ٢ / ١٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الخلاف؛ فإن هذا مما لا سبيل إليه إلا فيما علم بالضرورة أن الرسول جاء به، وأما ما قامت الأدلة الشرعية عليه فلا يجوز لأحد أن ينفي حكمه لعدم علمه بمن قال به؛ فإن الدليل يجب اتباع مدلوله وعدم العلم بمن قال به لا يصح أن يكون معارضًا بوجه ما، فهذا طريق جميع الأئمة المقتدى بهم، قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللَّه: من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا هذه دعوى بشر المريسي والأصم ولكن يقول: لا نعلم للناس اختلافًا إذا لم يبلغه. وقال في رواية المروزي كيف يجوز للرجل أن يقول: أجمعوا، إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم لو قال: إني لا أعلم مخالفًا كان أسلم. وقال في رواية أبي طالب: هذا كذب ما اعلمه أن الناس مجمعون، ولكن يقول: ما أعلم فيه اختلافًا فهو أحسن من قوله: أجمع الناس. وقال في رواية أبي الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع لعل الناس اختلفوا. وقال الشافعي في أثناء مناظرته لمحمد بن الحسن: لا يكون لأحد أن يقول: أجمعوا حتى يعلم إجماعهم في البلدان، ولا يقبل على أقاويل من نأت داره منهم ولا قربت إلا خبر الجماعة عن الجماعة، فقال لي: تضيق هذا جدًّا قلت له: وهو مع ضيقه غير موجود. وقال في موضع آخر: وقد بين ضعف دعوى الإجماع وطالب من يناظره بمطالبات عجز عنها فقال له المناظر: فهل من إجماع؟ قلت: نعم الحمد للَّه كثيرًا في كل الفرائض التي لا يسع جهلها، وذلك الإجماع هو الذي إذا قلت: أجمع الناس لم تجد أحدًا يقول لك ليس هذا بإجماع، فهذه الطريق التي يصدق بها من ادعى الإجماع فيها. وقال بعد كلام طويل حكاه في مناظرته: أو ما كفاك عيب الإجماع أنه لم يرو عن أحد بعد رسول اللَّه دعوى الإجماع إلا فيما لم يختلف فيه أحد إلى أن كان أهل زمانك هذا، قال له المناظر: فقد ادعاه بعضكم، قلت: أفحمدت ما ادعى منه، قال: لا قلت: فكيف صرت إلى أن تدخل فيما زعمت في أكثر ما عبت الاستدلال من طريق عن الإجماع وهو ترك ادعاء الإجماع؛ فلا تحسن النظر لنفسك إذا قلت: هذا إجماع فتجد حولك من يقول لك: معاذ اللَّه أن يكون هذا إجماعًا. وقال الشافعي في رسالته: ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعًا، فهذا كلام أئمة أهل العلم في دعوى الإجماع كما ترى. فلنرجع إلى المقصود فنقول: من قال من أصحاب رسول اللَّه إن من ترك الصلاة عمدًا لغير عذر حتى خرج وقتها أنها تنفعه بعد الوقت وتقبل وتبرأ ذمته؛ فاللَّه يعلم أنا لم نظفر على صاحب واحد منهم قال ذلك، وقد نقلنا عن الصحابة والتابعين ما تقدم =
[ ٢ / ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حكايته. وقد صرح الحسن بما قلناه، فقال محمد بن نصر المروزي في كتابه في الصلاة (رقم ١٠٧٨) حدثنا إسحاق حدثنا النضر عن الأشعت عن الحسن قال: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدًا فإنه لا يقضيها. قال محمد: وقول الحسن هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمدًا فلذلك لم يرد عليه القضاء لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره. والثاني: أنه لم يكفره بتركها وأنه ذهب إلى أن اللَّه -﷿-، إنما فرض أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم، فإذا تركها حتى ذهب وقتها فقد لزمته المعصية لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه فيه؛ فإذا أتى به بعد ذلك فإنما أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه فيه؛ فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به عن المأمور به، وهذا قول غير مستنكر في النظر لولا أن العلماء قد أجمعت على خلافه. قال: ومن ذهب إلى هذا قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها وفي النائم أيضًا لو لم يأت الخبر عن النبي أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا استيقظ" راجع البخاري (رقم ٥٩٧) مسلم (رقم ٦٨٤) وذكر أنه نام عن صلاة الغداة فقضاها بعد ذهاب الوقت لما وجب عليه في النظر قضاؤها أيضًا فلما جاء الخبر عن النبي بذلك وجب علي قضاؤها وبطل حظ النظر. فقد نقل محمد الخلاف صريحًا وظن أن الأمة أجمعت على خلافه وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يرى أن الإجماع ينعقد بعد الخلاف. والثاني: أنه لايرى خلاف الواحد قادحًا في الإجماع. وفي المسألتين نزاع معروف. وأما قوله: إن القياس يقتضي أن لا يقتضي النائم والناسي لولا الخبر فليس كما زعمتم لأن وقت النائم والناسي هو وقت ذكره وانتباهه لا وقت له غير ذلك كما تقدم واللَّه أعلم. وأما قولكم: إن الكافة نقلت والأمة أجمعت أن من لم يصم شهر رمضان أشرًا وبطرًا أن عليه قضاءه فأين النقل بذلك إذا جاء عن أصحاب رسول اللَّه وقد روى عنه أهل السنن أبو داود (رقم ٢٣٩٦) الترمذي (رقم ٧٢٣) ابن ماجة (رقم ١٦٧٢) والإمام أحمد في مسنده ٢/ ٣٨٦ من حديث أبي هريرة: "من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر وإن صامه"، فهذه الرواية المعروفة فأين الرواية عنه أو عن أصحابه: "من أفطر رمضان أو بضعه أجزأ عنه أن يصوم مثله". =
[ ٢ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما قولكم: إن الصلاة والصيام دين ثابت يؤدي أبدًا وإن خرج الوقت المؤجل لما لقول رسول اللَّه "دين اللَّه أحق أن يقضى" البخاري (رقم ١٩٠٣) مسلم (رقم ١١٤٨). فنقول: هذا الدليل مبني على مقدمتين. إحداهما: إن الصلاة والصيام دين ثابت في ذمة من تركهما عمدًا، والمقدمة الثانية أن هذا الدين قابل للأداء فيجب أداؤه. فأما المقدمة الأولى؛ فلا نزاع فيها ولا نعلم أن أحدًا من أهل العلم قال بسقوطها من ذمته بالتأخير ولعلكم توهمتم علينا أنا نقول بذلك وأخذتم في الشناعة علينا وفي التشغيب ونحن لم نقل ذلك ولا أحد من أهل الإسلام. وأما المقدمة الثانية؛ ففيها وقع النزاع وأنتم لم تقيموا عليها دليلًا فادعاؤكم لها هو دعوى محل النزاع بعينه جعلتموه مقدمة من مقدمات الدليل وأثبتم الحكم بنفسه؛ فمنازعوكم يقولون: لم يبق للمكلف طريق إلى استدراك هذا الفائت، وإن اللَّه تعالى لا يقبل أداء هذا الحق إلا في وقته وعلى صفته التي شرعه عليها، وقد أقاموا على ذلك من الأدلة ما قد سمعتم، في الدليل على أن هذا الحق قابل للأداء في غير وقته المحدود له شرعًا وأنه يكون عبادة بعد خروج وقته. وأما قوله: "اقضوا اللَّه فاللَّه أحق بالقضاء" البخاري (رقم) وقوله: "دين اللَّه أحق أن يقضى" البخاري (رقم ١٩٠٣) مسلم (رقم ١١٤٨) فهذا إنما قاله في حق المعذور لا المفرط. ونحن نقول: في مثل هذا الدين يقبل القضاء وأيضًا فهذا إنما قاله رسول اللَّه في النذر المطلق الذي ليس له وقت محدود الطرفين ففي الصحيحين من حديث ابن عباس أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: "أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يودي ذلك عنها" قالت: نعم، قال: "فصومي عن أمك" البخاري (رقم ١٩٠٣) مسلم (رقم ١١٤٨). وفي رواية أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن نجاها اللَّه أن تصوم شهرًا فأنجاها اللَّه ﷾ فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إلى رسول اللَّه فذكرت ذلك فقال: "صومي عنها" رواه أهل السنن أبو داود (رقم ٣٣٠٨) النسائي (رقم ٣٨١٦). وكذلك جاء منه الأمر بقضاء هذا الدين في الحج الذي لا يفوت وقته إلا بنفاد العمر ففي المسند (٤/ ٥) والسنن النسائي (رقم ٣٦٣٥) من حديث عبد اللَّه بن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول اللَّه فقال: إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ لا يستطيع ركوب رحل والحج مكتوب عليه أفأحج عنه قال: "أنت أكبر ولده" قال: نعم، قال: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان ذلك يجزيء عنه" قال: نعم قال: "فحج عنه". =
[ ٢ / ١٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعن ابن عباس: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا اللَّه فاللَّه أحق بالوفاء"، متفق على صحته البخاري (رقم ٦٦٩٩) وراجع مسلم (رقم ١٣٣٤ و١٣٣٥). وعن ابن عباس أيضًا قال: أتى النبي رجل فقال: إن أبي مات وعليه حجة الإسلام أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو أن أباك ترك دينًا عليه فقضيته كان يجزئ عنه" قال: نعم، قال: "فحج عن أبيك" رواه الدارقطني (٢/ ٢٦٠). ونحن نقول في مثل هذا الدين القابل للأداء: دين اللَّه أحق أن يقضى؛ فالقضاء المذكور في هذه الأحاديث ليس بقضاء عبادة مؤقتة محدودة الطرفين وقد جاهر بمعصيته اللَّه ﷾ بتفويتها بطرًا وعدوانًا فهذا الدين مستحقه لا يعتد به ولا يقبله إلا على صفته التي شرعه عليها ولهذا لو قضاه على غير تلك الصفة لم تنفعه. فصل في الفرق بالقياس بين النائم والناسي وبين المتعمد: قولكم: وإذا كان النائم والناسي للصلاة وهما معذوران يقضيانها بعد خروج وقتها كان المتعمد لتركها أولى. فجوابه من وجوه: أحدها: المعارضة بما هو أصح منه أو مثله وهو أن يقال: لا يلزم من صحة القضاء بعد الوقت من المعذور المطيع للَّه ورسوله الذي لم يكن منه تفريط في فعل ما أمر به وقبوله منه صحته وقبوله منه متعد لحدود اللَّه مضيع لأمره تارك لحقه عمدًا وعدوانًا، فقياس هذا على هذا في صحه العبادة وقبولها منه وبراء الذمة بها من أفسد القياس. الوجه الثاني: إن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها بل في نفس وقتها الذي وقته اللَّه له فإن الوقت في حق هذا حين يستيقظ ويذكر كما قال: "من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها" رواه البيهقي السنن (٢/ ٢١٩) والدارقطني (١/ ٤٢٣) وقد تقدم. فالوقت وقتان: وقت اختيار ووقت عذر فوقت المعذور بنوم أو سهو هو وقت ذكره واستيقاظه؛ فهذا لم يصل الصلاة إلا في وقتها فكيف يقاس عليه من صلاها في غير وقتها عمدًا وعدوانًا. الثالث: إن الشريعة قد فرقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي وبين المعذور وغيره وهما مما لا خفاء به، فإلحاق أحد النوعين بالآخر غير جائز. الرابع: إنا لم نسقطها عن العامد المفرط ونأمر بها المعذور حتى يكون ما ذكرتم حجة علينا، بل ألزمنا بها المفرط المتعدي على وجه لا سبيل له إلى استدراكها تغليظًا عليه وجوزنا قضاءها للمعذور غير المفرط. =
[ ٢ / ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما استدلالكم بقول: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" البخاري (رقم ٥٧٩) مسلم (رقم ٦٠٨) في أصحه من حديث، وما أراه على مقتضى قولكم؛ فإنكم تقولون: هو مدرك العصر ولو لم يدرك من وقتها شيئًا البتة، بمعنى إنه مدرك لفعلها صحيحة منه مبرئة لذمته فلو كانت تصح بعد خروج وقتها وتقبل منه لم يتعلق من مبرئة لذمته، فلو كانت تصح بعد خروج وقتها وتقبل منه لم يتعلق إدراكها بركعة، ومعلوم أن النبي لم يرد أن من أدرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إثم بل هو آثم بتعمد ذلك اتفاقًا، فإنه أمر أن يوقع جميعها في وقتها فعلم أن هذا الإدراك لا يرفع الإثم بل هو مدرك آثم فلو كانت تصح بعد الغروب لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت أو لا يدرك شيئًا منه شيئًا. فإن قلتم: إذا أخرها إلى بعد الغروب كان أعظم أثرًا. قيل لكم: النبي لم يفرق بين إدراك الركعة وعدمها في كثرة الإثم وخفته وإنما فرق بينهما في الإدراك وعدمه، ولا ريب أن المفوت لمجموعها في وقت أعظم من المفوت، لأكثرها والمفوت لأكثرها فيه أعظم من المفوت لركعة منها فنحن نسألكم ونقول: ما هذا الإدراك الحاصل بركعة أهذا إدراك يرفع الإثم، فهذا لا يقوله أحد، أو إدراك يقتضي الصحة فلا فرق فيه بين أن يفوتها بالكلية أو يفوتها إلا ركعة منها. فصل في عدم صحة الاحتجاج بتأخير النبي للصلاة يوم الخندق: وأما احتجاجكم بتأخير النبي لها يوم الخندق من غير نوم ولا نسيان ثم قضاها، فيقال: ياللَّه العجب لو أتينا نحن بمثل هذا لقامت قيامتكم وأقمتم قيامتنا بالتشنيع علينا فكيف تحتجون على تفويت صاحبه عاص للَّه آثم متعد لحدود مستوجب لعقابه بتفويت صدر من أطوع الخلق للَّه وأرضاهم له وأتبعهم لأمره وهو مطيع للَّه في ذلك التأخير متبع مرضاته فيه، وذلك التأخير منه صلوات اللَّه وسلام عليه إما أن يكون نسيانًا منه أو يكون أخرها عمدًا، وعلى التقديرين فلا حجة لكم فيه بوجه فإنه إن كان نسيانًا فنحن وسائر الأمة نقول بموجبه، وأن الناسي يصليها متى ذكرها وإن كان عامدًا فهو تأخير لها من وقت إلى وقت أذن فيه، كتأخير المسافر والمعذور الظهر إلى وقت العصر والمغرب إلى وقت العشاء. وقد اختلف الناس فيمن أدركته الصلاة وهو مشغول بقتال العدو على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يصلي حال القتال على حسب حاله ولا يؤخر الصلاة، قالوا: والتأخير يوم الخندق منسوخ، وهذا هو مذهب الإمام الشافعي والإمام مالك والإمام أحمد في المشهور عنه من مذهبه. الثاني: أنها تؤخر كما أخر النبي يوم الخندق وهذا مذهب أبي حنيفة. والأولون يجيبون على هذا بأنه كان قبل أن تشرع صلاة الخوف فلما شرعت صلاة =
[ ٢ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الخوف لم يؤخرها بعد ذلك في غزاة واحدة. والحنفية تجيب عن ذلك بأن صلاة الخوف إنما شرعت على تلك الوجوه ما لم يلتحم القتال؛ فإنهم يمكنهم أن يصلوا صلاة الخوف كما أمر اللَّه سبحانه بأن يقوموا صفين صفًا يصلون وصفا يحرسون وأما حال الالتحام فلا يمكن ذلك؛ فالتأخير وقع حال الاشتغال بالقتال وصلاة الخوف شرعت حال المواجهة قبل الاشتغال بالقتال وهذا له موضع وهذا في القول كما ترى. وقالت طائفة ثالثة: يخير بين تقديمها والصلاة على حسب حاله وبين تأخيرها حتى يتمكن من فعلها، وهذا مذهب جماعة من الشاميين وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد لأن الصحابة فعلوا هذا، وهذا في قصة بني قريظة كما سنذكرها بعد هذا إن شاء اللَّه تعالى، وعلى الأقوال الثلاثة فلا حجة للعاصي المفرط المعتدي الذي قد باء بعقوبة اللَّه وإثم التفويت في ذلك بوجه من الوجوه وباللَّه التوفيق. فصل في الكلام على صلاة العصر في بني قريظة. وبهذا خرج الجواب عن استدلالكم بتأخير الصحابة العصر إلى بعد غروب الشمس عمدًا حين قال النبي: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" البخاري (رقم ٩٤٦) مسلم (رقم ١٧٧٠) فأدركت طائفة الصلاة في الطريق فقالوا: لم يرد منا تأخيرها فصلوها في الطريق وأبت طائفة أخرى أن تصليها إلا في بني قريظة فصلوها بعد العشاء في عنف رسول اللَّه واحدة من الطائفتين؛ فإن الذين أخروها كانوا مطيعين لرسول اللَّه معتقدين وجوب ذلك التأخير وأن وقتها الذي أمروا به حيث أدركهم في بني قريظة فكيف يقاس العاصي المتعدي لحدود اللَّه على المطيع له الممتثل لأمره فهذا من أبطل قياس في العالم وأفسده، وباللَّه التوفيق. وقد فضلت طائفة من العلماء الذين أخروها إلى بني قريظة على الذين صلوها في الطريق، قالوا: لأنهم امتثلوا أمر رسول اللَّه على الحقيقة، والآخرون تأولوا فصلوها في الطريق. فصل في الفرق بين التأخير في الصلوات القابلة للجمع وغيرها: وأما استدراكم بأمر النبي أن تصلي نافلة مع الأمراء الذين كانوا يضيعون الصلاة عن وقتها ويصلونها في غير الوقت؛ فلا حجة فيه لأنهم لم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل ولا صلاة الليل إلى النهار، بل كانوا يؤخرون صلاة الظهر إلى وقت العصر، وربما كانوا يؤخرون العصر إلى وقت الأصفرار. ونحن نقول: إنه متى أخر إحدى صلاتي الجمع إلى وقت الأخرى صلاها في وقت الثانية، وإن كان غير معذور وكذلك إذا أخر العصر إلى الاصفرار بل إلى أن يبقى منها قدر ركعة؛ فإنه يصليها بالنص، وقد جمع النبي بالمدينة من غير خوف ولا مطر =
[ ٢ / ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أراد أن لا يحرج أمته مسلم (رقم ٧٠٥) الموطأ (١/ ١٤٤) فهذا التأخير لا يمنع صحة الصلاة. وأما قولكم: قد أجاز رسول اللَّه صلاة من أخر الظهر إلى وقت العصر مع تفريطه في خروج وقت الظهر. فجوابه: إن الوقت مشترك بين الصلاتين في الجملة، وقد جمع رسول اللَّه بالمدينة من غير خوف ولا مرض وهذا لا ينازع فيه ولكن هل أجاز رسول اللَّه صلاة الصبح في وقت الضحى من غير نوم لا نسيان؟ وأما قولكم: وقد روي من حديث أبي قتادة: أن رسول اللَّه قال فيمن نام عن صلاة الصبح: "وإذا كان الغد فليصلها لميقاتها" مسلم (رقم) إن هذا أوضح في أداء المفرط للصلاة عند الذكر وبعد الذكر وهو حديث صحيح الإسناد، فيا للَّه العجب أين في هذا الحديث ما يدل بوجه من وجوه الدلالة نصها أو ظاهرها أو إيمائها على أن العاصي المتعدي لحدود اللَّه بتفويت الصلاة عن وقتها تصح منه بعد الوقت وتبرأ ذمته منها وهو أهل أن تقبل منه وكأنكم فهمتم من قوله: "فإذا كان الغد فليصلها لميقاتها" أمره بتأخيرها إلى الغد وهذا باطل قطعًا لم يرده رسول اللَّه، والحديث صريح في إبطاله؛ فإنه أمره أن يصليها إذا استيقظ أو ذكرها، ثم روي في تمام الحديث هذه الزيادة وهي قوله: "فإذا كان من الغد فليصلها لميقاتها"، وقد اختلف الناس في صحة هذه الزيادة ومعناها فقال بعض الحفاظ: هذه الزيادة وهم من عبد اللَّه بن رباح الذي روى الحديث عن أبي قتادة أو من أحد الرواة وقد روي عن البخاري أنه قال: لا يتابع في قوله: فليصل إذا ذكرها لوقتها من الغد. وقد روى الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٤١) عن عمران بن حصين قال: سرت مع رسول اللَّه فلما كان من آخر الليل عرسنا، فلم نستيقظ حتى ألحقتنا الشمس فجعل الرجل يقوم دهشًا إلى طهوره، فأمرهم النبي أن يسكنوا ثم ارتحل فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس توضأ ثم أمر بلالًا فأذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر ثم أقام فصلينا، فقالوا: يا رسول اللَّه إلا نعيدها في وقتها من الغد؟ قال: "أينهاكم ربكم ﵎ عن الربا وبقبله منكم". قال الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد المقدسي: وفي هذا دليل على ما قال البخاري؛ لأن عمران بن الحصين كان حاضرًا ولم يذكر ما قال عبد اللَّه بن رباح عن أبي قتادة، راجع: المغني (٢/ ٣٤٨) وعندي أنه لا تعارض بين الحديثين ولم يأمر رسول اللَّه بإعادتها من الغد، وإنما الذي أمر به فعل الثانية في وقتها، وأن الوقت لم يسقط بالنوم والنسيان بل عاد إلى ما كان عليه، واللَّه أعلم. قوله: وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثقفي قال: قدم وفد ثقيف على رسول اللَّه =
[ ٢ / ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فجعلوا يسألونه فلم يصل يومئذ الظهر إلا مع العصر إلى آخره. وقد تقدم جواب هذا وأمثاله مرارًا وأن هذا التأخير كان طاعة للَّه تعالى وقربة وغايته أنه جمع بين الصلاتين لشغل مهم من أمور المسلمين، فكيف يصح إلحاق تأخير المتعدي لحدود اللَّه به ولقد ضعفت مسألة تنصر بمثل هذا. قوله وليس ترك الصلاة حتى يخرج وقتها عمدًا مذكورًا عند الجمهور في الكبائر. فيقال: يا للَّه العجب وهل تقبل هذا المسألة نزاعًا وهل ذلك إلا من أعظم الكبائر، وقد جعل رسول اللَّه تفويت صلاة العصر محبطًا للعمل، فأي كبيرة تقوى على إحباط العمل سوى تفويت الصلاة. وقد قال عمر بن الخطاب -﵁-: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر، ولم يخالفه صحابي واحد في ذلك بل الآثار الثابتة الصحابة كلها توافق ذلك. هذا، والجامع بين الصلاتين قد صلاهما في وقت إحداهما للعذر فم إذا نقول فيمن صلى الصبح في وقت الضحى عمدًا وعدوانًا والعصر نصف الليل من غير عذر، وقد صرح الصديق أن اللَّه لا يقبل هذه الصلاة ولم يخالف الصديق صحابي واحد. وقد توعد اللَّه سبحانه بالويل والغي لمن سها عن صلاته وأضاعها، وقد قال الصحابة وهم أعلم الأمة بتفسير الآية إن ذلك تأخيرها عن وقتها كما تقدم حكايته. ويا للَّه العجب أي كبيرة أكبر من كبيرة تحبط العمل وتجعل الرجل بمنزلة من قد وتر أهله وماله، وإذا لم يكن تأخير صلاة النهار إلى الليل وتأخير صلاة الليل إلى النهار من غير عذر من الكبائر، لم يكن فطر شهر رمضان من غير عذر وصوم شوال بدله من الكبائر، ونحن نقول: بل ذلك أكبر من كل كبيرة بعد الشرك باللَّه ولأن يلقى اللَّه العبد بكل ذنب ما خلا الشرك به خير له من أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى النهار عدوانًا عمدًا بلا عذر. وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن سليمان بن يسار عن المسور بن مخرمة: أنه دخل مع ابن عباس على عمر حين طعن فقال ابن عباس يا أمير المؤمنين الصلاة، فقال: أجل أصلي إنه لا حظ في الإسلام لمن أضاع الصلاة، سنن الدارقطني ٢/ ٥٢ وتعظيم قدر الصلاة (رقم ٩٢٥). وقال إسماعيل ابن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر وعمر كانا يعلمان الناس الإسلام تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة التي افترض اللَّه بمواقيتها؛ فإن في تفريطها الهلكة، تعظيم قدر الصلاة (رقم ٩٣٢). وقال محمد بن نصر المروزي: وسمعت إسحاق يقول: صح عن رسول اللَّه: "أن تارك الصلاة كافر" وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي إلى يومنا هذا: أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر، وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى =
[ ٢ / ١٨٨ ]
ودخل في قولنا مكلف من أسلم بدار الحرب ولم يفعل، وهو كذلك، والمستحاضة تتركها مدة استحاضتها جهلًا، وهو كذلك على مذهب المدونة، ولابن شعبان السقوط.
تكميل:
أشعر قوله: (وجب قضاء فائتة) بأنه لا يتركه، ويتنفل، وبه أفتى ابن
_________________
(١) = غروب الشمس والمغرب إلى طلوع الفجر، وإنما جعل آخر أوقات الصلاة بما ذكرنا؛ لأن النبي جمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة وفي السفر فصلى إحداهما في وقت الأخرى، فلما جعل النبي الأولى منهما وقتًا للأخرى في حال والأخرى وقتًا للأولى في حال صار وقتاهما وقتًا واحدًا في حال العذر كما أمرت الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس أن تصلي الظهر والعصر وإذا طهرت آخر الليل أن تصلي المغرب والعشاء تعظيم قدر الصلاة (رقم ٩٩٠). وإذا كان صلاة الذي: "يؤخر العصر حتى تصير الشمس بين قرني الشيطان صلاة المنافق" بنص رسول اللَّه مسلم (رقم ٦٢٢) في يقول بأبي هو وأمي صلوات اللَّه عليه وسلامه لمن يصليها بعد العشاء وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فإذا اجتنب الرجل كبائر المنهيات واستمر على صلاة الصبح في وقت الضحى والعصر بعد العشاء كان على قولكم مغفورًا له غير آثم البتة وهذا لا يقوله أحد. قوله: والعجب من هذا الظاهري كيف نقض أصله؛ فإنه يقول: ما وجب بإجماع فإنه لا يسقط إلا بالإجماع، فيقال: غاية هذا أن منازعكم تناقض فلا يكون تناقضه مصححًا لقولكم وإن أردتم بذلك الاستدلال بالاستصحاب وأن الصلاة كانت في ذمته بإجماع فلا تسقط إلا بإجماع وهو مفقود، قيل لكم: ومن ذا الذي قال بسقوطها من ذمته بالتأخير وأن ذمته قد برئت منها، فمن قال بهذا فقوله أظهر بطلانا من أن نحتاج إلى دليل عليه. والذي يقول منازعوكم: إنها قد استقرت في ذمته على وجه لا سبيل له إلى أدائها واستدراكها إلا بعود ذلك الوقت بعينه وهذا محال، ثم نعارض هذا الإجماع بإجماع مثله أو أقوى منه فنقول: أجمع المسلمون على أنه عاص متعد مفرط بإضاعة الوقت، فلا يرتفع هذا الاجماع إلا بإجماع مثله ولم يجمعوا أنه يرتفع عنه الإثم والعدوان بالفعل بعد الوقت بل لعل هذا لم يقله أحد. فهذا ما يتعلق بالحجاج من الجانبين وليس لنا غرض فيما وراء ذلك وقد بأن من هو أسعد بالكتاب والسنة وأقوال السلف في هذه المسألة، واللَّه المستعان. . . ".
[ ٢ / ١٨٩ ]
رشد قائلًا: سوى الوتر والفجر ونحوهما، فإن فعل أثيب وأثم لترك القضاء.
ابن العربي: يتنفل ولا يحرم من الفضيلة.
[ترتيب الحواضر:]
ووجب مع ذكر وسقط مع نسيان ترك حاضرتين مشتركتين في الوقت كالظهرين والعشاءين شرطًا، فلو خالف الشرط وقدم ما حقه التأخير عمدًا أعاد أبدًا؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا، والفرق بين الحاضرتين وغيرهما شدة الاعتناء بما وقته باق؛ ولذا قتل تاركها دون الفائتة.
ومفهوم (ذكر) عدم الشرطية في حق الناسي، وهو كذلك.
تنبيه:
ألحقوا الجاهل هنا بالعامد.
فائدة:
ذكر القرطبي في تفسير عند قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ عن الكسائي: الذكر إذا كان بالضمير فهو مضموم الذال، وما كان باللسان فمكسورها.
وقال غيره: لغتان ذكر وذكر، ومعناهما واحد. انتهى.
[ترتيب الفوائت في أنفسها:]
ووجب مع ذكر ترتيب كثير الفوائت في أنفسها الأولى فالأولى، لا على وجه الشرطية؛ ولذا لا يعيدها ذاكرًا أو ناسيًا؛ إذ بالفراغ منها خرج وقتها.
وقوله: (في أنفسها)، أي: لا مع الحاضرة، فإنها تقدم على كثير الفوائت.
وظاهره: كان يأتي بجميعها في وقت واحد أو لا، ضاق وقتها أو لا، واللَّه تعالى أعلم.
[ ٢ / ١٩٠ ]
تتمة:
على حد الكثير خمسة عشر أو صلاة شهرين، وأنكر ابن ناجي قول الشاذلي: (من قضى يومين في يوم ليس مفرطًا، وهو أقل القضاء)، قائلًا: لا أعرفه.
[ترتيب يسير الفوائت مع حاضرة:]
ووجب ترتيب يسيرها مع صلاة حاضرة، وإن خرج وقتها، أي: الحاضرة على المشهور، خلافًا لابن وهب في تقديم الحاضرة، ولأشهب في تخييره يبدأ بأيهما أحب.
وفهم من كلامه: أن الكثير لا يجب ترتيبه مع الحاضرة، وهو كذلك.
[حد اليسير:]
وهل حد اليسير المقدم على الحاضرة أربع، وهو مذهب الرسالة، وظاهر المدونة عند جماعة، أو خمس، وهو لمالك، وتؤولت على المدونة، وقدمه ابن الحاجب، وشهره المازري؟ خلاف في التشهير.
تنبيه:
ظاهر كلامه كالمدونة: أنه لا فرق بين كون اليسير أصلًا أو بقاء، وهو كذلك.
[مسألة:]
فإن خالف وقدم الحاضرة على يسير الفوائت إن لم يكن عمدًا، بل نسيانًا، ولو عمدًا أعاد الحاضرة بوقت الضرورة على المشهور.
تنكيت:
قول الشارح: (تقدم الخلاف في ترتيب اليسيرة على الحاضرة: هل هو واجب غير شرط، أو واجب شرط، أو مندوب) فيه نظر؛ لأنه لم يقدم الخلاف على هذا الوجه، وإنما قدم قبله بيسير أن في ترتيبها الوجوب والسنية أو الوجوب مع الذكر والسقوط مع النسيان.
[ ٢ / ١٩١ ]
[مسألة:]
وفي إعادة مأمومه استحبابًا إذا أعاد في الوقت صلاة ذكرها لأجل الترتيب، وشهره ابن بزيزة، وعدم إعادته لوقوع صلاتهم تامة، وإليه رجع مالك، واختاره اللخمي وجماعة: خلاف.
منشؤه: هل خلل صلاة الإما خلل فى صلاة المأموم، أو إنما ذلك لخلل في الصلاة، ولا خلل فيها هنا.
[مسألة:]
وإن ذكر اليسير الأربع أو الخمس فدون في صلاة، ولو كان المذكور فيه جمعة قطع فذ إن لم يركع على المشهور، وشفع الفذ -أي: كملها نافلة- إن ركع، وسلم، وإن ذكر بعد تمام الشفع سلم.
[مسألة:]
وقطع إمام ومأمومه معه لسريان بطلان صلاة الإمام لصلاته، وهو المشهور، وهي إحدى المسائل التي يقطع فيها الإمام والمأموم والنية والشك فيها وتكبيرة الإحرام والشك فيها وذاكر الوتر في الصبح على أحد الأقوال، ونظمتها، فقلت:
ويقطع مأموم لقطع إمامه لذكر صلاة أو لفقد لنية
كتكبيرة إحرام كذا الشك فيهما وذاكر وتر وهو في الصبح يا فتى
فدونك ستة في النظائر جمعت جزئت بها خيرًا وحسن طوبة (١)
[ما لا يقطع له المأموم:]
ولا يقطع مؤتم ذكر فائتة خلف إمامه، لحق الإمام، وإذا لم يقطع وتمادى معه على صلاته فيعيد في الوقت للترتيب، ولو كانت الصلاة التي فيها جمعة.
_________________
(١) كذا هذا النظم في سائر النسخ، وهو لا ينتمي لأي بحر من بحور الشعر، وكان حقه أن يكون من الرجز، فلعل صاحبنا لا صلة له بالعروض.
[ ٢ / ١٩٢ ]
الباجي: إن أمكنه إعادتها جمعة فعل، وإلا ظهرًا؛ إذ هي بدلها، فيرجع له عند تعذر الأصل.
وقال ابن الحاجب: فإن كان في الجمعة فالمذهب يعيدها ظهرًا، وإن لم يذكر الفائتة حتى فرغ من الجمعة أعادها عند أكثر الرواة.
وفي كلام المؤلف إجمال، انظره في الكبير.
[ذكر ما يجب ترتيبه:]
وكمل فذ ذكر ما يجب ترتيبه، فيتم بعد شفع من المغرب؛ لئلا يؤدي للنفل قبلها، أو لأن ما قارب الشيء يعطي حكمه.
[حكمه:]
ثم شبه في الحكم، فقال: كثلاث -أي: ثلاث ركعات- ذكر الفذ ما يجب ترتيبه بعدها من غيرها، أي: غير المغرب كظهر وعصر وعشاء يتمها أربعًا؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، فكأنه ذكر بعد الفراغ، وسكت المصنف عما لو ذكر بعد ركعة من ثنائية.
والظاهر: أنه يقطع، وخرج سند على قول ابن القاسم: (الذاكر بعد ثلاث يقطع) أنه يقطع بعد ركعة من الصبح، والتمادي على قول مالك. انتهى.
[جهل عين فائتة:]
ثم شرع في بيان ما تبرأ به الذمة عند جهل الفوائت بقوله: وإن جهل عين منسية من الخمس، فلم يدر أصبحًا أم غيرها: مطلقًا -أي: ليلية أو نهارية، ثنائية أو غيرها- صلى خمسًا على ترتيبها؛ إذ المطلوب منه براءة الذمة، ولا تبرأ إلا بذلك.
تنكيت:
قول البساطي: (اغتفر عدم الجزم بالنية؛ للضرورة) يرد بقول الشهاب القرافي: ليس المصلي متردد النية في كل صلاة يحرم بها هل هي واجبة أم
[ ٢ / ١٩٣ ]
لا؛ لجزمه بوجوب الجميع، لسبب الشك، والشك يصير الكل واجبًا.
[علم عينها دون يومها:]
كان علمها -أي: المنسية أو المتروكة عمدًا- كونها ظهرًا أو مغربًا مثلًا دون علم يومها صلاهما فقط ناويًا له، أي: ليومها المتروكة منه، ولا يضره جهل اليوم اتفاقًا، ولا يلزمه تعيينه؛ لأنه غير مقدور عليه، ولا يطلب بتكرارها عدد أيام الأسبوع؛ لما فيه من المشقة.
[نسيان صلاة وثانيتها:]
وإن نسي صلاة وثانيتها، ولا يدري ما هما صلى ستًا (١) مرتبة، يعيد ما بدأ به؛ لاحتمال كونه المنسي مع ما قبله.
[ندب البدء بالظهر:]
وندب تقديم ظهر في البداءة، وإذا بدأ بها فإذا كانت ظهرًا وعصرًا، أو عصرًا ومغربًا، أو مغربًا وعشاءً، أو عشاءً وصبحًا، أو صبحًا وظهرًا: برئ؛ لإتيانه بعدد أحاط بحالات الشكوك.
[نسيان صلاة وثالثتها:]
وفي نسيان صلاة وثالثتها، ولا يدري ما هما، أو نسيانها ورابعتها، أو نسيانها وخامستها كذلك صلى ستًا كذلك، أي: كصلاة وثانيتها.
[صفة القضاء:]
ولما كانت صفة القضاء مختلفة بين الشبه والمشبه به بين ذلك بقوله: يثني بالمنسي، ففي أولى هذه الصور: إذا بدأ بالظهر مثلًا ثنى بثالثتها، وهي: المغرب، ثم بثالثة الثالثة، ثم كذلك، حتى يكمل ستًا، وكمالها بإعادة الأولى.
_________________
(١) كذا في سائر النسخ، وفي المختصر بتصحيح مفتي الديار الليبية الأسبق الشيخ الطاهر الزاوي، ص ٢٩: خمسًا.
[ ٢ / ١٩٤ ]
وفي ثانية الصور يعقب كل صلاة بخامستها كذلك، وجملة (يثني بالمنسي) حالية خالية من الواو؛ لتصويرها بمضارع مثبت.
[مسألة:]
وصلى الخمس مرتين في نسيان صلاة وسادستها من اليوم الثاني، ولم يعلم ما هما، وهي أول ما يجب فيه العشر من اليوم الثاني، وكذا يصلي الخمس مرتين في نسيان صلاة وحادية عشرتها، وهي أول ما يجب فيه العشر من اليوم الثالث، ولم يعلم ما هما، وكذا سادسة عشرتها وحادية عشرتها، وهلم جرًا لأنهما متماثلتان من يومين، فعليه صلاة يومين؛ لأن من نسي صلاة من الخمس لا يعرف عينها وجب عليه أن يصلي خمسًا، وهذا عليه من كل يوم صلاة لا يعرف عينها.
والحادية عشر هي نظيرة المنسية من اليوم الثالث، فلو كانت الصبح مثلًا فحادية عشرتها هي الصبح من اليوم الثالث، ولو كانت سادسة عشرتها فهي صبح الرابع، وحادية عشرتها صبح الخامس.
وقولنا: (لم يعلم ما هما) مخرج لما إذا علم الأولى منهما، فإنه يصلي ظهرين أو عصرين أو مغربين أو عشاءين أو صبحين.
[نسيان صلاتين معينتين:]
وفي نسيان صلاتين معينتين كظهر وعصر مثلًا من يومين معينين، كـ: سبت وإثنين، لا يدري السابقة منهما، بأن لا يعلم سابقة أحد اليومين، زاد البساطي: أو يعلم، ولا يعلم عين الصلاة مع عين اليوم، صلاهما ظهرًا ثم عصرًا، أو عكسه، وأعاد المبتدأة، فتصير عصرًا بين ظهرين، أو ظهرًا بين عصرين.
وإذا وقع الشيء وضده استوعب التقديرين؛ لأن الظهر إن كانت هي السابقة فقد صلى العصر بعدها، وإن كانت هي المتأخرة فقد صلاها بعد العصر.
وفرض المسألة في يومين معينين لأنه موضع الخلاف، وأما لو كانا
[ ٢ / ١٩٥ ]
غير معينين لصلى عصرًا بين ظهرين، أو ظهرًا بين عصرين اتفاقًا.
[الشك مع الشك في القصر:]
وإذا كان ما تقدم من الشك مع الشك في القصر أيضًا -أي: هل كان الترك في السفر فيقصر، أو في الحضر فيتم- أعاد إثر كل حضرية سفرية على الصحيح.
وأشعر قوله: (أعاد إثر كل حضرية سفرية) بأن البداءة بالحضرية، وأنه لو بدأ بالسفرية لوجبت الإعادة، ونبه عليه ابن عبد السلام.
[مسألة:]
وإذا نسي ثلاثًا كذلك -أي: معينات- من ثلاثة أيام معينة، كصبح وظهر وعصر من الأحد والإثنين والثلاثاء مثلًا، ولا يدري السابق منها صلى سبعًا: الثلاثة مرتبة، ويعيدها، ثم يعيد الأولى ثالثة، فهي اعتداله، وأحاطت بحالات الشكوك؛ لأنها إن فاتته على ترتيبه الأول فقد برئ، ويحتمل أن الصبح آخرًا وقبلها الظهر، وبعدها العصر، فيعيد الصبح؛ لتقع آخرًا.
ويحتمل أن يكون الظهر آخرًا، فيعيد الظهر كذلك، ويحتمل أن العصر بعد الظهر وقبل الصبح، فيعيد العصر بعد الظهر، ويحتمل أن الصبح متوسطة بعد الظهر وقبل العصر، فيعيد الصبح ثالثة، ولا يعيد العصر؛ لحصول الاحتراز عما إذا كانت آخرا (١).
_________________
(١) قال الأبهوري: " (قوله): وثلاثًا كذلك سبعًا (ش)، هذا من تتمة قوله وفي صلاتين من يومين معينتين، أي: من نسي ثلاث صلوات معينات من ثلاثة أيام ولا يدري السابقة منها؛ فإنه يصلي سبعًا وذلك بأن يصلي الصلوات الثلاث المعينات ويعيدها ثم يعيد ما ابتدأ به ويجري مثل ذلك في قوله: ورابعًا ثلاث عشرة وخمسًا إحدى وعشرين، وأصل البراءة تحصل بصلاة الثلاث كل واحدة مرّة ولا يشترط توالي الأيام وهذه المسائل لا يبتدئ فيها بالظهر وإنما كان يصلي سبعًا على الصفة المذكورة؛ لأن كل واحدة من الثلاث يحتمل أن تكون الآخرة، فبصلاة السبع يحصل الخروج من عمدة ذلك، وذلك لأنها إذا كانت صبحًا من يوم وظهرًا من يوم وعصرًا من يوم مثلًا، فإذا صلاها على الترتيب المذكور ثم صلى الصبح والظهر فقد حصل بفعله هذا =
[ ٢ / ١٩٦ ]
[مسألة:]
وإذا نسي أربعًا على الوجه السابق كذلك، صلى ثلاث عشرة صلاة، وخمسًا كذلك، صلى إحدى وعشرين صلاة، وضابط ذلك أن تضرب عدد المنسيات في أقل منها بواحدة، وتزيد عليها واحدًا، فهو عدد الصلوات.
وبيانه أن تضرب أربعة في ثلاثة باثني عشر، وتزيد واحدًا، فهي ثلاثة عشر، فيعيدها ثلاث مرات، ثم يعيد التي ابتدأ بها، فتحصل السلامة من التنكيس بيقين (١).
_________________
(١) = الخروج من عمدة كون كل واحدة أولى أو أخرى وبقي احتمال كون الصبح وسطى بين الظهر والعصر، والظهر سابق العصر متأخر وعكسه، واحتمال كون الظهر وسطى بين الصبح والعصر والظهر سابق والعصر لاحق وعكسه وكون العصر وسطى بين الصبح وبين الظهر والظهر لاحق وعكسه، وقد حصل الخروج من عمدة بعض هذه بالصلوات الخمس المتقدمة وباقتيها يحصل بتمام السبع فتأمله، وبه تعلم ما في كلام (تت) وبعض الشارحين".
(٢) قال الأجهوري: " (قوله): وأربعًا ثلاثة عشرة، أي: من أربعة أيام، ولا يشترط توالي الأيام وقد علم مما قررنا أنه لا يشترط توالي الأيام في جميع الصور، وهو ظاهر كلام (المص)، وكذا لا يشترط تعيينها خلاف ما يقتضيه كلام (المص) على نسخة معينتين ثلاثًا فقول (تت) في قوله كذلك، أي: معينات من ثلاثة أيام معينة غير ظاهر، والضابط في ذلك أن تضرب عدد المنسيات في أقل منها بواحد ثم تزيد واحدًا على الحاصل أو تضرب عدد المنسيات في مثلها وتسقط عدد المنسيات من الحاصل إلا واحدًا وتضرب عدد المنسيات إلا واحدًا في مثله وتزيد عليه عدد المنسيات، ثم إنه لا يفهم من كلام (المص) حكم ما إذا ترك ست صلوات معينات من ستة أيام ولا يدري السابقة أو ترك سبعًا كذلك، وهكذا فلو قال (المص): وصلى في ترك صلاتين أو أكثر كل واحدة من يوم إن عين ولا يدري السابقة المتروك بعدد سطح ضربه في أقل منه بواحد وإعادة المبتدئة لشمل ما ذكرناه، وأغنى عن قول (المص): وفي صلاتين من يومين إلى قوله: وعشرين مع كونه أخصر إلا مسألة ومع الشك في القصر إلخ، وحقها تأخيرها عن قوله: وخمسًا تسعًا فيذكرها آخر الباب لجريانها في جميع مسائل الباب. وقولي: إن عينت، أي: كل واحدة وقولي المتروك مفعول على وقولي: بعدد سطح ضربه متعلق بصلي، أي: صلى المتروك بعد سطح ضربه إلخ، فيصلي في صلاتين معينتين الصلاتين مرتين ويعيد المبتدئة، وفي ثلاث يصليهن مرتين ويعيد المبتدئة وفي أربع يصليهن ثلاث مرات ويعيد المبتدئة. =
[ ٢ / ١٩٧ ]
[ضابط حكم ما زاد:]
ولما أسلف أن من جهل عين منسية صلى خمسًا، وأن من نسي صلاة وثانيتها صلى ستًا، بين ضابطًا لحكم ما زاد على ذلك؛ لأنه في نسيان الواحدة صلى خمسًا، وفي اثنين ستًا، فزاد في المثال الثاني واحدة في المنسي فزادها في المقضي، وكذا كلما زاد واحدة في المنسي على هاتين الصورتين زادها في المقضي، فقال: وصلى في ثلاث مرتبه من يوم وليلة، لا يعلم عين الأولى منها، ولا الليل سابق أو النهار (١)، سبعًا مرتبة بزيادة واحدة على الست.
فإن بدأ بالصبح وختم بالظهر فإن كانت الأولى الصبح فقد برئ بإيقاع الخمس مرتبة، وكذلك إن كانت الظهر أو العصر، ويحتمل كون الأولى المغرب، فلا بد من إعادة الصبح؛ لتقع بعد الفساد.
ويحتمل كونها العشاء، فلا بد من إعادة الظهر، وكذا إن بدأ بالظهر وختم بالعصر.
البساطي: قوله: (مرتبة) يعني به -واللَّه تعالى أعلم- متوالية.
[مسألة:]
وإن نسي أربعًا من يوم وليلة صلى ثمانيًا، فيزيد واحدة على السبع، وإن نسي خمسًا من يوم وليلة صلى تسعًا بزيادة واحدة على الثمانية.
وما قررناه من أن (أربعًا) و(خمسًا) معمول لـ (نسي) هو أحد احتمالين ذكرهما الشارح.
_________________
(١) = وفي خمس يصليهن أربع مرات ويعيد المبتدئة. وفي ست يصليهن خمس مرات ويعيد المبتدئة وهكذا. وما أشرنا إليه من الضابط هو أول الضوابط الثلاثة المتقدمة. وقولي وأعاد المبتدئة عطف على صلي، أي: إنه يزيد على ما تقدم من صلاة المتروك بعدد المسطح إعادة المبتدئة".
(٢) كذا في سائر النسخ.
[ ٢ / ١٩٨ ]
والثاني: أنهما منصوبان بنزع الخافض، ووقعا مجرورين عند البساطي، عطفًا على ثلاث، واستظهره بعض تلامذته، انظره في الكبير.
* * *
فصل ذكر فيه السهو وأحكامه
وأتبعه للفصل السابق بجامع الذهول فيهما.
فائدة:
قال الشهاب القرافي: في التقرب إلى اللَّه تعالى بالصلاة المرقعة المجبورة إذا عرض فيها الشك أولى من الإعراض عن ترقيعها والشروع في غيرها، والاقتصار عليها أيضًا بعد الترقيع أولى من إعادتها، فإنه منهاجه عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، ومنهاج أصحابه والسلف الصالح بعدهم:
والخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع
وقد قال -ﷺ-: "لا صلاتين في يوم" (١)، فلا ينبغي لأحد الاستظهار على النبي -ﷺ-، فلو كان في هذا خير لنبه عليه وقرره في الشرع، واللَّه ﷾، لا يُتَقَرَّب إليه بمناسبات العقول وإنما يتقرب إليه بالشرع المنقول.
[موجبات السجود قبلي:]
سن لسهو إن لم يتكرر، بل وإن تكرر من نوع أو أكثر:
[١] بنقص سنة مؤكدة، كـ: ترك السورة مثلًا في الفريضة، لا مطلق
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وفوق كل ذي علم عليم، وقد روى أحمد في مسنده (٣/ ٥٣): "ولا تصلوا صلاتين ولا تصوموا يوم الفطر".
[ ٢ / ١٩٩ ]
السنة، كيسير الجهر أو السر، ولفظ التشهد الواحد، وسواء كانت السنة قولًا أو فعلًا.
[٢] أو بسبب نقص مع زيادة، كجهر بمحل السر مع قيام من اثنتين في غير ثنائية، وكون الجهر زيادة هو قول ابن القاسم.
وقال غيره: يسجد قبل السلام لزيادة الصوت، ونقص السر، وهو سنة. سجدتان: نائب فاعل (سن)، ويأتي بهما المصلي قبل سلامه، ولا يزيد عليهما، ولو تعدد السبب؛ لأنه -ﷺ- سلم ومنها ومشى وتكلم وسجد للثلاث سجدتين فقط.
[السجود بالجامع فقط:]
ويسجد للنقص مع الزيادة في غير الجمعة بالجامع وغيره، وبالجامع فقط في الجمعة؛ لأنه شرط في صحة كل الجمعة، والجابر كالجزء.
[إعادة التشهد له:]
وأعاد من سجد قبل تشهده؛ ليقع سلامه عقب تشهد على المشهور، واختاره ابن القاسم.
وقيل: لا يعيده. واختاره عبد الملك.
[أمثلة السنة الموكدة:]
ثم مثل للسنة المؤكدة التي يسجد لها بقوله: كـ:
[١] ترك جهر بفرض، وإبداله بسر، وإلا كان تاركًا القراءة جملة، وهذا بناء على أن الجهر زيادة على السر.
[٢] وكترك سورة غير الفاتحة بفرض، ظاهره: ولو في ركعة في المسألتين، وخرج الجهر والسر والسورة في النافلة، فلا يترتب عليه سجود.
البساطي: ظاهر كلامه: أن من ترك الجهر في غير الفرض ولو في جميع تلك الصلاة، أو ترك السورة فيه كذلك أنه لا سجود عليه، وفيه نظر؛ لأن نفي ذلك يكون بترك سورة في ركعة، أو جهر فيها، ولا يلزم منه
[ ٢ / ٢٠٠ ]
أنه في الجميع لا يسجد. انتهى.
[٣] وكترك لفظ تشهدين يسجد له قبل سلامه عند مالك.
البساطي: سواء كان التشهدان في فرض أو في نفل، ولذا أتى به بعد القيد (١). انتهى بمعناه، أي: قيد الفرض في المسألة السابقة.
_________________
(١) (قوله): وتشهدين (ش)، أي: سواء كان ذلك في فرض أو نفل ولذا آتى به بعد القيد قاله البساطي وزاد ويتصور هذا فيمن يصلي النفل أربعًا انظر: (تت). قلت: إنما يتم كلامه إذا كان من يصلي النفل أربعًا يسن في حقه التشهد بعد اثنتين وبعد فراغه وإلا فلا هذا، أو استشكل في الذخيرة تصوير ترك التشهدين قبل السلام، لأن السجود للتشهد الأخير يتضمن ذكره قبل فوات محله فيفعل، وأجاب بتصويره حيث يجلس ثلاثًا في مسائل اجتماع البناء والقضاء كمن أدرك الثانية وفاتته الثالثة والرابعة بنحو رعاف؛ فإنه يأتي بركعة ويجلس للتشهد ثم بركعة ويجلس للتشهد ثم بركعة ويجلس للتشهد أيضًا ثم بثالثة ويجلس للتشهد أيضًا، فإذا نسي تشهدين من هذه التشهدات فإنه يسجد أو إنه طلق الترك على الترك حقيقة والترك حكمًا وذلك إذا أخر الثاني عن أول جلوسه وقد ترك الأول حقيقة، وهذا مراد صاحب التوضيح بقوله، وأجيب: بأن السجود لإسقاط التشهد الأول وزيادة الجلوس قبل الثاني لأنه يقال: سهي عنه إذا تركه جملة أو آخره عن مكانه. انتهى. وأشار له بعض حذاق أشياخي بقولى: إن تأخير الثاني عن محله منزل منزلة تركه وهو مشكل؛ فإن السجود في الحقيقة إنما هو للنقص والزيادة وهي تأخيره عن محله، ثم قال في التوضيح عقب ما تقدم: وجواب ثان وهو إنه لم يذكر حتى سلم، وقد قال في المدونة: إذا ذكر ذلك بقرب السلام رجع وتشهد وسلم وسجد، وفي الجلاب مثله بناءً على أن السلام ليس بمانع من الاستدراك، وروي عنه: إن السلام يفوته بناء على أنه مانع. انتهى. قلت: ولا يرد على هذا النحو ما ورد على الذي قبله؛ لأن الفرض في هذا أنه سلم عقب رفعه من السجدة الأخيرة من الصلاة، ثم أتى بالتشهد عقب السلام أو بقربه ولابد في هذا الجواب من دعوى أن ما أتى به من التشهد منزل منزلة العدم يكون السجود لترك تشهدين وإلا فيمكن أن يكون السجود لترك التشهد الأول وزيادة السلام والتشهد بعده وذكر السنهوري حسمًا نقله عنه (صر) تصويره عن أدرك أخيرة المغرب وسهي الإمام عن التشهد ثم سهي عن التشهد الأول الذي يأتي به بعد مفارقه الإمام فإن المأموم يسجد لهما فإن المسبوق إذا أكمل ما بقي عليه من صلاته؛ فإنه يسجد قبل سلامه لترك التشهدين. انتهى. فهو يتصور في أربع مسائل؛ فإن قلت: قد يبحث فيما ذكره السنهوري بأنه لا سهو على مؤتم حالة القدرة قلت: يجاب بأن ذلك محله إذا فعله الإمام وتركه هو وإما حيث تزكاه فلا حمل، ثم اعلم أن الترك مستعمل في =
[ ٢ / ٢٠١ ]
تتمة:
استشكل في الذخيرة تصور ترك التشهدين قبل السلام؛ لأن السجود للتشهد الأخير ذكر له قبل فوات محله، فيفعل.
وأجاب بتصوره حيث يجلس ثلاثًا في مسائل اجتماع البناء والقضاء.
وأجاب غيره بأنه قبل السلام لم يفت محل التشهد الثاني، فيأتي به، ويسجد لنقصان التشهد الأول، وزيادة الجلوس الكائنة عن تأخير التشهد الثاني؛ لأنه يقال: سها عنه إذا تركه جملة، أو أخره عن مكانه.
[ما يكون به السجود البعدي:]
وإلا يكن السهو بنقص فقط، ولا به وبزيادة معًا، ولا شك كما ذكره القرافي، بل بزيادة فقط، فبعده، أي: السلام.
البساطي: هذا مراده، وإن كان كلامه صادقًا على ما إذا كان السهو بنقص سنة غير مؤكدة أو فرض، إلا أنه اتكل على المعلوم. انتهى.
وسيأتي في كلام المصنف أنه لا سجود لفريضة ولا لسنة غير مؤكدة.
[أمثلة للزيادة:]
ثم مثل للزيادة التي يسجد لها بعد السلام بأمثلة، فقال:
[الإتيان بالمشكوك:]
كمتم لشك فيما صلاه: أثلاثًا أم أربعًا مثلًا عند ابن القاسم، فإنه يبني على يقينه.
تنبيه:
قال في الذخيرة عن الكتاب: إذا اعتقد ثلاثًا، ثم تبين أنها أربع،
_________________
(١) = حقيقته في الجواب الأول فقط وما عداه فلا بد فيه من التجويز تنبيه ما أفاده كلام (المص) مفهومًا من عدم السجود لترك التشهد الواحد، وصرح به فيما يأتي خلاف المعتمد أنه يسجد لتركه كما يأتي عند قوله كتشهد".
[ ٢ / ٢٠٢ ]
رجع حين ذكر، وجلس وسلم، وسجد.
وظاهر كلام المصنف: أنه يبني على يقينه، ولو كان موسوسًا، وهو خلاف قول ابن الحاجب: (يبني الموسوس على أول خاطرة).
[الاقتصار على ما هو به:]
ومثل مقتصر على شفع شك أهو به -أي: بثانيته- أو أتمه، وهو بوتر، فإنه يجعلها ثانية الشفع، ويقتصر على الركعتين المتيقنتين، ويسجد بعد السلام على المشهور؛ لاحتمال إضافة الوتر للشفع من غير فعل بسلام، فيصير الشفع ثلاثًا.
ولما كان في التي قبلها لم يقتصر على المتيقن بل يأتي بما شك فيه ويسلم سماه متمًا ليحصل التقابل بين اللفظين.
[إبدال سر بجهر:]
أو ترك سر بفرض، وإبداله بجهر، فيسجد بعد السلام على المعروف؛ إذ لو لم يأت بالسر لكان تاركًا للقراءة جملة.
[المستنكح:]
أو استنكحه الشك، أي: داخله، وكثر منه، بحيث يشك: هل زاد أو نقص، ولا يتيقن شيئًا يبني عليه، فلا إصلاح عليه.
تذييل:
قال عبد الوهاب: كثرته أن يطرأ عليه في كل وضوء وفي كل صلاة، أو في اليوم مرتين أو مرة، وإن لم يطرأ له بعد يوم أو يومين أو ثلاثة فليس بمستنكح.
وقال الجزولي: الاستنكاح أن يكون في اليوم مرة، وأما مرة في السنة أو الشهر فليس بمستنكح، وفي اليومين والثلاثة -واللَّه أعلم- ليس بمستنكح.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
[حكم الاستنكاح:]
وأشار لحكمه كما قال في توضيحه بقوله: ولهيَ -أي: أضرب- عنه، فلا يشتغل به، ولا يصلح صلاته، وإذا فرغ سجد بعد السلام على المشهور، ومقابله: الشك غير المستنكح كمن شك أصلًا: ثلاثًا أم أربعًا.
قال في توضيحه: وحكمه أن يأتي بما شك فيه، ويسجد بعد السلام.
تنبيه:
قال ابن ناجي: من هنا يعلم أن قول أهل المذهب: (الشك في النقصان كتحققه) مخصوص بهذه.
[التطويل بما لا طول فيه:]
ثم شبه بما سجد له بعد السلام، فقال: كطول بمحل لم يشرع به الطول، كـ: القيام بعد الركوع، و[الجلوس] بين السجدتين، ومفهومه: أنه لو شرع فيه الطول كالقيام والركوع والسجود والتشهد لم يسجد له، وهو كذلك عند أشهب وابن القاسم في الحالين في عدم السجود لهما، ولسحنون بالسجود فيهما.
ابن رشد: والأول أصح الأقوال.
وإليه أشار بقوله: على الأظهر.
تنكيت:
في عد البساطي السجود فيما لم يشرع فيه الطول نظر.
[اتساع الإتيان بالبعدي:]
ويسجد الساهي البعدي في جميع ما تقدم وإن ذكره بعد شهر، كذا ذكر غير واحد؛ لأنه ترغيم للشيطان، ولا مفهوم لقوله: (بعد شهر)، بل المراد أبدًا.
وظاهره: في أي مكان كان، وانظر إذا كان للجمعة هل كذلك، أو في الجامع.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وظاهره: مساواة الفرض للنفل، وظاهره أيضًا: تعميمه في كل وقت.
ابن ناجي: وذكر عبد الحق عن بعض شيوخه الفرق، فقال: إن ترتب من فرض ففي كل وقت، ومن نافلة ففي غير وقت النهي. انتهى.
وهل هو تفسير أو خلاف؟ قولان.
[أركان السجود البعدي:]
[١] بإحرام على المشهور عند ابن عطاء اللَّه؛ لاستقلاله بنفسه عن الصلاة، وظاهره: ولو مع القرب، وهو أحد أقوال ثلاثة.
[٢] وتشهد، نحوه في المدونة والرسالة.
ابن رشد: اتفاقًا.
[٣] وسلام، نحوه في المدونة جهرًا، قال مالك: كالفريضة، لا سرًا كالجنازة.
[تقديم المؤخر والعكس:]
وصح السجود إن قدم منه ما حقه التأخير، وأخر منه ما حقه التقديم، وظاهره: فعل ذلك عمدًا أو سهوًا أو جهلًا، وهو كذلك.
تكميل:
ذكر ابن ناجي في كتاب الأيمان والنذور عن ابن بشير: لو أعرض عن السجود القبلي وأعاد الصلاة ثانيًا لم تجزئه، والسجود باق في ذمته؛ لأن ما أتى به لم يؤمر به.
[ما لا سجود فيه:]
ثم أخرج من حكم السجود بعد السلام ما لا سجود فيه، فقال: لا إن استنكحه السهو، بأن اعتراه كثيرًا فلا سجود عليه.
[ما يفعله المستنكح:]
وأشار لما يفعله بقوله: ويصلح، ولا سجود عليه، ومفهوم الشرط:
[ ٢ / ٢٠٥ ]
أن السهو غير المستنكح -وهو الذي لا يعتريه كثيرًا- مخالف لهذا، وهو كذلك، فيصلح ويسجد بحسب ما سها: قبليًا أو بعديًا.
[من لا سجود عليه:]
[من تبين له أنه لم يسه:]
أو شك هل سها أو لا، وتذكر قليلًا، فتبين أنه لم يسه، فلا سجود عليه.
[الشك في السلام:]
أو شك: هل سلم أو لا، سلم ولا سجود عليه.
[الشك في سجود السهو:]
أو شك هل سجد واحدة في شكه فيه، أي: في سجوده، هل سجد له واحدة أو اثنتين، فإنه يسجد واحدة يضمها للسجدة المحققة، ولا يسجد لسهوه في هذا السهو؛ لرواية محمد: ليس في السهو سهوًا، أي: خوف التسلسل.
وفي الذخيرة: لو شك هل سجدهما لفرضه أو لسهوه، ففي الموازية: عليه أربع سجدات.
[قراءة مع الفاتحة سورة في الأخريين:]
أو زاد على الفاتحة سورة فى أخرييه معًا، فلا سجود على المشهور، وأما في إحداهما فلا سجود اتفاقا.
[الخروج من سورة لأخرى:]
أو خرج من سورة لغيرها، فلا سجود عمدًا، أو لاشتباه، لكن يكره التعمد؛ لأنه إذا كره أن يخرج من رواية لغيرها، فأحرى هذه.
[القيء:]
أو قاء غلبة، فلا سجود عليه، وتقدم أنه غير مبطل، وفهم منه: أنه
[ ٢ / ٢٠٦ ]
لو قاء اختيارًا عمدًا لم يكن الحكم كذلك، بل البطلان، خرج متغيرًا أو لا، وهو ظاهر المدونة.
وقول المجموعة: (إن تقيأ ماء لم تفسد، وطعامًا فسدت) محتمل لأن يكون تقييد للمدونة أو خلافًا.
قال بعض مشايخي: هذا ما لم يزدرد منه شيئًا بعد انفصاله، وإلا أفسد مع العمد ومع النسيان على أحد قولين.
[القلس:]
أو قلس، بأن خرج ماء حامض من معدته لحلقه ورجع، وربما خرج بعضه للفم، فلا سجود؛ لخفته.
وأطلق المؤلف، وقال ابن الحاجب: وفيها إن قلس وقل لم يقطع، بخلاف القيء.
قال بعض شراحه: فإن كثر فحكمه كالقيء.
[ترك فرض:]
ولا سجود لفريضة؛ إذ لا يتخير به، ولا بد من الإتيان بها.
[ترك سنة خفيفة:]
ولا سجود لسنة غير موكدة، ومثل لها بقوله: كتشهد واحد على المذهب، أي: لفظه، كما في توضيحه، وتقدم أنه يسجد لترك لفظ التشهدين.
[يسير الجهر أو السر:]
ولا سجود في ترك يسير جهر أو سر، بأن لا يبالغ فيه منها، بل يأتي من الجهر بقدر ما يسمع المأموم، ومن السر بدون ما طلب منه، ويحتمل بأن يجهر في القراءة السرية ببعضها، أو يسر في بعض القراءة الجهرية.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
[الإعلان بكآية:]
ولا سجود في إعلان بكآية، ونحوه في مختصر ابن أبي زيد (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: " (وقوله) أو سر عطف على يسير، وفي الكلام حذف مضاف، أي: أو أعلا سر، أي: أنه أتى بأعلا السر في محل الجهر، وهذا الذي ذكرناه هو الموافق لما ذكره (المص) في شرح المدونة، فإنه قال: ويلحق بالجهر بالآية ونحوها إذا جهر فيما يسر فيه جهرًا ليس بالقوي جدًا أو أسر فيها يجهر فيه سرًا ليس بالشديد جدًا نص عليه ابن أبي زيد في المختصر، ولقول (غ) ينبغي أن يحمل قوله: وإعلان بكائه على أنه ليس بتكرار مع قوله: ويسير جهر أو سر، ومراده يسير الجهر والسر ما لم يبالغ فيه منهما، ولو كان كذلك في كل القراءة على ما في مختصر أبي محمد ابن أبي زيد حسبما رجح في توضيحه في فهم كلام ابن الحاجب، ولكن يلزم عليه أن يكون سكت عن الأسرار بنحو الآية. انتهى. ومن هنا يستفاد أن قوله كترك جهر، أي: ويأتي بأقل السر، وقوله: أو سر، أي: وأتى بأعلى الجهر ولو قال: ويسير جهر وأعلا سر بغير محله لحسن، ونحو ما ذكرناه ذكره بعض شيوخنا عن (ق) فقال: وفي المواق ما حاصله أنه أتى يسير الجهر في محل السر وأتى يسير السر، أي: أعلاه في محل الجهر، ونص (ق) فيها لمالك: من سهي فأسر فيما يجهر فيه سجد قبل السلام، وإن جهر فيما يسر فيه سجد بعد السلام وإن كان شيئًا خفيفًا من أسرار أو جهار كإعلانه بالآية ونحوها في الأسرار فلا سجود عليه، وروى ابن القاسم خفيف فيما يسر عفو ابن عرف ظاهر ما قدرًا أو صفة وقوله: قدرًا أو صفة مراده بالأول: أن يكون في نص القراءة، وبالثاني: أن يكون في كلها وهو أقل الجهر. انتهى. تنبيهان: الأول: لو قال (المص): وإعلان وإسرار بكآية لشمل مسألة أخرى تركها الثاني، ما ذكره (تت) في قوله: ويسير جهر أو سر كان لا يبالغ فيه منهما، بل يأتي بالجهر بقدر ما يسمع مأمومه ومن السر بدون ما طلب منه ويحتمل بأن يجهر في القراءة السرية ببعضها أو يسر في بعض الجهرية. انتهى. وقال في قوله: وإعلان بكآية نحوه قوله في توضيحه عن مختصر ابن أبي زيد: وإن أسر سرًا خفيفًا أو جهر يسيرًا فلا شيء عليه وكذلك إعلانه بالآية. انتهى. وعلى هذا في في مختصر ابن أبي زيد يرجع للاحتمال الأول في قوله: ويسير جهرًا وإعلانه يرجع للثاني لكن يبقى فيه تكرار، ويندفع التكرار بأن يقال: لعل مراد ابن أبي زيد ما قال البساطي خروجه عن سنة الجهر في الآية ونحوها بأن يرفع صوته جدًا. انتهى. كلام (تت) وفيه نظر أما الأول؛ فلأنه غير متوهم إذ لا يتوهم السجود في الآتيان باقل الجهر في محله وبأقل السر في محله، وأما الثاني؛ فلأنه يصير تكرارًا ما بعده، ومنه يستفاد أن الجهر سنة مؤكدة =
[ ٢ / ٢٠٨ ]
[إعادة سورة:]
ولا سجود في إعادة سورة فقط قرأها سرًا في جهرية أو عكسه، ثم أعادها لهما، أي: لأجل تحصيل سنتهما.
وأفهم قوله: (فقط) أنه لو أعاد الفاتحة كذلك، أو أعادها مع السورة، أو الفاتحة، أو الكل للسنة، لسجد.
والنقل في الفرع الأول كما ذكره المصنف لمالك من رواية أشهب، والنقل في الثاني السجود من باب أولى، وعدمه مع إعادة السورة فقط؛ لأن الزيادة في السورة أخف منها مع أم القرآن، ويحتاج باقي ذلك لنقل بعضه.
[ترك تكبيرة:]
ولا سجود فى ترك لتكبيرة واحدة على المشهور، ابن رشد: والخلاف في الإمام والفذ، وأما المأموم فلا شيء عليه، تركها عمدًا أو سهوًا.
[إبدال التكبير بالتحميد والعكس:]
وفي إبدالها -أي: التكبيرة- عند الركوع بسمع اللَّه لمن حمده، وفات محل ذلك تأويلان بالسجود وعدمه، أو عكسه: بأن يأتي بالتكبيرة في الرفع من الركوع موضع سمع اللَّه لمن حمده، تأويلان في السجود وعدمه أيضًا، وانظر لفظها المؤول في الكبير.
ووجه السجود: زيادة قول ونقصان آخر، ووجه عدمه: أن قصارى أمره إخلاله بتكبيرة أو تحميدة، وهو لا يقتضي سجودًا.
_________________
(١) = بالنسبة لأقل السر وخفيفة بالنسبة لأعلى السر إذ من تركه في محله وأتى بأعلى السر لم يسجد لأنه ترك ما ليس سنة مؤكدة، وإن أقل السر سنة مؤكدة بالنسبة للجهر وأعلى السر سنة خفيفة بالنسبة له ولذا يسجد من آتى في محل الجهر بأقل السر ولا يسجد من يأتي بأعلاه فتأمله فإنه حسن ولو قال (المص): وإعلان وإسرار بكآية لأفاد حكم الأسرار في محل الجهر بكآية على وجه التصريح".
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وقولنا: (وفات محله) لأنه لو لم يفت بأن لم يتلبس بالركن الذي يليه فإنه يعيد الذكر المشروع فقط، كما في المدونة.
[إدارة مؤتم:]
ولا سجود لإدارة مؤتم وحده منحرفًا عن شماله ليمينه من خلفه؛ لقصة ابن عباس.
[إصلاح رداء:]
ولا لأجل إصلاح رداء.
[إصلاح سترة:]
أو لإصلاح سترة سقطت؛ لخفته، قاله الباجي.
[المشي لسترة:]
أو لمشي صفين لسترة لأجل أن يستتر بها، وفي بعض النسخ: (كمشي) بالكاف، أي: وما يشبهه في الفعل اليسير، ويحتمل الصفين والثلاث.
[لسد فرجة:]
أو لأجل سد فرجة في حف بين يديه؛ لأن سدها من كمال الصلاة، وفرجة الحائط بالضم، والتقصي من الهص فمثلثه الفاء.
[دفع مار:]
أو لأجل دفع مار -أي: يريد المرور بين يديه-، فيدفعه دفعًا خفيفًا.
[رد دابة:]
أو لأجل ذهاب دابة ليردها، قال في المدونة: وإذا انفلتت دابته مشى إليها فيما قرب غير مستدبر، وإن تباعدت قطع وطلبها (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: " (قوله): أو ذهاب دابته (ش) لم نر أيضًا من حد المشي في هذه بكصفين، قال في المدونة: إن انفلتت دابته وهو يصلي مشى إليها فيما قرب، وإن =
[ ٢ / ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كانت عن يمينه أو يساره أو بين يديه وقطع إن بعدت وطلبها. قال القابسي معنى قولها: إذا اتسع الوقت ولو كان في خناق من الوقت تمادي، قال عبد الحق: ويحتمل عندي هذا الذي ذكره القابسي حيث لا تناله مشقة شديدة ولا ضرورة تلحقه لفقد دابته، ولو كان ذلك لقطع بكل حال، وعزى ابن رشد ما تقدم لنفسه فقال: إذا ضاق وقتها تمادى وإن تلفت ما لم يخش على نفسه إن تركها في مفارضة. قلت: الصواب عندي لا يقطع مع ضيق ولا يتمادى على صلاته ويتركها بل يطلبها وهو يصلي أيما. انتهى. وكلام عبد الحق أوسع من كلام ابن رشد فإن ابن رشد اعتبر الخوف على النفس وعبد الحق اعتبر المشقة الشديدة أو ضرورة تلحقه وقد اقتصر (الشر) و(تت) و(ح) على نقل ما في البيان، فإنه قال: وقطع إن بعدت وطلبها، قال في البيان: هذا في سعة الوقت وإلا تمادى وإن ذهبت ما لم يكن بمفازة يخاف على نفسه إن تركها. انتهى. وانظر هل المراد بالوقت الضروري وهو الظاهر أو الوقت الذي هو فيه؛ فإذا ذهبت في الاختياري وبعدت وكان بحيث لو طلبها لخرج الوقت الاختياري فقط فإنه يتمادى على الأول ويقطع على الثاني، ثم انظر ما ذكرناه عن المدونة ومن تكلم عليها مع ما يأتي عند قول (المص): أو وجب لإنقاذ أعمر ونصه. فرع: قال اللخمي: فإن خاف تلف مال له أو لغيره وكان كثيرًا تكلم واستأنف فظاهره ولو ضاق الوقت، فهو يخالف مسألة الدابة إلا أن يحمل ما هنا على ما إذا اتسع الوقت، وقوله: وإن كان يسيرًا لم يتكلم إلخ. ظاهره ولو اتسع الوقت، فيقيد قوله: وقطع إن بعدت وطلبها بما إذا كان ثمنها كثيرًا وإلا فلا يقطع، ولو اتسع الوقت أن يخشى على نفسه إن تركها أو يحصل له مشقة على ما تقدم والحاصل أنه إذا خشي المصلي إن لم يتكلم تلف مال له أو لغيره أو خشي ذهاب دابة له أو لغيره إن لم يقطع ويبتغها؛ فإن خاف بسبب تلف المال أو ذهاب الدابة على نفسه أو على صاحب الدابة تلف نفسه أو المشقة الشديدة؛ فإنه يتكلم ويقطع مطلقًا سواء أكثر المال وثمن الدابة أو لا اتسع الوقت أو لا وإن لم يخش ذلك؛ فإن كان المال قليلًا وثمن الدابة كذلك لم يتكلم ولم يقطع وهذا كله في حال عدم القرب حيث لا يجوز المشي، وانظر هل كثرة المال وقلته منظور لها في نفسها أو بالنظر للمالك، وفي باب الحج ما يفيد الخلاف في ذلك. ويأتي عن ابن عرفة ما يفيد أن الكثير ما يضر، ثم إن ما ذكره في مسألة الدابة من أنه إذا ضاق الوقت يتمادى وإن ذهبت بشرطه يخالف ما يأتي من أن الإمام إذا خشي تلف مال، أي: له بال يسوغ له الاستخلاف. وقد يجاب بأن هذا في حق الفذ والمأموم فلا يتأتى فيهما استخلاف، وإن فرض وقوع ذلك الإمام فإنه يستخلف فيما يقطع هنا فيه إذ هو (ح) من أفراد قوله فيما يأتي وندب الإمام إلخ. أو بأن يحمل ما هنا على الحالة التي يجب فيها التمادي وهي إذا =
[ ٢ / ٢١١ ]
وربما أشعر إضافتها إلى الضمير أن دابة غيره ليست كذلك، ولا فرق بين مشيه إليها وإن كانت بجنب يمينًا أو شمالًا أو قهقرة، ولا يستدبر.
قال الشارح: انظر هل هذا عائد على المشي للدابة أو للسترة وما بعدها، وهو الظاهر، لكنه يخالف قول ابن حبيب: إن كانت الفرجة عن يمينه أو يساره فليدعها.
وأومأ الشارح في الصغير للاعتراض على المؤلف في تأنيث القهقرى بالتاء بقوله: والقهقرى مقصور الرجوع إلى خلف، ووجهه مستقبل أمامه.
[الفتح على الإمام:]
ولا سجود في فتح من مأموم على إمامه إن وقف في قراءته، بأن يقرأ له ما بعدها؛ قصدًا لإفهامه.
_________________
(١) = لم يخش تلف نفسه ولا المشقة الشديدة، وقل ثمن الدابة مطلقًا أو أكثر وضاق الوقت، وما في الاستخلاف على حالة القطع وهي إذا خشي تلف نفسه أو شديد المشقة أو لم يخش ذلك وكثر ثمن الدابة واتسع الوقت، ثم إن الجواب يحمل ما هنا على الفذ والمأموم وما يأتي على الإمام لا معنى له إذ لا يتصور منهما استخلاف ونص ابن عرفة في هذه وفي جواز القطع لحفظ مال ذي بال نقلا ابن رشد عن ابن القاسم ومالك. قلت: إلا ظهر اعتبار ما نصه ولغو ما لا يضر، وفيها إن تلفت دابته مشي لها فيما قرب غير مستدبر وقطع إن بعدت وطلبها ابن رشد إن ضاق وقتها تمادى وإن تلفت ما لم يخش على نفسه إن تركها لكونه في مفازة. قلت: يؤخذ من نقل الشيخ روى ابن حبيب إن خاف إمام تلف دابته أو متاعه استخلف وجوبًا وإن كان مختارًا فلا يستخلف. تنبيهان: الأول: قال الشيخ بحرام ولو قيل: يصلي مع طلبها كالمسائف ما بعد انتهى. أي: في حالة ضيق الوقت وخشيته على نفسه، وتقدم نحوه لابن ناجي وكان هذا من توافق الوارد في الخاطر قلت وفي كلام اللخمي نحو ذلك وهو سابق عليهما ويأتي كلامه عند قوله أو وجب لإنقاذ أعمى. الثاني: الخوف على الدابة خوف على مال فيجري فيه ما جرى في الخوف على المال، هذا وقد علم مما قررنا حكم دابة غيره وإنها كذابة نفسه فقول (تت) وانظر هل ذهاب دابة غيره كذلك أو لا، وفي نسخة البساطي: دابة فيشمل دابة غيره ويحتاج لنقل. انتهى. قد علمت ما فيه".
[ ٢ / ٢١٢ ]
وفهم من الإضافة لإمامه أنه لا يفتح على قارئ وقف في غير الصلاة، ولا على مأموم معه، ولا على قارئ في صلاة أخري، وسيأتي حكمه إن فعل.
ومفهوم الشرط: أنه لا يفتح عليه إذا تردد، ولا إن انتقل من سورة لأخري، وهو قول مالك.
[سد الفم للتثاؤب:]
ولا سجود في سد فيه للتثاوب، قال في الواضحة: ويقطع القراءة، ولا يقرأ حال التثاوب، فإن تمادى في قراءته وكانت أم القرآن لم تجزئه. انتهى.
وانظر قوله: (لم تجزئه) هل القراءة فيعيدها، أو الصلاة، أو تلك الركعة، فيأتي بها على الخلاف في تارك الفاتحة في ركعة؟
[النفث:]
أو في نفث بثوب لحاجة النفث -بنون ساكنة فمثلثة- كالنفخ وأقل من التفل.
ثم شبه بما لا سجود فيه بقيده قوله: كتنحنح لحاجة، ابن بشير: اتفاقًا.
وحيث لا سجود فلا إبطال.
[التنحنح لغير حاجة:]
ولما كان في الإبطال به لغير حاجة خلاف، أشار للراجح منه بقوله: والمختار عند اللخمي من قولي مالك عدم الإبطال به -أي: بالتنحنح- لغيرها -أي: الحاجة- وهو لابن القاسم، واختاره الأبهري أيضًا.
[التسبيح لضرورة:]
ولا سجود في تسبيح رجل أو امرأة لضرورة، كتنبيه الإمام؛ لخبر:
[ ٢ / ٢١٣ ]
"من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان اللَّه" (١)، ومن يشمل الرجل والمرأة (٢).
_________________
(١) أخرجه مالك (١/ ١٦٣، رقم ٣٩٠)، والشافعي (١/ ٥٤)، وأحمد (٥/ ٣٣٨، رقم ٢٢٩١٤)، والبخاري (١/ ٢٤٢، رقم ٦٥٢)، ومسلم (١/ ٣١٦، رقم ٤٢١)، وأبو داود (١/ ٢٤٧، رقم ٩٤٠)، والنسائي (١/ ٢٨٠، رقم ٨٥٩).
(٢) قوله هذا يشبه الاحتجاج بالشاهد الأبتر؛ لأن تمام الحديث: "فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء"، وفي لفظ أخرجه الشافعي (١/ ٢٠١، رقم ١٣٤): "يا أيها الناس ما لكم حين نابكم فى صلاتكم شىء أخذتم فى التصفيق إنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال. . الحديث"، وأخرجه البخاري (١/ ٤١٤، رقم ١١٧٧) بلفظ: "يا أيها الناس ما لكم حين نابكم شيء فى الصلاة أخذتم فى التصفيق إنما التصفيق للنساء. . " الحديث. وما ذكره شارحنا هو للباجي وغيره، قال الباجي: "وقوله: من نابه شيء في حلاته فليسبح" هذا عام في الرجال والنساء؛ فإن من تقع على كل من يعقل من الذكور والإناث ولا خلاف في أن هذا حكم الرجال؛ فأما النساء فذهب مالك إلى أن حكم النساء التسبيح كالرجال، وقال الشافعي: إن حكم النساء إذا نابهن شيء التصفيق، والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله -ﷺ-: "من نابه شيء في حلاته فليسبح"، فإن قيل: فإن هذا الخبر إنما ورد بسبب القوم الذين صفقوا خلف أبي بكر فيجب أن يقصر عليهم. فالجواب: أن اللفظ عام مستقل بنفسه فلا يقصر على سببه، ولذلك لم يقصر حكم الظهار على سلمة بن صخر ولا آية اللعان على هلال بن أمية وحمل ذلك على عمومه وقوله -ﷺ-: "إنما التصفيق للنساء" ليس على أن ذلك حكمهن ولكن على معنى العيب للفعل بإضافته إلى النساء كما يقال: كفران العشير من أفعال النساء إذا ثبت ذلك؛ فإن حكم التسبيح أن يقول سبحان اللَّه؛ فإن قال: سبح سبح فقد قال سحنون في نوازله: أرجو أن يكون خفيفًا وإنما كان القول: سبحان اللَّه". لكن ابن بطال قال في شرحه صحيح البخاري (٣/ ١٩٣): "أجمع العلماء أن سنة الرجال إذا نابهم شيء فى الصلاة التسبيح، واختلفوا في حكم النساء، فذهبت طائفة إلى أن إذن المرأة فى الصلاة التصفيق، وإذن الرجل التسبيح على ظاهر الحديث، وروى عن النخعي، وهو قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وقالت طائفة: التسبيح للرجال والنساء جميعًا، هذا قول مالك، وتأول أصحابه قوله -ﷺ-: "إنما التصفيق للنساء" أنه من شأنهن فى غير الصلاة، فهو على وجه الذم لذلك فلا تفعله في الصلاة امرأة ولا رجل. وذكر ابن شعبان في كتابه: اختلف قول مالك في ذلك، فقال مرة؛ تسبح النساء ولا يصفقن؛ لأن الحديث جاء: "من نابه شيء في صلاته فليسبح"، وقال مرة أخرى: =
[ ٢ / ٢١٤ ]
وكتسبيحه للإعلام بأنه في صلاة.
[التصفيق للنساء:]
ولما كان لمالك قول بالتصفيق مقابل للمشهور، رده بقوله: ولا يصفقن، وحديث: "فليسبح الرجال، وليصفق النساء"، لم يأخذ به مالك في الراجح عنده، ورأى حديث التسبيح أولى منه؛ لأنه ذكر، فقدم عموم الأول على خصوص الثاني (١).
_________________
(١) = "التصفيح للنساء، والتسبيح للرجال"، كما جاء في الحديث. قال: والأول أحب إلينا. واحتج أهل المقالة الأولى أن التسبيح إنما كره للنساء، لأن صوت المرأة فتنة، ولهذا منعت من الأذان، والإقامة، والجهر بالقراءة في الصلاة، واحتجوا بما رواه حماد بن زيد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، في هذا الحديث أن النبي -ﷺ-، قال: "من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال، ولتصفح النساء". قالوا: وهذا نص لا تأويل لأحد معه. وقوله في أول الباب: (من صفق جاهلًا من الرجال لم تفسد صلاته)، إنما تأول ذلك، لأن الرسول -ﷺ- لم يأمر الذين صفقوا بالإعادة، ففيه جواز العمل اليسير في الصلاة. والتصفيق: الاضطراب وضرب اليد على اليد، وفي كتاب الأفعال: صفق رأسه صفقًا: ضربه باليد، وكذلك صفق عنقه. وقال الأصمعي: صفقت يده بالبيعة: إذا ضربت يدك على يده، وصفق الطائر بجناحيه: ضرب بهما".
(٢) وهذا مخالف لقولهم: الخاص قاض على العام، لكن قد رأيت تقييدًا لهذا القول في (المسودة، ص ١٢٣) رأيت ذكره، وهو قوله: "مسألة: هذا الكلام في الخاص والعام إذا جهل التاريخ أو علم المتقدم أو المتأخر، فأما إن كانا مقترنين بأن قال في كلام متواصل: اقتلوا الكفار ولا تقتلوا اليهود، أو يقول: زكوا البقر ولا تزكوا العوامل، فهاهنا الخاص مقدم على العام ومخصص به، قاله عامة الفقهاء والمتكلمين، وحكى عن بعضهم تعارض الخاص وما قابله من العام ولا يخصص به، ذكره أبو الخطاب. فصل: بناءً العام على الخاص والمطلق على المقيد إذا كان الخاص والمقيد أسبق على ظاهر المذهب إنما يكون إذا لم تقم قرينة تبين إرادة العموم والإطلاق فإنه حينئذ يكون الخاص والمقيد مبينين للعام والمطلق ولأنه لم يرد به العموم. فأما إذا دل دليل على إرادة العموم لم يجز التخصيص وتعين نسخ الخاص بالعام، ومثاله أن حديث ابن عمر في قول النبي -ﷺ-: "فمن لم يجد نعلين فليلبس الخفين =
[ ٢ / ٢١٥ ]
أو لضعف حديث التصفيق عنده (١)، وإن صححه غيره.
[الكلام للإصلاح:]
ولا سجود في كلام قليل لإصلاحها بعد سلام من اثنتين أو غيره، والصلاة صحيحة، كأن يقولوا له: لم تكمل، فيقول: بل أكملت.
ومفهوم: (بعد سلام) أنه لو سألهم قبله بطلت، وهو كذلك؛ لوجوب بنائه على يقينه، وهو المشهور؛ لما جاء في حديث ذي اليدين (٢).
قال تقي الدين في قول ذي اليدين: (قد كان بعض ذلك)، بعد قوله ﵊: "كل ذلك لم يكن" نكتة لطيفة، فإن قوله ﵊: "كل ذلك لم يكن" يتضمن أمرين:
أحدهما: الإخبار عن حكم شرعي، وهو عدم القصر.
والثاني: الإخبار عن أمر وجودي، وهو النسيان.
فالأول لا يجوز فيه السهو، والثاني محقق عند ذي اليدين، فيلزم أن يكون الواقع به في ذلك كما ذكر.
قلت: ظاهره: أنه من باب تناقض الموجبة الجزئية للكلية السالبة، وأنه فهم قوله ﵊: "كل ذلك لم يكن" كلية سالبة، وإذا تأملته وجدته من باب سلب أخص، أي: مجموع ذلك لم يقع، فهو من
_________________
(١) = وليقطعهما أسفل من الكعبين" كان بالمدينة وهو مقيد، وحديث ابن عباس ليس فيه ذكر القطع وهو كان بعرفات. وقد قال أصحابنا: حديث ابن عمر منسوخ بحديث ابن عباس وإن كان مطلقًا لأن النبي -ﷺ- أطلق لبس الخف في حديث ابن عباس، ولم يذكر القطع مع أنه لو كان واجبًا لوجب ذكره لأنه حين الحاجة إلى بيان الحكم اذ كان الناس بعرفات، فلما أطلق والحالة هذه علمنا أنه أراد جواز اللبس مطلقًا فنسخنا حينئذ المقيد بالمطلق. واللَّه أعلم".
(٢) قلت: كيف يكون ذلك، وقد رواه في موطئه، الذي نقحه ما يقارب من أربعين عامًا، وكان يقرأ عليه.
(٣) رواه مالك (١/ ٩٣، رقم: ٢١٠).
[ ٢ / ٢١٦ ]
باب السلب الجزئي، فلا ينافي بعض ذلك وقع. انتهى (١).
_________________
(١) قال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٩٨، وما بعدها): "أجمع المسلمون أن الكلام في الصلاة عمدًا إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته تفسد صلاته، إلا الأوزاعي فإنه قال: من تكلم في صلاته لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام - لم تفسد بذلك صلاته ومضى عليها. وذكر الوليد بن مزيد وغيره عنه قال: لو نظر المصلي إلى غلام يريد أن يسقط في بئر أو مكان فصاح به لم يكن عليه بأس أن يتم صلاته. قال: وكذلك لو رأى ذئبًا يثب على غنمه فصاح به أتم ما بقي من صلاته. قال أبو عمر: لم يتابعه أحد على قوله هذا وهو قول ضعيف ترده السنن والأصول قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. قال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت! ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾! فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وقال ابن مسعود: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إن اللَّه يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث إلا تكلموا في الصلاة". وقال معاوية بن الحكم السلمي: سمعت رسول اللَّه يقول: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام إنما هو التسبيح والتهليل والتحميد وقراءة القرآن. . ". وأجمعوا على أن تحريم الكلام في الصلاة جملة إلا ما نذكره بعد عنهم إن شاء اللَّه. وليس قول الأوزاعي بشيء لأن إغاثة الملهوف وما أشبهه ليس تمنع من استئناف الصلاة ولا يوجب البناء على ما مضى منها إذ ذلك الفعل مباين لها مفسد قاطع فإنه يطابق النهي، وفي موافقة الأوزاعي للجماعة فيمن تكلم عامدًا في صلاته بغير ما ذكر أنها قد فسدت عليه ويلزمه استئنافها، ما يدل على فساد قوله؛ لأن النهي عن كلام الناس فيها عام فما لم يخرج منه بالدليل الواضح فهو على أصل التحريم، وباللَّه التوفيق. وأما اختلاف فقهاء الأمصار في الذي يتكلم وقد سلم من صلاته قبل أن يتمها وهو يظن أنه قد أتمها؛ فإن مالكًا وأصحابه اختلفوا في ذلك، فروى سحنون عن ابن القاسم عن مالك قال: لو أن قومًا صلى بهم رجل ركعتن وسلم ساهيًا فسبحوا به فلم يفقه فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة: إنك لم تتم فأتم صلاتك فالتفت إلى القوم فقال: أحق ما يقول هذا؟ فقالوا: نعم، قال: يصلي بهم الإمام ما بقي من صلاتهم ويصلون معه بقية صلاتهم من تكلم منهم ومن لم يتكلم ولا شيء عليهم ويفعلون في ذلك ما فعل النبي -ﷺ- يوم ذي اليدين، هذا قول ابن القاسم في كتبه "الأسدية"، وروايته عن مالك وهو المشهور من مذهب مالك عند أكثر أصحابه، وبه قال إسماعيل بن إسحاق: واحتج له في كتاب رده على محمد بن الحسن، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم قال عيسى: سألت ابن القاسم عن إمام فعل اليوم =
[ ٢ / ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كفعل النبي يوم ذي اليدين وتكلم أصحابه على نحو ما تكلم أصحاب النبي -﵇- يوم ذي اليدين فقال ابن القاسم: يفعل كما فعل النبي -﵇- يوم ذي اليدين ولا يخالفه في شيء من ذلك لأنها سنة سنها -﵇-. زاد العتبي في هذه عن عيسى عن ابن القاسم قال: وليرجع الإمام فيما شك فيه إليهم ويتم معهم وتجزيهم. قال عيسى: قال ابن القاسم: لو أن إمامًا قام من أربع أو جلس في ثالثة فسبح به فلم يفقه، فكلمه رجل ممن خلفه كان محسنًا وأجزته صلاته. قال عيسى: وقال ابن كنانة: لا يجوز لأحد اليوم ما جاز لمن كان يومئذ مع النبي -﵇- لأن ذا اليدين ظن أن الصلاة قد قصرت فاستفهم عن ذلك، وقد علم الناس اليوم أن قصرها لا ينزل فعلى من تكلم الإعادة. قال عيسى: فقرأته على ابن القاسم فقال ما أرى في هذا حجة وقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: "كل ذلك لم يكن" فقالوا له: بلي، فقد كلموه عمدًا بعد علمهم أنها لم تقصر. قال عيسى: وقال لي ابن وهب إنما ذلك كان في أول الإسلام ولا أرى لأحد أن يفعله اليوم. قال أبو عمر: أما كلام القوم للنبي -﵇- بعد أن سمعوه يقول: "لم تقصر الصلاة ولم أنس" فمختلف فيه ولا حجة لمن نزع به؛ لأن حماد بن زيد -هو أثبت الناس في أيوب- روى حديث ذي اليدين عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال فيه: فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أحق ما يقول ذو اليدين" فأومؤوا، أي: نعم فبان بهذا أنهم لم يتكلموا بعد أن سمعوا النبي -ﷺ- يقول: "لم تقصر الصلاة ولم أنس" ولكنهم أومؤوا، أي: نعم فعبر المحدث عن الإيمان بالقول. والعرب قد تفعل ذلك فيما لا يصح منه القول؛ فالإيماء بذلك أحرى ممن يصح قوله إذا منع من الكلام، وتحريم الكلام في الصلاة مجتمع عليه فلا يباح برواية مختلف فيها. وقال يحيى ابن يحيى عن ابن نافع: لا أحب لأحد أن يفعل مثل ذلك اليوم؛ فإن فعل لم آمره أن يستأنف، وروى أبو قرة موسى بن طارق عن مالك مثل قول ابن نافع خلاف رواية ابن القاسم. قال أبو قرة: سمعت مالكًا يستحب إذا تكلم الرجل في الصلاة أن يعود لها ولا يبني. قال: وقال لنا مالك: إنما تكلم رسول اللَّه -ﷺ- وتكلم أصحابه معه يومئذ لأنهم ظنوا أن الصلاة قد قصرت ولا يجوز ذلك لأحد اليوم. وروى أشهب عن مالك: أنه قيل له: أبلغك أن ربيعة بن عبد الرحمن صلى خلف إمام =
[ ٢ / ٢١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فأطال التشهد فخاف ربيعة أن يسلم -وكان على الإمام سجود السهو قبل السلام- فكلمه ربيعة فقال: إنهما قبل السلام فقال: ما بلغني ولو بلغني ما تكلمت به أنتكلم في الصلاة. وقد ذكرنا في التمهيد وجوه الروايات عن مالك وأصحابه في هذا الباب. وروى ابن وضاح عن الحارث بن مسكين قال: أصحاب مالك كلهم على خلاف ما رواه ابن القاسم عن مالك في مسألة ذي اليدين ولم يقل بقوله إلا ابن القاسم وحده وغيره يأبونه ويقولون: إنما كان ذلك في أول الإسلام وأما الآن فقد عرف الناس الصلاة فمن تكلم فيها أعادها. وأما الشافعي فقال في حديث ذي اليدين: لا يشك مسلم أن النبي -﵇- لم ينصرف إلا وهو يرى أنه قد أكمل الصلاة وظن ذو اليدين أن الصلاة قد قصرت بحادث من اللَّه ولم يقبل رسول اللَّه من ذي اليدين إذ سأل غيره، ولما سأل غيره احتمل أن يكون سأل من لم يسمع كلام ذي اليدين فيكون في معنى ذي اليدين، واحتمل أن يكون سأل من سمع كلامه ولم يسمع النبي -﵇- رده عليه كان في معنى ذي اليدين من أنه لم يدر أقصرت الصلاة أم نسي، فأجابه ومعناه معنى ذي اليدين مع أن الفرض عليهم جوابه؛ إلا ترى أن النبي -﵇- لما أخبروه فقبل قولهم، لم يتكلم ولم يتكلموا حتى بنوا على صلاتهم قال: فلما قبض رسول اللَّه -﵇- تناهت الفرائض فلا يزاد فيها ولا ينقص منها أبدًا. قال: فهذا فرق ما بيننا وبينه إذا كان أحدنا إمامًا اليوم. قال أبو عمر: أما قول الشافعي مع أن الفرض عليهم جوابه فموجود في حديث أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي فناداني رسول اللَّه -ﷺ- فلم أجبه حتى قضيت صلاتي فأتيته فقال: "ما منعك أن تجيبني" قلت: كنت أصلي، قال: ألم يقل اللَّه ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ وهو حديث يرويه شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص عن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى وهو محفوظ من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة لأبي بن كعب. وقد تقدم فيما مضى من هذا الكتاب وفيه أن مجاوبة النبي -﵇- واجبة على العموم في الصلاة وغيرها. وفي ذلك دليل على أن ذا اليدين وأصحابه مخصوصون بذلك ما كان -﵇- حيًا فيهم، وقد يحتمل أن تكون إجابته في الصلاة إشارة كما كان -﵇- يضع في الصلاة وهو في مسجد قباء بالأنصار إذ دخلوا فسلموا عليه وهو يصلي فكان يشير. قال أبو عمر: الخلاف بين مالك والشافعي في هذه المسألة إنما هو أن مالكًا يقول في رواية ابن القاسم عنه: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان ذلك في صلاحها =
[ ٢ / ٢١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وشأنها، وهو قول ربيعة وابن القاسم وإليه ذهب إسماعيل بن إسحاق. وقال الشافعي وأصحابه وسائر أصحاب مالك: إن المصلي إذا تعمد الكلام وهو في الصلاة عالمًا أنه لم يتمها فقد أفسد صلاته فإن تكلم ساهيًا أو تكلم وهو يظن أنه قد أكمل صلاته وأنه ليس في صلاة عند نفسه فهذا يبني ولا يفسد عليه كلامه ذلك صلاته. وقال أحمد بن حنبل فيما حكى عنه أبو بكر الأثرم ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها: لا يفسد عليه صلاته وإن تكلم لغير ذلك فسدت عليه صلاته. وقال في موضع آخر: سمعت أحمد بن حنبل يقول في قصة ذي اليدين: إنما تكلم ذو اليدين وهو يرى أن الصلاة قد قصرت وتكلم النبي -﵇- وهو دافع لقول ذي اليدين وكلم القوم فأجابوه لأنه كان عليهم أن يجيبوه. قال أبو عمر: وهذا نحو ما قاله الشافعي في ذلك. وذكر الخرقي أن مذهب أحمد بن حنبل الذي تحصل عليه - قوله فيمن تكلم عامدًا أو ساهيًا في صلاته بطلت صلاته إلا الإمام خاصة؛ فإنه إذا تكلم ليصلح صلاته لم تبطل صلاته. وقد ذكرنا مذهب الأوزاعي فيما مضى وقال الأوزاعي أيضًا: لو أن رجلًا قال لإمام جهر بالقراءة في العصر إنها العصر لم يكن عليه شيء، قال أبو عمر: لو كان هذا ما احتاج أحد إلى التسبيح في الصلاة وقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من نابه شيء في صلاته فليسبح". وقال -﵇-: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح وتلاوة القرآن". وكلام الأوزاعي في هذا الباب عند الفقهاء وهم وخطأ ليس بصواب. وقد أجمع العلماء على أن السلام في الصلاة قبل تمامها عمدًا يفسدها؛ فالكلام بذلك أحرى، واللَّه أعلم. وأما الكوفيون أبو حنيفة وأصحابه والثوري فذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة على كل حال سهوًا كان أو عمدًا لصلاح كان أو لغير ذلك يفسد الصلاة، واختلف أصحاب أبي حنيفة في السلام فيها ساهيًا قبل تمامها: فبعضهم أفسد صلاة المسلم فيها ساهيًا وجعله كالمتكلم عامدًا. وبعضهم لم يفسدها بالسلام ساهيًا. وكلهم يفسدها بالكلام عامدًا وهو قول إبراهيم النخعي وعطاء والحسن وحماد بن أبي سليمان وقتادة. وزعم أصحاب أبي حنيفة أن حديث ذي اليدين منسوخ بحديث زيد بن أرقم وابن =
[ ٢ / ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مسعود الذي ذكرنا. قالوا: وفي حديث زيد بن أرقم وابن مسعود بيان أن الكلام كان مباحًا في الصلاة ثم نسخ قالوا: فحديث أبي هريرة منسوخ في قصة ذي اليدين بما جاء في حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم. قالوا: وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام؛ فإنه أرسل حديث ذي اليدين عن النبي -﵇- كما كان يفعله هو وغيره من الصحابة بما سمعه بعضهم من بعض. لأنه جائز للصاحب إذا حدثه صاحب من الصحابة بما سمعه من رسول اللَّه - أن يحدث به عن رسول اللَّه إذا لم يقل: سمعت. واحتجوا بأن ابن عباس ومن كان مثله قد حدثوا عن رسول اللَّه بما أخبروا عن أصحابه عنه وهو عند الجميع مسند صحيح. ألا ترى إلى حديث أبي هريرة عن النبي -﵇- فيمن أدركه الفجر وهو جنب: "إنه لا صوم له" فلما وقف عليه سئل: هل سمعته من رسول اللَّه؟ قال: لا علم لي إنما أخبرنيه مخبر. وقال أنس: ما كل ما نحدثكم به عن رسول اللَّه سمعناه منه، ولكن منه ما سمعنا ومنه ما أخبرنا أصحابنا، وكل حديث الصحابة مقبول عند جماعة العلماء على كل حال. قالوا: فغير نكير أن يحدث أبو هريرة بقصة ذي اليدين وإن لم يشهدها، قالوا: ومما يدل على أن حديث أبي هريرة في ذلك منسوخ أن ذا اليدين قتل يوم بدر. واحتجوا بما رواه ابن وهب عن العمري عن نافع عن ابن عمر أن إسلام أبي هريرة كان بعد موت ذي اليدين. قالوا: وهذا الزهري مع علمه بالأثر والسير وهو الذي لا نظير له بالأثر في ذلك يقول: إن قصة ذي اليدين كانت قبل بدر، حكاه معمر وغيره عن الزهري. قال الزهري: ثم استحكمت الأمور بعد. قال أبو عمر: أما ما ادعاه العراقيون من أن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم فغير مسلم لهم ما ادعوا من نسخه، ولكنه خص من تحريم الكلام معنى ما تضمنه لأن حديث أبي هريرة يوم ذي اليدين كان في المدينة وقد شهده أبو هريرة وإسلامه كان عام خيبر، هذا مما لا خلاف بين العلماء فيه. فإن قيل: كيف يصح الاحتجاج بحديث ابن مسعود في تحريم الكلام في الصلاة بمكة وزيد بن أرقم رجل من الأنصار يقول: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه في الحاجة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ومعلوم أن سورة البقرة مدنية. =
[ ٢ / ٢٢١ ]
[رجوع الإمام لعدلين:]
ولما نص أن الكلام لإصلاحها غير مبطل، رتب عليه قوله: ورجع إمام فقط لا منفرد عند ابن القاسم، وهو المشهور، لعدلين أخبراه بعد سلامه أنه أتم أو لم يتم، إذا غلب قولهما على ظنه أو شكه.
ومفهوم العدد: عدم رجوعه لواحد، وهو كذلك عند مالك وابن القاسم.
وربما أشعر قوله: (إمام) بأن العدلين مأموماه، وهو شرط في قبولهما على مذهب المدونة وابن القاسم.
_________________
(١) = فالجواب أن ابن مسعود ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة في جماعة من هاجر إليها من الصحابة وأنه من الجماعة المنصرفين من الحبشة إلى مكة حين بلغهم أن قريشًا دخلوا في الإسلام وكان الخبر كاذبًا فأقبلوا إلى مكة في حين كون بني هاشم وبني المطلب في الشعب ووجدوا قريشًا أشد ما كانوا على النبي وأصحابه ثم أمره رسول اللَّه فيمن أمر من أصحابه بالهجرة إلى المدينة (فهاجر إلى المدينة) ثم شهد بدرًا مع من شهدها منهم إلا أن حديثه من رواية عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عنه: أن رسول اللَّه لم يرد -﵇- يومئذ بمكة وهو يصلي فقال له: "إن اللَّه أحدث إلا تكلموا في الصلاة" قد وهم في ألفاظه عاصم وكان سيئ الحفظ عندهم كئير الخطأ لا يحتج بحديثه فيما خولف فيه. وحديثه: حدثناه سعيد بن نصر قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن عبد اللَّه بن مسعود قال: كنا نسلم على النبي -﵇- في الصلاة قبل أن نأتي أرض الحبشة فيرد علينا، فلما رجعنا سلمت عليه وهو يصلي فلم يرد علي فآخذني ما قرب وما بعد فجلست حتى قضى النبي -﵇- صلاته، فقال: يا رسول اللَّه سلمت عليك وأنت تصلي فلم ترد عليّ، فقال: "إن اللَّه يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة". قال سفيان: هذا أجود ما وجدنا عند عاصم في هذا الوجه. قال أبو عمر: قد روى هذا الحديث شعبة عن عاصم على خلاف معنى حديث ابن عيينة ولم يقل فيه إن ذلك كان منه في حين انصرافه من أرض الحبشة، بل ظاهره ومساقه يحتمل أن يكون كان ذلك منه بالمدينة فيكون في معنى حديث ابن أرقم. . ".
[ ٢ / ٢٢٢ ]
وعند اللخمي: لا يشترط على المذهب، وصدر به ابن الحاجب، وحكى الآخر بقيل.
ومفهوم الصفة: أنه لا يرجع لاثنين غير عدلين، ومقتضى التعدد: أنه من باب الشهادة لا الخبر.
[محل الرجوع:]
ومحل رجوعه لهما: إن لم يتيقن؛ لاحتمال إخبارهما عن ظن.
[مسألة:]
وأخرج من عدم رجوعه ليقينه مسألة، فقال: إلا لكثرتهم جدًا، بحيث يفيد خبرهم العلم، فيرجع لهم، ويترك يقينه، وأخرج بقوله: (جدًا) كالثلاثة.
[حمد العاطس:]
ولا سجود لحمد عاطس في صلاته، يقال: عطس، بفتح الطاء في الماضي، وفي المضارع: الكسر والضم.
[حمد مبشر:]
أو الحمد مبشر: اسم مفعول، وندب تركه، أي: الحمد حينئذ، وقراءة بعضهم يحمد فعلًا، وعليه فلا يعلم منه عين الحكم.
[الجائز يفعله:]
ولا سجود لجائز يفعله في صلاته، ومثل له بأربعة أمثلة، فقال:
[١] كإنصات قل لمخبر؛ لخفته، قاله في المدونة.
قال ابن بشير: وإن طال جدًا بطلت صلاته.
[٢] ولا في ترويح رجليه، بأن يعتمد على واحدة، ويرفع الأخرى.
مالك: وعليه العمل.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وقيد بما إذا كان يطول في القيام وشبهه، وإلا فمكروه، وربما أشعر بذلك قوله: (ترويح).
