للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء الرابع
دار ابن حزم
[ ٤ / ١ ]
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
[ ٤ / ٢ ]
(٤)
[ ٤ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٤ / ٤ ]
باب وفي بعض النسخ (فصل) ذكر فيه أحكام النكاح
وهو باب مهم، يُحتاج إليه؛ لكثرة فروعه.
[النكاح لغة:]
وهو لغة: التداخل، كـ: نكح البذر الأرض، والضم كتناكحت الأشجار، ويطلق على الوطء؛ لما فيه من الضم، وسمي به العقد لأنه سببه، وهل هو حقيقة في العقد مجاز في الوطء، أو العكس، أو حقيقة مشتركة فيهما؟ أقوال، أصحها عند عياض الأول.
[حكمه:]
ولم يعرفه المؤلف، بل ذكر حكمًا من أحكامه، فقال: ندب لمحتاج، أي: تائق للنكاح ذي أهبة له من قدرته على مهر ونفقة وكسوة.
تتمة:
هذا حكمه من حيث الجملة، وقد يجب على من لم ينفك عن الزنا إلا به.
- ويكره في حق من يشتهيه وينقطع به عن عبادته.
[ ٤ / ٥ ]
- ويحرم على من لم يخف العنت ويضر بالمرأة لعجزه عن الوطء أو النفقة، أو يتكسب من موضح لا يحل.
- ويباح لمن لا ينسل، ولا إرب له في النساء.
تاقت نفسه بالمثناة الفوقية توقًا وتوقانًا، أي: اشتاقت.
[صفة المنكوحة:]
نكاح بكر؛ لخبر الصحيحين: "هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك" (١)، ولخبر ابن ماجه: "عليكم بالأبكار؛ فإنهن أعذب أفواهًا، وأنتق أرحامًا، وأرضى باليسير" (٢).
أنتق: بنون فمثناة فوقية فقاف، أي: أقبل للولد.
البساطي: قيد الندب بكون محتاجًا له أهبة، وكونها بكرًا، مما يشكل؛ لأنه في نفسه مندوب غير محتاج في مندوبيته لهذه القيود، إلا أن يريد زيادة مندوبيته، والمرأة في ندبه لها كالرجل، ويوجبه عليها عجزها عن قوتها، أو سترتها إلا به.
فائدة:
سأل قوم من أهل اليمن مالكًا عن نكاح الجن، فقال: لا أرى به بأسًا في الدين، لكن أكره أن توجد امرأة حاملًا، فيقال لها: من زوجك؟ فتقول: من الجن، فيكثر الفساد في الإسلام.
فقوله: (لا بأس) يقتضي جوازه، وتعليله يقتضي منعه، وهو منتف في العكس.
_________________
(١) أخرجه الطيالسي (ص ٢٣٧، رقم ١٧٠٦)، وأحمد (٣/ ٣٠٨، رقم ١٤٣٤٥)، والبخاري (٥/ ٢٠٠٩، رقم ٤٩٤٩)، ومسلم (٢/ ١٠٨٧، رقم ٧١٥)، وأبو داود (٢/ ٢٢٠، رقم ٢٠٤٨)، والنسائي (٦/ ٦١، رقم ٣٢١٩)، وابن ماجه (١/ ٥٩٨، رقم ١٨٦٠). وأخرجه أيضًا: أبو يعلى (٣/ ٤١٣، رقم ١٨٩٨)، وابن حبان (١٤/ ٤٤٧، رقم ٦٥١٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٥٩٨، رقم ١٨٦١) قال البوصيري (٢/ ٩٨): فيه محمد بن طلحة قال فيه أبو حاتم لا يحتج به. والطبراني (١٧/ ١٤٠، رقم ٣٥٠)، والبيهقي (٧/ ٨١، رقم ١٣٢٥١).
[ ٤ / ٦ ]
[مقدمات الخطبة:]
وندب لمريد نكاح امرأة نظر وجهها وكفيها فقط، لا غيرهما، واقتصر عليهما لأن بالوجه يستدل على الجمال، وبالكفين على خصب البدن.
وتخصيصه النظر مشعر بأنه لا يمس.
تتمة:
هذا أحد المواضع التي يجوز فيها النظر للشابة الحرة الأجنبية، ومنها الطبيب، ويدخل فيه الناظر في المرض والفاصد والحاجم، ومنها الشاهد، ويشمل التحمل والأداء في الحقوق، وعلى الولادة والرضاع، ولا يجوز لتعليم علم ولا تعلمه.
[شرط النظر:]
بعلم منها، وكره استغفالها.
[مسألة:]
وحل لهما بعد العقد النظر لسائر الجسد حتى نظر الفرج؛ لخبر معاوية: "احفظ فرجك إلا عن زوجك وما ملكت يمينك" (١).
تنكيت:
قول البساطي: (في كلام المصنف ما يشعر بجواز نظر الدبر، وفيه نظر) انتهى، وفي نظره نظر، وكأنه غفل عن قوله عقبه: وتمتع بغير دبر، فإن النظر من جملة التمتع؛ إذ الممنوع شرعًا إنما هو الوطء كالملك المبيح للاستمتاع، فإنه يبيح النظر لجميع الجسد من الجانبين حتى الفرج.
وقيد المبيح لإخراج المحرم والذكر، وأطلقه للعلم به.
تنبيه:
محل نظر الفرج لغير الزوج والمالك في الشهادة بالزنا على ظاهر المذهب.
_________________
(١) رواه الطبراني (١٩/ ٤١٣، رقم: ١٦٦٦٢).
[ ٤ / ٧ ]
[محل التمتع:]
وتمتع بغير دبر، تعدد معناه، وتحريمه إجماعًا (١)، وحل لهما للزوج
_________________
(١) قال القرطبي في تفسيره: (٣/ ٩٤): "قد ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به، إلا شيئًا جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوي أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك، لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعًا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. وفي إجماعهم أيضًا على أن العقيم التي لا تلد لا ترد. والصحيح في هذه المسألة ما بيناه. وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرؤون من ذلك، لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث، لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل، فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح، وهذا هو الحق. وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم، ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض، فكان أشنع. وأما صمام البول فغير صمام الرحم. وقال ابن العربي في قبسه: قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه: الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين، وأخرج يده عاقدًا بها. وقال: مسلك البول ما تحت الثلاثين، ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة، وقد حرم اللَّه تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة. فأولى أن يحريم الدبر لأجل النجاسة اللازمة. وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسًا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل فقال: كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي! ثم قال: ألستم قومًا عربًا؟ ألم يقل اللَّه تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت! وما استدل به المخالف من أن قوله ﷿: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول اللَّه -ﷺ- اثنا عشر صحابيًا بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه "تحريم المحل المكروه". ولشيخنا أبي العباس أيضًا في ذلك جزء سماه "إظهار إدبار، من أجاز الوطء في الأدبار". قلت: وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه. وقد حذرنا من زلة العالم. وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به =
[ ٤ / ٨ ]
والسيد حتى نظر الفرج، لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، ومعناه عند جمهور الصحابة والتابعين وعند أئمة الفتوى: من أي جهة شئتم: خلف أو قدام، باركة ومستلقية ومضطجعة، وذكر الحرث دليل على أن الإتيان من محله المأذون شرعًا، فعن طاووس: كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن.
وما نسب لمالك من حله فهو منكر، وقيل له: نسبه إليك قوم من مصر. فقال: كذبوا علي ثلاثًا.
قال التفتازاني (١): من الاعتراض الواقع بين كلامين، وهو أكثر من
_________________
(١) = -﵁-. وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي، وقد تقدم. وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك إليه. وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمض بهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكرت له الدبر، فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين! وأسند عن خزيمة بن ثابت: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "أيها الناس إن اللَّه لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن". ومثله عن علي بن طلق. وأسند عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "من أتى امرأة في دبرها لم ينظر اللَّه تعالى إليه يوم القيامة" وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبي -ﷺ- قال: "تلك اللوطية الصغرى" يعني إتيان المرأة في دبرها. وروي عن طاوس أنه قال: كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن. قال ابن المنذر: وإذا ثبت الشيء عن رسول اللَّه -ﷺ- استغني به عما سواه".
(٢) هو: مسعود بن عمر بن عبد اللَّه التفتازاني، سعد الدين، (٧١٢ - ٧٩٣ هـ = ١٣١ - ١٣٩٠ م): من أئمة العربية والبيان والمنطق، ولد بتفتازان (من بلاد خراسان) وأقام بسرخس، وأبعده تيمورلنك إلى سمرقند، فتوفي فيها، ودفن في سرخس. كانت في لسانه لكنة. من كتبه (تهذيب المنطق - ط) و(المطول - ط) في البلاغة، و(المختصر- ط) اختصر به شرح تلخيص المفتاح، و(مقاصد الطالبين - ط) في الكلام، و(شرح مقاصد الطالبين - ط) و(النعم السوابغ - ط) في شرح الكلم النوابغ للزمخشري، و(إرشاد الهادي - خ) نحو، و(شرح العقائد النسفية - ط) و(حاشية على شرح العضد على مختصر ابن الحاجب - ط) في الأصول، و(التلويح إلى كشف غوامض التنقيح - ط) و(شرح التصريف العزي - ط) في الصرف، وهو أول ما صنف من الكتب، وكان عمره ست عشرة سنة، و(شرح الشمسية - ط) منطق، و(حاشية الكشاف - خ) لم تتم، و(شرح الأربعين النووية - ط). ينظر: الأعلام (٧/ ٢١٩).
[ ٤ / ٩ ]
جملة قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، فهذا اعتراض بأكثر من جملة؛ لأنه كلام يشتمل على جملتين:
أولاهما: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.
وثانيهما: (نساؤكم حرث لكم) فالكلامان متصلان.
معنى قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ بيان لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، وهو مكان الحرث، فإن الغرض الأصلي من النكاح طلب النسل، لا قضاء الشهوة، فلا تأتوهن إلا من حيث يأتي منه هذا الغرض.
والنكتة في هذا الاعتراض الترغيب فيما أمروا به، والتنفير عما نهوا عنه.
[حكم الخطبة بخطبة:]
وندب خُطبة بضم الخاء، وهي: حمد اللَّه، وثناء عليه، وصلاة على نبيه ﵊، بخِطبة بكسر الخاء، وهي التماس التزويج والمجادلة عليه صريحًا، مثل أن يقال: فلان يخطب فلانة، أو غير صريح، كـ: يريد الاتصال بكم، أو الدخول في زمرتكم.
[محلها:]
وتستحب الخطبة بالضم عند عقد النكاح، وهي من الأمر القديم، ويجيبه المخطوب إليه بمثل ذلك من حمد وصلاة على نبينا ﵊.
[تقليلها:]
وندب تقليلها، مالك: ما قل منها أفضل مما كثر؛ لما فيه من التشدق المنهي عنه، لا سيما إن انضم لذلك فخر ومدح للزوجة أو آبائها مما ليس فيهم.
[إعلان النكاح:]
وندب إعلانه، وإطعام الطعام عليه؛ لخبر: "اعلنوا النكاح، واضربوا
[ ٤ / ١٠ ]
عليه بالغربال" (١).
[تهنئة العروسين:]
وتهنئته لإدخال السرور على كل منهما.
[الدعاء لهما:]
والدعاء له عقب دخوله، كـ: "بارك اللَّه لك وعليك، وجمع بينكما في خير"، و: "بالرفاء والبنين".
[الإشهاد:]
وندب إشهاد عدلين غير الولي بعقده، أي: عنده، لأن الإشهاد شرط في جواز الدخول، لا في صحة العقد، فإن لم يشهد عند العقد وجب قبل الدخول على الاختيار، وكون الولي غير العدلين لأنه يتهم بالستر على وليته.
[فسخه:]
ولما كان الإشهاد شرطًا فيه، قال: وفسخ إن دخلا بلاه بطلقة بائنة، نص عليه مالك، ولا حد عليهما بثبوت الوطء فيه بإقرار أو بينة، إن فشا واشتهر مع جهل الزوجين، وجوب الإشهاد به، بل ولو علم وجوبه عندهما، خلافًا لابن القاسم في اعتبار جهلهما به في إسقاط، فيحدان عنده مع الفشو.
وفهم من كلام المصنف انتفاء الحد إن فشا وجهلاه، وثبوته إن انتفيا،
_________________
(١) رواه من حديث عائشة: ابن ماجه (١/ ٦١١، رقم ١٨٩٥). قال البوصيري (٢/ ١٠٥): هذا إسناد فيه خالد بن إلياس أبو الهيثم العدوي، وهو ضعيف. وأخرجه أيضًا: ابن عدي (٣/ ٦، ترجمة ٥٧١ خالد بن إلياس بن صخر أبو الهيثم القرشي العدوي)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (٢/ ٦٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٦٥)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٦٢٧، رقم ١٠٣٣) وقال: فيه خالد بن إلياس، قال أحمد بن حنبل: هو متروك الحديث. ومن حديث ابن الزبير أخرجه البزار (٦/ ١٧٠، رقم ٢٢١٤).
[ ٤ / ١١ ]
وهو كذلك اتفاقًا فيهما، واقتصر فيما ذكره على قول غير ابن القاسم؛ لأن الفشو أظهر من شهادة واحدة، وقد أنها معه ترفع الحد.
[خطبة الراكنة:]
وحرم خطبة امرأة راكنة في خطبة سابقة لغير فاسق عدل أو مجهول حال، وخرج غير الراكنة؛ لأن مجرد الخطبة لا يحرم خطبة غيره اتفاقًا. وظاهر كلامه: أنه لا فرق بين تعدد الخاطب واتحاده.
مالك: أكره إذا بعث رجل رجلًا يخطب له أن يخطبها لنفسه، وأراها خيانة، ولم أر أحد أرخص له فيه.
تنبيه:
هذا إن خص نفسه، لا كما فعل عمر -﵁- لما طلبه جرير البجلي ليخطب له امرأة من دوس، ثم طلبه مروان بن عبد الحكم كذلك لنفسه، ثم ابنه عبد اللَّه كذلك، فدخل عليها فأخبرها بهم أولًا فأولًا، ثم خطبها لنفسه، فقالت: أجل يا أمير المؤمنين، فنكحها، فولدت له ولدين.
وخرج خطبة الراكنة للفاسق؛ لقول ابن القاسم: معنى النهي في رجلين صالحين، وأما إن ركنت لفاسق جاز للصالح أن يخطبها؛ لما في الفاسق من ضررها.
وبالغ المصنف بقوله: ولو لم يقدر على مخالفة ظاهر الموطأ: أنه لا يكفي ركونها، بل حتى يقدر الصداق.
وإذا خطب على خطبة غيره بشرطه السابق فسخ النكاح بطلاق، إن لم يبن بها على المشهود.
[خطبة المعتدة ومواعدتها:]
وحرم صريح خطبة معتدة للغير من طلاق أو وفاة، وضده التعريض، وسيذكره، وقيدنا بمعتدة الغير؛ لأن معتدته هو لا تحرم عليه خطبتها.
وحرم مواعدتها في العدة، بأن يعد كل واحد منهما صاحبه بالتزويج،
[ ٤ / ١٢ ]
وهي التي نهى اللَّه تعالى عنها بقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾، وهي مفاعلة، لا تكون إلا بين اثنين.
ثم شبه لإفادة الحكم، فقال: كوليها، وأطلق ليعم المخبر وغيره، ابن حبيب: لا يجوز أن يواعد وليها بغير علمها، وإن كانت تملك أمرها.
ولما لم يدخل الاستبراء في العدة اصطلاحًا، وكان حكمهما واحدًا، قال: وكمستبرأة من زنا، فيحرم صريح خطبتها ومواعدتها أو وليها.
ولم يعطفه بالواو بل ذكره بالكاف ليشمل المستبرأة من غصب، كما نص عليهما ابن محرز.
[ما يؤبد تحريم المعتدة:]
وتأبد تحريمها -أي: المخطوبة في العدة أو المستبرأة بوطء، أي: بسببه في العدة عند ابن القاسم، وهو المشهور، ولها الصداق ولا ميراث.
ولما كان تأييد التحريم لا فرق فيه بين الموطوءة بنكاح أو شبهه كالأنكحة الفاسدة التي تفسخ بعد البناء، قال: بشبهة.
ابن الحاجب: المعتدة من نكاح أو شبهة إذا وطئت أو شبهة حرمت عليه للأبد على المشهور؛ لقضاء عمر من غير مخالف.
ويتأيد التحريم بعقده في العدة، ولو كان الوطء بعدهما، وأشار بـ (لو) لعدم تحريمها، وهي رواية عن مالك.
وظاهر كلام المصنف ولو كانت العدة من طلاق رجعي لصدقه على نكاح في العدة، وهو كذلك عند غير ابن القاسم في المدونة، وعنده لا يحرم كالمتزوج في عصمة؛ لأن أحكام الزوجية باقية بينهما في الميراث وغيره.
وظاهره أيضًا: كانت المستبرأة حاملًا أو لا، وهو كذلك، وكما يتأبد التحريم بالوطء يتأبد بمقدمته، كـ: قبلة أو مباشرة فيها، أي: في العدة؛ إذ مقدماته كهو.
[ ٤ / ١٣ ]
وظاهر الرسالة: عدم الحرمة بمقدمته.
تنبيه:
لو اكتفى بذكر مقدماته عنه لكان أخصر.
أو الوطء بملك في عدة نكاح، بأن طلقت الأمة أو مات عنها زوجها فوطئها سيد أو مشتر فيها بالملك، كعكسه بأن يكون الوطء في نكاح عن ملك، بأن تكون أمة في استبرائها من سيد أو من غصب مثلًا، فيتزوجها ويطؤها في عدتها، كذا قرر الشارح، وعكس الأقفهسي، فقرر الأولى بالثانية، والثانية بالأولى، وكلاهما صحيح.
[ما لا يؤبده:]
لا بعقد مجرد عن وطء في العدة، أو بعدها، فلا تحرم به تأبيدًا، وله تزويجها بعد العدة، أو بزنا في العدة أو بعدها، فلا تحرم به تأبيدًا، وله تزويجها بعد العدة، لا تحرم به على الزاني تأبيدًا؛ لأنه لم يرد بالزنى؛ لأنه تعجيل شيء، بل قدم على محرم.
أو بوطء بملك كمستبرأة عن ملك اتفاقًا؛ لأن المقصود من الملك الاستخدام دون الوطء، فضعف الوطء فيه.
تحصيل:
تلخص من كلامه أربع صور:
- نكاح، وأشار لها بقوله: (وتأبد تحريمها بوطء، وإن بشبهة)، ولو بعدها، وبمقدمته فيها.
- ونكاح عن ملك، وأشار لها بقوله: (أو بملك).
- وملك عن نكاح، وأشار لها بقوله: (كعكسه).
- وبملك عن ملك، وهو قوله: (أو بملك عن ملك).
وهذا على تقرير الأقفهسي، وإن عكست الثانية والثالثة، فهو تقرير الشارح.
[ ٤ / ١٤ ]
أو وطء مبتوتة بنكاح في عدتها منه قبل زوج لم تحرم تأبيدًا عند ابن القاسم وغير واحد من أصحاب مالك؛ لأنه لم يكن ممنوعًا منه لأجل العدة، بل لكونها لم تتزوج بعده.
ومفهومه: لو وطئها في عدة بعد زوج لحرمت أبدًا، كالمحرم بحج أو عمرة يتزوج في الحلال، كذا قرره الأقفهسي، وقرره الشارح وتبعه البساطي على الوطء المحرم كالخامسة، وهو أعم من الأول؛ لدخوله فيه، ولشموله الهارب بامرأة، أو المفسد لها على زوجها حتى يتزوجها؛ ففي تأبيد تحريم كل منهما قولان، والمشهور عدم تأبيده.
[التعريض في خطبة المعتدة:]
ولما قدم أن صريح خطبة المعتدة حرام، بيّن حكم التعريض، فقال: وجاز هنا تعريض ضد التصريح، مأخوذ من عرض الشيء، وهو جانبه، وهو أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على المقصود وغيره، إلا أن إشعاره بالمقصود أتم، ويسمى تلويحًا.
ولما كان للتعريض بالخطبة أمثلة، ذكر المصنف منها: كفيك راغب، وبك معجب ولك محب.
ابن العربي: هو عندي أقوى التعريض، وأقرب للتصريح.
والذي أراه أن اللَّه سائق إليك خيرًا، أو أبشري، وأنت نافعة، ولما كان قريبًا من التصريح تبرأ منه ابن الحاجب بقوله: (قالوا).
وجاز الإهداء للمعتدة؛ لأن الهدية كالتعريض.
قال أبو الحسن: وهي هنا بخلاف إجراء النفقة؛ لأن إجراء النفقة عليها كالمواعدة.
[تفويض العقد:]
وجاز تفويض الولي العقد لفاضل رجي خيره، وكذا الزوج، وكان ذلك يفعل فيما مضى.
[ ٤ / ١٥ ]
[ذكر المساوئ:]
وجاز ذكر المساوئ، بفتح الميم، أي: ما يسوء من الغيبة، وظاهره: في كل من الزوجين، وذكر الشارح في الصغير مساوئ الخاطب، وأما المخطوبة فلا، وهي أحد المواضع التي يجوز فيها الغيبة، وذكر في المدخل خمسة عشر موضوعًا، يجمعها قول القائل:
تظلم واستغث واستفت حذر وعرف بدع فسق المجاهر
[العدة بالتزويج:]
وكره عدة من أحدهما بالتزويج ابتداء دون أن يعده به الآخر، فإن وقع وتزوجها بعد العدة مضى، ولم يفسخ، ولا يقع به تحريم إجماعًا.
[تزوج زانية:]
وكره تزوج امرأة زانية.
مالك: لا أحب أن يتزوج بالمرأة المعلنة بالسوء، ولا أراه حرامًا.
[تزوج المصرح لها:]
أو زواج مصرح لها بالخطبة في العدة، ثم تزويجها بعدها.
[حكم مفارقتهما:]
وندب لمن تزوج زانية أو مصرحًا لها فراقها، وله إمساكها، فإذا تزوج الزانية يجب استبراؤها من الماء الفاسد.
[العرض على المركون إليه:]
وندب عرض متزوج بامرأة راكنة في خطبتها لغير عليه، أي: على المركون إليه، فإن حلله استمر على نكاحها، وإلا استحب له فراقها.
[أركان النكاح:]
ولما توقف حصول حقيقة النكاح الشرعية على أمور، عدها بعضهم أركانًا، وبعضهم شروطًا، أشار لموافقة الأولين بقوله: وركنه:
[ ٤ / ١٦ ]
- ولي.
- وصداق.
- ومحل.
- وصيغة.
وهو محتمل لعدها خمسة، كما في توضيحه؛ لأن المحل يشمل الزوج والزوجة، وهما ركنان، ويحتمل عدها أربعة، فيكون المحل ركنًا واحدًا.
[الركن الأول: الصيغة:]
ولما عدها إجمالًا شرع في عدها تفصيلًا، وبدأ بالأول، وهو الصيغة؛ لقلة الكلام فيه، فقال: وينعقد بأنكحت وزوجت اتفاقًا من جانب الولي، وهاتان الصيغتان ونحوهما وإن كانتا دالتين على الإخبار فالمراد هنا الإنشاء، وهو سبب لوقوع مدلوله، كقول الحاكم: (حكمت) مثلًا.
وينعقد بصداق، أي: مع تسميته بلفظ (وهبت) من الولي، وهو مذهب المدونة، والصدقة كالهبة في اشتراط التسمية.
وإنما قلنا: (من الولي) لأن في هبة المرأة نفسها خلافًا سيأتي في فصل الصداق.
[شرط الصيغة:]
وهل كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة ينعقد به، كـ: بعت وملكت، وإليه ذهب جماعة كابن القصار وعبد الوهاب والباجي وغيرهم، أو لا ينعقد به، بل بما سبق فقط، وإليه ذهب صاحب المقدمات؟ تردد للمتأخرين، ونحوه للأقفهسي.
وفي كلام ابن عرفة ما يدل على أنه للمتقدمين، انظر الشرح الكبير (١).
_________________
(١) فيخالف قوله تردد اصطلاحه.
[ ٤ / ١٧ ]
وظاهر قوله: (كل لفظ) أنه لا ينعقد بالإشارة والكتابة ونحوهما؛ لأنه يفتقر للتصريح ليقع الإشهاد عليه.
ابن عبد السلام: وظاهر قول ابن الحاجب ومن الزوج ما يدل على القبول انعقاده بالإشارة، وهو كذلك. انتهى.
ابن عرفة: أبو عمر: إشارة الأخرس كلفظه. انتهى.
وخرج بقوله: (يقتضي البقاء مدة الحياة) الإجارة والعارية والرهن والوصية، فلا ينعقد بواحدها؛ لاقتضاء الأولين التوقيت، والثالث التوثق دون التملك، وعدم لزوم الرابع.
[ما ينعقد به قبول الزوج:]
ولما كان الزوج لا يشترط في الصيغة منه لفظ معين، قال: وكقبلت بعد قول الولي: (زوجت) مثلًا، وكذا لا يجب تقديم الإيجاب على القبول.
وكذا ينعقد بزوجني فيفعل الولي، بأن يقول: (زوجت) أو (فعلت).
[لزوم العقد:]
وإذا قال: (فعلت) لزم العقد، وإن لم يرض أحدهما على المشهور، بأن قال عقب فعلت أو زوجت: (لا أرضى)، ولا يمين، ونحوه في المدونة.
[الركن الثاني - الولي:]
ولما تكلم على الصيغة، شرع في الكلام على بقية الأركان، وبدأ بالولي.
[ضربا الولي:]
وهو ضربان: مجبر وغيره، وأشار الأول بقوله: وجبر المالك أمة وعبدًا على النكاح بلا إضرار، فلا يزوجها لمضر غير لائق عادة، لا عكسه، فلا يخير الأمة أو العبد السيد على أن يزوجهما، ولا يقضى عليه بذلك؛ إذ لا حق لهما فيه، وإن تضررا به؛ لأن الضرر إنما يجب رفعه إذا
[ ٤ / ١٨ ]
كان فيه حق واجب.
تنبيه:
إنما قدم المالك على الأب في الجبر؛ لأنه أقوى، إذ له جبر الصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب، والمجنونة وغيرها، والذكر والأنثى؛ لأنهما مال، وله إصلاح ماله بأي وجه كان: نكاح أو غيره.
[مالك البعض:]
ولا مالك بعض، أي: لا يجبر لرقيقه المبعض يسيرًا كان البعض أو كثيرًا، سواء كان البعض الآخر له أو لغيره؛ إذ لا تسلط له على الجزء الآخر إلا مع اتفاق ملاك الجميع.
[ولاية المبعض:]
ومالك البعض له الولاية، فلا يزوج غيره، وله الرد إن زوج غيره؛ لأنه لا يلز من نفى الجبر الذي هو أخص نفى الولاية التي هي أعم.
[جبر ذي الشائبة:]
ولما قدم أن المالك يجبر كامل الرق لا المبعض، واللخمي موافق على ذلك، تكلم على حكم ذي الشائبة، ومخالفة اللخمي فيه، فقال: والمختار (١) عند اللخمي أخذًا من خلاف يأتي: ولا جبر في أنثى بشائبة
_________________
(١) قال في المنح (٣/ ٢٧١): " (والمختار) للخمي من نفسه فالمناسب واختار (ولا) يجبر السيد (أنثى بشائبة) من حرية غير التبعيض السابق كأم ولد ويتحتم رد نكاحها بتزويجه لها جبرًا أو تزويجها غيره بغير إذنه على المذهب. وقوله في باب أم الولد وكره له تزويجها وإن برضاها واوه للحال وإن مؤكدة قاله عج. طفي هذا ظاهر قولها لسيدها فسخ نكاحها إن تزوجت بغير إذنه، إذ لو كان له جبرها لتحتم فسخه كنكاح القن، وعلى هذا اقتصر صاحب المعين وصدر به المتيطي ونصه، وحكى عبد الوهاب في إجباره أم ولده روايتين؛ إحداهما: وجوبه ونحوه فيها، والأخرى نفيه ونحوه رواية يحيى عن ابن القاسم والفتيا أنه إن وقع إنكاحه لها من غيره نفذ ولا يفسخ، ونحوه لصاحب المعين. =
[ ٤ / ١٩ ]
من حرية، كـ: أم ولد، ومكاتبة، ومدبرة، ومعتقة لأجل؛ لأن حق السيد إنما هو فيمن لم يصر للحرية، ولا حق له فيما بعد العتق، وليس له بيع منافع لا حق به فيها، وعقد نكاحهن بيع لما يكون من الاستمتاع الآن، وبعد العتق لا حق له فيه، وليس لهن حل ذلك العقد إذا صرن للحرية.
[جبر المكاتب:]
ولا جبر له في مكاتب ذكر، إلا أن يعجز، بخلاف مدبر ذكر، ومعتق لأجل كذلك، فيجبرهما على النكاح، إن لم يمرض السيد بالنسبة للمدبر، ويقرب الأجل بالنسبة للمعتق له؛ إذ ليس له حينئذ انتزاع مالهما؛ لأنهما أشرفا على العتق؛ ففي كلام المؤلف لف ونشر مرتب.
والخلاف الذي وعدناك به ما حكاه ابن عرفة بقول اللخمي في جبر ذي عقد حرية ثالثها الذكور ورابعها من له انتزاع ماله، والصواب الأول في ذكور من ينتزع ماله. انتهى.
أي: لا مطلقًا، وإذا علمت هذا فقول البساطي: (إن اللخمي اختار قولًا غير الأربعة، وهو أنه لا يجبر الأنثى بوجه، وأما الذكر فإن له جبر من
_________________
(١) = ونص ابن عرفة وفي جبرها رجوع مالك إلى سماع ابن القاسم نفيه عن رواية ابن حبيب ثبوته. ابن رشد هو ظاهرها في إرخاء الستور وقول محمد. اهـ. وأشار بهذا لقوله في إرخاء الستور: وأكره أن يزوج الرجل أم ولده، فإن فعل فلا يفسخ إلا أن يكون أمر بين من الضرر فيفسخ فقد بان أن مذهب المدونة جبرها بكراهة، وأن الفتوى عليه، وعليه درج المصنف في بابها فهو على ظاهره فجعل الواو من قوله: وإن برضاها للحال غير صحيح. ونص تبصرة اللخمي اختلف هل للسيد أن يجبر من فيه عقد حرية بتدبير أو كتابة أو عتق لأجل أو استيلاد، فقيل: له إجبارهم، وقيل: ليس له إجبارهم، وقيل: ينظر إلى من ينتزع ماله فله جبره وما لا فلا، وقيل: له إجبار الذكور دون الإناث والصواب منعه من إجبار المكاتبة والمكاتب، بخلاف المدبر والمعتق لأجل إلا أن يمرض السيد أو يقرب الأجل، ويمنع من إجبار الإناث كأم الولد والمدبرة والمعتقة لأجل اهـ. وأجيب بأن تفصيله لما لم يخرج عن الأقوال التي نقلها عبر المصنف عنه بالاسم واللَّه أعلم".
[ ٤ / ٢٠ ]
له انتزاع ماله، ولا يجبر من ليس له انتزاع ماله، وأنت خبير بعد ما تقدم من اصطلاحه أن الواجب هنا التعبير بالفعل) صواب.
[جبر الأب:]
ثم أب تلي رتبته في الجبر رتبة المالك، فولاية الإجبار للمالك أولًا، فإن لم يكن فللأب.
البساطي: وليس مراده أن بعد المالك في الولاية الأب؛ لأنه ليس المذهب.
[جبر المجنونة والعانس:]
وجبر الأب ابنته المجنونة بكرًا أو ثيبًا لم تفق اتفاقًا، وإن كانت تفيق انتظرت إفاقتها للإذن، وظاهر كلام المؤلف: الإطلاق.
وجبر البكر صغيرة أو بالغة، ولو كانت عانسًا، وبه القضاء، وعليه العمل، خلافًا لابن وهب.
ومنشأ الخلاف: هل العلة البكارة، وهي موجودة، أو الجهل بمصالح النساء، وهو مفقود؟
والعانس: من طالت إقامتها ببيت أهلها، وعرفت مصالح نفسها، ولم تتزوج.
وهل سنها ثلاثون، أو ثلاثة وثلاثون، أو خمسة وثلاثون، أو أربعون، أو خمس وأربعون، أو خمسون، أو منها للستين؟ أقوال.
تنبيه:
لا خيار للصغيرة يجبرها الأب ثم تبلغ خلافًا للعراقيين.
[من لا تجبر عليه:]
وحيث كان له الجبر فيزوجها لكل أحد، إلا لكخصي ومجبوب وعنين، وأشار لقول الباجي: هو الأظهر عندي، بقوله: على الأصح؛ لتحقق ضررها به.
[ ٤ / ٢١ ]
وظاهره: ولو كان على وجه النظر، علمت به أو لا، ولا يلزمها تزويجها من مجنون يخاف عليها منه، ولا من أبرص مسلخ، ولا مجذم، ومنقطع منه الكلام، وتغير ريحه ولو بمثلها، وحكى الأقفهسي الاتفاق عليه، بخلاف ضرير وقبيح منظر أدنى منها حالًا، وأقل مالًا.
[جبر الثيب الصغيرة:]
وجبر الثيب بنكاح صحيح إن صغرت عند ابن القاسم، ومفهوم (صغرت) عدم جبرها إن بلغت، ولو بعد الطلاق، وهو كذلك، حكاه اللخمي عن سحنون.
وفي المنتقى عنه: جبرها وإن بلغت.
[جبر الثيب بعارض:]
أو ثيب بعارض غير جماع، كـ: وثبة، أو وقعة، أو عود، اتفاقًا.
[جبر الثيب بحرام:]
أو ثيبت بحرام: غصب أو زنا، وجبرها بثيوبة الزنا هو مذهب المدونة، وفي الجلاب: عدم الجبر.
وهل مطلقًا تكرر منها الزنا أم لا، وإن لم تكرر الزنا، فإن تكرر لم تجبر بخلعها جلباب الحياء عنها، وهو لعبد الوهاب، التزمه بمجلس المناظرة؟ تأويلان.
وهل كلام عبد الوهاب تفسير للمدونة، وهو الأظهر، أو خلاف؟ ابن عبد السلام: وهو الظاهر، خلاف.
[جبر الثيب بنكاح فاسد:]
لا بفاسد وصف لنكاح، دخل فيه الزوج، وأزال بكارتها، ثم زالت عصمته بفسخ أو طلاق أو موت، فلا يجبرها الأب تنزيلًا له منزلة النكاح الصحيح، للحوق الولد فيه، ودرء الحد، وعدتها بموضع سكنها، وعدم جبرها إن لم تكن سفيهة، بل وإن كانت سفيهة على المعروف؛ إذ لا يلزم
[ ٤ / ٢٢ ]
من ولاية المال ولاية النكاح، وبالغ عليها لئلا يتوهم مساواتهما.
[جبر البكر:]
ولا يجبر أب ولا غيره بكرًا رشدت قبل البناء.
المتيطي: وهو المشهور، وعليه العمل.
[جبر غير المفضوضة:]
أو زوجت بكرًا أقامت ببيتها سنة وأنكرت مس الزوج، فلا جبر، صدقها الزوج أو كذبها.
وزاد في المدونة: "وشهد مشاهد النساء"، وأسقطه المصنف.
[جبر الوصي البكر:]
وجبر البكر على النكاح وصي أمره أب به، أعاد الشارح ضمير به على النكاح، وأعاده البساطي على الجبر، أو عين الأب للوصي الزوج كزوجها من فلان.
وإلا بأن لم يعين له الزوج فخلاف، فهو مستثنى من الأخير، وهو معنى قول اللخمي: الإجبار يختص بالأب وبمن يقيمه في حياته أو بعد وفاته إذا عين الأب الزوج الذي يزوج ابنته منه.
واختلف إذا لم يعينه الأب وجعله لاجتهاد من أقامه لذلك، فقيل: للمقام إجبارها، وينكحها ممن يراه حسن نظر لها قبل البلوغ وبعده، وهو المعروف من قول مالك.
وقال عبد الوهاب: ليس له إجبارها.
وذكر الأقفهسي تشهير القولين، ويحتمل أنه مستثنى من الأخير ومما قبله، ويدخل في الوصي صور انظرها وحكمها في الكبير.
[الوصي على الثيب:]
وهو -أي: الوصي- في الثيب الموصى على نكاحها ولي من
[ ٤ / ٢٣ ]
أوليائها، يزوجها برضاها، وشهره ابن راشد.
تنكيت:
قول البساطي: (لم يعلم من كلام المؤلف رتبته) فقد يقال: بل هي مفهومة؛ لتنزيله منزلة من أوصاه، وهو أحد الأقوال في المسألة.
[مسألة:]
وصح الإيجاب من الأب في قوله: (إن مت فقد زوجت ابنتي فلانة)، إذا علقه بمرض مات منه، طال مرضه أم لا.
أصبغ: هو مجمع عليه، وهو من وصايا المسلمين.
[مسألة:]
وهل صحته إن قبل الزوج ذلك بقرب موته -أي: موت الموصي- قاله سحنون، وحمل المدونة عليه، أو صحته مطلقًا: قبل بقرب موته أم لا، ابن بشير: وهو مذهب المدونة؟ تأويلان.
ومفهوم: (بمرض) لو قاله بصحته لم يصح، وهو قول ابن القاسم ومن وافقه، وصوبه ابن رشد.
قال في الشامل: وهو الأصح.
[لا جبر لغير الثلاثة:]
ثم بعد السيد والأب والوصي لا جبر لأحد من الأولياء، فالبالغ -أي: وإذا لم يكن جبر فإنما يزوجهن البالغ- بكرًا كانت أو ثيبًا بإذنها، بحسب رتبته، ولا يتهم على ما يأتي.
[تزويج اليتيمة:]
فلا يزوجون يتيمة غير بالغ على الرواية المشهورة التي رجع إليها مالك، ويعتمدها المصنف، بل مشى على ما اتفق عليه المتأخرون من تزويجها بشروط، فقال: إلا يتيمة خيف فسادها وبلغت عشر سنين، وشوور القاضي على إنكاحها.
[ ٤ / ٢٤ ]
ابن عبد السلام: وعليه العمل ببلادنا اليوم.
ابن عبد السلام: ويكون لها ميل إلى الرجال.
المتيطي: وبه جرى العمل عند الموثقين، وانعقدت به الفتوى.
ولم يذكر المؤلف هذا الشرط، وإلا بأن زوجت مع فقد الشروط الثلاثة أو بعضها صح النكاح، أي: مضى إن دخل بها الزوج، وطال مقامها بعد الدخول بها.
أصبغ متممًا لهذا القول: ما لم يطل، وتلد الأولاد، ولم ير الولد الواحد والستين طولًا.
[أولى أولياء الثيب:]
وقدم على جميع الأولياء في الثيب ابن لها، فإن لم يوجد فابنه، وإن نزل، فإن لم يكن، فأب، فإن عدم، فأخ لها، فإن لم يوجد فابنه، وإن نزل، فإن لم يكن فجد، وهو أبو الأب، وإن علا على المشهور، فإن لم يكن فعم، وهو ابن الجد، فإن لم يكن فابنه، وإن سفل، وقدم الشقيق على الذي للأب على الأصح والمختار عند اللخمي؛ لقوله: وتقديم الشقيق أحسن. وشهره في المعتمد.
فمولى أعلى، وهو المعتق، ثم عصبته، ثم معتقه، ثم هل المولى الأسفل، وهو العتيق، ولي لمعتقته، وبه فسرت، أي: المدونة.
قال ابن عبد السلام: فسر جميع شراح المدونة ما وقع لمالك في نكاحها الأول، والصحيح أن له حقًا في الولاية.
أو لا ولاية له، كما في الجلاب والكافي.
ابن الحاجب: وهو الأصح.
وشهره ابن راشد؛ لأن الولاية هنا إنما تستحق بالتعصيب، وإليه أشار بقوله: وصحح، فإن لم يكن مولى أسفل فكافل، ولي لمكفولته فيزوجها بعد من تقدم من الأولياء.
[ ٤ / ٢٥ ]
[شرط الكفالة:]
وهل ولايته إن كفل عشرًا -أي: سنين- وهو لبعض الموثقين، أو كفلها أربعًا، وهو لأبي محمد صالح، أو كفلها ما يشفق، أي: بما يعد فيه مشفقًا، ولو أقل من أربع، وهو للشيخ أبي الحسن؟ تردد لهؤلاء المتأخرين.
ولما كان ظاهر المدونة مخالفًا لما تقدم قال: وظاهرهما شرط الدناءة في المكفولة، فلو كانت ذات قدر لم يزوجها الكافل، بل وليها أو السلطان، فإن لم يكن كافل فحاكم، وهو آخر الولاية الخاصة، فإن لم يكن حاكم أو كان وتعذر فولاية عامة مسلم، شريفة كانت أو دنيئة.
[حكمه بالعامة:]
وصح النكاح بها -أي: بالولاية العامة- في امرأة دنيئة مع وجود ولي خاص لم يجبر، كـ: أب في ثيب، وعاصب، أما مع مجبر كمالك مطلقًا، أو أب في بكر، أو وصي فيها، لم يصح وليس لهم الإجازة.
تنبيهان:
الأول: فهم من قوله: (صح) أنه لا يقدم على العقد بولاية الإسلام مع وجود الخاصة.
الثاني: قول الأقفهسي: (إن المصنف شهر اختصاص العامة بالدنيئة) غير صواب.
[تزويج الشريفة بالعامة مع وجود الخاص:]
كـ: شريفة، قال الشارح: ذات قدر.
وقال الأقفهسي: ذات حسن وجمال.
زوجها أجنبي مع وجود وليها الخاص غير المجبر، دخل بها الزوج وطال مقامها معه بعد الدخول صح النكاح، وإن قرب زمن الاطلاع عليه من زمن العقد دخل أم لا فللأقرب من الأولياء الرد والإجازة.
[ ٤ / ٢٦ ]
تنكيت:
قول البساطي: (إن لم يدخل مع القرب فسخ) خلاف كلام المصنف، وكما يأتي في المدونة.
[تزويج الحاكم:]
أو الحاكم إن غاب الولي الأقرب، أو لم يكن الرد، وله الإجازة، ونحوه لابن القاسم في المدونة، إن أجازه الولي بالقرب جاز، سواء دخل بها الزوج أم لا، وإن أراد فسخه بحدثان الدخول فذلك له، وأما إن طالت إقامتها معه وولدت الأولاد أمضيته إن كان صوابًا، ولم يفسخ، قاله مالك.
[تحتم الرد:]
وفي تحتمه -أي: الرد- إن طال زمن العقد قبله، أي: البناء، وهو فهم ابن التبان (١) وعدم تحتمه؛ فيخير في رده وإمضائه، وإن طال، حكاه
_________________
(١) هو: عبد اللَّه أبو محمد بن إسحاق المعروف بابن التبان، الفقيه الإمام كان من العلماء الراسخين والفقهاء المبرزين، ضربت إليه أكباد الإبل من الأمصار لعلمه بالذب عن مذهب أهل الحجاز ومصر ومذهب مالك، وكان من أحفظ الناس للقرآن والتفنن في علومه والكلام على أصول التوحيد مع فصاحة اللسان، وكان مستجاب الدعوة رقيق القلب غزير الدمعة وكان من الحفاظ وكان يميل إلى الرقة وحكايات الصالحين عالمًا باللغة والنحو والحساب والنجوم. وذكره القابسي بعد موته فقال: رحمك اللَّه يا أبا محمد فقد كنت تغار على المذهب وتذب عن الشريعة وكان من أشد الناس عداوة لبني عبيد كريم الأخلاق حلو المنظر بعيدًا من الدنيا والتصنع من أرق أهل زمانه طبعًا وأحلاهم إشارة وألطفهم عبارة، سمع منه أبو القاسم المنستيري ومحمد بن إدريس بن الناظور وأبو محمد بن يوسف الحبي وأبو عبد اللَّه الخراط وابن اللبيدي. وتوفي يوم الإثنين لثنتي عشرة خلت من جمادى الأخيرة سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وصلى عليه القاضي محمد بن عبد اللَّه بن هاشم وخرج الناس لجنازته من ثلث الليل حتى ضاقت بهم الشوارع وفاضوا في الصحراء غدوة الثلاثاء مولده سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. ينظر: الديباج المذهب.
[ ٤ / ٢٧ ]
عبد الحق عن بعض شيوخه القرويين تأويلان في فهم ما في المدونة الذي قدمناه.
[النكاح بأبعد مع أقرب:]
وصح النكاح بأبعد مع أقرب، كـ: عم مع أخ، ولصدق الأقرب على المجبر أخرجه بقوله: إن لم يجبر، وهو مذهب المدونة.
ومفهومه: إن أجبر كأب في بكر لم يصح، ويتحتم الفسخ، وهو كذلك.
[حكمه:]
ولما أفاد الصحة في ولاية الأبعد مع الأقرب خشي أن يتوهم منها الجواز، وليس كذلك، فقال: ولم يجز.
عياض: وهو مشهور المذهب.
كأحد المعتقين تشبيه مركب، لأنه تقدم له حكمان: الصحة وعدم الجواز، فيصح أن يزوجها أحدهما مع وجود الآخر، وإن لم يجز ذلك فالحكم غير مقصور على المعتقين، بل كل من أشبهما كذلك، وجعلها الأقفهسي مثالًا لتزويج البعيد مع وجود الغريب، وأن أحد المعتقين زوج مع وجود النسب.
[رضاء البكر:]
ورضاء البكر حيث يفتقر العقد له صمت، فلا يشترط نطقها؛ لما جبلت عليه من الحياء كتفويضها -أي: توكيلها- يكفي فيه سكوتها، كأصل إذنها، وندب إعلامها به، أي: بأن صمتها إذن منها، وظاهر كلام المصنف الاكتفاء بمرة واحدة.
وقال ابن شعبان: ثلاثًا.
ولا يقبل من البكر إذا سكتت حتى عقد نكاحها دعوى جهله، أي: جهل أن الصمت رضي في تأويل الأكثر من الشيوخ، وهو الأصح؛ لشهرته عند كل أحد.
[ ٤ / ٢٨ ]
قال المصنف: ولعل مقابل الأصح مبني على وجوب إعلامها.
وظاهره: سواء علم منها قبله أو لا، خلافًا لعبد الحميد الصائغ، إن علم ذلك منها قبل وإلا فلا.
وذكر في توضيحه نظائر لا يعذر فيها بالجهل، وذكرناها منظومة لبهرام في الكبير فانظرها فيه إن شئت.
[منعها من النطق:]
وإن منعت عند استئذانها بنطق أو غيره مما يدل عليه أو نفرت من ذلك لم تزوج؛ لانتقاء رضاها، وإلا فلا فائدة في استئذانها بنطق أو غيره مما يدل عليه.
[ضحكها وبكاؤها:]
لا إن ضحكت، فتزوج، أو بكت، محمد: هو رضى؛ لاحتمال كونه لفقد أبيها؛ إذ لو كان حيًا لم تحتج لذلك.
[إعراب الثيب:]
والثيب تعرب، أي: تبين وتفصح عما في نفسها من إجابة أو رد بنطقها، ولا يكفي صمتها، وخصص ذكر الإعراب تبركًا بلفظ الحديث: "البكر تستأمر، وإذنها صماتها، والثيب يعرب عنها لسانها" (١).
[البكر الراشدة:]
ولما شابه الثيب في الحكم النطق أبكارًا لا بد من نطقهن، ذكرهن بقوله: كبكر رشدت، ولو ذات أب، أو عضلت من أب أو غيره، ورفعت
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وأصل الحديث أخرجه مالك (٢/ ٥٢٤، رقم ١٠٩٢)، والشافعي (١/ ١٧٢)، وأحمد (١/ ٢٤١، رقم ٢١٦٣)، ومسلم (٢/ ١٠٣٧، رقم ١٤٢١)، والترمذي (٣/ ٤١٦، رقم ١١٠٨) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٦/ ٨٤، رقم ٣٢٦٠)، وابن ماجه (١/ ٦٠١، رقم ١٨٧٠)، وابن حبان (٩/ ٣٩٧، رقم ٤٠٨٧)، والدارمي (٢/ ١٨٦، رقم ٢١٨٨)، والبيهقي (٧/ ١١٥، رقم ١٣٤٣٩).
[ ٤ / ٢٩ ]
أمرها للحاكم فزوجها، ذكرها الغرناطي (١).
أو زوجت بعرض ذكر هذا كثير من الأشياخ؛ لأنها بائعة مشترية، وهو لا يكون بالصمت.
أو وجدت برق، وإن قل جزء رقه، أو زوجت بذي عيب، والباء في (بعرض) للعوض، وفي (برق) للتعدية، فـ (عيب): مضاف إليه، والمقدر أيضًا (في رقه)، وفيه حذف المضاف مع بقاء المضاف إليه مجرورًا، وهو في مثله نادر، وقول الشارح: (حذف الجار والمجرور وما يتعلق به، وهو المضاف، وإبقاء المضاف إليه على ما كان عليه) سهو.
أو يتيمة صغيرة محتاجة، ذكرها الغرناطي، قال الشارح: وهذا يوهم أن ما تقدم خاص بذات الأب، وليس كذلك.
أو أفتيت عليها، فزوجت قبل استئذانها، ثم استؤذنت؛ لأن الولي لما تعدى عليها افتقرت للتصريح بنفي العداء.
وقول البساطي: (إنها أعم من أن تكون بكرًا أو غيرها) فيه نظر؛ لأنهم عدوها من الأبكار اللاتي لا بد من نطقهن.
تنبيه:
قول الأقفهسي: (لم يذكر المؤلف المعنسة، وفيها خلاف) انتهى، وقد يقال: بل ذكرها بمفهوم قوله: (وجبر البكر ولو عانسًا إن غير الأب لا
_________________
(١) هو: (٦٩٣ - ٧٤١ هـ = ١٢٩٤ - ١٣٤٠ م)، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه، ابن جزي الكلبي، أبو القاسم: فقيه من العلماء بالأصول واللغة، من أهل غرناطة. من كتبه "القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية - ط" بتونس، و"تقريب الوصول إلى علم الأصول" و"الفوائد العامة في لحن العامة" و"التسهيل لعلوم التنزيل - ط" تفسير، و"الأنوار السنية في الألفاظ السنية - ط" و"وسيلة المسلم" في تهذيب صحيح مسلم، و"البارع في قراءة نافع" و"فهرست" كبير اشتمل على ذكر كثيرين من علماء المشرق والمغرب، وهو من شيوخ لسان الدين بن الخطيب. قال المقريزي: فقد وهو يحرض الناس يوم معركة طريف. ينظر: الأعلام (٥/ ٣٢٥).
[ ٤ / ٣٠ ]
يجبر، وإذا لم يجبر فلا بد من رضاها نطقًا) فهي ثمانية أبكار، وقد ذكرناها في الكبير نظمًا.
[شروط صحة نكاحها:]
وصح النكاح -أي: مضى- بشروط، أشار أحدهما بقوله: إن قرب رضاهما من زمن العقد العاري عن إذنها، ولم تتقدم على هذا الرضي منع منها، ثم تجهيز.
وأشار لثانيها بقوله: بالبلد الذي عقد الولي فيها، فلو كانا ببلدين لم يصح العقد، ولو قرب ولا ببلد واحد إذا تأخر على المنصوص المشهور، وظاهر كلامه: الصحة، ولو كبر البلد.
وحد عيسى القرب بأن يكون العقد بالمسجد أو السوق ويسار إليها بالخبر من وقته.
وسحنون: باليومين، والخمسة كثير.
وأشار لثالثها بقوله: ولم يقر الولي به، أي: الافتيات حمال العقد، سواء ادعى الإذن أو سكت، فإن أقر بالافتيات حال العقد لم يصح وفسخ اتفاقًا، ولم يفد رضاها، وإن قرب.
وإن أجاز النكاح ولي مجبر كسيد وأب في تزويج ابن وأخ وجد فوض له المجبر أموره ببينة جاز.
وظاهر كلامه: الاقتصار على هذه الثلاثة، كما في المدونة، كما حملها عليه بعضهم لقرب قرابتهم، وحملها بعضهم على المثال، فألحق سائر الأولياء بالثلاثة إذا أقاموا هذا المقام.
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف: ولو قال الأب لم يخطر لي نكاح ابنتي في التفويض.
على أنه في توضيحه هو وابن راشد قيداه بما إذا قال الأب: إنما
[ ٤ / ٣١ ]
أجزت النكاح لابني لأني فوضت إليه جميع أموري والنكاح من جملتها، وإلا فلا يصح، ولو أجازه.
وترك هذا القيد هنا.
[مسألة:]
وهل محل جواز النكاح إذا جازه الأب إن قرب ما بين إجازته وعقد الابن والأخ والجد، وهو لحمديس (١)، أو مطلقًا، وهو لأبي عمران؟ تأويلان على قولها: ومن زوج أخته البكر بغير أمر الأب لم يجز، وإن أجازه الأب، إلا أن يكون الأخ قد فوض له أبوه جميع شأنه، فقام بأمره، فيجوز بإجازة الأب، وكذلك في الجد والأخ يقيمه هذا المقام.
[فسخ تزويج الحاكم:]
وفسخ تزويج حاكم أو غيره من الأولياء كأخ أو جد أو غيره ابنته -أي: ابنة المجبر- بغير إذنه أو تفويضه في غيبة أبيها القريبة من بلد العقد ببلد مسافته كعشر من الأيام اتفاقًا.
ابن القاسم: وإن أجازه الأب، وولدت الأولاد.
وسوغ حذف التاء من العدد عد ذكر المعدود؛ لخبر: "وأتبعه بست من شوال" (٢)، أو لأن المراد ليال.
_________________
(١) هو: حمديس بن إبراهيم بن أبي محرز اللخمي، من أهل قفصة نزل مصر وبها توفي، فقيه ثقة سمع من بن عبدوس ومحمد بن عبد الحكم ويونس الصدفي، وله في الفقه كتاب مشهور في اختصار المدونة، روى عنه مؤمل بن يحيى والناس، توفي سنة تسع وتسعين ومائتين.
(٢) من حديث أبي أيوب أخرجه أحمد (٥/ ٤١٧ رقم ٢٣٥٨٠)، وعبد بن حميد (ص ١٠٤، رقم ٢٢٨)، ومسلم (٢/ ٨٢٢ رقم ١١٦٤)، وأبو داود (٢/ ٣٢٤، رقم ٢٤٣٣)، والترمذي (٣/ ١٣٢، رقم ٧٥٩) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (٢/ ١٦٣، رقم ٢٨٦٢)، وابن ماجه (١/ ٥٤٧، رقم ١٧١٦)، وابن حبان (٨/ ٣٩٦، رقم ٣٦٣٤). حديث ثوبان: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٣٤٩، رقم ٣٧٣٥). حديث أبي هريرة: أخرجه ابن عساكر (٣٦/ ٣٥).
[ ٤ / ٣٢ ]
[تزويجه في سفر أبيها البعيد:]
وزوج الحاكم بكرًا في غيبة أبيها إذا كانت مسافة البلدين بعيدة، قال مالك: كأفريقية.
ابن ناجي عن شيخه: حيث وقعت في المدونة فالمراد بها القيروان، واختلف في ابتدائه:
فقال ابن رشد: يريد من مصر؛ لأن ابن القاسم بها؛ ولذا قال المؤلف: وظهر من مصر، واستبعده ابن عبد السلام؛ لأن المسألة لمالك، وإنما قاله بالمدينة، وعليه الأكثر؛ لأن مالكًا بها.
وظاهره الاكتفاء بمجرد الإقامة، ولا يشترط الاستيطان، وتؤولت عليه المدونة.
وتؤولت أيضًا على أنه لا يزوجها إلا بالاستيطان، وأشار بذلك لقولها: من غاب عن ابنته غيبة انقطاع، كمن خرج إلى المغازي لمثل أفريقية وطنجة والأندلس، وأقام بها، فرفعت أمرها إلى السلطان فلينظر لها، ويزوجها، وأما إن خرج تاجرًا في سفر لغير مقام فلا يزوجها سلطان ولا غيره، وإن أرادته الابنة.
وظاهر قوله: (الحاكم) أن غيره لا يزوج، وهو كذلك عند الأكثر؛ لأنه حكم على غائب.
وظاهره: ولو استمرت عليها النفقة، ولم يخف عليها، وهو كذلك، خلافًا لابن حبيب.
وظاهره: ولو كان كتاب القاضي لا يتعذر وصوله إليه، خلافًا للأبياني.
كغيبة الولي الأقرب، أي: القريب غير المجبر الثلاث من الأيام، وحذف التاء لما تقدم.
وفي سماع أشهب عن مالك: كتب إليه ابن غانم في امرأة طلبت التزويج، ويذكر أن لها عمًا أو أخًا على مسيرة الثلاث والأربع، وأنه في
[ ٤ / ٣٣ ]
شأنه وضيعته، وتسأل أن أزوجها رجلًا كفؤًا، فأجاب: أرى إذا كان أمرها على ما وصفت أن تزوجها.
[فقد الولي:]
ولما قدم ما إذا علم خبر الولي في المسألتين، ذكر ما إذا فقد، أو كان في حكم المفقود كالأسير، فقال: وإن أسر المجبر أو فقد وانقطع خبره فالأبعد منه من الأولياء يزوجها كموته على المشهور.
وإن كانت نفقته جارية عليها، ولم يخف عليها الضيعة.
المتيطي: وبه القضاء.
وأفهم كلامه أن الأب المجنون أو المحبوس ليس كالغائب البعيد، وإن طال أمره؛ لأن برأه وخروجه مرجوان.
تنبيه:
تلخص من كلام أن غيبة أبي البكر ثلاثة أقسام:
- قريبة، وهي قوله: (وفسخ تزويج حاكم. . إلخ).
- وبعيدة، وهي قوله: (وزوج الحاكم).
- ومنزلة منزلة الموت، وهي هذه.
[من تنتقل عنه الولاية:]
ثم شبه لإفادة الحكم في تزويج الأبعد مع وجود الأقرب لوجود المانع بوصف من الأوصاف الآتية، فقال: كذي رق اتصف به، ويصدق على من بعضه كذلك، ولو بشائبة، فتنتقل عنه الولاية لأبعد منه.
وذي صغر وعته، والعته ضعف عقل أو جنون، وأنوثة فلا تلي امرأة عقدًا من جهة الزوجة ويليه الأبعد منها.
تنبيه:
أنتج من هذا الكلام أن من شروط الولي:
[ ٤ / ٣٤ ]
- البلوغ.
- والحرية.
- والعقل.
- والذكورة.
وسيشير لباقيها.
[من لا تنتقل عنه الولاية:]
لا ذي فسق فلا تنتقل عنه الولاية لذلك.