[٣] ولا قتل عقرب تريده، أو حية وشبهها؛ لعظم المفسدة، وفهم من قوله: (تريده) أنها لو لم ترده لسجد، وهو كذلك في أحد القولين كما حكاهما ابن عرفة.
وظاهر كلام المصنف: ولو كثر، وهو خلاف ما في ابن الحاجب؛ لنصه على الإبطال إن كثر، ولو أراده المصنف لأخره قوله: (قل).
[٤] ولا سجود في إشارة من مصل لسلام، أي: لرده، وانظر الحكم في الإشارة لابتدائه، أو حاجة؛ لأنه جائز، فيرد بيده أو رأسه، وقيدها ابن القاسم بالخفيفة.
ولا يرد عاطس في صلاته بالإشارة على مشمت شمته، ولا يعلم عين الحكم من كلامه.
وقال بعض مشايخي: الكراهة. انتهى.
وفي تصوره على المشهور عسر؛ لأن التشميت فرع سماع الحمد، والفرض أنه لا يحمد، فكيف يرد؟
والجواب: أنه يمكن فرضه إذا عطس وحمد جهرًا قبل الإحرام، ثم أحرم تشمته صدق حينئذ أنه لا يرد.
ولما كان رد السلام والتشمت مطلوبين فرق بينهما بأن رد السلام واجب اتفاقًا، والتشميت مختلف في وجوبه وندبه، ولا يلزم من إباحة المتفق عليه إباحة المختلف فيه.
والتشميت بالشين المعجمة ومهملة، وتشميته أن يقال له: يرحمك اللَّه.
[الأنين والبكاء:]
كأنين لوجع وبكاء تخشع والتشبيه بينه وبين الجائز في أنه لا شيء على الآتي بأحدهما، لا أنه من أفراد الجائز.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
قال البساطي: لأن الفعل الضروري لا يتصف بالحكم الشرعي.
وإلا بأن كان الأنين لا لوجع أو بكى لغير تخشع كمصيبة فكالكلام، يفرق بين عمده وسهوه، وقليله وكثيره.
[مسألة:]
ولما ذكر أنه يجوز للمصلي رد السلام إشارة على من سلم عليه شبه به أنه يجوز لغير المصلي السلام عليه ابتداء، فقال: كسلام -أي: ابتدائه- على مصل مفترض، ومفهومه مفهوم موافقة، لأن المتنفل كذلك، وإنما لم يقل: (مصل) ليشملهما؛ مخافة توهم خصوصية التنفل؛ لخفته.
[التبسم:]
ولا سجود لتبسم على المشهور؛ لانتفاء موجب السجود.
ابن رشد: وسواء كان متعمدًا أو ناسيًا.
وعن مالك: عليه السجود بعد السلام؛ لضعف مدركه.
وعن مالك: يسجد قبل السلام.
[فرقعة الأصابع والالتفات:]
ولا سجود في فرقعة أصابع ولا في التفات بلا حاجة، ومعها أولى، وتقدم كراهة فرقعة الأصابع والالتفات في آخر فصل فرائض الصلاة.
[بلع ما بين الأسنان:]
ولا في تعمد بلع ما بين أسنانه، والسهو أولًا.
[حك الجسد:]
ولا سجود في حك جسده.
قال بعض مشايخي: ينبغي أن يقيد هذا والذي قبله بالخفيف، وأما بالوسط فلا يبعد اقتضاؤه للسجود.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وفي كلام بعضهم إيماء إليه، فإن كثر عمدًا أو سهوًا لبطل، وهو واضح. انتهي، وفيه بحث.
[الذكر:]
ولا سجود في ذكر قرآن أو غيره قصد التفهيم به بمحله، كاستئذان شخص للدخول عند قراءة المصلي: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾، وإلا يكن الذكر بمحله، بأن تجرد للتفهيم، كما لو كان يقرأ في غير الآية السابقة فترك ما هو فيها وقرأها بطلت صلاته على الأصح؛ لأنه في معنى المكالمة، كفتح على من ليس معه في صلاة على الأصح عند ابن القاسم وسحنون.
* * *
[مبطلات الصلاة]
ولما ذكر أركان الصلاة، وسننها، ومستحباتها، وما يجوز فيها، وما يكره، وما يمضي منها إذا خرج وقته، وصفة القضاء، وما يجبر بسجود السهو، وما لا يجبر، شرع في ذكر أشياء مبطلة لها، فقال: وبطلت:
[١] بقهقهة، ظاهرة: عمدًا أو غلبة أو نسيانًا؛ لمنافاتها الخشوع الذي هو المقصود منها.
وظاهرة: كان إمامًا أو فذًا أو مأمومًا، وهو كذلك، في الجميع، وتمادى المأموم على صلاته الباطلة مع إمامه ولا يقطعها، وقيد ذلك بقوله: إن لم يقدر على الترك للقهقهة، بأن كان معلومًا؛ مراعاةً لحق الإمام ولصلاة الجماعة، ويعيدها.
وهذا القيد ذكره سند، ولم يذكره ابن الحاجب تبعًا لقول المدونة: يتمادى المأموم ويعيد.
وفهم من قوله: (تمادى المأموم) قطع الإمام والفذ، وهو كذلك،
[ ٢ / ٢٢٦ ]
ومفهوم الشرط: أن المأموم غير المغلوب يقطع: عامدًا كان أو ناسيًا أنه في صلاة.
وظاهر كلامه: البطلان ولو كان ضحكه للآخرة، ولما أعده اللَّه فيها لأوليائه.
ابن ناجي: أفتى به غير واحد ممن لقيته من التونسيين والقرويين.
البرزلي: هو ظاهر المذهب؛ لمنافاته الصلاة مطلقًا. انتهى.
وصوب ابن ناجي الجواز؛ لعدم قصده اللعب، بل هو مأجور فيه، كالبكاء خوف عذاب اللَّه.
ثم شبه ببطلان صلاة المأموم وتماديه مسألتين:
الأولى: قوله: كتكبيره -أي: المأموم- حال كونه مسبوقًا للركوع، أي: لأجل إدراكه مع الإمام خوف فوات الركعة بلا نية إحرام، فإنها باطلة عند ربيعة، وهو المشهور، ويتمادى مع الإمام مراعاة لأجزائها عند ابن المسيب، واللَّه أعلم.
تنبيه:
قول البساطي: (ولا يتصور فرضها في غير المأموم إلا في صورة نادرة)، قال بعض مشايخي: أراد على القول بأن الفاتحة غير واجبة في الجل، وسيأتي مفهوم قوله: (بلا نية إحرام).
المسألة الثانية: قوله: وذكر فاله يجب ترتيبها مع ما هو فيه، كأربع أو خمس فدونها تبطل، ويقطع الإمام.
وقيل: يتمادى.
وعلى الأول: فهل يقطع من خلفه، أو يستخلفون من يتم بهم؟ قولان.
وما ذكره هنا هو كقول الرسالة: (ومن ذكر صلاة في صلاة فسدت هذه عليه)، وتقدم للمصنف في الفوائت عدم البطلان، وربما يظهر التخالف بين كلامه.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وقد يقال: لا تخالف، بأن يحمل ما هنا على أنه يجب عليه القطع، وإن لم يقطع لم تبطل، انظر الكلام على ما يتعلق بهذه المشكلة وبما هناك من النظائر في الكبير.
[٢] وبطلت صلاة المأموم بحدث الإمام، إلا مع تعمد الإمام، لا مع غلبته ونسيانه.
تنكيت:
قول البساطي: (لا يسري ذلك للمأموم، بخلاف ذكر الحدث) سبق قلم، فتأمله.
[٣] وبطلت بسجوده قبل السلام لفضيلة تركها كالقنوت والتسبيح في الركوع والسجود، أو لتكبيرة واحدة؛ فإنها سنة خفيفة.
ودخل بالكاف لفظ تشهد واحد، وسمع اللَّه لمن حمده مرة.
[٤] وبطلت بمشغل كحقن أو قرقرة أشغله عن فرض كركوع أو سجود مثلًا، ونحوه في المدونة، وإن أشغله عن سنة فإنه يعيد في الوقت، قاله ابن بشير.
وفهم من كلامه: أنه لو أشغله عن فضيلة لم يعد، وهو كذلك.
[٥] وبطلت بزيادة أربع سهوًا في الرباعية، وكذا في الثلاثية، وهو المشهور، وكركعتين سهوًا في الثنائية على المشهور، ولا ينجبر ذلك بالسجود فيهما.
ومفهوم كلامه: أنه لو زاد في الرباعية ثلاثًا أو في الثنائية واحدة سهوًا لم تبطل، وهو كذلك على المشهور.
[٦] وبطلت بتعمد زيادة فعل من نوعها، ولو كسجدة أو ركوع، وهل الزيادة جهلًا كالعمد والنسيان؟ قولان.
قال الشارح: والأول هو المشهور.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
تنبيه:
قال بعض مشايخي: قوله: (كسجدة) أي: ركن فعلي، فلو تعمد زيادة ركن قولي، كتكرير الفاتحة، لم تبطل؛ لأنه من الذكر، ولا تبطل به.
[٧] أو بتعمد نفخ على المشهور، ومذهب المدونة جهله كعمده. البرزلي: بالألف والفاء.
وفي الرسالة: النفخ في الصلاة كالكلام، والعامد لذلك مفسد لصلاته.
[٨] أو بتعمد أكل أو شرب، حكاه في الذخيرة؛ لإحالته الأعراض.
[٩] أو بتعمد قيء؛ لتلاعبه، وظاهره: ولو ماء، وهو كذلك في المجموعة.
تنبيه:
تعقب في توضيحه قول ابن الحاجب: (وفيها إن قلس، وقلّ، لم يقطع، بخلاف القيء)، أي: فإنه يقطعها، ولو ماء، وليس كذلك، فإن الماء لا يقطعها عند ابن القاسم، وساقه كأنه المذهب، ثم درج هنا على ما قال ابن الحاجب (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: "وقال (تت): القيء ظاهره ولو ما وهو كذلك في المجموعة، وفي التوضيح متعقبًا لقول ابن الحاجب وفيها: إن قلس وقل لم يقطع بخلاف القيء، أي: فإنه يقطعها وليس كذلك فإن الماء لا يقطعها عند ابن القاسم وساقه كأنه المذهب ثم درج منا على ما قاله ابن الحاجب. انتهى. ومحصله أن كلام التوضيح يقتضي اعتماد أن القيء إذا كان ما لا يبطل وأن كلامه هنا يقيد به. وانظر قول ابن الحاجب عنها بخلاف القيء فإن القيء والقلس متساويان على المذهب في حالة الغلبة وفي حالة العمد. قلت: ومقتضى كلام التوضيح أن كلام ابن الحاجب في حالة الغلبة وإن ما فيها خلاف المشهور وعليه ففي كلام (تت) نظر كما بينه؛ فإنه قال في التوضيح: القلس ما حامض تقذفه المعدة ولم يقطع له إذا قل ليسارته فأشبه التثاؤب والعطاس ومقتضي كلام التوضيح إن القيء يقطع الصلاة وليس على إطلاقه، فقد روى ابن القاسم في المجموعة: إن كان ما لا يقطعها وإن كان طعامًا قطعها، قال في البيان: فأفسد =
[ ٢ / ٢٢٩ ]
[١٠] أو بتعمد كلام، وإن قل لغير إصلاحها.
تتمة:
قال سند: ليست الحروف شرطًا، بل لو نهق كالحمار أو زعق كالغراب بطلت صلاته. انتهى.
وزعق: صاح، ويقال: نعق بالعين مهملة ومعجمة: صاح وسواء كان أثم بالكلام كالاختيار، أو لا، وإليه أشار بقوله: وإن بكره، حكاه ابن شاس.
وظاهره: اتسع الوقت لإدراكها فيه أو لا، وللخمي: إن ضاق وتكلم فلا تبطل.
أو وجب عليه الكلام لإنقاذ أعمى خوف وقوعه في مهواة، وغير ما وجب أولى، ولا منافاة بين وجوب الشيء وكونه مبطلًا، وهل يدخل في الكلام إشارة الأخرس؛ لأنهم جعلوها كالكلام، أو لا؛ لأنها ليست كلامًا حقيقة، وهما قولان، ومنها ثالث: إن قصد الكلام فكهو، وإلا فلا.
إلا أن يكون تعمده لإصلاحها فبكثيره تبطل، ولو سد سلام من اثنتين على المشهور؛ لأنه رأى تسوية السلام بما قبله.
[١١] وبطلت بسلام منها ساهيًا، وأكل وشرب؛ لكثرة المنافي بحصول الثلاثة كما في كتاب الصلاة الأول من المدونة، زاد: وإن لم يطل.
_________________
(١) = الصلاة بما لا يفسد به الصيام، والمشهور: أن من ذرعه القيء لا تبطل صلاته ولا صيامه واختلف قوله: إن رده ناسيًا بعد انفصاله في فساد صلاته وصيامه قال: وأما إن رده طائعًا غير ناس فلا اختلاف إنه يفسد صلاته وصيامه. انتهى. وقوله المشهور: إن من ذرعه القيء خلاف قولها بخلاف القيء هذا. وانظر قول (تت) ظاهره ولو ماء، وهو كذلك في المجموعة مع نقل التوضيح عنها تنبيه، حيث كان كلام ابن الحاجب في القيء غلبة لم يحسن أن يجري ما قيد به في التوضيح في كلام (المص) إن كلامه في العمد ولم يحسن جعل القيء في هذه الحالة مخالفًا للقلس؛ فكلام (تت) غير ظاهر يتوجه عليه الاعتراض بهذا وفي عزوه للمجموعة".
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وكذا في رواية الباجي وابن المرابط (١) بالواو، ووقع في بعض الروايات بـ (أو).
وفيها أيضًا في كتاب الصلاة الثاني: إن أكل أو شرب انجبر بسجود السهو بعد السلام.
ولمالك: تبطل.
وهل الواقع في الكتابين اختلاف من قول مالك، أو لا اختلاف في ذلك؟ تأويلان.
وعلى الاتفاق فالبطلان في الأول إنما هو للسلام في الأولى دون الثانية؛ بناء على أنه بالسلام سهوًا في حكم المصلي، وهذا على رواية (أو)، وأما على رواية الواو فيراد فرق آخر، أشار إليه بقوله: أو للجمع حصل البطلان في الأولى فيها أكل وشرب، وفي الثانية أحدهما على الانفراد في ذلك، تأويلان.
واختلاف: خبر مبتدأ محذوف.
وتأويلان: مبتدأ حذف خبره.
[١٢] وبطلت بانصراف لحدث تذكره، أو أحس به، فخرج لأجله، ثم تبين نفيه؛ لتفريطه،: مسلم من صلاته شك حال سلامه في الإتمام وعدمه، ثم ظهر الكمال بعد سلامه على الأظهر عند ابن رشد؛ لأن الواجب عليه حينئذ أن لا يسلم حتى يتيقن الإتمام، فلما خالف ما وجب عليه بطلت، ومقابله الجواز لابن حبيب.
[١٣] وبطلت بسجود المأموم المسبوق مع الإمام لسهو ترتب على الإمام بعديًا قبل قضاء ما عليه، إن لم يدرك فيه ركعة فأكثر، أو سجد معه
_________________
(١) هو: محمد بن خلف بن سعيد بن وهب، أبو عبد اللَّه بن المرابط، (٠٠٠ - ٤٨٥ هـ = ٠٠٠ - ١٠٩٢ م): قاضي المرية (بالأندلس) ومفتيها وعالمها. له كتاب كبير في (شرح البخاري) قرئ عليه. ينظر: الأعلام (٦/ ١١٥).
[ ٢ / ٢٣١ ]
قبليًا، إن لم يلحق هذا المسبوق ركعة مع الإمام على المشهور؛ لزيادته سجدتين متعمدًا بغير موجب؛ لأنه إنما هو مأموم سورة.
وظاهره: عالمًا أو جاهلًا، قاله عيسى.
وإلا بأن لحق معه ركعة فأكثر سجد معه القبلي إن سجد وجوبًا، بل يسجد المأموم، ولو ترك إمامه السجود، أو لم يدرك موجبه -أي: موجب السجود السّهو- مع الإمام، بأن كان الإمام سها قبل دخوله معه.
وقوله: (سجد معه) هو المشهور، وقال أشهب: بل يسجد بعد القضاء؛ بناءً على أن المدرك مع الإمام أول صلاته؛ إذ لا يسجد للسهو في وسطها.
وظاهره: ولو كان تركه مبطلًا لصلاة الإمام، وهو كذلك؛ لقول صاحب البيان: القاعدة أن كل ما لا يحمله الإمام عن المأمومين لا يكون سهوه عنه سهوًا لهم إذا هم فعلوه.
فائدة:
تزاد هذه على قولهم: كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم، إلا في سبق الحدث ونسيانه.
وأخر المسبوق السجود البعدي المترتب على الإمام بعديًا حتى يقضي ما عليه من صلاته، ولا يسجد معه، فإن سجد معه متعمدًا بطلت صلاته، وإن جهل فقولان، يعيد أبدًا.
ابن رشد: وهو القياس على المذهب؛ لإدخاله في الصلاة ما ليس منها، وجعله ابن القاسم كالناسي.
تذييل:
هل يقوم لإتمام صلاته بعد سلام إمامه من صلب صلاته؟ وهو مذهب المدونة واختيار ابن الحاجب، أو حتى يسلم الإمام من سجود السهو؟
[ ٢ / ٢٣٢ ]
قولان في الأولوية، لا الوجوب (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: "قال (تت): وسكت عن قيام المأموم الذي على إمامه السجود البعدي لإتمام صلاته هل بعد سلام إمامه من صلب صلاته، وهو مذهب المدونة واختاره ابن الحاجب أو حتى يسلم الإمام من سجود سهوه، قولان في الأولوية لا في الوجوب. انتهى. وقوله: أو حتى يسلم إلى آخر عبارة (ح) في هذه واختار ابن القاسم في سماع أصبغ قيامه أثر سجود الإمام للسهو. انتهى. وأما القول بالتخبير فهو رواية ضعيفة هكذا يستفاد من كلام الشامل لكن قال (ح) إن رواية التخبير اقتصر عليها ابن الجلاب ثم قال (ح): فتحصل لمالك ثلاث روايات، قال ابن القاسم بكل منها ثم إن هذا يجري فيمن أدرك مع الإمام ركعة، قال (تت): أو أدرك معه التشهد فقط الثاني، قال (تت) أيضًا وفهم من كلامه أن غير المسبوق يسجد معه قبليًا أو بعديًا. انتهى. قلت: إذا سجد المأموم في محله وآخره الإمام فصلاة المأموم صحيحة كما ذكره العرفي ولا تضره هذه المخالفة وكذا إذا قدم المأموم البعدي كما ذكره البرزلي، فقال: مسألة: إمام عليه سجود سهو بعد السلام فسجده في محله وسجده المأمون قبل سلامهم، أي: وبعد سلام الإمام ثم سلموا، فعند اللخمي: تصح صلاتهم. قلت: هو بمنزلة من قدم البعدي أنهم لو سجدوا السجود البعدي على الإمام قبل سلامهم وقبل سلامه صحت صلاتهم، قال العوفي في الأولى قال سند: ولو لم يسلم المأموم مع الإمام وسجد سجوده فالظاهر أنه يجزيه لأنه أتى بالسجود في محله والإمام هو الذي أخطأ محله، قال: ولو أنه لما سلم الإمام أخذ المأموم في السجود ولم يتبعه فيه فهذا أساء وتجزيه الصلاة. انتهى. وانظر هل يجري مثل ذلك في المسبوق أم لا ثم إن قول (المص) المسبوق هل يشمل من سبق بالصلاة كلها ما عدا سجود السهو فأدركه أو إنما يشمل من سبق ببعض الصلاة وأدرك جزءًا منها، ولذا قال شيخنا انظر هل يدخل في كلام (المص) من دخل مع الإمام في سجود السهو ظانًا إنه في سجود الصلاة ثم تبين له ذلك فتكون صلاته باطلة أو صحيحة وهو الظاهر؛ لأنه غير مقصر. انتهى. قلت: ذكر المسألة المشدالي فقال: هنا بحثان: أحدهما: اختلف الشيوخ فيمن أدرك من صلاة الإمام السجود فأحرم ثم جلس معه حتى سلم ثم قام للقضاء هل تصح صلاته أم لا؟ فقيل: لا تصح لقولها في الكتاب الثاني لأنهما ليسا من الصلاة، وقيل: تصح لقولها قبله ولو قدمه صحت ولو كان من غير الصلاة لم تصح. قلت: وهذا يفيد صحة الاقتداء فيهما على القول بذلك ولو علم حين دخوله أنه سجود سهو. =
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وفهم من كلامه: أن غير المسبوق يسجد معه قبليًا أو بعديًا، وهو كذلك اتفاقًا.
[سهو المأموم يحمله إمامه:]
ولا سهو على مؤتم فيما سها مع إمامه حالة القدوة به؛ لأن الإمام يحمله عنه، واحترز بحال القدوة عما لو سها بعد مفارقة الإمام، فإنه لا يحمله عنه اتفاقا.
فائدة:
قال في القاموس: القدوة مثلثة ما تسننت به واقتديت.
[١٤] وبطلت بترك سجود سهو قبلي مرتب عن نقص ثلاث سنن من سننها قولًا أو فعلًا، كـ: تكبيرتين مع سمع اللَّه لمن حمده، أو الجلوس الوسط مثلًا، وطال ذلك حتى فات التلافي، وهو معتبر عند ابن القاسم بالعرف، لا أقل من ثلاث سنن؛ فلا تبطل بتركه، وهو قول مالك، وأفتى به غير واحد، وهو مذهب المدونة.
_________________
(١) = قلت: ونحو هذا الخلاف ما في سماع عيسى لو لم يدرك المسبوق شيئًا وتبعه في البعدي جهلًا ثم قام للقضاء، صحت عند ابن القاسم رعيًا لقول سفيان وبطلت عيسى ابن رشد وهو القياس على أصل المذهب لأنه أدخل في الصلاة ما ليس فيها البحث. الثاني: لو أدرك مع الإمام سجود للسهو البعدي ثم قام لقضاء ما عليه فقال بعضهم: يصح الاقتداء به لأنه منفرد في أحكامه من إعادته في جماعة وغيرها، وقال بعضهم: لا يصح، قال المشدالي: والجاري على أصل المذهب الصحة قال (ح)، والظاهر أن لفظ البعدي في هذه زائد. انتهى. يريد أن الخلاف في صحة من أدرك مع الإمام سجود الصلاة ولم يدرك معه ركعة انظر (ح) عند قوله: وإن بعد شهر، وهنا أمور؛ الأول: يستفاد من كلامه هذا أن سفيان يقول باتباع المأموم إمامه في سجود السهو سواء أدرك معه ركعة أم لا قبليًا أم بعديًا، ويستفاد منه أيضًا اتفاق القولين على صحة الاقتداء بالإمام في سجود السهو القبلي فقط، وهو مخالف لقول (المص) وبسجود المسبوق مع الإمام بعديًا على القول بصحة صلاته وحمل كلام (المص) على من سبق ببعض الصلاة، وما ذكره المشدالي فيمن سبق بكلها إلا سجود السهو لا يصلح إذ لا معنى للتفرقة المذكورة".
[ ٢ / ٢٣٤ ]
ولما كان عدم البطلان لا يلزم منه السجود ولا عدمه، بين ذلك بقوله: فلا سجود، أي: لا يطلب به بعد الطول، وإنما يطلب به بالقرب؛ لأنه سنة مرتبطة بالصلاة، وتابعة لها، ومن حكم التابع أن يعطى حكم متبوعه بالقرب، فإذا بعد لم يلحق به.
من ذكره -أي: القبلي المرتب عن ثلاث سنن- في صلاة شرع فيها وبطلت، أي: الصلاة الأولي، أي: حكم ببطلانها للطول فكذكرها في صلاة أخرى، وتقدم حكمه، وإلا يحكم ببطلانها؛ لعدم الطول مثلًا، فكبعض ركوعه أو سجوده ذكره من صلاة أخرى، ولذلك أربعة أوجه؛ لأن الأولى إما فرض أو نفل، والثانية كذلك، فجاءت الأوجه الأربعة.
[تذكر قبلي في فرض آخر:]
وأشار لكون الصلاة الأولى فرضًا ترك السجود القبلي منها، بقوله: فمن فرض ذكره في فرض آخر إن أطال القراءة في الثانية قبل الركوع، أو لم يطلها وركع بطلت صلاته الأولى؛ لفوات تلافيها بالإتيان بما فات منها.
[تذكره في نفل:]
وإن ذكره وهو في نفل أتم النفل الذي هو فيه، وهو الصلاة الثانية.
تنبيهان:
الأول: المراد بالطول هنا في نفس الصلاة، وانتفاؤه خارجها، وإن لم يطل ما بين الصلاة المتروك منها الجزء والصلاة التي ذكر فيها ما ترك، واللَّه أعلم.
الثاني: لم يذكر تقييد ابن يونس بأن إتمام النفل إنما هو إذا كان في بقية من الوقت، سواء ركع أو لم يركع، وإن ضاق الوقت قطع، ما لم يركع، ويصير كمن ذكر فريضة ذهب وقتها في نافلة، فيحتمل أنه تركه لوضوحه، أو أنه لم يعتبره.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
[قطع غير النفل:]
وقطع غيره -أي: غير النفل- وهو الفرض؛ لوجوب الترتيب.
تنبيه:
قيد ابن يونس هذا بما إذا لم يكن مع الإمام، وإلا تمادى معه، وأعادهما.
[محل القطع:]
ومحل القطع ما إذا لم يعقد ركعة من الفرض، فإن عقدها ندب الإشفاع إن عقد ركعة؛ ليخرج عن شفع، ومفهوم الشرط: القطع بسلام إن لم يعقد ركعة، ثم يصلي الأولى، ثم الثانية.
[مسألة:]
وإلا بأن لم يحصل طول ولا ركوع رجع لإصلاح الأولى بلا سلام من الثانية؛ لإمكان تلافيها؛ ولئلا يدخل على نفسه بالسلام زيادة أخرى، وهذان الوجهان مأخوذان من قوله: (وأتم النفل، وقطع غيره).
[ذكره من نفل في فرض:]
وإن ذكر السجود القبلي من نفل وهو في فرض تمادى مطلقًا، طال أو لم يطل، عقد ركعة أو لا؛ لحرمة الفرض وعدم تأثير بطلان النفل فيه، كـ: في نفل، أي: كذكر بعض نفل في نفل، فيتمادى إن أطالها -أي: القراءة فيه، أو ركع، ولا قضاء عليه، للنافلة الأولى؛ لبطلانها سهوًا.
ومفهوم الشرط: إن لم يطل أو يركع رجع لإصلاح الأولى، بأن يجبرها بما بقي منها، ويبتدئ النافلة التي كان فيها إن شاء.
وقيل: يتمادي؛ إذ لا يصلح له غير نافلة منهما، وهذان وجهان أيضًا.
[تعمد ترك سنة:]
وهل تبطل الصلاة بتعمد ترك سنة؛ لتلاعبه، وإلى هذا ذهب ابن
[ ٢ / ٢٣٦ ]
كنانة، وشهره في البيان، أو لا تبطل بذلك، وهو قول مالك وابن القاسم، وشهره ابن عطاء اللَّه.
وإذا قلنا: لا تبطل فحينئذ لا سجود عليه، خلاف في التشهر؛ لأنه إنما يكون للسهو.
وإن تركها جاهلًا فهل يلحق بالعامد أو بالناسي؟ قولان.
[١٥] وبطلت بترك ركن سهوًا وطال ذلك، بحيث لا يمكن تداركه، كشرط تشبيه في البطلان بدون شرطه، وتداركه -أي: الركن- إن لم يسلم، والمتروك من الركعة الأخيرة، فإذا ترك منها سجدة سجدها، ما لم يسلم، فإن سلم فات تداركه الركعة على المشهور؛ لأن السلام ركن وجد بعد ركعة السهو، فأشبه ركوع التي تليها في تفويتها الركن.
وإن كان المتروك من غير الأخيرة تداركه، إن لم يعقد ركوعًا للركعة التي تلي ركعة النقص، ثم تبين ما تنعقد به الركعة في الصلاة، واستثنى منه مسائل، فقال: وهو -أي: الانعقاد- رفع رأس عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب في أنه وضع اليدين على الركبتين.
وذكر ابن القاسم مسائل جعل فيها العقد وضع اليدين على الركبتين، أشار المؤلف لها بقوله: إلا لترك ركوع فبالانحناء، وهو وضع اليدين على الركبتين، أو نسي الركوع فلم يذكره إلا بعد الانحناء في التي تليها.
كسر أي: تركه فيما هو سنة فيه وفي معناه الجهر كذلك، وكنسيان تكبيرة عيد في الركعة الأولى أو الثانية حتى انحناء، فإنه يفوت تداركه.
ونسيان سجدة تلاوة حتى انحني، وكر بعض نسيه من صلاة، ويدخل فيه أربع مسائل:
- نسيانه من فرض، كمسلم من اثنتين، ودخل في نافلة، كما توضيحه.
- ونسيانه من نافلة.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
- ونسيانه سجود السهو القبلي من فريضة أو من نافلة، كما قاله عبد الحق، ولم يذكر ذلك في جميعها، حتى انحنى.
[مسألة:]
وإقامة مغرب عليه -أي: على مصليها- وهو بها -أي: يصليها- قال في التوضيح: وقد أمكن يديه من ركبتيه في ركوع الثانية، فرآه ابن القاسم فوتًا، واختلف قول أشهب، فقال مرة كابن القاسم، وقال مرة: يرجع ما لم يرفع رأسه من ركوع الثانية.
فيحمل كلامه هنا على ما في توضيحه؛ لأنه هو المشهور، كما قاله ابن ناجي، أي: لما يلزم عليه من التنفل، وهو ممنوع.
تنبيه:
في قوله: (وهو بها) إجمال؛ لأنه يحتمل أنه فوت مع عقد الركعة الأولى، وهو قول ابن القاسم في المجموعة، ويحتمل مع عقدها في الثانية، وهو له أيضًا، ويحتمل مع عقد ركوع الثالثة، وهو له أيضًا، وانظر تقرير البساطي له بمن أقيمت عليه المغرب وهو في نافلة قد انحنى في ركوع الثانية، وما فيه في الكبير، وللمسألة نظائر، نظمناها في الكبير.
[ما يتلافى بطلانه:]
ولما قدم بطلان الصلاة فيما إذا فاته تدارك الركن بطول أو خرج من المسجد، وبطلان تدارك الركعة بالسلام إن كان المنسي منها في الركعة الآخرة، وبين أن الركوع المفيت للتدارك رفع الرأس لا الانحناء، إلا فيما استثناه، وفصله بذكر النظائر، رجع لبيان حكم ما إذا أمكنه التدارك، بأن لا يكون هناك طول، ولا خروج من المسجد، فقال: وبنى على فعل من الركعات التامة.
[محل البناء:]
ومحل البناء:
- إن قرب، أي: إذا سلم، ولم يطل.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
- ولم يخرج من المسجد على المشهور (١).
[صفة البناء:]
فإنه يبني على صلاته، ويكون بناؤه:
[١ - الإحرام:]
بإحرام، وظاهر كلامه: أنه يحرم، ولو قرب جدًا، وهو كذلك؛ لقول الباجي عن مالك: يحرم مطلقًا، وعلى أنه يرجع بإحرام لو تركه لم تبطل صلاته بتركه عند ابن أبي زيد ومشايخ عصره، وتكفيه نيته عن الإحرام، وهو المشهور.
[٢ - الجلوس له:]
وجلس له -أي: ليأتي به في حال جلوسه- إذ هي التي فارق منها صلاته؛ لأن نهضته قبل لم يكن لها.
وفهم الشارح أنه يحرم قائمًا، ثم يجلس بعده، ثم يقوم على الأظهر عند ابن رشد.
_________________
(١) قال الأجهوري: " (وقوله): وبني إن قرب بالعرف كما يأتي (وقوله): لم يخرج من المسجد؛ فإن خرج منه لم يبن وتبطل صلاته والمراد بالخروج ما يعد خروجًا عرفًا فالخارج بإحدى رجليه لا يعد خروجه خروجًا عرفًا وقوله: بإحرام، أي: بتكبير ونية. والظاهر: أنه يندب فيه رفع اليدين حين شروعه فيه ولم تبطل، أي: الصلاة بتركه، أي: الإحرام بمعنى التكبير ولا بد من النية ولو قرب جدًا اتفاقًا ففيه استخدام فالقائل بأنه إذا قرب جدًا لا يحتاج لإحرام اتفاقًا أراد بالإحرام التكبير لا النية مع أنه طريقة والطريقة الأخرى أنه لا بد من النية والتكبير. وما يوهمه كلام (تت) من اختلاف الطريقتين في الإحرام بمعنى النية والتكبير لا يعول عليه إذ الطريقتان متفقتان على أنه لا بد أن يأتي بالإحرام قائمًا على القولين المتفرعين على هذا القول كما يفيد ذلك كلام ابن الحاجب ونصه ويبني بغير إحرام إن قرب جدًا اتفاقًا وإلا فقولان، وعلى الإحرام ففي قيامه له قولان وعلى قيامه ففي جلوسه ثم ينهض فيتم قولان. انتهى. واعترض ابن عبد السلام وابن هارون قول ابن الحاجب: وعلى الإحرام ففي قيامه له قولان، بأنه شامل لمن تذكر وهو جالس والمنقول: إن من تذكرها جالسًا أحرم كذلك ولا يطلب منه القيام اتفاقًا. انتهى".
[ ٢ / ٢٣٩ ]
[٣ - إعادة التشهد:]
وأعاد تارك السلام سهوًا التشهد ليقع السلام عقبه، وهذا إذا طال طولًا يبني معه، وهو قول ابن القاسم.
وظاهره: أنه لا يكبر، وهو اختيار اللخمي.
وقيل: يكبر.
وشهره المازري وابن شاس، ويمكن حمل كلام المصنف عليه، وعليه فهل التكبير قائمًا أو بعد أن يجلس؟ قولان.
وقولنا: (إذا طال طولًا يبني معه) تحرز عما لو كان كثيرًا لا يبني معه؛ فإنها تبطل، وأما لو قرب جدًا ولم ينحرف عن القبلة لسلم ولا سجود عليه ولا تكبير.
[انحرافه عن القبلة:]
وسجد تارك السلام بعد السلام لسهوه إن انحرف عن القبلة بعد عوده لاستقبالها، ولو زاد على الانحراف، فإن فارق موضعه أو طال جدًا لم يكن الحكم كذلك، أما إذا فارق موضعه ولم يطل فإنه يبني، وإن طال جدًا بطلت، وهو مذهب المدونة.
[الرجوع للجلوس الأول:]
ورجع تارك الجلوس الأول له وللتشهد إذا تذكره، إن لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه، ولا سجود عليه فإن لم يرجع سجد قبل السلام، وإلا بأن فارق الأرض بيديه وركبتيه، ثم تذكر الجلوس قبل استقلاله قائمًا أو بعده، فلا يرجع، كان للجلوس أقرب أو لا، لكن اتفق على عدم رجوعه إن استقل؛ لتلبسه بالركن، ويسجد قبل سلامه.
[حكم صلاته إن رجع:]
ولا تبطل صلاته إن رجع قبل استقلاله؛ لخفة ما أتى به، ولا يفسده عمده، وسواء كان عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا، وهو كذلك على المذهب؛
[ ٢ / ٢٤٠ ]
مراعاة لمن يقول بالرجوع (١).
والقاعدة: أن ما لا يفسده عمده لا سجود لسهوه.
وبالغ على القول بالصحة، وللإشارة لرد القول بالبطلان، بقوله: ولو استقل، وصحح صاحب الإرشاد البطلان، لعل المصنف لم ينبه على تصحيحه لعدم قوته عنده.
ومحل الخلاف في غير الناسي، وأما الناسي فلا يبطل برجوعه اتفاقًا.
_________________
(١) وهم الأحناف على ما قال لنا شيخنا علي ونيس بوزغيبة -رحمه اللَّه تعالى- لكني رأيت في الاختيار لتعليل المختار لابن مودود الموصلي: ومن سها عن القعدة الأولى ثم تذكر وهو إلى القعود أقرب عاد وتشهد وإن كان إلى القيام أقرب لم يعد ويسجد للسهو. وقال في الجوهرة المنيرة: " (قوله: ومن سها عن القعدة الأولى ثم ذكر وهو إلى حال القعود أقرب)، يعني بأن لم يرفع ركبتيه من الأرض. وفي المبسوط: ما لم يستتم قائمًا يعود وإن استتم لا يعود، وصحح هذا صاحب الحواشي (قوله: عاد فقعد وتشهد) لأن ما قرب إلى الشيء يأخذ حكمه كفناء المصر يأخذ حكم المصر في حق صلاة العيد والجمعة ولم يذكر الشيخ سجود السهو ههنا. وفي الهداية: الأصح أنه لا يسجد كما إذا لم يقم. وفي النهاية: المختار أنه يسجد ووجد بخط المكي -﵀- الصحيح أنه يسجد. (قوله: وإن كان إلى حال القيام أقرب لم يعد) لأنه كالقائم معنى (ويسجد للسهو) لأنه ترك الواجب فلو عاد هنا بطلت صلاته كما إذا عاد بعدما استتم قائمًا؛ لأن القيام فرض والقعدة الأولى واجبة فلا يترك الفرض لأجل الواجب، فإن قيل: يشكل على هذا بما إذا تلا آية سجدة فإنه يترك القيام وهو فرض ويسجد للتلاوة وهي واجبة فقد ترك الفرض لأجل الواجب، قيل: كان القياس هناك أيضًا أن لا يترك القيام إلا أنه ترك القيام بالأثر فإنه -﵇- وأصحابه كانوا يسجدون ويتركون القيام لأجلها، والمعنى فيه أن المقصود من سجدة التلاوة إظهار التواضع ومخالفة الكفار فإنهم كانوا يستكبرون عن السجود فجوز ترك القيام تحقيقًا لمخالفتهم، وهذا في صلاة الفرض أما في النفل إذا قام إلى الثالثة من غير قعدة فإنه يعود ولو استتم قائمًا ما لم يقيدها بسجدة، كذا في الذخيرة".
[ ٢ / ٢٤١ ]
تنبيه:
يقوم من هذه المسألة أن من ذكر المضمضة والاستنشاق بعد أن شرع في الوجه أنه يتمادى على وضوئه، ويفعلهما بعد فراغه.
ابن ناجي: وبه كان يفتي غير واحد من شيوخنا كالشبيبي، وأفتى بعضهم بالرجوع.
وتبعه مأمومه في قيامه إذا استقبل وفي رجوعه بعد استقلاله، كان رجع قبل قيامه استمر على رجوعه، كان رجوعه مشروعًا أو لا.
[محل السجود:]
وإذا قلنا بالصحة إذا رجع لإصلاحها سجد بعده -أي: السلام- عند مالك، رواه ابن القاسم وغيره؛ لزيادة قيامه.
أشهب: قبله؛ لنقص الجلوس وزيادة ما فعله.
ثم شبه بالتي قبلها في الرجوع والسجود البعدي، فقال: كنفل قام فيه من اثنتين ساهيًا بعد تشهده، فإنه يرجع، ولو استقل قائمًا، وإنما رجع هنا لأن ما قام له زيادة، بخلاف الفرض.
[العمل عند عقد الثالثة:]
وهذا ما لم يعقد ثالثته بأن رفع رأسه من ركوعها على المشهور، وإلا بأن عقد الثالثة، وذكر بعد رفعه من ركوعها، كمل أربعًا، كان في ليل أو نهار.
[القيام إلى الخامسة:]
ويرجع في قيامه سهوًا إلى الخامسة في نفل أو فرض مطلقًا، عقدها أو لا.
وصوب اللخمي إن صلى خمسًا أو سبعًا شفعها، ويسجد قبله، أي: السلام.
وقيل: بعده.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
فيهما، أي: في مسألة تكميل النافلة أربعًا، وفي مسألة قيامه للخامسة.
[تذكر الركوع في السجود:]
وتارك ركوع ناسيًا، ثم ذكره، يرجع قائمًا.
وقيل: محدودبا.
وندب أن يقرأ شيئًا بعد قيامه عند مالك، ثم ينحط للركوع من قيام؛ بناءً على أن الحركة للركن مقصودة.
[تذكر سجدة في القيام:]
وتارك سجدة، ثم تذكرها قبل عقد الركعة التي تليها، يجلس؛ ليأتي بالسجدة المنسية من جلوس، كذا أطلق هنا كغيره، وقيد في توضيحه بما إذا لم يكن جلس أولًا، وإلا لخر بغير جلوس اتفاقًا؛ بناءً على أن الحركة للركن مقصودة.
[تذكر سجدتين:]
لا تارك سجدتين تذكرهما بعد قيامه، فلا يجلس، بل ينحط لهما من قيام، كمن لم ينسهما.
المازري: لو ذكرهما راكعًا في الثانية: هل يرفع رأسه ليخر، أو لا خلاف، على الخلاف في الحركة للركن: هل هي مقصودة أو لا؟
[ما يلغى به الركعة:]
ولا يجبر ركوع أولاه التي نسي سجودها بسجود ثانيته التي نسي ركوعها؛ لأنه نوى بسجوده الركعة الثانية، فلا ينصرف للأولي، بل يأتي بسجود آخر؛ ليتم الأولى على المنصوص.
وقيل: ينجبر أولاه بذلك، خرجه اللخمي، وفرضها كذلك؛ لأن عكسه لا خير فيه اتفاقًا.
ولا خصوصية لقوله: (أولاه)، بل وكذلك ثانيته، والثالثة وثالثة والرابعة.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
[انقلاب الركعة الرابعة أولى:]
وبطل بأربع سجدات بفتح الجيم من أربع ركعات من صلاة رباعية من كل ركعة سجدة، وتذكر ذلك قبل السلام من الرابعة الثلاث ركعات الأول؛ لفوات تلافيها، وينحط للسجود فورًا؛ لإصلاح الرابعة، ويكون أول صلاته، ثم يأتي بثانية بأم القرآن وسورة ويجلس ثم بركعتين بأم القرآن فقط، ويسجد قبل السلام؛ لنقص السورة من الرابعة التي صارت أولى، وللزيادة التي زادها.
تتمة:
لو سها عن الثمان سجدات أصلح الأخيرة، قاله سند.
تنبيه:
كون التذكر قبل السلام مبني على حصول الفوات بالسلام، وهو كذلك على المشهور.
[انقلاب الركعات:]
ولما انقلبت الركعة الرابعة أولى في هذه أتبعه بالكلام على انقلاب الركعات، فقال: ورجعت الركعة الثانية أولى ببطلانها لفذ وإمام، ذكر كل منهما ركنًا من الأولى فاته تداركه بعقد الثانية، أي: ورجعت الثالثة ثانية لمن فاته منهما تدارك الثانية، ورجعت الرابعة ثالثة لمن فاته منهما تدارك الثالثة.
احترز بالفذ والإمام عن المأموم الذي قام الخلل بصلاته فقط، كمن بطلت عليه الأولى مثلًا مع إمامه فإن ركعاته لا تنقلب؛ لأن صلاته مبنية على صلاة إمامه، والمأموم تابع لإمامه، فتنقلب بالتبعية.
تنكيت:
قول البساطي: (هذا الكلام لم يوجد له في توضيحه مستندًا) فيه نظر؛ لأنه لا يلزمه ذكر مستند المسائل، وإن عني مستندًا في النفل فهو مؤتمن،
[ ٢ / ٢٤٤ ]
ولا يلزمه عذر النقل في كل مسألة، وإن عني أنه لم يذكره في توضيحه، فليس كذلك؛ لأنه ذكره أثناء الكلام على مسألة الخلاف في عقد الركعة: هل هو رفع الرأس أو وضع اليدين على الركبتين؟
[الشك في ركن مجهول المحل:]
وإن شك مصلٍّ في سجدة، بأن لم يدر محلها مع تيقن نسيانها، سجدها حال ذكرها؛ لجواز أن يكون ذلك محلها، ومتى أمكن وضع الركن محله متعين.
فقوله: (لم يدر محلها) بدل من قوله: (شك)، وإلا فإطلاق الشك على اليقين غير صحيح.
وقد يقرر كلامه هنا على ظاهره: من أن الشك في السجدة وفي محلها، وتدخل مسألة التحقيق من باب أولى؛ لما تقرر من أن الشك في النقصان كتحققه.
[تذكرها في التشهد الأخير:]
وإن ذكر السجدة وهو في تشهد الركعة الأخيرة يأتي بركعة؛ لاحتمال أن تكون من إحدى الثلاث الأول، وكل منها بطل بعقد ما يليه.
ابن القاسم: ولا يتشهد؛ لأن المحقق له ثلاث، وليس محل التشهد، ويسجد عنده قبل السلام؛ لأن الثالثة صارت ثانية، وهو لم يقرأ فيها بسورة.
أشهب وأصبغ: يأتي بركعة فقط، ولا يسجد؛ إذ المطلوب رفع الشك بأقل ممكن، ويطرح ما عداه، ويسجد بعد السلام للزيادة المحققة.
[تذكرها في القيام:]
وإن ذكر السجدة في قيام ثالثته سجدها؛ لاحتمال كونها من الثانية، وتبطل عليه ركعة؛ لاحتمال أنها من الأولى، ويأتي بثلاث، وعلى قول أصبغ وأشهب: لا يسجد، بل يبني على ركعة فقط.
وإن ذكر السجدة في قيام رابعته جلس، وأتى بالسجدة من جلوس؛
[ ٢ / ٢٤٥ ]
إذ ليس معه محقق غير ركعتين، وكل ركعتين لهما تشهد، ويأتي بركعتين، وتشهد عند ابن القاسم.
وعند أشهب وأصبغ: يبني على ركعتين، ولا يسجد، ويأتي بما بقي.
[ما يخالف المأموم فيه الإمام:]
وإن سجد إمام سجدة واحدة من رباعية مثلًا وقام منها، لم يتن -أي: لم يتبعه مأمومه- في قيامه؛ إذ ليس لهم سجدة واحدة في غير التلاوة، وأيضًا هذه مسبوقة بركوع.
وإذا لم يتبعوه استمروا جالسين، وسبح به هذا المأموم، لعله يرجع، فإن رجع فواضح، وإن استمر فإذا خيف عقده للركعة التي لم يرجع منها قاموا؛ لأنه آخر ما يمكن من التدارك، واتبعوه، وكانت أولى لهم وله.
فإذا جلس عقب هذه التي ظن أنها ثانية قاموا؛ لأنها ثانية لهم وله، وهو معنى قوله: كقعود بثانيته، فإذا قام للثالثة في اعتقاده فإنهم يقومون، أي: يستمرون على قيامهم، ويتبعونه في بقية صلاته، وتفسير يقومون يستمرون نظيره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. . .﴾ على تأويل.
وهذا التقرير كما ذكرناه على ما وقع في نسخة الشارح بثانيته، وأما على ما في نسخة البساطي (بثالثته)، فهو واضح على تتميم المسألة، والمصنف لم يتمها، أي: إذا قام لثالثته قاموا، أي: استمروا قيامًا.
فإذا جلس في الرابعة على ظنه قاموا، كإمام جلس في ثالثته، ولا يتبعونه في الجلوس، فإذا لم يتذكر ويرجع بل سلم من جلوسه وهم قيام لم يسلموا معه، وأتوا بركعة، وهي التي فسدت عليه وعليهم، عملًا بالارتباط، ولم يسجدوا حين لم يسجد؛ عملًا بعدم جواز قضاء المأموم في حق الإمام.
وإنما لم يذكر المؤلف بقية المسألة لاتكاله على ما تقدم من انقلاب الركعات؛ ولذا يقرؤون في هذه الركعة بأم القرآن فقط على المشهور، وأصل هذه المسألة لسحنون.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
[إمامة أحدهم لهم:]
وإذا أتوا بركعة رابعة أمهم فيها أحدهم.
ابن الحاجب: على الأصح.
وسجدوا قبله، أي: السلام؛ لزيادة الركعة الأولى ونقص السورة من ركعة، والجلوس الوسط.
[المزاحمة عن الركوع:]
وإن زوحم مؤتم عن ركوع، أو نعس عنه، أو حصل له شيء من نحوه كغفلته عنه أو اشتغاله بكل أزراره مثلًا، فمنعه حتى فاته مع الإمام اتبعه، بأن يركع، ويلحقه إن كان ذلك في غير الركعة الأولى للمأموم، وهي الثانية أو الثالثة أو الرابعة للإمام.
وأما في الأولى فلا يركع، بل يسجد معه فقط على المنصوص، وإذا فرغ الإمام قضى ركعة بسورة، ما لم يرفع رأسه من سجودهما، أي: سجود غير الأولى، فإن رفع لم يقض، وتبعه.
وظاهره: سجودها كله، وهو كذلك على المشهور، وبه يندفع قول البساطي: (فيه إجمال)، لصدقه على السجدة الأولى.
ومفهومه: عدم تداركها برفع رأسه، وهو كذلك، فتلغى تلك الركعة، وفرق للمشهورين الأولى وغيرها، بأنه إذا فاته ركوع الأولى فاته إدراك الركعة الآن، فليس بمأموم، بخلاف غيرها.
واستشكل المشهور بأنه قاضٍ في حق الإمام، وأجيب بأن الممنوع قضاء صلاة، وأقلها ركعة.
[المزاحمة عن سجدة:]
أو زوحم أو نعس أو غفل أو اشتغل عن سجدة، حتى اشتغل الإمام بالركعة التي تلي هذه، فإن لم يطمع فيها -أي: في الإتيان بها- قبل عقد إمامه للركعة التي تليها تمادى هذا المأموم مع إمامه، وقضى ركعة بدلًا عن
[ ٢ / ٢٤٧ ]
التي زوحم عنها مثلًا، ويقرأ فيها بأم القرآن وسورة إن كانت أولى أو ثانية؛ لما تقدم: أن الركعات إنما تنقلب لإمام وفذ.
ومفهوم (سجدة) مفهوم موافقة؛ لأن من زوحم عن سجدتين مثلًا حكمه كذلك من باب أولى.
تنبيه:
إنما أمر بالتمادي لأنه لو لم يتمادى لم يحصل له سوى ركعة مع ما في ذلك من مخالفة الإمام، ومع تماديه يحصلها، ويسلم من المخالفة.
وإلا بأن طمع في الإتيان بها قبل رفع إمامه سجدها وأدركه، ولا سجود عليه -أي: على التابع للإمام- طامعًا أو غير طامع، إن تيقن نقص السجدة؛ لأن الركعة التي نقصت منها السجدة كانت وهو مع الإمام فيحمل عنه الزيادة والركعة التي أتى بها بعد الإمام نابت عنها.
ومفهوم الشرط: السجود مع الشك، وهو كذلك؛ لأنه يحتمل أن تكون الأولى ركعة تامة، والتي أتى بها بعد مفارقة الإمام زائدة، فيسجد لها بعد السلام.
[قيام الإمام لخامسة:]
وإن قام إمام لخامسة في ظاهر الحال فمتيقن انتفاء موجبها من المأمومين، كعالم أن لا خلل بصلاته، يجلس لزومًا ولا يتبعه، وإلا يدخل تحته ثلاثة أقسام: لم يتيقن المأموم انتفاء الموجب بل تيقن أن قيام إمامه لموجب، كعلمه بأنه أخل بفاتحة أو ركوع أو سجدة أو ظن الموجب أو نفيه أو شك فيه وفي نفيه اتبعه في قيامه وجوبًا؛ لأنها ليست خامسة حقيقة.
[مخالفة المأموم ما سبق:]
وإن خالف من وجب عليه الجلوس وتبعه في قيامه أو من وجب عليه الاتباع في قيامه وجلس عمدا بطلت صلاته فيهما، أي: في صورتي عدم الاتباع، وهي الأولى، ووجوبه في الصور الثلاث الداخلة تحت قوله: وإلا لإدخاله فيها عمدًا ما ليس منها أو إخراجه عنها ما هو منها.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
تنبيه:
خالف المصنف قول ابن الحاجب: (ويعمل الظان على ظنه)؛ لأنه اعترضه تبعًا لابن عبد السلام بقول الباجي: إنما يعتد من صلاته بما تيقن أداءه، هذا مذهب مالك وأصحابه.
ولم يرد المصنف كغيره باليقين ما هو معناه اصطلاحًا، بل الاعتقاد؛ ولذا قال البساطي: كأن مرادهم باليقين الاعتقاد، وإلا فتيقن أنها عن غير موجب وتيقن أنها عن موجب متنافيان.
[المخالفة سهوًا:]
لا إن خالف سهوًا، فلا تبطل صلاته، وإذا لم تبطل فيأتي الجالس التارك للقيام ساهيًا بركعة؛ لأنه أتى بجلوس، وبقيت عليه ركعة.
وأما من وجب عليه الجلوس واتبعه في الخامسة ساهيًا فقد أتى بركعة زائدة سهوًا، ويعيدها هذا المتبع للإمام معتقدًا صحة الأربع مثلًا، ثم تبين له بطلان إحدى الأربع، وإعادته لهذه الركعة.
قال ابن عبد السلام وابن هارون: هو على أصل المشهور.
[مسألة:]
وإن قال إمام بعد سلامه لمن يتبعه في خامسة ولمن جلس ولم يتبعه فيها: قمت لهذه الخامسة في ظنكم لموجب عندي، وهو تركي للفاتحة مثلًا، فهي رابعة لا خامسة، ولم أفعل ذلك سهوًا صحت هذه الصلاة لمن لزمه اتباعه، وهم ثلاثة:
- من تيقن قيامه لموجب.
أو ظنه.
أو شك فيه وتبعه.
وتقدم مفهوم (تبعه)، وهو أنه إذا لم يتبعه عمدًا بطلت، وسهوًا يأتي بركعة.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وظاهر كلامه: سواء صادف النقص في نفس الأمر أم لا.
[مسألة:]
وصحت لمقابله، وهو من تيقن انتفاء الموجب، وجلس ولم يتبعه، وتقدم أنه إذا خالف وقام عمدًا أو سهوًا بطلت صلاته في العمد دون السهو، واللَّه أعلم.
تنبيه:
تلخص من كلامه: أن حوال المأمومين: أربعة، وقد علمت مما تقدم.
[شرط صحة الصلاة هنا:]
وأشار لشرط صحة الصلاة في هذا القسم والذي قبله وهو ما إذا لم يقل الإمام قمت لموجب بقوله: إن سبح المأموم لإمامه، وهذا القيد في المسألتين لسحنون، والشارح وتبعه البساطي جعلاه فيما قبله فقط، وليس كذلك.
ومفهوم الشرط: بطلانها إن لم يسبح المأموم؛ لأنه جلس مع احتمال موافقة الإمام له لو سبح، ففرط في عدم التنبيه على زيادة إمامه، وجعله ابن رشد تفسيرًا للمذهب، واستبعده أبو عمران.
[حكمه:]
ثم شبه في الحكم وهو الصحة بقوله: كمتبع لإمام لم يلزمه اتباعه فيما تقدم، لكنه تأول وجوبه -أي: الاتباع- على المختار عند اللخمي من الخلاف المنصوص؛ لاقتصاره عليه في تبصرته.
[مسألة:]
ثم أخرج من الصحة بقوله: إلا لمن لزمه اتباعه في نفس الأمر ولم يتبع، فلا تصح، كمأموم جلس وهو في نفس الأمر يلزمه القيام لاعتقاده الكمال، ونص اللخمي في هذه: قال محمد: فإن قال الإمام بعد السلام: كنت ساهيًا عن سجدة، بطلت صلاة من جلس، وتمت صلاة من اتبعه سهوًا أو عمدًا.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
يريد: إذا أسقطوها هم أيضًا، والصواب: أن تتم صلاة من جلس ولم يتبعه؛ لأنه جلس متأولًا، وهو يرى أنه لا يجوز له اتباعه، وهو أعذر من الناعس والغافل. انتهى.
[مسبوق علم بخامسيتها:]
ولم تجزئ الخامسة عند مالك مسبوقًا علم بخامسيتها، وقال الإمام: بل قمت لموجب، وتبعه ظانًا أنه لا يجوز له مفارقته، فإن هذه الركعة لا تجزئه عن الفائتة؛ لزيادتها، ولا بد من الإتيان بركعة بدلها.
وقول الإمام: (قمت لموجب) لا يجزم بحقيقته، وإن تعمد العالم بالخامسة، وتبع غير متأول بل عالمًا بأن الإمام لم يسقط شيئًا بطلت صلاته، فيقيد كلامه هنا بقوله: (قمت لموجب) كما في توضيحه.
ويحتمل أن يكون هذا مراده، لأن قوله: (لم تجزئ مسبوقًا) عائد على الخامسة التي تكلم عليها قبل في قوله: (وإن قال قمت لموجب)، وحينئذ فلا يحتاج للتقييد.
[حكم عدم علمه:]
وهل كذلك -أي: عدم الإجزاء- إن لم يعلم مأمومه بخامسيتها، وتبعه فيها، وأتى بركعة، أو تجزئ عند مالك ومن وافقه؛ اعتبارًا بما في ظنه، فلا يحتاج لبدل.
[إجماع المأمومين على نفي الموجب:]
وأخرج من هذا الأخير مسألة، وهي قوله: إلا أن يجمع مأمومه كلهم على نفي الموجب، أي: الإسقاط للخامسة عنهم، لا عن الإمام، أي: إنهم لم يسقطوا شيئًا، وإنما أسقطه الإمام وحده، فلا يجزي مأمومًا تبعه عامدًا، كذا قال ابن يونس، وهو ظاهر كلام المؤلف، قولان فيما قبل المستثني.
وقول الشارح ومن تبعه: (إلا أن يجمع الإمام ومن خلفه على أنه لم
[ ٢ / ٢٥١ ]
يسقط شيئًا) واضح، لدخول سورة موافقة الإمام لهم على نفي الموجب من باب أولى.
[تعمد الخامسة لا يجزئ عن ركن سقط:]
وتارك سجدة من كأولاه قام لخامسة علم خامسيتها لا تجزئه هذه الخامسة عن الركعة التي أخل منها بالسجدة إن تعمدهما، أي: الخامسة.
قال ابن غلاب فى وجيزه: من صلى خامسة عامدًا، فذكر من الأولى، فقيل: تجزيه.
وقيل: لا تجزيه.
وهو المشهور؛ لأنه لاعب، وإن صلى خامسة ساهيًا فذكر سجدة من الأولى، فالمشهور تجزئه. انتهى.
وفي طرة نسخة المصنف بخطه: قلت: من كأولاه؛ ليشمل الثانية والثالثة، واللَّه أعلم.
* * *
فصل في سجود التلاوة، وشروطه، وموانعه، وما يتعلق به
[شروط سجود التلاوة:]
سجد سجدة واحدة بشرط الصلاة، أي: مصاحبًا لشرطها من طهارة بدن وثوب ومكان وستر عورة واستقبال، بلا إحرام لها اتفاقًا، وبلا سلام منها على المشهور.
والفرق بينها وبين سجود السهو: أنه من توابع القراءة، والقراءة ليس لها إحرام ولا سلام، قاله في الذخيرة.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
[من له سجود التلاوة:]
قارئ: فاعل سجد، أي: يطلب السجود لقارئ القرآن إذا مر في قراءته بسجدة مما يأتي ويطلب مطلقًا، ولو ماشيًا، وهو كذلك، وينزل الراكب، إلا في سفر قصر، حكاه في التوضيح.
ويقع في بعض النسخ: (قارئ) بالهمزة وبغيره، انظر توجيهها في الكبير.
ومستمع عطف عليه فقط، احترازًا من سامع غير مستمع، فلا يسجد لها (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: "ومستمع فقط احترازًا من سامع غير مستمع فإنه لا يسجد لها، ونحوه قول الإرشاد، ويسجد المستمع كالتالي لا السامع. انتهى. ثم إن شرط سجود التالي بلوغه وكذا شرط سجود المستمع إذ لا يخاطب بالسجود إلا بالبالغ. واعلم أن المستمع إما أن يكون استماعه أو لا يكون قارئًا فالقارئ حال استماعه يشمله قول (المص) قارئ وغير القارئ حال استماعه الشامل لمن جلس ليتعلم وغيره يشمله قوله ومستمع فقط وأخرج بقوله: إن جلس ليتعلم من جلس منها لا ليتعلم ولو عبر (المص) سامع بدل مسمع لكان أحضر ويدل على أنه لا بد من كونه مستمعًا قوله: إن جلس ليتعلم وأشار لشروط المستمع غير القارئ بقوله: إن جلس إلخ، أي: أن جلس المستمع ليتعلم من القارئ القرآن وأحكامه من مخارج الحروف والإدغام والإظهار والإقلاب والإخفاء وغير ذلك من أحكامه لتصان قراءته عن خلاف ذلك بل كلامه يشمل ما إذا جلس لتعلم ما يجوز من الإحكام كالمد العارض وهو ما يكون لعروض السكون لأجل الوقف كمد (نستعين) فإنه جائز كما إن قصره كذلك فلو جلس لا لتعليم ذلك كجلوسه لتعلم الأنغام أو للثواب أو للسجود لم يسجد ولو قال (المص): إن كان ليتعلم ليشمل من جلس ومن كان غير جالس لكان أشمل ومختار ابن القاسم من أحد قولي مالك يسجد المستمع ولو ترك القارئ السجود لأن كلًّا منها مأمور بترك أحدهما لا يسقطه عن الآخر وهذا في غير الصلاة وأما فيها فيتبعه على تركه بلا خلاف قاله ابن رشد وانظر لو فعلها حيث تركها إمامه والظاهر بطلان صلاته بذلك ولو تركها وفعلها إمامه فلا تبطل صلاته كما يأتي ما يفيده وقوله -ﷺ- للذي قرأ ولم يسجد: "كنت إمامنا فلو سجدت سجدنا معك" كذا في (الشر) وفي (تت): لسجدنا بزيادة السلام في الجواب وحذف معك لا يفيد أنه يترك لترك الإمام لأن الإمام إذا ترك شيئًا مما يسن أو يجب لا يتركه المأموم ذكره البساطي ونظر فيه فإنه =
[ ٢ / ٢٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال، أي: البساطي بعدما ذكر إن أئمتنا أخذوا بهذا الحديث فإن قلت هذا الحديث وإن دل لكم على أن القارئ كالإمام لكن لا يدل على أنه يسجد ولو ترك القارئ بل يدل على أنه لا يسجد. قلت: إذا دل على أنه كالإمام دل على أن المستمع يسجد ولو ترك القارئ لأن الإمام إذا ترك ما يطلب منه لا يتركه المأموم. انتهى. بالمعنى ثم قال البساطي عقبه وفيه نظر. انتهى. ولعل وجهه إن الحديث مسوق لثبوت السجود على المستمع ولو ترك القارئ وهذا لا يثبت ما ذكر لأن غاية ما يثبت إن المستمع كالمأموم يفعل ما يطلب به ولا يتركه لترك إمامه وهذا لا يثبت أنه يطلب من المستمع السجود حتى يفعله ولو تركه إمامه وقد يقال: إن ثبوت طلب ذلك من المستمع مستفاد من دليل أخر كدليل ثبوت طلب السجود فيه ولا يقال قوله في الحديث: "لو سجدت لسجدنا" يدل على أن القارئ إذا ترك السجود يتركه المستمع أيضًا لأن لو حرف امتناع لامتناع، أي: أنها تدل على امتناع جوابها لامتاع شرطها فهي تدل على أن سجود المستمع يمتنع بامتناع سجود القارئ لأنا نقول الذي صوبه ابن الحاجب ومن وافقه أنها تقتضي امتناع شرطها واستلزامه لجوابها، أي: إن جوابها لازم لشرطها ومن المقرر أن نفي الملزوم لا يقتضي نفي اللازم وقال ابن بشير: قال بعض الأشياخ من الشافعية، أي: في الجواب عن الحديث وإنما ترك النبي -ﷺ- السجود لنية القارئ على أنه أخطاء بتركه وإنما كان المأمورية أولى وهو غير واجب فلا يبعد تركه لقصد البيان. انتهى. والأحسن في إفادة مراده أن يقول ولذا ترك النبي -ﷺ- السجود لبيان أنه ليس بواجب وهو يفعل غير المطلوب، أي: في حق غيره للتشريع ونبه القارئ على خطئه بقوله: لو فعلت لفعلنا وأشار لثاني شروط سجود المستمع بقوله إن صلح، أي: القارئ ليوم، أي: أن مما يشترط في سجود المستمع أن يكون القارئ الذي سمع المستمع قراءته صالحًا للإمامة، أي: في الجملة بأن يكون ذكرًا محققًا بالغًا عاقلًا غير فاسق وإنما اشترط هذا الشرط للحديث المتقدم وإنما قلنا في الجملة ليدخل ما إذا كان القارئ غير متوضئ لأن المشهور سجود مستمعه كما ذكره (صر) ولكن المعول عليه لا بد أن يكون متوضئ ويأتي ذلك قريبًا وأشار لثالث شروط المستمع بقوله ولم يجلس ليسمع، أي: فإنه مما يشترط في سجود المستمع أن لا يكون القارئ الذي سمع منه جلس ليسمع الناس حسن قراءته فإن جلس لذلك فلا يسجد المستمع منه لما دخل قراءته من الرياء، وما ذكره من اختصاص هذا الشرط بسجد المستمع هو ظاهر كلام (المص) وعليه قرره (الشر) وغير واحد وهو خلاف ما عليه السنهوري من جعله شرطًا في سجود القارئ أيضًا وقد نقله أبو الحسن عنه في شرح الرسالة فقال: قال شيخنا: فإن جلس لذلك فلا لأنه لا يدخل إذ ذلك عجب أو رياء فلا يكون أهلًا لأن يقتدي به وهذه إحدى الروايتين اللتين ذكرهما عياض ولم يحك =
[ ٢ / ٢٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في عدم سجود القارئ والحالة هذه خلافًا، وعلى هذا فقوله: ولم يجلس ليسمع شرطًا فيهما وما قبله في المستمع فقط وفيه بعد والظاهر من العبارة اختصاصه بالمستمع. انتهى. تنبيهات: الأول: قوله: قار وليس فيه دلالة على أن القائم يجلس لها ليسجدها كما أنه ليس فيه دلالة على أنه ينحط لها من قيام، وهذا الثاني هو المراد وقد قدمنا ذلك. الثاني: ظاهر اقتصار (المص) على قوله: قار ومستمع إلخ إن السجود لا يتعلق بغيرها وهو خلاف ما يأتي في قوله إلا المعلم والمتعلم فأول مرة وأجيب بحمل المتعلم في قوله: إلا المعلم على المعلم القارئ و(ح) فيكون داخلًا في قوله: قارئ ولا يقال هذا يوجب التكرار في كلامه لأنا نقول إنما أعاد ذكره بعد لإفادة أنه يسجد أول مرة واعترض الجواب عمل المعلم على المعلم القارئ بأنه يقتضي أن المعلم غير القارئ وهو المعلم المستمع لا يسجد وليس كذلك فالجواب حمل قوله: إلا المعلم على المعلم الشامل للقارئ والمستمع ولا يقال ما ذكره هنا في شروط سجود المستمع: يقتضي أن المعلم المستمع لا يسجد وأجيب بأن في كلامه حذف أو وما عطفت، أي: أن جلس ليتعلم أو ليعلم بدليل ما يأتي وحذف أو ومعطوفها الدليل جائز ويبحث في هذا الجواب بأنه يقتضي أنه يشترط في سجود المعلم المستمع أن يكون القارئ صالحًا للإمامة وأن لا يجلس ليسمع الناس وليس في كلامهم فيما رأيت التصريح بذلك بل شرط كونه بالغًا والجواب السالم من ذلك كله أن يقال: إن كلام (المص) هنا في غير المعلم والمتعلم بدليل ذكرهما بعد على وجه فيه نوع مخالفة لما هنا على ما يأتي بيانه. الثالث: اعلم أن الذي يستفاد مما رأيته أن الذي يخاطب بالسجود لا بد أن يكون بالغًا سواء كان قارئًا أم لا وهذا على الراجح عند الأصوليين أن الحكم بأقسامه إنما يتعلق بالمكلف، ثم إن القارئ يسجد بشرط الصلاة وهل مطلقًا وهو ما يفيده كلام (الشر) و(تت) وغيرهما، أو إن لم يجلس ليسمع وهو ما يفيده كلام السنهوري وقد تقدم. الرابع: قوله: إن صلح ليوم، لو قال: وصلح ليوم لكان أحضر، وقال السنهوري: فإن قلت: لِمَ لَمْ يعطف صلح على جلس من قوله: إن جلس ليتعلم مع إن كليهما شرط فيه. قلت: يظهر -واللَّه أعلم- أنه رأى أنه لما اختلف المتعلق صار كذلك كالذين لا اشتراك بينهما فترك العطف لذلك. انتهى. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾ والمراد =
[ ٢ / ٢٥٥ ]
تنبيه:
استحسنت عبارة المصنف على قول ابن الحاجب: (وشرطها كالصلاة إلا الإحرام والسلام)؛ لما فيها من الاستثناء المنقطع (١).
_________________
(١) = يوم في الفريضة فلا يسجد من يسمع قراءة غير البالغ وهل لا بد من كونه متوضئا وهو ما جزم به اللخمي واقتصر عليه أبو الحسن في شرح المدونة وذكر الشاذلي في مقدمته العزية فلا يسجد المستمع من غير المتوضئ أو لا يعتبر كونه متوضئًا. قال (د): وذكر شيخنا (صر) أنه المشهور كما يفيده كلام التوضيح ونحوه لبعض الشراح غير أن كلام التوضيح ليس بصريح في ذلك بل هو محتمل له بل في كلام ابن يونس ما يفيده ضعف هذا الاحتمال فالمعول عليه (ح) ما جزم به اللخمي واقتصر عليه أبو الحسن في شرح المدونة والشاذلي في العزية. الخامس: تفسير غير واحد كالشيخ (تت) قوله: إن صلح ليوم بأن يكون بالغًا عاقلًا ذكرًا غير فاسق يقتضي أن المستمع من العاجز عن الركن ونحوه يسجد وإن كان غير عاجز ويقتضي أنه يسجد المستمع من مكروه الإمامة، وقوله: غير فاسق سيأتي في صلاة الجماعة ما يفيد أن هذا خلاف المعتمد. السادس: قال (تت): زاد اللخمي، أي: في شرط المستمع وإن يسجد، أي: القارئ (ح) وإن يقرأ جهرًا ليسمع. انتهى. وفيه نظر أما قوله: وإن يسجد، أي: القارئ (ح) فهو مخالف لقول (المص) ولو ترك القارئ إلا أن يكون أراد بقوله: وإن يسجد (ح) أنه صالح للسجود (ح) بالفعل وقصده به إفادة أن يكون متوضئًا فيصح ولا يخفي بعده وما الموجب العدول عن التعبير بقوله: وأن يكون متوضئًا إلى هذه العبارة الدالة على خلاف المراد وأما قوله: وأن يقرأ جهرًا ليسمع فقد يقال التعلم بتضمن هذا وقد يمنع ذلك، أي: يمنع أن قول (المص) إن جلس ليتعلم ذلك إذ جلوسه على هذا الأمر لا يدل على أنه مستمع على أنه قد يقال: ربما يحصل تعلم بعض الأحكام من غير نطق كالروم فإذا كان المتعلم يريد التعلم ويحصل تعلمه بالإشارة مع كونه لم يسمع القراءة لا يسجد إذا رأى المعلم يسجد. السابع: قوله: ليسمع يصح أن يكون مبنيًا للمفعول وقصره (تت) على الأول وهو قصور الثامن قال (تت): واختار اللخمي سجود سامع من جلس ليسمع لأن الظاهر أنه طاعة والسر بر للَّه تعالى".
(٢) قال الأجهوري: "قال (تت): واستحسنت عبارة (المص) على قول ابن الحاجب شرطها كالصلاة إلا الإحرام والسلام لما فيها من الاستثناء المنقطع ولا يصلح كونه متصلًا؛ لأنه يقتضي أن الإحرام والسلام شرطان من شروط الصلاة مع أنها ركنان، والظاهر أن إحرامه وسلامه لها مكروه إلا أن يفعله خروجًا من الخلاف".
[ ٢ / ٢٥٦ ]
[شروط المستمع:]
وأشار لأول شروط المستمع، وهي ثلاثة بقوله:
- إن جلس ليتعلم من القارئ حفظا أو غيره فيسجد، ولو ترك القارئ، أي: السجود؛ لأن كلًّا منهما مأمور، فلو تركه أحدهما لا يسقط عن الآخر، فلا يسجد جالس، لا ليتعلم، ولو قصد بها الثواب على نقل الأكثر.
تنبيه:
يدخل في كلامه السجود، ولو تركه الإمام في الصلاة، ونص ابن راشد على أنه يتبعه في تركه، فيقيد كلام المؤلف به.
وأشار لثانيها بقوله: إن صلح القارئ ليؤم، بأن يكون ذكرًا محققًا عاقلًا غير فاسق، وقوله: (إن صلح ليؤم) يحتمل الإمامة في الفرض، فيخرج الصبي، ويحتمل صحتها وإن منعت، فتدخل إمامته في النافلة.
وأشار لثالثها بقوله: ولم يجلس ليسمع بالبناء للمفعول، أي: ليسمع الناس حسن قراءته؛ لما يدخله من الرياء والعجب، فلا يكون أهلًا للاقتداء به.
فائدة:
قال ابن جزي (١) في قوانينه: يسبح فيها أو يدعو، وفي الحديث:
_________________
(١) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه، ابن جزي الكلبي، أبو القاسم، (٦٩٣ - ٧٤١ هـ = ١٢٩٤ - ١٣٤٠ م): فقيه من العلماء بالأصول واللغة. من أهل غرناطة. من كتبه "القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية - ط" بتونس، و"تقريب الوصول إلى علم الأصول"، و"الفوائد العامة في لحن العامة"، و"التسهيل لعلوم التنزيل - ط" تفسير، و"الأنوار السنية في الألفاظ السنية - ط" و"وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم"، و"البارع في قراءة نافع" و"فهرست" كبير اشتمل على ذكر كثيرين من علماء المشرق والمغرب، وهو من شيوخ لسان الدين ابن الخطيب. قال المقريزي: فُقِدَ وهو يحرض الناس يوم معركة طريف. ينظر: الأعلام (٥/ ٣٢٥).
[ ٢ / ٢٥٧ ]
"اللهم اكتب لي بها أجرًا، وضع علي وزرًا، واجعلها لي عندك دخرًا، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داوود" (١).
[عددها:]
ثم بين عددها بقوله: في إحدى عشرة، وهو المشهور، وليس في المفصل منها شيء.
ولم يذكر المؤلف مواضعها لشهرتها، وبينها ابن عرفة، فقال:
[١] آخر الأعراف.
[٢] (والآصال) في الرعد.
[٣] (ويؤمرون) في النحل.
[٤] (وخشوعًا) في سبحان.
[٥] (وبكيا) في مريم.
[٦] (وما يشاء) في الحج.
[٧] (ونفورًا) في الفرقان.
[٨] (والعظيم) في النمل.
ونقلُ ابنِ عبد السلام محلها منه: (وما يعلنون) وهمٌ، لنص ابن حبيب والشيخ والباجي وغيرهم.
[٩] (ولا يستكبرون) في السجدة.
[١٠] الصقلي والوقار وابن حبيب: (وحسن مآب) في ص.
[١١] الباجي والقابسي: (وأناب).
وفيها: (يعبدون) في حم السجدة.
_________________
(١) رواه بنحو هذا اللفظ الطبراني في الأوسط (٥/ ٩٣، رقم: ٤٧٦٨).
[ ٢ / ٢٥٨ ]
ابن وهب: (لا يسأمون). وخير ابن حبيب عنه.
[ما ليس من عزائم السجود:]
لا في ثانية الحج؛ لأنها في مقابلة الركوع الذي هو أحد أركان الصلاة.
ولا في سجدة النجم، مع أنها أول سورة أعلن رسول -ﷺ- اللَّه بقراءتها في الحرم، والمشركون يسمعون، وفيها سجد وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس غير أبي لهب (١)، فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال: يكفي هذا (٢)، ذكره صاحب البحر، وهو عند مالك محمول على النسخ؛ لإجماع قراء المدينة وفقهائها على ترك ذلك، مع تكرر القراءة ليلًا ونهارًا، ولا يجمعون على ترك السنة، قاله في الذخيرة.
ولا سجود في الانشقاق، وقال ابن حبيب: يسجد في آخرها. الباجي: عند قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾.
ولا في سورة القلم، وأثبته ابن وهب وابن حبيب فيها، والإحدى عشرة الأولى تسمى عزائم مبالغة في فعل السجود فيها؛ مخافة أن يترك (٣).
_________________
(١) هو: عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم، (٠٠٠ - ٢ هـ = ٠٠٠ - ٦٢٤ م) من قريش: عم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وأحد الاشراف الشجعان في الجاهلية، ومن أشد الناس عداوة للمسلمين في الإسلام. كان غنيًا عتيًا، كبر عليه أن يتبع دينًا جاء به ابن أخيه، فآذى أنصاره وحرض عليهم وقاتلهم. وفيه الآية ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وكان أحمر الوجه، مشرقًا، فلقب في الجاهلية بأبي لهب. مات بعد وقعة بدر بأيام ولم يشهدها. ينظر: الأعلام (٤/ ١٢).
(٢) رواه البخاري (٤/ ١٤٦٠، رقم: ٣٧٥٤).
(٣) قال في الاستذكار (٢/ ٥٠٢، وما بعدها): "باب ما جاء في سجود القرآن: ٤٥٠. ذكر فيه مالك عن عبد اللَّه بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قرأ لهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول اللَّه -ﷺ- سجد فيها، وهذا حديث طرقه عن أبي هريرة كثيرة صحاح كلها قد ذكرنا في التمهيد كثيرًا منها. =
[ ٢ / ٢٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي قال حدثنا قرة بن خالد قال حدثنا محمد بن سيرين قال حدثنا أبو هريرة قال سجد أبو بكر وعمر (﵄) في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]، و: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ومن هو خير منهما، وذكره النسائي عن إسحاق بن راهويه عن المعتمر عن قرة عن أبي بكر عن أبي هريرة مثله سواء وتابع بن سيرين على زيادة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وفي هذا الحديث عن أبي هريرة أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعطاء بن ميناء والأعرج وروى الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال: رأيت عمر وعبد اللَّه يسجدان في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾. والثوري عن عاصم عن زر عن علي (﵁) قال العزائم أربع: ألم تنزيل السجدة، وحم السجدة، والنجم، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾. والثوري ومعمر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي مثله. وسليمان بن مسلم بن جماز الزهري عن أبي جعفر يزيد بن القعقاع القارئ أنه أخبره أنه رأى أبا هريرة يسجد في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. وفي الموطأ عند جماعة من رواته عن مالك أنه بلغه عن عمر بن عبد العزيز قال لمحمد بن قيس القاضي اخرج إلى الناس فمرهم أن يسجدوا في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾. فهذه مسألة فيها الحديث الصحيح المسند وعمل الخلفاء الراشدين وجماعتي الصحابة والتابعين وذلك نقيض السجود في المفصل.
(٢) وروى مالك عن ابن شهاب عن الأعرج أن عمر سجد في ﴿وَالنَّجْمِ﴾. وقد روى ابن وهب عن مالك إجازة ذلك وقال لا بأس به، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق وأبي ثور وأحمد بن حنبل وداود، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار وأبي هريرة وابن عمر على اختلاف عنه وعمر بن عبد العزيز وجماعة من التابعين، ورواه ابن القاسم وجمهور من أصحاب مالك عن مالك وهو الذي ذهب إليه في موطئه أن لا سجود في المفصل، وهو قول أكثر أصحابه وطائفة من المدينة وقول ابن عمر وابن عباس وأبي بن كعب، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وطاوس وعطاء وأيوب كل هؤلاء يقولون ليس في المفصل سجود بالأسانيد الصحاح عنهم وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: أدركت القراء لا يسجدون في شيء من المفصل. وروى يحيى بن يحيى في الموطأ قال: قال مالك: الأمر عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء. ورواية يحيى هذه عن مالك في الموطأ الأمر المجتمع عليه عندنا، كذلك رواه ابن =
[ ٢ / ٢٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = القاسم والشعبي وابن بكير والشافعي ﵀ عن مالك في الموطأ. وإنما قلت: إن رواية يحيى صاحبنا أصح وأولى من رواية غيره لأن الاختلاف فى عزائم سجود القرآن بين السلف والخلف بالمدينة معروف عند العلماء بها وبغيرها، ورواية يحيى متأخرة عن مالك، وهو آخر من روى عنه وشهد موته بالمدينة ويحتمل أن يكون قوله المجتمع عليه أراد به أنه لم يجتمع على ما سوى الإحدى عشرة سجدة كما اجتمع عليها، تأول هذا ابن الجهم، وهو حسن. ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عكرمة بن خالد أن سعيد بن جبير أخبره: أنه سمع ابن عباس وابن عمر يعدان كم في القرآن من سجدة فقالا: الأعراف والرعد والنحل وبنو إسرائيل ومريم والحج أولها والفرقان وطس وآلم تنزيل وص وحم السجدة إحدى عشرة سجدة قالا وليس في المفصل منها شيء. هذه رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، وروى أبو حمزة الضبعي مثله، وروى عطاء عنه أنه لا يسجد في (ص)، ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أنه عد سجود القرآن عشرًا. ومن حجة من لم ير السجود في المفصل حديث الليث عن ابن الهاد عن أبي سلمة أنه قال لأبي هريرة حين سجد بهم في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١]: لقد سجدت في سجدة ما رأيت الناس يسجدون فيها. قالوا: هذا دليل على أن السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ كان الناس قد تركوه وجرى العمل بتركه. وحجة من خالفه رأى الحجة في السنة لا فيما خالفها، ورأى من خالفها محجوج بها، ومن حجة من لم ير السجود في المفصل حديث مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول اللَّه -ﷺ- لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة. وهذا حديث منكر؛ لأن أبا هريرة لم يصحبه إلا بالمدينة وقد رآه يسجد في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وحديث مطر لم يروه عنه إلا أبو قدامة، وليس بشيء. واحتج أيضًا من لم ير السجود في المفصل بحديث عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت قال قرأت على رسول اللَّه -ﷺ - ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] فلم يسجد فيها. وهذا لا حجة فيه لأن السجود ليس بواجب عندنا ومن شاء سجد ومن شاء ترك على أن زيدا كان القارئ ولم يسجد فلذلك لم يسجد رسول اللَّه -ﷺ-، وقد روى عبد اللَّه بن مسعود أن رسول اللَّه -ﷺ- سجد في ﴿وَالنَّجْمِ﴾.
(٢) وذكر مالك في هذا الباب أيضًا عن نافع مولى ابن عمر أن رجلًا من أهل مصر أخبره: أن عمر بن الخطاب قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين، ثم قال: إن هذه السورة فضلت بسجدتين. =
[ ٢ / ٢٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٤٥٣ - وعن عبد اللَّه بن دينار أنه قال رأيت عبد اللَّه بن عمر يسجد في سورة الحج سجدتين، وهذه السجدة الثانية من الحج اختلف فيها الخلف والسلف وأجمعوا على أن الأولى من الحج يسجد فيها. وقال الطحاوي: كل سجدة جاءت بلفظ الخبر فلم يختلفوا في أنه يسجد فيها واختلفوا فيما جاءت بلفظ الأمر. وأما اختلافهم في السجدة الآخرة من الحج فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما ليس في الحج سجدة إلا واحدة وهي الأولى، وروي ذلك عن سعيد بن جبير والحسن البصري وجابر بن زيد. واختلف فيها عن ابن عباس، وقال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري في الحج سجدتان، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد اللَّه بن عمر وأبي الدرداء وأبي موسى الأشعري وعبد اللَّه بن عباس على اختلاف عنه، وأبي عبد الرحمن السلمي وأبي العالية الرياحي. وقال أبو إسحاق السبيعي: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين. وقال الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يسأل كم في الحج من سجدة؟ فقال: سجدتان، قيل له: حدث عقبة بن عامر عن النبي -ﷺ- قال: "في الحج سجدتان" قال: نعم، رواه ابن لهيعة عن مشرح عن عقبة عن النبي -ﷺ- قال: "في الحج سجدتان ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما". يريد فلا يقرأهما إلا وهو طاهر، قال: وهذا يؤكد قول عمر وابن عمر وابن عباس أنهم قالوا فضلت سورة الحج بسجدتين. وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع أن عمر وابن عمر كان يسجدان في الحج سجدتين قال: وقال ابن عمر لو سجدت فيها واحدة كانت السجدة الآخرة أحب إلي. واختلفوا في سجدة (ص)، فذهب مالك والثوري وأبو حنيفة إلى أن فيها سجودًا، وروي ذلك عن عمر وابن عمر وعثمان وجماعة من التابعين، وبه قال إسحاق وأحمد وأبو ثور، واختلف في ذلك عن ابن عباس، وذهب الشافعي إلى أن لا سجود في (ص) وهو قول بن مسعود وعلقمة. وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: إنما هي توبة نبي ذكرت وكان لا يسجد فيها، يعني (ص). وقال ابن عباس: ليست سجدة (ص) من عزائم السجود، وقد رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يسجد فيها، وقد ذكرنا الآثار المسندة وغيرها في سجدة (ص) في التمهيد. واختلفوا في جملة سجود القرآن، ذهب مالك وأصحابه إلى أنها إحدى عشرة سجدة =
[ ٢ / ٢٦٢ ]
تتمة فائدة:
هذا الخلاف يظهر فيما لو أراد أن يسجد بذلك في الصلاة فما قلنا: إنه ليس من العزائم لا يسجد به فيها.
سند: ويمتنع عند مالك أن يسجد به المصلي؛ لأنه يزيد في صلاته فعلًا تبطل بمثله.
[حكمه:]
واختلف في حكم سجود التلاوة: هل هو سنة، وشهره ابن عطاء اللَّه، وعليه الأكثر، أو فضيلة، وهو قول الباجي، وصدر به ابن الحاجب، ومن قاعدته تشهير ما صدر به؟ خلاف.
ولم تثبت هذه المسألة في نسخة البساطي، فقال في أول الفصل: السجود مشروع، ولم يعلم من كلامه على أي وجه شرع، وذكر هنا أن هذه المسألة وقعت في بعض النسخ.
[صفته:]
وكبر الساجد لخفض في سجوده ورفع منه في الصلاة اتفاقًا، وأشار
_________________
(١) = ليس في المفصل منها شيء، وروي ذلك عن عمر وابن عباس (على اختلاف عنه) وقد ذكرنا في هذا الباب من قال ذلك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أربع عشرة سجدة فيها الأولى من الحج. وقال الشافعي: أربع عشرة سجدة ليس فيها سجدة (ص)؛ فإنها سجدة شكر، وفي الحج عنده سجدتان. وقال أبو ثور: أربع عشرة سجدة فيها الثانية من الحج وسجدة (ص)، وأسقط سجدة النجم. وقال أحمد وإسحاق: خمس عشر سجدة في الحج سجدتان وسجدة (ص)، وهو قول ابن وهب، ورواه عن مالك. وقال الطبري: خمس عشرة سجدة. ويدخل في السجدة بتكبير، ويخرج منها بتسليم، وقال الليث بن سعد: يستحب أن يسجد في القرآن كله في المفصل وغيره".
[ ٢ / ٢٦٣ ]
للخلاف في ذلك في غيرها بقوله: ولو بغير صلاة، ورجع إليه مالك.
[الاختلاف في بعض المواضع:]
ولما كان في بعض مواضع السجدات خلاف ما قدمناه، أشار له بقوله: و(ص) موضع السجود منها عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، لا: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، خلافًا لابن وهب.
وفصلت موضعها منها: ﴿تَعْبُدُونَ﴾، لا: ﴿يَسْأَمُونَ﴾، خلافًا لأبي عمران وابن وهب.
فائدة:
قال في الذخيرة: المدرك في ذلك: أن السجود شرع عند أربعة أشياء:
- عند الأمر به.
- أو مدح الساجدين.
- أو ذم المستنكرين.
- أو الشكر، كما في ص. انتهى.
[حكم سجود الشكر:]
ثم إن المصنف استطرد ذكر مكروهات من الباب وغيره، فقال: وكره سجود شكر؛ لبشارة أو مسرة أو دفع مضرة على المشهور؛ لانفراده عن الصلاة، أو لأجل زلزلة، نحوه في المدونة.
قال: وأرى أن يفزع الناس للصلاة عند الأمر يحدث ما يخاف أن يكون عقوبة من اللَّه، كـ: الزلازل، والظلمات، والريح الشديدة.
[حكم الجهر بسجود التلاوة بجامع:]
وكره جهر بها -أي: بسجدة التلاوة- بمسجد، وحملوه على اشتهارها والمداومة عليها؛ خوف اعتقاد وجوبها، وقررنا كلامه على ما
[ ٢ / ٢٦٤ ]
حملوه لئلا يتكرر مع قوله فيما يأتي وتعمدها بفريضة.
[القراءة بتلحين:]
وكرهت قراءة بتلحين، لا يخرجه عن كونه قرآنًا، فإن أخرجه كالغناء حرم؛ لما فيه من الزيادة والنقص، لموافقة النغم، وما ذكرناه من التحريم نحوه في تفسير القرطبي.
أخرج الدارقطني في سننه عن ابن عباس قال: كان لرسول اللَّه -ﷺ- مؤذن يطرب فقال النبي -ﷺ-: "إن الأذان سهل سمح؛ فإذا كان أذانك سمحًا سهلًا، وإلا فلا تؤذن" (١).
فإذا كان -ﷺ- منع من ذلك في الأذان، فأحرى أن لا يجوز في القرآن، الذي حفظه الرحمن، فإنه قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.
وقال قبل هذا بكثير: أجازت طائفة رفع الصوت بالقرآن، والتطريب به؛ وذلك لأنه إذا أحسن الصوت به كان أوقع في النفوس، وأسمع في القلوب، واحتجوا بخبر: "زينوا القرآن بأصواتكم" (٢)، وبغيره من الأخبار وأطال.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ٨٦)، وابن حبان في الضعفاء (١/ ١٣٧ ترجمة ٦٠ إسحاق بن أبي يحيى الكعبي)، وقال: ليس لهذا الحديث أصل من حديث رسول اللَّه -ﷺ-. قال في علل الحديث: (٢/ ١١٩): "سألت أبي عن حديث رواه محمد بن أمية الساوي عن عيسى ابن موسى التيمي عن عبد اللَّه بن كيسان قال: سمعت محمد بن واسع يحدث عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "تحرم النار على كل هين لين سهل سمح" فسمعت أبي يقول وهو حديث غريب منكر، حدثنا به الحسن بن علي بن مهران المتولي عن أحمد بن محمد بن أمية عن أبيه محمد بن أمية". قال الفتني في تذكرة الموضوعات ص ٣٥: "قال الصغاني: موضوع، وفي اللآلىء: قال ابن حبان: لا أصل له، فيه إسحاق، لا تحل الرواية عنه. قلت: رجع ابن حبان عنه وذكره في الثقات والحديث أخرجه الدارقطني وله شاهد عن عمر ابن عبد العزيز".
(٢) رواه من حديث البراء: أخرجه الطيالسي (ص ١٠٠، رقم ٧٣٨)، وأحمد (٤/ ٢٨٣، رقم ١٨٥١٧)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٨٤، رقم ٤١٧٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٧، رقم ٨٧٣٧)، =
[ ٢ / ٢٦٥ ]
ثم قال: وهذا الخلاف إنما هو إذا لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة الترجيعات، فإن زاد الأمر على ذلك حتى لا يفهم معناه فحرام باتفاق، كما تفعل القراء بالديار المصرية الذين يقرؤون أما الجنائز والملوك، ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز، ضل سعيهم، وخاب عملهم، فيستحلون بذلك تغيير كتاب اللَّه، ويهونون على أنفسهم الافتراء على اللَّه بأن يزيدوا فى تنزيله ما ليس منه جهلًا بدينهم، ومروقًا عن سنة نبيهم، ورفضًا لسير الصالحين فيه من سلفهم، ونزوعًا إلى ما يزين لهم الشيطان من أعمالهم، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا. انتهى.
وإذا علمت هذا ظهر لك أن تفسير الشارح لقول المصنف: "وقراءة بتلحين" (أن القراءة المكروهة بالتلحين هي التي يرجع فيها كترجيح الغناء) غير ظاهر، واللَّه -تعالى- أعلم.
وأما خبر: "زينوا القرآن بأصواتكم" فعنه أجوبة منها: أنه مقلوب.
[الاجتماع لقراءة القرآن:]
ثم شبه في الحكم، فقال: كجماعة يجتمعون لقراءة، وتحته صورتان:
- أن يبتدئ أحدهم من حيث يجد الآخر.
- أو من حيث ينتهي هو.
لما يلزم من التخليط وتقطيع القرآن، ولعدم العمل.
_________________
(١) = والدارمي (٢/ ٥٦٥، رقم ٣٥٠٠)، وأبو داود (٢/ ٧٤، رقم ١٤٦٨)، والنسائي (٢/ ١٧٩، رقم ١٠١٥)، وابن ماجه (١/ ٤٢٦، رقم ١٣٤٢)، وأبو يعلى (٣/ ٢٤٥، رقم ١٦٨٦)، وابن خزيمة (٣/ ٢٦، رقم ١٥٥٦)، وابن حبان (٣/ ٢٥، رقم ٧٤٩)، والروياني (١/ ٢٤٢، رقم ٣٥٣)، والحاكم (١/ ٧٦١، رقم ٢٠٩٨)، والبيهقي (٢/ ٥٣، رقم ٢٢٥٤)، والبغوي في الجعديات (١/ ٣٠٧، رقم ٢٠٧٧). ومن حديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن عدي (٤/ ٢٠٩، ترجمة ١٠١٦ عبد اللَّه بن خراش بن حوشب).
[ ٢ / ٢٦٦ ]
مالك: وأراه بدعة (١).
_________________
(١) قال في البيان: (١/ ٢٩٨): "قال ابن القاسم: قال مالك في القوم يجتمعون جميعًا فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية، فكره ذلك وأنكر أن يكون من فعل الناس. قال محمد بن رشد: إنما كرهه لأنه أمر مبتدع ليس من فعل السلف، ولأنهم يبتغون به الألحان وتحسين الأصوات بموافقة بعضهم بعضًا وزيادة بعضهم في صوت بعض على نحو ما يفعل في الغناء، فوجه المكروه في ذلك بين واللَّه أعلم. وقد مضى من هذا المعنى في رسم سلعة سماها، وتأتي المسألة متكررة في رسم لم يدرك من سماع عيسى". وقال في البيان (١٨/ ٣٤٩): "قال وسئل عن القوم يجتمعون فيقرؤون القرآن جميعًا السورة الواحدة، فقال: إني لأكره ذلك، ولو كان بعضهم يتعلم من بعض لم أر بذلك بأسًا. قيل له: أرأيت إن كان واحد منهم يقرأ عليهم؟ قال: لا بأس به. قال: وسئل عن القوم يجتمعون فيقرؤون السورة الواحدة، فقال: لا يعجبني هذا ولا أحبه، ولكن لو قرؤوا على رجل منهم واحد، أو قرأ عليهم رجل منهم لم ار بذلك بأسًا. فقيل له: لا، بل يقرؤون جميعًا على رجل منهم واحد، قال: لا يعجبني ذلك وأنا أكره الذي بلغني عن بعض أهل الشام يجتمع النفر جميعًا فيقرؤون السورة الواحدة، فقال: لا يعجبني هذا ولا أحبه ولكن يقرأ عليهم رجل منهم ويقرؤون عليه واحدًا واحدًا، أترى الناس اليوم أرغب في الخير ممن مضى؟ لم يكن يفعله أحد فلا يعجبني ولا أحبه. قيل له فهل يجتمعون فيقرأ هذا من سورة وهذا من سورة ومعهم رجل إذا تعايا أحدهم فتح عليه؟ فقال ما يعجبني هذا ولا أحبه، قال اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ وهؤلاء يقرؤون هذا من ناحية وهذا يقرأ من ناحية، هذا يشبه الاستخفاف بالقرآن، والذي بلغني عن بعض الناس من قراءاته إياه منكوسًا، والآية من هذه السورة والآية من هذه السورة، فلا يعجبني هذا ولا أحبه، ولكن يقرأ كل واحد منهم على رجل أو يقرأ عليهم رجل منهم. قال محمد بن رشد: أجاز أن يقرأ الواحد على الواحد وعلى الجماعة، وهذا هو المختار المستحسن الذي لا اختلاف فيه. وكره أن تقرأ الجماعة على الجماعة وعلى الواحد، وقد اختلف قوله في ذلك: فخففه في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة في رسم سلعة سماها منه. فوجه الكراهة في ذلك أنه إذا قرأت الجماعة على الواحد لا بد أن يفوته سماع ما يقرأ به بعضهم ما دام يصغي إلى غيرهم ويشتغل بالرد على من يصغي إليه منهم، فقد يخطىء في ذلك الحين ويظن أنه قد سمعه وأجاز قراءته، فيحمل عنه الخطأ ويظنه مذهبًا له. وكذلك إذا قرأت الجماعة على الجماعة، لأن كل واحد من الجماعة التي تقرأ عليها الجماعة لا بد أن يفوته سماع ما يقرأ به =
[ ٢ / ٢٦٧ ]
[الجلوس لسجدة التلاوة:]
وكره جلوس لها -أي: للسجدة- فقط واللام للعلة، لا لتعليم، هو تتميم لما قبله، فلو جلس له وللتعليم معًا لم يكره، وعلى هذا فليست مكررة مع قوله فيما سبق: (إن جلس ليتعلم)؛ لأن تلك ليتعلم فقط، وهذه لهما.
[اتخاذ القراءة ديدنًا بالمسجد:]
وأقيم القارئ إن اتخذ من القراءة ديدنًا في المسجد يوم خميس أو جمعة أو غيره؛ لأن الغالب قصد الدنيا بذلك.
وأشعر بأن القارئ في المسجد لا على وجه الدوام لا يقام، وإن كان مكروهًا، وبه صرح البساطي.
[قراءة الجماعة على الواحد:]
وفي كُرْه قراءة الجماعة مجتمعين على الشيخ الواحد مخافة التخليط، وجوازها من غير كراهة: روايتان عن الإمام من غير ترجيح.
[الاجتماع للدعاء:]
وكره اجتماع لدعاء يوم عرفة في غير عرفة.
مالك: لأنه من البدع المحدثة (١).
_________________
(١) = بعضهم ما دام يصغي إلى غيرهم ويشتغل بالرد على من يخطىء منهم. ووجه تخفيف ذلك المشقة الداخلة على المقرئ بإفراد كل واحد من القراءة عليه إذا كثروا، ووجه تحسينه لذلك إنما معناه، واللَّه أعلم، إذا كثر القراء عليه حتى لم يقدر أن يعم جميعهم مع الإفراد، فرأى جمعهم في القراءة أحسن من القطع ببعضهم، فهذا تأويل ما ذهب إليه مالك، واللَّه أعلم. وأما اجتماع الجماعة في القراءة في سورة واحدة أو في سور مختلفة دون أن يقرؤوا على أحدهم فهو من البدع المكروهة لم يختلف قول مالك في ذلك. وقد مضى الكلام على ذلك في رسم سن من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة وفي رسم لم يدرك من سماع عيسى وباللَّه التوفيق".
(٢) قال في البيان: (١/ ٢٧٤): "وسئل مالك عن الجلوس يوم عرفة في المساجد في البلدان بعد العصر للدعاء فكره ذلك، فقيل له فإن الرجل يكون في مجلسه فيجتمع =
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وفهم من قوله: (اجتماع) جواز الانفراد بذلك، وهو قول الإمام: مقام الرجل في منزله أحب إليّ.
[أداؤها وقت الحل:]
وكره مجاوزتها -أي: سجدة التلاوة- لمتطهر قرأها وقت جواز للصلاة النافلة، بل يسجدها حينئذ، ونحوه في المدونة.
[عدم الطهارة وكراهة الوقت:]
وإلا يكن قارئها متطهرًا، ولا الوقت وقت جواز نافلة: فهل يجاوز محلها فقط، ويقرأ ما بعده، أو الآية التي فيها السجدة يجاوزها كلها؛ لأن ترْكَ بعضها وذكْرَ بعض ربما يؤثر في المعنى؟ تأويلان:
الأول: لابن يونس وعبد الحق.
والثاني: لغيرهما.
ثم إذا تطهر أو زال وقت الكراهة قرأها وسجد، قاله في الجلاب.
[الاقتصار عليها:]
وكره اقتصار عليها في التلاوة؛ إذ هو مظنة قصد السجود، وأول قول المدونة: أكره له قراءتها خاصة لا قبلها شيء ولا بعدها، ثم يسجد في صلاة أو غيرها بالكلمة، وأول بحمله على الآية، لأن مقصوده السجدة لا التلاوة، وهو خلاف العمل.
قال المازري: وهو -أي: التأويل الثاني- الأشبه بالقواعد، أي: من
_________________
(١) = إليه الناس ويكبرون، قال ينصرف، ولو أقام في منزله كان أحب إلي. قال محمد بن رشد: كره مالك هذا وإن كان الدعاء حسنًا وأفضله يوم عرفة، لأن الاجتماع لذلك بدعة. وقد روي أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "أفضل الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"، وسيأتي هذا المعنى متكررًا في رسم صلى نهارًا".
[ ٢ / ٢٦٩ ]
الأول؛ إذ لا فرق بين كلمات السجدة أو جملة الآية، وذكر التأويلين عبد الحق.
ولما لم يكن هذا خلافًا، وإنما هو فهم لشيوخها أتى بلفظ الفعل؛ لأنه من قبل نفسه، لا من خلاف حقيقي.
[تعمدها في فريضة:]
وكره تعمدهما -أي: قراءتها عمدًا- بفريضة؛ لأنه إن لم يسجد دخل في الوعيد، وإن سجد فقد زاد في الفريضة، وروى ابن وهب جوازه، وصوبه اللخمي وجماعة.
ولما لم يقو عند المصنف تصويبه لم يشر إليه على عادته، وبهذا يندفع قول بعض مشايخي: لو زاد بعد فريضة: (والمختار والأصح خلافه) لكان أنسب بقاعدته.
تنبيه:
قول ابن الحاج في أحكامه الكبرى: من صلى فريضة في وقت لا يحل فيه سجود التلاوة، فقرأ فيها سجدة سجد تبعًا للفرض، كبيع الجبة المحشوة والكعك المحشو. انتهى.
ينبغي حمل كلامه على ما إذا لم يتعمد قراءة السجدة، فتأمله.
[تعمدها في خطبة:]
أو تعمدها في خطبة؛ لإخلاله بنظامها.
[تعمدها في نفل:]
لا نفل، فلا يكره فيه مطلقًا، سرًا كان أو جهرًا، خلافًا لابن حبيب في قوله: يقرأها في السر والجهر.
وزاد الشارح في معنى الإطلاق: منفردًا كان أو إمامًا، أمن من التخليط أو لا.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
[العمل عند قراءتها بفريضة أو خطبة:]
ثم أفاد المؤلف حكم ما إذا ارتكب المكروه، وقرأها في فرض أو خطبة، فقال: وإن قرأها في فرض سجد على المشهور، لا إن قرأها في خطبة فلا يسجد؛ لما تقدم.
[قراءتها في السرية:]
وجهر إمام الصلاة السرية بقراءته السجدة؛ ليعلم الناس سبب سجوده، وإلا بأن لم يجهر بها وسجد اتبع في سجوده عند ابن القاسم؛ لأن الأصل عدم السهو.
[مجاوزة محل السجود:]
ومجاوزها -أي: السجدة- ناسيًا لها، وقرأ بعدها بيسير.
ابن رشد: كالآية والآيتين.
ولم يسجدها يسجد مكانه فرضًا كانت صلاته نفلًا، ولا يعيد قراءتها؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه.
ومجاوزها بكثير يعيدها -أي: قراءتها- بالفرض، ويسجدها، ثم يعود إلى حيث انتهى في القراءة، وهذا ما لم ينحن للركوع، فإن انحنى فات محل السجود، فلا يعود لقراءتها في الركعة الثانية؛ لأنه كابتداء قراءتها، وهو مكروه في الفرض.
تنبيه:
ما ذكره المؤلف يخالفه قول المدونة: إذا رفع رأسه من الركوع في الفرض لم يعد القراءة وفاتت.
وقول الشارح: (يريد صاحب المدونة وكذا إذا ذكرها منحنيًا) بعيد من لفظها، ومثله في البعد الجواب بأن مفهومها مفهوم موافقة.
[تذكرها بالنفل:]
وإن ذكرها بالنفل -أي: فيه- أعاد قراءتها في ثانيته، وسجد، وإذا
[ ٢ / ٢٧١ ]
أعادها ففي فعلها قبل قراءة الفاتحة، أي: يسجد ثم يقرأ الفاتحة عند أبي بكر ابن عبد الرحمن؛ لأن المانع من السجود كان عدم القيام، وقد زال فلا معنى للتأخير، أو يفعلها بعد قراءة الفاتحة؛ لأنها قراءة غير واجبة، فمشروعيتها بعد الفاتحة عند ابن أبي زيد: قولان.
وفهم من قوله: (في ثانيته) أنه لو ذكرها بعد رفع رأسه من ركوع الثانية فاته السجود في هذه النافلة.
[مسألة:]
وإن قصدها -أي: السجدة- وانحط بنيتها، فلما وصل لحد الركوع نسيها، فركع سهوًا اعتد به، أي: بالركوع عند مالك، وإن ذكر منحنيًا رفع بنية الركوع، وفاتته السجدة في هذه الركعة.
وقال ابن القاسم: لا يعتد به، ويخر ساجدًا، فإن رفع ساهيًا لم يعتد به.
ولا سهو عليه؛ إذ لا زيادة معه يسجد لها، ويسجد عند ابن القاسم إن أطال أو ركع، بخلاف تكريرها نسقًا عند مالك، بأن يسجد معها سجدة أخرى سهوًا؛ فإنه يسجد لهذه الزيادة بعد السلام.
[السجود لها قبل محلها:]
أو بخلاف سجود لها قبلها سهوًا يظنها السجدة، ثم قرأ فوصل لها، فسجد، فإنه يسجد للسهو بالزيادة بعد السلام.
قال البساطي: وحمل بعض الشراح قوله: (تكريرها) على أنه إذا كرر القراءة: هل يكرر السجود؟ ولم يبين التئامه بما قبله.
[القاعدة في ذلك:]
قال المازري من عند نفسه ما معناه: وأصل المذهب -أي: قاعدته- عندي في القارئ إذا قرأ سجدة بعد ما سجد تكريرها، أي: السجدة؛ لأجل قراءتها.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وفي أكثر النسخ: (تكريره)؛ فيعود ضميره لسجود التلاوة، وهو إن كرر حزبًا فيه سجدة أو سجدات، ولو في وقت واحد؛ لوجود المقتضي للسجود.
[المستثنى من القاعدة:]
ثم استثنى ممن يكرر الحزب، فقال: إلا المعلم والمتعلم البالغين إذا كررا حزبهما، فأول مرة فقط عند مالك وابن القاسم.