الفاكهاني: المشهور أنه لا يسلبها.
وظاهر كلامهم: سواء كان مستترًا أو منتهكًا.
وقال البساطي: إنما الخلاف في الفاسق المستتر الذي بقي معه من الأنفة، وأما المنتهك الذي لا يبالي بما نسب إليه، ولا بما ينسب على وليته، فإنه مسلوب الولاية.
وإذا لم يسلبها سلب الكمال فقط، ووكلت ممالكة في تزويج أمتها حرًا ذكرًا؛ لأن حقها وإن سقط من توليتها العقد بنفسها لم يسقط من تفويضه لغيرها.
وكذا وصية توكل في تزويج عن إيصائها، وهل تجبر إذا نص لها على الجبر، أو لأبيه.
وكذا معتقة توكل في تزويج مولاتها، قاله ابن بطال، وقبله المتيطي وغيره، ورده ابن عبد السلام، وبحث ابن عرفة في رده كما ذكرناه في الكبير.
ثم بالغ فقال: وإن كان الوكيل في المسائل الثلاث أجنبيًا، وإن حضر أولياؤها.
ثم شبه لإفادة الحكم، فقال: كعبد أُوصيَ على بنات، فإنه يوكل من
[ ٤ / ٣٥ ]
يزوجهن لعدم أهليته؛ ففي المدونة: العبد إذا استخلفه حر على البضع فليوكل غيره على العقد. انتهى.
وولايته هنا نيابة عن غيره، فلا يضره، ومن رقه اللازم السالب لولايته عن ابنته بالنسبة لغيرها.
ومكاتب يوكل أمة له طلب بتزويجها فضلًا من المال؛ لما فيه من المصلحة له، وإن كره سيده ذلك؛ لأنه أحرز نفسه وماله، ولا يجوز على ابتغاء الفضل إذا رده السيد.
[ما يمنع عقد النكاح:]
ومنع عقد النكاح إحرام بحج أو عمرة من أحد الثلاثة: الزوج والزوجة والولي، فلا يصح للزوج أن يقبل، ولا للزوجة أن تأذن، ولا للولي أن يوجب، وعلى هذا جمهور الصحابة وغيرهم، خلافًا لأبي حنيفة.
[لا ولاية لكافر على مسلمة:]
ثم شبه في المنع، فقال: ككفر فإنه يمنع عقد النكاح لمسلمة، وإنما قلنا ذلك لأن المشبه به ولايته ثابتة، وإنما منع المباشرة فقط، وهذا لا ولاية له.
[لا ولاية لمسلم على الكافرة:]
وعكسه لا يكون المسلم وليًا لقريبته الكافرة، إلا لأمة لمسلم ومعتقة كافرة، فهو ولي لها، إذا كانت من غير نساء أهل الجزية، بإسقاط لفظ أهل، ونحوه قول المدونة: ويعقد النصراني نكاح وليته النصرانية لمسلم إن شاء، ولا يعقد وليها المسلم في أهل الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إلا التي ليست من نساء أهل الجزية قد أعتقها مسلم فيجوز.
وقول الأقفهسي: (لأنها معتقة مسلم سقطت عنها الجزية بعتقه لها، واحترز عما لو أعتق كافر أمته وأسلم فإنها لا تسقط عنها الجزية، ولا
[ ٤ / ٣٦ ]
يزوجها وإن أسلم، إلا أن تسلم هي) غير ظاهر؛ لأن المرأة لا جزية عليها حتى تسقط بعتق المسلم لها.
[مسألة:]
وإذا لم يكن للمسلم على وليته الكافرة ولاية زوج وليها الكافر سواء كانت ابنته أو غيرها لمسلم أو كافر، ونص على جواز إنكاحها لمسلم لئلا يتوهم منعه.
فقول البساطي: (زيادة "لمسلم" مضرة؛ إذ يفهم منه أنه لا يزوجها الكافر، وليس كذلك) غير ظاهر؛ لما قلناه.
[مسألة:]
وإن عقد مسلم على قريبته الكافرة لكافر ترك، ولا يعرض له.
ابن القاسم: وقد ظلم المسلم نفسه؛ لما أعان على ذلك.
ومفهوم: (لكافر) أنه لو عقد لمسلم لا يترك بل يفسخ، وهو كذلك، خلافًا لأصبغ.
[عقد السفيه:]
وعقد السفيه ذو الرأي على وليته ابنته أو غيرها بإذن وليه ولا يستقل بذلك عند ابن القاسم في الموازية، لكن ليس فيها عنه ذو الرأي.
زاد الباجي في قوله: إلا الضعيف الرأي.
فزاد المصنف مفهومه.
[مسألة:]
وصح توكيل زوج الجميع، أي: جميع من به مانع في قبول نكاحه، كـ: عبد وامرأة وكافر، لا ولي المرأة لا يصح توكيله لأحد، إلا لمن يكون كهو في صفاته المستكملة لشروط الولاية؛ لأن شرطها في جانب المرأة حق للَّه تعالى.
[ ٤ / ٣٧ ]
[وجوب إجابة الكفء، لا سيما كفؤها:]
وعليه -أي: الولي- الإجابة لكفء دعت إليه بالنفقة لتزويجه، وأما لو دعت لكفء والولي لكفء لكان كفؤها أولى؛ لأنه أرجى لدوام العشرة، فيأمره الحاكم بإجابتها في المسألتين، فإن فعل فواضح، وإن امتنع سأله الحاكم عن وجه امتناعه، فإن رآه صوابًا ردها له صاغرة، ولم يجبره على إنكاحها، وإلا عد عاضلًا.
وظاهره: أن غير الأب يعد عاضلًا برد أول خاطب، وهو كذلك.
[عدم انتقال الولاية لمن يلي الممتنع:]
ثم زوج الحاكم، وظاهر كلامه: أن الولاية لا تنتقل لمن يلي الممتنع.
[الأصل في الأب عدم الإعضال:]
ولا يعضل أب بكرًا برد خاطب متكرر أو خُطّاب؛ لما جبل عليه من الحنان والشفعة، ولجهلها بمصالح نفسها، فربما علم من حالها أو من حال الخاطب ما لا يوافق، فلا يعد عاضلًا حتى يتحقق ضرر، فيزوج الحاكم.
ومفهوم: (بكرًا) أن الأب يعد عاضلًا في الثيب برد أول خاطب، ومفهوم (يتحقق) أنه لو شك لم يتعرض له، فلو قالت البكر: عضلني لغير عذر. وقال: لعذر. فقوله، وعليها إثبات دعواها.
والعضل هو المنع من التزويج.
[توكيلها الولي:]
وإن وكلته -أي: وليها- بأن أذنت له أن يزوجها ممن أحب الولي عين من يزوجها منه عند عقد النكاح، وإلا بأن يزوجها منه ولم يبين فلها الإجازة والرد إن زوجها من نفسه عند مالك وابن القاسم؛ لاتهامه في محاباة نفسه، ولها ذلك أيضًا إن زوجها من غيره؛ لاختلاف أغراض النساء
[ ٤ / ٣٨ ]
في أعيان الرجال، وإن استووا في الكفاءة، ويلزمها ذلك عند ابن القاسم؛ لأن إذنه لها رضى بفعله.
وبالغ بقوله: ولو بعد ما بين العقد والتعيين عند مالك، خلافًا لابن حبيب في قوله: إنما يجوز بالقرب.
لا العكس، وهو أن تأذن له في تزويجها من معين، وزوجها منه، فإنه يلزمها اتفاقًا، ولا يحتاج إلى إذن ثان.
تنكيت:
إطلاق العكس عندهم على المخالفة يرد قول الشارح في الكبير: (في إطلاق العكس عندهم على المخالفة نظر لا يخفى) انتهى.
ويحتمل أن يحمل كلامه على العكس المستوي، وهو أن يوكل الرجل امرأة تزوجه فزوجته من نفسها، وعقد ذلك وليها على أحد القولين، واختار اللخمي عدم لزومه.
[توكيل من له تزوجها:]
ولابن عم ونحوه ممن يجوز كونه زوجًا، كمعتق وحاكم تزويجها من نفسه لنفسه، إن عين لها أنه الزوج، والتعيين إما بالتصريح أو بتزوجتك بكذا وترضى بذلك، وتولي الطرفين إيجابًا وقبولًا.
وإن أقرت بالإذن وأنكرت العقد، فقالت: (لم يقع)؛ لإرادتها الرجوع صدق الوكيل في دعواه وقوعه، إن ادعاه الزوج، ولا يكلف الولي إقامة البينة على ذلك كالبيع؛ فإنه لا يكلف الوكيل فيه على إقامة البينة.
ومفهوم الشرط تصديقها إن لم يدعه الزوج.
[تنازع الأولياء في العقد:]
وإن تنازع الأولياء المتساوون في الدرجة والفضل كأخوة وعمومة مثلًا في العقد أيهم يقدم فيه مع اتفاقهم على الزوج، أو اختلفوا في الزوج، بأن عين كل غير ما عينه الآخر نظر الحاكم فيمن يلي العقد منهم في
[ ٤ / ٣٩ ]
الأول، وفيمن يزوجها منه هو في الثاني.
[إذنها لوليين:]
وإن أذنت امرأة لوليين لها في أن يزوجها كل من رجل، فعقدا كلٌّ على رجل، فللأول -أي: فهي له- دون الثاني؛ لأن الثاني تزوج ذات زوج، وهذا إن لم يتلذذ الثاني منها بشيء من مقدمات الوطء، كما ألحق مالك مقدمات الوطء به في الواضحة.
ابن عرفة: وهو المشهور.
وظاهر المدونة: أنها لا تكون للثانى إلا بالوطء، ولم يذكر المؤلف ظاهرها.
وقيدوا المسألة بعدم علم الثاني بالأول؛ ولذا قال: بلا علم، وأما إن علم فهي الأول، وفسخ نكاح الثاني اتفاقًا.
[تعاقب الإذنين:]
ولما كان مذهب الأكثر أنه لا فرق بين إذنها لولييها معًا أو متعاقبين، قال: ولو تأخر تفويضه -أي: الثاني- عن تفويضها للأول، وأشار بـ (لو) لقول الباجي: إن تعاقبا ثبت الأول، وفسخ الثاني، ولو بني.
[أحقية الثاني:]
وأشار لشرط آخر في أحقية الثاني بقوله: إن لم تكن في عدة وفاة من الأول، كأن مات عنها قبل دخول الثاني، ثم دخل فيها، فيفسخ النكاح، وترث الأول، ولو تقدم العقد على وفاته على الأظهر عند ابن رشد؛ لقوله: الصواب أنها متزوجة في عدة، بمنزلة امرأة المفقود تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة، ويدخل بها الزوج فينكشف أنها تزوجت قبل وفاته في العدة، ولا فرق بين المسألتين.
واحترز بعدة الوفاة عما لو عقد الثاني بعد طلاق الأول قبل بنائه، فإن نكاحه صحيح؛ لأنه في غير عدة.
[ ٤ / ٤٠ ]
[محل فسخ النكاحين:]
وفسخ النكاحان إن عقدا بزمان واحد بلا طلاق، وتعقب المصنف قول ابن الحاجب: (فسخه بطلاق مع الاتحاد)، قائلًا: لم أره، ولم يعتمد نقل ابن عبد السلام له.
وقول البساطي: (لم أقف على هذه المسألة) فيه إيهام عدم نقلها، وفيه نظر؛ لقول اللخمي: أو عقد الوكيلان في مجلس واحد فسخا، ولو بنى أحدهما؛ لعلم كل منهما بعلم الآخر.
أو لبينة تشهد على الثاني أنه عقد بعلمه أنه ثان، فيفسخ بغير طلاق، ووقع في نسخة الأقفهسي: (كبينة)، فقال: تشبيه لإفادة الحكم في الفسخ.
[محل فسخ الثاني ببائن:]
لا إن أقر الثاني بعلمه أنه ثان قبل بنائه، ثم بنى؛ لاحتمال كذبه في دعواه علمه بالأول، فيفسخ بطلاق بائن، كما صححه في المقدمات، ويلزمه الصداق كاملًا.
أو جهل الزمن بحيث لم يعلم السابق من العقدين فيفسخان بطلاق على المشهور.
[جهل الأحق من الزوجين:]
وإن ماتت هذه المرأة وجهل الأحق بها من الزوجين، بأن ادعى كل منهما أنه الأول، قال المصنف: الأحق من يقضي له بها لو علم به، وهو الأول أو الثاني بعد الدخول، وتبعه على ذلك الشارح والأقفهسي.
وقال البساطي: يعني أن العقدين جهل زمنهما بجهل الأحق من الزوجين لها، وذلك قبل الحكم بالفسخ.
وهذه المسألة قررها على غير هذا الوجه بما إذا تأمله متأمل لا يصح أصلًا.
[ ٤ / ٤١ ]
وحيث جهل الأحق من الزوجين ففي ثبوت الإرث مقسوم بينهما، نظرًا؛ لكون أحدهما زوجًا بلا خلاف، وجهل تعيينه لا يقدح في الإرث، وسقوطه؛ لاحتمال وقوع العقد في زمن واحد، فلا يتحقق الزوج؛ فلا إرث مع الشك.
ابن عبد السلام: وعليه أكثر المتأخرين. انتهى بمعناه.
قولان، وعلى ثبوت الإرث فالصداق كامل على كل واحد من الزوجين؛ لدعواه أنه الزوج والآخر ظالم له.
وقيل: كل منهما نصف صداقه؛ إذ لو دفع كل منهما صداقًا لأخذ كل واحد من الورثة ضعف حقه، والأول أقرب؛ لأن الموت كالدخول، ولا شك بعده في الصداقين.
وإلا بأن قلنا بعدم ثبوت الإرث على القول الآخر فزائده لازم لكل زوج ما زاد من الصداق على إرثه؛ لاعترافه بموجبه، ومن لم يزد صداقه على إرثه فلا شيء عليه، قاله ابن محرز.
[موت الرجلين وجهل الأحق:]
وإن مات الرجلان مع جهل الأحق منهما فلا إرث لها منهما، ولا صداق لها عليهما آنفًا، والفرق بين موتها وموتهما أن الزوجية هناك محققة، وكل منهما يدعيها، وهنا لا يمكنها دعوى تحقيقها على كل.
تذنيب:
حكم موت أحدهما كموتمها، ذكره ابن عرفة.
[البينتان تتناقضان:]
وأعدلية إحدى بينتين متناقضتين، كأن شهدت كل واحدة منهما أنه الأول ملغاة؛ لقيام زيادتها مقام شاهد فقط على المشهور، ولا يقضى به في النكاح على المشهور.
[ ٤ / ٤٢ ]
وإذا ألغيت زيادتهما على المشهور بقي التناقض فتتساقطان، وكذلك لو تساوت البينتان من باب أولى.
تنبيه:
لم يقتصر على عدم ترجيح العدالة، بل لا يقضي للأعدل منهما.
ولو صدقتها المرأة سواء ادعت الأرفع من الزوجين أو لا، وللمسألة نظير يفيتها الدخول، ذكرناها في الكبير.
[حكم نكاح السر:]
ثم ذكر حكم نكاح السر ضمن بيانه، فقال: وفسخ نكاح موصى بكتمه، ظاهره: مطلقًا.
وقال الشارحان: قبل العقد أو في حينه، وأما لو أمر الشهود بكتمه بعده فليس بنكاح سر على المنصوص، ويؤمرون بإشهاره.
ثم بالغ بقوله: وإن أوصى فيه بكتم شهود فقط، كثروا أو قلوا؛ لأنه باطل.
أو أوصي بكتمه من امرأة دون أخرى، ظاهره امرأته أو غيرها، وهو ظاهر ما حكاه المؤلف عن الواضحة، وفي كلام ابن عرفة: امرأة له.
أو كان الإيصاء على كتمه بمنزل دون غيره، هذا ظاهر كلامه.
وقال الشارح عن الواضحة: تواصوا أن يكتموه في المنزل الذي نكح فيه ويظهروه في غيره.
أو في أيام معينة؛ لأن الكتم من أوصاف الزنا، ويفهم من جمعه الأيام ما دون الجمع ليس سرا.
وقال اللخمي: هو نكاح سر، ولو يومين.
[محل الفسخ:]
ومحل الفسخ إن لم يدخل وبطل زمانه بعد الدخول عند الأكثر، فإن
[ ٤ / ٤٣ ]
وجدا فلا فسخ؛ لأن الطول مظنة الظهور، وأما إن لم يدخل أو دخل ولم يطل فالمشهور الفسخ، قاله في البيان، ولم يبين المصنف ولا ابن الحاجب مقدار الطول.
[معاقبة المتزوجين سرًا:]
وعوقبا، أي: الزوجان هما والشهود، فالضمير للزوجين، وعطف المصنف على المتصل من غير فصل، ويجوز نصب الشهود، قال ابن مالك:
والنصب مختار لدى ضعف النسق (١)
ظاهره: ولو مع الجهل.
المغربي: وهو ظاهر الكتاب.
ابن ناجى: والصواب حملها على ما رواه ابن وهب من ثبوت العقوبة مع العمد دون الجهل.
[نكاح النهارية:]
ثم ذكر نكاح النهارية، فقال: وفسخ قبل الدخول وجوبًا نكاح عقد على أن لا تأتيه أو أن لا يأتيها إلا نهارًا أو ليلًا، أو هي كذلك عند ابن القاسم وأصبغ.
_________________
(١) هذا عجز بيت، وصدره: والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق قال ابن عقيل في شرحه (٢/ ٢٠٧): "الاسم الواقع بعد هذه الواو إما أن يمكن عطفه على ما قبله أو لا فإن أمكن عطفه فإما أن يكون بضعف أو بلا ضعف، فإن أمكن عطفه بلا ضعف فهو أحق من النصب نحو كنت أنا وزيد كالأخوين فرفع زيد عطفًا على المضمر المتصل أولى من نصبه مفعولًا معه لأن العطف ممكن للفصل والتشريك أولى من عدم التشريك ومثله سار زيد وعمرو فرفع عمرو أولى من نصبه، وإن أمكن العطف بضعف فالنصب على المعية أولى من التشريك لسلامته من الضعف نحو سرت وزيدًا فنصب زيد أولى من رفعه لضعف العطف على المضمر المرفوع المتصل بلا فاصل".
[ ٤ / ٤٤ ]
مالك: لا خير فيه.
وظاهره: الحرمة، ومفهوم كلام المؤلف ثبوته بعد الدخول، وهو كذلك، ويسقط الشرط، ولها صداق المثل.
ابن رشد: وهو الذي يأتي على مذهب المدونة.
والفرق بين هذا ونكاح المتعة -على قول ابن القاسم- دخوله هنا على بقاء نكاحه للموت.
[العقد بخيار:]
ثم عطف على معمول فسخ، فقال: أو عقد بخيار -أي: عليه- لأحدهما -أي: الزوجين- أو خيار غير ولي أو غيره فسخ قبل الدخول، وثبت بعده، وإليه رجع مالك.
وظاهر كلام المصنف: كان الخيار بالمجلس أو بعده بيسير أو كثير، يوم أو يومين فأكثر؛ ففي التهذيب: يفسخ قبل البناء؛ إذ لو ماتا قبل الخيار لم يتوارثا، وإن بنى بها ثبت النكاح، وكان لها المسمى، وإذا انقضت أيام الخيار ولم يختر من له الخيار فلا نكاح بينهما قولًا واحدًا.
[عقد اشتراط الصداق لكذا:]
أو عقد على إن لم يأت الزوج بالصداق الذي وقع به العقد لكذا -أي: لأجل كذا- فلا نكاح بينهما، وجاء به قبل الأجل المشترط فسخ قبل الدخول، وثبت بعده بالمسمى.
تنبيه:
قولنا: (قبل الأجل) مثله في التوضيح عن البيان، وأما إن لم يأت به حتى انقضى الأجل فالفسخ قولًا واحدًا.
[ ٤ / ٤٥ ]
وإذا علمت هذا فقول البساطي عن ابن رشد: (إن الخلاف إنما هو إذا أتى به في الوقت الذي ذكره) غير ظاهر (١).
[الفسخ لنوع الصداق:]
وفسخ أيضًا قبل الدخول ما -أي: نكاح- فسد لصداقه، إما لكونه لا يملك شرعًا كخمر، أو يملك ولكن لا يصح بيعه كآبق، أو يصح ولكن فيه تفريق الصفقة كعبد يساوي ألفين على أن تعطيه ألفًا.
[مناقضة شرط للعقد:]
أو عقد على شرط يناقض مقصود العقد، ومثل له بقوله: كأن لا يقسم لها في المبيت مع غيرها من نسائه.
تنبيه:
قال ابن ناجي هذا نكاح النهارية ذكره في قسمها، وقل من يعرف إنها في المدونة.
وقولنا: (ومثل له) لدفع أنها مكررة في كلام المؤلف.
أو على شرط أن يؤثر عليها كقسمه لها ليلة ولغيرها ليلتين مثلًا، فإن وقع فسخ قبل الدخول، وثبت بعده.
_________________
(١) قال في المنح (٣/ ٣٠٢): " (أو) عقد النكاح بصداق مؤجل كله أو بعضه (على) شرط (إن لم يأت) الزوج (بالصداق) كله أو بعضه الذي عقد النكاح عليه (لكذا)، أي: أجل مسمى (فلا نكاح) بين الزوجين (و) الحال أنه قد (جاء) الزوج (به)، أي: الصداق في أثناء الأجل أو عند انتهائه فلا يصيره مجيئه به صحيحًا، ويفسخ قبل البناء، فإن أتى به بعد الأجل أو لم يأت به أصلًا فيفسخ قبل البناء وبعده، قال في البيان في هذه والتي قبلها وهذا الاختلاف إذا أتى بالصداق إلى الأجل أو اختار الزوج النكاح قبل انقضاء أيام الخيار أو اختارته المرأة إن كان الخيار لها قبل انقضاء أيام الخيار. وأما إن لم يأت الزوج بالصداق إلى الأجل أو لم يختر من له الخيار من الزوجين حتى انقضت أيام الخيار فلا نكاح بينهما اهـ. وهكذا نقله ابن عرفة أفاده طفي والبناني".
[ ٤ / ٤٦ ]
[حكم الشرط المناقض:]
وألغي الشرط.
[حكم الشرط المقتضي للعقد:]
وإن لم يناقض الشرط مقتضى العقد، بل اقتضاه، ولو لم يذكر، كشرط إنفاقه عليها، فوجوده كعدمه.
[حكم الشرط المحايد:]
وقد لا يكون له تعلق بالعقد، ولا ينفيه ولا يقتضيه، كأن لا يتسرى عليها، أو لا يتزوج مثلًا، فهو مكروه؛ لما فيه من التحجير، فلا فسخ به مطلقًا قبل ولا بعد، ويستحب الوفاء بالشرط.
[النكاح لأجل:]
وفسخ مطلقًا قبل الدخول وبعده، ما كان مثل النكاح لأجل، مما يفسد لعقده سوى ما تقدم من القسمين قبله، وهما ما يفسخ إن لم يدخل ويطل، وما يفسخ قبل الدخول؛ لبطلانه اتفاقًا، سواء جهل الأجل، كـ: متعيني بنفسك مدة أو يومًا أو شهرًا، أو كان معينًا كهذا اليوم أو هذا الشهر.
[ما كان كالمتعة:]
ولما كانت العلة في نكاح المتعة التأجيل عطف عليه ما يشاركه في البطلان والفسخ مطلقًا للتأجيل، فقال كما في المدونة: أو قال لامرأة: إن مضى شهر فأنا أتزوجك، ورضيت هي ووليها، فإنه نكاح باطل، لا يقام عليه.
واختلف في فهمها، فالأكثرون أن المنع لتوقيت الإباحة بزمن دون زمن كالمتعة.
وفهمها ابن رشد على أنه ليس هناك عقد مبرم، بل هو عقد فيه خيار.
[ماهية الفسخ:]
وهو -أي: الفسخ- طلاق، أي: بطلاق على المشهور، في كل
[ ٤ / ٤٧ ]
نكاح، إن اختلف فيه بين العلماء صحة وفساد، أو لو كان فاسدًا على المذهب.
[زواج المُحْرِم:]
كمحرم تزوج في إحرامه بحج أو عمرة، تولاه بنفسه أو بوكيله، محرمًا أو حلالًا.
[نكاح الشغار:]
وكنكاح شغار: بضع ببضع، وتبع المصنف ما في المدونة من أنه من المختلف فيه.
[ما يترتب على النكاح الفاسد:]
والتحريم في المصاهرة بالنكاح المختلف فيه حاصل بعقده، فتحرم أم المنكوحة به عليه، وعلى آبائه وأبنائه، ولو كان المذهب فساده مراعاة للخلاف.
وبسبب وطئه كالصحيح، وذكر التحريم بالوطء، وإن استغنى عنه بالتحريم بالعقد ليرتب عليه استحقاق الميراث وعدمه، ولذا قال: وفيه الإرث إن مات أحدهما بعد الوطء قبل فسخه أو بعده، وقبل انقضاء العدة، فإن فسخ قبل الوطء فلا ميراث.
[نكاح المريض:]
ثم استثنى من الإرث فقط ما لو كان بسبب الفسخ، فقال: إلا نكاح المريض، فلا إرث فيه؛ لأنه إنما فسخ لأجل الإرث.
[إنكاح العبد:]
ثم عطف على (كمحرم) قوله: وإنكاح العبد، بأن تولى العقد على امرأة.
[إنكاح المرأة:]
وإنكاح المرأة نفسها أو غيرها من النساء، فيفسخ بطلاق؛ للاختلاف في صحته وفساده.
[ ٤ / ٤٨ ]
[النكاح المجمع على فساده:]
ثم أخرج من قوله: (اختلف)، فقال: لا اتفق على فساده، فلا طلاق، ولا إرث، كـ: خامسة، وأم امرأته، أو عمتها عليها، وحرم وطؤه فقط، لا عقده.
[الفسخ بعد الدخول:]
وما فسخ من النكاح الفاسد بعده، أي: بعد البناء، فالمسمى لها من الصداق لازم للزوج.
وإلا بأن لم يكن فيه شيء مسمى فصداق المثل لازم له.
[الفسخ قبل الدخول:]
وسقط المسمى إن كان أو صداق المثل بالفسخ قبله، أي: قبل الدخول.
[نكاح الدرهمين:]
ثم استثنى من الأنكحة الفاسدة نكاحًا واحدًا فيه المسمى إذا فسخ قبل البناء، وهو ما أشار إليه بقوله: إلا نكاح الدرهمين إن امتنع الزوج من إتمامهما ثلاثة دراهم -كما يأتي- فنصفهما، وكذا ما يساويهما، كما قاله ابن القاسم في المدونة.
واقتصر على الدرهمين هنا تبعًا للمدونة، وإلا فسيذكر في فصل الصداق حكم ما نقص عن ربع دينار أو ثلاثة دراهم الداخل فيه نكاح الدرهمين.
وبهذا يرد قول البساطي: (لا يخفى ما في قوله: "إلا نكاح الدرهمين").
ثم شبه لإفادة الحكمين السابقين، فقال: كطلاقه -أي: النكاح الفاسد المستحق للفسخ- ففيه إن طلق بعد البناء المسمى، إن كان، وإلا فصداق المثل، ولا شيء فيه إن طلق قبله، إلا نكاح الدرهمين.
[ ٤ / ٤٩ ]
[تعويض المدخول بها:]
وتعاض -أي: تعوض- المرأة المتلذذ بها بغير الوطء شيئًا يراه الناس والإمام في مقابلة تلذذه، كذا لابن القاسم في إرخاء ستوردها، وعددها.
[عقد الصغير لنفسه:]
ولولي صغير عقد لنفسه بغير إذن وليه فسخ عقده، سواء قدر على الجماع أم لا، وله إمضاؤه كالبيع الصحيح، وإذا فسخ فلا مهر لها عليه، ولو وطئ، بكرًا كانت أو ثيبًا؛ لأنها سلطته على نفسها هي أو وليها، ولا عدة عليها، وإن وطئ؛ لأن وِطْأَه كالعدم.
تتمة:
قال الشارح: ينبغي أن يقيد ذلك بما إذا وقع قبل الموت، وأما إن مات الصبي قبل الرد، وقد كان وطئ فعدة وفاة.
[تزويجه بشروط:]
وإن زوج الصغير بشروط عقد وليه له عليه لعتق من تيسر ربها عليها، أو طلاق من يتزوجها عليها، أو تزوج هو بنفسه على ذلك، وأجيزت من وليه، وبلغ وكرهت تلك الشروط، فله التطليق إن لم ترض المرأة بإسقاطها، فإن رضيت ولو محجورة لزمه، وله البقاء مع لزوم الشرط؛ فهو مخير مع وجودها عند ابن القاسم، وعند ابن وهب يلزمه مطلقًا، وعند ابن العطار يسقط مطلقًا.
وبهذا التقرير يندفع قول البساطي: (كل زوج له التطليق، فما فائدة هذا)، وكذا قول الشارح: (لو قال: "ثم بلغ" لكان أحسن).
[ما يترتب على تطليقه:]
وفي لزوم نصف الصداق إن طلق وعدم لزومه قولان لابن القاسم،
[ ٤ / ٥٠ ]
عمل بهما، أي: عمل بكل منهما جماعة من الموثقين (١).
[تنازعهما في الشروط:]
ولو قال الزوج: وقع العقد على الشروط وأنا صغير، وقالت الزوجة أو وليها: بل وهو كبير، فقال ابن القاسم: القول لها أن العقد وهو كبير، وعلى الزوج البينة، وإلا حلف الولي.
تذنيب:
محل هذا إن لم يدخل، فإن دخل قبل بلوغه سقطت الشروط، قاله المتيطي وغيره، وإن دخل بعده عالمًا بها لزمته عند ابن القاسم، وإن ادعى عدم العلم فقوله بيمينه.
[زواج العبد بلا إذن:]
وللسيد رد نكاح عبده إن تزوج بغير إذنه، القن أو ذي الشائبة كمكاتب ومدبر ومعتق لأجل أو بعضه؛ لأنه عيب، وله إمضاؤه بالقرب، كما سيأتي، وورثه السيد إن مات كالسيد بطلقة؛ لصحة النكاح، لا فسخًا دون طلاق، خلافًا لأبي الفرج، فقط وهو المشهور، وعليه أكثر الرواة، لا اثنين.
قال ابن بشير: لبقاء التفاته مع الواحدة.
بائنة؛ لإزالتها ضرر السيد، ومحل خيار السيد إن لم يبعه، فإن باعه فلا مقال له.
_________________
(١) قال في المنح (٣/ ٣٤٠): " (و) إذا طلقها ف (في) لزوم (نصف الصداق) وعدمه (قولان عمل) بضم فكسر (بهما)، أي: القولين ظاهره أن القولين مفرعان على الفسخ، وصرح به في التوضيح وهو تابع فيه للمتيطي وابن رشد وابن حارث وابن يونس وابن عات وابن سلمون وغيرهم. وذكر البناني نصوصهم فاعتراض طفي عليه وعلى شراحه ساقط وإن قال في آخر كلامه ولخفاء ما قلناه على الشراح خبطوا هنا خبط عشواء وأجابوا بأجوبة ليس لها جدوى اغترارًا منهم بظاهر المصنف".
[ ٤ / ٥١ ]
إلا أن يرد عليه به، أي: بعيب التزويج، بأن لم يعلمه المشتري قبل الشراء، فللسيد حينئذ رد النكاح كما سبق.
وظاهره: ولو باعه عالمًا بتزويجه، وبه قال بعض الأندلسيين.
وقال بعض الموثقين: لا رد له؛ لدلالته على رضاه.
ومفهوم (به): أنه لو رده بغيره لم يكن للبائع رد نكاحه، وهو كذلك على أحد القولين.
ثم عطف أو يعتقه على (بيعه)؛ لسقوط حقه بالعتق، علم بتزويجه قبله أو لا.
ولو أعتقه المشتري قبل علمه بعيب التزويج، ثم اطلع عليه، هل يرجع على البائع كغيره من العيوب أو لا يرجع لتفويته على البائع فسخ النكاح؟ قولان للمتأخرين.
[حق زوجة العبد:]
ولها -أي: لزوجة العبد المردود نكاحه- ربع دينار وجوبًا، إن دخل؛ لأنه أقل ما يستحل به البضع، وإن لم يدخل فلا شيء لها على المنصوص، وهو مفهوم الشرط، وسواء كانت حرة أو أمة.
[اتباع العبد بالباقي:]
واتبع عبد ومكاتب إن عتقا بما بقي للمرأة من صداقها بعد الربع دينار؛ لأن الصداق لا يسقط بعد فسخ السيد؛ إذ هو نكاح صحيح تترتب عليه آثاره.
وتتبعهما بالباقي إن غراها بحالهما، وكذا إن لم يغرا، بأن أخبرها العبد بأنه عبد، والمكاتب بأنه مكاتب، أو دخلا على السكوت.
[محل اتباعها لهما:]
ومحل اتباعها لهما بذلك إن لم يبطله سيد عن عبده قبل عتقه؛ لأن الدين بغير إذنه عيب، أو إن لم يبطله سلطان بأن يرفع السيد الأمر إليه،
[ ٤ / ٥٢ ]
أو يكون غائبًا؛ لأن السلطان يذب عن مال الغائب.
وظاهر كلامه: أنه لا فرق بين العبد والمكاتب في إسقاط السيد ذلك عنهما، لكن في المكاتب تفصيل وخلاف، ذكرناه في الكبير.
[محل إجازة نكاحه:]
ولما قدم أن للسيد رد نكاح عبده بغير إذنه قال: وله الإجازة بعد امتناعه إن قرب وقت إجازته من امتناعه، ولم يرد الفسخ، وإنما نص على جواز الإجازة وإن كانت مفهومة من التخيير السابق في قوله: (وللسيد رد نكاح عبده)؛ لأن قيد القرب لا يفهم من المفهوم، ونزلوا منزلة القرب ما في حكمه بأن لا يعلم.
ومفهوم الشرط ليس له الإجازة بعد الطول؛ لأن عدم الرضا مع الطول قرينة على إرادة الفسخ، أما لو أراد الفسخ لتم فسخه، كما نص عليه في المدونة.
ثم عطف على مفهوم: (إن لم يرد الفسخ) أو يشك السيد في قصده عند امتناعه، وهذا كقول ابن المواز: إن شك السيد على أي وجه خرج منه فهو فراق واقع. انتهى.
ابن محرز: ويكون بتاتًا احتياطًا، كمن يتيقن الطهارة وشك في الحدث.
[نكاح السفيه بلا إذن:]
ولولى سفيه بالغ اطلع على نكاحه بغير إذنه فسخ عقده، إن لم يكن نظرًا، وله إمضاؤه إن كان نظرًا، وأطلق الفسخ ليعم قبل البناء وبعده، وهو كذلك.
وإذا فسخ قبل البناء فلا شيء لها، وبعده فالأكثر على قول مالك لها ربع دينار، وبه أخذ ابن القاسم وغيره.
[ ٤ / ٥٣ ]
تنبيه:
لو لم يطلع الولي عليه حتى خرج من ولايته فلا فسخ له، ويثبت النكاح.
قال في الشامل: وهو الأصح.
ومقابله: ينتقل له ما كان لوليه، من الفسخ والإمضاء.
[مسألة:]
ثم بالغ على بقاء ما كان للولي من الفسخ والإمضاء بقوله: ولو ماتت زوجة السفيه على المشهور، وتعين على الولي الفسخ بموته، أي: السفيه، فلا ترثه، ولا شيء لها، إن كان الفسخ قبل البناء، ولها بعده ربع دينار.
والفرق على المشهور بين الزوج والزوجة: أنه إذا مات فالإرث والصداق من جهة واحدة.
[تسري المكاتب والعبد المأذون له:]
ولمكاتب وإن بلا إذن، نص عليه لئلا يتوهم منعه خوف عجزه، ولعبد مأذون له في التجر تسر من ماله دون مال السيد، وإن بلا إذن، والمبالغة راجعة للمسألتين لئلا يتوهم في المكاتب أن لا بد له من الإذن كالتزويج، وفي العبد لأنه في ماله كالوكيل، وقرره الشارح على أن المكاتب والعبد إذا تجرا في مال السيد كان لهما التسري من مالهما.
ويحتمل التسري من مال السيد، ويشهد لذلك قول ابن راشد: للمأذون في شراء أمة وطئها دون إذن ربه فيه؛ لقولها: للمأذون التسري دون إذن ربه فيه.
[نفقة العبد:]
ونفقة العبد على زوجته بإذن سيده تكون عليه من غير خراج عليه، وفي بعض النسخ (في) موضع (من)، والمعنى واحد، ومن غير كسب له؛ لأنهما لسيده، بل ذلك من هبة أو وصية ونحوهما.
[ ٤ / ٥٤ ]
إلا لعرف جار بالإنفاق منهما أو من أحدهما، وإذا لم يجد ما ينفقه على زوجته من غير كسب وخراج، ولم يكن عرف بالإنفاق منهما فرق بينهما، إلا أن يأذن السيد له من ذلك، أو ترضى بالمقام من غير إنفاق، كالمهر؛ فإنه لا يكون من خراجه ولا من كسبه، إلا أن يكون العرف جاريًا بذلك.
تتمة:
قال اللخمي: المدبر والمعتق لأجل كالعبد، والمكاتب كالحر؛ لأنه بائن عن سيده، والمعتق بعضه في يوم يخصه كالحر، وفي يوم سيده كالعبد.
[ضمان العبد المهر:]
والمهر لا يضمنه سيد بإذن التزويج؛ لقولها: فإن أذن له فنكح فذلك على العبد.
[جبر المجنون على النكاح:]
وجبر أب ووصي (١) -وإن سفل على الأصح- وحاكم مجنونًا احتاج
_________________
(١) قال في المنح (٣/ ٣١٥): " (وجبر أب ووصي) أمره الأب به أو عين له الزوجة قاله ابن فرحون في شرح ابن الحاجب، وتبعه الحط وجماعة من الشارحين. طفى لم أر التقييد لأحد من أهل المذهب، وقول الموثقين كـ المتيطي وابن سلمون وغيرهما أنكح فلان بن فلان يتيمه الصغير الذي إلى نظره بإيصاء، كذا يدل على خلاف التقييد، وكذا إلحاقهم مقدم القاضي بالوصي كما نص عليه المتيطي، وحكم المرأة الوصية في تزويج الصغير كالوصي وتباشر عقده. المتيطي: هذا هو المشهور المعمول به وهو في العتبية والواضحة وغيرهما، ونص المتيطي المشهور أنه إن زوج الصغير وصيه من قبل أب أو قاض. فذلك جائز عليه ولا خيار له بعد بلوغه، بخلاف الصغيرة، وإليه ذهب ابن القطان وابن أبي زمنين وغير واحد من الموثقين، فإلحاقهم مقدم القاضي بالوصي، دليل على الإطلاق إذ مقدم القاضي لا يجبر الأنثى، وكذا قوله بخلاف الصغيرة فإنه نص في أن غير المجبر للأنثى مجبر للذكر وأيضًا لو صح ما قاله ابن فرحون ما جبر الحاكم مع أنه يجبرها هنا أفاده البناني".
[ ٤ / ٥٥ ]
للنكاح، بأن خيف منه الفساد، كذا قيده اللخمي؛ لأن الحد وإن سقط عنه لا يعان على الزنا.
[جبر الصغير عليه:]
وجبر كل صغيرًا على النكاح، ظاهره: كانت فيه غبطة كتزويجه بموسرة أو شريفة أو لا.
عياض: وهو مقيد في كتاب الخلع بما فيه غبطة.
ولم يذكره المؤلف، وذكره في الشامل قائلًا: أو لأب صغير لغبطة على المنصوص.
[جبر السفيه عليه:]
وفي جبر السفيه على النكاح، وشهره الباجي، وعدم جبره وصححه عبد الحق، خلاف.
تنبيه:
هذا من المواضع التي تدل على أن المصنف يطلق المشهور على هذا الصحيح، وكان تلميذه صاحب الشامل لا يرتضيه؛ ولذا قال فيه هنا: ولهم -أي: الأب ومن معه- جبر سفيه على المشهور، وصحح خلافه.
[صداق المجنون والصغير والسفيه:]
وصداقهم -أي: المجنون والصغير والسفيه- إن أعدموا وقت جبر الأب لهم على الأب على المشهور، ولو لم يشترط عليه، ويؤخذ من مال الأب وإن مات الأب، لأنه قد لزم ذمته، فلا ينتقل عنها بموته، أو أيسروا بعد -أي: بعد إعدامهم- لأنه حكم مضى.
واقتصر على الأب من المجبرين لأنه المختص بهذا الحكم، وهو لازم له.
ولو شرط ضده، أي: شرط أنه ليس عليه، بل على الولد؛ لأن الشرط مع العدم في معنى الإسقاط.
[ ٤ / ٥٦ ]
وإذا لزمه مع اشتراطه على الولد فلأن يلزمه إذا شرط عليه أو أبهم فلم يشترط على واحد منهما أحرى.
وأشار بـ (لو) لقول ابن القاسم أيضًا: إنه على الولد إن شرط عليه.
وفهم جماعة المدونة عليه، وبه جرى العمل عند الشيوخ، ولم ينبه المؤلف على ذلك.
وإلا يكونوا معدمين -بأن كانوا أملياء- فعليهم دون الأب، سواء سكتوا عمن هو عليه، أو صرحوا بأنه عليهم، إلا لشرط بكونه على الأب، فإنه عليه على المعروف.
تنبيه:
هذا الحكم في الأب بالنسبة للصغير منقول، وقال اللخمي: السفيه مثله.
قال: ولم أر في كون المجنون كذلك نصًا.
[تطارح الصداق:]
والصداق إن تطارحه ولد رشيد وأب، فقال الابن: شرطت الصداق عليك، وقال الأب: بل عليك، فسخ النكاح إن كان قبل الدخول، ولا مهر على واحد منهما، وقاله مالك.
وهل يفسخ مطلقًا كما قال مالك، أو إن حلفا فالفسخ، وإلا يحلفا لزم الناكل، كما قال ابن المواز؟ تردد.
تنبيه:
يدخل تحت لزوم الناكل صورتان:
- نكولهما معًا فالصداق عليهما، ويثبت النكاح.
- ونكول أحدهما، فعليه فقط.
[ ٤ / ٥٧ ]
تكميل:
سكت المصنف عن حكمه هنا بعد البناء، وفي توضيحه: إن دخل الابن حلف الأب وبرئ، ثم إن كان صداق مثلها مثل المسمى فأكثر غرمه الزوج بلا يمين، وإن كان المسمى أكثر حلف الزوج وغرم مهر المثل.
[إنكار الأمر بالتزويج:]
وحلف ولد رشيد زوجه أب، وأجنبي زوجه غير وكيل، وامرأة زوجها وليها وأنكروا الأمر بالتزويج حال كونهم حضورًا للعقد.
[محل الحلف:]
ومحل الحلف -كما قال عبد الحق واللخمي- إن لم ينكروا بمجرد علمهم، بل علموا وسكتوا، ثم أنكروا بعد طول يسير، ولا يلزم النكاح ويسقط الصداق عن الأب والابن والأجنبي.
ومفهوم الشرط: إن أنكروا بمجرد العلم فلا يمين، وإن طال سكوتهم كثيرًا لزم النكاح لكل من الثلاثة؛ لأن طول سكوتهم مع علمهم دليل على الرضى، ورجع لأب زوج ابنه بصداق من مال الأب، ولشخص ذي قدر -أي: اعتبار- زوج غيره على صداق من ماله.
[الأب ضامن لابنته:]
والأب ضامن لابنته صداق زوجها النصف بالطلاق قبل البناء في المسائل الثلاث؛ لأنهم إنما التزموه على كونه صداقًا، وهو يتشطر بالطلاق قبل البناء.
والنصف: فاعل (رجع).
[رجوع جميع الصداق:]
ورجع الجميع -أي: جميع الصداق- في المسائل الثلاث لدافعه من أب وذي قدر وضامن بالفساد، كنكاح فسخ قبل البناء؛ إذ لا شيء للزوجة حينئذ.
[ ٤ / ٥٨ ]
قال ابن حبيب: فإن دخل فالمسمى.
[محل عدم الرجوع:]
ولا يرجع أحد منهم -أي: من الأب وذي القدر والضامن لابنته على الزوج بنصف الصداق إذا طلق قبل البناء- لأن المدفوع في النكاح محمول على الحمل.
[محل الحمالة:]
إلا أن يصرح دافعه بالحمالة فحمالة، أو يكون الدفع بعد العقد على السكت فحمالة (١).
[محل امتناعها من الدخول:]
ولها -أي: الزوجة- الامتناع من الدخول، فإن دخلت، فلها الامتناع من الوطء بعد، إن تعذر أخذه -أي: الصداق من الحامل- حتى يقدر لها الصداق، ويعين قدره إن نكحت تفويضًا، وحتى تأخذ الحال من الزوج، أو
_________________
(١) قال في المنح (٣/ ٣٢٠): " (إلا أن يصرح) المتحمل قبل العقد أو بعده (بالحمالة)، أي: الضمان للزوج في المهر بأن يقول على حمالة المهر عن فلان (أو يكون)، أي: ضمان من ذكر الصداق (بعد العقد) للنكاح على أن الصداق على الزوج فيرجع الملتزم على الزوج بالجميع إن دخل وبالنصف إن طلق قبله، فإن كان حال العقد أو قبله فلا يرجع عليه بشيء إلا بشرط أو عرف أو قرينة بالرجوع، ويعمل بها أيضًا في عدمه. وصور المسألة خمس عشرة صورة. تصريح بلفظ حمل أو حمالة أو ضمان أو دفع، ودفع بلا لفظ، وكلها إما قبل العقد أو أو بعده، فإن صرح بالحمل فلا يرجع مطلقًا، وإن صرح بالحمالة فله الرجوع مطلقًا، وإن صرح بالضمان أو الدفع أو دفع بلا لفظ فإن كان بعد العقد فلا رجوع، وإن كان قبله أو فله الرجوع. ونظم أبو علي أقسام المسألة فقال: أنف رجوعًا عند حمل مطلقًا حمالة بعكس ذا فحققا لفظ ضمان عند عقد لا ارتجاع وبعده حمالة بلا نزاع، وكل ما التزم بعد عقد فشرطه الحوز فافهم قصدي طفي: قول تت ومن تبعه الدفع على السكوت حكمه كالتصريح بالضمان يحتاج إلى نقل، ولم أره لغيرهم وأقره البناني".
[ ٤ / ٥٩ ]
ما حل منه؛ لأنها وإن دخلت اتباع غيره لم تدخل على تسليم سلعتها بغير عوض.
[حق الزوج هنا:]
وله -أي: للزوج- حينئذ الترك، فهو مخير إن شاء دفعه، وإن شاء طلق ولا شيء عليه؛ لأنه لم يدخل على غرم شيء، وإذا دفع عند امتناعها رجع على الحامل عديمًا، فمكنت من نفسها ثم مات فلا شيء على الزوج، ولو فارق ومات الحامل اتبعت تركته.
وبطل الحمل، وصح النكاح، إن ضمن في مرضه عن وارث ابن أو غيره ومات اتفاقا؛ إذ هو وصية لوارث، وإن صح من مرضه فعليه الصداق.
وفهم منه: أنه لو حمله عن غير وارث لم يبطل، وهو كذلك، ويخرج من الثلث، ولا يبطله حمله عن زوج ابنته أجنبيًا كان أو قريبًا غير وارث؛ لأنه وصية له بالصداق، فيجوز من الثلث.
[المراد بالكفاءة هنا:]
والكفاءة الدين اتفاقًا، فلا يتزوج مسلمة بكافر؛ لحق اللَّه تعالى، والحال هو تساويهما في السلامة من العيوب الفاحشة، وهو حق للمرأة ووليها؛ ولذا قال: ولها وللولي تركها -أي: الكفاءة التي هي حق لهما- إلا التي هي حق للَّه تعالى؛ ولذا قال البساطي: المراد بالدين قول العامة: فلان دين.
وليس لولي رضي إسقاطها وزوج لغير كفء فطلق الزوج غير الكفء ثم أراد العود امتناع من العود بلا حادث من فسق وعدم أمانة؛ لأن رضاه به أولًا أسقط حقه منها، فإن حصل الحادث فله الامتناع.
[توسط الأم لابنتها لدى الأب:]
وللأم التكلم في تزويج الأب ابنته منها الموسرة المرغوب فيها إذا زوجها من فقير بالنظر في فعله، فيمضي صوابه، ويرد غيره، ورويت بالنفي أيضًا، أي: لا أرى لك متكلمًا.
[ ٤ / ٦٠ ]
ابن القاسم: وأنا أراه ماضيًا -أي: فلا تكلم لها- إلا لضرر بيِّن، فلها التكلم.
وهل قول ابن القاسم خلاف، كما قال ابن حبيب، ويرجحه قول مالك: نعم، وقول ابن القاسم: وأنا أراه ماضيًا، أو وفاق، كما قال أبو عمران، وهو من وجوه:
- منها أنها عند ابن القاسم على ما بعد الوقوع، وعند مالك على ما قبله.
- ومنها أن ابن القاسم لم يتكلم على الفقير الفادح، ومالك تكلم عليه.
- ومنها أن ابن القاسم تكلم على ما دون صداق المثل محتجًا بمسألة المرأة؛ لأنه أمضاه؟
تأويلان.
[الكفء:]
والمولى وهو العتيق، وغير الشريف والأقل جاهًا كفء، الأول للعربية، والثاني للشريفة، والثالث لكثيرة الجاه، وأعظم مالك تفريقهم بين عربية ومولى قائلًا: المسلمون بعضهم لبعض أكفاء، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ إلى ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ (١).
وفي كون العبد كفء للحرة، كما قال ابن القاسم، أو غير كفء، كما قال المغيرة وسحنون تأويلان، ولعلهما في قول المغيرة: هل هو خلاف لقول ابن القاسم، وهو للخمي، أو وفاق، وهو لابن سعدون وغيره من الموفقين.
_________________
(١) هذا خلاف قول سلمان الفارسي: "قال سلمان: نفضلكم يا معاشر العرب لتفضيل رسول اللَّه -ﷺ- إياكم، لا ننكح نساءكم، ولا نؤمكم في الصلاة".
[ ٤ / ٦١ ]
[المحرمات من النساء:]
ولما ذكر حكم النكاح والأولياء وما يلحقه من صحة وفساد والكفاءة، أتبع ذلك بضابط عرف به المحرمات من النساء:
- نسبًا.
- وصهرًا.
- ورضاعًا.
[أولًا: المحرمات بالنسب:]
وبدأ بمحرمات النسب.
[الأصول والفصول:]
فقال: وحرم أصوله، وهو: من له عليه ولادة مباشرة أو بواسطة وإن بعدت، كالآباء والأمهات، ذكرًا أو أنثى.
وحرم فصوله، وهو: من له عليه ولادة مباشرة أو بواسطة، وإن بعدت، كالأولاد وأولادهم، وإن سفلوا، وسواء كانت الولادة شرعية أو لغوية، كـ: زان بامرأة أتت منه ببنت؛ ولذا قال: ولو خلقت من مائة.
وأشار بـ (لو) لمقابل المشهور بحلها، وهو لابن الماجشون، واستظهر، وخص المخلوقة من مائة؛ لأن ابن المرأة من الزنا لا تحل له بوجه، لتحقق البنوة.
وحرم زوجتهما -أي: زوج الأصل والفرع- فتحرم من تزوجها أحد آبائه، وإن علو، أو أحد بنيه، وإن نزلوا.
وحرم فصول أول أصوله، فأول فصول الأبوين الأخوة والأخوات مطلقًا: أشقاء، أو لأب، أو لأم، وأولادهم وإن نزلوا؛ لأنهم أولاد أخوة، والكل حرام.
[ ٤ / ٦٢ ]
[فصول غير الأصل:]
وأما فصول غير الأصل الأول فأشار له بقوله: وحرم أول فصل فقط من كل أصل منه، فالأصل الثاني وهو الجد الأول والجدة الأولى وأبناؤهما عم أو خال وبناتها عمات أو خالات وهن محرمات، وثاني فصولهما أولاد عم أو عمة أو خال أو خالة وكل حلال إجماعًا.
[أصول الزوجة:]
وحرم أصول زوجت، وهن أمهاتها وإن علون من قبل أبيها أو أمها من نسب أو رضاع، دخل بها أو لا.
[شرطه:]
وأشار لشرط ذلك بقوله: وبتلذذه بها، وإن بعد موتها، ولو كان تلذذه بها بنظر لها فصولها: فاعل حرم، وخرج بالتلذذ ما لو باشرها أو نظر إليها بغير لذة، كفعل ذلك لمريض مثلًا كالملك، فمن تلذذ من أمته بشيء مما تقدم حرمت عليه فصولها، كذا قرره الشارحان.
ويحتمل أن يرجع التشبيه لجميع ما سبق، واختلف إذا وطئ الصغير بملك اليمين أو قبّل أو باشر، فقال مالك في الموازية: إذا قبل أو باشر لم تحرم.
وقال ابن حبيب: إذا بلغ أن يتلذذ بالجواري يحرم.
[العقد:]
وحرم العقد -أي: نشر حرمة المصاهرة- وأحرى الوطء، إن لم يكن النكاح فاسدًا، بل ينشرها، وان فسد، إن لم يجمع عليه، والا بأن كان فساده مجمعًا عليه فوطؤه هو الذي ينشر الحرمة، إن درأ الحد على المشهور، كـ: معتدة وذات محرم أو رضاع غير عالم.
[الزنا:]
ثم تكلم على مفهوم الشرط بقوله: وفي نشر الزنا للحرمة، كما في
[ ٤ / ٦٣ ]
المدونة والرسالة، وعدم نشره للحرمة، كما في الموطأ، خلاف.
تنبيه:
ليس هذا مكررًا مع قوله فيما سبق في نكاح المتعة، حيث قال: إن النكاح المختلف فيه فسخه بطلاق، ويقع التحريم بعقده أو وطئه، وفيه الإرث، إلا ما استثناه هنا، وأما المتفق على فساده فلا طلاق فيه ولا إرث؛ لأن المقصود هناك الكلام على تمييز ما يفسخ بطلاق من غيره، وهنا على ما ينشر الحرمة وما لا ينشرها.
[التلذذ:]
وإن حاول رجل تلذذًا بزوجته في ظلام أو غيره فوقعت يده على ابنتها منه أو من غيره فتلذذ بابنتها بوطء أو بغيره غير عالم فتردد للأشياخ: ذهب ابن شعبان في جماعة إلى أنه يفارقها لنشره الحرمة، وظاهر إطلاقهم وجوبًا، ونزلت بابن التبان، ففارق زوجته، وعند القابسي وأبي الطيب عبد المنعم استحبابًا، وذهب سحنون وجماعة إلى أنه لا ينشرها، واختاره ابن محرز، وألف فيها تأليفًا، وكذا المازري ألف فيها "كشف الغطا عن لمس الخطا"، وخرج بقيد التلذذ عدمه، فلا ينشر حرمة على الصحيح (١).
_________________
(١) قال في المنح (٣/ ٣٣٠): " (وإن حاول)، أي: أراد الزوج (تلذذًا بزوجته فالتذ بابنتها) منه أو من غيره بغير وطء في ظلام مثلًا ظانًا أنها زوجته (ف) في تأييد حرمة زوجته عليه فيجب عليه فراقها وعدمه (تردد) للأشياخ فذهب ابن شعبان في جماعة إلى أنه يفارقها لنشره الحرمة وظاهر إطلاقهم وجوبًا، ونزلت بابن التبان ففارق زوجته، وذهب القابسي وأبو الطيب عبد المنعم إلى أنه يفارقها استحبابًا واختاره ابن محرز وألف فيها تأليفًا، وألف المازري فيها كشف الغطاء عن لمس الخطأ قاله تت. عب مستوفى تلذذه بابنتها بغير وطء وأما به فالراجح فيه حرمة زوجته عليه، والذي ينبغي ترجيح تحريمها في التلذذ بغيره أيضًا. البناني مثل هذا تت و"س" وعج والصواب أنه في التلذذ فقط من غير وطء كما في الجواهر وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم، وأما الوطء ففيه الخلاف والمشهور التحريم، وعبارة المصنف تدل على هذا إذ لا يقال في الوطء التذ. ونص الجواهر فإن كان الوطء بالاشتباه بلا عقد نكاح ولا ملك فقال أبو عمران: لم =
[ ٤ / ٦٤ ]
[ما نكح الأب:]
وإن قال أب عند قصد ابنه نكاح امرأة: أنا نكحتها، أو قال: أنا وطئت الأمة عند قصد الابن ذلك، أي: وطء الأمة، وأنكر الابن ذلك، ندب للابن التنزه عن نكاح المرأة ووطء الأمة، إن لم يغش ذلك من قول الأب.
وفي وجوبه -أي: التنزه- إن فشا قول الأب متكررًا فيهما، وفسخ النكاح، إن وقع، وتأوله جماعة على المدونة، وعدم وجوبه، وتأوله أبو عمران، لكن تأكد الاستحباب تأويلان، أصلهما ما وقع في نكاحها ورضاعها، انظرهما في الكبير.
[جمع خمس:]
وحرم على حر ورقيق جمع خمس متفرقات أو في عقد واحد، ولو سمى لكل صداقًا، ويفسخ الجميع في الأولى، إن لم تعلم الخامسة، وإلا فهي فقط، وفي الثانية الجميع.
_________________
(١) = أعلم خلافًا بين أصحابنا في أنه لا يحرم إلا ما روي عن سحنون أنه قال فيمن مد يده إلى زوجته في ليل فوقعت على ابنته منها فوطئها غلطا فلا تحرم عليه زوجته. وفرع المتأخرون على قول الأصحاب فرعًا اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا حتى ألف بعضهم على بعض وهو إذا حاول وطء زوجته أو التلذذ بها فوقعت يده على ابنته منها فالتذ بها. اهـ. ونص ابن الحاجب إن وطئ باشتباه حرم على المشهور، فلو حاول التلذذ بزوجته فوقعت يده على ابنتها فالتذ فجمهورهم على تحريمها واختار المازري خلافه اهـ، ونحوه للفاكهاني. طفي: فهذه النقول كما ترى متضافرة على ما قلناه، وترك المصنف مسألة الوطء والأولى ذكرها وتفريع مسألة التلذذ عليها كما فعل ابن شاس وابن الحاجب واللَّه أعلم، وبنص الجواهر ظهر أن تعبير المصنف يتردد على اصطلاحه. وسقط قول ابن عاشر أن الخلاف بين سحنون وغيره وهم من المتقدمين، فالتردد مخالف لقاعدة المصنف، واللَّه أعلم. واللواط بابن الزوجة لا ينشر الحرمة عند الأئمة الثلاثة وعند أحمد ينشرها".