[ما يخص سجدة الأعراف:]
وندب لساجد الأعراف قراءة بعد قيامه منها من الأنفال أو غيرها قبل ركوعه؛ ليقع الركن عقب قراءة.
وظاهر كلام المصنف كالشارح: اختصاص سجدة الأعراف بذلك.
وقال البساطي: وكذا غير سجدة الأعراف وخصها بالذكر ليلًا يتوهم أنها لما كانت آخر سورة فلا يقرأ بعدها شيئًا؛ لأنه كالجمع بين سورتين في ركعة، فدفع هذا الوهم. انتهى. وهو ظاهر.
[مسألة:]
ولا يكفي عنها -أي: عن سجدة التلاوة- ركوع؛ لأنه إن قصد به الركعة فلم يسجد، وإن قصد به السجدة فقد أحالها عن صفتها، وهو غير جائز؛ لأنه غير جائز، لأنه تغيير للموضوع الشرعي عن هيئته.
[ترك السجدة عمدًا:]
ولما كان قوله: (ولا يكفي) كالترجمة؛ إذ لم يفد فيه الحكم، أتبعه بتفصيل فيه، فقال: وإن تركها -أي: السجدة- عمدًا عند الانحطاط، وقصده -أي: الركوع- صح ركوعه.
ابن القاسم: إن تعمد الركوع بها أجزأته الركعة في الفريضة والنافلة، ولا أحب له ذلك، وليقرأها في الثانية ويسجد.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وأشار المؤلف لقوله: (ولا أحب له ذلك) بقوله: وكره له تركها، وقصد الركوع.
[تركها سهوًا:]
وإن ركع سهوًا عن السجدة من أول وهلة، فذكرها وهو راكع اعتد به -أي: بركوعه- عند مالك من رواية أشهب عنه، لا عند ابن القاسم، فلا يعتد بالركوع عنده، بل يخر ساجدًا، ويقوم يبتدئ القراءة.
ابن حبيب: ويسجد بعد السلام إذا طال الركوع الذي فعله ساهيًا عن السجدة.
وهو معنى قوله: فيسجد إن اطمأن به، كذا فسره ابن أبي زيد. ابن القاسم: وإن لم يذكر حتى أتم الركعة ألغاها.
ابن يونس: يريد ألغى الركعة؛ لأنه يؤدي بها السجدة، يريد ثم يسجد السجدة، ثم يقوم فيقرأ شيئًا، ثم يركع ويسجد لسهوه بعد السلام.
قال الشارح وتبعه البساطي: الفرق بين هذه المسألة والسابقة في قوله: (وإن قصدها فركع سهوًا) أنه في تلك قصد السجود، ولما وصل للركوع نسي، فقصد الركوع، وفي هذه لم يقصد السجود البتة، بل ركع سهوًا، فلما وصل للركوع تذكر السجود، والحكم فيهما واحد.
* * *
فصل في بيان حكم صلاة النافلة، وما يتعلق بها
وأتبعه لسجود التلاوة لما بينه وبين صلاة التطوع من المشابهة في الحكم.
ولنبدأ الفصل بحديث فيه ترغيب في التطوع، وهو قوله -ﷺ-: "ما من امرئ تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، إلا كتب اللَّه له أجر صلاته،
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وكان نومه صدقة عليه" (١).
[آكد النوافل:]
ولما كان بعض النفل اكد من بعض أشار -رحمه اللَّه تعالى- لبيان ذلك بقوله: ندب نفل في كل وقت يحل إيقاعه فيه، وتأكد الندب:
- بعد صلاة مغرب؛ لخبر أبي هريرة: "من صلى بعد المغرب ستًا، ولم يتكلم فيهن بسوء، عدلن له عبادة اثنتي عشرة سنة" (٢).
- كظهر -أي: بعدها- وقبلها، عطف على (بعد)، أي: وتأكد قبلها أيضًا.
- كعصر، يتأكد قبلها، ولا يشترط الاتصال في القبلية.
[تحديد القدر المستحب:]
ولم يذكر المؤلف -رحمه اللَّه تعالى- تحديد القدر المستحب، وإن ورد في بعض الأحاديث التحديد بأربع قبل الظهر وأربع بعدها (٣)، وأربع قبل العصر (٤)، وست بعد المغرب؛ لما في المدونة: هل كان مالك يؤقت
_________________
(١) رواه النسائي (٣/ ٢٥٨، رقم: ١٧٨٧)، وابن ماجه (١/ ٤٢٦، رقم: ١٣٤٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٢/ ٢٩٨ رقم ٤٣٥) وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب، وعن عمرو بن أبي خثعم، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن عبد اللَّه بن أبي خثعم منكر الحديث، وضعفه جدًا. ورواه أيضًا ابن ماجه (١/ ٣٦٩، رقم ١١٦٧)، وأبو يعلى (١٠/ ٤١٤، رقم ٦٠٢٢)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٥٠، رقم ٨١٩).
(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٣٢٦، رقم ٢٦٨١٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠، رقم ٥٩٨٣)، وأبو داود (٢/ ٢٣، رقم ١٢٦٩)، والترمذي (٢/ ٢٩٢، رقم ٤٢٧) وقال: حسن غريب. وابن ماجه (١/ ٣٦٧، رقم ١١٦٠)، والنسائي (٣/ ٢٦٥، رقم: ١٨١٤)، والبيهقي (٢/ ٤٧٢ رقم ٤٢٦٤)، والحاكم (١/ ٤٥٦، رقم ١١٧٥).
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ١١٧، رقم ٥٩٨٠)، والطيالسي (ص ٢٦٢، رقم ١٩٣٦)، وأبو داود (٢/ ٢٣، رقم ١٢٧١)، والترمذي (٢/ ٢٩٥ رقم ٤٣٠) وقال: غريب حسن. وابن حبان (٦/ ٢٠٦، رقم ٢٤٥٣)، والبيهقي (٢/ ٤٧٣، ر قم ٤٢٦٧).
[ ٢ / ٢٧٥ ]
قبل الظهر وبعدها، وقبل العصر، وبعد المغرب، وبعد العشاء.
قال: لا إنما يوقت أهل العراق.
وكذا قال المصنف: بلا حد.
فائدة:
حكمة تقديم بعض النوافل وتأخير بعض أن العبد قبل اشتغاله بالفرض كان مشتغلًا بأمور الدنيا غالبًا، فتبعد النفس عن حضور القلب للعبادة، فإذا تقدم على الفرض نفل، أنست النفس للعبادة، وإن كان القلب أقرب للحضور في الثاني؛ لما ورد أنها جابرة لنقص الفرائض.
[صلاة الضحى:]
وتأكد الضحى.
تنبيه:
اختلف في كونه نفلًا أو فضيلة على قولين ذكرهما ابن عرفة، قال: والفضيلة عند أبي عمر أرفع من رتبة النافلة.
وبما قررناه يندفع استشكال الشارح عطفه، وهو معرفة على نفل، وهو نكرة (١).
_________________
(١) ظاهره أن في عطف المعرفة على النكرة شيء، وليس كذلك، بل هو سائغ، قال العكبري في إعراب بيت الشنفري: مُهَلَّلَةٌ شِيْبُ الوجوهِ كأنّها قِداحٌ بكفَّيْ ياسِرٍ تَتَقَلْقَل أوِ الخَشْرَمُ المبعوثُ حَثْحَثَ دَبْرَهُ محابِيضُ أَرْدَاهُنَّ سامٍ مُعَسِّل : " (الخَشْرَمُ): هو معطوفٌ على القِدَاحِ وجازَ عَطْفُ المعَرِفَةِ على النكرِة لوجْهَيْنِ: أَحَدُهُما: أَنَّه أرادَ بالخَشْرَمِ الجِنْسَ وفي الجِنْسِ إبهامٌ. و(قِدَاحٌ): وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقدْ وُصِفَ فَقَرُبَ بذلِكَ مِنَ المَعْرِفةِ. والآخَرُ: أَنَّ عَطْفَ الجُمْلَةِ على الجملةِ جائِزٌ وإنْ اخْتَلَفَا في التعريفِ والتنكيرِ". وذهب الخضري في حاشيته على شرح ابن عقيل (١/ ٢٣٠) إلى جواز العطف مطلقًا: النكرة على المعرفة، والمعرفة على النكرة، دون قيد أو شرط. =
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وبما ذكرنا من الخلاف يندفع قول البساطي في رده على الشارح: (لو استشكله لكونه من النفل لكان شيئًا).
[الإسرار بالنهار:]
وندب سر به -أي: بالنفل- نهارًا، ولا ينافي هذا قول ابن الحاجب وسند بجوازه.
_________________
(١) = كنت قد كتبت هذا ثم وجدت الرضي قد قال في شرحه على كافية ابن الحاجب (٢/ ٣٣٨) ما محصله المنع: "لا يريدون بقولهم: إن المعطوف في حكم المعطوف عليه: أن كل حكم يثبت للمعطوف عليه مطلقًا، يجب ثبوت مثله للمعطوف حتى لا يجوز عطف المعرفة على النكرة وبالعكس، تجرد المعطوف عليه من اللام، بالنظر إلى (يا)، لكن لما كان المكروه هو اجتماع اللام وحرف النداء، ولم يجتمعا حال كون اللام في المعطوف، جاز، كما في: يا أيها الرجل، وإن وجب للمعطوف عليه حكم بالنظر إلى نفسه وإلى غيره معًا، وجب مثله للمعطوف، إن كان في نفسه مثل المعطوف عليه، فلذا، وجب بناء المعطوف في: يا زيد وعمرو، لأن ضم المنادى بالنظر إلى حرف النداء وإلى كونه مفردًا معرفة. وكان يجب بناءً المعطوف، على هذا الأصل في: لا رجل وامرأة، كما في النداء، لكن العلة قد تقدمت في المنصوب بـ (لا) التبرئة، وإن لم يكن حال المعطوف في نفسه كحال المعطوف عليه لم يجب فيه ما وجب في المعطوف عليه، فلذا لم يضم المعطوف في: يا زيد وعبد اللَّه، لأن ضم المنادى ليس لحرف النداء فقط، بل لذلك ولكونه مفردا معرفة، كما قلنا، وكذا لم ينصب المعطوف في: لا رجل ولا زيد عندي، لأن نصب اسم (لا)، بالنظر إلى (لا) وإلى قابل النصب وهو المنكر المضاف والمضارع له، لا بالنظر إلى (لا) وحدها. فنقول: يجوز عطف الخبر الجامد على المشتق نحو: زيد أحمر ورجل شجاع، وذلك لأن الضمير في المشتق الواقع خبرًا، لم يجب لكونه خبرًا فقط، إذ خبر المبتدأ يتجرد أيضًا عن الضمير إذا كان جامدًا، بل بالنظر إلى نفسه أيضًا وهو كونه مشتقًا، إذ الخبر المشتق لا بد من ضمير فيه أو في معموله، فالمقصود: أن المعطوف يجب أن يكون بحيث لو حذف المعطوف عليه، جاز قيامه مقامه". فتحصل لديك أن للنحاة ثلاثة مذاهب: الجواز مع قيد، والجواز مطلقًا، والمنع، واللَّه تعالى أعلم.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
[الجهر بالليل:]
وجهر به ليلًا، قال في توضيحه: إلا لضرورة، كتشويش بعض المصلين على بعض.
[الجهر بالوتر:]
وتأكد ندب الجهر بوتر؛ لارتفاعه عن رتبة الاستحباب؛ للسنة.
تكميل:
المعروف أنه ركعة واحدة، وهو مذهب مالك، وتخصيص الوتر يقتضي عدم تأكده في الشفع، وهو كذلك، ففي التوضيح: وأما الشفع فإن شاء جهر فيه أو أسر.
فقول البساطي: (يريد مع الشفع) غير ظاهر.
[تحية المسجد:]
وندب تحية مسجد بركعتين لداخل متوضئ يريد جلوسًا في وقت حل النافلة.
وقولنا: (يريد جلوسًا) يخرج المار، ومشعر بأن الجلوس لا يفيتها، وهو كذلك.
وظاهره: ولو تكرر دخوله، ونحوه للجلاب، وأشعر قوله: (تحية) بفعلها قبل تنفله.
قال في الموطأ: وهو حسن.
تنبيه:
نكر مسجدًا ليعم مسجد الجمعة وغيره؛ لاشتراكهما في الحرمة، كما منع الجنب من جميعها، ونحوه للفاكهاني.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وقال الجزولي: انظر ما يطلق عليه اسم مسجد لغة، فتدخل المساجد التي يتخذها من لا مسجد لهم في بيت وغيره، وكذا من يتخذ مسجدًا في بيته أو المسجد المعروف. انتهى.
[ذوات السبب:]
وتحية المسجد صلاة سبب.
عياض: ذوات السبب:
- الصلاة عند الخروج للسفر.
- وعند القدوم منه.
- وعند دخول المنزل.
- وعند الخروج منه.
- والاستخارة.
- والحاجة: ركعتان.
- والتسبيح: أربع ركعات.
- وركعتان بين الأذان والإقامة.
- وركعتان لمن قرب للقتل.
- وركعتان عند التوبة من الذنب والاستغفار منه.
- وأربع بعد الزوال.
[تحية المسجد للمار:]
وجاز ترك مار، وفيه إشعار بجواز المرور، وهو كذلك في المدونة، وقيدها بعض شيوخ ابن ناجي بما إذا لم يكثر، فإن كثر منع، ويكره ترك غير المار.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
[تأديتها بفرض:]
وتأدت تحية المسجد بفرض، يحتمل أن معنى تأديها قيامه مقامها في شغل البقعة بالصلاة؛ لحصول ثوابها معه، ويحتمل مع حصوله، وهذا يتأتى مع نيتها معه، كغسل الجمعة والجنابة.
[البدء بها في المسجد النبوي:]
وندب بدء بها -أي: التحية- بمسجد المدينة قبل السلام عليه -ﷺ- عند مالك، وأخذ به ابن القاسم، ويحتمل عطف (بدء) على (جاز)، أي: وجاز بدء بها أو بالسلام عليه -ﷺ-، ثم بها؛ لأن فيه الجمع، فيسلم قائمًا، ثم يركع، واستظهر (١).
[إيقاع النفل بمصلاه -ﷺ-:]
وندب إيقاع نفل به -أي: بمسجد المدينة- بمصلاه، أي: بموضع صلاته -ﷺ-؛ تأسيًا به وتبركًا (٢)، فالنفل مندوب، وكونه بهذا المحل مندوب آخر.
_________________
(١) قال ابن رشد في البيان: (١٨/ ٩٤): "وسئل مالك عن الرجل يدخل مسجد النبي ﵇ بالمدينة، بأي شيء يبدأ، بالسلام على النبي -﵇- أم بركعتين؟ قال: بل بركعتين، وكل ذلك واسع. قال ابن القاسم: وأحب إلي أن يركع. قال محمد بن رشد: وجه توسعة مالك في البداية بالسلام على النبي ﵇ قبل الركعتين قوله في الحديث: "قبل أن يجلس"، فإذا سلم ثم ركع الركعتين قبل أن يجلس فقد امتثل أمر النبي ﵇ بالركوع قبل الجلوس ولم يخالفه. ووجه اختيار ابن القاسم البداية بالركوع قبل السلام على النبي ﵇ قوله في الحديث: "إذا دخل فليركع"، والفاء في اللسان للتعقيب يدل على الثاني عقيب الأول بلا مهملة، فكان الاختيار إذا دخل أن يصل ركوعه بدخوله وألا يجعل بينهما فاصلة من الاشتغال بشيء من الأشياء".
(٢) هذه المسألة من الأدلة على أن الإمام مالك بنى مذهبه على كثير من أقوال ابن عمر، فابن عمر هو من اشتهر عنه تتبع آثار النبي -ﷺ-، فقد ورد عنه أن كان يتتبع أماكن النبي -ﷺ-، فالأماكن التي يجلس فيها النبي -ﷺ- يجلس فيها، والمكان الذي يجلس فيه النبي ويبول يجلس فيه ويبول، ولم يفعل هذا كبار الصحابة، أي: تتبع آثار =
[ ٢ / ٢٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = النبي -ﷺ-، فهذا اجتهاد خاص به، وقد ذكر البخاري أشياء من هذا في تتبع ابن عمر لآثار النبي -ﷺ-، ومن ثم عقد القاضي عياض في (الشفا: ٢/ ٥٦، ما بعدها) فصلًا في تتبع آثاره -ﷺ-، فقال: "فصل: ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه وإكرام مشاهده وأمكنته من مكة والمدينة ومعاهده وما لمسه -ﷺ- أو عرف به، وروي عن صفية بنت نجدة قالت: كان لأبي محذورة قصة في مقدم رأسه إذا قعد وأرسلها أصابت الأرض فقيل له: ألا تحلقها فقال: لم أكن بالذي أحلقها وقد مسها رسول اللَّه -ﷺ- بيده، وكانت قلنسوة خالد بن الوليد شعرات من شعره -ﷺ- فسقطت قلنسوته في بعض حروبه فشد عليها شدة أنكر عليه أصحاب النبي -ﷺ- كثرة من قتل فيها فقال: لم أفعلها بسبب القلنسوة بل لما تضمنته من شعره -ﷺ- لئلا أسلب بركتها وتقع في أيدي المشركين، ورئي ابن عمر واضعًا يده على مقعد النبي -ﷺ- من المنبر ثم وضعها على وجهه، ولهذا كان مالك ﵀ لا يركب بالمدينة دابة. . ". وقال صاحبنا الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ٤٦٦) في شرح حديث سؤال ابن عمر بلالًا عن مكان صلاة -ﷺ- في الحرم: "وفي هذا الحديث من الفوائد: رواية الصاحب عن الصاحب. وسؤال المفضول مع وجود الأفضل، والاكتفاء به. والحجة بخبر الواحد، ولا يقال: هو أيضًا خبر واحد، فكيف يحتج للشيء بنفسه؛ لأنا نقول: هو فرد ينضم إلى نظائر مثله يوجب العلم بذلك. وفيه: اختصاص السابق بالبقعة الفاضلة. وفيه: السؤال عن العلم والحرص فيه. وفضيلة ابن عمر لشدة حرصه على تتبع آثار النبي -ﷺ- ليعمل بها، وفيه أن الفاضل من الصحابة قد كان يغيب عن النبي -ﷺ- في بعض المشاهد الفاضلة ويحضره من هو دونه فيطلع على ما لم يطلع عليه؛ لأن أبا بكر وعمر وغيرهما ممن هو أفضل من بلال ومن ذكر معه لم يشاركوهم في ذلك". وليس فعل ابن عمر هذا من قبيل الفعل الذي نحا بأمير المؤمنين عمر -﵁- أن يقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي -ﷺ-، فشتان بين الفعلين، فابن عمر ما يبتغي من فعله إلا الاقتداء والتأسي والتبرك المشروع، فضلًا عن أنه من علماء الصحابة، فلا يقرن فعله بفعل العوام الذين يخشى منهم الوقوع في المحذور، الذي هو الشرك، والذي لأجله قطع عمر الشجرة، يقول الحافظ في الفتح (٦/ ١١٨): "وبيان الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن مشاهدا فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: "كانت رحمة من اللَّه"، =
[ ٢ / ٢٨١ ]
[الفرض بالصف الأول:]
وندب إيقاع الفرض بالصف الأول من مسجده ﵊، أي: لا في موضع مصلاه، ولعل هذا مبني على أن ما زيدت فيه له حكمه، ويحتمل أن يريد أنه يندب الفرض بالصف الأول في كل مسجد.
[تحية المسجد المكي:]
وتحية مسجد مكة الطواف بالبيت، فلا يجلس قبله، وليست تحيته الصلاة بركعتين كغيره من المساجد.
قال مالك: إنما بدأ بالطواف قبل الركوع لأنه الصلاة المختصة به، وسواء كان مقيمًا أو قادمًا، دخل مريدًا للطواف أو لا.
قال القاضي: الطواف بالبيت صلاة، فإذا دخله مريدًا للطواف بدأ به، وإن دخله لا يريده في وقت التنفل بدأ بالركعتين.
[صلاة التراويح:]
وندب تراويح غير منصرف، وهو قيام رمضان، وسمي به لأنهم كانوا يطيلون القيام، فيقرأ القارئ بالمئين، يصلون بتسليمتين، ثم يجلس الإمام والمأموم للاستراحة، ويقضي من سبقة الإمام، ثم كذلك، وجعله البساطي من النفل المتأكد، فقال: وتأكد الندب في تراويح رمضان (١).
_________________
(١) = أي: كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من اللَّه تعالى. ويحتمل أن يكون معنى قوله رحمة من اللَّه، أي: كانت الشجرة موضع رحمة اللَّه ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين عندها".
(٢) قال في الموطأ (١/ ١١٣): " (باب الترغيب في الصلاة في رمضان) حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي -ﷺ-: أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ثم صلى الليلة القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول اللَّه -ﷺ- فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان". =
[ ٢ / ٢٨٢ ]
[الانفراد في التراويح:]
وندب انفراد بها في البيوت (١)، لخبر: "عليكم بالصلاة في بيوتكم،
_________________
(١) = وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة فيقول: "من قام رمضان إيمانًا وإحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". قال ابن شهاب: فتوفي رسول اللَّه -ﷺ- والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر بن الخطاب". قال ابن عبد في الاستذكار: (٢/ ٦٢): "ففي الحديث الأول: من الفقه الاجتماع في النافلة وأن النوافل إذا اجتمع في شيء منها على سنته لم يكن لها أذان ولا إقامة لأنه لم يذكر الأذان في ذلك، ولو كان لذكر ونقل. وأجمع العلماء أن لا أذان في شيء من السنن والنوافل وأن الأذان إنما هو للمكتوبات فأغنى عن الكلام في ذلك، وفيه أن قيام رمضان سنة من سنن النبي -ﷺ- مندوب إليها مرغب فيها ولم يسن منها عمر إلا ما كان رسول اللَّه يحبه ويرضاه وما لم يمنعه من المواظبة عليه إلا أن يفرض على أمته وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا -ﷺ-. فلما علم عمر ذلك من رسول اللَّه، وعلم أن الفرائض في وقته لا يزاد فيها ولا ينقص منها أقامها للناس، وأحياها، وأمر بها، وذلك سنة أربع عشرة من الهجرة صدر خلافته".
(٢) قال في الاستذكار (٢/ ٦٤) شرحًا للحديث السابق بالهامش الماضي: "وفيه من الفقه فضل قيام رمضان، وظاهره: يبيح فيه الجماعة والانفراد؛ لأنه لم يقل فيه من قام رمضان وحده ولا في جماعة". وقال (٢/ ٧٠): "واختلفوا في الأفضل من القيام مع الناس والانفراد في شهر رمضان فقال مالك والشافعي: صلاة المنفرد في بيته في رمضان أفضل. قال مالك: وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس. قال مالك: وأنا أفعل ذلك وما قام رسول اللَّه -ﷺ- إلا في بيته. واحتج الشافعي بحديث زيد بن ثابت أن النبي ﵇ قال في قيام رمضان: "أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". قال الشافعي ولا سيما مع رسول اللَّه -ﷺ- في مسجده على ما في ذلك من الفضل. وقد ذكرنا حديث زيد بن ثابت بإسناده هذا في التمهيد، وروينا عن ابن عمر وسالم والقاسم وإبراهيم ونافع أنهم كانوا ينصرفون ولا يقومون مع الناس. وجاء عن عمر وعلي أنهما كانا يأمران من يقوم للناس في المسجد ولم يجئ عنهما أنهما كانا يقومان معهم".
[ ٢ / ٢٨٣ ]
فإن خير صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة" (١)، أي: لخوف الرياء.
[شرط الانفراد:]
ولما كان استحباب الانفراد مقيدًا أفاده بقوله: إن لم تعطل المساجد، يحتمل عن الجماعات، أو عن الصلاة.
[الختم بالتراويح:]
وندب للإمام الختم للقرآن كله فيها، أي: في التراويح في الشهر كله؛ ليوقفهم على سماع جميعه.
قال مالك: لأن الناس لم تزل تفعل ذلك في رمضان (٢).
تنبيهان:
الأول: قال سند: لو ختم القرآن في ركعة وأراد ابتداؤه في تلك
_________________
(١) رواه مالك (١/ ١٣٠، رقم ٢٩١)، وأحمد (٣٥/ ٤٩٧، رقم: ٢١٦٣٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٥٢، رقم ٦٣٦٢)، والبخاري (١/ ٢٥٦، رقم ٦٩٨)، والترمذي (٢/ ٣١٢، رقم ٤٥٠) وقال: حسن. والنسائي (٣/ ١٩٧، رقم ١٥٩٩)، وابن حبان (٦/ ٢٣٨، رقم ٢٤٩١)، والطبراني (٥/ ١٤٤، رقم ٤٨٩٦)، وابن خزيمة (٢/ ٢١١، رقم ١٢٠٣)، والدارمي (١/ ٣٦٦، رقم ١٣٦٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٧٣، رقم: ٦١٤)، وغيرهم، على اختلاف بينهم.
(٢) قال مالك في المدونة: (١/ ٢٨٨): "ليس ختم القرآن في رمضان بسنة للقيام". وفي المدونة (١/ ٢٨٩): "وقال ربيعة في ختم القرآن في رمضان لقيام الناس: ليست بسنة، ولو أن الرجل أم الناس بسورة حتى ينقضي الشهر لأجزأ ذلك عنه، فإني لا أرى أن قد كان يؤم الناس من لم يجمع القرآن". فظاهر المذهب عند المغاربة أن قول مالك في المدونة هو المشهور، سواء كان من رواية ابن القاسم أو من رواية، عند عدم التعارض، فيكون قول مالك: "لأن الناس لم تزل تفعل ذلك في رمضان" مقابلًا للمشهور، ولعل هذا ما جعل ابن العربي يقول: (وقد رأيتُ على باب الأسباط فيما يقرب منه إمامًا من جملة الثمانية والعشرين إمامًا كان يصلي فيه التراويح في رمضان بالأتراك فيقرأ في كل ركعة (الحمد للَّه) و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حتى يتم التراويح تخفيفًا عليه ورغبة في فضلها وليس من السنة ختم القرآن في رمضان).
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الركعة، قال ابن القاسم: لا يقرأ الفاتحة، ويبتدئ البقرة؛ لأن الركن لا يكرر.
الثاني: لا خصوصية لختم الإمام القرآن في التراويح؛ ففي الذخيرة: أنكر العلماء ومالك على من يقتصر على بعض القرآن، ولو كان أفضل من غيره، فإن اللَّه -تعالى- أنزل القرآن ليخاف من وعيده، ويرجى وعده، ويتأدب بقصصه، فينبغي أن يتلى جميعه.
[إجزاء السورة فيها:]
وسورة تجزئ في التراويح في الشهر كله، مع فوات المستحب.
[عدد ركعاتها:]
والتراويح ثلاث وعشرون ركعة بالشفع والوتر (١)، وعلى هذا التقدير
_________________
(١) ذهب بعض أهل العصر أن صلاة التراويح ثلاثًا وعشرين من البدع المذمومة التي ينبغي تركها، وأن فاعل ذلك يعد مبتدعًا في عين هذه المسألة ما دام ليس كذلك في سائر الشرائع والاعتقادات، وفي الحق أن ما رآه هو قول بعض الأصحاب، يقول الألباني في كتاب له أسماه: صلاة التراويح، ص ٨٦، وما بعدها: "وجوب التزام الإحدى عشرة ركعة والدليل على ذلك: لقد تبين لكل عاقل نص أن لا يصح عن أحد من الصحابة صلاة التراويح بعشرين ركعة وأنه ثبت عن عمر -﵁- الأمر بصلاتها إحدى عشرة ركعة كما تبين أنه -ﷺ- لم يصلها إلا إحدى عشرى ركعة فهذا كله مما يمهد لنا السبيل لنقول بوجوب التزام هذا العدد وعدم الزيادة عليه اتباعًا لقوله -ﷺ-: ". . . فإنه من يعش منكم من بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" زاد في حديث آخر: "وكل ضلالة في النار" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم. ومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في كثير من المسائل الفقهية ومنها ما نحن فيه من عدد ركعات التراويح فقد بلغ اختلافهم فيه إلى ثمانية أقوال: الأول (٤١). الثاني (٣٦). الثالث (٣٤). الرابع (٢٨). الخامس (٢٤). السادس (٢٠). السابع (١٦). الثامن (١١) ولما كان الحديث المذكور قد بين لنا المخرج من كل اختلاف قد تقع الأمة فيه وكانت هذه المسألة مما اختلفوا فيه وجب علينا الرجوع إلى المخرج وهو التمسك بسنته -ﷺ- وليست هي هنا إلا الإحدى عشرة ركعة فوجب الأخذ =
[ ٢ / ٢٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بها وترك ما يخالفها ولا سيما أن سنة الخلفاء الراشدين قد وافقتها ونحن نرى أن الزيادة عليها مخالفة لها لأن الأمر في العبادات على التوقيف والاتباع لا على التحسين العقلي والابتداع كما سبق بيانه في الرسالة الأولى ويأتي بسط ذلك في الرسالة الخاصة بالبدعة إن شاء اللَّه تعالى ومن العجيب أن العامة قد تنبهوا لهذا فكثيرًا ما تسمعهم يقولون بهذه المناسبة وغيرها: "الزايد أخو الناقص" فما بال الخاصة؟ ويعجبني بهذه المناسبة ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني وصاحب لي كنا في سفر فكنت أتم وكان صاحبي يقصر فقال له ابن عباس: "بل أنت الذي كنت تقصر وصاحبك الذي كان يتم" وهذا من فقه ابن عباس -﵁- حيث جعل التمام والكمال في اتباع سنته -ﷺ- وجعل النقص والخل فيما خالفها وإن كان أكثر عددًا كيف لا وهو الذي دعا له رسول اللَّه -ﷺ- بقوله: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل؟ ". والحقيقة أن من كان فقيهًا حقًا لا يسعهن أن يتعدى قول ابن عباس هذا بل يجعله أصلًا في كل ما جاءت به الشريعة الكاملة لأن عكسه يؤدي إلى نسبة النقص أو النسيان إلى الشارع الحكيم؟ وما كان ربك نسيًا؟ ولتفصيل هذا موضع آخر إن شاء اللَّه تعالى. ويعجبني أيضًا قول شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على ابن المطهر الشيعي: وزعم أن عليًا كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ولم يصح ذلك ونبينا -ﷺ- كان لا يزيد في الليل على ثلاث عشرة ركعة ولا يستحب قيام كل الليل بل يكره، قال النبي -ﷺ- لعبد اللَّه بن عمر بن العاص: "إن لجسدك عليك حقًا" وقد كان ﵇ يصلي في اليوم والليلة نحو أربعين ركعة وعلي كان أعلم بسنته وأتبع لهديه من أن يخالفه هذه المخالفة لو كان ذلك ممكنًا، فكيف وصلاة ألف ركعة مع القيام بسائر الواجبات غير ممكن إذ عليه حقوق نفسها من مصالحها ونومها وأكلها وشربها وحاجتها ووضوئها ومباشرته أهله وسراريه والنظر لأولاده وأهله ورعيته مما يستوعب نصف الزمان تقريبًا فالساعة الواحدة لا تتسع لثمانين ركعة إلا أن تكون بالفاتحة فقط وبلا طمأنينة وعلي كرم اللَّه وجهه أجل من أن يصلي صلاة المنافقين التي هي نقر ولا يذكر اللَّه إلا قليلًا كما في الصحيحن". من "المنتقى من منهاج الاعتدال" (ص ١٦٩ - ١٧٠)، فتأمل كيف نزه عليًا -﵁- عن الزيادة على سننه -ﷺ- بقوله: "وعلي كان أعلم بسنته وأتبع لهديه من أن يخالفه هذه المخالفة". ذكر من أنكر الزيادة من العلماء: ولذلك نقول: لو ثبتت الزيادة على الإحدى عشرة ركعة في صلاة القيام عن أحد من الخلفاء الراشدين أو غيرهم من فقهاء الصحابة لما وسعنا إلا القول بجوازها لعلمنا =
[ ٢ / ٢٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بفضلهم وفقههم وبعدهم عن الابتداع في الدين وحرصهم على نهي الناس عنه، ولكن لما لم يثبت ذلك عنهم على ما سلف بيانه لم نستجز القول بالزيادة، وسلفنا فى ذلك أئمة فحول فى مقدمتهم الإمام مالك في أحد القولين عنه، فقال السيوطي في "المصابيح في صلاة التراويح" (٢/ ٧٧ من الفتاوى له): "وقال الجوري -من أصحابنا- عن مالك أنه قال: الذي جمع عليه الناس عمر بن الخطاب أحب إلي، وهو إحدى عشرة ركعة، وهي صلاة رسول اللَّه -ﷺ-. قيل له: إحدى عشرة ركعة بالوتر؟ قال: نعم وثلاث عشرة قريب. قال: ولا أدري من أين أحدث هذا الركوع الكثير؟ ". وقال الإمام ابن العربي في شرح الترمذي بعد أن أشار إلى الروايات المتعارضة عن عمر وإلى القول أنه ليس في قدر ركعات التراويح حد محدودة "والصحيح: أن يصلي إحدى عشرة ركعة: صلاة النبي -ﷺ- وقيامه فأما غير ذلك من الأعداد فلا أصل له، ولا حد فيه. فإذا لم يكن بد من الحد فما كان النبي ﵇ يصلي. ما زاد النبي ﵇ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. وهذه الصلاة هي قيام الليل فوجب أن يقتدى فيها بالنبي ﵇، ولهذا صرح الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني في "سبل السلام" أن عدد العشرين في التراويح بدعة قال: وليس في البدعة ما يمدح بل كل بدعة ضلالة". قلت: لكن ابن عبد البر قد قال في الاستذكار (٢/ ٦٩، ما بعدها): "وقد روى مالك عن يزيد بن رومان، قال: كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. وهذا كله يشهد بأن الرواية بإحدى عشرة ركعة وهم وغلط، وأن الصحيح ثلاث وعشرون وإحدى وعشرون ركعة، واللَّه أعلم. وقد روى أبو شيبة واسمه إبراهيم بن علية بن عثمان عن الحكم عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﵇ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر، وليس أبو شيبة بالقوي عندهم، ذكره بن أبي شيبة عن يزيد بن رومان عن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان. وروي عشرون ركعة عن علي وشتير بن شكل وابن أبى مليكة والحارث الهمداني وأبي البختري، وهو قول جمهور العلماء، وبه قال الكوفيون والشافعي وأكثر الفقهاء، وهو الصحيح عن أبي ابن كعب من غير خلاف من الصحابة. وقال عطاء: أدركت الناس وهم يصلون ثلاثًا وعشرين ركعة بالوتر، وكان الأسود بن يزيد يصلي أربعين ركعة ويوتر بسبع. وذكر ابن القاسم عن مالك: تسع وثلاثون، والوتر ثلاث، وزعم أنه الأمر القديم.=
[ ٢ / ٢٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وذكر ابن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن داود بن قيس، قال: أدركت الناس بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلون ستًا وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث. وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن داود: قيام رمضان عشرون ركعة سوى الوتر، لا يقام بأكثر منها استحبابًا. وذكر عن وكيع عن حسن بن صالح عن عمرو بن قيس عن أبي الحسين عن علي أنه أمر رجلًا يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة، وهذا هو الاختيار عندنا، وباللَّه توفيقنا. وذكره أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي". اختياري: وما اختاره ابن عبد البر أختار؛ لأنه الذي تدل عليه النصوص الصحيحة، التي منها بسندي إلى أبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه:
(٢) حدثنا وكيع، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، أن عمر بن الخطاب أمر رجلًا يصلي بهم عشرين ركعة. قلت: وهذا السند وإن كان منقطعًا بين يحيى وعمر، إلا أن الواسطة بينهما لا بد أن تكون مقبولة من حيث الرواية؛ لسببين: الأول: أن يحيى بن سعيد من الخامسة، وجل رواية هذا الطبقة عن كبار التابعين، ولم نعلم أحدًا من هذه الطبقة قد كذب، أو اتهم به، أو ضعف ضعفًا شديدًا، بل إن أسوأ ما يكون عليه من ينتسب لهذه الطبقة أن يكون مستورًا؛ لقلة روايته، وذلك كمثل إسحاق بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي، أو مجهولا مثل حريث بن ظهير بالمعجمة المضمومة الكوفي، إلا فيما ندر، والنادر لا حكم له. الثاني: أنه ما علمنا أحدًا مدنيًا من الطبقة الثانية أو الثالثة قد كان ممن يضعف لأجله الحديث، بل إن درجته في أسوأ حال أن يكون مقبولًا، وذلك كجعفر بن عياض، وجهمان الأسلمي، والحارث بن بلال بن الحارث المزني، عبد اللَّه بن سعد التيمي مولى عائشة، عبد اللَّه بن سليط، أخو ميمونة من الرضاعة، عبد الرحمن بن بهمان، وأما عبد الرحمن بن البيلماني مولى عمر، فلينه أبو حاتم بلا دليل، ووثقه ابن حبان. فكيف، إذا انضم إلى ذلك ما سبق من قول ابن عبد البر: "وروي عشرون ركعة عن علي وشتير ابن شكل وابن أبي مليكة والحارث الهمداني وأبي البختري، وهو قول جمهور العلماء، وبه قال الكوفيون والشافعي وأكثر الفقهاء، وهو الصحيح عن أبي بن كعب من غير خلاف من الصحابة". =
[ ٢ / ٢٨٨ ]
لا يكون هذا العدد مستحبًا؛ إذ لو أراده لأتى بالواو، كما في غيره، ويحتمل كونه نائب فاعل لفعل محذوف، تقديره: وندب.
وعلى هذا العدد استمر الفعل في زماننا شرقًا وغربًا، ثم جعلت هذه
_________________
(١) = وقول ابن رشد في البيان (٢/ ٣٠٩ - ٣١٠): "قال محمد بن رشد: لما كان قيام رمضان مرغبًا فيه، لقوله -ﷺ-: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". وكان للجمع فيه أصل للسنة، وكان العمل قد استمر فيه على هذا العدد من يوم الحرة إلى زمنه؛ وذلك أن عمر بن الخطاب كان أمر أبي بن كعب، وتميمًا الداري، أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، فكانا يطيلان القيام، حتى لقد كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا في فروع الفجر؛ فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمرهما أن يزيدا في عدد الركوع، وينقصا من طول القيام؛ فكانا يقومان بالناس بثلاث وعشرين ركعة، وكان القارئ يقرأ بسورة البقرة في ثمان ركعات؛ فإذا قام بها في اثنتي ركعة، رأى الناس أنه قد خفف؛ فكان الأمر على ذلك إلى يوم الحرة، ثم شكوا ذلك ملا اشتد عليهم، فنقصوا من طول القيام، وزادوا في عدد الركوع، حتى أتموا تسعًا وثلاثين ركعة بالوتر؛ ومضى الأمر على ذلك من يوم الحرة، وأمر عمر بن عبد العزيز أن يقوموا بذلك، وأن يقوؤوا في كل ركعة بعشر آيات؛ فكره مالك أن ينقص من ذلك، إذ لا ينبغي أن يحمل الناس على انتقاص الخير، وإنما ينبغي أن يرغبوا في الازدياد فيه، ويحملوا على ذلك إذا أمكن، وكان بالناس عليه طاقة، وغليه نشاط، وباللَّه تعالى التوفيق".
(٢) حدثنا وكيع، عن نافع بن عمر، قال: كان ابن أبي مليكة يصلي بنا في رمضان عشرين ركعة ويقرأ بحمد الملائكة في ركعة. ولو كان ما فعل منكرًا، لأنه بدعة، لأنكر عليه السلف صنيعه.
(٣) حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: كان أبي بن كعب يصلي بالناس في رمضان بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث. قلت: هذا سند بيِّن الصحة، والحسن بن صالح قال فيه وكيع: هو عندي إمام، وإنما أمسك بعضهم عن الرواية عنه لرأيه في الإمام أمير المؤمنين عثمان بن عفان.
(٤) حدثنا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: أدركت الناس وهم يصلون ثلاثًا وعشرين ركعة بالوتر. وعطاء هذا هو ابن أبي رباح، وهو من الطبقة الثالثة، أي: يكون المراد بقوله: (أدركت الناس) الصحابة في الغالب، يقول ابن حجر في التقريب (١/ ٧٥): "الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين، كـ: الحسن وابن سيرين".
[ ٢ / ٢٨٩ ]
الصلاة بعد وقعة الحرة بالمدينة الشريفة (١) ستًا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر، فخففوا في القيام، وزادوا في العدد؛ لسهولته، فصارت بالشفع والوتر تسعًا وثلاثين ركعة، كما في بعض النسخ.
وعلى النسخة الأولى يكون قد أخل الشفع والوتر في العدد دون الثانية، وعلى الثانية ذكر العدد كله أولًا وآخرًا.
[عمل المسبوق فيها:]
وخفف مسبوقها بركعة ثانيته التي هي أولى إمامه ولحق الإمام في أول الترويحة التي تليها.
البساطي: لا يؤخذ من كلامه: هل يخفف بحيث يدركه في الأولى أو المطلوب أن يدركه في الترويحة.
فائدة:
قال الباجي في شرحه للموطأ هذا القيام الذي يقومه الناس برمضان في المساجد مشروع في السنة كلها، يوقعونه في بيوتهم، وهو أقل ما يمكن
_________________
(١) قال في البداية والنهاية: (٦/ ٢٦٢): "وكان سبب وقعة الحرة أن وفدًا من أهل المدينة قدموا على يزيد بن معاوية بدمشق فأكرمهم وأحسن جائزتهم، وأطلق لأميرهم -وهو عبد اللَّه بن حنظلة بن أبي عامر- قريبًا من مائة ألف، فلما رجعوا ذكروا لأهليهم عن يزيد ما كان يقع منه من القبائح في شربه الخمر، وما يتبع ذلك من الفواحش التي من أكبرها ترك الصلاة عن وقتها، بسبب السكر، فاجتمعوا على خلعه، فخلعوه عند المنبر النبوي، فلما بلغه ذلك بعث إليهم سرية، يقدمها رجل يقال له مسلم بن عقبة، وإنما يسميه السلف: مسرف بن عقبة، فلما ورد المدينة استباحها ثلاثة أيام، فقتل في غضون هذه الأيام بشرًا كثيرًا، حتى كاد لا يفلت أحد من أهلها، وزعم بعض علماء السلف: أنه قتل في غضون ذلك ألف بكر، فاللَّه أعلم. وقال عبد اللَّه بن وهب عن الإمام مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن، حسبت أنه قال: وكان فيهم ثلاثة من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، وذلك في خلافة يزيد. وقال يعقوب بن سفيان: سمعت سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري يقول: قتل يوم الحرة عبد اللَّه بن يزيد المازني ومعقل بن سنان الاشجعي، ومعاذ بن الحارث القارئ، وقتل عبد اللَّه بن حنظلة بن أبي عامر".
[ ٢ / ٢٩٠ ]
في حق القارئ، وإنما جعل ذلك في المساجد في رمضان لكي يحصل لعامة الناس فضل القيام بالقرآن كله، وليسمعوا كلام ربهم في أفضل الشهور. انتهى.
ونحوه هذا لابن الحاج في المدخل، ولما سمع بعض الفضلاء هذه الفائدة أنكرها غاية الإنكار، حتى أوقفناه على أنها من كلام الباجي وابن الحاج.
[ما يقرأ بالشفع:]
وندب قراءة أولى شفع مع الفاتحة بـ (سبح)، أي: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وأدخل حرف الجر على سبح، وإن كان في لفظ التلاوة فعلًا؛ لأنه الآن اسم.
وقراءة ثانية الشفع مع الفاتحة بسورة الكافرون، على الحكاية، والمراد بالشفع هنا ما يصلي بعده الوتر، لا مطلق الشفع، فلا يندب فيه هذه القراءة.
[ما يقرأ بالوتر:]
وندب قراءة وتر، وهو ركعة واحدة: بإخلاص، وهي سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ومع الفاتحة، ومع معوذتين: بكسر الواو، وهما: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾.
كذا في الكتاب، وفي الجواهر: الوتر ثلاث. انتهى، وتفتح واوه وتكسر.
[من له حزب:]
إلا لمن له حزب من القرآن يصلي به فمنه، أي: من حزبه يقرأ فيهما، أي: الشفع والوتر.
ابن العربي في عارضة الأحوذي: الصحيح أن يقرأ في الوتر بـ ﴿قُلْ هُوَ
[ ٢ / ٢٩١ ]
اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، كذا جاء في الحديث الصحيح (١).
وهذا إذا انفرد، وأما إن كانت له صلاة فليجعل وتره من صلاته، وليكن ما يقرأ فيه من حزبه.
[غفلة بعض الناس عن هذه السنة:]
ولقد انتهت الغفلة بقوم إلى أن يصلوا التراويح، فإذا أوتروا صلوا بهذه السورة، والسنة أن يكون وتره من حزبه؛ تنبهوا لهذا. انتهى.
ولمالك التزام السورة، وله قراءة ما تيسر، وله: إن كان بعد تهجد فما تيسر، وإن اقتصر عليه فالسورتان.
[الوتر لمنتبه آخر الليل:]
وندب فعله -أي: الوتر- لمنتبه آخر الليل، لمن عادته الانتباه حينئذ؛ لأن صلاة آخر الليل مشهودة، وأما من الغالب عليه النوم حينئذ فالأفضل تقديمه؛ خوف فواته.
[لا وترين في ليلة:]
ولم يعده مقدم له أول الليل، ثم صلى بعده نفلًا؛ لخبر: "لا وتران في ليلة" (٢).
_________________
(١) عن أبي بن كعب -﵁- قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يوتر، أي: يقرأ في صلاة الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، أي: في الأولى بعد قراءة الفاتحة، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، أي: في الثانية بعدها، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، أي: في الثالثة بعدها. رواه أحمد (٤/ ٤٥٢، رقم ٢٧٢٠)، وأبو داود (١/ ٥٣٥، رقم ١٤٢٥)، والترمذي (٢/ ٣٢٥، رقم ٤٦٢)، والنسائي (٣/ ٢٣٥، رقم: ١٧٠١)، وابن ماجه (١/ ٣٧٠، رقم: ١١٧١)، وزاد النسائي: "ولا يسلم إلا في آخرهن".
(٢) أخرجه الطيالسي (ص ١٤٧، رقم ١٠٩٥)، وأحمد (٤/ ٢٣، رقم ١٦٣٣٩)، وأبو داود (٢/ ٦٧، رقم ١٤٣٩)، والترمذي (٢/ ٣٣٣، رقم ٤٧٠) وقال: حسن غريب. والنسائي (٣/ ٢٢٩، رقم ١٦٧٩)، وابن خزيمة (٢/ ١٥٦، رقم ١١٠١)، والطبراني (٨/ ٣٣٣، رقم =
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وأجيب عن خبر: "اجعلوا آخر صلاتكم وترًا" (١)، بتقديم النهي على الأمر عند تعارضهما.
[النفل بعد الوتر:]
وجاز النفل بعد الوتر لمن حدثت له نية بعده، وأما من نوى أن يجعل وتره أثناء نفله لغير موجب فمخالف للسنة.
تنبيه:
عطف (صلى) وهو فعل على (مقدم) وهو اسم شبه الفعل جائز، قال ابن مالك:
واعطف على اسم شبه فعل فعلا وعكسًا ستعمله تجده سهلا
[انفصال الوتر عن الشفع:]
ثم عطف على قوله (آخر الليل)، وندب كون الوتر عقيب شفع متصل به منفصل عنه بسلام، وكون اتصاله فضيلة صدر به ابن الحاجب، ومقتضى قاعدته: أنه المشهور، وشهر الباجي أنه للصحة.
وعقيب: بالمثناة التحتية لغة قليلة، ولما لم يقو تشهير ابن الحاجب عنده لم يقل: (خلاف) على عادته.
[الوصل:]
ولما كان استحباب الفصل مختصًا بمن صلى وحده أو مع من يفصل، بيّن حكم غيره، فقال: إلا الاقتداء بواصل كالحنفي، فيصله معه على المشهور؛ لئلا يسلم قبل إمامه.
_________________
(١) = ٨٢٤٧)، والبيهقي (٣/ ٣٦، رقم ٤٦٢٢)، والضياء (٨/ ١٥٦، رقم ١٦٦) وقال: إسناده صحيح، وابن حبان (٦/ ٢٠١، رقم ٢٤٤٩)، والطحاوي (١/ ٣٤٢).
(٢) رواه البخاري: (١/ ١٧٩، رقم ٤٦٠).
[ ٢ / ٢٩٣ ]
أشهب: يسلم من اثنتين.
[وصله بغير سلام:]
وكره وصله -أي: الوتر بالشفع- بغير سلام لغير مقتد بواصل.
[الوتر بواحدة:]
وكره وتر بواحدة، ظاهره: لمقيم ومسافر، وصحيح ومريض، وهو كذلك، ولمالك قول بوتر المسافر بواحدة، وأجازه سحنون للمريض بواحدة.
تتمة:
لو زاد على وتره واحدة ساهيًا اجتزئ به، وسجد بعد السلام، واعترض بأن من زاد في صلاته مثلها يعيدها.
وأجيب بأن الوتر لما لم يكن إلا بعد شفع أشبه صلاة هي ثلاث زيد فيها واحدة.
[تعدد الأئمة:]
وإذا تعدد أئمة في قيام رمضان كره قراءة إمام ثان من غير انتهاء الأول، إذا كان حافظًا لذلك المحل؛ لأن الغرض سماع المصلين لجميع القرآن، ولئلا يتخير أعشارًا توافق صوته.
[النظر بمصحف:]
وكره نظر بمصحف في صلاة فرض؛ لاشتغاله غالبًا، ونبه بالكراهة على مخالفة قول أبي حنيفة بالبطلان.
أو في أثناء صلاة نفل؛ لكثرة الشغل بذلك، لا في أوله؛ لخبر البخاري: "كان خيارنا يقرأ في المصحف في رمضان" (١).
_________________
(١) لم أجده، وفوق كل ذي علم عليم.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
[ما يكره في النفل:]
وكره جمع كثير لنفل، أو صلاته بمكان مشتهر؛ خوف الرياء، وإلا يكن الجمع كثيرًا، بل قليلًا، كالرجلين والثلاثة، أو لم يكن المكان مشتهرًا فلا كراهة؛ لانتفاء العلة.
وظاهره: الكراهة، ولو في مسجده -ﷺ-، وإن كانت الصلاة فيه بألف، قاله ابن حبيب.
[الكلام بعد صلاة الصبح:]
وكره كلام بعد صلاة صبح لقرب الطلوع؛ لأنه ﵊ كان يفعله، وكذلك كان مالك يفعله؛ لخبر يقول اللَّه: "يا عبدي، اذكرني ساعة بعد الصبح، وساعة بعد العصر، أكفك ما بينهما" (١).
[الكلام بعد الفجر:]
ولا يكره الكلام بعد فجر، وقبل صلاة الصبح.
[الضجعة بعد الفجر:]
وكرهت ضجعة -بالفتح الفعلة الواحدة وبالكسر الهيئة كالقعدة والجلسة- بين صبح وركعتي الفجر، وقيد ابن القاسم الكراهة بإرادة الفصل بينهما، ولم يذكر المصنف تقييده، واستحبها ابن حبيب.
[حكم الوتر:]
والوتر بالمثناة الفوقية، وهو ركعة واحدة، كما تقدم: سنة آكد من غيره من السنن.
[رتبة العيدين:]
ثم يليه في انخفاض رتبة السنية عيد فطر وأضحى، ورتبتهما في السنية واحدة.
_________________
(١) لم أقف عليه.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
[رتبة الكسوف والاستسقاء:]
ثم أدنى منه كسوف ثم استسقاء؛ ولذا رتبها بـ (ثم)، وجمعها هنا، وإن كان ينص على كل في بابه؛ لبيان مراتبها، وتقديم الكسوف على العيد عند اجتماعهما لا ينافي تأكد العيد؛ لأن تقديمه حينئذ إنما هو خوف فوات سببه، بخلاف العيد، كما سيأتي في محله.
تنبيه:
زاد صاحب الجواهر وابن الحاجب في السنن: وركعتا الفجر.
ابن عبد البر: وهو الصحيح.
وزاد الأول ركعتين بعد المغرب أيضًا، أي: وقبل صلاة المغرب، ولم يعد المصنف ركعتي الطواف، وسيذكر في وجوبهما وسنيتهما خلافًا في محله، ولكن لا تعلم رتبتهما على القول بالسنية.
[وقت الوتر الاختياري:]
ووقته -أي: والوقت الاختياري له- بعد صلاة عشاء صحيحة وشفق، فقبل صلاتها، ولو بعد الشفق، لا يدخل وقته، ووقوعه بعد فاسدة، غير صحيح، وكذا بعد صحيحة قبل الشفق في الجمع، ويمتد اختياريه للفجر، أي: لطلوعه.
[وقته الضروري:]
وضروريه من بعد طلوع الفجر للصبح فإذا صليت، خرج ضروريه، وفي الذخيرة: ضروريه للشمس.
[قطع الصبح له:]
وندب قطعها -أي: الصبح- له -أي: لأجل الوتر، فاللام للعلة، متعلقة بالمصدر- وهو قطع لفذ، أخره عمدًا أو نسيانًا، حتى أحرم بها، واللام للتعدية، متعلقها (ندب).
لا مؤتم، فلا يندب له قطعها له، وفي المدونة: يقطعها له، وهما في
[ ٢ / ٢٩٦ ]
المدونة، واقتصر هنا على عدم القطع، وفي ندب قطع الإمام الصبح لأجله أو عدمه روايتان، وقيدت رواية القطع بما إذا لم يسفر، ولم يذكره المصنف، ولعله إنما تركه لدلالة قوله: وإن لم يتسع الوقت إلا لركعتين يدرك بهما الصبح تركه، أي: الوتر، وصلى الصبح فقط.
[قضاء الفجر والوتر:]
وقضي الفجر دون الوتر، وهذا مذهمب المدونة، لا إن اتسع الوقت لثلاث فلا يترك الوتر؛ للاختلاف في وجوبه، ويصلي الصبح ويقضي الفجر وأحرى إن اتسع لأربع، فيوتر بواحدة، ويصلي الصبح في الوقت، قاله في الذخيرة.
وإن اتسع الوقت لخمس صلى الشفع أيضًا مع الوتر والصبح، وقضى الفجر، ويعاد هذا الشفع، ولو قدم أولى الليل؛ لانفصاله، والمطلوب اتصاله، ولأنه من جملة الوتر عند أبي حنيفة.
وإن اتسع الوقت لسبع زاد الفجر أيضًا على الخمس السابقة.
[رتبة الفجر:]
وهي -أي: صلاة الفجر- رغيبة -أي: رتبة دون السنة- عند ابن القاسم-، وتقدم أنه سنة عند ابن الحاجب، وتقدم تصحيح ابن عبد البر لهذا.
وإذا كانت رغيبة فهي تفتقر لنية تخصها، أي يميز كونها فجرا، بخلاف سائر النوافل التابعة للفرائض، لا تفتقر لنية تخصها، وإلا فكل نافلة لا بد لها من نية، ونحو هذا قول المدونة: تشترط النية لهما، زيادة على نية الصلاة.
تنكيت:
إذا علمت هذا ظهر لك ما في قول البساطي: (لا كبير معنى لذكر
[ ٢ / ٢٩٧ ]
النية فيه)، ووقع في نسخته فتفتقر بالفاء، فقال: (لا كبير معنى لترتيبه على قوله: "رغيبة"). انتهى، وهو غير ظاهر، لأنه حينئذ جواب شرط محذوف، كما قررناه.
وإذا افتقرت الرغيبة لنية تخصها فالسنة أولى.
تنبيه:
النوافل على قسمين:
- مقيدة بـ: أزمانها، أو بأسبابها، كـ: السنن الخمس السابقة، فلا بد فيها من نية التعيين، فمن افتتح الصلاة من حيث الجملة، ثم أراد ردها لهذه، لم يجزئه.
- ومطلقة، وهي: ما عداها، وعدا ركعتي الفجر، فيكفي فيها نية الصلاة، ونحوه في الطراز.
قال: وكذلك سائر العبادات من حج أو عمرة أو صوم، لا تفتقر إلى التعيين في مطلقه، بل يكفي فيه أصل العبادة. انتهى.
[إيقاع الفجر قبل وقتها:]
ولا تجزئ صلاة الفجر إن تبين تقدم إحرامه بها للفجر، وأتمها بعده، قولًا واحدًا، لتقدمها على الوقت، ولو كان تقدم إحرامه لها على الفجر بتحر، أي: اجتهاد، ثم تبين خطؤه.
البساطي: اشتمل كلامه على صورتين: في إحداهما قولان:
الأولى: إذا قدم من غير اجتهاد، ثم تبين الحال، فإنها لا تجزئه قولًا واحدًا.
والثانية: إذا اجتهد، وقدم، ثم تبين، فذكر في هذه قولين:
أحدهما، وهو المشهور: أنه لا يجزئ؛ إذ لا عبرة بالظن المتبين خطؤه.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
والثاني: أنه يجزئه؛ لخفة الأمر.
هذا ظاهر كلامه، والذي نقله غير واحد: أنه لو صلى ركعة قبل الفجر وأخرى بعده عن اجتهاد قولان وهذا لا يعنيه كلامه. انتهى، فتأمله.
[القراءة في الفجر:]
وندب الاقتصار على قراءة الفاتحة في كل ركعة من الفجر، ولا يزيد عليها غيرها، فلو زاد سورة أو بعدها خالف المستحب.
تنكيت:
قولُ البساطي: (وهنا بحث، وهو أن ترك المندوب يصدق بأن يقرأ غير الفاتحة مقتصرًا عليه، أو بأن يقرأ الفاتحة وغيرها، ومراده الثاني، لا الأول؛ لما علم من المذهب). انتهى، أي: لما علم من أن الصلاة لا تصح عندنا بغيرها، غنيٌّ عن الجواب.
[صلاتها بالمسجد:]
وندب إيقاعها -أي: صلاة الفجر- بمسجد لمصل به، وهو أفضل من إيقاعها ببيته.
[نيابتها عن تحية المسجد:]
ونابت صلاة الفجر بالمسجد لمن دخله بعد طلوع الفجر عن التحية، يحتمل في شغل البقعة بالصلاة، لا حصول ثوابها، ويحتمل مع حصوله، كما تقدم في أنها تؤدى بالفرض.
[صلاتها بالبيت:]
وإن فعلها -أي: صلاة الفجر- ببيته، وخالف المستحب، ثم أتى المسجد قبل إقامة الصلاة، لم يركع، يحتمل لم يعدها في المسجد، وهو رواية ابن نافع، قال بعض شراح الرسالة: وهو المشهور.
وقال ابن القاسم: يركعها.
واستظهره ابن عبد السلام، ويحتمل لم يركع التحية، ويركعهما بنية
[ ٢ / ٢٩٩ ]
الفجر؛ ففي كلامه إجمال، والقولان ذكرهما ابن الحاجب وغيره، وحكى في التوضيح عن ابن شاس تشهيرهما، ولم يذكره هنا.
[قضاء النوافل:]
ولا يقضى غير فرض، إلا هي، فتقضي حقيقة، بخلاف غيرها من النوافل والسنن.
وقال الأبهري: قضاؤها مجاز، بل هما ركعتان ينوب ثوابهما عن الفجر.
[وقت قضاء الفجر:]
وإذا قلنا: يقضي، فللزوال -أي: من حل النافلة إليه- وظاهر كلامه: قضاؤها ولو نام عن الصبح حتى طلعت الشمس.
أشهب: قبل الصبح.
مالك: يتركها.
ومنشؤه: هل قضاها -ﷺ- يوم الوادي أم لا؟
[الإقامة للصبح قبل أدائها:]
وإن أقيمت الصبح عليه وهو بمسجد قبل شروعه في صلاة الفجر تركها، ودخل مع الإمام، ثم قضاها وقت حل النافلة.
ثم ذكر قسيم قوله: (بمسجد)، فقال: وإن أقيمت عليه صلاة الصبح خارجه -أي: المسجد- ركعها -أي: الفجر- خارجه، إن لم يخف فوات ركعة من الصبح مع الإمام.
[الأفضل في النفل:]
وهل الأفضل في النفل كثرة السجود -أي: الركعات- واقتصر عليه
[ ٢ / ٣٠٠ ]
صاحب الإرشاد؛ لخبر: "عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد للَّه سجدة إلا رفعك بها درجة، وحط بها عنك خطيئة" (١)، أو طول القيام بالقراءة؛ لخبر: "أفضل الصلاة طول القنوت" (٢)، أي: القيام، أي: مع قلة
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٦، رقم ٢٢٤٣١)، ومسلم (١/ ٣٥٣، رقم ٤٨٨)، والترمذي (٢/ ٢٣١، رقم ٣٨٩) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (١/ ٢٤٢، رقم ٧٢٥)، وابن ماجه (١/ ٤٥٧، رقم ١٤٢٣)، وابن خزيمة (١/ ١٦٣، رقم ٣١٦)، وابن حبان (٥/ ٢٧، رقم ١٧٣٥).
(٢) طرق عديدة، فمن حديث أنس: أخرجه الضياء (٧/ ٤٣، رقم ٢٤٣٧). ومن حديث جابر: أخرجه الطيالسي (ص ٢٤٦، رقم ١٧٧٧)، وأحمد (٣/ ٣١٤، رقم ١٤٤٠٨)، وعبد بن حميد (ص ٣١٢، رقم ١٠١٦)، ومسلم (١/ ٥٢٠، رقم ٧٥٦)، والترمذي (٢/ ٢٢٩، رقم ٣٨٧) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (١/ ٤٥٦، رقم ١٤٢١)، وابن خزيمة (٢/ ١٨٦، رقم ١١٥٥)، والطحاوي (١/ ٢٩٩) وابن حبان (٥/ ٥٤، رقم ١٧٥٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٢، رقم ٨٣٤٦)، والبيهقي (٣/ ٨، رقم ٤٤٦١). ومن حديث عبد اللَّه بن حبشي: النسائي (٥/ ٥٨ رقم ٢٥٢٦)، وأحمد (٣/ ٤١١، رقم ١٥٤٣٧). ومن حديث عمرو بن عبسة بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٢٣، رقم ٣٠٨)، وأحمد (٤/ ٣٨٥، رقم ١٩٤٥٤)، وعبد بن حميد (ص ١٢٤، رقم ٣٠٠)، قال الهيثمي (١/ ٥٤): رواه أحمد، وفي إسناده شهر بن حوشب، وقد وثق على ضعف فيه. قلت: ما قيل فيه -كما في تهذيب الكمال (١٢/ ٥٨٣، وما بعدها) -: "قال موسى بن هارون ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال يعقوب بن شيبة سمعت علي بن المديني وقيل له: ترضى حديث شهر بن حوشب فقال: أنا أحدث عنه. قال: وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه. قال: وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أن يجتمعا عليه يحيى وعبد الرحمن -يعني على تركه- قال: وسمعت علي بن المديني يقول: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن شهر. وقال حرب بن إسماعيل الكرماني عن أحمد بن حنبل: ما أحسن حديثه ووثقه وهو شامي من أهل حمص وأظنه قال: هو كندي، وروى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حسانًا. وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل عبد الحميد بن بهرام أحاديثه مقاربة هي أحاديث شهر، كان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن وإنما هي سبعون حديثًا وهي طوال فيها =
[ ٢ / ٣٠١ ]
الركعات، واستظهره ابن رشد، ولم ينبه على استظهاره له، قولان.
ولعل فرض المسألة مع اتحاد زمانيهما.
فصل فيما يتعلق بصلاة الجماعة
[حكمها:]
الجماعة بفرض -أي: فيه- غير فرض جمعة سنة عند الجمهور، زاد ابن الحاجب كأكثر الشيوخ: مؤكدة، فلا تسن في سنة، ولا نافلة، وأما في الجمعة ففرض، كما سيأتي.
_________________
(١) = حروف ينبغي أن تضبط ولكن يقطعونها. وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل: ليس به بأس. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: بلغني أن أحمد بن حنبل كان يثني على شهر بن حوشب. وقال الترمذي: قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب. وقال الترمذي أيضًا عن البخاري: شهر حسن الحديث وقوي أمره وقال: إنما تكلم فيه ابن عون ثم روى عن هلال بن أبي زينب عنه. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن يحيى بن معين: ثقة. وقال عبد اللَّه بن شعيب الصابوني وعباس الدوري والمفضل بن غسان الغلابي عن يحيى بن معين ثبت. وقال أحمد بن عبد اللَّه العجلي شامي تابعي ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة على أن بعضهم قد طعن فيه. وقال يعقوب بن سفيان: وشهر -وإن قال ابن عون: إن شهرًا تركوه- فهو ثقة. وقال الحسين بن إدريس الهروي: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن عمار وسألته عن شهر بن حوشب فقال: روى عنه الناس وما أعلم أحدًا قال فيه غير شعبة. قلت: يكون حديثه حجة. قال: لا. وقال أبو زرعة: لا بأس به ولم يلق عمرو بن عبسة. وقال أبو حاتم: شهر أحب إلي من أبي هارون وبشر بن حرب وليس بدون أبي الزبير، ولا يحتج به".
[ ٢ / ٣٠٢ ]
[التفاضل في الجماعة:]
ولا تتفاضل الجماعة في زيادة الفضيلة، التي شرع اللَّه -تعالى- الإعادة لأجلها، وإن حصلت فضائل أخر، لكن لم يدل دليل على جعل تلك الفضائل سبب للإعادة، وإنما يحصل فضلها بركعة كاملة يدركها مع الإمام، لا بدونها، وهو معنى الحصر.
فمدرك التشهد لا يحصل له فضل الجماعة، ولا نزاع أن له أجرًا، وأنه مأمور بذلك.
تتمة:
الفضل الذي أشار إليه لخبر الموطأ وغيره: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (١)، وفيه أيضًا: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءًا" (٢).
قال في الذخيرة: قيل في الجمع بينهما أن الجزء أكبر من الدرجة، أو التقارب بحسب الجماعة والأئمة (٣).
_________________
(١) أخرجه مالك (١/ ١٢٩، رقم ٢٨٨)، وأحمد (٢/ ٦٥، رقم ٥٣٣٢)، والبخاري (١/ ٢٣١، رقم ٦١٩)، ومسلم (١/ ٤٥٠، رقم ٦٥٠)، والترمذي (١/ ٤٢٠، رقم ٢١٥) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٢/ ١٠٣، رقم ٨٣٧)، وابن ماجه (١/ ٢٥٩، رقم ٧٨٩)، وابن حبان (٥/ ٤٠١، رقم ٢٠٥٢).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٢٣٢، رقم ٦٢١)، ومسلم (١/ ٤٥٠، رقم ٦٤٩) والنسائي (١/ ٢٤١، رقم ٤٨٦)، وأبو عوانة (١/ ٣١٥، رقم ١١١٨)، والبيهقي (١/ ٣٥٩، رقم ١٥٦٦).
(٣) قال الزرقاني في شرحه الموطأ (١/ ٣٧٤، وما بعدها): "قال الترمذي: عامة من رواه قالوا خمسًا وعشرين إلا ابن عمر فقال سبعًا وعشرين. قال الحافظ: لم يختلف عليه في ذلك إلا ما رواه عبد الرزاق عن عبد اللَّه -بفتح العين- العمري فقال: (خمس وعشرون)، لكن العمري ضعيف، ولأبي عوانة عن أبي أسامة عن عبيد اللَّه -بضم العين- ابن عمر عن نافع فقال: (بخمس وعشرين)، وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد اللَّه وأصحاب نافع وإن كان راويهما ثقة. وأما ما في مسلم من رواية الضحاك بن عثمان عن نافع بلفظ: (بضع وعشرين)، فلا تغاير رواية الحفاظ لصدق البضع بالسبع. =
[ ٢ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما غير ابن عمر، فصح عن أبي سعيد في البخاري، وأبي هريرة، وعن ابن مسعود، عند أحمد وابن خزيمة، وعن أبي بن كعب عند ابن ماجه والحاكم، وعن عائشة وأنس عند السراج. وجاء أيضًا من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد اللَّه بن زيد وزيد بن ثابت وكلها عن الطبراني. واتفق الجميع على خمس وعشرين سوى رواية أبي فقال: (أربع أو خمس) بالشك، وسوى رواية لأبي هريرة عند أحمد، فقال: (بسبع وعشرين)، وفي إسنادها شريك القاضي، وفي حفظه ضعف. وفي رواية لأبي عوانة: (بضعًا وعشرين)، وليست مغايرة؛ لصدق البضع على خمس، فرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع؛ إذ لا أثر للشك. واختلف في أيها أرجح، فقيل: الخمس؛ لكثرة رواتها. وقيل: السبع؛ لأن فيها زيادة من عدل حافظ. واختلف في مميز العدد ففي الروايات كلها التعبير بدرجة أو حذف المميز إلا طرق حديث أبي هريرة ففي بعضها ضعفًا وفي بعضها جزءًا وفي بعضها درجة وفي بعضها صلاة وهذا الأخير في بعض طرق حديث أنس والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة ويحتمل أنه من التفنن في العبارة. وأما قول ابن الأثير إنما قال درجة ولم يقل جزءًا ولا نصيبًا ولا حظًا ولا نحو ذلك لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع؛ فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة لأن الدرجات إلى جهة فوق فكأنه بناه على أن الأصل لفظ درجة وما عداها من تصرف الرواة لكن نفيه ورود الجزء مردود فإنه ثابت وكذا الضعف. وقد جمع بين روايتي الخمس والسبع بأن ذكر القليل لا ينفي الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد لكن قد قال به جماعة، وحكى عن الشافعي وبأنه لعله أخبر بالخمس ثم أعلمه اللَّه بزيادة الفضل فأخبر بسبع. ورد بأنه يحتاج إلى تاريخ وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلف فيه، لكن إذا فرعنا على الدخول تعين تقدم الخمس على السبع لأن الفضل من اللَّه يقبل الزيادة لا النقص وجمع أيضًا بأن اختلاف العددين باختلاف مميزهما وعليه فقيل: الدرجة أصغر من الجزء. ورد بأن الذي روى عنه الجزء روى عنه الدرجة. وقيل: الجزء في الدنيا والدرجة في الآخرة وهو مبني على التغاير وبالفرق بين قرب المسجد وبعده وبالفرق بحال المصلي كأن يكون أعلم أو أخشع وبإيقاعها في المسجد أو في غيره وبالفرق بين المنتظر للصلاة وغيره، وبالفرق بين إدراكها كلها أو بعضها =
[ ٢ / ٣٠٤ ]
تذييل:
للمسألة نظائر، منها: الراعف لا يبني إلا على ركعة بسجدتيها، ومنها: من عليه فوائت يفضل بعد قضائها ركعة بسجدتيها، ومن امتنع من الصلاة أخر لبقاء ركعة بسجدتيها، وكل ذلك من الوقت الضروري، ونظمتها، فقلت:
فضل الجماعة راعف متكاسل وكثير فائتة ومعها حاضرة
ذو العذر وقت ضرورة لجميعهم في ركعة ولسجدتيها حاضرة (١)
_________________
(١) = وبكثرة الجماعة وقلتهم وبأن السبع مختصة بالفجر والعشاء أو الفجر والعصر والخمس بما عدا ذلك وبأن السبع مختصة بالجهرية والخمس بالسرية وهذا الوجه عندي أوجهها لطلب الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها ولتأمينه إذا سمعه ليوافق تأمين الملائكة ثم الحكمة في هذا العدد الخاص غير محققة المعنى. ونقل الطيبي عن التوربشتي ما حاصله أن ذلك لا يدرك بالرأي بل مرجعه إلى علم النبوة التي قصرت علوم الألباء عن إدراك حقيقتها كلها. انتهى. وقال ابن عبد البر: الفضائل لا تدرك بقياس ولا مدخل فيها للنظر وإنما هي بالتوقيف، قال: وقد روي مرفوعًا بإسناد لا أحفظه الآن: "صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم بأربعين درجة" وقال الباجي: هذا الحديث يقتضي أن صلاة المأموم تعدل ثمانية وعشرين من صلاة الفذ لأنها تساويها وتزيد عليها سبعًا وعشرين".
(٢) قال الأجهوري: "وفي كلامه أمور إن كلامه يوهم اختصاص هذا الحكم بهذه المذكورات وليس كذلك كما ستراه. الثاني: قوله: (وفضل الجماعة لا يحصل. . إلخ) مخالف لما قدمه عند قوله: (وإنما يحصل فضلها بركعة) من أنه يحصل فضلها بركعة، وإن لم تكن بسجدتيها. الثالث: قوله: (والراعف لا يبني إلخ) فيه نظر إذ الراعف يبني ولو على الإحرام ولا يعتد إلا بركعة بسجدتيها وفرق بين البناء والاعتداد. الرابع: قوله: (ومن عليه فوائت. . إلخ) فوائت يسيرة كما ذكره في النظم على ما في خطه في الكبير، فيه نظر أيضًا؛ إذ هو خلاف المعتمد من أنه يصلي الفوائت اليسيرة، وإن خرج وقت الحاضرة. وفي نسخة من الصغير: (كثيرة)، وهي مشكلة أيضًا؛ لأن من عليه فوائت كثيرة فليس له أن يصليها بحيث يخرج الصلاة عن وقتها الاختياري. الخامس: قوله: (وكل ذلك في الوقت الضروري) فيه نظر؛ لأنه يحصل فضلها بركعة =
[ ٢ / ٣٠٥ ]
[من لم يحصله:]
وندب لمن لم يحصله -أي: فضل الجماعة- كمصل بصبي -أي: معه- أو منفردًا أو دون ركعة، لا مصل مع امرأة فلا يندب له أن يعيد مع جماعة.
وقوله: (أن يعيد)، أي: غير محصل الفضل في جماعة كالمنفرد أو دون ركعة؛ لأن صلاة الصبي نفل.
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ويدخل في قوله: (من لم يحصله) من قضي ظهرًا منفردًا، ثم وجد جماعة ترتبت عليهم بعينها من يومها، وشرعوا في قضائها صح لهم قضاؤها جماعة، قاله ابن رشد، ومن يومين قولان، انظر كلام الوانوغي في الكبير.
تنبيهات:
الأول: قوله: (كمصل بصبي) اعتراض بين المبني للمفعول -وهو: ندب- ونائب الفاعل -وهو: أن يعيد-.
الثاني: ظاهر كلامه: أن غير محصل الفضل يطلب الجماعة؛ ليعيد معها، ويقصد ذلك، وسواء كانت في المسجد الذي صلى فيه، أو في غيره.
_________________
(١) = سواء وقعت في الاختياري أو الضروري، ونظمتها فقلت: تعتبر الركعة بالسجود في ذكر الذي فات يسيرًا فأعرف أي إنما يشفع أولى ما حضر إن يك بعد سجدتيها فذكر ومن يصلي وأقيمت الصلاة بعينها عليه من غير اشتباه فالركعة التي بها يحصل فضل الصلاة مع إمام يا فل كركعة الرعاف والد قدورا لصاحب العذر على ما حرروا وللذي أخرها تساهلا فلا تكن عن حفظ هذا ذاهلا وفي سوى هذي ففيها المعتبر الرفع أو خفض وفي كل الصور وقلت بدل قولي: (أي إنما يشفع. . إلخ): أي إنما يشفع أولى الحاضرة إن يك بعد سجدتيها ذاكره أي: ذاكرة الفائتة.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
الثالث: ظاهره: ولو في مسجده ﵊، وليس كذلك، فقد ذكر يوسف بن عمران: من صلي منفردًا في مسجده ﵊ لا يعيد في جماعة، إلا أن يكون فيه.
[تفويض قبولهما للَّه:]
ومن أعاد فيكون في نيته مفوضًا الأمر إلى اللَّه تعالى في قبول أيِّ الفرضين شاء.
الفاكهاني: وهو المشهور.
قال: ولا بد من نية الفرض. انتهى.
وفي الذخيرة: إذا أعاد لا يتعرض لتخصيص نية.
وعلى هذا درج المؤلف، ولما لم يقف بعض مشايخي على ما في الذخيرة، قال: انظر، لم يذكر المؤلف قول الفاكهاني: (ولا بد من نية الفرض).
وقيل: يعيد بنية النفل.
وقيل: بنية التكميل.
وقيل: بنية الفرض.
وذكر ابن الحاجب الأربعة في شطر بيت، ولعله غير مقصود، فقال:
فرض ونفل وتفويض وإكمال (١)
وصدره بعضهم، فقال:
في نية العود للمفروض أربعة فرض ونفل وتفويض وإكمال (٢)
_________________
(١) هذا الكلام غير موزون.
(٢) وهذا أيضًا غير موزون.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
تنبيه:
قال البساطي: (التحقيق أنه فرض لا يعاقب على تركه، وهو من الجزئيات الواردة على قولهم: "الواجب ما يعاقب على تركه"، والتحقيق: أن الواجب في الجملة يعاقب على تركه) (١). انتهى.
_________________
(١) ومن ذلك القدر الزائد على الواجب، ولا يتم الواجب إلا به، قال في الإبهاج (١/ ١١٧ - ١١٨): "الزائد على ما ينطلق عليه الاسم من المسح غير واجب، وإلا لم يجز تركه، وجه تفريع هذا على مقدمة الواجب: أنه لما كان الواجب لا ينفك غالبًا عن حصول زيادة فيه كانت هذه الزيادة مقدمة للعلم بحصول الواجب، وقد أورد على المصنف أنه إذا كان الزائد عنده مقدمة الواجب، فيلزم أن يحكم عليه بالوجوب، كستر شيء من المركبة. وأجيب عنه: بأن مراده بالمقدمة هناك غير القسم الذي يكون التوقيف فيه من حيث الإعادة. إذا عرفت هذا فنقول: الواجب إما أن يتقدر بقدر كغسل الرجلين واليدين، ولا كلام فيه، أو لا كمسح الرأس وكإخراج البعير عن الشاة الواجبة في الزكاة وكذبح المتمتع بدنه بدل الشاة وحلقه جميع الرأس وتطويل أركان الصلاة زيادة على ما يجوز الاختصار عليه والبدنة المضحى بها بدلًا عن الشاة المنذورة. فنقول: اختلفوا في القدر الزائد على الذي يعاقب على تركه وهو في أمثلتنا ما يعد أقل ما ينطلق عليه الاسم من المسح وقدر قيمة الشاة من البعير والبدنة وفوق الشعرات الثلاث في الحلق وفوق قدر الوجوب في الطمأنينة هل يوصف بالوجوب؟ فذهب الإمام وأتباعه ومنهم المصنف إلى أنه لا يوصف بذلك لأن الواجب لا يجوز تركه، وهذه الزيادة جائزة الترك وقال آخرون: يوصف بالوجوب لأنه إذا زاد على القدر الذي يسقط به الفرض لا يتميز جزء عن جزء لسقوط الفرض به لصلاحية كل جزء لذلك فتخصيص بعض الأجزاء بوصف الواجب ترجيح من غير مرجح". وفي أنوار البروق (١/ ٥٧١، وما بعدها): " (المسألة الثالثة): نقل صاحب الطراز أن اللاحق بالمجاهدين وقد كان سقط الفرض عنه يقع فعله فرضًا بعدما لم يكن واجبًا عليه وطرد غيره هذه القاعدة في جميع فروض الكفاية كمن يلحق بمجهز الأموات من الأحياء وبالساعين في تحصيل العلم من الطلاب فإن ذلك الطالب يقع فعله واجبًا وعلل ذلك بأن مصلحة الوجوب لم تحصل بعد وما وقعت إلا بفعل الجميع فوجب أن يكون فعل الجميع واجبًا لأن الواجب يتبع المصالح ويختلف ثوابهم بحسب مساعيهم. (سؤال) هذه المسألة نقض كبير على حد الواجب بأي حد حددتموه فإن هذا اللاحق =
[ ٢ / ٣٠٨ ]
واعترض على ابن الحاجب في الرابع، فإنه قال: إنما هو تفسير، لا خلاف، انظر ابن عبد السلام.
[شرط الإعادة في جماعة:]
وإذا ندبت له الإعادة فيكون مأمومًا، لا إمامًا، ولو مع شخص واحد، وإنما لم يعد إمامًا لأن صلاته تشبه النفل، والمتنفل لا يؤم مفترضًا.
تنبيه:
مما بالغ عليه المؤلف من أنه يعيد مع واحد مخالف لقول ابن الحاجب: (لا يعيد معه على الأصح)، وما صححه شهره الفاكهاني يوسف ابن عمر، وأنكره ابن عرفة، قائلًا: لا أعرفه.
وتعقب البساطي كلام المؤلف بتصحيح ابن الحاجب، وذكرنا الرد عليه في الكبير، فانظره، واللَّه أعلم.
[المستثناة من الإعادة:]
وإذا قلنا يعيد المنفرد فيعيد غير مغرب، فلا يعيدها؛ لأنها وتر صلاة
_________________
(١) = بالمجاهدين أو غيرهم كان له الترك إجماعًا من غير ذم ولا لوم ولا استحقاق عقاب ومع ذلك فقد وصفتم فعله بالوجوب فقد اجتمع الوجوب وعدم الذم على تركه وذلك يناقض حدود الواجب كلها، وهذا سؤال صعب فيلزم إما بطلان تلك الحدود أو بطلان هذه القاعدة والكل صعب جدًا والجواب عن هذا السؤال أن نقول: الوجوب في هذه الصور مشروط بالاتصال والاجتماع مع الفاعلين فلا جرم أن ترك مع الاجتماع إثم والترك مع الاجتماع لا يتصور إلا إذا ترك الجميع والعقاب حينئذ متحقق والقاعدة أن الوجوب المشروط بشرط ينتفي عند انتفاء ذلك الشرط؛ فإذا كان منفردًا عنهم يكون شرط الوجوب مفقودا فيذهب الوجوب ولا عجب أن يكون الوجوب مشروطًا بشرط الاتصال ومفقودًا عند الانفصال كما تقول لزيد: إن اتصلت بعصمة امرأتك أو بقرابة وجبت عليك النفقة. وإن انفصلت منها لا تجب النفقة فإن عاودتها وجبت كان فارقتها سقطت كذلك أيضًا هاهنا متى اجتمع مع القوم الخارجين للجهاد تقرر الوجوب فإذا أراد أن يفارقهم قلنا لك ذلك فإذا فارقهم بطل الوجوب كذلك أبدًا فاندفع السؤال فتأمل ذلك فالسؤال جيد والجواب جيد".
[ ٢ / ٣٠٩ ]
النهار، ولو أعادها للزم أن يكون أحدهما نفلًا، ولا نفل بثلاث، وغير عشاء بعد وتر؛ لأنه إن أعادها حينئذ خالف خبر: "لا وتران في ليلة" (١)، وإلا خالف: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" (٢).
ومفهوم الظرف: إعادتها قبل الوتر، وهو كذلك اتفاقًا، ودخل بقوله: (غير مغرب وعشاء) الصبح والعصر وهو كذلك، قاله في الطراز.
[النفل مع الإعادة:]
وإذا أعادهما فلا يتنفل معهما قبل أن يعيد لكراهته بعد كل منهما، فإن أعاد المغرب والعشاء بعد الوتر، أي: شرع في إعادة كل، ولم يعقد ركعة، قطع ما أحرم به منهما، وإلا بأن عقد ركعة أو ثلاثًا شفع وسلم، وتصير نافلة، حكاه الباجي عن ابن حبيب.
وإن أتم المغرب مع الإمام ثلاثًا وسلم الإمام ولم يسلم هو، أتى برابعة وانصرف عن شفع، وكذا لو سلم بعد سلام الإمام أتى برابعة إن قرب من السلام، وسجد بعده.
وما قررناه من أن الشرط -وهو إن أتم- وجوابه -أتى برابعة- ولو مبالغة، نحوه للبساطي.
وظاهر كلام تقرير الشارح: أن (لو سلم) هو الشرط، وما بعده جوابه، وأما إن أتم فمن تمام ما قبله، وإذا أتى برابعة فقد فعل ما لم ينوه، ومفهوم الشرط: أنه لا يأتي بالرابعة مع الطول، وقاله في البيان.
[إعادة مؤتم بمعيد:]
وأعاد مؤتم بمعيد لصلاة صلاها أولًا منفردًا أبدًا؛ لأن المعيد لا يكون إمامًا؛ إذ لا يدري أيتهما صلاته المعتد بها عند اللَّه تعالى، وظاهره كابن الحاجب: الإعادة، ولو نوى التفويض أو الفرض، وهو كذلك، قاله
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٣١٠ ]
في توضيحه، وينبغي على القول بأنه ينوي الفريضة أن يؤم، قاله اللخمي.
ويعيد المؤتمون به أفذاذًا؛ لاحتمال كون الثانية هي المعتد بها، فيكونون قد صلوا في جماعة، ومن صلى في جماعة فلا يعيد في أخرى.
[ما يتفرع عن الإعادة تفويضًا:]
ولما قدم أنه يعيد مفوضًا، بنى على ذلك فرعين، فقال: وإن ظن أنه منفردًا، فأعاد على ما في ظنه، ثم تبين عدم صلاته الأولى أجزأته الثانية عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب، أو تبين له فسادها -أي: الأولى- بأن ظهر له أنه صلاها بغير طهارة مثلًا، أجزأته صلاته الثانية عند ابن القاسم، وهو المشهور.
وكذا لو تبين فساد الثانية وصحة الأولى لأجزأته، وما ذكره مبني على المشهور من أن نية الإعادة على وجه التفويض.
[إطالة ركوع لداخل:]
ولا يطال ركوع لداخل أحس به مقبلًا يريد الدخول معه في الصلاة على المشهور.
اللخمي: لأن من خلفه أعظم عليه حقًا ممن يأتي.
وظاهر كلامه: أنه لا فرق بين أن يعرف الداخل أو لا، وهو كذلك، وفرق بعضهم بين معرفته فلا يطيل، وعدمها فيطيل، للسلامة من الزيادة.
تنبيه:
لا يعلم من كلامه عين الحكم، وفسره ابن رشد بالكراهة، وتخصيص الركوع؛ لأنه الذي يحصل به إدراك الركعة، وينبغي أن لا يطيل القيام كذلك.
[الإمام كالجماعة:]
والإمام الراتب في مسجد أو مكان جرت العادة بالجمع فيه، وإن لم يكن مسجدًا، كما قال في الطراز، كجماعة في أمور:
[ ٢ / ٣١١ ]
- منها: حصول فضل الجماعة.
- ومنها: من صلى معه لا يعيد.
- ومنها: من صلى منفردًا يعيد معه.
- ومنها: لا تصلى بعده جماعة (١).
_________________
(١) قال العلامة الألباني في تعليقه على فقه السنة، ص ١٥٥، وما بعدها: "قوله: (. . روى الأثرم وسعيد بن منصور عن أنس أنه دخل مسجدًا قد صلوا فيه فأمر رجلًا فأذن بهم وأقام فصلى بهم جماعة". قلت: قد علقه البخاري، ووصله البيهقي بسند صحيح عنه، وقد يستدل به بعضهم على جواز تعدد صلاة الجماعة في المسجد الواحد، ولا حجة فيه لأمرين: الأول: أنه موقوف. الثاني: أنه قد خالفه من الصحابة من هو أفقه منه، وهو عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، فروى عبد الرزاق في (المصنف) (٢/ ٤٠٩/ ٣٨٨٣) وعنه الطبراني في "المعجم الكبير" (٩٣٨٠) بسند حسن عن إبراهيم أن علقمة والأسود أقبلا مع ابن مسعود إلى المسجد فاستقبلهم الناس وقد صلوا فرجع بهما إلى البيت. . ثم صلى بهما. فلو كانت الجماعة الثانية في المسجد جائزة مطلقًا لما جمع ابن مسعود في البيت مع أن الفريضة في المسجد أفضل كما هو معلوم، ثم وجدت ما يدل على أن هذا الأثر في حكم المرفوع؛ فإنه يشهد له ما روى الطبراني في: "الأوسط" (٤٧٣٩ - بترقيمي) عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول اللَّه -ﷺ- أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة فوجد الناس قد صلوا فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم. وقال: "لا يروى عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد". قلت: وهو حسن. وقال الهيثمي (٢/ ٤٥): "رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات". ولعل الجماعة التي أقامها أنس -﵁- كانت في مسجد ليس له إمام راتب، ولا مؤذن راتب، فإن إعادتها في مثل هذا المسجد لا تكره؛ لما يأتي، وبذلك يتفق الأثران ولا يختلفان، وأحسن ما وقفت عليه من كلام الأئمة في هذه المسألة هو كلام الإمام الشافعي -﵁-، ولا بأس من نقله مع شيء من الاختصار، ولو طال به التعليق؛ نظرًا لأهميته وغفلة أكثر الناس عنه. قال -﵁- في "الأم" (١/ ١٣٦): "وإن كان لرجل مسجد يجمع فيه ففاتته الصلاة فان أتى مسجد جماعة غيره كان أحب إلي إن لم يأته وصلى في مسجده منفردًا فحسن وإذا كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلًا أو رجالًا فيه الصلاة صلوا فرادى ولا أحب =
[ ٢ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أن يصلوا فيه جماعة فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه وإنما كرهت ذلك لهم لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل قد عابه بعضهم، وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنما كان لتفرقة الكلمة وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إمام الجماعة فيتخلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة؛ فإذا قضيت دخلوا فجمعوا فيكون بهذا اختلاف وتفرق الكلمة وفيهما المكروه وإنما أكره هذا في كل مسجد له إمام ومؤذن فأما مسجد بني على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب ولا يكون له إمام راتب ويصلي فيه المارة ويستظلون فلا أكره ذلك؛ لأنه ليس فيه المعنى الذي وصفت من تفرق الكلمة وأن يرغب رجال عن إمامة رجل فيتخذون إمامًا غيره قال: وإنما منعني أن أقول: صلاة الرجل لا تجوز وحده وهو يقدر على جماعة بحال تفضيل النبي -ﷺ- صلاة الجماعة على صلاة المنفرد ولم يقل: لا تجزي المنفرد صلاته وأنا قد حفظنا أن قد فاتت رجالًا معه الصلاة فصلوا بعلمه منفردين وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا وأن قد فاتت الصلاة في الجماعة قومًا فجاؤوا المسجد فصلى كل واحد منهم منفردًا وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في المسجد فصلى كل واحد منهم منفردًا وإنما كرهوا لئلا يجمعوا في مسجد مرتين". وما علقه الشافعي عن الصحابة قد جاء موصولًا عن الحسن البصري قال: "كان أصحاب محمد -ﷺ- إذا دخلوا المسجد وقد صلي فيه صلوا فرادى"، رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٣). وقال أبو حنيفة: "لا يجوز إعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب". ونحوه في "المدونة" عن الإمام مالك، وبالجملة فالجمهور على كراهة إعادة الجماعة في المسجد بالشرط السابق، وهو الحق، ولا يعارض هذا الحديث المشهور: "إلا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه"، وسيأتي في الكتاب (ص ٢٧٧)؛ فإن غاية ما فيه حض الرسول -ﷺ- أحد الذين كانوا صلوا معه -ﷺ- في الجماعة الأولى أن يصلي وراءه تطوعًا، فهي صلاة متنفل وراء مفترض، وبحثنا إنما هو في صلاة مفترض وراء المفترض، فاتتهم الجماعة الأولى، ولا يجوز قياس هذه على تلك؛ لأنه قياس مع الفارق من وجوه: الأول: أن الصورة الأولى المختلف فيها لم تنقل عنه -ﷺ- لا إذنًا ولا تقريرًا مع وجود المقتضى في عهده -ﷺ- كما أفادته رواية الحسن البصري. الثاني: أن هذه الصورة تؤدي إلى تفريق الجماعة الأولى المشروعة؛ لأن الناس إذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة يستعجلون فتكسر الجماعة وإذا علموا أنها لا تفوتهم يتأخرون فتقل الجماعة وتقليل الجماعة مكروه وليس شيء من هذا المحذور في الصورة التي أقرها رسول اللَّه -ﷺ- فثبت الفرق فلا يجوز الاستدلال بالحديث على =
[ ٢ / ٣١٣ ]
تتمة:
قيدت المسألة بما إذا صلى في وقته المعتاد، فلو قدم أو أخر فلمتم الجمع، وليس حكمه حينئذ حكم الجماعة؛ لتفريطه.
_________________
(١) = خلاف المتقرر من هديه "ﷺ". وبعد. . فإن هذا البحث يتطلب شرحًا أوسع لا يتسع له هذا التعليق وفي النية أن أجمع في ذلك رسالة فعسى أن أوفق لتحريرها إن شاء اللَّه تعالى. قلت: حديث: "إلا رجل يتصدق. . " قال عنه في الإرواء (٢/ ٢٥٠): "وأما حديث الوليد بن أبي مالك فهو عند الإمام أحمد (٥/ ٢٦٩) قال: "حدثنا هشام بن سعيد حدثنا ابن المبارك عن ثور بن يزيد عن الوليد بن أبي مالك قال: دخل رجل المسجد، فصلي، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إلا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه؟ " قال: فقام رجل فصلى معه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: هذان جماعة". قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات فهو صحيح لولا أنه مرسل فإن الوليد -وهو ابن عبد الرحمن ابن أبي مالك- تابعي مات سنة (١٢٥) "، ثم رأيته صححه في غير هذا الكتاب. ومهما يكن من أمر فإن الحافظ -﵀- قد قال في التلخيص (٣/ ١٨٥): "روى أحمد من طريق عبيد اللَّه بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة: أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى رجلًا يصلي فقال: "إلا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" فقام رجل يصلي معه فقال: "هذان جماعة" هذا عندي أمثل طرق هذا الحديث لشهرة رجاله وإن كان ضعيفًا، وقد رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي أمامة". وعلى افتراض صحته يحمل كما هو الظاهر على موافقة الإمام الراتب لقيام جماعة أخرى في مسجده، وإلا فلا. ثم رأيت الحافظ أيضًا قد رجع إلى تصحيحه، فقال في الدراية (١/ ١٧٣): "حديث المفترض خلف المتنفل احتج من أجازه بقصة معاذ واحتج من منع بعموم قوله: فلا تختلفوا عليه، والحديثان متفق عليهما وقد نوزع كل في استدلاله بطول شرحه ومحله كتب الشروح واللَّه أعلم ويترجح الجواز بثبوت الأحاديث في صلاة الخوف وحديث إعادة الجماعة عن أبي سعيد أن النبي -ﷺ- أبصر رجلًا يصلي وحده فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" أخرجه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، وفي الباب عن أبي أمامة وأبي موسى والحاكم بن عمير ذكرها الترمذي، وعن أنس عند الدارقطني بسند جيد وعن عقبة بن مالك عنده بسند ضعيف، وعن سلمان عند البزار.
[ ٢ / ٣١٤ ]
تنبيه:
خرج بالإمام الراتب مؤذن راتب في مسجد لا إمام له راتب، فإن صلاته ليست كجماعة، وهو كذلك على أحد قولين، حكاهما ابن عرفة.
[الصلاة بعد الإقامة:]
ولا تبتدأ صلاة فرض أو نفل بعد الإقامة؛ لما فيه من الطعن، ولا يعلم من كلامه عين الحكم، وهو محتمل للمنع؛ لخبر: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (١).
ابن عبد السلام: وهو ظاهر الأحاديث.
وهو محتمل للكراهة، وبه صرح ابن الحاجب، فقال: وإذا أقيمت كره النفل.
وتعقب تخصيصه بالنّفل، لكن أجيب بأنه غالب ما يقع.
[الإقامة وهو في صلاة:]
ثم ذكر مفهوم: (لا تبتدأ)، فقال: وإن أقيمت عليه الصلاة، وهو في صلاة، نكّر ليشمل المقامة وغيرها: فرضًا أو نفلًا، مغربًا أو غيرها، يجب تقديمها عليها أو لا، قطع ما هو فيه، سواء عقد منه ركعة أو لا، إن خشي بتماديه فوات ركعة من صلاة الإمام.
وإلا بأن لم يخش فوات ركعة، وهو في نفل، أتم النافلة أو فريضة غيرها، كما لو أقيمت عليه العصر وهو في الظهر، ويخفف.
وظاهره عقد ركعة أو لا، وهو كذلك في المسألتين، كما صرح به في توضيحه عن مالك، ويوافقه قول البساطي: ظاهر كلامه: أنه يتم النافلة والفريضة الأخري، وإن لم يعقد، أي: سواء عقد أو لم يعقد.
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة: عبد الرزاق (٢/ ٤٥٦، رقم ٣٩٨٧)، ومسلم (١/ ٤٩٣، رقم ٧١٠)، وأبو داود (٢/ ٢٢، رقم ١٢٦٦)، والترمذي (٢/ ٢٨٢، رقم ٤٢١)، والنسائي (٢/ ١١٦، رقم ٨٦٥)، وابن ماجة (١/ ٣٦٤، رقم ١١٥١).
[ ٢ / ٣١٥ ]
وإلا تكن التي هو فيها نافلة ولا فريضة غير التي هو فيها، بل هي، كما لو أقيمت عليه عصر، وهو فيها، أي: ولم يخش فوات ركعة، انصرف في الثالثة التي لم يعقدها عن شفع، بأن يرجع ويجلس ويسلم؛ لأن السلام لا يكون إلا من جلوس، ويدخل مع الإمام. وإن عقد الثالثة، بأن رفع رأسه من ركوعها أضاف إليها أخرى؛ لأن أكمالها أكمل، ولا يجعلها نافلة.
وإطلاقه يقضي أن المغرب كغيرها، فلو أقيمت عليه المغرب وهو فيها، قد عقد ركعة شفعها، وهو قول ابن القاسم.
ابن الحاجب: وفي المغرب يقطع.
وقيل: كغيرها لو أقيمت عليه المغرب، وهو فيها، فإن أتم ركعتين، فالمشهور يتم وينصرف، كما لو قام للثالثة وأتمها.
وقيد الشارح كلام المصنف بغير المغرب؛ لمخالفته للمشهور، وهو واضح.
[حكم التشفيع:]
ثم شبه لإفادة الحكم، فقال: كالأولى -أي: الركعة الأولى من الصلاة التي أقيمت عليه وهو فيها- إن عقدهما -أي: الركعة- أضاف إليها ركعة، وانصرف عن شفع، وأدرك الإمام.
ومفهوم الشرط إن لم يعقدها قطع؛ لعدم حصول جزء يعتد به، والفرق بين هذه وبين النفل في أنه تمادي، سواء عقد ركعة أو لا؛ لأن النفل إذا قطعه أبطله جملة، والفرض إذا قطعه أتى به على وجه أكمل.
[ما يحصل به القطع:]
ويحصل القطع بسلام منها، أو مناف لها، ويدخل فيه رفضها، وإلا بأن لم يأت بسلام ولا مناف ودخل مع الإمام أعاد الصلاة التي دخل فيها؛ لأنه أحرم بصلاة، وهو في صلاة، فتبطلان معًا.
[ ٢ / ٣١٦ ]
وقول الشارح: (لا يكفي الرفض؛ للاختلاف فيه) غير ظاهر؛ لأنه مبطل على المشهور.
[مسألة:]
وإن أقيمت صلاة بمسجد أو ما بمنزلته على محصل الفضل في تلك الصلاة، بأن سبق له إيقاعها جماعة، وهو به -أي: بالمسجد- خرج منه للطعن على الإمام، ولم يصلها معه؛ لئلا يعيد ما صلاه مع جماعة، ولا يصلي فرضًا غيرها؛ لئلا يقع في النهي عن الصلاتين معًا.
وقولنا: (فرضًا)؛ لأنه لو صلى خلفه نفلًا جاز.
تنبيه:
قوله: (بمسجد) مخصوص بما عدا المساجد الثلاثة؛ فإنه لمن صلى في جماعة بغيرها أن يعيد في جماعة فيها على المذهب، لا غيرها، ذكره المشذالي عن ابن عرفة.
قال: ونقله ابن بشير عن ابن حبيب فقط قصور، وإلزام اللخمي عليه إعادة من جمع في غيرها فذًا فيها، يُرَدُ بأن جماعتها أفضل من فذها، وانظر بقية كلامه (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: "تنبيهات: الأول: استثنى بعضهم من صلى في أحد المساجد الثلاثة مفردًا فإنه لا يعيد في غيرها في جماعة، وفي هذا الاستثناء نظر إذ من صلى فيها منفردًا لا يقال أنه لم يحصل فضل الجماعة إذ قد حصله مع زيادة، وحاصل ما يدل عليه كلام ابن عرفة إن من صلى في أحد الثلاث ولو مفردًا لا يعيد في غيرها جماعة ومن صلى في غيرها منفردًا يعيد فيها ولو مفردًا ومن صلى في غيرها جماعة يعيد فيها في جماعة ولا يعيدها مفردًا كما ألزمه اللخمي لمن قال: من صلى في غيرها جماعة يعيد فيها في جماعة، ولكن رده ابن عرفة حيث قال وإلزام اللخمي عليه إعادة جمع في غيرها فذًا فيها يرد بأن جماعتها أفضل من فذها وتمسك المازري معه بقوله فيها: من أتى أحد المساجد الثلاثة وقد جمع فيها راجيًا جماعة في غيره صلاته فذًا فيه أفضل منها جماعة في غيرها يرد بأنه لا يلزم من ترجيح فعل قبل فعل مفضول عنه جواز إعادته بعد فعل مفضوله، بل اللازم أحروية إعادة فذ فيه لأن الفذ يعيد في جماعة، ورده ابن بشير بأن الإعادة إنما وردت في العكس والموضع موضع عبادة مع =
[ ٢ / ٣١٧ ]
وأفهم قول المصنف: (وهو به) أنها لو أقيمت على محصل الفضل وهو بغيره لم يتعين عليه الخروج، بل يخير بينه وبين الجمع معهم، وهو
_________________
(١) = قوله أولًا هو القياس يناقض. انتهى. وتلخص أن من صلى الفريضة فيها ولو مفردًا لا يعيدها في غيرها ولو جماعة ومن صلاها في غيرها مفردًا فإنه يعيدها فيها ولو مفردًا ومن صلاها في غيرها جماعة أعادها فيها جماعة وهل يعيد مفردًا وعليه اللخمي ومن وافقه أولًا، وعليه ابن عرفة، وقد نظمت ما ذكر مع الإشارة لمعتمد ابن عرفة فقلت: أمنع إعادة من صلى فريضة بمسجد المصطفى والقدس والحرم وأن يصلي بغير مفردًا بعدن بها ولو مفردًا فأحفظه وأغتنم ومن يصل به جمعًا يعيد بها جمعًا، وقيل: وفردا فرت بالنعم. وقولي: (والقدس والحرم)، أي: وبمسجد القدس وبمسجد الحرام، وهو مسجد مكة. ومن المعلوم أن المراد المنع من الإعادة بغيرها، كما يرشد له المعني، والمقام وهو شامل للإعادة في غيرها جماعة. وقولي: (ومن يصلي به جمعًا. . إلخ) أي: من يصلي بغير المساجد (لمن صلاها فيها مفردًا فيمنع من صلى فيها مفردًا من إعادتها في غيرها جماعة صح) الثلاث جماعة؛ فإنه يعيد فيها جماعة. وقولي: (وقيل وفردًا. . إلخ) إشارة إلى ما ألزمه اللخمي، وقد علمت رده ونظمتها أيضًا، فقلت: مصل بمسجد خير الورى أو القدس أو مكة يمتنع إعادته بسواها ومرهب عكس لهذا تكن متبع سوى أنه لا يصلي بها فرادى الذي بسواها جمع وواحد هذي مع اللذ نفي كما في سواها فكن مستمع وقولي: (ومره بعكس. . إلخ)، أي: أنه يؤمر بإعادة من صلى في المساجد الثلاثة بها، وهذا صادق بصور أربع استثنيت منها سورة، وهي ما صلى بغيرها جمعًا لا يعاد بها مفردًا. وقولي: (جمع) بالبناء للمفعول والذي صنعه للمفعول"، أي: الفرض الذي جمع بسواها وقولي: وواحد هذي، أي: المساجد الثلاث وقولي مع اللذ بقي، أي: منها وقولي كما في سواها، أي: فما صلى في واحد منها فرادى يعاد جماعة فيه وفي باقيها وما صلى في واحد منها جماعة لا يعاد في واحد منها في جماعة ويبقى النظر في أمور؛ الأول: ما ذكرناه من أنه من صلى في غيرها جماعة يعيدها فيها جماعة قال ابن عرفة أنه المذهب والذي عليه اللخمي والفقيه سند خلافه وأنه لا يعيد على ظاهر المذهب".
[ ٢ / ٣١٨ ]
كذلك، إذا كان بأحد المساجد الثلاثة، وأما بغيرها فيخرج.
والفرق: كثرة الثواب فيها دون غيرها، وهو موافق لقول الحافظ ابن عرفة: إنه المذهب، ويعضده تعقبه على ابن بشير في عزوه النقل عن ابن حبيب فقط، فتأمله، واللَّه أعلم بالصواب.
[غير محصل الفضل:]
وإلا يكن حصل الفضل بأن لم يكن صلاها، أي: وصلى ما قبلها، أو بأن صلاها منفردًا، أو صلاها مع صبي، وهي غير مغرب أو عشاء بعد وتر؛ لأن الكلام فيما يعاد، لزمته مع الإمام، وإن كانت صلاة الجماعة سنة، والإعادة معها مستحبة.
تتمة:
قال في الكافي (١): من صلى وحده، وأدرك الناس في تلك الصلاة،
_________________
(١) في "ن ٢": قال الفاكهاني، والصحيح ما أثبتناه كما هو في سائر النسخ، وما نسب للكافي مثبت فيه، قال ابن عبد البر فيه: "باب إعادة الصلاة في جماعة لمن صلى وحده وإعادة الجماعة في المسجد من صلى في جماعة فلا يعيد في جماعة إلا في المسجد الحرام أو مسجد النبي ﵇ لأن العلة -واللَّه أعلم- في إعادة المنفرد إدراك ما فاته من فضل الجماعة وسنتها والمصلي في جماعة قد أدرك ذلك كله فلا معنى لإعادته وقول رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تعاد صلاة هي يوم واحد مرتين" معناه عندنا لمن صلى في جماعة أن لا يعيد في جماعة أخرى؛ لأن ذلك لو جاز في واحدة لجاز في أكثر إلى ما لا نهاية له وإنما أمر المنفرد بالإعادة في جماعة لانفرادهة فاستحال أن تقاس الجماعة عليه، وجمهور الفقهاء على مثل قول مالك في ذلك. ومن صلى وحده ثم وجد جماعة تصلي تلك الصلاة بعينها في وقتها فحسن له أن يدخل فيصليها معهم ولو كان في مسجد أو غيره فأقيمت تلك الصلاة التي صلاها منفردًا لم يخرج حتى يصليها معهم وهذا في كل صلاة إلا المغرب وحدها ومن أهل المدينة من رأى أن تعاد المغرب وغيرها. والأول: عندنا عليه العمل، لأن النافلة لا تكون وترًا في غير الوتر وإنما تكون مثنى مثنى ولا قول لمن قال من أصحابنا وغيرهم: يعيد المغرب ويشفعها بركعة ولا لمن قال: يعيدها ثانية فتكون ستة. =
[ ٢ / ٣١٩ ]
فلا يدخل معهم حتى يعلم أنها ليست آخر صلاتهم، صلى بذلك الإحرام ركعتين نافلة.