[ ٤ / ٦٥ ]
ومفهومه: جواز ما دون الخمس، وهو كذلك، إن سمى لكل صداقًا، ويباح للعبد الرابعة، وصرح به مع دخوله في المفهوم لخلاف ابن وهب في أن الثالثة له كخامسة الحر، وإنما لم يحمل كلامه عليه، وإن كان ظاهرًا لمخالفته للمشهور، ولو كان مراده قول ابن وهب لقال عطفًا على المحرمات: وللعبد الثالثة، وتدخل الرابعة أحرى، واللَّه أعلم بالصواب.
تنبيه:
ما قررنا به كلامه أولى من قول الشارح: (لم يتعرض لذكر جواز الأربع للحر) لفهمه من جوازه للعبد؛ لأنه إذا أبيح له أربع فالحر أولى.
[الأية:]
ثم عطف على المحرم، فقال: أو جمع اثنتين لو قدرت أية كونها ذكرًا حرم نكاحه للأخرى، كالأختين والخالتين والمرأة وعمتها أو خالتها؛ فإن كلًّا لو قدرت ذكرًا أو الأخرى أنثى وعكسه لم يجز.
وأشار بذلك لضابط قاله أهل المذهب، وهو: كل امرأتين بينهما من القرابة أو الرضاعة ما يمنع تناكحهما لو كانت إحداهما ذكرًا فلا يجوز الجمع بينهما في العقد ولا في الحل.
تنبيه:
أسقط المصنف تبعًا لعبد الوهاب من الضابط ذكر القرابة الذي زيد لإخراج المرأة مع أم زوجها ومع ابنته لجواز الجمع بينهما بثبوت الحرمة بتقدير الأم في الصورة الأولى ذكرًا؛ لأن المرأة حينئذ حليلة ابنه، وتقدير البنت في الثانية لذلك لأن المرأة على هذا حليلة أبيه، وعدمها بتقدير المرأة في الصورتين رجلًا؛ لأن أم الزوج في الأولى أم رجل أجنبي، وبنته في الثانية بنت رجل أجنبي، للاستغناء عنه بقوله: (أية)، لكن بإسقاطه يرد عليه جواز الجميع بين المرأة وأمتها.
[الوطء بالملك:]
ولما كان ما يحرم جمعه في النكاح يحرم جمعه في الوطء بالملك،
[ ٤ / ٦٦ ]
قال: كوطئهما -أي: الأختين مثلًا- بالملك؛ لعموم: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وأما عموم: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ففي الموطأ عن عثمان وقد سئل عن الأختين، فقال: أحللتهما آية، وحرمتهما آية، واختلف في آية التحليل، فقال ابن حبيب: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
وقال غيره: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾. . . الآية).
وفهم من تحريم جمعهما في الوطء جوازه في الملك؛ للخدمة، وإحداهما لها، والأخرى للوطء.
[نكاح الأختين:]
وفسخ بلا طلاق نكاح ثانية من الأختين مثلًا صدقت أنها ثانية، أو علمت ببينة، وثبت نكاح من لم تصدق، وإلا بأن لم تصدق أنها ثانية ولا قامت بذلك بينة ولم يدخل بها فسخ بطلاق وحلف للمهر لإسقاط نصفه الواجب لها باحتمال كونها الأولى بلا طلاق، راجع لما قبل الاستثناء، فلو قدمه لكان أحسن.
وفهم من كلامه أنها لو لم تصدق وجهلت أوليتهما ولا تعيين من الزوج ولا منهما فسخ فيهما، ولا مهر لواحدة منهما.
[نكاح الأم وابنتها:]
ثم شبه في الفسخ بغير طلاق، فقال: كأم وابنتها جمعتا بعقد، فإنه يفسخ قبل الدخول وبعده اتفاقًا، كأم وابنتها، وتأبد تحريمهما إن دخل الزوج بهما، أما البنت فلوطئه الأم، وأما الأم فأحرى، وعليه صداقهما للمسيس، وعلى كل الاستبراء بثلاث حيض.
ولا إرث بينهم؛ للاتفاق على فساد النكاح الذي هو سبب الميراث.
ثم بالغ على جميع ما تقدم من النسخ إن دخل بهما وتأبيد التحريم ولزوم الصداق وعدم الميراث بقوله: وإن ترتبتا، بأن عقد على إحداهما بعد الأخرى، ومفهوم (إن دخل بهما): أنه لو دخل بواحدة فقط لم يكن الحكم كذلك، بل إن كانت المدخول بها الأولى وهي البنت ثبت على نكاحها،
[ ٤ / ٦٧ ]
وفسخ عقد الثانية، ولا تحل له بعد اتفاقًا وإن كانت الأم فعلى المشهور، وإن كانت المدخول بها الثانية، وهي البنت أيضًا، فرق بينهما، ولها صداقها، وله نكاحها بعد استبرائها من الماء الفاسد، وإن كانت الأم حرمتا أبدًا، ولا ميراث.
فائدة:
قال ابن عبد البر: كل امرأة حرمت عليك فابنتها عليك حرام، إلا أربعًا:
- بنت الخالة.
- وبنت العمة.
- وبنت حليلة الابن.
- وبنت حليلة الأب.
وإن جمعهما في عقد واحد لم يدخل بواحدة فسخا، وحلت الأم بعقد جديد؛ لفساد هذا العقد إجماعًا؛ إذ العقد الفاسد على البنت لا أثر له.
ومفهوم (حلت الأم) مفهوم موافقة؛ لأن حل البنت أحروي؛ لأن العقد الصحيح على الأم لا يحرمها، فأحرى الفاسد.
وإن عقد عليها مرتبًا ولم يدخل بواحدة منهما ولم تعلم السابقة منهما ومات الزوج، فالإرث بينهما نصفان؛ لأن السابقة تستحقه، وهي مجهولة، ووجب لكل منهما نصف صداقها، اتفق صداقها أو اختلف؛ لأن الموت كمله، وكل تدعي صداقها، والأخرى تنازعها فيه، فيقسم بينهما، فلزم أن يكون لكل منهما نصف صداقها، وقد يكون ما تأخذه إحداهما كصداق الأخرى أو أكثر.
كأن لم تعلم الخامسة، بأن تزوجهن في عقود خمسة أو جمع بعضهن وفرق الباقي، ثم مات، فالإرث بينهن يقتسمنه أخماسًا؛ لأن نكاح أربع صحيح، وإن دخل بالجميع فلكل صداقها بالمسيس، وإن لم يبن بها فلهن
[ ٤ / ٦٨ ]
أربعة أصدقة يقتسمنها على قدر أصدقهن، وإن دخل بأربع فلهن أربعة أصدقة، ولمن لم يدخل بها نصف صداقها؛ لأنها إن كانت خامسة فلا شيء لها، وإلا فلها الصداق كاملًا، فتعطى نصفه لمنازعتها فيه مع الورثة، وإن دخل فلهن ثلاثة أصدقة، وللاثنتين صداق ونصف يقتسمانه على قدر صداقها وهكذا.
[محل حل الأخت:]
ولما قدم الضابط الذي يعلم منه محرمات الجمع، تكلم على ما يحل بعض أفراده، فقال: وحلت الأخت التي يريد نكاحها حرة كانت أو أمة وأختها في عصمته ببينونة السابقة بخلع أو ثلاث، ولو لم تنقض العدة وكذا خامسة في عدة رابعة مبتوتة أو انقضاء عدة رجعي، ويأتي في التي تلي هذه ما يحل الأخت ونحوها بالملك، فقال: أو زوال ملك بعتق وإن لأجل، كما في المدونة.
اللخمي: أو عتق بعضها.
أو كتابة، مثله في المدونة.
قال الشارح: وهو معطوف على بينونة، لا على عتق.
وقال البساطي: يصح على عتق؛ إذ هو في معنى زوال الملك.
أو إنكاح يحل المبتوتة، بأن يكون صحيحًا لازمًا، فيخرج الفاسد، كـ: نكاح المتعة، والموقوف كنكاح العبد والصبي بغير إذن، ونكاح ذات العيب والمغرورة، أو ذي العيب والمغرور، إلا بإجازة في الأولين، والرضى في ذي الخيار فيهما.
تنبيه:
قال الشارح: كلامه مشعر بأنه لا بد من دخول الزوج؛ لأنه الذي يحل المبتوتة، ولم أر من نص عليه، فمراده مجرد التزويج.
أجيب: بأن عدوله عن لفظ النكاح الذي هو مصدر الثلاثي الصالح
[ ٤ / ٦٩ ]
لأن يراد به الدخول إلى الإنكاح الرباعي الذي لا يصلح أن يراد به إلا العقد لذلك.
أو أسر عند العدو لليأس من عودها أو إباق إياس من عودها، ومفهومه: أن المرجو معه عودها لا يبيح الأخرى.
أو بيع صحيح دلس فيه بعيب كتمه عن المشتري على المشهور، وقيل: لا يكفي، لأنه يصده الرد، وليس مفهوم موافقة أحروي؛ ففي المدونة: بيعها معيبة تحريم، لأن للمشتري التماسك بها، ومثله للخمي.
لا ببيع فاسد لم يفت بحوالة سوق فأغلى؛ فإنه لا يحل الأولى؛ لبقاء ملكه لها، فإن فات حلت.
[العارض المحرم:]
ولا تحل بعارض محرم من حيض وعدة شبهة كوطء غلط، وردة وإحرام؛ ليسارة الزمان في ذلك، وظهار لقدرته على دفع تحريمه بالكفارة، واستبراء من مائه، كأن يطأ أختها معها ثم يعود للأولى فلا يطؤها إلا بعد الاستبراء، كذأ قرره البساطى، والظاهر: أنه لا فرق بين استبرائها من مائه أو ماء غيره، واللَّه أعلم.
وبيع خيار له، أو للمشتري، أو لهما، أو لأجنبي؛ لأنه منحل، وبيع عهدة ثلاث، قيد بالثلاث تبعًا لتقييد إطلاق رواية ابن المواز بها؛ لأن الرواية وقعت فيها مطلقة، وفسرت بالثلاث، واقتصر المؤلف على ذلك، والظاهر: أن عهدة السنة كذلك، كما في المسألة التي تلي، وهي إخدام السنة (١).
_________________
(١) قال في المنح (٣/ ٣٤٠): " (و) لا تحل الثانية بحرمة وطء السابقة بـ (إحرام) منها بحج أو عيرة زوجة كانت أو أمة (و) لا (ظهار)، أي: تشبيه الزوجة السابقة بمؤبد تحريمها ومثله الحلف عدى ترك وطئها (واستبراء) من نحو زنا ومواضعة من مائه أو في رابعة (و) بيع (خيار و) بيع (عهدة) بضم المهملة، أي: ضمان (ثلاث) من كل =
[ ٤ / ٧٠ ]
وإخدام سنة، قاله ابن الماجشون، وهبة لمن يعتصرها منه بغير شيء، كولده الصغير أو الكبير على المشهور، أو عبده، أو يعتصرها بشيء، وإن كان ذلك ببيع ليتيم في حجر.
وأجاب الشارح عن تسميته اعتصار بأنه بحسب مدلوله اللغوي لا الاصطلاحي.
وقال البساطي: في تسميته اعتصارًا تسامح.
وربما أشعر قوله: (لم يعتصرها منه) بأنها مقبوضة، وهي لأبي بكر بن عبد الرحمن.
بخلاف صدقة عليه، ضميره لـ (من)؛ إذ لا اعتصار فيها إن حيزت عن المتصدق، فيكفي حوزها في حل الأخرى.
وبخلاف إخدام سنين، فتحل أختها، وقيدها ابن حبيب بالكثيرة؛ لأن الطول مظنة التحريم.
ولما قدم الكلام فيما إذا وطئ واحدة منهما لم تحل له أختها الأخرى، تكلم على ما إذا وطئ الثانية بغير مسوغ، فقال: ووقف عن وطئها إيجابًا إن وطئهما، وغاية وقف ليحرم من شاء منهما، فإن أبقى الأولى فلا زيادة، وإن أبقى الثانية استبرأهما من مائه الفاسد، وإن كان ولدها لاحقًا به.
_________________
(١) = حادث فلا تحل محرمة الجمع حتى ترى السابقة الدم ويثبت بيعها وتتم الثلاث بلا حادث. عج احترز بعهدة الثلاث عن عهدة السنة فتحل بها محرمة الجمع. تت الظاهر أنها كعهدة الثلاث وقياسًا على إخدام سنة عب يفرق بأنها في إخدام السنة على ملكه لا في عهدة السنة. طفي: لا وجه للاستظهار لأن إخدام السنة يخالف عهدة السنة لبقاء الملك في الإخدام وحلية الوطء دونها مع أن القيد بالثلاث لمحمد وأقروه، وقولنا وحلية الوطء في إخدام سنة لا في أكثر قاله ابن الماجشون ونقله ابن عرفة".
[ ٤ / ٧١ ]
تنبيه:
قال اللخمي: لو وطئ الأولى في زمن الإيقاف لم يطأ من أبقاها منهما حتى يشتريها، وله وطء إحداهما.
[شراء أخت منكوحته:]
وإن عقد نكاح إحدى الأختين فاشترى أختها فالأولى تتعين للإباحة، ولا أثر لشراء الثانية.
تنبيه:
تلخص من كلامه: أن الجمع بين الأختين على ثلاثة أوجه: بنكاح وبملك ربهما.
فإن وطئ المشتراة بعد العقد على أختها كان ذلك بمنزلة من وطئ الأختين، أو عقد على غير المملوكة بعد تلذذه بأختها بملك بمقدمة من مقدمات الوطئ؛ إذ حكم مقدماته كهو -والتنوين للعوض (١) - فكالأول، أي: الفرع الذي قال فيه: إذا وطئهما معًا بالملك وقف عنهما حتى يحرم أيتهما شاؤها بأن المسألتين كذلك.
[المبتوتة:]
وحرمت المبتوتة، وهي: المستوفاة طلاقًا ثلاثًا أو اثنتين أو ما في معنى الثلاث.
_________________
(١) كذا قال الشارح، ولكن أين هو العوض، فهذا التنوين يؤتى به لأجل الدلالة على شيء محذوف، وقد يكون هذا الشيء حرفًا كما في تنوين الاسم المنقوص، نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾، وقد يكون عوضا عن كلمة، نحو التنوين الداخل على كل وبعض وأي، كما في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ. . . .﴾، و: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾، وقول الشاعر: داينت أروى والديون تقضى فمطلت بعضا وأدت بعضا
[ ٤ / ٧٢ ]
[شروط حلها:]
حتى يولج بالغ قدر الحشفة من مقطوعها أو هي إن كانت، ثم يطلق أو يموت.
وأشعر قوله: (يولج) بأن العقد لا يكفي، وهو كذلك اتفاقًا، وخرج بالبالغ الصبي، ولو مراهقًا، فلو بلغ بعد العقد أحلها وطؤه، ولم يذكر كونه مسلمًا، ولابد منه؛ لأن وطء ذمي لذمية لا يحلها لمسلم على المشهور.
ويشترط كون الإيلاج بلا منع، فيخرج الإيلاج في الدبر، وفي حيض ونفاس، ولو بعد انقطاعهما قبل الغسل.
وقول الشارح: (ولو قال: "في قبل" لكان أحسن) غير ظاهر؛ لما قررناه.
وربما أشعر قوله: (بلا منع) بإطاقتها الوطء؛ لقول اللخمي: وطء من لا تطيقه لغو؛ لأنه جناية.
ويشترط كونه لا نكرة فيه بين الزوجين بعد الطلاق ولا قبله بانتشار على المشهور؛ إذ لا تحصل العسيلة إلا به.
تكميل:
لو حصل الانتشار بعد الإيلاج قال عبد الحميد: حلها باتفاق أصحاب مالك.
في نكاح، فلا يحلها وطء سيد؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ لأن المراد بالنكاح في هذه الآية الوطء.
ثم وصف النكاح بقوله: لازم؛ ليخرج نكاح العبد بغير إذن سيده، ونحوه مما فيه خيار.
ويشترط علم خلوة بين الزوجين، ويثبت ذلك بامرأتين فأكثر، لا بتصادقهما.
وعلم زوجة فقط بالوطء، فلا يحل مجنونة ولا مغمي عليها حال الوطء ولا نائمة.
[ ٤ / ٧٣ ]
ثم بالغ بقوله: ولو كان المولج خصيًا قائم الذكر مقطوع الأنثيين؛ فإنه يحلها.
كتزويج ذي قدر دنيئة مبتوتة غير مشبهة لنسائه، لكن تزوجها ليمين حلفها ليتزوجن؛ فإنه يحلها عند مالك وابن القاسم، ولا تنحل بيمينه.
[ما لا يحل المبتوتة:]
ولما ذكر ما يحل المبتوتة أتبعه بالكلام على ما لا يحلها، فقال: لا بفاسد: صفة لنكاح، ولو دخل فيه، إن لم يثبت بعده، أي: الدخول، فإن ثبت بعده بوطء ثان حلت به، وهو مفهوم الشرط، وصرح به للتفصيل في الوطء، وفي حلها بالوطء الأول الذي يفوت به الفاسد، وعدم حلها به تردد للباجي؛ لقوله: لم أر فيه نصًا.
وعندي أنه يحتمل الوجهين الإحلال وعدمه.
كمحلل: مثال للفاسد الذي لا يحلها، ثم بالغ على عدم إحلالها بقوله: وإن نكحها مع نية إمساكها مع الإعجاب له، وإن لم تعجبه فقد أحلها لباتها لم تحل؛ لما خالطه من نية التحليل، ونية الزوج المطلق التحليل بمحاولة من يتزوجها، ولا علم عنده، ونيتها ذلك أيضًا لغو، كما لو تزوجته ونيتها إساءة عشرته ليطلقها، ولو مع اتفاقها هي والمطلق على ذلك.
ابن عرفة: لو زوجها من عبده ليسأله طلاقها بعد وطئها حلت به، ومال إليه بعض الشيوخ.
[الدعوى الطارئة:]
وقبل دعوى مبتوتة طارئة من بلد بعيد التزويج لتعود لباتها، ولا بينة لها؛ إذ لو كلفت إثباته لشق عليها، كحاضرة مبتوتة أمنت يقبل دعواها التزويج إن بعد تزويجها.
ومفهوم الشرط: عدم قبولها في الأمد القريب؛ لأن عقد النكاح والدخول لا يخفى على الجيران غالبًا.
[ ٤ / ٧٤ ]
وفي قبول قول غيرهما، أي: غير المأمونة الحاضرة التزويج، وهو قول ابن عبد الحكم: إذا طال أمرها بما يمكن موت شهودها، وعدم قبول دعواها، وهو قول محمد: لا يتزوجها الأول حتى يستخير لنفسه، ولو منعه السلطان حتى يعلم خبرها، رأيت له ذلك؛ لعدم النزاع فيه قولان.
تنبيه:
إذا علمت ما قررناه ظهر لك أن حمل الشارح والأقفهسي والبساطي كلام المصنف على غريبين قدما وادعيا الزوجية غير ظاهر، وإنما مراده ما قلناه، كما هو في التوضيح وابن عرفة وغيرهما.
وحرم على المالك ذكرًا أو أنثى ملكه، أي: التزويج به، فلا يتزوج الرجل أمته ولا المرأة عبدها؛ للإجماع على أن الملك والزوجية لا يجتمعان؛ لتنافي الحقوق.
واستشكال الشارح ذلك إذا كانت هي المملوكة لمطالبتها به بالنفقة على كل حال، وهو يطالبها بما يطالب به الزوج من الاستمتاع والخدمة، وهو لا ينافي الملك، يرد بأن نفقة الرقيق وكسوتها ليسا كالزوجية، وأيضًا للحرة المطالبة بالوطء دون الأمة، وكذا الخدمة تختلف والملك يشمل الكامل والمبعض وذو الشائبة كالكتابة والتدبير وأمومة الولد والعتق لأجل.
[وطء الأب أمة ابنه:]
ولما كان للوالد في مال ولده شبهة، قال: أو كانت الأمة لولده، أو ابن ابنه، وفسخ نكاح من تزوج أمته أو أمة ولده، وإن طرأ ملكه لها أو لبعضها بعد التزويج بشراء أو ميراث أو غيره بلا طلاق؛ للإجماع على تحريمه.
سحنون: بطلاق.
كامرأة حرة في زوجها يفسخ نكاحها إذا ملكته بوجه مما تقدم، ولا صداق قبل البناء، ولو كان ملكها له بدفع مال منها لسيده ليعتق عنها
[ ٤ / ٧٥ ]
وفعل؛ ليتوقف عتقه عنها على ملكها إياه بمجرد ملكها، ولو تقديًا، ينفسخ عند ابن القاسم.
لا إن رد سيد شراء من لم يأذن لها في التجارة، فاشترت زوجها بمالها، فلا ينفسخ، ويبقيان على نكاحهما في ذلك الزمن؛ لأن شراءها لم يتم برده، وأما إذا كانت تجارتها في مال السيد بإذنه واشترته للتجارة، فالظاهر عدم الفسخ، رد السيد شراءها أو لم يرده.
أو قصدا -أي: الأمة وسيدها- بالبيع -أي: بيعها زوجها لها- الفسخ لنكاح العبد لم ينفسخ، وهو قول سحنون في المدونة، ونصها: وإن اشترت زوجها قبل البناء انفسخ النكاح، ولا مهر لها.
فقول سحنون تفسيرها، ورجحه المتأخرون.
قيل: وهو الظاهر على قواعد المذهب؛ لأن الطلاق بيد العبد، فلا تخرج من عصمته بالضرر.
فوائد:
الأولى: قال ابن ناجي: يقوم من قول سحنون في المسألة السابقة بعد الفسخ مع القصد خلاف ما أفتى به شيخنا غير مرة في الزوج يطلق زوجته بدينار مثلًا على إن أعطاه له أجنبي، وقصد بذلك المحل إسقاط نفقة العدة أنه ماض، واللَّه تعالى أعلم.
الثانية: من قال لزوجته: إن فعلت كذا، ففعلته وقصدت تحنيثه، لا يحنث، وهو قول أشهب، خلافًا لابن القاسم حكى القولين ابن رشد بغير ترجيح.
وظاهره: أن الخلاف حقيقي، وهو ظاهر إطلاق صاحب المختصر في قوله: (أو أحنثه فيه) فإن شارحه قال: هو قول المدونة: ومن قال لزوجته: إن دخلت بيتًا فأنت طالق فدخلت في مرضه لزمه الطلاق وورثته، وهو قول ابن القاسم.
وقال أشهب: لا يحنث. انتهى.
[ ٤ / ٧٦ ]
لكن يحتمل أن يكون قول أشهب تفسير لقول ابن القاسم، فيتفقان.
الثالثة: أقام بعض المتأخرين أن من ارتد في مرضه قاصدًا الفرار بماله من وارثه أنه يرثه، ويعاقب بنقيض قصده. انتهى.
فما أقامه بعض المتأخرين من أنه يرثه خلاف قول صاحب المختصر في باب الردة: ومال العبد لسيده، أي: لأنه لا يأخذه إلا بالملك، لأنه لا يخرج عن ملكه بالردة، وأما الحر فماله فيء للمسلمين.
قال بهرام: ولا خلاف فيه عندنا. انتهى.
وظاهره العموم، ولو قصد بردته حرمانه أو لا، ويحتمل أن إقامة بعض المتأخرين تفسير للإطلاق، واللَّه أعلم (١).
_________________
(١) قال في المنح (٣/ ٣٤٨): " (أو)، أي: لا يفسخ النكاح بشراء الأمة زوجها من سيده إن (قصدا)، أي: السيد والزوجة الأمة أو الحرة التي اشترت زوجها من سيده (بالبيع)، أي: بيع زوجها لها (الفسخ) لنكاح الزوج فلا ينفسخ معاملة لهما بنقيض قصدهما. واحترز عن قصد السيد وحده ذلك فيوجب الفسخ على بحث ابن عبد السلام، قال نعم لو تعمدت هي ذلك دون سيدها البائع لكان له، أي: عدم الفسخ وجه كما لو ارتدت قاصدة بذلك فسخ النكاح فلا يفسخ وتستتاب، ففي مفهوم قصدًا تفصيل، فقصد السيد وحده يوجب الفسخ، وقصدها وحدها لا يوجبه، ونازعه الحط بقوله هذا الذي قاله فيما إذا قصدت وحدها ظاهر. وأما قوله: إذا قصد السيد وحده فلا معنى له فغير ظاهر، بل الحق قول ابن عرفة فيه نظر. والظاهر أنه لا يفسخ كما في الهبة الآتية، وعلى هذا فيقرأ قوله قصد بلا ألف بالبناء للمفعول ليعم كل قصد فتأمله واللَّه أعلم. طفي وقد يقال الصواب ما قاله ابن عبد السلام ولا دليل في مسألة الهبة لأنها غير طائعة فيها فلم يلتفت لقصدها بخلاف مسألة البيع. البناني فيه نظر، بل الصواب ما في الحط أن مسألة ابن عبد السلام ومسألة الهبة كل منهما ليس فيه إلا قصد السيد وحده، فلا فرق بينهما. وعبارة ابن الحاجب فإن قصدا فسخ نكاحها بالبيع فلا يفسخ. ابن عبد السلام ينبغي إن تعمدا بألف التثنية على أنه فاعل كما نص عليه سحنون بقوله =
[ ٤ / ٧٧ ]
[مسألة:]
ثم شبه في عدم الفسخ، فقال: كهبتها -أي: الزوجة المملوكة- للعبد في ملكه لينتزعها السيد، لم ينفسخ النكاح للحيلة بعد تمام الهبة، فأخذ من الحكم المذكور وجبر العبد على قبول الهبة من سيده؛ إذ لولا ذلك لكان من حجته أن يقول: لا أقبل هذه الهبة.
البساطي: فإن قلت: إذا قبل لا ينفسخ، وإذا رد لا ينفسخ، فاستويا.
قلت: عدم فسخ النكاح في الأولى معلل بأنه حيلة، فظاهره: لو سلم من الباطن انفسخ، وعدم فسخه في الثاني لعدم موجبه، وهو ملك الزوجة، فبينهما فرق واضح. انتهى.
[ملك الأب جارية ابنه:]
وملك أب جارية ابنه بتلذذه بها بوطء أو غيره؛ لما له في ماله من الشبهة، ولا يحد، ويتم ملكه لها بالقيمة يوم الوطء، لا مجانًا، ولو لم تحمل وكان عديمًا، ولا يطأها إلا بعد استبرائها من مائه الفاسد، وتباع عليه لعدمه في القيمة، وللولد أخذها من القيمة، وإن حملت لم تبع وبقيت أم ولد، وحرمت عليهما إن وطئاها، كل بوطء الآخر، وطئها الابن قبل أو بعد، وعتقت على مولدها منهما ناجزًا؛ لأن كل أم ولد حرم وطؤها وجب عتقها، كمستولد محرمًا غير عالم، ثم تبين له ذلك ينجز عتقها؛ ففي المدونة: إن وطئ أم ولد ابنه غرم قيمتها، وعتقت عليه، وولاؤها لابنه. أي: لئلا ينتقل الولاء.
[نكاح العبد ابنة سيده:]
وجاز لعبد ولو مكاتبًا تزوج ابنة سيده برضاها ورضى أبيها، وأشار
_________________
(١) = إلا أن يرى أنها وسيدها اختريا فسخ النكاح، فلا يجوز ذلك، وبقيت زوجة، والواقع فيما رأيته من نسخ هذا الكتاب بدون ألف ولا معنى له، نعم لو تعمدت هي ذلك دون السيد البائع لكان له وجه كما لو ارتدت قاصدة بها فسخ النكاح فلا يفسخ وتستتاب اهـ".
[ ٤ / ٧٨ ]
بقوله: بثقل؛ لقولها: كان مالك يستثقله، وحمله الأشياخ على الكراهة مخافة أن ترثه بموت أبيها، أو لكونه من ذي الأمور.
[نكاح الأمة:]
ولما كان نكاح الأمة جائز في مواضع، أشار لأحدها بقوله: ولعبد تزوج ملك غير مطلقًا خشي العنت أو لا.
وقال اللخمي: لأن ولده رقيق بكل حال.
ولثانيها بقوله: كحر لا يولد له، كخصي ومجبوب، ولثالثها بقوله: وكأمة الجد، وإن علا، وكالجدة، وأحرى الأب والأم، وإنما لم يقيد الجد بكونه حرًا لما هو معلوم من أن ولد أمة الرقيق رقيق.
ولرابعها بقوله: وإلا بأن لم يكن الحر على الأوصاف السابقة، بأن كان يولد له، والأمة لأجنبي، فإن خاف على نفسه زنا إن لم يتزوج الأمة جاز له نكاحها؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾، وفسر بالزنا.
ابن بشير: اختلف إن أعفته واحدة، ففي الواضحة: لا يزيد، وفي الموازية: يزيد.
وعدم ما -أي: مال- يتزوج به حرة، وهو الطول، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية.
وظاهره: ولو لم يجد ما ينفقه عليها، وهو رواية محمد، خلافًا لأصبغ في قوله: عدم الطول ما لا يصلح لنكاح الحرة من مهر ونفقة ومؤنة.
اللخمي: وهو أبين.
ثم وصف الحرة بقوله: غير مغالية في مهرها عن العادة، بحيث تصل حد السرف، فإن كانت مغالية تزوج الأمة؛ لأنه عذر، ولو كانت الحرة غير المغالية كتابية، فيتزوجها، ولا يتزوج الأمة، وأشار بـ (لو) لخلاف ابن العربي؛ فإن الإسلام شرط لظاهر الآية.
[ ٤ / ٧٩ ]
أو تحته حرة، فإن غير طول لا يمنع تزويج الأمة.
وتلخص من كلامه: جواز نكاح الأمة بشرطين، واللَّه أعلم.
تنبيهات:
الأول: إذا فرعنا على المشهور في المنع إلا بالشرطين، فهل المنع تحريم أو كراهة.
الباجي: في المدونة ما يدل على القولين.
الثاني: سكوت المصنف هنا عن ذكر كونها مسلمة لأنه سيأتي في مفهوم قوله: (إلا الحرة الكتابية بكرًا).
الثالث: كلام المؤلف مشعر بأن من تزوج الأمة بشرطه، ثم زال المبيح لم ينفسخ نكاحه، وهو كذلك على أحد أقوال ثلاثة.
[ما له النظر من سيدته:]
ولعبد بلا شرك ومكاتب وغدين، أي: قبيحي المنظر نظر شعر السيدة المالكة لهما على المشهور، فلو كان لها فيهما شرك منع نظرهما لشعرها، وغدين كانا أو لا.
وإذا لم يجز للمشترك فعبد زوجها والأجنبي أحرى، وهو كذلك، وحكى اللخمي فيها خلافًا، وتخصيصه الجواز بنظر الشعر يقتضي منع غيره.
كخصي وكد رقيق لزوج يجوز له نظر شعر زوجة سيده، قاله مالك.
قال: وإن كان له منظرًا فلا أحبه.
وروي عن مالك جوازه، وإن لم يكن لها بل لأجنبي، ويحتمل قوله: (وإن لم يكن لها)، أي: بل كان حرًا قبل، وفي بعض النسخ: (وإن لم يكن لهما)، بتثنية الضمير، أي: وإن لم يكن للزوجين، بل لأجنبي.
[خيار الحرة المنكوحة على الأمة:]
وإذا تزوج الحر لأمة بشرطه ثم تزوج عليها حرة ولم تعلم بالأمة
[ ٤ / ٨٠ ]
خيرت الحرة على المشهور وروجع إليه مالك مع الحر في نفسها بين أن تقيم مع الأمة أو تفارق ولابن الماجشون تخير في نكاح الأمة لا في نفسها بطلقة بائنة؛ لأنها التي تملك.
ومفهوم (حرة): أن الأمة على الأمة لا خيار لها إن تزوج عليها أمة؛ لأنها من نسائه.
ومفهوم (في نفسها) أنها لا تخير في نكاح الأمة، ومفهوم (بطلقة) أنها لا توقع أكثر، وهو المشهور.
كتزويج أمه عليها، أي: على الحرة، فلها الخيار على المشهور، أو تزوج ثانية على حرة علمت بها.
أو تزويج الحرة على علمها بواحدة فألفت عنده أكثر مما علمت، فلها الخيار فيهما؛ لأنها تقول في الأولى: لم أرض إلا بواحدة، وفي الثانية: لم أعلم بأكثر.
تنبيه:
تردد البساطي في كون قوله بواحدة فأكثر مثالًا، فلا فرق بين واحدة فأكثر، أو ليس بمثال؛ لأن الواحدة قد تدعو إليها دواع، فلا يلزم من اعتبارها اعتبار غيرها، وأصله سؤال وجواب من الشارح، قال في آخره: لا عبرة بتقييد العلم بواحدة.
[تبوُّؤ الأمة:]
ولا تبوأ أمة قن أو مدبرة أو معتقة لأجل، أي: تنفرد عن سيدها ببيت مع زوجها بلا شرط على سيدها، أو بلا عرف، بل تبقى ببيت سيدها، ويأتيها زوجها فيه؛ لأن انفرادها معه يبطل خدمة سيدها كلها أو غالبها، وإذا اشترط تبوؤها فقال ابن عبد السلام: ظاهر نصوصهم أن لسيدها فيها من الاستخدام ما لا يشغلها عن زوجها.
[ ٤ / ٨١ ]
[سفر سيدها بها:]
ويجوز للسيد السفر بمن -أي: بأمة زوجها حيث شاء- إن لم تبوأ مع زوجها عنه بيتًا بشرط أو عرف، ومفهومه: إن بُؤِّئت بيتًا لم يكن له السفر بها.
[الوضع من صداقها:]
ويجوز له أن يضع عن الزوج من صداقها بغير إذنها إن لم يمنعه دينها المحيط الذي أذن لها سيدها فيه؛ لأنه حق له، ولو قلنا العبد يملك فإن لم يكن عليها دين فله إسقاطه، إلا ربع دينار، فليس له إسقاطه؛ لحق اللَّه تعالى.
[من حق السيد:]
وله منعها من الدخول على الزوج حتى يقبضه كالحرة، ومثله في المدونة.
وله أخذه وإن قتلها؛ إذ لا يتهم على قتلها لذلك، ومثله في الموازية، أو باعها السيد بمكان بعيد يشق على الزوج منه، وإليه أشار بقوله: إلا لظالم، فلا يلزم الزوج شيء، ويقضي على البائع برده للزوج.
ومتى قدر الزوج على الوصول إليها دفعة، قاله أبو عمران.
[تجهيز السيد إياها وعدمه:]
ولما ذكر في النكاح الثاني في المدونة ما يدل على أن للسيد قبض صداقها وتركها بغير جهاز، وفي رهونها ما يخالف ذلك، وهو لزوم السيد تجهيزها بصداقها، أشار لما في الموضعين بقوله: وفيها يلزمه تجهيزها به، وهل هو -أي: مما في الموضعين- خلاف.
ابن عبد السلام: وعليه الأكثر.
وهو التأويل الأول، أو وفاق، وعليه الأقل، وهو التأويل الثاني؟ تأويلان.
[ ٤ / ٨٢ ]
وأشار إلى التوفيق بين ما في نكاحها ورهونها بوجهين، فقال: أو الأول وهو ما في نكاحها من جواز أخذ صداقها محمول على لم تبوأ معه بيتًا، وما في رهونها محمول على أنها بوئت معه، أو الأول محمول على أنه جهزها من عنده، فساع له أخذه، والثاني لم يجهزها فلزمه تجهيزها به؟ تأويلان، وحذف (تأويلان) من الأول لدلالة الثاني.
وفي بعض النسخ (تأويلات) بالجمع إشارة إلى الأولين والأخيرين، واللَّه أعلم.
[ما يسقط ببيعها:]
ولما قدم أن للسيد منع تسليمها للزوج حتى تقبض صداقها، قال: وسقط ببيعها قبل البناء منع البائع والمشتري من تسليمها للزوج حتى يقبض صداقها، فمنع تسليمها هو فاعل سقط، وعلله بقوله: لسقوط تصرف البائع بعد البيع؛ لعدم بقائها في ملكه وحق المشتري إذ ليس له صداقها؛ لأنه كمالها، ومالها للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع.
[ما يسقط بعتقها:]
وسقط عن المعتقة الوفاء بالتزويج إذا أعتق سيدها عليه، فلا يلزم على المشهور، ومثله من أعتقته سيدته على ذلك.
المتيطي: وعليه العمل.
ولم يعتبروا هنا الوعد المورط؛ لتشوف الشارع للحرية.
[سقوط الصداق:]
وسقط صداقها إذا باعها سيدها لزوجها قبل البناء، ولو قبضه رده للزوج؛ لأن الفسخ جاء من قبله.
وهل يسقط هذا الصداق ولو ببيع سلطان لفلس، وهو ظاهر المدونة، أو لا يسقط ببيع السلطان، وهو للعتبية، فالذي في الكتابين خلاف، قاله أبو عمران.
[ ٤ / ٨٣ ]
أو هما متوافقان، ومعنى المدونة أن الزوج يرجع به، ولكن لا يرجع به من الثمن؛ لأنه لا يرجع به مطلقًا؛ إذ لا ينفسخ النكاح إلا بعد تقرر البيع، والبيع موجب لدفع الثمن بكماله، وأخذ الصداق طارئ بعد فسخ النكاح المتأخر عن البيع، فيتفق ما في الكتابين، وعليه الأكثر، تأويلان.
[محل الصداق للسيد:]
وإن اشتراها زوجها بعده -أي: البناء- فصداقها كمالها يستحقه سيدها إلا أن يشترطه المبتاع.
[ما يبطل نكاح الأمة:]
وبطل النكاح في الأمة حيث يمنع تزويجها لعدم استيفاء الشروط، إن جمعها في عقد واحد مع حرة فقط، وصح في الحرة.
وظاهره: البطلان، ولو سمى لكل واحدة صداقًا، وهو كذلك عند ابن القاسم.
سحنون: يبطل نكاحهما معًا.
بخلاف الخمس يجمعن بعقد واحد، فيبطل في الجميع، ويفسخ، ولو ولدت.
وبخلاف المرأة ومحرمها، كأمها وأختها وخالتها وعمتها، لا يجمعان في عقد اتفاقًا، وتقدم إذا تزوج بهم واحدة بعد أخرى.
[العزل:]
ولزوجها -أي: المرأة- العزل، وهو النزع عند الإحساس بنزول المني خارج الفرج، إن أذنت حرة في ذلك؛ لأنه حق لها.
ولزوج الأمة العزل إذا أذن سيدها، كالحرة إذا أذنت هي أيضًا، ولا يكفي إذن أحدهما فقط وأما المالك فيجوز له العزل عن أمته بغير إذنها.
[نكاح الكافرة:]
والكافرة مطلقًا يحرم على المسلم نكاحها إلا الحرة الكتابية بدار
[ ٤ / ٨٤ ]
الإسلام فلا يحرم نكاحها إلا الأمة الكتابية على المشهور المعمول به، وعدم الحرمة بكره عند مالك.
وهل ذلك -أي: الكره- لأنها تتغذى بالخمر والخنزير، وتغذي ولده بهما، أو خوف موتها حاملًا، فيدفن في مقابرهم، وهي حفرة من حفر النار، أو للسكون والمودة أقوال.
وتأكد كره تزو الحرة الكتابية بدار الحرب لتركه ولده بها، ولأنه لا يؤمن أن تربيه على دينها، وتدين له وقت خلو قلبه ما يتمكن منه، ولا تبالى إن اطلع أبوه على ذلك.
وكراهة نكاح الحرة الكتابية ولو يهودية تنصرت وبالعكس نصرانية تهودت؛ لأنها تقر على ذلك؛ إذ الكفر كله ملة واحدة.
وإلا أمتهم، فيجوز وطؤها بالملك، ويجوز أن يقرأ (أمتهم) بالرفع، على أنه مبتدأ محذوف خبره، أي: وأمتهم كذلك، وإنما جاز لأن القاعدة أن كل من جاز وطء حرائرهن بالنكاح جاز وطء إمائهن بالملك، وكل من منع وطء حرائرهن بالنكاح منع وطء إمائهن بالملك.
[إقرار الكفرة على زواجهم:]
وقرر زوج الكتابية عليها إن أسلم، وليست من محارمه، كما سيأتي، وأنكحتهم فاسدة، فكان الأصل أن لا يقرون عليها، ولكن جاءت السنة بذلك.
وظاهره: فسادها، ولو وقعت مستوفاة لشروط الصحة، خلافًا للقرافي.
[إسلام الزوج:]
ويقرر من أسلم على نكاح المجوسية إن عتقت وأسلمت لف ونشر مرتب، ولم يبعد إسلامها من إسلامه كالشهر، ونحوه في المدونة، فيحتمل أنه تمثيل للقريب، ويحتمل للبعيد.
البساطي: وهو ظاهر كلامه، فيخالف ما فيها، فيحمل كلامه على أن
[ ٤ / ٨٥ ]
كالشهر مثالًا للمنفي، باقيًا على نفسه، أي: غير البعيد كالشهر فيتفقان.
[محل الإقرار:]
وهل محل إقراره على ذلك إن غفل عن إيقافها هذه المدة، وأما إذا لم يغفل فإنه يعرض عليها الإسلام، فإن أبته وقعت الفرقة بينهما، وهو تأويل ابن لبابة وغيره من المدنيين، جعلوا قول ابن لبابة موافقًا لقول مالك: إن عرض عليها الإسلام فأبت فرق بينهما، ولم توقف.
أو مطلقا: غفل عن إيقافهما أو لا، وهو قول ابن أبي زمنين: المعروف أنها إذا وقفت إلى شهر وبعده أسلمت، فإنها امرأته تأويلان.
وظاهره: بنى بها أو لا، وهو قول ابن القاسم، خلافًا لأشهب: لا يفرق بينهما في المدخول بها حتى تنقضي العدة، ويفرق بينهما في غيرها بمجرد إسلامه.
[النفقة:]
ولا نفقة لها على الزوج فيما بين إسلامهما؛ لأن الامتناع منها لتأخرها عن الإسلام.
ابن ناجي: اتفاقًا.
[إسلامها فإسلامه:]
أو أسلمت ثم أسلم في عدتها، فيقران على نكاحهما، ثم بالغ على كونهما يقران بقوله: ولو طلقها بعد إسلامها، ولو ثلاثًا؛ إذ لا عبرة بطلاق الكافر، ولا نفقة لها عليه فيما بين إسلاميهما على المختار، الذي استحسنه اللخمي من الخلاف، وعلى الأحسن عند ابن رشد، حيث قال: هو القياس.
وأفتى به أصبغ؛ لأنه أحق بها ما دامت في العدة.
تنبيه:
هذا الخلاف ما لم تكن حاملًا، فإن كانت فالنفقة حينئذ اتفاقًا، حكاه ابن عبد السلام وابن حارث.
[ ٤ / ٨٦ ]
[إسلامها قبل البناء:]
وإن أسلمت كافرة قبل إسلام زوجها، وكان ذلك قبل البناء بها بانت مكانها قولًا واحدًا.
وهل هو أحق بها مع القرب؛ بناءً على أن ما قارب الشيء يعطى حكمه، أو لا؟ قولان.
[إسلامهما معًا:]
أو أسلما معًا فيقران على نكاحهما لمجيئهما مسلمين إلا المحرم، بفتح الميم نسبًا أو رضاعًا، كأخته مثلًا فلا يقران عليه ويفرق بينهما اتفاقًا سواء أسلم فقط أو هي فقط أو هما.
[زواجها في العدة:]
وكذا إذا تزوجها في العدة أو إلى أجل وأسلما قبل انقضاء العدة، وقبل انقضاء الأجل، وتماديا له -أي: للأجل- بأن قالا: نتمادى إليه خاصة؛ لأنه نكاح متعة.
وأما إن قالا: نتمادى مطلقًا، صح؛ لأنه لا يصير حينئذ نكاح متعة، وإن كان أصله كذلك.
[تطليقها ثلاثًا:]
ثم بالغ على بقائهما على نكاحهما الأول، فقال: ولو طلقها ثلاثًا، ثم أسلمت عقب الطلاق؛ لأنه فرع صحة النكاح، وهو فاسد على المشهور، ونبه بـ (لو) على خلاف المغيرة من اعتبار طلاقه، فلا تحل إلا بعد زوج.
[إرجاعها:]
وعقد عليها إن أبانها بالثلاث، وخرجت من حوزه، بلا محلل، وعند المغيرة: لا بد من المحلل.
[ ٤ / ٨٧ ]
[ما لا يقران فيه:]
وفسخ نكاح الزوجين لإسلام أحدهما فيما لا يقران فيه على الزوجة بلا طلاق على المشهور، لا ردة أحد الزوجين ففسخه بطلقة على المشهور، ثم وصف الطلقة بقوله: فبائنة على المشهور، ولا رجعية، خلافًا للمخزومي، وثمرة الخلاف عدم رجعتها إن تاب في العدة على الأول دون الثاني.
ولو كانت ردته لدين زوجته يهودية أو نصرانية، قال الشارح: ويحتمل ما هو أعم، فيحال بينهما على المشهور.
[لزوم الثلاث للذمي:]
واختلف في لزوم الطلاق الثلاث لذمي طلقها ذلك، ولم يفارقها، وترافعا إلينا للحكم بينهما كالمسلمين؛ إذ هو حكم الإسلام في الإسلام، وبه قال ابن عيشون.
أو إن كان نكاحهما صحيحًا في الإسلام، ألزمناه الثلاث، وإن كان غير صحيح لم نلزمه شيئًا، وبه قال ابن أبي زيد، أو نلزمه بالفراق مجملا دون عدد، وبه قال القابسي، أو لا نلزمه شيئًا أصلًا؛ إذ حكمنا في طلاقهم تركهم، وبه قال ابن أخي هشام وابن الكاتب وغير واحد، واستظهره عياض، تأويلات في فهم قولها: وإذا طلق الذمي امرأته ثلاثًا ورفعت أمرها للحاكم فلا يحكم بينهم إلا أن يرضيا بحكم الإسلام، فهو مخير إن شاء حكم، وإن شاء ترك، فإن حكم حكم بينهم بحكم الإسلام، قال: وأحب إليّ أن لا يحكم بينهم، وطلاق الشرك ليس بطلاق.
تنبيهان:
الأول: ظاهر كلامه كالمدونة أنه لا يشترط رضى أساقفتهم، واللَّه أعلم، وعليه حملها صاحب الاستلحاق، وابن محرز، ولابن القاسم في العتبية: لا بد من رضى أساقفتهم، واللَّه أعلم.
[ ٤ / ٨٨ ]
الثاني: مفهوم (ترافعا) أنهما لو لم يترافعا لم يفرض لهما بشيء؛ لأن طلاق الكفر غير معتبر.
[مضي صداق الكفار الفاسد:]
وإذا عقد الكفار نكاحًا على خمر أو خنزير ونحوه مما لا يتمول شرعًا ثم أسلموا، مضى صداقهم الفاسد، أو عقدوه بشرط الصداق، ثم أسلموا مضى الإسقاط أيضًا، إن قبض غير المتمول في الأول، وبنى (قُبِضَ) للمفعول ليعم قبض المرأة وغيرها ممن له ذلك.
ودخل الزوج راجع للمسألتين، أما الأولى فلأن كلًّا منهما قبض ما عاوض عليه في وقت يجوز له ذلك، وحكم الثانية أيضًا المضي.
وظاهر قوله: (مضى) الإسقاط؛ إذ لا شيء لها، وهو قول ابن المواز.
عياض: وهو الصحيح.
ابن يونس: وهو ظاهر المدونة.
وإلا فكالتفويض، يدخل تحته ثلاث صور:
- الأولى: بأن لم يقبض ولم يدخل، ضد ما قبلها، فيخير بين أن يعطيها صداق مثلها، ونلزمها، أو يفسخ عن نفسه ولا شيء عليه.
- الثانية: أن يقبضه، ولم يدخل، والمشهور أنه مخير: إن فوض لها لزمها، ولا يلزمه أن يفرض، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، وقول الشارح في الأوسط: (لها صداق المثل) سبق قلم.
- الثالثة: أن يدخل ولم تقبض لها صداق مثلها.
[محل الإمضاء:]
وهل محل إمضاء صداقهم الفاسد إن استحلوه في دينهم، فهو شرط مقصود لابن القاسم عند بعض الأشياخ؛ إذ لو دخلوا وهم لا يستحلونه لكان زنا لا نكاحًا، فلا يثبت بالإسلام إلا أن يكونوا تمادوا عليه قبل
[ ٤ / ٨٩ ]
الإسلام على وجه النكاح، أو يمضي الفاسد مطلقًا استحلوه أو لا، تأويلان.
البساطي: عندي أن قولهم وهم يستحلونه قيد في الإسقاط، لا في الخمر والخنزير، لأنه تكلم في المدونة على نكاح النصارى، وهم يتقربون بالخمر فضلًا عن المعاملة به، ولا يخفى هذا على الأئمة من حالهم. انتهى.
وسبقه ابن عرفة لهذا، وبحث في التأويل الأول، فانظره.
[الإسلام على أكثر من أربعة:]
واختار المسلم على أكثر من أربع أربعًا منهن، إن أسلمن معه، أو كن كتابيات، أو بعضهن مسلمات وبعضهن كتابيات، إن لم تكن المختارات أواخر، بأن كن في عقد واحد، أو متفرقات، أو أوائل، بل وإن كن أواخر بنى بهن أو بعضهن؛ لما اشتهر أن غيلان الثقفي (١) أسلم على عشر، وأسلمن، فأمره رسول اللَّه -ﷺ- أن يمسك أربعًا ويفارق سائرهن ففعل (٢).
_________________
(١) هو: غيلان بن سلمة الثقفي، (٠٠٠ - ٢٣ هـ = ٠٠٠ - ٦٤٤ م): حكيم شاعر جاهلي. أدرك الإسلام وأسلم يوم الطائف وعنده عشر نسوة، فأمره النبي -ﷺ- فاختار أربعًا، فصارت سنة. وكان أحد وجوه ثقيف، انفرد في الجاهلية بأن قسم أعماله على الأيام، فكان له يوم يحكم فيه بين الناس، ويوم ينشد فيه شعره، ويوم ينظر فيه إلى جماله. وهو ممن وفد على كسوى وأعجب كسرى بكلامه. ينظر الأعلام (٥/ ١٢٤).
(٢) من حديث الحارث بن قيس أخرجه أبو داود (٢/ ٢٧٢، رقم ٢٢٤١)، والطحاوي (٣/ ٢٥٥)، والبغوي في معجم الصحابة (٢/ ٧٧، رقم ٤٦٠)، وقال: لا أعلم للحارث بن قيس حديثا غير هذا. وابن قانع (٢/ ٣٥٣) والدارقطني (٣/ ٢٧٠) وأخرجه أيضًا: البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٦٢)، وابن ماجه (١/ ٦٢٨، رقم ١٩٥٢)، وأبو يعلى (١٢/ ٢٩٠، رقم ٦٨٧٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٢٠٧، رقم ٢٧٣٧)، والطبراني (١٨/ ٣٥٩، رقم ٩٢٢)، والبيهقي (٧/ ١٤٩، رقم ١٣٦٢٤). ومن حديث عبد اللَّه بن عمر: أخرجه الطبراني (١٢/ ٣١٥، رقم ١٣٢٢١). وأخرجه أيضًا: أحمد (٢/ ١٣، رقم ٤٦٠٩)، وأبو يعلى (٩/ ٣٢٥، رقم ٥٤٣٧)، قال الهيثمي (٤/ ٢٢٣): رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى، ورجال أحمد رجال الصحيح. والطبراني في الشاميين (٢/ ٢٣٤، رقم ١٢٤٩) وابن حبان (٩/ ٤٦٣، رقم ٤١٥٦)، والحاكم (٢/ ٢١٠، رقم ٢٧٨٠).
[ ٤ / ٩٠ ]
تنبيهان:
الأول: يختار، ولو كان مريضًا أو محرمًا، أو كانت المخير فيها أمة، وهو واجد للطول، واللَّه أعلم.
الثاني: رد البساطي قول الشارح: (وقع في بعض النسخ "وإن أوائل"، ولا معنى له)، بقوله: (بل له معنى، وهو أن الخيار منسحب على الأوائل، خلافًا للحنفية في تعيين الأوائل) ظاهر.
[الإسلام على أختين:]
واختار إحدى أختين أسلم عليهما، كـ: فيروز الديلمي (١)، مطلقًا:
_________________
(١) قال الحافظ في الإصابة (٥/ ٣٧٩، وما بعدها): "فيروز الديلمي ويقال ابن الديلمي يكنى أبا الضحاك، ويقال: أبا عبد الرحمن يماني كناني من أبناء الأساورة من فارس كان كسرى بعثهم إلى قتال الحبشة وفد على رسول اللَّه -ﷺ- ويقال له الحميري لنزوله بحمير ومحالفته إياهم وروى عنه أحاديث ثم رجع إلى اليمن فأعان على قتل الأسود العنسي وروى عنه أولاده الثلاثة الضحاك وعبد اللَّه وسعيد وأبو الخير اليزني وأبو خراش الرعيني وغيرهم قال ابن حبان: يكنى أبا عبد الرحمن كان من أبناء فارس وقتل الأسود الكذاب وسكن مصر ومات ببيت المقدس، وقال ابن منده: يقال إنه ابن أخت النجاشي، ذكره أبو عمر فتناقض فيه فقال في أول الترجمة أن حديثه عن النبي -ﷺ- في الأشربة حديث صحيح وكان ممن وفد على النبي -ﷺ- وقال في آخرها: الذي عندي أنه لا يصح وحديثه مرسل وروايته عن رجل من الصحابة وعن يعلى بن أمية أيضًا، وقال الجوزجاني: اختلف الناس فيه فالأكثر أنه إنما قدم بعد رسول اللَّه -ﷺ- وتعقب بأن حديثه في نسائه يدل على أنه قدم قبل ذلك أخرجه أبو داود والترمذي من طريق ابن فيروز الديلمي عن أبيه قال: قلت: يا رسول اللَّه إني أسلمت وتحتي أختان قال: "طلق أيتهما شئت" وفي سنده مقال؛ فإنه من رواية ابن لهيعة عن أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز الديلمي أنه سمعه يخبر عن أبيه أنه وفد على رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه إني أسلمت وتحتي أختان الحديث، وأخرجه البغوي من وجه آخر عن عبد اللَّه بن الديلمي عن أبيه فيروز قال قدمت على رسول اللَّه -ﷺ- فقلت: يا رسول اللَّه إنا أصحاب أعناب الحديث وفي آخره فقلت: فمن ولينا؟ قال: "اللَّه ورسوله" وهذا هو حديثه في الأشربة الذي أشار إليه أبو عمر أولًا وأظن الجوزجاني إنما أشار إلى حديثه في أنه أتى النبي -ﷺ- برأس الأسود وأخرجه من طريق ضمرة عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه عن عبد اللَّه بن =
[ ٤ / ٩١ ]
كانتا في عقد أو عقدين، دخل بهما أو بإحداهما، أو لا، شقيقتين أو لا، ولو أدخل الكاف على أختين ليعم كل محرمتي الجمع لكان أحسن.
[الإسلام على أم وابنتها:]
واختار أما وابنتها لم يمسهما على المشهور؛ لأن العقد الفاسد لا أثر له، وإلا لحرمت الأم مطلقًا، وإن مسهما حرمتا أبدًا؛ لأنه وطء شبهة، وهو ينشر الحرمة، وإن مس إحداهما تعينت للبقاء، وحرمت الأخرى البنت اتفاقًا، والأم على مذهب المدونة، ومذهب مالك وأشهب أنهما يترافعان، بمعنى أن كل واحدة تحرم الأخرى، وبوطء الأم تحرم البنت.
[مسألة:]
ولا يتزوج ابنه، أي: ابن من أسلم أو أبوه من فارقها، وظاهره: التحريم، وهو حمل عياض قولها: لا يعجبني أن يتزوج البنت التي أرسلها.
ابن عبد السلام: ولا يبعد حملها على الكراهة.
[الاختيار بكطلاق:]
ولما كان الاختيار بصريح اللفظ واضحًا، لم يذكره، وذكر ما يستلزمه مما يتوهم أنه فراق لا اختيار، فقال: واختار بطلاق أو ظهار أو إيلاء؛ لأنها دلالة قولية لا يقع إلا على زوجة، أو وطء، وهي دلالة فعلية.
وظاهره: من غير نية.
_________________
(١) = الديلمي عن أبيه قال: أتيت النبي -ﷺ- برأس الأسود العنسي الكذاب فإن ضمرة لم يتابع عليه وأخرج سيف في الفتوح من طريق ابن عمر أن النبي -ﷺ- بشرهم بقتل الأسود العنسي قبل أن يموت وقال لهم: قتله فيروز الديلمي، وعند أبي داود أيضًا والنسائي: قدمت على رسول اللَّه -ﷺ- فقلت: يا رسول اللَّه إنا أصحاب كروم الحديث بطوله، وقال النعمان بن الزبير عن أبي صالح الأحمسي عن مر المؤدب قال: خرجت مع فيروز إلى عمر فقال: هذا فيروز قاتل الكذاب قال ابن سعد وأبو حاتم وغيرهما: مات في خلافة عثمان، وقيل: في خلافة معاوية باليمن سنة ثلاث وخمسين".
[ ٤ / ٩٢ ]
تتمة:
مقدمات الوطء كالوطء.
[مسألة:]
واختار الغير إن فسخ نكاحها، بأن قال: فسخت نكاح فلانة؛ لأنه إعلام بأنه لا يختارها، أو ظهر أنهن -أي: المختارات- أخوات، فله إتمام الأربع من غيرهن، ما لم يتزوجن.
تنكيت:
مقتضى كلامه هنا: أن مجرد تزوجهن مفيت للاختيار، وفي توضيحه جعلها من نظائر ذات الوليين، ومقتضاه أنه لا يفيتها إلا الدخول، وصرح ابن فرحون بتشهيره (١).