كمن لم يصلها، يحتمل التمثيل والتشبيه.
[الإقامة وهو محرم بها بالبيت:]
ونبه على مفهوم: (وهو به) بقوله: وإن أقيمت بالمسجد وقد أحرم بها ببيته، فإنه يتمها فيه، ولم يلزمه قطعها؛ ليدخل مع الإمام، ونحوه في المدونة.
[شروط الإمامة:]
ولما كان اجتماع المصلين على رجل يصلي بهم مطلوبًا؛ لخبر: "إذا أردتم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم" (١)، وكان الإمام من توفرت فيه
_________________
(١) = ولأصحابنا في هذا المعنى قولان: أحدهما: أن إحدى الصلاتين فريضة والأخرى نافلة بغير تعيين. والثاني: أن الثانية نافلة وكل ذلك مروي عن مالك. وكذلك اختلفوا فيمن أعاد صلاته التي صلاها وحده مع إمام ثم ذكر أن الأولى من صلاته كانت على غير وضوء على قولين، وروايتين: إحداهما: أن الثانية تجزئه لفرضه. والأخرى: أنها لا تجزئه وعليه الإعادة. وهذا عندي إذا كان في حين صلاته مع الجماعة معتقدًا أنه قد أدى فرضه فيها ثم بان له أنها كانت على غير وضوء، وأما إذا دخل مع الجماعة لأداء فرضه وسنة الجماعة فلا شيء عليه في فساد الأولى ولو كانت الثانية التي مع الجماعة على غير وضوء وكانت الأولى التي صلى وحده على وضوء أجزأته الأولى وهو القياس لما قد أوضحنا في كتاب الاستذكار وفي التمهيد وقد أجمع أصحابنا على أن من صلى وحده لا يكون إمامًا في تلك الصلاة لغيره، وفي هذا ما يوضح لك إن شاء اللَّه تعالى أنها نافلة عندهم. ومن صلى وحده وأدرك الناس جلوسًا في تلك الصلاة أنه لا يدخل معهم حتى يعلم أن ذلك ليس آخر صلاتهم صلى بذلك الإحرام ركعتين نافلة له، ولا فرق بين إمام المسجد إذا صلى وحده وغيره ممن ليس بإمام، لأن الإعادة إنما وردت السنة بها لما فات المنفرد من فضل الجماعة وعلى عمومها في كل منفرد وقد روي في الإمام خاصة أنه يعيد والصواب ما ذكرت لك".
(٢) رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٤٦، رقم ٤٩٨١)، وسكت عنه هو المذهبي.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
شروط: بعضها للصحة، وبعضها للكمال، بين ذلك مبتدئًا بشروط الصحة.
[شروط صحة الإمامة:]
مشيرًا إليها بذكر نقائضها، فقال: وبطلت صلاة:
[الاقتداء بكافر:]
[١] باقتداء بمن -أي: بإمام- بان -أي: ظهر- في أثنائها أو بعدها كافرًا؛ لأن شرطه أن يكون مسلمًا، وسواء أسر أو جهر، أسلم أو لا، كان آمنًا أو لا.
تنبيه:
قال المشذالي: المفهوم من قوة كلامهم كونه بشرًا، ولو فرضنا جنيًا مؤمنًا: فهل تصح الصلاة خلفه أو لا.
قال صاحب أحكام الجان (١): تصح (٢)؛ لأنه مكلف، وانظر بقية كلامه في الكبير.
_________________
(١) هو: محمد بن عبد اللَّه الشبلي الدمشقي، أبو عبد اللَّه، بدر الدين بن تقي الدين، (٧١٢ - ٧٦٩ هـ = ١٣١٢ - ١٣٦٧ م): فاضل متفنن، من فقهاء الحنفية، ولد بدمشق، وكان أبوه (قيم الشبلية) فيها، ورحل إلى القاهرة، وولي قضاء طرابلس الشام سنة ٧٥٥ واستمر في القضاء إلى أن توفي بها. وفي الدرر: قال ابن حبيب: كان يتثبت في أحكامه، ويحقق ما يبديه على ألسنة أقلامه، ويرابط في السواحل، ويلبس السلاح ويقاتل، وكان ذا محاضرة مفيدة ومنظوم ومنثور. من كتبه (محاسن الوسائل إلى معرفة الأوائل - خ) و(آكام المرجان في أحكام الجان - ط)، و(تثقيف الألسنة بتعريف الأزمنة - خ) بخطه، سنة ٧٤٣ في خزانة لا له لي بإستنابول، الرقم ١٦٨٦ (كما في مذكرات الميمني - خ) و(الينابيع في معرفة الأصول والتفاريع - خ) في شسشربتي، (الرقم ٣٥٤٤). ينظر: الأعلام (٦/ ٢٣٤).
(٢) قال في آكام المرجان في أحكام الجان، ص ٧٣: "الباب السادس والعشرون في حكم الصلاة خلف الجني، نقل ابن أبي الصيرفي الحراني الحنبلي في فوائده عن شيخه أبي البقاء العكبري الحنبلي أنه سئل عن الجن: هل تصح الصلاة خلفه؟ فقال: نعم لأنهم مكلفون والنبي -ﷺ- مرسل إليهم، واللَّه أعلم".
[ ٢ / ٣٢١ ]
ثم قال صاحب أحكام الجان: هل يدخل مؤمنهم الجنة أم لا؟ وأكثر أهل العلم على دخولهم فيها، والمأثور عن مالك والشافعي عدم دخولهم، وإنما هم في رياضها، بحيث يراهم المؤمنون ولا يرونهم.
وهل يرون اللَّه تعالى أو لا؟ قال عز الدين (١) في قواعده الصغرى: لا يرونه كما لا تراه الملائكة، وإنما الرؤية مختصة بالبشر، ولا يحكم بإسلام من بان كافرًا عند مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن كان بمسجد حكم بإسلامه؛ لأنه من شعار الإسلام، وإلا فلا (٢).
_________________
(١) هو: عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، عز الدين الملقب بسلطان العلماء، (٥٧٧ - ٦٦٠ هـ = ١١٨١ - ١٢٦٢ م): فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد. ولد ونشأ في دمشق، وزار بغداد سنة ٥٩٩ هـ فأقام شهرًا، وعاد إلى دمشق، فتولى الخطابة والتدريس بزاوية الغزالي، ثم الخطابة بالجامع الأموي، ولما سلم الصالح إسماعيل ابن العادل قلعة (صفد) للفرنج اختيارًا أنكر عليه ابن عبد السلام ولم يدع له في الخطبة، فغضب وحبسه. ثم أطلقه فخرج إلى مصر، فولاه صاحبها الصالح نجم الدين أيوب القضاء والخطابة ومكنه من الأمر والنهي. ثم اعتزل ولزم بيته، ولما مرض أرسل إليه الملك الظاهر يقول: إن في أولادك من يصلح لوظائفك. فقال: لا. وتوفي بالقاهرة. من كتبه "التفسير الكبير" و"الالمام في أدلة الإحكام" وقواعد الشريعة - خ" و"الفوائد - خ" و"قواعد الإحكام في إصلاح الأنام - ط" فقه، وغير ذلك، وكان من أمثال مصر: "ما أنت إلا من العوام، ولو كنت ابن عبد السلام". ينظر: الأعلام (٤/ ٢١).
(٢) نص ما فيه ص ٦٧، وما بعدها: "الباب الرابع والعشرون: في دخول مؤمنيهم الجنة: اختلف العلماء في مؤمني الجن هل يدخلون الجنة على أربعة أقوال: أحدها: أنهم يدخلون الجنة وعليه جمهور العلماء وحكاه ابن حزم في الملل عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف وجمهور الناس قال وبه نقول، ثم اختلف القائلون بهذا القول إذا دخلوا الجنة هل يأكلون فيها ويشربون؟ وساقه منذر بن سعد في تفسيره فقال: حدثنا علي بن الحسن حدثنا عبد اللَّه ابن الوليد العدني عن جويبر عن الضحاك فذكره. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن بجير حدثنا عبد اللَّه بن ضرار بن عمر وحدثنا أبي عن مجاهد أنه سئل عن الجن المؤمنين أيدخلون الجنة؟ قال: يدخلونها ولكن لا يأكلون ولا يشربون يلهمون من التسبيح والتقديس ما يجده أهل الجنة من لذة الطعام والشراب، وذهب الحارث المحاسبي إلى أن الجن الذين يدخلون الجنة يوم القيامة =
[ ٢ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = نراهم فيها ولا يروننا عكس ما كانوا عليه في الدنيا. القول الثاني: أنهم لا يدخلونها بل يكونون في ربضها يراهم الإنس من حيث لا يرونهم، وهذا القول مأثور عن مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد حكاه ابن تيمية في جواب ابن مري وهو خلاف ما حكاه ابن حزم عن أبي يوسف، وقال أبو الشيخ: حدثنا الوليد بن الحسن بن أحمد بن الليث حدثنا إسماعيل بن مهرام حدثنا المطلب بن زياد أظنه قال: عن ليث بن أبي سليم قال: مسلمو الجن لا يدخلون الجنة ولا النار، وذلك أن اللَّه تعالى أخرج أباهم من الجنة فلا يعيده ولا يعيد بنيه. القول الثالث: أنهم على الأعراف، وفيه حديث مسند سيأتي ذكره إن شاء اللَّه تعالى. القول الرابع: الوقف. واحتج أهل القول الأول بوجوه: أحدها: العمومات كقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقوله -ﷺ-: "من شهد أن لا إله إلا اللَّه خالصًا دخل الجنة" فكما أنهم يخاطبون بعمومات الوعيد بالإجماع فكذلك يكونون مخاطبين بعمومات الوعد بطريق الأولى، ومن أظهر حجة في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ إلى آخر السورة، والخطاب للجن والإنس فامتن عليهم سبحانه بجزاء الجنة ووصفها لهم وشوقهم إليها فدل ذلك على أنهم ينالون ما امتن عليهم به إذا آمنوا وقد جاء في حديث أن رسول اللَّه -ﷺ- قال لأصحابه لما تلا عليهم هذه السورة: "الجن كانوا أحسن ردًا وجوابًا منكم ما تلوت عليهم من آية إلا قالوا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب" رواه الترمذي. الوجه الثاني: ما استدل به ابن حزم من قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وبقوله تعالى: حاكيا عنهم ومصدقًا لمن قال ذلك منهم: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى آخر السورة. قال: صفة تعم الجن والإنس عمومًا لا يجوز البتة أن يخص منها أحد النوعين ومن المحال الممتنع أن يكون اللَّه تعالى يخبرنا بخبر عام وهو لا يريد إلا بعض ما أخبرنا به ثم لا يبين ذلك وهو ضد البيان الذي ضمنه اللَّه تعالى لنا فكيف وقد نص على أنهم من جملة المؤمنين الذين يدخلون الجنة ولا بد. الوجه الثالث: روى منذر وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن مبشر بن إسماعيل قال: تذاكرنا عند ضمرة بن حبيب أيدخل الجن الجنة؛ قال: نعم وتصديق ذلك في كتاب اللَّه تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ للجنيات والإنس للإنسيات. =
[ ٢ / ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الجمهور: فدل على تأتي الطمث من الجن؛ لأن طمث الحور العين إنما يكون في الجنة. الوجه الرابع: قال أبو الشيخ حدثنا إسحاق بن أحمد حدثنا عبد اللَّه بن عمران حدثنا معاوية حدثنا عبد الواحد بن عبيد عن الضحاك عن ابن عباس قال: الخلق أربعة؛ فخلق في الجنة كلهم وخلق في النار كلهم وخلقان في الجنة والنار، فأما الذي في الجنة كلهم فالملائكة، وأما الذي في النار كلهم فالشياطين وأما الذين في الجنة والنار فالإنس والجن لهم الثواب وعليهم العقاب. الوجه الخامس: أن العقل يقوي ذلك وإن لم يوجبه، وذلك أن اللَّه تعالى قد أوعد من كفر منهم وعصى النار فكيف لا يدخل من أطاع منهم الجنة وهو ﷾ الحكم العدل الحليم الكريم، فإن قيل: قد أوعد اللَّه تعالى من قال من الملائكة إنه إله من دونه ومع هذا ليسوا في الجنة؛ فالجواب من وجوه. أحدهما: أن المراد بذلك إبليس لعنه اللَّه قال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ ومن يقل منهم إني إله من دونه فلم يقله إلا إبليس لعنه اللَّه دعا إلى عبادة نفسه فنزلت هذه الآية فيه -يعني إبليس- لعنه اللَّه وقال قتادة: هي خاصة بعدو اللَّه إبليس لعنه اللَّه لما قال ما، قال لعنه اللَّه وحوله شيطانا رجيمًا قال: ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ حكى ذلك عنهما الطبري. الوجه الثاني: أن ذلك وإن سلمنا إرادة العموم منه فهذا لا يقع من الملائكة ﵈ بل هو شرط والشرط لا يلزم وقوعه وهو نظير قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، والجن يوجد منهم الكافر ويدخل النار. الوجه الثالث: أن الملائكة وإن كانوا لا يجازون بالجنة إلا أنهم يجازون بنعيم يناسبهم على أصح قول العلماء. واحتج أهل القول الثاني بقوله تعالى حكاية عن الجن أنهم قالوا لقومهم: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ قالوا: فلم يذكر دخول الجنة فدل على أنهم لا يدخلونها لأن المقام مقام تبجح والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أنه لا يلزم من سكوتهم أو عدم علمهم بدخول الجنة نقية. الوجه الثاني: إن اللَّه أخبر أنهم ولوا إلى قومهم منذرين فالمقام مقام إنذار لا مقام بشارة. الوجه الثالث: أن هذه العبارة لا تقتضي نفي دخول الجنة بدليل ما أخبر اللَّه تعالى عن الرسل المتقدمة أنهم كانوا ينذرون قومهم العذاب ولا يذكرون لهم دخول الجنة كما أخبر عن نوح -﵇- في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، وهود =
[ ٢ / ٣٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ﵊: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وشعيب عليه الصلاة السلام: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وكذلك غيرهم، وقد أجمع المسلمون على أن مؤمنهم يدخل الجنة. الوجه الرابع: إن ذلك يستلزم دخول الجنة؛ لأن من غفر ذنبه وأجير من عذاب اللَّه تعالى وهو مكلف بشرائع الرسل فإنه يدخل الجنة، وقد ورد في القول الثالث حديث ساقه الحافظ أبو سعيد عن محمد ابن عبد الرحمن الكنجرودي في أماليه فقال: حدثنا أبو الفضل نصر بن محمد العطار نا أحمد بن الحسين بن الأزهر بمصر حدثنا يوسف بن يزيد القراطيسي حدثنا الوليد بن موسى حدثنا منبه عن عثمان عن عروة بن رويم عن الحسن عن أنس عن النبي -ﷺ- قال: "إن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب" فسألنا عن ثوابهم وعن مؤمنيهم فقال: "على الأعراف وليسوا في الجنة" فقالوا: ما الأعراف قال: "حائط الجنة تجري منه الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار" قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللَّه الذهبي تغمده اللَّه تعالى برحمته هذا منكر جدًا، واللَّه تعالى أعلم. الباب الخامس والعشرون: في أن مؤمنيهم إذا دخلوا الجنة هل يرون اللَّه تعالى أم لا؟ قد وقع في كلام ابن عبد السلام في القواعد الصغرى ما يدل على أن مؤمني الجن إذا دخلوا الجنة لا يرون اللَّه تعالى وأن الرؤية مخصوصة بمؤمني البشر؛ فإنه صرح بأن الملائكة لا يرون اللَّه تعالى في الجنة، ومقتضى هذا أن الجن لا يرونه فإنه صرح قال: وقد أحسن اللَّه تعالى إلى النبيين والمرسلين وأفاضل المؤمنين بالمعارف والأحوال والطاعات والإذعان ونعيم الجنان ورضا الرحمن والنظر إلى الديان مع سماع تسليمه وكلامه وتبشيره بتاييد الرضوان ولم يثبت للملائكة مثل ذلك ولا شك أن أجساد الملائكة أفضل من أجساد البشر وأما أرواحهم فإن كانت أعرف باللَّه تعالى وأكمل أحوالا بأحوال البشر فهم أفضل من البشر وإن استوت الأرواح في ذلك فقد فضلت الملائكة البشر بالأجساد؛ فإن اجسادهم من نور وأجساد البشر من لحم ودم وفضل البشر الملائكة بما ذكرناه من نعيم الجنان وقرب الديان ورضاه وتسليمه وتقريبه والنظر إلى وجهه الكريم وإن فضلهم البشر في المعارف والأحوال والطاعات كانوا بذلك أفضل منهم وبما ذكرناه مما وعدوا به في الجنان ولا شك أن للبشر طاعات لم يثبت مثلها للملائكة كالجهاد والصبر ومجاهدة الهوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ الرسالات والصبر على البلايا والمحن والرزايا ومشاق العبادات لأجل اللَّه تعالى، وقد ثبت أنهم يرون ربهم ويسلم عليهم ويبشرهم بإحلال رضوانه عليهم أبدًا ولم يثبت مثل هذا للملائكة عليهم الصلاة والسلام وإن كان الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون فرب عمل يسير أفضل من تسبيح كثير وكم من نائم أفضل من قائم، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾، =
[ ٢ / ٣٢٥ ]
[الاقتداء بامرأة أو خنثى:]
[٢، ٣] أو اقتدى بمن بان امرأة في فرض أو نفل لرجال أو نساء، أو بمن بان خنثى مشكلًا، وتصح صلاته هو لنفسه، وأما غير المشكل فالصحة إن حكم بذكوريته، والبطلان إن حكم بأنوثته، وظاهر كلامهم: وإن أم مثله.
[الاقتداء بمجنون:]
[٤] أو بمن بان مجنونًا اتفاقًا؛ لأن شرطه العقل، وصلاته هو باطلة أيضًا.
[الاقتداء بفاسق بجارحة:]
[٥] أو بمن بان فاسقًا بجارحة، كزان وشارب خمر، وسواء غاب عقل الشارب أو لا، كان واليًا تؤدى إليه الطاعة، أو لا.
وخرج بقوله: (بجارحة) الفاسق بالاعتقاد، كـ: حروري، وقدري، وسيأتي أن من اقتدى بحروري يعيد في الوقت.
[الاقتداء بمأموم:]
[٦] أو بمن بان مأمومًا، فبطل عليهم دونه، ويشمل ذلك صورتين:
_________________
(١) = أي: خير الخليقة والملائكة من الخليقة، لا يقال: الملائكة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن هذا اللفظ مخصوص بمن آمن من البشر في عرف الشرع، فلا تندرج فيه الملائكة لعرف الاستعمال؛ فإن قيل الملائكة يرون ربهم كما تراه الأبرار. قلت: يمنع منه عموم عمومه في الملائكة الأبرار. انتهى. ما ذكره. قلت: والبشر اسم لبني آدم وكنية آدم ﵊ أبو البشر كذا جاء مصرحا به في حديث الشفاعة في الصحيح قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر" فإذا استثنى المؤمنون من عموم قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وبقي على عمومه في الملائكة على ما قرره ابن عبد السلام فحينئذ يبقى على عمومه في الجن، واللَّه أعلم".
[ ٢ / ٣٢٦ ]
- ما إذا كان مأمومًا في بعضها.
- وأما إذا كان مأمومًا معيدا لها لإيقاعهم فرضًا خلف نفل، وعلم منه أن شرطه تعمير ذمته بما يؤم فيه.
[الاقتداء بمحدث:]
[٧] أو بمن بان محدثًا، إن تعمد ما يحدثه، وتبطل عليه وعليهم أيضًا إن علموا بذلك، أو إن علم موتمه بحدث بطلت على مؤتمه، علم هو به أو لا، فإن انتفى علمهما معًا، وكان محدثًا في نفس الأمر فصحيحة، ولو لم يقر المأموم، جمعة كانت أو غيرها.
[الاقتداء بعاجز:]
[٨] وبطلت باقتداء بعاجز عن ركن من أركانها كالقيام مثلًا؛ لنقص الإمام عن مأمومه.
فائدة:
سئل أبو عبد اللَّه القوري (١) عن شيخ مقوس الظهر: هل يؤم السالمين من ذلك؟ فقال: نزلت وأفتيت فيها بالصحة؛ لما يوقف عليه من كلام ابن محرز، وأفتى شيخه أبو محمد عبد اللَّه العبدوسي (٢) ببطلان صلاة المقتدين
_________________
(١) هو: محمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد يعرف بابن زرقون الأنصاري الإشبيلي، قال في الديباج: "وأصله من بطليوس، كنيته أبو عبد اللَّه، وزرقون لقب عن جد أبيه سعيد المذكور لقب بذلك لحمرة وجهه. .، وولي قضاء شلب وقضاء سبتة فحمدت سيرته ونزاهته، وكان أحد سروات الرجال حافظًا للفقه مبرزًا فيه يعترف له أبو بكر بن الجد بذلك مع البراعة في الأدب والمشاركة في قرض الشعر، صبورًا على الجلوس للأسماع مع الكبرة يتكلف ذلك وإن شق عليه. .، ومن تآليفه: كتاب الأنوار جمع فيه بين المنتقى والاستذكار، وكان الناس يرحلون إليه للأخذ عنه والسماع منه لعلو روايته. ومولده سنة اثنين وخمسمائة. وتوفي بإشبيلية في منتصف رجب سنة ست وثمانين وخمسمائة رحمه اللَّه تعالى".
(٢) هو: عبد اللَّه بن محمد بن موسى أبو محمد العبدوسي، (٠٠٠ - ٨٤٩ هـ = ٠٠٠ - ١٤٤٦ م): فقيه مالكي، من أهل فاس، كان مفتيها ومحدثها، له رسائل وفتاوى، منها =
[ ٢ / ٣٢٧ ]
به؛ لأنه راكع لا قائم، مستدلًا بقول الشاعر:
أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع
وهذا الثاني يشهد له كلام قول المصنف: (وبعاجز عن ركن)، وظاهره: ولو كان المأموم عاجزًا عن ذلك الركن أيضًا؛ ولذا لم يستثن المؤلف إلا كالقاعد بمثله، إن كانت الكاف للتمثيل، وأما إن كانت للتشبيه فيحتمل كل عاجز عن مثله، فتصح المقوس للمقوسين، ونحو ذلك، انظر الكبير.
[مسألة:]
أو عاجز عن علم تصح الصلاة به.
[الاستثناء من العجز:]
ولما شمل قوله: (عاجز عن ركن) ما إذا كان المأموم عاجزًا عن مثل ذلك الركن، استثناه، فقال: إلا كالقاعد بمثله فجائز، وعبر بالجواز لتعلم صحتها دون كراهة، وإلا لقال: فلا تبطل.
وقوله: (كالقاعد بمثله) يحتمل التمثيل، فيشمل كل ركنين مماثلين، وهو الظاهر، إلا أنه قال في توضيحه: لم أر في إمامة الأخرس بمثله نصًا.
ويحتمل أنه استثنى القاعد بمثله، وسكت عما سواه؛ لمساواتهما.
[الاقتداء بأمي:]
[٩] ثم عطف على البطلان قوله: أو باقتداء بأمي، إن وجد قارئ،
_________________
(١) = "أجوبة فقهية - خ" أجاب بها عن أسئلة رفعها إليه القاضي محمد بن خليفة الصنهاجي، منها الكتاب الرابع في المجموع (٢٣٢٥) في خزانة تمكروت (بسوس) ونقل صاحب المعيار بعض فتاويه. وجمع أحد العلماء سيرته في "تأليف". ينظر: الأعلام (٤/ ١٢٧). قلت: في هذا النقل شيء، إذ تأمل وفاة القوري والعبدوسي.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
سواء كان القارئ المأموم أو غيره.
ومفهوم الشرط: الصحة إن لم يوجد قارئ، وهو كذلك، وظاهر كلامه: أن ذلك ابتداء، فلا يقطع لإتيان قارئ، قاله ابن عرفة.
قال في الطراز: يقطع إن أتاه قارئ على قول ابن القاسم، إن لم يركع، أو بعد ثلاث من شفع إن ركع. انتهى، واللَّه أعلم.
فائدة:
سمي أميًا لبقائه على حال ولدته أمه عليه، لا يحسن قراءة ولا كتابة.
[إمام يقرأ بالشاذ:]
[١٠] أو باقتداء بقارئ كقراءة عبد اللَّه بن مسعود (١)؛ لشذوذها.
_________________
(١) قال ابن الجزري في النشر (١/ ١٣، وما بعدها): "وقال الإمام أبو محمد مكي في مصنفه الذي ألحقه بكتابه (الكشف) له: فإن سأل سائل فقال: في الذي يقبل من القرآن الآن فيقرأ به؟ وما الذي لا يقبل ولا يقرأ به؟ وما الذي يقبل ولا يقرأ به؟ فالجواب: أن جميع ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال، وهن: أن ينقل عن الثقات عن النبي -ﷺ-، ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن سائغًا، ويكون موافقًا لخط المصحف. فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث قرئ به وقطع على مغيبه وصحته وصدقه؛ لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقة خط المصحف، وكفر من جحده. قال: والقسم الثاني: ما صح نقله عن الآحاد، وصح وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف، فهذا يقبل، ولا يقرأ به لعلتين: إحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع، إنما أخذ بأخبار الآحاد، ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد. والعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع عليه، فلا يقطع على مغيبه وصحته وما لم يقطع على صحته لا يجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده، ولبئس ما صنع إذا جحده. قال: والقسم الثالث: هو ما نقله غير ثقة أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية، فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف. قال: ولكل صنف من هذه الأقسام تمثيل تركنا ذكره اختصارًا. =
[ ٢ / ٣٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلت: ومثال القسم الأول مالك و(ملك) و(يخدعون) ويخادعون (وأوصى) ووصى و(يطوع) وتطوع ونحو ذلك من القراءات المشهورة. ومثال القسم الثاني قراءة عبد اللَّه بن مسعود وأبي الدرداء: ﴿والذكر والأنثى﴾ في: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ وقراءة ابن عباس ﴿وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وأما الغلام فكان كافرًا﴾، ونحو ذلك مما ثبت بروايات الثقات. واختلف العلماء في جواز القراءة بذلك في الصلاة، فأجازها بعضهم؛ لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرؤون بهذه الحروف في الصلاة، وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعي وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد. وأكثر العلماء على عدم الجواز؛ لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي -ﷺ-، وإن ثبتت بالنقل فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني، أو أنها لم تنقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن، أو أنها لم تكن من الأحرف السبعة، كل هذه مآخذ للمانعين. وتوسط بعضهم، فقال: إن قرأ بها في القراءة الواجبة وهي الفاتحة عند القدرة على غيرها لم تصح صلاته؛ لأنه لم يتيقن أنه أبي الواجب من القراءة لعدم ثبوت القرآن بذلك، وإن قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل؛ لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطل لجواز أن يكون ذلك من الحروف التي أنزل عليها القرآن، وهذا يبتني على أصل، وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة، فهل يجب القطع بكونه ليس منها؟ فالذي عليه الجمهور أنه لا يجب القطع بذلك، إذ ليس ذلك مما وجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيًا وهذا هو الصحيح عندنا، وإليه أشار مكي بقوله: ولبئس ما صنع إذا جحده. وذهب بعض أهل الكلام إلى وجوب القطع بنفيه حتى قطع بعضهم بخطأ من لم يثبت البسملة من القرآن في غير سورة النمل، وعكس بعضهم فقطع بخطأ من أثبتها؛ لزعمهم أن ما كان من موارد الاجتهاد في القرآن فإنه يجب القطع بنفيه، والصواب أن كلا من القولين حق، وأنها آية من القرآن في بعض القراءات وهي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين، وليست آية في قراءة من لم يفصل بها، واللَّه أعلم. وكان بعض أئمتنا يقول: وعلى قول من حرم القراءة بالشاذ يكون عالم من الصحابة وأتباعهم قد ارتكبوا محرمًا بقراءتهم بالشاذ، فيسقط الاحتجاج بخبر من يرتكب المحرم دائمًا وهم نقلة الشريعة الإسلامية، فيسقط ما نقلوه فيفسد على قول هؤلاء نظام الإسلام والعياذ باللَّه. قال: ويلزم أيضًا أن الذين قرءوا بالشواذ لم يصلوا قط؛ لأن تلك القراءة محرمة والواجب لا يتأدى بفعل المحرم. =
[ ٢ / ٣٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وكان مجتهد العصر أبو الفتح محمد بن علي بن دقيق العيد يستشكل الكلام في هذه المسألة ويقول: الشواذ نقلت نقل آحاد عن رسول اللَّه -ﷺ-، فيعلم ضرورة أنه -ﷺ- قرأ بشاذ منها وإن لم يعين. قال: فتلك القراءة تواترت وإن لم تتعين بالشخص، فكيف يسمى شاذًا والشاذ لا يكون متواترا؟ قلت: وقد تقدم آنفا ما يوضح هذه الإشكالات من مآخذ من منع القراءة بالشاذ، وقضية ابن شنبوذ في منعه من القراءة به معروفة وقصته في ذلك مشهورة ذكرناها في كتاب الطبقات، وأما إطلاق من لا يعلم على ما لم يكن عن السبعة القراء، أو ما لم يكن في هذه الكتب المشهورة كالشاطبية والتيسير أنه شاذ، فإنه اصطلاح ممن لا يعرف حقيقة ما يقول كما سنبينه فيما بعد أن شاء اللَّه تعالى. ومثال القسم الثالث مما نقله غير ثقة كثير مما في كتب الشواذ مما غالب إسناده ضعيف، كقراءة ابن السميفع وأبي السمال وغيرهما في ﴿ننُجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ ﴿ننحيك﴾: بالحاء المهملة، ﴿تكون لمن خلفك آية﴾ بفتح سكون اللام، وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة -﵀- التي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي وغيره، فإنها لا أصل لها، قال أبو العلاء الواسطي: إن الخزاعي وضع كتابًا في الحروف نسبه إلى أبي حنيفة فأخذت خط الدارقطني وجماعة أن الكتاب موضوع لا أصل له. قلت: وقد رويت الكتاب المذكور ومنه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ برفع الهاء ونصب الهمزة، وقد راج ذلك على أكثر المفسرين ونسبها إليه وتكلف توجيهها، وإن أبا حنيفة لبريء منها، ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية ولا يصدر مثل هذا إلا على وجه السهو والغلط وعدم الضبط ويعرفه الأئمة المحققون والحفاظ الضابطون وهو قليل جدًا، بل لا يكاد يوجد، وقد جعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع ﴿معائش﴾ بالهمز، وما رواه ابن بكار عن أيوب عن يحيى عن ابن عامر من فتح ياء ﴿أدري أقريب﴾ مع إثبات الهمزة، وهي رواية زيد وأبي حاتم عن يعقوب، وما رواه أبو علي العطار عن العباس عن أبي عمرو (ساحران تظاهرا) بتشديد الظاء، والنظر في ذلك لا يخفي، ويدخل في هذين القسمين ما يذكره بعض المتأخرين من شراح الشاطبية في وقف حمزة على نحو ﴿أسمايهم﴾ و﴿أوليك﴾ بياء خالصة، ونحو ﴿شركاوهم﴾ و﴿أحباوه﴾ بواو خالصة، ونحو ﴿بداكم﴾ و﴿اخاه﴾ بألف خالصة، ونحو (را ى: را، وتراى: ترا، واشمازت: اشمزت، وفاداراتم: فادارتم) بالحذف في ذلك كله مما يسمونه التخفيف الرسمي ولا يجوز في وجه من وجوه العربية، فإنه إما أن يكون منقولًا عن ثقة ولا سبيل إلى ذلك فهو مما لا يقبل، إذ لا وجه له، =
[ ٢ / ٣٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإما أن يكون منقولًا عن غير ثقة فمنعه أحرى ورده أولى، مع أني تتبعت ذلك فلم أجد منصوصًا لحمزة لا بطرق صحيحة ولا ضعيفة، وسيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء اللَّه. وبقي قسم مردود أيضًا وهو ما وافق العربية والرسم ولم ينقل البتة، فهذا رده أحق ومنعه أشد ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر، وقد ذكر جواز ذلك عن أبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم البغدادي المقري النحوي، وكان بعد الثلاثمائة. قال الإمام أبو طاهر بن أبي هاشم في كتابه البيان: وقد نبغ نابغ في عصرنا فزعم أن كل من صح عنده وجه في العربية بحرف من القرآن يوافق المصحف فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها، فابتدع بدعة ضل بها عن قصد السبيل. قلت: وقد عقد له بسبب ذلك مجلس ببغداد حضره الفقهاء والقراء وأجمعوا على منعه، وأوقف للضرب فتاب ورجع وكتب عليه بذلك محضر كما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد، وأشرنا إليه في الطبقات، ومن ثم امتنعت القراءة بالقياس المطلق وهو الذي ليس له أصل في القراءة يرجع إليه ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه كما روينا عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت -﵄- من الصحابة، وعن ابن المنكدر وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وعامر الشعبي من التابعين أنهم قالوا: القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول فاقرؤوا كما علمتموه، ولذلك كان الكثير من أئمة القراءة، كنافع وأبي عمرو يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرأت، لقرأت حرف كذا كذا وحرف كذا كذا. أما إذا كان القياس على إجماع انعقد، أو عن أصل يعتمد فيصير إليه عند عدم النص وغموض وجه الأداء، فإنه مما يسوغ قبوله ولا ينبغي رده لا سيما فيما تدعو إليه الضرورة وتمس الحاجة مما يقوي وجه الترجيح ويعين على قوة التصحيح، بل قد لا يسمى ما كان كذلك قياسًا على الوجه الاصطلاحي، إذ هو في الحقيقة نسبة جزئي إلى كلي كمثل ما اختير في تخفيف بعض الهمزات لأهل الأداء وفي إثبات البسملة وعدمها لبعض القراء، ونقل ﴿كتابيه أني﴾ وإدغام ﴿ماليه هلك﴾ قياسًا عليه، وكذلك قياس ﴿قال رجلان، وقال رجل﴾ على ﴿قال رب﴾ في الإدغام كما ذكره الداني وغيره، ونحو ذلك مما لا يخالف نصًا ولا يرد إجماعًا ولا أصلًا مع أنه قليل جدًا كما ستراه مبينًا بعد أن شاء اللَّه تعالى، وإلى ذلك أشار مكي بن أبي طالب -﵀- في آخر كتابه التبصرة حيث قال: فجميع ما ذكرناه في هذا الكتاب ينقسم ثلاثة أقسام: قسم قرأت به ونقلته وهو منصوص في الكتب موجود، وقسم قرأت به وأخذته لفظا أو سماعًا وهو غير موجود في الكتب، وقسم لم أقرأ به ولا وجدته في الكتب ولكن قسته على ما قرأت به، إذ لا يمكن فيه إلا ذلك عند عدم الرواية في النقل والنص =
[ ٢ / ٣٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهو الأقل. قلت: وقد زل بسبب ذلك قوم وأطلقوا قياس ما لا يروى على ما روي، وما له وجه ضعيف على الوجه القوي، كأخذ بعض الأغبياء بإظهار الميم المقلوبة من النون والتنوين، وقطع بعض القراء بترقيق الراء الساكنة قبل الكسرة والياء، وإجازة بعض من بلغنا عنه ترقيق لام الجلالة تبعًا لترقيق الراء من ذكر اللَّه، إلى غير ذلك مما تجده في موضعه ظاهرًا في التوضيح مبينًا في التصحيح مما سلكنا فيه طريق السلف ولم نعدل فيه إلى تمويه الخلف، ولذلك منع بعض الأئمة تركيب القراءات بعضها ببعض وخطأ القارئ بها في السنة والفرض. [تتمة فائدة في خلط القارئ القراءات الصحيحة:] قال الإمام أبو الحسن علي بن محمد السخاوي في كتابه جمال القراء: وخلط هذه القراءات بعضها ببعض خطأ. وقال الحبر العلامة أبو زكريا النووي في كتابه التبيان: وإذا ابتدأ القارئ بقراءة شخص من السبعة فينبغي أن لا يزال على تلك القراءة ما دام للكلام ارتباط، فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة آخر من السبعة والأولى دوامه على تلك القراءة في ذلك المجلس. قلت: وهذا معنى ما ذكره أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه. وقال الأستاذ أبو إسحاق الجعبري: والتركيب ممتنع في كلمة وفي كلمتين إن تعلق أحدهما بالآخر وإلا كره. قلت: وأجازها أكثر الأئمة مطلقًا وجعل خطأ مانعي ذلك محققًا، والصواب عندنا في ذلك التفصيل والعدول بالتوسط إلى سواء السبيل، فنقول: إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى فالمنع من ذلك منع تحريم، كمن يقرأ فتلقى آدم من ربه كلمات بالرفع فيهما، أو بالنصب آخذًا رفع آدم من قراءة غير ابن كثير ورفع كلمات من قراءة ابن كثير، ونحو ﴿وكفلها زكريا﴾ بالتشديد مع الرفع، أو عكس ذلك، ونحو ﴿أخذ ميثاقكم﴾ وشبهه مما يركب بما لا تجيزه العربية ولا يصح في اللغة، وأما ما لم يكن كذلك فإنا نفرق فيه بين مقام الرواية وغيرها، فإن قرأ بذلك على سبيل الرواية، فإنه لا يجوز أيضًا من حيث إنه كذب في الرواية وتخليط على أهل الدراية، وإن لم يكن على سبيل النقل، بل على سبيل القراءة والتلاوة، فإنه جائز صحيح مقبول لا منع منه ولا حظر، وإن كنا نعيبه على أئمة القراءات العارفين باختلاف الروايات من وجه تساوي العلماء بالعوام لا من وجه أن ذلك مكروه أو حرام، إذ كل من عند اللَّه نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين تخفيفًا عن الأمة، وتهوينا على أهل هذه الملة، فلو أوجبنا عليهم قراءة كل رواية على حدة لشق عليهم تمييز القراءة الواحدة وانعكس المقصود من التخفيف وعاد بالسهولة إلى التكليف، وقد روينا في المعجم =
[ ٢ / ٣٣٣ ]
فتدخل جميع الشواذ؛ لأنها لعدم تواترها غير قرآن (١)؛ فهو مدخل لكلام أجنبي في الصلاة، وهو الظاهر.
_________________
(١) = الكبير للطبراني بسند صحيح عن إبراهيم النخعي قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: (ليس الخطأ أن يقرأ بعضه في بعض، ولكن أن يلحقوا به ما ليس منه) ".
(٢) للإمام ابن الجزري في النشر (١/ ٩ - ١١) أيضًا كلام مهم في هذا الموضوع، رأيت ذكره لتقف على ما فيه بنفسك، فتعلم أين ما قاله مما يذكره الناس اليوم، وينسبونه إليه، يقول -رحمه اللَّه تعالى-: "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونص عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي، وحققه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه". قال أبو شامة -﵀- في كتابه المرشد الوجيز: "فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هولاء الأئمة السبعة، وبطلق عليها لفظ الصحة، وأن هكذا أنزلت، إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا عمن تنسب إليه، فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم. قلت: وقولنا في الضابط ولو بوجه نريد به وجهًا من وجوه النحو، سواء كان أفصح أم فصيحًا مجمعًا عليه، أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم، بل أجمع الأئمة المقتدى بهم من السلف على قبولها كإسكان ﴿بارئكم﴾ و﴿يأمركم﴾ ونحوه، و﴿سبأ﴾ و﴿يا بني﴾، ﴿ومكر السيئ﴾ و﴿ننجي المؤمنين﴾ في الأنبياء، والجمع بين الساكنين في تاءات البزي =
[ ٢ / ٣٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإدغام أبي عمرو ﴿واسطاعوا﴾ لحمزة وإسكان ﴿نعما ويهدي﴾، وإشباع الياء في ﴿نرتعي، ويتقي ويصبر﴾ و﴿أفئيدة من الناس﴾، وضم الملائكة اسجدوا، ونصب ﴿كن فيكون﴾، وخفض ﴿والأرحام﴾، ونصب ﴿ليجزى قوما﴾، والفصل بين المضافين في الأنعام، وهمز ﴿سأقيها﴾، ووصل ﴿وإن الياس﴾، وألف ﴿إن هذان﴾، وتخفيف ﴿ولا تتبعان﴾، وقراءة ﴿ليكة﴾ في الشعراء و"ص" وغير ذلك. قال الحافظ أبو عمرو الداني في كتابه "جامع البيان" بعد ذكر إسكان ﴿بارئكم﴾ و﴿يأمركم﴾ لأبي عمرو وحكاية إنكار سيبويه له، فقال -أعني الداني-: والإسكان أصح في النقل وأكثر في الأداء وهو الذي أختاره وآخذ به، ثم لما ذكر نصوص رواته. قال: وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل والرواية إذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؟ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. قلنا: ونعني بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتًا في بعضها دون بعض كقراءة ابن عامر ﴿قالوا اتخذ اللَّه ولدا﴾ في البقرة بغير واو، ﴿وبالزبر وبالكتاب المنير﴾ بزيادة الباء في الاسمين ونحو ذلك، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي، وكقراءة ابن كثير ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ في الموضع الأخير من سورة براءة بزيادة (من)، فإن ذلك ثابت في المصحف المكي، وكذلك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، في سورة الحديد بحذف (هو)، وكذا ﴿سارعوا﴾ بحذف الواو، وكذا ﴿منهما منقلبا﴾ بالتثنية في الكهف، إلى غير ذلك من مواضع كثيرة في القرآن اختلفت المصاحف فيها فوردت القراءة عن أئمة تلك الأمصار على موافقة مصحفهم، فلو لم يكن ذلك كذلك في شيء من المصاحف العثمانية لكانت القراءة بذلك شاذة لمخالفتها الرسم المجمع عليه. وقولنا بعد ذلك: ولو احتمالًا نعني به ما يوافق الرسم ولو تقديرًا، إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقًا وهو الموافقة الصريحة، وقد تكون تقديرًا وهو الموافقة احتمالًا، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعًا نحو: ﴿السموات والصلحت واليل والصلوة والزكوة والربوا﴾، ونحو (لنظر كيف تعملون) (وجيء) في الموضعين حيث كتب بنون واحدة وبألف بعد الجيم في بعض المصاحف. وقد توافق بعض القراءات الرسم تحقيقًا، ويوافقه بعضها تقديرًا، نحو ﴿ملك يوم الدين﴾ فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف، فقراءة الحذف تحتمله تخفيفًا كما كتب ﴿ملك الناس﴾، وقراءة الألف محتملة تقديرًا كما كتب ﴿مالك الملك﴾، فتكون الألف حذفت اختصارًا، وكذلك ﴿النشأة﴾ حيث كتبت بالألف وافقت قراءة المد =
[ ٢ / ٣٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تحقيقًا ووافقت قراءة القصر تقديرًا، إذ يحتمل أن تكون الألف سورة الهمزة على غير القياس كما كتب موئلًا. وقد توافق اختلافات القراءات الرسم تحقيقًا نحو ﴿أنصار اللَّه، ونادته الملائكة، ويغفر لكم ويعملون وهيت لك﴾ ونحو ذلك مما يدل تجرده عن النقط والشكل وحذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة -﵃- في علم الهجاء خاصة، وفهم ثاقب في تحقيق كل علم، فسبحان من أعطاهم وفضلهم على سائر هذه الأمة. وللَّه در الإمام الشافعي -﵁- حيث يقول في وصفهم في رسالته التي رواها عنه الزعفراني ما هذا نصه: وقد أثنى اللَّه -﵎- على أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم- في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول اللَّه -صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم- من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم اللَّه وهنأهم بما أثابهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، أدوا إلينا سنن رسول اللَّه -ﷺ- وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول اللَّه -ﷺ- عامًا وخاصًا وعزمًا وإرشادًا وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا. قلت: فانظر كيف كتبوا الصراط والمصيطرون بالصاد المبدلة من السين، وعدلوا عن السين التي هي الأصل لتكون قراءة السين وإن خالفت الرسم من وجه قد أتت على الأصل فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة، ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك وعدت قراءة غير السين مخالفة للرسم والأصل، ولذلك كان الخلاف في المشهور في (بسطة) الأعراف دون (بسطة) البقرة، لكون حرف البقرة كتب بالسين وحرف الأعراف بالصاد، على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفًا إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة مستفاضة، ألا ترى أنهم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء تسئلني في الكهف، وقراءة ﴿وأكون من الصالحين﴾ والظاء من بضنين ونحو ذلك من مخالفة الرسم المردود، فإن الخلاف في ذلك يغتفر، إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد وتمشيه صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول، وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى ولو كانت حرفًا واحدًا من حروف المعاني، فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه، وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته. وقولنا: وصح سندها، فإنا نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له غير معدودة =
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وأما حمل كلامه على شاذ يخلط فيه التفسير بالقرآن فبعيد؛ لعدم علم حكم ما عداه من الشاذ من كلامه، أو لزوم الصحة على اعتبار المفهوم، واللَّه أعلم.
تنبيهان:
الأول: خصّ ابن مسعود بالذكر لعظمته، وإلا فقراءة قتادة (١) كذلك، واللَّه -تعالى- أعلم.
الثاني: الشاذ عند ابن الحاجب في أصوله: ما وراء السبعة، وعند ابن
_________________
(١) = عندهم من الغلط أو مما شذ بها بعضهم. وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وإن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وهذا ما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي -ﷺ- وجب قبوله وقطع بكونه قرآنًا، سواء وافق الرسم أم خالفه وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغير وقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده وموافقة أئمة السلف والخلف. قال الإمام الكبير أبو شامة في "مرشده": وقد شاع على السنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة، أي: كل فرد فرد ما روي عن هؤلاء الأئمة السبعة، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند اللَّه واجب ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير له مع أنه شاع واشتهر واستفاض، فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها. وقال الشيخ أبو محمد إبراهيم بن عمر الجعبري: أقول: الشرط واحد، وهو صحة النقل، ويلزم الآخران، فهذا ضابط يعرف ما هو من الأحرف السبعة وغيرها، فمن أحكم معرفة حال النقلة وأمعن في العربية وأتقن الرسم انحلت له هذه الشبهة".
(٢) هو: قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، أبو الخطاب السدوسي البصري، (٦١ - ١١٨ هـ = ٦٨٠ - ٧٣٧ م): مفسر حافظ ضرير أكمه، قال الإمام أحمد ابن حنبل: قتادة أحفظ أهل البصرة، وكان مع علمه بالحديث، رأسًا في العربية ومفردات اللغة وأيام العرب والنسب، وكان يرى القدر، وقد يدلس في الحديث، مات بواسط في الطاعون. ينظر: الأعلام (٥/ ١٨٩).
[ ٢ / ٣٣٧ ]
السبكي (١): ما وراء العشرة.
[الاقتداء بعبد في جمعة:]
[١١] أو باقتداء بصلاة عبد في جمعة، لعدم وجوبها عليه، فأشبه المتنفل، وأما غيرها فيصح الاقتداء به فيه.
[الاقتداء بصبي:]
[١٢] أو باقتداء بصلاة صبي في فرض؛ لأنه متنفل، ولا يصح الفرض خلفه.
وانظر الكلام على صلاة عمرو بن مسلمة حيث أم قومه وهو ابن ست أو سبع في الكبير (٢).
_________________
(١) هو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر، (٧٢٧ - ٧٧١ هـ = ١٣٢٧ - ١٣٧٠ م): قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث، ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها، نسبته إلى سبك من أعمال المنوفية بمصر، وكان طلق اللسان، قوي الحجة). انتهى. إليه قضاء في الشام وعزل، وتعصب عليه شيوخ عصره، فاتهموه بالكفر واستحلال شرب الخمر، وأتوا به مقيدًا مغلولًا من الشام إلى مصر، ثم أفرج عنه، وعاد إلى دمشق، فتوفي بالطاعون. قال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض مثله. من تصانيفه "معيد النعم ومبيد النقم - ط"، و"جمع الجوامع - ط" في أصول الفقه، و"منع الموانع - ط" تعليق على جمع الجوامع، وله نظم جيد، أورد الصفدي بعضه في مراسلات دارت بينهما. ينظر: الأعلام (٤/ ١٨٥).
(٢) روى ذلك البخاري (٤/ ١٥٦٤، رقم ٤٠٥١) وغيره، ونصه: "عن أبي قلابة عن عمرو بن سلمة، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته فسألته. فقال: كنا بماء ممر الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون يزعم أن اللَّه أرسله أوحى إليه. أو أوحى اللَّه بكذا فكنت أحفظ ذلك الكلام وكأنما يقر في حدري وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم واللَّه من عند النبي -ﷺ- حقًا فقال: "صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا". =
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وإمامة الصبي بغيره -أي: بغير الفرض - تصح بالبالغين (١)، وإن لم تَجُز بفتح المثناة الفوقية وضم الجيم، وسيصرح بعد هذا بجواز إمامة الصبيان.
[الاقتداء بلاحن:]
[١٣] وهل تبطل الصلاة باقتداء بلاحن في قراءته مطلقًا في الفاتحة وغيرها، غَيَّر اللحن المعنى أو لا، أو بلاحن في الفاتحة فقط.
ابن عبد السلام: وبه كان كثير ممن أدركنا يفتي.
خلاف في التشهير، على أنه قال في توضيحه: لا أعلم من شهر البطلان، نعم قال القابسي: هو الصحيح.
وربما أشعر قوله: (بلاحن) أن الخلاف يشمل اللحنة الواحدة،
_________________
(١) = فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: إلا تغطون عنا است قارئكم؟ فاشتروا، فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص".
(٢) قال ابن رشد في البيان (١/ ٣٩٥، وما بعدها): "وسئل عن الصبي المراهق أيؤم الناس في الصلوات؟ فقال لي: أما الصلوات المكتوبات التي هي الصلوات فلا، وأما في النوافل فالصبيان يؤمون الناس فيها. قيل أفيقدمون في رمضان؟ فقال: نعم لا بأس بذلك. قال محمد بن رشد: أجاز في هذه الرواية أن يؤم الصبي في النافلة وقيام رمضان، وهو استحسان على غير قياس مراعاة لقول من يرى صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة إمامه، فيجيز إمامة الصبي في الفريضة والنافلة، وللرجل أن يصلي الفريضة خلف من يصلي نافلة. والقياس على مذهبه في أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه، قوله في المدونة أن لا يؤم الصبي في النافلة. وما وقع من كراهة ذلك له في رسم حلف من سماع ابن القاسم، لأن نافلته وإن وافقت صلاة الصبي في كونها نافلة له على مذهب من يرى أنه مندوب إلى فعل الطاعات، فلا يأمن أن يصلي به على غير وضوء أو بغير نية، إذ لا حرج عليه في ذلك لكونه غير مكلف، وباللَّه التوفيق".
[ ٢ / ٣٣٩ ]
بخلاف عبارة ابن الحاجب وابن عرفة وغيرهما: اللَّحَّان (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: "وهل تبطل بلاحن مطلقًا، أي: في الفاتحة وغيرها أو في الفاتحة دون غيرها خلاف فهو محذوف من هنا لذكره بعد، والحاصل أن قوله وهل بلاحن مطلقًا أو في الفاتحة مسألة وقوله بعد أو بغير مميز بين ضاد إلخ مسألة وفي كل من المسألتين خلاف فلو قال (المص) وهل بلاحن مطلقًا أو في الفاتحة خلاف كغير مميز بين ضاد وظاء لكان أوضح وأخصر، وترك (المص) من المسألة الأولى القول بالصحة مطلقًا مع أنه أرجح من القولين اللذين ذكرهما؛ فإن فيما ستة أقوال القولين المذكورين في كلام (المص) وثالثها البطلان إن غير المعنى كضم تاء (أنعمت) لا إن لم يغيره كضم لام للَّه في (الحمد للَّه) أو كسر دال الحمد تبعًا لكسر لام للَّه، ورابعها: إن ذلك مكروه واختاره ابن رشد، وخامسها: يمنع ابتداءً مع وجود غيره ويصح بعد الوقوع وهو مختار اللخمي، وسادسها: تجوز ابتداءً قال (ح): والضعيف منها. السادس: وبقيتها مرجحة وإرجاحها قول من قال بالصحة مطلقًا وهو الرابع الذي اختاره ابن رشد والخامس الذي اختاره اللخمي فكان على (المص) ذكره فلو قال (المص) وفي بطلانها بلاحن مطلقًا ثالثها في الفاتحة لأفاد هذا لكن لا يخفى إن القول بالصحة لقائلين: أحدهما ابن رشد، والآخر اللخمي فهما متفقان على الحكم بالصحة وإن اختلفا في الحكم ابتداءً، فابن رشد يقول بالكراهة واللخمي يقول بالمنع ابتداءً مع وجود غيره، ولم يقبل ابن رشد بقوله مع وجود غيره فظاهره أن الحكم عنده ابتداءً الكراهة سواء وجد غيره أم لا، ثم إن محل هذه الأقوال فيمن عجز عن تعلم الصواب لضيق الوقت أو لعدم من يعلمه مع قبول التعليم فيهما وأيتم به من ليس مثله لعدم وجود غيره وأما من تعمد اللحن فصلاته وصلاة من اقتدى به باطلة بلا نزاع لأنه أتى بكلمة أجنبية في حلاته ومن فعله ساهيًا لا تبطل صلاته ولا صلاة من أقتدى به قطعًا بمنزلة من سهى عن كلمة فأكثر من الفاتحة أو غيرها، وإن فعل ذلك عجزًا بأن لا يقبل التعليم فصلاته وصلاة من اقتدى به صحيحة أيضًا قطعًا، لأنه بمنزلة إلا لكن كما يأتي وسواء وجد من يأتم به أم لا وسواء ضاق الوقت أم لا، وإن كان عجزه لضيق الوقت أو لعدم من يعلمه مع قبوله للتعليم فيهما فإن كان مع وجود من يأتم به؛ فإن صلاته وصلاة من يأتم به باطلة سواء كان مثل الإمام في اللحن أم لا وإن لم يجد من يأتم به فصلاته وصلاة من اقتدى به صحيحة إن كان مثله وإن لم يكن مثله بأن كان ينطق بالصواب في كل قراءته أو صوابه أكثر من صواب إمامه؛ فإنه محل الخلاف كما قدمنا فقد تبين بهذا أنه إذا كان عجزه لعدم من يعلمه مع قبوله للتعليم أو لضيق الوقت ولم يجد من يأتم به؛ فإن اقتدى من هو مثله به صحيح قطعًا وهذا مستفاد من تقييد كل من القول بما إذا لم يستو حالة المأموم مع الإمام؛ فإنه يفيد أنه إذا استوت حالتهما؛ فإن صلاته وصلاة من اقتدى به صحيحة قطعًا بمنزلة من اقتدى =
[ ٢ / ٣٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بأمي لعدم وجود قادر، وحاصل ما يستفاد مما قررنا إن اللاحن عمدًا تبطل صلاته وصلاة من اقتدى به وسهوًا تصح صلاتهما وكذا عجزًا حيث كان لا يقبل التعليم وسواء كان المقتدي به مثله أو أقرأ منه وسواء ضاق الوقت أم لا وسواء وجد غير لاحني ائتم به أم لا لأنه بمنزلة الألكن؛ فإن قبله ووجد من يأتم به بطلت صلاته وصلاة من اقتدى به، وإن لم يجد من يأتم ممن ليس بلاحن؛ فإن وجد من يعلمه واتسع الوقت للتعليم فكذلك، وإن لم يجد من يعلمه أو ضاق الوقت عن التعليم؛ فإن ائتم به مثله وأولى منه صحة صلاته وإن كان ليس مثله فهذا محل الخلاف، وعلى هذا فمحل الخلاف في صحة صلاة من اقتدى باللاحن حيث كان يقبل التعليم ولم يجد من يعلمه أو وجده وضاق الوقت عن التعليم ولم يجد من يأتم به واقتداء بمن هو أقرأ منه. تنبيهات: الأول: ما ذكرناه من محل الخلاف في العاجز الذي يقبل التعليم ولم يجد من يعلمه أو وجد وضاق الوقت عن التعليم ولم يجد من يأتم به وائتم من هو أقرأ منه هو الذي يجب المصير إليه وأما العاجز الذي لا يقبل التعليم فتصح صلاته وصلاة من اقتدى به كالألكن سواء وجد من يأتم به أم لا وسواء كان المؤتم مساويًا له في اللكنة أو ليس به لكنة أصلًا ومقتضى كلام (ح) أنه إنما يصح صلاته حيث لم يجد من يأتم به وإن في صحة صلاة من اقتدى به في هذه الحالة خلاف، وتبعه بعض الشراح وليس كذلك فيهما، وهذا خلاف ما يأتي للتوضيح في مسألة الضاد والظاء كما نبينه؛ فإن قلت: ما ذكرته: من أن العاجز الذي لا يقبل التعليم تصح صلاته مفردًا أو إمامًا ولو وجد من يأتم به لأنه من جملة الألكن، وقد ذكر (المص) جواز إمامة الألكن كما يأتي مخالف لما تقدم في قوله: فيجب تعلمها إن أمكن وإلا ائتم إذا جعلوا من جملة ما يدخل في قوله: وإلا ائتم من لا يقبل التعليم. قلت: ذاك فيمن يجب عليه تعلم الفاتحة ليحفظها ولا يقبل ذلك وهذا فيمن يتعلم الصواب فيما يلحن فيه ولا يقبل ذلك، فهو يحفظ ما يطلب بقراءته في الصلاة والفرق بينهما جلي، فليتأمل وقولنا: وائتم به من هو أقرأ منه وأما لو ايتم به من هو مثله أو أدنى منه فتصح صلاته قطعًا كما تقدم هذا هو الذي يجب المصير إليه. والذي يظهر لي من كلامهم أن محل الخلاف فيمن يلحن معتقدًا أنه صواب أو معتقدًا الخطأ وهو عاجز عن إزالته وقت النطق به ولو كان تم من يعلمه واتسع الوقت، ويدل عليه قوله في توجيه القول الرابع وهو صحة صلاة اللاحن مطلقًا؛ لأن القارئ لا يقصد ما يقتضيه اللحن بل يعتقد بقراءته ما يعتقد فيها من لا يلحن، ومن الحجة في ذلك ما =
[ ٢ / ٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = روي أنه ﵊ مر بالموالي وهم يقرؤون ويلحنون فقال: "نِعْمَ ما تقرؤون" ومر بالعرب وهم يقرؤون ولا يلحنون فقال: "هكذا أنزل"، ويدل له ما أتي من قول الفاكهاني ومنشأ الخلاف بين القولين الأولين يعني: البطلان مطلقًا وعدمه مطلقًا هل اللحن يخرج الكلمة الملحونة عن كونها قرآنًا أولًا؛ فإن قلنا: يخرجها فكأنه متكلمًا في الصلاة متعمدًا فتبطل صلاته وصلاة من خلفه إن أمكنه التعليم وإن قلنا: إن ذلك لا يخرجها عن كونه قرآنا فتصح صلاته وصلاة من خلفه، ووجه القول بالتفرقة بين الفاتحة وغيرها تعارض الشوائب في الكلمة الملحونة فإن الناطق بها لم يقصد إلا القرآن فينبغي أن يغلب عليها حكم الكلام باعتبار الفاتحة لكونها ركنًا لا تصح الصلاة إلا بها وحكم القراءة باعتبار غيرها. انتهى. فقد جعل مبنى القول بالصحة كون اللحن لا يخرج ما وقع فيه اللحن عن كونه قرآنًا ولم يقيده بإمكان التعليم ولا سبعة الوقت وقيد القول بالبطلان بإمكان التعليم وهو يقدح فيما جعله (ح) ومن تبعه محل الخلاف فيمن يمكنه التعليم وضاق الوقت عنه ولم يجد من يعلمه. الثاني: القول الأول في كلام (المص) مقيد بما إذا لم يستو حالة المأموم مع الإمام كما نقله ابن عرفة عن ابن يونس عن القاضي، والقول الثاني في كلام (المص) مقيد بذلك أيضًا كما نقله ابن يونس عن ابن اللباد. قلت: وظاهر هذا الصحة حيث استوت حالتهما سواء وجد غير لاحن يؤثم به أم لا وبهذا يتبين لك أن قول بعض الشارحين بعد ما أشرنا إليه عن (ح) قلت فيخصص الخلاف في الاقتداء باللاحن بأن يكون الإمام عاجزًا عن الصواب والمقتدي عاجز عن الائتمام بغير اللاحن. انتهى. فيه نظر إذ يقتضي جريان الخلاف فيما إذا كان المأموم مساويا للإمام في اللحن حيث لم يجد من يأتم به مع أنه متفق على صحة صلاة كل منهما كما يستفاد من تقييد القول الأول والثاني وظاهره وجد غير لاحن يؤتم به أم لا، وإنما محل الخلاف حيث كان الإمام يلحن والمأموم لا يلحن أصلًا أو لحنه أقل من لحن الإمام وسواء في الحالتين وجد من يأتم به أم لا، والحاصل أنه يستفاد من القولين في كلام (المص) ومن تقييدهما بما ذكرنا الاتفاق على الصحة حيث استوت حالتهما سواء وجد غيره لاحن يؤتم به أم لا، ونحو هذا نحو ما قدمناه في القول الثاني والخلاف فيما إذا اختلفت حالتهما وسواء وجد غير لاحن يؤتم به أم لا، فكلام بعض الشارحين مخالف لهذا فلا يعول عليه وما ذكره (د) عن بعض شيوخه من أن القول بالصحة إذا استوت حالتهما ينبغي أن يقيد بعدم وجود غيرهما. انتهى. غير ظاهر واللَّه اعلم الثالث لا يخفي إن كلام (المص) في بطلان صلاة المقتدي باللحان وأما بطلان صلاته هو وصحتها فقد قدمناه".
[ ٢ / ٣٤٢ ]
تنبيه:
تأمل قول البساطي: (يعني: وهل تبطل صلاة من اقتدى بلاحن في الفاتحة وغيرها، أو إنما تبطل في الفاتحة فقط، في ذلك خلاف في التشهير) مع قوله في التنبيهات التي ذكرها حيث قال: (الخلاف الذي أشار إليه أولًا إنما هو بين المطلق والمقيد)، كما قررناه، لا بين المبطل والمتصحح.
[الاقتداء بغير مميز بين ضاد وظاء:]
[١٤] وهل تبطل صلاة مقتد بغير مميز بين ضاد وظاء، بأن يبدل الأولى بالثانية، أو عكسه، وهو قول ابن أبي زيد والقابسي، وعن صاحب الإشراق واللخمي الصحة، وانظر من شهره؟ خلاف في التشهير (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: "ثم أشار (المص) للمسألة الثانية بقوله: (أو بغير مميزين ضاد وظاء)، أي: وهل تبطل صلاة المقتدي بغير مميزين ضاد وظاء حيث لم يستو حالتهما وهو قول الشيخين وصححه ابن يونس وعبد الحق، وأما صلاته هو فصحيحة إلا أن يترك ذلك عمدًا مع القدرة عليه أو يصح الاقتداء به وهو الذي حكى ابن رشد الاتفاق عليه، (خلاف) قال في توضحيه الذي لا يميز بين الضاد والظاء إن كان عاجزًا في الحال وللمستقبل بأن لا يقبل التعليم لطبعه فينبغي أن يكون كالألكن أو قادرًا في الحال فينبغي أن لا يختلف في بطلانها؛ لأنه كالمتلاعب أو عاجز في الحال قادرًا في الاستقبال؛ فإن اتسع الوقت للتعليم وجب عليه وإلا وجب الإتمام كما مر في عجز الفاتحة. انتهى. قلت: يحمل محل الخلاف على من لم يجد من يأتم به وهو يقبل التعليم أو لم يجد من يعلمه أو ضاق الوقت وائتم به من ليس مثله إن وائتم به من هو أعلى منه في التمييز بين الضاد والظاء لعدم وجود غيره كما في مسألة السابقة، هذا وظاهر كلام (المص) جريان هذا الخلاف فيمن لم يميز بين الضاد والظاء في الفاتحة وغيرها وفي (ق) تقييده بمن لم يميز بينهما في الفاتحة. تنبيهات: الأول: والثاني: اللحن في تكبيرة الإحرام أشد من اللحن في قراءة الفاتحة؛ لأنه مجمع على اعتبارها في الصلاة بخلاف القراءة وهذا ما يفيده ما اختاره البرزلي راجع الشرح الكبير. الثالث: يكره الاقتداء بلاحن لحنًا خفيًا كمظهر النون الخفية والتنوين عند الفاء والواو =
[ ٢ / ٣٤٣ ]
ويحتمل أن المصنف لم يذكر في هذه الثانية غير البطلان، وبغير عطف على لاحن، ولو أراد الاحتمال الأول لصنع كابن الحاجب، فإنه بعد حكاية الخلاف في اللحان، قال: ومنه من لا يميز بين الضاد والظاء، وللمصنف في ذلك بحث، انظره في الكبير.
[زمن الإعادة:]
وأعاد بوقت اختياري عند ابن القاسم في اقتداء بإمام كحروري (١)،
_________________
(١) = والميم والنون؛ لأنه قد خرق الإجماع وقرأ بما لا يقرأ به. انتهى. قلت: وكذا سائر ما هو من هيئة الأداء وأما مد المقصور وقصر الممدود فهو من اللحن الذي هو محل الخلاف لا يفيده كلًّا (د). قلت: ورأيت في (ح) ما يفيد أن اللحن الخفي ما هو من هيئة الأداء؛ فإنه ذكر إنه يكره الإتمام باللاحن لحنًا خفيًا. وقال شيخ الإسلام في شرح الجوزية: اللحن الميل والخطأ عن الصواب وهو خفي وجلي؛ فالجلي خطأ يعرض للفظ ويحل بالمعنى وبالإعراب كرفع المجرور نصبه، والخفي خطأ يعرض للفظ ولا يخل بالمعنى ولا بالإعراب والظاء وحكي (ق) الاتفاق عليه. الخامس: من لا يميز بين الصاد والسين كما لا يميز بين الضاد، والظاء كما نقل (ق) عند قوله: والألكن وكذا بين الزاي والسين. السادس: على القول ببطلان صلاة من اقتداء باللاحن لو أعادها على الصواب هل تصح صلاته أو تبطل ذكر شيخنا عن بعض شيوخه الثاني فإنه لما ذكر قول (تت) ومثار الخلاف أن اللحن يلحق القراءة بكلام الناس ويخرجها عن كونها قرآنًا. وعلى الثاني الفاتحة ركن فإن لم يأت بها على ما هي فسدت الصلاة وربما أشعر تعبير (المص) بلاحن أن الخلاف في اللحنة الواحدة بخلاف عبارة ابن الحاجب وابن عرفة وغيرهما باللحان، ولم أقف على نص فيها والظاهر الأول. انتهى. قال شيخنا الجيزي: وقوله: فإن لم يأت بها على ما هي عليه فسدت الصلاة، أي: ابتدئ فعلى هذا لو أعادها على الصواب لا تجزئ وانظر في ذلك. انتهى. ويحتمل أن يقال ما لم يتدارك. انتهى. قلت: الذي يظهر من مثار الخلاف كلام شيخه".
(٢) نسبة إلى حروراء، وهم الخوراج، كما سيبين شارحنا بعد، قال في تاج العروس: " (وحروراء، كلولاء)، بالمد (وقد تقصر: ة) بالكوفة على ميلين منها، نزل بها جماعة خالفوا عليًا -﵁-، من الخوارج. (و) يقال: (هو حروري بين الحرورية)، ينتسبون إلى هذه القرية، (وهم نجدة) الخارجي (وأصحابه) ومن يعتقد اعتقادهم، يقال له: الحروري، وقد ورد أن عائشة =
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وقدري (١) ومعتزلي (٢) لفسقهم عند الأكثر.
_________________
(١) = -﵄- قالت لبعض من كانت تقطع أثر دم الحيض من الثوب: أحرورية أنت؟ تعنيهم، كانوا يبالغون في العبادات، والمشهور بهاذه النسبة عمران بن حطان السدوسي الحروري". وأجمع المسلمون على قتالهم، وأهم ما يميزهم في عقيدتهم تكفيرهم لمرتكب الكبيرة، فكل من ارتكب كبيرة فهو عندهم كافر في الدنيا مخلد في نار جهنم، ولهذا فإنهم كفروا عثمان في آخر خلافته، وكفروا عليًا، وكفروا الزبير، وعائشة، وطلحة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وغيرهم من الصحابة -﵃- وأرضاهم.
(٢) القدرية على ضربين: نفاة القدر، ومثبتيه، والمراد هنا مثبتوه، أي: الغالون في إثباته، وهم الجبرية، ورئيسهم: الجهم بن صفوان السمرقندي، وهم في باب القدر يقولون: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوبًا مرضيًا، فالتدبير في أفعال الخلق كلها للَّه تعالى، وهي كلها اضطرارية، كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار، وإضافتها إلى الخلق مجاز، وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله.
(٣) ظهرت هذه الفرقة في نهاية القرن الهجري الأول وبلغت شأوها في العصر العباسي الأول. يرجع اسمها إلى اعتزال إمامها واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري لقول واصل: "إن مرتكب الكبيرة ليس كافرًا ولا مؤمنًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين. ولما اعتزل واصل مجلس الحسن البصري وجلس عمرو بن عبيد، وتبعهما أنصارهما، قيل لهم: المعتزلة، ومنذ انضمام عمرو بن عبيد لواصل بن عطاء واعتزالهما الناس ظهر منهما آراء مبتدعة لم يكن عليها الأوائل عاداهما علماء السلف وحذّروا منهما، وأصولهم خمسة، وهي: الأصل الأول: - العدل: والمراد به: أن اللَّه -جل وعلا- لا يخلق أفعال العباد، خيرًا كانت أو شرًا، وإنما العباد أنفسهم هم من يخلقون أفعالهم. الأصل الثاني: التوحيد: والمراد به: نفي الصفات التي يثبتها أهل السنة والجماعة للَّه -تعالى- فالمعتزلة ينفون صفة العلم، والكلام، والبصر، والسمع، والحياة، وغيرها من الصفات، وقد ترتب عندهم على هذا الأصل قولهم: إن القرآن الكريم مخلوق. الأصل الثالث: القول بالمنزلة بين المنزلتين: وهذا الأصل المراد به: أن المسلم إذا ارتكب كبائر الذنوب يخرج من دائرة الإسلام من دون أن يكون بكبيرته في دائرة الكفر، خلافًا للخوارج، بل يكون في منزلة بين منزلتي الإسلام والكفر، وهذه المنزلة يسمونها منزلة الفسق، وهي في أحكام الآخر كما منزلة الكفر توجب عندهم لصاحبها الخلود الأبدي في النار يوم القيامة. =
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وقيل: كفار (١)، فيعيد أبدًا.
_________________
(١) = والأصل الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمراد به عندهم الخروج على ولاة الجور. والأصل الخامس: إنفاذ الوعيد، والمراد به أن من توعده اللَّه تعالى بعقاب أنفذه، ولا يجوز عليه أن لا يفعل ذلك، تعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرًا، وقد رأى عمرو بن العلاء وهو أحد القراء السبعة ونحاة أهل البصرة أن في هذا الأصل عجمة في القلب لا اللسان؛ ذلك لأن العرب تعد إخلاف إنجاز الوعيد مع القدرة على إنفاذه من المكرمات، وذلك كمثل أن يعفو السلطان العادل القادر على من خرج عن طاعته، وقد قالت العرب قديمًا: وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي، ومنجز موعدي
(٢) ظاهر ما في الشفا أن عدم الإعادة هو المذهب، ففيه (٢/ ٢٧٢، وما بعدها): "فصل: وأما من أضاف إلى اللَّه تعالى ما لا يليق به ليس على طريق السب ولا الردة وقصد الكفر، ولكن على طريق التأويل والاجتهاد والخطأ المفضي إلى الهوى والبدعة من تشبيه أو نعت بجارحة أو نفي حفة كمال، فهذا مما اختلف السلف والخلف في تكفير قائله ومعتقده. واختلف قول مالك وأصحابه في ذلك، ولم يختلفوا في قتالهم إذا تحيزوا فئة، وأنهم يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا، وإنما اختلفوا في المنفرد منهم، فأكثر قول مالك وأصحابه ترك القول بتكفيرهم وترك قتلهم والمبالغة في عقوبتهم وإطالة سجنهم حتى يظهر إقلاعهم وتستبين توبتهم، كما فعل عمر -﵁- بصبيغ. وهذا قول محمد بن المواز في الخوارج، وعبد الملك بن الماجشون، وقول سحنون في جميع أهل الأهواء، وبه فسر قوله مالك في الموطأ، وما رواه عن عمر بن عبد العزيز وجده وعمه من قولهم في القدرية يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا. وقال عيسى ابن القاسم في أهل الأهواء من الإباضية والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب اللَّه: يستتابون أظهروا ذلك أو أسروه فإن تابوا وإلا قتلوا وميراثهم لورثتهم. وقال مثله أيضًا ابن القاسم في كتاب محمد في أهل القدر وغيرهم. قال: واستتابتهم أن يقال لهم: اتركوأ ما أنتم عليه ومثله في المبسوط في الإباضية والقدرية وسائر أهل البدع. قال: وهم مسلمون وإنما لرأيهم السوء وبهذا عمل عمر بن عبد العزيز. قال ابن القاسم: (من قال إن اللَّه لم يكلم موسى تكليما) استتيب فإن تاب وإلا قتل. وابن حبيب وغيره من أصحابنا يرى تكفيرهم وتكفير أمثالهم من الخوارج والقدرية والمرجئة، وقد روي أيضًا عن سحنون مثله فيمن قال ليس للَّه كلام أنه كافر. =
[ ٢ / ٣٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = واختلفت الروايات عن مالك، فأطلق في رواية الشاميين أبي مسهر ومروان بن محمد الطاطري: الكفر عليهم. وقد شوور في زواج القدري، فقال: لا تزوجه؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ وروى عنه أيضًا: أهل الأهواء كلهم كفار. وقال: من وصف شيئًا من ذات اللَّه تعالى وأشار إلى شيء من جسده يد أو سمع أو بصر قطع ذلك منه لأنه شبه اللَّه بنفسه. وقال فيمن قال القرآن مخلوق كافر فاقتلوه. وقال أيضًا في رواية ابن نافع: يجلد ويوجع ضربًا ويحبس حتى يتوب، وفي رواية بشر بن بكر التنيسى عنه يقتل ولا تقبل توبته. قال القاضي أبو عبد اللَّه البرنكاني والقاضي أبو عبد اللَّه التستري من أئمة العراقيين جوابه مختلف يقتل المستبصر الداعية. وعلى هذا الخلاف اختلف قوله في إعادة الصلاة خلفهم وحكى ابن المنذر عن الشافعي: لا يستتاب القدري وأكثر أقوال السلف تكفيرهم وممن قال به الليث وابن عيينة وابن لهيعة، روى عنهم ذلك فيمن قال بخلق القرآن وقاله ابن المبارك والأودي ووكيع وحفص بن غياث وأبو إسحاق الفزاري، وعلي بن عاصم في آخرين، وهو من قول أكثر المحدثين والفقهاء والمتكلمين فيهم وفي الخوارج والقدرية وأهل الأهواء المضلة وأصحاب البدع المتأولين، وهو قول أحمد بن حنبل، وكذلك قالوا في الوافقة والشاكة في هذه الأصول، وممن روى عنه معنى القول الآخر بترك تكفيرهم علي بن أبي طالب وابن عمر والحسن البصري وهو رأي جماعة من الفقهاء النظار والمتكلمين واحتجوا بتوريث الصحابة والتابعين ورثة أهل حروراء ومن عرف بالقدر ممن مات منهم ودفنهم في مقابر المسلمين وجرى أحكام الإسلام عليهم. قال إسماعيل القاضي: وإنما قال مالك في القدرية وسائر أهل البدع يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا لأنه من الفساد في الأرض كما قال في المحارب: إن رأى الإمام قتله وإن لم يقتل قتله وفساد المحارب إنما هو في الأموال ومصالح الدنيا وإن كان قد يدخل أيضًا في أمر الدين من سبيل الحج والجهاد، وفساد أهل البدع معظمه على الدين وقد يدخل في أمر الدنيا بما يلقون بين المسلمين من العداوة. فصل في تحقيق القول في إكفار المتأولين: قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أصحاب البدع والأهواء المتأولين ممن قال قولًا يؤديه مساقه إلى كفر هو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه، وعلى اختلافهم اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك؛ فمنهم من صوب التكفير الذي قال به الجمهور من السلف ومنهم من أباه ولم ير إخراجهم من سواد المؤمنين وهو قول أكثر الفقهاء =
[ ٢ / ٣٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والمتكلمين، وقالوا: هم فساق عصاة ضلال ونورثهم من المسلمين ونحكم لهم بأحكامهم ولهذا قال سحنون: لا إعادة على من صلى خلفهم. قال: وهو قول جميع أصحاب مالك المغيرة وابن كنانة وأشهب. قال: لأنه مسلم وذنبه لم يخرجه من الإسلام، واضطرب آخرون في ذلك ووقفوا عن القول بالتكفير أو ضده واختلاف قولي مالك في ذلك وتوقفه عن إعادة الصلاة خلفهم منه وإلى نحو من هذا ذهب القاضي أبو بكر إمام أهل التحقيق والحق، وقال: إنها من المعوصات إذا القوم لم يصرحوا باسم الكفر وإنما قالوا قولًا يؤدي إليه واضطرب قوله في المسألة على نحو اضطراب قول إمامه مالك بن أنس حتى قاله في بعض كلامه: إنهم على رأي من كفرهم بالتأويل لا تحل مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم ولا الصلاة على ميتهم ويختلف في موارثتهم على الخلاف في ميراث المرتد وقال أيضًا: نورث ميتهم ورثتهم من المسلمين ولا نورثهم من المسلمين وأكثر ميله إلى ترك التكفير بالمآل، وكذلك اضطرب فيه قول شيخه أبي الحسن الأشعري وأكثر قوله ترك التكفير وأن الكفر خصلة واحدة وهو الجهل بوجود الباري تعالى. وقال مرة: من اعتقد أن اللَّه جسم أو المسيح أو بعض من يلقاه في الطرق فليس بعارف به وهو كافر ولمثل هذا ذهب أبو المعالي -﵀- في أجوبته لأبي محمد عبد الحق وكان سأله عن المسألة فاعتذر له بأن الغلط فيها يصعب؛ لأن إدخال كافر في الملة واخراج مسلم عنها عظيم في الدين وقال غيرهما من المحققين: الذي يجب الاحتراز من التكفير في أهل التأويل فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطإ في سفك محجمة من دم مسلم واحد. وقد قال -ﷺ-: "فإذا قالوها -يعني: الشهادة- عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه! فالعصمة مقطوع بها مع الشهادة ولا ترتفع ويستباح خلافها إلا بقاطع ولا قاطع من شرع ولا قياس عليه، وألفاظ الأحاديث الواردة في الباب معرضة للتأويل في جاء منها في التصريح بكفر القدرية. وقوله: لا سهم لهم في الإسلام وتسميته الرافضة بالشرك وإطلاق اللعنة عليهم، وكذلك في الخوارج وغيرهم من أهل الأهواء فقد يحتج بها من يقول بالتكفير وقد يجيب الآخر بأنه قد ورد مثل هذه الألفاظ في الحديث في غير الكفرة على طريق التغليظ وكفر دون كفر وإشراك دون إشراك، وقد ورد مثله في الرياء وعقوق الوالدين والزوج والزور وغير معصية وإذا كان محتملًا للأمرين فلا يقطع على أحدهما إلا بدليل قاطع. وقوله في الخوارج: هم من شر البرية وهذه صفة الكفار، وقال: شر قبيل تحت أديم السماء طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، وقال: "فإذا وجدتموهم فاقتلوهم قتل عاد"، =
[ ٢ / ٣٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وظاهر هذا الكفر لا سيما مع تشبيههم بعاد فيحتج به من يرى تكفيرهم فيقول له الآخر: إنما ذلك من قتلهم لخروجهم على المسلمين وبغيهم عليهم بدليله من الحديث نفسه يقتلون أهل الإسلام، فقتلهم ههنا حد لا كفر وذكر عاد تشبيه للقتل وحله لا للمقتول، وليس كل من حكم بقتله يحكم بكفره، ويعارضه بقول خالد في الحديث: دعني أضرب عنقه يا رسول اللَّه، فقال: "لعله يصلى". فإن احتجوا بقوله -ﷺ-: "يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم"، فأخبر أن الإيمان لم يدخل قلوبهم وكذلك قوله: "يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يعودون إليه حتى يعود السهم على فوقه"، وبقوله: "سبق الفرث والدم" يدل على أنه لم يتعلق من الإسلام بشيء، أجابه الآخرون: أن معنى لا يجاوز حناجرهم لا يفهمون معانيه بقلوبهم ولا تنشرح له صدورهم ولا تعمل به جوارحهم، وعارضوهم بقوله: ويتمارى في الفوق وهذا يقتضي التشكك في حاله وإن احتجوا بقول أبي سعيد الخدري في هذا الحديث. سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "يخرج في هذه الأمة" ولم يقل (من هذه) وتحرير أبي سعيد الرواية وإتقانه اللفظ، أجابهم الآخرون: بأن العبارة بفي لا تقتضي تصريحًا بكونهم من غير الأمة بخلاف لفظة من - التي هي للتبعيض وكونهم من الأمة مع أنه قد روي عن أبي ذر وعلي وأبي أمامة وغيرهم في هذا الحديث: "يخرج من أمتي، وسيكون من أمتي"، وحروف المعاني مشتركة فلا تعويل على إخراجهم من الأمة، ولا على إدخالهم فيها بمن، لكن أبا سعيد -﵁- أجاد ما شاء في التنبيه الذي نبه عليه، وهذا مما يدل على سعة فقه المحابة وتحقيقهم للمعاني واستنباطها من الألفاظ وتحريرهم لها وتوقيهم في الرواية، هذه المذاهب المعروفة لأهل السنة ولغيرهم من الفرق فيها منالات كثيرة مضطربة سخيفة أقربها قول جهم ومحمد بن شبيب: إن الكفر باللَّه الجهل به لا يكفر أحد بغير ذلك، وقال أبو الهذيل: إن كل متأول كان تأوليه تشبيهًا للَّه بخلقه وتجويرًا له في فعله وتكذيبًا لخبره فهو كافر، وكل من أثبت شيئًا قديمًا لا يقال له اللَّه فهو كافر، وقال بعض المتكلمين: إن كان ممن عرف الأصل وبنى عليه وكان فيما هو من أوصاف اللَّه فهو كافر وإن لم يكن من هذا الباب ففاسق إلا أن يكون ممن لم يعرف الأصل فهو مخطىء غير كافر وذهب عبيد اللَّه بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين فيما كان عرضة للتأويل وفارق في ذلك فرق الأمة إذ أجمعوا سواه على أن الحق في أصول الدين في واحد والمخطىء فيه آثم عاص فاسق وإنما الخلاف في تكفيره، وقد حكى القاضي أبو بكر الباقلاني مثل قول عبيد اللَّه عن داود الأصبهاني وقال وحكى قوم عنهما أنهما قالا ذلك في كل من علم اللَّه سبحانه من حاله استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل =
[ ٢ / ٣٤٩ ]
والحرورية: قوم خرجوا على علي بحروراء، نقموا عليه قضية الحكم، فكفروا بالذنب.
تكميل:
أفهم قوله: (كحروري) خروج البدعي المقطوع بكفره، المازري: كالقائل: إنه تعالى ليس بعالم (١)، فيعيد أبدًا، وخروج المقطوع بعدم كفره، كصاحب هوى خفيف؛ فلا إعادة، وقد ذكر ابن رشد الأقسام الثلاثة.
_________________
(١) = ملتنا أو من غيرهم وقال نحو هذا القول الجاحظ وثمامة في أن كثيرًا من العامة والنساء والبله ومقلدة النصارى واليهود وغيرهم لا حجة للَّه عليهم إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال، وقد نحا الغزالي قريبًا من هذا المنحى في كتاب التفرقة وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكذر أحدًا من النصارى واليهود. وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك قال القاضي أبو بكر: لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم؛ فمن وقف في ذلك فقد كذب النص والتوقيف أو شك فيه والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر".
(٢) من أولئك: الفرقة الخامسة من الروافض، وهم أصحاب شيطان الطاق يزعمون أن اللَّه عالم في نفسه ليس بجاهل ولكنه إنما يعلم الأشياء إذا قدرها وأرادها فأما قبل أن يقدرها ويريدها فمحال أن يعلمها إلا لأنه ليس بعالم ولكن الشيء لا يكون شيئًا حتى يقدره ويثبته بالتقدير والتقدير عندهم الإرادة. والمعتزلة اختلفوا، هل يقال: إن البارىء لم يزل عالمًا قادرًا حيًا أم لا يقال ذلك على مقالتين، فقال قائلون: لم يزل اللَّه عالمًا قادرًا حيًا. وزعم كثير من المجسمة أن البارىء كان قبل أن يخلق الخلق ليس بعالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا مريد، ثم أراد وإرادته عندهم حركته فإذا أراد كون شيء تحرك فكان الشيء لأن معنى أراد تحرك وليس الحركة غيره، وكذلك قالوا في قدرته وعلمه وسمعه وبصره أنها معان وليست غيره وليست بشيء لأن الشيء هو الجسم. وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا: نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره؛ فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للبارىء علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
[من تكره إمامته مطلقًا:]
[١ - الأقطع:]
وكره أقطع -أي: إمامته- ابن وهب: وإن حسنت حالته، وظاهره: قطع في جناية أو لا، وهو كذلك؛ لأن المأموم أقل منه، واقتصر الجلاب على عدم الكراهة، وبه صدر ابن الحاجب.
قال في التوضيح: وليس هو المذهب.
[٢ - الأشل:]
وكره أشل، وهو يبس في اليد أو ذهابها، وأما شلل العين وهو ذهاب بصرها فليس مراده هنا.
تنبيه:
لا ينافي ما ذكره من الكراهة قول ابن بشير وابن عسكر: المشهور أنه لا يمنع الإجزاء.
[٣ - الأعرابي:]
وكره أعرابي -أي: إمامته- لغيره من الحضريين، وإن كان الأعرابي أقرأ من الحضريين.
عياض: هو بفتح الهمزة: البدوي عربيًا أو أعجميًا.
البساطي: يحتمل كون ما عنده من القرآن أكثر، أو كونه أفصح وأقدر على مخارج الحروف، عالمًا تفاصيل ذلك.
تنبيه:
ما قررناه من رجوع ضمير غيره وأقرأ للأعرابي فقط مثله للشارح، وهو الذي يفهم من كلام ابن الحاجب وغيره، وجعله البساطي راجعًا للثلاثة، أي: أمّ كل مغايرًا له الصحيح في الأول والثاني، والحضري في الثالث.
[ ٢ / ٣٥١ ]
قال: ولا يخفى وجه الكراهة في ذلك، إلا أن مفهومه نفي الكراهة في ذلك، إذا ساواه في وصفه، وهو الذي يظهر من الروايات. انتهى.
[٤ - ذو سلس:]
وكره أن يؤم ذو سلس، يخرج منه بعد طهره ما يعفى عنه لشخص صحيح.
[٥ - ذو قروح:]
وذو قرح سائل لصحيح للترخيص لهم في ذلك، والرخص لا تتجاوز محلها.
[٦ - من يُكْرَهُ:]
وكره إمامة من يكره، لكارهيته، كرهه كلهم أو جلهم، ابن حبيب: أو ذو النهى والفضل منهم، وإن قلوا.
[من تكره إمامته في حال:]
ولما قدم من تكره إمامته مطلقًا ذكر من تكره منه في حال بعد حال، فقال:
[١ - الخصي:]
وكره ترتب خصي في الإمامة، قال في الصحاح: وهو بفتح الخاء، وجمعه خصيان، وخصيه بكسرهما، كذا هو مضبوط في نسخة ياقوت (١) بالقلم، وهو معتمد.
_________________
(١) هو: ياقوت بن عبد اللَّه الرومي الحموي، أبو عبد اللَّه، شهاب الدين، (٥٧٤ - ٦٢٦ هـ = ١١٧٨ - ١٢٢٩ م): مؤرخ ثقة، من أئمة الجغرافيين، ومن العلماء باللغة والأدب. أصله من الروم. أسر من بلاده صغيرًا، وابتاعه ببغداد تاجر اسمه عسكر بن إبراهيم الحموي، فرباه وعلمه وشغله بالأسفار في متاجره، ثم أعتقه (سنة ٥٩٦ هـ) وأبعده. فعاش من نسخ الكتب بالأجرة، وعطف عليه مولاه بعد ذلك، فأعطاه شيئًا من المال واستخدمه في تجارته فاستمر إلى أن توفي مولاه، فاستقل بعلمه. ورحل رحلة واسعة. انتهى بها إلى مرو (بخراسان) وأقام يتجر، ثم انتقل إلى =
[ ٢ / ٣٥٢ ]
[٢ - المأبون:]
ومأبون، وفسر بالذي يتكسر كالنساء، وبمن به العلة بدبره، بحيث يشتهي ذلك ولا يفعل به، كأبي جهل (١)، وكان يحك استه بالحجر؛ ولذا قيل فيه مصغرًا: سته، وبمن به داء يفعل به ذلك، والمتهم.
وفسره الشارمساحي بالضعيف العقل، وبالذي يفعل به، وهذا الأخير غير مراد؛ لفسقه، فلا يريده المؤلف؛ لما قدم من أن شرطه العدالة.
وفهم ابن عرفة أن المراد الأخير، فقال: ونقل ابن بشير كراهة إمامة المأبون لا أعرفه، وهو أرذل الفاسقين.
[٣ - الأغلق:]
وكره أغلق بالغين المعجمة وبالقاف، وهو من لم يختتن؛ لنقص سنة (٢)
_________________
(١) = خوارزم، وبينما هو فيها خرج التتر (سنة ٦١٦) فانهزم بنفسه، تاركًا ما يملك، ونزل بالموصل وقد أعوزه القوت، ثم رحل إلى حلب وأقام في خان بظاهرها إلى أن توفي. أما نسبته فأرجح أنها انتقلت إليه من مولاه عسكر الحموي. من كتبه "معجم البلدان" و"إرشاد الأريب" ويعرف بمعجم الأدباء. ينظر: الأعلام (٨/ ١٣١).
(٢) هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، (٠٠٠ - ٢ هـ = ٠٠٠ - ٦٢٤ م): أشد الناس عداوة للنبي -ﷺ- في صدر الإسلام، وأحد سادات قريش وأبطالها ودهاتها في الجاهلية. قال صاحب عيون الأخبار: سودت قريش أبا جهل ولم يطر شاربه فأدخلته دار الندوة مع الكهول. أدرك الإسلام، وكان يقال له: "أبو الحكم" فدعاه المسلمون "أبا جهل". سأله الأخنس بن شريق الثقفي، وكانا قد استمعا شيئًا من القرآن: ما رأيك يا أبا الحكم في ما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه .. واللَّه لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه! . واستمر على عناده، يثير الناس على محمد رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه، لا يفتر عن الكيد لهم والعمل على إيذائهم، حتى كانت وقعة بدر الكبرى، فشهدها مع المشركين، فكان من قتلاها. ينظر: الأعلام (٥/ ٨٧).
(٣) ويفهم من ذلك كراهة إمامة كل من ترك سنة من سنن الفطرة، كإمامة حليق اللحية ومعفي الشوارب، ونحو ذلك.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
الختان، وسواء تركه لعذر أو لا، وهو كذلك، نص عليه ابن هارون.
[٤ - ولد الزنا:]
وكره ترتب ولد زنا، وإن لم يكن له في نقصه مدخل.
[٥ - المجهول:]
وترتب مجهول حال في عدالة أو فسق.
[٦ - العبد:]
وترتب عبد بفرض -أي: فيه- راجع للمسائل الست، وأولها الخصي، لا للعبد خاصة؛ لأن الإمامة رتبة شريفة، لا ينبغي أن تكون إلا لمن لا يطعن عليه، وهؤلاء تسرع الألسنة إليهم، وربما تعدى الطعن لمن يأتم بهم.
[ما يكره للصلاة:]
[١ - بين الأساطين:]
وكرهت صلاة بين الأساطين، أي: الأعمدة وغيرها بلا ضرورة، ولا كراهة مع الضرورة، كضيق المسجد، وهذا المفهوم هو منطوق المدونة ومفهومها، ذكره اللخمي.
ولما كانت مفاهيمها عند الشيوخ كالمنطوق جعل المصنف المنطوق مفهومًا، وعكسه.
وهل الكراهة لأنها موضع النعال، فلا تخلو من نجاسة، أو لتقطيع الصفوف، أو لأنها مأوى الشياطين، فلا يأمن المصلي عنهم، خلاف.
[٢ - أمام الإمام:]
ثم عطف على المكروه، فقال: أو أمام بفتح الهمزة -أي: قدام- الإمام بلا ضرورة، قال في الذخيرة عن الإمام: وهي تامة.
وظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق بين تقديم بعضهم أو كلهم،
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وحكى الشارح في الصغير عن بعضهم: إجماع العلماء على أن الجماعة لا يجوز أن يكون إمامها خلفها. انتهى.
والبعض هو ابن عبد البر في كافيه، وعدم الجواز صادق بالكراهة، ومفهوم كلام المصنف: جواز تقدمه للضرورة.
[اقتداء الأسفل بالأعلى:]
وكره اقتداء من بأسفل السفينة بمن أعلاها؛ لعدم تمكنهم من مراعاة الإمام، وقد تدور فتحيل عليهم أمر صلاتهم، وفهم منه جواز العكس، وهو كذلك، صرح به في المدونة.
[البعد عن الإمام:]
كأبي قبيس وقيقهان جبلان أولهما مشرف على المسجد الحرام من الجهة الشرقية، وثانيهما من الجهة الغربية، يكره أن يقتدي من هو على أحدهما بإمام المسجد الحرام؛ لقول مالك: لا يعجبني.
وعلل ابن يونس الكراهة ببعده عن الإمام، فلا يستطيع مراعاة فعله في الصلاة.
عبد الحق: إن فعل فصلاته تامة، وإن كان يعلو الكعبة؛ لأنه من الأرض للسماء. انتهى.
[بين النساء:]
وكره صلاة رجل بين نساء، وبالعكس: صلاة امرأة بين رجال، مالك: ولا تفسد على الرجال صلاتهم، ولا على نفسها.
ونبه به على خلاف أبي حنيفة؛ فإنها تفسد صلاة واحد عن يمينها وآخر عن يسارها ومن خلفها ممن يقابلها إلى آخر الصفوف، وعلى نفسها إن نوى الإمام دخولها في إمامته، وعلى الإمام.
وظاهر كلام المصنف: صلى كل داخل صف الآخر أو بين صفوفه.
وظاهره أيضًا كابن الحاجب: ضاق المسجد أو لا، وقول المدونة في
[ ٢ / ٣٥٥ ]
المسألتين إجزاؤهم لا ينافي الكراهة.
[بلا رداء:]
وكره إمامة بمسجد بلا رداء؛ لخروجة عن هيئة الوقار، ولا يكره ذلك لمأموم، وإن استحب له ذلك، ولا يكره تركه لإمام في غير مسجد.
[تنفل الإمام بالمحراب:]
وكره لإمام تنفله بمحرابه -أي: المسجد- فلا يكره تنفله بموضع صلاته في غيره، ويحتمل أن يريد بمحرابه موضع مصلاه، وهل الكراهة خوف التلبيس على من يظن أنه في فرض الوقت، فيقتدي به، أو دخول الرياء عليه، أو إنما [لا] يستحق ذلك المكان إلا وقت الإمامة، لا قبلها، ولا بعدها، أقوال.
[إعادة الجماعة:]
وكره إعادة جماعة بعد الإمام الراتب؛ لا غيره، وسواء صلى الإمام الراتب وحده أو مع جماعة، فلو لم تكن لتلك الصلاة فيه إمام راتب ولغيرها راتب لم يكره الجمع لها مرتين، كمن لا راتب لها، وهو كذلك، ولو قال موضع (إعادة): (إقامة) لكان أحسن، لكنه لاحظ أنها إعادة بالنسبة لفعل غيرهم.
وفهم من قوله: (جماعة) أن الواحد لا يكره له أن يصلي وحده بعد الراتب ولا قبله، وهو كذلك.
اللخمي: ما لم يعلم تعمده مخالفة الإمام بتقديم أو تأخير فيمتنع، ثم بالغ على عدم الجمع ثانيًا بقوله: وإن أذن الإمام الراتب لهم في الجمع بعده؛ لما فيه من إذايته.
تنبيه:
قال سند: من أذن لشخص أن يؤذيه لم يجز له ذلك.
وظاهر كلام المصنف: كراهة الجمع ثانيًا في كل مسجد، أو ما يقوم
[ ٢ / ٣٥٦ ]
مقامه كالسفينة والمكان الذي جرت العادة بالجمع فيه، وإن لم يكن مسجدًا، نص على ذلك في السفينة في رسم الصلاة الثاني من العتبية، وعلى المكان الذي جرت العادة بالجمع فيه صاحب الطراز.
وظاهر كلام المصنف: الكراهة، ولو أذن السلطان في ذلك، وقد وقع أذنه في ذلك في المسجد الحرام المكي، فاختلف فتاوي الناس فيه بالمنع والجواز، وألف بعضهم في ذلك تأليفًا، وشنع فيه على من أفتى بالجواز.
[الراتب يجمع ثانيًا:]
وله -أي: للراتب- الجمع ثانيًا، إن جمع غيره قبله بغير إذنه؛ لأن الحق في ذلك له، ولو كان من جمع قبله له عادة بالنيابة عند غيبته؛ إذ لا حق للمتعدي، فإن أذن له فليس له الجمع بعده.
[محل الجمع له:]
ومحل جمع الراتب ثانيًا إن لم يؤخر كثيرًا عن وقت الجمع المعتاد، فإن آخر عنه وجمعوا لم يكن له ذلك.
[حكم جمع غيره بعده:]
وإذا اجتمع بالمسجد جماعة بعد جمع الراتب خرجوا وجمعوا بغيره مع إمامه الراتب، أو بمسجد لا راتب له، أو بغير مسجد لا يصلون به أفذاذًا؛ لفوات فضل الجماعة.
[حكم الجمع ثانيًا في المساجد الثلاثة:]
إلا أن يجتمعوا بعد الراتب بأحد المساجد الثلاثة: مكة والمدينة والأقصى، فيصلون بها أفذاذًا لفضلها مع الانفراد على غيرها جماعة، إن دخلوها.
مفهومه: إن لم يدخلوها لم يؤمروا بدخولها، ويصلون جماعة بغيرها.
[قتل كبرغوث:]
ثم استطرد فذكر في مكروهات الصلاة مسألة ليست منها، فقال: وكره
[ ٢ / ٣٥٧ ]
قتل كبرغوث وقملة وبق وذباب ونحوه بمسجد؛ للخلاف في نجاساتها.
تنبيهان:
الأول: قال ابن ناجي في شرحه للمدونة: الكراهة متفاوتة؛ فهي في القملة أشد.
الثاني: إتيان المصنف بالكاف يحتمل الواحد والاثنين، وما قل دون ما كثر، فقد روي عن مالك: أكره قتل ما كثر من القمل في المسجد وأستخف ما قل من ذلك.
ويحتمل أن يريد الجنس، ومفهوم (مسجد) جواز قتلها خارجه، وإذا قتلها فليحسن قتلها؛ لقول مالك إلقاؤها في النار أو في الماء مثله، والماء أخف، إن كان لضرورة.
وفيها -أي: المدونة- يجوز طرحها خارجه، ظاهره: جميع ما أدخلته الكاف؛ لاستواء الحكم في الكل، والذي في المدونة جواز طرح القملة حية خارجه.
واستشكل ذلك؛ لأنه من التعذيب، وفهم من كلامه: أنه لا يلقيها فيه حية، وإن كان في غير صلاة.
[ما يجوز في الصلاة:]
ثم ذكر أمورًا جائزة:
[الاقتداء بالأعمى:]
فقال: وجاز اقتداء بأعمى في الصلاة؛ لأنه -ﷺ- استناب ابن أم مكتوم بضعة عشرة مرة يؤم الناس حين خروجه في غزواته (١).
_________________
(١) وذلك في: [١] غزوة ذي قرد، [٢] غزوة بني لحيان، [٣] غزوة بني قريظة، [٤] غزوة الخندق، [٥] غزوة بني النضير، [٦] خروجه -ﷺ- في إثر عدو ليرهبه، [٧] غزوة أحد، [٨] غزوة ذي أمر، [٩] غزوة بني سليم بالكدر، [١٠] غزوة بدر، [١١] وفي فتح مكة، واللَّه تعالى أعلم.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
تنبيه:
ما ذكره صاحب الإرشاد من كراهة إمامته قال المصنف: لا أعلم له موافقًا. انتهى.
وذكرنا في شرح الإرشاد أنه يحتمل أنه أراد بالكراهة خلاف الأولى (١)، فقد ذكر ابن ناجي في شرحه للمدونة في باب الأذان: هل إمامة البصير أفضل لتوقيه النجاسة لرؤيته، أو عكسه، أو هما سواء، ثلاثة أقوال، ذكرها ابن بشير، وهو فرع غريب، قل من يحفظه.
وقول خليل: (قدم أصحابنا البصير على الأعمى) وهمٌ.
[الاقتداء بالمخالف في الفروع:]
وجاز اقتداء مخالف في الفروع الظنية، كـ: المالكي بحنفي أو شافعي أو حنبلي (٢).
_________________
(١) قلت: لعل مراد صاحب الإرشاد من القول بالكراهة أنه -ﷺ- لم يستخلف أحدًا وراءه بالمدينة إلا في غزواته، وقد كان من يتخلف عنها معدودا من زمرة المنافقين، إذا لم يكن من أهل الأعذار، فكان -ﷺ- يستخلف ابن أم مكتوم لعدم من هو أولى منه، ويشهد بذلك أنه استخلف عليًا -﵁- لما تخلف في بعض غزواته -ﷺ-، واللَّه -تعالى- أعلم.
(٢) قال الأجهوري: " (و) جاز اقتداء (بمخالف في الفروع) الظنية كالمالكي بحنفي أو شافعي أو حنبلي، وحكى المازري إجماع حذاق الأصوليين على ذلك؛ لأنه إن كان كل مجتهدًا مصبيًا فواضح وإن كان أحدهم فكذلك لعدم التحقق ونوزع في دعواه الإجماع ومقتضي التعليل صحة الاقتداء به ولو رآه يأتي بمناف، وهو نحو قول ابن ناجي يقوم عندي من قولها: إن صلاة المالكي خلف الشافعي جائزة ولو رآه يفعل ما يخالف مذهب المقتدي، وهو خلاف ما كان شيخنا حفظه اللَّه تعالى ينقله عن عز الدين بن عبد السلام ويفتي به من أنه إنما هو حيث لا يراه وإلا فلا. انتهى. ومثل ما عند ابن ناجي للقراء في الفروق ومثل ما عند شيخه له في الذخيرة ولسند في طرازه وتحقيق ذلك أنه متى تحقق فعله للشرائط جاز الاقتداء به وإن كان لا يعتقد وجوبها، كما لو مسح الشافعي جميع رأسه ولا يضر اعتقاد سنيته بخلاف ما لو أم في الفريضة بنية النافلة أو مسح رجليه. انتهى. وذكر العوفي طاء بطاء من عند نفسه وهو إن ما =
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وأطلق المؤلف الجواز ولم يعتبر تقييد من قيده بأن لا يراه يفعل ما يخالف؛ لأنّا إن قلنا: كل مجتهد مصيب (١)، فلا إشكال، أو: المصيب واحد فمجزئة؛ لعدم تحققه.
_________________
(١) = كان شرطًا في صحة الصلاة لا تضر المخالفة فيه وما كان شرطًا في صحة الإتمام فإن المخالفة فيه تضر فالأول يأتم مالكي بمن لا يتدلك والثاني كان يأتم مفترض بمتنفل أو بمعيد الصلاة. قلت: وهذا الأخير يتعين المصير إليه ولا ينبغي أن يجعل مقابلًا للمذهب وقال الفيشي رحمه اللَّه تعالى في شرح قول العزية: وتصح الصلاة خلف المخالف في الفروع الظنية كالمالكي خلف الشافعي، أي: وغيره فقد نقل المازري الإجماع على صحة الاقتداء بالمخالف في الفروع الظنية وظاهره مطلقًا، أي: رآه بمناف لمذهبه أو لا وقال سند: لا تصح إذا رآه يأتي بمناف، أي: مبطل وجمهور المتأخرين على أنه خلاف المشهور واختار الشيخ (صر) أن كلام سند تقييد لإطلاق أهل المذهب".