_________________
(١) قال في المنح (٣/ ٣٧٣): " (أو ظهر أنهن)، أي: المختارات (أخوات) أو نحوهن من محرمات الجمع، فله اختيار غيرهن، وله اختيار واحدة منهن وثلاث من البواقي، فلو قال: وواحدة ممن ظهرن كأخوات لكان أحسن ويختار ممن سواهن (ما لم يتزوجن)، أي: ما سوى المختارات اللاتي ظهرن أخوات زوجًا غير من أسلم عليهن، فإن تزوجن غيره فتن عليه تت، تنكيت: مقتضى كلامه هنا أن مجرد تزوجهن مفيت الاختيار وفي توضيحه جعلها نظير ذات الوليين، ومقتضاه أنه لا يفيتهن إلا الدخول، وصرح ابن فرحون بتشهيره. طفي لا تنكيت على المصنف إذ بهذا عبر اللخمي وابن شاس وابن الحاجب وابن عرفة، ونسبوه لابن الماجشون ولم يقابلوه إلا بقول ابن عبد الحكم له اختيارهن ولو دخلن، فظاهر كلامهم أو صريحه أن مجرد التزوج فوت إذ لو كان الدخول شرطًا ما أغفله هؤلاء الأئمة، ولا يعارضه ما تقدم للمصنف في النظائر لاحتمال ذكرها هناك باعتبار مقابلتها للمسائل التي لا يفيتها الدخول لا باعتبار أنه لا يفيتها إلا الدخول، ولا تقوم الحجة على المصنف بتشهير ابن فرحون، وتبع تت "س" وعج وغيرهما اهـ. البناني: وقول تت جعلها في التوضيح من نظائر ذات الوليين، وهو يقتضي أنه لا يفيتها إلا الدخول فيه نظر لأن ذكرها باعتبار أن الدخول يفيتها لا يلزمه أنه لا يفيتها إلا هو".
[ ٤ / ٩٣ ]
[مسألة:]
ولا شيء من الصداق لغيرهن -أي: غير المختارات- إن لم يدخل به -أي: بغير المختار- لأنه مغلوب على فسخه قبل البناء بغير طلاق، كاختياره واحدة من أربع رضيعات تزوجهن نكاحًا صحيحًا، وأرضعتهن امرأة، فله اختيار واحدة منهن ويجب فراق باقيهن، قاله ابن رشد.
وفي كونه بطلاق أو لا قولان، وحملُ الشارح كلام المؤلف على من أسلم على أربع رضيعات بعيدٌ؛ لاستفادته ممن أسلم على أختين.
[مسألة:]
وعليه -أي: على من أسلم على عشر- أربع صدقات فقط لجميعهن إن مات ولم يختر؛ إذ ليس في عصمته شرعًا إلا أربع غير معينات، فنقسم الأربعة عليهن، لكل واحدة خمسًا صداقها على المشهور.
[مسألة:]
ولا إرث بينه وبينهن إن تخلف من العشر أربع كتابيات عن الإسلام لجواز أن يختارهن دون المسلمات، وهن غاية ما يختار، أو أن يختار المسلمات أو البعض والبعض، فالشك حاصل في الكل، ولا ميراث مع الشك.
ومفهوم (أربع) أنه لو تأخر أقل فالإرث بين البواقي، فإن كان المتخلف واحدة قسم الميراث على تسع.
[مسألة:]
أو التبست المطلقة من زوجتين مسلمة وكتابية، بأن قال لهما: إحداكما طالق، ولم تعلم، ومات قبل البناء أو بعده، والطلاق بائن أو رجعي، وانقضت العدة قبل موته، فلا إرث بينه وبينها، وكذا لو ماتت المسلمة فلا ميراث له منها.
وفهم من قوله: (التبست) ثبوت الإرث حيث لا التباس، كما لو
[ ٤ / ٩٤ ]
أسلمت الكتابية، ثم مات فلا ميراث بينهما بالسوية، لأن كل واحدة منهما تدعي جميعه.
ثم أخرج من الالتباس قوله: لا إن طلق إحدى زوجتيه المسلمتين، والحال أنه دخل بإحداهما دون الأخرى، وجهلت من طلق، ثم مات، ولم تنقض العدة، فالميراث على كل حال؛ لأن سببه لا شك فيه، وإنما الشك في تعيين مستحقه.
وإذا كان كذلك فللمدخول بها الصداق كله للدخول، وثلاثة أرباع الميراث؛ لأنها إن كانت هي المطلقة فعدتها لم تنقضِ، فلها نصفه، وللأخرى نصفه، وإن كانت المطلقة غير المدخول بها فجميع الميراث للمدخول بها، فلها النصف بكل حال، ويقع النزاع بينهما وبين غير المدخول بها في النصف الآخر، فيأخذ نصفه، وهو الربع مضافًا للنصف الذي لها، فهو ثلاثة أرباع، والربع للأخرى، وهو قوله: ولغيرهما ربعه ولها ثلاثة أرباع الصداق؛ لأنها إن كانت هي المطلقة هي المدخول بها، فلها جميعه والنزاع بينهما وبين الورثة في النصف الثاني، فيقسم بينهما نصفين، فتأخذ نصفه، وهو الربع مع ما لها من النصف، ويصير لها ثلاثة أرباع.
[مرض أحدهما:]
واختلف هل يمنع النكاح مرض أحدهما المخوف منه الموت، سواء احتاج إليه أم لا، إن لم يأذن له الوارث، بل وإن إذن الوارث الرشيد، أو بحل المنع إن لم يحتج لمن يقوم به، أو للإصابة، فإن احتاج لم يمنع خلاف.
[ما للمريضة:]
ويجب للمريضة ترتكب النهي وتتزوج بالدخول الصداق المسمى عند مالك.
وقيل: صداق المثل.
وتأول أبو عمران على المدونة أن لها الأقل منه، ومن صداق المثل،
[ ٤ / ٩٥ ]
وتشمل عبارته ما إذا نكح تفويضًا، ثم سمى ومات بعد الدخول، فلها المسمى من مثله، ولو كان أضعاف صداق المثل، ولو مات قبل الدخول فلا شيء لها قاله في الذخيرة.
[مسألة:]
ويجب على المريض المتزوج في مرضه من ثلثه الأقل منه من المسمى ومن صداق المثل؛ لأن المسمى إن كان أقل من صداق المثل فقد رضيا به، وإن كان الأقل صداق المثل فقد رضي الحكم به كذا في التوضيح.
فقول الشارح: (ضمير منه الثلمث، أي: الأقل من الثلث، وصداق المثل) غير ظاهر.
[محل تعجيل الفسخ:]
وعجل بالفسخ إن عثر عليه أدخل أولًا لأنه لحق الورثة وإذا فسخ قبل الدخول، فلا شيء عليه وإلا فعلى ما تقدم إلا أن يصح المريض منهما قبل الفسخ فلا فسخ لأن المنع كان لخوف موته وقد بان عدمه.
تتمة:
قال في التوضيح: إذا فرغنا على القول بالصحة قبل، فهل يعجل الفسخ قبل الصحة إذا اطلع عليه وهو في الموازية فيفسخ وإن دخل.
وقال ابن كنانة: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده.
وقال ابن القصار: الفرقة استحسان؛ لقول مالك: إذا صحا ثبت النكاح.
اللخمي: وهو أصوبها.
[نكاحه الكتابية والأمة:]
ومنع نكاحه -أي: المريض- النصرانية والأمة على الأصح عند بعض البغداديين، وهو مذهب الأكثر؛ لأن العلة -وهي إدخال وارث- لم
[ ٤ / ٩٦ ]
يؤمن لجواز إسلام النصرانية وعتق الأمة فيصير من أهل الميراث.
وقال أبو مصعب: يصح.
واستحسنه اللخمي، وإليه أشار بقوله: والمختار خلافه، أي: خلاف الأصح.
تتمة:
لو شهدت بينة بنكاحه صحيحًا، وأخرى به مريضًا مرض المنع، ففي تقديم بينة المرض والصحة ثلاثة أقوال، انظرها في ابن عرفة، ومن موانع النكاح الخنثى المشكل.
فصل
[أولًا: العيوب المشتركة:]
الخيار يثبت لأحد الزوجين إن لم يسبق العلم منه بالعيب، أو لم يرض صريحا أو بما يدل عليه.
ابن عبد البر: أو لم يتلذذ عالمًا به.
وحلف السالم للمعيب إن ادعى عليه المعيب العلم به قبل العقد، أو رضي به بعده، أو تلذذ وأنكر السالم ذلك، ولا بينة للمدعي على نفيه، أي: على نفي دعواه، ويبقى الحالف على خياره.
[البرص:]
- ببرص قل أو أكثر، وهو وما بعده متعلق بـ (يثبت)، وظاهره: أنه لا فرق بين الأبيض والأسود، ولا بين الطيار وهو الذي يتزايد وغيره، إلا أن الأول باتفاق، والثاني على خلاف فيه، ذكره ابن راشد عن بعض المتأخرين.
[الغائط عند الجماع:]
- وعذيطة بالمثناة التحتية، وقيل: بالموحدة وبالذال المعجمة، والرجل
[ ٤ / ٩٧ ]
عذيوط، والمرأة عذيوطة، وهو: حدث الغائط عند الجماع، قاله ابن عبد السلام، ونزلت زمن أحمد بن نصر (١) صاحب سحنون، لا المتأخر، ورمي كل من الزوجين به صاحبه، فقال أحمد: يطعم أحدهما تينًا، والآخر فقوسًا.
[الجذام:]
- وجذام قل أو أكثر، لا جذام الأب.
ابن رشد: ظاهر المذهب أن جذام أحد الأبوين لا رد به.
[ثانيًا: عيوب الرجل:]
ولما ذكر العيوب المشتركة بين الزوجين ذكر المختصة بكل منهما في داء الفرج، فقال: ويثبت الخيار للمرأة بين أن تقيم أو تفارق بأحد أسباب أربعة:
[الإخصاء:]
أشار لأولها بقوله: بخصائة، وفسره في توضيحه تبعًا لابن الحاجب بأنه المقطوع ذكره أو أنثياه وعبر عنه في الشامل بالأصح.
[الجب:]
وجبه وهو قطع ذكره وأنثييه.
تنكيت:
في قول صاحب الشامل: (لا رد بالجب ولو خلقة) تسامح، وفي الصحاح: الجب القطع، وخصي مجبوب بين الجباب.
_________________
(١) هو: أحمد بن نصر، أبو حفص الداودي، (٠٠٠ - ٣٠٧ هـ = ٠٠٠ - ٩١٩ م): فقيه مالكي، له كتاب (الأموال - خ) في أحكام أموال المغانم والأراضي التي يتغلب عليها المسلمون، في دار الكتب، مصور عن الأسكوريال (١١٦٥). ينظر: الأعلام (١/ ٢٦٤).
[ ٤ / ٩٨ ]
[العنة:]
وعنته، وهو كونه ذا ذكر لا يمكن به جماع؛ لشدة صغره، أو دوام استرخائه.
وقال ابن حبيب: هو من لا ينتشر ذكره ولا ينقبض ولا ينبسط.
[الاعتراض:]
واعتراضه، التلقين: هو بصفة من يطأ ولا يطأ، وربما كان في امرأة دون أخرى، أو بعد وطء.
[ثالثًا: عيوب المرأة:]
ويثبت الخيار للزوج في رد الزوجة أو بقائها بـ:
[القرن:]
قرنها: بفتح الراء، وقيل: بسكونها، عظم يظهر في المحل كقرن الشاة.
وقيل: لحم.
[الرتق:]
ورتقها: بفتح الراء والمثناة الفوقية، التصاق المحل والتحامه، والعظمى منه لا تمكن معالجته، بخلاف اللخمي.
[البخر:]
وبخرها، وهو نتن فرجها؛ لأنه منفرد، وألحق اللخمي به بخر الفم والأنف، والنتن بالنوة والمثناة الفوقية، قال في الصحاح: الرائحة الكريهة، وقد نتن الشيء، والنتن بمعنى، فهو منتن بكسر الميم؛ اتباعًا لكسرة التاء؛ لأن (مفعلًا) ليس من الأبنية.
[العفل:]
وعفالها بفتح المهملة والفاء: لحم يبرز في قبلها، وهو من الرتق،
[ ٤ / ٩٩ ]
ولا يسلم غالبًا من رشح، يشبه إدرة الرجل.
[الإفضاء:]
وإفضائها، الذخيرة: اختلاط مسلكي المني والبول، ونحوه قول الشارح: (مسلكي البول ومخرج الغائط).
البساطي: مسلك الذكر ومخرج الغائط.
[محل الخيار لهما:]
وثبوت الخيار لكل من الزوجين بكل من البرص وما بعده إذا كان قبل العقد أو حينه.
[محل الخيار لها فقط:]
وأما بعده، فأشار له بقوله: ولها فقط دون الزوج الرد بالجذام البين والبرص المضر الحادثين بعده، أي: بعد العقد، وإنما كان ذلك لها دونه لقدرته على الفراق دونها.
[ما لا خيار معه:]
لا بكاعتراض حادث بعد وطئها على المنصوص، وأدخل بالكاف الجب ونحوه مما يوجب الخيار للمرأة.
[جنونها:]
ويثبت الخيار بجنونهما -أي: لكل منهما- بسبب جنون الآخر، وهو أحد العيوب الأربعة، ولا فرق بين كونه صرعًا أو وسواسًا مذهبًا للعقل، وإن حصل مرة في الشهر؛ لنفور النفس وخوفها منه قبل الدخول، أي: وبعد العقد.
تنكيت:
تعقب الشارحين للمؤلف بأن اللخمي إنما ذكره في جنون الزوج فقط غفلةٌ؛ لأن اللخمي ذكره فيهما، لكنه ذكر عيب كل منهما بانفراده، فاقتصرا على نظر كلامه في عيب الزوج.
[ ٤ / ١٠٠ ]
وإن حصل الجنون بعده -أي: الدخول- أُجلا فيه وفي برص وجذام رجي برؤهما سنة.
تنكيت وتنبيه:
الأول: تعقب الشارح كلام المؤلف في تأجيل الأبرص سنة، قائلًا: لم أره منصوصًا، وتبعه البساطي قائلًا: قال بعض الحفاظ لمسائل المذهب: إنه لم ير هذا الحكم في البرص.
وجوابهما نقل المتيطي أن الجذام والبرص معروفان بالرؤية، ويؤجلان سنة؛ لعلاج زوال عيبهما إن رجي.
وجواب مناقشة البساطي: أن المصنف تابع للمدونة.
الثاني: شمل قوله: (جنونها) وجوده فيهما معًا، فيدخل فيه قول عبد العزيز: انظر لو كان بكل منهما عيب كعيب صاحبه.
ابن عرفة: الأظهر أن لكل منهما مقالًا، كمبتاع عرضين بأن بكل منهما عيبًا، ولو كان بكل منهما عيب غير عيب صاحبه، فقال بعض أهل النظر: لكل منهما الخيار، وذكر المؤلف الفرعين في توضيحه.
[غير العيوب الأربعة:]
ويثبت الخيار بغيرها -أي: غير العيوب الأربعة- إن شرط السلامة من ذلك الغير، كاشتراطه كونها غير زلاء أو عرجاء أو عوراء أو عمياء أو أكولة، فيجدها بخلاف ذلك، ولو كان الشرط بوصف الولي عند الخطبة، وتوجد على خلاف ذلك.
وفي الرد إن شرط الصحة كما لو كتب الموثق أنها صحيحة البدن والعقل فتوجد بخلافه.
قال الباجي في وثائقه: هو شرط، وله الرد بغير العيوب الأربعة.
[ ٤ / ١٠١ ]
وقال ابن أبي زيد: إذا كتب صحيحة العقل والبدن لم يكن شرطًا، ولو قاله كان شرطًا، فترد بالعماء والسواد والشكل وغيرها، وبهذا كان يفتي علماؤنا، ونفتي نحن به.
تردد لهذين المتأخرين.
[ما لا يرد به:]
[١ - عكس الظن:]
لا بخلف الظن، فلا خيار به إذا ظهر خلاف ظنه، كالقرع يجده بها، وهي من قوم ليس فيهم ذلك، والسواد وهي من بيض.
[٢ - نتن الفم:]
ولا خيار له في نتن الفم، وهو البخر.
[٣ - الثيوبة:]
ولا خيار له في وجود الثيوبة، إذا تزوجها ظانًا أنها عذراء، إلا أن يقول: أتزوجها على أنها عذراء، فله الرد إذا لم يجدها كذلك.
وفي ثبوت الخيار بشرط بكر فيجدها ثيبًا، وهو قول ابن العطار وبعض الموثقين، وعدم الخيار، فلا قيام له به، قاله ابن حبيب عن مالك وأشهب وأبو بكر بن عبد الرحمن، وصوبه بعض الموثقين، تردد وفيه شيء على مقتضى اصطلاحه مع نقل الشق الثاني عن مالك ومن وافقه.
ولا رد له إن ظنها شابة، فوجدها عجوزًا، إلا أن تكون فانية، وقام الزوج على جهله ذلك، فله الرد.
ولا رد له إن ظنها شابة فوجدها صغيرة بنت أربع أو خمس، ولا إن وجدها ابنة زنا.
[الخيار في أمة والعبد:]
وإلا في تزوبج الحر الأمة بظنها حرة، والحرة العبد، تظنه حرًا وظهر خلافه، فللحر منهما الرد؛ لأن الغالب أن الحر والحرة إنما يتزوجان
[ ٤ / ١٠٢ ]
مثلهما، وبه جرى العرف، وهو كالشرط.
قال الشارح: هذا معطوف على (إلا أن يقول: عذراء). وظاهر كلام البساطي الثيوبة بخلاف العبد مع الأمة تتزوجه ظانة حريته، فيظهر خلافه.
[الخيار في النصرانية:]
وبخلاف المسلم مع النصرانية، فظنه نصرانيًا، فلا خلاف في المسألتين، إلا أن يغرا، فيدعي العبد الحرية، والمسلم النصرانية، فالخيار فيهما لدخولهما على ذلك.
[أجل المعترض:]
وأجل المعترض سنة بعد الصحة، إن رفعته مريضًا بغير الاعتراض، وابتداء الأجل من يوم الحكم، لا من يوم الرفع؛ إذ قد يطول زمن إثباته.
ثم بالغ بقوله: وإن رفعته صحيحًا ثم مرض بعد الحكم، ألغي ذلك المرض، ويطلق لتمام السنة عند ابن القاسم، ولو عم مرضه السنة بأن مرض عقب ضرب الأجل.
وأجل العبد المعترض نصفها بعد رفعه من يوم الحكم، وهو مذهب المدونة.
قال في الذخيرة: لأن تحديد مدة النكاح عذاب، ولأنه مقرب للفراق، وهو عذاب. انتهى.
وقيل: سنة كالحر.
واستظهر، ومال إليه غير واحد من الشيوخ.
[النفقة أثناء الأجل:]
والظاهر عند المصنف لا ابن رشد أنها لا نفقة لها فيها؛ لأن ضرب الأجل إنما جاء من قبلها برفعها.
ولعل ما استظهره المصنف قاسه على قول ابن رشد في المجنون: يضرب له الأجل قبل البناء.
[ ٤ / ١٠٣ ]
الظاهر: أنه لا نفقة لها في ذلك الزمن؛ لأنها منعته نفسها بسبب لا قدرة له على رفعه.
ويحتمل أنه نسبه لابن رشد لذلك.
[محل تصديق المعترض:]
وصدق المعترض إن ادعى فيها -أي: في السنة- الوطء، وأنكرته بيمينه على ما ادعاه، كما في المدونة، وهو المشهور.
وقيل: بغير يمين، وهما لمالك.
فإن نكل عن اليمين حلفت، وفرق بينهما، وإلا بأن نكلت بقيت زوجة، ونحوه في المدونة.
وإن لم يدعه -أي: الوطء- بل صدقها على عدمه طلقها، أي: أمر به إن اختارته، فإن طلق فواضح، وإلا بأن امتنع فهل يطلق الحاكم عليه طلقة بائنة، قاله أصبغ، وإن زاد لم يلزمه.
أو يأمرها الحاكم به، فتوقفه، ثم يحكم به، قاله الموثقون؟ قولان حكاهما ابن رشد في هذا وفي كل ما في معناه من امرأة المفقود والمعتقة تحت العبد والمعسر بالنفقة والمولى.
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف إيقاعه عاجلًا، ولو حائضًا، وهو كذلك، نص عليه في إيلاء المدونة.
[مسألة:]
وامرأة المعترض إذا أُبيح لها طلاقه بعد الأجل فرضيت بالمقام معه بعد ذلك فلها فراقه بعد الرضى بالإقامة بلا أجل ثان؛ لأنه ضرب أولًا، فتوقعه، ولا تحتاج للسلطان.
ولها الصداق بعدها -أي: السنة- كاملًا على المشهور، وهو مذهب
[ ٤ / ١٠٤ ]
المدونة؛ لأنها مكنته من نفسها، وطال مقامها معه، وتلذذ بها، وأخلق شورتها.
وعن مالك: لها نصفه، واختاره ابن القصار؛ لأنه طلاق قبل المسيس.
ومفهوم الظرف: أنه لا يكمل قبل مضيها، وصرح في توضيحه بتشهيره، وسواء ضرب الأجل قبل البناء أو بعده.
[حكم الصداق:]
ثم شبه لإفادة الحكم في وجوب الصداق لها كاملًا بقوله: كدخول العنين والمجبوب، لحصول الانتفاع لكل منهما بحسب الإمكان، ويحتمل أنه أراد الاستدلال بهاتين على السابقة.
[تعجيل الطلاق:]
وفي تعجيل الطلاق على المعترض إن قطع ذكره فيها -أي: السنة- قبل تمامها، وهو لابن القاسم؛ بناءً على إلغاء ذلك الحكم، وعدم تعجيله، بل يبقى حتى تمضي السنة؛ إذ لعلها سترضى بالإقامة، وحكاه في البيان عن مالك.
قولان، وحملُ الثاني على عدم الطلاق جملة، فإنها مصيبة نزلت بها بعيدٌ، وإن كان قولًا موجودًا.
[تأجيل الرتقاء:]
وأجلت الرتقاء للدواء، ولزم الزوج الصبر حتى ينظر أمرها، فإن زال رتقها، فلا خيار له، وإلا فهو على خياره، وأجلها بالاجتهاد، كغيره من داء الفرج.
ولا تجبر عليه -أي: الدواء- بحاكم أو زوج إن كان خلقة، وامتنعت من ذلك، وإن رضيت بالدواء فلا خيار للزوج.
ومفهوم الشرط: جبرها إن لم يكن خلقة، وهو كذلك في كتاب محمد، وإذا أجلت هذه فذات القرن أولى؛ لأنه أحق.
[ ٤ / ١٠٥ ]
[مسألة:]
وإذا ادعت على زوجها الجب جس على موضعه من فوق ثوب منكر الجب، ومن فوق ثوب نحوه، كالخصي والعنين عند ابن حبيب وغيره، واختار الباجي في جميع ذلك نظر الشهود للفرج، واللَّه أعلم.
تتمة:
هذا إذا شكت عدم الوطء، فإن شكت كثرته قضي له بثمان، أربعًا ليلًا، وأربعًا نهارًا.
وقيل: أربع فيهما، قاله المغيرة.
ولو شكت طول الته فهل يؤمر بتلبيد ما زاد على المعتاد، أو يفرق بينهما قولان، فلو شكت غلظها فليس هناك إلا الفراق، ولو شكى الزوج منعها له؛ لكونه مقعدًا وشهدت له امرأة بذلك ربطت له، ذكره ابن فرحون.
[محل تصديق المعترض:]
وصدق في إنكار الاعتراض، وظاهره: بغير يمين، وبه يرد اعتراض الشارح تكرارها مع قوله: (وصدق إن ادعى فيها الوطء بيمينه).
[محل تصديق المرأة:]
كالمرأة تصدق بيمينها في نفي دائها في الفرج، إذا ادعاه الزوج، ولا ينظرها النساء عند ابن القاسم وابن حبيب، واعتراض الشارح بأن داءها يوهم قبول قولها في البرص، وليس كذلك، أجاب عنه البساطي بأن داء الفرج قسم بقية العيوب عند أهل المذهب.
أو في نفي وجوده -أي: العيب بها- حال العقد، إذا ظهر بها بعد مدة من العقد، فإنه تصدق، وعلى الزوج البينة، أو بكارتها تصدق فيها إن ادعى الزوج عدمها.
وتنظير الشارح فيه بأنه إن عطف على المجرور بالحرف، وهو في دائها، أو على المجرور بالمصدر، وهو ضمير وجوده، بأن معنى الأول في
[ ٤ / ١٠٦ ]
عدم دائها، والثاني في نفس البكارة، لا في عدمها، قال البساطي: حسن.
وأجاب عنه بأنه معطوف على (في دائها)، والمعنى يرشد للمقصود منه ومن قوله: (في بكارتها)، فلا إشكال. انتهى.
[محل حلف الرشيدة أو أبو السفيهة:]
وحلفت هي إن كانت رشيدة أو حلف أبوها إن كانت سفيهة، نحو ما حكاه ابن عرفة عن المتيطي، وعلى ردها بالثيوبة، إن كذبته في دعواه أنه وجدها ثيبًا، فله عليها اليمين إن كانت مالكة أمر نفسها، أو على أبيها إن كانت ذات أب.
وعلى هذا فقول الشارح: (قال المتيطي: المنازعة مع المرأة إن كانت ثيبًا، ومع وليها إن كانت بكرًا، وإليه أشار بقوله: وحلفت هي إن كانت ثيبًا رشيدة، فإن كانت سفيهة حلف أبوها، فيه تسامح لا يخفى) غير ظاهر.
ولا ينظرها النساء، يحتمل عوده للمسائل الثلاث ابن حبيب ولا تكشف الحرة في هذا ابن لبابة هذا خطأ وكل من يقول بردها بالعيب يوجب أن تمتحن العيوب بالنساء وإن قلنا لا ينظرها النشاء أشى الزوج بامرأتين تشهدان له بعيبها قبلتا، ولا يخرجان بالنظر للعورة عن العدالة إما للاختلاف في إباحته، وإما لعذرهما بالجهل وإن كان غير مال؛ لأنه يؤول المال وهو سقوط الصداق وهو الصواب.
[الثيوبة لطارئ:]
وإن علم الأب بثيوبتها بلا وطء، بل بوثبة أو سقطة أو كثرة حيض، وكتم ذلك، فللزوج الرد به.
بعض الموثقين: وهو الصواب.
ولذا قال: على الأصح؛ لأن كون ذلك بغير وطء دعوى بغير دليل، ومقابله لأشهب: لا رد.
[ ٤ / ١٠٧ ]
[ما يترتب على الرد:]
ولما ذكر ما يوجب رد كل من الزوجين، شرع في ذكر ما يترتب عليه من لزوم جميع الصداق، وعدم لزومه أو نصفه، فقال: وأما مع الرد قبل البناء لعيب به أو بها، فلا صداق لها، إن كان هو الراد؛ لتدليسها، وعدم فوات بضعها، وإن كانت هي الرادة فلاختيارها الفراق مع بقاء سلعتها.
وقول البساطي: أشرنا إلى إعراب كلامه، أي: في وقوع الفاء في جواب أما المقدرة.
كغرور من أحدهما للآخر بحرية تبين عدمها قبل البناء، فلا شيء لها في الوجهين؛ لأن الغرور إن كان منه فالفراق باختيارها؛ إذ لو مكنته لأخذت جميعه.
وإن كان منها فالفراق منها لغرورها أو غرور وليها، وسلعتها لم تفت في الحالتين.
فائدة:
قال ابن عرفة: الغرور إخفاء نقص معتبر بأحد الزوجين بذكر ثبوت نقيضه، أو تقرر عرف بثبوته.
وأما الرد بالعيب بعده -أي: بعد البناء- فمع عيبه، أي: الزوج، يجب لها الصداق المسمي؛ لأنه غرها، وإنما لم يجب له الاستمرار مع دفع جميعه لتدليسه.
[رجوعه بكل الصداق:]
ومعها -أي: مع عيبها- رجع بجميعه، أي: الصداق لا قيمة الولد، فلا يرجع بها على الولي الغار.
تنبيه:
تبع في هذا قول ابن الحاجب: (وأما بعده فالخيار له)؛ ففيها: إن كان الولي الغار رجع عليه بجميعه، لا بقيمة الولد.
[ ٤ / ١٠٨ ]
ولم يتبعه بما حكاه عن المدونة أنها إن كانت هي الغارة ترك لها ربع دينار، مع أنه قال في توضيحه ما معناه: كلامه كالنص في إرادة الأمة؛ لقوله: لا بقيمة الولد؛ لأن ذلك لا يكون إلا فيها، وسيأتي في الأمة خلاف هذا، وهو أنه يلزمه الأقل من المسمى وصداق المثل، ففي كلامه تعارض.
[رجوع الزوج على قريب:]
ثم بين أن رجوع الزوج إنما هو على ولي قريب لا يخفى عليه عيبها، بأن لم يغب هذا القريب عن المرأة غيبة يظن به عدم العلم بعيبها، كـ: ابن وأخ وأب، قاله في الموطأ؛ إذ هو مع الغيبة كالبعيد، ولا شيء عليها من الصداق الذي أخذته، بل يغرمه الولي، ولا رجوع للولي عليها؛ لأنه الغار، وهذا إذا كانت غائبة حين العقد؛ ولذا قال: ورجع عليه وعليها، أي: على من اختار الرجوع عليه منهما، إن زوجها الولي بحضورها، حال كونهما كاتمين للعيب؛ لأنهما غراه، ثم يرجع الولي عليها إن أخذه الزوج منه، لا العكس، وهو ما إذا أخذه الزوج منها، فلا ترجع على الولي؛ لأنها هي المباشرة للإتلاف.
[محل رجوع الزوج بالصداق:]
ورجع الزوج عليها فقط بالصداق في تزويج ولي بعيد كابن العم، أو ذي العشيرة، أو الموالي، أو السلطان، إلا ربع دينار منه، فلا يرجع الزوج عليها به؛ لحق اللَّه تعالى.
فإن علم الولي البعيد بعيبها فكالقريب في الرجوع عليه، بل أحرى لحمل حاله على العلم، وقد لا يعلم.
وقول البساطي: (فإن علم الولي الغائب) سبق قلم، صوابه: البعيد.
[محل تحليف الولي:]
وحلفه -أي: حلف الزوج الولي البعيد كالعم مثلًا- إن ادعى علمه بعيبها وكتمه وغره، وأنكر الولي، فإن حلف الولي سقط عنه الغرم، وإن نكل حلف الزوج أنه غره، ورجع الزوج عليه، أي: على الولي دون
[ ٤ / ١٠٩ ]
الزوجة، وهذا إذا كان مليًا، وأما إن كان عديمًا والزوجة موسرة رجع الزوج عليها، ولم ترجع هي به عند ابن حبيب، على المختار عند اللخمي.
كذا في المتن عند الشارح في الكبير وفي الصغير والأوسط، قبل قوله: (على المختار): كاتهامه، أي: اتهام الزوج للولي أنه اطلع على العيب وكتمه، فهو يشبه في دعوى الزوج علم الولي وكتمانه، فإن نكل الزوج أيضًا رجع على الزوجة على المختار، وهو قول ابن حبيب.
وقال ابن عبد الحكم: لا شيء له على الولي، ولا على الزوجة، وقد سقطت تباعته عن المرأة بدعواه على الولي.
وقال ابن حبيب: إن حلف الولي رجع على المرأة، وهو أصوب.
[رجوعه على الغار غير الولي:]
ورجع الزوج على غار غير ولي خاص، قال: هي حرة أو سالمة من العيوب، وتبين خلافه، تولى العقد؛ لأنه غرور في الفعل إلا أن يخبر هذا المتولي للعقد إنه غير ولي خاص، وإنما عقد بولاية الإسلام أو بوكالة، فلا يرجع الزوج عليه بشيء.
ثم صرح بمفهوم (وتولى العقد) بقوله: لا إن لم يتوله، بل غرّ بالقول فقط، فإنه لا يوجب غرمًا، لكن يتأكد أدبه، وخرج بغرور الحرية والسلامة من العيوب غرور الولي، بأن لها شورى كذا وكذا، وذكر ذلك أجنبي محضره الولي وسكوته، وزاد الزوج في صداقها لذلك، فالصداق لازم له، ولا رجوع له به، ولا بالزائد.
[حكم ولد الأمة:]
وولد الزوج المغرور من أمة غرته بأنها حرة فأولدها وتبين رقها فولد هذا الحر فقط حر نسيب، بإجماع الصحابة؛ لدخوله على ذلك، وكان الأصل أن يكون لسيد الأمة؛ لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء، إلا أن هذه جناية من الأمة، جعلوا السيد أحق بتحملها؛ لأن المغرور مقهور، وخرج بـ (فقط): ولد العبد المغرور، فإنه رقيق.
[ ٤ / ١١٠ ]
وعليه -أي: المغرور- لأجل وطئه الأقل من المسمى وصداق المثل؛ لرضاها بالمسمى على أنها حرة، فأحرى وهي أمة، وإن كان صداق المثل أقل فلا يلزمه غيره، لأنه يقول: إنما أعطيت المسمى على أنها حرة، وهو تأويل الأكثر للمدونة.
وقيل: عليه الأكثر منهما.
وتؤولت عليه أيضًا.
تنبيه:
قدر الخلاف في الجواهر بما إذا لم يمسكها، أما إذا أمسكها فالمسمى.
[قيمة الولد:]
ويجب على المغرور لسيد الأمة قيمة الولد؛ لأن حريته لا تسقط حق سيد أمه من كل وجه، والمغرور مباشر، والولي متسبب، فقدم المباشر دون ماله، فإنه لأبيه، ولو كثر.
وتعتبر القيمة يوم الحكم حيًا، وهو مذهب المدونة، لا يوم الولادة، خلافًا لأشهب والمغيرة.
إلا أن تكون الأمة لكجده، أي: المغرور، فلا قيمة للجد ونحوه؛ لأن التقديم نوع من البيع، وبمجرد الملك يحصل العتق، ولا يضر توقفه على الحكم.
ودخل بالكاف كل من يعتق عليه الولد.
[ولاء الولد:]
ولا ولاء له -أي: الجد- ونحوه.
[الغرر في أم ولد:]
ولما قدم حكم القن، ذكر ما إذا كان موضعه أم ولد أو مدبرة، فقال: ويجب على الزوج قيمة الولد على الغرور في أم الولد المغرور
[ ٤ / ١١١ ]
بحريتها على المشهور، ويقوم يوم الحكم على غرره، لو جاز بيعه قبل موته سيد أمه، فيكون رقيقًا أو لاحتمال موته فيكون حرًا، خلافًا لابن الماجشون: يقوم عبدًا.
ويجب على المغرور قيمة ولد المدبرة الغارة على غروره يوم الحكم؛ لأنه قد يخرج كله من الثلث أو بعضه، وقد لا يخرج، ونص ابن المواز على أن فيه قيمة عبد.
المازري: وهو المشهور، وعليه أكثر الأصحاب.
ولعل المؤلف لم يطلع عليه، أو اطلع ولم يعتبر تشهيره.
[سقوط قيمة الولد:]
وسقطت قيمة الولد بموته قبل يوم الحكم على المشهور في المسائل السابقة، وحذفه منها لدلالة هذا عليه، وعلى أبيه لسيد أمه الأقل من قيمته أو ديته إن قتل وأخذ الأب ديته؛ لأن قيمته إن كانت أقل فليس للسيد غيرها، وإن كان ما أخذه من الدية أقل لم يلزمه غيره؛ لأنه يقول: لو مات قبل الحكم لم أضمن له شيئًا، وقد مات، ولم يبق إلا الدية.
تنبيه:
شمل قوله: (ديته) الخطأ وما صولح عليه منه، أو من العمد، وأن القتل لو كان عمدًا واقتص الأب أو هرب القاتل لم يلزم الأب شيئًا؛ لأن العمد عندنا لا يجب بسببه مال.
ثم عطف على ما قبله، فقال: أو عليه الأقل من غرته، أي: الولد التي يأخذها الأب من الجاني على أمه من عبد أو وليده.
أو ما نقصها -أي: الأم- إن ألقته ميتًا، فأيهما أقل لزمه للسيد، وفي ابن الحاجب: الأقل من الغرة، وعشر قيمة الأم.
كجرحه -أي: الولد- فعلى الأب الأقل مما أخذ من دية جرحه المقررة أو المصالح عليها أو ما نقص الولد، ولعدمه -أي: الأب- تؤخذ
[ ٤ / ١١٢ ]
القيمة من الابن الموسر عن نفسه؛ لأنها في معنى الفداء، وهو أولى به، فلو أعدما اتبع أولهما يسارًا.
ولا تؤخذ من ولد من أولاد متعددة للغارة، إلا قسطه، وهي قيمته التي وزعت عليه في عدم الأب، فلا يؤدي عن أخيه المعدم، ولا ما عجز عنه غيره، قاله في النوادر.
وقول البساطي: (في قوله: "قسطه" مسامحة) غير ظاهر، لإطلاقها لغة على المقدار.
[قيمة ولد المكاتبة:]
ووقفت قيمة ولد المكاتبة الغارة بالحرية تحت يد عدل بعد تقويمه عبدًا، وتؤخذ القيمة من الأب، فإن ادعت كتابتها رجعت قيمته للأب؛ لكشف العيب أنها كانت حرة وقت غرورها.
وإن عجزت أخذها السيد، وهو المشهور، وهو مذهب المدونة؛ لكشف العيب أنها أمة.
تكميل:
سكت المصنف عن ذكر حكم أولاد المعتقة لأجل إذا غرت بالحرية، وقد نقل ابن يونس عن محمد أن على أبيهم قيمتهم على أنهم أحرار إلى ذلك الأجل.
وقُبِل قول الزوج بغير بينة أنه غر بالحرية، سواء ادعى ذلك على الأمة أو على سيدها، ولو طلقها قبل اطلاعه على عيب يوجب الخيار، أو ماتا معًا أو أحدهما، ثم اطلع بالبناء للمفعول على موجب خيار فكالعدم، وما كان من حكم مضي وليس لأحدهما ولا لورثتهما فقام به، ويثبت لها الصداق بالموت إن دخل، ونصفه إن لم يدخل، لتفريطه في الفحص عن ذلك، ويثبت الميراث.
[ ٤ / ١١٣ ]
[كتم الولي العمى:]
وللولي كتم العمى القائم بوليته، ونحوه مما لا يجب ردها به، كسواد وعرج وإقعاد، واستشكل.
قال المصنف: والإشكال ظاهر.
ولا يقال: النكاح مبني على المكارمة؛ لأنها بحسب العادة إنما هي في الصداق.
[كتمه الخنى:]
والولي عليه وجوبًا كتم الخنا: زنا أو غيره؛ ففي البيان: يجب ستر الفواحش على نفسه وعلى غيره؛ لخبر: "من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر اللَّه، فمن يبد لنا صفحته نقم عليه الحد" (١).
والأصح قول ابن القاسم: منع الأجذم الشديد الجذام من وطء إمائه؛ لما فيه من ضررهن.
سحنون: لا يمنع.
تتمة:
قال الشارح: انظر هل البرص الشديد كالجذام أو لا؟
[رد العربية المولى:]
وللعربية رد الزوج المولى المنتسب للعرب، إذا تزوجته على أنه عربي، ولها البقاء.
وفهم منه أن غير العربية لا خيار لها.
_________________
(١) أخرجه مالك مرسلًا (٢/ ٨٢٥، رقم: ١٥٠٨) الحاكم (٤/ ٤٢٥، رقم ٨١٥٨). والبيهقي (٨/ ٣٣٠، رقم ١٧٣٧٩). قال المناوي (١/ ١٥٥): قال الحاكم: على شرطهما، وتعقبه الذهبي فقال: غريب جدًا، لكنه في المهذب قال: إسناده جيد، وصححه ابن السكن، وذكره الدارقطني في العلل وصحح إرساله. قلت: وقد وصله ابن وهب في موطئه.
[ ٤ / ١١٤ ]
[كفاءة النسب:]
لا رد العربي، إذا تزوجته على أنه من قبيلة فوجدته من غيرها، إلا القرشية تتزوجه على أنه قرشي فتجده عربيًا غير قرشي، فلها الخيار، قاله ابن القاسم، لأن قريشًا بالنسبة لغيرهم من العرب كالعرب بالنسبة للموالي.
* * *
فصل ذكر فيه خيار الأمة تعتق تحت عبد
وهو السبب الثالث من أسباب الخيار، وفصله عن الأولين لأن الخيار فيهما للزوجين معًا، وهذا للزوجة فقط، وأيضًا النقص فيهما لم يدخل عليه، وهو مدخول عليه، فقال: ولمن كمل عتقها في دفعة فأكثر فراق زوجها العبد، ولها البقاء، وعلة تخييرها نقصه، لا جبرها على النكاح؛ ولذا كان لا خيار لها تحت الحر، وعلى قول أهل العراق: لها الخيار تحته، علته جبرها.
ومفهوم (كمل عتقها) لو تزوجت حرة البعض أو أعتق بعضها أو أعتقت لأجل أو دبرت أو كوتبت أو استولدت لم يكن لها فراقه، وهو كذلك، ويتصور استيلادها بوطء السيد أمته المتزوجة في غيبة زوجها بعد حيضة، وهو نص اللخمي عن المذهب.
[لا خيار لها تحت الحر:]
فقط لا الحر، فلا خيار لها إن أعتقت، خلافًا لأبي حنيفة، وظاهر قوله: (لمن) ثبوت خيارها بغير إذن الحاكم، ونحوه في المدونة.
تنبيه:
يستثنى من عموم كلام المؤلف الصغيرة، فإن السلطان ينظر لها، وكذا السفيهة، ما لم تبادر لاختيار نفسها.
[ ٤ / ١١٥ ]
[ما يقع به الخيار:]
بطلقة بائنة: متعلق بـ (فراق)، وسواء بينت الواحدة أو أبهمتها، بأن تقول: اخترت نفسي، فقط، ليس لها أن تختار بأكثر من واحدة، وهو قول أكثر الرواة، أو اثنتين هو قول المدونة: لها أن تختار بالبتات، ورجع لها مالك.
فـ (أو) ليست للتخيير، فلو قال: وهل بطلقة بائنة أو اثنتين روايتان لكان أبين (١).
[محل سقوط صداقها:]
وسقط صداقها -أي: نصفه- إن اختارت الفراق قبل البناء؛ لأنه جاء من قبلها.
_________________
(١) قال في المنح: "قوله (أو اثنتين) وأو لحكاية الخلاف فالأول قول أكثر الرواة، والثاني قول المدونة وإليه رجع الإمام مالك -﵁-، فلو قال وهل بطلقة أو اثنتين لكان أبين قاله تت، وهو إنما هو فيما بعد الوقوع، وأما ابتداء فمتفق على أمرها بإيقاع واحدة والمشهور الأول لأنه قول أكثر الرواة. طفى: صرح الشراح بمثل هذا وهو إخراج لكلام المصنف عن ظاهره بلا داع من كون أو للتخيير، وكونه على المرجوع إليه ففيها في النكاح الأول. مالك -﵁-: للأمة إذا عتقت تحت العبد أن تختار نفسها بالبتات على حديث زيد، وكان مالك -﵁- يقول: لا تختار إلا واحدة بائنة، وقاله أكثر الرواة. وفي كتاب الأيمان بالطلاق أول قول مالك -﵁- أنه ليس لها أن تختار بأكثر من واحدة ثم رجع إلى أن ذلك لها. اهـ. فقوله بطلقة بائنة أو اثنتين إشارة لقول مالك -﵁- ذلك لها. فإن قلت هذا إن فهم منها التخيير كما قلت، وإن حمل على أنه بعد الوقوع لا يأتي التخيير إلا بتكلف. قلت فإن حمل على ما بعد الوقوع فلا يتأتى التنويع إلا بتكلف أيضًا، فكذا يتكلف للتخيير مع بقاء كلامه على ظاهره. واختلف فيما تحمل عليه ابن عرفة ظاهر نقل اللخمي وغير واحد أن اختلاف قول مالك -﵁- فيما زاد على الواحد إنما هو بعد الوقوع وظاهر كلام الباجي وأبي عمران وأول كلام المتيطي أنه قبل الوقوع وهو ظاهر كلام البرادعي في النكاح الأول. ابن عرفة: والصواب الأول".
[ ٤ / ١١٦ ]
[محل سقوط الخيار:]
وسقط الفراق وتبقى زوجته إن قبضه -أي: الصداق- السيد، وكان عديمًا؛ لأن عتقه مردود حينئذ لدين زوجها.
ومفهوم (عديمًا) لو كان بيده لم يفت، أو كان مليًا يوم العتق رده، وبقيت على خيارها، وهو كذلك.
[محل استحقاقها الصداق:]
وبعده -أي: البناء- صداقها لها؛ لأنها استحقته بالبناء، ثم شبه لإفادة الحكم، فقال: كما لو رضيت، وهي مفوضة -أي: متزوجة- تفويضًا بما فرضه الزوج بعد عتقها لها، ولا سبيل لسيدها عليه؛ لأنه مال تجدد لها بعد العتق.
فقوله: (بما فرضه) متعلق بـ (رضيت)، وجعل الشارح (رضيت) متعلقًا بمحذوف، حيث قال: وكذلك يكون الصداق لها إذا أعتقها السيد قبل فرض الصداق، وهي مفوضة، ثم فرض لها بعد العتق، ورضيت بالمقام معه، بعيدٌ؛ لإيهامه أنه لو فرض لها ولم ترض بالمقام معه لا شيء لها، وليس كذلك.
[محل عدم استحقاقه:]
ثم استثنى من كون الصداق لها، فقال: إلا أن يأخذه السيد أو يشترطه؛ فإنه له دونها، سواء اختارت المقام مع الزوج قبل البناء، كما قدمناه، أو بعده، ونحوه في التهذيب، وانظر نصه في الكبير.
[ما لا يبطل خيارها:]
وصدقت معتقة لم تختر الفراق إن لم تمكنه من نفسها أنها ما رضيت، وبقيت على خيارها ولا يضرها سكوتها، وإن بعد سنة، ونحوه في المدونة.
[ ٤ / ١١٧ ]
[ما يبطل خيارها:]
ثم استثنى من مقدر دل عليه (صدقت)، أي: ولا يبطل خيارها، فقال: إلا أن تسقطه صريحًا، فتقول: أسقطت خياري، أو: اخترت المقام مع زوجي، أو: لا أفارقه.
أو تفعل ما يدل على الإسقاط، بأن تمكنه من وطئها، فيسقط، ولو لم يفعل، وهذا إن لم تجهل العتق أو الحكم.
وكذا يسقط خيارها لو جهلت الحكم، بأن لها الخيار، وهو المشهور.
وأشار بـ (لو) لمخالفة البغداديين في قولهم بعد السقوط: إذا جهلته كحديثة عهد بسبي، وصححه بعض المتأخرين.
تنكيت:
قول الشارح: (اختار المصنف وغيره جعله تقييدًا مخالفًا جعله ابن شاس خلافًا) غير ظاهر، بل المصنف جعله خلافًا لإشارته بـ (لو).
[جهلها بالعتق:]
لا إن جهلت العتق، فلا تسقط خيارها اتفاقًا، ولو بقيت زمانًا، ومكنت مرارًا.
[المسمى والصداق:]
ولها -إن عتقت قبل الدخول، ولم تعلم حتى وطئها الزوج- الأكثر من صداقها من المسمى؛ لرضائه على أنها أمة، فعلى أنها حرة أولى، وصداق المثل على أنها حرة؛ لأنها وطئت وهي حرة.
[عود على ما يسقط الخيار:]
ثم عطف على ما يسقط خيارها، فقال: أو يبينها قبل أن تختار؛ لأن إيقاعها الطلاق وهي بائن محال؛ لعدم محله، لا برجعي، فلا يسقط خيارها به لملكه الرجعة، فلها الخيار لسقط رجعته، أو عتق زوجها بعد عتقها قبل الاختيار، فلا خيار لها؛ لزوال الخيار لأجله، وهو الرق.
[ ٤ / ١١٨ ]
إلا أن يكون حصول عتقه قبل اختيارها؛ لتأخير الحيض لمنع إيقاعها الطلاق فيه، فلا يسقط عتقه خيارها.
وإن تزوجت من عتق زوجها بعد عتقها، واختارت الفراق، قبل علمها بعتقه، وقبل دخولها بالزوج الثاني فاتت بدخول الثاني، لا بتزويجه فقط.
وقيل: تفوت بتزويجه فقط.
ولذا زادوا دخولها.
وقيل: لا تفوت بالدخول.
وبما قررناه يظهر لك جواب قول الشارح: (لم يظهر لي معنى قوله: "ودخولها")، وخطأ من ادعى أن الصواب إسقاطها، وأجاب البساطي بأنه فرضها كذلك لكون صورتها مساوية لما يفيته دخول الثاني وهي متزوجة.
[مسألة:]
ولها إن وقفها الزوج للحاكم بحضرة عتقها، وقال: إما أن تختاريني الآن، أو الفراق، تأخير تنظر فيه بأن تتروى وتستشير، نقله اللخمي عن المذهب، واستحسن كونه ثلاثة أيام، ومقابله رواية محمد.
* * *
فصل ذكر فيه الصداق وما يتعلق به
وهو من أركان النكاح، وتفتح صاده وتكسر، وانفتح أفصح.
[حده:]
الصداق في مقابلة البضع كالثمن في مقابلة السلعة إثباتًا ونقيًا فيما يشترى به أو لا، يشترط كونه طاهرًا منتفعًا به مقدورًا على تسليمه معلومًا، كعبد يجعله صداقًا، تختاره هي؛ لأنها إنما تختار الأحسن، لا يختاره هو؛ لدخوله على الغرر.
[ ٤ / ١١٩ ]
ابن عرفة: في نكاحها الأول: من نكح امرأة على أحد عبديه أيهما شاءت جاز، وعلى أيهما شاء، لم يجز كالبيع.
[ما يجعله كالبيع:]
وضمانه -أي: الصداق- من الزوجة بعد القبض لا قبله في النكاح كالسلعة في البيع الفاسد، وسيأتي، وتلفه إذا ادعته صدقت مع يمينها كالمستعير، واستحقاقه من يدها يضمنه الزوج بقيمته أو مثله، وتعييبه إن وجد به عيب يوجب الخيار في البيع ترجع به على الزوج المقوم بقيمته والمثلى بمثله، أو بعضه تردد الشارح فيه: هل هو متعلق بمسألة التعييب فقط، أو بالجميع، أو بمسألة الاستحقاق فقط.
وقال البساطي: الظاهر تعلقه بالأخير، وان أمكن تعلقه بما قبل الأخير أيضًا، لكن تعلقه بالضمان يحتاج صحته لتكلف.
كالبيع، قال في الجواهر: الصداق مضمون على الزوج إن كان فيه حق توفية، وإلا فلا، كالبيع، وحكمه في التلف والتعييب وفوات المنافع وتوفيتها والأخذ بالشفعة حكم البيع.
[مسألة:]
وإن وقع النكاح بقلة خل بعينها، فماذا هي خمر فمثله، لا قيمته، قال في الشامل: على الأصح.
كمتزوجة على مهر وجدت به عيبًا، ترده، وتأخذ مثله، إن وجد له مثل، وإلا فقيمته.
[النكاح بشورة:]
وجاز النكاح بشورة لبيت مع غررها، وشورة الحضر كالحضر، كالبادية، زاد في المدونة: إذا كان معروفًا.
[النكاح على عدد:]
وجاز النكاح على عدد محصور من صنف غير موصوف، كعشرة من
[ ٤ / ١٢٠ ]
كإبل أو بقر أو غنم، أو عدد من رقيق غير موصوف أو موصوف، كما في سماع عيسى بن القاسم: من نكحت على رأسين بمائة، كل رأس بخمسين، ثم غلا الرقيق، فصار الرأس بمائة، إن ذكرت الخمسون صفة للرأس كصفة معلومة في البيع والسلم لزمت الصفة غلاء الرقيق، أو رخص، وإن ذكرت كي لا يزول، أي: لم يقصد بها الصفة على الرقيق، أو رخص فالزوج كوكيل على الشراء بخمسين، ليس عليه غيرها.
[النكاح على صداق المثل:]
وجاز النكاح على صداق مثل، ولها الوسط حالًا من تلك الأصناف، ومن الصداق إن اختلف فيه الناس، واختلف: هل هو وسط ما ناكح به الناس، وعليه درج المؤلف، أو وسط من الأسنان من كسب الناس بتلك البلد، وعليها حمل صاحب التهذيب.
[اشتراط ذكر الجنس:]
وفي شرط ذكر جنس الرقيق إذا وقع النكاح به تقليلًا للغرر، وهو قول سحنون، وعدم شرطه، وهو قول ابن المواز قولان (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (وفي شرط ذكر جنس) أراد الجنس اللغوي، أي: الأمر الكلي الشامل للجنس والنوع والصنف المنطقيات بقرينة إضافته إلى (الرقيق) الذي هو صنف من الإنسان الذي هو نوع من الحيوان الذي هو جنس الواقع صداقًا من كونه حبشيًا أو زنجيًا أو روميًا تقليلًا للغرر قاله سحنون، فإن لم يذكر فسد النكاح فيفسخ قبل البناء ويمضي بعده بصداق المثل وعدم شرط ذكره قاله ابن المواز، ولها الصنف الغالب بالبلد، فإن استوى صنفان فلها النصف من كل منهما، وإن استوت ثلاثة فلها من كل صنف ثلث وهكذا (قولان) مستويان عند المصنف. البناني يؤخذ من ابن عرفة أن الثاني هو المشهور وهو ظاهر المدونة، وذكر أبو الحسن أن ظاهر نقل ابن يونس واللخمي أن قول سحنون خلاف مذهب المدونة، فالأولى الاقتصار على قوله وعدد من كإبل أو رقيق ويؤخذ منه أيضًا أن قول سحنون ليس على إطلاقه كما عند المصنف، بل مقيد بما إذا لم يكن للنكاح جنس معتاد وإلا فلا يشترط ذكره ولا خصوصية للرقيق بذلك، وقد أتى ابن عرفة بعبارة عامة انظر طفي. =
[ ٤ / ١٢١ ]
[الوسط من الأغلب:]
ولها الوسط من الأغلب بالبلد من سود وحمر، فإذا استويا نظر لوسط السود والحمر، وأعطيت نصف كل جنس.
تنبيه:
لو أصدقها عددًا من جنس العروض، كعشرة أثواب مثلًا، فسخ قبل البناء، حتى يقول: من كتان أو صوف مثلًا، وبه أشعر قوله: (ذكر جنس الرقيق)، ويعطي من جنس الرقيق ما يسمى من ذكور وإناث.
[مسألة:]
ولها الإناث منه إن أطلق دون الذكور.
مالك: هو شأن الناس.
وأما لو عينت ذكورًا أو إناثًا تعين.
_________________
(١) = ابن عرفة وفي كونه بمطلق من صنف غير موصوف جائزًا ابتداء أو بعد وقوعه، أو إن خصص بجنس له رابعها لا يجوز لقول التلقين يجوز على وصيف أو عبد مطلق، وجهاز بيت مع ظاهر نقل عياض عن ابن القصار أنه كنكاح تفويض وظاهرها، والصقلي مع ابن محرز عن سحنون وغير واحد عن ابن عبد الحكم. وفي كون قول ابن محرز إن كان للنكاح جنس معتاد جاز وإلا فسد خامسًا نظر، وكونه بمطلق من جنس أعم ممنوع لنقل الشيخ عن محمد نكاح بعرض لم يوصف بأي عرض من العروض يفسخ قبل البناء، حتى يقول بثوب كتان أو صوف، وإن لم يصفه فلها الوسط، وكذا في اللؤلؤ قاله ابن القاسم. قلت: يريد أنه يمنع بلؤلؤ غير موصوف مطلقًا لقولها: إن كاتبة بلؤلؤ غير موصوف لم يجز لتفاوت الإحاطة بصفته والكتابة أخف من النكاح في الغرر، وقول ابن حارث اتفقوا فيمن تزوج امرأة على عبد أن لها عبدًا وسطا خلاف نقلهم قول ابن عبد الحكم. اهـ. طفى: فلا دليل في كلام ابن عرفة على مخالفة العروض للرقيق لأن كلام المصنف في الصنف وعبر عنه بالجنس لإضافته للرقيق، فهي تبين أن مراده الصنف وتقدم في كلام ابن عرفة أنه لا فرق فيه بين الرقيق وغيره، وأن ابن عرفة عبر فيه بالصنف وأتى بعبارة تعم الرقيق وغيره".
[ ٤ / ١٢٢ ]
[العهدة:]
ولا عهدة ثلاث ولا سنة في رقيق الصداق، كما سيأتي في بيع الخيار.
تنكيت:
تفسير البساطي تبعًا للشارح العهدة هنا بالضمان حيث قال: (ليس على المرأة فيما قبضه من صداقها عبد، فإذا أصدقها عبدًا وقبضته ومات، ثم طلقها قبل الدخول، فلا شيء عليها) غير صواب.
[النكاح بمؤجل:]
وجاز النكاح بصداق مؤجل إلى الدخول إن علم زمنه عندهم، كالنيل ببعض البلاد من الربع ببعضها، والجداد عند أربابه، فإن لم يعلم كالحاضرة فسخ.
[تأجيل الصداق للميسرة:]
أو التزويج بصداق إلى الميسرة يجوز، إن كان مليًا.
[الصداق على هبة العبد:]
وجاز على هبة العبد المملوك للزوج لفلان أو التصدق به عليه.
[على عتق أباها عنها:]
أو تزوجه على أن يعتق أباها عنها، جاز لها ولاؤه.
[على العتق عن نفسه:]
أو على أن يعتقه عن نفسه، وهو قول مالك فيها.
[وجوب تسليمه إن تعين:]
ووجب تسليمه -أي: الصداق- للمرأة ناجزًا، إن تعين، كهذا العبد، أو هذا الغرض، سواء أطاقت الوطء أو لا، بلغ الزوج أو لا، لشبهه ببيع معين يتأخر قبضه، فيمنع للغرر؛ إذ لا يعلم على أي وجه يقبض.
[ ٤ / ١٢٣ ]
[محل جواز منعها من نفسها:]
وإلا يكن معينًا، بل مضمونًا، وتنازع الزوجان في التبدئة، فقال الزوج: لا أدفع شيئًا حتى أدخل، وقالت: لا أمكنه حتى أقبض ما حل، فلها منع نفسها من الدخول، لقول المدونة: وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها.
وإن كانت معيبة بجنون أو رتق، كان العيب قبل العقد، ورضي به، أو طرأ بعد.
وإن مكنت من الدخول فلها منعه من الوطء بعده، وإن مكنت من الوطء أيضًا، وأراد السفر بها، فلها منع نفسها من السفر معه (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (وإلا)، أي: وإن لم يكن الصداق معينًا وتنازعا في التبدئة (فلها)، أي: الزوجة (منع نفسها) من دخول زوجها بها حتى يسلمها الصداق، وكره الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه لها تمكينه من نفسها قبل قبضها منه ربع دينار لحق اللَّه تعالى إن كانت سليمة من العيوب الموجبة لخيار الزوج، بل (وإن) كانت (معيبة) بعيب لا قيام له به لرضاه به أو حدوثه بعد العقد، وصلة منع (من الدخول)، أي: اختلاء الزوج بها (و) إن كانت مكنته منه فلها منعه من (الوطء بعده)، أي: الدخول وليس للزوج امتناع من دفعه ولو بلغت السياق إذ غايته موتها وهو يكمله عليه بخلاف النفقة، فلا تجب لمن بلغته لأنها في مقابلة الاستمتاع، وهو متعذر بمن بلغته. (و) لها منع نفسها من (السفر) مع الزوج إن طلبه منها ولو دخل بها ووطئها. البساطي: نظرت في كلامهم فوجدته يعطي أن لها المنع من السفر وإن دخل ووطئ اهـ. طفى ما قاله صواب غير أن فيه تفصيلًا لم يحم حوله، ففيها في إرخاء الستور وللزوج أن يظعن بزوجته من بلد إلى بلد وإن كرهت وينفق عليها، وإن قالت حتى آخذ صداقي، فإن كان بنى بها فله الخروج وتبيعه به دينًا. ابن يونس: يريد في عدمه، وأما إن كان موسرًا فليس له الخروج بها حتى تأخذ صداقها، وقاله أبو عمران قال عبد الحق بعد ذكره كلام أبي عمران، وقال بعض شيوخنا من أهل بلدنا إن كان يخرج بها إلى بلد تجري فيها الأحكام فلا كلام لها، وإلا فلها أن لا تخرج حتى تأخذ صداقها، وهذا خلاف قوله في توضيحه الامتناع من السفر قبل قبض صداقها إنما يكون قبل الدخول بها، وتبع في هذا ابن عبد السلام".
[ ٤ / ١٢٤ ]
ثم بين غاية المنع في ذلك كله بقوله: إلى تسليم ما حل منع نفسها من صداقها، سواء كان حالًا حين العقد، أو حل من المؤجل.
تنبيه:
ظاهر قوله: (فلها) جواز تمكينها قبل أن تقبض منه شيئًا، وليس كذلك، بل هو مكروه عند مالك قبل قبضها ربع دينار؛ لحق اللَّه تعالى؛ قاله ابن رشد وغيره.
هذا على أنه تعقب عبارة ابن الحاجب في قوله: (لها ذلك)، ثم ارتكبه هنا.
وظاهره: أنه لا فرق بين الصحيحة والمريضة؛ لأن منع الوطء لمرض لا يمنع من منعها حتى تقبض.
وظاهره: ولو بلغت حد السياق، وهو كذلك؛ لأن غايته حصول الموت، وهو يوجب تكميله.
[محل عدم منعها نفسها:]
لا بعد تمكينها من الوطء، فليس لها منع نفسها، لفواته بالتسليم، ولها المطالبة.
[محل منعها بعد تمكينه منها:]
وإلا أن يستحق الصداق منها، فلها المنع حينئذ، ولو بعد الوطء، حتى تقبض عوضه، ولها منعه.
ولو لم يغرها على الأظهر عند ابن رشد، حيث قال: هو أظهر الأقوال.
[مبادرة أحد الزوجين:]
ومن بادر من الزوجين بتسليم ما عليه، إما بعد المنازعة في التبدئة، أو حيث لا منازعة أجبر له الآخر في تسليم ما عليه إن بلغ الزوج الحلم على المشهور، لا إطاقة الوطء، لا كسر للذة حينئذ، فيضر بها، وأمكن
[ ٤ / ١٢٥ ]
وطؤها، فإن لم يمكن لم تجبر للضرر، ولا يشترط بلوغها الاحتلام؛ لأن الحق له.
[الإمهال بين العقد والدخول:]
وتمهل الزوجة وجوبًا عن الدخول بعد العقد سنة، إن اشترطت لأجل استمتاع أهلها بها لتغربة عنهم بغين معجمة فراء فباء موحدة، أو صغر غير مانع من الجماع.
[ما يبطل الإمهال:]
وإلا بأن لم يكن ذلك لصغر ولا لتغربة بطل الشرط، كما يبطل إذا زاد على سنة، كما في المدونة، وإليه أشار بقوله: لا أكثر من سنة، فلا تمهل، ويصح النكاح.
ويبطل الشرط ولو أخر قوله: (وإلا بطل) عن قوله: (لا أكثر) لكان أحسن.
قال البساطي: هو أحسن فيما يظهر، إلا أن يقال: إنه في العتبة لم يذكر التفصيل الذي في السنة، أعني: التفصيل الذي ذكره في المدونة. انتهى.
[من مسوغات الإمهال:]
ويمهل للمرض والصغر المانعين للجماع؛ إذ لا منفعة له في الدخول.
ومفهومه: أنها لا تمهل لمرض لا يمنع الجماع، وتقدم تصريحه بمفهوم الثاني (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (و) تمهل (للمرض) بها قبل البناء (والصغر) بها (المانعين عن الجماع) لانقضائهما وإن زاد على سنة وإن لم يشترط فيهما وتبع في المرض ابن الحاجب والذي في المدونة أنها لا تمهل للمرض إلا إذا بلغت السياق، وقد يقال ما ذكراه هو معنى قولها ومرضه البالغ حده كمرضها أهـ عب. البناني: تبع في الاعتراض على المصنف الحط ونصه وأما إمهال الزوجة للمرض إذا =
[ ٤ / ١٢٦ ]
[الإمهال للجهاز:]
ولما قدم أنها تجبر على التسليم بعد قبض الصداق، ذكر أنها تمهل قدر ما يهيئ مثلها أمرها فيه من شراء ما يصلح لجهازها، وذلك مختلف باختلاف النساء.
إلا أن يحلف ليدخلن الليلة مثلًا، ولا يمكنها التجهيز قبلها عرفًا، فلا تمهل، ويقضى له بذلك ارتكابًا لأخف الضررين، وتهيئ أمرها بعد الدخول.
_________________
(١) = طلبته فذكره المصنف وابن الحاجب، ولم ينص عليه في المدونة ولا ابن عرفة، وإنما نص فيها على أن المريضة مرضًا يمنع الجماع إذا دعت الزوج إلى البناء والنفقة لزمه ذلك، قال ومن دعته زوجته إلى البناء والنفقة وأحدهما مريض مرضًا لا يقدر معه على الجماع لزمه أن ينفق أو يدخل، إلا أن يكون مرضًا بلغ حد السياق فلا يلزمه ذلك اهـ ثم قال الحط ولم أطلع الآن على من نص عليه اهـ. واعترضه طفي بأمرين أحدهما أنه قصور لنقل المتيطي عن سحنون لا يلزمه الدخول إذا كان مريضًا مرضًا لا منفعة له فيها معه، وهي حينئذ كالصغيرة أبو الحسن. اللخمي وهذا أحسن وهو المفهوم من قول مالك رضي اللَّه تعالى عنه اهـ. قلت وفيه نظر، فإن الذي لم يطلع عليه الحط هو إمهال الزوجة إذا طلبته لمرضها وليس مسألة المتيطي، فلا قصور إلا أن يثبت أن كل ما يمهل فيه أحدهما يمهل فيه الآخر. الأمر الثاني أن اعتراضه بكلام المدونة اغترار منه بلفظ التهذيب، ونص الأم قال مالك رضي اللَّه تعالى عنه إن كان مريضًا مرضًا يقدر معه على الجماع فيه لزمت النفقة. قلت إن مرضت مرضًا لا يقدر فيه الزوج على وطئها، قال بلغني عن مالك رضي اللَّه تعالى عنه ممن أثق به لها دعاؤه للبناء إلا أن تكون في السياق ولم أسمعه منه. عياض ظاهره الخلاف لشرطه أولًا إمكان الوطء وعدمه ثانيًا. وعليه حمل اللخمي، وحملها غير واحد من المختصرين على الوفاق. اهـ. فالمصنف ومتبوعاه لم يخالفوا المدونة بل تبعوا اللخمي في حمل الكلام الذي بلغ ابن القاسم على الخلاف اهـ. قلت: هو وإن تبع اللخمي في حمله على الخلاف، فإن القول الثاني المقيد بحد السياق أرجح لصراحته، ولأن ابن القاسم زاد بعده في الأمهات وهو رأي كما في أبي الحسن فعلى المصنف درك في مخالفته".
[ ٤ / ١٢٧ ]
[الإمهال لحيض:]
ولا تمهل لحيض قائم بها لبقاء غير الوطء من المنافع.
[مسألة:]
فإن لم يجده -أي: الصداق الذي امتنعت من الدخول لأجله وادعى العدم- أجل لإثبات عسره ثلاثة أسابيع.
المتيطي: ستة ثم ستة ثم ستة ثم ثلاثة.
كذا في توضيحه، وتبعه الشارح في بعض شروحه.
وقال البساطي: أسبوع ثم أسبوع ثم أسبوع، هكذا عن الموثقين. انتهى.
ثم إذا ثبت عسره أو صدقته تلوم للطلاق بالنظر لمن يرجى، مما يراه الحاكم، وعمل في هذا التلوم بسنة وشهر.
قال المؤلف عن المتيطي: ستة أشهر ثم أربعة ثم شهر، واختاره الموثقون، ونقله ابن سحنون، وتبعه الشارح.
وقال البساطي: معنى قوله: (عمل بسنة في بعض البلاد، واستكثرت، وعمل فيه في بعض المواضع بشهر) انتهى. ويحتاج لنقل.
وفي كون التلوم لمن لا يرجى يسره كمن يرجى يسره لكشف الغيب عن العجائب، وتأوله الأكثر، وصحح، أي: صوبه المتيطي وعياض، وعدمه -أي: التلوم- فيطلق عليه ناجزًأ، وتأوله فضل على المدونة، تأويلان في فهم قولها: ويختلف التلوم فيمن يرجى ومن لا يرجى، فإن لم يقدر عليه فرق بينهما، وإن أجرى النفقة.
ثم إن عجز عن جميعه أو بعضه طلق عليه، فتوقعه الزوجة، قاله ابن عتاب.
وقال ابن القاسم وابن سراج: يوقعه الزوج.
وقال ابن فتحون: يوقعه الزوج، فإن أبى فالحكم.
[ ٤ / ١٢٨ ]
[نصف الصداق لازم له:]
ووجب عليه بالطلاق نصفه -أي: الصداق- عند ابن القاسم وغيره، وبه العمل؛ لأن المعسر يتهم على إخفاء المال.
ابن نافع: لا شيء عليه؛ لأن الفراق من قبلها.
وفهم من قوله: (نصفه) أنه قبل البناء، وهو كذلك؛ لأن المذهب لا طلاق عليه بإعساره بعد بنائه.
لا إن طلق عليه في عيب به فلا شيء عليه.
[محل الصداق كاملًا:]
وتقرر الصداق كله بوطء من بالغ لمطيقة، وإن حرم كفي حيض أو نفاس أو صوم أو اعتكاف، وشمل قوله: (حرم) الوطء في الدبر، وشهره صاحب المعتمد.
وخرج بالوطء افتضاضها بأصبعه، فلا يلزمها فيه، إلا ما شانها، وتقرر أيضًا بسبب موت واحد من الزوجين، أو هما معًا.
وتقرر أيضًا بسبب إقامة سنة عند الزوج بعد الدخول على المشهور، ومقابله عدم التحديد بالسنة، بل ذلك موكول للعرف.
وسواء خلقت شورتها أم لا، ومثله للبراذعي.
[التنازع في المسيس:]
وإن تنازع الزوجان في المسيس وادعته صدقت بيمين على الأصح في خلوة الاهتداء، وهي المراد عندهم بإرخاء الستور، كان هناك سترًا أو إغلاق باب أو غيره، مما يفهم منه ما هما بصدده، فإن نكلت حلف الزوج، ولزمه نصف الصداق.
وإن نكل غرم الجميع، وإن كانت صغيرة حلف الزوج، وغرم النصف، ووقف النصف لبلوغها، فإن حلفت أخذته أيضًا، وإن نكلت لم يحلف الزوج ثانية.
[ ٤ / ١٢٩ ]
ثم بالغ على تصديقها بقوله: وإن بمانع شرعي، كحيض أو صوم مثلًا؛ لأنه كالمخالف لأصل المذهب في أن القول قول مدعي الصحة، لكن رجح مدعي الفساد هنا تغليبا للموجب العادى على المانع الشرعي؛ إذ الحامل على الوطء أمر جلي، لأن العادة أن الرجل إذا خلا بامرأته أول خلوة مع حرصه عليها وتشوفه إليها قل ما يفارقها قبل الوصول إليها.
وصدقت في نفيه -أي: الوطء- وإن سفيهة أو أمة، ولو تعلق حق الحاجز والسيد بذلك؛ لأن أكثر فوائد الوطء لها.
وصدق الزائر منهما في دعوى الوطء مع الخلوة على المشهور، ثيبًا كانت أو بكرًا على المشهور؛ لأن العرف نشاطه في بيته إن زارته، وعدمه إن زارها.
وإن أقر به فقط وأنكرته أخذ بإقراره، إن كانت سفيهة؛ لتعلق حق الحاجز، حكاه ابن محرز في خلوة الزيارة.
ابن راشد: وذلك في خلوة الاهتداء آكد، ونحوه لابن الحاجب.
[مسألة:]
وهل إن أدام الزوج الإقرار تكون الرشيدة كذلك، كالسفيهة، فيؤخذ بإقراره، ولو تمادت على إنكارها، وبه فسرت المدونة أيضًا، أو إنما يؤخذ به إن كذبت نفسها، ورجعت لقوله، وبه فسرت المدونة أيضًا، تأويلان على قولها في ثالث نكاحها: وإرخاء الستور إن أكذبته في دعوى المسيس في خلوة البناء فلها أخذه بكل المهر أو نصفه.
[ما يفسد العقد:]
وفسد عقد النكاح إن نقص الصداق عن ربع دينار ذهبًا، أو عن ثلاثة دراهم فضة خالصة، أو عن عرض مقوم بهما، أي: بأحدهما، حيث وجد على المشهور، ومقابله لأشهب: إنما يقوم بالدراهم فقط، كالسرقة.
[ ٤ / ١٣٠ ]
[محل الإتمام:]
وأتمه -أي: الناقص- عن أحدهما إن دخل بها، كما في المدونة؛ لزوال المانع بالإتمام، وللاختلاف في صحته بالناقص، وإلا فإن لم يدخل فسخ إن لم يتمه على المشهور، وهو مذهب المدونة، وحملناه على هذا، وإن كان ظاهر كلامه وجوب الفسخ وإن أتمه؛ لأنه غير المشهور، كما صرح به في توضيحه.
وفي بعض النسخ: (وإلا فإن لم يتمه فسخ)، وبه يندفع ما قلنا: إنه ظاهر كلامه.
[ما يقع فيه الفسخ:]
ثم ذكر المؤلف مسائل يقع الفسخ فيها، فقال: أو إن عقد بما لا يملك شرعًا، كـ: خمر وخنزير وحر، فسد ويفسخ في الصورتين قبل البناء، ويثبت بعده بصداق المثل، ولو كانت الزوجة ذمية؛ إذ لا يصح تملكها بوجه.
أو إن وقع العقد على أن لا صداق، وهو مراده بإسقاطه، فسد وفسخ قبل البناء، وثبت بعده، بمهر المثل على المشهور.
أو وقع العقد بما لا يتمول، كـ: قصاص، كما قال ابن القاسم: من تزوج أمرأة بقصاص وجب له عليها فسخ قبل البناء، وثبت بعده كسائر الأنكحة الفاسدة؛ لصداقها.
أو إن عقد على ما فيه غرر كثير، كـ: عبد آبق، أو أجير شارد، أو ثمرة لم يبد صلاحه على التبدية، وأما على القطع فجائز.
أو إن عقد على دار فلان يشتريها لها من ماله، ويجعلها صداقًا، أو على سمسرتها بسينين مهملتين بينهما ميم هي مهرها، وهو المشهور للغرر؛ إذ لا يدري هل يقدر على تحصيل ذلك أم لا.
أو إن عقد على صداق بعضه لأجل مجهول، كـ: فراق أو موت، والبعض الآخر حال، أو لأجل معين، كسنة أو شهر مثلًا.
[ ٤ / ١٣١ ]
أو عقد على صداق كله لأجل، لم يقيد لأجل مجهول، كـ: متى شئت مثلًا، والأولى منفية عن الثانية؛ لأنه إذا فسد لجهل الأجل في بعضه فجهله كله أولى.
أو زاد الأجل على خمسين سنة.
البساطي: لأنه مظنة إسقاطه، وهو مذهب ابن القاسم، ونقله عن ابن حبيب. انتهى.
أو وقع بمعين بعيد جدًا عن بلد العقد، كـ: خراسان بأرض العجم من الأندلس بأرض المغرب.
وقال البساطي: بأرض الروم.
وجاز فيما مسافته متوسطة، كـ: مصر المدينة المعروفة من المدينة الشريفة.
ولما كان كل أحد لا يعرف قدر ما بين البلدين، وقع لابن القاسم التحديد بشهر؛ لأنه مظنة عد التغيير غالبًا، ولا فرق بين كون الصداق عبدًا أو دارًا، فإن وقع على وجه الصحة كمصر من المدينة، ولكن عرض له عارض اقتضى منعه وفساده، وهو المقامرة، كاشتراط الدخول قبل القبض امتنع؛ ولذا قال: لا بشترط الدخول قبله، أي: قبل القبض الغائب المتوسط الغيبة؛ فهو مخرج مما قبله، وهو المشهور.
وعلى المشهور لو دخل بغير شرط في المتوسط جاز، إلا القريب جدا، كاليومين ونحوهما، فيجوز اشتراط الدخول قبل القبض، وضمنته الزوجة في هذه الأنكحة الفاسدة بعد القبض إن فات بحوالة سوق فأعلى كالبيع الفاسد، لا بالعقد على المشهور (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (إن فات) الصداق بيدها بحوالة سوق فأعلى، وإن بنى بها ردت الصداق الممنوع أو عوضه ورجعت بصداق مثلها ومضى النكاح، وهذا في الفاسد لصداقه أو عقده وأثر خللًا في الصداق، وأما الفاسد لعقده ولم يؤثر خللًا في الصداق =
[ ٤ / ١٣٢ ]
أو عقد بمغصوب عبد أو غيره علماه معًا قبل البناء، لا إن علمه أحدهما لا يفسخ، ولو لم يدخل، أو باجتماعه -أي: النكاح- مع بيع في صفقة واحدة، كمتزوجة بمائة على أن تعطيه عبدًا مثلًا يفسخ قبل البناء، وثبت بعده بصداق المثل.
ومثله بقوله: كدار دفعها هو -أي: الزوج- في صداقها على أن تدفع له مائة، أو دفعها أبوها، أو هي للزوج على أن يدفع لأحدهما مائة عن الدار والصداق، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة؛ لتنافي الأحكام أن النكاح مبني على المكارمة، والبيع على المشاحة.
وجاز دفع الدار مثلًا من الأب في نكاح التفويض، بأن عقداه بلا ذكر مهر، وقال الأب: تزوج ابنتي، ولك هذه الدار (١).
_________________
(١) = كنكاح المحرم وإنكاحها نفسها بلا ولي فضمان صداقه منها بمجرد عقده كالصحيح إن هلك ببينة، أو كان لا يغاب عليه وإلا فمن الذي هو بيده. طفي: ليس الفوات شرطًا في الضمان كما يتبادر من عبارة المصنف بل القبض كاف فيه، والفوات مرتب عليه، أي؟ وترد قيمته إن فات فقوله في البيوع الفاسدة وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض أحسن. وقال ابن الحاجب وتضمنه بعد القبض لا قبله كالسلعة في البيع الفاسد، فلذا لو فات في بدن أو سوق كان لها وتغرم القيمة اهـ".
(٢) قال في المنح: " (في) نكاح (التفويض) كأن يقول بعتك داري بمائة، وزوجتك ابنتي تفويضًا، أقامه ابن رشد من قول ابن القاسم لو قال: تزوج ابنتي ولك هذه الدار فجائز، فهذه ليست صورة المصنف لأن هذه جائزة ولو لم يصدقها الزوج إلا هذه الدار. ابن محرز لأنه إنما قصد بما أعطاه معونته لأنه ليس في صورة ابن القاسم بيع، ولو قال: أزوجك ابنتي بمائة على أن تبيعها الدار بمائة جاز لأن المائة تقابل المائة والدار صداقها، ولو أن الولي قال للزوج: أزوجك وليتي بمائة على أن تبيعني دارك بمائة لكان فاسدًا لأنه بيع دار ومائة دينار ببضع ومائة دينار، قاله في التبصرة. اهـ عب. البناني: قوله وجاز من الأب في التفويض صوره تت بما نصه بأن عقداه بلا ذكر مهر، وقال الأب تزوج ابنتي ولك هذه الدار، قال طفي تصوير تت هو الصواب لأنه كذلك في التوضيح وهو الموافق للنقل. ابن عرفة: سمع سحنون ابن القاسم من أنكح ابنته من رجل على أن أعطاه دارًا جاز =
[ ٤ / ١٣٣ ]
وفرق ابن محرز في تبصرته بأن الدار هنا خالية عن العوض، وإنما قصد الأب معونته بخلاف الأولى؛ فإنه سلك بها مسلك المعاوضة.
تنبيه:
انظر هل مفهوم الأب مفهوم مخالفة أو موافقة.
[جمع امرأتين في عقد:]
وجاز جمع امرأتين مثلًا في عقد واحد، سمى لهما -أي: لكل واحدة شيئًا معينًا- كعشر، ثم قال: تزوجتهما بعشرين، أو سمى لإحداهما، وتزوج الأخرى تفويضًا، وجمعهما في عقد واحد جاز؛ لأن
_________________
(١) = نكاحه، ولو قال تزوج ابنتي بخمسين وأعطيك هذه الدار فلا خير فيه لأنه من وجه النكاح والبيع. ابن رشد يقوم منها معنى خفي صحيح وهو جواز اجتماع البيع مع نكاح التفويض بخلاف نكاح التسمية اهـ. قال طفى: وهذا هو الذي عند المصنف، وأما تصوير "س" ومن تبعه بأن يقول بعتك داري بمائة، وزوجتك ابنتي تفويضًا فيحتاج لنقل بجوازها لأنها أشد مما في السماع للتصريح بالبيع فيها، بخلاف ما في السماع فإنه تلفظ بالعطية وعليه يأتي تفريق ابن محرز اهـ البناني. قلت: ما صور به "س" ومن تبعه هو الصواب نقلًا وعقلًا، أما نقلًا فلأن ابن رشد صرح به بنفسه مفرعًا له على مسألة ابن القاسم، ونص كلامه في السماع المذكور، ويقوم من هذه المسألة معنى خفي وصحيح، وهو أن البيع والنكاح يجوز أن يجتمعا في صفقة واحدة إذا كان نكاح تفويض لم يسم فيه صداق، مثل أن يقول أزوجك ابنتي نكاح تفويض على أن أبيع منك داري بكذا وكذا. اهـ. من البيان فقول طفي يحتاج إلخ، قصور وقد غره في هذا اختصار ابن عرفة. وأما عقلًا فلأنه لو كان مراد ابن رشد مسألة ابن القاسم فعينها أنكحه ابنته وأعطاه دارًا فما معنى قوله يقوم منها، أليس جعل ابن رشد مسألة ابن القاسم أصلًا يحتاج إلى بيان الفرع وليس إلا ما صور به "س" ومن تبعه، وقول "ز" ابن محرز لأنه إنما إلخ تفريق ابن محرز يمنع قياس ابن رشد فهو مقابله، وقد اعتمد المصنف هنا على ما لابن رشد، وفي التوضيح على ما لابن محرز وهو الظاهر".
[ ٤ / ١٣٤ ]
نكاح التسمية لا ينافي نكاح التفويض، فيجمعان، وكذا يجوز جمعهما تفويضًا.
وهل يجوز الجمع، وإن شرط أن لا يتزوج واحدة منهما إلا مع تزوج الأخرى، وإن لم يسم لكل واحدة صداق مثلها، وإليه ذهب ابن سعدون، ولم يره كالبيع.
أو إنما يجوز ذلك مع الشرط المذكور، إن سمى لكل منهما صداق المثل كالبيع، وهو قول جماعة من المتأخرين، قولان بغير ترجيح.
وفي المدونة لا يعجب جمعهما في صداق واحد وعقد واحد؛ إذ لا يعلم صداق هذه من صداق هذه.
والأكثر من الشيوخ على التأويل؛ لقول الإمام: لا يعجب، بالمنع، لقوله في آخر المسألة: لأن نكاحهما غير جائز، وعليه اختصر البراذعي؛ لأن هذه اللفظة أكثر ما يستعملها الإمام في المنع.
والفسخ قبله -أي: قبل البناء- وصداق المثل بعده، لا الكراهة، وهو تأويل الأقل؛ لأن قوله: (غير جائز) محتمل أيضًا للكراهة.
تنبيه:
لو قال المؤلف على عادته: (وفيها لا يعجبني، وهل على المنع، وعليه الأكثر، ويفسخ إن لم يبن، وإن بني فمهر المثل، أو على الكراهة تأويلان) لكان أحسن.
ويحتمل أنه إنما لم يقل تأويلان لرجحان التأويل الذي عليه الأكثر عنده، واللَّه أعلم.
[ضمان إثباته:]
أو تضمن إثباته -أي: النكاح- رفعه، كدفع العبد في صداقه -أي: في صداق العبد نفسه- لأن ثبوت ملكه لها يوجب فسخ نكاحها، فيلزم رفعه على تقدير ثبوته، ويفسخ قبل البناء، ولا شيء لها.
[ ٤ / ١٣٥ ]
[تملكه بعد البناء:]
وبعد البناء تملكه، ويفسخ أيضًا، أو عقداه بدار مضمونة في الذمة، فإنه يفسد.
ابن يونس: لأنه يصير إلى السلم في معين.
ابن محرز: لأنه لا بد من موضعه، فيصير المضمون معينًا، وهو ما أفتى به أبو محمد.
[مسألة:]
أو إن عقداه بألف، وإن كانت له زوجه غيرها، فألفان فسخ قبل البناء، وثبت بعده؛ للشك الواقع في قدر الصداق حين العقد، بخلاف ما لو تزوجها على ألف، وإن أخرجها من بلدها أو تزوج عليها فألفان، فالنكاح صحيح؛ لأنه على ألف، والشك في الزائد متعلق بالمستقبل، بخلاف التي قبلها.
وتردد عياض وغيره في استوائهما؛ إذ لا تدري المرأة صداقها ألف أو ألفان، ولا يلزم الشرط للزوج، بل يستحب وفاؤه له عند مالك.
[حكم الشرط:]
ولما كان عدم اللزوم لا يلزم منه معرفة الحكم ابتدأه قال: وكره الشرط؛ لمخالفته المستحب.
[مسألة:]
ولا يلزم الألف الثانية إن خالف الشرط، وله أن يخرجها بغير شيء.
[التشبيه في الحكم وعدم اللزوم:]
ثم شبه في الكراهة وعدم اللزوم، فقال: كـ: إن أخرجتك من بلدك فلك ألف، أو توافقا على ألفين، وأسقطت عنه ألفًا منهما قبل العقد على ذلك، فخالف في المسألتين وأخرجها، فلا شيء عليه عند مالك، وهو المشهور.
[ ٤ / ١٣٦ ]
وقوله: (قبل العقد) قيد في هذه والتي قبلها، وحذفه من الأول لدلالة الثاني.
إلا أن تسقط ما -أي: شيئًا- من صداق تقرر، كألف مثلًا تسقطه من ألفين بعد العقد على أن لا يخرجها، ثم فعل، فإنها ترجع بما أسقطت، أخرجها قريبًا من الإسقاط أو بعيدًا.
قال ابن عبد السلام: وينبغي أن يقيد بالقرب، كمن أعطته مالًا على أن لا يطلقها.
وهذا مقيد بما إذا كان بلا يمين منه، فإن كان الإسقاط بيمين، كـ: إن فعلت فضرتك طالق، أو سريتي حرة، وفعل فلا رجوع لها للزوم الطلاق والعتق.
[الشغار حكمه وأقسامه:]
ولما كان الشغار من الأنكحة الفاسدة، عطفه عليها مبينًا لأقسامه وحكمه، فقال: أو كزوجني أختك بمائة على أن أزوجك أختي بمائة، أي: بهذا الشرط.
وسواء أخره كما هنا، أو قدمه بأن قال: إن زوجتني أختك بمائة فقد زوجتك أختي بمائة، وهو وجه الشغار، وهو القسم الأول منه، وفهم من قوله: (على أن أزوجك. . إلى آخره) أنه لو زوج كل الآخر أخته بمهر مسمى، ولم يفهم توقف أحدهما على الآخر لجاز، وهو كذلك، قاله أبو عمران.
وانظر: هل اتحاد المهر مقصود حتى لو زاد مهر إحداهما على الأخرى لم يكن كذلك، أو لا فرق، وهو الظاهر.
وفهم فرض المسألة في الأختين أن المجبورة على النكاح كالبنت والأمة أحروي، وهو كذلك، خلافًا لمن قال من أهل العلم: إن الشغار إنما هو فيمن يخير.
ولا فرق في الشغار بين العبيد والأحرار.
[ ٤ / ١٣٧ ]
وأشار للقسم الثاني بقوله: وان لم يسم لواحدة منهما، بأن قال: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي، ولا مهر بينهما، فصريحه، أي: الشغار.
وفسخ النكاح فيه -أي: في الشغار- بطلقة بائنة، وإن كان الشغار وهو عدم التسمية إنما حصل في واحدة دون أخرى، وهو القسم الثالث المركب من القسمين، كـ: زوجني أختك بغير شيء، على أن أزوجك أختي بمائة، أو عكسه.
تنبيه:
أجمل المصنف في الفسخ، وهو في القسم الأول ما لم يبن، وأما لو بنى لمضى على المنصوص، ويأتي قريبًا أنه بالأكثر من المسمى، وصداق المثل والفسخ في الثاني قبل الدخول وبعده، ولو ولدت الأولاد على المشهور، وفي القسم الثالث حكم كل جزء منه ما لكل.
وقول الشارح: (يفسخ على كل حال) غير ظاهر.
والشغار لغة: الرفع، شغر الكلب برجله رفعها ليبول، ثم استعمل فيما يشبهه، فقالوا: أشغر الرجل المرأة، إذا فعل بها ذلك للجماع، وهو أيضًا كذلك.
[النكاح على الحرية:]
وفسخ النكاح على شرط حرية ولد الأمة المنكوحة أبدًا قبل الدخول وبعده.
اللخمي: روى محمد: من زوج أمته على أن ولدها أحرار فسخ نكاحه، ولو بنى، وأولاده أحرار، وولاؤهم لسيدهم، ولا قيمة على أبيهم فيهم.
ولها -أي: الزوجة- في الوجه، وهو القسم الأول، إن دخل بها لها في نكاحها على مائة وخمر، أو على مائة حالة ومائة مؤجلة لأجل مجهول؛ لموت أو فراق، أو متى شئت، الأكثر من المسمى وصداق المثل
[ ٤ / ١٣٨ ]
على المشهور، في كل من المسائل الثلاث.
والخمر في الثانية لغو، فلو كان المسمى مائة، وصداق المثل تسعون، فلها المسمى، وعكسه لها صداق المثل.
تنبيه:
خص المصنف هذا الحكم بالوجه؛ لأن الذي لها في الصريح إن دخل صداق المثل اتفاقًا، وفي المركب بعد الدخول صداق المثل للتي لم يسم لها، والأكثر منه ومن المسمى في المسمى لها.
ولو زاد صداق المثل على الجميع، وهو المائة الحالة، والمائة المؤجلة في المثال المذكور، بأن كان مائتين وخمسين مثلًا.
تنبيه:
ذكر ذلك ردًا للقائل بأنه إذا زاد على المائتين لا تعطى الزائد؛ لرضاها بالمائة لأجل مجهول فأخذها حالة أحسن.
وقدر المؤجل بالتأجيل المعلوم إن كان فيه، أي: في الصداق مؤجل معلوم، كما لو كان مع المائتين مائة أخرى لسنة مثلًا، فلا ينقص صداق مثلها عن المائتين المعجلة والمؤجلة لسنة، إن نقص عنهما، وإن زاد على الثلثمائة، كان لها الزائد عند مالك.
والمعلوم: نائب الفاعل، وقول البساطي: (فاعل) فيه تجوز.
وتوولت أيضًا فيما إذا سمى لإحداهما ودخل بالمسمى لها متعلق بدخل بصداق المثل متعلق بتؤولت.
وأشار بقوله: (أيضًا) إلى التأولين في مسألة الوجه، وفيما إذا سمى لإحداهما، وهو الذي يؤخذ من كلام صاحب الشامل، وبه يظهر ما في قول البساطي.
تنبيه:
هذان التأويلان إنما هما في المركب في المسمى لها إن دخل بها،
[ ٤ / ١٣٩ ]
وأما إن سمي للاثنين ودخل بهما أو بواحدة فحكوا في المذهب قولين: المشهور أن لكل الأكثر، والآخر: أن لكل صداق، أعني في الدخول.
[كون الصداق منافع:]
واختلف في منعه -أي: النكاح- بمنافع تكون صداقًا، كخدمة عبد أو سكنى دار مدة معينة مثلًا.
تنبيه:
يقيد قوله: (بمنافع) بما إذا لم يكن جعلًا، فإنه ممنوع.
ابن رشد: اتفاقًا.
لأن النكاح به نكاح فيه خيار؛ لأن للمجعول له الترك حتى شاء.
[كالتعليم بدل الصداق:]
أو جعل تعليمها قرانًا صداقها أو إحجاجها، أو على عمل يعمله لها، ويفسخ ذلك قبل البناء، ويثبت بعده بصداق المثل عند.
اللخمي: وحيث فسخ فإن الزوج يرجع بقيمة عمله للفسخ.
قال الشارح: لأجله.
وجعله البساطي غاية، وكل منهما يحتمل فسخ النكاح أو الإجازة.
[حكم النكاح على ما مضى:]
وكراهته -أي: النكاح على ما تقدم في المسائل الثلاث- كالمغالات فيه بكثرة الصداق، فهو والمسألة التي بعده تشبيه في الكراهة فقط، وتقدم أن القلة والكثرة فيه أمر نسبي.
[الأجل فيه:]
والأجل فيه كرهه مالك في المدونة لمخالفة أنكحة من مضى، وفي يد قليل الأجل وكثيره خلاف كثير، قولان:
الأول: وهو المنع لمالك.
[ ٤ / ١٤٠ ]
والثاني: الكراهة لابن القاسم.
تنبيه:
كذا عزاه ابن شاس لهما، وعزا لهما اللخمي عكسه، قال المؤلف: ولعل لكل منهما قولين.
[مخالفة وكيل الزوج الزوج:]
وإن أمره -أي: أمر مريد الزواج وكيله أن يزوجه- بألف مثلًا عينها -أي: المرأة- كفلانة، أو لا يعينها، بل قال: زوجني بألف، فزوجه بألفين تعديًا، ولم يعلم واحد من الزوجين بالتعدي، فإن دخل بها فعلى الزوج ألف، وهو الذي أمره به، وغرم الوكيل ألفًا؛ لأنه تعدى بها، والغرور الفعلي موجب للغرم على المشهور.
ثم أفاد هذا شرط غرم الوكيل بقوله: إن تعدى بإقرار منه أو بينة عليه بذلك، والنكاح ثابت، ويأتي مفهوم دخل.
وإلا بأن لم يكن إقرار ولا بينة بالتعدي، ودخل غير عالم به مدعيًا أنه إنما أمره بألف، وقالت: هي بألفين، فتحلف هي إن حلف الزوج؛ لأنه مقدم، فإن حلف لم يغرم الألف الثانية، وإن نكل حلفت هي، وأخذت منه الألف الثانية؛ لنكوله، كذا قرره البساطي، ولم يبين من يغرم الألف إذا حلف الزوج.
وقال الشارح: يحلف لتغريم الوكيل الثاني.
تنبيه:
قال بعض من تكلم على هذا المحل: النسخ الجيدة: (وإلا فتحلفه هي إن حلف الزوج)، وضمير تحلفه عائد على الوكيل، وفي بعض النسخ: (وإلا فتحلف هي إن نكل الزوج)، ثم حكي عن ابن يونس ما يوافق كل واحدة من النسختين، وما خالف هاتين النسختين فلا معنى له. انتهى. ولم أقف على هاتين النسختين، ولعلهما إصلاح.
[ ٤ / ١٤١ ]
[تحليف الزوج للوكيل:]
وفي تحليف الزوج له -أي: للوكيل- إن نكل الزوج، وغرم الزوج الألف الثانية، فإن حلف الوكيل استمر الغرم على الزوج، وإن نكل الوكيل غرم للزوج الألف الثانية التي غرمها الزوج للزوجة حين نكل، وهو قول أصبغ.
وعدم تحليفه، وهو قول محمد قائلًا: قول أصبغ غلط، لأن الوكيل لو نكل لم يحكم عليه، إلا بعد حلف الزوج، والزوج قد نكل عن اليمين مع المرأة، فكيف يحلف؟ !
قولان بغير ترجيح.
[محل لزوم النكاح الآخر:]
ثم ذكر مفهوم: (إن دخل) الذي وعدناك به، فقال: وإن لم يدخل بها، والمسألة بحالها، أمره بألف، فزوجه بألفين، ولم يعلم واحد من الزوجين بالتعدي قبل العقد، وعلم به قبل الدخول، أي: وقامت البينة للزوج على التوكيل بألف، وللمرأة على التزويج بألفين، أو لم تقم على واحد من الأمرين بينة، أو قامت البينة للزوج على التوكيل بألف، وليس على التزويج بألفين بينة، وعكس هذا، فهي أربع صور، ورضي أحدهما: إما الزوجة بألف، وإما الزوج بألفين، لزم الآخر النكاح، وأما إن لم يرض أحدهما بقول الآخر فهو المراد بقوله فيما يأتي: (ولكل تحليف الآخر إلى آخره)، لا إن التزم الوكيل الألف الثانية عن الزوج، فلا يلزمه النكاح، ونحوه في المدونة.
[تحليف كل الآخر:]
وحيث لم يرض أحدهما كان لكل تحليف الآخر فيما يفيد إقراره فيه من الصور الأربع السابقة، وهي إذا لم تقم على الوكيل بألف بينة، وقامت على التزويج بألفين، فللزوجة أن تحلف الزوج أنه لم يأمره إلا بألف، فإن نكل لزمه النكاح بألفين، وإن حلف قيل لها: إن رضيت بألف وإلا فسخ
[ ٤ / ١٤٢ ]
النكاح، أو لا تقوم على واحد من الأمرين بينة فكالاختلاف في الصداق، كما يأتي.
وكذلك إن قامت له بينة بالتوكيل بألف ولم يكن على التزويج بألفين بينة فله تحليفها أنها لم ترض بألف، فإن نكلت لزمها النكاح بالألف، وإن حلفت قيل للزوج: إما أن ترضى بألفين وإلا فسخ النكاح، وأما ما لا يفيد إقراره فيه وهو الصورة الأولى من الأربع فلا يمين حينئذ؛ ولذا كان قوله إن لم تقم بينة زيادة بيان، ولا ترد هذه اليمين المتوجهة على أحد الزوجين على الآخر.
أو لما كان قوله: ولكل تحليف الآخر لا يعلم منه المبدأ منهما، والنص لمالك وابن القاسم كما حكاه الأقفهسي أنه الزوج، ولابن يونس تفصيل في ذلك مشى عليه المصنف بقوله: ورجح بداية حلف الزوج على دعواه، أنه مما أمره إلا بالألف، ثم للمرأة إذا حلف الفسخ بغير يمين، إن قامت لها بينة على التزويج بالألفين، ولها أن ترضى بألف، وإن نكل لزمه النكاح بألفين.
وإلا بأن لم تكن لها بينة على عقد الوكيل بألفين فكالاختلاف في الصداق قبل البناء، فتبدأ المرأة باليمين، فتحلف أن العقد كان بألفين، ثم يقال للزوج: إما أن ترضى بذلك، وإلا فاحلف أنك ما أمرته إلا بالألف، ويفسخ النكاح، إلا أن ترضى المرأة بألف.
وهذا إن لم يعلم واحد منهم بالتعدي.
[علمها بالتعدي:]
وأما إن علمت -أي: الزوجة فقط- قبل الدخول بالتعدي ومكنت فألف؛ لأن الزائد محض عدا.
[علمه بالتعدي:]
وبالعكس وهو أن يعلم الزوج فقط بالتعدي فعليه ألف؛ لأن دخوله رضى بألفين.
[ ٤ / ١٤٣ ]
[علمهما معًا به:]
وإن علم كل منهما بالتعدي ودخل على ذلك، وعلم أيضًا بعلم الآخر بالتعدي أو علم كل منهما بالتعدي، أو لم يعلم بعلم الآخر به فألفان؛ نظرًا لما دخل عليه الزوج، كما في الروايات.
[علم الزوج بعلمها به:]
وإن علم الزوج بعلمها فقط بالتعدي، ولم تعلم هي بعلمه فألف؛ لأنه يقول: قد مكنتني بعلمها بالتعدي، وما دخلت إلا بعلمي برضاها بألف.
[علمها بعلمه بالتعدي:]
وبالعكس، وهو علمها بعلمه بالتعدي، ولم يعلم هو بعلمها، فـ عليه ألفان؛ لأنها تقول له: إنما دخلت على ذلك.
[تزويج الآذنة:]
ولم يلزم تزويج امرأة آذنة غير مجبرة: صفة لآذنة لوليها في التزويج فقط من غير تسمية لقدر المهر إذا زوجها بدون صداق المثل باتفاق.
قال المصنف: ولو رضي الزوج بإتمام صداق المثل بعد أن أبت، والأقرب لزوم النكاح إن كان بالقرب.
[صداق السر:]
وعمل بصداق السر بين الزوجين، أو من يقوم مقامهما، إذا أعلنا صداقًا غيره أعظم منه قدرًا أو جنسًا أو نوعًا، إذا أشهدا عليه عدولًا، وحلفته إن ادعت الرجوع عنه، أي: عن صداق السر قبل العقد، وأنه عقد على المعلن.
إلا ببينة تشهد عند العقد أن المعلن لا أصل لى، فيعمل على صداق السر بغير يمين على الزوج، قاله عياض، وسواء كان شهود السر هم شهود العلانية أو غيرهم.
[ ٤ / ١٤٤ ]
[المسكوت عنه في الصداق:]
وإن تزوج بثلاثين دينارًا مثلًا عشرة منها نقدًا، وعشرة منها إلى أجل شهرًا أو سنة مثلًا، وسكتا عن عشرة لم يذكراها سقطت العشرة المسكوت عنها، إذا لم يقع لها ذكر في نقد ولا تأجيل، ولو كان ذلك في بيع لكانت العشرة الثالثة حالة.
وفرق بأن النكاح قد يظهر فيه قدر، وفي السر خلافه، وسكوتهم دليل على إسقاطه، بخلاف البيع.
[مقدم الصداق:]
وإذا كتب الشهود نقدها كذا من صداقها بحركة القاف أو عجله وقدمه ونحو ذلك من الألفاظ فهو مقتض لقبضه عرفًا.
[نكاح التفويض والتحكيم:]
وجاز نكاح التفويض.
الباجي: اتفاقًا.
وجاز نكاح التحكيم عند مالك، ورجع إليه ابن القاسم في المدونة، عقد بلا ذكر مهر، جعله الشارحان تفسيرًا للتفويض، ويحتمل كونه تفسيرًا له وللتحكيم؛ لاشتراكهما في الجواز وغيره؛ لقول ابن حبيب عن ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ: التحكيم كالتفويض في كل أجرة الجواز.
تنبيه:
أتى المؤلف بلفظة ذكر ليتسلط عليها الإخلاء، وإلا لو قال: بلا مهر لتسلط النفي على المهر، وهو لا يصح، وإنما صح عن خلوه عن المهر الذي هو ركنه؛ لأنه محكوم به فيه، وإن لم يذكره؛ ولذا لو صرح بإسقاطه لفسد.
[لفظ الولي وهبت:]
ولما كان قول الولي: (وهبت) يشبه التفويض؛ لكونه بغير ذكر مهر،
[ ٤ / ١٤٥ ]
وهو مخالف في حكمه، قال: بلا وهبت، أي: بغير مهر، فإن وقع كذلك فسد وفسخ.
قال في الشامل: على المشهور. انتهى.
قال ابن القاسم: يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده بصداق المثل.
وكان يقول: يفسخ بعد البناء أيضًا؛ لأن فساده في البضع، وعليه فهل لها صداق المثل أو ثلاثة دراهم؟ قولان لابن وهب وأشهب.
وفسخ النكاح إن وهبت نفسها قبله، أي: البناء، ويثبت بعده بمهر المثل، ويعاقبان ولا يحدان إن مسها.
وصحح أنه زنا يحد فيه، ولا يلحقه الولد، ويفرق بينهما.
[استحقاقها المهر:]
واستحقته -أي: مهر المثل للمفوضة- بالوطء، لا يريد أنه يجوز لها التمكين من نفسها قبل قبض الصداق أو بعضه، وإنما مراده إن وقع ذلك تستحقه.
لا بموت حصل لها أو له قبله -أي: قبل الوطء- عند جمهور الصحابة.
أو طلاق لا تستحق به شيئًا اتفاقًا، إلا أن يفرض قبل البناء مهر المثل أو دونه أو أكثر منه، وترضى فيتشطر المفروض بالطلاق، وتستحق جميعه بالموت.
وهذا في الثيب الرشيدة، وسيتكلم على البكر، ومفهوم: (وترضى) غير معتبر، ككثير من مفاهيم غير الشرط؛ لأنه لو فرض لها المثل وطلق قبل البناء لتشطر، رضيت أو لا، ولو فرض أقل منه ولم ترض فليس لها نصفه.
ولا تصدق فيه في الوطء إن ادعته بعدهما، أي: بعد الموت والطلاق السابقين في مسألة المنطوق.
[ ٤ / ١٤٦ ]
وقول البساطي كالأقفهسي تبعًا للشارح: (إن ضميره راجع لعدم الرضى والطلاق إلا ببينة) فغير ظاهر، كما بيناه في الكبير.
والمفوضة لها طلب التقدير لمهرها من الزوج قبل الدخول، ولها حبس نفسها، وإن أبي إلا بعده استحبابًا حتى يقرضه، ويكره تمكينها قبل الفرض.
ولزمها فيه -أي: في التفويض- وفي تحكيم الرجل وهو الزوج إن فرض لها المثل -أي: مهر المثل- ولا يلزمه أن يفرض مهر المثل، وهل تحكيمها أو تحكيم الغير وهو الآخر كذلك، إن فرض المثل لزمها، ولا يلزمه ما فرضته أو فرضه غيرها، إلا إن شاء، وهو قول ابن القاسم، ومحاولة بعض الصقليين على المدونة.
أو إن فرض المحكم وليًا كان أو أجنبيًا المثل لزمهما معًا، وإن فرض أقل من المثل لزمه، أي: الزوج فقط، ولها الخيار، سواء إن فرض أكثر فالعكس، يلزمها فقط، وله الخيار، وعليه تأولها ابن محرز.
أو لا بد من رضى الزوج والمحكم بفتح الكاف زوجة أو غيرهما، سواء فرض الزوج أكثر أو المحكم أقل، وعليه تأولها ابن أبي زيد، وهو الأظهر عند ابن رشد تأويلات.
[الرضى بدون صداق المثل:]
ولما كان في الراضية بدون مهر المثل عموم بين هنا من يعتبر رضاه، فقال: وجاز الرضى بدونه، أي: صداق المثل للمرشدة المالكة أمر نفسها، وللأب في البكر عانسًا أو غيرها، ولا يعتبر رضاها هي به وهو مذهب المدونة ولو بعد الدخول بها، قاله اللخمي.
وأشار بالمبالغة لقول ابن يونس وابن رشد: ليس للأب الرضى بدونه بعد الدخول.
وسكت عن كون السيد له ذلك لوضوحه.
[ ٤ / ١٤٧ ]
[رضى الوصي على السفيهة به:]
وللوصي في السفيهة المولى عليها الرضى بدونه دونها قبله، أي: الدخول، وأما بعده فليس له الرضى به على المشهور، والفرق بين الأب له ذلك مطلقًا وبين الوصي له ذلك قبل فقط قوة تصرف الأب دونه.
[رضى المهملة به:]
لا البكر المهملة، وهي التي لا أب لها ولا وصي، فلا يجوز رضاها بدون مهر المثل عند ابن القاسم في المدونة.
تنبيه:
تلخص من كلامه أن للمرأة أربعة أحوال:
- مرشدة.
- وذات أب.
- وذات وصي.
- ومهملة.
[مسألة:]
وإن عقد نكاح تفويض في صحة وفرض لها في مرضه ومات قبل البناء فوصية لوارث، لا لما لم تستحق الصداق إلا بالموت، جعلوا ما فرضه لها وصية لوارث، فتبطل إلا أن يجيزها الورثة، وترثه، ونحوه في سماع ابن القاسم.
[مسألة:]
ولما كان مفهوم لوارث أن الأمة والذمية ليستا كذلك إذا فرض لهما في مرضه ومات قبل البناء، وفيهما قولان، أفاد ذلك بقوله: وفي الذمية والأمة قولان.
هل يكون لهما من ثلثه ما سماه، ولو زاد على مهر المثل؛ إذ ليس
[ ٤ / ١٤٨ ]
وصية لوارث، أو ليس لهما ما زاد على مهر المثل.
الأول: قول محمد، ورواه عن مالك.
والثاني: لعبد الملك ابن الماجشون.
وظاهر كلام الشارحين أن القولين منصوصان في سقوط ما فرضه جملة، وعدم سقوطه قبل البناء، وليس بظاهر، انظر الكبير.
[محل رد زائد المثل:]
وإن فرض في مرضه لحرة مسلمة أكثر من مهر مثلها ردت زائد المثل فقط لزوما إن وطئ قبل الفرض أو بعده ومات، ويكون مهر المثل لها من رأس المال اتفاقًا.
إلا أن يجيز الورثة ما زاد على المثل فلا يلزمها رده، وأحرى أقل من المثل، ونحوه في التوضيح.
تنبيه:
وقع في نسخة الشارح في الكبير والبساطي موضع المثل: الثلث، فحاول الشارح تقريرها على معنى المثل.
وقال البساطي: ترد ما زاد على الثلث. انتهى.
وهو يقتضي أنها لا ترد ما زاد على المثل، إذا كان دون الثلث، وهو خلاف قولهم: مهر المثل فقط، فتأمله.
ولزم ما فرض زائدا على مهر المثل إن صح الزوج من مرضه حية كانت أو ميتة، وهو كذلك:
الأولى: اتفاقًا.
والثانية: عند أصبغ.
ومفهوم الشرط: إن مات من مرضه ولم يصح قبل بنائه سقط ما فرضه، إلا أن يجيزه الورثة، وهو كذلك، ونص عليه ابن عرفة.
[ ٤ / ١٤٩ ]
[محل ما لا يسقط بإسقاطها له:]
ثم أخرج من فاعل لزم قوله: لا إن أبرأت زوجها من صداقها، أو بعضه قبل الفرض، فإن الأبرأ لا يلزمها؛ لأنه قبل وجوبه، أو أسقطت شرطًا كتزوجه عليها، كأن لا يتزوج عليها فتزوجها، وأسقطت ذلك قبل وجوبه لها، وبعد جريان سببه، وهو العقد عليها، فإنه لا يسقط.
وقيل: يسقط، لجريان سببه.
وهذا القول الثاني درج عليه المصنف في أوائل النكاح عند قوله: (أو على شرط يناقض)، حيث قال: إن الشرط يلغى مطلقًا، فتلخص من كلامه أن في المسألة قولين:
- سقوط الشرط.
- وعدم سقوطه.
[محل مهر المثل:]
ومهر المثل ما -أي: شيء، أو: الذي- يرغب به مثله -أي: في الزوجية- باعتبار:
[١] دين، أي: محافظة على أصول الإسلام؛ لخبر: "اظفر بذات الدين تربت يداك" (١).
[٢] وجمال، أي: حسن.
[٣] وحسب، وهو ما يعد من مفاخر الآباء.
[٤] ومال، وهو معروف.
_________________
(١) من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (٥/ ١٩٥٨، رقم ٤٨٠٢)، ومسلم (٢/ ١٠٨٦، رقم ١٤٦٦)، وأبو داود (٢/ ٢١٩، رقم ٢٠٤٧)، والبيهقي (٧/ ٧٩، رقم ١٣٢٤٤)، وابن ماجه (١/ ٥٩٧، رقم ١٨٥٨)، وابن حبان (٩/ ٣٤٤، رقم ٤٠٣٦). ومن حديث جابر أخرجه الدارمي (٢/ ١٧٩، رقم ٢١٧١). وأخرجه أيضًا: أحمد (٢/ ٤٢٨، رقم ٩٥١٧)، والنسائي في الكبرى (٣/ ٢٦٩، رقم ٥٣٣٧)، والدارقطني (٣/ ٣٠٢).
[ ٤ / ١٥٠ ]
[٥] وبلد، على أحد تفسيري قول المدونة: إنما ينظر في مهر المثل لشبابها، وموضعها، وغنائها.
ابن القاسم: والأختان تفترقان فيه، يكون لإحداهما دون الأخرى المال والجمال، فليس مهرهما سواء بالنسب.
[محل اختلاف مهر المثل بالنسبة للأخوات:]
وأخت شقيقة أو لأب، هو خلاف تفسير ابن رشد، لا باعتبار الأم والعمة للأم.
وأشعر اقتصار المؤلف على المكان بأن الزمان غير معتبر، خلافًا لسماع القرينين أن مهر النساء اليوم من مهر من مضى، كان مهر المرأة قبل اليوم أربعمائة درهم، ومهرها اليوم عشرون.
وفهم من اقتصاره على الصفات المذكورة عدم اعتبار العادة، خلافًا لقول اللخمى: إن كان قوم عادة لا يحطون لفقر، ولا يزيدون لجمال ويسار، حملوا على عادتهم، كأهل البوادي.
وساقه ابن بشير كأنه المذهب.
[وقت فرض المهر:]
ووقت فرض المهر في النكاح الفاسد يوم الوطء اتفاقًا مثله لابن الحاجب، وقرره ابن عبد السلام بما قلنا، وخصه المصنف في توضيحه بنكاح التفويض.
ومفهوم (فاسد) أن الصحيح ليس كذلك، وهو كما أفهم، وفي المفهوم إجمال؛ لأنه يحتمل أن وقت فرضه يوم العقد؛ إذ به يجب الميراث وحقوق النكاح في التفويض، فهو كالفوات، وهو المشهور، أو يوم الحكم إن كان النظر قبل البناء؛ إذ لو شاء لطلق، ولم يلزمه شيء، وأما بعد البناء فيوم الدخول؛ لأنه يوم الفوات.
[ ٤ / ١٥١ ]
[محل اتحاد المهر:]
واتحد المهر إن اتحدت الشبهة وتعدد الوطء في أجنبية، كالغالط بغير عالمة، ظنها زوجته أو أمته؛ لأنه لما رفع الحد صار كالصحيح، فالعالمة بأنه أجنبي زانية، تحد ولا شيء لها.
وإلا بأن لم تتحد الشبهة مع تعدد الوطء، كظنها في مرة زوجته، وفي مرة أمته، تعدد المهر، كالزنا بها -أي: بغير العالمة- أو بالمكرهة مرارًا.
وتمثيله الصورتين المذكورتين لإخراج الزنا المحض، وصرح به في التمثيل هنا، وإن كان مفهوم قوله: (غير عالمة)؛ لأنه لا يعتبر مفهومه لزومًا.
[اشتراط الزواج على نفسه:]
وجاز شرط الزوج لزوجته أن لا يضر بها في عشرة وكسوة ونحوهما، كنفقة وسكنى، وكذا شرطها أن لا تضر به ولو شرط لزوجته أو من يريد نكاحها أن لا يطأ عليها أم ولد، أو شرط أن لا يطأ عليها سرية، وأنه إن فعل فهي حرة مثلًا، لزم الشرط في السابقة منهما في المسألتين.
وليس له وطء واحدة إذا كانتا في ملكه قبل عقد نكاح المرأة، ويعتقان إن شرط لها ذلك، وله ذلك فيمن تجدد ملكه لها على الأصح، لا في أم ولد سابقة على الملتزم لها في شرطه لها أن لا يتسري عليها، ويلزمه الشرط في أم الولد المتأخرة، وفي السرية القن مطلقًا سابقة أو متأخرة، ونحوه للشارحين.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: إن لفظ (يطأ) مصحف من لفظ (يتخذ)؛ إذ الياء في أولهما، والتاء والخاء قد يلتبسان بالطاء، وقرنها والذال إذا علقت قد تلتبس بالألف، وإن لفظ (لزم) صوابه لم يلزم، فسقط (لم)، وحرف المضارعة.
وصواب الكلام على هذا: ولو شرط أن لا يتخذ أم ولد أو سرية لم يلزم في السابقه منهما.
[ ٤ / ١٥٢ ]
ويكون قوله: (لا في أم ولد سابقة في لا أتسرى) إثباتًا؛ لأن المنفي إذا نفى عاد إثباتًا، وبهذا يستقيم الكلام، ويكون موافقًا للمشهور في المسألتين.
ثم ساق كلامًا طويلًا انظره إن شئت.
[الخيار ببعض الشروط:]
ولها الخيار في القيام وتركه ببعض شروطه شرطها، أو جرى بها عرف أو عادة، ولو ببعض البلاد، بحيث يصير العقد عندهم مقتضيًا لذلك، كمن عادتهم أن من جالس الرفض فزوجته بالخيار، ولو لم يفعل إن فعل شيئًا منها، أي: لها الخيار بالبعض، ولو لم يقل: إن فعل شيئًا منها.
[محل ملكها نصف الصداق:]
وهل تملك الزوجة بالعقد النصف من صداقها، وهو ظاهر المدونة في الزكاة والنكاح الثاني، والنصف الثاني باق على ملك الزوج، وفرع عليه قوله: فزيادته كنتاج وغلة، ونقصانه بموت أو تلف لهما في الأول، وعليهما في الثاني.
أو لا تملك بالعقد شيئًا، وهو المشهور عند ابن شاس وابن راشد، والطلاق مشطر.
وعليه فيكون ما تقدم من نتاج وغلة للزوج وما تلف عليه؟ خلاف.
وقيل: تملك الجميع، والطلاق مشطر.
وعطف الغلة على النتاج لأن النتاج غير غلة على المشهور، خلافًا للسيوري في أنه غلة.
[تصرفها في صداقها:]
وعليها وجوبًا إن تصرفت فيه بكهبة أو صدقة أو عتق أو تدبير، وطلقها قبل البناء وبعد الفوات، نصف قيمة الموهوب والمعتق يومهما على المشهور؛ لأنه يوم الإفاقة، وكذا يوم الصدقة والتدبير.
[ ٤ / ١٥٣ ]
تنبيه:
قال البساطي: الأسعد بكلامه لو قال: (قيمة نصف الموهوب) انتهى.
أي: لأنها على التشهيرين تصرفت في ملك غيرها، ونصف القيمة أكثر من قيمة النصف.