(٢) قال في مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٩، وما بعدها)، وقد سئل: هل كل مجتهد مصيب؟ أو المصيب واحد والباقي مخطئون؟ فأجاب: "قد بسط الكلام في هذه المسألة في غير موضع وذكر نزاع الناس فيها وذكر أن لفظ الخطأ قد يراد به الإثم؛ وقد يراد به عدم العلم. فإن أريد الأول فكل مجتهد اتقى اللَّه ما استطاع فهو مصيب؛ فإنه مطيع للَّه ليس بآثم ولا مذموم. وإن أريد الثاني فقد يخص بعض المجتهدين بعلم خفي على غيره؛ ويكون ذلك علمًا بحقيقة الأمر لو اطلع عليه الآخر لوجب عليه اتباعه؛ لكن سقط عنه وجوب اتباعه لعجزه عنه وله أجر على اجتهاده ولكن الواصل إلى الصواب له أجران كما قال النبي -ﷺ- في الحديث المتفق على صحته: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر". ولفظ "الخطأ" يستعمل في العمد وفي غير العمد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ والأكثرون يقرؤون (خطئًا) على وزن ردءًا وعلمًا. وقرأ ابن عامر (خطأ) على وزن عملًا كلفظ الخطأ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. وقرأ ابن كثير: (خطاء) على وزن هجاء. وقرأ ابن رزين: (خطاء) على وزن شرابًا. وقرأ الحسن وقتادة: (خطأ) على وزن قتلًا. وقرأ الزهري (خطا) بلا همز على وزن عدى. قال الأخفش: خطأ يخطأ بمعنى: أذنب وليس معنى أخطأ؛ لأن أخطأ في ما لم يصنعه عمدًا يقول فيما أتيته عمدًا: خطيت؛ وفيما لم يتعمده: أخطأت. وكذلك قال أبو بكر ابن الأنباري الخطأ: الإثم يقال: قد خطأ يخطأ إذا أثم وأخطأ يخطىء إذا فارق الصواب. وكذلك قال ابن الأنباري في قوله: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ فإن المفسرين كابن عباس وغيره قالوا: لمذنبين آثمين في أمرك وهو كما قالوا فإنهم قالوا: ﴿يَاأَبَانَا=
[ ٢ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ وكذلك قال العزيز لامرأته: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾، قال ابن الأنباري: ولهذا اختير خاطئين على مخطئين وإن كان أخطأ على ألسن الناس أكثر من خطا يخطي؛ لأن معنى خطا يخطي فهو خاطئ: آثم ومعنى أخطأ يخطىء: ترك الصواب ولم يأثم. قال: عبادك يخطئون وأنت رب تكفل المنايا والحتوم وقال الفراء: الخطأ: الإثم الخطأ والخطا والخطاء ممدود. ثلاث اللغات. قلت: يقال في العمد: خطأ كما يقال في غير العمد على قراءة ابن عامر فيقال لغير المتعمد: أخطأت كما يقال له: خطيت ولفظ الخطيئة من هذا. ومنه قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ وقول السحرة: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾. ومنه قوله في الحديث الصحيح الإلهي: "يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم" وفي الصحيحين عن أبي موسى؛ عن النبي -ﷺ- أنه كان يقول في دعائه: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللَّهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي". وفي الصحيحين: عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: "أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول قال: أقول: اللَّهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللَّهم نقني من خطاياي كما ينفى الثوب الأبيض من الدنس، اللَّهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد". والذين قالوا: كل مجتهد مصيب والمجتهد لا يكون على خطأ وكرهوا أن يقال للمجتهد: إنه أخطأ هم وكثير من العامة يكره أن يقال عن إمام كبير: إنه أخطأ وقوله: أخطأ لأن هذا اللفظ يستعمل في الذنب كقراءة ابن عامر: ﴿إنه كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ ولأنه يقال في العامد: أخطأ يخطىء كما قال: "يا عبادي انكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم" فصار لفظ الخطأ وأخطأ قد يتناول النوعين كما يخص غير العامل، وأما لفظ الخطيئة فلا يستعمل إلا في الإثم. والمشهور أن لفظ الخطأ يفارق العمد كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الآية ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. وقد بين الفقهاء أن الخطأ ينقسم إلى خطأ في الفعل؛ وإلى خطأ في القصد. فالأول: أن يقصد الرمي إلى ما يجوز رميه من صيد وهدف، فيخطئ بها، وهذا فيه الكفارة والدية. والثاني: أن يخطئ في قصده لعدم العلم؛ كما أخطأ هناك لضعف القوة وهو أن يرمى من يعتقده مباح الدم ويكون معصوم الدم كمن قتل رجلًا في صفوف الكفار ثم تبين أنه كان مسلمًا والخطأ في العلم هو من هذا النوع؛ ولهذا قيل في أحد القولين: إنه =
[ ٢ / ٣٦١ ]
[الاقتداء بالألكن:]
وجاز اقتداء سالم من اللكنة بإمام ألكن، وهو الذي لا يستطيع إخراج بعض الحروف من مخارجها أصلًا، أو يخرجها مغيرة، وهو جنس تحته أنواع، ذكرناها في الكبير.
[بمحدود:]
وجاز اقتداء بإمام محدود تاب وحسنت توبته، قال ابن الجلاب: وكره ابن القاسم ترتبه.
_________________
(١) = لا دية فيه لأنه مأمور به بخلاف الأول. وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ففرق بين النوعين وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وقد ثبت في الصحيح أن اللَّه تعالى قال: "قد فعلت". فلفظ الخطأ وأخطأ عند الإطلاق يتناول غير العامد وإذا ذكر مع النسيان أو ذكر في مقابلة العامد كان نصًا فيه وقد يراد به مع القرينة العمد أو العمد والخطأ جميعًا كما في قراءة ابن عامر؛ وفي الحديث الإلهي -إن كان لفظه كما يرويه عامة المحدثين- "تخطئون" بالضم. وأما اسم الخاطئ فلم يجئ في القرآن إلا للإثم بمعنى الخطيئة كقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ وقوله: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ وقوله: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ وقوله: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾. وإذا تبين هذا فكل مجتهد مصيب غير خاطئ وغير مخطئ أيضًا إذا أريد بالخطأ الإثم على قراءة ابن عامر ولا يكون من مجتهد خطأ وهذا هو الذي أراده من قال: كل مجتهد مصيب وقالوا: الخطأ والإثم متلازمان فعندهم لفظ الخطأ كلفظ الخطيئة على قراءة ابن عامر وهم يسلمون أنه يخفى عليه بعض العلم الذي عجز عنه لكن لا يسمونه خطأ؛ لأنه لم يؤمر به وقد يسمونه خطأ إضافيًا بمعنى: أنه أخطأ شيئًا لو علمه لكان عليه أن يتبعه وكان هو حكم اللَّه في حقه؛ ولكن الصحابة والأئمة الأربعة -﵃- وجمهور السلف يطلقون لفظ الخطأ على غير العمد؛ وإن لم يكن إثمًا كما نطق بذلك القرآن والسنة في غير موضع كما قال النبي -ﷺ- في الحديث الصحيح: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر". وقال غير واحد من الصحابة كابن مسعود: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابًا فمن اللَّه وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان؛ واللَّه ورسوله بريئان منه. وقال علي في قصة التي أرسل إليها عمر فأسقطت -لما قال له عثمان وعبد الرحمن -﵄- أنت مؤدب ولا شيء عليك- إن كانا اجتهدا فقد أخطآ وإن لم يكونا اجتهدا فقد غشاك. . .".
[ ٢ / ٣٦٢ ]
[بعنين:]
وعنين وفسره بتفسيرين: بالمعترض بصفة المتمكن، وذي ذكر صغير لا يتأتى به الجماع، وذكره لئلا يتوهم نقصه بالنسبة للفرج، ففارق الخنثى.
[بمجذم:]
ومجذم، إلا أن يشتد به ذلك، ويتضرر به من خلفه، فلينح، أي: يصرف؛ لكراهة النفوس ذلك طبعًا، فإن أبي جُبِرَ، نص عليه ابن رشد في أسئلته.
وينبغي أن يلحق به الأبرص.
[صبي بصبي:]
وجاز اقتداء صبي بمثله، وعلم من هذا أن ما تقدم من عدم الجواز هو إمامته للرجال.
[مسألة:]
وجاز عدم إلصاق من على يمين الإمام أو من على يساره بمن حذوه، ظاهره: ابتداء، أو بعد الوقوع، وحمله ابن رشد على أنه بعد الوقوع، ويكره ابتداء.
فائدة:
قال في القاموس: اليسار -بالفتح والكسر، وهو: أفصح، وتشدد الأولى- نقيض اليمنى، ووهم الجوهري، فمنع الكسر. انتهى.
العزيزي (١): ليس في كلام العرب ياء مكسورة إلا قولهم: يسار لليد (٢).
_________________
(١) هو: محمد بن عزيز السجستاني، أبو بكر العزيزي، (٠٠٠ - ٣٣٠ هـ = ٠٠٠ - ٩٤١ م): مفسر، اشتهر بكتابه (غريب القرآن - ط) على حروف المعجم، صنفه في ١٥ سنة، وكان مقيمًا ببغداد. وقيل: اسم أبيه (عزير) بالراء. ينظر: الأعلام (٦/ ٢٦٨).
(٢) قلت: يعني ليس في كلام العرب اسم أوله ياء مكسورة، قال ابن جني في المنصف =
[ ٢ / ٣٦٣ ]
[صلاة منفرد خلف الصف:]
وجازت صلاة منفرد خلف صف سواء عسر عليه الإتيان للصف أو لا، ويحصل له فضل الجماعة، ولا يجذب من صلى خلف صف أحدًا من الصف، أي: لا يحوله عن موضعه لإيقاع الخلل فيه بسبب ذلك، وهو خطأ منهما، إن طاوعه المجذوب، ونحوه لابن الحاجب كالمدونة، ولم يذكروا عين الحكم: هل الكراهة أو المنع؟ وروى ابن وهب البطلان.
ويقال: جذب بالمعجمة، مقدمة على الباء، ومؤخرة عنها، لغتان، قال في القاموس: وليس بمقلوب، ووهم الجوهري.
[الإسراع للصلاة:]
وجاز إسراع في المشي لها؛ خوف الفوات، بحيث لا تزول السكينة بلا خبب، أي: هرولة؛ إذ بحصولها تزول السكينة، فلم يستو طرفا الجواز، بل يكره.
_________________
(١) = (١/ ١١٧): "وليس في كلام العرب اسم في أوّله ياء مكسورة إلا قولهم في اليد اليسرى: يِسار بكسر الياء والأفصح يَسار بفتحها. وقالوا أيضًا في جمع يقظان: يِقاظ وفي جمع يَعْرٍ وهو الجدي: يِعَرَة وفي جمع يابس: يِباس. وإنَّما تنكبوا ذلكَ عندي استثقالًا للكسرة في الياء، وليست كالواو التى إذا انضمَّت هُمِزَتْ هربًا من الضَّمَّة فيها. فلمَّا لم يكن فيها القلب لم يستجيزوا كسرها أولًا". وعلى الرغم من ذلك فما ذكر العزيزي ينبغي تقييده بلغة أهل الحجاز ومن وافقهم، لا كما يوهمه كلامه من أن ما ذكر هو للعرب عامة؛ إذ بنو تميم يكسرون ياء المضارعة، قال الجوهري عن مضارع (وجل): "في المستقبل منه أربع لغات: يَوْجَل، ويَاجَل، ويَيْجَل، ويِيجَل، بكسر الياء. قال: وكذلك فيما أشبهه من باب المثال إذا كان لازمًا، فمن قال: ياجَل جعل الواو ألفًا لفتحه ما قبلها". وبعض القبائل قد تكسر الياء في أول المضارع، كما في الدارجة الآن، قال ابن جنِّي في المحتسب: (١/ ٣٣٠): "وتَقِلُّ الكسرة في الياء نحو: (يِعلم)، و(يِركب)؛ استثقالًا للكسرة في الياء. .". وقال أبو حيان في ارتشاف الضرب (١/ ٨٨): "وغيرهم من العرب [أي: الحجازيين] قيس وتميم وربيعة ومن جاورهم تكسر إلا في الياء فتفتح، إلا بعض كلب فتكسر فيها وفي غيرها من الثَّلاثة".
[ ٢ / ٣٦٤ ]
[قتل كعقرب:]
وجاز لمصل وغيره قتل عقرب أو فأر بمسجد؛ لإذايتهما، وتعميمه يشمل المسجد الحرام، وهو كذلك.
تنبيه:
ليس هذا مكررًا مع قوله في السهو: (وقتل عقرب تريده)؛ لأنه ذكره هناك فيما لا سجود فيه.
[إحضار الصبيان للمساجد:]
وجاز إحضار صبي به، أي: بالمسجد، وجعل البساطي ضمير (به) للمصلي، فالباء بمعنى (مع)، وهو بعيد.
[شرط الصبي المحضَر:]
ثم وصف الصبي بكونه:
[١] لا يعبث.
[٢] وإن عبث يَكُف إذا نهي عنه، أي: شأنه استماع ما يؤمر به، وترك ما نهي عنه، لا أن المقصود أن يعبث فينهى؛ لأن المقصود تنزيه المسجد عن لعب الصبيان، قاله التجاني.
فلو كان يعبث، وإذا كف لا ينتهي، حرم؛ لأذيته للمسجد والمصلين.
تنكيت:
جملة (يعبث) صفة للصبي، لا حال، كما قال الشارح؛ لأنه نكرة (١).
_________________
(١) ما قاله التتائي صحيح؛ ولكن اعلم أن قولهم: (الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال) ليس على إطلاقه، فالنكرة إذا قاربت من المعرفة جاز في إعراب الجملة بعدها حالًا أو نعتًا، وذلك مثل قولك: (مررت برجل كريم يهدي الأطفال ألعابًا)، والمعرفة إذا أفادت الجنس أعربت الجملة بعدها نعتًا.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
[البصق بالمسجد:]
وجاز بصق به، أي: فيه، إن حصب، أي: فرش بالحصب، أو تحت حصيره، إن فرش بالحصر.
قال المصنف: المرة بعد المرة والمرتين، لا أكثر؛ لتأديته لتقطيع حصيره واستقذاره لاستجلاب الدواب.
وفهم من قوله: (تحت حصيره) أنه لا يبصق فيها ويدلك، وهو نص مالك في المدونة، وسيذكر المؤلف في أحياء الموات أنه يكره أن يبصق بأرضه ويحكه.
ثم تحت قدمه، ثم يمينه، ثم أمامه، بنصبهما عطفًا على (تحت)، أو بنزع الخافض (١).
وفي المدونة: (أو عن شماله) قبل تحت قدمه.
[خروج المتجالة للاجتماعات:]
وجاز خروج متجالة، أي: مسنة، وهي: التي لا أرب للرجال فيها غالبًا، لعيد فطر أو أضحى واستسقاء؛ لتشهد دعوة المسلمين وسنتهم، وللفرض أولى.
[خروج الشابة:]
وجاز خروج شابة، بشروط ذكرها في توضيحه، وتركها هنا، وهي:
- عدم البخور، وما في معناه من الطيب والزينة؛ لخبر: "أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء" (٢).
_________________
(١) أي: بنزع الموجب للخفض، سواء كان حرفًا أم اسمًا، وبذا تعلم عدم دقة من يقول بنزع حرف الخفض، إذا لم يكن المحل له، تمشيًا مع الخطأ الشائع بالأذهان من أن الخفض لحروف الخفض، ونسيان أن الخفض قد يكون للأسماء بالإضافة.
(٢) أخرجه أحمد: (٢/ ٣٠٤، رقم ٨٠٢٢)، ومسلم (١/ ٣٢٨، رقم ٤٤٤)، وأبو داود (٤/ ٧٩، رقم ٤١٧٥)، والنسائي (٨/ ١٩٥، رقم ٥٢٦٣)، وأبو عوانة (١/ ٣٦٠، رقم ١٣٠٠)، والبيهقي (٣/ ١٣٣، رقم ٥١٥٧).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
- أن لا تزاحم الرجال.
- وأن تخرج في خشن ثيابها.
- وأن لا تتحلى بحلي يظهر أثره.
- زاد بعضهم: وأن يكون ذلك ليلًا. انتهى.
- وأن لا تكون مشهورة بالجمال.
وقوله: (لمسجد) ظاهره: للفرض وغيره، وفي البيان: كراهة كثرة خروجها للمسجد، فتؤمر أن لا تخرج إلا لما فرض بإذن زوجها وجنازة أهلها وقرابتها.
ولا يقضى على زوجها به، أي: بالخروج إن طلبته، وقول المدونة: (لا يمنع النساء من المساجد) (١) فسره ابن بزيزة بغير قضاء.
_________________
(١) هذا معنى حديث لفظه: "لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه"، رواه من حديث أبي هريرة أحمد (٢/ ٤٣٨، رقم ٩٦٤٣)، وأبو داود (١/ ١٥٥، رقم ٥٦٥)، والبيهقي (٣/ ١٣٤، رقم ٥١٦٠)، وابن خزيمة (٣/ ٩٥، رقم ١٦٧٩). وأخرجه أيضًا: الشافعي (١/ ١٧١)، والدارمي (١/ ٣٣٠، رقم ١٢٧٩)، وابن الجارود (١/ ٩١، رقم ٣٣٢). ومن حديث زيد بن خالد: أحمد (٥/ ١٩٢، رقم ٢١٧١٨)، وابن حبان (٥/ ٥٨٩، رقم ٢٢١١)، والطبراني (٥/ ٢٤٨، رقم ٥٢٣٩). ومن حديث ابن عمر: مالك بلاغًا (١/ ١٩٧، رقم ٤٦٥)، وأحمد (٢/ ١٦، رقم ٤٦٥٥)، والبخاري (١/ ٣٠٥، رقم ٨٥٨)، ومسلم (١/ ٣٢٧، رقم ٤٤٢)، وابن حبان (٥/ ٥٨٧، رقم ٢٢٠٩). ومن حديث عمر: أبو يعلى (١/ ١٤٣، رقم ١٥٤). قال الهيثمي (٢/ ٣٣): رجاله رجال الصحيح. ولابن عمر رأي سيئ فيمن يبلغه الحديث ويخالفه، ولعله مع اعتبار الشروط السابقة، إذ جاء في مسلم من مسنده مرفوعًا: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها". فقال بلال بن عبد اللَّه: واللَّه لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد اللَّه فسبه سبًا سيئًا ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول اللَّه -ﷺ- وتقول: واللَّه، لنمنعهن. وإنما قلنا وفق الشروط السابقة لما قالت أم المؤمنين عائشة كما عند مالك (١/ ١٩٨، =
[ ٢ / ٣٦٧ ]
ابن رشد: وليس بخلاف لما فيها.
وتلخص من كلام المؤلف: أن النساء ثلاثة:
- متجالة.
- وشابة.
-وغيرهما.
وعلم حكم القسم الثالث من حكم الثاني من باب أولى، وزاد ابن رشد رابعة، وهي: الشابة البادية في الشباب والنجابة.
قال: والاختيار لها أن لا تخرج أصلًا.
ولعل هذه هي التي قال البساطي: (أن لا تكون مشهورة بالجمال).
[اختلاف مكان الإمام والمأموم:]
وجاز اقتداء ذوي سفن متقاربة بإمام واحد على المشهور، سواء كان في التي في القبلة، أو لا، لكن المستحب أن يكون في التي في القبلة، وسواء كانت السفن في المرسى أو سائرة، وعلى المشهور: لو طرأ ما فرقهم فالمشهور أنهم يستخلفون، فإن اجتمعوا بعد فراغهم ولم يفرغ الإمام فلا شيء عليهم؛ لخروجهم من إمامته، وإن بقي عليهم شيء تبعوا من استخلفوه، ولم يرجعوا للإمام، بخلاف مسبوق ظن فراغ إمامه فقام للقضاء، ثم تبين له خلافه، فإنه يرجع، ولا يعتد بما فعل.
وفرق بأن تفرقة السفن ضرورة، ولذلك لا يرجعون له إذا استخلفوا، أو لم يفعلوا شيئًا لعدم أمن التفرق أيضًا.
_________________
(١) = رقم ٤٦٨): "لو أدرك رسول اللَّه -ﷺ- ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعه نساء بني إسرائيل". قال يحيى بن سعيد: فقلت لعمرة: أو منع نساء بني إسرائيل المساجد. قالت: نعم.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وإن لم يفعلوا شيئًا بعد التفرق، ولا استخلفوا، رجعوا لإمامهم، ولهم إذا تفرقوا أن يصلوا أفذاذًا.
[وجود فاصل بينهما:]
وجاز فصل مأموم عن إمامه بنهر صغير أو طريق، بحيث يسمعونه، أو يرون أفعاله.
ومفهوم (صغير): المنع في الكبير.
ابن عبد السلام: وأقل مراتبه الكراهة، وأظن أني رأيت البطلان مع البعد الكثير. انتهى، ولم يحد الكثير.
[علو المأموم:]
وجاز علو مأموم على إمامه، وبالغ بقوله: ولو بسطح عند ابن القاسم، وأشار بـ (لو) لقول صاحب الإشراق: تبطل صلاة المأموم؛ لعدم ضبط أحوال الإمام.
قال: وينتقض بمن كان إمامه عن يمينه أو يساره.
تنكيت:
وبما ذكرناه يندفع تورك البساطي عليه بقوله: (كلامه يقضي: أن من أجاز علو المأموم على الإمام اختلفوا في السطح، ولم أر ما يساعده)، لكنه إنما نفى رؤيته.
[علو الإمام:]
لا عكسه، فلا يجوز علو الإمام على مأمومه (١)؛ لخبر: "لا يصلي
_________________
(١) انظر قوله هذا مع قول المصنف: "واقتداء من بأسفل السفينة بمن بأعلاها"، ثم وجدت الأجهوري قد قال: "وكره (اقتداء من بأسفل السفينة بمن أعلاها) ولا يقال هذا يعارض ما يأتي من أن علو الإمام لا يجوز لأن العلو في السفينة ليس بمحل كبر وأيضًا فعلوا الإمام إنما يمتنع حيث لا ضرورة وإلا جاز من غير كراهة كما يأتي عند قوله وعلو مأموم (كأبي قيس)، أي: كاقتداء من على أبي قيس بإمام المسجد وإنما =
[ ٢ / ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يكره خشية أن لا يضبط فعل من يقتدي به". وقال هنا: " (وقوله) لا عكسه، أي: فيحرم هذا ظاهر وظاهر (الشر) أيضًا وقال (ح): واعلم أن الظاهر من كلام المدونة وصاحب الطراز أنه إذا لم يقصد، أي: الإمام بعلوه الكبر فليس في ذلك إلا الكراهة ولا ينافي ذلك كلام (المص) على النسخة التي بالباء والتي باللام؛ لأن قوله لا عكسه إنما يدل على أنه غير جائز وذلك أعم من أن يكون مكروهًا أو ممنوعًا والأول هو الذي يوافق قوله في المكروهات واقتداء من بأسفل السفينة بمن بأعلاها كما تقدم وكلام ابن ناجي المذكور هناك يدل على هذا. انتهى. واعلم أن محل قول (المص) لا عكسه حيث لم يكن لتعليم أو دخل الإمام على ذلك من غير ضرورة فإن كان لتعليم أو لم يدخل على ذلك أو دخل عليه لضرورة؛ فإنه لا يحرم ثم إن صور إذا لم يدخل على ذلك أو دخل عليه لضرورة؛ فإنه لا يحرم ثم أن صور إذا لم يدخل على ذلك أو دخل عليه لضرورة أرع إحداها من يصل منفردًا بمكان عال ثم يصلي شخص خلفه من غير أن يدخل على ذلك وهذه الصورة ذكر (غ) أنها جائزة. الثانية: أن يصلي الإمام مع جماعة في محل ثم يأتي شخص أو أكثر فيصلي خلفهم في مكان أسفل من غير ضرورة ضيق ونحوه، وهذه جائزة أيضًا كما يستفاد من تعليل الأولى. الثالثة: أن يصلي مع الإمام جماعة في محل ثم يأتي جماعة أخرى فتصلي خلفه أسفل منه لضيق ونحوه، وهذه جائزة أيضًا. الرابعة: أن يضيق المحل الأعلى أو الأسفل عن الجماعة ابتداءً فيصلي بعضهم فوق وبعض أسفل فهذه جائزة أيضًا وظاهر النقل أنه لا يراعى في هذه كون من يصلي معه كغيره وينبغي أن يجري في هذه ما يأتي في قوله: وهل يجوز إن كان مع الإمام إلخ. وقد علمت أن محل منع على العلو لغير ضرورة حيث لم يقصد التعليم فإن قصده جاز العلو أيضًا. قال (غ) في قوله: لا عكسه ما نصه، أي: فلا يجوز يريد إلا لتعليم كصلاته -ﷺ- وعلى المنبر قاله عياض وقبله ابن عرفة وفي البخاري إن أحمد بن حنبل احتج به على الجواز مطلقًا. انتهى. ثم قال (غ) قال أبو إسحاق: إنما تجب الإعادة على الإمام والمأمومين إذا فعل ذلك، أي: العلو على وجه التكبر، وأما لو ابتدأ يصلي لنفسه على دكان فجاء رجل فصلى أسفل منه لجازت صلاتهما لأن الإمام هنا لم يقصد الكبر وكذا إذا فعلوا ذلك للضيق. انتهى. ونحوه للخمي والذي ابتدأ الصلاة وحده وكذا حكي ابن يونس في الضيق عن =
[ ٢ / ٣٧٠ ]
الإمام على أشرف مما عليه أصحابه" (١).
[حكم صلاة المرتفع:]
ولما أخرجها من الجائزات، أتبعها ببيان حكمها، معترضًا به بين الجائزات، فقال: وبطلت بقصد إمام ومأموم به -أي: بالارتفاع- الكبر؛ لتحريمه إجماعًا، ومنافاته للصلاة.
والباء في (بقصد) للسببية، وللشارح في الصغير بكاف التشبيه، بدل الباء، قال: وهو لإفادة حكم البطلان. انتهى، وعلى هذا فهي باطلة في قوله: (لا عكسه)، دون التقرير الثاني.
وظاهر كلامه: البطلان، كان الموضع متسعًا أو لا، ونحوه قول المدونة: فإن فعلوا أعادوا أبدًا.
وفهم من كلامه الصحة إذا لم يقصد الكبر، وهو كذلك على أحد القولين عند المتأخرين.
[ارتفاع الإمام يسيرًا:]
ثم استثنى من قوله: (لا عكسه)، فقال: إلا أن يكون ارتفاعه عنهم
_________________
(١) = سحنون ويحيى بن عمر وأخذه فضل من قوله في المدونة: إنهم يعبثون. انتهى. ومعنى يعبثون يقصدون التكبر والجبروت على المأمومين كما ذكره (ح). وقال بعض الشراح في قوله إلا بكثير أو لقصد تعليم كصلاته -ﷺ- على المنبر قاله عياض وقبله ابن عرفة أو تدعوه ضرورة إلى ذلك من ضيق مكان ونحوه كما في المجموعة عن مالك في الإمام يصلي في السفينة وبعضهم فوق وبعضهم تحت إن لم يجدوا بدأ فلذلك جائز. انتهى. وبهذا يقيد قوله فيما سبق: (واقتداء من بأسفل السفينة بمن بأعلاها) بما إذا كان في الموضع اتساع. فإن قيل: لو لم تكن الصلاة في السفينة مع الاتساع ممنوعة أو باطلة كما في غير السفينة. فيقال: إن السفينة مظنة الضيق ويعسر انتقال المأموم إلى الإمام وانتقال إليه غالبًا".
(٢) لم أقف عليه في كتب الحديث والأصحاب.
[ ٢ / ٣٧١ ]
بكشبر، فيجوز اتفاقًا، ونحوه لأبي محمد، وكان ابن عرفة يطيل ذيل سجادة المحراب؛ ليشاركه الناس فيها. انتهى، وفيه شيء.
[إشراك الإمام المأموم بالكثير:]
وهل يجوز الارتفاع الكثير إن كان مع الإمام طائفة من الناس كغيرهم، أو يمنع، وهو ظاهر قول الكتاب: ولا يصلي الإمام على أرفع مما عليه أصحابه، إلا في اليسير، فإن فعل أعادوا أبدًا.
سند: ظاهره: المنع، كان معه جماعة أم لا.
تردد للمتأخرين.
وقال بعض مشايخي: كونه من التأويل أقرب منه للتردد.
[حكم صلاة المسمِّع:]
وجاز مسمع، أي: صلاته، وهو الرافع صوته للإعلام بما يفعل الإمام ليتبع في ذلك.
[الاقتداء به:]
وجاز اقتداء به، أي: بما يسمعه المسمع لعمل أهل الأمصار من غير نكير.
وظاهره: أنه لا فرق بين فرض العين والكفاية كالجنازة، ولا بين السنة كالعيد والنفل، أذن الإمام أم لا، تكلف رفع صوته أم لا، عمهم صوت الإمام أم لا، كان في جماعة أم لا، كان المبلغ الإمام أو غيره.
تنبيه:
عبر بالجواز ولم يعبر بالصحة كما عبر به ابن الحاجب وصاحب الإرشاد وغيرهما لاستلزام الجواز لها دون العكس، وانظر هل من شرطه أن يكون أهلًا للإمامة أو لا في الكبير.
وإذا جاز الاقتداء بسماع المسمع فسماع الإمام أولى، وتلخص من كلامه مسألتان:
[ ٢ / ٣٧٢ ]
- الاقتداء بسماع المأموم أو الإمام.
- وتبقى مسألة رؤيتهما، أشار لها بقوله: أو برؤية، أي: لأفعال الإمام والمأموم، فصارت أربعة، ثم بالغ بقوله: وإن كان المأموم بدار، والإمام خارجها بمسجد أو غيره.
وهذا في غير الجمعة كما سيأتي مفصلًا في بابها.
[شروط الاقتداء:]
ولما أنهى الكلام على شروط الإمام شرع في شروط الاقتداء، فقال: وشرط الاقتداء أربعة:
الأول: نيته، أي: ينوي المأموم أنه مقتد، وإلا لم يتميز عن الفذ، فلو أخل المأموم بهذا الشرط بطلت صلاته، قاله في التوضيح، بخلاف الإمام، لا يشترط في حقه نية الإمامة، خلافًا لابن القاسم في اشتراط نيتها مطلقًا.
ابن عرفة: الإمامة أن يتبع مصل في جزء من صلاته غير تابع غيره، فمن ائتم بمأموم بطلت صلاته، ولو نوى كل من المصلين الإمامة بالآخر صحت صلاتهما فذين، ولو نوى كل ائتمامه بالآخر بطلت صلاتهما.
ثم بالغ على عدم اشتراط نيتها من الإمام بقوله: ولو لجنازة، وأشار بـ (لو) لمخالفة ابن بشير والقرافي في اشتراط الجماعة فيها.
[استثناء مسائل:]
ثم استثنى مما يتعلق بالإمام مسائل لا بد من نية الإمامة فيها، بقوله:
[١] إلا جمعة؛ لأن الجماعة شرط فيها، فلو لم ينو الإمامة لم تصح جمعة؛ لانفراده، وتبطل صلاتهم لبطلانها على إمامهم.
[٢] وجمعا ليلة المطر، لا كل جمع.
[٣] وخوفا على صفته؛ لأن أداءها على تلك الصفة لا يصح إلا بالإمام.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
[٤] ومستخلفًا؛ لأنه نوى أولًا أنه مأموم، فلا بد من نيته الإمامة؛ ليميز بين النيتين، ويلغز بها.
كفضل الجماعة في الصلوات الخمس؛ فإنه لا يحصل إلا بنية الإمامة، فلو صلى منفردًا، ثم جاء من ائتم به لحصل الفضل لمأمومه، لا له عند الأكثر، واختار اللخمي في هذا الفرع الأخير خلاف قول الأكثر، فيحصل له عنده فضل الجماعة، وزاد ابن عرفة وغيره مسألة أخرى، وهي: من أم نساء تمت صلاتهم، إن نوى إمامتهن، وقاله مالك، فأخذ منه ابن زرقون وجوبها في إمامة النساء، ونظمت هذه المسائل، فقلت:
ينوي الإمام إمامة في خمسة لا بد منها فاحفظنها متقنا
جمعًا وخوفًا جمعة مستخلفا فضل الجماعة قد غنيت عن العنا
وثاني شروط الاقتداء: مساواة في عين الصلاة، كظهر يومه مثلًا خلف مصليه، لا ظهره خلف عصره، وعكسه، ولا خلف نفل، وقول البساطي: (لا يصح فجر خلف صبح؛ لخبر: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (١» غير ظاهر؛ لما سيأتي.
وظاهر كلام السلف: منع ائتمام ناذر أربع ركعات بمصل ظهرًا، وناذر ركعتين بمصل نافلة.
المازري: تردد أصحابنا في ائتمام ناذر ركعتين بمتنفل.
ثم بالغ على طلب المساواة بمثالين، فقال: وإن بأداء وقضاء، كقاض لصلاة بمؤد لنظيرتها، وعكسه.
_________________
(١) أخرجه مالك (١/ ٩٢، رقم ٢٠٩)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٦١، رقم ٤٠٨٢) وابن أبي شيبة (١/ ٢٢٧، رقم ٢٥٩٦)، وأحمد (٢/ ٣١٤، رقم ٨١٤١) والبخاري (١/ ٢٥٣، رقم ٦٨٩)، ومسلم (١/ ٣١١، رقم ٤١٧)، وأبو داود (١/ ١٦٤، رقم ٦٠٣) وابن حبان (٥/ ٤٦٧، رقم ٢١٠٧).
[ ٢ / ٣٧٤ ]
تنبيه:
جعل ابن الحاجب اتحاد الفرضين شرطًا، والمصنف أدرجه ضمن الشرط الثاني.
والمثال الثاني، وهو المقدر قبل المبالغة بضدها، أي: إن لم يكن بأداء وقضاء، وإن كان بأداء وقضاء، أشار له بقوله: أو بظهرين فائتين من يومين مختلفين، فلا تصح، كقاض لظهر يوم أربعاء بقاض ظهر سبت مثلًا.
ومفهوم (يومين) صحة الاقتداء مع اتفاق اليوم، وهو كذلك، واختلف كلام الشارح: فحمله في شرحه الصغير على ما قررناه، وفي الكبير والأوسط على الصحة.
قال: وهو الصحيح. انتهى، وهو بعيد من كلام المؤلف.
وفي تعليقة الوانوغي على التهذيب وتكميلها للمشذالي قولان في هذه المسألة.
قال: وظاهر الكتاب الجواز، وعرضتها على ابن عرفة، فقال لي: ظاهر المدونة كما قلت، والذي عندي أنه لا يفعل؛ لأن تعليلهم الإعادة بتحصيل فضيلة الوقت تقتضي اختصاص الإعادة في الوقت.
وقال المشذالي: إنما عللوا بتحصيل فضيلة الجماعة وهو يقتضي الإعادة في المسألة المفروضة. انتهى.
[الاستثناء من شرط المساواة:]
ثم استثنى من عموم المساواة قوله: إلا نفلًا يصليه مأموم خلف فرض فصحيح، ولا يشترط المساواة؛ لارتفاع رتبة الفرض، وهو مبني على جواز التنفل بأربع، أو محمول على المسافرين عند من لا يجيزه بأربع، قاله ابن عرفة.
وحملُه البساطي على أن مراده (نفل خاص، وهو من يصلي وحده، ثم يصلي في جماعة) غير ظاهر.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
[مسألة:]
ولا يتنفل منفرد أحرم بصلاة لجماعة جمعتها بالقرب منه، فينتقل بالنية لفوات محل نية الاقتداء، وهو أولها، كالعكس، فلا ينتفل مأموم للانفراد؛ لالتزامه حكم الاقتداء.
[مسألة:]
وفي منع انتقال مريض اقتدى بمثله كجالسين، فصح المأموم منهما في أثنائها، وقدر على إتمامها قائمًا، فيقوم ويستمر مأمومًا، وجوازه ويتمها فذًا كمأموم طرأ لإمامه عذر، قولان:
الأول، ليحيى بن عمر: يتمادى؛ لدخوله بوجه جائز.
والثاني، لسحنون؛ إذ لا يجوز أن يأتم قائم بجالس.
وهذه الفروع الثلاثة من ثمرات الشرط الأول.
وثالث شروط الاقتداء: متابعة من مأموم لإمامه في إحرام، فإن سبقه فيه بطلت، وظاهره: ولو بحرف؛ ولذا كانت المتابعة شرطًا، فالمساواة فيه مبطلة، وحذفه من هنا لدلالة ما بعده عليه، وفسرها الشارح في الكبير بأن يحرم معه، وهو يشمل ما إذا ابتدأ معه وانتهى قبله أو بعده.
ومفهوم التفسير: إن بدأ بها بعده صحت، وإن أتم قبله أو معه أو بعده وإن بدأ قبله بطلت، وإن أتم بعده، وهو كذلك في الجميع، انظرها في الكبير، وبعض هذه المسائل متفق عليه، وبعضها مختلف فيه.
ولما كان حكم السلام في شرطية ذلك حكم الإحرام عطفه عليه، فهو شرط رابع من شروط الاقتداء، فقال: وسلام، وعده الشارح مع الإحرام شرطًا واحدًا؛ تبعًا لظاهر صنع ابن الحاجب، ولابن عبد السلام هنا مناقشة.
ثم بالغ على البطلان في المشاركة في السلام بقوله: فالمساواة -وإن يشك في المأمومية- مبطلة، وهذا فرع سئل عنه سحنون في رجل ائتم بآخر فشكا في تشهدهما: مَنِ الإمامُ منهما؟ فقال: إن سلما معًا فعلى
[ ٢ / ٣٧٦ ]
الخلاف في المقارنة، وإن تعاقبا صحت للثاني فقط، ولو كان أحدهما مسافرًا سلم المسافر، وأعاد، وأتمها الآخر، ولا يعيد.
تنبيهان:
الأول: خرج بقوله: (بشك) ما لو نوى كل منهما أنه إمام للآخر؛ فإنها صحيحة لكل منهما، أو نوى كل أنه فذ، وأما لو نوى كل أنه مأموم لآخر فإنها باطلة لكل منهما.
الثاني: إذا قلنا بالبطلان عند المساواة: فهل يكبر ولا يسلم من ذلك الإحرام، أو يسلم؟ قولان لمالك وسحنون، واختار الثاني بعض المتأخرين؛ لعقده على نفسه صلاة بإحرام.
قال المصنف. والأول ظاهر كلام ابن الحاجب؛ لسكوته عنه. انتهى، فيقال مثله في كلامه هنا.
[حكم الصلاة بالمساوقة:]
لا المساوقة، وهو: أن يأتي المأموم بفعله في فور الإمام، وعبر عنها بعضهم بالملاحقة، فلا تبطل، كغيرهما -أي: الإحرام والسلام- فإن المسابقة والمساوقة فيه غير مبطلة؛ فالتشبيه لإفادة الحكم.
البساطي: وليس مراده: أن غير الإحرام والسلام كهما فيبطل السبق والمساواة ولا تبطل المساوقة، ولا مراده أيضًا: أن مساوقة الإحرام والسلام كمساوقة غيرهما. انتهى، وهو واضح.
[حكم المساوقة:]
ولما أفاد أنها غير مبطلة في غيرهما، خشي أن يتوهم جوازها، فاستدرك بقوله: لكن سبقه -أي: المأموم في غير الإحرام والسلام- ممنوع، وإلا بأن لم يسبقه في غيرهما بل ساواه كره له ذلك.
وحاصله: إن تابع الإمام في جميع أفعاله صحت صلاته، وإن سبقه في الإحرام والسلام أو ساواه فيهما بطلت، وإن سبقه في غيرهما حرم،
[ ٢ / ٣٧٧ ]
ولم تبطل، وإن ساواه في غيرهما كره.
هذا تقرير هذا المحل، ولما عسر فهمه على بعضهم ادعى أن المساوقة كغيرهما مصحف، وأن صوابه كالمسابقة لا غيرهما، فتصحفت الكاف بلا، ولا بالكاف، والباء بالواو.
[المسابق في غير التحريم والتحليل:]
وأمر الرافع لرأسه من الركوع أو السجود وقبل رفع إمامه بعوده لما رفع منه؛ لأن رفعه خطأ؛ لمخالفته النص، إن علم المأموم إدراكه قبل رفعه، الضميران للإمام، وظاهر كلامه: لزوم العود، وهو قول الباجي، ويحتمل سنيته، وهو قول مالك، وذكرهما في توضيحه، ولم يرجح واحدًا منها، إلا أنه قدم قول مالك.
ومفهوم الشرط: أنه لا يرجع إذا علم أنه لا يدركه راكعًا مثلًا، ورواه ابن حبيب عن مالك.
وقال سحنون: يرجع ويبقى بعد الإمام قدر ما انفرد الإمام قبله.
[ما لا يعود إليه:]
لا إن خفض قبل إمامه في ركوع أو سجود، فلا يرجع لما منه خفض.
قال في توضيحه: والفرق أن الرفع مقصود عندنا، بخلاف الخفض؛ فليس بمقصود اتفاقًا، إلا على ما التزمه بعض أشياخ ابن بشير عند المناظرة (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: " (قوله): وأمر الرافع بعوده إن علم إدراكه قبل رفعه لا إن خفض (ش) ما ذكره (المص) من التفرقة بين الرفع والخفض هو المشهور كما قاله ابن عمر، وقد ذكر الجد كلامه بطرة (غ) ونقله (طخ) ولكن مقتضى ما في (غ) و(ق) وإن الخفض كالرفع وهو المعول عليه كما يفيده كلام (ح) وهل الأمر على سبيل السنية أو الوجوب؟ قولان ذكرهما (تت) من غير ترجيح لكن اقتصر (ق) على الوجوب وهو يفيد ترجيحه، وصورة المسألة أنه أخذ فرضه مع الإمام قبل الرفع فإن لم يأخذ فرضه =
[ ٢ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قبل رفعه وجب الرجوع اتفاقًا فإن تركه عمدًا فقد تعمد ترك ركن والحاصل أن من رفع من الركوع أو السجود قبل إمامه سواء أخفض لها أيضًا قبله أم لا فتارة يكون رفعه منهما قبل أخذ فرضه منهما مع الإمام وتارةً يكون بعده فإن كان رفعه بعد أخذ فرضه معه؛ فإن صلاته صحيحة ولو فعل كلًّا من الخفض والرفع عمدًا ويؤمر بالعود بشرطه الذي ذكره (المص) وإن كان رفعه قبل أخذه فرضه معه فإن كان عمدًا بطلت صلاته لأنه متعمد ترك ركن حيث أعتد بما فعله ولم يعده فإن لم يعتد بما فعله وإعادة فقد تعمد زيارة ركن وسواء كان خفضه سهوًا أو عمدًا وإن كان سهوًا كان بمنزلة من زوجهم عنه سواء خفض سهوًا أو عمدًا فإن كان ركوعًا فيأتي به حيث كان يدرك الإمام في سجود تلك الركعة وهذا حيث كان من غير الأولى فإن كان منها تركه وفعل مع الإمام ما هو فيه ويأتي به إن كان سجود أما لم يعقد الإمام ركوع التي تليها وانظر ما ذكره ابن رشد من أنه إن رفع قبل إمامه سهوًا في صلاته كلها قبل أخذ فرضه في الجميع أنه لا صلاة له هل معناه أنها تبطل أو معناه أنه لا يعتد بما فعله من الركعات وبني على إحرامه وهو الظاهر وما ذكره (ح) عند قول (المص) في السهو وسجدة يجلس لا سجدتين في مسألة ما إذا قنت الشافعي بعد الرفع من الركوع وسجد بعض مأموميه أو كلهم ليس مخالفًا لما هنا وذلك لأنه قال إذا قنت الشافعي بعد الركوع فسهي بعض من خلفه وخر للسجود فمنهم من يرجع للإمام ويقف معه حتى يخر للسجود معه فهذا فعل المطلوب على ما يأتي إنه الراجح خلاف قول (المص) لا إن خفض ومنهم من يستمر ساجدًا حتى يأتيه الإمام ويرفع برفعه ومنهم من يرفع قبل مجيء الإمام ويستمر جالسًا إلى أن يسجد الإمام فيسجد معه ويرفع برفعه فهذان صلاتهما صحيحة، وقد أخطأ في عدم عودهما للإمام ونقص الانحطاط يحمله الإمام عنها، ومنهم من يرفع من السجود قبل مجيء الإمام ثم يكتفي بذلك السجود ولا يعود له مع الإمام فهذا لا يجزيه سجوده لأن المأموم لا يعتد بركن عقده قبل الإمام؛ فإن تنبه هذا قبل أن يسلم وأعاد السجدتين ثم سلم صحت صلاته وإن لم يتنبه لذلك حتى سلم، أي: وطال بطلت صلاته. انتهى. وقوله: فإن تنبه إلخ يقتضي أن عدم فعله ما ذكر مع الإمام كان سهوًا و(ح) فلا يخالف ما ذكرنا من أن من تعمد عدم أخذ فرضه مع الإمام تبطل صلاته وهذا حيث سبقه وأما من تعمد ترك فعل الركوع أو السجود مع الإمام ثم فعله بعده فهل تبطل صلاته بذلك ولو فعله قبل فوات فعله على ما نبينه وهو الموافق لما قدمناه فيمن تعمد الرفع قبل أخذه فرضه معه وإليه ذهب بعض مشايخي قائلًا: لأن فرضهم فيمن فاته ذلك لعذر كزحام ونحوه يدل على أن فاته ذلك لعذر كزحام ونحوه يدل على أن من فاته ذلك عمدًا ليس كذلك إذ لو كان كذلك لفرضوه فيمن فاته الركوع ولم يقيدوا الفوات بكونه لعذر فقالوا: وإن =
[ ٢ / ٣٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ترك ركوعًا اتبعه في غير الأولى إلخ ولم يخصوا فرضه بمن تركه لعذر وهو لخلاف ما أطبقت عليه كلمتهم ويدل عليه أيضًا قول (ح) وغيره إن المأموم لا يعتد بركن فعله قبل إمامه فإنه يفيد أن متعمد ذلك بمنزلة من تركه عمدًا، وكذا يفيده كلام ابن عرفة وسيأتي فيجب التعويل عليه ويدل له أيضًا قول البرزلي من خفض وركع قبل خفض الإمام أعاد صلاته أبدًا. انتهى. وظاهره أنه في العمد لا يقال فرق بين تعمده سبق الإمام بفعل الركن ومن آخر فعله عن فعله لأنه في هذه الحالة تابع للإمام وفي الشق لم يتبع الإمام لأنا نقول: كل منهما ممنوع، وفي كل منهما ترك فعل الركن مع الإمام عمدًا ويدل له ما تقدم عن مختصر البرزلي وإن سلم أنه بمنزلته وهو الموافق لما يأتي عن عياض وقال في مختصر البرزلي: مسألة من ظن أن إمامه ركع فرفع ثم ركع إمامه فمن أعاد ركوعه مع الإمام أو بقي راكعًا حتى لحقه الإمام فصلاته صحيحة وإن رفع رأسه قبل ركوع إمامه ولم يعد فلا بد من إعادة الصلاة قلت: لأنه عقد ركنا في نفس الصلاة قبله، أي: قبل الإمام. انتهى. ونحوه في البرزلي أيضًا يفيد بطلان صلاة من رفع عمدًا قبل إمامه حيث لم يأخذ فرضه أن كلامه إن كان في الرفع سهوًا فالعمد أولى وإن كان في العمد فهو المطلوب وتقدم إن من تعمد زيادة ركن في الصلاة فإنها تبطل بذلك بمنزلة من زوحم عنه فيفصل في الركوع بين كونه من الأولى فلا يفعله وبين كونه من غيرها فيفعله ما لم يرفع الإمام من سجودها ويفعله إن كان سهوًا مطلقًا ما لم يعقد الإمام ركوع التي تليها فإن فات تلافيه لعذر بطلت تلك الركعة فهو كالمزاحم في هذه الحالة إلا أنه أثم بتعمد التأخير وإن فات تلافيه عمدًا بطلت صلاته قطعًا وما يوهمه كلام بعضهم من أنه إذا ترك تلافي ما تعمد ترك فعله مع الإمام تبطل تلك الركعة التي فات منها ذلك كالمزحوم فلا يعول عليه بل تبطل صلاته قطعًا وكذا من زوحم عن ركوع أو سجود أو نفس أو نحوه وأمكنه التلافي وتركه عمدًا فإن صلاته تبطل قطعًا أيضًا قال ابن عرفة: ورفعه وهوية قبل فعله قدر الواجب مما هما منه مع إمامه كعدمه وأما بعد ذلك ففيه طرق إلخ قال (غ) في تكميل التقييد أما ما ذكره من أن رفعه وهوية قبل رفعه قدر الواجب مما هما منه مع إمامه كعدمه فقد بسط ذلك عياض في إكماله فقال أفعال الصلاة تنقسم لمقصود لنفسه كالقيام والركوع المشروع لفعل غيره كرفع الرأس من الركوع والجلوس بين السجدتين فأما المراد لنفسه فإذا انتقت فيه المسابقة في ابتدائه وانتهائه حتى لم يوافق الإمام فيه بمقدار ما يخرج من ذلك مثل أن يركع أو سجد قبله ويرفع رأسه قبل ركوع الإمام أو سجوده فهذا لا يجزيه وليرجع فيركع أو يسجد معه إن أدركه أو بعده إن لم يدركه ويجزيه السجود قولًا واحدًا وفي أجزاء الركوع خلاف وهذا إن فعل ذلك سهوًا، أي: أو لنحو زحام وإن كان في سبقه متعمدًا لفعله ولم يوافق الإمام في فعله وركع ورفع قبل ركوع =
[ ٢ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الإمام فهذا مفسد لصلاته انظر تمامه في الشرح الكبير أن شئت؛ فإن قلت قوله ورفعه وهوية ما وجه تغايرها بناءً على أن الواو بمعنى أو قلت مسألة رفعه هوي مع الإمام ورفع قبله قبل أخذ فرضه معه ومسألة هوية خفض ورفع قبل خفض إمامه فتأمله، فقد بأن مما ذكرنا أن من سبق الإمام في فعل الركن عمدًا كان يفعل الانحناء للركوع والرفع منه قبل ركوع الإمام عمدًا أو يفعل ما ذكر من الانحناء للركوع قبل ركوع الإمام أو يفعل الرفع بعد انحناء الإمام عمدًا أو ينحني بعد انحناء الإمام ويرفع قبل رفعه فيها ولم يأخذ فرضه معه فيها فإن صلاته تبطل بذلك وسواء كان خفضه للركوع فيهما عمدًا أو سهوًا وهذا لا شبهة فيه وما وقع في كلام بعض الشارحين من صحة صلاة من فعل ذلك عمدًا فلا يعول عليه هذا حكم سبق الإمام في فعل الركن وأما من تأخر فعله للركن عن فعل الإمام فكان بعض أشياخي يقول: أن صلاته تبطل لأن تأخير فعل الركن مع الإمام عمدًا بمنزلة ترك فعله عمدًا وقد قدمنا ذلك مع زيادة والذي يظهر من كلامهم في مسألة ترك الركن مثلًا أن يقال إنه متى أمكنه تداركه فإن تركه عمدًا أو جهلًا بطلت صلاته سواء كان تأخره ولا سهوًا أو عمدًا وجهلا وإن ترك تداركه سهوًا بطلت إن كان تأخره أولًا عمدًا أو جهلًا وكان حين تأخره مريدًا عدم تداركه لم تبطل صلاته بذلك كما أنها لا تبطل أيضًا فيما إذا ترك تداركه سهوًا وكان تأخره أولًا سهوًا ومتى لم يمكنه تداركه لحصول ما يفوت التدارك حين صلاته إن كان تأخيره أولًا سهوًا أو لزحام ونحوه وإن كان عمدًا أو جهلًا بطلت وهل وإن كان حين تأخيره مريدًا تلافيه ومعتقدًا إمكان تلافيه وهو الظاهر لتأخيره عمدًا أو جهلًا أو لا تبطل إن كان حين تأخيره مريدًا تلافيه فإن قلت ما ذكرته من بطلان صلاة من سبق الإمام بالرفع من الركوع مثلًا عمدًا قبل أخذه فرضه معه فذكر (ح) عن ابن رشد ما يفيد الخلاف في بطلان تلك الركعة وظاهره أن الصلاة صحيحة قطعًا فإنه قال: قيل: لسحنون أرأيت الرجل يصلي مع الإمام فيسجد قبله ويركع قبله في صلاته كلها فإن صلاته تامة وقد خطا ولا إعادة ولا يعيد قال محمد ابن رشد: وهذا إذا سجد قبله ورفع قبله فأدركه الإمام بسجوده وبركوعه وهو راكع وساجد فرفع برفعه من الركوع والسجود أو رفع قبله، وأما إن ركع ورفع والإمام واقف قبل أن يركع ويسجد ورفع من السجود أيضًا قبل أن يسجد الإمام ثم لم يرجع مع الإمام في ركوعه وسجوده وفعل في صلاته كلها كذلك فلا صلاة له واختلف إن فعل ذلك في ركعة واحدة أو سجدة واحدة، فقيل: تجزيه الركعة، وقيل: لا تجزيه وقد بطلت عليه فيأتي بها بعد سلام الإمام؛ فإن لم يفعل بطلت صلاته. انتهى. كلام (ح). قلت: كلام ابن رشد فيمن فعل ذلك سهوًا كما يفيده ما نقله بعضهم عنه وقد قدمنا بعضه ويدل عليه ما قدمناه عن عياض من أن من رفع عمدًا قبل أخذ فرضه مع الإمام =
[ ٢ / ٣٨١ ]
[الأحق بالإمامة:]
وإذا اجتمع جماعة كل يصلح للإمامة ندب:
[١ - السلطان:]
تقديم سلطان على غيره من الرعية، وكذا خليفته إن لم يكن هو؛ لخبر مسلم وغيره: "ولا يؤمّ الرجل في سلطانه" (١).
[٢ - رب المنزل:]
ثم رب منزل إن لم يكن سلطان ولا خليقة؛ لأنه أعرف بقبلة منزله.
و(رب) وما بعده: يجوز جره ورفعه.
[٣ - المستأجر:]
والمستأجر على المالك؛ لملكه المنفعة المقصودة، وخبرته بعورة منزله.
[٤ - العبد:]
وإن كان المالك بوصفه عبدًا.
المازري: جعل مَالِكٌ مَالكَ المحل يربو على نقص الرق.
_________________
(١) = فإن صلاته تبطل وما تقدم عن مختصر البرزلي أيضًا وأيضًا قوله: ثم لم يرجع يدل على أن ذلك وقع منه سهوًا إذ من وقع ذلك منه عمدًا تبطل صلاته وإن رجع".
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٠١، رقم ٣٤٥١)، وأحمد (٤/ ١١٨، رقم ١٧١٠٤)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٨٩، رقم ٣٨٠٩)، ومسلم (١/ ٤٦٥، رقم ٦٧٣)، وأبو داود (١/ ١٥٩، رقم ٥٨٢)، والترمذي (١/ ٤٥٨، رقم ٢٣٥)، وقال: حسن صحيح. والنسائي (٢/ ٧٧، رقم ٧٨٠)، وابن ماجه (١/ ٣١٣، رقم ٩٨٠)، والبيهقي (٣/ ٩٠، رقم ٤٩١١)، وأخرجه الحميدي (١/ ٢١٧، رقم ٤٥٧)، وابن الجارود (ص ٨٥، رقم ٣٠٨)، وأبو عوانة (١/ ٣٧٦، رقم ١٣٦٣)، وابن حبان (٥/ ٥٠٠، رقم ٢١٢٧)، ولفظ الحديث: "يوم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ولا يومن الرجل في رحله ولا في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه".
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وظاهره: ولو كان سيد العبد معه، وهو كذلك.
قال عياض: ونظر فيه بعضهم.
تنبيه:
عرف المستأجر والمالك دون ما قبلهما وما بعدهما لتقدم ما يشعر بهما، وهو قوله: (ثم رب منزل).
[٥ - المرأة:]
كامرأة في منزلها، ولما كان إمامتها غير صحيحة، قال: واستخلفت وجوبًا رجلًا يؤمهم، ويستحب لها استخلاف الأرجح، وخصها بالاستخلاف لجواز إمامة العبد.
وفي هذه المشكلة مع قولهم: (إذا اجتمع من يصلح للإمامة ومن لا يصلح) شيء؛ لأن المرأة لا تصلح لها.
[٦ - زائد فقه:]
ثم زائد فقه، لإكماله صلاته.
[٧ - زائد حديث:]
ثم زائد حديث حفظًا وأوسع رواية.
[٨ - زائد قراءة:]
ثم زائد قراءة، أي: أدرى وأمكن من غيره للحروف، ويحتمل أكثر قرآنًا، أو أشد إتقانًا.
[٩ - زائد عبادة:]
ثم إن تساووا فزائد عبادة من صلاة وصوم؛ لأن من هذا شأنه أشد خشية، وأكثر: ورعًا وتنزهًا من غيره، وقد جاء: "أئمتكم شفعاؤكم" (١).
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث، وقد ورد بمعناه عند الربيع في مسنده معلقًا ص ٢٩٨ بلفظ: "ليؤمكم خياركم فإنهم وفدكم إلى ربكم"، ورواه موصولًا =
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وقول البساطي ما معناه: (يقتضي كلام المصنف: إذا انفرد كل بمرجح كعابد وفقيه أن الفقيه يقدم) غير ظاهر؛ لأن كلامه عند تساويهما في جميع الأمور، ثم زيادة الفقه.
[١٠ - سابقة إسلام:]
ثم بسن إسلام أي: بزيادته، فلا يعتبر زيادته في غيره.
[١١ - الأشرف نسبًا:]
ثم بنسب، فيقدم الأشرف نسبًا على غيره، ويشمل أيضًا من هو أقدم نسبًا، كعريق في الإسلام دون حديثه، وأما قصر كلام المصنف عليه فغير ظاهر.
[١٢ - بسطة الخَلق:]
ثم بخلق بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام، وهو: جمال الصورة؛ لأن الفضل والخير يتبعانها غالبًا.
[١٣ - حسن الخلق:]
ثم بخُلق بضمها؛ لخبر: "خياركم أحسنكم أخلاقًا" (١)، قال في
_________________
(١) = الديلمي (٥/ ١٦، رقم ٧٣١٠)، ويبدو أن التتائي قد نقل الحديث من إحياء علوم الدين؛ إذ فيه: "ولذلك وجب تقديم الأفضل والأفقه فقد قال -ﷺ-: "أئمتكم شفعاؤكم" أو قال: "وفدكم إلى اللَّه فإن أردتم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم". قال العراقي في تخريجه له: أخرجه الدارقطني والبيهقي وضعف إسناده من حديث ابن عمر والبغوي وابن قانع والطبراني في معاجمهم، والحاكم من حديث مرثد بن أبي مرثد نحوه وهو منقطع وفيه يحيى بن يحيى الأسلمي وهو ضعيف. قلت: رواه الدارقطني (٢/ ٨٧)، والبيهقي (٣/ ٩٠، رقم ٤٩١٢)، وقال: إسناد هذا الحديث ضعيف. قال الذهبي في التنقيح (٣/ ٢٨٢ - بهامش التحقيق لابن الجوزي): سنده مظلم. وقال الغماري في المغير (ص ١٠): إسناده مظلم، ومتنه موضوع.
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٩٣، رقم ٦٨١٨)، والبخاري (٥/ ٢٢٤٥، رقم ٥٦٨٨)، ومسلم (٤/ ١٨١٠، رقم ٢٣٢١)، والترمذي (٤/ ٣٤٩، رقم ١٩٧٥) وقال: حسن صحيح. وابن =
[ ٢ / ٣٨٤ ]
التوضيح: كذا كان شيخنا يمشي هذا المحل، وقدم ابن هارون الثاني على الأول، واستظهره في التوضيح.
ويحتمل أن يضبط به كلامه هنا.
[١٤ - حسن اللباس:]
ثم بلباس، لأن له أثرًا في النفوس.
[شرط كل ما سبق:]
وهذا كله إن عدم نقص منع، أي: نقص يمنع الإمامة، كعجز وجهل، أو نقص كره، كأقطع وأشل مثلًا.
[استنابة الناقص:]
ثم عطف على تقديم السلطان، فقال: وندب استنابة الناقص أكمل منه عند وجود مقتض لتقدمه، كـ: رب دار، تصح إمامته مع أفقه منه.
[حكم استنابته:]
ثم شبه في الحكم، وهو الاستحباب، مبينًا لوقوف المأموم مع إمامه، بقوله: كوقوف ذكر بالغ عن يمينه، إذا كان وحده، وندب وقوف اثنين فأكثر خلف.
وحذف ضمير (خلف)؛ لدلالة ضمير (يمينه) عليه.
تنبيه:
إن كان الحذف على نية معنى المضاف إليه دون لفظه فالضم، أو على نية لفظه فقط فالنصب (١).
_________________
(١) = حبان (٢/ ٢٢٥، رقم ٤٧٧)، وأخرجه أيضًا: ابن أبي شيبة (٥/ ٢١٠، رقم ٢٥٣١٧)، والبزار (٦/ ٣٩٥، رقم ٢٤١٧).
(٢) قال ابن مالك: واضمم بناءً غيرًا أن عدمت ما له أضيف ناويًا ما عدما قبل كغير بعد حسب أول ودون والجهات أيضًا وعل =
[ ٢ / ٣٨٥ ]
قال في الكافي: لو وقف واحد عن يمينه، ثم جاء آخر لوقف خلفه، يضره انتقاله.
[حكم الصبي المميز:]
وصبي عقل القربة، فلا يذهب ويتركه، كالبالغ: مبتدأ وخبر، وسوغ
_________________
(١) = وأعربوا نصبًا إذا ما نكرا قبلًا وما من بعده قد ذكرا قال ابن عقيل: (٣/ ٧١): "هذه الأسماء المذكورة، وهي: غير وقبل وبعد وحسب وأول ودون، والجهات الست، وهي: أمامك وخلفك وفوقك وتحتك ويمينك وشمالك وعل، لها أربعة أحوال، تبنى في حالة منها، وتعرب في بقيتها، فتعرب إذا أضيفت لفظًا، نحو: (أصبت درهما لا غيره)، و: (جئت من قبل زيد)، أو حذف المضاف إليه ونوي اللفظ، كقوله: ومن قبل نادى كل مولى قرابة فما عطفت مولى عليه العواطف وتبقى في هذه الحالة كالمضاف لفظا؛ فلا تنون إلا إذا حذف ما تضاف إليه، ولم ينو لفظه، ولا معناه؛ فتكون حينئذ نكرة، ومنه قراءة من قرأ: ﴿للَّه الأمر من قبل ومن بعد﴾ بجر قبل وبعد وتنوينهما، وكقوله: فساغ لي الشراب وكنت قبلا أكاد أغص بالماء الحميم هذه الأحوال الثلاثة التي تعرب فيها، أما الحالة الرابعة التي تبنى فيها فهي إذا حذف ما تضاف إليه ونوى جمعناه دون لفظه؛ فإنها تبنى حينئذ على الضم، نحو: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، وقوله: أقب من تحت عريض من عل وحكى أبو علي الفارسي: (ابدأ بذا من أول) بضم اللام وفتحها وكسرها، فالضم على البناء؛ لنية المضاف إليه معنى، والفتح على الإعراب لعدم نية المضاف إليه لفظًا ومعنى، وإعرابها إعراب ما لا ينصرف؛ للصفة ووزن الفعل، والكسر على نية المضاف إليه لفظًا، فقول المصنف: (واضمم بناءً. . البيت) إشارة إلى الحالة الرابعة. وقوله: (ناويًا ما عدما) مراده: أنك تبنيها على الضم إذا حذفت ما تضاف إليه ونويته معنى لا لفظًا. وأشار بقوله: (وأعربوا نصبًا. .) إلى الحالة الثالثة، وهي ما إذا حذف المضاف إليه ولم ينو لفظه ولا معناه، فإنها تكون حينئذ نكرة معربة. وقوله: (نصبا) معناه: أنها تنصب إذا لم يدخل عليها جار، فإن دخل عليها جرت، نحو: (من قبل ومن بعد). ولم يتعرض المصنف -رحمه اللَّه تعالى- للحالتين الباقيتين، أعني: الأولى والثانية؛ لأن حكمهما ظاهر معلوم من أول الباب، وهو الإعراب، وسقوط التنوين كما تقدم في كل ما يفعل بكل مضاف مثلها".
[ ٢ / ٣٨٦ ]
الابتداء بالنكرة وصفها، فإن كان وحده فعن يمين الإمام، ومع بالغ فأكثر خلفه.
[محل وقوف النساء:]
ونساء -امرأة فأكثر- يندب وقوفهن خلف الجميع (١)، بنصب خلف، فمع الإمام وحده خلفه، ومعه ورجل عن يمينه خلفهما، ومعه ومع رجال خلفه خلفهم؛ لخبر الموطأ: "فصففت أنا واليتيم، والعجوز من ورائنا" (٢)، ولخبر الصحيحين: "فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا" (٣).
تتمة:
سكت المؤلف عما لو كان معهم خنثى مشكلًا، وقد قال فيه السائل: وهل صفه خلف المصلين آخرًا، إذا هو صلى في الصفوف، أم أول، وأجاب آخر، فقال:
وآخر صف في الرجال مكانه وأما إذا لاقى النساء فأول
وقوله: (ونساء خلف الجميع) يخرج عنه ما في النوادر عن أشهب: لو قام صف نساء قبالة صف الإمام حول الكعبة من الجانب الآخر فلا بأس به، إن لم يكن وراءهن صف، أو بإزائهن قريب منهن، وإن كنت لا أحب أن يكون لهن صفة إلا من وراء الرجال.
[١٥ - رب الدابة:]
ورب الدابة أولى بمقدمها؛ لأنه أعلم بطباعها، ومواضع الضرب منها.
_________________
(١) انظر قوله: (يندب. .)، وما يترتب عليه من جواز صلاتها مع الإمام عن يمينه إذا كانت وحدها، وبجنب الرجل إذا كان معها رجل، ووسط الرجال إذا كان معها اثنين فأكثر.
(٢) رواه مالك: (١/ ١٥٣، رقم ٣٥٩).
(٣) رواه البخاري: (١/ ٢٤٧، رقم ٦٦٧)، ومسلم: (٢/ ١٢٨، رقم ١٥٣٤).
[ ٢ / ٣٨٧ ]
وذكرت هذه هنا للدلالة على أن الأفقه مقدم؛ لأنه أعلم بمصالح الصلاة ومفاسدها.
و(مقدم) يحتمل أن يقرأ بكسر الدال محففة، وبفتحها مشددة، وهما لغتان من ست لغات في (قادمتي الرجل).
[١٦ - الأورع:]
والأورع مقدم على الورع، فعلى المتساهل أولى.
[١٧ - العدل:]
وكذا العدل على مجهول الحال، وعلى غيره أولى.
[١٨ - الحر:]
والحر على القن ومن فيه شائبة رق.
[١٩ - الأب:]
والأب على ابنه.
[٢٠ - العم:]
والعم على ابن أخيه، وهو مراده بقوله: على غيرهم، وظاهره: ولو كان الأب والعم أدنى من الابن في الفضل، وكذا لو كان العم أصغر، وقيد سحنون العم بما إذا كان في العلم والفضل كابن أخيه، وألزمه اللخمي مثله في الأب، ونبهنا في الكبير على شيء في كلام البساطي، فانظره.
[العمل عند المشاحة:]
وإن تشاح متساوون في الأوصاف السابقة، وطلب كل التقديم لفضل الإمامة، لا لكبر: بكسر الكاف وسكون الباء، اقترعوا؛ فمن خرجت القرعة باسمه قدم.
ولو تشاحوا للكبر سقط حقهم؛ لأنهم فساق، يقال: تشاح الرجلان على الأمر، لا يريدان أن يفوتهما.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
[ما يكره الاقتصار فيه على تكبيرة الإحرام:]
وكبر المسبوق تكبيرة لركوع وجد الإمام متلبسًا به غير تكبيرة الإحرام، ولا يؤخر إحرامه حتى يرفع الإمام، أو سجود -أي: وكبر لسجود أدركه فيه غير تكبيرة الإحرام أيضًا- بلا تأخير، راجع للمسألتين، ويعقد بالركوع لا السجود.
البساطي: كان ينبغي أن لا يذكر الركوع. انتهى، أي: لأن السجود لما لم يكن معتدًا به، فربما يتوهم أنه لا يكبر له، بخلاف الركوع، وتعبيره بالفعل يظهر منه الوجوب؛ لخبر: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (١).
[ما يقتصر فيه عليه:]
لا لجلوس أولى أو ثان، فلا يكره له إذا وجده في أحدهما، بل يكبر للإحرام فقط، ويجلس بغير تكبير.
[تكبير المسبوق لقيامه قاضيًا:]
وقام المسبوق للقضاء بعد سلام الإمام بتكبير إن جلس في ثانيته، الضمير للمسبوق، كما لو أدرك الإمام قائمًا في ثالثة الرباعية، فصلى معه ما أدركه، ثم سلم الإمام، وقام المأموم لقضاء ما فاته، فإنه يكبر لقيامه؛ لأن جلوسه وافق محله على المشهور.
ومفهوم الشرط: إن أدرك ثلاثًا أو واحدة من الرباعية أو ثانية فقط من ثنائيته أو ثالثة من ثلاثية قام بغير تكبير؛ لأن جلوسه في غير محله، وإنما هو لموافقة الإمام، وقد رفع لجلوسه معه بتكبير، وهو في الحقيقة للقيام، وجلوسه لموافقة الإمام لا يحتاج لتكبيرتين على المشهور.
[ما يستثنى من ذلك:]
ثم استثنى من عموم المفهوم، وهو لا (إن جلس) في غير ثانيته، فلا يكبر؛ لأن جلس في غير محله، فقال: إلا مدرك التشهد الأخير، فيقوم
_________________
(١) رواه البخاري: (١/ ٢٢٨، رقم ٦١٠).
[ ٢ / ٣٨٩ ]
بتكبير؛ لأنه وإن كان في غير محل جلوسه كالمفتتح لصلاة.
[صفة صلاة المسبوق:]
وقضى هذا المسبوق القول، وهو القراءة، فيجعل ما فاته قبل الدخول مع الإمام هو أول صلاته، وما أدركه هو آخرها، فيجهر في موضع الجهر كالفذ، ويقرأ السورة في الأوليين بحسب ما فاته.
وبنى الفعل، أي: يجعل ما أدركه معه أول صلاته، وما فاته آخرها، فإذا أدرك ركعة من العشاء: قام بعد سلام الإمام، فأتى بركعة بأم القرآن وسورة جهرًا؛ لأنها أول صلاته، فهو قاض للقول، ثم يجلس؛ لأن التي أدركها كالأولى بالنسبة للفعل، فيبني عليها، ثم يأتي بأخرى بأم القرآن وسورة جهرًا، لأنه يقضي القول، ولا يجلس، بل يقوم، ويأتي بركعة بأم القرآن فقط، ويتشهد ويسلم، وهذه طريقة ابن أبي زيد وعبد الحميد وغيرهما، أن المذهب كله على هذا، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
[القنوت للمسبوق:]
وعليه من أدرك ثانية الصبح، لا يقنت في ركعة القضاء؛ لأنه قاض للقول (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: " (قوله): وقضي القول وبني الفعل (ش) يعني أن المسبوق إذا أدرك بعض صلاة الإمام وقام لكمال ما بقي من صلاته بعد سلام الإمام فإنه يكون قاضيًا في الأقوال بانيًا في الأفعال. والقضاء: عبارة عن جعل ما فاته قبل الدخول مع الإمام أول صلاته، وما أدرك آخر صلاته. والبناء: عبارة عن جعل ما أدركه معه أول صلاته وما فاته آخر صلاته. قال (الشر): وقد نظمت ذلك، فقلت: إن القضاء جعل ما قد حصلا أخرها وما يفوت أولا وعكسه البناء في الأفعال يكون والقضاء في الأقوال والمراد بالأقوال القراءة خاصة وأما غيرها من الأقوال فهو بأن فيه الأفعال فلذا يجمع بين سمع اللَّه لمن حمده وربنا ولك الحمد. وإذا أدرك ثانية الصبح قنت في فعل الأولى على المشهور، كما قاله كل من الجزولي =
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وفي المسألة طريقان آخران:
- قاض مطلقًا، فيأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ولا يجلس، ثم بأخرى بأم القرآن وسورة ويجلس، ثم بأخرى بأم القرآن فقط ويجلس؛ لأنها آخر صلاته.
- والثاني: بان مطلقًا، فإنه يقوم ويأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرًا، ويتشهد، ثم بركعتين بأم القرآن فقط، ويتشهد ويسلم.
_________________
(١) = ويوسف بن عمر كل منهما في شرح الرسالة، وإن كان خلاف ما ذكره (الشر) فإنه قال في العتبية: من أدرك الآخرة من الصبح لا يقنت في ركعة القضاء، وهو جار على مذهب المدونة؛ لأنه إنما يقضي ما نقدم من القول في الأولى ولا قنوت فيها. قال صاحب الطراز: وعلى القول الآخر يريد القول بالبناء مطلقًا يقنت. انتهى. قلت: وفيه نظر لما علمت أن القول الذي يقضي هو القراءة خاصة وقوله وعلى الآخر يريد القول بالبناء مطلقًا يقنت فيه نظر إذ لم يذكر ذلك في الطراز على هذا الوجه، بل على أنه يقتدي القول بالبناء الصادق بالبناء في الأقوال والأفعال بقوله بعد ما ذكر عن اللخمي: إن ثالث الأقوال أنه بأن في الأفعال قاض في القراءة بما نصه وأقرب ما فرق به بين الأفعال والأقوال في هذه الطريقة أنه رأى أن ما أدركه هو أول صلاته حقيقة؛ فلذلك يبني على الجلوس لكنه يزيد فيما يأتي به سورة مع أم القرآن خشية أن لا تفسد الصلاة ولا ينقص كما لها زيادة السورة بل ينقص الكمال نقصها فيأتي بالسورة ليتلافي ما فاته من الكمال. انتهى. ومنشأ الخلاف خبر: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فعلوا وما فاتكم فأتموا" وروي: "فأقصوا" فأخذ الشافعي برواية: "فأتموا" وهو أحد الأقوال عندنا وأخذ أبو حنيفة برواية: "فأقضوا" وهو أحد الأقوال عندنا أيضًا وعمل مالك بكل من الروايتين على القول المعتمد في مذهبه فجعل رواية فأتموا في الأفعال ورواية فأقضوا في الأقوال ويظهر ثمرة الخلاف فيمن أدرك الأخيرة من المغرب فصلى ما ذهب إليه الشافعي يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرًا ويجلس ثم بركعة بأم القرآن فقط، وعلى ما ذكر أبو حنيفة يأتي بركعتين بأم القرآن وسورة جهرًا ولا يجلس بينهما لأنه قاض فيهما قولًا وفعلا، وعلى المعتمد في مذهب مالك يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرًا لأنه قاض في الأقوال ويجلس لأنه بان في الأفعال ثم بركعة بأم القرآن وسورة أيضًا ويتشهد".
[ ٢ / ٣٩١ ]
[الركوع دون الصف:]
وركع من خشي فوات ركعة دون الصف ظرف لـ (ركع)، وهذا إن ظن إدراكه، أي: الصف في ركوعه دابًا إليه، إذا كان قريبًا منه، وأمكنه الوصول إليه قبل الرفع، أي: رفع الإمام رأسه من الركوع عند ابن القاسم، وهو المشهور.
ولمالك: لا يركع حتى يأخذ مقامه من الصف.
ومفهوم الشرط: لو علم أنه إذا ركع لا يدرك أن يصل له راكعًا حتى يرفع الإمام لم يجز له أن يركع دونه، وتمادى له، وإن فاتته الركعة قولًا واحدًا، حكاه في توضيحه عن ابن رشد، قائلًا: فإن فعل فقد أجزأته ركعته.
[صفة المشي للصف:]
يدب -أي: يمشى- للصف مشيًا خفيفًا كالصفين والثلاثة على المشهور، ولم يذكر هنا هل يحسب في الثلاثة الصف الذي هو فيه والذي يدب إليه أو لا.
وفي توضيحه: قيل: الظاهر أنه يحسبهما.
قال: وهو عندي مخالف لقول ابن حبيب وغيره: للمصلي أن يخرق الصفوف لسد الفرج.
لآخر فرجة تليه، إذا كان هناك فرج عدة، رواه ابن القاسم، وقال ابن حبيب: لأولها إلى الإمام.
وهل لا فرق بين كونها بين يديه أو عن يمينه أو شماله، وهو لابن القاسم، وإن كانت أمامه تقدم إليها، وإن كانت عن يمينه أو يساره تركها، وهو لابن حبيب؟ قولان.
والفرجة -بضم الفاء وفتحها-: الخلل بين الشيئين، وهذا إذا أحرم، وأما إذا لم يحرم أخرق إليها مطلقًا.
وظاهر كلامه: أنه يدب إليها ولو في ركعة بعد ركعة، حتى يصل
[ ٢ / ٣٩٢ ]
إليها، وهو كذلك، نص عليه في الجلاب.
ويدب قائمًا، أي: في ركعته الثانية، أو راكعًا، أي: في أولاه، لا ساجدًا أو جالسًا.
قال الشارحان: إنها أحوال من فاعل (يدب)، إذا دب قائمًا، يكون في قيامه من الركوع، أو في حال ركوعه، لا في حالط جلوسه، أو سجوده؛ لأنه كلفة وتغيير الاسم، بخلاف القائم والراكع.
[شك المسبوق في الإدراك:]
وإن أحرم المسبوق والإمام راكع، وشك في الإدراك لهذه الركعة، ألغاهما، وتمادى مع الإمام، وقضاها بعد سلام الإمام، وسجد بعد سلامه هو؛ للزيادة.
قال المصنف: وهو الأقيس، كمن شك: أصلى ثلاث ركعات أم أربعًا.
ومفهوم (شك): أنه لو تيقن عدم إدراكها لرفع الإمام رأسه قبل وضع يديه على ركبتيه فإنه يرفع موافقة له.
[تكبيره بالانحطاط:]
وإن كبر المسبوق بالانحطاط لركوع، ونوى به-أي: بتكبيره- العقد -أي: الإحرام- أجزأ، وتحته صورتان:
الأولى: أن يكون تكبيره حال قيامه.
ابن عطاء اللَّه: الصحيح الإجزاء، لأنه قد نوى تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الركوع لا تفتقر لنية.
الثانية: أن يكون حال انحطاطه، ونوى به الإحرام، وفيها قولان:
- الإجزاء عند الباجي وابن بشير؛ لأن التكبير للركوع إنما يكون في حال الانحطاط.
- وعدم الإجزاء لصاحبي النكت والمقدمات وابن يونس، وحملُ
[ ٢ / ٣٩٣ ]
الشارحِ كلام المؤلف على الناسي غير ظاهر، فتأمله.
وفهم من قوله: الركوع) أنه لو كبر وهو راكع ولم يحصل من تكبيره شيء حال قيامه لم يعتد بهذه الركعة، وهو كذلك، نقله المصنف عن ابن عطاء اللَّه.
أو نواهما -أي: الإحرام والركوع معًا بالتكبير- أجزأ أيضًا، حكاه في التوضيح عن النكت، أو لم ينوهما -أي: الإحرام والركوع- أجزأ.
ابن رشد: لأن التكبيرة تنضم للنية التي قام بها للصلاة؛ إذ يجوز تقديمها على الإحرام بيسير، وتكبير الركوع لا يفتقر لنية تخصه.
وحذف (أجزأ) من المسألتين قبله؛ لدلالة هذا عليه.
[نسيان نية الإحرام:]
وإن كبر مصل للركوع، ولم ينوه -أي: الإحرام- ناسيًا له، ثم تذكره، تمادى المأموم فقط على المشهور، وهو مذهب المدونة، وظاهره: كبر في حال قيامه أم لا، وهو كذلك على أحد قولين حكاهما في توضيحه.
تنبيه:
تلخص من كلامه سابقًا ولاحقًا ومنطوقًا ومفهومًا: أن للمأموم ثلاثة أحوال:
الأول: إن لم يكبر لإحرام ولا للركوع، لم يجزئه، ويبتدئ حيث ذكر.
الثاني: الإجزاء إذا كبر للركوع، ونوى به العقد، أو نواهما، أو لم ينوهما.
الثالث: أن يكبر ولا ينوي به الإحرام، ثم يتذكر، وله في هذه الحال أحوال، انظرها في الكبير.
[تكبير السجود:]
وفي إجزاء تكبير من وجد الإمام ساجدًا، فكبر لأجل السجود معه،
[ ٢ / ٣٩٤ ]
ناويًا به العقد، وهو رواية محمد، وعدم إجزائه، وهو قول محمد، تردد.
ابن عرفة بعد أن ذكر مسألة التكبير للركوع السابقة: الشيخ: وفي كون تكبير السجود مثله ولغوه رواية محمد وقوله. انتهى.
فقوله: (مثله) يشمل ما إذا نواهما، أو لم ينو واحدًا منهما، ومثله للبساطي، وزاد: وإن نوى السجود ناسيًا تمادى المأموم.
قال: ولا يتأتى في هذا أن يكون إمامًا ولا فذًا. انتهى، وهو ظاهر.
تنبيه:
قد ظهر لك مما قررنا أن التردد هنا ليس لعدم نص المتقدمين، ولا لتردد المتأخرين في النقل، فقول الشارح بعد أن عزا الأول لابن رشد، والثاني لابن عبد السلام: (وهذا معنى التردد)، وتبعه البساطي، وإن لم يعزه: غير ظاهر، واللَّه أعلم (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: " (قوله): وفي تكبير السجود تردد (ش) محل التردد حيث كبر للسجود ناسيًا الإحرام وعقد الثانية؛ فإن لم يعقدها فإنه يتفق على القطع، أي: أنه إذا كبر للسجود ناسيًا الإحرام فهل يتمادى إن عقد الركعة التي بعد هذا السجود وهو قول ابن رشد أو يقطع مطلقًا وهو قول سند، فيتفقان على القطع حيث لم يعقد ركوع ما بعدها. وقد نقل عن (المص) أنه قال: أردت بالتردد كلام سند وكلام ابن رشد فيما إذا كبر للسجود ولم ينو به الإحرام. انتهى. وأما إذا كبر للسجود ونوي به العقد أو نواهما أو لم ينوهما؛ فإنه كتكبيرة للركوع على المعتمد وهو رواية محمد لا على مقابله الذي هو قول محمد وهو مستفاد من قول ابن عرفة، وفي كون تكبير السجود مثله ولغوه رواية محمد وقوله. انتهى. واعلم أنه لا يصح جعل كلام ابن عرفة هذا شرحًا لقول (المص) وفي تكبيرة للسجود تردد؛ لأنه يشير بالتردد لمثل هذا على أنه يظهر من كلام ابن عرفة أن الراجح القول الأول لعزوه لرواية محمد وعزو الثاني لقوله: وبهذا يظهر لك أن جعل (تت) كلام ابن عرفة هذا شرحًا لكلام (المص) غير ظاهر. هذا ويستفاد من كلام ابن عرفة هذا أن الراجح فيما إذا كبر للسجود ناسيًا الإحرام القول بالتمادي، أي: بشرطه المتقدم وإن القول بالقطع مرجوح بل يستفاد منه بطلان التعبير بالتردد فيما إذا كبر للسجود ناسيًا الإحرام؛ لأنه لا يشترط بالتردد لمثل هذا فلو =
[ ٢ / ٣٩٥ ]
[عدم التكبير:]
وإن لم يكبر، يحتمل في مسألتي الركوع والسجود، بل تركه جملة، استأنف الصلاة بعد قطعه بغير سلام، ويحتمل عوده للثانية فقط (١).
تنبيه:
ثم رأيت طرة على الأصل، قيل: إنها بخط المصنف، فتأمل ما فيها -رحمه اللَّه تعالى- ونصها: أشرت بالتردد: [١] إلى ما نقله ابن رشد، فإنه قال: إن لم يكبر للإحرام وكبر السجود فقط فإنه يقطع ما لم يركع الثانية كبر لها أو لم يكبر، قاله في الموازية.
_________________
(١) = قال (المص) وإن كبر مأموم لركوع أو سجود ونوي به الإحرام إلى قوله تمادي وحذف قوله المأموم فقط وما بعده إلى قوله فقط تردد لسلم مما ذكر ووافق القول الراجح على ما يظهر من كلام ابن عرفة مع ما فيه من الاختصار فتأمله. تنبيه: سكت (المص) عن بيان حكم تكبير الرفع من الركوع وتكبير الرفع من السجود والأول ملغى، فيجب معه القطع والثاني حكمه حكم تكبير كما ذكره اللخمي عن محمد، وذلك لأن تكبير القائم من السجود تكبير في قيام الركعة التالية للسجود، وأشار لذلك بعض الشارحين فقال ولم يذكر (المص) حكم تكبير لرفع من ركوع أو سجود هل يجري فيه ما جرى فيهما أولًا وتقدم قول اللخمي ما ذكر فيمن كبر للركوع يقال فيمن كبر للسجود أو في الرقع منه، وأما تكبير رفع الركوع فظاهر المدون لغوه فيقطع ولا يتمادى. انتهى. تنبيه آخر: هل يجري في هذا الخلاف في وجوب التمادي وفي ندبه وهل يعيد وجوبًا أو احتياطًا كما جرى في مسألة: وإن لم ينوه ناسيًا له تمادي المأموم فقط وهو الظاهر أم لا".
(٢) قال الأجهوري: " (قوله): وإن لم يكبر استأنف (ش) أي: إن من دخل الصلاة بغير تكبير نسيانا ثم تذكر فإنه يستأنف الصلاة بإحرام ولا يحتاج إلى قطعها بسلام قبل إحرامه المذكور، سواء كان تذكره ذلك قبل ركوعه أو بعد ركوعه دون تكبير للركوع أيضًا أو سجوده دون تكبير له أيضًا أو بعد ما كبر له وقبل عقد الركعة التي تليه. وفي قول (المص) استأنف إشارة إلى أن الإمام لا يحمل عن المأموم تكبيرة الإحرام وهو المشهور المعلوم، بل حكي بعضهم الاتفاق على ذلك وحكي عن مالك أن الإمام يحمل عن المأموم تكبيرة الإحرام غير مأموم انتهى".
[ ٢ / ٣٩٦ ]
فإن ركع تمادى، وأعاد بعد قضاء ركعة، وإن نوى بتكبيرة السجود الإحرام أجزأه، وقضى ركعة. [٢] وإلى ما ذكره سند، فإنه قال: إن لم يكبر للإحرام ولا للافتتاح لم يجزئه تكبيره، ولا يعرف في المذهب فيه خلاف، إلا ما في سماع أشهب.
فإن قيل: فهل الإجزاء على القول لأنه تكبير في الصلاة، فصادف تكبيره قيام نية (١) الصلاة؟
قلنا: على هذا القول يشترط أن يتصل ذلك بفعل يعتد به. انتهى.
فصل ذكر فيه الاستخلاف، وشروطه، وصفته، وصفة المستخلف: بالفتح، وفعله
[حكم الاستخلاف:]
ولما كان هذا من جملة ما يندب للإمام عند موجبه، وكان في الكلام عليه وعلى ما يتعلق به طول عقد له هذا الفصل.
[حد الاستخلاف:]
ابن عرفة: هو تقديم إمام بدل آخر لإتمام صلاة.
[موجبه:]
سببه: طروء مانع إمامته، كـ: رعاف، أو عجز عن ركن، أو مانع صلاة، كـ: ذكر حدث، أو غلبته. انتهى.
وأفاد المصنف أن الإمام يستخلف في ضمن بيان حكمه وشرطه، فقال: ندب لإمام خشي لسبب تماديه على إمامته:
[١] تلف مال له أو لغيره، كانفلات دابة يخاف عليها، أو متاع يخاف عليه التلف، قاله سحنون.
_________________
(١) في "ن ٤" و"ج": شبه.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وتعقب البساطي على قول المؤلف: (ندب) بأن لهم عبارات، ففي الجلاب: يستحب.
وهى محتملة للندب والمسنية، كما هو عند العراقيين، وفي النوادر وابن يونس ما ظاهره الوجوب.
وفي التهذيب له: وهي للإباحة.
وقول ابن الحاجب: (ليس بواجب) أعم من الندب والإباحة، أي: فما وجه الاقتصار على الندب، وعلى أن (خشي) يستعمل في عرفهم في الظن فما دونه، و(خاف) فيما دونه، وعبارة سحنون: خاف. انتهى.
أي: فلا يدخل الطروء على تقييد الندب بالشرط المذكور، بأنه يفيد بمفهومه عدم الندب عند فقده، والذي يؤخذ من كلامهم: المنع عند فقده. انتهى بمعناه.
[٢] أو تلف نفس، كـ: صبي أو أعمى يقع في بئر أو نار كذلك.
[٣] أو منع الإمام الإمامة لعجز عن ركن، كـ: ركوع أو سجود أو فاتحة.
[٤] أو الصلاة -أي: منع إتمامها- برعاف حصل له.
[٥] أو بطلانها عليه؛ لأجل سبق حدث حصل منه فيها، أو لبطلانها لأجل ذكره، أي: الحدث بعد دخوله فيها، وسواء كانت جنازة أو غيرها.
وهاتان المسألتان مستثنيتان من قولهم: (كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم)، ولهما نظيرة ثالثة، ذكرناها في الكبير.
استخلاف (١): نائب فاعل (ندب)، وحذف من المواضع الخمسة قبله، لدلالة هذا عليه.
_________________
(١) قال الأجهوري: " (وقوله) استخلاف نائب، أي: إنه يندب الاستخلاف لما ذكر وهذا لا يفيد أنه عند عدم ما ذكر يمنع مع أنه يمنع منه، فلو قال (المص) صح لإمام إن =
[ ٢ / ٣٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = خشي تلف مال إلخ. استخلاف وهو أولى من تركه نسلم من هذا. وإنما يستخلف الإمام ندبًا إذا تعدد من خلفه فإن كان من خلفه واحدًا فلا إذ لا يكون خليفة على نفسه فيتم وحده قاله ابن القاسم. وقيل: يقطع ويبتدئ قاله أصبغ. وقيل: يعمل على المستخلف بالفتح فإذا أدرك رجل ثانية الصبح فاستخلفه الإمام وكان وحده، فعلى الأول: يصلي ركعتين الصبح كصلاة الفذ ولا يبني على قراءة الإمام، وعلى الثاني: يقطعها، وعلى الثالث: يصلي الثانية ويجلس ثم يقضي الركعة الأولى ويبني على قراءة الإمام في الأولى، وإذا استخلفه على نفسه بعد ما صلى معه ركعة من المغرب، فعلى الأول: يأتي بركعة بأم القرآن وسورة ثم يجلس ثم بركعة بأم القرآن فقط لأنه بأن في الأفعال والأقوال، وعلى الثاني: فالأمر واضح، وعلى الثالث: فيكون بانيًا في الأقوال والأفعال كالأول إلا أنه يبني على قراءة الإمام، فظهر الفرق بين البناء على الأول وعلى الثاني، وانظر لو اقتدى مسافر بمقيم واستخلفه لإمام على نفسه قبل أن يتم صلاة المسافر والظاهر أنه يتم على القول الأول لأنه لزمه إتمامها بدخوله معه. ثم رأيت في (د) التصريح بذلك عن اللخمي فإنه قال عند قوله: وأتموا وحدانًا ما نصه: قال اللخمي عن ابن المواز فيمن صلى وحده ركعة من الصبح ثم أحرم معه رجل في الثانية ثم أحدث الأول: فإن هذا يصلي ركعة ثم يجلس للتشهد ثم يقتضي الأولى وإن كان وحده وقال ابن القاسم في مسافر مع حضري فأحدث الحضري قبل أن يركع أول ركعة فخرج وترك المسافر كان على المسافر أن يصلي أربعًا انتهى، وكلام ابن القاسم موافق لما قبله. انتهى. فهذا يشعر بأنه على القول الأول يتمها سفرية ثم إن ظاهر نقل اللخمي هذا أن من خلفه يعمل ما يعمله الإمام وإن لم يستخلفه وإلا لما جلس بعد ركعة وليس كذلك، وإنما يعمل ما يعمله الإمام حيث استخلفه ويدل على ذلك ما ذكره (د) عن شرح المدونة للرصاع ونصه في شرح المدونة للرصاع: ولو أدرك رجل ثانية الصبح فاستخلفه الإمام وكان وحده فإنه يصلي الثانية ويجلس ثم يقتضي الركعة الأولى. وقيل: إنه يبني على حكم نفسه وإلا عمل على استخلافه وهو قول ابن القاسم. وقال أصبغ: يبتدئ صلاته. انتهى. وقول (د) وكلام ابن القاسم موافق لما قبله يقتضي أن المسافر إذا اقتدى بمقيم فإنما يتم إذا استخلفه وأما من لم يستخلفه فلا يتمها، وهو خلاف ما يأتي من أن المسافر إذا اقتدى بمقيم إذا أدرك معه ركعة وفي الغرض المذكور لم يدرك معه ركعة، فلا مخالفة بين ما يقتضيه كلام (د) وما يأتي. =
[ ٢ / ٣٩٩ ]
والإمام متعلق به، وجملة (خشي) في موضع جر صفة (إمام)، و(نفس): معطوف على (مال)، و(منع) معطوف على (خشي)، و(الصلاة) معطوف على (الإمامة)، و(سبق) معطوف على (رعاف)، واللَّه أعلم.
تنبيه:
إنما استحب له الاستخلاف لأنه أخبر بمن يستحق منصبه، فهو من باب التعاون على الخير، ولئلا يؤدي تركه للتنازع فيمن يقدمونه فتبطل صلاتهم، لا أنه يجوز له الاستخلاف إذا لم يوجد شرطه، وبهذا يندفع قول البساطي: مفهوم الصفة -أعني: خشي- أن الإمام لا يندب له ذلك عند
_________________
(١) = تنبيه: ما ذكرناه من عزو القول الأول لابن القاسم نحوه في شرح المدونة (للمصر) وعزا ابن عرفة القول الثالث لمذهب ابن القاسم؛ فإنه قال: إن مذهب ابن القاسم أنه يطلب بأن يستخلف وهذا يقتضي أن المأموم يعمل عمل المستخلف بالفتح إذ الوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصدها لا تشرع، بل في كلام اللخمي المتقدم ما يفيد أن ابن القاسم يقول: إنه يعمل ما يعمله الإمام وإن لم يستخلفه كما بيناه إلا أن يقال: إن لابن القاسم قولين، أو إن أحدهما قوله والآخر روايته، وانظر أيهما أرجح، ومقتضى كلام بعض الشارحين إن الراجح الأول، أي: أنه يعمل عمل الفذ والقول بالقطع لأصبع كما ذكرناه، ولسحنون في العتبية أيضًا كما نقله البرزلي انظر (د) تنبيه آخر ما ذكره (د) من أن كلام (المص) شامل لما إذا كان خلف الإمام واحد فقط ونقل ابن عرفة أنه مذهب ابن القاسم. انتهى. فيه نظر إذ المنقول عن ابن القاسم أنه لا ينبغي للإمام أن يستخلف من خلفه على نفسه حيث كان واحدًا فإن فعل مع استخلافه وكلام ابن عرفة لا يخالف ذلك. وبقي من مواطن الاستخلاف إذا تفرقت السفن أو نوي الإمام المسافر الإقامة أو قهقهة في الصلاة ولم يقدر على الترك ومن شك في صلاته هل سبق الوضوء الحدث أو عكسه وأما لو تيقن الوضوء وشك وهو مصل هل أحدث بعده أم لا فهل يستخلف أم لا لأنه يجب عليه التمادي وإذا بان الطهر لم يعد. وكلام ابن عرفة يفيد أنه يستخلف في هذه أيضًا على ما يتبادر منه وإذا مات الإمام في المحراب أو اخطفته الجن، لكن الاستخلاف في هذين ليس مطلوبًا من الإمام وكذا في بعض المسائل المتقدمة وهل من مواطن الاستخلاف ما إذا ذكر يسير الفوائت أم لا فيه خلاف. وقد تقدم (للمص) أنه يقطع إن لم يركع، أي: يتم ركعة بسجدتيهما وإلا شفع".
[ ٢ / ٤٠٠ ]
عدم الشرط، ولا يعلم خلافًا أنه لا يجوز.
وأشعر اقتصاره على ما ذكر بأنه لو ذكر نجاسته أو منسية أو قهقهة لا يستخلف، وهو كذلك، انظرها في الكبير.
[لا محل للاستخلاف:]
وإذا طرأ العذر استخلف، وإن بركوع أو سجود، أو جلوس قبل رفعه، ويدب كذلك ليرفع بهم، ولا تبطل صلاة المأمومين إن رفعوا برفعه، أي: الإمام الأول قبله، يحتمل قبل الاستخلاف، ويحتمل قبل رفع المستخلف بالفتح.
[إن لم يستخلف:]
وندب لهم أن يستخلفوا إن لم يستخلف إمامهم، ويحتمل كونه مستأنفًا، لا معطوفًا على فاعل (ندب)، ثم بالغ على كل من الاحتمالين بقوله: ولو أشار لهم بالانتظار حتى يرجع للإمامة، وأشار بـ (لو) لقول ابن نافع: إذا أشار لذلك، فحق عليهم أن لا يقدموا غيره، حتى يرجع، فيتم لهم.
[الأحق بالاستخلاف:]
وندب استخلاف الأقرب، قال مالك: من الصف الذي يليه؛ ليتأتى لهم الاقتداء به في أفعاله.
[ترك الكلام في الاستخلاف:]
وندب ترك كلام من الإمام عند استخلافه في كحدث سبقه، أو ذكره، أو في رعاف، ويشير لمن يقدمه، لكن لو تكلم في استخلافه في الحدث خالف المستحب فقط، وإن تكلم في الرعاف لغير ضرورة أفسد على نفسه دونهم.
تكميل:
قال في الذخيرة: لو قال: يا فلان، وهو اسم لاثنين، فتقدم غير
[ ٢ / ٤٠١ ]
المراد، أو تقدما بطائفتين أجزأ على قول سحنون، إلا في الجمعة، إذا تقدما؛ لأنه لا جمعتان في موضع، ويتعين أسبقهما، وإن استويا لم يجز واحد منهما.
[صيروة الإمام مؤتمًا:]
وإذا استخلف تأخر الإمام عن محل الإمامة مؤتمًا في العجز بغير إحرام؛ لأن هذا العذر إنما منع الإمامة فقط، واغتفر للضرورة هنا تغير النية من الإمامة للمأمومية.
واحترز بقوله في العجز عن الخارج لسبق الحدث أو نسيانه، فإن صلاته باطلة، وعن المنصرف للرعاف فإنه يخرج لغسل الدم.
[صفة الخارج لحدث:]
وندب لمن خرج لحدث: مسك أنفه في خروجه، قاله الباجي.
[من يلي الإمام:]
وندب تقدمه -أي: المستخلف: بالفتح- إن قرب من موضع الإمام؛ لتحصل له فضيلة الرتبة.
ومفهوم الشرط: إن بعد لم يندب له التقدم، وحكمه أن يكملها بمحله، لا أن المشي الكثير يفسدها.
[صفة التقدم:]
وإذا تقدم فعلى هيئته التي استخلف عليها، إن لم يكن بجلوسه، كـ: قائم أو راكع، بل وإن بجلوسه، رواه عيسى عن ابن القاسم.
[حكم تقدم غير المستخلَف:]
وإن تقدم غيره -أي: غير من استخلفه الإمام ممن يصح استخلافه- فأتم بهم، صحت صلاتهم.
الباجي: لأنه لا يكون إمامًا بمجرد الاستخلاف، بل بالشروع.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
[فرع:]
ثم شبه في الصحة أربعة فروع، فقال: كأن استخلف مجنونًا أو سكرانا مثلًا، ولم يقتدوا به؛ لأنه لا يكون إمامًا بمجرد الاستخلاف.
ومفهومه: إن اقتدوا به بطلت صلاتهم.
تنبيه:
مقتضى المفهوم البطلان بمجرد الاقتداء به، وهو واضح، لكنه في توضيحه نقل عن عبد الحميد: لا تبطل، حتى يعمل عملًا فيتبعونه فيه.
وأشار للفرع الثاني بقوله: أو لم يقتدوا بالمستخلف، بل أتموا وحدانًا كلهم، ويحتمل ما قرر به الشارحان، وهو: أن يترك هو وهم الاستخلاف، وقاله ابن القاسم.
وفي بعض النسخ: (وأتموا)، قالوا بالواو، بمعنى أو، ويشهد له ذكرها في بقية الفروع الأربعة.
وأشار للفرع الثالث بقوله: أو أتم بعضهم وحدانًا، واقتدى بعضهم بالمستخلف، تساووا أو لا.
وأشار للفرع الرابع بقوله: أو أتموا بإمامين، بأن صلى جماعة بإمام، وأخرى بآخر، وقاله سحنون.
[صلاة الجمعة وحدانًا:]
إلا الجمعة، يحتمل استثناؤها ممن أتموا وحدانًا، أو بعضهم، فإنها لا تصح للوحدان، لاشتراط الجماعة وجوبًا، وقد فقد، وظاهره: ولو صلوا مع الأول ركعة، وهو كذلك.
وقيل: تصح قياسًا على المسبوق.
وانظر الفرق على المشهور في الكبير.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
[قراءة المستخلف في الجهرية:]
وقرأ المستخلف بالفتح من انتهاء قراءة الإمام الأول، فيفتح مما يليها في الجهر، إشعار بأنه نائبه، وإن لم يكن قرأ شيئًا ابتدأ.
ولم يعلم من كلامه عين الحكم في قراءته من انتهاء الأول.
[قراءته في السرية:]
وابتدأ الثاني القراءة بأم القرآن بسرية، إن لم يعلم، ولو مكث الإمام قدر قراءتها؛ لاحتمال عدم إكمالها؛ لطول قراءته أو نسيانها.
ومفهوم الشرط: إن علم لقربه منه، أو إخباره قرأ من انتهاء قراءته كالجهر.
[ما يصح به الاستخلاف:]
وصحته -أي: الاستخلاف- بإدراك المستخلف ما -أي: جزء- قبل تمام الركوع، أي: سواء كان الذي أدركه فيه الركوع فقط، أو ما قبله ولو الإحرام.
قال المصنف كابن عبد السلام: شرط صحة استخلاف المستخلف إدراك جزء من الصلاة مع الإمام يعتد به، بأن يكون في الركوع فما قبله، وأما إن كان في رفع الرأس من الركوع فما بعده فلا يكفي؛ لأنه إنما يفعله موافقة للإمام، لا أنه واجب عليه في الأصل، فلو أجيز استخلافه في هذه الصورة للزم أن يأتم المفترض بشبه المتنفل.
تنكيت:
قول البساطي: (اعلم أن مرادهم أنه إذا أدركه قبل الركوع لا يكفي حتى يستمر إلى أن يركع، فلا بد من إدراكه الركوع معه قبل حصول العذر) غلط.
[مسألة:]
وإلا بأن لم يصح استخلافه بأن أدركه بعد الرفع من الركوع أو في
[ ٢ / ٤٠٤ ]
السجود مثلًا، فإن صلى لنفسه، أي: لم يبن على صلاة الإمام، بأن لا يكمل الركعة في الفرض المذكور، وإنما ابتدأ القراءة فاعلًا لجميع الركعة صحت صلاته، وصارت صلاة منفرد.
أو بني الأمر على أنه مستخلف متمم لصلاة الإمام، فإن كان بناؤه بالأولى فإن فعل ما أتمها في الفرض المذكور صحت صلاته بلا إشكال؛ إذ لا مخالفة لقوله: أو الثالثة صحت أيضًا.
وإلا بأن لم تكن الأولى ولا الثالثة، بل كانت الثانية أو الرابعة، فلا تصح؛ لحصول المخالفة من غير وجه؛ لجلوسه في غير محل جلوس الإمام، وهو غير محل جلوسه هو.
[عود الإمام لإتمامها:]
ثم شبه في عدم الصحة، فقال: كعود الإمام بعد زوال عذره لإتمامها.
وفهم البساطي محتمل صورتين:
- خروجه ولم يستخلف، فلم يصلوا وحدانًا، ثم عاد، وصلى بهم.
- واستخلافه، ثم رجع، وأخرج المستخلف، وأتم بهم.
قال: وظاهر عبارتهم تدل على أن موضع المسألة الاحتمال الثاني.
[من لا يصح استخلافه:]
وإن جاء المستخلف بالفتح وأحرم بعد حصول العذر فكأجنبي؛ لأنه لم يحصل له مع الإمام جزء البتة، فلا يصح استخلافه اتفاقًا، وتبطل صلاة من ائتم به.
[جلوس المسبوق للسلام:]
وجلس لسلامه -اللام للغاية- أي: سلام المستخلف بالفتح المسبوق: فاعل (جلس)، كما لو كان المستخلف والمأموم مسبوقين، فإن المأموم لا يقوم لقضاء ما عليه حتى يكمل المستخلف صلاته.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
كأن سبق -بضم المهملة وبكسر الموحدة- هو -أي: المستخلف بالفتح- فقط، فإن المأموم ينتظره حتى يكمل صلاته ويسلم بسلامه؛ لأن ألزم نفسه السلام مع الأول، والثاني نائبه، فلا يسلم قبله على المشهور.
تنبيه:
قول البساطي: (علم من قوله: "كأن سبق هو" أن الأولى معناها إذا لم يسبق هو، فيكون لا معنى له؛ لأنه إذا لم يسبق فلا معنى لقوله: "جلس لسلامه" بعيد، وحمله على ذلك فهمه أن المستخلف غير مسبوق في الأولى، ثم إنه حمل كلام المؤلف على شيء فيه تكلف، فانظره.
[المقيم يستخلفه مسافر:]
لا المأموم المقيم بالرفع عطف على الضمير المنفصل، ويحتمل الجر على الضمير المضاف إليه، وهذا على ما في أكثر النسخ، وفي نسخة البساطي إلا موضع لا، وعليها فالمقيم مستثنى من الضمير المضاف إليه، أو من فاعل (سبق)، والمعنى: أن المسبوق أو غيره يجلس لسلام المستخلف بالفتح المسبوق، إلا المستخلف المقيم يستخلفه إمام مسافر على مسافرين ومقيمين.
وكأن سائلًا قال: كيف يستخلف مقيمًا على مسافرين، وهو مخالف للسنة؛ إذ إمامة المسافر للمسافرين أحسن؟
فأجابه بقوله: لتعذر استخلاف مسافر؛ لبعده أو لعدم صلاحيته للإمامة، أو جهله عينه، أو أنه خلفه، ويحتمل أن يريد بجهله عدم صلاحيته أيضًا، فيسلم المأموم المسافر عند قيام الإمام المستخلف بالفتح إذا أكمل هذا المسافر صلاته، ولا ينتظر المستخلف بالفتح؛ لأن المستخلف دخل على عدم الاقتداء بالإمام الأول في السلام.
ويقوم غيره -أي: غير المسافر- بعد انقضاء صلاة الإمام الأول للقضاء أفذاذًا عند مالك؛ لدخولهم على عدم الاقتداء بالسلام مع الأول، وحمل الشارح قوله: (لتعذر مسافر) فقده جملة، فاستشكله، فإنه لا يمكن
[ ٢ / ٤٠٦ ]
أن يكون مع تعذر المسافر مسافر، فكيف يقول: (ويسلم المسافر)، وتبعه البساطي، وكأنهما وقفا مع تفسير المصنف بذلك كلام ابن الحاجب، والتعذر صادق بما قلناه، فيندفع الإشكال.
[استخلاف مسافر مسافرًا:]
ولو استخلف المسافر مسافرًا أتم المقيمون أفذاذًا.
[جهل المستخلف ما صلِّيَ:]
وإن جهل المستخلف -بالفتح- ما -أي: العدد الذي- صلى الإمام الأول، ومن خلفه يعلم ذلك، أشار لهم ليعلموه، فأشاروا، فإن فهم فواضح.
وإلا بأن لم يفهم أو كانوا في ليل مظلم وتمادى سُبِّحَ به، زاد ابن الحاجب تبعًا لابن شاس: فإن فهم فواضح، وإلا كلمهم وكلموه، ولم يذكر ذلك المصنف هنا، لقوله في توضيحه: وفي كلامهما نظر، كما قدمناه في الكلام لإصلاحها (١).