وعليها نصف الثمن في البيع إن باعته بغير محاباة، ولا يرد العتق الحاصل منها في رقيق صداقها، إلا أن يرده الزوج لعسرتها، أي: لأجل عسرها، فإن لم يرده مضى.
والمعتبر في عسرها الذي يرد المعتق لأجله حصوله يوم العتق، فهو متعلق بعسرها، ولا عبرة بملائها وعدمها قبله، وإذا رده بقي على ملكها.
[تشطر الصداق:]
ثم إن طلقها والعبد باق بيدها عتق النصف؛ لزوال المانع، وهو حق الزوج عند ابن القاسم، بلا قضاء عليها، ولكنها تؤمر به.
وقال أشهب: لا يعتق منه شيء.
وتشطر الصداق لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، وتشطر مزيد على الصداق زاده الزوج لها بعد العقد، سواء كان من جنسه أم لا، اتصف بصفاته حلولًا وتأجيلًا أم لا، قبضته أم لا؛ إجراء له مجرى الصداق في بعض وجوهه.
[محل تشطر الهدية:]
وتشطر هدية اشترطت لها أو لوليها أو لغيرها قبله، أي: العقد، أو فيه، ولها -أي: للمرأة- أخذه -أي: المزيد أو المشطر- منه -أي: من الزوج- أو غيره ممن أخذه منه؛ لأنهم لما شرطوه جعلوا لها فيه مدخلًا إليه، بالطلاق قبل المسيس: متعلق بـ (تشطر)، وجملة (لها أخذه) معترضة بين العامل ومعموله.
ومفهومه: أن ما أهدي لها بعد العقد ليس لها أخذه، وهو كذلك.
[ ٤ / ١٥٤ ]
[محل كون الصداق ضمانًا:]
والصداق ضمانه إن هلك في محل يرجع نصفه للزوج ببينة قامت على هلاكه، أو كان مما لا يغاب عليه كالحيوان منهما معًا في الصورتين؛ لانتقاء ضمان التعدي في الأول بالبينة عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب؛ لأنه عنده ضمان التهمة في الثانية.
وبقيت صورة ثالثة ضمانه فيها منهما، وهو ما إذا كان بيد أمين، وإلا تكن بينة، وهو مما يعاب عليه ضمانه فمن الذي هو في يده منهما، وظاهره: سواء كان مكيلًا أو موزونًا أو عينًا، وهو كذلك، ولها نظائر في ضمان ما يغاب عليه وغيره الرهن والعارية والمبيع بخيار والمحبوسة للثمن على المشهور في الأخيرة، وزيد عليها الصائغ: ونفقة الولد عند الحاضنة والمقسوم من التركة بين الورثة لم ينتقض القسم لدين أو غلط، وقد تلف، ونظمتها في الكبير.
[محل ما يتعين للزوج مما اشترته:]
وتعين للزوج فيه ما -أي: الذي أو شيء- اشترته الزوجة من الزوج بنقده، مما لا يصلح لجهاز، كعبده أو داره أو حيوانه، إن طلقها قبل المس، زاد أو نقص، وكأنه أصدقها إياه، ولا يكون له إذا فسخ غيره، ولا إن طلق قبل البناء، إلا نصفه.
تنبيه:
لو أرادت إمساكه وإعطاء نصف الأصل لم يكن لها ذلك إلا برضاه.
وفهم منه أنها لو اشترته من غيره لرجع بنصف الأصل لتعديها.
وهل يرجع بما اشترته منه مطلقًا، قصدت التخفيف عنه بما اشترته أو لا، وعليه الأكثر من الشيوخ، أو إنما ذلك إن قصدت التخفيف عنه بالشراء منه، وهو تأويل القاضي إسماعيل، تأويلان في فهم قولها: ومن تزوج امرأة بألف درهم، فاشترت منه بها داره أو عبده أو ما لا يصلح لجهازها، ثم
[ ٤ / ١٥٥ ]
طلقها قبل البناء، فإنما له نصف ذلك، نما أو نقص، وهو بمنزلة ما لو أصدقها إياه.
وتعين ما اشترته بما نقده لها من جهازها، أي: ما يتجهز به مثلها، إن اشترته من الزوج، وكذا إن اشترته من غيره، فإذا طلقها قبل البناء رجع بنصفه؛ لأنها مجبورة على شرائه، واللَّه أعلم.
تنبيه:
ذكر في التوضيح أن اللخمي قيد رجوعه بنصف ما اشترته بما إذا لم تكن معيبة؛ لأنها حينئذ في حكم المتعدية ولم يذكره في مختصره لعدم اعتباره عنده، واعتبره صاحب الشامل وسقط المزيد فقط على الصداق بعد العقد بالموت خرج بالطرف الهدية المشترطة في العقد؛ فإنها كالصداق في كل وجوهه وفي تشطر هدية تطوع الزوج بها بعد العقد وقبل البناء فيرجع الزوج بنصفها عند مالك أو لا شيء له منها وإن لم تفت، بل كانت قائمة بيدها؛ لأنه طلق باختياره، وهو لمالك أيضًا من رواية ابن نافع.
[محل أخذه القائم:]
وهاتان الروايتان إذا كان النكاح صحيحًا، وأما إذا كان النكاح فاسدًا وفسخ فأشار إليه بقوله: إلا أن يفسخ النكاح قبل البناء، فيأخذ الزوج القائم منها، أي: من الهدية، ويفوت عليه ما فات منها.
[محل ما يفوت منها:]
لا إن فسخ النكاح بعده، أي: البناء، فلا شيء له منها، ولو كانت قائمة بيدها، روايتان، وهما السابقتان قبل قوله: (إلا أن يفسخ).
[القضاء بما يهدى عرفا:]
ولما قدم الكلام على أحكام الشرط، أتبعه لما لم يكن شرطًا، فقال: وفي القضاء على الزوج بما يهدى عرفًا على قدر حال الزوج والزوجة قولان.
[ ٤ / ١٥٦ ]
وأجرى صاحب التوضيح عليهما ما جرت العادة به من الهدية عندنا بمصر في عيد الفطر والأضحى والمواسم، واستظهر القضاء بذلك؛ لأن العرف كالشرط.
[القضاء بالوليمة:]
وصحح القضاء بالوليمة على الزوج، إن أبي، وهو قول مالك، وصححه أبو الأصبغ بن سهل (١)، حيث قال: الصواب القضاء بها؛ لخبر: "أولم ولو بشاة" (٢).
وكأنه حمله على الوجوب.
تنبيه:
صحح هنا القضاء بها.
وقال في فصل الوليمة: إنها مستحبة.
_________________
(١) هو: عيسى بن سهل بن عبد اللَّه الأسدي القرطبي الغرناطي، أبو الأصبغ، (٤١٣ - ٤٨٦ هـ = ١٠٢٢ - ١٠٧٣ م): قاضي غرناطة. أصله من جيان. سكن قرطبة. واستكتب بطليطلة ثم بقرطبة، وولي الشورى بها مدة، ثم ولي القضاء بالعدوة، ثم استقضي بغرناطة وتوفي مصروفًا عن القضاء. له كتاب "الأعلام بنوازل الإحكام - خ" في الفتاوى وغيرها، مجلد ضخم، في خزانة الرباط (٨٦ أوقاف) عمل في تحقيقه وتهيئته للطبع الدكتور نصوح النجار. قال ابن بشكوال: مفيد يعول الحكام عليه. قلت وفيه فصل قصير عنوانه "تسمية الفقهاء وتاريخ وفاتهم" في التراجم. ينظر: الأعلام (٥/ ١٠٣).
(٢) من حديث أنس أخرجه مالك (٢/ ٥٤٥، رقم ١١٣٥)، والشافعي (١/ ٢٤٦)، والطيالسي (ص ٢٨٤، رقم ٢١٢٨)، وأحمد (٣/ ١٦٥، رقم ١٢٧٠٨)، والدارمي (٢/ ١٤٢، رقم ٢٠٦٤)، والبخاري (٥/ ١٩٧٩، رقم ٤٨٥٨)، ومسلم (٢/ ١٠٤٢، رقم ١٤٢٧)، وأبو داود (٢/ ٢٣٥، رقم ٢١٠٩)، والترمذي (٣/ ٤٠٢، رقم ١٠٩٤) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٦/ ١١٩، رقم ٣٣٥١)، وابن ماجه (١/ ٦١٥، رقم ١٩٠٧)، وابن حبان (٩/ ٣٦٦، رقم ٤٠٦٠). ومن حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه البخاري (٢/ ٧٢٢، رقم ١٩٤٣).
[ ٤ / ١٥٧ ]
ولعله اقتصر عليه هناك لرجحانه عنده، فيستوي القولان عنده.
[أجرة الماشطة:]
دون أجرة الماشطة والحمام، وهما مما يتعلق بتحسينها، فلا يقضى عليه به، قاله ابن سهل.
[أجرة الغناء:]
وزاد: ولا بأجرة الدف والكبر.
[ما ترجع به قبل البناء:]
وترجع الزوجة عليه إذا طلق قبل البناء بنصف نفقة الثمرة التي لم يبد صلاحها، ونفقة العبد أو الجارية.
قال في الشامل: على الأصح.
لتبين بقاء نصف الصداق على ملكه، على القول بأنها تملك بالعقد النصف.
[الرجوع بأجرة الصنعة:]
وفي رجوعها عليه بنصف أجرة تعليم صنعة علمتها العبد أو جارية، وهو لمالك، وعدم رجوعها عليه بذلك، وهو له أيضًا ولابن القاسم ومحمد، قولان، وقيد بما إذا ارتفع بالتعليم ولم يذكره.
[مؤونة الحمل:]
وعلى الولي أو الزوجة الرشيدة إذا شرط الزوج البناء بغير بلد العقد، وفي الشارح: يريد أن من تزوج وشرط عليه البناء ببلد آخر مؤونة الحمل لا متعتها لبلد البناء المشترط البناء فيه عند الإطلاق، أو الاشتراط على الولي أو الرشيدة.
إلا لشرط على الزوج فيلزمه.
[ ٤ / ١٥٨ ]
[مسألة:]
ولزمها التجهيز به عند مالك وأصحابه، إلا ابن وهب، ويحمل في نوع ما يتجهز به على العادة في جهاز مثلها من حضر أو بدو بما قبضته من صداقها لتجهز به.
[محل لزوم التجهيز:]
إن سبق المقبوض البناء، وسواء كان حالًا أو مؤجلًا وحل، ولو جرى العرف أن تشتري منه خادمًا لزمها.
وقال بعض الموثقين: عليها أن تتجهز بما حل وقبضته قبل البناء، وأما ما قبضه بعد البناء فلا يلزمها التجهيز به.
[مسألة:]
وقضي له -أي: للزوج- عليها إن دعاهما لقبض مما حل من صداقها لتتجهز به إن امتنعت من ذلك على المشهور، ولزمها التجهيز به.
إلا أن يسمي شيئًا من الجهاز، فيلزم، سواء كان أقل مما قبضته أو أكثر؛ لأنه كالشرط.
[نفقة العروس على نفسها منه:]
ولا تقق منه شيئًا على نفسها ولا تكتسي، ولا تقضى منه دينًا، إلا المحتاجة الفقيرة، فتنفق منه؛ لأن لها فيه حقًا، وإن طلقها قبل البناء وهي معسرة أتبعها به في ذمتها.
وإلا أن يكون الدين خفيفًا كالدينار ونحوه فتقضيه منه لف ونشر مرتب.
قال في المدونة: ولا يقض منه دينًا قبل البناء، إلا الشيء الخفيف كالدينار ونحوه، وأما بعد البناء فلها ذلك.
[المطالبة بصداقها لموتها:]
ولو طولب الزوج -أي: طالبه أولياؤها- بصداقها لموتها -أي:
[ ٤ / ١٥٩ ]
لأجله- فطالبهم بإبراز جهازها ليعرف حصته منه لم يلزمهم ذلك، كما أفتى به عبد الحميد الصائغ، لأن الصداق عوض البضع، وهو المقصود، ولو كان عوضًا عن الانتفاع، وهو مجهول لكان فاسدًا، لكن الأصل البضع، وما سواه تبعًا، خلافًا لفتوى اللخمي: يلزمهم ذلك.
وأشار لاختيار المازري فتوى شيخه عبد الحميد بقوله: على المقول.
[مسألة:]
ولأبيها بيع رقيق أو غيره ساقه الزوج لها صداقًا للتجهيز به حليًا أو غيره، ونحوه لابن القاسم في العتبية، وزاد: للمرأة ذلك أيضًا.
وإنما اقتصر على الأب للنص عليه في الرواية، وظاهرها: أن غيره من الأولياء ليس له ذلك.
[مسألة:]
وفي جواز بيعه -أي: الأب- الأصل المسوق لها قبل البناء، وليس للزوج مقال إذا كان فعل الأب على وجه النظر ومنعه، كما حكاه القاضي ابن رشد للمنفعة التي للزوج فيه، قولان بغير ترجيح.
[محل قبول دعوى الأب:]
وقبل دعوى الأب فقط في إعارته لها -أي: لابنته البكر- جهازًا، لم يصرح لها حين جهزها به بعارية ولا هبة، إذا كانت دعواه في أثناء السنة التي تمضي من دخولها.
ظاهره: كان ما ادعاه مما يعرف أنه له أو لا، إذا ادعاه لنفسه أو لأجنبي، وهو كذلك، كان فيما بقي ما يفي بصداقها أو لا.
وقال ابن حبيب: إذا بقي ما يفي بصداقها.
ودرج عليه الشامل.
بيمين على دعواه، وإن خالفته الابنة أو زوجها، قاله ابن القاسم، وإن قال: بل هو ملكي.
[ ٤ / ١٦٠ ]
وخرج بـ (فقط) غير الأب من الأولياء؛ فإنهم في البكر والثيب كالأجانب، حكاه الشارح عن ابن حبيب.
وقال البساطي: للأب وحده دون الأقارب، ونحوه في التوضيح.
[مسألة:]
ثم صرح بمفهوم السنة بقوله: لا إن بعُد أكثر من سنة، ولم يشهد حين جهزها أنه عارية عندها، بل أطلق، ولم يصرح بعارية ولا هبة، فإن أشهد بذلك استرده.
فإن صدقته بعد البعد ولا بينة له، قال ابن الهندي: وقد خرجت من ولاية أبيها، ففي ثلثها؛ لأنه كالوصية لأبيها، وما زاد على ثلثها فللزوج رد إقرارها به.
[ما جهز به الأب ابنته:]
واختصت ابنته بما جهزها به الأب، إن أورد -أي: حمل- ببيتها الذي بني بها فيه؛ لأنها من أعظم الحيازة، أو أشهد لها به، وإن لم تحزه؛ لأن حوزه بعد الإشهاد كحوزها.
أو اشتراه الأب لها باسمها أو صفته بيدها أو أمها، ووضعه عند كأمها كخالتها أو جدتها.
[هبة الزوجة الصداق للزوج:]
وإن وهبت زوجة له -أي: للزوج- الصداق أو ما يصدقها به عوضًا عن الصداق قبل البناء بها جبر الزوج على دفع أقله ربع دينار أو ما يقوم مقامه؛ لاحتمال التواطؤ على عدم الصداق.
مالك: ولا يدخل حتى يدفع لها ذلك، فإن لم يفعل حتى طلقها، فلا شيء عليه.
وإن وهبت جميع الصداق بعده -أي: البناء- أو وهبته بعضه فالموهوب في الصورتين كالعدم، فينفذ في الأولى والصداق وهو الباقي في
[ ٤ / ١٦١ ]
الثانية، فإن كان أقل من ربع دينار وجب تكميله، وإن كان أكثر وطلقها قبل البناء فلها نصفه.
إلا أن تهبه على قصد دوام العشرة معها، أو طلقها قبل حصول مقصودها؛ فالهبة حينئذ تشبه العطية لذلك، فإن طلق ردت العطية، كعطيته مالًا لذلك، أي: لأجل أن يطلقها ففسخ النكاح لأمر اقتضى فسخه، فالطلاق الاختياري أحرى بذلك.
وإن أعطته سفيهة من مالها ما -أي: صداقًا- ينكحها به، فأخذه وفعل ثبت النكاح لوجود أركانه، ويعطيها من ماله صداقًا مثله وجوبًا؛ لعدم صحة تصرفها.
[هبتها الصداق لأجنبي:]
وصداقها إن وهبته لأجنبي وقبضه منها أو من الزوج ثم طلقها قبل البناء أتبعها الزوج بنصفه، ولا اتباعة له على الأجنبي بنصفه، ولم ترجع هي عليه، أي: على الأجنبي بشيء، إن وهبته هبة مطلقة، وعليه تؤولت المدونة، ولم يذكره المؤلف، وتأولها بعضهم على ما قال: إنها لا ترجع.
إلا أن تبين أن الموهوب صداق، فترجع حينئذ بنصفه، إذا طلقت قبل البناء؛ لأن الهبة إنما هي فيما يملك، وإن لم يقبضه الأجنبي أجبرت هي والمطلق على إمضائه إن أيسرت يوم الطلاق.
سواء كانت موسرة قبله أو معسرة، وإن أعسرت يومه لم يجبر المطلق لتبين ملكه له، وهو إلى الآن لم يقبض، وإن أعسرت يوم الهبة ويوم الطلاق لم يجبر المطلق بلا إشكال.
[المخالعة قبل البناء:]
كان خالعته قبل البناء على كعبد أو بعير أو شاة مثلًا أو ثوب، أو على عشرة مثلًا من مالها، ولم تقل: هذا من صداقي، وخلعها على ذلك فلا نصف لها، أو تسقط عن مطالبتها بالنصف إن لم تكن قبضته.
ولو كانت قبضته ردته للزوج عند ابن القاسم، وهو المشهور؛ لأن
[ ٤ / ١٦٢ ]
إعطاءها مالًا على الفرقة دليل على كراهتها للزوج وتوابعه.
ولأشهب: لها النصف، قبضته أم لا، واستحسنه اللخمي، قال المصنف: هو أظهر من المشهور؛ إذ لا يستباح مال أحد إلا بالنص منه، أو بالرضي، وأما لو نصحت على الإتباع بنصفه لو اشترط عليها عدم الإتباع لأتبع الشرط اتفاقًا.
ومفهوم كلامه: لو قالت: من صداقي، لكان لها نصف الباقي.
[مسألة:]
لا إن قالت: طلقني على عشرة، سواء قالت: من الصداق، أو لم تقل: من صداقي، فنصف ما بقي من الصداق بعد العشرة في المسألتين، وكذا قرره الشارحان.
فلو كان الصداق ثلاثين فنصف ما بقي بعد العشرة عشرة، بلا خلاف بين ابن القاسم وأشهب، وفي توضيحه ما يخالف هذا، فانظره.
[محل تقرر الصداق:]
وتقرر الصداق بالوطء، هذا قسم إن خالعته قبل البناء، فإن خالعته بعده على شيء فإنه لا يسقط صداقها؛ لتقرره بالدخول، سواء قبضته أم لا.
[رجوعه بالنصف:]
ويرجع الزوج على الزوجة بنصف قيمة صداقها الرقيق إن أصدقها من يعلم الزوج بعتقه عليهما، وهو عمود النسب والأخوة، إن طلقها قبل البناء؛ لعتقه عليها بمجرد العقد؛ لدخوله في ملكها عند مالك في المدونة.
ابن القاسم: وهو أحب إلى مالك.
[و] فيها أيضًا: لا يرجع عليها بشيء؛ لعلمه بعدم ثبوت ملكها عليه، فقد دخل على إعانتها على عتقه بتوريطها فيه، فرجوعه مناف لذلك.
وقوله: (يعلم) بالمثناة التحتية، وأحرى في الرجوع عليها علمها دونه، وإن علمًا معًا رجع عليها، واستحسن اللخمي عدم رجوعه، وإن جهلًا معًا
[ ٤ / ١٦٣ ]
ثم علمًا معًا فهو أظهر في عدم الرجوع عليها بنصف قيمته، إن رشدت، فلا يرجع على بكر ولا سفيهة، وهو تأويل الأكثر.
وأشار بقوله: وصوب لقول ابن يونس وعياض وأبي الحسن في تأويل الأكثر: إنه خير من كلام ابن حبيب الآتي.
أو يرجع عليها مطلقًا: رشدت أو لا، فلا فرق بين بكر وثيب، وهو قول ابن حبيب، ومن تابعه من أصحاب مالك، وهو تأويل فضل.
وقيد ابن رشد الإطلاق في البكر بما إذا لم يعلم الولي أو الوصي، وأما إن علم فلا يعتق عليها، وإليه أشار بقوله: إن لم يعلم الولي، تأويلان في فهم قولها: وإن تزوجها على من يعتق عليها عتق بالعقد، فإن طلقها قبل البناء رجع عليها بنصف قيمته، كانت موسرة أو معسرة، ولا يتبع العبد بشيء، ولا يرد عتقه كمعسر أعتق بعلم غريمه، فلم ينكر، والزوج حين أصدقاه إياه قد علم أنه يعتق عليها، فلذلك لم أرده على العبد بشيء، وبلغني عن مالك أنه استحسن عدم رجوع الزوج على المرأة بشيء.
[مسألة:]
وإن علم الولي دونها لم يعتق عليها، وفي عتقه عليها -أي: على الولي- وعدم عتقه قولان.
وأعاد مفهوم الشرط لينبه على ما فيه من التفصيل والخلاف، وفي بعض النسخ (إن أصدقها من تعلم) بالمثناة الفوقية، وتكلمنا عليها في الكبير، فانظره.
[جناية العبد في الصداق:]
وإن جنى العبد الصداق على أجنبي جناية توجب فداه أو إسلامه، فإن كان في يده -أي: الزوج- إلى حين الجناية، فلا كلام له في فدائه أو إسلامه، وإنما الكلام لها لأنه في ملكها قبل البناء ظاهرًا.
وحينئذ إن أسلمته في جناية ثم طلقها فلا شيء له -أي: للزوج- إلا أن تحابي، فلا يلزم الزوج محاباتها في نصفه، وإذا لم يلزمه فله دفع نصف
[ ٤ / ١٦٤ ]
الأرش عن الجناية، والشركة فيه معها، وله إجازة فعلها، قاله محمد.
[مسألة:]
وإن فدته بأرشها -أي: أرش الجناية- فأقل لم يأخذه -أي: نصفه- إلا بذلك القدر من الفداء.
[زيادة قيمة الفداء:]
وإن زاد الفداء على قيمته -أي: قيمة النصف- وإن فدته بأكثر من الأرش فكالمحاباة في إسلامه، فيخير في دفع نصف الأرش ويصير شريكًا وإجازة فعلها، قاله محمد.
ومفهوم (في يده) مفهوم موافقة؛ إذ لو جنى في يدها لكان هذا الحكم أحروي؛ لما تقدم أنه في ملكها.
[رجوعها على الزوج:]
ورجعت على الزوج بما أنفقت على عبد أو على ثمرة إن فسخ النكاح قبل البناء لأمر اقتضى فسخه.
قال الشارح: هذا تكرر مع قوله قبل: (وترجع عليه بنصف قيمة الثمرة والعبد).
[محل عفو الأب عن نصف الصداق:]
وجاز عفو أبي البكر عن نصف الصداق قبل الدخول وبعد وقوع الطلاق؛ لتعين النصف حينئذ، ولا يجوز ذلك قبل الطلاق، وخص الأب لجواز ذلك له اتفاقًا، ومنعه للوصي وغيره على المشهور.
وأما السيد في أَمته فله إسقاط صداقها كله قبل البناء وبعده، وقبل الطلاق وبعده، قاله في الجلاب.
وتخصيصه البكر غير ظاهر؛ لأن الثيب الصغيرة مثلها، وهذا كله عند مالك.
[ ٤ / ١٦٥ ]
وأجاز ابن القاسم العفو بعد الطلاق وقبله، أي: قبل الطلاق وقبل الدخول، إذا كان لمصلحة.
وهل هو خلاف لقول مالك.
ابن عبد السلام: وهو الصحيح.
أو وفاق.
قال الصائغ عن أبي حفص: هو تفسير، لا خلاف.
ولعله أراد إذا كان على وجه النظر، وكلام ابن القاسم حسن جدًا، كما أنهما لا يختلفان عند عدم المصلحة، قاله ابن شبلون؟ تأويلان على المدونة.
[من له قبضه:]
وقبضه من الزوج مجبر على النكاح، وهو: الأب في البكر والثيب الصغيرة، ووصي في محجورته، وسيد في أَمته.
[دعوى ضياعه:]
وصدقا: الأب والوصي في دعوى ضياعه بغير تفريط، إن قامت له بذلك بينة، ولو لم تقم بينة، ومصيبته منها، ولا رجوع لها على الزوج لبراءته.
وقيل: ترجع.
وصوبه القابسي وغيره؛ لاتهام الأب على إسقاط الصداق بغير طلاق.
المتيطي: وبه الحكم.
وحلفا؛ لأن الحق ليس لمن هو ولي عليه فقط، بل للزوج فيه حق في الجملة.
[محل رجوع الزوج عليها بنصفه:]
ورجع الزوج على الزوجة بنصف الصداق، إن طلقها قبل البناء بعد
[ ٤ / ١٦٦ ]
ضياع المال ممن قبضه في مالها، إن أيسرت يوم الدفع، فإن أعسرت يومه سقط الرجوع عليها، وكانت مصيبة من الزوج، ولو أيسرت بعد، قاله ابن عبدوس.
[ما يبرئ منه:]
وإنما يبرئه منه أحد أمور ثلاثة:
- شراء جهاز به لمحجورته، تشهد بينة بدفعه لها ببيت البناء أو غيره.
- أو تشهد على إحضاره ببيت البناء.
- أو على توجيهه إليه بعد تقويمه.
والحصر في هذه الثلاثة ذكره ابن حبيب وغيره من الموثقين، فلو ادعى دفعه لها عينًا فأنكرت لم يصدق.
[محل قبضها الصداق بنفسها:]
وإلا بأن لم يكن للمرأة مجبر ولا وصي فالمرأة هي التي تقبضه لنفسها، وليس لأحد من الأولياء قبضه إلا بتوكيل.
[مسألة:]
فإن قبض ولي ليس له قبضه أتبعته المرأة، لضمانه بتعديه، أو أتبعه الزوج إذا رجعت عليه، إذ لم تبرأ ذمته بدفعه لغير مستحقه، ولها الرجوع على الولي؛ لأنه غريم غريمها.
[إنكار الأب القبض:]
ولو قال الأب بعد الإشهاد عليه بالقبض للصداق من الزوج: لم أقبضه، وإنما أشهدت به ظنًا لخيره، حلف الزوج: لقد أقبضته، أو: قبضه، إذا كان في زمن قريب من العقد، كالعشرة أيام، ونصف شهر.
المتيطي: وبه جرى العمل بين المفتيين، وبه قال غير واحد من الموثقين.
[ ٤ / ١٦٧ ]
فصل أحكام تنازع الزوجين
في حكم تنازع الزوجين إذا تنازعا في الزوجية فادعاها أحدهما وأنكرها الآخر ثبتت ببينة لمدعيها منهما.
البساطي: وأقواها بينة حضرت العقد، وشاهدته، وأدناها شهادة السماع الفاشي من العدول وغيرهم على نكاحها.
ولذا بالغ على الخلاء في ثبوته بالسماع بقوله: ولو بالسماع واشتهاره بالدف والدخان.
المتيطي: وهو المشهور المعمول به.
وقال أبو عمران: إنما تجوز شهادة السماع إذا اتفقا على الزوجية.
وإلا بأن لم يكن للمدعي بينة فلا يمين على المنكر؛ لأن كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين، فلا يمين بمجردها، وأيضًا لو توجهت لم يكن لها ثمرة؛ لعدم انقلابها إذا نكل عنها؛ إذ لا يقضى بيمين المدعي مع نكول الآخر عند مالك.
[إقامة شاهد:]
ولو أقام المدعي شاهدًا على دعواه عند مالك وجميع أصحابه، إلا ابن القاسم.
وإن أقامت المرأة شاهدًا على ميت بعقد نكاح حلفت معه، وورثت عند ابن القاسم؛ لأنها بعد الموت لا يكون لها غير المال، وعلم كون الدعوى على ميت من قوله: (وورثت)، وسواء كان له وارث معين ثابت النسب أو لا.
وانظر: هل للمرأة خصوصية أو الزوج كذلك، وهو الظاهر، واللَّه أعلم.
[ ٤ / ١٦٨ ]
[ادعاء عصمة امرأة متزوجة:]
ومن ادعى نكاح امرأة متزوجة أنه تزوجها قبل هذا الزوج الذي معها، وأتى بشاهد على ذلك وأمر الزوج باعتزالها لشاهد ثان للمدعي زعم المدعي قربه؛ لأنه في حكم الحاضر.
والا بأن لم يأت بالشاهد الذي زعم قربه أو كان بعيدًا فلا يمين على واحد من الزوجين لأجل الشاهد الذي أقامه.
[لزوم انتظار المرأة البينة ممن ادعاها:]
ومن ادعى نكاح امرأة ليست تحت زوج وأنكرته، أمرت بانتظاره لبينة قريبة ادعاها، وليس عليها ضرر في انتظارها، إذا رأى الإمام لما ادعاه وجهًا، وأسقطه المؤلف.
ومفهوم (قريبة) أن البعيدة لا تنتظر، ولا يمنع من التزويج، وهو كذلك.
ثم حيث انتظرته ومضى الأجل لم تسمع ببينة بعد ذلك إن عجزه -أي: حكم بتعجيزه- قاض حال كونه -أي: الطالب- مدعي حجة، سواء تزوجت أو لا.
ومفهوم (عجزه) أنه إذا لم يعجزه سمعت، وظاهرها -أي: المدونة- القبول لبينته، إذا لم يفرق فيها بين كونه طالبًا أو مطلوبًا، والخلاف إنما هو إن أقر على نفسه بالعجز، وعجزه القاضي لذلك.
وأما إن عجزه بعد التلوم والإعذار، وهو مدعي حجة لم يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة؛ لأن ذلك قد رد من قوله قبل نفوذ الحكم عليه، فلا تسمع بعد نفوذه (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (وظاهرها)، أي: المدونة (القبول) لبينة المدعي التي أقامها بعد تعجيزه (إن) كان (أقر) المدعي (على نفسه بالعجز) عن إقامتها حين تعجيزه، فكأنه قال فإن أقر على نفسه بالعجز قبلت بينته على ظاهرها، وهذا على أن التعجيز هو =
[ ٤ / ١٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الحكم بعجزه أو برد دعواه بعد تبين لدده. وأما على أنه الحكم بعدم سماع بينته بعد ذلك فلا تقبل بينته بعد ولو أقر بعجزه، وهذا هو الراجح كما يأتي في باب القضاء. والفرق على تسليم ما هنا بين ادعائه حجة وإقراره بعجزه أن الحكم في الأول ببطلان ما يأتي به لادعائه، وفي الثاني بعجزه أفاده عب. طفي: ليس في الرواية تقييد العجز بكونه مدعيًا حجة، وليس قوله إن أقر على نفسه بالعجز من تمام ظاهر المدونة، ففي الرواية سمع أصبغ ابن القاسم من ادعى نكاح امرأة فأنكرته وادعى بينة بعيدة فلا تنتظره إلا أن تكون بينة قريبة لا يضر بالمرأة انتظارها، ويرى الإمام لما ادعاه وجهًا، فإن عجزه ثم أتى ببينة وقد نكحت المرأة أو لا مضى الحكم. ابن رشد هذا خلاف سماعه من كتاب الصدقات وظاهر المدونة إذ لم يفرق فيها بين تعجيز الطالب والمطلوب، وقال يقبل منه القاضي وما يأتي به بعد تعجيزه. وفرق ابن الماجشون بين تعجيزه في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين تعجيزه بعد وجوب عمل عليه ثم رجع عليه، ففي تعجيز المطلوب قولان، وفي تعجيز الطالب ثلاثة. قيل: هذا في القاضي الحاكم لا فيمن بعده من الحكام. وقيل: فيهما والخلاف إنما هو إن عجزه القاضي بإقراره على نفسه بالعجز، وإن عجزه بعد التلوم والأعذار وهو يدعي حجة فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة لأنه رد من قوله قبل نفوذ الحكم عليه. اهـ. فأشار المصنف بالقيدين لتيقيد ابن رشد محل الخلاف، لكن حرف ذلك ولم يأت به على وجهه لشدة الاختصار، فأشكل باقتضاء ما ذكره التوفيق بين السماع والمدونة وليس كذلك. ابن رشد: اختلف فيمن أتى ببينة بعد الحكم عليه بالعجز هل تقبل منه أم لا على ثلاثة أقوال، أحدها: تقبل منه طالبًا كان أو مطلوبًا إذا كان لذلك وجه وهو ظاهر ما في المدونة. الثاني: لا تقبل منه كان الطالب أو المطلوب. الثالث: تقبل من الطالب ولا تقبل من المطلوب، وهو ظاهر قول ابن القاسم. وفي المتيطية ابن الماجشون أما كل شيء لا يكلف فيه المطلوب تحقيقه لنفسه، وإنما كلفه الطالب فعجز عنه فلا يحكم بقطع دعواه ويترك وتحقيق مطلبه مهما أمكنه، ولو أتى الطالب بشيء أوجب على المطلوب عملًا فأثبت المطلوب ما ينقض ذلك عنه فادعى الطالب دعوي، واحتج بحجة عجز عن إثباتها بعد ضرب الأجل له فإنه يسجل =
[ ٤ / ١٧٠ ]
[نكاح ما صورته خامسة:]
وليس لذي ثلاث في عصمته ادعى نكاح رابعة أنكرته ولا بينة له تزويج خامسة بالنسبة للتي ادعى نكاحها، إلا بعد طلاقها، يريد أو طلاق واحدة من الثلاث، قاله أبو عمران.
تنبيه:
قال ابن راشد: يلزم على قوله أن لا تمكن المرأة من النكاح إذا ادعته وأنكرها؛ لاعترافها أنها ذات زوج.
وليس إنكار الزوج نكاح امرأة ادعته وأقامت به شاهدين ولما يأت
_________________
(١) = بعجزه ويحكم بقطع حجته عن المطلوب، ثم لا ينظر له بعد ذلك حجة ولا بينة لا ذلك القاضي ولا غيره، ثم قال ومذهب سحنون ترك تعجيز الطالب وأنه متى حقق حقه قضي له به كمذهب ابن الماجشون. وقال في المطلوب: متى حكم عليه بعد استقصاء حجته فلا يسمع منه بعده حجة ولا بينة إذا لا تقطع حجة أحد أبدًا فلم ضربت له الآجال ووسع عليه إلا لتقطع حجته، وقال: ولا أقول فيه بقول ابن القاسم. أبو الأصبغ أراد الذي روي عنه في أقضية المدونة من قوله إن أتى بما له وجه قبل منه مثل إتيانه أولا بشاهد عند من لم ير اليمين مع الشاهد، فوجد بعد الحكم شاهدًا آخر. وفي كتاب السرقة مثل أن يظفر ببينة لم يعلمها، وفي كتاب الصبرة أو يجد من يجرح من حكم عليه بهم فيسمع ذلك منه الحاكم وغيره، فعلم من هذا أن الحكم هو التعجيز فلا يشترط التلفظ به، ويجري هذا الحكم عند التلفظ به وعدمه، وإنما يذكر التعجيز ويكتب لمن سأله تأكيدًا للحكم لا إن عدم سماع الحجة متوقف عليه. وفي التوضيح إذا ذكر له حجة وتبين لدده وقضى عليه فهو التعجيز، ثم قال في المتيطية والحجة لابن القاسم ومن وافقه على ابن الماجشون ومن تبعه في تعجيز الطالب ما في رسالة القضاء لعمر بن الخطاب -﵁- من قوله اجعل للمدعي أجلًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذ بحقه وإلا وجهه القاضى عليه، فإن ذلك أجلى للعمار وأبلغ في العذر. البناني قد بأن أن المصنف جزم أولًا بعدم القبول في محل الاتفاق، ثم ذكر من محل الخلاف ظاهر المدونة فقط مقتصرًا عليه وساكتًا عما في الرواية ونبه بنسبته لظاهرها على أنه محل الخلاف واللَّه أعلم".
[ ٤ / ١٧١ ]
بمدفع طلاقًا، ويلزمه النكاح والدخول والنفقة، ولا ينحل إلا بالطلاق.
[ادعاء رجلين عصمة امرأة:]
والمرأة لو ادعاهما رجلان، فقال كل واحد منهما: هي زوجتي، فأنكرتهما معًا، أو أقرت بهما معًا أو أنكرت أحدهما وأقرت بالآخر وأقام كل منهما البينة على ذلك، ولم يعلم السابق منهما، فسخا بطلاق؛ لأن كل بينة تقتضي فسخ الأخرى.
وأما كونه بطلاق فلاحتمال صدقهما، ولا يقضى بأعدلهما، خلافًا لسحنون.
ولا عبرة بتصديقها، خلافًا لمحمد.
بعض الشيوخ: وهذا كله إذا تساوى في التاريخ، وأما لو أرخت إحداهما دون الأخرى لقضي بالتي أرخت.
ابن الهندي: وإن أرخت إحداهما بالشهر، والآخر باليوم من ذلك الشهر قضي باليوم، إلا أن تقطع التي أرخت بالشهر أن النكاح كان قبل ذلك اليوم.
كالوليين يزوجانها، ولم يعلم السابق منهما.
[التوريث بالإقرار:]
وفي التوريث بإقرار الزوجين غير الطارئين -وهما البلديان- بالزوجية، وهو ظاهر نقل اللخمي عن محمد، وعدم التوريث بها، وبه قال سحنون، ولو في الصحة، واستغربه ابن عبد السلام خلاف (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (وفي التوريث) لكل من الزوجين من الآخر (ب) سبب (إقرار الزوجين) معًا بالزوجية (غير الطارئين) بأن كانا بلديين تصادقا على زوجيتهما ومات أحدهما لمؤاخذة المكلف الرشيد بإقراره بالمال وعدمه خلاف محله ثلاثة أمور تقاررهما معًا. وفي صحتهما ولا ولد معها استلحقه وأشعر جعله الخلاف في التوريث بعدم ثبوت =
[ ٤ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = النكاح وهو كذلك، إذ لا يثبت بتقارر بلديين، وظاهره ولو طال زمنه، وفيه وقفة قاله أحمد واحترز بإقرارهما عن إقرار أحدهما وحده فلا توارث به اتفاقًا من الجانبين. بل إن أقر به ولم تقر به ولم تكذبه ورثته، وإن أقرت وحدها ولم يكذبها وسكت ورثها واحترزت بقولي في الصحة عما إذا تقاررا في المرض فلا توارث قطعًا، إذ الإقرار به فيه كإنشائه فيه وهو يمنع الإرث ولو طارئين، وبقولي ولا ولد معها استلحقه عما إذا كان معها ولد واستلحقه ولم تكذبه فإنه يرث المستلحق بكسر الحاء المرأة بالزوجية ولو استلحقه في المرض أفاده عب. البناني قول "ز" ثلاثة أمور إلخ الصواب إسقاط تقاررهما كما يدل عليه كلامهم وكلامه قريبًا، وكذا قوله وفي الصحة. طفي: فرض المسألة في الجواهر بكون الإقرار في الصحة ولم يكن لها ولد أقر به وإلا فالإرث وتبعه ابن الحاجب في تقييد الخلاف بعدم الولد. وظاهر كلامهم الإرث معه بلا خلاف، ولو كان له زوجة غير المقر بها فترث معها إن كان له ولد، وهو ظاهر تعليلهم بأن استلحاق الولد قطع التهمة، ثم قال في الجواهر ومن اختصر فقال لي امرأة بمكة سماها ثم مات فطلبت ميراثها منه فذلك لها. وكذا لو قالت امرأة زوجي فلان بمكة فأتى بعد موتها ورثها بإقرارها به اهـ، ونقله في التوضيح، وقال بأثره ابن راشد، وعلى ما في الجواهر إن كان في عصمته غيرها لم ترثه لأن هذه قد حازت الميراث. اهـ. فقول عج ومن تبعه الخلاف إذا تقاررا في الصحة إذ الإقرار به في المرض كإنشائه فيه وهو يمنع الإرث قطعًا. وكذا قال في قوله بخلاف الطارئين قائلًا: كما يدل عليه نقل المواق ولا دلالة فيه لاقتصاده على نقل كلام الجواهر في فرضها في الصحة، ففهم أنه في غيرها لا ميراث فقال ما قال ولم يتنبه لكلام الجواهر في المحتضر، إذ لم ينقله المواق. البناني قلت لعل قوله من احتضر إلخ مقيد بغيبة الزوجة كفرضه لضعف التهمة حينئذ، فإن أقر بزوجة حاضرة قويت التهمة فليس في كلام الجواهر دليل واضح على رد كلام عج لاحتمال كون التقييد بالصحة مقصودًا أولًا في محل الخلاف، ويكون في الإقرار في المرض تفصيل، أشار إليه آخرًا. أو يقال مسألة المحتضر أخص من مسألة المريض التي احترز عنها عج لأن وقت الاحتضار يبعد فيه الكذب. وقول "ز" فإنه يرث المستلحق بكسر الحاء المرأة إلخ، ينبغي ضبطه بنصب المستلحق مفعولًا، ورفع المرأة فاعلًا. والمراد أنها ترثه مع الولد المستلحق من غير خلاف. =
[ ٤ / ١٧٣ ]
[مسألة:]
وفي التوريث في الإقرار بوارث كأخ أو ابن عم معروف بذلك، وليس ثم -أي: هناك- وارث غير المقربة ثابت النسب.
ابن راشد: وهو الجاري على قول ابن القاسم.
لكن لا يثبت به نسبه، والجاري على قول أشهب عدم التوريث.
سحنون: لأن الإرث فرع ثبوت النسب.
خلاف، وحذفه من الذي قبله لدلالة هذا عليه، وسيأتي له في باب الاستلحاق ما يخالف هذا، وننبه على ذلك هناك، إن شاء اللَّه تعالى.
[مسألة:]
ثم صرح بالمفهوم بقوله: بخلاف الطارئين، فإنهما يتوارثان اتفاقًا؛ لأن الزوجية ثبتت بإقرارهما، ويثبت لهما أحكامها.
[مسألة:]
وبخلاف إقرار أبوي زوجين غير البالغين؛ فإنه مقبول، ويتوارثان اتفاقًا، وتوارثهما مستلزم ثبوت الزوجية، وقول التوضيح: (قبول قولهما) ظاهر؛ لأن كل واحد من الأبوين قادر على إنشاء ما أقر به. انتهى.
وزيادة الشارح الآن غير ظاهرة؛ لأن الكلام في الميراث، فلا يقدران على إنشاء نكاح بعد الموت.
[مسألة:]
وبخلاف قوله لامرأة: تزوجتك، فقالت: بلى أو نعم؛ فإنه إقرار لغة وعرفًا، يفيد ثبوت الزوجية.
_________________
(١) = قال في التوضيح: إن الخلاف حيث لا ولد لها فإن كان معها ولد فترثه، أي: المقر مع الولد لأنه لما كان الشارع متشوفا إلى لحوق النسب جعل استلحاقه قاطعًا للتهمة. اهـ. ونحوه في "ق"، وأما إرثه لها فيظهر أنه لا يخرج من الخلاف ولو كان معه ولد وانظر النص فيه".
[ ٤ / ١٧٤ ]
قال في التوضيح: لكن لا بد من إجازة الولي والإشهاد على ذلك لتصحيح ثمرات النكاح. انتهى. ويلزم منه التوارث.
أو قالت له في جواب تزوجتك: طلقتني أو خالعتني، أو قالت: طلقني أو خالعني؛ إذ لا يطلب ذلك من غير زوج.
أو قال لها هو في جواب قولها تزوجتك: اختلعت مني أو أنا منك مظاهر أو حرام أو بائن في جواب قولها: طلقني؛ لأنها لا تطلب ذلك من غير زوج.
لا إن لم يجب بالبناء للمفعول واحد منهما الآخر بشيء مما ذكرنا بإثبات ولا نفي، فلا يثبت بذلك شيء.
[مسألة:]
ثم ذكر أمورًا تقابل ما قبلها، منها: إذا قال لها: تزوجتك فلم تجب بإثبات ولا نفي فالحال على ما هو عليه.
وكذلك إذا قالت: تزوجتك، فقال: أنت علي كظهر أمي، قال البساطي: فإن قلت ما الفرق بين قوله: (أنت حرام)، و: (أنت علي كظهر أمي)؟
قلت: الأصل في الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال، ففي الأول لما قالت له: طلقني، فقال: أنت حرام، فكأنه وافقها على الزوجية، وأما في الثاني فلما قالت له: تزوجتك، فقال لها: أنت علي كظهر أمي، فليس في كلامه ما يدل على الموافقة. انتهى.
[مسألة:]
أو قال لها: أنت علي كظهر أمى من غير سؤال منها، كما حكاه المصنف عن ابن سحنون.
وقال البساطي: إذا قاله لها في جواب تزوجتك ولم يعزه.
[ ٤ / ١٧٥ ]
[مسألة:]
أو أقر بزوجيتها فأنكرت، ثم قالت: نعم تزوجتك، فأنكر هو أيضًا، فليس بإقرار؛ إذ لا بينة ولا إقرار ولا اشتراك في زمان السؤال والجواب؛ لأنها لما أنكرت أولًا لم يحصل إقرار، ثم قولها بعد ذلك كابتداء دعوى منها عليه بالزوجية أنكرها هو.
[حكم التنازع في قدر المهر وصفته وجنسه:]
وإن تنازع الزوجان قبل البناء والطلاق في قدر المهر، فقالت: بمائة، وقال: بل خمسون، وفي صفته، فقالت: عبد رومي، وقال: بل حبشي، وفي جنسه، فقالت: ذهب، وقال: عرض، حلفا: هي على دعواها، وهو على دعواه، وفسخ النكاح.
ومفهومه: أنهما إذا لم يحلفا لم يفسخ، وهو كذلك، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر ثبت النكاح، ولوم الناكل ما حلف عليه الآخر، والرجوع للأشبه في مدعيه من الزوجين في قدر أو صفة أو جنس.
وقيل: لا عبرة بمدعيه، ويتحالفان ويتفاسخان.
وهما لمالك، وصوب اللخمي الأول؛ لأنه كالشاهد يحلف معه من قام له كالبيع.
[محل الفسخ:]
وانفساخ النكاح بتمام التحالف، كاللعان، أو لا بد من فسخ الحاكم كالبيع.
والأول لسحنون وبعض شيوخ عبد الحق القرويين، والثاني لابن حبيب وجماعة، وعليه عمل الأندلسيين، واختاره اللخمي، وصوبه ابن محرز، واختلف: هل الفسخ بطلاق أو لا؟ تأويلان.
[مسألة:]
وغيره -أي: المذكور من أحكام هذا الفصل- كالبيع، فكل ما
[ ٤ / ١٧٦ ]
اختلف فيه منه يجري هنا فيشتمل التبدئة باليمين؛ لأنها على البائع، فهي هنا على المرأة على المشهور؛ لأنها بائعة بضعها، ووليها كهي، ويشمل نكولهما معًا، فإنه كحلفها.
[أحكام التنازع بعد البناء أو الطلاق أو الموت:]
ولما كان هذا الحكم خاصًا بما قبل البناء بغير موت ولا طلاق، قال: إلا بعد بناءً أو طلاق، أو تنازع مع أوليائها بعد موتها فقوله، أي: الزوج بيمين في ذلك كله؛ لأنه كفوات السلعة في البيع، فإن نكل حلفت واستحقت ما ادعته.
ثم بالغ على تصديقه بقوله: ولو ادعى الزوج أو وارثه أنه نكح تفويضًا، وادعت في الطلاق أو وارثها في الموت التسمية، ونحوه في المدونة، وأشار بقوله عند معتاديه بمثناة تحتية جمع سلامة حذفت نونه للإضافة، وفي نسخة الشارح بمثناة فوقية؛ ولذا قال: إذا كانت المرأة معتادة التفويض فقط، ليس كذلك، وإنما المراد: سواء كانت معتادته فقط، أو كان الأمران مستويين عندها، أو الغالب التفويض، فإن كان الغالب التسمية فالظاهر أن القول قولها في القدر والصفة متعلق بقوله: (فقوله بيمين)، كذا قال بهرام.
وقال البساطي: متعلق باختلاف المقدر. انتهى. والمعنى واحد.
[شرط رده المثل في جنسه:]
ورد الزوج المثل -أي: صداق المثل- إذا تنازعا في جنسه، بأن قالت: بعرض، وقال: بنقد.
مما لم يكن ذلك -أي: صداق المثل- فوق قيمة مما ادعت، فليس لها حينئذ إلا ما ادعته.
أو ما لم يكن دون دعواه، فلا ينقص عن دعواه، وإذا ردت لصداق المثل ثبت النكاح بعد البناء على المعروف من المذهب.
[ ٤ / ١٧٧ ]
[نزاع السفيهة:]
ولا كلام في تنازع الزوجين لسفيهة، سواء وافقت وليها أو خالعته، وإنما ذلك لوليها، ولو قامت بينة على صداقين في عقدين، كما لو ادعت ألفين في عقدين جريا في يومين، وأقامت البينة عليهما، لزما، وقدر طلاق يحصل بينهما، وكلفت بيان أنه بعد البناء؛ ليستقر ملكها على النصف الآخر؛ بناءً على أن المستقر بالعقد النصف.
وأما على أنها تملك به الجميع فعلى الزوج البينة لدعواه ما يسقط عنه النصف الآخر الواجب عليه.
[محل سقوط الشهادة:]
وإن قال مالك أبوي الزوجة: أصدقتك أباك فقالت: بل أمي، أو عكسه، وحفظت البينة عقد النكاح، ولم تحفظ على أيهما عقد، سقطت الشهادة.
ثم إن كان تنازعهما قبل البناء حلفا معًا، وفسخ النكاح، وعتق الأب على الزوج؛ لإقراره بحريته، وكذا إن نكلا، وقول البساطي: (عليها) سبق قلم.
[مسألة:]
وإن نكل، وحلفت دونه عتقا معًا، وولاءهما لها، وإن حلف ونكلت عتق عليها.
[التنازع في قبض ما حل:]
وإن تنازعا في قبض ما حل من صداقها، سواء كان حالا في الأصل أو حل من منجمه، فقال: أقبضته وأنكرت، فقبل البناء القول قولها، وبعده قوله؛ لأن الغالب أنها لا تسلم سلعتها حتى تقبضه بيمين فيهما في المسألتين على المشهور: عليها في الأولى، وعليه في الثانية، وسواء طال أو لا.
[ ٤ / ١٧٨ ]
وقال عبد الوهاب: إلا أن يكون بكتاب، فقولها مطلقًا قبل البناء وبعده، وإن لم يكن بكتاب فقوله.
وقال القاضي إسماعيل: يقبل قولها بأن لا يتأخر عن البناء عرفًا، أي: في عرفهم كغير أهل المدينة، وأما إن كان عرفهم التقديم على البناء كأهل المدينة فقوله.
وكلام المؤلف هنا محتمل أن قولهما خلاف لقول مالك، أو تقييد، كما في توضيحه: ينبغي أن يحمل قولهما على الوفاق.
[التنازع في متاع البيت:]
وإن تنازعا في متاع البيت -أي: ما يحتاج إليه من فرش وغيرها- قبل البناء أو بعده، قبل الفراق أو بعده، مسلمين كانا أو كافرين، أو مختلفين: مسلمًا وكتابية، حرين، أو عبدين، أو مختلفين، ولا بينة لواحد منهما، فللمرأة المعتاد للنساء فقط بيمين كالحلي.
وإلا يكن مختصًا بالنساء، بأن عرف للرجال فقط كالسيف، أو لهما كالطست، فله بيمين، راجع للمسألتين، وحذفه من الأولى لدلالة الثانية عليه، وكثير ما يفعله المصنف، وبه يندفع قول البساطي: (النقل أن من قضي له به فلا بد من يمينه، وهو خلاف ظاهر كلامه؛ فإنه بعد الوطء).
ويقع في كثير من النسخ (بيمين) في الأولى والثانية.
[التنازع في الغزل:]
ولها الغزل في تنازعهما في غزل ببيتها، ادعاه كل منهما؛ إذ فعل النساء الغزل غالبًا، إلا أن يثبت بإقرار أو بينة أن الكتان له فشريكان بقيمتي الغزل والكتان.
وإن نسجت شقه وتنازعا كلفت بيان أن الغزل لها، قاله مالك، وخالفه ابن القاسم.
[ ٤ / ١٧٩ ]
[التنازع فيما يختص به أحدهما:]
وإن أقام الرجل بينة على شراء ما هو لها فقط، حلف مع بينته أنه له، وقضي لى به، كما في المدونة، كالعكس، وهو أن تقيم هي بينة على شراء ما هو له فقط، قضي لها به.
وفي حلفها مع بينتها كالرجل وعدم حلفها تأويلان، أصلهما أنه ذكر في المدونة اليمين في الرجل، وسكت عنه في المرأة، فقال بعضهم: سكت عنه اجتزاء بذكره في الرجل، إذ لا فرق بينهما.
وقال بعضهم: لا تحتاج المرأة إلى يمين؛ لأن الرجال قوامون على النساء، بخلاف النساء.
* * *
[فصل]
[حكمها:]
الوليمة: طعام العرس، وقيل غير ذلك مندوبة للزواج، لا واجبة على الأصح، ولا سنة.
[محلها:]
بعد البناء على ظاهر المذهب، واستحبها بعضهم قبله.
وقيل: عند العقد.
وقيل: ذلك واسع.
[توقيتها:]
يومًا لا أكثر، وهو اختيار الباجي، وتكره أيامًا، ولو لقادر؛ لأنه سرف.
[ ٤ / ١٨٠ ]
[وجوب التلبية:]
وتجب إجابة من عُيّن لدعوتها، وهو الصحيح، وسواء كان الداعي صاحبها أو مأذونه، لخبر: "من لم يجب فقد عصى اللَّه ورسوله" (١)، والعصيان فرع الوجوب.
وإن كان المعين صائمًا، ومفهوم (عين) عدم الوجوب على من لم يعين، كقوله: (لمأذونه) ادع من لقيت.
[محل الوجوب:]
ومحل الوجوب إن لم يحضر من يتأذى به المدعو لسفالة من تزرى مجالسته أو خطابه أو رؤيته؛ إذ لا يؤمن معه على دين.
وإن لم يكن هناك منكر كفرش حرير، ولو لم يجلس عليها، وصور على كجدار، أو على ساري.
وظاهره: مطلق الصور، وأخرج ابن شاس صور الأشجار.
[المباح فيها:]
لا مع خفيف لعب مباح، كدف وكبر تلعب به النساء، إن لم يكن المدعو ذا هيبة، بل ولو في ذي هيئة وفضيلة على الأصح، وينكر جهده، فلو كان اللعب غير مباح لم تجب الإجابة.
[محل الرخصة في عدم الإجابة:]
ولم يكن هناك كثرة زحام، فقد أرخص مالك التخلف لأجله، ولا إغلاق باب دونه؛ لأنه مما يزري.
[مسألة:]
وفي وجوب أكل المفطر وعدم وجوبه تردد، هو قول الباجي: لم أر
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١/ ٦١٦، رقم ١٩١٣)، وأبو داود (٣/ ٣٤١، رقم ٣٧٤٢)، والنسائي في الكبرى (٤/ ١٤١، رقم ٦٦١٢).
[ ٤ / ١٨١ ]
لأصحابنا نصًا جليًا، وفي المذهب مسائل تقتضي القولين، أي: قولي العلماء خارج المذهب.
[مسألة:]
ولا يدخل للوليمة غير مدعو لها، بل لا يدخل إلا بإذن، ظاهره: المنع أكل أو لم يأكل؛ لأن دخوله مؤد لأحد أمرين:
- نسبته للخسة والسقاطة.
- أو الوقوع في عرضه.
[نثر كالسكر:]
وكره نثر اللوز والسكر ونحوهما، سواء كان للنهبة أو لا، أبو عمران: اختلف في نهبة اللوز والسكر وسائر ما ينشر في الأعراس والختان وأضراس الصبيان، وكره مالك أكل شيء مما يختلسه الصبيان على تلك الحالة، وأجازه أبو حنيفة إن أذن له أهله فيه.
تنبيه:
علم من كلام أبي عمران عدم تخصيص الكراهة بنثر اللوز والسكر.
[الضرب على الدف:]
لا الغربال، وهو الدف، فلا يكره، بل يجوز اتفاقًا، ولو لرجل على المشهور، وهو قول ابن القاسم، ومقابله قول أصبغ: إنما يجوز للنساء.
[الضرب على الكبر والمزهر:]
وفي جواز الكبر والمزهر، وهو قول ابن حبيب قياسًا على الغربال، ومنعه وهو لأصبغ، ثالثها يجوز في الكبر دون المزهر، وهو لابن القاسم.
[ ٤ / ١٨٢ ]
وقال ابن كنانة: يجوز ما تقدم.
[العزف على الزمارة والبوق:]
وتجوز الزمارة والبوق اللذين لا يلهيان كل اللهو، أي: فيجوز في اليسير دون الكثير.
* * *
فصل ذكر فيه الحكم في القسم بين الزوجات والنشوز، وبيان حكمهما
فقال: إنما يجب القسم للزوجات اثنتين فأكثر، حرائر كن أو إماء أو أمهات أولاد، مسلمات أو كتابيات، أو بعضهن وبعضهن، والوجوب إجماعًا في المبيت لا في غيره، كنفقة وكسوة.
وخرج بالزوجات الإماء والمستولدات بينهن، أو مع حرة أو حرائر، والسراري والزوجة الواحدة، وهو كذلك.
ثم بالغ على وجوب القسم بقوله: وإن امتنع الوطء في بعضهن أو كلهن شرعًا أو طبعًا:
الأول: كمحرمة، وحائض، ونفساء، ومريضة، لا تجامع، ومظاهر منها، وكذا مولى منها.
اللخمي: وهما على حقهما في الكون عندهما، وأن لا يصيب البواقي، إلا أن ينحل من الإيلاء والظهار، وعليه أن ينحل منهما إن قامت التي لم يظاهر منها، ولم يول.
وتحمل آية الإيلاء على من كان خلوًا من غيرها، فإن كان له نسوة فلها مطالبته بالعدل في الإصابة، إلا أن يعتزل جميعهن.
[ ٤ / ١٨٣ ]
والثاني: رتقاء ومجنونة وجذماء، لف ونشر مرتب.
[تفصيل معنى المبيت:]
ولما كان في مفهوم المبيت تفصيل صرح به، فقال: لا في الوطء، فلا يجب القسم فيه، بل هو على سجيته، وقد كان -ﷺ- أكثر ما يقول مع عدله: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" (١).
مع اختصاصه بأن القسم غير واجب عليه.
[مسألة:]
إلا لإضرار فيجب القسم، ككفه لتتوفر لذته لأخرى قصدًا، فلا يحل له ذلك.
وقول البساطي: (ووجب عليه التسوية) إن أراد بالتسوية الوطء في الجملة فظاهر، وإن أراد في العدد فبعيد؛ لأنه غير واجب في الأصل.
[إطافة المجنون:]
ويجب على ولي المجنون إطافته على نسائه، كما يجب عليه الإنفاق عليهن، وكسوتهن؛ لأنه من الأمور البدنية، التي يتولى استيفاءها له، أو التمكين ليستوفي منه القصاص.
[طواف المريض على نسائه:]
ويجب على المريض مرضًا خفيفًا أن يطوف على نسائه كالصحيح، إلا أن لا يستطيع الطواف عليهن، لشدة مرضه، فعند من شاء منهن.
وهذا بناءً على أن الاستثناء منقطع، ويحتمل الاتصال، أي: ويجب على المريض، ولو كان شديد المرض، إلا أن لا يستطيع، فعند من شاء.
[فوات القسم:]
وفات القسم إن ظلم الزوج فيه لفوات زمانه، ويشمل صورتين الأولى
_________________
(١) رواه أبو داود (٢/ ٢٠٨، رقم: ٢١٣٦)، وغيره.
[ ٤ / ١٨٤ ]
أن يتعمد الإقامة عند واحدة دون غيرها، فإن عاد نكل والثانية أن يترك نوبتها لا عند زوجة غيرها، فليس لها أن تحاسب بذلك؛ لأنه إن حاسب أخذته من أيام صاحبتها، وهي لم يصل لها إلا حقها، قاله اللخمي.
كخدمة معتق بعضه يأبق شهرًا مثلًا، ثم يأتي لمالك بعضه، فليس محاسبته بنظير ما أبق فيه، ومثل خدمة المعتق بعضه المشترك يخدم بعض ساداته مدة، ثم يأبق، ثم يوجد، فليس للشريك المطالبة بما ظلم من الخدمة.
[ابتداء القسم:]
وندب الابتداء في القسمة بالليل؛ لأنه وقت الإيواء للزوجات، وندب المبيت عند الزوجة الواحدة والزوجة الأمه كالحرة في القسم، وهو اختيار ابن القاسم في المدونة، خلافًا لابن الماجشون: للحرة يومان، وللأمة يوم.
وسواء كان الزوج حرًا أو عبدًا، وظاهره: ولو كانت حرة نصرانية وأمة مسلمة، وهو كذلك؛ لترجيح الأمة بالإسلام، والنصرانية بالحرية.
[العروس البكر والثيب:]
وقضي للبكر ولو أمة إذا تزوجها على غيرها بسبع، وقضي للثيب بثلاث، وهو مخير بعد السبع أو الثلاث في البداءة بأيهن أحب، واستحب ابن المواز القرعة.
[مسألة:]
ولا قضاء إذا سبع للبكر أو ثلث للثيب، ولولا قوله: (ولا قضاء) لأفهمت عبارته غير المشهور من اختصاصهما بذلك، ولو لم يكن له زوجة غيرهما.
[مسألة:]
ولا تجاب الثيب لسبع، إذا دعت لذلك عند مالك، وحكى القاضي أبو الحسن: تجاب، ويقضي لسائرهن بسبع سبع؛ لخبر أم سلمة حين
[ ٤ / ١٨٥ ]
التمست ذلك منه -ﷺ-، فقال: "إن شئت سبعت عندك، وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت عليهن" (١).
[مسألة:]
ولا يدخل على ضرتها في يومها إلا لحاجة غير الاستمتاع.
[مسألة:]
وجاز للزوج الأثرة عليها الضرة أخرى برضاهما بشيء تأخذه على ذلك أو لا، بأن رضيت مجانًا كإعطائها شيئًا للزوج على إمساكها في عصمته، ولا يطلقها، فإنه جائز.
ويحتمل أن الزوج هو المعطي لبقائها معه بناءً على أن إعطاءها من إضافة المصدر لفاعله أو مفعوله.
[مسألة:]
وجاز للزوجة أو الضرة شراء يومها منها.
تنبيهان:
الأول: قال ابن عبد السلام: سواء كان العوض عن الاستمتاع أو عن إسقاط الحق.
الثاني: في قوله: (يومها) تنبيه على بيان محل الرخصتين.
ابن رشد: شراء المرأة ليلة واحدة من صاحبتها عند ابن القاسم أشد كراهة من شراء الرجل ذلك منها؛ لأن المرأة قد يحصل مقصودها من الوطء تلك الليلة، وقد يتعذر والرجل متمكن من الاستمتاع، وللمدة الطويلة تكره منهما للعزل.
_________________
(١) أخرجه مالك (٢/ ٥٢٩، رقم ١١٠٢)، ومسلم (٢/ ١٠٨٣، رقم ١٤٦٠)، وأبو داود (٢/ ٢٤٠، رقم ٢١٢٢)، وابن ماجه (١/ ٦١٧، رقم ١٩١٧).
[ ٤ / ١٨٦ ]
[مسألة:]
وجاز للزوج وطء ضرتها في نوبتها بإذنها، نص عليه اللخمي.
[مسألة:]
وجاز له السلام بالباب في غير نوبتها، وتفقد شأنها من غير أن يدخل إليها.
[مسألة:]
وجاز له البيات عند ضرتها إن أغلقت بابها دونه وطردته، ولم يقدر يبيت بحجرتها، قاله مالك، فإن قدر على البيات بها لم يذهب، كانت ظالمة أو مظلومة.
[مسألة:]
وجاز برضاهن أن تكن ثلاثًا أو أربعًا جمعهن بمنازل من دار واحدة كل منزل منها بمرحاض.
[مسألة:]
وجاز جمعهما إن كانتا اثنتين بمنزلين مستقلين في دار، كل بمرحاض.
ابن شعبان: وليس عليه إبعاد الدار بينهن.
ومفهومه: إن لم يرضين لم يجز، وهو كذلك، ومفهوم (منزلين) منع جمعهما بمنزل واحد، ولو رضين، لنص اللخمي والمتيطي: لا يطأ واحدة وفي البيت أخرى.
[مسألة:]
وجاز استدعاؤهن لمحله المنفرد لتبيت كل فيه ليلتها برضاهن، ولمالك: لا ينبغي ذلك، بل يأتي لكل ببيتها، لفعل رسول اللَّه -ﷺ-.
[مسألة:]
وجاز القسم الزيادة على يوم وليلة إن رضين، فإن كانتا ببلدين جاز
[ ٤ / ١٨٧ ]
قسمه جمعة وشهرًا وشهرين على قدر بعد الموضعين مما لا يضر به، ولا يقيم عند إحداهن إلا لتجر أو نظر ضيعة.
لا إن لم يرضيا إن كانتا اثنتين، أو لم يرضين إن كن أكثر.
[مسألة:]
ثم عطف على منفي (لا) قوله: ودخول حمام بهما، أو بهن؛ لأنه مظنة الاطلاع على العورات، وما لم يطلع عليه في غيره، ولذا جاز دخوله مع الواحدة.
[مسألة:]
ولا يجوز جمعهما أو جمعهن معه في فراش واحد، ولو بلا وطء عند مالك، وبالغ على عدم الوطء لبيان خلاف ابن الماجشون في قوله بالكراهة بغير وطء.
[مسألة:]
وفي منع جمع الأمتين في فراش واحد كالزوجتين وكراهته لقلة غيرتهن قولان لمالك، وضمير كراهته للجمع، ويحتمل عوده لمالك، وبقي عليه جمع زوجة وأمة، والظاهر المنع.
[مسألة:]
وإن وهبت زوجة نوبتها من ضرة كان له -أي: الزوج- المنع من ذلك؛ لأنه قد يكون له غرض في الواهبة، وله الإجازة، لا لها -أي: الموهوبة- إذا رضي لزوج، وتختص هذه الموهوبة باليوم الموهوب لها دون غيرها، بخلاف ما لو وهبت نوبتها منه -أي: من الزوج- فلا يخص بها من شاء، بل تقدر الواهبة كالعدم، فإذا كن أربعًا فأيام القسم في المسألة الأولى أربع على حالها: يومان للموهوبة، ويومان للباقيتين.
وفي الثاني ثلاث.
[ ٤ / ١٨٨ ]
تنبيه:
قيدنا كلامه بالحرة؛ لأن الأمة ليس لها إسقاط حقها في القسم، إلا بإذن سيدها لحقه في الولد، إلا أن يكون الزوج غير بالغ، أو هي يائسة، أو حامل.
واستحسن إن أصابها مرة وأنزل لها أن تسقط حقها في القسم، وفي بعض النسخ بدل قوله: (وتختص) و: (لا تختص بخلاف منه)، ومعناهما واحد.
[مسألة:]
ولها -أي: للواهبة نوبتها- الرجوع فيما وهبته لزوجها أو لضرتها؛ لما يدركها في ذلك من الغيرة.
[مسألة:]
وإن سافر الزوج -أي: أراد السفر- لتجر أو غيره، وله زوجتان فأكثر، اختار له واحدة منهما أو منهن تسافر معه، إلا في سفر الحج والغزو فيقرع بينهن فيهما على المشهور، لأن المساحة تعظم في سفر المقربات.
وفي المدونة: وإن سافر لحاجة أو حج أو غزو وسافر بأتيهن شاء من غير قرعة، إذا كان من غير ضرر، ولا ميل، وإن كانت القرعة ففي الغزو وحده.
قال المصنف: ظاهرها أنه لا يقرع إلا في الغزو وحده.
وتؤولت: تأولها صاحب اللباب وغيره بالاختيار مطلقًا في الحج والغزو وغيرهما.
تتمة:
شرط القرعة صلاح جميعهن للسفر، ومن تعين سفرها جبرت عليه، إن لم يشق عليها أو بغيرها.
[ ٤ / ١٨٩ ]
المتيطي عن ابن عمر: من أبت السفر معه سقطت نفقتها.
[النشوز:]
ولما أنهى الكلام على القسم أتبعه بالنشوز، وهو كما قال عياض: الامتناع من الزوج، والاستعلاء عليه، فقال: ووعظ الزوج من نشزت بأن خرجت عن طاعته، ثم إن لم تقبل وعظه هجرها في مضجعها بأن يبعدها عنه، ثم إن لم يفد وغلب على ظنه أنها لا ترجع إلا بالضرب ضربها، إن لم يفد هجرها.
قال ابن الحاجب تبعًا للجواهر: ضربًا غير مخوف.
ولم يذكره المؤلف.
[شرط الضرب:]
إن ظن إفادته، وإلا حرم، وإنما جاز له ضربها لأنها وسيلة لإصلاح الحال، والوسيلة عند ظن عند مقصدها غير مشروعة.
فائدة:
قال القرطبي: لم يأمر اللَّه في شيء من كتابه بالضرب صراحًا إلا هنا وفي الحدود العظام، فساوى معصيتهن لأزواجهن بمعصية الكبائر، وولي الأزواج ذلك دون الأئمة، وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينة ائتمانًا من اللَّه للأزواج على النساء.
[مسألة:]
وبتعديه عليها زجره الحاكم باجتهاده، كما يتولى الزوج زجرها، وإنما كان الحاكم هو الزاجر له لأنها لا تقدر على فعل ما يمنعه منها.
قال ابن سهل: ومن شكت ضررًا فقط سألها الحاكم بيان ضررها، فله ضربها على منعها من الجماع، وتأديبها على ترك الصلاة، فإن بينت ضررًا لا يجوز فعله بها وقف عليها زوجها، فإن أنكره أمرها بالبينة عليه، فإن عجزت وقد تكررت شكواها الصادق عليها تعديه، كشف القاضي عن أمرها
[ ٤ / ١٩٠ ]
جيرانها، إن كان فيهما عدول، فإن لم يكونوا فيهم سكنها بين قوم صالحين إن لم تكن بينهم.
فإن بان من ضرره ما يوجب تأديبه أدبه، وإن كان لها شرط في الضرر أباح لها الأخذ به، وإن عمي عليه خبرها، ورأى إسكانها مع ثقة يفتقد أمرها أو إسكان ثقة معها فعل.
[مسألة:]
وإن أشكل الأمر عليه بأن ادعى كل الإساءة عليه من الآخر ولا بينة وتعذر الإصلاح بينهما بعث حكمين.
[مسألة:]
ولما كان الغالب أن الشقاق إنما يكون بعد الدخول، بالغ على غير الغالب بقوله: وإن لم يدخل بها ويشترط وجوبًا كون الحكمين من أهلهما إن أمكن، وهو نقل ابن فتوح عن المذهب.
ونقل ابن بشير والباجي أنه شرط كمال.
[مسألة:]
وندب كونهما جارين لهما، لأن الجار لا يخفى عليه حال جاره غالبًا.
ابن راشد: وسواء كان من الأهل أو لا.
ويحتمل خصوصه بالأجنبيين.
[شروط صحة التحكيم:]
ثم أشار لشروط صحة كونهما حكمين، كما قال الباجي بقوله: وبطل حكم غير العدل من فاسق وكافر وعبد وصبي، وسفيه وامرأة، قال الشارح: عطف السفيه على غير العدل هل هو من عطف الخاص على العام؛ لأنه الذي يبذر ماله في اللذات المحرمة، فغير العدل شامل له، أو المراد بالعدالة الأمانة وحسن النظر، فيكون مغايرًا بالذات.
فعلى هذا لا يشمل غير العدل السفيه ولا المرأة؛ لأنهما قد يكونان
[ ٤ / ١٩١ ]
أمينين ذوي نظر؛ لشرط كونهما ذكرين بقوله وامرأة.
وأشار لشرط الفقه بقوله: وبطل حكم غير فقيه بذلك، لا عموم الفقه؛ لأن كل من ولي أمر اشترط معرفته لما وليه فقط.
وقيل: شرط كمال.
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف البطلان، ولو بعثهما الإمام لخروج ذلك عما أراد اللَّه تعالى من الإصلاح، وهؤلاء لا يجوز منهم اثنان، فكيف بواحد، وإذا اجتمعا وعجزا عن الإصلاح فلهما أن يطلقا.
[مسألة:]
وإذا طلقا نفذ طلاقهما، وإن لم يرض الزوجان بذلك أو إحداهما، ولو كان بعوض، سواء رضيت به أو لا.
[مسألة:]
وكذا إن لم يرض الحاكم، ولو كانا من جهتهما، أي: الزوجين؛ لأن حكمهما كما قال الباجي: على وجه الحكم لا الوكالة، فينفذ، وإن خالف مذهب من بعثهما جميعًا أو فرقًا.
قال ابن الحاجب: على الأصح.
ابن شاس: وقيل: هما وكيلان.
[مسألة:]
لا أكثر من واحدة أوقعا، فلا ينفذ الزائد عليها صريحًا كالعدد أو معناه كالبتة.
[مسألة:]
وتلزم الواحدة إن اختلفا في العدد، بأن أوقع واحد واحدة، والآخر اثنين أو أكثر؛ لاتفاقهما على الواحدة.
[ ٤ / ١٩٢ ]
[التطليق بالضرر:]
ولها -أي: الزوجة- التطليق بالضرر لها مع قيام البينة به، بل لها ذلك، ولو لم تشهد البينة بتكرره منه، حكاه المصنف عن وثائق ابن الهندي الكبرى؛ لخبر: "لا ضرر ولا ضرار" (١).
وقيل: ليس لها أن تطلق بالضرر حتى تشهد البينة لتكرره.
واستظهره الشارحان، قالا: ولا يثبت ذلك بالمرة الواحدة.
[الإصلاح:]
وعليهما -أي: الحكمين- الإصلاح بين الزوجين للألفة وحسن المعاشرة، فإن تعذر الإصلاح ولم يقدرا عليه، نظرا فإن أساء الزوج فقط طلقا عليه بلا خلع، أي: بغير شيء.
اللخمي: ولا يسقطان شيئًا من الصداق.
[الإساءة منها أو منهما:]
وبالعكس -وهو أن تكون الإساءة منها فقط- ائتمناه عليها، وإقرارها عنده إن رأياه صلاحًا، أو خالعا له بنظرهما، إن رأياه أصلح، وإن أساءا معًا فهل يتعين الطلاق إن أراداه بلا خلع، أي: بغير شيء، أو لهما أن يخالعه بالنظر على شيء خفيف، وعليه الأكثر؟ تأويلان على المدونة.
[إبلاغ الحكمين الحاكم:]
وإذا أوقعا الطلاق أتيا الحاكم فأخبراه بمحضر شاهدي عدل بما أطلعا
_________________
(١) من حديث ابن عباس أخرجه أحمد (١/ ٣١٣، رقم ٢٨٦٧)، وابن ماجه (٢/ ٧٨٤، رقم ٢٣٤١) قال البوصيري (٣/ ٤٨): هذا إسناد فيه جابر (يعني الجعفي) وقد اتهم. والطبراني (١١/ ٢٢٨، رقم ١١٥٧٦). حديث عبادة بن الصامت: أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٨٤، رقم ٢٣٤٠)، قال البوصيري (٣/ ٤٨): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع. والبيهقي (٦/ ١٥٦، رقم ١١٦٥٧). حديث ثعلبة بن أبي مالك: أخرجه الطبراني (٢/ ٨٦، رقم ١٣٨٧).
[ ٤ / ١٩٣ ]
عليه من أمرهما وحكما بالطلاق، فنفذ حكمهما، أي: أمضاه، قاله المتيطي (١).
[مسألة:]
وللزوجين إقامة رجل واحد على الصفة التي عليها الحكماء من إسلام وبلوغ وحرية وذكورة وعدالة وفقه.
_________________
(١) قال في المنح: " (وأتيا)، أي: الحكمان (الحاكم) الذي بعثهما (فأخبراه)، أي: الحكمان الحاكم بما حكما به من الإصلاح أو التطليق (فنفذ) بفتحات مثقلًا، أي: أمضى الحاكم (حكمهما)، أي: الحكمين وجوبًا وإن لم يرضه الزوجان والحاكم وخالف مذهبه كما تقدم. طفي في التوضيح ذكر المتيطي أن الحاكم إذا وجه الحكمين وحكما بالطلاق فإنهما يأتيان الحاكم ويخبرانه بما حكمًا به فينفذ حكمهما. اهـ. ولذا قال هنا ونفذ حكمهما ولم يكن في المتيطية فينفذ حكمهما ولا معنى له لأنهما هما اللذان ينفذان الحكم وإن لم يرض الحاكم كما تقدم، ولذا عارضها الشارح به ولعله وقع تحريف في نسخة المصنف من المتيطية، ونصها إذا حكم الحكمان حكمهما أتيا السلطان فأخبراه بمحضر شاهدي عدل بما اطلعا عليه من أمورهما وما أنفذاه من حكمهما، وكذا كل من استخلفه القاضي على ثبوت شيء وإنفاذه. اهـ. هكذا نقله ابن عرفة والمواق وهو الصواب، وبه تعلم أن جواب "س" عن معارضة الشارح بقوله أتيا الحاكم إن شاءا فيه شيء لأنهما مطلوبان بإتيانه كما تقدم والمعارضة وجوابها على تسليم قوله ونفذ حكمهما، وقد علمت ما فيه. اهـ. كلام طفي. البناني في اعتراضه نقل الموضح وتسليمه معارضة الشارح نظر، وأما نقل الموضح الذي جرى عليه هنا فهو الذي في نص وثيقة المتيطي إذ قال فيها فأمضى القاضي حكم الحكمين المذكورين على هذين الزوجين وأنفذه نقله ابن غازي، ولعل المصنف نقله بالمعنى، ونحوه قول ابن سلمون، فإن اختلف فليس بشيء حتى يجتمعا على الحكم وينفذه السلطان. وقال في وثيقته وأعلم الحكمان المذكوران القاضي بما ظهر لهما وما حكما به وثبت حكمهما لديه بذلك فأمضاه وأنفذه. اهـ. وأما المعارضة فالحق في دفعها ما ذكره سيدي عبد الرحمن الفاسي أن قوله ونفذ حكمهما معناه أمضاه من غير تعقب له بمعنى أنه ينفذه، ولا بد وإن خالف مذهبه فلا ينافي أنه ينفذ وإن لم يرض الحاكم واللَّه أعلم".
[ ٤ / ١٩٤ ]
[مسألة:]
وفي جواز إقامة الوليين والحاكم واحدًا كالزوجين، وبه قال اللخمي في السلطان وابن الحاجب في الوليين، وعدم جوازه، وهو قول الباجي، تردد.
[مسألة:]
ولهما -أي: للزوجين- إن أقامهما -أي: الحكمين- الإقلاع -أي: الرجوع عن التحكيم ما لم يستوعبا الكشف عن حالهما، ويعزما على الحكم، فلا يعتبر رجوع من رجع حينئذ.
قال في الموازية: ويلزمه الحكم.
ومفهوم الشرط: لو أقامهما السلطان فلا كلام للزوجين، ومفهوم ما لم يعزما أنهما لو أشرفا على الحكم فلا كلام لهما، ولو كانا هما المقيمان لهما وهو كذلك.
[مسألة:]
وإن طلقا واتفقا عليه واختلفا في المال، بأن قال أحدهما: على العوض، وقال الآخر: مجانًا، ويدخل في اختلافهما ما لو قال أحدهما على مائة، وقال الآخر على مائتين.
فإن لم تلتزمه المرأة فلا طلاق، ويعود الحال كما كان، لأن مجموع الحكمين كالحاكم الواحد، ولو التزمته وقع الطلاق، ولو حكم أحدهما بالطلاق والآخر بالبقاء لم يلزمه شيء، واللَّه -سبحانه- أعلم.
* * *
[ ٤ / ١٩٥ ]
باب ذكر فيه حكم الطلاق، وما يتعلق به
[الخلع:]
فقال: جاز الخلع، وهو لغة: الإزالة، وشرعًا هو: الطلاق بعوض منها قبل البناء أو بعده بمثل الصداق أو أقل أو أكثر، ونبه بقوله: (هو الطلاق) على خلاف ابن عباس وغيره أنه فسخ، وبقوله: (بعوض) على أنه معاوضة غير محتاجة لحوز لا عطية؛ لأنها لو ماتت أخذ العوض من تركتها.
[دون حاكم:]
وجاز الخلع بلا حاكم؛ لقول المدونة: والخلع والمباراة عند السلطان وغيره جائزة، وعطفه البساطي على (بعوض) فأثار عنده شيئًا؛ ولذا قال: اللَّه أعلم بما أراد، وغاية ما ظهر لنا: أن الطلاق إذا أوقعه القاضي كان قسمًا آخر غير القسمين، ويكون بائنًا، فأراد إخراجه بقوله: (وبلا حاكم)، وفيه ما فيه؛ لأن طلاق القاضي ليس فيه عوض. انتهى.
أي: أن ما يوقعه الحاكم على غير المولي والمعسر بالنفقة، وإن كان بائنًا، ليس بخلع.
[شروطه بعوض من غيرها:]
وجاز الخلع بعوض من غيرهما، أي: غير الزوجة، وذكر شرط دافعه بقوله: إن تأهل لالتزام العوض، ولما كان مفهوم الشرط في قوله: (إن تأهل) يقتضي المنع من غير المتأهل، ولكن لا يعلم منه حكم ما وراءه، بينه بقوله: لا من صغيرة، فلا يجوز.
المتيطي: وبه العمل.
وقال ابن القاسم: ينفذ خلعها.
قال في الطراز: وبه العمل.
[ ٤ / ١٩٦ ]
ولم ينبه عليه المؤلف، وظاهر كلامه: كانت ذات أب أو وصي أو لا، كان طلاقها أحسن لها أو لا، واختار اللخمي نفوذه إن كان أحسن، وإلا رد.
[من سفيهة:]
ولا يجوز من سفيهة، ظاهره: مولى عليها أو لا.
[من ذي رق:]
ولا يجوز من ذي رق، وإن قل، ولا ممن فيه أثره كمكاتبه ومعتق بعضها ومستولدة ومدبرة ومعتقة لأجل.
[حكم المال المخالع به هنا:]
ورد المال المخالع به في المسائل السابقة، فيرده الزوج إن قبضه، ويسقط إن لم يقبضه، وبانت لصدور الطلاق من أهله.
[خلع الأب:]
وجاز الخلع من الأب عن ابنته المجبرة، شمل الصغيرة والبالغ، الباجي: اتفاقًا.
والبكر المطلقة قبل المسيس، إذا لم تطل إقامتها عند الزوج، والتي تثيبت قبل البلوغ على القول بجبرها.
[خلع الوصي:]
بخلاف الوصي، فلا يخالع عن المجبرة على المشهور.
[خلع الأب عن السفيهة:]
وفي جواز خلع الأب عن ابنته البالغ الثيب السفيهة، واختاره المتيطي [و] ابن أبي زمنين وابن لبابة، وبه جرت فتوى شيوخنا وفقهائنا.
ومنعه إلا بإذنها لابن الهندي وابن العطار وغيرهما من الموثقين، وهو المعمول.
[ ٤ / ١٩٧ ]
وأفهم قوله: أن الوصي لا يخالع عنها برضاها، وهو كذلك على إحدى روايتي ابن القاسم.
[الخلع بالغرر:]
وجاز الخلع بالغرر، أي: يعوض هو فيه كجنين في بطن أمتها تخالعه به، وهو له إن خرج، ويجبران على الجمع بينهما، فيباع مع أمه.
[الخلع بعوض غير موصوف:]
وجاز بعوض غير موصوف، كحيوان ناطق أو غيره أو عرض، وله الوسط، مثله في المدونة.
[الخلع على نفقة حمل:]
وجاز الخلع على نفقة حمل، بأن تنفق على نفسها زمنه، إن كان بها حمل، وتسقط عن المخالع نفقتها لوضع.
[الخلع بإسقاط الحضانة:]
وجاز الخلع بإسقاط حضانتها للأب، وتسقط على المشهور، ولو كان لها أم.
[الخلع مع البيع:]
وجاز الخلع مع البيع، كعبد تدفعه له ليطلقها عليه، ويعطيها ألفًا، وظاهره: كان العبد يساوي الألف أو يزيد أو ينقص، وهو كذلك، بخلاف البيع مع النكاح، فإنه لا يجوز.
[مسألة:]
وردت مخالعة لكإباق العبد معه، أي: مع العبد، نصفه -أي: نصف ما تضمنه العقد- من رد الزائد للزوج، ورد المخالعة نصف العبد لها، وجعل الشارح ضمير (نصفه) عائدًا على محذوف، دل عليه السياق، وضمير (معه) للعبد، أي: فترد المرأة في الفرض المذكور ألفًا، ويبقى لها نصف العبد الآبق؛ لأن أصل ابن القاسم أن كل معلوم ومجهول من جهة واحدة
[ ٤ / ١٩٨ ]
في المعاوضة يجعل المعلوم مساويًا للمجهول، وقد أعطت المرأة العبد الآبق في مقابلة الزيادة، وهي معلومة في مقابلة العصمة، وهي مجهولة القيمة، فيجعل نصف العبد للعصمة، والنصف الآخر للزيادة، في قابل الزيادة ينتقض؛ لأنه بيع فاسد، والعصمة وما قابلها من العبد خلع، فيمضي كما لو وقع الخلع على نصف العبد الآبق من غير زيادة.
[تعجيل المؤجل بمجهول:]
وعجل للزوج المال المخالع به المؤجل بمجهول، أي: بأجل مجهول، نحوه في المدونة.
وتؤولت أيضًا بقيمته، أي: قيمة المؤجل حالًا؛ حملًا لما فيها على مقتضى التشبيه بالبيع مع فوات السلعة لأجل مجهول.
[رد الدراهم الرديئة:]
وردت بالبناء المفعول على المخالعة دراهم رديئة خالعته عليها، وله بدلها، إلا لشرط منها أنها زيوف، فلا رد له كالخلع بالغرر، ويعمل بالشرط.
[محل الرد له قيمة:]
ورد للزوج من الزوجة قيمة، كـ: عبد خالعته عليه بعينة، ثم استحق بحرية أو غيرها، كما في الجلاب، ودخل بالكاف: الدار والفرس والعرض، إذا كانت فيه شبهة لها.
وأما ما لا شبهة لها فيه فلا يلزمه الفراق، وإن تناولته عبارته، خلافًا للخمي، وللمسألة نظائر ذكرناها في الكبير.
[الخلع بالحرام:]
ولا يجوز الخلع بالعوض الحرام اتفاقًا، سواء كانت حرمته عارضة أو أصلية، كـ: خمر ومغصوب وخنزير.
[ ٤ / ١٩٩ ]
[الخلع بشيء حلال وحرام:]
ولما ذكر الخلع بشيء حلال فقط، أو حرام فقط، أفاد إذا وقع بهما معًا، فقال: وإن كان الحرام بعضًا من المخالع به، كخنزير وثوب مثلًا، ففي المدونة جاز الحلال، وبطل الحرام.
تنبيه:
ينفذ الخلع إذا كان العوض كله حرامًا أو بعضه.
[نفاذ الخلع بالحرام:]
ولا شيء له، أي: للزوج على المخالعة على المنصوص، ويكسر الخمر، ويقتل الخنزير أو يسرح.
تنبيه:
الرد في الأولى الزوج، وفي الثانية الزوجة، وفي الثالثة الحاكم؛ ففي كلامه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ إذ الأول رد المقبوض، والثاني تأدية قيمة المستحق، والثالث فسخ العقد.
كتأخيرها دينًا عليه حالًا لها، فهو تشبيه بالمنع؛ لأن من أجل ما عجل عند سلفًا اتفاقًا، فصارت مسلفة، وإن زادت العصمة.
[على الخروج من مسكنها:]
ومثله خلعها على خروجها من مسكنها المطلقة فيه، فإنه لا يجوز؛ لأن اعتدادها فيه حق للَّه تعالى، فلا يجوز إسقاطه.
تنبيه:
لو خالعها على أن تدفع أجرته من مالها لجاز، ونحوه في المدونة.
[على تعجيل ما لا يجب قبوله:]
وكذا لو خالعها على تعجيله لها ما -أي: دينًا- لا يجب عليه قبوله كالطعام والعرض؛ لأنها حطت عنه الضمان، وزادها العصمة.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
[حكم ما يجب قبوله:]
ولما كان فيما لا يجب تعجيله اختلاف في فهم قول المدونة: وإذا كان لأحد الزوجين على الآخر دين مؤجل فتحالفا على تعجيله قبل محله ووقع الطلاق ورد الدين إلى أجله.
وحملها بعضهم على التفصيل السابق، بين ما يجب قبوله فيجوز، وما لا فلا، وحملها غيره على المنع، أشار لذلك بقوله: وهل كذلك يمنع إن وجب قبوله كالعين والغرض؛ لأنه عجل لتسقط عنه نفقة العدة؛ فهو سلف جر منفعة.
أو لا يمنع، بل يجوز؛ لأنه طلق وأعطى؟ تأويلان في حملها على التفصيل أو الإطلاق.
[حكم المختلعة بعوض وبغيره:]
وبانت مختلعة بعوض، وبالغ على بينونتها بغير عوض لما فيه من الخلاف بقوله: ولو بلا عوض، نص عليه، أي: على لفظ الخلع عند مالك وابن القاسم، وهو المشهور.
المتيطي: وبه القضاء، خلافًا لمطرف وأشهب وابن عبد الحكم في أنه رجعي.
أو وقع بعوض فبائن، ولو نص فيه على الرجعة على المشهور؛ لأن حكمه البينونة فلا ينتقل عنها.
كإعطاء مال منها له في العدة على نفيها، أي: الرجعة، فلا رجعة له، وتبين بذلك عند ابن وهب.
هذا ظاهر كلامه، وقرره الشارحان على أنه خلع، يلزم فيه طلقة أخرى بائنة، وهو قول مالك.
كبيعها -أي: الزوجية- لسفيه أو غيرها.
[ ٤ / ٢٠١ ]
تتمة:
قال مالك: وينكل نكالًا شديدًا، ولا يتزوجها، ولا غيرها، حتى تعرف توبته وصلاحه؛ مخافة بيعها ثانية.
أو تزويجها لغيره، وهو من إضافة المصدر لمفعوله في الموضعين، فيلزمه فيها طلقة بائنة عند ابن القاسم.
ابن وهب: لا طلاق عليه.
واختاره اللخمي، وإليه أشار بقوله: والمختار نفي اللزوم فيهما، وظاهره: ولو باعها أو زوجها هازلًا، وهو كذلك، خلافًا لأصبغ في عدم لزومه للهازل، ولزوم الثلاث لغيره.
[حكم طلاق حكم به:]
وبانت بكل طلاق حكم بلي، إلا طلاق حكم به لإيلاء وعسر بنفقة فرجعي فيهما، لا إن طلق رجعيًا، وشرط عليه نفي الرجعة بلا عوض ورضيه؛ فإنه يستمر رجعيًا، والشرط يلغي، وهذا مفهوم قوله: (كإعطاء مال في العدة على نفيها).
أو طلق فأعطى مائة مثلًا فرجعية عند أكثر الرواة، كمن طلق وأعطى المتعة، وعن مالك في التهذيب: بائنة، وصححه غير واحد.
أو صالح من لها عليه دين من صداق أو غيره على بعضه، ثم طلقها وأعطى ما صالح عليه فرجعية؛ لأنه صالحها على بعض حقها، وأوقع الطلاق بغير عوض.
وقيل: بائنة.
وصححه غير واحد.
محمد: إن كان على وجه الخلع فبائنة، وإن لم يجز ذلك بينهما فله الرجعة.
وتأول ابن الكاتب قوله في المدونة البينونة عليه، وإلى هذا الاختلاف
[ ٤ / ٢٠٢ ]
أشار بقوله: وهل المطلقة في المسألة رجعية مطلقًا قصد الخلع أو لا، أو هي رجعية فيهما إلا أن يقصد الخلع فبائنة؟ تأويلان.
[موجب العوض:]
وموجبه بكسر الجيم، أي: العوض:
- زوج أو نائبة.
- مكلف، لا صبي ومجنون، ثم بالغ بقوله: ولو كان الزوج المكلف سفيهًا على الراجح من الخلاف فيه، واقتصر عليه المتيطي وغيره.
- وموجبه ولي صغير: أبًا كان أو سيدًا في رقيقه على المشهور، أو غيرهما كالسلطان، أو من يقيمه إذا كان نظر، أو تلزمه طلقة بائنة.
لا أب سفيه بالغ على المشهور؛ لأن الطلاق بيده.
قال في الشامل: وصوب لخلافه.
ولا سيد رقيق بالغ على المشهور.
قال المؤلف: ولم أقف على مقابله.
[خلع المريض:]
ونفذ خلع المريض، عبر بـ (نفذ) دون (جاز)؛ لأن الإقدام عليه لا ينبغي.
وظاهره: كان المرض خفيفًا أو مخوفًا، وقيده الشارح بالمخوف، كما في الجلاب، ومثله في الشامل، لكن قال في شرحه: نبه بالأشد على الأخف.
[وراثتها له دونه:]
وورثته إن مات من ذلك المرض دونه، فلا يرثها هو إن ماتت فيه كمخيرة ومملكة فيه، أي: في مرضه، فاختارت الطلاق ومات فترثه، ولا
[ ٤ / ٢٠٣ ]
يرثها إن ماتت فيه؛ لأن الطلاق من قبله، وهو المشهور فيهما، ومذهب المدونة.
[محل وراثتها له في الإيلاء:]
ومُولي منها في صحة أو مرض، وانقضى الأجل، ولم يف، ولا وعد، ثم وقع عليه الطلاق في المرض، ومات فيه فترثه.
[محل الوراثة في الملاعنة:]
وملاعنة في مرض موته ترثه، وإن كان فسخًا لا طلاقًا.
[في إحناثها له:]
أو قال لها في صحة أو مرض: إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت، وأحنثته فيه، أي: في مرض موته على المشهور.
[مسألة:]
أو كانت كتابية أو أمة طلقها في مرض موته أسلمت تلك الكتابية أو عتقت تلك الأمة ثم مات ورثتاه.
[مسألة:]
أو طلقها في مرضه وانقضت عدتها، وتزوجت غيره، ثم مات من مرضه ورثته، وإن كانت متزوجة، ولا يقطع زواجها إرثها منه، ولو تعدد أزواجها، وطلقها كل في مرضه، فإنها ترث جميعهم، وأشار له بقوله: وورثت أزواجًا وإن في عصمة.
وظاهر كلامه: ولو كان مرضًا طويلًا، كالسل ونحوه، وأخذه اللخمي من هذه المسألة، وخالف ابن الماجشون في الأمراض المتطاولة، ورأى أنها تجري مجرى الصحة.
ورد عياض ما أخذه اللخمي باتفاق ذلك في المدة اليسيرة؛ لعدم دخول جميعهم بها، ووافق مرض كل منهم أثر نكاحه.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
[ما ينقطع به ميراث المطلقة في المرض:]
وإنما ينقطع ميراث من طلقت رجعيًا في المرض بصحة بينة، ينقطع بها ميراثها في طلاق المرض، ولو طلق واحدة، ثم صح، ثم مرض مرضًا آخر، فطلقها ثانية، ثم مات، لم ترث منه شيئًا.
إلا أن يموت في بقية من عدة الطلاق الأول، فترث منه حينئذ؛ لأن الطلاق رجعي، ومات وهي في عدتها، أما لو كان الطلاق الأول بائنًا لم يقع عليه الطلاق ثانيًا، ولو مات بعد عدة الطلاق الأول لم ترثه.
[حكم الإقرار بالطلاق فيه:]
والإقرار به -أي: بالطلاق- فيه -أي: في المرض- كإنشائه فيه، ولا عبرة باستناده.
[محل بدء العدة:]
والعدة تبدأ من يوم الإقرار به في المرض، فلو أقر أنه طلقها من مدة انقضت فيها العدة أو بعضها فلا يصدق؛ لأنها حق اللَّه تعالى، فلا يسقطه إقراره.
[ما كان مثل ما في المرض:]
ولو شهد عليه بعد موته بطلاقه طلقة بائنة في صحته فكالطلاق بالمرض عند ابن القاسم؛ لأنه إنما يقع به يوم الحكم.
[عكسها:]
وإن شهد به -أي: بإيقاعه- في سفره، ثم قدم ووطئ المشهود بطلاقها، وأقر بذلك، وأنكر الشهادة بالطلاق، لزق بينهما، ولا حد عليه.
ونحوه في المدونة، استشكل عدم حده، وأجاب ابن المواز بأنها تعتد من يوم الحكم بالفراق.
والأبهري: بأنهما على حكم الزوجية حتى يحكم بالفراق، وهو قريب من الأول.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
المازري: فإنه كمقر بالزنا. ورجع عنه.
وقيل: إنه جوز عليه النسيان.
قال سحنون: يحد إن شهد عليه أربعة بالطلاق، ثم أقر بالوطء.
[ما يشبه التزوج بالمرض:]
ولو أبانها في مرضه، بحيث لا ينقطع ميراثها منه، ثم تزوجها قبل صحته منه، وبنى بها، فكالمتزوج في المرض، يفسخ نكاحه، ونحوه في المدونة.
والأصل في إرث مسألة خلع المريض قول مالك وعمل أهل المدينة، وقد طلق عبد الرحمن بن عوف امرأته وهو مريض، فجاءت لعثمان فقضى لها بميراثها منه، وللمسألة نظائر، ذكرناها في الكبير.
[خلع المريضة:]
ولم يجز خلع المريضة من زوجها الصحيح بمالها، واختلف إن وقع هذا الحرام: هل يرد جميعه، أو المردود منه المجاوز لإرثه منها فقط، وأما على قدر إرثه منها فأقل فإنه جائز، ولا يتوارثان، ويعتبر قدر إرثه منها يوم موتها، لا يوم الخلع؛ لأن الموجب للتهمة.
وإذا كان المعتبر يوم موتها وقف قدر الميراث إليه، قاله ابن نافع، وصوبه اللخمي وغيره، إذ لو وطئ يوم الخلع، ثم تلف المال لكان هو الوارث وحده، ولو نقص لكان أخذ أكثر من ماله.
تأويلان في فهم قول مالك في المدونة: وإن اختلعت منه في مرضها وهو صحيح بجميع مالها لم يجز ولا يرثها.
ابن القاسم: وأنا أرى أنها إذا اختلعت منه على أكثر من ميراثه فله قدر ميراثه، فأما على قدر ميراثه منها فأقل فجائز، ولا يتوارثان.
ففهم ابن المواز وابن نافع قول مالك على أنه يرد جميعه، فقول ابن القاسم خلاف، وهو التأويل الأول.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
وفهم عياض والأكثر قول ابن القاسم على التفسير، وهو التأويل الثاني.
[التوكيل على الخلع:]
وإن وكل الزوج على الخلع، وسمى لوكيله ما يخالع به، فإن نقض وكيله عن مسماه لم يلزم الخلع، ولم يلزم طلاق؛ لأنه معزول عن ذلك.
وإن ساوى لزم، وأحرى إن زاد.
تنبيه:
ظاهر كلامه: وإن قل النقص، قال في توضيحه: وهو ظاهر في النقص الكثير، وأما اليسير فينبغي أن يختلف فيه كالبيع.
أو أطلق له -أي: الوكيل- أو لها -أي: للزوجة- بأن لم يسم شيئًا، فخالعها بدون خلع المثل، حلف الزوج أنه أراد بإطلاقه خلع المثل، وكان القول قوله.
كذا قال الشارح، ولم يتمه، وتمامه أنه لا يلزم بطلاق، قال البساطي: ولم يتممه للآخر، وتمامه إن أتمت له خلع المثل لزمه الطلاق، قاله ابن فرحون.
وإن زاد وكيلها على ما سمته له فعليه الزيادة، ولزمها ما سمته، ووقع الطلاق.
تنبيهان:
الأول: ظاهره كابن الحاجب الإطلاق، وقال المؤلف: ينبغي أن تقيد الزيادة بالكثيرة، وأما اليسيرة فتلزمها كالوكيل على شراء سلعة.
الثاني: إن أطلقت ولم يسم فكالمقيد يخلع المثل.
[حكم الخلع على الضرر:]
ورد المال المخالع به على المخالعة بشهادة سماع على الضرر لها، بشتم أو ضرب بغير حق.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
تنبيه:
ظاهره: أنه لا يحتاج مع شهادة السماع ليمين، وهو كذلك، قاله في سماع أصبغ، وليس بعضه لها من الضرر.
ورد المال لها بيمينها مع شاهد واحد بالضرر أو امرأتين -أي: بيمينها- مع شهادتهما؛ لأنه مال ممن استرعت بينة بضرره لها، ثم اعترفت عند الخلع بطوعها وعدم الضرر.
وأسقطت حقها من بينة الاسترعاء، فإنه لا يضرهما إسقاط البينة المسترعية مع علمها بها؛ لأن الاسترعاء يعود بالإبطال على ما خالفه، وتردد فيه ابن راشد، وحكاه ابن الهندي وغيره، ثم صوبه، وإليه أشار بقوله على الأصح.
وعلله بأن ضررها يحملها على الاعتراف بالطوع، قال: ومن ابتلي بالأحكام يكاد يقطع بذلك.
[محل رده ما خالع به:]
ورد الزوج ما خالع به بكونها بائنًا منه وقت الخلع؛ لأن خلعه لم يصادف محلًا، لا إن كانت وقت الخلع مطلقة طلقة رجعية، فلا يرد؛ للحوق طلاقه لها.
أو لكونه -أي: النكاح الذي خالعها فيه- يفسخ بلا طلاق، فيرد ما أخذه لعدم ملكيته للعصمة، سواء كان مجمعًا على فسخه أو لا، وهو كذلك في الأول اتفاقًا، وفي الثاني على أحد القولين، واحترز عما يفسخ بطلاق فإنه لا يرد.
أو خالعها على رده لعيب خيار ظهر به؛ لقدرتها على فراقه دون عوض، ويلزمه الخلع على المشهور.
وشمل قوله: (عيب خيار) العيوب الأربعة:
- الجنون.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
- والجذام.
- والبرص.
- وداء الفرج.
وهو كذلك، ومفهوم قولنا: (ظهر به) أنه لو ظهر بها لا ردَّ وصرح به في المدونة، وعلله فيها بأن له أن يقيم على نكاحه.
أو قال: إن خالعتك فأنت طالق ثلاثًا، ثم خالعها بمال زاد لبينونتها بنفس المخالعة؛ لأن المخالعة سبب لاستحقاقه، وفيه بحث.
وقيست على قوله لعبد لها: إن بعتك فأنت حر، وباعه، والمشهور في هذه العتق على البائع.
لا إن لم يقل ثلاثًا، بل قال: إن خالعتك فأنت طالق.
الشارح: بل أطلق ولم يقيد، فلا يرد ما خالعها به.
ولزمه طلقتان واحدة بالتعليق، وأخرى بالخلع، وقال البساطي: إن لم يقيد بالثلاثة بل ما أطلق، فقال: أنت طالق. أو قال: واحدة، أو اثنتين، ولزمه إن طلق اثنتان.
وهذا هو الحامل للشارح على حمل كلامه في قوله: (لا إن لم يقل ثلاثًا) على الإطلاق، والذي حملت كلامه عليه هو الظاهر. انتهى، ولعل وجه ظهوره أنه أكثر فائدة.
[اشتراط نفقة ولدها في الخلع:]
وجاز شرط نفقة ولدها مدة رضاعه حولين من حين وضعه، وربما أشعر قوله: (مدة رضاعه) بأن ذلك مع الرضاع، وهو كذلك في المدونة، وظاهر كلامه: سواء خالعها على ذلك وهي حامل، أو بعد الوضع، وهو كذلك، لكن إن كانت حاملًا فلا نفقة للحمل عند مالك.
وقال ابن القاسم والمغيرة: لها نفقة.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
تنبيه:
وبما قررناه يظهر لك أن تقييد الشارح كلام المصنف بالحامل، وقوله: (إنما قيدناه به لذكره إسقاط نفقة الحمل، وهو واضح) غير واضح؛ لأن المصنف ذكر الشقين، وفرع على أحدهما، فتأمله لو شرط عليها في الخلع زيادة على نفقة الرضيع في الحولين نفقة نفسه أو غيره كأجنبي.
[اشتراط نفقة الزوج أو غيره:]
وسقطت نفقة الزوج أو غيره عند ابن القاسم، وتم الخلع، ولزمها نفقة الولد في الحولين، وهو مذهب المدونة.
وعن المخزومى وطائفة: لا تسقط، وصوبه الأشياخ، حتى قال محمد ابن عمر بن لبابة: الخلق كلهم على خلاف ابن القاسم وروايته.
المتيطى: قال غير واحد من الموثقين: العمل عليه؛ لأن غايته أنه غرر، وهو جائز هنا.
[زائد شرط:]
وسقط زائد شرط على الحولين، كأن تكفله بعد فطامه، وهو كذلك عند ابن وهب، ولو أضر به، واستبعده المصنف؛ لأن وطء المرضع يضر بالرضيع، كما سيأتي أن العلة وطء المرضع.
كموته تشبيه في السقوط، أي: إذا مات الولد المخالع على رضاعه ونفقته سقط ذلك عن أمه، وليس لأبيه مطالبته بذلك.
مالك: ولم أر أحدا طلبه.
[حكم كموت المخلوعة قبل الفطام:]
وإن ماتت أمه قبل الحولين فعليها، ويؤخذ من تركتها قدر كفاية مؤنته لانقضائه، وتوقف؛ لأنه دين ترتب في ذمتها.
أو انقطع لبنها، فعليها شراء لبن لعظامه، قاله ابن رشد، أو خالعها حاملًا على رضاع ولدها فرضيت.
[ ٤ / ٢١٠ ]
أو ولدت ولدين فعليها إرضاعهما، ولا تعذر إن قالت: لا أقدر على ذلك، قاله ابن المواز.
وحذف المصنف (فعليها) من الأولين لدلالة الثالث.
تنبيه:
لو عجزت فقال ابن الحاجب: على الأب، وتبعها إذا أيسرت.
المتيطي: وهو المشهور.
[ما على المخالع وما ليس عليه:]
وعليه -أي: المخالع- نفقة العبد الآبق، والبعير الشارد، أي: أجرة تحصيلهما أو الجعالة عليهما؛ لزوال ملكها عنهما في الخلع، إلا لشرط أن النفقة عليها فيلزمها.
لا نفقة أم جنين خالعت عليه في بطن أمتها، فإنها عليها؛ لأنها تبع؛ إذ هو كعضو منها.
إلا: استثناء منقطع -أي: لكن- بعد خروجه من بطن أمه، فتكون نفقته عليه، لأنه ملكة.
وإذا خرج أجبر على جمعه مع أمه ببيع أو غيره، ويلزم من جبره جبر مالك أمه.
وفي لزوم نفقة ثمرة وقع الخلع عليها لم يبد صلاحها، أو لم تظهر من سقي وعلاج عليها لتعذر التسليم حينئذ شرعًا لصيرورة الخلع على ما لم يبد صلاحه كالخلع على ما بدا صلاحه.
قال ابن شاس: وليس لها جبره على جذها قبل بدو صلاحهما، أو على المخالع لتمام ملكه، ولا جائحة فيها.
وقال ابن محرز: الجاري على قول أشهب فيها الجائحة.
قولان لشيوخ عبد الحق.
[ ٤ / ٢١١ ]
[ما يكفي في الخلع:]
ولما كان الخلع عقدًا يحتاج لإيجاب وقبول كغيره، ولا يشترط كونه بصريح اللفظ، بل يكفي فيه بعد التراود الدفع والأخذ، قال: وكفت المعاطاة كالبيع، ففي المدونة: إن أخذ منها شيئًا وانقلب هذا بذلك، ولم يسميا طلاقًا فهو طلاق الخلع، وإن سميا طلاقًا لزم ما سميا، واللَّه أعلم.
تنبيه:
ظهر لك مما قررناه أن قول الشارح: (لا يشترط في الخلع الإيجاب والقبول) غير ظاهر.
[تعليقه بالقبض:]
وإن علق الخلع بالإقباض، كـ: إن أقبضتني كذا فقد خالعتك، وكذا لو علقه على الأداء، كـ: إن أديتني كذا، أو: إذا، أو: متى أديتني فقد خالعتك، لم يختص ذلك الإقباض أو الأداء بالمجلس المعلق فيه، بل يبقى بعده، وإن بعُد، ما لم يطل، ويرى أنها تاركة، أو يمضي ما يرى أن الزوج لا يجعل التمليك لذلك، وقوله: (بالإقباض أو الأداء) متقاربان.
إلا لقرينة تدل على إرادة المجلس، فيختص به، ولزم به في الخلع على ألف من الدراهم أو الدنانير الغالب مما يتعامل به من أهل ذلك البلد، حيث لا يتعين، وحكم غير الناقدين كذلك كالمخالعة على عدد من شياه مثلًا، وهناك نوعان يلزم الغالب فلو أتت بغيره لم يلزم.
[محل لزوم البينونة:]
ولزمت البينونة إن قال: إن أعطيتني ألفًا فارقتك، قال في المدونة: إن قال لهما: إن أعطيتني كذا فأنتِ طالق، لها ذلك متى ما أعطته.
قال: قال مالك في أمرك بيدك متى شئت، أو إلى أجل: لها ذلك ما لم توقف، أو توطأ طوعًا، فيبطل ما بيدها.
أو قال لها: إن أعطيتني ألفًا أفارقك لزمت البينونة، إن فهم الالتزام.
[ ٤ / ٢١٢ ]
ابن رشد: اتفاقًا.
أي: الوعد إن ورطها بسبب وعده، بأن باعت قماشها أو بيتها ونحوه على المعروف.
ومفهوم الشرط: عدم اللزوم، وهو المشهور من عدم لزوم الوفاء بالوعد.
أو قالت: طلقني ثلاثًا بألف فطلق واحدة بها لزمت البينونة، والألف والثلاث لا يتعلق بها غرض شرعي.
أو بالعكس، كـ: طلقني واحدة بألف، فطلقها ثلاثًا، لزمت الثلاث؛ لحصول غرضها وزيادة.
أو قالت له: أبنّي بألف أو طلقني نصف طلقة مثلًا بألف، أو أبني في جميع الشهر بألف، جعل الشهر ظرفًا لذلك، ففعل، لزم الطلاق في المسائل الثلاث.
وسواء وقع ما سألته في الثالثة أول الشهر أو وسطه أو آخره، ولا خصوصية لنصف طلقة، بل كل جزء من الطلقة لذلك ولو قل.
أو قال: أنت طالق بألف غدًا، فقبلت في الحال، لزمت البينونة والمسمى.
أو قال: أنت طالق بهذا الثوب الهروي، وأعطته له، فإذا هو مروي بسكون الراء، ولزم الثوب والبينونة لتعيينه بالإشارة.
أو خالعها بما في يدها، وفيه -أي: اليد- ذكره مراعاة للعضو، وإلا فهو مؤنث متمول، لزمت البينونة، والمتمول، ولو كان المتمول يسيرًا كالدرهم.
وقال ابن حبيب عن مالك: لا يلزمه.
أو لا متمول في يدها كحجر عند عبد الملك وغيره.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب.
[ ٤ / ٢١٣ ]
ولذا قال على الأحسن؛ لأنه طلق بحوز ما ظهر، ولمالك والأكثر: لا يلزمه.
واستحسنه اللخمي إن كان عن مشاورة وعند الجد، وإنما يتسامح الناس في هذا عند الهزل واللعب.
لا إن خالعته بما لا شبهة لها فيه، كـ: عبدي هذا مثلًا، ثم تبين أنه ليس لها، أو على ما أوصى لي به فلان، ولا وصية لها، فلا يلزمه طلاق.
ومفهومه: لو خالعته على ما لها فيه شبهة، كـ: على ما أوصى لي به فلان، فرجع عن وصيته بعد الخلع لزمه الطلاق، ولا شيء عليها، وهو كذلك في الموازية.
أو بتافه أعطته له في قوله: إن أعطيتني ما أخالعك به فقد خلعتك، فلا يلزمه طلاق.
قال في المدونة: ويخلى بينه وبينها، ولم يوجب عليها يمينًا.
أو قال لها: طلقتك ثلاثًا بألف، فقبلت واحدة بالثلث من الألف لم يلزمه طلاق.
[التنازع في نوع الطلاق:]
وإن ادعى الزوج الخلع بعوض، وقال: لم تدفعه لي، وقالت: بل طلاق بغير شيء، حلفت والقول قولها، وبانت عملًا بقوله لرواية ابن القاسم عن مالك: إن الدعوى تتبعض.
ابن راشد: وهو المشهور، ولا يرتفع الطلاق.
وقال عبد الملك: لا تتبعض، وتبقى الزوجية بعد حلفه أنه خالع على ما ذكر، وحلفها أنه طلق بغير عوض.
[التنازع في القدر أو الجنس المخالع به:]
أو سلمت له القدر أيضًا فادعى قدرًا، أو ادعت دونه فقولها بيمينها لو سلمت له القدر أيضًا، أو ادعى جنسًا، وادعت غيره، كقوله بعبد،
[ ٤ / ٢١٤ ]
وتقول: بل بدينارين أو ثوب، حلفت وبانت في المسائل، وحذف (حلفت)، و(بانت) من الأوليين لدلالة الثالث، كما قررناه.
تتمة:
قال أصبغ: إذا أقام بينة بخلعها على عبدها مبارك، وأقامت بينة بخلعها بعشرة مثلًا، والبينتان عن وقت واحد، وتكافأتا سقطتا، ونفذ الخلع، وله أخذ العشرة.
ابن رشد: وهذا قول ابن القاسم، لم يختلف في تساقطهما بهذا الاختلاف.
والقول قوله إن اختلفا في العدد، واتفقا على الطلاق، بأن قالت طلقتني ثلاثًا بألف، وقال: بل واحدة أو اثنتين، فقد اتفقا واختلفا، فهي مدعية، فالقول قوله، ثم شبه لإفادة الحكم قوله: كدعواه -أي: الزوج- موت عبد خالعها عليه، أو عيبه قبله -أي: قبل الخلع- وادعت هي موته أو عيبه بعده، فقوله؛ لأنها مدعية، وعليها البينة.
وإن ثبت موته -أي: العبد- بعده -أي: بعد الخلع- فلا عهدة عليها فيه، ومصيبته منه، والمراد بالعهدة هنا عهدة الدرك والاستحقاق، لا عهدة الثلاث والسنة.
* * *
فصل طلاق السنة
طلاق السنة -أي: الذي أذنت فيه- وخصت بإضافته لها، وإن وقع في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ لأن القيود التي فيه إنما استفيدت منها.
وأشار لها بقوله: واحدة، فالزائد عليها في دفعة بدعي، ويلزم إن وقع.
[ ٤ / ٢١٥ ]
بطهر؛ ففي حيض ولو واحدة بدعي.
لم يمس فيه، أي: لم يطأ، فإن وطئ، ثم طلق، فبدعي.
بلا عدة من غير هذا الطلاق، فإن طلق واحدة رجعية كان ما بعدها بدعيًا.
وإلا بأن اختل قيد من الأمور الأربعة المذكورة فبدعي.
[ما يكره في الطلاق:]
ولما كان بعض هذه القيود حرامًا، وبعضها مكروهًا، بين ذلك بقوله: وكره في غير الحيض كاثنتين أو ثلاثًا دفعة عند الأكثر.
اللخمي: ثلاثة ممنوعة.
[الجبر وعدمه على الرجعة:]
ولم يجبر على الرجعة فيما وقع منه بدعيًا، إلا في الحيض؛ لعدم الورود في غيره.
ثم شبه في عدم الجبر قوله: كقبل الغسل منه بالماء، فإن فعل لزم، ولا يجبر على الرجعة.
أو قبل التيمم الجائز بشرطه، كمسافرة لا تجد ماء فتتيمم، فلا بأس بطلاقها قبل التيمم المبيح للصلاة.
[الطلاق في الحيض:]
ومنع الطلاق فيه -أي: في الحيض- عبد الوهاب: إجماعًا، وكأنه لم يعتبر خلاف بعض البغداديين والمبتدعة.
ووقع -وإن كان حرامًا- وأجبر على الرجعة في المطلقة في الحيض دون غيره من البدعي، سواء طلق ابتداء أو حنث، كتعليقه على دخولها دار زيد، فدخلتها حائضًا؛ لخبر ابن عمر طلق امرأته حائضًا، فذكره عمر للنبي -ﷺ- فتغيط رسول اللَّه -ﷺ-، ثم قال: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن بدا له أن يطلقها قبل أن يمسها
[ ٤ / ٢١٦ ]
فتلك العدة، كما أمر اللَّه ﷿" (١).
وبهذا أخذ فقهاء الحجاز.
[عود على الجبر بها:]
وفهم من قوله: (وأجبر على الرجعة) أن البائن لا جبر فيه عليها، وهو كذلك، وقيل بالجبر.