_________________
(١) في المنح ما يدل على صحة كلام ابن الحاجب، فقد قال عليش (١/ ٣٩٩): " (وإلا) أي، وإن لم يفهم بها أو كان أعمى أو في ظلام (سبح) بضم السين المهملة، وكسر الموحدة نائب الفاعل مستتر فيه تقديره هو أي اللَّه (به)، أي: بسبب تفهيم الخليفة عدد ما صلى الأول، فإن فهم، وإلا كلموه ولا يضر تقديم التسبيح على الإشارة المفهمة وتبطل بتقديم الكلام على التسبيح أو الإشارة اللذين يحصل بهما الإفهام. والكلام هنا إذا توقف عليه الإفهام ونص عليه ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية. ابن رشد: وهو الجاري على المشهور من أن الكلام لإصلاح الصلاة لا يبطلها خلافًا لسحنون". وقال الأجهوري: " (قوله): وإن جهل ما صلى أشار فأشاروا وإلا سبح به، أي: وتقديم التسبيح على الإشارة لا يبطل؛ فإن لم يفهم بالتسبيح كلمهم وكلموه ويضر تقديم الكلام على أحدهما حيث كان يفهم بأحدهما، وانظر لو علموا أنه يفهم بالإشارة فقط ففعلوا التسبيح أو عكسه، وانظر أيضًا لو تحققوا أنه فهم بالإشارة ثم فعلوا التسبيح أو أنه فهم بالتسبيح ففعلوا الإشارة، ولا يقال التسبيح إذا قصد به التفهيم بغير محله لا يبطل فليس كالذكر وحينئذ فالتسبيح لا يبطل ولو علموا أنه يفهم =
[ ٢ / ٤٠٧ ]
[مسألة:]
وإن قال الإمام الأصلي للمسبوق الذي استخلفه وللمأمومين المسبوقين: أسقطت ركوعًا أو نحوه مما يوجب إبطال الركعة، لا الصلاة كلها، فقول الشارح: (مما تبطل به الصلاة) فيه تجوز.
عمل المستخلف -بالفتح- عليه، أي: على قول الإمام؛ لأنه لا علم عنده، وعمل عليه من المأمومين أيضًا من لم يعلم -أي: يعتقد- خلافه، فيدخل من علم صحة قوله أو ظنها، أو شك فيها، أو ظن خلافها، ويدخل في الشك من شك في صلاة الإمام، وتيقن صحة صلاة نفسه، وهي كذلك على أحد قولين حكاهما المؤلف عن ابن رشد، ويخرج من علم خلاف قوله، كأن يعلم صحة صلاة الإمام وصلاة نفسه.
[محل السجود للسهو:]
وسجد المأموم في الأوجه التي عمل فيها على قول الإمام قبله، أي: السلام؛ لاجتماع النقص والزيادة، فما أسقطه الإمام جعلوه من الركعة الأولى، لأن الركعة الرابعة لا بد أن تكون باقية، والثالثة لا بد أن يدركها المستخلف، وإلا لم يصح استخلافه، وبقيت الأولى والثانية فجعلوها من الأولى؛ لأنه يتأتي فرضها في الثلاثية والرباعية، فانقلبت الركعات، وصارت الثانية أولى، والثالثة ثانية، فالركعة المأتي بها بناء، يقرأ فيها بأم القرآن فقط في نقص، وبقيت تلك الركعة زيادة.
[محل البعدي:]
ولما كان السجود عامًا في كل الصور، بينه بمفهوم الشرط، فقال: إن
_________________
(١) = بالإشارة أو تحققوا إنه فهم بالإشارة؛ لأنا نقول: التسبيح هنا لم يفعل لحاجة أصلًا وما مر فعل لها فتأمله، ولا يقال أيضًا: الإشارة من الفعل اليسير الذي لا يبطل الصلاة لأنا نقول: هذا حيث لم ينضم لها قصد التفهيم مع عدم الحاجة لها وقد علمت إن الذكر ليس مما يبطل الصلاة وإذا انضم له قصد التفهيم أبطل. تنبيه: إذا جهل وجهلوا فإنه يعمل على المحقق ويلغي غيره".
[ ٢ / ٤٠٨ ]
لم تتمحض زيادة، فإن تمحضت سجد بعد السلام، كما لو استخلفه قبل ركوع الثانية، وقال له: أسقطت ركوعًا وسجودًا، ثم قضى ما فاته بعد كمال صلاة إمامه، هذا راجع لقوله: (سجد قبله)؛ لأنه موضع سجود إمامه الذي كان يفعله، وهذا نائبه.
وقيل: بعد كمال صلاة نفسه؛ تغليبًا لحكم صلاته في نفسه.
* * *
فصل ذكر فيه أحكام صلاة السفر
[صلاة القصر:]
ولما كانت الفريضة تقع مرة:
- تامة غير مجموعة مع فرض آخر.
- ومجموعة.
- ومرة مقصورة مجموعة.
- وغير مجموعة.
وقدم التامة غير المجموعة، شرع فيما عداها، بادئًا بالقصر على الجمع وبالحكم، فقال:
[حكمها:]
سن على المشهور لمسافر رجل وامرأة.
[شروطه:]
[١] غير عاص بجر غير صفة لمسافر، أو نصبه على الحال من مسافر، به -أي: السفر المفهوم من مسافر- فلا يقصر العاصي به، كعاق وقاطع طريق ونحوهما، وإن جاز له أكل الميتة على الأصح.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
ويدخل في قوله: (عاص به) من طرأ له ذلك في أثنائه، وشمل سفر العصيان:
الواجب، كـ: حج وغزو.
والمندوب: كل ما فيه قربة.
والمباح، وهو: ما يصل به عيشه.
والمكروه، كـ: صيد اللهو.
[٢] ثم أخرج المكروه بقوله: وغير لاه به على الأصح، ولم يعلم كلامه حكمه، وفي المدونة في الصائد للهو: لا أحب له أن يقصر.
ابن ناجي: الظاهر حمل (لا أحب) على بابها؛ لأن صيد اللهو مكروه المشهور.
[٣] أربعة برد: مفعول (مسافر)، بيان لسفر القصر، واختلف: هل تحديد أو تقريب؟ قولان (١).
_________________
(١) قال في المنتقى: "الخلاف في أقل مقادير سفر القصر: فالمشهور عن مالك أن أقل سفر القصر أربعة برد وهي ستة عشر فرسخًا وهي ثمانية وأربعون ميلًا وإلى ذلك ذهب الشافعي، وروي عنه مسيرة يوم وليلة وروى ابن القاسم أن مالكًا رجع عنه، قال القاضي أبو محمد عن بعض أصحابنا أن قوله: مسيرة يوم وليلة ومسيرة أربعة برد واحد وأن اليوم والليلة في الغالب هو ما يسار فيه أربعة برد فيكون معنى قول ابن القاسم ترك التحديد باليوم والليلة أنه ترك ذلك اللفظ إلى لفظ هو بين منه قال ابن حبيب: وتقصر في أربعين ميلًا وهذا قريب من أربعة برد، وروى أشهب عن مالك القصر في خمسة وأربعين ميلًا وروى أبو زيد عن ابن القاسم من قصر في ستة وثلاثين ميلًا فإنه لا يعيد قال ابن المواز عن ابن عبد الحكم يعيد في الوقت فإن قصر في أقل من ذلك أعاد أبدًا وقال أبو حنيفة: لا تقصر الصلاة في أقل من مسيرة ثلاثة أيام وقال داود إن سافر لحج أو عمرة قصر الصلاة في قصير السفر وطويله ودليلنا على ما نقوله ما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها ذو محرم" فوجه الدليل من ذلك أنه ثبت هذا الحكم لهذا المقدار وجعله سفرًا ولا خلاف أن للمرأة الخروج إلى الموضع القريب دون ذي محرم فإذا =
[ ٢ / ٤١٠ ]
كل بريد أربعة فراسخ، كل فرسخ ثلاثة أميال، فهي ثمانية وأربعون ميلًا، وهل الميل ألفا ذراع، أو ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، أو أربعة
_________________
(١) = جعله النبي -ﷺ- حدًا للسفر وجب أن يتعلق به هذا الحكم ويحدد منه قياسًا فنقول إنه سفر لا تخرج فيه المرأة إلا مع ذي محرم فجاز أن يتعلق به حكم القصر أصله مسيرة ثلاثة أيام ودليلنا على أنه لا يجوز القصر في الميل والميلين أن هذه مسافة لا تلحق المشقة بقطعها غالبًا فلم يتعلق بها حكم القصر كالخروج إلى المسجد والسوق". وأما معارضة حديث مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللَّه عن أبيه أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيرة ذلك. قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد. بمخالفة عقيل عن ابن شهاب فقال وذلك نحو ثلاثين ميلًا. وكذلك رواه عبد الرزاق عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللَّه أن عبد اللَّه بن عمر كان يقصر الصلاة في مسيرة اليوم التام. قال سالم: وخرجنا مع عبد اللَّه إلى أرض له بريم، وذلك من المدينة على نحو من ثلاثين ميلًا فقصر عبد اللَّه الصلاة يومئذ. فقد قال في الاستذكار: (٢/ ٢٣٢، وما بعدها): "أما رواية عبد الرزاق عن مالك فأظنها وهمًا فخلاف ما في الموطأ لها وإنما رواية عقيل عن ابن شهاب فإن لم تكن وهمًا فيحتمل أن يكون ريم موضعًا متسعًا كالإقليم عندنا فيكون تقدير مالك إلى آخر ذلك، وتقدير عقيل في روايته إلى أول ذلك. ومالك أعلم بنواحي بلده، قال بعض شعراء أهل المدينة: فكم من حرة بين المنقى إلى أحد إلى جنبات ريم إلى الروحاء ومن ثغر نقي عوارضه ومن ذلك وخيم ومن عين مكحلة المآقي بلا كحل ومن كشح هضيم وجنبات ريم ربما كانت بعيدة الأقطار". وقال في المنتقى: "وما رواه جماعة رواة الموطأ عن مالك أولى وهو أعلم بذلك لتكرره عليه ونشأته به وإخباره بمسافته إخبار من يروح إليه ويغدو منه وهذا كله ليس فيه دليل على أقل مقادير القصر وإنما فيه دليل على جواز القصر في مثل تلك المسافة، وإنما يخبر كل إنسان منهم بما يشاهد من ذلك وتختلف عباراتهم فبعضهم يحد ما رواه بالمسافة وبعضهم بالزمان وبعضهم بالأميال ويعود ذلك كله إلى معنى واحد، واللَّه أعلم". وقد روى مالك عن نافع أنه كان يسافر مع عبد اللَّه بن عمر البريد فلا يقصر الصلاة، وهذا يرد ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر الصلاة.
[ ٢ / ٤١١ ]
آلاف، والأول المشهور على ما في بعض نسخ ابن الحاجب، والثاني صححه ابن عبد البر، والثالث قال البساطي: هو الأكثر. انتهى، وفيه أقوال آخر.
[اعتبار هذا القدر بالبحر:]
ولو كان سفر الأربعة برد ببحر عند مالك، وهو الذي رجع إليه، وأشار بـ (لو) لقوله الآخر: يقصر في البحر إذا سافر يومًا وليلة؛ لأن الأميال فيه لا تعرف.
وظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق بين سفره في اللجة أو مع الساحل، ولا بين كونها كلها في البحر أو في البر، أو بعضها في البر وبعضها في البحر.
[شرطا الأربعة برد:]
[١] ذهابًا تمييز لأربعة، أي: من غير اعتبار الرجوع، وظاهره: أنه لا فرق بين الطريق المستقيمة والمستديرة، وهو كذلك في الجميع.
[٢] قصدت تلك المسافة، فلو سافرها بغير قصد لم يقصر.
تنبيه:
أفهم قوله: (قصدت) أن العبد إذا سافر مع سيده والمرأة مع زوجها والجندي مع الأمير ولا يعلمون قصدهم أنه ليس لواحد منهم أن يقصر إلا أن يعلم وينويه، كذا قاله النووي في روضته.
قال الوانوغي: هو صواب على مذهبنا؛ لقولنا: شرطه العزم من أوله. انتهى.
قال ابن الحاجب: سبب القصر سفر طويل، شرطه العزم من أوله على قدره من غير تردد، والشروع فيه، وإباحته. انتهى.
[٣] دفعة -بفتح الدال- تمييزًا لفاعل (١) (قصدت)، وتحرز به عما لو
_________________
(١) كذا في سائر النسخ، وهو سبق قلم، والصواب: تمييزًا لنائب الفاعل.
[ ٢ / ٤١٢ ]
قصد بعضها بعد بعض، وكذا من لا يدري غاية سفره، كطالب آبق.
[بدء القصر:]
ولما كان الإتمام هو الأصل، والنية بمجردها لا تخرج عنه، اشترطوا معها الشروع، واعتبروا فيه الانفصال عن حكم محله، أشار لذلك مبينًا لابتداء محله بقوله:
[القصر للبلدي:]
إن عدى البلدي البساتين المسكونة، سند: لأنها من توابعها. ولا عبرة بالمزارع على المشهور، وسواء كان بلد جمعة أو لا، وهو المشهور، وحملت عليه المدونة، وهو ظاهرها.
وتؤولت أيضًا -أي: حملت- على غير ظاهرها، وهو لابن رشد، ولفظها المؤول: ويتم المسافر حتى يبرز عن قريته على مجاوزة ثلاثة أميال بقرية الجمعة.
ابن عبد السلام: وله حظ في النظر؛ لأن حقيقة السفر هنا وفي الجمعة واحدة، فالمسقط للجمعة هو سبب القصر، فكما أن دون ثلاثة أميال لا تسقط الجمعة فكذلك لا أثر له هنا.
حادثة:
إذا فرعنا على غير المشهور: فهل الثلاثة أميال محسوبة من الثمانية والأربعين مثلًا، كما هو ظاهر كلامهم، أو غير محسوبة؛ لأجل أنه لما حكم بأنه يتم فيها فكأنها وطنه؟
قال ابن ناجي: لم أر في ذلك نصًا، وعندي أنها لا تحسب، واختار غير واحد ممن لقيته أنها تحسب (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: " (وتؤولت أيضًا على مجاوزة ثلاثة أميال) من السوران كان للبلد سور وإلا فمن أخر جزء بنائها (بقرية الجمعة). ابن عبد السلام: وله حظ في النظر فكما أن من كان على ما دون الثلاث لا تسقط عنه الجمعة فكذا لا أثر له هنا لأن حقيقة =
[ ٢ / ٤١٣ ]
[القصر للعمودي:]
ثم عطف على البلدي، فقال: والعمودي، وهو ساكن البادية حلته بالكسر -أي: التي ينصبها ليأوي فيها من شعر أو غيره- فيقصر إذا جاوزها.
تنبيه:
ظاهره: ولو كانت الحلة مفترقة.
وفي الطراز: إن تقاربت بحيث يجمعها اسم الحي والدار لم يقصر حتى يجاوز الجميع، وإن كانت بحيث لا يجمعها اسم الحي واسم الدار جاز (١).
_________________
(١) = السفر في البابين واحدة. انتهى. والظاهر أن هذا حيث لا تزيد البساتين المسكونة عن ثلاثة أميال فإن زادت عنها اتفق القولان على اعتبار مجاوزة المسكونة، وكذا إذا كانت ثلاثة أميال وأما إذا كانت الثلاثة أميال تزيد على البساتين المسكونة فيجري فيما زاد منها على البساتين المسكونة التأويلان في اعتبار مجاوزته وعدمها. (وقوله) وتؤولت أيضًا على مجاوزة إلخ. اعلم أنه جرى خلاف هل على هذا القول تحسب الأميال الثلاثة من مسافة القصر أم لا. قال ابن ناجي: والأول ظاهر كلامهم واختاره شيخنا وغيره والصواب عندي لا تحسب منها. انتهى. واعلم أن البساتين المسكونة لا تحسب قطعًا من المسافة فلا بد من تقييد القول بأن الأميال تحسب من المسافة بما إذا لم يكن بالقرية بساتين مسكونة فإن كان بها بساتين مسكونة ثلاثة أميال أو أكثر فلا تحسب من المسافة وإن كانت دون ثلاثة أميال حسب ما زاد على البساتين منها من المسافة هكذا ظهر في مجلس المذاكرة هذا. واعترض (ق) قول (المص) وتؤولت إلخ بأنه لم ير من عزاه للمدونة، أي: لم ير من تأوله على المدونة انظره. وعليه فقول (الشر) و(تت) ومن وافقهما إن ابن رشد تأول هذا على المدونة غير سديد والظاهر أن المراد بقرية الجمعة ما تقام فيها الجمعة بالفعل أو ما يوجد فيها شرط إقامة الجمعة، وهل لا بد من كون ذلك على وجه الدوام أو يكفي ذلك ولو في زمن دون آخر كما إذا كانت في بعض الأحيان تتوفر فيها الشروط دون بعض، والظاهر الاكتفاء بذلك".
(٢) قال الأجهوري: "ابن فرحون ولو تفرقت البيوت بحيث يجمعهم اسم الحي والدار فلا =
[ ٢ / ٤١٤ ]
[قصر غيرهما:]
وانفصل غيرهما، أي: غير البلدي والعمودي (١).
[محل القصر:]
قصر -نائب فاعل (سُن) - رباعية، بيان لمحل القصر، لا الصبح ولا المغرب اتفاقًا.
[صفة التي تقصر:]
ثم وصف الرباعية التي تقصر بقوله: وقتية، ظاهره: ولو سافر في آخر وقتها الضروري، كـ: قبل الغروب بثلاث، وعليه الظهر والعصر، وهو كذلك، لكن مع نسيانهما اتفاقًا، ومع العمد على المنصوص.
تتمة:
قال سند: لو نوى السفر بعدما دخل الوقت، أيما الأفضل: أن يتم ثم يسافر، أو يسافر فيقصر؟
_________________
(١) = يقصر حتى يجاوز الجميع، وإن لم يجمعهم اسم الحي واسم الدار يقصر إذا جاوز بيوت حلته. انتهى. قلت: وإذا جمعهم اسم الدار دون اسم الحي فهو كما إذا جمعهم اسم الحي واسم الدار كما هو الظاهر. والظاهر أيضًا فيما إذا جمعهم اسم الحي ولم يجمعهم اسم الدار بأن كان لكل فرقة منهم داران يعتبر كل دار على حدتها وهذا ظاهر حيث كان لا يرتفق بعضهم ببعض وإلا فهم كأهل الدار الواحدة كذا ينبغي".
(٢) قال الأجهوري: "أي غير البلدي والعمودي السابق وهو البلدي الذي ليس ببلده بساتين مسكونة، أي: متصلة والعمودي الذي ليس له حلة كسكان الإخصاص كرابع بطريق مكة وسكان الجبال ومن كان في بطن الوادي فحول جانبي عرضه بمنزلة السور فلا يقصر حتى يجاوز ذلك ولا يعتبر مجاوزة طوله لأن الذي يسور به إنما يجاوز بناء البلد وبساتينه التي في حكمه لأنه صار من الجيش. انتهى. ويلغز بها، فيقال: رجل خرج من بلد إقامته إلى محل دون مسافة قصر وقصر قبل انفصاله من البلد وصح قصره".
[ ٢ / ٤١٥ ]
ابن حبيب: هو في سعة، إن شاء صلاها في أهله صلاة مقيم، وإن شاء خرج فقصرها في سفره. انتهى.
ولا يقصر ما خرج وقته قبل سفره.
[قصر الفائتة:]
ولما كان قوله وقتية يوهم أن الفائتة لا تقصر مطلقًا أخرج منه ما خرج وقتها في السفر بقوله: أو فائتة فيه، فإنه يقصرها، ولو في الحضر، ونحوه في المدونة.
[قصر النواتية:]
ولما كان النواتية -وهم خدام المراكب- إذا سافروا بأهلهم يتوهم أن المركب لهم كالدار فلا يقصرون، دفع هذا الوهم مبالغًا بقوله: وإن نوتيًا بأهله، ونحوه في المدونة.
تنبيه:
قال ابن ناجي: أقام شيخنا منها: أن العرب المسافرين بأهلهم وولدهم -السفر الطويل: المعزوم عليه- يقصرون، وبها أفتى غير مرة، وهو جلي.
[نهاية القصر في العودة:]
ثم بين نهاية القصر في عوده من سفره بقوله: إلى محل البدء، أي: موضع بدء قصره عند خروجه من أرضه، فأوله كآخره، ونحوه لابن الحاجب، مع أنه تعقبه في المدونة والرسالة من أن مبدأ القصر مخالف لمنتهاه.
[القصر أقل من أربعة برد:]
لا أقل من أربعة برد، فلا يقصر مسافرها، وذكر هذا وإن علم مما تقدم ليرتب عليه قوله: إلا كمكي، ونحوه مما قربها كمنوي ومحصبي ومن جاور بها أو قدم لها حاجًا من الآفاق، فإنه يقصر في خروجه منها لعرفة من حج ورجوعه لمكة، وإن كانت المسافة دون أربعة برد؛ للسنة.
[ ٢ / ٤١٦ ]
وأفهم قوله: (خروجه) و(رجوعه) أن المنوي لا يقصر في محله، وهو كذلك.
ولا يدخل في عبارته الْعَرَفِيُّ؛ لقوله: (في خروجه لعرفة)، ولا يعلم من كلامه حكمه.
وعلم منه أن المنوي إذا رجع لمنى بعد تمام حجة لا يقصر؛ لقوله في خروجه ورجوعه.
ثم عطف على (أقل)، فقال: ولا يقصر راجع لدونها، أي: مسافة القصر إذا رجع بعد أن سافر بعضها، وسواء رجع لحاجة أو غيرها، قصر في ذهابه أو لا، إن لم يرجع لشيء نسيه، بل ولو رجع لشيء نسيه؛ لأن رجوعه ابتداء سفره على المشهور.
[حكم العادل:]
ولا يقصر عادل عن طريق قصير لا تقصر فيه الصلاة لطريق تقصر فيه بلا عذر، فلو عدل عن القصير لعذر، كـ: خوف مكاس أو وعر أو حاجة لا بد له منها، فقال المازري: يقصر.
[حكم الهائم:]
ولا يقصر هائم، واختلف المتأخرون في تفسيره، ففسر ابن راشد وسيدي عبد اللَّه المنوفي شيخ المصنف بمن لا يعزم على مسافة معلومة، كالفقراء المتجردين؛ فإنهم يخرجون لغير موضع معلوم، وحيث طابت لهم بلدة أقاموا بها.
وفسره ابن عبد السلام وابن هارون بالتائه عن طريق القصد، إذا لم يكن بَعُدَ عن مبتدأ سفره في طريق القصد المسافة المذكورة.
قال المصنف: وتفسير شيخنا أولى.
ثم أجمل هنا، فيحتمل أنه اعتمد على تفسير شيخه، ويحتمل تفسير ابن عبد السلام، فإن أراد الأول كان الاستثناء في قوله [: (إلا أن يعلم)
[ ٢ / ٤١٧ ]
راجع لما. . (١)] (٢).
[قصر طالب الرعي:]
ولا يقصر طالب رعي تبع الكلأ بمواشيه حيث كان، إلا أن يعلم قطع المسافة، وهي الأربعة برد قبله، أي: قبل موضع الرعي، فيقصر راجعًا لمسألة الرعي فقط.
وإن أراد الثاني كان راجعًا لها وللتي قبلها.
[قصر المنفصل:]
ولا يقصر مسافر منفصل خرج عن بلده عازمًا على السفر، لكنه أقام خارجه ينتظر رفقة يسافر معها، إلا أن يجزم بالسير دونها، فيقصر حينئذ، وما ذكره نحوه في المدونة، واللَّه أعلم.
تتمة:
سكت كالمدونة عما إذا تردد إن لم يسيروا، وفيه قولان للمتأخرين، حكاهما ابن بشير.
[ما يقطع القصر:]
وقطعه -أي: القصر- أمور، منها:
[١ - دخول بلده:]
دخول بلده التي هي محل إقامته أو توطنها، وتتم الصلاة؛ لأن دخولها مظنة الإقامة.
تنكيت:
حملُ الشارح كلام المصنف هنا على أن (المسافر إذا رجع إلى بلده ودخل بيوتها أو قربها فيتم) غير ظاهر؛ لتكرره مع قوله فيما تقدم: (إلى محل البدء).
_________________
(١) هنا كلمة غير مقروءة في "ن ٢".
(٢) ما بين معكوفتين من "ن ٢".
[ ٢ / ٤١٨ ]
[صفة دخول بلده:]
وسواء دخلها اختيارًا أو غلبة، وعليه بالغ بقوله: وإن بريح، غير أن ما قبل المبالغة يصدق بما إذا رده غاصب، وقد قال المازري: إنه يقصر.
[ما لا يقطع القصر في بلده:]
ثم استثنى من ذلك ما لا يقطع القصر إذا رجع لمكان كان توطنه، بقوله: إلا متوطن كمكة رفض سكناهما، وخرج منها لموضع تقصر فيه الصلاة، ورجع منه لها ناويًا السفر، ونوى بها إقامة (١)، لا يلزمه فيها إتمام
_________________
(١) قال الأجهوري: " (وقوله) رجع ناويًا السفر يقتضي أنه يتم حيث رجع ناويًا الإقامة أو لا نية له والأول مسلم والثاني غير مسلم إذ حكمه حكم من رجع ناويًا السفر، فلو قال: ورجع غير ناوي الإقامة لسلم من هذا وطابق ما في ابن الحاجب الموافق لما في كلام غيره كما يأتي ثم أنه إنما تفترق نية الإقامة من غيرها في حال دخول المحل الذي رجع إليه فإن من نوي الإقامة يتم ومن لم ينوها يقصر لا في حال الرجوع لأنه إن كان رجوعه بعد مسافة القصر فالأمر واضح لأن الراجع لبلده وما في حكمه من مسافة القصر يقصر في رجوعه فأولى في هذا وإن كان رجوعه قبل مسافة القصر فهو غير راجع لبلده وما في حكمه ولا شك أن من رجع لغيره بلده وما في حكمه من دون مسافة القصر يقصر حيث كان خروجه لسفر مسافة القصر وأدخل الكاف على مكة ليفيد أن هذا الحكم ليس خاصا بمن أقام بمكة الإقامة القاطعة بحكم السفر بل يجري في غيرها أيضًا وهذا الاحتمال اقتصر عليه غير واحد كالشيخ (ح) وعليه فالاستثناء في كلام (المص) على ما يتبادر منه منقطع وعلى كل حال فالمستثنى منه شامل لما إذا رجع بعد مسافة القصر أو قبلها والمستثنى في من رجع بعد مسافة القصر على ما ذكره (ح) أو فيمن رجع بعد مسافة القصر أو قبلها على ما بيناه فكلام (ح) في التنبيه الآتي عنه فيه نظر ويحتمل أن يكون أشار به إلى من رفض سكنى وطنه ثم رجع له غير ناوي الإقامة القاطعة وقد كان خروجه منه لسفر قصر؛ فإنه يقصر سواء كان رجوعه له بعد ما بلغ مسافة القصر أو قبل ذلك وبعد وصوله لمبدأ القصر و(ح) فقوله: رفض سكناها في محله وأما قوله ورجع ناوي السفر فليس بصواب على هذا الاحتمال أيضًا والصواب ورجع غير ناوي الإقامة ويشهد لما ذكرناه من الاحتمال الثاني قول سند: لو نزل قرية كان أهله بها وما توافي الموازية يتم ما لم يرفض سكناها. انتهى. وهو يفيد أن رفض سكناها مع وجود أهله بها لا يعتبر وهو واضح إذ المراد بالأهل الزوجة في هذا المحل، ويشهد لما ذكرناه من الاحتمال الأول قول المدونة، قال مالك: ومن =
[ ٢ / ٤١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = دخل مكة وأقام بها بضعة عشر يومًا فأوطنها ثم أراد أن يخرج إلى الجحفة ليعتمر ثم يعود لمكة فيقيم بها اليوم واليومين ثم يخرج منها، فقال مالك: يتم في يوميه، ثم قال: يقصر، قال ابن القاسم: وهو أحب إلي، قال أبو الحسن: قوله: فأقام بها بضعة عشر المراد أنه نوي أن يقيم بها مدة تقطع حكم السفر، وقوله: فأوطنها، أي: أنها صارت بمنزلة الوطن في قطع حكم السفر ابن يونس وجه القول بالإتمام أنه لما أوطنها وأتم الصلاة بها صار لها حكم الوطن فإنه رجع إلى وطنه ووجه القول بالقصر أنها ليست وطنه في الحقيقة وإنما أتم بنية الإقامة وأما وطنه فلا يحتاج إذا رجع إليه إلى نية الإقامة فكان ما لا يتم فيه إلا بنية أضعف مما يتم فيه بغير نيته وقد سافر من ذلك الموضع سفر قصر فإذا رجع إليه فهو على نيته السفر حتى ينوي إقامة أربعة أيام أيضًا ولو كان اعتماره من الجعرانة أو ما لا تقصر فيه الصلاة ثم رجع إلى مكة ونوي أن يقيم بها اليوم أو اليومين لأتم في ذلك بلا خلاف من قوله؛ لأنه على نيته الأولى في الإتمام فلا يزيلها إلا خروجه إلى سفر الإقصار. انتهى. ونحوه للخمي قاله (ح) و(ق). قلت: ولما ذكر أبو الحسن توجيه القولين قال: وحاصل هذا الوطن المعنوي هل هو كالوطن الحسي فيتم أو ليس كالحسي فيقصر. انتهى. وقد مهد ابن الحاجب لما ذكره في المدونة بقوله: فإن تقدم استيطان فيه ما في قول (المص): إلا متوطن ولو قال: فإن تقدم إقامة تقطع حكم السفر فرجع إلخ لوافق المراد، وقوله: غير ناوي والإقامة أحسن من قوله ناويًا السفر بل هو الصواب، وقوله: ورجع من الطويل صادق بما إذا رجع إليه قبل مسافة القصر وكذا في كلام المدونة وابن يونس حيث قال: فإذا رجع إليه فهو على نية سفره فإن هذا القدر موجود فيمن رجع قبل سفر ما تقصر فيه وكذا قوله فيمن خرج ليعتمر من مكان قريب لأنه على نية الإتمام فلا يزيلها إلا خروجه إلى سفر الإقصار فجعل خروجه إلى سفر الإقصار يزيل نية الإتمام سواء رجع قبل إتمامه أم بعده وذكر (ق) عند قوله: وإن بريح ما يفيده فإنه قال فيها لمالك لوردته الريح إلى الموضع الذي خرج منه فليتم ما حبسه الريح حتى يظعن ثانية قال سحنون: هذا إن كان له وطن والأقصر فيه إلا أن ينوي إقامة أربعة برد أيام، ابن يونس فإن لم يكن له وطنًا إلا أنه نوي الإقامة فيه أربعة أيام فأكثر فكان يتم فيه ثم خرج فردته الريح إليه فهذا يدخل فيه اختلاف، قول مالك فيمن أوطن مكة ثم رفض سكناها ورجع ينوي السفر. انتهى. فظاهر هذا سواء ردته الريح بعد بلوغه مسافة القصر أو قبله وبه يتبين لك أن قول (ح). تنبيه: علم مما تقدم من كلام المدونة وما بعده أن الموجب للقصر في مسألة المستثناة كونه رجع بعد أن سافر مسافة القصر وإلا لم يكن فرق بين حكم به أو لا في قوله: =
[ ٢ / ٤٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقطعه دخول بلده وبين ما استثناه، لكن ليس في كلام (المص) ما يدل على ذلك. انتهى. فيه نظر إذ الموجب للقصر في المستثنى خروجه إلى سفر قصر سواء رجع بعد مسافة القصر أو قبله؛ لأنه رجع لغير وطنه ولغير بلده والموجب للإتمام في المستثنى منه دخول محل يقطع حكم السفر سواء دخله بعدما سافر مسافة القصر أو قبله، وقوله: ليس في كلامه ما يدل عليه لا يقال، بل في كلامه ما يدل عليه وهو قوله: ولا راجع لدونها إلخ. لأنا نقول: لا نسلم ذلك إذ هو فيمن رجع لبلده كما هو ظاهره، أي: أو وطنه وما نحن فيه الرجوع فيه لمحل أقام به إقامة تقطع حكم السفر وهنا أمور؛ الأول: علم مما قررناه أن من خرج من محل أقام به أربعة أيام لسفر قصر أنه يقصر في رجوعه إليه ولو رجع إليه قبل بلوغه مسافة القصر، وقد قدمنا ما يدل عليه وهو خلاف ما ذكره (ح) وتقدم البحث معه، الثاني قوله: رفض سكناها يصح على الاحتمال الثاني، وتقدم أن رفض سكنا وطنه أو بلده إنما يعتبر حيث مات أهله به حين رفضه ولا يصح على الاحتمال الأول أيضًا كما بيناه وقد بينا أيضًا أن قوله ورجع ناويًا السفر غير ظاهر وأنه لو قال: ورجع غير ناوي الإقامة كما في ابن الحاجب لآتي بالمراد الثالث في كلام (المص) هذا وفي قوله وقطعه دخول بلده وقوله بعد وقطعة دخول وطنه نوع تكرار فلو قال: وقطعه مكان زوجة دخل بها أو سرية أو وطنه وإن نوى عدم الإقامة به كدخوله محلًا كان أقام به إقامة تقطع حكم السفر إن نواها به كوطنه الذي رفض سكناها وليس به زوجة ولا سرية لسلم مما ذكرنا مع زيادة الفائدة وجمعه للمسائل المذكورة على وجه بين وحاصله أنه إن دخل وطنه، أي: المحل الذي نوى به الإقامة به على التأييد أو أقام به بنية عدم الانتقال فإنه ينقطع بذلك حكم السفر ولو نوى عدم الإقامة القاطعة حكم السفر به ودخوله بلده كذلك، بل هذا أولى بهذا الحكم وهذا ما لم يرفض سكناه فإن رفضه فسيأتي حكمه ومثل دخوله بلده أو وطنه دخول مكان زوجة دخل بها أو سرية، إلا أن الرفض لا يؤثر فيه على ما بينته، وأما أن أقام بمحل إقامة تقطع حكم السفر فإن دخول وطنه وما معه بقطع حكم السفر ولو دخل ناويًا للسفر ودخول محل أقام به لا يقطع حكم السفر ولو كان بينه وبينه دون مسافة القصر بخلاف نية دخول وطنه وما معه وانظر إذا نوى دخول محل أقام به الإقامة القاطعة لحكم السفر على أن يقيم به ما يقطع حكم السفر هل يكون كنية دخول وطنه وليس بينه وبينه المسافة وهو الظاهر مما تقدم أم لا. الرابع: من أقام بمكة إقامة تقطع حكم السفر ثم خرج لعرفة للشك ثم عادلها بعد تمام الشك فإنه يقصر ما لم ينو إقامة أربعة أيام أو يعلم بها عادة وهذا يفهم من قول (المص): إلا متوطن كمكة إلخ على ما بيناه. وفي كلام (ح) نوع تعقيد بيناه في الشرح الكبير، الخامس: من أقام بمحل إقامة تقطع =
[ ٢ / ٤٢١ ]
الصلاة، كـ: يوم أو يومين أو ثلاثة، فإنه يقصر؛ لأنها ليست بوطنه حينئذ.
[٢ - دخول وطنه:]
ثم أشار لموضع آخر ينقطع فيه حكم القصر بقوله: وقطعه دخول وطنه، يحتمل أنه مساو لقوله قبله: (بلده)، وعبر عنه هنا بالوطن، ويحتمل أنه أراد الموضع الذي توطنه، فهو أخص من بلده.
وفهم الشارح عدم تساويهما؛ ففرق بأن الراجع في مسألة البلد راجع لمحل استيطانه الذي تقدمت فيه إقامته، وهنا راجع إلى وطنه، وهو أحسن من استوطن.
وبهذا الفرق يندفع تكرارها مع التي قبلها، وانظر كلام البساطي في الكبير.
[٣ - دخوله مكان زوجة:]
أو دخوله مكان زوجة دخل بها فقط، وفهم من (فقط) أن المرور بمكان زوجة غير مدخول بها لا يقطع القصر؛ لأن ما هي فيه غير وطن، وفهم من قوله: (فقط) أيضًا أن السرية ليست كالزوجة، وألحقها ابن حبيب بها، ودرج عليه ابن الحاجب.
وإن كان مروره عليه كما لو كان بريح، ولما فهم البساطي تبعًا للشارح الدخول هنا كما في التي قبلها قال: لم يظهر لنا إعادة مسألة الدخول. انتهى.
_________________
(١) = حكم السفر ثم خرج ليسافر القصر ثم رجع له قبل مسافة القصر وقد أراد أن يخرج لمحل بينه وبينه مسافة القصر فإنه يتم على ما ذكره (ح) في قول (المص) إلا متوطن إلخ. ومن رجع لمحل لم يقم به الإقامة المذكورة فإنه يقصر وأما على ما ذكرنا من أنه يقصر ولو رجع من دون مسافة القصر حيث أراد أن يخرج لمسافة القصر؛ فإنه لا فرق بين رجوعه لمحل أقام به إقامة تقطع حكم السفر وبين محل لم يقم به الإقامة المذكورة و(ح) فيقال: ما فائدة النص على قوله: إلا متوطن إلخ، وجوابه أن فائدته النص على مختاره من الخلاف في ذلك".
[ ٢ / ٤٢٢ ]
ووصف الريح هنا بقوله: غالبة، فيراعى أيضًا فيما تقدم.
[٤ - نية الدخول:]
وأشار لموضع آخر يقطع القصر، فقال: وقطعه نية دخوله لبلد أهله، والحال أنه ليس بينه -أي: المسافر وقت نيته- وبينه -أي: بلد أهله- المسافة التي تقصر فيها الصلاة، فيتم.
وأما إن كان بينه وبينه المسافة فليقصر؛ لأن القاطع للقصر دخوله، ولم يحصل، ولكن ينظر فيما بين محل دخوله ومنتهى سفره: هل تقصر فيه الصلاة أو لا؟ فتجيء أربع صور ذكرها ابن رشد، وذكرناها في الكبير.
[٥ - نية إقامة:]
ثم أفاد موضعًا آخر يقطع فيه حكم السفر بقوله: وقطعه نية إقامة أربعة أيام ببر أو ببحر، فمجرد النية كافية في قطع القصر، بخلاف نية السفر، لا بد معها من السفر.
ووصف الأيام بقوله: صحاح؛ لتخرج الأربعة الملفقة، فإنه عند ابن نافع معتد من اليوم الأول في الرابع بمثله، ففي قوله: (صحاح) تنبيه على عدم اعتبار يوم الدخول ويوم الخروج، وهو كذلك على الصحيح، وللمسألة في التلفيق نظائر: الكراء، والخيار، والعدة، والعهدتان واليمين والعقيقة.
وزاد ابن ناجي: تلومات القاضي.
واختار كبعض شيوخه رجوعها لاجتهاد القاضي، ونظمتها، فقلت:
كراء خيار عدة ثم عهدة يمين وسفر والعقيقة تسمع
يلفق بعض اليوم لليوم بعده وقد صح لا تلفيق فاحفظه ينفع
تلوم قاض للقضاء صفه ثامنا وصوب في هذا إلى الرأي يرجع
[مسألة:]
ولما كان لا فرق بين نية إقامتها في أول السفر أو في أثنائه، قال: ولو بخلاله على الأصح، لأن الإقامة تصير ما قبلها وما بعدها أسفارًا،
[ ٢ / ٤٢٣ ]
ومقابله أنه سفر واحد، حكاهما في توضيحه عن النوادر.
[إقامة العسكري بدار الحرب:]
ثم استثنى، فقال: إلا العسكر ينوي إقامة الأربعة أيام فأكثر بدار الحرب، فإنها لا تقطع حكم السفر (١).
قال ابن عرفة: ونية ما يرفعه لا يرفعه ببلد الحرب.
وفهم من تخصيص دار الحرب أن إقامتها بدار الإسلام يقطع القصر، وهو كذلك.
[٦ - العلم بالإقامة:]
ثم عطف على ما يقطع القصر، فقال: أو العلم بها، أي: بالإقامة الأربعة فأكثر عادة، كـ: إقامة الحاج بمكة، فإنه يقطع القصر، ولا يحتاج لنية.
[حكم الإقامة المجردة:]
لا الإقامة المجردة عن نية ما يرفعه، كـ: إقامته لحاجة يعتقد نجازها قبل الأربعة، فلا يقطع القصر، ولو تأخر سفره.
[نية الإقامة بعد الشروع بالصلاة:]
ولما أشار فيما تقدم إلى أن نية الإقامة وقبل الشروع في الصلاة يبطل حكم القصر، ذكر ما إذا نواها بعد الشروع فيها، فقال: وإن نواها بصلاة -أي: فيها بعد أن صلى منها ركعة مثلًا- شفع الركعة بثانية نفلًا على المشهور، ومقابله يضيف لها أخرى، وتكون سفرية، وتجزئه، قاله ابن الماجشون.
وفي الجلاب: إن أتمها أربعًا أجزأته.
[رأي خليل في رأي الجلاب:]
ودفع المؤلف هذا بقوله: ولم تجز حضرية إن أتمها أربعًا، ولا سفرية
_________________
(١) وعلى هذا تحمل الآثار الواردة في قصر الصحابة صلاتهم أكثر من أربعة أيام.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
إذا أضاف إليها ثانية، وإن صلى مسافر سفرية ثم نوى الإقامة بعدها أعادها في الوقت.
تنبيه:
قد استشكلت الإعادة بأن نية الإقامة طارئة بعد كمال الصلاة بشروطها، فالجاري على أصل المذهب عدم الإعادة.
وأجيب عن ذلك بأجوبة:
- منها: أن نية الإقامة على جري العادة لا بد لها من ترو، فإذا جزم بها بعد الصلاة فلعل مبتدأ نيته كان فيها، فاحتيط لذلك بالإعادة في الوقت.
[اقتداء مقيم بمسافر:]
وإن اقتدى مقيم به -أي: بمسافر- فكل منهما على سنته، فيصلي المسافر ركعتين، ويفارقه المقيم بعد سلامه، فيأتي بما بقي عليه.
[حكم هذا الاقتداء وعكسه:]
ولما كان عين الحكم لا يعلم من هذا، أفادها بقوله: وكره هذا الاقتداء كعكسه، وهو اقتداء المسافر بالمقيم؛ لمخالفته سنته (١).
_________________
(١) هذا محض رأي، ومخالف للنص، فلا وجه للكراهة مع ما جاء في الموطأ (١/ ١٤٩، وما بعدها): "حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللَّه عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم يقول يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر. وحدثني عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب مثل ذلك. وحدثني عن مالك عن نافع: أن عبد اللَّه بن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعًا فإذا صلى لنفسه صلى ركعتين. وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن صفوان أنه قال: جاء عبد اللَّه بن عمر يعود عبد اللَّه بن صفوان فصلى لنا ركعتين ثم انصرف فقمنا فأتممنا". وجاء فيه (١/ ٤٠٢): "وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب لما قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم انصرف فقال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم صلى عمر بن الخطاب ركعتين بمنى ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئًا. =
[ ٢ / ٤٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وحدثني عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر بن الخطاب صلى للناس بمكة ركعتين فلما انصرف قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم صلى عمر ركعتين بمنى ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئا". قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٤٩، وما بعدها): "وفيه أن المسافر يؤم المقيمين وهذا هو المستحب عند جماعة العلماء لا خلاف علمته بينهم في أن المسافر إذا صلى بمقيمين ركعتين وسلم قاموا فأتموا أربعًا لأنفسهم أفرادًا. .، وذكر مالك في هذا الباب عن ابن شهاب عن صفوان بن عبد اللَّه بن صفوان أنه قال: جاءنا عبد اللَّه بن عمر يعود عبد اللَّه بن صفوان فصلى بنا ركعتين فقمنا فأتممنا. وهذا على ما ذكرت لك في هذا الباب أنه لا اختلاف علمته فيه، وحسبك بذلك سنة وإجماعًا وحديثًا". وقال: (٢/ ٢٥٠، وما بعدها): "وأما حديثه عن نافع أن عبد اللَّه بن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعًا فإذا صلى لنفسه صلى ركعتين؛ فإن العلماء قديمًا وحديثًا اختلفوا في المسافر يصلي وراء مقيم. فقال مالك وأصحابه: إذا لم يدرك معه ركعة تامة صلى ركعتين وإن أدرك معه ركعة بسجدتيها صلى أربعًا، وهو معنى قول الأوزاعي. وذكر الطحاوي أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا قالوا: يصلي صلاة مقيم وإن أدركه في التشهد، قال: وهو قول الليث والشافعي والأوزاعي. وذكر الطبري قال: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد عن أبيه عن الأوزاعي فيمن صلى من المسافرين مع الحضري ركعة أو ركعتين ثم عرض له رعاف فقطع صلاته قال: يبني على صلاة مقيم حتى يكمل أربعًا قيل له: فإنه صلى صلاة مسافر في بيته ثم دخل المسجد فوجدهم في تشهد تلك الصلاة الآخر فجلس معهم قال: لا يعتد بما أدرك من الجلوس معهم؛ لأنه لم يدرك الركعة معهم وقد أجزأت عنه صلاته التي صلى في بيته. قال: وقال الأوزاعي في مسافر أراد أن يصلي المكتوبة ركعتين فسها حتى صلى ثلاثًا قال: ليكمل أربع ركعات. وأما الشافعي فلم يختلف في قوله: إن كل مسافر دخل في صلاة مقيم قبل أن يسلم المقيم منها لزمه إتمامها ولا يراعي إدراك الركعة، لإجماعهم على أن من نوى في حين دخوله في الصلاة الإتمام لزمه فكذلك من دخل مع مقيم في صلاته. وحجة قول مالك أن المسافر سنته ركعتان ومن لم يدرك ركعة من الصلاة فهو في حكم من لم يدرك شيئًا منها، والمسافر إذا لم يدرك شيئًا من صلاة المقيم صلى ركعتين بإجماع. =
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وتأكد الكره في هذه، أي: أشديته، نص على ذلك ابن حبيب وغيره؛ لمخالفة المسافر سنته بلزومه متابعته على ظاهر المذهب، بخلاف الأول؛ ولذا قال: وتأكد.
[حكم وجدان المقيم الإمام مسافرًا:]
وتبعه مأمومه ولم يعد صلاته على المشهور؛ لأن ما فاته من فضيلة التقصير استدركه بفضيلة الجمع، وفي الجلاب في إعادته أبدًا أو في الوقت قولان.
_________________
(١) = واختلف الفقهاء في المسافر يدرك من صلاة المقيم ركعة أو أكثر أو يدركه في التشهد فيصلي معه ثم يعرض له ما يفسد صلاته من حدث أو غيره ماذا يقضي وماذا عليه أن يصلي؟ فأما مالك فقال: من أدرك من صلاة المقيم ركعة وهو مسافر لزمه الإتمام ومن لم يدركها فصلاته ركعتان فعلى هذا يلزمه أن يصلي أربعًا إذا صلى مع المقيم ركعة ثم فسدت عليه صلاته، وإن لم يدرك معه ركعة رجع إلى عمل صلاته ركعتين. وقال الشافعي وأصحابه: يصلي أربعًا؛ فإنه قد لزمه بدخوله الإتمام في صلاة المقيم أربعًا ويصح لهم الدخول عندهم، وهو قول الحسن بن حي. وقال أبو حنيفة وأصحابه في المسافر يدخل في صلاة مقيم ثم يقطعها: يصلي صلاة مسافر لأنه إنما يصلي وراءه أربعًا اتباعًا له فإذا لم يكن خلف مقيم لم يصل إلا فريضة ركعتين. وقال أبو ثور في هذه المسألة قولان: أحدهما: أنه لما دخل مع المقيم وجب عليه ما وجب على المقيم فلما أفسدها وجب عليه أن يأتي بما وجب عليه من الإتمام. والآخر: أنه لما أفسدها رجع إلى ما كان عليه في الابتداء من الخيار في الإتمام أو التقصير". وبهذا تبين على أصول المذهب أن لا وجه للكراهة سوى ذلك الرأي، فينبغي إعادة النظر في مخالفة المدونة لما في الموطأ؛ إذ كيف يرجح كتاب خطه تلميذ التلميذ، على كتاب خطه الإمام وقرئ عليه؟ ! لا سيما أن ما جاء في المدونة هو من رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، وهو من آخر من روى الموطأ عن الإمام، وقد تكلم من الأصحاب قديمًا في هذه القضية الكبيرة الأثر على ابن العربي، وخلص إلى ضرورة تقديم الموطأ.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
[ما يتفرع عن القصر:]
ولما رتب أهل المذهب على سنة القصر فروعًا منقسمة على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يدخل المسافر على نية الإتمام مخالفًا لأصل المشروعية.
الثاني: أن يدخل على القصر موافقًا للأصل.
الثالث: أن يدخل تاركًا للأمرين معًا سهوًا أو إعراضا.
[أولا - فروع الدخول على الإتمام:]
أفاد المصنف تلك الفروع المتعلقة بكل قسم من الثلاثة على هذا الترتيب، فأشار لفروع القسم الأول بقوله: وإن أتم مسافر نوى إتمامًا عمدًا، فصلي الظهر مثلًا أربعًا أعاد بوقت، كذا في بعض النسخ بزيادة أعاد بوقت، وفي أكثرها بإسقاطها.
وإن لم ينو الإتمام بل دخل على أن يصليها ركعتين فأتم أربعًا سهوًا سجد عند مالك وابن القاسم؛ لأن إتمامه من معنى الزيادة.
تنبيهات:
الأول: قوله: (وإن سهوًا) مستأنف على النسخة الأولى، وعلى الثانية تعقب بأن لا سجود في العمد.
الثاني: كان حقه أن يذكر الإعادة ركعتين في الوقت إن لم يحضر، وأربعًا إن حضر فيه، كما فعل ابن الحاجب، واللَّه أعلم.
الثالث: قال الشارح: و(إن) تحتمل المبالغة في (نوى)، أي: نوى الإتمام عمدًا أو سهوًا، وفي (أتم)، أي: نوى الإتمام عمدًا، وأتم عمدًا أو سهوًا، فيشمل أربع صور. انتهى.
والأصح إعادته بوقت في المسألة الثانية على النسخة الأولى، وفي المسألتين على النسخة الثانية، كمأمومه، فإنه يعيد بوقت.
وحذف (بوقت) من الأول لدلالة هذا عليه.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
[المراد بالوقت هنا:]
واختلف: هل المراد الوقت الاختياري، وهو قول الأبياني، أو الضروري، وهو قول أبي محمد: الوقت في ذلك النهار كله. وصوبه ابن يونس؛ ولذا قال: والأرجح الضروري إن تبعه؛ لسريان الخلل من الإمام له، ومراعاة لمن يرى القصر فرضًا، أو بطلان صلاة تارك السنة عمدًا.
[حكم المخالفة:]
وإلا بأن لم يتبعه المأموم في إتمامه بطلت صلاته؛ لمخالفة إمامه، ثم شبه في البطلان، فقال: كأن قصر عمدًا بعد دخوله، أو على الإتمام، فيعيد أبدًا على المشهور ومذهب المدونة (١).
[حكم الساهي عن الإتمام:]
والساهي عن الإتمام الذي دخل عليه فقصر كأحكام السهو، فإن أطال أو خرج من المسجد بطلت صلاته، وإن جبرها بالقرب سجد بعد السلام.
[فروع الدخول على القصر:]
ثم أشار لمسائل النوع الثاني، عاطفًا له على قوله: (كأن قصر عمدًا)، مشبهًا له بالبطلان بقوله:
[الإتمام عمدًا:]
وكأن أتم الإمام المسافر أربعًا وتبعه مأمومه في الإتمام بعد نية قصر عمدًا؛ لزيادتهم فيها ما ليس منها، وهو المشهور.
سحنون: يعيد في الوقت.
وعمدًا: حال أو تمييز من فاعل (أتم).
_________________
(١) عطف ما في المدونة على المشهور يقتضي التغاير بينهما، وقد علمت ما في مسألة التشهير من اختلاف كثير في مقدمة التحقيق.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
[الإتمام سهوًا أو جهلًا:]
وأما إن دخل على القصر فأتم سهوًا أو جهلًا وتبعه مأمومه سهوًا أو جهلًا لم تبطل؛ إذ لا مقتضي للبطلان، وأما الإعادة ففي الوقت الضروري؛ فالألف واللام فيه للعهد، ويسجدون بعد السلام.
[تسبيح المأموم:]
وسبح مأمومه إن لم يجهل، ولم يسه، فإن رجع لتسبيحه سجد لسهوه، وصحت.
[فعل المسافر:]
ولا يتبعه المأموم في قيامه لما بعد الثانية، إن لم يرجع وجلس يتشهد لفراغه، وسلم المأموم المسافر بسلامه؛ لدخوله على متابعته.
[فعل غير المسافر:]
وأتم غيره -أي: غير المسافر من المقيمين- صلاته بعده -أي: السلام- أفذاذ، إلا مقتديان بغيره؛ إذ لا يقتدي بإمامين في صلاة واحدة إلا في الاستخلاف.
[إعادة الإمام دون المأموم:]
وأعاد الإمام فقط صلاته في الوقت الضروري، ولا يعيد من خلفه؛ لأنهم لم يتبعوه في سهوه، ولو تبعوه لأعادوا كهو.
[اقتداء مسافر بمقيم خطأ:]
وإن دخل مصلّ مع مصلين ظنهم سفرًا، وصلى معهم، فظهر خلافه، أي: إنهم مقيمون سبقوه بركعتين أعاد الصلاة أبدًا (١)، قاله ابن القاسم.
_________________
(١) قال في البيان: (١/ ٢٢٧): "قال مالك: فيمن مر بقوم فصلى معهم، فلما صلوا ركعتين سلم إمامهم، فتبين له أنهم مقيمون وسبقوه بركعتين، وكان يظن أنهم قوم سفر، قال: يعيد أحب إلي. قال سحنون: وذلك إذا كان الداخل مسافرًا. =
[ ٢ / ٤٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال محمد بن رشد: قول سحنون مفسر لقول مالك، لأنه لو كان مقيمًا لأتم صلاته ولم يضره وجوده القوم على خلاف ما حسبهم عليه من القصر والإتمام، لأن الإتمام واجب عليه في الوجهين، فلا تأثير لمخالفة نيته لنية إمامه في ذلك. وقول مالك: يعيد أحب إلي، يريد في الوقت وبعده، أتم صلاته بعد صلاة الإمام أو سلم معه من الركعتين على ما اختاره ابن المواز وقاله ابن القاسم في رسم استأذن من سماع عيسى. وقال ابن حبيب: إنه يتم صلاته ويعيد في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه وهو قول أشهب في أول سماع سحنون. ووجه قول مالك في إيجاب الإعادة عليه أبدًا مخالفة نيته لنية إمامه، لأنه إن سلم معه من الركعتين فقد خالفه في النية والفعل، ففسدت صلاته عنده بذلك، وإن أتم صلاته فقد خالفه في النية خاصة وأتم صلاته على خلاف ما أحرم به. ولم يراع ابن حبيب شيئًا من ذلك فقال: إنه يعيد في الوقت على أصله في المسافر إذا أتم صلاته أنه يعيد في الوقت وإن كان صلى في جماعة ما لم تكن الجماعة في المساجد الثلاث أو جوامع الأمصار، ولا راعى أشهب شيئًا من ذلك فقال: إنه لا إعادة عليه. وأما إذا دخل المسافر مع القوم وهو يظنهم حضريين فألفاهم مسافرين سلموا من ركعتين، فقال مالك فيما يأتي بعد هذا في هذا الرسم: إن صلاته تجزيه، وذلك خلاف أصله في هذا المسألة في مراعاة مخالفة نيته لنية إمامه، وخلاف مذهبه في المدونة لأنه قال فيها في المسافر. إذا أحرم بنية أربع ركعات ثم بدا له فسلم من ركعتين أنها لا تجزيه. وقال ابن حبيب وأشهب: إن صلاته جائزة على أصله في ترك مراعاة مخالفة نيته لنية إمامه في الحضر والسفر وإتمامه على خلاف ما أحرم به من ذلك. ولابن القاسم في كتاب ابن المواز أن صلاته لا تجزيه على أصل مالك في هذه المسألة، وهو اختيار ابن المواز، أن صلاته لا تجزيه في الوجهين جميعًا لمخالفة نيته لنية إمامه في ذلك. وقال سحنون في هذا الرسم: إنه يعيد في الوقت. ولو دخل المسافر خلف القوم يظنهم مقيمين فلما صلوا ركعتين سلم إمامهم فلم يدر إن كانوا مقيمين أو مسافرين لأتم صلاة مقيمين أربعًا، ثم أعاد صلاة مسافر، قاله في رسم استأذن من سماع عيسى، لاحتمال أن يكون الإمام مسافرًا. ولو دخل خلفهم ينوي صلاتهم وهو لا يعلم إن كانوا مقيمين أو مسافرين لأجزأته صلاته قولًا واحدًا. =
[ ٢ / ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والحجة في ذلك ما جاء من أن علي بن أبي طالب وأبا موسى الأشعري قدما على النبي -ﷺ- في حجة الوداع محرمين، فسألهما، ﵇: "بم أحرمتما"، فكلاهما قال قلت لبيك إهلالًا كإهلال النبي -ﷺ-، فصوب فعلهما وأمرهما بما يعملان في بقية إحرامهما. ومما يتعلق بهذه المسألة ويختلف هل يوافقها في المعنى والقياس أم لا، مسألة الرجل يأتي المسجد يوم الجمعة وهو يظنه يوم الخميس، أو يوم الخميس وهو يظنه يوم الجمعة، فقيل: إنهما متفقان في المعنى، وإن الذي يأتي يوم الخميس وهو يظنه يوم الجمعة بمنزلة المسافر يدخل خلف القوم وهو يظنهم مسافرين فيجدهم مقيمين، لأنهما دخلا مع الإمام جميعًا بنية ركعتين فصليا معه أربعًا؛ وإن الذي يأتي يوم الجمعة ويظنه يوم الخميس بمنزلة المسافر يدخل مع القوم وهو يظنهم مقيمين فيجدهم مسافرين، لأنهما جميعًا دخلا مع الإمام بنية أربع فصليا معه ركعتين. فعلى هذا يدخل في كل مسألة منهما ما في صاحبتها من الأقوال، فيتحصل في كل واحدة منهما أربعة أقوال: أحدها: أن الصلاة جائزة في الوجهين جميعًا. والثاني: أنها لا تجوز في الوجهين جميعًا. والثالث: الفرق بين الوجهين، فتجوز إذا دخل بنية أربع ركعات فصلى اثنتين، ولا تجوز إذا دخل بنية ركعتين فصلى أربعًا، وهو الذي يأتي على قول مالك في هذا الرسم في مسألة الحضر والسفر. والرابع: الفرق بين الوجهين أيضًا بعكس هذه التفرقة، وهو الذي يأتي على ما في المدونة في مسألة الخميس والجمعة. وقيل: إنهما مفترقان في المعنى، وإلى هذا ذهب أشهب وابن المواز، فقال كل واحد منهما في مسألة الخميس والجمعة خلاف قوله في مسألة الحضر والسفر. رأى أشهب الصلاة جائزة في مسألة الحضر والسفر وغير جائزة في مسألة الخميس والجمعة. ووجه الفرق بينهما في المعنى عندهما أن صلاة الجمعة والخميس لا تنتقل واحدة منهما عما هي عليه في حق الرجل بدخوله مع الإمام فيها وهو يظنه غير ذلك اليوم، فإذا صلاهما معه رأى ابن المواز أنهما تجزئانه لأنه صلاهما كما وجبتا عليه، ولم يضره عنده أن يحرم بنية الجمعة ويصلي ظهرًا، ولا أن يحرم بنية الظهر ويصلي جمعة، قياسًا على ما قال مالك في الرجل يدخل خلف الإمام يوم الجمعة بعد أن رفع رأسه من الركوع وهو يظنه في الركعة الأولى فإذا هو في الثانية أنه يقوم إذا سلم الإمام فيصلي أربعًا بذلك الإحرام. ورأى أشهب أنهما لا تجزئان لإحرامه بهما على غير الصفة التي وجبت عليه؛ ورأى =
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وقيده سحنون بكون الداخل مسافرًا، واعتبر المصنف القيد، فقال: إن كان مسافرًا؛ لمخالفته إمامه، لأنه إن سلم من اثنتين خالفه نية وفعلًا، وإن أتم فقد خالفه في النية وفعل خلاف ما دخل عليه.
ومفهوم الشرط: لو كان مقيمًا لأتم الصلاة، ولا يضره كونهم على خلاف ظنه من القصر أو الإتمام؛ لوجوب الإتمام عليه في الحالين، فلا تؤثر مخالفة نيته لنية إمامه.
ثم شبه في البطلان فقال: كعكسه، البساطي: هو المقيم يظن جماعة مقيمين، فيدخل معهم فإذا هم مسافرون، هذا ظاهر كلامه، والمسألة مفروضة في المسافر في الحالين، ولا يبعد حمل كلامه عليه. انتهى.
وقد يقال: أراد بالعكس قوله في توضيحه عن ابن رشد بعد ذكر المسألة السابقة: إذا دخل المسافر مع قوم يظنهم حضريين فألفاهم مسافرين سلموا من ركعتين، فقال مالك في العتبية: صلاته تجزئه، وذلك خلاف أصله في هذه المسألة في مخالفة نيته لنية إمامه وخلاف مذهبه في المدونة في المسافر إذا أحرم بنية أربع، ثم بدا له فسلم من ركعتين؛ لأنها لا تجزئه.
ثم قال: ولابن القاسم في الموازية أن صلاته لا تجزئه، وهو اختيار ابن المواز لا تجزيه في الوجهين؛ لمخالفة نيته لنية الإمام. انتهى.
_________________
(١) = ابن القاسم في المدونة أن تجزئه نية الجمعة عن نية الظهر ولا تجزئه نية الظهر عن نية الجمعة. قال: لأن الجمعة لا تكون إلا بنية. ووجه قوله أن الأصل هو الظهر والجمعة طارئة عليه فلا تؤثر نية الفرع في الأصل، وتؤثر نية الأصل في الفرع لأن المسافر تنتقل صلاته من القصر إلى الإتمام بدخوله خلف الإمام المقيم، علم أنه مقيم أو لم يعلم، فرأى ابن المواز أنه إذا دخل خلف المقيم وهو يظنه مسافرًا فوجده مقيمًا، أو وهو يظنه مقيمًا فوجده مسافرًا، فلا تجزئه صلاته مراعاة لقول من يرى أن القصر عليه واجب وأنه إن أم وحده أو في جماعة أعاد أبدًا؛ ورأى أشهب أن صلاته جائزة مراعاة لقول من يرى أنه مخير بين القصر والإتمام، فهذا وجه القول في هذه المسألة موعبًا، وباللَّه التوفيق".
[ ٢ / ٤٣٣ ]
ودرج هنا على ما في الموازية، فالمصنف لم يعتمد على قول ابن رشد أنه خارج عن أصله فقط، بل عليه وعلى قول ابن القاسم في الموازية الموافق لأصله وللمدونة، وانظر مفهوم قوله: (فظهر خلافه) في الكبير.
[فرع الدخول تاركًا للأمرين معًا سهوًا أو إعراضًا:]
وأشار لفرع بيَّن به القسم الثالث، وهو قوله: وفي صحة صلاة من دخل في صلاة ظهر مثلًا على ترك نية القصر والإتمام معًا سهوًا أو عمدًا، وعدم صحتها: تردد.
ونحوه قول ابن الحاجب: إذا دخل تاركًا لنية القصر أو الإتمام ففي صحة صلاته قولان.
ودرج عليه هنا بعد قوله في توضيحه: لم أقف عليهما، إما لاطلاعه عليه بعده، وأما تقليدًا لابن الحاجب (١).
_________________
(١) قال الأجهوري: "أي: إن من ترك نية القصر والإتمام ونوى الظهر مثلًا فقط فهل يلزمه إتمامه وهو ما ذهب إليه سند أو يخير بين إتمامها أو قصرها وهو ما عليه اللخمي وظاهر كلامه كغيره إن الإعادة لا تطلب منه. وقال (تت): وفي صحة صلاة من دخل على صلاة ظهر مثلًا على ترك نية القصر والإتمام معًا سهوًا أو عمدًا أو عدم صحتها تردد، وهذا كما قال في توضيحه هو الذي قال ابن الحاجب فيه إذا دخل تاركًا لنية القصر والإتمام، ففي صحة صلاته قولان ومشي عليه هنا، يعني: قوله في توضيحه لم أقف عليها إما لإطلاعه عليه بعد وإما تقليدًا لابن الحاجب، ولأن ابن عبد السلام لم يتعقبه بل أشار لعدم اطلاعه عليه. إلخ. انتهى. المراد منه. قلت وهو صحيح أيضًا لكن يحمل على ما إذا صلاها صلاة سفر لأن القائل بلزوم إتمامها يقول بعدم صحتها إذا قصرها والقائل بتخييره يقول بصحتها، وأما إذا أتاء بها حضرية فيتفقان على صحتها ثم هو، أي: ما ذكره (تت) أقرب في كلام (المص) مما قدمناه. وأشار الشيخ في حاشية لنحوه غير أنه ليس فيه بيان ما يخاطب به ابتداء من ترك نية القصر والإتمام وكذا ما قررناه فلو قال (المص) وفي وجوب حاضرة أن ترك نية القصر والإتمام وتخييره فيها وفي صلاة سفر تردد لأفاد بيان ما يخاطب به ابتداء. وما ذكره (تت) يجري في المأموم أيضًا فإذا نوي الصلاة وترك نية القصر والإتمام فإن =
[ ٢ / ٤٣٤ ]
[تعجيل المسافر الأوبة:]
وندب للمسافر تعجيل الأوبة، أي: الرجوع لأهله بعد قضاء وطره لإدخال المسرة عليهم.
[وقت ندب الدخول على أهله:]
وندب له الدخول ضحى؛ للنهي عن طروقهم ليلًا؛ لخبر: "السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله، ولا يطرقهم ليلًا؛ كي تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة" (١)، ولئلا يجد في بيته ما يكره (٢).
_________________
(١) = كان الإمام يصلي صلاة سفر جرى في صحة صلاة المأموم الخلاف المذكور وإن كان يصلي صلاة حضر صحت صلاته اتفاقًا".
(٢) هذا الحديث مركب من حديثين، فرواه من حديث أبي هريرة إلى "فليعجل إلى أهله": مالك (٢/ ٩٨٠، رقم ١٧٦٨)، وأحمد (٢/ ٢٣٦، رقم ٧٢٢٤)، والبخاري (٢/ ٦٣٩، رقم ١٧١٠)، ومسلم (٣/ ١٥٢٦، رقم ١٩٢٧)، وابن ماجه (٢/ ٩٦٢، رقم ٢٨٨٢)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٢٤٢، رقم ٨٧٨٣)، والدارمي (٢/ ٣٧٢، رقم ٢٦٧٠)، وأبو عوانة (٤/ ٥١٠، رقم ٧٥١٨)، وابن حبان (٦/ ٤٢٥، رقم ٢٧٠٨)، والطبراني في الأوسط (١/ ٢٣٣، رقم ٧٦٣)، والبيهقي (٥/ ٢٥٩، رقم ١٠١٤١)، والخطيب (٧/ ٢٨٤)، والديلمي (٢/ ٣٤٦، رقم ٣٥٦٩). ومن حديث عائشة: الخطيب (١٠/ ٩٣)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٦٦، رقم ٤٤٥١)، وفي الصغير (١/ ٣٦٦، رقم ٦١٣). وبقية الحديث: أخرجه أحمد (٣/ ٣٠٣، رقم ١٤٢٨٧)، والبخاري (٥/ ١٩٥٤، رقم ٤٧٩١)، ومسلم (٢/ ١٠٨٨، رقم ٧١٥)، وأبو داود (٣/ ٩٠، رقم ٢٧٧٨)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٦٢، رقم ٩١٤٤)، والدارمي (٢/ ١٩٧، رقم ٢٢١٦)، وابن خزيمة كما في إتحاف المهرة (٣/ ١٩٧ رقم ٢٨٢٢)، وابن حبان (٦/ ٤٢٩، رقم ٢٧١٤)، وأبو يعلى (٣/ ٣٧٧، رقم ١٨٥٠). ومؤدى هذه البقية على خلاف ما أراد التتائي، فلفظ الحديث: "أمهلوا حتى ندخل ليلا -أي: عشاء- كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة"، ولكن الأمر ليس كذلك، ذلك لأن النهى عن الطروق ليلًا خاص بمن جاء بغتة، وأما هنا فقد تقدم خبر مجيئهم وعلم الناس وصولهم.
(٣) هذا معنى حديث، وقد قال محققو مسند أحمد (١٠/ ٧٨): "ولفظه عند مسلم: نهى رسول اللَّه -ﷺ- أن يطرق الرجل أهله ليلًا، يتخونهم، أو يلتمس عثراتهم.=
[ ٢ / ٤٣٥ ]
والنهي للكراهة، والتعليل مشعر بأنه في غير معلوم القدوم، والشعثة بالمثلثة، والأشعث: هو المغبر الرأس.
[الجمع بين مشتركتين:]
ولما أنهى الكلام على قصر الصلاة في السفر، تكلم على الجمع بين الصلاتين المشتركتي الوقت.
[ما يجمعان له:]
ويجمعهما ستة أسباب:
- السفر.
- والمطر.
_________________
(١) = فقد قال سفيان: لا أدري هذا في الحديث أم لا. يعني قوله: أن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم. وقد رُوي من طريق شعبة عن محارب، عن جابر، عن النبي -ﷺ-، ولم يذكر: يتخونهم أو يلتمس عثراتهم. وحديثُ ابن عباس الذي رواه الدارمي ١١/ ١٨، والبزار (١٤٨٧) من طريق أبي عامر العقدي، والطبراني في "الكبير" (١/ ٦٢٦) من طريق أبي داود الطيالسي، كلاهما عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا. ولفظه عند الدارمي: "لا تطرقوا النساء ليلًا"، قال: وأقبل رسولُ اللَّه -ﷺ- قافلًا، فانساق رجلان إلى أهليهما، وكلاهما وجد مع امرأته رجلًا. ففي إسناده زمعة بن صالح الجَنَدي اليماني، وهو ضعيف، وسلمة بن وهرام، هو اليماني. قال الإمام أحمد: روى عنه زمعة أحاديث مناكير. قلنا: فلا تقوم به حجة في تعليل كراهة طروق الرجل أهله ليلًا، والعجب كل العجب ممن يستشهد بهذا الحديثِ في تعليل كراهة الطروق ليلًا، وكيف تقوم به الحجة، وفيه دعوة إلى أن يغض الرجلُ طرفَه عن خبثِ أهله، وهو ما شدَّدَ النبي -ﷺ- في النكير عليه، وسمى من يقر الخبث في أهله ديوثًا، لا يشم رائحة الجنة. وذكر الحافظ في "الفتح" (٩/ ٣٤١) أن الزوجين لا يخفى عن كل واحد منهما من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك نهى الشارع عن طروق الرجل أهله ليلًا، لئلا يطلع على ما تنفر نفسه عنه، لأن التواد والتحاب مطلوب خصوصًا بين الزوجين".
[ ٢ / ٤٣٦ ]
- والوصل مع الظلمة.
- والمرض.
- وعرفة.
- والمزدلفة.
[الجمع لسفر ومطر وظلمة:]
وتكلم على الثلاثة الأول وسيذكر الباقي في محله، فقال: ورخص له، أي: المسافر المفهوم من السياق، أو للسفر واللام للعلة، وظاهره: رجلًا أو امرأة، وهو كذلك.
ولابن شعبان: قصر الرخصة على النساء، وكراهتها للرجال.
جمع الظهرين لمشقة فعل كل منهما في وقته، وفي قوله: (رخص) إشارة إلى أنه توسعة، كما قال ابن المواز: ليس بسنة لازمة.
[محل الجمع:]
وأشار لمحل الجمع بقوله: ببر، لا بحر، قصرًا للرخصة على موردها.
تنبيه:
تعليل الشارح بعدم الجر فيه يأتي على ما في المدونة لا على ما درج عليه المؤلف.
[الجمع بسفر قصير:]
ويجمع إن طال سفره، كمسافة القصر، بل وإن لم يطل بل قصر عنها؛ لخبر الموطأ: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أراد أن يسير يومه جمع بين الظهر والعصر وإذا أراد أن يسير ليلته جمع بين المغرب والعشاء (١).
_________________
(١) هذا الحديث رواه مالك بلاغًا، ووصله ابن عبد البر في التمهيد من غير ما طريق، قال الباجي في المنتقى: "قوله إذا أراد أن يسير يومه يحتمل أن يريد به أن ذلك نهاية =
[ ٢ / ٤٣٧ ]
[الجمع دون جد المسير:]
وله الجمع وإن لم يجد السير، على ما شهره ابن رشد، بلا كره للرجال والنساء، وحيث نفى المؤلف عنه الكراهة بقي جوازه، وصرح به ابن عرفة.
وفيها -أي: المدونة- شرط الجد بكسر الجيم، أي: الاجتهاد، وظاهره للرجل والمرأة.
وفي النكت عن بعض المشايخ: رخصة لها، وإن لم يجد بها السير دونه، إلا أن يجد به السير؛ لإدراك أمر يخاف فواته، أو إسراع إلى مهم، قاله أشهب (١).
_________________
(١) = سفره الذي يبيح له الجمع بين الصلاتين ويحتمل أن يريد أنه وإن كان سفره بعيدًا؛ فإنه كان لا يجمع بين الصلاتين في سفر تقصر في مثله الصلاة إلا إذا جد به السير واستوعب يومه بالسير، وأقوال أصحابنا تدل على أن ذلك جائز عند شدة السير وإن لم يكن سفر قصر لأن الجمع لا يختص بسفر القصر".
(٢) قال الباجي في المنتقى: "روى ابن القاسم عن مالك في العتبية أنه قال: إني لأكره جمع الصلاتين في السفر، وروي عنه في المدونة لا يجمع بين الصلاتين في غزو ولا حج ولا غيره إلا أن يجد به السير فلا بأس بذلك وجه كراهة مالك إنما هو على إتيان الأفضل لئلا يترك ذلك من يقدر عليه دون مشقة تلحقه. وأما إباحته إذا جد به السير فلحديث عبد اللَّه بن عمر: أنه كان إذا عجل به السير يجمع بين المغرب والعشاء. وجميع ما روي عن النبي -ﷺ- في الجمع إنما هو إخبار عن فعله وليس فيه شيء من قوله، والفعل لا يحتمل العموم وإنما يقع على وجه واحد فيحتمل أن يكون ذلك لشدة السير ويحتمل غيره. وأما الجمع لغير عذر عند جماعة أصحابنا وجمهور الفقهاء فإن فعل فقد روي عن ابن القاسم في المجموعة من جمع بين العشاءين في الحضر من غير مرض أعاد الثانية أبدًا، يريد إن صلاها قبل مغيب الشفق. وقال أشهب: أحب إلي أن لا يجمع بين الظهر والعصر في سفر ولا حضر إلا بعرفة ومع ذلك فإن للمسافر في جمعها ما ليس للمقيم وإن لم يجد به السير وله إذا جد به السير من الرخصة ما ليس له إذا لم يجد به. وللمقيم أيضًا في ذلك رخصة وإن كان الفضل في غير ذلك إلا أن له الرخصة".
[ ٢ / ٤٣٨ ]
اللخمي: ويشترط خوف على نفس أو مال، أو مشقة خوف الرفقة إن لم يجمع.
وشهر الزناتي اشتراطه.
بمنهل، قال الشارح: متعلق بـ (جمع)، وقول البساطي: يرخص يرجع إليه، وأشار المصنف إلى أن للمسافر حالين:
أحدهما: أن تزول عليه الشمس، وهو نازل بالمنهل، وتحته صور:
الأولى: إذا كان بالمنهل، وزالت به الشمس عليه، وأراد الرحيل الآن، ونوى النزول بعد الغروب، صلى الظهر عند الزوال في أول وقتها الاختياري، وقدم العصر عندها، وهو وقت ضروري لها، لمشقة النزول حينئذ.
والثانية: إن نوى النزول قبل الاصفرار، فلا يجمع، وصلى الظهر قبل رحيله أول وقتها الاختياري، وأخَّر العصر لنزوله، وأداها في وقتها المختار.
والثالثة: إن نوى النزول بعده، أي: بعد دخول الاصفرار، وقبل فراغه صورة بين الصورتين السابقتين خير فيهما، بأن يجمع بينهما في المنهل، أو بعد الاصفرار، ونحوه في توضيحه عند قول ابن الحاجب: (فإن نوى الاصفرار فقالوا: مخير): أشار بعض المتأخرين إلى أن تخييره إن شاء جمع بينهما في المنهل، وإن شاء جمع بعد الاصفرار.
ودرج عليه هنا مع أنه نظر فيه، لأنه إنما هو معلوم عن اللخمي، وهو لم يقل: وإن جمع بينهما بعد الاصفرار، وانظر مناقشة الشارح للمؤلف وكلام البساطي في الكبير.
[الحال الثاني:]
ولما أنهى الكلام على الحال الأول ذكر الثاني، فقال: وإن زالت عليه الشمس حال كونه راكبًا، فثلاث صور، وأشار لحكمها بقوله: أخرهما إن نوى بنزوله الاصفرار، وجمعهما حينئذ، حكاه اللخمي والمازري عن ابن سلمة.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
أو نوي النزول قبله -أي: الاصفرار- أخرهما إليه، وجمعهما حينئذ، وهي الصورة الثانية.
وإلا بأن لم ينو بنزوله الاصفرار ولا قبله بل بعد وقبل الغروب أو بعد الغروب ففي وقتيهما المختار جمعًا صوريًّا، فيصلي الظهر آخر القامة الأولى، والعصر أول الثانية، وهي الصورة الثالثة، وهذا حكم من يضبط نزوله.
[حكم صورة الجمع الصوري:]
ثم شبه في حكم الأخيرة في الجمع الصوري قوله: كـ:
[١] من لا يضبط نزوله ورحيله، أي: لا يعرف وقت ذلك: هل ينزل قبل الاصفرار أو عنده أو بعده، فإنه يجمع جمعًا صوريًّا.
[٢] وكالمبطون يجمع أيضًا جمعًا صوريًّا، قال في المدونة: إذا كان الجمع أرفق به.
وعليه حمل الأكثر قول مالك: يجمع بينهما وسط الوقت.
[الجمع الصوري للصحيح:]
وللصحيح فعله -أي: الجمع الصوري- اتفاقًا؛ إذ ليس فيه إخراج إحدى الصلاتين عن وقتها (١).
_________________
(١) وهذا الجمع الصوري للصحيح أحد تفسيري الأصحاب لحديث ابن عباس: "صلى رسول اللَّه -ﷺ- الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر". وإن كان مالك قد قال: أرى ذلك كان في مطر. قال الزرقاني في شرحه الموطأ (١/ ٤١٧، وما بعدها): "ووافقه على ما ظنه جماعة من أهل المدينة وغيرها منهم الشافعي قاله ابن عبد البر، لكن روى الحديث مسلم وأصحاب السنن من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس =
[ ٢ / ٤٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بلفظ: من غير خوف ولا مطر. وأجاب البيهقي بأن الأولى رواية الجمهور فهي أولى قال وقد روينا عن ابن عباس وابن عمر الجمع بالمطر وهو يؤيد التأويل، وأجاب غيره بأن المراد ولا مطر كثير أو ولا مطر مستدام، فلعله انقطع في أثناء الثانية. وقيل: الجمع المذكور للمرض. وقواه النووي. قال الحافظ: وفيه نظر لأنه لو جمع له لما صلى معه إلا من به المرض والظاهر أنه جمع بأصحابه، وبه صرح ابن عباس في رواية وقيل: كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم فبان أن وقت العصر دخل فصلاها، وأبطله النووي لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهرين فلا احتمال فيه في العشاءين، وكأن نفيه الاحتمال مبني على أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد والمختار عنده خلافه وهو أن وقتها يمتد إلى العشاء فالاحتمال قائم. وقيل: الجمع صوري بأن يوقع الظهر آخر وقتها والعصر في أول وقتها. قال النووي: وهو ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا يحتمل، لكن هذا الذي ضعفه استحسنه القرطبي ورجحه قبله إمام الحرمين ومن القدماء ابن الماجشون والطحاوي وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء راوي الحديث عن ابن عباس قد قال به، وذلك فيما أخرجه الشيخان من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار فذكر هذا الحديث. وزاد قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء، قال: وأنا أظنه. وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره. قلت: لكن لم يجزم بذلك ولم يستمر عليه بل جوز أن يكون الجمع بعذر المطر كما في الصحيح، لكن يقوي الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها صفة الجمع فإما أن تحمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بلا عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة ولا يستلزم الإخراج ويجمع بها بين مفترق الأحاديث والجمع الصوري أولى. وذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر الحديث فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقًا لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة، وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير وجماعة من أصحاب الحديث، واستدل لهم بما في مسلم في هذا الحديث عن سعيد بن جبير فقلت لابن عباس لم فعل ذلك قال: أراد أن لا يحرج أحد من أمته. وللنسائي من طريق عمرو بن هرم عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى =
[ ٢ / ٤٤١ ]
[الجمع في العشاءين:]
وهل العشاءان في الجمع وقت الرحيل من المنهل بعد الغروب وقبله كذلك، أي: كالظهر والعصر في الرحيل قبل الزوال وبعده، أو لا يتأتى فيهما ما في الظهرين عند الرحيل وقت الزوال، فيأتي فيهما غيره من التفصيل في ذلك؟ تأويلان، ذكرهما ابن بشير عن الأشياخ.
قال: والأول هو الصحيح.
[من له التقديم:]
[١] وقدم العصر وجمعها مع الظهر في ضروريها عند الزوال، والعشاء مع المغرب أول وقت المغرب خائف الإغماء على نفسه إن أخر، كما شرع الجمع بعرفة للمشقة.
وقيل: يؤخر الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويجمعهما جمعًا صوريًّا، واستظهره القرافي.
[٢] وقدم -أيضًا- خائف الحمى النافض (١)، قاله مالك في العتيبة.
_________________
(١) = والعصر ليس بينهما شيء والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء فعل ذلك من شغل وفيه رفعه إلى النبي. ولمسلم عن عبد اللَّه بن شقيق أن شغل ابن عباس كان بالخطبة وأنه خطب بعد العصر إلى أن بدت النجوم ثم جمع بين المغرب والعشاء وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه وما ذكره ابن عباس من التعليل بنفي الحرج ظاهر في مطلق الجمع، وجاء مثله عن ابن مسعود قال: جمع النبي بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فقيل له في ذلك. فقال: "صنعت هذا لئلا تحرج أمتي" رواه الطبراني وإرادة نفي الحرج تقدح في حمله على الجمع الصوري لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج. انتهى".
(٢) قال في تاج العروس (١٩/ ٨٣): "ومن المجاز: النافض: حمى الرعدة، وفي الصحاح: النافض من الحمى: ذات الرعدة. قال ابن سيده: مذكر. ويقال: نفضته، وأخذته حمى بنافض، بزيادة الحرف، وهو الأعلى، وحمى نافض، بالإضافة، وقد يقال: حمى نافض، فيوصف به، وفي حديث الإفك فأخذتها حمى =
[ ٢ / ٤٤٢ ]
[١] وقدم خائف الميد -أيضًا- قال في القاموس: ماد [الرجل]، أي: أصابه غثيان ودوران من سكر أو ركوب بحر.
تنبيه:
لم يذكر المؤلف حكم التقديم، وفي الطراز عن مالك: الجواز.
[خلاف توقع الخائف والمرتحل:]
فإن قدم خائف الإغماء والناقض والميد وسَلِمَ مما قدم لأجله أو إن قدم من أراد الرحيل بعد الزوال ولم يرتحل أو ارتحل من المنهل قبل الزوال، ونزل عنده -أي: الزوال- فجمع حينئذ ظانًا جواز التقديم لأجل سفره السابق أعاد الصلاة الثانية لا الأولى؛ لوقوعها في وقتها.
وقيد الإعادة بالوقت؛ لتخرج الأبدية، وروى علي: يعيد العصر في الوقت.
وللبساطي هنا مناقشة مع المؤلف، انظر الكلام معه في الكبير.
[خصوصية العشاءين:]
ورخص للمصلي دفعًا للمشقة ولتحصيل فضل الجماعة في جمع العشاءين.
تنبيه:
أجمل -﵀- في بيان حكم الرخصة في الجمع.
_________________
(١) = بنافض، أي: برعدة شديدة، كأنها نفضتها، أي: حركتها. وقال الأصمعي: إذا كانت الحمى نافضا قيل: نفضته الحمى فهو منفوض. والنفضة، كبسرة، ورطبة، والنفضاء، كالعرواء: رعدة النافض. وقال البراء بن مالك، -﵁-، يوم اليمامة لخالد بن الوليد -﵁-: طدني إليك وكان تصيبه عرواء مثل النفضة حتى يقطر. ذكر الجوهري الأولى والثالثة، ونقل الصاغاني الثانية، وبها روي الحديث، والاسم: النفاض، كسحاب".
[ ٢ / ٤٤٣ ]
ابن عرفة: المشهور جواز الجمع.
وعلى المشهور في جوازه راجحًا أو مرجوحًا طريقان، وانظر عزوهما في الكبير.
فقط لا الظهرين على المنصوص، بكل مسجد في كل بلد (١) على المشهور، ولا خاص بمسجده ﵊، ولا به وبمسجد مكة.
وقوله: (في جمع) متعلق بـ (رخص)، وأجاز البساطي تعلقه أيضًا بإذن.
[موجبات خصوصية العشاءين:]
لـ:
[١] مطر وحده على المشهور.
[٢] أو طين مع ظلمة اتفاقًا.
[ما لا يبيح الجمع لهما:]
ولا يجمع:
[١] لطين بغير ظلمة، على ما شهره القرافي في ذخيرته، واعتمده المصنف؛ لقول سند وابن عطاء اللَّه وغيرهم: إنه ظاهر المذهب.
ولم يعتمد تشهير ابن عسكر الجمع في عمدته، مع أنه ذكره في توضيحه.
[٢] أو ظلمة، فلا يجمع لها وحدها اتفاقًا.
[صفة الجمع:]
ثم أشار لصفة الجمع بقوله: أُذِّنَ للمغرب على المنار أول وقتها
_________________
(١) ويجب أن يستثنى من هذا الإطلاق البلدان التي تشهد عواصف وأعاصير نهارًا وليلًا، فيكون فيها حكم الظهرين كحكم العشاءين هنا، فلا يجوز أن يعمم هذا الحكم فيها، فالحكم يدور مع العلة: وجودًا وعدمًا.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
كالعادة في غير الجمع، وأُخِّرَ إيقاعها عن أول وقتها قليلًا، وقدم العشاء قليلًا عن أول وقتها المختار، فيكون ذلك وسط الوقت، كما قال في الجلاب، ثم صُلِّيَا -أي: المغرب ثم العشاء- قبل الشفق ولاء بكسر الواو والمد، أي: بلا فصل بينهما، إلا قدر أذان منخفض؛ للسنة بمسجد فيه، لا على المنار.
وهل في صحنه؟ وصدر به في توضيحه، أو في مقدمه؟ قولان لمالك وابن حبيب.
وإلا قدر إقامة ثانية للعشاء؛ لينصرفوا في النور.
تنبيه:
لعل قول البساطي: إن "قدر" في كلام المؤلف زيادة مضرة، أي: لأنها لا يفهم منها الفعل، وأنه لو قال: "ألا يفعل أذان وإقامة" لسلم من هذا.
وإنما نبهت على ذلك لأن بعض مشايخي تحير في مراده، فقال: إن أراد مخالفة المنقول فليس كذلك؛ لأنه في ابن الحاجب وغيره، وإن أراد أنها لا تناسب الاختصار فمسلم، ولا يقال في مثل ذلك: إنه مضر، وإن أراد خلاف ذلك فلم يبين.
[التنفل بين العشاءين هنا:]
وقال مالك: لا تنفل بينهما، أجمل في بيان الحكم، لكن ظاهره المنع، وهو كذلك، وصرح به ابن عرفة.
وإذا قلنا لا يتنقل ففعل لم يمنعه تنفله من الجمع قياسًا على الإقامة، خلافًا للشافعي، قاله في الطراز، وأقره صاحب الذخيرة، وعلى هذا فإعادة الشارح ضمير (يمنعه) لمالك غير صواب.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
[التنفل بعدهما:]
ولا تنفل بعدهما بالمسجد، رواه العتبي (١) لينصرفوا لضوء.
[الجمع لمنفرد بالمغرب:]
وجاز الجمع لمنفرد بالمغرب في بيته أو غيره يجيء لجماعة يجدهم بالعشاء يجمعون، فيصليها معهم جمعًا؛ لفضل الجماعة، وهو المشهور ومذهب المدونة.
واستشكل المشهور بأن تقديم النية عند الأولى واجب، وأجيب بما في الذخيرة من أن الرخصة لا تتعلق بالمغرب لوقوعها في وقتها، وإنما تتعلق بالعشاء.
وفهم من قوله: (منفرد بالمغرب): أنه لو لم يصلها، ووجدهم في العشاء، لا يدخل معهم، ويؤخرها لوقتها، وهو كذلك؛ لأن الترتيب واجب.
[الجمع لمعتكف:]
وجاز لمعتكف بالمسجد أن يجمع؛ لحصول الفضل، وللتبعية، ولخوف الطعن على الإمام.
تتمة:
لو كان الإمام معتكفًا جمع مأمومًا وجوبًا على ظاهر التهذيب.
ابن عرفة: قول ابن عبد السلام: (استحبابًا) لا أعرفه.
أبو عمر: ويجمع المغرب ببيته.
_________________
(١) هو: محمد بن أحمد بن عبد العزيز الأموي القرطبي الأندلسي، أبو عبد اللَّه، (٠٠٠ - ٢٥٥ هـ = ٠٠٠ - ٨٦٩ م): فقيه مالكي، نسبته إلى عتبة بن أبي سفيان بن حرب، بالولاء. له تصانيف، منها "المستخرجة العتبية على الموطأ - خ" في فقه مالك و"كراء الدور والأرضين - خ" توفي بالأندلس. ينظر: الأعلام (٥/ ٣٠٧).
[ ٢ / ٤٤٦ ]
[حكم الجمع بذهاب مبيحه أثناءه:]
ثم شبه في جواز الجمع، فقال: كأن انقطع المطر، الذي هو سبب الجمع بعد الشروع في صلاة المغرب والعشاء يتمادون على الجمع؛ لأن السبب إنما يطلب ابتداءً لا دوامًا، ولا تؤمن عودته.
وفهم من كلامه: أنه لو انقطع قبل الشروع لم يجمعوا، وهو كذلك، حيث لا سبب غيره، كـ: طين مع ظلمة.
[المنفرد بالمغرب يجدهم فرغوا من العشاء:]
لا إن جاء المنفرد بالمغرب فوجدهم قد فرغوا من العشاء، فلا يجمع؛ إذ من شرط الجمع الجماعة، فيؤخر العشاء للشفق، أي: لمغيبه، إلا بالمساجد الثلاثة: مسجد المدينة، ومكة، وبيت المقدس، فإنه إذا لم يدرك الجمع في واحد منها فله أن يصلي العشاء فيه قبل مغيب الشفق بعد الجماعة منفردًا (١)؛ إذ فضلها أعظم من فضل الجماعة.
تنكيت:
قول البساطي: (له أن يجمع معهم، أو يصلي منفردًا قبل مغيب الشفق) غير ملتئم؛ لأن فرض المسألة أنهم فرغوا أو أدركهم في التشهد.
[حصول موجب الجمع بعد الأولى:]
ولا يجوز الجمع إن حدث السبب الموجب له -وهو المطر- بعد الأولى -أي: المغرب- وهذا الفرع مبني على اشتراط نية الجمع عند الأولى.
[الجمع بالبيت:]
ولا تجمع المرأة ولا الضعيف ببيتهما المجاور للمسجد مع جماعته؛ إذ لا ضرر عليهما في عدم الجمع.
_________________
(١) أي: بنية الجمع، وانظر هذا مع قوله: من شرط الجمع الجماعة.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
[الجمع للمنفرد بالمسجد:]
ولا يجمع منفرد بمسجد؛ لعدم المشقة عليه في إيقاع كل صلاة لوقتها، كجماعة مقيمين بمدرسة أو تربة، فلا يجمعون؛ إذ لا حرج عليهم في عدم الجمع، واللَّه أعلم.
* * *
فصل في أحكام الجمعة، وما يتعلق بها
[الجمعة لغة:]
وهي بضم الميم وإسكانها وفتحها من الجمع؛ لإجماع الناس فيها، وكانت تسمى في الجاهلية عروبة من الإعراب، وهو التحسين؛ لتزين الناس لها.
فائدة:
فرضت بمكة، ولم يصلها -ﷺ- حينئذ، وأول جمعة صليت بالمدينة أقامها أسعد بن زرارة (١) في بني بياضة (٢) لما أنفذ ﵊ مصعب بن عمير (٣) أميرًا على المدينة، وأمره بإقامتها، فنزل على أسعد،
_________________
(١) هو: أسعد بن زرارة بن عدس النجاري، من الخزرج، (٠٠٠ - ١ هـ = ٠٠٠ - ٦٢٢ م): أحد الشجعان الأشراف في الجاهلية والإسلام، من سكان المدينة. قدم مكة في عصر النبوة ومعه ذكوان بن عبد قيس فأسلما وعادا إلى المدينة، فكانا أول من قدمها بالإسلام. وهو أحد النقباء الاثني عشر، كان نقيب بني النجار، ومات قبل بدر فدفن في البقيع. ينظر: الأعلام (١/ ٣٠٠).
(٢) بنو بياضة: بطن من بطون الخزرج، وبياضة اسم جدهم الذي ينتسبون إليه، وهو: بياضة بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج.
(٣) هو: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، القرشي، من بني عبد الدار، (٠٠٠ - ٣ هـ = ٠٠٠ - ٦٢٥ م): صحابي، شجاع، من السابقين إلى الإسلام، أسلم في مكة =
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وكان من النقباء الاثني عشر (١)، فأخبره بأمرها، وأمره أن يتولى الصلاة بنفسه.
_________________
(١) = وكتم إسلامه، فعلم به أهله، فأوثقوه وحبسوه، فهرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة. وهاجر إلى المدينة، فكان أول من جمع الجمعة فيها، وعرف فيها بالمقرئ، وأسلم على يده أسيد بن حضير وسعد بن معاذ. وشهد بدرًا. وحمل اللواء يوم أحد، فاستشهد. وكان في الجاهلية فتى مكة، شبابًا وجمالًا ونعمة، ولما ظهر الإسلام زهد بالنعيم. وكان يلقب (مصعب الخير) في الخورنق، وانتخبوه أميرًا عليهم فأقام على ذلك إلى أن ولي العراق خالد القسري فسير خالد جيشًا لقتال مصعب، فاصطدم الجيشان بحزة (من أعمال الموصل) واقتتلوا فقتل مصعب. ينظر: الأعلام (٧/ ٨٤٢).
(٢) قال في الروض الأنف: (٢/ ٢٦٨، وما بعدها): "قال ابن هشام: من الخزرج -فيما حدثنا زياد بن عبد اللَّه البكائي، عن محمد بن إسحاق المطلبي-:
(٣) أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وهو تيم اللَّه بن ثعلبة عمرو بن الخزرج بن حارثة.
(٤) وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج.
(٥) وعبد اللَّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك [الأغر] بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج.
(٦) ورافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج.
(٧) والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج.
(٨) وعبد اللَّه بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج.
(٩) وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج. قال ابن هشام: هو غنم بن عوف، أخو سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج.
(١٠) قال ابن إسحاق: وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج.
(١١) والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن =
[ ٢ / ٤٤٩ ]
[شروط الجمعة:]
ولما كان لها شروط أداء -أي: فعل- وهي كما في التوضيح: ما يطلب من المكلف تحصيله، كـ: الإمام، والجماعة، والجامع، والجمعة، وشروط وجوب، وهي: ما لا يطلب منه تحصيله، كـ: الذكورية، والحرية، والإقامة، والقرب: بحيث يكون منها في وقتها على ثلاثة أميال فأقل، بدأ بالشروط.
[أولًا - شروط الأداء:]
فقال: شرط أداء الجمعة:
[١ - وقت الجمعة:]
وقوع كلها ركعتيها بالخطبة -أي: عقبها وقت الظهر، وأوله من الزوال اتفاقًا، ولو وقعت مع الخطبة قبله أو الخطبة فقط قبله لم يصح، ويمتد وقتها للغروب على المشهور.
[الخلاف في آخر وقتها:]
وأشار للخلاف في آخره بقوله: وهل إن أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، وصحح هذا القول، صححه عياض وغيره، أو لا يشترط؟ قولان
_________________
(١) = الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج. قال ابن هشام: ويقال ابن خنيش. ومن الأوس:
(٢) أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل [بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس [بن ثعلبة بن عمرو بن عوف] بن مالك بن الأوس [بن حارثة].
(٣) ورفاعة بن عبد المنذر بن زبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولا يعدون رفاعة".
[ ٢ / ٤٥٠ ]
رويت عليهما المدونة، فرويت على الأول في أصل ابن المرابط، وعلى الثاني من رواية ابن عتاب.
تنبيه:
سكت عن ذكر كونها ركعتين لشهرته.
الفاكهاني: المشهور أنها بدل من الظهر، واستشكله القرافي بأن البدل لا يقبل إلا عند تعذر المبدل منه، والجمعة تتعين مع إمكان الظهر بدل منها في الفعل، والمذهب أنها واجب مستقل. انتهى.
[٢ - الاستيطان:]
وأشار للشرط الثاني من شروطها بقوله: باستيطان -أي: مع استيطان- بلد، فلا يكفي تجرد الإقامة على المشهور، أو إخصاص: جمع خص بالضم، لا خيم: بكسر الخاء، وفتح المثناة التحتية، كـ: بذرة وبذر، فلا تجب على المقيمين بها.
[٣ - الجامع:]
وأشار للشرط الثالث من شروط الأداء بقوله: وبجامع، فلا تصح مع فقده مع وجوبها، والباء فيه تحتمل المعية والظرفية، وإطلاقه يشمل ما لو كان من مال حرام بأرض مغصوبة، وهو كذلك، قاله الأقفهسي، لكنه ذكر في مواضع النهي عن الصلاة: لو بني من مال حرام في أرض مغصوبة وخلي بين الناس وبينه لم يكن له حرمة المسجد، ولا حكمه.
[صفة الجامع:]
ثم وصفه بقوله:
[أ] مبني البناء المعتاد للمساجد، فلا جمعة في براح حجر بأحجار، أو خط حوله خط.
[ب] متحد صفة لجامع، فلا تصح فيما حصل به التعدد منه على المشهور، ولو عظم البلد؛ طلبا لجمع الكلمة.
[ ٢ / ٤٥١ ]
وبما قررناه يندفع قول البساطي: (فيه قلق؛ إذ لا خلاف أنها تجب على المكلفين مع التعدد، وتصح أيضًا، وغاية ما يتلمح له أن كل واحد ليس شرطًا، فالشرط في الوجوب واحد، ينتفي الوجوب عند انتفائه، وانتفاؤه ينفي كل واحد).
قال القرافي: لما كانت القلوب تصدأ بالغفلات والخطيئات كما يصدأ الحديد اقتضت الحكمة الإلهية جلاؤها في كل أسبوع بمواعظ الخطباء، والأمر بالاجتماع؛ ليتعظ الغني بالفقير، والقوي بالضعيف، والصالح بالطالح. انتهى.
[العتيق أولى عند تعدد الجوامع:]
ويوضح ما قررناه قوله: والجمعة للعتيق إن لم يتأخر أداؤه عن الجديد، بأن تقدم أو ساواه، وإن تأخر العتيق أداء عن الجديد، أو كان الإمام في الجديد، لكن قال في توضيحه: لا أظنهم يختلفون في مثل مصر وبغداد، وفيه نظر؛ لحكايتهم الخلاف فيهما. انتهى.
[شرط بناءً المسجد:]
لما ذكر في صفة الجامع كونه مبنيًّا، خشي أن يتوهم أن البناء يكفي في مسماه جامعًا، ولو خف، فنفاه بقوله: لا ذي بناءً خف.
[شروط للجامع بها تردد:]
[أ- اشتراط السقف لصحة الجمعة:]
ولما أفهمت عبارته الصحة مع البناء غير الخفيف، ولو كان بغير سقف، أشار إلى ما فيه، وهو شرط في الشرط بقوله: وفي اشتراط سقفه، أي: ابتداءً؛ إذ لا يسمى جامعًا عند الباجي إلا به، وعدم اشتراطه في صحتها عند ابن رشد؛ لأنه شرط كمال، الزناتي: وهو الصحيح، تردد.
ابن عرفة: وعلى الأول أفتى الباجي بمنعها بمسجد انهدم سقفه، وأباه ابن رشد، بأن هدمه لا يمنع اسمه مسجدًا، وإن منعه عدمه ابتداء.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
[ب - اشتراط تأبيدها به:]
وفي اشتراط قصد تأبيدهما به وعدمه تردد للباجي وابن رشد أيضًا.
[ج - إقامة الخمس به:]
وفي اشتراط إقامة الخمس به، أي: بمسجد الجمعة، فلا تصح به عند عدم الشرط، قاله ابن بشير، وعدم اشتراطه فتصح بمسجد بني لإقامتها فقط، حكاه بعض شيوخنا عن غيره من الأشياخ، ولم أقف عليه، بل ظاهر كلام المصنف: ولو لم يبن لإقامتها فقط، وإنما تعطل إقامة الخمس به، ولم يذكر في توضيحه غير كلام ابن بشير.
تردد في الفروع الثلاثة، وحذفه من الأوليين؛ لدلالة هذا عليه.
[صلاة المأموم برحبة الجامع:]
وصحت جمعة لمقتد صلي مع الإمام برحبته، وهل هي:
- ما زيد في خارج محيطه لتوسعته، كما قاله سند.
- أو صحنه.
- أو حريم بابه.
أقوال؛ ففي كلام المصنف إجمال؛ لإطلاقه الرحبة.
[شرطا صلاته بالطرق:]
وصحت في طرق:
[أ] متصلة به، أي: بالمسجد. قال مالك: ولو كان بها أرواث الدواب وأبوالها.
[ب] إن ضاق: اتصلت الصفوف أو لا.
قال الشارحان: اتفاقًا فيهما تبعًا للمصنف في توضيحه، وحكى ابن عرفة الصحة في الثانية عن أشهب، أو اتصلت الصفوف، ولم يضق على الأظهر من القولين.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
لا انتفيا -أي: الضيق واتصال الصفوف- فلا تصح على ظاهر المذهب.
تنبيه:
تلخص من كلامه أربع صور، وقولنا: (لمقتد) هو كذلك في ابن الحاجب، وخرج به الإمام، فلا تصح له ولا لغيره، وظاهر كلام الشارحين كالمصنف في توضيحه: أن شرط الضيق أو الاتصال في الطرق، لكن يجري هذا الحكم في رحابه من باب أولى.
[صلاتها ببيت القناديل:]
ثم شبه في عدم الصحة قوله: كبيت القناديل؛ لأنه محرز.
[صلاتها بسطحه:]
ولا تصح في سطحه عند ابن القاسم: سواء ضاق أو لا.
[صلاتها بدار وحانوت:]
ولا تصح في دار وحانوت، ظاهره: كانت محجورة أو لا، وكذا في الجلاب، وقيد ابن الحاجب وصاحب الشامل بالمحجورة.
[٤ - الجماعة:]
ثم أشار للشرط الرابع من شروط الأداء بقوله: وبجماعة، وصفهم بكونهم: تتقري بهم قرية بحيث يكونون آمنين على أنفسهم، مستغنين عن غيرهم، ذكورًا أحرارًا بالغين.
تنكيت:
عَدُّ البساطي الجماعة من شروط الوجوب مخالفٌ لما قدمناه عن التوضيح.
وأفهم قوله: (قرية) أنه لا يشترط كونها مصرًا جامعًا، وهو كذلك على أحد قولي مالك، واتفق الجمهور على كونها متصلة البنيان.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
[تقييد:]
ولما كان الشرط الذي ذكر المصنف لا يعتبر في كل جمعة بل في الأولى فقط، قال: أولًا بتشديد الواو، كما لا يشترط ثبوتها بثلاثين، وإن رواه مطرف وابن الماجشون.
[عدم حصر الأولى بعدد:]
ولا يشترط حصر أهلها بعدد مخصوص، كعشرة أو اثني عشر، أو ثلاثين، ونحوها، كما قيل بكل؛ ولذا قال: بلا حدّ.
عبد الوهاب: منع أصحابنا الثلاثة والأربعة وشبههم.
[حصر غير الأولى بعدد:]
وإلا بأن لم يكن أولًا، بل كان في جمعة ثانية مثلًا، فتجوز باثني عشر متصفين بما تقدَّم باقين مع الإمام لسلامها على المشهور.
أشهب: إن تفرقوا بعد عقد ركعة أتم جمعة.
واستدل ابن عبد السلام للمشهور بحديث العير حيث لم يبق مع النبي -ﷺ- غير اثني عشر رجلًا (١)، ونحوه للشارح.
وأفهم كلام المؤلف أن الاثني عشر لا تتقرى بهم قرية، وأنه لو بقي معه دونهم لم تجزئهم.
فائدتان:
الأولى: قال أبو الحسن: إن الاثني عشر الذين لم ينفضوا عنه -ﷺ- هم الصحابة العشرة وبلال.
واختلف في الثاني عشر:
فقيل: عمار بن ياسر.
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٣١٦، رقم ٨٩٤)، ومسلم (٣/ ٩، رقم ٢٠٣٤).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
وقيل: ابن مسعود.
الثانية: كان وقت انفضاضهم عنه وهو قائم في الخطبة، ذكره القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.
[٥ - الإمام:]
وأشار لشرط من شروط أدائها كما تقدم عن التوضيح بقوله: بإمام.
وقال ابن رشد: هو شرط في الوجوب والصحة معًا.
[شروط إمام الجمعة:]
ثم وصف الإِمام بقوله:
[١] مقيم على المشهور؛ إذ لو لم يكن كذلك لم تجب عليه، وظاهره: ولو كان مستخلفًا بفتح اللام، وهو كذلك على المشهور.
ثم استثنى من مفهوم (مقيم)، فقال: إلا الخليفة يمر بقرية جمعة من عمله قبل صلاتهم، فيجمع بهم، وتصح له ولهم؛ لأن نائبه يصلي لهم، فمن له الصلاة أصالة أولى.
وقولنا: (قبل صلاتهم)؛ لأنه لو قدم بعدها في الوقت لم يعد على الأصح، قاله في الشامل.
ولا تجب عليه على ظاهر قول المدونة: ولا جمعة على الإِمام المسافر، إلا أن يمر في قرية من عمله يجمع فيها فليجمع بهم.
عياض: وهو ظاهر الموطأ.
وقال الباجي: بل ظاهرها الوجوب.
وعلله بأن وجوبها على واليها لاستيطانه أوجبها على موليها لاستحقاقه الإمامة دونه.
وإن مر الخليفة بغيرها -أي: بغير قرية الجمعة- وجمع بهم، فإنها تفسد عليه؛ إذ لا جمعة، فيسقط عنه حضورها الظهر، ولا ظهر بالفرض،
[ ٢ / ٤٥٦ ]
وتفسد عليهم لفسادها على الإِمام.
[٢] وأشار لشرط الإِمام بقوله: وبكونه الخاطب، فلا يصلي غيره؛ لفعله ﵊ ومن بعده إلى هلم جرًا، إلا بعذر، كعجز أو حدث أو رعاف مع بعد الماء، فيستخلف، وإن تركه استخلفوا.
[انتظار إمام الجمعة:]
ووجب عليهم انتظاره وعدم الاستخلاف لعذر قرب زواله، كـ: طهارته لحدث حصل بعد الخطبة على الأصحّ عند المؤلف؛ لأنه استظهره في توضيحه، وهو قول ابن كنانة، وابن أبي حزم.
فإن بعد العذر-كـ: إغماء- لم ينتظر، ومقابل الأصح هو ظاهر المدونة، وصحح.
[٦ - خطبتان:]
وأشار لشرط من شروط أدائها بقوله: وخطبتين على المشهور فيهما، فلو تركهما أو إحداهما لم تكن جمعة، قاله في الجلّاب.
[محلهما:]
وبين وقت فعلهما بقوله: قبل الصلاة، قال في الشامل: شرط على الأصح، فلو خطب بعدها أعاد الصلاة وحدها، قاله في المدونة.
تنبيه:
شرط الخطبة وصل الصلاة بها.
ابن عرفة: ويسير الفصل عفو.
المازري: أشار أشهب إلى وصلها بما وصل أوليي الرباعية بآخريها.
فائدة:
في أبي داود كانت بعد، وإنما ردت قبل من حين انفضوا.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
[نوعها:]
ولابد أن تكون مما تسميه العرب خطبة، البساطي: هو نوع من الكلام معروف، يخالف النثر والنظم.
وفي مغنية: كلام مسجع مشتمل على نوع من التذكرة، فإن أتى بكلام نثر فظاهر كلام مالك أنه يعيد قبل الصلاة، ويجزئه بعدها.
تتمة:
قال الإرشاد: أقلها ثناء على اللَّه تعالى، وصلاة على رسول اللَّه -ﷺ-، وتحذير وتبشير. انتهى.
زاد ابن العربي: وقرآن.
تنبيه:
ظاهر كلام ابن العربي وصاحب الإرشاد أنه لا بد في تسميتها خطبة من الصلاة على النبي -ﷺ- فيها.
وفي الطراز: يصلي عليه فيها، ولا يجب ذلك.
[شرط الخطبتين:]
تحضرهما الجماعة الذين تنعقد بهم، فالألف واللام للعهد؛ إذ هي للوعظ، فإن لم يكن هناك من يوعظ فهي عبث، [وفيه بحث] (١) وهو ظاهر في كونها جهرًا.
ابن عرفة: ظاهر المذهب إسرارها كعدمها، وقول ابن هارون: (قالوا: لو أسرها حتى لم يسمعه أحد أجزأت، وأنصت لها) لا أعرفه. انتهى.
وجملة (تحضرهما الجماعة): محلها الجر؛ لأنها صفة لـ (خطبتين)،
_________________
(١) ما بين معكوفتين من "ن ٤"، ولعل الصواب حذفه.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وهو نكرة، ومن المقرر أن الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال.
[هيئة الجماعة في الإنصات:]
وإذا خطب استقبله منهم وجوبًا غير أهل الصف الأول.
تنبيه:
قول المدونة: (وإذا قام الإِمام يخطب فحينئذ يجب قطع الكلام واستقباله) عموم؛ فيشمل الصف الأول، وبه قال المغربي وتلميذه أبو عبد اللَّه المتيطي (١).
ابن ناجي: وبالوجوب صرح ابن حبيب واللخمي، وكان شيخنا يحملها على الاستحباب، ويقول: إن المذهب كذلك.
وإنما لم يستقبله أهل الصف الأول كما قال المصنف لأنه لا يتأتى لهم ذلك إلا بانتقالهم عن مواضعهم.
[قيام الخطيب لهما:]
وفي وجوب قيامه -أي: الخطيب- لهما -أي: للخطبتين- عند القاضي أبي بكر، وزاد المازري: شرطيته، أو سنيته عند ابن حبيب وابن القصار وعبد الوهاب، قائلًا: لو خطب جالسًا أساء، وصحت. تردد.
[من تلزمه الجمعة:]
ولزمت الجمعة:
[١] المكلف، لا الصبي والمجنون، ظاهره: ولو كافرًا. البساطي: وهو ظاهر المذهب.
_________________
(١) هو: علي بن عبد اللَّه بن إبراهيم بن محمد الأنصاري المالكي أبو الحسن المتيطي "متيطة قرية بأحواز من جزيرة الخضراء" كان فقيهًا عالمًا ولي قضاء شريش وتوفيها سنة ٥٧٠ سبعين وخمسمائة. من تصانيفه النهاية والأقدام في معرفة الوثائق والأحكام.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
تنبيه:
إنما ذكره وإن كان شرطًا في كل فرض تتميمًا لشروطها.
[شرط المكلف بها:]
ثم وصف المكلف التي يجب عليه بأربعة أوصاف، فقال:
[أ] الحر، فلا تلزم قنا ولا مكاتبا ولا من فيه شائبة، وظاهره: ولو أذن له سيده، وهو كذلك على المشهور، وإنما لم يجب عليه كبقية الخمس؛ لطول أمرها مع أن لها بدلًا.
تنبيه:
مفهوم هذا الشرط واللذين بعده يحتمل نفي الوجوب عنهم مطلقًا، وإجزاؤها عمن حضرها منهم بدل عن الظهر، ويحتمل لا تجب عليهم وجوبًا غير غير، بل مخيرًا، كما قال في الذخيرة: الواجب عليهم إحدى الصلاتين بعينها، والخيرة لهم في التعيين، كخصال الكفارة، وليس من باب إجزاء النفل عن الفرض، فالعبد متطوع بالتعيين فقط، والحر مفروض فيه. انتهى.
وما ذكره القرافي من التخير فيه نظر؛ لأن التخيير إنما يكون بين متساويين.
[ب] الذكر، فلا تلزم أنثى إجماعًا، وإن حضرتها أجزأتها بلا خلاف.
[ج] بلا عذر، كـ: مرض أو غيره مما يذكر.
[د] المتوطن، وإن بعدت داره عن منار وطنه، وإن كان على ستة أميال، كما رواه علي عن مالك.
وخرج بالمتوطن المسافر ومن نوى إقامة أربعة أيام صحاح، وذكره ليرتب عليه قوله: وإن بقرية نائية، أي: بعيدة عن قرية الجمعة بكفرسخ من المنار الذي ببلد الجمعة.
ودخل بالكاف ما زاد على الفرسخ يسيرًا، والمبالغة لدفع توهم عدم
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وجوبها على مستوطن بقدر هذه المسافة، وفسر المغربي الزيادة اليسيرة بربع الميل؛ لتحقيق الثلاثة.
ونائية: بنون في أوله مهموز، ويظهر من تقرير الشارح أنه ثانية بمثلة أوله.
[من في حكم من تلزمه الجمعة:]
ثم شبه في الحكم أربعة فروع، فقال: كأن أدرك المسافر -أي: مبتدئ السفر- النداء قبله، أي: قبل مجاوزته الفرسخ، فيلزمه الرجوع للجمعة؛ إذ هو في حكم الحاضر.
تنبيه:
قال المصنف: ينبغي أن يقيد المرجوع بأن يظن إدراك ركعة منها فأكثر، وإلا فلا؛ لعدم فائدة رجوعه حينئذ.
والنداء: بالمد وكسر النون الصوت.
الجوهري: وقد يضم.
أوْ صلّى المسافر الظهر عند الزوال على الوجه المشروع له، ثم قدم وطنه، فوجدها لم تصل؛ فإنها تجب عليه لتبيين استعجاله، قاله مالك.
وظاهره: كان بينه وبين المسجد ثلاثة أميال أم لا، وهو كذلك، خلافًا لسحنون في قوله: يجب إن كان بينه وبين المسجد ثلاثة أميال فأقل. وظاهره صلى الظهر في جماعة أو لا، وهو كذلك، خلافًا لأشهب.
أو صلى الظهر صبيًّا ثم بلغ قبل إقامتها على الأصح عند ابن الحاجب.
أو صلى صاحب عذر الظهر، ثم زال عذره، كـ: مريض صح قبل إيقاعها، أو عبدًا صلى الظهر ثم عتق، فإنها تجب عليه.
[من لا تلزمه:]
لا بالإقامة، مخرج من قوله: (المتوطن)، أي: تجب مع المتوطن لا
[ ٢ / ٤٦١ ]
مع مجرد الإقامة، إلا تبعًا، وأشار بذلك لفرع ذكره في الطراز، وهو لو حضر مسافرون مع أهل بلد يجمع فيها أهلها، وأقاموا، فإنهم يقيمونها معهم تبعًا لهم.
[ما يندب للجمعة:]
[أولًا - ما يندب في حق المستمع والخطيب:]
وندب لمن يطلب منه حضور الجمعة أمور، منها:
[١] تحسين هيئته، كـ: قص ظفر، وشارب، وقف إبط، وسواك.
[٢] ومنها جميل ثياب؛ لخبر الموطأ: "ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته" (١) بفتح الميم، أي: خدمته، وحكي كسرها، وأنكر.
[٣] ومنها طيب، ولو من طيب المرأة.
[٤] ومنها مشي في غدوه لها؛ لما فيه من التواضع؛ لخبر: "من أغبرت قدماه في سبيل -أي: طاعة- اللَّه حرمه اللَّه على النّار" (٢).
[ثانيًا - ما يندب للمستمع خاصة:]
[١] ومنها تهجير، وهو: الغدو وقت القائلة شدة الحر، ضد التبكير، والتهجير مبني على الخلاف في الساعة الأولى:
- هل هي من طلوع الفجر أو الشمس، وهما للشافعية.
- أو التي قبل الزوال، وهي السَّادِسَة، وهو الصحيح.
- أو التي بعد الزوال، وهي السَّابِعَة؟
_________________
(١) رواه مالك (١/ ١١٠، رقم ٢٤٢).
(٢) رواه من حديث أبي عبس: أحمد (٣/ ٤٧٩، رقم ١٥٩٧٧)، والبخاري (١/ ٣٠٨، رقم ٨٦٥)، والترمذي (٤/ ١٧٠، رقم ١٦٣٢) وقال: حسن غريب صحيح. والنسائي (٦/ ١٤، رقم ٣١١٦)، وابن حبان (١٠/ ٤٦٥، رقم ٤٦٠٥).
[ ٢ / ٤٦٢ ]
قولان، وعلى كل من القولين الأخيرين فتقسم الساعة الواحدة ساعات.
قال في الذخيرة: قسم مالِك الساعة السَّادِسَة خمسة أقسام، ففي الموطأ: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر" (١).
[٢] ومنها إقامة أهل السّوق من حوانيتهم وأسواقهم مطلقًا: من تلزمه وغيره؛ لئلا يكون من لا تلزمه وسيلة الشغل من تلزمه لوقتها، أي: لدخوله، فاللام لابتداء الغاية.
وفي كثير من النسخ بوقتها بالباء موضع اللام، فهي ظرفية.
[ثالثًا - ما يندب للخطيب خاصة:]
[١] ومنها سلام خطيب لخروجه، أي: عنده على الناس، وجزم ابن عرفة بسنيته، وحكى وجوبه عن ابن الحاجب، وأنكره عليه وعلى ابن عبد السلام إقراره.
سند: ويرد عليه من سمعه. انتهى.
ولم يذكر حكمه، ولا يبعد أن يكون واجبًا، كالرد في غير الخطيب، لا وقت انتهاء صعوده على المنبر؛ لعد ثبوته في خبر صحيح (٢)، وقد خطب -ﷺ- على منبره.
_________________
(١) أخرجه مالك (١/ ١٠١، رقم ٢٢٧)، والبخاري (١/ ٣٠١، رقم ٨٤١)، ومسلم (٢/ ٥٨٢، رقم ٨٥٠)، وأبو داود (١/ ٩٦، رقم ٣٥١)، والترمذي (٢/ ٣٧٢، رقم ٤٩٩) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٣/ ٩٩، رقم ١٣٨٨)، وابن حبان (٧/ ١٣، رقم ٢٧٧٥).
(٢) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٤)، فقال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا مجالد، عن =
[ ٢ / ٤٦٣ ]
[٢] ومنها جلوسه أولًا، ثم صعوده على المنبر حتى يفرغ الأذان، وهي للاستراحة من صعوده.
سند: وكذا سميت الدرجة التي يجلس عليها المستراح.
[٣] ومنها بينهما -أي: الخطبتين- للفصل بينهما.
سند: للاستراحة من تعب القيام.
وحكى الباجي الاتفاق على سنيته، وحكى تشهيره في توضيحه، وابن العربي فرضيته، ولم يذكر استحبابه في توضيحه، ولا ابن عرفة، ولا الشارح، وكذا قال البساطي: لا ندري من أين أخذه.
[رابعًا - ما يندب للجمعة ذاتها:]
[١] ومنها كون الثانية أقصر من الأولى.
[٢] ومنها رفع صوته لهما لتبليغ الوعظ، وكذا استحب كونه على منبر.
فائدة:
أول من اتخذ المنبر من غير الخلفاء عمرو بن العاص لما بني جامعه بمصر، فكتب إليه عمر -﵁-: أما بعد، فقد بلغني أنك اتخذت منبرًا ترقى فيه على رقاب المسلمين، أو ما يكفيك أن تقوم قائمًا، والمسلمون تحت عقبيك، فحرمت عليك لما كسرته. انتهى.
_________________
(١) = الشعبي، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه، فقال: "السلام عليكم"، ويحمد اللَّه ويثني عليه ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل. وكان أبو بكر، وعمر يفعلانه. وهو حديث ضعيف لضعف مجالد، ولكونه مرسلًا. ولا يشهد له ما أخرج ابن عدي: أنه -ﷺ- كان إذا دنا من منبره سلم على من عند المنبر، ثم صعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلم ثم قعد؛ لأنه ضعفه ابن عدي بعيسى بن عبد اللَّه الأنصاري، وضعفه به ابن حبان.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
وانظر أمره له بكسره مع أنه -ﷺ- خطب على المنبر.
[٣] ومنها استخلافه لعذر نزل به من عجز أو حدث في أثنائها أو آخرها حاضرها، وأورد البساطي عليه: أن ظاهر كلامهم وجوب الاستخلاف، وهو خلاف هذا، وأجاب بأنه ليس بخلاف، والاستحباب في كلامه منحط على حاضر الخطبة، والمنقول فيه كذلك.
[٣] ومنها قراءة فيهما، أي: في خطبته، وكان -ﷺ- يقرأ فيهما: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾. . إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
[٤] ومنها -ولم يذكره- ابتداؤها بالحمد للَّه، وذكره ابن عرفة وغيره، ولعله استغنى عنه بأنها لا تسمى خطبة إلا بذلك، لكن ليس فيه البداءة به.
[٥] ومنها ختم الثانية بـ: يغفر اللَّه لنا وإياكم.
ابن عرفة: يختمها بـ: أستغفر اللَّه لي ولكم.
وأجزأ أن يقول بدل ذلك: اذكروا اللَّه يذكركم، والأول أصوب، كما في المدونة.
[٦] ومنها توكؤٌ على كقوس عصى أو سيفه، يجعله بيمينه على المشهور، وهل حكمته خوف العبث بيديه في لحيته عند قراءة الخطبة، أو تهيب للحاضرين وإشعارًا بأن من لم يقبل الموعظة فله العصا، فإن تمادى قوتل بالسيف أو القوس.
ولو لم يتوكأ على شيء جاز، والقوس يذكر ويؤنث، والتأنيث أشهر، والعصا مقصور، ولا يقال: عصاة.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
فائدة:
قال الفراء (١): أول لحن سمع (هذه عصاتي)، وبعده (لعل لها عذرٌ، وأنت تلوم)، والصواب: عذرًا.
[٧] ومنها قراءة سورة الجمعة في أول ركعتيها، لا في ثانيتها؛ لمواظبته -ﷺ- على ذلك غالبًا، وإن لمسبوق؛ لأنه قاض للقول وصفته.
[٨] وندب قراءة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ في الثانية، وأجاز مالك أيضًا أن يقرأ بالثانية سبح والمنافقون، يحتمل أنه على التخيير، وعليه فهم في توضيحه قول ابن الحاجب، وفي الثانية هل أتاك أو سبح أو المنافقون، ويحتمل أن يريد ما قال ابن عبد السلام: إنها أقوال، وعليه فتكون أو التفصيل لا للتخيير.
[من يجوز لهم الحضور:]
[١] ومنها حضور مكاتب؛ لسقوط حق سيده بالكتابة.
[٢] وحضور صبي؛ لما فيه من الفضل، وليعتاد ذلك.
_________________
(١) هو: يحيى بن زياد بن عبد اللَّه بن منظور الديلمي، مولى بني أسد (أو بني منقر) أبو زكرياء، المعروف بالفراء، (١٤٤ - ٢٠٧ هـ = ٧٦١ - ٨٢٢ م): إمام الكوفيين، وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب. كان يقال: الفراء أمير المؤمنين في النحو. ومن كلام ثعلب: لولا الفراء ما كانت اللغة. ولد بالكوفة، وانتقل إلى بغداد، وعهد إليه المأمون بتربية ابنيه، فكان أكثر مقامه بها، فإذا جاء آخر السنة انصرف إلى الكوفة فأقام أربعين يومًا في أهله يوزع عليهم ما جمعه ويبرهم. وتوفي في طريق مكة. وكان مع تقدمه في اللغة فقيهًا متكلمًا، عالمًا بأيام العرب وأخبارها، عارفًا بالنجوم والطب، يميل إلى الاعتزال. من كتبه "المقصور والممدود - خ" و"المعاني" ويسمى "معاني القرآن - ط" أملاه في مجالس عامة كان في جملة من يحضرها نحو ثمانين قاضيًا، وغيرها، كان يتفلسف في تصانيفه. واشتهر بالفراء، ولم يعمل في صناعة الفراء، فقيل: لأنه كان يفري الكلام. ولما مات وجد "كتاب سيبويه" تحت رأسه، فقيل: إنه كان يتتبع خطأه ويتعمد مخالفته. وعرف أبوه "زياد" بالأقطع، لأن يده قطعت في معركة "فخ" سنة ١٦٩ وقد شهدها مع الحسين بن علي بن الحسن، في خلافة موسى الهادي. ينظر: الأعلام (٨/ ١٤٥).
[ ٢ / ٤٦٦ ]
[٣] وحضور عبد ومدبر أذن سيدهما.
تنبيه:
قول الجلاب: (يستحب للمكاتب بخلاف المدبر) يحتمل إن لم يأذن سيده، فيوافقه ما هنا، وهو ظاهر ما في الطراز، ويحتمل ولو أذن سيده فيخالفه، كما فهمه بهرام.
[مسألة:]
وأخر الظهر استحبابًا راج زوال عذره قبل صلاة الناس الجمعة، كمحبوس وعد بالخلاص حينئذ، وقررناه على الاستحباب لأنه هو المنصوص، وتغيير أسلوبه عن المندوبات وإتيانه بالفعل ظاهر في إرادة الوجوب.
وإلا بأن لم يكن راج (١) زواله بل أيس منه إلى فواتها، فله التعجيل وغير المعذور إن صلى الظهر مدركًا لركعة من الجمعة إن سعى لها لم تجزئه الظهر.
ابن الحاجب: على الأصح.
وظاهر كلام المصنف: صلاها مجمعًا على أن لا يصلي الجمعة، أو لا، وهو كذلك.
وفهم من قوله: (مدركًا لركعة) إجزاؤها مدركًا دونها، قال المصنف: وهو كذلك.
وظاهره: أوقعها والإمام فيها، أو قبل إحرامه بها، وهو كذلك؛ إذ لو أتاها لم يدركها.
_________________
(١) كذا في سائر النسخ، ولعله على اعتبار (كان) تامة، بمعنى (وجد)، و(راج) فاعل، والأحب إليّ نصبه على اعتباره خبرًا لـ (كان).
[ ٢ / ٤٦٧ ]
[مسألة:]
ولا يجمع الظهر من فاتته الجمعة ممن تجب عليه إلا ذو عذر ممن لا يجب عليه، كـ: مسافر، ومريض، ومحبوس، فيجمع، ولا يحرم فضل الجماعة.
ومفهوم كلامه أن المتخلفين لغير عذر: لا يجمعون ويصلون أفذاذًا؛ خوف التطرق أهل البدع والأهواء التاركين لها مع جماعة المسلمين، يصلون خلف من يعتقدون إمامته، ويظهرون فواتها، وهو المشهور.
ولم يظهر من المفهوم عين الحكم، وهو الكراهة، الطراز: لا يختلف في إجزائها.
[الاستئذان للجمع:]
واستؤذن إمام استحبابًا على المشهور من قول مالك، ومقابله أنه شرط أداء.
ابن عبد السلام: ويكفي أول مرة.
[مسألة:]
ووجب إقامتها عليهم إن منع الإِمام منه بنهي أو تعطيل، وأمنوا منه على أنفسهم؛ لأن إقامتها لا تفتقر لإذنه، وإلا بأن لم يكونوا يأمنون وأقاموها لم تجزئ: بضم التاء وسكون الجيم، ويعيدونها؛ لأن مخالفة الإمام لا تحل، وما لا يحل فعله لا يجزئ عن الواجب، كذا ذكره صاحب الطراز عن مالك.
[سنن الجمعة:]
ولما تكلم على المندوبات ذكر السنن، وكان الأحسن تقديمها عليها، فقال: وسن على المشهور، وعبر عنه ابن عرفة: بالمعروف.
[١] غسل صفته كالجنابة، فيفتقر لنية على المشهور، قاله الفاكهاني،
[ ٢ / ٤٦٨ ]
ويفتقر لماء مطلق على المشهور، قاله في الشامل، وزاد بعضهم كون السنة مؤكدة.
وظاهر كلام المصنف: أنه لا فرق بين من له رائحة كالقصاب والحوات أو لا، وهو كذلك، واختار اللخمي وجوبه على ذي الرائحة.
[صفة الغسل:]
متصل بالرواح: صفة لغسل، ابن عرفة: ويسير الفصل لغو.
[تأكيد سنيته:]
ثم بالغ على سنيته بقوله: ولو كان الرائح لها لم تلزمه كعبد ومسافر وصبي وامرأة؛ لأن المقصود منه زوال الرائحة عند إلاجتماع، والغسل للصلاة لا لليوم، خلافًا لأهل الظاهر (١) فيجزئ عندهم بعدها.
_________________
(١) أهل الظاهر، هم: نفاة القياس، ومنكرو وقوع الإجماع، وإمامهم هو داود بن علي، وقد كاد مذهبه يخبو إلى أن جدده وأحياه ابن حزم بالأندلس، ورأي الناس في هذا المذهب سيئ، وأما مذهب غلاة الظاهرية فكما يقول الشاطبي في الاعتصام: "قال العلماء: وهو بدعة ظهرت في الشريعة بعد المائتين". وقال: "المسألة الحادية والعشرون: إن هذا الإشراب المشار إليه هل يختص ببعض البدع دون بعض أم لا يختص؟ وذلك أنه يمكن أن بعض البدع من شأنها أن تشرب قلب صاحبها جدًا، ومنها ما لا يكون كذلك، فالبدعة الفلانية مثلًا من شأنها أن تتجارى بصاحبها كما يتجارى الكلب بصاحبه والبدعة الفلانية ليست كذلك، فبدعة الخوارج مثلًا في طرف الإشراب كبدعة المنكرين للقياس في الفروع الملتزمين الظاهر في الطرف الآخر، ويمكن أن يتجارى ذلك في كل بدعة على العموم فيكون من أهلها من تجارت به كما يتجارى الكلب بصاحبه، كعمرو بن عبيد، حسبما تقدم النقل عنه أنه أنكر بسبب القول به سورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ ومنهم من لم يبلغ به الحال إلى هذا النحو كجملة من علماء المسلمين، كالفارسي النحوي وابن جني. والثاني: بدعة الظاهرية فإنها تجارت بقوم حتى قالوا عند ذكر قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قاعد! قاعد! وأعلنوا بذلك وتقاتلوا عليه، ولم يبلغ بقوم آخرين ذلك المقدار، كداود بن علي في الفروع وأشباهه".
[ ٢ / ٤٦٩ ]
[إعادة الغسل:]
وأعاد غسله:
[١] إن تغذى بعده؛ لعدم اتصاله، والغذاء بكسر الغين وبالذال المعجمة ممدود ما يغتذي به من الطعام والشراب، وبالمهملة الطعام نفسه، وهو خلاف العشاء.
[٢] أو نام اختيارًا؛ لأنه مظنة الطول، بخلاف المغلوب كالمحتبي، ولم يقع التقييد بالاختيار في المدونة، لكن قيدها عبد الحق به.
[ما لا يعاد له:]
لا لأكل خف، فلا يعيده لأجله، قاله ابن حبيب، ووقع في نسخة البساطي إن بَعُدَ موضع إن تغذي.
[ما يجوز في الجمعة:]
ولما ذكر السنن أتبعها بالجائز، فقال:
[أولًا - ما يتعلق بالمستمع:]
وجاز لداخل الجامع يوم الجمعة:
[١] تخطٌّ لرقاب الجالسين لفرجة أمامهم قبل جلوس الخطيب على المنبر الجلسة الأولى، وأحرى إن خرج ولم يجلس، ومفهوم كلامه: أنه إذا جلس على المنبر لم يجز التخطي، حكاه ابن عرفة.
[٢] وجاز احتباء فيها، أي: وقت الخطبة للمصلين، وللإمام أيضًا إذا جلس للخطبة على المنبر، ذكر المسألتين في الطراز، واقتصر في المدونة على الأولى، وعلى الثانية في النوادر، والشارح على الأولى في الصغير، وعلى الثانية في الأوسط.
تنبيه:
ربما فهم بعض المشايخ من اقتصار الشارح في الوسط على الثانية
[ ٢ / ٤٧٠ ]
والبساطي على الأولى أنه خلاف، وليس كذلك، بل كلٌّ قرر الكلام على واحدة من المسألتين.
[٣] وجاز كلام بعدها -أي: الخطبة- ومنتهى جوازه للصلاة؛ لزوال سبب المنع، وهو الاستماع لها.
وقال البساطي: إنما ذكر ذلك لينبه على قول من رأى الخطبة بدلًا من الركعتين.
[٤] وجاز خروج كمحدث وراعف ونحوهما؛ لإزالة مانعه، بلا إذن من الإِمام له.
البساطي: إنما أدخل الكاف على (محدث)؛ لينبه على عدم اختصاص هذا الحكم به، فإن الخروج يجب على الراعف والمحدث والذاكر ومن أشبههم.
فإن قلت: قولك: (يجب الخروج) ينافي قول المصنف: (يجوز).
قلت: على ما حملنا عليه كلامه لا منافاة؛ لأن الحكم متعلق بالقيد.
[٥] وجاز إقباله على ذكر قل سرًا، ومفهوم (قلّ) منع الكثير، ومفهوم (سرًا) منع الجهر، وظاهره: عند التسبب أو غيره، كتأمين وتعوذ عند السبب، فيجوز كل بقيده، والأول عند دعاء الخطيب، والثاني عند ذكر النار أو الشيطان.
ويحتمل أنه شبه قوله: (وإقبال) بهاتين فيعود القيد إليه أيضًا، كـ: حمد عاطس في الخطبة سرًا، فيجوز له ذلك؛ لأن حمده سنة له، فلو جهر به كره له ذلك؛ لما فيه من إشغال السامع عن الخطبة، واستدعاء الرد، ولا يُشَمَّت.
[ثانيًا - ما يجوز للخطيب:]
وجاز:
[١، ٢] نهي خطيب في أثنائها، أو أمره كذلك.
[ ٢ / ٤٧١ ]
[٣] وجاز لمن كلمة الخطيب إجابته، ولا يعد لاغيًا.
[المكروهات:]
ثم ذكر المكروهات، فقال: وكره للخطيب ترك طهر فيهما -أي: في خطبتيه- قاله عبد الوهاب.
مالك: لو خطب غير متطهر أجزأه.
قال سند: على المعروف.
والفاكهاني: على المشهور.
وظاهره: كانت الطهارة صغرى أو كبرى.
[العطلة يومها:]
وكره ترك العمل يومها، كفعل أهل الكتاب في السبت والأحد.
تنبيه:
محل الكراهة إذا كان ذلك قصد الاستنان، وأما لقصد الراحة فجائز، قاله أصبغ (١).
[البيع بوقتها:]
ثم عطف على المرفوع، وهو (ترْك)، فقال: وبيع كعبد، والإمام على المنبر؛ لئلا يؤدي ذلك لإشغالهم من تجب عليه.
ولما كان ترك المندوب لا يلزم منه الكراهة، لم يكتف بقوله فيما تقدم: (وإقامة أهل السوق مطلقًا بوقتها).
وخرج بقوله: بسوق جوازه بغيره، وقاله ابن يونس، وبوقتها جواز قبله وبعده، كمن تلزمه، وهو ظاهر.
_________________
(١) وفي هذا تفسير لحديث النهي عن التشبه بالكفار، أي: إن الموافقة لهم في الفعل فيما لا يخالف ديننا أصولًا وفروعًا لغير الوجه الذي يفعله الكفار جائز، واللَّه أعلم.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
تكميل:
لو تبايع من لا تلزمه في السوق، لم يفسخ على المشهور.
[تنفل الإِمام قبلها:]
وكره تنفل إمام قبلها؛ لأنه -ﷺ- كان إذا دخل في رقى المنبر، ولا يتنفل.
[تنفل جالس عند الأذان:]
أو تنفل جالس عند الأذان الأول، كما يفعله الحنفية والشافعية؛ خشية اعتقاد وجوبه، ولو فعله شخص في خاصته، ومن دخل حينئذ، لم يكره.
[حضور شابة:]
وكره حضور شابة غير مخشية التنبه، وأما مخشيتها فيحرم.
[السفر يومها:]
وكره سفر لمن تجب عليه يومها بعد طلوع الفجر إلى الزوال؛ لما يفوته من الخير العظيم، رواه ابن القاسم وغيره، واختاره ابن الجلاب وجماعة، وهو ظاهر المذهب.
وجاز سفره قبله، أي: الفجر اتفاقًا، وحرم سفر بالزوال، أي: بدخول وقته قبل النداء على المعروف؛ لتعلق الخطاب به حينئذ.
تنبيه:
استظهر ابن عبد السلام إباحته حينئذ لمن وجد رفقة في ذلك الوقت بموضع فتنة، لا يمكن السفر دونهم، وجعله المصنف في توضيحه محل نظر.
ثم شبه في الحرمة، فقال: ككلام من غير الخطيب في خطبتيه من ابتداءً الخطيب فيهما إلى انتهائهما، ولذا قال: بقيامه لهما، وفي جلوسه بينهما، وأما قبل قيامه فلا يحرم.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وظاهر الجلاب خلاف هذا؛ لقوله: ولا يتكلم أحد ممن في المسجد إذا جلس الإِمام على المنبر.
[الإنصات:]
ولما كان في وجوب الإنصات على من لم يسمع اختلاف طُرُقٌ أشار للراجح منها، مبالغًا على بيان الخلاف بقوله: ولو لغير سامع، ولو كان خارج المسجد، وهو كذلك على أحد الطرق في المسألة، وهي الكثرى.
مالك: ولا يشرب الماء والإمام يخطب، ولا يدور أحد على الناس يسقيهم حينئذ.
إلا أن يلغو الخطيب كخروجه لسب من لا يجوز سبه (١)، ومدح من لا يجوز مدحه (٢)، أو يقرأ كتابًا ليس من أمر الجمعة، فلا يجب الإنصات حينئذ، قاله عبد الملك وصوبه اللخمي؛ ولذا قال: على المختار.
وأجاز البساطي ضمير (يلغو) لغير الإِمام، فقال: إذا لغا أحد تكلم باللغو من الكلام، فإنه لا يحر على غيره أن يتكلم ينهاه عن ذلك (٣).
ثم قال عن العتبية: ليس على الناس الإنصات له إذا شرع في أمر ليس من الخطبة.
وظاهر هذا أنه لا يجب الإنصات، ولو لم يكن ما خرج إليه لغو، بخلاف ظاهر كلام المصنف.
[السلام ورده:]
وكسلام يحرم ممن يجب عليه الإنصات، وحملُ الشارح له (على الداخل حال الخطبة) فيه تجوز، لكنه تبع ما في التوضيح.
ورده ولو إشارة، وأنكر في التوضيح على ابن هارون جوازه إشارة.
_________________
(١) كسب خطباء بني أمية الناصبة عليا.
(٢) كمدح جائر علم جوره وانتشر.
(٣) وسيأتي قريبًا رد هذا التجويز.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
[نهي لاغ:]
وحرم نهي لاغ نطقًا كما في الطراز، وفي المبسوط: يسبح لإباحة الشرع له في الصلاة، وغاية الخطبة أن تكون كالصلاة.
[حصب اللاغي:]
وحرم حصبه، أي: رميه بالحصباء، لخبر مسلم: "من حرك بالحصباء فقد لغا" (١).
[الإشارة له:]
أو إشارة له -أي: لمن لغا. الباجي: مقتضي مذهب مالك أن لا يشير، وهو الصواب؛ لأنها في ترك الإنصات للخطبة بمنزلة اصمت.
وفي المبسوط: الجواز.
سند: وهو أبين؛ لأن غاية الخطبة كالصلاة، وهي فيها جائزة للحاجة. انتهى.
وقد يفرق: بأنها في الخطبة ربما تطرق منها الكلام، بخلاف الصلاة.
[لا صلاة بخروج الخطيب:]
وحرم ابتداء صلاة بخروجه، أي: الإِمام من بيت الخطابة للخطبة، كما هو الآن، ويحتمل دخوله المسجد للخطبة، كما في المدونة، وإن كان ابتدأ الصلاة لداخل للمسجد حينئذ.
وإذا حرم ابتداؤها لداخل فأحرى إذا جلس على المنبر حين الأذان، وهو كذلك، فإن أحرم حينئذ جهلًا أو سهوًا ففي (مختصر ما ليس في المختصر): يقطع، لاقتضاء النهي التحريم، وفساد المنهي عنه.
_________________
(١) أخرجه بلفظ: "من مس الحصى فقد لغا" أحمد (٢/ ٤٢٤، رقم ٩٤٨٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٣٦، رقم ٥٠٢٧)، ومسلم (٢/ ٥٨٨، رقم ٨٥٧)، وأبو داود (١/ ٢٧٦، رقم ١٠٥٠)، والترمذي (٢/ ٣٧١، رقم ٤٩٨) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (١/ ٣٤٦، رقم ١٠٩٠)، وابن حبان (٤/ ٣٢، رقم ١٢٣١)، وابن خزيمة (٣/ ١٥٩، رقم ١٨١٨).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وفي العتبية: لا يقطع.
[حكم صلاة من عقد:]
ولا يقطع من عقدها إن دخل الإِمام المسجد، وهو فيها اتفاقًا، وهل يخفف أو لا؟ ولو كان في التشهد: فهل يشتغل بالدعاء إلى قيام الإِمام للخطبة، وهو لابن حبيب، أو يسلم، حكاه أشهب عن العتبية؟ قولان.
[حكم البيع عند دخوله:]
وفسخ بيع صدر ممن تلزمه مع مثله، أو منه مع من لا تلزمه؛ لأنه قدم كراهة ذلك ممن لا تلزمه، وسواء تكرر ذلك منه أو لا، وهذا مخصوص بغير من انتقض وضوءه وقت النداء ولم يجد الماء إلا بالثمن، فلا بأس بشرائه، نص عليه أبو محمد.
وهل الرخصة في ذلك للمشتري دون البائع، أو لهما؟ تردد في ذلك شيوح ابن ناجي: الغبريني وغيره.
تنبيه:
ظاهر كلام المصنف خصوصية الجمعة بذلك، وقاله سحنون وغير واحد، وقال أبو عمران: يفسخ بيع من فرط في الظهر والعصر حتى بقي للغروب قدر خمس ركعات، قاله إسماعيل القاضي.
وفرق بأن الجمعة لا تقضى، فهي أقوى من غيرها.
[حكم سائر أنواع البيع:]
وفسخت:
[١] إجارة، وهي: بيع المنافع.
[٢] وتولية، بأن يولي غيره ما اشتراه بما اشتراه.
[٣] وشركة، بأن يبيع غيره جزاء ممن اشتراه.
[٤] وإقالة في عقد صدر بين متعاقدين.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
[٥] وشفعة، بأن يأخذ ما باعه شريكه من مشتريه.
وهذا إذا وقع كل منها والإمام على المنبر بأذان ثان، ولما كان الفسخ يدل على التحريم اكتفى به عنه، ويرد المبيع إن كان قائمًا.
[ما يحصل به الفوات، وما يترتب عليه:]
ثم ذكر ما يترتب على الفوات، ومتى يحصل، والحكم بما يلزمه، فقال: فإن فات بزيادة أو نقص أو تغير سوق فالقيمة لازمة للمشتري عند ابن القاسم حين القبض للبيع على تقدير جواز البيع على المشهور، لا حين البيع، ولا حين الفوات، ولا بعد الصلاة، ولا يمضي بالثمن، كالبيع الفاسد.
البساطي: فيه تشبيه الشيء بنفسه، ويصح بتقدير كغيره من البيع الفاسد. انتهى.
[ما لا يفسخ:]
[١] لا نكاح، فلا فسخ إن وقع في الوقت الذي يفسخ فيه البيع عند ابن القاسم، وإن كان ممنوعًا، ولأصبغ: الفسخ، وصحح.
[٢، ٣] ولا يفسخ هبة ولا صدقة، وشهره الجزولي، ولم ينبه المصنف على ما صُحح، ولا على ما شهره الجزولي.
سند: لأن التبرعات من باب العبادات، يتقرب بها،، والعادة التصدق في يوم الجمعة بالطرق.
[ترك الجمعة:]
ولما كان ترك الجمعة مباحًا لذوي الأعذار دون غيرهم، وكان بعض الأعذار مبيحًا، وبعضها غير مبيح، والأعذار أربعة:
- ما يتعلق بالنفس.
- وبالأهل.
- وبالمال.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
- وبالدين.
واحتيج لبيان المبيح من غيره، قال: وعذر تركها -أي: المبيح للتخلف عنها وعن الجماعة في غيرها من الخمس أمور، منها:
[١] شدة وحل بالتحريك لغة فصيحة، وفسره أهل اللغة بالطين الرقيق. انتهى، وغير الرقيق أشد منه.
[٢] ومنها شدة مطر على الصحيح، فالخفيف منهما غير مبيح، وظاهره: سواء قربت داره من المسجد أو لا.
[٣] أو جذام يحتمل أنه غير الأسلوب في العطف؛ لأنه يشترط فيه الشدة، كالذي قبله، ويحتمل مع اشتراطها، وهو الذي قرره الشارحان، وفي الطراز ما يشهد لكل من الاحتمالين، وذكرنا نصه في الكبير.
تنبيه:
ظاهر كلام المصنف: أن المراعى في إباحة تخلفه ضرره هو بسبب إتيانه، وما فرق به في توضيحه بين من يضر برائحته فيختلف، ومن لا فلا، أن المراعى ضرر غيره منه، وعلى كلٍّ فهو عذر مبيح، وأحرى اجتماعهما.
[٣] ومنها شدة مرض.
[٤] ومنها شدة تمريض، كذا قرره البساطي، وليس في كلام ابن الحاجب تقييده بالشدة، بل بكونه قريبًا، لكن قرره المصنف على اشتراطها، وحكى عن الباجي عدم التقييد بالقريب، وكلامه هنا يحتمل التقييد بالشدة كما تقدم وعدمه، والتقييد بالقريب وعدمه، وحكى في توضيحه عن شيخه لزوم الجمعة لمريض يقدر على ركوب لا يجحف به كالحج.
[٥] ومنها خوف إشراف قريب له على الموت، قال المصنف: وليس هذا لأجل التمريض، بل لما يؤلم القرابة بشدة المرض؛ وذلك ليسلم من التكرار مع قوله: (مريض).
وفي العتبية ما يقتضي عدم اختصاصه بالقرابة، ودرج عليه؛ ولذا قال:
[ ٢ / ٤٧٨ ]
ونحوه، أي: كصديق ملاطف، ومملوك، وزوجة، وشيخ.
[٦] ومنها خوف على مال من جائر أو غاصب أو سارق أو نار وشبهه، وأطلق هنا، وفي توضيحه: النظر بين ما يجحف وغيره.
وكذا يبيحه خوف قتل، ذكره في النوادر وغيرها، وخوف على عرض، نصّ عليه في الذخيرة، وكذا خوف على يمين بيعة لظالم، وكبر من كشيخ فان.
[٧، ٨] أو خوف حبس أو خوف ضرب وكأنه عطفهما بأو مخافة توهم أن كلًّا لا يكفي بانفراده في إباحة التخلف.
[٩] والأظهر عند ابن رشد والأصح أو حبس معسر في إباحة التخلف.
[١٩] ومنها عري بأن لا يجد ما يستتر به، وأما من جوز كونه بالزاي، أي: بأن يشتغل بجنازة أحد من أقاربه ونحوهم كصديق وجار لم يجد من يكفيه مؤنته فقد صحف.
[٢٠] ومنها رجاء عفو قود، أي: قصاص مطلوب به ليقتص منه.
[٢١] ومنها أكل ثوم أو بصل أو كرّاث ونحوه مما يتأذى الحاضرون بريحه، ولو أدخل الكاف على (ثوم) ليشملهما لكان حسنًا؛ لسماع عيسى: ما أُذي فهو مثله، ويحتمل أنه اقتصر عليه لأن الذي في سماع ابن القاسم: يكره ريح الثوم.
قيل: والبصل والكرّاث.
قال: ما سمعته في غيره، وما أحبّ أن يؤذي الناس.
ثم شبه في الحكم ما يبيح التخلف في بعض الصّلوات، فقال: كريح عاصفة بليل، فيبيح التخلف عن الجماعة، فغير العاصفة لا تبيحه، ولو لمن بغير المصر، وأما العاصفة نهارًا فلا تبيحه في جمعة ولا في غيرها.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
البساطي: الفرق أن الريح في الليل ملزوم الظلمة، والظلمة تبيحه، وأطلق المصنف.
وفي الطراز: أن الحر والشمس لا تبيحه، وكذا البرد، إلا أن تقوم ريح حارة، كما يكون في بعض الأحايين، يذهب بماء القرب والأسقية، فمثل تلك يكون عذرًا في حق من يكون خارج العصر.
[ما لا يبيح التخلف:]
[١] لا عرس -بالكسر- امرأة الرجل، أي: لا حق لها في إقامة زوجها عندها، بحيث يبيح ذلك تخلفه عن الجمعة والجماعة، أو لا مشقة في حضوره، ولا مضرة عليها، فلا وجه للتخلف، قاله مالك.
ونبه المصنف عليه؛ لقول بعضهم: لا يخرج عنها؛ إذ هو حق لها بالسنة، قاله في الطراز. انتهى.
وهو طريق أهل مكة عدم الخروج من عندها أسبوعًا.
والعرس بالكسر أيضًا: لبوة الأسد.
والعروس: نعت يستوي فيه المذكر والمؤنث ما داما في أعراسهما، يقال: رجل عروس، ورجال عرس، وامرأة عروس، ونساء عرائس.
[٢] أو عمى، لا يبيحه، وظاهره: ولو لم يجد قائدًا، وهو ظاهر قول الطراز: الناس يومئذ كثير في الشوارع، ويهدونه في مضيه، ويمكنه التكبير والجلوس بعدها حتى تنقضي.
ابن حبيب: ليست عليه إلا بقائد.
ومشى على هذا البساطي، مقررًا به كلام المؤلف، وكذا الشارح؛ فإنه قال: هذا إذا كان الأعمى ممن يهتدي للجامع أو عنده من يقوده، وإلا فيباح له التخلف حكاه غير واحد.
[٣] أو شهود عيد أضحى أو فطر، إذا وافق يومها، لا يبيح التخلف
[ ٢ / ٤٨٠ ]
عنها، وإن أذن الإِمام في التخلف، كأن سكن من شهد العيد داخل المصر أو خارجه، خلافًا لأحمد (١) وعطاء (٢) في الأول، ولمطرف وابن الماجشون وابن وهب في الثاني، وهو أحد قولي مالك.
* * *
فصل ذكر فيه أحكام صلاة الفرض في الخوف، وصفتها وما يتعلق بها
وليس المراد أن للخوف صلاة كالعيدين ونحوه.
[الخوف لغة:]
والخوف والخيفة ضد الأمن.
_________________
(١) هو: أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد اللَّه، الشيباني الوائلي، (١٦٤ - ٢٤١ هـ = ٧٨٠ - ٨٥٥ م): إمام المذهب الحنبلي، واحد الأئمة الأربعة. أصله من مرو، وكان أبوه والي سرخس. وولد ببغداد. فنشأ منكبًا على طلب العلم، وسافر في سبيله أسفارًا كبيرة إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والثغور والمغرب والجزائر والعراقين وفارس وخراسان والجبال والأطراف. وصنف (المسند - ط). وكان أسمر اللون، حسن الوجه، طويل القامة، يلبس الأبيض ويخضب رأسه ولحيته بالحناء. وفي أيامه دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن ومات قبل أن يناظر ابن حنبل، وتولى المعتصم فسجن ابن حنبل ثمانية وعشرين شهرًا لامتناعه عن القول بخلق القرآن، وأطلق سنة ٢٢٠ هـ ولم يصبه شر في زمن الواثق باللَّه -بعد المعتصم- ولما توفي الواثق وولي أخوه المتوكل ابن المعتصم أكرم الإِمام ابن حنبل وقدمه، ومكث مدة لا يولي أحدًا إلا بمشورته، وتوفي الإِمام وهو على تقدمه عند المتوكل. ينظر: الأعلام (١/ ٢٠٣).
(٢) هو: عطاء بن أبي رباح بفتح الراء والموحدة، واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقةٌ فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة على المشهور، وقيل: إنه تغير بأخرة، ولم يكثر ذلك منه. ينظر: تقريب التهذيب (١/ ٣٩١).
[ ٢ / ٤٨١ ]
[تاريخ مشروعيتها:]
واختلف في أول صلاة في الخوف صلاها رسول اللَّه -ﷺ- هل هي:
- غزوة ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة، كما حكاه في النوادر عن الواضحة.
- أو في عسفان.
- أو في غزوة جهينة.
- أو في غزوة بني مخارق: ببطن نخل عن قريب من المدينة.
- أو في غزوة نجد وغطفان.
قاله غير واحد من الرواة؟ أقوال.
فائدة:
قال في القبس: صلاها رسول اللَّه -ﷺ- أربعًا وعشرين مرة.
وذكر غيره أنه صلاها في عشرة مواضع، والذي استقر عند الفقهاء ثلاثة:
- بطن النخيل.
- وعسفان.
- وذات الرقاع.
[استمرارية مشروعيتها:]
واختلف أيضًا: هل حكمها باق؟ وعليه الأكثر، أو كانت خاصة به -ﷺ-؟ وهو قول ابن القصار وأبي يوسف (١)، . . . . .
_________________
(١) هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، أبو يوسف، (١١٣ - ١٨٢ هـ = ٧٣١ - ٧٩٨ م): صاحب الإِمام أبي حنيفة، وتلميذه، وأول من نشر مذهبه. كان فقيهًا علامة، من حفاظ الحديث. ولد بالكوفة. وتفقه بالحديث والرواية، ثم لزم أبا حنيفة، فغلب عليه الرأي. وولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد. =
[ ٢ / ٤٨٢ ]
ودعوى المزني (١) نسخها مردود.
[حكمها:]
رخص توسعة لا على وجه الفرض ولا السنية لقتال جائز، كـ: الهزيمة المباحة، والدفع عن المال، وخوف اللصوص والسباع، ودخل في الجائز القتال الواجب من باب أولى كقتال المشركين والمحاربين.
واحترز بـ (الجائز) عن المحظور، كـ: قتال الإمام العادل، وفعل قطاع الطريق، وقتال المسلمين، والهزيمة الممنوعة، فلا يجوز فيه صلاة الخوف؛ لوجوب تركه.
وأورد البساطي أن الرخصة إنما هي في قتال الكفار، فلا يقاس عليها غيرها.
وأجاب أنه من باب قياس لا فارق، والقائل به بعض من خالف في القياس؛ للقطع بأن السبب الخوف، وهو من الفريقين سواء.
أمكن تركه لبعض منهم، والبعض الآخر فيه مقاومة للعدوّ، قسمهم: نائب فاعل (رخص)، إن لم يكن العدو وجاه القبلة، بأن كانت عن يمينه أو شماله أو خلفه كما كان في ذات الرقاع، وإن كان وجاه القبلة كما كان بعسفان وغيرها.
_________________
(١) = ومات في خلافته، ببغداد، وهو على القضاء. وهو أول من دعي "قاضي القضاة" ويقال له: قاضي قضاة الدنيا!، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه، على مذهب أبي حنيفة. وكان واسع العلم بالتفسير والمغازي وأيام العرب. من كتبه "الخراج - ط" و"الآثار - ط" وهو مسند أبي حنيفة. ينظر: الأعلام (٨/ ١٩٣).
(٢) هو: إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني، (١٧٥ - ٢٦٤ هـ = ٧٩١ - ٨٧٨ م): صاحب الإمام الشافعي. من أهل مصر، كان زاهدا عالمًا مجتهدا قوي الحجة. وهو إمام الشافعيين. من كتبه (الجامع الكبير) و(الجامع الصغير) و(المختصر - خ) و(الترغيب في العلم). نسبته إلى مزينة (من مضر) قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي. وقال في قوة حجته: لو ناظر الشيطان لغلبه. ينظر: الأعلام (١/ ٣٢٩).
[ ٢ / ٤٨٣ ]
ونبه على خلاف أحمد أن العدوّ إن كان في جهتها فلا قسم، أو نبه به على ما يمكن توهمه، وهو: أن العدو إذا كان تجاهها فلا قسم؛ لمشاهدتهم لما يكون منه، والأول أحسن.
وسواء كان المسلمون مشاةً أو ركبانًا على دوابهم إن احتاجوا لذلك قسمين معمول المصدر، تساويا أو كثرًا أو قلًا، كثلاثة يصلي اثنان ويحرس الثالث، قاله في الطراز والذخيرة، وخالف الشافعي قائلًا: نصّ القرآن طائفتين، وأقل الطائفة ثلاثة (١)، وأكره أن يصلي بأقل منها، وأن يحرس أقل منها.
قال في الذخيرة: جوابه أنه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له.
تنكيت:
لما لم يحفظ البساطي ما في الطراز والذخيرة، قال: ظاهر عبارته أن يكون القسمان متساويين، وهو ظاهر إن كان العدوّ يقابل بالنصف، وأما إذا قوبل بأقل من ذلك فينبغي أن لا يترك للأخير غير المحتاج إليه، وإن احتاج لأكثر من النصف فينبغي أن لا يقع على هذا الوجه، فانظر ذلك. انتهى.
تنبيهان:
الأول: اقتضى قوله: (قسمين) منع الأكثر من ذلك، وسيأتي حكم إذا خالف وقسمهم أكثر.
_________________
(١) قلت: نعم قد شرب الشافعي اللغة من البادية الفصيحة، ولكن ما عليه مذهبنا ثابت في كتب المعاجم؛ قال في اللسان (٤/ ٢٧٢٣): "والطائفةُ من الشيء جزء منه، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال مجاهد: الطائفةُ الرجل الواحد إلى الألف. وقيل: الرجل الواحد فما فوقه. وروي عنه أَيضًا أَنه قال: أَقَلُّه رجل. وقال عطاء: اقله رجلان، يقال: طائفة من الناس، وطائفة من الليل، وفي الحديث: "لا تزال طائفةٌ من أُمتي على الحقّ" الطائفةُ الجماعة من الناس، وتقع على الواحد، كأَنه أَراد نفسًا طائفة، وسئل إسحاق بن راهويه عنه، فقال: الطائفةُ دون الألف". وبذا يتبين لك ضعف رد القرافي في الذخيرة الآتي.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الثاني: ظاهره أنه لا فرق بين البر والبحر، وهو كذلك، انظره في الكبير.
[صفتها:]
وعلمهم إمامهم كيف يفعلون؛ خوف التخليط؛ لأنها صلاة غير مألوفة.
البساطي: وظاهره الوجوب.
ثم عطف على قسمين قوله: وصلى إمام الخوف بأذان وإقامة، كغيرها من الصّلوات المفعولة في وقتها بالأولى من الطائفتين في الصلاة الثانية كالصبح، أو المقصورة كالظهرين والعشاء ركعة، والطائفة الأخرى تحرس.
وإلا بأن لم تكن ثنائية، بل ثلاثية كالمغرب، أو رباعية كالظهرين والعشاء فركعتين بالطائفة الأولى، ثم قام الإمام بعد صلاته ركعة بالطائفة الأولى حال كونه في قيامه ساكتًا أو داعيًا أو قارئًا في الثنائية، كما قال ابن يونس: هو مخير في الإتيان بأحدها.
ثم تذهب الطائفة الأولى مكان أصحابها الحارسة، وتجيء الثانية للإمام فيصلي بها الركعة الثانية، ويتمون لأنفسهم بعد سلامه على المشهور.
وظاهر قوله: (قارئًا) أنه يقرأ الفاتحة قبل مجيء الثانية، وهو كذلك على أحد القولين، والآخر لا يقرؤها حتى تدخل الثانية.
وفي قيامه بغيرهما -أي: بغير الثنائية- للإمام من ثالثة ثلاثية أو ثالثة رباعية بعد فراغه من تشهده بالطائفة الأولى لانتظاره الطائفة الثانية ساكتًا أو داعيًا، إذ ليس هنا قراءة بغير الفاتحة وقد تنقضي قبل مجيئهم، وهو مذهب المدونة، وقد نص سند على أنها لا تتكرر في ركعة، واستمراره جالسًا حتى تفرغ الطائفة الأولى من بقية صلاتها أفذاذًا، وتقوم تجاه العدو، وتأتي الطائفة الثانية كلها أو جماعة منها، وهو قول ابن وهب، فإن سبق واحد منها أو اثنان لم يقم، قاله سند، تردد للمتأخرين في النقل:
[ ٢ / ٤٨٥ ]
- فنقل عياض وابن بشير أن قول ابن وهب الذي ظاهره الإطلاق إنما هو في الثلاثية والرباعية، وأما الثنائية فينتظرهم قائمًا بلا خوف.
- وعكس ابن بزيزة النقل، فقال: إن كان موضع جلوس انتظرهم جالسًا تفاقًا، وإن لم يكن موضع جلوس ففي انتظارهم قولان في المذهب.
وكذا في التوضيح وغيره، وبهذا التقرير يندفع قول البساطي: (في التردد نظر) انظر وجهه في الكبير.
ويندفع به أيضًا اعتراض المصنف على ابن الحاجب في حكايته الخلاف في الثنائية مع أنه موضع اتفاق، وقد علمت أنه طريق، فلا اعتراض.
وإذا صلي بالأولى ركعة في الثنائية وركعتين في غيرها أتمت صلاتها وسلمت وانصرفت وجاه العدو ثم صلي بالثنائية عند مجيئها ما بقي من صلاته وتشهد وسلم، فأتموا لأنفسهم ما بقي من صلاتهم، وانصرفوا.
[صلاتها بإمامين:]
ولما كانت صلاة الخوف جائزة على غير الوجه السابق اتفاقًا كما قال سند، قال: ولو صلوا بإمامين بأن قسمهم طائفتين، وصلى بإحداهما الصلاة كلها، والأخرى تحرس، فإذا فرغت حرست وصلت الطائفة الثانية صلاتها كاملة بإمام آخر جاز.
وهذه المسألة خرجها اللخمي على قول ابن المواز: ولو صلوا أفذاذًا جاز، ورده المازري قائلًا: يفرق بأن جمع الطائفة أخرى بإمام أشد على الإمام الأول من صلاة بعضهم أفذاذًا، وهذه الصفة، وهي صلاتهم بإمامين اختارها أبو يوسف ومن وافقه على نسخ صلاة الخوف، قالوا: لا وجه لتغير هيئة الصلاة ومخالفة موضوعها مع إمكان إقامتها جماعة بإمامين.
[مسألة:]
أو صلى بعض بإمام واحد، وبعض فذًا، أي: كل واحد من البعض الآخر فذًا جاز.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وحذف (جاز) من الفرع الأول لدلالة هذا عليه.
تنبيه:
تعقب البساطي على المصنف أنه ترك النص، وذكر المخرج، مع ما فيه من النزاع، وإن صنعه غير حسن، وذكرنا الجواب عنهما في الكبير.
تنكيت:
تجوَّز الشارح في الأوسط في نسبة ما ذكره المصنف عن ابن شاس لابن المواز؛ لأنه إن أراد ما في الجواهر فالذي فيها: لو صلوا بإمام واحد أو بعضهم بإمام وبعضهم أفذاذًا كانت جائزة، وإن أراد ما نقله المصنف عن ابن المواز في توضيحه: وهو لو صلوا أفذاذًا أو بعضهم بإمام وبعضهم أفذاذًا أجزأت، وليس كذلك، واللَّه تعالى أعلم.
[مسألة:]
وإن لم يمكن قسمهم طائفتين لكثرة العدو أو لالتحام القتال أخروا الصلاة لآخر الوقت، لم يزد ابن المواز وغيره على هذا، وزاد المصنف من عند نفسه أن المراد الاختياري قياسًا على راجي الماء في التيمم بجامع رجاء كل منهما إيقاع الصلاة على الوجه الجائز، واستظهر ابن هارون الضروري، وعادة المصنف في اصطلاحه أن يذكر هذا تردد.
[مسألة:]
وإذا لم يبق من الاختياري على ما زاد المصنف أو من الضروري على ما قال ابن هارون إلا قدر ما يسعها صلوا إيماءً، ويكون السجود أخفض منه للركوع، وظاهره: لا فرق بين كونهم طالبين أو مطلوبين، وهو كذلك، قاله ابن حبيب؛ خلافًا لابن عبد الحكم.
وظاهره: ولو فروا من أقل منهم، وفي الطراز: لو فر واحد من اثنين فهو عاص، لا يترخص له، إلا أن يكون متحرفًا أو متحيزًا إلى فئة، ويقيد به كلام المصنف.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
ثم شبه في الإيماء ما لو افتتحوها آمنين ثم فجأهم عدو فيها، فقال: كأن دهمهم عدو بها، فيكملونها إيماء، ونبه به على مخالفة أحد قولي الشافعي: لا يبني على ما تقدم؛ لأنه عمل كثير.
[ما يحل بها مما يبطل الصلاة:]
وحل للضرورة في صلاتهم على هذا الوجه ما هو محرم عليهم في غيرها، فمن ذلك:
[١] مشي وركض طلبًا للعدو أو خوفًا منه.
والركض: تحريك الرجل، وركضت الفرس برجلي استنخسته ليعدو، وهو أشد من المشي، ولذا عطفه عليه.
[٢] ومن ذلك طعن برمح ورمي بنبل.
[٣] ومنه عدم توجه للقبلة.
[٤] وكلام لغير إصلاحها لتحذير غيره ممن يريده أو أمر له بقتل أو مناولة شيء له مثلًا.
[٥] ومنه إمساك شيء ملطخ بفتح الطاء، وظاهره: كان بدم أو غيره، وكان في غنية عنه أو لا، وقصره الشارح في تقريره على الملطخ بالدم، وعلى غير المستغني عنه لا يخشى عليه.
تنكيت:
قول البساطي: (أشار بقوله: "حل" إلى أن هذه الأشياء تنتفى عنها الحرمة، لا أنها جائزة). انتهى، وفيه شيء، تأمله.
[إتمام الصلاة:]
وإن أمنوا بها بأن زال خوفهم أتمت صلاتهم صلاة أمن؛ لزوال السبب الذي شرعت له على تلك الصفة.
وفهم منه: أنهم لا يقطعونها.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
تتمة:
اختلف: هل يدخل معه بعد الأمن من لم يحرم معه بنية الخوف أو لا، وتصلى الثانية لأنفسها بإمام؟ قولان لابن القاسم، والجمعة كغيرها.
[مسألة:]
وإن أمنوا بعدها فلا إعادة عليهم على المشهور، خلافًا للمغيرة يعيد كخائفِ لصٍ، كسواد ظن عدوًا عند رؤيته، وصلوها صلاة خوف، فظهر نفيه، أي: إنه غير عدو، فلا إعادة عليهم.
وفسر السواد في الصحاح بالشخص، ثم بالعدد الكثير، زاد في القاموس: ومن الناس عامتهم.
[السهو فيها:]
وإن سهى الإمام مع الطائفة الأولى سهوًا يترتب عليه السجود معه سجدت بعد إكمالها لصلاتها، وتسجد القبلي قبل سلامها، والبعدي بعده؛ لترتبه عليها إجماعًا، وإنما سجدت قبل إمامها؛ لأنه محل ضرورة، ثم إن كان موجب السهو مما لا يخفى كالكلام أو زيادة الركوع أو السجود وشبهه فلا يحتاج لإشارته لها، وإن كان مما يخفى أشار لها.
وإلا بأن لم يسه مع الأولى، بل بعد انفصالها عنه، البساطي: وهو منحصر في كونه مع الثانية سجدت أي: الطائفة الثانية القبلي معه، وإن كان في وسط صلاتها؛ لأنها لو أخرت لفاتها الاقتداء به فيه.
وسجدت البعدي المترتب عليها معه بعد القضاء؛ لما بقي من صلاتها؛ ولا تسجد معه؛ لأنه ينقلب في حقها قبليًا لو فعلته، ولا يلزم الأولى سهو؛ لانفصالها، وكذا لو أحدث، أو تكلم عمدًا، لم تفسد عليها.
تنبيه:
إنما تخاطب الأولى بالسجود إذا سها معها الإمام، وأما الثانية فتخاطب به مطلقًا.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
[قسمهم ثلاث طوائف:]
وإن صلى الإمام على خلاف الصفة المشروعة، كأن قسمهم ثلاث طوائف في ثلاثية وهي المغرب، أو أربعًا في رباعية كالظهر مثلًا في الحضر جهلًا أو عمدًا بكل من الطوائف ركعة بطلت الصلاة للطائفة الأولى في كل منهما.
وبطلت الثالثة في الرباعية لانفصال الطائفتين عن الإمام في غير محل مفارقته.
وصحت للثانية والثالثة في المغرب والرابعة في الرباعية، كما حكاه ابن سحنون (١)، كغيرهما، أي: كبطلانهما لغير الطائفة الأولى في كل منهما، وفي غير الثالثة في الرباعية، وهم الطائفة الثانية فيهما، والثالثة في الثلاثية، فالرابعة في الرباعية على الأرجح عند ابن يونس من بطلانها للكل، وهو قول سحنون.
وصحح خلافه صحح ابن الحاجب الأول، وهو خلاف ما صوبه ابن يونس من بطلان الجميع.
تنبيه:
سكت المصنف عن صحة صلاة الإمام وبطلانها، وفيها قولان، وصحتها ظاهرة من صحة صلاة بعض الطوائف دون بعض، وما ذكره من
_________________
(١) هو: محمد بن عبد السلام (سحنون) بن سعيد بن حبيب التنوخي، أبو عبد اللَّه، (٢٠٢ - ٢٥٦ هـ = ٨١٧ - ٨٧٠ م)، فقيه مالكي مناظر، كثير التصانيف. من أهل القيروان. لم يكن في عصره أحد أجمع لفنون العلم منه. رحل إلى المشرق سنة ٢٣٥ هـ وتوفي بالساحل، ونقل إلى القيران فدفن فيها. ورثي بثلاثمائة مرثية. كان كريم اليد، وجيهًا عند الملوك، عالي الهمة. من كتبه (آداب المعلمين - ط) رسالة، صدرت بترجمة حسنة له، من إنشاء حسن حسني عبد الوهاب، و(أجوبة محمد بن سحنون - خ) في الفقه، و(الرسالة السحنونية - خ) رسالة في فقه المالكية، و(الجامع) في فنون العلم والفقه، و(السير) عشرون جزءًا، و(التاريخ) ستة أجزاء و(آداب المتناظرين) جزآن، و(الحجة على القدرية). ينظر: الأعلام (٦/ ٢٠٤).
[ ٢ / ٤٩٠ ]
أن صلاة الخوف تصلى في الحضر هو قول مالك؛ لأن كل عذر جاز تغير نية الصلاة له في السفر جاز له ذلك في الحضر كالمرض.
* * *
فصل ذكر فيه حكم صلاة العيد، وما يتعلق بها
فائدة:
أول عيد صلاها رسول اللَّه -ﷺ- عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة، واستمر مواظبًا على صلاة العيدين إلى أن فارق الدنيا.
[حكمها:]
سن على المشهور لعيد، أي: لأجل صلاته أو فيها، وقول البساطي: لام (لعيد) متعلق بـ (ركعتان)، إن أراد التعلق المعنوي فظاهر، وإن أراد تعلق العمل فمتعقب بأن شرط المصدر خلوه عن تاء التأنيث، وهنا ليس كذلك.
ركعتان.
وقيل: يجب كفاية.
وأنكره ابن عرفة.
[من تجب عليه:]
لمأمور الجمعة، وهو: الحر الذكر المستوطن، واللام للتعدية متعلقة بـ (سن)، و(ركعتان) نائب فاعله.
[وقتها:]
وأول وقتها من حل النافلة، وهو ارتفاع الشمس قدر رمح (١)، وانتهاؤه للزوال، ولا تقضى بعده.
_________________
(١) وسمعت شيخنا علي ونيس بوزغيبة يقدره بثلث ساعة.
[ ٢ / ٤٩١ ]
[خصائصها:]
ولا أذان لها ولا إقامة، ولا ينادى لإقامتها الصلاة جامعة عند الجمهور، خلافًا للشافعي.
[صفتها:]
ثم شرع في بيان كيفيتها بقوله: وافتتح الإمام الركعة الأولى قبل القراءة فيها بسبع تكبيرات بالإحرام، أي: بعدها معها، خلافًا للشافعي ومن وافقه في أن السبع غيرها.
ثم افتتح الثانية قبل القراءة بخمس، أي: تكبيرات غير تكبيرة القيام التي هي الرفع من سجود الأولى، وما ذكره من أن التكبير على هذا الوجه، رواه مالك عن نافع عن ابن عمر.
قال: وهو الأمر عندنا، وعمل أهل المدينة متصلًا لا خلاف بينهم فيه، يتلقونه سلفًا عن خلف.
سند: فهو في حكم المتواتر.
وظاهر كلام المصنف: أنه إن زاد على ذلك لم يتبع، وهو كذلك.
أشهب: لأنه غير صواب، والخطأ لا يتبع فيه (١).
وقولنا قبل القراءة في الركعتين؛ لأن أبا حنيفة قال: يكبر في الأولى قبلها، وفي الثانية بعدها، وعن أحمد روايتان.
والتكبير في كل قيام موالى بغير فصل، إلا بتكبير المؤتم، أي: فيسكت الإمام بقدره بلا قول بين كل تكبيرتين؛ لأنه عمل أهل المدينة، خلافًا للشافعية في أنه يهلل ويحمد بين كل تكبيرتين بقدر آية معتدلة.
وموالى: اسم مفعول كما هنا، وعند الشارح وعند البساطي (مواليًا) اسم فاعل، والمعنى واحد.
_________________
(١) وهذا أصل في كل ما يبتدع في الشرع.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
وتحراه -أي: تكبير الإمام- مؤتم لم يسمع تكبيره يكبر عقبه؛ لأنه متبع له، حكاه سند وغيره.
[نسيان التكبير:]
وكبر ناسيه -أي: ناسي التكبير- حتى قرأ، ثم ذكر في أثناء قراءته أو بعد فراغها، وأحرى قبل القراءة؛ لأنه محل القيام، ولم يفت ﴿مُلْكُ﴾، ويعيد القراءة إن لم يركع، وهو هنا الانحناء، فإن ركع فات محله، فلا يكبر راكعًا، خلافًا لأبي حنيفة، وسجد بعده -أي: السلام- لزيادة القراءة.
وإلا -أي: بأن ركع، أي: انحناء- تمادي، ولم يرجع للتكبير؛ لفوات محله، ولم يرجع من ركن لغير ركن، إمامًا كان أو مأموما، وأحرى إذا رفع من الركوع، فيدخل في كلامه صورتان:
أولاهما: أن يتذكر منحنيًا، والمشهور عدم التدارك.
وثانيهما: أن يتذكر بعد رفعه من انحنائه، فلا يتدارك اتفاقًا، وبهذا يندفع قول البساطي: (إن كلامه لا يقتضي الفوات بالانحناء).
[مسألة:]
وسجد غير المؤتم -وهو: الإمام- قبله لنقص التكبير، وأما المؤتم فلا سجود عليه إذا نسيه؛ لحمل الإمام ذلك عنه.
وأعاد قوله: (وإلا تمادى) وهو مفهوم شرط؛ ليرتب عليه الفرق في السجود بين الإمام والمأموم، وفرقوا بين هذه وبين من زاد سورة في أخرييه بأن عندنا من يقول بمشروعية الزيادة في الأخريين وبينهما أيضًا وبين من ترك القنوت بسنية التكبير دونه.
[مسألة:]
ومدرك القراءة مع الإمام في الركعة الأولى إذا سبقه بالتكبير يكبر ستًا غير الإحرام على المشهور؛ لأن الإمام لا يحمل عنه ما لم يفت وقته بركوعه، قاله ابن القاسم؛ ولأنه لخفته ليس قضاء في حق الإمام، وإذا كان
[ ٢ / ٤٩٣ ]
كذلك فمدرك القراءة في الركعة الثانية يكبر خمسًا في أثناء قراءة الإمام غير التي يكبر فيها للإحرام؛ لأن تكبيرة الإحرام ساقطة عنه، والإحرام إنما يعد مع الست.
ثم إذا قام لقضاء الأولى كبر سبعًا بالقيام على المشهور، وهو قول ابن القاسم.
البساطي: وهنا إشكال، وهو أن من أدرك واحدة أو ثلاثًا قام للقضاء بغير تكبير، وقال هنا: (يكبر سبعًا بالقيام)، وأجيب بأن له في هذا الأصل قولين.
[مسألة:]
وإن فأتت -أي: الثانية- بأن أدرك الإمام بعد رفع رأسه منها، وقلنا يبني على إحرامه قضى الأولى بست، وهل هي بغير تكبيرة القيام، فتكون به سبعًا، أو الست فقط، ولا يكبر للقيام فيه؟ تأويلان في قول أبي سعيد: من أدرك الجلوس كبر وجلس ثم يقضي بعد سلام الإمام ما بقي من التكبير، فسره ابن القاسم بست، وفهمه ابن رشد وابن راشد وسند على الأول؛ لأن الست هي التكبير المختص بالعيد، ثم تكبيرة يقوم بها لا يختص بالعيد، بل ذلك حكم سائر الصلوات، فإذا اعتدل قائمًا أتى بتكبير العيد، وهو ست.
وفهمه عبد الحق واللخمي على الثاني.
عبد الحق: هي الست فقط، ويعتد بالتكبيرة في قضاء الثانية، وهي خمس بغير القيام؛ لوضوحه.
[مستحبات العيد:]
ثم ذكر مستحبات تتعلق بالعيد بعضها بصلاته، وبعضها بغيرها، فقال: وندب:
[١] إحياء ليلته بالعبادة فطرًا كان أو أضحى؛ لخبر: "من أحيى ليلتي
[ ٢ / ٤٩٤ ]
العيد أحيى اللَّه قلبه يوم تموت القلوب" (١).
_________________
(١) حديث ضعيف جدًا، أخرجه ابن ماجه (١/ ٥٦٧، رقم ١٧٨٢)، وفيه عمرو بن هارون البلخي، وقد دلسه شيح الإمام الشافعي فأسقطه عند البيهقي الكبرى (٣/ ٣١٩، رقم ٦٥١٨). قال ابن الملقن في البدر المنير: (٥/ ٣٧): "هذا الحديث ذكره الدارقطني في "علله" وقد سئل عن حديث أبي أمامة مرفوعًا: "من أحيا ليلة الفطر أو ليلة الأضحى لم يمت قلبه إذا ماتت القلوب". فقال: يرويه ثور بن يزيد، واختلف عنه؛ فرواه جرير بن عبد الحميد، عن ثور، عن مكحول، عن أبي أمامة. قاله ابن قدامة وغيره عن جرير، ورواه عمرو بن هارون، عن جرير، عن ثور، عن مكحول، قال: وأسنده معاذ بن جبل، عن النبي -ﷺ- قال: والمحفوظ أنه موقوف عن مكحول. ورواه ابن ماجه في "سننه" عن أبي أحمد المرار بن حمويه، ثنا محمد بن المصفى، نا بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "من قام (ليلة) العيدين محتسبًا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب". وبقية قد عرفت حاله فيما مضى لا سيما وقد عنعن. وذكره الشافعي بهذا اللفظ موقوفًا على أبي الدرداء، (رواه) عن شيخه إبراهيم بن محمد، قال: قال ثور بن يزيد: عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء: "من قام ليلة (العيدين للَّه) محتسبًا لم يمت قلبه حين تموت القلوب". وذكر ابن الجوزي في "علله" من حديث جرير بن عبد الحميد، عن مكحول، عن أبي أمامة: "من أحيا ليلة الفطر أو ليلة الأضحى، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب". ثم ذكر مقالة الدارقطني السالفة، ثم ذكره من حديث عيسى بن إبراهيم (القرشي) عن سلمة بن سليمان الجزري، عن مروان بن سالم، عن (ابن) كردوس، عن أبيه مرفوعًا: "من أحيا ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت فيه القلوب". ثم قال: هذا حديث لا يصح؛ في إسناده آفات: أحدها: مروان بن سالم، قال أحمد: ليس بثقة. وقال النسائي والدارقطني و(الرازي): متروك. ثانيها: سلمة بن سليمان، قال الأزدي: ضعيف. ثالثها: عيسى بن إبراهيم القرشي، قال يحيى: ليس بشيء. وذكره ابن الجوزي أيضًا في الكتاب المذكور من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: "من أحيا الليالي الأربع، وجبت له الجنة: ليلة التروية، وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة الفطر" ثم قال: هذا حديث لا يصح؛ في إسناده عبد الرحيم بن زيد العمي قال يحيى: كذاب. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الرافعي في "تذنيبه": هذا الحديث رواه الشافعي موقوفًا (عن إبراهيم، قال: قال ثور =
[ ٢ / ٤٩٥ ]
[٢] وندب غسل له، قاله في توضيحه.
وقيل: سنة على المشهور.
واقتصر عليه ابن الحاجب، وشهره الفاكهاني، ولا يشترط اتصاله بالغدو.
_________________
(١) =. . . فذكره كما أسلفناه، هكذا رواه موقوفًا) وأشار بعضهم إلى تفرد الشافعي بروايته عن إبراهيم بن محمد، ويروى عن (عمر) بن هارون، عن ثور بن يزيد (عن) خالد بن معدان، عن أبي أمامة الباهلي: "من قام ليلتي العيد إيمانًا واحتسابًا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب". رواه بعضهم هكذا، وآخرون مرفوعًا، ورواه بعضهم عن (عمرو)، عن ثور، عن خالد، عن عبادة بن الصامت، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "من صلى (ليلتي) الفطر والأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب". قال: والاحتياط في مثل هذا أن يقال: لما روي. ولا يقال: لقوله ﵇ (ولا: قال ﵇). قلت: وعبارته في "شرحه" "أحيا ليلتي العيدين" محثوث عليه للخبر الذي رواه الغزالي -﵀- ثم ذكره، وكان ينبغي له أن لا يورده بهذه الصيغة بل بصيغة التمريض، على ما نبه عليه (هو) في "تذنيبه" وأما الحافظ أبو منصور فذكره في "جامع الدعاء الصحيح"، في أثناء حديث طويل في صفة صلاة ليلة عيد الفطر، ذكره عنه المحب الطبري في "أحكامه"، وأقره عليه، ونقل البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي أنه قال: بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال: في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان. قال الشافعي: وأنا إبراهيم بن محمد قال: رأيت مشيخة من خيار أهل المدينة يظهرون على مسجد رسول اللَّه -ﷺ- ليلة العيدين فيدعون ويذكرون اللَّه -تعالى- حتى تذهب ساعة من الليل. قال الشافعي: وبلغنا أن ابن عمر كان يحيي ليلة النحر. قال الشافعي: وأنا أستحب كل ما (حكيت) في هذه الليالي من غير أن يكون فرضًا. قلت: وفي "غنية الملتمس في إيضاح الملتبس" للخطيب البغدادي عن عمر بن عبد العزيز "أنه كتب إلى عدي بن أرطاة إن عليك بأربع ليال في السنة، فإن اللَّه -تعالى- يفرغ فيهن الرحمة إفراغة: أول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلة الفطر، وليلة النحر". وروى الخلال في جزء جمعه في فضائل رجب عن خالد بن معدان قال: "خمس ليال في السنة من واظب عليهن رجاء ثوابهن وتصديقًا بوعدهن أدخله اللَّه الجنة: أول ليلة من رجب يقوم ليلها ويصوم نهارها، وليلة الفطر يقوم ليلها ويفطر نهارها، وليلة الأضحى يقوم ليلها ويفطر نهارها، وليلة عاشوراء يقوم ليلها ويصوم نهارها".
[ ٢ / ٤٩٦ ]
[٣] وندب فعله بعد صلاة الصبح؛ ففي فعله في هذا الوقت فضيلتان.
وقيل: فضيلة واحدة.
[٤] وتطيب بأي طيب كان.
[٥] وتزين بثياب جيدة للقادر، وقص ظفر وشارب واستحداد ونتف إبط وإن لغير مصل، وظاهره كالجلاب وابن الحاجب عمومه في كل فصل.
وفي الطراز: يخرج النساء بثياب بذلة لا يلبسن المشهور من الثياب، ولا يتطيبن، خوف الافتتان بهن، وكذلك العجوز وغير ذات الهيئة، يجري حكمها في ذلك مجرى الاستسقاء.
[٦] وندب مشي في ذهابه ما لم يشق لبعد أو علة، ومفهومه: أنه لا يستحب في رجوعه، قاله اللخمي لفراغ القربة، ويستحب رجوعه من طريق آخر.
[٧] وندب فطر قبله، أي: الذهاب في عيد الفطر، ويستحب كونه بتمر وترًا، وتأخيره -أي: الفطر- في عيد النحر؛ ليفطر على لحم القربة.
ابن شهاب: يأكل من كبدها.
[٨] وندب لمصل خروج لصلاتها بعد طلوع الشمس لمن قرب مكانه، وإلا فيخرج قبلها بقدر ما يصل للمصلي قبل الإمام، قاله اللخمي.
[٩] وندب تكبير فيه -أي: في خروجه- حينئذ بعد الطلوع؛ لا قبله.
اللخمي: لأنه ذكر شرع للصلاة فلا يؤتى به إلا في وقتها، كالأذان، وهو لمالك في المجموعة.
وفهم اللخمي المدونة عليه، ولمالك في المبسوط: يكبر إذا خرج قبل طلوع الشمس.
ابن عبد السلام: وهو الأولى، لا سيما في عيد الأضحى؛ للتشبه بالمشعر الحرام.
ولذا قال: وصحح خلافه، أي: خلاف عدم التكبير قبل طلوعها.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
[١٠] وندب جهر به في العيدين بحيث يسمع من يليه فأعلى، وهل ينتهي التكبير يخطيء الإمام لمحل اجتماع الناس للمصلى، ويقطع حينئذ، أو لقيامه -أي: لمحل قيامه نفسه- للصلاة في ذلك؟ تأويلان في قولها: ويكبر في الطريق يسمع نفسه ومن يليه وفي المصلى حتى يخرج الإمام فيقطع.
والأول: فهم ابن يونس.
والثاني: فهم اللخمي.
ومثل هذا التقرير للشارح في الكبير، وعكس في الأوسط، وهو سبق قلم؛ لأنه أراد أن يكتب كما في الكبير أحدهما، فكتب الأول، وأراد بالأول والثاني ما في كلامه هو في الأوسط؛ لأنه لم يذكرهما على ترتيب المتن بل قبلهما.
وقول البساطي الثاني هو التأويل في الحقيقة تقدم جوابه.
[١١] وندب للإمام في عيد الأضحى نحو ضحيته بالمصلّى، إن كانت مما ينحر، وذبحها إن كانت مما يذبح؛ ليقتدى به.
[١٢] وندب إيقاعها -أي: صلاة العيد- به -أي: بموضع العيد- وفي بعض النسخ (بها)، أي: بالمصلى، لا بالجامع؛ لأنه آخر الأمرين من فعله ﵊.
إلا بمكة، فبمسجدها، لا بالصحراء، زاد في المدونة: إلا لعذر.
ولا يعلم عين الحكم من كلام المؤلف، ولم يبين في المدونة حكمه.
فقال ابن ناجي: يريد إلا بمكة فإن مسجدها أفضل، نص عليه مالك للفضيلة التي في مشاهدة البيت؛ لخبر: "ينزل على هذا البيت في كل يوم
[ ٢ / ٤٩٨ ]
مائة وعشرون رحمة، ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناطرين إليه" (١).
[١٣] وندب رفع يديه إذا كبر في أولاه فقط، لا فيما بعدها، قاله مالك، وهو المشهور.
[١٤] وندب قراءتها -أي: صلاة العيد بعد الفاتحة- بكـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ من قصار المفصل على المشهور.
[١٥] وندب خطبتان كالجمعة في جلوسه أولًا، وبينهما، وقيام لهما، وتقصيرهما، ويفعل فيهما ما يفعله في خطبتها.
ابن حبيب: ويزيد في خطبة الفطر: الفطرة وسنتها، وفي الأضحى: الأضحية وسنتها، وما يتعلق بها.
[١٦] وندب سماعهما - أي: استماعهما.
[١٧] وندب استقباله ينبغي ما عدا أهل الصف الأول كالجمعة.
[١٨] وندب بعديتهما للصلاة، فلا يخطبهما قبلها اتفاقًا.
تتمة:
_________________
(١) موضوع، رواه الطبراني في الكبير (١١/ ١٩٥، رقم ١١٤٩٩)، والفاكهي في أخبار مكة (١/ ١٩٨، رقم ٣٢٤) من طريق عبد اللَّه بن عمر بن أبان ثنا يوسف بن الفيض عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن اللَّه تعالى ينزل في كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة ينزل على هذا البيت. . به ". وآفته يوسف بن الفيض، فقد قال فيه الذهبي في ميزانه (٤/ ٤٦٦): "يوسف بن السفر، أبو الفيض الدمشقي، كاتب الأوزاعي، عن الأوزاعي، ومالك، وعنه بقية مع تقدمه، وهشام بن عمار، ومحمد بن مصفى، وجماعة. قال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: متروك يكذب. وقال ابن عدي: روى بواطيل. وقال البيهقي: هو في عداد من يضع الحديث. وقال أبو زرعة، وغيره: متروك".
[ ٢ / ٤٩٩ ]
قال سند: كل خطبة لا تكون إلا بعد الصلاة إلا خطبتي الجمعة وعرفة.
وأعيدتا إن قدمتا على الصلاة؛ ليقعا مكانهما.
[١٩] وندب استفتاح للخطبتين بتكبير، وهو مما يخالف فيه خطبة الجمعة.
[٢٠] وندب تخللهما به -أي: بالتكبير- بلا حد في استفتاحها بسبع تكبيرات، خلافًا لابن حبيب، ولا كون التخليل بثلاث ثلاث؛ خلافًا لمطرف ومن وافقه.
[٢١] وندب إقامة من لم يؤمر بها، أي: بالجمعة من امرأة أو عبد ونحوهما، أي: يستحب له أن يصليها مع الإمام، ويحتمل إذا اجتمع من لم يؤمر بها من النساء والصبيان أن يوقعوها كالمأمور بها إذا لم يشهدها.
سند: قال مالك في النساء: إذا لم يشهدن العيد فليصلين كالإمام سبعًا وخمسًا، ولا يجمع بهن أحد؛ لأنها نفل كالخسوف؛ ولأنها وظيفة ذلك اليوم، وإن صلاها نسوة ففرادى، إذا لم يكن معهن رجل تخلف لعذر.
أو من فاتته من هي سنة في حقه استحب له إقامتها، وهل جماعة أو لا؟ قولان.
قال في الطراز: ولا يخطبون لها.
ولا ينافي ذلك قول ابن عرفة: وفيها: ولا تصلى بموضعين.
[٢٢] وندب تكبيره -أي: المصلي ولو امرأة أو منفردًا- على المشهور إثر خمس عشرة فريضة، وهو من شعائر الصلوات في أيامه، وإثر سجودهما البعدي.
وابتداء التكبير لمن ترتب عليه من ظهر يوم النحر، وانتهاؤه صبح الرابعة منه، لا نافلة فلا يكبر إثرها، كانت متابعة للفرض أو لا.
وقيل: يكبر للتابعة، ولا يكبر لغيرها على المشهور، نقله المؤلف عن
[ ٢ / ٥٠٠ ]
الفاكهاني، وعزاه لشرح العمدة، والبساطي عنه لشرح الرسالة.
ولا مقضية فيها، أي: في أيام التشريق، فلا يكبر بعدها مطلقًا، أي: فاتته منها أو من غيرها.
أما الأولى: فعلى ظاهر المذهب، خلافًا لعبد الحميد.
وأما الثانية: فعلى المذهب، وبه قال جماعة.
تنكيت:
قول البساطي: (لا يؤخذ من كلام المؤلف حكم ما فاته منها وقضاه في غيرها، والمنصوص لا يكبر) غير ظاهر؛ لأنه إذا كان لا يكبر في الفاتحة منها إذا قضاها فيها، فأحرى ما فاته فيها، وقضاه في غيرها.
[نسيان التكبير:]
وكبّر ناسيه إن قرب، بأن بقي في مجلسه إجماعًا، ولا يفوته المستحب؛ لأن التكبير إنما شرع تابعًا للصلاة، كسجود الجبر، والقرب لا يقطع إلحاقه، وإذا قام من مجلسه انقطعت التبعية، وما قاله المصنف مثله في المدونة.
ومفهوم (ناسيه) يحتمل الموافقة والمخالفة، والأول هو الظاهر؛ ففي الجلاب: من ترك التكبير خلف الصلوات أيام التشريق كبّر إن كان قريبًا، وإن تباعد فلا شيء عليه.
وظاهره: محمدًا أو سهوًا، بل قوله: (ترك) ظاهر في العمد.
[مسألة:]
وكبر المؤتم إن ترك -أي: ترك التكبير- إمامه؛ لأنه مستحب لكل منهما، وينبه المأموم إمامه عليه.
وما قررناه من الندب يحتمله كلام المصنف، ويحتمل أنه ساق المسألتين لبيان ما يفعل، لا لأنهما من جملة المندوبات.
[٢٣] وندب لفظه، وهو كما في المدونة: اللَّه أكبر اللَّه أكبر اللَّه أكبر
[ ٢ / ٥٠١ ]
ثلاثًا متواليات، وهو المشهور، وإن قال كما في مختصر ابن عبد الحكم: بعد تكبيرتين لا إله إلا اللَّه ثم تكبيرتين وللَّه الحمد فحسن.
ابن الجلاب: وهو الأفضل، وخير صاحب الرسالة فيهما.
[ما يكره:]
وكره لمصلي العيد تنفل بمصلى قبلها، أي: قبل صلاة العيد، وبعدهما، وعليه الجمهور، لا صلاتها بمسجد، فلا يكره له التنفل فيهما، أي: في الحالين: قبل العيد وبعده عند ابن القاسم.
* * *
فصل ذكر فيه أحكام صلاة الخسوف والكسوف وصفتهما
[الكسوف والخسوف لغة:]
يقال: كسف (١) بالفتح والضم وانكسفا وخسفا بالفتح والضم وانخسفا ست لغات، وهل معنى الجميع واحد، أو الكسوف يختص بالشمس، والخسوف بالقمر، وهو ظاهر صنيع المؤلف وابن الحاجب، أو عكسه، أو الخسوف مغيبهما في السواد، والكسوف تغير لونهما، أو الخسوف في الكل، والكسوف في البعض؟ أقوال.
[حكمهما:]
سنّ على المشهور عند الزناتي، واتفاقًا عند ابن ناجي، وإجماعًا عند ابن حزم (٢).
_________________
(١) من "ج": كسفا.
(٢) ومستنده في الإجماع هنا ما أفصح عنه إجمالًا في قوله في محلاه: (١/ ٥٤): "والإجماع هو ما تيقن أن جميع أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- عرفوه وقالوا به ولم يختلف منهم أحد، كتيقننا أنهم كلهم -﵃- صلوا معه ﵇ الصلوات الخمس كما هي في عدد ركوعها وسجودها، أو علموا أنه صلاها مع الناس كذلك، وأنهم كلهم صاموا =
[ ٢ / ٥٠٢ ]
[من تسنان له:]
[١] إن لم يكن لعمودي، بل وإن لعمودي.
البساطي: (ركعتان): فاعل (سن) و(الكسوف): متعلق بـ (ست) (وإن لعمودي): معطوف على مقدر، أي: لغير عمودي، وإن لعمودي، وفيه قلق من جهة أنه يقدر (كان) واسمها، فالأحسن لو قال: (وإن عموديًا). انتهى.
وفي قوله ركعتان فاعل من تسامح.
[٢] ومسافر لم يجد سيره، فمن جد سيره لم يسن في حقه؛ لأن ذلك يفوت عليه مصلحة ما جد لأجله.
_________________
(١) = معه، أو علموا أنه صام مع الناس رمضان في الحضر. وكذلك سائر الشرائع التي تيقنت مثل هذا اليقين. والتي من لم يقر بها لم يكن من المؤمنين وهذا ما لا يختلف أحد في أنه إجماع. وهم كانوا حينئذ جميع المؤمنين لا مؤمن في الأرض غيرهم. ومن ادعى أن غير هذا هو إجماع كلف البرهان على ما يدعي، ولا سبيل إليه". وابن حزم هو (٣٨٤ - ٤٥٦ هـ = ٩٩٤ - ١٠٦٤ م): علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، أبو محمد: عالم الأندلس في عصره، واحد أئمة الإِسلام. كان في الأندلس خلق كثير ينتسبون إلى مذهبه، يقال لهم "الحزمية". ولد بقرطبة. وكانت له ولأبيه من قبله رياسة الوزارة وتدبير المملكة، فزهد بها وانصرف إلى العلم والتأليف، فكان من صدور الباحثين فقيهًا حافظًا يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، بعيدًا عن المصانعة. وانتقد كثيرًا من العلماء والفقهاء، فتمالاوا على بغضه، وأجمعوا على تضليله وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو منه، فأقصته الملوك وطاردته، فرحل إلى بادية ليلة (من بلاد الأندلس) فتوفي فيها. رووا عن ابنه الفضل أنه اجتمع عنده بخط أبيه من تآليفه نحو ٤٠٠ مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وكان يقال: لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان. أشهر مصنفاته "الفصل في الملل والأهواء والنحل - ط" وله "المحلى - ط" في ١١ جزءًا، فقه، و"جمهرة الأنساب - ط" و"الناسخ والمنسوخ - ط" و"حجة الوداع - ط" غير كامل، و"ديوان شعر - خ" وغير ذلك. ينظر: الأعلام (٤/ ٢٥٤).
[ ٢ / ٥٠٣ ]
[صلاة كسوف الشمس:]
لكسوف الشمس ركعتان قبل انجلائها، رواه ابن عبد الحكم سِرًّا على المشهور؛ إذ لا خطبة لها.
ابن عرفة: وفي شرطها بالجماعة قولًا ابن حبيب والمشهور.
وهي تخالف غيرها من الصلوات؛ لأنها بزيادة قيامين، أي: في كل ركعة زيادة قيام وركوعين كذلك؛ للعمل.
[صلاة خسوف القمر:]
وسن ركعتان ركعتان -أي: يكررهما- لخسوف قمر إلى حين انجلائه كالنوافل يسلم من كل ركعتين، وفي كل ركعة ركوع واحد؛ لعمل أهل المدينة.
سند: ووقتها الليل كله، فإن طلع مكسوفًا بدأ بالمغرب.
وظاهر قول مالك: عدم افتقارها لنية تخصها بخلاف الكسوف، فإن انكسف عند الفجر لم يصلوا؛ خلافًا للشافعي ولو كسف حتى غاب بليل لم يصلوا، خلافًا للشافعية.
تنبيه:
في تكرير المصنف ركعتين تنبيه على استمرار ذلك حتى يزول الخسوف، بخلاف الشمس؛ فإنه لا يصلى لخسوفها غير ركعتين.
[مسألة:]
جهرًا؛ لأنها نافلة ليل بلا جمع؛ بل أفذاذًا في البيوت على المشهور.
اللخمي: والجمع أحسن.
[محل أدائها:]
وندب إيقاع صلاة كسوف الشمس في المسجد، لا في المصلى
[ ٢ / ٥٠٤ ]
مخافة انجلائها قبل الوصول إليها، وإنما خصّصنا الندب بكسوف الشمس لأن المشهور من المذهب أن صلاة خسوف القمر في البيوت كما تقدم.
[القراءة فيها:]
وندب قراءة سورة البقرة في القيام الأول من الركعة الأولى، ثم موالياتها في بقية القيامات، فيقرأ في القيام الثاني مع الفاتحة سورة آل عمران، ثم في الأول من الركعة الثانية الفاتحة والنساء، ثم في الثاني منها الفاتحة والمائدة.
وظاهر كلام المصنف: أنه لو قرأ بنحو هذه السورة من غيرها لم يأت بالمستحب، والذي في المدونة وغيرها: القراءة بنحوها.
[الوعظ بعدها:]
وندب وعظ بعدها -أي: الصلاة- بنصحهم فيه، ويذكرهم العواقب ويأمرهم بالصلاة والصيام والصدقة والعتق ونحو ذلك، وحمل مالك فعله -ﷺ- على الوعظ، وإن تسمية عائشة له خطبة لأنه موعظة على سبيل ما يأتي في الخطبة.
[قدر الركوع:]
وركع الركوع الأول كالقراءة في الطول، وركوعه الثاني كقراءته الثانية.
[قدر السجود:]
وسجد كالركوع، يحتمل في الطول، ويحتمل في القرب منه، وهو اختيار ابن عبد السلام، قاله في الطراز.
[السهو عن طولها:]
فإن سها عن طولها سجد؛ لأنه من سننها، فأشبه تكبيرات العيد، وهذا كله مع اتساع الوقت، وقد يسن تقصيرها إذا ضاق الوقت.
تنبيه:
قال البساطي: قوة كلامه تقتضي أن هذه صفة الكسوف، لا أنه
[ ٢ / ٥٠٥ ]
مندوب، وإلا لقال: وركوع كالقيام على ما لا يخفى. انتهى.
[وقت صلاة الكسوف:]
ووقتها في الكسوف كالعيد من حل النافلة للزوال، وهو مذهب المدونة، فلو طلعت مكسوفة انتظر حل النافلة.
وهل يقفون للدعاء؟ قولان ولو كسفت بعد الزوال لم تصل على المشهور، وعند الغروب اتفاقًا بل إجماعًا، حكاه في الطراز.
[ما تدرك به الركعة:]
وتدرك الركعة الأولى والثانية بالركوع الثاني من كل منهما، فإن أدركه من الأولى لم يقض شيئًا، ومن الثانية قضى ركعة بقيامين وركوعين، قاله في المدونة.
تنبيه:
قال المصنف: الركوع الأول من كل منهما ليس هو الركن، بل سنة، وإنما الركن هو الثاني، وكذا كان الإدراك به، ونحوه في الذخيرة.
ثم قال: والركوعان كالواحد، والمدرك لبعضه مدرك إجماعًا. انتهى.
ونظر الشارح فيه من وجهين، ولنا معه بحث، انظره في الكبير.
[تكرار صلاة الكسوف:]
ولا تكرر صلاة الكسوف إن أتموها قبل الانجلاء.
[انجلاء الشمس أثناءها:]
وإن تجلت -أي: انكشفت الشمس- في إثنائها -أي: الصلاة- بأن أتم شطرها ففي إتمامها كالنوافل بركوع واحد وسجدتين، وهو قول سحنون، لأنها شرعت لعلة، وقد زالت، أو إتمامها على صفتها بقيامين وركوعين، وهو قول أصبغ: لا تغير عن الوجه الذي شرعت عليه.
ابن عبد السلام: في عدد الركوع والقيام خاصة دون الإطالة.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
قولان.
تنبيهات:
الأول: إنما قررنا قوله: (وإن تجلت في إثنائها) أي: بعد تمام شطرها؛ لأن الباجي جعله محل نظر، ولو تجلت قبله أتمها، ويعضده قول ابن محرز: (لا خلاف أنها لا تقطع).
الثاني: ظاهر قوله: (تجلت) أي: جميعها، وهو كذلك، فلو انجلى بعضها لأتمت على صفتها.
الثالث: لو انجلى بعضها قبل الشروع فيها لأقاموها رغبة في إكمالها كما لو انكسف بعضها ابتداء، قاله في الطراز.
[مرتبتها مع سائر الصلوات:]
وقدّم عليها فرض، قالوا: كجنازة اجتمعت مع كسوف وعيد واستسقاء، إذا خيف فواته، أي: الفرض، بأن يتغير لو أخرت، ثم كسوف يقدم على عيد واستسقاء؛ لئلا تنجلي لو قدم العيد، ولو كان آكد كما قدمه في النوافل، ثم عيد خيف فوات وقته، وأخر الاستسقاء عن العيد ليوم آخر؛ لأن يوم العيد يوم تجمل ومباهاة، والاستسقاء ينافيه.
تنبيهات:
الأول: عينوا فرض المسألة في الجنازة لاستحالة فرضها في غيرها على المشهور، وأما على الشاذ المستظهر أنها خسفت وقت الظهر، ويقدم الفرض عليها.
الثاني: قال البساطي: يمكن أن يفرض في غير ما عينوه، إذا قلنا: من نام عن صلاة فوقتها إذا استيقظ مضيقا. انتهى، ومثله لو نسيها.
الثالث: أحال أهل الهيئة (١) اجتماع عيد وكسوف عادة، قال في
_________________
(١) علم الهيئة هو: علم الهيئة وهو تعيين الأشكال للأفلاك، وحصر أوضاعها وتعددها لكل كوكب من السيارة والثابتة، والقيام على معرفة ذلك من قبل الحركات السماوية! المشاهدة الموجودة لكل واحد منها، ومن رجوعها واستقامتها وإقبالها وإدبارها.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
الذخيرة: لأن الكسوف إنما يحصل بالقمر إذا حال بيننا وبينها في درجتها يوم تسعة وعشرين، وعيد الفطر يكون بينهما ثلاثة عشر درجة منزلة تامة، والأضحى يكون بينهما نحو مائة وثلاثين درجة عشر منازل، فلا يمكن عقلًا.
وأجيب: بأن الفقيه يتكلم على الممكن في نفسه، واللَّه أعلم.
* * *
فصل ذكر فيه صلاة الاستسقاء وما يتعلق بها
[حكمها:]
سُنّ الاستسقاء، أي: صلاته عند الحاجة إليه لزرع لأجل إنباته أو حياته أو شرب لآدمي أو غيره بنهر، أو غيره كتأخر مطر أو جري عين إن لم يكن بسفينة بل بصحراء أو مدينة أو قرية، بل وإن كان بسفينة كالبحر الملح.
[عدد ركعاتها:]
وهي ركعتان مبتدأ حذف خبره، وأما على ما في بعض النسخ للاستسقاء فركعتان نائب الفاعل.
[صفتها:]
قال في الجلاب وغيره: ولا أذان لها ولا إقامة، ويقرأ فيها جهرًا.
ابن ناجي: اتفاقًا.
[تكرارها:]
وكرر الاستسقاء إن تأخر المطلوب، بأن لم يحصل، أو حصل منه ما لا يكفي، ولم يعلم من كلامه حكمه، وفي المدونة: وجائز أن يستسقى في السنة مرارًا.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وقول بعض السلف: (لا تكرر)؛ تمسكًا بفعله ﵊ أجب عنه بأنه [-ﷺ-]، أجب من أول مرة، وليس محل النزاع، وظاهره توالى تكراره أو لا.
[وقت أدائها:]
وخرجوا له ضحى، يحتمل استحبابًا أو سنة.
سند: ذلك سنتها.
مالك: إنما تكون ضحوة من النهار لا في غير ذلك من الوقت منه.
وفسره ابن حبيب بأن مقداره للزوال كالعيد.
[هيئة الخروج لها:]
ويخرجون إليها:
[١] مشاة.
[٢] ببذلة بالذال المعجمة، قال، في الصحاح: البذلة والمبذلة ما يمتهن من الثياب.
[٣] وتخشع، ابن حبيب: من سنتها أن يخرج الناس إليها ببذلتهم، لا يلبسون ثياب الجمعة بسكينة ووقار متواضعين متخشعين متضرعين وجلين إلى مصلاهم، فإذا ارتفعت الشمس خرج الإمام ما يشاء متواضعًا في بذلته؛ لأن العبد إذا رأى مخايل العقوبة لم يأت مولاه إلا بصفة الذل.
[من يخرج لها:]
مشايخ ومتجالة وصِبْية، يحتمل النصب على الحال، والرفع مبتدأ حذف خبره، أي: يخرجون وفيهم هؤلاء.
واحترز بـ (المتجالة) عن غيرها، فلا تخرج، لكن إن خرجت لم تمنع اعتبارًا بالجمعة، قاله في الطراز.
وكررها هنا مع أنه قدمها في الجمعة لأن هذا محلها.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
[من لا يخرج لها:]
ثم استثنى من الصبية، فقال:
[١] لا من لا يعقل منهم، فلا يخرج لها عند ابن القاسم، وجنح ابن حبيب لخروجهم؛ لخبر: "لولا صبيان رضع وشيوخ ركع ودواب رتع لصب عليكم العذاب صبًا" (١).
[٢] ولا تخرج بهيمة على المذهب.
[٣] ولا تخرج حائض حال جريان دمها؛ لمنعها من الصلاة، ولا بعد انقطاعه قبل غسلها.
عبد الحق: لأن منعها حينئذ أشد لقدرتها على الاغتسال.
[من لا يمنع من الخروج:]
ولا يمنع ذمي أراد الاستسقاء؛ لأن اللَّه رازق الجميع، وانفرد الذمي في خروجه بمكان عن المسلمين، لا بيوم على المشهور؛ خشية أن يسبق قدر بالسقي فيه فيفتتن بذلك ضعفاء المسلمين.
[الخطبة لها:]
ثم إذا فرغ الإمام من الصلاة خطب خطبتين كالعيد على نقل الأكثر، وإليه رجع مالك، وكان يقول: يخطب لها قبل، ويجلس قبلهما، ويتوكأ على عصا.
_________________
(١) أخرجه الطبراني (٢٢/ ٣٠٩، رقم ٧٨٥)، والبيهقي (٣/ ٣٤٥، رقم ٦١٨٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ٢١٠، رقم ٩٦٥)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٣٢٧، رقم ٦٥٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٥٥، رقم ٩٨٢٠). قال الهيثمي (١٠/ ٢٢٧): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبد الرحمن بن سعد بن عمار، وهو ضعيف. وأخرجه بزيادة (شباب خشع) البيهقي (٣/ ٣٤٥، رقم ٦١٨٣)، والخطيب (٦/ ٦٤)، وأبو يعلى (١١/ ٢٨٧، رقم ٦٤٠٢)، وابن عدي (١/ ٢٤٣، ترجمة ٧٤ إبراهيم بن خثيم).
[ ٢ / ٥١٠ ]
[الاستغفار والدعاء فيها:]
وبدل التكبير الذي في خطبة العيد بالاستغفار، فلا يكبر أول خطبته، ولا في أول كل ركعة من صلاته، ونبه بذلك على خلاف أبي يوسف، ويأمرهم أن يستغفروا باستغفاره؛ لقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾.
وبالغ الإمام في الدعاء آخر الخطبة الثانية -أي: بعد فراغها- حال كونه مستقبلًا القبلة، ومبالغته في الدعاء ليس فيه منع غيره من ذلك؛ ففي المدونة: يدعو الإمام قائمًا، ويدعون وهم قعود. انتهى.
وقوله: (وبالغ) يحتمل بأن يطيل فيه، ويحتمل الإتيان بجيده، ويحتملهما معًا، لكن لما سئل ابن القاسم عن قول مالك فيه، قال: لا أحفظ عنه فيه شيئًا، ولكن وسطًا من ذلك.
سند: يستحب لمن قرب منه أن يؤمن على دعائه.
تنبيه:
قال في الطراز: من فاتته الصلاة وأدرك الخطبة فليجلس لها، ولا يصلي لفوات سنة الاستسقاء التي اجتمع الناس لها، وإذا فرغوا إن شاء صلى وإن شاء ترك.
وسكت المؤلف عن كون الدعاء جهرًا أو سرًا، وفي الطراز وغيره: جهرًا، خلافًا للشافعي.
وسكت أيضًا عن رفع اليدين فيه، وسمع ابن القاسم: لا يعجبني رفعهما في الدعاء.
ابن رشد: ظاهره خلاف إجازتها رفعهما فيه في مواضعه كالاستسقاء وعرفه والمشعر الحرام ومقامي الجمرتين (١).
_________________
(١) ومواضع النهي عن رفع اليدين بالدعاء في المذهب: - قال في البيان: (١/ ٢٤٩، وما بعدها): "قال مالك: بلغني أن أبا سلمة رأى رجلًا =
[ ٢ / ٥١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قائمًا عند المنبر وهو يدعو ويرفع يديه، فأنكر عليه وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود. فقيل له ما أراد بالتقليص؟ قال: رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين. قال محمد بن رشد: إنما كره رفع الصوت بالدعاء لقول رسول اللَّه -ﷺ-: "أرفقوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا" وقد روي أن قول اللَّه -﷿-: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ نزلت في الدعاء. وأما رفع اليدين عند الدعاء فإنما أنكر الكثير منه مع رفع الصوت لأنه من فعل اليهود، وأما رفعهما إلى اللَّه -﷿- عند الرغبة على وجه الاستكانة والطلب فإنه جائز محمود من فاعله، وقد أجازه مالك في المدونة في مواضع الدعاء وفعله فيها، واستحب في صفته أن تكون ظهورهما إلى الوجه وبطونهما إلى الأرض، وقيل في قول اللَّه -﷿-: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ إن الرغب بكون بطون الأكف إلى السماء، والرهب بكونها إلى الأرض، وقد وقع لمالك بعد هذا في رسم المحرم من هذا السماع أنه لا يعجبه رفع اليدين في الدعاء، ومعنى ذلك الإكثار منه في غير مواضع الدعاء حتى لا يختلف قوله، واللَّه أعلم، وبه التوفيق". - وفي البيان (٣٧٤، وما بعدها): "وسئل مالك عن رفع اليدين في الدعاء، قال: ما يعجبني ذلك، فقيل له: فرفع اليدين في الصلاة عن التكبير؟ فقال: لقد ذكر عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه كان يفعل ذلك إذا كبر وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا ركع، وما هو بالأمر العام، كأنه لم يره من العمل المعمول به. فقيل له: فالإشارة بالأصبع في الصلاة؟ قال: ذلك حسن، ثم قال على أثر ذلك حجة لتضعيف رفع اليدين في الصلاة: إنه قد كان في أول الإسلام أنه من رقد قبل أن يطعم لم يطعم من الليل شيئًا، فأنزل اللَّه -﷿-: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فأكلوا بعد ذلك. قال محمد بن رشد: كره مالك -﵀-، رفع اليدين في الدعاء، وظاهره خلاف لما في المدونة، لأنه أجاز فيها رفع اليدين في الدعاء في مواضع الدعاء كالاستسقاء وعرفة والمشعر الحرام والمقامين عند الجمرتين على ما في كتاب الصلاة الأول منها، خلاف لما في الحج الأول من أنه يرفع يديه في المقامين عند الجرتين. ويحتمل أن تتأول هذه الرواية على أنه أراد الدعاء في غير مواطن الدعاء، فلا يكون خلافًا لما في المدونة، وهو الأولى، وقد ذكرنا هذا المعنى في رسم شك في طوافه". - وفي البيان (٢/ ١٨٧): "قال ابن القاسم: رأيت مالكًا إذا صلى الصبح يدعو ويحرك أصبعه التي تلي الأبهام -ملحًا، وإذا أراد أن يدعو رفع يديه شيئًا قليلًا يجعل ظاهرهما مما يلي الوجه- أرانيه ابن القاسم". - وفي البيان: (١٧/ ١٣٢): "قال مالك: رأيت عامر بن عبد اللَّه بن الزبير يرفع يديه وهو جالس بعد الصلاة يدعو فقيل له: أترى بذلك بأسًا؟ قال لا أرى بذلك بأسًا. =
[ ٢ / ٥١٢ ]
[تحويل الرداء:]
ثم حول الإمام رادءه يمينه يساره، فيصير منه ما كان يلي ظهره لجهة السماء وبالعكس؛ تفاؤلًا بأن اللَّه سبحانه تعالى يقلب حالهم من الجذب للخصب.
[شرط تحويله:]
وتحويله بلا تنكيس، فلا يجعل ما على عجزه لجهة رأسه وبالعكس، خلافًا لأصبغ.
تنبيهات:
الأول: أتى بـ (ثم) لإخراج قول مالك: إن التحويل بين خطبتيه، وإن اختاره أصبغ، وقول ابن الماجشون: إنه بعد صدر منها؛ ولبيان أن الدعاء قبل التحويل إذ لو أتى به منفردًا لكان خطبة ثالثة، قاله سند.
الثاني: قول الجلاب: (إن شاء قلبه فجعل أسفله أعلاه) يحتمل القولين.
_________________
(١) = قال الإمام القاضي: إجازة مالك في هذه الرواية لرفع اليدين في الدعاء عند خاتمة الصلاة نحو قوله في المدونة لأنه أجاز فيها رفع اليدين في الدعاء، في مواضع الدعاء، كالاستسقاء، وعرفة، والمشعر الحرام، لأن ختمه الصلاة موضع للدعاء. واختلف قوله في المدونة في المقامين عند الجمرتين، فرآه في كتاب الصلاة من مواضع الدعاء ترفع الأيدي فيهما ولم يره في كتاب الحج الأول من مواضع الدعاء التي ترفع الأيدي فيها. وسئل في رسم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة عن رفع اليدين في الدعاء، فقال: ما يعجبني فظاهره خلاف لما في هذه الرواية ولما في المدونة وقد يحتمل أن يتأول ذلك على أنه إنما أراد الدعاء في غير مواضع الدعاء، ولذلك قال: إنه لا يعجبه رفع اليدين في ذلك". - وفي البيان: (١٧/ ١٧٣): "وسئل عن رفع اليدين في الدعاء فكره ذلك. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المحرم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة. وقد مضى في الرسم الذي قبل هذا الكلام على هذا مستوفى فلا معنى لإعادته".
[ ٢ / ٥١٣ ]
الثالث: لم يذكر ما الذي يبدأ به، وفي الطراز: يبدأ بيمينه في العمل، فيأخذ ما على عاتقه الأيسر ويمره من ورائه ليضعه على منكبه الأيمن، وما على الأيمن على الأيسر.
الرابع: تخصيص التحويل بالرداء يقتضي أنه لا يحول غيره.
ابن ناجي: المشهور أنه لا يحول البرانس والغفائر، خلافًا لابن عيشون (١).
الخامس: ظاهر كلامه: أن التحويل مرة واحدة، وهو كذلك، قال في الطراز: اتفق عليه من قال بالتحويل.
وكذا يحول الرجال فقط دون النساء؛ لئلا ينكشفن، ويحول الرجال حال كونهم قعودًا عند الجمهور، خلافًا لابن عبد الحكم: لا يحول غير الإمام.
[ما يندب للاستسقاء:]
وندب:
[١] خطبة بالأرض؛ لأنه محل تواضع.
[٢] وندب صيام ثلاثة من الأيام قبله؛ لأنه يرقهم ويدخل عليهم سبب الخشوع، ومفهوم الظرف خروجهم مفطرين، خلافًا لابن حبيب: يؤمرون بصوم يومهم؛ لخبر: "دعوة الصائم لا ترد عليه" (٢).
[٣] وندب صدق قبله؛ لأن العبد يجازى من جنس فعله، فمن أطعم أطعم، ومن أحسن أحسن إليه.
_________________
(١) هو: محمد بن عبد اللَّه بن عيشون، أبو عبد اللَّه، (٠٠٠ - ٣٤١ هـ = ٠٠٠ - ٩٥٢ م): عالم بالحديث، من كبار المالكية في عصره، أندلسي من أهل طليطلة، ووفاته بها. له كتب، منها (مسند) في الحديث، وكتاب (الإملاء)، ومختصر وصفه القاضي عياض بأنه مشهور، لعله (اختصار المدونة) فإنه أحد كتبه. وله شعر حسن. وفي العلماء من يرى أنه أخذ كتب (ابن قادم) القروي الحنفي ونسبها إلى نفسه. ينظر: الأعلام (٦/ ٢٢٤).
(٢) لم أجده بهذا اللفظ، ورواه بلفظ: "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم" البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢١٤، رقم ٣٣٢٣) من حديث أبي هريرة، ورواه بلفظ: "ثلاث لا يرد لهم دعوة: الصائم حتى يفطر، وإمام عادل، ودعوة المظلوم. . " من حديث أبي هريرة ابن راهويه (١/ ٣١٧، رقم ٣٠٠).
[ ٢ / ٥١٤ ]
قول الجلاب: (ليس على الناس صيام قبل الاستسقاء) أي: ليس واجبًا عليهم، ولا هو من سنته، فلا ينافي استحبابه، ولا ينافي ما هنا.
ولا يأمر بهما الإمام، أي بالصوم والصدقة، وقول الشارح متعقبًا على المؤلف: (انظره مع قول أبن شاس: يأمرهم بالتقرب بالصدقة، بل حكى الجزولي الاتفاق على ذلك) لا تعقب عليه بذلك؛ لأنه طريقة، واللَّه تعالى أعلم.
بل يأمرهم بتوبة وإقلاع من الذنوب، وأن يحالل الناس بعضهم بعضًا مخافة أن تكون معاصيهم سبب منع الغيث.
فائدة:
قال يوسف بن عمر (١): اختلف هل توبة المؤمن مقبولة قطعًا، وهو المشهور، أو لا؟ قولان، وعلى قبولها: لو أذنب هل تعود ذنوبه أو لا، وهو الصحيح؟ قولان.
ورد تبعة يأمرهم به، وهي بفتح المثناة الفوقية وكسر الموحدة.
[التنفل قبلها وبعدها:]
وجاز تنفل قبلها -أي: صلاة الاستسقاء- وبعدها، سواء كان ذلك في المصلى، أو في المسجد، باتفاق في الثاني، بخلاف العيد في الصحراء.
[أداء غير المحتاج لها:]
واختار اللخمي من عند نفسه إقامه غير المحتاج صلاة الاستسقاء على سنتها للمحتاج لها بجذب؛ لأنه من التعاون على الخير، وظاهره: سواء
_________________
(١) أظنه الأنفاسي، وهو: يوسف بن عمر الأنفاسي، أبو الحجاج، (٦٦١ - ٧٦١ هـ = ١٢٦٣ - ١٣٦٠ م): إمام جامع القرويين بفاس. ووفاته بها. كان صالحًا، متفقهًا بالمالكية. له "تقييد على رسالة أبي زيد القيرواني - خ" تداوله الناس في أيامه قال زروق: ليس بتأليف، وإنما هو تقييد للطلبة في زمان قراءتهم. ينظر: الأعلام (٨/ ٢٤٤).
[ ٢ / ٥١٥ ]
أقامها غير المحتاج مجتمعًا معه، أو أقامها كل بمحله.
قال المازري: وفيه -أي: في إقامة غير المحتاج للمحتاج وهو الذي اختاره اللخمي- نظر؛ لأنه لو كان مطلوبًا بفعله لفعله الصدر الأول فمن بعدهم، ولو كان فُعل لنُقل، ولما يفعل دل على عدم طلبه، وأما دعاؤهم فمندوب.
* * *
فصل ذكر فيه أحكام الموتى وما يتعلق بها
[حقيقة الموت:]
واختلف هل الموت عرض يعقب الحياة، أو فساد بنية الحيوان، أو زوال الحياة؟ أقوال.
[ما يكرم به الميت وحكمه:]
وبدأ المصنف بحكم غسله والصلاة عليه ودفنه وكفنه، فقال:
[أولًا - غسل الميت:]
في وجوب غسل الميت كفاية على الأصح، بل حكى ابن فرحون الإجماع على ذلك، وأطلق المصنف وعبد الوهاب وابن محرز وابن عبد البر وصاحب الذخيرة وابن الحاجب الوجوب بمطهر، أي: بماء مطلق على المشهور، ولو بزمزم.
ابن أبي زيد: على ظاهر المذهب.
وأشار بـ (لو) لخلاف ابن شعبان في قوله: لا يجوز به غسل ميت ولا نجاسة.
وفي سنيته، ابن بزيزة: وهو المشهور.
[ ٢ / ٥١٦ ]
أصبغ: سنة واجبة، أي: مؤكدة.
[ثانيًا - الصلاة عليه:]
واختلف في وجوب الصلاة عليه كفاية، ابن ناجي: وعليه الأكثر، وشهره الفاكهاني في الأوقات.
ابن الحاجب والشامل: على الأصح.
وفي سنيتها، وهو قول ابن القاسم وأصبغ، وشهره سند خلاف في الفرعين.
[ثالثًا - دفنه وكفنه:]
ثم شبه في الوجوب كفاية فقط قوله: كدفنه وكفنه، كما نص عليه المازري وابن رشد وغيرهما.
[اختلاف التشهير في حكم الغسل والصلاة:]
وسنيتهما -أي: الغسل والصلاة- خلاف في التشهير، وأخر قوله: (وسنيتهما) عن (كدفنه)؛ لئلا يتوهم عود الخلاف لهما أيضًا، ولو كان الخلاف فيهما أيضًا لقال: وفي سنيتهم، ويدل على كون الخلاف في الأولين فقط قوله: وتلازما -أي: الغسل والصلاة- فمن وجب غسله وجبت الصلاة عليه، ومن لا فلا، كما سيأتي.
وتعقب الشارح بأن الغسل قد يسقط لعدم الماء مع وجوب الصلاة.
وأجاب بأن المراد وجوب الغسل أو بدله، وتعقب البساطي السؤال وجوابه بأن الأول واجب، والمتصف بالسقوط أداؤه، والثاني بأنه لا دليل عليه.
[صفة الغسل:]
وغسل الميت وصفته كالجنابة وهو تعبد، ابن ناجي: وهو المشهور.
واستظهره المصنف، وفي بعض النسخ (تعبدًا) بالنصب على الحال، بلا نية هنا اتفاقًا، أو على المنصوص؛ لأنه في غيره، وإنما يحتاج التعبد
[ ٢ / ٥١٧ ]
للنية إذا فعله في نفسه، قاله الباجي وأبن رشد وابن راشد.
[الأولى بالغسل:]
وقدم الزوجان، أي: أحدهما في غسل الآخر على غيره من الأولياء، أما غسل المرأة لزوجها فقد أجمع عليه الصحابة، وأما غسله لها فقد أوصت فاطمةُ أسماءَ بنت عميس (١) وعليًّا أن يغسلاها، فكان علي يصب الماء عليها ولم ينكر ذلك أحد.
وظاهر كلام المصنف: ولو لم يكن ضرورة، وهو كذلك.
[شرط تقديم الزوجين:]
إن صح النكاح، لا إن فسد؛ الممنوع شرعًا كالمعدوم حسًا، إلا أن يفوت فاسده، فتغسل.
وقول الشارح: (أطلق ليتناول كل قول أحسن منه، لو قال: كل وجه ليشمل ما يفوت بالدخول فقط كالفاسد لصداقه؛ لأنه حينئذ كالصحيح، أو بالدخول مع الطول أو مع ولادة الأولاد، كما سيأتي في النكاح) وليرد تعقب البساطي بأنه لا يعتبر على المشهور، وأما الفاسد لعقده فلا تغسله فيه؛ إذ لا يفيته الدخول كالنكاح في المرض.
ويقدم أحد الزوجين على ولي نازعه بالقضاء، البساطي: قالوا: وهو من مواضع العبادة التي يدخلها القضاء؛ لأن من له حق لا فائدة له إلا القضاء عند التشاجر.
_________________
(١) هي: أسماء بنت عميس بن معد بن تيم بن الحارث الخثعمي، (٠٠٠ - نحو ٤٠ هـ = ٠٠٠ - نحو ٦٦١ م): صحابية، كان لها شأن، أسلمت قبل دخول النبي -ﷺ- دار الأرقم بمكة، وهاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له عبد اللَّه ومحمدًا وعوفًا، ثم قتل عنها جعفر شهيدًا في وقعة مؤتة (سنة ٨ هـ)، فتزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر، وتوفي عنها أبو بكر فتزوجها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى وعونًا. وماتت بعد علي. وصفها أبو نعيم بمهاجرة الهجرتين ومصلية القبلتين. ينظر: الأعلام (١/ ٣٠٦).
[ ٢ / ٥١٨ ]
ولما كان هذا الحكم عامًا في الحرين والرقيقين والمختلفين، كان الميت هو الحر أو الرقيق، بالغ فقال: وإن كان الحي منهما رقيقًا أذن سيده له في التغسيل؛ لأن عدم الإرث لا يمنع آثار النكاح، فمن لم يأذن له السيد فلا يغسله؛ إذ الإذن في النكاح ليس إذنًا في توابعه هنا.
[مسألة:]
وسواء كان الموت بعد بناء بالزوجة أو قبل بناء بها على خلاف في هذا، أو كان بأحدهما عيب يقتضي الخيار في فسخ النكاح، كـ: برص مثلًا، ومات قبل أن يختار، فصاحبه أحق بغسله، لانقطاع خياره بالموت.
ابن بشير: على المنصوص.
أو وضعت بعد موته وقبل غسله، وسواء تزوجت غيره أم لا، قاله ابن أبي زيد؛ لأنه حكم ثبت بالزوجية عند الموت، فلا يرتفع بانقضاء العدة كما في الميراث، وهذه المسائل الثلاث داخلة في حيز المبالغة إشارة للخلاف في كل منها.
والأحب نفيه، أي: تغسيل الزوج لزوجته إن ماتت وتزوج أختها، أي: أو من يحرم جمعه معها.
أو مات هو وتزوجت غيره، فالأحب نفي تغسيله.
[منع الزوجين منه:]
لا مطلقة رجعية، فلا يغسلها إن ماتت، ولا تغسله إن مات، وهو المشهور، وعليه فالبائن أولى.
ولا كتابية، فلا يغسلها مطلقًا، ولا تغسله هي إن مات، إلا بحضرة مسلم؛ إذ لا تؤمن عليه.
[مسألة:]
وإباحة الوطء الأصلية المستمرة للموت برق، أي: بسببه كأمته وأم ولده ومدبرته تبيح الغسل من الجانبين، فيجوز تغسيل كل صاحبه.
[ ٢ / ٥١٩ ]
وفهم من قوله: (تبيح) أنه لا يتقدم على الأولياء اتفاقًا، وفيه تنبيه على قول أبي حنيفة: لا يغسل السيد أمته.
وخرج بـ (رق) رق لا يبيح، كـ: مكاتبة ومعتقة لأجل ومبعضة ومشتركة وأمة قراض وأمة محجور عليه قبل بيع ماله؛ لمنعه من وطئها؛ لحق الغرماء.
البساطي: في منع تغسيله لها نظر.
تنبيه:
قيدنا الإباحة بالأصلية لتخرج الحرمة العارضة بحيض أو نفاس أو ظهار.
[الأحق بتغسيل كأعزب:]
ثم إن لم تكن زوجة تغسله أو كانت ولم تفعل أو غائبة قدم أقرب أوليائه على من هو أبعد منه، فيقدم ابن، فابنة، فأب، فأخ، فابنه، فجد، فعم، فابنه.
وشقيق على ذي أب على ترتبهم، فيستوي الأخ مع الجد، ويقرع بينهما عند التنازع.
تنبيه:
ما ذكره هنا في أولياء الذكر؛ لأنه سيتكلم على المرأة، ولهذا يندفع قول البساطي: إن هذا مغن عن قوله بعد والمرأة أقرب امرأة.
[الأحق بغسل كغريب:]
ثم إن لم يكن ولي أو كان وغاب غسله أجنبي ذكر، ظاهره: ولو كان الذكر كتابيًا، وهو قول مالك: يعلمه النساء ويغسله.
ثم إن لم يوجد غسلته امرأة محرم من محارم النسب والصهر، كزوجة ابنه وأم زوجته.
ابن ناجي: على المنصوص.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
تنبيه:
لم يقع في نسخة البساطي (محرم) فتعقبه بأن ظاهره يعم الأجنبية، والذي في المدونة في المحرم فقط، وأجاب بأن مراده المحرم.
[صفة غسلها له:]
واختلف فهم شيوخ المدونة في قولها: (من مات في سفر ولا رجال معه، ومعه نساء فيهن ذات محرم، فلتغسله وتستره) هل تستره جميعه بثوب، وهو فهم اللخمي ومن وافقه، أو تستر عورته فقط، وهو فهم التونسي؟ تأويلان، وانظر ما يعضد كلًّا منهما في الكبير.
[مسألة:]
ثم إن لم يكن معه رجل ولا ذات محرم بل أجنبية فقط يُمِّمَ لمرفقيه على المشهور.
وقيل: لكوعيه.
ثم شبه في الحكم ما إذا وجد من يغسله وفقد الماء كعدم الماء.
البساطي: عكس الذي قبله في الشرط، ومثله في الجزاء.
[حكم كالأشلاء:]
ويشاركها في الانتقال للتيمم حصول تقطيع الجسد فاحشًا، كمن تهشم تحت جدار، وقصد تغسيله على هذا الحال، وتزليعه إن غسل كذلك.
[غسل المجروح:]
وصب على مجروح أمكن ماء بغير دلك إن لم يخف تزلعه، فإن خيف يمم كمجدور أمكن صب الماء عليه من غير ذلك، فيفعل به ذلك إن لم يخف تزلعه، فإن خيف يمم، إن امتنع زوجها، نص عليه مالك في المجموعة.
[ ٢ / ٥٢١ ]
[الأحق بغسل المرأة:]
والمرأة إن امتنع زوجها من غسلها، أو لم يكن، أو غاب، غسلها أقرب امرأة، ثم إن لم يوجد أقرب امرأة لها غسلتها أجنبية.
ظاهره كالمدونة: ولو كتابية.
[صفة غسلها:]
وإذا غسلت لف شعرها، ولا يضفر على الأصح، ثم إن لم تكن أجنبية غسلها محرم نسبًا أو صهرًا، ويغسلها فوق ثوب.
ظاهره: كون الثوب على جسدها، وقال صاحب المجهول: صفته أن يعلق من السقف بينها وبين الغاسل ليمنع النظر، ويلف على يده خرقة غليظة.
ثم إن لم يوجد محرم، ولم يبق إلا رجال أجانب يممت لكوعيها فقط؛ لأن ذراعيها عورة اتفاقًا، بخلاف وجهها وكفيها، بدليل إظهارهما في الصلاة والإحرام.
تنبيهان:
الأول: فرق الشيخ أبو الحسن بين الرجل يمم لمرفقيه والمرأة لكوعيها بأن تشوق الرجال للنساء أقوى من عكسه.
الثاني: لا يتيمم المصلي إلا بعد فراغ تيمم الميت؛ لأن وقت دخول الصلاة عليه، ذكره ابن فرحون في الدرر.
[ستر عورة الميت:]
وستر الغاسل عورة الميت من سرته لركبته، ظاهره: الوجوب؛ إذ لا يجوز له النظر لعورته، لكن يبعد الوجوب المبالغة بقوله: وإن كان زوجًا أو سيدًا.
قال بعض مشايخي: وهو المشهور.
وأجاز بعضهم للسيد والزوج أن يستر وأن لا يستر استصحابًا لما
[ ٢ / ٥٢٢ ]
تقدم، والستر أولى، وهو أظهر. انتهى.
[ركن صلاة الجنازة:]
وركنها -أي: صلاة الجنازة- أربعة، وشروطها كغيرها:
أول أركانها: النية.
وثانيها: أربع تكبيرات، كل تكبيرة بمنزلة ركعة، وانعقد الإجماع على الأربع ما عدا ابن أبي ليلى فإنه يقول: خمسًا.
فإن زاد الإمام على الأربع لم ينتظر بل يسلم المأموم، رواه ابن القاسم، وتعقبه ابن هارون بأن الإمام إذا قام لخامسة ينتظر ليسلموا بسلامه.
وقول الشارح: (قطع) معناه سلم؛ لأنه يبطلها.
وثالثها: الدعاء عقب كل تكبيرة من الثلاث الأول، ولا قراءة فيها؛ إذ الدعاء فيها بمنزلة القراءة.
وقال الشافعي: قراءة الفاتحة ركن عقب التكبيرة الأولى. وجزم به النووي في تبيانه تبعًا للجمهور، والظاهر نص الشافعي، وهو المفتى به.
[محل الدعاء:]
ودعا بعد الرابعة قبل السلام كالدعاء بين كل تكبيرتين على المختار عند اللخمي اعتبارًا بسائر التكبيرات، وهو قول سحنون.
وقال ابن حبيب: لا يدعو؛ لأنه كالقراءة في غيرها، ولا قراءة بعد الرابعة.
وخير فيه ابن أبي زيد.
تنبيه:
كلام المصنف محتمل لما قررناه من أن الدعاء عقب التكبيرات الثلاث، ثم نبه على اختيار اللخمي، ويحتمل أنه أراد أنه ركن عقب الأربع، وأنه ماش على ما اختاره اللخمي.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
ولما ذكر الاختلاف في توضيحه لم يذكره ترجيحًا.
[ما يوجب الإعادة:]
وإن والاه -أي: التكبير- بغير دعاء أعاد الصلاة لفوات ركنها أو كبّر ودعا وسلم بعد ثلاث وآخر الستين أو واحدة أعاد الصلاة إن بعد، وإن قرب رجع وكمل ما بقي.
ابن عبد السلام: بنية فقط بغير تكبير؛ لما يلزم عليه من زيادة عدد التكبير.
ابن ناجي: الصواب عندي أن يكبر كالفريضة.
[مسألة:]
وإن دفن قبل إعادة الصلاة عليه في المسألتين فعلى القبر، أي: تعاد عليه؛ لأنه دفن بغير صلاة، ولا يخرج من قبره للصلاة عليه؛ لاحتمال أن يكون حدث من اللَّه شيء.
ورابعها: تسليمه واحدة اتفاقًا، ووصفها بقوله: خفيفة، يسمع المأموم بها نفسه؛ للعمل، ويسمع الإمام من يليه على المشهور؛ ليقتدى به.
تتميم:
سكت المؤلف عن الركن الخامس، وهو القيام.
سند عن أشهب: إن صلوا جلوسًا أو ركوبًا لم يخيرهم، إلا من عذر.
[عمل المسبوق:]
وصبر المسبوق، فلا يدخل مع الإمام حال دعائه، وينتظره، وغاية انتظاره للتكبير، فيدخل معه حينئذ، رواه ابن القاسم وغيره، وهو مذهب المدونة؛ لأن التكبيرات بمنزلة الركعات، فالداخل كالقاضي في حكم الإمام.
وروى مطرف -وقال به-: يدخل معه، ولا ينتظره. واختاره ابن حبيب.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وظاهر كلامه هنا: سواء جاء المسبوق بقرب التكبير أو بعد طول، وقيده في توضيحه بما إذا تباعد، وعليه يكبر ويدخل معه إن قوب، وهو واضح.
وإذا قلنا يصبر، فقال سند: وهو مخير، إن شاء سكت، أو دعا.
تنكيت:
في مفهوم (صبر للتكبير) إجمال؛ لأنه يحتمل أنه لا يدخل إذا سبق بالرابعة؛ لأنه لم يبق تكبير ينتظره، ولم يبق غير السلام، وصوبه ابن يونس. ويحتمل أنه يدخل ويكبر أربعًا؛ إذ لم يبق تكبير ينتظره، وهو رواية عن مالك.
ودعا عقب كل تكبيرة يأتي بها مما سبق به إن تركت له الجنازة.
ابن حبيب: دعاء خفيفـ[ـًا]، إلا أن يؤخر رفعها، فيمهل في دعائه، وصوبه سند.
وإلا بأن لم يترك والى التكبير بغير دعاء.
[ما يكفن به الميت:]
وكفن الميت بملبوسه لجمعة وعيد، أي: في مثله، ظاهره: ولو كان ملبوسه للجمعة على غير قدر حاله، بأن كان أكثر أو أقل، وهو خلاف قول ابن الحاجب: وخشونته ورقته على قدر حاله.
وحمله المصنف كابن هارون على ملبسه حال الحياة، لا في الجمع والأعياد؛ إذ النقص والزيادة عنه خروجًا عن المعتاد، ويحتمل أنه يكفن فيما كان يلبسه لصلاة الجمعة تبركًا (١).
[تقديم لوازم الدفن على الدين:]
وقدم الكفن كمؤونه الدفن، أي: كما تقدم مؤنة الدفن من أجرة غسل
_________________
(١) وهو الظاهر، وعلى هذا كان شيخنا علي ونيس بوزغيبة.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
وحمل وحفر وحنوط وثمن قبر وغير ذلك من رأس ماله بالمعروف، ولو أتى على جميع ماله إذا كان في مكان لا يفعل ذلك فيه إلا بأجرة؛ لأن الوارث لم يتعلق حقه بماله إلا بعد إخراجه على دين غير المرتهن متعلق بـ (قدم).
وأما المرتهن فحقه مقدم على الميت؛ لحيازته له قبل الموت، وتعلقه بعينه، وإلا لم يكن للحوز معنى.
ثم بالغ على تقديمه بقوله: ولو سرق قبل دفنه أو بعده فيقدم في كفن آخر، وإن كان عليه دين محيط.
وظاهره: ولو قسم ماله، وهو كذلك عند ابن القاسم في الفرعين، خلافًا لأصبغ في الثاني.
ثم إن وجد الكفن المسروق، وقد كان عوض بكفن آخر ورث، قاله سحنون.
وقال ابن عبد الحكم: إن فقد الدين، وإلا فللغرماء إن كان قدر دينهم فأقل.
تنبيه:
هذا إذا كان من مال الميت، وأما لو كفنه شخص من ماله فسرق وعوض، ثم وجد، فقال بعض الشراح: لربه. انتهى، وهو غير ظاهر.
ومفهوم (عوض) لو وجده قبل أن يعوض لكفن فيه.
البساطي: إن أمكن تداركه، وإلا ورث.
[فقد جثة الميت:]
ثم شبه في الحكم مع قلب الصورة، وهو ما إذا فقد الميت وبقي الكفن، فقال: ىكل السبع الميت فكما تقدم، وهو -أي: الكفن وتوابعه- على المنفق، أي: من يجب عليه الإنفاق على الميت بقرافي، كأبيه مثلًا عند ابن القاسم، وهو المشهور، وصوبه جماعة.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
[تقديم العبد على السيد:]
أو رق، كعبيده وإمائه وأم ولده، فلو مات السيد وعبده، ولم يوجد عند السيد غير كفن فقط، استحقه العبد، وكفن السيد من بيت المال؛ إذ لا حق للعبد فيه.
فرع:
لو ماتت دابة شخص بالسوق وجب عليه حملها وطرحها.
[مسألة:]
لا من عليه نفقته بسبب زوجية عند ابن القاسم، واستحسنه اللخمي.
وظاهره: موسرة كانت أو لا، وهو كذلك.
ولمالك: يلزمه؛ لأنه من لوازم العصمة.
وله أيضًا: إن كانت موسرة فعليها، وإلا فعليه.
ونسبه في الرسالة لسحنون، وشهره صاحب المعتمد فيه.
تنبيه:
وإذا قلنا عليه فحمله إن دخل أو دعي للدخول.
[كفن الفقير:]
وكفن الفقير من بيت المال إن كان وأمكن، وإلا بأن لم يكن بيت مال أو كان ولم يمكن فعلى المسلمين فرض كفاية.
البساطي: إن لم يكن وقف ولا مرصد.
[ما يندب للمحتضر:]
وندب:
[١] تحسين ظنه باللَّه تعالى؛ لخبر أبي داود: "لا يموتن أحدكم إلا
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وهو يحسن الظن باللَّه تعالى" (١).
وفي الصحيحين: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولكن يقول: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي" (٢).
[٢] وندب لمن حضر عند مريض تقبيله عند إحداده ببصره وشخوصه للسماء عند الجمهور؛ لأنها أفضل الجهات (٣).
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (ص ٢٤٦، رقم ١٧٧٩)، وأحمد (٣/ ٣٣٤، رقم ١٤٦٢٠)، وعبد بن حميد (ص ٣١٢، رقم ١٠١٥)، ومسلم (٤/ ٢٢٠٦، رقم ٢٨٧٧)، وأبو داود (٣/ ١٨٩، رقم ٣١١٣)، وابن ماجه (٢/ ١٣٩٥، رقم ٤١٦٧)، وابن حبان (٢/ ٤٠٤، رقم ٦٣٨)، وأبو يعلى (٣/ ٤٤٦، رقم ١٩٤٢)، ففي عزو الحديث لأبي داود وهو في صحيح مسلم قصور.
(٢) أخرجه الطيالسي (ص ٢٦٨، رقم ٢٠٠٣)، وأحمد (٣/ ١٠١، رقم ١١٩٩٨)، وعبد بن حميد (ص ٤١١، رقم ١٣٩٨)، والبخاري (٥/ ٢٣٣٧، رقم ٥٩٩٠)، ومسلم (٤/ ٢٠٦٤، رقم ٢٦٨٠)، وأبو داود (٣/ ١٨٨، رقم ٣١٠٩)، والترمذي (٣/ ٣٠١، رقم ٩٧٠)، والنسائي (٤/ ٣، رقم ١٨٢٠)، وابن ماجه (٢/ ١٤٢٥، رقم ٤٢٦٥)، وابن حبان (٣/ ٢٤٨، رقم ٩٦٨).
(٣) قد يتحصل من كلام التتائي نفي العلو عن اللَّه تعالى والقول بأن اللَّه تعالى في كل مكان كما يقول بعض الجهلة بالمذهب ممن ينتسب إليه في العصور المتأخرة، زاعمًا أنه يدين اللَّه تعالى به، فإذا كان هذا الدعي يقر حقًا باتباع هذا المذهب فإن ابن رشد في البيان (١٨/ ٥١١) قال: "وأما قول ابن القاسم في هذه الرواية: (وهو كل شيء، وهو في كل مكان، وهو ملء كل شيء)، فهو كلام غير محصل، لا يصح أن يحمل على ظاهره، فيقال: إن قوله وهو كل شيء معناه وهو خالق كل شيء، وإن قوله: (وهو في كل مكان) معناه: وهو عا بما في كل مكان، وإن قوله: (هو ملء كل شيء) معناه: وهو قيوم كل شيء، أي: لا يستغني شيء من الأشياء في قيامه عنه، وبه التوفيق، لا شريك له". ولا يقال: محصل ما تقول من إثبات معنى العلو للَّه تعالى، هو مذهب الوهابية. لأن الجواب بل هو مذهب مالك، من إقرار المعنى، وتفويض الكيف، فلا بد من تصديق اللَّه ورسوله فيما جاء عنهما بالنقل الصحيح، وإحجام أنفسنا فيما هو بعيد المنال عن العقل؛ يقول الإمام العلامة ابن رشد في البيان (١٦/ ٣٦٨، وما بعدها): "قال سحنون: وأخبرني بعض أصحاب مالك أنه كان قاعدًا عند مالك فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد اللَّه: مسألة، فسكت عنه، ثم قال له: مسألة، فسكت عنه، ثم عاد =
[ ٢ / ٥٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عليه فرفع إليه مالك رأسه كالمجيب له، فقال له السائل: يا أبا عبد اللَّه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ كيف كان استواؤه؟ قال: فطأطأ مالك رأسه ساعة ثم رفعه، فقال: سألت عن غير مجهول وتكلمت في غير معقول ولا أراك إلا امرأ سوء أخرجوه. قال محمد بن رشد: قد روي عن مالك أنه أجاب هذا بأن قال: استواء من غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة وأراك صاحب بدعة، وأمر بإخراجه، وهذه الرواية تبين معنى قوله: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول؛ لأن التكييف هو الذي لا يعقل؛ إذ لا يصح في صفات الباري -﷿-؛ لما يوجبه من التشبيه بخلقه تعالى عن ذلك، وأما الاستواء فهو معلوم غير مجهول، كما قال؛ لأن اللَّه وصف به نفسه فقال في محكم كتابه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾ وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فوجب الإيمان بذلك وأن يوصف بما وصف به نفسه من ذلك ويعتقد أنها صفة من صفات ذاته وهي العلو، لأن معنى قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على العرش علا، كما يقال استوى فلان على العرش علا عليه واستوت الشمس في كبد السماء علت، ولما كان العرش أشرف المخلوقات وأعلاها وأرفعها مرتبة ومكانًا أعلم اللَّه تعالى عباده بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، أي: علا فإنه أعلى منه، وإذا كان أعلى منه فهو أعلى من كل شيء، إذ كل شيء من المخلوقات دون العرش في الشرف والعلو والرفعة فالمعنى في وصف اللَّه -﷿- نفسه بأنه استوى على العرش أنه أعلى منه ومن كل مخلوق، لا أنه استوى عليه بمعنى الجلوس عليه والتحيز فيه والممارسة لأنه مستحيل في صفات اللَّه تعالى، لأنه من التكييف الذي هو من صفات المخلوق ولذلك قال فيه مالك في الرواية: إنه غير معقول، ولا أنه استوى عليه بمعنى أنه إستولى عليه لوجهين، أحدهما أن الاستيلاء إنما هو بعد المدافعة والمقالبة، والرب ﵎ منزه عن ذلك والوجه الثاني: أن الاستيلاء هو القهر والقدرة، واللَّه تعالى لم يزل قادرًا قاهرًا عزيزًا مقتدرًا، قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يقتضي استفتاح هذا الوصف بد أن لم يكن ولا يمتنع أن يكون استواء اللَّه على عرشه من صفات ذاته وإن لم يصح وصفه بها إلا بعد وجود العرش كما لا يوصف بأنه غير لما غايره إلا بعد وجود سواه. وقد قيل: إن استواء اللَّه تعالى على عرشه من صفات فعله، بمعنى أنه فعل في العرش فعلًا سمي نفسه به مستويًا على العرش، أو بمعنى أنه قصد إلى إيجاده أو إحداثه، لأن الاستواء يكون بمعنى الإيجاد والإحداث كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ=
[ ٢ / ٥٢٩ ]
ويكون تقبيله على شق أيمن إن أمكن، ثم على ظهر ورجلاه إلى القبلة.
[٣] وندب تجنب حائض وجنب له؛ لأجل الملائكة، ويستحب أيضًا أن لا يكون هناك كلب ولا تماثيل، ولا آلة لهو، ولا شيء مما تكرهه الملائكة.
[٤] وندب تلقينه الشهادة، فيقال بحضرته: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمد رسول اللَّه، لخبر: "من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة" (١)، ولا يقال له: قل.
[٥] وندب تغميضه، ومن لم يغمض وبقي مفتتح العينين والشفتين جبذه شخص بعضديه، وآخر بإبهامي رجليه، فإنهما يغلقان.
[٦] وندب شد لحييه الأسفل والأعلى بعصابة، وتربط فوق رأسه، إذا قضى شرط في الأمرين السابقين؛ لئلا يسترخي فينفتح فوه، ويقبح منظره.
[٧] وندب تليين مفاصله، كرد ذراعيه لعضديه، وفخذيه لبطنه، ورجليه لقدميه، ويمدهم برفق ليسهل غسله.
[٨] وندب رفعه عن الأرض على كسرير؛ لئلا يسرع إليه الفساد، وتناوله الهوام.
[٨] وندب ستره بثوب صونًا له عن الأعين.
_________________
(١) = دُخَانٌ﴾ قصد إلى إيجادها وإحداثها، وحمل الاستواء فيما وصف اللَّه به نفسه من استوائه على عرشه على أنها صفة ذات من العلو والارتفاع أولى ما قيل في ذلك واللَّه أعلم".
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٧، رقم ٢٢١٨٠)، وأبو داود (٣/ ١٣٤، رقم ٢٩٤٥)، والطبراني (٢٠/ ٣٠٥، رقم ٧٢٧)، والحاكم (١/ ٥٠٣، رقم ١٢٩٩) وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي (٦/ ٣٥٥، رقم ١٢٧٩٧)، وابن خزيمة (٤/ ٧٠، رقم ٢٣٧٠)، والديلمي (٣/ ٥١٦، رقم ٥٦٠٩).
[ ٢ / ٥٣٠ ]
[٩] ووضع شيء ثقيل على بطنه كحجر أو سيف وشبهه لئلا يعلو، فإن لم يكن فطين مبلول.
[١٠] وندب إسراع تجهيزه ودفنه؛ خيفة تغيره، إلا الغرق، فلا يسرع تجهيزه؛ لاحتمال حياته وغمر الماء لقلبه، وإذا تحقق موته جهز حينئذ.
[ما يندب في الغسل:]
[١] وندب للغسل سدر، أي: ورقه يسحق ويذاب في الماء ويدلك به الميت، أو يجعل على يديه ويصب عليه الماء، وليس المراد جعل ورقه في الماء قبل غسله بالماء القراح أو بعده، قاله ابن حبيب.
واقتصر المؤلف على السدر لأنه أفضل، قال في الذخيرة: لتنظيفه مع شدة الأعضاء.
[٢] وندب تجريده من ثيابه ما عدا العورة؛ لأجل الإنقاء، وظاهره: ولو نحل المرض جسمه.
قال الشارح: وينزع قميص الرجل ويستر عورته، وكذا المرأة مع النساء.
تنبيه:
إنما لم يفعل ذلك بسيدنا رسول اللَّه -ﷺ- تعظيمًا له وتوقيرًا.
[٣] وندب وضعه عند غسله على مرتفع؛ لئلا يقع شيء من ماء غسله على الذي يغسله.
[٤] وندب إيتاره بمثناة فوقية، أي: فعله وترًا، وينتهي للسبع، واختلف الشارحان إن لم يحصل الإنقاء بالسابعة:
- فقال بهرام: لم يزد عليها، وظاهره: منع الزيادة، كما في شرحه الأوسط.
وفي الصغير: إن لم يحصل الإنقاء زيد في غسله من غير استحباب وتره، ونحوه للبساطي: يزاد، ولا يستحب الوتر.
[ ٢ / ٥٣١ ]
كالكفن يستحب إيتاره لسبع مبالغة في الستر، وحذف سبعًا من الأول للدلالة هذا عليه.
قال الشارح: ولا يزاد على السبع؛ لأنه سرف.
[خروج نجاسة بعد غسله:]
ولم يعد غسله لخروج نجاسة من قبله أو دبره اتفاقًا، بل يزال فقط بالغسل؛ لأنه غير مكلف الآن، والقدر المأمور به على وجه التعبد قد فعل أولًا، كالوضوء لنجاسة، لا يعاد لخروجها، وصوبه الأكثر، وغلست نجاسة خرجت منه في المسألتين.
[٥] وندب عصر بطن؛ خوف خروج شيء منه بعد تكفينه برفق، أي: مصاحبًا له؛ لئلا يخرج شيء من أمعائه.
[٦] وندب صب الماء متواليًا في غسله مخرجه، لأنه أسرع في إزالة النجاسة، ويكون ذلك بخرقة كثيفة مطوية مرارًا، ولا يفضي بيده إلى العورة ما أمكنه.
وله الإفضاء لها بيده بغير خرقة إن اضطر لذلك، قاله ابن القاسم.
وفي نسخة البساطي: (إن احتاج) والمعنى واحد.
[٧] وندب توضئته قبل غسله كالحي على المشهور.
[٨] وندب تعهد أسنانه وأنفه بخرقة؛ لإزالة ما يكره ريحه أو رؤيته.
[٩] وندب إمالة رأسه برفق لمضمضة؛ ليخرج الماء بما فيه من الأذى، كذا في نسخة البساطي: (إمالة) بالمصدر، وزيادة (برفق) وهي المناسبة لما قبلها من المندوبات.
وفي أكثر النسخ (أمال) فعل، وإسقاط (برفق).
[١٠] وندب عدم حضور غير معين للغاسل في صب الماء أو تقليب.
أشهب: لا يطلع عليه غير غاسله، أو من يليه.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وتعقبه البساطي بأن حضور غير المعين مكروه.
[١١] وندب كافور في الغسلة الأخيرة، إن تيسر، ويبخل بالماء، فيكسبه هنا، ويسد مسام البدن لبرودته.
الذخيرة: ولجمعه بين العطرية ومضادة العفن وشد الأعضاء.
وتنشف قبل تكفينه.
قال الشارح. استحبابًا.
سند: ليصون أكفانه من البلل؛ فلا تسرع لها العفونة والفساد.
وفي طهارة ما نشف به نجاسته قولان.
[١٢] وندب اغتسال غاسله عند مالك، وهو مذهب ابن القاسم.
[مندوبات الكفن:]
ثم ذكر مستحبات تتعلق بالكفن، فقال عطفًا على ما قبله:
[١] وبياض الكفن، لخبر الترمذي: "البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم" (١).
وسيذكر حكم غيره من الألوان، وقول البساطي: (كان الأحسن أن يقول: وللكفن بياض، كما فعل في الغسل) قال بعض أشياخي: قد يقال: إنما عدل عن هذه العبارة لعدم حسن ما قال المعترض فيما عطف عليها.
_________________
(١) رواه من حديث سمرة بن جندب: الطيالسي (ص ١٢١، رقم ٨٩٤)، وأحمد (٥/ ١٣، رقم ٢٠١٦٦)، والترمذي (٥/ ١١٧، رقم ٢٨١٠) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٨/ ٢٠٥، رقم ٣٣٢٢)، وابن ماجه (٢/ ١١٨١، رقم ٣٥٦٧) وابن سعد (١/ ٤٥٠)، والطبراني (٧/ ١٨٠، رقم ٦٧٥٩)، والبيهقي (٣/ ٤٠٢، رقم ٦٤٨٢)، وعبد الرزاق (٣/ ٤٢٩، رقم ٦١٩٩)، والطبراني في الأوسط (٤/ ١٨٢، رقم ٣٩١٩)، والحاكم (٤/ ٢٠٦، رقم ٧٣٧٩)، وقال: صحيح على شرط الشيخين. ومن حديث ابن عمر: الدارقطني في الأفراد كما في أطراف ابن طاهر (٣/ ٥١٢ رقم ٣٤١٣)، والرويانى (٢/ ٤٢٢، رقم ١٤٣٦)، والرافعي في التدوين من طريق الدارقطني (٣/ ٢٥٦).
[ ٢ / ٥٣٣ ]
[٢] وندب تجميره بالجيم، أي: تطييبه بالبخور، قاله في الطراز، قال الشارح في الصغير: استحب بعضهم كونه بالعنبر.
وقال البساطي: بالخاء المعجمة، والمراد جعل بعض الثياب فوق بعض، ويدرج فيها الميت.
[٣] وندب عدم تأخره -أي: التكفين- عن الغسل؛ خوف خروج شيء منه، فيطلب غسله.
[٤] وندب الزيادة على الكفن الواحد.
مالك: أحب إلى أن لا يكفن في أقل من ثلاثة، إلّا ألّا توجد ثلاثة، وقد كفن -ﷺ- في ثلاثة أثواب، أحدهم ملبوس عيد غسيل ليس فيها قميص ولا عمامة، يحتمل بغير زائد على ذلك، ويحتمل أنها غير معدودين فيها.
ولا يقضى بالزائد على الواحد إن شح الوارث أو الغريم به أو لا يقتضي بمستحب إلا أن يوصي بالزائد على الواحد ففي ثلثه بالقضاء لوجوبه إن حمله الثلث، ولا دين مستغرق.
[الواجب من الكفن:]
ولما أسلف أن الكفن واجب قال: وهل الواجب منه ثوب يستره بجميع بدنه.
قال المصنف: وهو ظاهر كلامهم.
أو الوجوب منه ستر العورة، والباقي لستر غيرها سنة، قاله أبو عمران وابن رشد؟ خلاف.
فالمصنف نزل ظاهر كلامهم منزلة التشهير، وتعقبه البساطي بأنه لا يقتضي الاختلاف في التشهير على اصطلاحه (١)،
_________________
(١) وآزر الأجهوري البساطي، فقال: "هما قولان، ولكن لم يشهرا، فكان على المصنف أن لا يذكر خلافًا، بل يقول: قولان، لأنه قال: وحيث قلت: (خلاف) فذلك للاختلاف في التشهير".
[ ٢ / ٥٣٤ ]
[٥] وندب وتره ثلاثة أو خمسة للرجل وسبعة للمرأة، ويغني عنه قوله سابقًا في الغسل وإتاره كالكفن.
[٦] وندب الاثنان على الواحد لزيادة الستر والثلاثة على الأربعة؛ لحصول الوتر والستر معًا، وكذا الخمسة على الست.
[٧] وندب تقميصه، أي: يجعل من جملة أكفانه قميص.
قال المصنف: إنه المشهور من المذهب. انتهى، وتعقب بأن الذي حكاه ابن القصار عن مالك كراهة القميص، وأن الذي رواه يحيى بن يحيى أن لا يقمص.
قال البساطي: فاللَّه أعلم بمن شهره. انتهى، والجواب أن من حفظ حجة.
[٨] وندب تعميمه وعذبة فيها بالذال المعجمة، أي: في العمامة، والمراد كونها قدر الذراع تطرح على وجهه، وكذلك يترك من خمار المرأة.
[٩] وندب أزرة ولفافتان، وهذه الخمسة للرجل.
البساطي: استحباب العمامة ليس من خواص الميت. انتهى.
وقد يقال: نص عليه لئلا يتوهم أنه من خواص الحي.
والسبع للمرأة فيجعل بدل العمامة الخمار، وتزاد لفافتان، ولفائفها حينئذ أربع، وحنوط يجعل داخل كل للفافة، ويجعل على قطن يلصق بمنافذه بالذال المعجمة: عينيه وأذنيه وأنفه وفمه ومخرجه، ويجعل الكافور فيه -أي: الحنوط- وفي مساجده -أي: أعضاء سجوده: جهته ويديه وركبتيه وأطراف قدميه- وفي حواسه، وتقدمت في منافذه، وهذا أخص منه؛ فلو اقتصر على المنافذ لكفي.
وفي مراقه بفتح الميم وتشديد القاف مارق من جلده كإبطيه ورفغيه وعكن بطنه.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
أبو عمر: وجميع جسده إن كثر الحنوط، وروى ابن وهب الحنوط المسك والعنبر وطيب الحي.
تنبيه:
قال المصنف: الحذر ثم الحذر مما يفعله بعض الجهلة من إدخال القطن داخل دبره، وكذا يحشون به أنفه وفمه، فإنه لا يجوز. انتهى.
[مسألة:]
ولما كان المذهب: أن الموت يرفع الإحرام، قال ابن عرفة: وفيه خلاف، بالغ عليه لبيان الخلاف الخارجي بقوله: وإن محرمًا، خلافًا للشافعي وأحمد.
ومعتدة؛ لانقطاع التكليف عنهما، ولا يتولياه -أي: المحرم والمعتدة- لحرمة مسه عليهما.
وظاهره كلامه: ولو كان المحرم الميت زوج المعتدة، وهو كذلك في توضيحه؛ لأنها عادة ألا تضع حملها قبل ذلك إن كانت حاملًا، أو بموضع ليس فيه من يحنطه فلتفعل، ولا يمس بالطيب إلا الميت.
وفي الطراز: تحنطه، لأنها إنما منعت الطيب لأجله، وتحنيطه من حقه أيضًا، وهو أوكد، فجاز أن يترك لها ما هو دونه من حقه بخلاف المحرم.
[ما يندب في اتباع الجنازة:]
[١] وندب مشي مشيع للجنازة في ذهابه للخشوع، ويكره ركوبه، ولا بأس به في رجوعه؛ لفراغ العبادة.
[٢، ٣] وندب تأخر راكب عنها، وتأخر امرأة اتفاقًا؛ لأنه أستر لها، وإن تأخر الراكب حصل له فضيلتان، وإن تقدم ففضيلة التشييع فقط.
[٣] وندب سترها بِقُبَّةٍ، تجعل فوق ظهر النعش؛ زيادة في الستر.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
[٤] وندب رفع اليدين بأولى التكبير فقط على المشهور، إمامًا كان أو مأمومًا.
[٥] وابتداء بحمد بعد التكبير وصلاة على نبيه -ﷺ- عقب الحمد، ولا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب على المشهور؛ لأن الفرض من هذه الصلاة الدعاء للميت.
ابن هارون: ظاهر المذهب كراهتها.
القرافي: يقرؤها ورعًا للخروج من الخلاف، فالابتداء بالحمد حقيقة، والصلاة على النبي -ﷺ- كذلك بالنسبة للدعاء.
[٦] وندب إسرار دعاء ليلًا أو نهارا؛ لأنه أقرب للقبول، وظاهر كلام المصنف كالموطأ: أن الحمد والصلاة والدعاء عقب كل تكبيرة، واستحبه الصقلي.
وفي الطراز: لا يكرر الصلاة والتحميد في كل تكبيرة، بل في الأولى، ويدعو في غيرها، قاله في النوادر، وفي الإرشاد يثني على اللَّه عقب الأولى، ويصلي على النبي -ﷺ- عقب الثانية، ويدعو للميت عقب الثالثة.
وتنكير المصنف الدعاء مشعر بأنه لا يستحب دعاء معينًا، وهو كذلك.
ابن عرفة: يدعو للميت، ولو كان ابن زنا.
[٧] وندب رفع صغير على أكف لا على نعش؛ لما فيه من التفاخر.
[٨، ٩] وندب وقوف إمام بالوسط من الذكر، وعند منكبي المرأة على المشهور، لا عند وسطها؛ لئلا يتذكر بوقوعه هناك ما يشغله ويفسدها، وكيفية وقوفه أن يكون رأس الميت عن يمينه.
ابن عبد السلام: بلا خلاف أعلمه.
[مندوبات الدفن:]
ثم ذكر مستحبات تتعلق بالدفن، فقال:
[ ٢ / ٥٣٧ ]
[١] وندب رفع قبر كشبر مسنمًا وسطه، كهيئة السنام، كذا فهم عياض المدونة، وفهمها آخرون على كراهة ما يشمل التسنيم بجامع الارتفاع، وممن تأولها على ذلك اللخمي؛ ولذا قال: وتؤولت أيضًا على كراهته، أي: التسنيم؛ فيسطح.
وجاء أنه -ﷺ- سطح قبر ولده إبراهيم (١)، وقبور الأنصار والمهاجرين مسطحة، واختاره الجلاب.
وتسنيم قبره ﵊ وقبر صاحبيه أثبت من تسطيحها (٢).
[٢] وندب حثو قريب من القبر فيه -أي: في القبر- ثلاثًا من ترابه، قاله ابن حبيب، والحثو بالواو كما ذكره، وبالياء أيضًا.
_________________
(١) لم أجده.
(٢) يشير بذلك إلى تعارض الأحاديث في تسنيمها وتسطيحها، ورجح شارحنا تسنيمها؛ وذلك لأن أحاديث تسنيمها رواه البخاري (١/ ٤٦٨، رقم ١٣٢٥)، قال: حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد اللَّه أخبرنا أبو بكر بن عياش عن سفيان التمار أنه حدثه: أنه رأى قبر النبي -ﷺ- مسنمًا. ويؤكد رؤية سفيان التمار ما رواه عبد الرزاق: (٣/ ٥٠٢، رقم ٦٤٨٤) عن ابن جريج قال: أخبرني أبو بكر عن غير واحد أن قبر النبي -ﷺ- رفع جدثه شبرا وجعلوا ظهره مسنمًا ليست له حدبة. وفي ذلك أبلغ رد على البيهقي حين قال في سننه الكبرى (٤/ ٣، رقم ٧٠٠٩): "وأخبرنا أبو عمرو أخبرنا أبو بكر أخبرنا الحسن حدثنا حبان عن ابن المبارك أخبرنا أبو بكر بن عياش عن سفيان التمار: أنه حدثه أنه رأى قبر النبي -ﷺ- مسنمًا. رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن مقاتل عن عبد اللَّه بن المبارك. (ق): ومتى ما صحت رواية القاسم بن محمد: قبورهم مبطوحة ببطحاء العرصة. فذلك يدل على التسطيح وصحت رؤية سفيان التمار قبر النبي -ﷺ- مسنمًا فكأنه غير عما كان عليه في القديم فقد سقط جداره في زمن الوليد بن عبد الملك، وقيل: في زمن عمر بن عبد العزيز، ثم أصلح. وحديث القاسم بن محمد في هذا الباب أصح وأولى أن يكون محفوظًا. إلا أن بعض أهل العلم من أصحابنا استحب التسنيم في هذا الزمان لكونه جائزًا بالإجماع وأن التسطيح صار شعارًا لأهل البدع فلا يكون سببًا لإطالة الألسنة فيه ورميه بما هو منزه عنه من مذاهب أهل البدع وباللَّه التوفيق".
[ ٢ / ٥٣٨ ]
[٣] وندب تهيئة طعام لأهله؛ لخبر: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فإنه قد جاءهم ما يشغلهم" (١).
[٤] وندب تعزية لأهله، وهي الحمل على المصيبة بوعد الأجر، والدعاء للميت والمصاب، وظاهره: قبل الدفن وبعده، كان الميت صغيرًا أو كبيرًا، حرًا أو عبدًا، رجلًا أو امرأة، وهو كذلك، رجلًا كان المعزي أو امرأة، كبيرًا أو صغيرًا، وهو كذلك، إلا الشابة والصغير الذي لا يميز.
ولمالك: يعزي من النساء الأم خاصة.
ابن حبيب: الأدب أن يعزى الرجل في منزله.
وظاهره: كان الميت مسلمًا أو كافرًا، والأصح أنه لا يعزى مسلم بكافر.
ابن رشد: ويدعى للمسلم بجزيل الثواب في مصابه، وتهوينه بمن مات من قريب وأب كافرين لا بالدعاء لميتة.
[٥] وندب في القبر عدم عمقه، وسيأتي.
[٦] وندب اللحد، وهو ما يحفر من جانب القبر القبلي تحت جرفه، وقد يفعل من الجانبين جميعًا؛ فهو أفضل من الشق: بالفتح، وهو: أن يحفر أسفل القبر أضيق من أعلاه بقدر ما يسع الميت؛ لخبر: "اللحد لنا، والشق لغيرنا" (٢).
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (٢/ ٢٨٤، رقم ١٠٢٦)، الشافعي (١/ ٣٦١) وإسحاق بن راهويه (١/ ٤١ رقم ١٠) والحميدي (١/ ٢٤٧ رقم ٥٣٧)، وأحمد (١/ ٢٠٥، رقم ١٧٥١)، وأبو داود (٣/ ١٩٥، رقم ٣١٣٢) والترمذي (٣/ ٣٢٣، رقم ٩٩٨) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (١/ ٥١٤، رقم ١٦١٠)، والطبراني (٢/ ١٠٨، رقم ١٤٧٢)، والحاكم (١/ ٥٢٧، رقم ١٣٧٧) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (٤/ ٦١، رقم ٦٨٨٩) والضياء (٩/ ١٦٦ رقم ١٤٢). وأخرجه أيضًا: الدارقطني (٢/ ٧٨)، وأبو يعلى (١٢/ ١٧٣، رقم ٦٨٠١)، والبزار (٦/ ٢٠٤، رقم ٢٢٤٥).
(٢) رواه من حديث جرير: الطبراني (٢/ ٣١٧، رقم ٢٣١٩)، والبيهقي (٣/ ٤٠٨، رقم ٦٥١٠)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٣، رقم ١١٦٢٨)، وعبد الرزاق (٣/ ٤٧٧، رقم ٦٣٨٥)، =
[ ٢ / ٥٣٩ ]
[٧] وندب ضجع فيه، أي: في القبر، بأن يوضع الميت فيه على شق أيمن مقبلًا للقبلة إن أمكن، ويمد يده اليمين على جسده، ويسند رأسه ورجلاه بشيء من التراب، فإن لم يمكن فعلى ظهره مقبلًا، فإن لم يمكن فما تيسر، وتدورك إن خولف في فعل ما ندب بالحضرة، ويعاد للهيئة المستحبة، فإن لم يفعل بالحضرة فات التدارك.
ثم شبه في الحكم قوله: كتنكيس رجليه، بأن يجعلا موضع رأسه، وكترك الغسل، أي: يتذكروا أنه دفن بغير غسل، قاله ابن حبيب في الأولى، وسحنون في الثانية، وابن القاسم في الثالثة.
ودفن من أسلم بمقبرة الكفار فيتدارك، إن لم يخف تغيره، يحتمل عود الشرط للمسائل الثلاث، وجعله البساطي في الأخيرة فقط، ويحتمل أن الأولى منها مشبهة بما قبلها؛ فيتدارك بالحضرة، وهو قول سحنون فيها.
وأما شرط التغيير فراجع للأخيرتين؛ ولذا أعاد حرف التشبيه مع ترك، وإلا فتركه أخصر.
[٨] وندب سده -أي: اللحد- بلبن اتفاقًا، وهو المطلوب حتى لا يدخله التراب، وكذا يستحب سد الخلل الذي بين الطوب، ثم لوح يسد به إن لم يكن طوب، ثم قرمود، وهو شيء يجعل من الطين على هيئة وجوه الخيل، ثم آجر بهمزة ممدودة فجيم، ولعله الطوب المحروق، ثم قصب إن لم يوجد الآجر.
[التراب أولى من التابوت:]
وسن التراب بفتح السين المهملة وشد النون، أي: صبه بباب اللحد
_________________
(١) = والحميدي (٢/ ٣٥٣، رقم ٨٠٨)، والمحاملي (١/ ٣٤٩، رقم ٣٨٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠٣)، والديلمي (٣/ ٤٦٩، رقم ٥٤٥٧). ومن حديث ابن عباس: أبو داود (٣/ ٢١٣، رقم ٣٢٠٨)، والترمذي (٣/ ٣٦٣، رقم ١٠٤٥) وقال: حسن غريب. وابن ماجه (١/ ٤٩٦، رقم ١٥٥٤)، والنسائي (٤/ ٨٠، رقم ٢٠٠٩)، والبيهقي (٣/ ٤٠٨، رقم ٦٥٠٩).
[ ٢ / ٥٤٠ ]
ليسد به عند عدم ما تقدم أولى من التابوت الخشب الذي يجعل فيه الميت، وليس من زي العرب، بل زي الأعاجم وأهل الكتاب.
قال ابن القاسم: يكره الدفن فيه.
وعلى هذا فـ (خير) في كلام المصنف ليس على بابه، وفي أكثر النسخ (أولى) موضع (خير).
ويكره أن يجعل تحته مضربة وتحت رأسه مخدة؛ لأنه لم ينقل عن أحد من السلف، وما في صحيح مسلم وغيره أنه -ﷺ-: "جعل في قبره قطيفة حمراء" (١)، فمخصوص به.
[الجائزات:]
ولما أنهي الكلام على المندوبات ذكر الجائز، فقال: وجاز:
[١] غُسْل امرأة صبيًا ابن كسبع من السنين.
سند: لأنه ليس بعورة في حقها، ولا يكره لها النظر إليه؛ فهي والرجال في غسله سواء.
[٢] وجاز غسل رجل كرضيعة وما قاربها عند ابن حبيب، ولابن القاسم: لا يغسلها، وإن صغرت جدًا، وذكر المصنف جواز الرضيعة اتفاقًا، ومنع المطيقة اتفاقًا، والخلف فيما بينهما، ومذهب المدونة المنع.
[٣] وجاز الماء المسخن، أي: التغسيل به كالبارد، قاله أبو عمر، ونبه على قول الشافعي: البارد أحبّ. وعلله بعض أصحابه بأنه يمسكه، والمسخن يرخيه.
[٤] وجاز عدم الدلك، وإن كان ركنًا للغسل؛ لكثرة الموتى، فإن لم يكثروا لم يجز تركه.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٨، رقم ٢٠٢١)، ومسلم (٣/ ٦١، رقم ٢٢٨٥)، والترمذي (٣/ ٣٦٥، رقم ١٠٤٨)، والنسائي (٤/ ٨١، رقم ٢٠١٢).
[ ٢ / ٥٤١ ]
[٥] وجاز تكفين بملبوس؛ لقول أبي بكر: الحي أحق بالجديد، إنما هو للمهنة، والصديد، وإنما المقصود الستر، لا المفاخرة، وقد يكون الملبوس شهد به عبادات وفضائل، أو مزعفر -أي: مصبوغ بالزعفران- وهو معروف، ومورس -أي: مصبوغ بالورس- لأنهما من نوع الطيب.
والورس: نبت باليمن أصفر، يتخذ منه الحمرة للوجه، قاله اللخمي.
[٦] وجاز حمل غير أربعة؛ إذ لا مزية لعدد على عدد، وهو المشهور.
[٧] وجاز بدءٌ في حمل النعش بأي جهة شاء الحامل من اليمين أو اليسار، من مقدمة أو مؤخرة، داخل عموديه أو خارجهما.
والمعين لشيء من ذلك على أنه مطلوب شرعًا مبتدع؛ لتخصيصه في حكم الشرع ما لا أصل له، ولا نص فيه، ولا إجماع؛ وهذا سمة البدعة.
وما ذكر خلاف ذلك؛ فلعله لم يصحبه عمل.
[٨] وجاز خروج متجالة قعدت عن المحيض لجنازة قريب أو أجنبي، أوْ شابة إن لم يخش منها الفتنة في جنازة من عظمت مصيبتها به، في كأب وزوج وابن أخ، ونحوهم.
وغيّر العطف بـ (أو) لينبه على أن التمثيل مختص بالمعطوف، ومفهومه: عدم جواز خروجها لجنازة لغير هؤلاء، وعدم جواز خروج شابة يخشى منها الفتنة مطلقًا، وهو كذلك فيهما، لكن لم يعلم منه عين الحكم، وهو الكراهة في الأولى، والمنع في الثانية.
وظاهره: سواء كان خروجهن للصّلاة على الجنازة أو لتشييعها، قاله مالك.
[٩] وجاز سبقها لموضع دفنها للتخفيف.
ابن ناجي: اتفاقًا.
وعبر عنه في المدونة بـ: لا بأس.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
[١٠] وجاز لمن تبعها من ماش وراكب جلوس قبل وضعها عن أعناق الرجال بالأرض.
ابن ناجي: اتفاقًا.
ولم يعول المصنف على تقييد ذلك بالماشي، وأما الراكب فلا ينزل حتى توضع.
[١١] وجاز نقل الميت من حاضرة لبدو، بل وإن من بدو لحاضرة لموضع يعلم أن بمقبرته خيرًا، أو ليدفن بين أقاربه (١)، ولو قلب المبالغة لكان أحسن، وظاهره: ولو بعد الدفن، وهو كذلك.
وقول البساطي: (الراجح عدم جوازه) يحتمل اطلاعه على ذلك، أو أنه من قبل نفسه.
[١٢] وجاز بكاء على الميت عند موته وبعده بلا رفع صوت، وبلا قول قبيح شرعًا؛ فقد بكى -ﷺ- ولده إبراهيم، وقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب" (٢).
[١٣] وجاز جمع أموات بقبر واحد لضرورة، بأن يجعل كل واحد يلي الآخر لضيق الموضع مثلًا، وجوز البساطي أن يكون المعنى جعلهم واحدًا على واحد، ويدلُ على أن مراده الأول لا الثاني قولُه: وولي القبلة -أي: جانب الحائط القبلي- الأفضل منهم؛ لأن كل واحد منهم جهة القبلة، كانوا ذكورًا كلهم أو إناثًا، وكذا إن كان بعضهم ذكورًا وبعضهم إناثًا، ويجعل الرجل مما يلي القبلة على ترتيبهم: الأفضل فالأفضل، ثم الصبيان، ثم النساء.
_________________
(١) وبهذا عمل شيخي عبد العزيز حسين البرغثي -رحمه اللَّه تعالى- فأمر أن يدفن بين أقاربه بمقبرة الكويفية، وهي: ضاحية مدينة "بنغازي" الشرقية على طريق الساحل، فنقل من بنغازي إليها.
(٢) أخرجه عبد بن حميد: (ص ٣٠٩، رقم ١٠٠٦)، والطيالسي (ص ٢٣٥، رقم ١٦٨٣)، والترمذي (٣/ ٣٢٨، رقم ١٠٠٥) وقال: حسن. وابن ماجه (١/ ٥٠٦، رقم ١٥٨٩)، والطبراني (٢٤/ ١٧١، رقم ٤٣٣).
[ ٢ / ٥٤٣ ]
قيل لابن القاسم: هل يجعل بينهما حاجز من الصعيد؟
قال: ما سمعت من مالك فيه شيئًا.
أو بصلاة -أي: جاز جمعهم في صلاة واحدة- وينتهي ترتيب جمعهم لعشرين مرتبة، ذكر صاحب البيان منها اثنتي عشرة، وزاد المازري أربعًا، وهي: مراتب الخصيان، وزاد ابن محرز أربعًا، وهي مراتب المجبوبين، ويقدم الخصي عليهم.
البساطي: الظاهر أنه لا يشارك ما قبله في قيد الضرورة.
[من يلي الإمام:]
واقتصر المصنف على ما ذكر ابن رشد والمازري من المراتب بقوله: يلي الإمام رجل بالغ، فطفل حر، فعبد بالغ، ثم صغير، فخصي بفتح الخاء المعجمة حر بالغ، ثم خصي حر صغير، فخصي عبد بالغ، فخصي عبد صغير كذلك، فخنثى كذلك: حر بالغ، ثم خنثى حر صغير، ثم خنثى عبد صغير.
ولم يذكر النساء للعلم بتأخير رتبتهن عن الجميع، وهن حرة بالغة، ثم حرة صغيرة، ثم أمة بالغة، ثم أمة صغيرة.
وما زاد ابن محرز: مجبوب حر بالغ، ثم مجبوب حر صغير، ثم مجبوب عبد بالغ، ثم مجبوب عبد صغير.
[اجتماعهم في الصلاة عليهم:]
ثم ذكر لاجتماع الجنائز صفة أخرى في وضعهم للصلاة عليهم بقوله: وفي الصنف المختلف أيضًا الصف، بأن يجعلوا صفًا واحدًا من المغرب إلى المشرق، ويقدم إلى الإمام أفضلهم، فتكون رجلًا المفضول لرأس الفاضل.
وهذه الصفة ذكرها في البيان والطراز، وقرر الشارح كلام المصنف وتبعه البساطي على ما في الجواهر واللخمي أن المراد إذا اجتمع جنائز من
[ ٢ / ٥٤٤ ]
صنف واحد جعلوا صفًا واحدًا.
ولما لم يقف البساطي على كلام ابن رشد وسند اعترض قول المصنف أيضًا بأنه يقتضي أن الصنف الواحد تقدمت له صفة أخرى، ولم يتقدم له فيه شيء.
ويحتمل أن يقرر كلام المصنف بما قاله الشارحان، ولا يرد عليه اعتراض البساطي، بأن يقال: في الصنف الواحد ما تقدم، وفيه أيضًا الصف، بأن يوضع الفاضل بين يدي الإمام، ثم الذي يليه في الفضل بعده، وهكذا، وبعضهم كذلك من المشرق إلى المغرب.
[١٤] وجاز زيارة القبور؛ لما فيها من التذكر والاعتبار؛ لخبر: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإن في زيارتها تذكرة" (١)، بلا حد في المقدار بيوم فأكثر في الأسبوع أو غيره، أو في قدر ما يمكث عندها، أو في وقت معين كيوم الجمع مثلًا، أو فيما يدعى فيه أو في الجميع.
وظاهره: كان الزائر رجلًا أو امرأة.
[المكروهات:]
ولما أنهى الكلام على الجائزات، شرع في المكروهات، فقال: وكره:
[١] حلق شعره كرأسه وعانته مما يجوز له حلقه، وأما لحيته فلا يجوز له حلقها.
[٢] وكره قلم ظفره، وهو -أي: المذكور- بدعة.
سحنون: ولا يفعله هو قبل موته لذلك. أي: للبدعة، وأما لقصد
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٥، رقم ٢٣٠٥٣)، وابن حبان (١٢/ ٢١٢، رقم ٥٣٩٠)، ومسلم (٢/ ٦٧٢، رقم ٩٧٧)، والترمذي (٣/ ٣٧٠، رقم ١٠٥٤)، وقال: حسن صحيح. والنسائي (٧/ ٢٣٤، رقم ٤٤٢٩)، وابن ماجه (٢/ ١١٢٨، رقم ٣٤٠٦)، والحاكم (١/ ٥٣١، رقم ١٣٨٧)، والبيهقي (٤/ ٧٧، رقم ٦٩٨٩)، وابن حبان (١٢/ ٢٢٩، رقم ٥٤٠٩)، وألفاظهم متفاوتة.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
راحة نفسه فجائز، وجمع بين ذكر الحكم والبدعة؛ إذ لا يلزم من الأول الثانى، وضم معه في كفنه إن فعل، ولم يبين حكم الضم، ولا تركه، ولا حكم قوله: ولا تنكأ -أي: تعصر- قروحه كدماميله وبثراته وجراحاته ونحوها؛ لأنه سبب لخروج ما فيها، وهو مكروه، بل يترك على حاله الذي مات عليها، ونحوه لسند.
وقال البساطي: ظاهر كلامه: أنه حرام؛ لإتيانه بالفعل بعد عد شيء من المكروهات.
ويؤخذ عفوها، نحوه في الجلاب، قال صاحب المجهول: أي: يزال ما سال منها من الدم والقيح مما يسهل إزالته. انتهى، أي: إنه من النظافة وإزالة النجاسة، ويحتمل إزالة ما فضل منها بعد عصرها؛ لئلا يلوث الكفن.
[٣] وكره قراءة عند موته سورة يس (١) أو غيرها.
_________________
(١) حديث: "اقرؤوا على موتاكم يس" فأخرجه أحمد (٥/ ٢٦، رقم ٢٠٣١٦)، وأبو داود (٣/ ١٩١، رقم ٣١٢١)، وابن ماجه (١/ ٤٦٦، رقم ١٤٤٨)، وابن حبان (٧/ ٢٦٩، رقم ٣٠٠٢)، والطبراني (٢٠/ ٢١٩، رقم ٥١٠)، والحاكم (١/ ٧٥٣، رقم ٢٠٧٤)، والبيهقي (٣/ ٣٨٣، رقم ٦٣٩٢). وأخرجه أيضًا: الطيالسي (ص ١٢٦، رقم ٩٣١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٥، رقم ١٠٨٥٣)، والنسائي في الكبرى (٦/ ٢٦٥، رقم ١٠٩١٣). ولا يقال: يعاضده حديث: "البقرة سنام القرآن وذروته ونزل مع كل آية منها ثمانون ملكًا واستخرجت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ من تحت العرش فوصلت بها ويس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد اللَّه والدار الآخرة إلا غفر اللَّه له واقرؤوها على موتاكم"، فأخرجه أحمد (٥/ ٢٦، رقم ٢٠٣١٥)، والطبراني (٢٠/ ٢٢٠، رقم ٥١١). قال الهيثمي (٦/ ٣١١): في سنن أبي داود منه طرف رواه أحمد، وفيه راو لم يسم، وبقيه رجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني، وأسقط المبهم. لأجل ما قال في البدر المنير: (٥/ ١٩٤، وما بعدها): "أعل هذا الحديث بالوقف وبالجهالة وبالاضطراب، قال الحاكم: هذا الحديث أوقفه يحيى بن سعيد وغيره عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك؛ إذ الزيادة من الثقة مقبولة. ذكر ذلك في باب فضائل القرآن من "مستدركه" في ذكر فضائل سور متفرقة، وقال ابن القطان في =
[ ٢ / ٥٤٦ ]
قال مالك: لأنه ليس من عمل الناس (١).
وأجازها ابن حبيب، ثم شبه في الكراهة، فقال: كتجمير الدار، بأن يطاف بالبخور فيها؛ لأنه ليس من عمل السلف.
تنبيه:
نص سند على استحباب التجمير في ثلاثة مواضع:
- عند خروج روحه، وقال مالك: لا أعرفه.
- وعند غسله؛ لئلا تظهر منه رائحة تكره.
- وعند تجريد ثيابه، وهذا متفق عليه.
ويجمر وترًا، كما أن غسله وكفنه وترًا.
[٤] وكره قراءة بعده -أي: الموت- وعلى قبره (٢)؛ لأنه ليس من عمل السلف.
_________________
(١) = "علله": إنه حديث لا يصح؛ لأن أبا عثمان هذا لا (نعرفه) ولا من روى عنه غير سليمان التيمي، وإذا لم يكن هو معروفًا فأبوه أبعد من أن يعرف. وكذا قال المنذري: أبو عثمان وأبوه ليسا بمشهورين. وخالف في كلامه على "تخريج أحاديث المهذب" فقال: إنه حديث حسن رواه (د س ق) ومنهم من قال: عن أبي عثمان عن أبيه. ومنهم من قال: عن (أبي) عثمان عن معقل، من غير ذكر أبيه. قلت: ومنهم من قال: عن رجل عن معقل، وعن رجل عن أبيه (عن معقل) ذكرهما النسائي في "اليوم والليلة"، والثاني: الطبراني في "أكبر معاجمه" وقال النووي في "الخلاصة" و"شرح المهذب": رواه أبو داود وابن ماجه وفيه مجهولان، ولم يضعفه أبو داود. قلت: أبو عثمان ذكره ابن حبان في "ثقاته"، وعن ابن العربي عن الدارقطني: إنه حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث".
(٢) وهذا دليل على ضعف ما في المسألة من أحاديث.
(٣) وأما حديث ابن عمر موقوفًا عليه أنه أمر بالقراءة على قبره عند موته، فما أظنه يصح، ثم وجدت كلام لأحد علماء العصر -وهو الشيخ المحدِّث ناصر الدين الألباني رحمه اللَّه تعالى- كلامًا مهمًا في المسألة يدل على قوة مذهب مالك وصحة أصوله، فقال في كتابه أحكام الجنائز ص ١٩١، وما بعدها: "وأما قراءة القرآن عند زيارتها، فمما لا أصل له في السنة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم =
[ ٢ / ٥٤٧ ]
[٥] وكره صياح خلفها؛ لما فيه من إظهار الجزع.
[٦] وكره قول استغفروا لها، ولما سمعه سعيد بن جبير قال: لا غفر اللَّه لك.
[٧] وانصراف عنها بلا صلاة عليها؛ لأن انصرافه عنها ربما أدى إلى طعن في الميت، أو بلا إذن من أهلها؛ لأن لهم حقًا في حضوره؛ ليدعوا لميتهم، ويكثر عددهم؛ ولحصول الأجر له؛ لخبر البخاري: "من حضر الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان من
_________________
(١) = مشروعيتها، إذ لو كانت مشروعة، لفعلها رسول اللَّه -ﷺ- وعلمها أصحابه، لا سيما وقد سألته عائشة -﵂- وهي من أحب الناس إليه -ﷺ-: عما تقول إذا زارت القبور؟ فعلمها السلام والدعاء. ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنه -ﷺ- علمهم شيئًا من ذلك لنقل إلينا، فإذ لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع. ومما يقوي عدم المشروعية قوله -ﷺ-: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة" أخرجه مسلم (٢/ ١٨٨) والترمذي (٤/ ٤٢) وصححه، وأحمد (٢/ ٢٨٤، ٣٣٧، ٣٧٨، ٣٨٨) من حديث أبي هريرة. وله شاهد من حديث الصلصال بن الدلهمس، رواه البيهقي في (الشعب) كما في (الجامع الصغير)، فقد أشار -ﷺ- إلى أن القبور ليست موضعًا للقراءة شرعًا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت ونهي عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعًا لصلاة أيضًا، وهو قوله: "صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا". أخرجه مسلم: (٢/ ١٨٧) وغيره عن ابن عمر، وهو عند البخاري بنحوه، وترجم له بقوله: بـ (باب كراهية الصلاة في المقابر) فأشار به إلى أن حديث ابن عمر يفيد كراهة الصلاة في المقابر، فكذلك حديث أبي هريرة يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر، ولا فرق. ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم كراهة للقراءة عند القبور، وهو قول الإمام أحمد فقال أبو داود في مسائله (ص ١٥٨): (سمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا) ".
[ ٢ / ٥٤٨ ]
الآجر، كل قيراط مثل أحد" (١)، انظر كلام الفاكهاني في الكبير.
[محل المنع:]
ومنع الانصراف إلا بإذن أهله محله إن لم يطولوا، فإن طولوا فله الانصراف بلا إذنهم.
[٨] وكره حملها بلا وضوء.
أبو محمد: لأجل الصلاة عليها إذا وصلت لموضع الصلاة، لا أن حملها يوجب الوضوء، أي: على من يريده.
[٩] وكره إدخاله -أي: الميت- بمسجد، ولا يحرم؛ للخلاف في طهارته (٢).
[١٠] وكره الصلاة عليه فيه، ظاهره: ولو على القول بطهارته؛ مخافة خروج شيء منه ينجس المسجد، بل ظاهره: كراهته فيه، ولو كان الميت
_________________
(١) رواه أحمد (٢/ ٤٠١، رقم ٩١٩٧)، ومسلم (٢/ ٦٥٤، رقم ٩٤٦)، والترمذي (٣/ ٣٥٨، رقم ١٠٤٠) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٤/ ٧٦، رقم ١٩٩٤)، وابن ماجه (١/ ٤٩١، رقم ١٥٣٩).
(٢) قال االحطاب: (٣/ ٥٣، وما بعدها): "ص: "وإدخاله بمسجد". ش: تصوره واضح قال البرزلي: قال ابن الحاج: روى أشهب أكره الدفن في المسجد فيحمل ذلك على أنه إذا دفن في المسجد ربما اتخذ مسجدًا فيؤدي إلى أن يعبد ذلك القبر. قلت: ويحتمل أن يكون لأن ميتة الآدمي قيل: إنها نجسة وهو ظاهر المدونة في الرضاع وقيل: طاهرة مطلقًا، وقيل: الفرق بين الكافر والمسلم بسبب ذلك اختلف في الصلاة عليه في المسجد، وظاهر المدونة الكراهة وسبب الاختلاف حديث سهل ابن بيضاء هل المسجد فيه ظرف للمصلي أو للجنازة فيكون كراهة الدفن لأجل كراهة دخوله المسجد وهذا على القول في صرف الأحباس بعضها في بعض، وبه عمل الأندلسيين خلافًا للقرويين فعلى قولهم: لا يجوز الدفن فيه بوجه وهذا في المساجد التي بنيت للصلاة فيها. وأما لو بنيت لوضع الموتى فيها صح إدخالها والدفن فيها إن اضطر إلى ذلك، وأما المساجد التي بنيت بالمقابر فقال ابن محرز: اختلف أشياخنا في الصلاة على الجنائز فيها فمنعه أبو عمران وجوزه ابن الكاتب. انتهى".
[ ٢ / ٥٤٩ ]
خارج المسجد، وهو ظاهر الجلاب والمدونة، ويحتمل أن يقيد كلامه بما إذا لم يضق خارجه، وكلام الجلاب بما إذا ضاق، لكن قال ابن ناجي: لا مفهوم لقوله: إذا ضاق خارج المسجد بأهله.
قال: وظاهر المدونة يتناول المساجد التي بالمقابر مبنية، وهو كذلك عند أبي عمران، خلافًا لابن الكاتب.
[١١] وكره تكرارها، ظاهره: كان المصلى أولًا واحد أو جماعة، ولأبي عمران للجماعة إعادتها في الصورة الأولى.
تنبيه:
ما ذكره هنا في غير صلاة النساء، كما سيأتي، ولعل أبا عمران أخذه من هناك.
[١٢] وكره تغسيل جنب -أي: كونه غاسلًا- كسقط، تشبيه في الكراهة، والإضافة في (تغسيل جنب) للفاعل، وفي (سقط) للمفعول.
[١٣] وكذلك تحنيطه وتسميته ودفنه بدار وصلاة عليهم؛ خوف بيعها، فيدخل فيه بيع الجنس، كذا علل، وليس دفنه بها عيبًا يوجب للمشتري ردها على المنصوص، كذا حكى الشارح في الكبير.
وقيل: عيب.
ومثله في التوضيح، ونسب في الأوسط كونه عيبًا على المنصوص لابن بشير، ونظر به في كلام المصنف، وهو سبق قلم، بخلاف دفن الكبير فإنه عيب.
لا تغسيل حائض، فلا يكره؛ إذ لا قدرة لها على رفع مانعها بخلاف الجنب.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
[١٤] وتكره صلاة فاضل كعالم أو صالح على بدعي، كـ: حروري وقدري ورافضي (١)، أو على مظهر كبيرة، كـ: شارب وزان؛ ليرتدع أمثالهم ما لم يخف صنيعهم.
[١٥] وتكره صلاة الإمام على من حده القتل، وقتل بحد كزان محصن وتارك صلاة، أو قتل في قود، كالمقتول قصاصًا، وعلل بأنه منتقم فلا يكون شافعًا.
وفهم منه أن من حده غير القتل كبكر زان، وقاذف، لا تكره صلاته عليه.
ثم بالغ على كراهة صلاة الإمام بقوله: وإن تولاه -أي: القتل- الناس دونه -أي: الإمام- وإن مات من حده القتل قبله -أي: القتل- فتردد للمتأخرين في كراهة صلاة الإمام عليه، وعدمها اللخمي، أي: اجتناب الإمام وأهل الفضل والخير الصلاة عليه.
وقال أبو عمران: يصلي عليه الإمام.
[١٦] وكره تكفين بحرير لرجل أو امرأة؛ لسقوط التكليف في الرجل بالموت، فانحط عن رتبة المنع، وفيه بحث؛ لأن الحرمة إنما هي متعلقة بوليه الفاعل لذلك، ولم يبح للمرأة للفخر، وهو غير مناسب في هذا الحال.
_________________
(١) هذا خلاف ظاهر مذهب المدونة في الحكم عليهم بالكفر، ففيها (١/ ٢٥٨): "قلت: أرأيت قتلى الخوارج أيصلى عليهم أم لا؟ فقال، قال مالك في القدرية والإباضية: لا يصلى على موتاهم ولا يتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم، فإذا قتلوا فذلك أحرى عندي أن لا يصلى عليهم". وما يزيد ذلك جلاء أن مذهبها جواز الصلاة خلف ولاة الظلم، وعدمه خلف ولاة أهل الأهواء، ففيها: (١/ ١٧٦): "قلت: أفكان مالك يقول تجزئنا الصلاة خلف هؤلاء الولاة والجمعة خلفهم؟ قال: نعم. قلت: فإن كانوا قومًا خوارج غلبوا أكان مالك يأمر بالصلاة خلفهم والجمعة خلفهم؟ قال: كان مالك يقول: إذا علمت أن الإمام من أهل الأهواء فلا تصل خلفه ولا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء. قلت: أفسألته عن الحرورية؟ قال: ما اختلف يومئذ عندي أن الحرورية وغيرهم سواء".
[ ٢ / ٥٥١ ]
وما ذكره المؤلف من الكراهة مثله في المدونة، فأبقاها جماعة على ظاهرها، وحملها اللخمي وابن شاس وأبو الحسن الصغير على المنع، كظاهر الجلاب.
ونجس عطف على (حرير)؛ فيكره، وظاهر الجلاب المنع، وكأخضر وأسود ومعصفر، وأتى بكاف التشبيه ليعم ما عدا الأبيض، ويستثنى من العموم ما تقدم النص على جوازه، وهو المزعفر والمورس، وهذا إن أمكن غيره، راجع لدخول الكاف وما بعده، فإن لم يمكن غيره فلا كراهة.
[١٧] وكره زيادة رجل على خمسة في عدد أكفانه؛ لأنه غلو، ومثله لسند.
قال: وأكثره للمرأة سبع. ولم يذكر كراهة ما زاد عليها.
[١٨] وكره اجتماع نساء لبكاء وإن بكين سرًا؛ لئلا يتطرقن لرفع الصوت والنياحة.
[١٩] وكره تكبير نعش وفرشه بحرير، نص عليه ابن حبيب، قال: ولا يكره ذلك للمرأة.
قال الشارح: ظاهره التفرقة، وظاهر كلام المصنف الإطلاق.
[٢٠] وكره إتباعه بنار؛ للتفاؤل؛ ولأنه من فعل النصارى.
أبو الحسن: فإن كان فيه طيب فكراهة ثانية للسرف.
[٢١] وكره نداء به بمسجد أو بابه؛ ألا إن فلانًا قد مات، لا إعلام به بكحلق بصوت خفي، فلا يكره.
وحلق: بكسر أوله وفتح ثانيه جمع حلقة بفتح أوله وسكون ثانيه.
وقيل: المفرد والجمع بفتحتين.
[٢٢] ويكره قيام له عند إقباله أو المرور به على المشهور.
[٢٣] وكره تطيين قبره بأن يلبس بالطين أو تبييضه وبناء عليه بالجص؛ للنهي عن ذلك، ففي المدونة: يكره تجصيص القبور والبناء عليها، أو
[ ٢ / ٥٥٢ ]
تحويز يبني حوله حيطان تحدق به.
عبد الحق: وهذا إذا كان في وقف للتضييق على الناس، وأما في ملك الورثة أو موضع مباح فجائز.
وفي التنبيهات: اختلف في بناءًا لبيوت عليها إذا كانت في أرض غير محبسة، وفي المواضع المباحة، وفي ملاك الإنسان: فأباحه ابن القصار.
وقال غيره: ظاهر المدونة خلافه.
وأما الموقوفة كالقرافة بمصر المحبسة لدفن أموات المسلمين، فقال الفاكهاني والمصنف: يجب هدمه ويصير طوله عرضًا وسماؤه أرضًا. وأطال الفاكهاني، وانظره.
وإن بوهي به -أي: البناء- حرم لذلك، والمباهاة هي المفاخرة، وجاز البناء للتمييز، وظاهر المدونة: الكراهة، وعليها حملها اللخمي، واعترضه ابن بشير، وحملها على إذا لم يقصد التمييز، وإن قصد جاز، وعليه درج المصنف.
تنبيه:
تلخص من كلامه أن البناء على القبر ثلاثة أحوال (١).
_________________
(١) بل الأحوال خمسة، فالبناء على القبر إما أن يكون على القبر نفسه، وإما أن يكون حوله، والأول حرام، والثاني ينظر فيه باعتبارين: الأول: باعتبار سبب البناء، فإن كان للتمييز فالحكم ما قد عرفت، وإن كان مباهاة حرم. والآخر: باعتبار الأرض، أهي موقوفة أم ملك؟ فالأول مكروه، والآخر جائز. قال ابن رشد في البيان: (٢/ ٢٥٤): "وسئل ابن القاسم عن قول عمر عند موته: ولا تجعلوا علي حجرًا؟ قال: ما أظن معناه إلا من فوق على وجه ما يبني على القبر بالحجارة. وقد سألت مالكًا عن القبر يجعل عليه الحجارة يرصص بها عليه بالطين؟ وكره ذلك، وقال: لا خير فيه؟ وقال: لا يجبر ولا يبني عليه بطوب ولا بحجارة. قال محمد بن رشد: البناء على القبر على وجهين: أحدهما: البناء على نفس القبر. =
[ ٢ / ٥٥٣ ]
ثم شبه في الجواز، فقال: كحجر يجعل على القبر للتمييز أو خشبة تجعل للتمييز أيضًا بلا نقش، ككتب اسمه أو صفته أو أخلاقه أو تاريخ موته.
[أحكام شهيد المعركة:]
ولا يغسل شهيد معترك -أي: حاضره- اتفاقًا، ولا يصلى عليه على المعروف، وهو من مات بسبب القتال مع الكفار حالة القتل.
سند: وسواء قتله المشركون، أو حمل عليهم فتردى، أو سقط من شاهق، أو من على فرسه، أو رجع إليه سهمه أو سيفه أو رمحه، أو وجد في المعركة ميتًا ليس فيه أثر قتل؛ إذ لعله رُفس، أو سقط عن دابته، وسواء قتل بسيف أو حجر أو عصًا أو خنق.
وظاهره: ولو قتله مسلم يظنه كافرًا، خرج بقوله: (معترك) النائم، وهو قول ابن القاسم، خلافًا لابن وهب وأصبغ، وهو الأصح عند ابن الحاجب.
وظاهره: أنه لا فرق بين الصغير والكبير والمرأة والعبد، قاتل أو لم يقاتل.
وظاهره: أنه لا فرق بين غزو المسلمين الكفار أو عكسه، وهو قول أشهب، وخصه ابن القاسم بالأول.
وظاهره: ولو كان عاصيًا كواحد فر من اثنين، وتوقف فيه أبو الحسن، واستظهر أنه شهيد.
قال: ثم وقفت على نص أنه يغسل ويصلى عليه؛ لأنه عاص.
_________________
(١) = والثاني: البناء حواليه؛ فأما البناء على نفس القبر، فمكروه بكل حال؛ وأما البناء حواليه، فيكره ذلك في المقبرة من ناحية التضييق فيها على الناس، ولا بأس به في الأملاك، وباللَّه التوفيق".
[ ٢ / ٥٥٤ ]
فقط مخرج لشهيد غير المعترك، والشهداء السبعة وغيرهم مما زيد عليهم، انظر الكبير.
ثم بالغ بقوله: ولو ببلد الإسلام على المشهور، وقول ابن القاسم: وسواء قاتل قتيل المعركة أو لم يقاتل؛ لصدق الاسم عليه، وفي المبالغة إشارة إلى إخراج قتيل البغاة من هذا.
ولا يغسل شهيد المعترك وإن أجنب، وهو الصحيح، وبه الفتوى؛ ولذا قال: على الأحسن، وهو قول أشهب.
وظاهر كلامه سند: أن الحائض كذلك؛ لخبر: "زملوهم بكلومهم" (١) الحديث، ويزال ما عليه من نجاسة، كروث ونحوه، بخلاف دمه، وهل عدم غسله والصلاة عليه لأنه مغفور له أو لكماله؟ قولان، واعترض بأن الأنبياء أكمل، وقد غسلوا، وصُلي عليهم، وأجيب بأن المزية لا تقتضي الأفضلية.
لا إن رفع حيًا من المعركة، ثم مات؛ فإنه يغسل ويصلى عليه، وإن أنفذت مقاتله، كأن قطع نخاعه مثلًا على المشهور، إلا المغمور غمرة الموت، ولم يأكل ولم يشرب، فلا يغسل ولا يصلى عليه، لأنه في معنى الميت في المعركة.
ودفن الشهيد بثيابه إن سترته؛ للخبر السابق، وظاهره: أنه لا يزاد عليها إن أراد وليه ذلك، وهو قول مالك.
وقيل: لا بأس بالزيادة.
وإلا بأن لم تستره زيد عليها ما يستره.
اللخمي: ولا خلاف أنه إذا وجد عريانًا يوارى بثوب، ودفن بما في حكم الثياب مما هو عليه، فيدفن بخف وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها، وكذا كل ما هو من تعلقات الجهاد.
_________________
(١) أخرجه النسائي (٦/ ٢٩، رقم ٣١٤٨)، بلفظ: "زملوهم بدمائهم".
[ ٢ / ٥٥٥ ]
قال بعض مشايخي: الباء في بخف مع مدخولها بدل من ثيابه: بدل البعض من الكل، وما بينهما اعتراض.
وخاتم قل فصه، أي: ثمن فصه، وأما فص نفيس الثمن فينزع، قاله ابن القاسم، ووقع في نسخة البساطي (فضة) بالضاد المعجمة، فقال: أي: ويدفن معه وهو مقيد بقلة الثمن أيضًا، ومفهومه: أن خاتم الذهب لا يدفن معه ولا غيره. انتهى.
[ما لا يدفن معه:]
ثم عطف على (خف) ما لا يدفن معه من آلة الحرب قوله: لا درع ولا سلاح، كـ: سيف ورمح وبيضة، ونحوه.
[حكم الأشلاء:]
ثم عطف على (شهيد) قوله: ولا دون الجل من ميت غيره، ولو رأسا أو نصفا، فلا يغسل ولا يصلى عليه على المشهور؛ لاحتمال أن يكون غسل كله وصلي عليه، أو لاحتمال حياة صاحبه فيصلى على حي، وكذا قال ابن الماجشون: يصلى على الرأس.
ومفهوم كلام المصنف الصلاة على الجل، وشهر في المعتمد الصلاة على النصف، ولم يعتمده المصنف.
[المحكوم بكفره:]
ولا محكوم بكفره لا يغسل ولا يصلى عليه، وإن كان صغيرًا مميزًا ارتد على المشهور، ولم يبين عين الحكم، وصرح ابن عرفة بالمنع في المسألتين، وأشار بالمبالغة لبيان الخلاف، وكثيرًا ما يفعل ذلك، وإن قال بعض شيوخ شيوخنا: قاعدة المصنف أن يشير للخلاف بـ (لو).
أو نوى به -أي: المميز- سائبه الإسلام، ومات، فلا يغسل ولا يصلى عليه؛ إذ لا يكون مسلمًا بنية سائبه، إلا أن يسلم، أي: يجيب سائبه للإسلام.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
وظاهر هذا: أنه لا يجبر على الإسلام.
ابن ناجي: وهو كذلك عند ابن القاسم.
وسيأتي في باب الردة أن من لم يميز يحكم بإسلامه تبعًا لإسلام سائبه إن لم يكن معه أبوه.
ثم شبه في الحكم فقال: كان أسلم ونفر من أبويه ومات، فإنه يغسل ويصلى عليه على المشهور، وعبر عنه بعضهم بالأصح.
[اختلاط المسلمين بالكفار:]
وإن مات مسلمون وكفار بمكان واختلطوا كسلوا وكفنوا كلهم وصُلي على جميعهم، وميز المسلم بالنية في الدعاء في الصلاة وذلك غاية ما يمكن، ولعله من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والنفقة على المسلمين، قاله في الطراز.
وسواء كان المسلمون أقل أو أكثر أو استووا.
[السقط:]
ولا يغسل سقط لم يستهل -أي: يصح عند ولادته- وهو مثلث الأول، ثم بالغ على من لم يستهل بقوله: وإن تحرك أو عطس أو بال أو رضع، قاله مالك.
وقيد الرضاع باليسير، وأما الكثير فدليل على حياته اتفاقًا، وأعاد مسألته هنا غير مبنية الحكم؛ ليبين بقية أحكامه، وهي قوله: إلا أن تتحقق الحياة له بطول مدة لا يبقى لها إلا حي، حكاه اللخمي عن القاضي.
وحيث لم يصل عليه غسل دمط ولف بخرقة، وروي، قاله ابن حبيب، ولا يغسل الغسل الشرعي كالميت.
[الصلاة على القبر:]
ولا يصلى على قبر صُلي على صاحبه، ولم يبين عين الحكم، ابن عرفة: وفي منعها على قبر من صلى عليه قولًا المشهور واللخمي مع نقله،
[ ٢ / ٥٥٧ ]
إلا أن يدفن بغيرها، فيصلى على قبره عند ابن القاسم وابن وهب، وظاهره: ولو طال.
وقال ابن عرفة: شرطه ما لم يطل حتى يذهب الميت بفناء، أو غيره.
[الصلاة على الغائب:]
ولا يصلى على غائب على المشهور، ولم يذكر عين الحكم، وصلاته -ﷺ- على النجاشي من خصوصياته.
ولا تكرر تقدم حكمه في المكروهات في قوله: (وتكرارها) أو ما هنا محمول على من لم يقبر، وهناك على من قبر، قاله الشارح في الصغير.
وقول البساطي: (كلامه يقتضي عدم جواز التكرار، فيكون مخالفًا) فيه نظر.
[الأولى بالصلاة:]
والأولى بالصلاة إمام على الميت وصي بذلك رجي خيره؛ لأنه أقرب لإجابة دعائه من غيره.
مالك: إلا أن يعلم أن ذلك من الميت لإغاظة وليه ذي الدين والفضل لعداوة، فيقدم الولي حينئذ. وربما أشعر بهذا القيد قوله: (رجي خيره).
ثم الخليفة أولى من الولي؛ لخبر: "لا يؤمن الرجل في سلطانه" (١)، لا فروعه -أي: نائبه- كأمير وقاض، فلا يقدم على الولي، إلا أن يكون له النيابة مع الخطبة، فيقدم عند ابن القاسم، ولا يقدم مع انفراده بأحدهما، ثم بعد فرعه بشرطه يقدم أقرب العصبة من الميت.
وظاهره: يقدم العاصب في الرقيق على السيد، وظاهره قول ابن الحاجب: (ترتيب الولاية كالنكاح) أن السيد مقدم.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
تذنيب:
نظم بعضهم المسائل التي يقدم فيها الأخ على الجد هنا وعكسه، فقال (١):
يفوق الأخ الجد في أربع ولاء نكاح صلاة حضانة
وفاق ابنه الجد فيما سوى أخير فللجد فيه مكانه
[مسألة:]
وإن اجتمعت جنائز وأولياؤها واتحدت وتعدد الأولياء قدم أفضل ولي منهم، ولو ولي المرأة، لكن إن كان الأفضل ولي الذكر فبالاتفاق، أو ولي المرأة فعلى الأصح، وإليه أشار بالمبالغة، ولو كان وليها مفضولًا؛ لعدم غيره اتفاقًا.
[مسألة:]
وصلى النساء إذا لم يوجد غيرهن دفعة أفذاذًا، ولا نظر لتفاوت تكبيرهن، ولا سبق بعضهن بعضًا بالتسليم، وإذا فرغن لم يجز لمن فات منهن صلاة، بل تكره، وصحح عند ابن الحاجب وغيره ترتبهن واحدة بعد واحدة، ولا تؤمهن واحدة منهن على المشهور.
تتمة:
لو انفرد رجل وامرأة صلى عليها، ولا تفتفر عندنا لجماعة، خلافًا لأحد قولي الشافعي، لا بد من ثلاثة.
[مسألة:]
والقبر في ملك ربه أو غيره بإذنه أو في الصحراء حبس، أي: له حكم الحبس على من دفن به، لا يمشى عليه ولا ينبش، ولا يتصرف فيه ما دام به الميت.
_________________
(١) غير موزون.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
فرع:
حكى المازري أن القبر لو خيف نبشه لكانت حراسته من بيت المال.
[مسائل جواز النبش:]
واستثنى المؤلف كغيره من منع نبشه مسائل، فقال:
[١] إلا أن يشح رب كفن غصبه، وأبي ربه إلا أخذه، كان الغاصب هو أو غيره.
[٢] أو يشح رب قبر حفر بملك بغير إذنه، ظاهره: وإن طال، وهو كذلك في نقل ابن بشير.
[٣] أو نسي معه مال له بال دفن معه، فينبش القبر في المسائل الثلاث.
[مسألة:]
وإن كان القبر مما-أي: بمكان غير مملوك- يملك فيه الدفن لكل أحد، ولكن حفره شخص ليدفن فيه ميتًا، فتعدى آخر ودفن فيه، بقي المدفون فيه، وعليهم -أي: على أهل المدفون- قيمته -أي: القبر- لا حفر مثل، ولا الأقل منهما، وهو الأحد الأقوال الأربعة في المسألة.
[عمق القبر:]
وأقله -أي: أقل عمقه- ما منع رائحته؛ منعًا للأذى، وحرسه من أكل السبع أو غيره.
تنبيه:
تقدم أنه يستحب عدم عمقه.
[مسألة:]
وبقر -أي: شق جوف الميت- عن مال كثر نقدًا أو غيره، كجوهر نفيس له أو لغيره، وأخرج منه، وهذا إن ثبت ابتلاعه له.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
تتمة:
اختلف في حد اليسير، فقيل: دون ما فيه الزكاة.
وقيل: ربع دينار.
ولو ثبت بشاهد وبمين على الأرجح، كما صوبه ابن يونس، وأشار بـ (لو) للخلاف الذي أجراه أبو عمران في القصاص في الجرح بالشاهد واليمين، لا عن جنين، لا يبقر بطن أمه لأجل إخراجه عند ابن القاسم على ظاهر قول المدونة، ولا يبقر عن جنين الميتة إذا كان يضطرب في بطنها، ولما قوى عنده هذا الظاهر قدمه على التأويل الآخر، وهو قوله: وتؤولت أيضًا على البقر إن رجي خلاصه، وكملت حياته، قاله سحنون.
تتمة:
البقر من خاصرتها اليسرى، لا أنه أقرب لجهة الجنين، ومفهوم الشرط: منع البقر إن لم يرج.
[مسألة:]
وإن قدر على إخراجه من محله فعل بحيلة ورفق.
اللخمي: هو مما لا يستطاع.
والنص المعول عليه عدم جواز أكله لمضطر لم يجد غيره لإحياء نفسه؛ إذ لا تنتهك حرمة آدمي لآخر، وصحح أكله لمضطر. وأشار بالتصحيح لقول ابن عبد السلام: الظاهر أنه يأكله.
وضمير (أكله) الأول من إضافة المصدر لمفعوله، والثاني يحتمل أنه كالأول أو الفاعل.
[مسألة:]
ودفنت مشركة حملت من مسلم بمقبرتهم؛ لعدم حرمة جنينها قبل الولادة.
[ ٢ / ٥٦١ ]
تنبيه:
ما ذكره هو نص مالك، إلا أنه فرضها في الرواية في نصرانية، ورأى المؤلف أنه لا فرق، فعمّ، ويتصور ذلك في غير الكتابية بوطء الشبهة، وصوره بعضهم فيما إذا أسلم عنها وهي حامل. انتهى، وفيه تجوز مع قوله حملت من مسلم.
[مسألة:]
ولا يستقبل بها قبلتنا؛ لأنه كعضو منها، ولا قبلتهم؛ لأنا لا نعظمها.
[الرمي بالبحر:]
ورمي ميت البحر الذي مات بسفينة في البحر يرمى به، أي: البحر مغسلًا محنطًا مكفنًا بعد الصلاة عليه عقب موته، ويرمى مستقبل القبلة على شقه الأيمن.
وهذا إن لم يرج البر قبل تغيره، وهل يثقل بشيء في رجليه أو لا؟ قولان لسحنون وأصبغ.
[عذاب الميت بالبكاء عليه:]
ولا يعذب ميت ببكاء عليه ممنوع شرعًا لم يوص به، وإلا عذب، كقول طرفة (١):
_________________
(١) هو: طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد، البكري الوائلي، أبو عمرو، (نحو ٨٦ - ٦٠ ق. هـ = نحو ٥٣٨ - ٥٦٤ م): شاعر، جاهلي، من الطبقة الأولى. ولد في بادية البحرين، وتنقل في بقاع نجد. واتصل بالملك عمرو بن هند فجعله في ندمائه. ثم أرسله بكتاب إلى المكعبر (عامله على البحرين وعمان) يأمره فيه بقتله، لأبيات بلغ الملك أن طرفة هجاه بها، فقتله المكعبر، شابًا، في (هجر). قيل: ابن عشرين عامًا. وقيل: ابن ست وعشرين. أشهر شعره معلقته، ومطلعها: (لخولة أطلال ببرقة ثهمد) وقد شرحها كثيرون من العلماء. وجمع المحفوظ من شعره في (ديوان - ط) صغير، ترجم إلى الفرنسية. وكان هجاءً، غير فاحش القول. تفيض الحكمة على لسانه في أكثر شعره. ينظر: الأعلام (٣/ ٢٢٥)
[ ٢ / ٥٦٢ ]
فإن مُتُ فانعيني بما أنا أهله وشقّي عليَّ الجيبَ يابنةَ معْبد
وما ورد من النهي فمحمول على هذا.
وقيل: محمول على ما ينوحون عليه من ذكر الفسق والغصب ونحوهما.
[مسألة:]
ولا يترك مسلم لوليه الكافر فيما يتعلق بأمور موته؛ إذ لا يؤمن على ذلك، بل يتولاه وليه المسلم إن كان، أو المسلمون.
[مسألة:]
ولا يغسل مسلم أبًا كافرًا؛ لأن الغسل تطهير، وليس هو من أهله، ولا يصلي عليه؛ لأنها شفاعة، ولا يدخله قبره، إلا أن يخاف عليه أن يضيع فليواره.
تتمة:
لا خصوصية للأب بل من تلزمه نفقته كأمه وولده وعبده، ونص عليه في الواضحة.
ابن القاسم بلغني عن مالك: لو مات كافر بين المسلمين وليس معه كافر، قال: يكفن في شيء ويوارونه، إلا أنه لا يدفن لقبلته.
ربيعة: ولا قبلتنا ويقصد مواراته من غير قصد جهة مخصوصة.
[المفاضلة بين الجنازة والنفل:]
والصلاة على الجنازة أحب إلى مالك من صلاة النفل بشرطين:
الأول: إذا قام بها الغير، وأما إن لم يقم بها أحد تعينت.
الثاني: إن كان الميت كجار للمصلي أو قريب أو صديق أو شيخ، أو كان صالحًا ترجى بركته، فالصلاة حينئذ أفضل من النفل.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
خاتمة:
قال ابن رشد: أفضل الصلاة الفرض، ثم الوتر، ثم الجنازة، ثم السنة، ثم الفضيلة، ثم النافلة. انتهى، وقدم المصنف أن مراتب السنن مختلفة.
* * *
[ ٢ / ٥٦٤ ]