ثم بالغ في الجبر على الرجعة بقوله: ولو لمعتادة الدم، ينقطع ثم يعود بالقرب؛ لما يضاف فيه للأول، فيطلقها بينهما؛ لأنهما حيضة واحدة، قاله ابن عبد الرحمن وأبو عمران.
وأشار بـ (لو) لقول بعض شيوخ عبد الحق: ولا يجبر على الرجعة، ولتصويب ابن يونس الأول بقوله: على الأرجح، ولاستظهار الباجي للثاني بقوله: والأحسن عدمه.
[منتهى الجبر:]
لآخر العدة، والقولان على اعتبار الحال والمآل، فإذا انقضت وصارت في وقت إباحة الطلاق لم يجبر.
ومفهوم كلامه: أن الدم الثاني لو كان لا يضاف للأول لم يجبر على الرجعة فيه، وهو كذلك.
[رفضه الارتجاع:]
وإن أبي المطلق في الحيض الارتجاع، فقال ابن القاسم وأشهب: هدد، ثم إن أبي بعد التهديد سجن، ثم إن أبي ضرب بالسوط، ويكون ذلك قريبًا بمجلس واحد؛ لأنه على معصية، ومثله لابن المواز.
وإلا بأن أبى بعد ذلك كله ارتجع الحاكم، أي: ألزمه الرجعة، لا أنه
_________________
(١) رواه أحمد (٢/ ٢٦، رقم ٤٧٨٩)، ومسلم (٢/ ١٠٩٥، رقم ١٤٧١)، والترمذي (٣/ ٤٧٩، رقم ١١٧٦) وقال: حسن صحيح.
[ ٤ / ٢١٧ ]
يرتجع له، وإن كان هذا ظاهر كلام المؤلف؛ لأن الأول هو الذي قاله ابن القاسم وأشهب وابن المواز.
[الوطء في الرجعة:]
وجاز لمن ألزم الارتجاع وراجع بغير تهديد ولا سجن ولا ضرب أو ارتجع له الحاكم الوطء به، وإن لم ينو الرجعة، قاله أبو عمران، وهو الصحيح.
[التوارث:]
وجاز بهذا الارتجاع أيضًا التوارث بينهما، ولا يبعد أن يخالف من قال بمنع الوطء في الميراث.
[المستحب في الارتجاع:]
والأحب لمن جبر على الارتجاع أن يمسكها حتى تطهر من تلك الحيضة، ثم تحيض عنده أخرى، ثم تطهر منها؛ لخبر ابن عمر السابق.
[مسألة:]
وفي منعه -أي: الطلاق- في الحيض لكونه معللًا لتطويل العدة؛ إذ أوّل عدتها أول الطهر، وكل أيام الحيض التي وقع فيها الطلاق لغو، وعليه ابن الحاجب وغيره، وشهر، واستدل له بما في المدونة بقوله: لأن فيها جواز طلاق الحامل، وجواز طلاق غير المدخول بها فيه، أي: الحيض؛ إذ لا تطويل على الأولى؛ لأن عدتها بالوضع، ولا عدة على الثانية.
أو منع الطلاق في الحيض غير معلل لـ أجل كونه تعبدًا لمنع طلاق الخلع فيه، وإن كانت هي المريدة للطلاق لإعطائها عليه مالًا، وهو قول ابن القاسم وأشهب، وشهر.
ولأجل عدم الجواز وإن رضيت بالطلاق، ولو كان للتطويل لجاز إذا رضيت.
اللخمي: وهو ظاهر المذهب؛ لأنه حق لها.
[ ٤ / ٢١٨ ]
ولأجل جبره -أي: المطلق- على الرجعة، وإن لم تقم بحقها، ولو كان للتطويل لسقط جبره ما لم تقم به؛ لأنه حق آدمي.
خلاف في التشهير.
[ادعاؤها الحيض:]
وصدقت إن ادعت أنها حائض وقت الطلاق، وادعى طهرها وقته، وترافعا وهي حائض، وهو قول سحنون، وأحد قولي ابن القاسم.
وقيل: يصدق؛ لتضمن دعواها أنه فعل حرامًا.
ورجح إدخال خرقة في موضع الحيض، ثم تخرجها، وتنظرها النساء، وإتيان المؤلف بـ (رجح) بصيغة الفعل يقتضي أنه من عند ابن يونس من نفسه، لا من الخلاف، وهو ظاهر كلام الشارحين، وعلى ما حكى الحافظ ابن عرفة عن طراز ابن عات أن ابن يونس حكاه عن بعض الشيوخ، فينبغي أن يكون بصيغة الاسم، واللَّه أعلم.
إلا أن يترافعا حال كونها طاهرًا فقوله هو، قاله ابن المواز، ونحوه للباجي، وظاهر كلام المؤلف أنه تقييد، وحكاه ابن راشد ثالثًا (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (فقوله)، أي: الزوج هو المعمول به حينئذ فلا يجبر على الرجعة. ابن عرفة: سمع أصبغ ابن القاسم: إن ادعت طلاقه إياها وهي حائض، وقال بل وهي طاهر فالقول قوله. ابن رشد وعنه أن القول قولها ويجبر على الرجعة، وقاله سحنون الصقلي لو قال قائل: ينظرها النساء بإدخال خرقة لرأيته صوابًا. قلت: وفي طرر ابن عات ما نصه حكى ابن يونس عن بعض الشيوخ أن النساء ينظرن إليها. وقال ابن المواز إن كانت حين تداعيا حائضًا قبل قولها، وإن كانت طاهرًا قبل قوله. اهـ. طفي: ففي كلام المصنف إشكال؛ لأن ترجيح ابن يونس لا يأتي على قول ابن المواز الذي درج عليه؛ إذ لا معنى لإدخال الخرقة حينئذ. اهـ. وأجيب بأنه مبني على ما فهمه من اقتصار المصنف على قول ابن المواز، وليس =
[ ٤ / ٢١٩ ]
تنبيه:
صاحب الحال في قوله: (طاهرًا) الضمير المستتر، لا التاء في صدقت، كما قال الشارح؛ لأنها حرف لا ضمير.
[تعجيل فسخ الفاسد:]
وعجل فسخ النكاح الفاسد الذي يفسخ قبل البناء وبعده، كنكاح المحرم في الحيض، ولا يؤخر للطهر؛ لأن الإقرار على بقائه أعظم حرمة من إيقاعه فيه، قاله ابن المواز.
[تعجيل طلاق المولي:]
وعجل الطلاق على المولي إذا حل أجله ولم يف وهي حائض، وأجبر على الرجعة، رواه ابن القاسم.
ابن المواز: وبه أقول، يطلق عليه بكتاب اللَّه، ويخير على الرجعة بسنة رسول اللَّه.
[ما لا يطلق عليه:]
لا لعيب، كـ: جنون وجذام وبرص وعته ونحوها، فلا يطلق عليه في الحيض.
_________________
(١) = كذلك، بل قوله وصدقت أنها حائض يحمل على قول ابن القاسم أنها تصدق في دعوى الطلاق في الحيض مطلقًا، سواء وقع الترافع وقت الطلاق، أو بعده بمدة، وقوله ورجح إدخال خرقة مقابل لبعض ما صدق عليه كلامه، وهو ما إذا كان الترافع وقت الطلاق، وقوله "إلا أن يترافعا طاهرًا" استثناء من العموم السابق أشار به إلى جعل قول ابن المواز تقييدًا كما جعله كذلك الباجي وابن عبد السلام. وأما ابن رشد وابن عرفة وابن راشد القفصي فجعلوه خلافًا. والحاصل أن ابن القاسم قال: تصدق مطلقًا ترافعا وقت الطلاق، أو بعده بمدة فاستثنى منه ابن المواز صورة وهي ترافعهما بعد الطلاق وهي طاهر، فالقول قوله، ونسلم أنها تصدق إذا ترافعا وقته وابن يونس رجح أنها لا تصدق وقته بل تدخل خرقة، وسكت عن الترافع بعده، واللَّه أعلم بناني".
[ ٤ / ٢٢٠ ]
ولا ما للولي فسخه وإبقاؤه، كالسيد في عبده، والولي في محجوره، أو لعسره بالنفقة إذا حل أجل تلومه، فلا يطلق على واحد منهم في الحيض بل يؤخر.
كاللعان إذا قذفها أو نفى حملها، وهي حائض، فلا يتلاعنان في الحيض، فإن فعله الإمام فقد أخطأ.
[وقوع الثلاث:]
ونجزت الثلاث عاجلًا في شر الطلاق ونحوه كأسمجه وأقبحه وأقذره وأنتنه وأبغضه.
ونجزت الثلاث أيضًا في قوله: أنت طالق ثلاثًا للسنة إن دخل؛ لأنه بمنزلة: أنت طالق في كل طهر مرة، وسواء كانت حائضًا أو طاهرًا، وبه صرح في المدونة.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كانت لا تحيض، وكأنه قال: أنت طالق الساعة، وطالق ثانية، إذا هل الشهر، وثالثة إذا هل الشهر الثاني.
ثم صرح بمفهوم الشرط فقال: وإلا بأن لم يدخل بها فواحدة، ومثله لابن الحاجب.
ثم شبه في لزوم الواحدة، فقال: كخيره، يلزمه واحدة رجعية، وكذا أحسنه أو أجمله أو أفضله، قاله سحنون، وزاد: إلا أن ينوي أكثر.
أو قال لها: أنت طالق واحدة عظيمة أو قبيحة أو خبيثة أو منكرة أو شديدة أو طويلة أو كبيرة كالقصر أو الجبل أو إلى البصرة أو إلى الصين، إلا أن ينوي أكثر؛ ولذا قال: وهي طالق ثلاثًا للبدعة.
أو قال: بعضهن للبدعة، وبعضهن للسنة، فثلاث فيهما، أي: في المسألتين.
وظاهره: سواء كانت مدخولًا بها أو لا، وهو كذلك، ولو قال لها: أنت طالق للسنة أو للبدعة، أو قال: لا للسنة ولا للبدعة، لزمه واحدة.
[ ٤ / ٢٢١ ]
فصل ذكر فيه أركان الطلاق وما يتعلق به
فقال: وركنه سنيًا أو بدعيًا، بعوض أو لا، إذ لا خصوصية لأركانه ببعض أنواعه:
أهل، أي: موقِعُه، وهو الزوج، واللَّه أعلم.
تنكيت:
قول الشارح: (أو غيره بدليل الفضولي) فيه نظر، لأن الموقع في طلاق الفضولي حقيقة إنما هو الزوج، بدليل أن عدتها فيه من يوم إجازته، لا من يوم إيقاعه.
وكذا لو أوقعه الفضولي حاملأ، ثم وضعت، فأجازه الزوج بعد الوضع، استأنفت، ولو استند للفضولي لاعتدت من حين إيقاعه.
وقصد، وهو إرادة إيقاعه، وشرطه تعلقه بلفظ يدل على الطلاق أو غيره معه.
ومحل، وهو الزوجة.
ولفظ، أو ما يقوم مقامه من فعل أو إشارة، وهو الصيغة، ولعله عبر به لأنه الغالب.
وقوله: (ركنه) يحتمل أنه واحد مركب من هذه القيود الأربعة، ويحتمل أنها أربعة أركان، ولابن عرفة هنا بحث، انظره في الكبير.
[شرط صحته:]
وإنما يصح طلاق المسلم لا الكافر، كنصراني ويهودي ومجوسي، خلافًا للمغيرة في نفوذه، وحكاه عنه اللخمي.
المكلف: صفة لمسلم؛ فلا يصح من صبي ولا مميز ولا مجنون، إلا أن يطلق حال إفاقته، ولا نائم.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
[طلاق السكران:]
ولا يخرج المكلف بسكره عن التكليف، فيلزمه طلاقه، ولو سكر سكرًا حرامًا، كأن يتعمد شرب المسكر.
واحترز به عما لو سكر بحرام غير متعمد، كظنه ماء فشربه، فسكر منه لم يلزمه.
وهل لزوم الطلاق للسكران إلا أن لا يميز بين السماء والأرض، ولا الرجل من المرأة، بأن يكون مطبقًا، فلا يلزمه اتفاقًا، وهو طريق ابن رشد، أو يلزمه مطلقًا، ميز أو لا، كما أطلق الصقلي وغيره، كالرويات بلزومه تردد.
[طلاق الفضولي:]
وطلاق الفضولي حكمه كبيعه، إن أجازه الزوج وقع حين الإجازة، وإلا فلا.
[طلاق الهازل:]
وأشار لما يتعلق بالركن الثاني، وهو القصد بقوله: ولزم ولو هزل به، سواء هزل بإيقاعه أو بإطلاق لفظه عليه، والأول لازم اتفاقًا، والثاني على المعروف، لخبر الترمذي: "ثلاث هزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة" (١)، وهو حديث حسن غريب.
[سبق اللسان به:]
لا إن سبق لسانه، بأن قصد التكلم بغير الطلاق فتكلم به، فقال: أنت طالق، فلا شيء عليه في الفتوى، وأما إن أسرته البينة لزمه، ولا يفيده دعوى سبق لسانه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٥٩، رقم ٢١٩٤)، والترمذي (٣/ ٤٩٠، رقم ١١٨٤)، وقال: حسن غريب. وابن ماجه (١/ ٦٥٨، رقم ٢٠٣٩)، والحاكم (٢/ ٢١٦، رقم ٢٨٠٠) وقال: صحيح الإسناد.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
[التلقين:]
أو لقن لفظ الطلاق من عربي لعجمي، أو عكسه فأوقعه، بلا فهم لمعناه، لم يلزمه لعروه عن القصد، ولو فهم اتفاقًا.
[الهذيان:]
أو هذى بالمعجمة لمرض أصابه، فقال: أنت طالق، وأنكر عند إفاقته، لم يلزمه، إلحاقًا له بالمجنون، وظاهره: بغير يمين، ولمالك: يحلف، ولا شيء عليه.
[مسألة:]
أو قال لمن اسمها طالق: يما طالق قاصدًا نداءها، لم يلزمه، كنداء عبده لمسمى بحر يا حر، وقبل منه في الفتوى في نداء طارق لمن اسمها ذلك التفات لسانه، نادها: (يا طالق)، فإن أسرته البينة، لم يقبل ذلك منه.
تنكيت:
قول بعض من تكلم على هذا المحل: (التفات اللسان بفائن مكتنفين للألف التواؤه، ومن جعل بعد الألف تاء مثناة من فوق فقد صحف) غير صواب، ففي القاموس: لفته يلفته لواه، وصرفه عن رائه (١).
_________________
(١) قال في المنح: (التفات لسانه) من الراء للام بلا قصد في الفتيا فقط بدليل تغييره أسلوب ما قبله، فإن أسقط حرف النداء مع إبدال الراء لامًا وادعى التفاف لسانه فلا يقبل منه. ابن غازي وقبل منه التفاف لسانه التواؤه وهو بفاءين مكتنفين الألف ومن جعل بعد الألف تاء مثناة من فوق فقد صحف اهـ. تت: هذا غير صواب؛ ففي القاموس: لفته يلفته لواه وصرفه عن رأيه اهـ. طفى: قيل: لا دلالة في كلام القاموس لأن لفت مصحوب بالقصد وكلامنا في غيره، لأن لفته إذا صرفه عن رأيه بقصد منه وتحيل ومنه قوله تعالى ﴿لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ اهـ وفيه نظر، بل فيه دلالة لأن القصد في لفت لا في التفت لأنه يقال لفته يلفته فالتفت، أي: صرفه فانصرف، أي: قبل انصرافه عن المقصود. ورد كلام ابن غازي بأن في الصحاح ما يشهد للمصنف فإنه قال فيه: اللفت بالفتح =
[ ٤ / ٢٢٤ ]
[مسألة إجابة غير المعنية:]
أو قال من له زوجتان: اسم واحدة حفصة، والأخرى عمرة: يا حفصة، فأجابته عمرة، فطلقها، بأن قال لعمرة التي أجابته: أنت طالق يظنها حفصة، فالمدعوة، وهي حفصة، تطلق فقط، إن جاء مستفتيًا؛ لمخاطبته لها بقوله: أنت طالق.
وإن كانت بينة طلقتا الاثنتان، وهو معنى قوله: وطلقتا معًا حفصة وعمرة مع قيام البينة عليه.
البساطي: ففي الأول طلقت حفصة باللفظ، أعني: لفظ أنتِ طالق؛ فإنه مستعمل فيما وضع له باعتبار ظنه، ولم تطلق عمرة، إذ لا لفظ ولا قصد؛ لأن قوله: أنت طالق إنما هو لحفصة، وهو قول ابن القاسم.
وجوز بعضهم عود ضمير التشبيه لطارق عمرة.
[طلاق المكره:]
أو أكره على إيقاعه، فلا يلتزم لتعذر القصد معه؛ لخبر مسلم: "حمل عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١).
ثم بالغ على عدم اللزوم بقوله: ولو كان الإكراه بكتقويم جزء العبد الذي حلف، لا اشتراه فأكره على عتق نصيبه منه، وقوم عليه القاضي بقيته، فلا حنث، ولا يلزمه الأصل، ولا الفرع؛ لأنه مكره فيهما.
ولما كان الإكراه على الفعل كالقول قال: أو في فعل، كـ: إن دخلت
_________________
(١) = اللي، وفي الحديث في قراء المنافقين ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ كما تلفت الدابة الخلا الحشيش، ويقال: التفت ملفتًا وتلفتًا وهو الأكثر. اهـ. وفيه نظر لأنه ليس فيه ما يدل على أنه يقال التفات والنزاع إنما هو في هذا. البناني لا وجه لهذا التنظير، لأنه مصدر غير الثلاثي وهو قياسي وإن لم يسمع كما في الألفية والمرادي وغيرهما على أنه مصرح به في القاموس، ونصه لفته يلفته لواه وصرفه عن رأيه ومنه الالتفات واللفت".
(٢) سبق تخريجه.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
دار زيد فأنت طالق، فأكره على دخولها، أو حمل وأدخلها مكرهًا، فلا حنت عليه.
وفي مسألة الفعل طرقًا:
إحداهما: عدم الحنث، كما قال، وهي طريق اللخمي، ولابن رشد هنا طريقان:
إحداهما في نوازل أصبغ: الفرق بين يمين الحنث والبر، وعلى هذه الطريقة درج المؤلف في باب الأيمان.
ومحتمل أن يريد القولين من غير ترجيح.
تنبيه:
حمل الشارح كلام المؤلف في هذه على الحنث بعيد، كما ذكرنا بيانه في الكبير.
[التورية:]
إلا أن يترك التورية وهي أن يأتي بلفظ فيه إيهام على السامع له معنيان: قريب وبعيد، ويريد البعيد، كقوله: هي طالق، ويريد من وثاق، أو يريد وجعها بالطلق، وهو المخاض.
مع معرفتها، فيحنث حينئذ، ولا يدفع عنه الإكراه الحنث، ولو قدم الاستثناء على قوله أو في فضل أنه مختص بالقول لكان أوضح، لأن التورية لا تكون في فعل بالقول.
تتمة:
الفرق بين الأقوال والأفعال أن المفاسد لا تتحقق بالأقوال؛ لأن المكره على كلمة الكفر معظم لربه بقلبه، والأيمان ساقطة الاعتبار، بخلاف شرب الخمر والقتل ونحوهما، فإن المفاسد فيهما متحققة.
[ما يحصل به الإكراه:]
والإكراه الذي لا يثبت به حكم يحصل بخوف إيقاع مؤلم بالمكره من
[ ٤ / ٢٢٦ ]
قتل أو ضرب ولو قل، أو سجن أو قيد أو صفع لذي مروة بملأ مهموز مقصور: الجماعة، وأطلقه تبعًا لابن رشد، وقيده ابن عرفة باليسير، فقال: وأما كثيره فإكراه مطلقًا.
وتحرز المؤلف بقوله: (تخوف) عن قول ابن عبد السلام: ظاهر نصوص المذهب أن الإكراه لا يكون إلا بالضرب أو الصفع لا بخوف وقوعهما.
وفهم من قوله: (مروءة) أن غيره ليس كذلك، ومن قوله: (بملأ) أن الخلوة ليست كذلك، ومثله في الجواهر.
أو إكراه على الحلف بخوف قتل ولده، قاله في الجواهر، أو أكره على الحلف بتخويفه بأخذ لماله فيحلف كاذبًا، لا حنث عليه.
وهل محل الحنث إن كثر المال، وأما إن قل فيحنث، وهو لابن الماجشون، واستغربه ابن عبد السلام، وصححه ابن بزيزة، إلا في اليسير، أو هو إكراه، وإن قل، وهو لمالك، وأكثر أصحابه، كما في النوادر عنه، فلو أنه إن لم يحلف أخذ بعض ماله فهو كالإكراه على البدن.
تردد في الترجيح.
[ما لا يكون إكراهًا:]
لا إن خوف على عدم الحلف بقتل أجنبي، كاحلف على كذا، وإلا قتلت زيدًا الأجنبي.
تتمة:
لا يعلم من كلام المؤلف حكم من بينه وبينه قرابة غير الولد، كـ: الأخ وابنه والعم، وفي رواية أصبغ: وإلا عاقبة ولدك، أو بعض من يلزمك أمره. انتهى.
قالوا: وأمر بالحلف في مسألة الأجنبي كاذبًا ليسلم الأجنبي من القتل، ويؤجر على ذلك.
[ ٤ / ٢٢٧ ]
وقال أشهب: هو إكراه، ولا يحنث.
وشهره ابن بزيزة، ولم يعتبر المؤلف تشهيره.
[الإكراه في غير الطلاق:]
وكذا العتق والنكاح والإقرار واليمين ونحوه كالبيع والشراء وسائر أفعاله في نفسه يجري فيها الإكراه.
[ما لا يكفي فيه الإكراه بالضرب:]
ولما قدم أن الإكراه في الطلاق وما بعده يكون بتخويف القتل فما دونه، ذكر مسائل لا يكفي فيها ما دون القتل وفصلها: وأما الكفر باللَّه ﷾ بأن يكره على التلفظ به، وسبه ﵊، وقذف المسلم، فإنما يجوز الإقدام على واحد من الثلاثة بالخوف المؤدي للقتل، لا ما دونه.
كالمرأة لا تجد ما يسد رمقها من طعام أو ماء إلا لمن يزني بها (١) فيجوز لها حينئذ إدخالها حال المكره قاله سحنون.
[العزيمة هنا أفضل:]
وصبره على القتل، وصبرها على الموت أجمل من الإقدام على الكفر أو السب أو القذف أو الزنا بها.
[ما لا يعتد فيه بالإكراه:]
لا قتل المسلم وقطعه وأن يزني، فلا يجوز الإقدام على شيء من ذلك، وهو فعل متعلق بحق آدمي، إذ ليس له أن يصون دمه بدم غيره؛
_________________
(١) وقد قامت الدنيا ولم تقعد على شيخي الجليل علي ونيس بوزغيبة رحمه اللَّه تعالى رحمة واسعة وسائر مشايخي عندما سألته امرأة عن أنها تزني لتكسب لقمة عيشها وعيش عيالها، فأخذ ينكر عليه ويشهر به من يدعي الفقه والتبحر فيه على مذهب مالك، ورأى أن الشيخ قد زاغ عن السبيل، وما علم هذا المتعالم أنه قد كشف عوار نفسه، وفضح أمره، ولا حول قوة إلا باللَّه.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
فهو مخرج من قوله: (أو في فعل)، وانظر مفهوم قوله: (المسلم) (١).
_________________
(١) قال القرطبي في جامعه (١٠/ ١٨٠، وما بعدها): ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾. فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى: - قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ هذا متصل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] فكان مبالغة في الوصف بالكذب؛ لأن معناه لا ترتدوا عن بيعة الرسول -ﷺ-، أي: من كفر من بعد إيمانه وارتد فعليه غضب اللَّه. قال الكلبي: نزلت في عبد اللَّه بن أبي سرح ومقيس بن ضبابة وعبد اللَّه بن خطل، وقيس بن الوليد بن المغيرة، كفروا بعد إيمانهم. ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِه﴾ وقال الزجاج: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ بدل ممن يفتري الكذب؛ أي: إنما يفتري الكذب من كفر باللَّه من بعد إيمانه؛ لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام فعلقه بما قبله. وقال الأخفش: "من" ابتداء وخبره محذوف، اكتفي منه بخبر "من" الثانية؛ كقولك: من يأتنا من يحسن نكرمه. الثانية: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، في قول أهل التفسير؛ لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه. قال ابن عباس: أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمه سمية وصهيبًا وبلالًا وخبابًا وسالمًا فعذبوهم، وربطت سمية بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة، وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال؛ فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهًا، فشكا ذلك إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئن بالإيمان. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "فإن عادوا فعد". وروى منصور بن المعتمر عن مجاهد قال: أول شهيدة في الإسلام أم عمار، قتلها أبو جهل، وأول شهيد من الرجال مهجع مولى عمر. وروى منصور أيضًا عن مجاهد قال: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول اللَّه -ﷺ- وأبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار. فأما رسول اللَّه -ﷺ- فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذوا الآخرين فألبسوهم أدرع الحديد، ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ منهم الجهد كل مبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشي أتاهم أبو جهل ومعه حربة، فجعل يسبهم ويوبخهم، وأتى سمية فجعل يسبها ويرفث، ثم طعن فرجها حتى خرجت الحربة من فمها فقتلها؛ -﵂-. قال: وقال الآخرون ما سألوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه، فجعلوا يعذبونه ويقولون له: ارجع عن دينك، وهو يقول أحد أحد؛ حتى ملوه، ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلًا من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي مكة حتى ملوه وتركوه، قال: فقال عمار: كلنا تكلم بالذي قالوا -لولا أن اللَّه =
[ ٤ / ٢٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تداركنا- غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه، فهان على قومه حتى ملوه وتركوه. والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالًا فأعتقه. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن ناسًا من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب محمد -ﷺ- بالمدينة: أن هاجروا إلينا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة حتى أدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآَية. ذكر الروايتين عن مجاهد إسماعيل بن إسحاق. وروى الترمذي عن عائشة قالت قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما" هذا حديث حسن غريب. وروي عن أنس بن مالك قال قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان بن ربيعة". قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح. الثالثة: لما سمح اللَّه ﷿ بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم؛ وبه جاء الأثر المشهور عن النبي -ﷺ-: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" الحديث. والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربي. وذكر أبو محمد عبد الحق أن إسناده صحيح قال: وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد وابن المنذر في كتاب الإقناع. الرابعة: أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر؛ هذا قول مالك والكوفيين والشافعي؛ غير محمد بن الحسن فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدًا في الظاهر، وفيما بينه وبين اللَّه تعالى على الإسلام، وتبين منهـ امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلمًا. وهذا قول يرده الكتاب والسنة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ الآية. وقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧] الآية. وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] الآية. فعذر اللَّه المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر اللَّه به، والمكره لا يكون إلا مستضعفًا غير ممتنع من فعل ما أمر به؛ قاله البخاري. الخامسة: ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يكرهوا على السجود لغير اللَّه أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله، أو الزنى وشرب الخمر وأكل الربا؛ يروى هذا عن الحسن البصري، -﵁-. وهو قول الأوزاعي وسحنون من علمائنا. وقال محمد بن الحسن: إذا قيل للأسير: اسجد لهذا الصنم وإلا قتلتك. فقال: إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد ويكون نيته للَّه تعالى، وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه. =
[ ٤ / ٢٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والصحيح أنه يسجد وإن كان لغير القبلة، وما أحراه بالسجود حينئذ، ففي الصحيح عن ابن عمر قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] في رواية: ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. فإذا كان هذا مباحًا في السفر في حالة الأمن لتعب النزول عن الدابة للتنفل فكيف بهذا. واحتج من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلمًا به. فقصر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يجعل للكلام مثالًا وهو يريد أن الفعل في حكمه. وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان. روي ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق. روى ابن القاسم عن مالك أن من أكره على شرب الخمر وترك الصلاة أو الإفطار في رمضان، أن الإثم عنه مرفوع. السادسة: أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة. واختلف في الزنى، فقال مطرف وأصبغ وابن عبد الحكم وابن الماجشون: لا يفعل أحد ذلك، وإن قتل لم يفعله، فإن فعله فهو آثم ويلزمه الحد؛ وبه قال أبو ثور والحسن. قال ابن العربي: الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنى ولا حد عليه، خلافًا لمن ألزمه ذلك؛ لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور الإكراه عليها، وغفل عن السبب في باعث الشهوة وهو الإلجاء إلى ذلك، وهو الذي أسقط حكمه، وإنما يجب الحد على شهوة بعث عليها سبب اختياري، فقاس الشيء على ضده، فلم يحل بصواب من عنده. وقال ابن خويز منداد في أحكامه: اختلف أصحابنا متى أكره الرجل على الزنى؛ فقال بعضهم: عليه الحد؛ لأنه إنما يفعل ذلك باختياره. وقال بعضهم: لا حد عليه. قال ابن خويز منداد: وهو الصحيح. وقال أبو حنيفة: إن أكرهه غير السلطان حد، وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يحد، ولكن استحسن ألا يحد. وخالفه صاحباه فقالا: لا حد عليه في الوجهين، ولم يراعوا الانتشار، وقالوا: متى علم أنه يتخلص من القتل بفعل الزنى جاز أن ينتشر. قال ابن المنذر: لا حد عليه، ولا فرق بين السلطان في ذلك وغير السلطان. السابعة: اختلف العلماء في طلاق المكره وعتاقه؛ فقال الشافعي وأصحابه: لا يلزمه شيء. وذكر ابن وهب عن عمر وعلي وابن عباس أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئًا. وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والحسن وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وأجازت طائفة =
[ ٤ / ٢٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = طلاقه؛ روي ذلك عن الشعبي والنخعي وأبي قلابة والزهري وقتادة، وهو قول الكوفيين. قال أبو حنيفة: طلاق المكره يلزم؛ لأنه لم يعدم فيه أكثر من الرضا، وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل. وهذا قياس باطل، فإن الهازل قاصد إلى إيقاع الطلاق راض به، والمكره غير راض ولا نية له في الطلاق، وقد قال ﵇: "إنما الأعمال بالنيات". وفي البخاري: وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق: ليس بشيء؛ وبه قال ابن عمر وابن الزبير والشعبي والحسن. وقال الشعبي: إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق، وإن أكرهه السلطان فهو طلاق. وفسره ابن عيينة فقال: إن اللص يقدم على قتله والسلطان لا يقتله. الثامنة: وأما بيع المكره والمضغوط فله حالتان، الأولى: أن يبيع ماله في حق وجب عليه؛ فذلك ماض سائغ لا رجوع فيه عند الفقهاء؛ لأنه يلزمه أداء الحق إلى ربه من غير المبيع، فلما لم يفعل ذلك كان بيعه اختيارأ منه فلزمه. وأما بيع المكره ظلمًا أو قهرًا فذلك بيع لا يجوز عليه. وهو أولى بمتاعه يأخذه بلا ثمن، ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم؛ فإن فات المتاع رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه. قال مطرف: ومن كان من المشترين يعلم حال المكره فإنه ضامن لما ابتاع من رقيقه وعروضه كالغاصب، وكلما أحدث المبتاع في ذلك من عتق أو تدبير أو تحبيس فلا يلزم المكره، وله أخذ متاعه. قال سحنون: أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز. وقال الأبهري: إنه إجماع. التاسعة: وأما نكاح المكره؛ فقال سحنون: أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة، وقالوا: لا يجوز المقام عليه، لأنه لم ينعقد. قال محمد بن سحنون: وأجاز أهل العراق نكاح المكره، وقالوا: لو أكره على أن ينكح امرأة بعشرة آلاف درهم، وصداق مثلها ألف درهم، أن النكاح جائز وتلزمه الألف ويبطل الفضل. قال محمد: فكما أبطلوا الزائد على الألف فكذلك يلزمهم إبطال النكاح بالإكراه. وقولهم خلاف السنة الثابتة في حديث خنساء بنت خذام الأنصارية، ولأمره -ﷺ- بالاستئمار في أبضاعهن، وقد تقدم، فلا معنى لقولهم. العاشرة: فإن وطئها المكره على النكاح غير مكره على الوطء والرضا بالنكاح لزمه النكاح عندنا على المسمى من الصداق ودرئ عنه الحد. وإن قال: وطئتها على غير رضًا مني بالنكاح فعليه الحد والصداق المسمى؛ لأنه مدع لإبطال الصداق المسمى، وتحد المرأة إن أقدمت وهي عالمة أنه مكره على النكاح. وأما المكرهة على النكاح وعلى الوطء فلا حد عليها ولها الصداق، ويحد الواطئ؛ فأعلمه. قاله سحنون. الحادية عشرة: إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حد عليها؛ لقوله ﴿إِلَّا مَنْ =
[ ٤ / ٢٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أُكْرِهَ﴾ وقوله ﵇: "إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". ولقول اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] يريد الفتيات. وبهذا المعنى حكم عمر في الوليدة التي استكرهها العبد فلم يحدها. والعلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة مستكرهة. وقال مالك: إذا وجدت المرأة حاملًا وليس لها زوج فقالت استكرهت فلا يقبل ذلك منها وعليها الحد، إلا أن تكون لها بينة أو جاءت تدمي على أنها أوتيت، أو ما أشبه ذلك. واحتج بحديث عمر بن الخطاب أنه قال: الرجم في كتاب اللَّه حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف. قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول. الثانية عشرة: واختلفوا في وجوب الصداق للمستكرهة؛ فقال عطاء والزهري: لها صداق مثلها؛ وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وقال الثوري: إذا أقيم الحد على الذي زنى بها بطل الصداق. وروي ذلك عن الشعبي، وبه قال أصحاب مالك وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: القول الأول صحيح. الثالثة عشرة: إذا أكره الإنسان على إسلام أهله لما لم يحل أسلمها، ولم يقتل نفسه دونها ولا احتمل أذية في تخليصها. والأصل في ذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "هاجر إبراهيم ﵇ بسارة ودخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فأرسل إليه أن أرسل بها إلى فأرسل بها فقام إليها فقامت تتوضأ وتصلي فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي هذا الكافر فغط حتى ركض برجله". ودل هذا الحديث أيضًا على أن سارة لما لم يكن عليها ملامة، فكذلك لا يكون على المستكرهة ملامة، ولا حد فيما هو أكبر من الخلوة. واللَّه أعلم. الرابعة عشرة: وأما يمين المكره فغير لازمة عند مالك والشافعي وأبي ثور وأكثر العلماء. قال ابن الماجشون: وسواء حلف فيما هو طاعة للَّه أو فيما هو معصية إذ أكره على اليمين؛ وقاله أصبغ. وقال مطرف: إن أكره على اليمين فيما هو للَّه معصية أو ليس في فعله طاعة ولا معصية فاليمين فيه ساقطة، وإن أكره على اليمين فيما هو طاعة مثل أن يأخذ الوالي رجلًا فاسقا فيكرهه أن يحلف بالطلاق لا يشرب خمرًا، أو لا يفسق ولا يغش في عمله، أو الولد يحلف ولده تأديبًا له فإن اليمين تلزم؛ وإن كان المكره قد أخطأ فيما يكلف من ذلك. وقال به ابن حبيب. وقال أبو حنيفة ومن اتبعه من الكوفيين: إنه إن حلف ألا يفعل ففعل حنث، قالوا: لأن المكره له أن يوري في يمينه كلها، فلما لم يور ولا ذهبت نيته إلى خلاف ما أكره عليه فقد قصد إلى اليمين. احتج الأولون بأن قالوا: إذا أكره عليها فنيته مخالفة لقوله؛ لأنه كاره لما =
[ ٤ / ٢٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حلف عليه. الخامسة عشرة: قال ابن العربي: ومن غريب الأمر أن علماءنا اختلفوا في الإكراه على الحنث هل يقع به أم لا؛ وهذه مسألة عراقية سرت لنا منهم، لا كانت هذه المسألة ولا كانوا! وأي فرق يا معشر أصحابنا بين الإكراه على اليمين في أنها لا تلزم وبين الحنث في أنه لا يقع! فاتقوا اللَّه وراجعوا بصائركم، ولا تغتروا بهذه الروية فإنها وصمة في الدراية. السادسة عشرة: إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال كأصحاب المكس وظلمة السعاة وأهل الاعتداء؛ فقال مالك: لا تقية له في ذلك، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه لا ماله. وقال ابن الماجشون: لا يحنث وإن درأ عن ماله ولم يخف على بدنه. وقال ابن القاسم بقول مطرف، ورواه عن مالك، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ. قلت: قول ابن الماجشون صحيح؛ لأن المدافعة عن المال كالمدافعة عن النفس؛ وهو قول الحسن وقتادة وسيأتي. وقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" وقال: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه". وروى أبو هريرة قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت إن جاء رجلًا يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك". قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله" قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد" قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" خرجه مسلم. وقد مضى الكلام فيه. وقال مطرف وابن الماجشون: وإن بدر الحالف بيمينه للوالي الظالم قبل أن يسألها ليذب بها عما خاف عليه من ماله وبدنه فحلف له فإنها تلزمه. وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ. وقال أيضًا ابن الماجشون فيمن أخذه ظالم فحلف له بالطلاق البتة من غير أن يحلفه وتركه وهو كاذب، وإنما حلف خوفًا من ضربه وقتله وأخذ ماله: فإن كان إنما تبرع باليمين غلبة خوف ورجاء النجاة من ظلمه فقد دخل في الإكراه ولا شيء عليه، وإن لم يحلف على رجاء النجاة فهو حانث. السابعة عشرة: قال المحققون من العلماء: إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض؛ فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. ومتى لم يكن كذلك كان كافرًا؛ لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها. مثاله - أن يقال له: اكفر باللَّه فيقول باللاهي؛ فيزيد الياء. وكذلك إذا قيل له: أكفر بالنبي فيقول هو كافر بالنبي، مشددًا وهو المكان المرتفع من الأرض. ويطلق على ما يعمل من الخوص شبه المائدة فيقصد أحدهما بقلبه ويبرأ من الكفر ويبرأ من إثمه. فإن قيل له: أكفر بالنبيء "مهموزًا" فيقول هو كافر بالنبيء يريد بالمخبر، أي: مخبر كان كطليحة =
[ ٤ / ٢٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومسلمة الكذاب. أو يريد به النبيء الذي قال فيه الشاعر: فأصبح رتما دقاق الحصى مكان النبيء من الكاثب أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرًا عند اللَّه ممن اختار الرخصة. واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له؛ فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدة في ذلك واختيار القتل والضرب أفضل عند اللَّه من الأخذ بالرخصة، ذكره ابن حبيب وسحنون. وذكر ابن سحنون عن أهل العراق أنه إذا تهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف فله أن يفعل ما أكره عليه من شرب خمر أو أكل خنزير؛ فإن لم يفعل حتى قتل خفنا أن يكون آثمًا لأنه كالمضطر. وروى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول اللَّه -ﷺ- وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلت: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين وبمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه واللَّه ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون". فوصفه -ﷺ- هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات اللَّه، وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم. وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة [الأخدود] [البروج] إن شاء اللَّه تعالى. وذكر أبو بكر محمد بن محمد بن الفرج البغدادي قال: حدثنا شريح بن يونس عن إسماعيل بن إبراهيم عن يونس بن عبيد عن الحسن أن عيونًا لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب النبي -ﷺ- فذهبوا بهما إلى مسيلمة، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدًا رسول اللَّه؟ قال نعم. قال: أتشهد أني رسول اللَّه؟ قال: نعم. فخلى عنه. وقال للآخر: أتشهد أن محمدًا رسول اللَّه؟ قال نعم. قال: وتشهد أني رسول اللَّه؟ قال: أنا أصم لا أسمع؛ فقدمه وضرب عنقه. فجاء هذا إلى النبي -ﷺ- فقال: هلكت، قال: "وما أهلكك؟ " فذكر الحديث، قال: "أما صاحبك فاخذ بالثقة وأما أنت فأخذت بالرخصة على ما أنت عليه الساعة" قال: أشهد أنك رسول اللَّه. قال: "أنت على ما أنت عليه". الرخصة فيمن حلفه سلطان ظالم على نفسه أو على أن يدله على رجل أو مال رجل؛ فقال الحسن: إذا خاف عليه وعلى ماله فليحلف ولا يكفر يمينه؛ وهو قول قتادة إذا حلف على نفسه أو مال نفسه. وقد تقدم ما للعلماء في هذا. وذكر موسى بن معاوية أن أبا سعيد بن أشرس صاحب مالك استحلفه السلطان بتونس على رجل أراد السلطان قتله أنه ما آواه، ولا يعلم له موضعًا؛ قال: فحلف له ابن أشرس؛ وابن أشرس يومئذ قد علم موضعه وآواه، فحلفه بالطلاق ثلاثًا، فحلف له ابن =
[ ٤ / ٢٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أشرس، ثم قال لامرأته: اعتزلي فاعتزلته؛ ثم ركب ابن أشرس حتى قدم على البهلول بن راشد القيروان، فأخبره بالخبر؛ فقال له البهلول: قال مالك إنك حانث. فقال ابن أشرس: وأنا سمعت مالكًا يقول ذلك، وإنما أردت الرخصة أو كلام هذا معناه؛ فقال له البهلول ابن راشد: قال الحسن البصري إنه لا حنث عليك. قال: فرجع ابن أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن. وذكر عبد الملك بن حبيب قال: حدثني معبد عن المسيب بن شريك عن أبي شيبة قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل، هل ترى أن يحلف ليقيه بيمينه؟ فقال: نعم؛ ولأن أحلف سبعين يمينًا وأحنث أحب إلى أن أدل على مسلم. وقال إدريس بن يحيى: كان الوليد بن عبد الملك يأمر جواسيس يتجسسون الخلق يأتونه بالأخبار، قال: فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوة فسمع بعضهم يقع في الوليد، فرفع ذلك إليه فقال: يا رجاء! اذكر بالسوء في مجلسك ولم تغير! فقال: ما كان ذلك يا أمير المؤمنين؛ فقال له الوليد: قل آللَّه الذي لا إله إلا هو، قال: آللَّه الذي لا إله إلا هو، فأمر الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطًا، فكان يلقى رجاء فيقول: يا رجاء، بك يستقى المطر، وسبعون سوطًا في ظهري! فيقول رجاء: سبعون سوطًا في ظهرك خير لك من أن يقتل رجل مسلم. التاسعة عشرة: واختلف العلماء في حد الإكراه؛ فروي عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: ليس الرجل آمن على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته. وقال ابن مسعود: ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلمًا به. وقال الحسن: التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة، إلا أن اللَّه ﵎ ليس يجعل في القتل تقية. وقال النخعي: القيد إكراه، والسجن إكراه. وهذا قول مالك، إلا أنه قال: والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع إذا تحقق ظلم ذلك المعتدي وإنفاذه لما يتوعد به، وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب، وما كان من سجن يدخل منه الضيق على المكره. وإكراه السلطان وغيره عند مالك إكراه. وتناقض الكوفيون فلم يجعلوا السجن والقيد إكراه ما يدل على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس. وذهب مالك إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب أنه يحلف، ولا حنث عليه؛ وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وأكثر العلماء. الموفية عشرين: ومن هذا الباب ما ثبت أن من المعاريض لمندوحة عن الكذب. وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا بأس إذا بلغ الرجل عنك شيء أن تقول: واللَّه، إن اللَّه يعلم ما قلت فيك من ذلك من شيء. قال عبد الملك بن حبيب: معناه أن اللَّه يعلم أن الذي قلت، وهو في ظاهره انتفاء من القول، ولا حنث على من قال ذلك في يمينه ولا كذب عليه في كلامه. وقال النخعي: كان لهم كلام من ألغاز =
[ ٤ / ٢٣٦ ]
[الإكراه على يمين الطاعة:]
وفي لزوم يمين طاعة أكره عليها كإيقاع الصبح مثلًا أول وقتها، أو أن يجد ولي الأمر من يشرب خمرًا فيحلفه أن لا يشربها أو لا يسرق أو لا يزني ونحوه، وبه قال مطرف وابن حبيب.
وعدم لزومها كغيرها مما يكره عليه، وبه قال أصبغ وابن الماجشون، قولان.
ومفهومه: لو أكره على يمين معصية أو على ما ليس بطاعة ولا معصية، لم يلزمه، وهو كذلك.
قال ابن رشد: اتفاقًا.
كإجازته بعد زوال الإكراه ما كان أكره عليه.
كالطلاق مثلًا طائعًا، فلا يلزمه ذلك لإلزامه نفسه ما لم يلزمه، ولأن حكم الإكراه باق نظرًا إلى أن الواقع فاسد لا يصح بعد وهو أحد قولي سحنون.
وقوله الآخر: اللزوم، وإليه رجع، ومفهوم طائعًا: لو أجازه مكرهًا لم يلزمه من باب أولى.
وأشار بقوله والأحسن المضي لاستحسان بعض المشايخ القول الثاني.
_________________
(١) = الأيمان يدرؤون به عن أنفسهم، لا يرون ذلك من الكذب ولا يخشون فيه الحنث. قال عبد الملك: وكانوا يسمون ذلك المعاريض من الكلام، إذا كان ذلك في غير مكر ولا خديعة في حق. وقال الأعمش: كان إبراهيم النخعي إذا أتاه أحد يكره الخروج إليه جلس في مسجد بيته وقال لجاريته: قولي له هو واللَّه في المسجد. وروى مغيرة عن إبراهيم أنه كان يجيز للرجل من البعث إذا عرضوا على أميرهم أن يقول: واللَّه ما أهتدي إلا ما سدد لي غيري، ولا أركب إلا ما حملني غيري؛ ونحو هذا من الكلام. قال عبد الملك: يعني بقوله "غيري" اللَّه تعالى، هو مسدده وهو يحمله؛ فلم يكونوا يرون على الرجل في هذا حنثًا في يمينه، ولا كذبًا في كلامه، وكانوا يكرهون أن يقال هذا في خديعة وظلم وجحدان حق فمن اجترأ وفعل أثم في خديعته ولم تجب عليه كفارة في يمينه".
[ ٤ / ٢٣٧ ]
[محل الطلاق:]
ثم أشار إلى ركن من أركانه بقوله: ومحله -أي: الذي يقع فيه- ما ملك للزوج قبله، وهو العصمة القائمة بالمرأة شرعًا، فلا طلاق لغير مالك لها، كقوله لأجنبية: أنت طالق، ويلزم في الملك للزوج.
وإن كان تعليقًا، كقوله لأجنبية: هي طالق، قال لها ذلك عند خطبتها، أو قال: هي طالق إن دخلت -أي: الدار- ونوى بعد نكاحها في المسألتين.
وتطلق عقيبه، أي: التزويج في الأولى، وعقيب الدخول في الثانية من غير حكم.
ورجوع (نوى) للمسألتين هو الظاهر، وقال بعض من تكلم على هذا المحال: إنه للثانية فقط، وأما الأولى فكأنه جعل وقوع التعليق عند الخطبة بساطًا، يدل على التعليق مع فقد النية، وإلا فمن نوى بعد نكاحها فلا فرق بين أن يقول عند خطبتها أو دون خطبتها. انتهى بمعناه، و(عقيب): بالياء المثناة التحتية لغة قليلة غلب استعمالها.
وما اقتصر عليه المؤلف من وقوع الطلاق المعلق على النكاح هو أحد قولي مالك، وعليه جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والقول الثاني: بعد الوقوع، عليه جماعة من الصحابة والتابعين أيضًا، ويحتمل في الثانية.
[مسألة:]
وعليه النصف من الصداق، لوقوع الطلاق المعلق على التزويج في الأولى، وعقب دخول الدار قبل الدخول بها في الثانية.
إلا في الطلاق قبل الدخول بعد ثلاث، فإذا تزوجها بعدها لم يلزمه نصف؛ لفساد العقد؛ لأنه يثبت بعد الثلاث.
قال المصنف: إذا علقه بلفظ يقتضي التكرار، كـ: كلما تزوجت فلانة فهي طالق، فلا نصف لها بعد الثلاث على الأصوب عند التونسي
[ ٤ / ٢٣٨ ]
وعبد الحميد وغيرهما، وظاهر كلام ابن المواز: لزوم النصف. انتهى.
[مسألة:]
ولو دخل بهذه المعلق عليها فالمسمى فقط يلزمه، إن كان، وإلا فصداق المثل.
ثم شبه هذه بقوله: كوافى زوجته بعد حنثه فيها، والحال أنه لم يعلم بالحنث، ويلزمه صداق واحد.
ومفهومه: لو علم لتكرر؛ لحرمة الوطء، ولما كان لا فرق في اللزوم بين كون التعليق على واحدة أو أكثر، قال: كأن أبقى كثيرًا من النساء بعد المعلق عليها، وسواء كان المعلق عليه أقل أو أكثر.
ومثل ذلك بقوله: بذكر جنس، كـ: كل من أتزوجها من الترك فهي طالق.
أو بلد، كـ: كل من أتزوجها من إسكندرية مثلًا، أو زمان يبلغه عمره ظاهرًا، بأن تشبه حياته لمثله غالبًا، ويختلف ذلك باختلاف الحالف شبابًا وكهولة وشيخوخة.
واحترز بقوله: (يبلغه عمره ظاهرًا) عما لو قال: كل من أتزوجها إلى مائتي سنة فهي طالق، فلا يلزمه، للحرج والمشقة.
لا فيمن تحته، فلا يطلق عليه بهذا التعليق؛ لأن دوام التزويج ليس كابتدائه، وقد يفرق بين هذه ومسألة من حلف لا أركب هذه الدابة، وهو راكب لضعف الالتزام في النكاح؛ لأن أكثر الناس قالوا: لا يلزمه.
إلا إذا طلقها بعد التعليق، ثم تزوجها، فإنها تدخل في التعليق، وتطلق عليه.
وله نكاحها، اختلف الشارحان في تقرير هذا:
فقال بهرام: أي: التي تحته، أو أبانها، له أن يتزوجها إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
وقال البساطي: إذا قال: كل حرة أتزوجها فهي طالق، فله أن يتزوج الأجنبية التي علق طلاقها على نكاحها؛ لأن كل حرة بمنزلة كل امرأة، وكل امرأة لا ينعقد، فكل حرة لا ينعقد. انتهى، وفيه بحث.
وله نكاح الإماء في قوله: كل حرة أتزوجها فهي طالق؛ للزوم اليمين في الحرائر عند ابن القاسم وابن حبيب؛ لأنه أبقى الإماء، فهو بيمينه كعادم الطول على المشهور.
ولزم التعليق في نكاح المصرية المعلق تزويجها، سواء كانت بمصر أو لا، ولزم فيها أيضًا فيمن أبوها فقط مصري كذلك، وإن كانت أمها شامية؛ لأن الأم تبع للأب، قاله الباجي.
ومفهومه لو تزوج من أمها فقط مصرية لا شيء عليه.
[مسألة:]
ولزم التعليق على نكاح المصرية في الطارئة من غير مصر لمصر، إن تخلقت بخلقهن وطباعهن؛ إذ ليس لمصر دخل في الذات، وإنما دخلها في الأخلاق، فمن تخلق بخلق أهلها كمن ولد بها، فمن لم يتخلق بخلقهن فله نكاحها، وإن طالت إقامتها بها.
[مسألة:]
والحالف لا يتزوج في مصر يلزم أن لا يتزوج في عملها إن نوى ذلك، سواء تزوج مصرية أو غيرها، ولا يلزم في غير عملها.
[مسألة:]
وإلا بأن نواها خاصة أو لم ينو شيئًا فلمحل لزوم الجمعة ثلاثة أميال في الصورتين عند ابن القاسم، ولابن الماجشون وابن كنانة يلزمه في الصورة الثالثة لحد ما تقصر فيه الصلاة، وهو ثمانية وأربعون ميلا.
أصبغ: وهو القياس.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
تنبيه:
قول الشارح: (كلام المؤلف يوهم دخول الصورة الثالثة في ذلك، وليس كذلك) غير ظاهر، بل داخلة كما قررناه، ونحوه في الشامل.
[مسألة:]
وله -أي: الحالف أن لا يتزوج بمصر- المواعدة بها؛ ليتزوج بغيرها؛ لأن المراعى انعقاد النكاح، وهو إنما ينعقد بغيرها.
[مسألة:]
لا إن عم النساء، لكل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه؛ للحرج والمشقة.
ولم يعتبروا بقاء السراري؛ لأن الزوجات أضبط، أو لأن كل أحد لا يقدر عليه، أو لا تطيب نفسه به.
[مسألة:]
أو أبقى قليلًا بالنسبة لما علق عليه، ككل امرأة إلا فلانة أو بنات فلان، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق إلا تفويضًا، فلا شيء عليه؛ لقلة نكاح التفويض.
ولو عكس، فقال: كل امرأة أتزوجها تفويضًا فهي طالق لزمه.
[مسألة:]
أو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق إلا من قرية صغيرة وسماها، ونحوه في المدونة، وزاد: وقبيلة صغيرة.
وقيل: يلزمه.
[مسألة:]
أو قال: كل امرأة أتزوجها حتى أنظرها، أو قبل أن أنظرها، فهي طالق، فعمي لم يلزمه، وله أن يتزوج من لم ينظرها، وكذلك حتى ينظرها فلان، فمات.
[ ٤ / ٢٤١ ]
وظاهره: ولو لم يخش العنت، وهو كذلك، انقلب أمر يمينه بعد الخصوص للعموم، كمن خص الأبكار، بأن قال: كل بكر أتزوجها فهي طالق بعد خصوص كل ثيب أتزوجها طالق، أو العكس بأن قال: كل بكر أتزوجها فهي طالق، ثم قال: كل ثيب أتزوجها فطالق، فلا شيء عليه فيهما؛ لحصول التعميم، حكاه جماعة، واختاره اللخمي.
وقرره الشارح على أنه يلزمه في الأول من القبيلين دون الثاني عند ابن القاسم وجماعة.
ابن بشير وابن راشد: وهو الجاري على المشهور.
وصححه في شامله.
[مسألة:]
أو خشي الحالف في المعلق المؤجل العنت -أي: الزنا- وتعذر التسري، فلا يلزمه شيء، كـ: كل امرأة أتزوجها إلى عشرين سنة فطالق.
ابن القاسم: عشرون سنة فأكثر.
[مسألة:]
أو قال: آخر امرأة أتزوجها طالق، فتزوج، فلا شيء عليه عند ابن القاسم؛ لأنه كمن حرم جميع النساء.
قال سحنون: يوقف عن التي تزوجها حتى يتزوج بعدها، فتحل الأولى، وتوقف عن الثانية كذلك، وعن الثالثة كذلك، وهو معنى قوله: وصوب، أي: وصوب اللخمي قول سحنون وقوفه عن الوطء في الأولى حتى ينكح ثانية، فتحل له الأولى، ثم كذلك يوقف عن الثانية حتى ينكح ثالثة، وكذلك الرابعة، وهلم جرًا.
وهو -أي: المعلق- في المرأة الموقوفة كالمولي، يضرب له أجل، الإيلاء من يوم ترفعه، واختاره، أي: اختار اللخمي القول المصوب.
إلا في المرأة الأولى، فلا يوقف عنها؛ لأنه لما قال: آخر امرأة
[ ٤ / ٢٤٢ ]
علمنا أنه جهل لنكاحها أولًا، لم يرده باليمين.
[مسألة:]
ولو قال: إن لم أتزوج من المدينة فهي -أي: التي أتزوجها من غيرها- طالق، فتزوج من غيرها، نجز طلاقها على المشهور؛ لأن معناه التزام طلاق من ليست من المدينة تعليقًا، فكأنه قال: كل امرأة أتزوجها من غير المدينة طالق، إذ المقصود عرفًا الرغبة في نساء المدينة، والتزام طلاق غيرهن.
وسواء تزوج قبلها من المدينة أو بعدها، وهذا ظاهر قول المدونة: إن قال: إن لم يتزوج من الفسطاط فكل امرأة أتزوجها طالق، لزمه الطلاق فيما يتزوج من غيرها.
وتؤولت أي: فهمها اللخمي على أنه إنما يلزمه الطلاق إذا تزوج من غيرها قبلها، فلو تزوج منها قبل، ثم تزوج من غيرها فلا شيء عليه، قاله ابن محرز أيضًا.
وقال سحنون: لا يحنث فيما يتزوج من الفسطاط، ويوقف عنها حتى يتزوج من المدينة.
[مسألة:]
واعتبر في ولايته -أي: ولاية ما يوقعه الزوج شرعًا- لطلاق مثلًا أو ظهار عليه، أي: على المحل، وهو العصمة حمال النفوذ، أي: وقت الشيء المحلوف عليه.
فلو فعلت الزوجة المحلوف عليه بالطلاق أن لا تدخل دار زيد الدخول المحلوف عليها حمال بينونتها من زوجها بعد الحلف لم يلزم طلاقه إذا نكحها بعد؛ لأنها أجنبية حين الفعل، فمحل الحلف معدوم.
ولو نكحها بعد ففعلت حنث إن بقي من العصمة المعلق فيها شيء، بأن كان طلقها واحدة أو اثنتين.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
سواء تزوجها غيره أو لا؛ لأن النكاح الثاني عندنا لا يهدم الطلاق السابق، وأما إن لم يبق من العصمة المعلق فيها شيء، بأن كان أبانها بالثلاث عادت إليه بعد زوج، ودخلت، فلا شيء عليه؛ لزوال العصمة المعلق فيها.
[مسألة:]
كالظهار: تشبيه لها بما قبلها، فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت عليَّ كظهر أمي، فإن دخلت حال بينونتها لم يلزم، أو بعد عودها للعصمة وبقي من العصمة المعلق فيها شيء لزم، وإلا فلا.
[مسألة:]
لا محلوف لها أو عليها بطلاق غيرهما، فإنهما يحالفان المحلوف بطلاقها في أنهما لا يختصان بالعصمة المحلوف فيها، بل يقع الطلاق، وإن كان في عصمة أخرى عند ابن المواز وابن حبيب؛ ولذا قال: ففيها -يعني: العصمة- وغيرها.
فإذا قال: كل امرأة أتزوجها عليك فهي طالق، لم تختص بالملك الذي علق فيه، لأن مقصودة تطييب خاطرها، وذلك لا يحصل إلا بالدوام، ونحوه في إيلاء المدونة.
وقد ذكرنا نصها في الكبير، فانظره، وما ذكره المؤلف خلاف ما شهره ابن الحاجب (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (لا) تختص اليمين بالعصمة المعلق فيها بالنسبة لزوجة (محلوف لها) على عدم التزوج أو التسري عليها بطلاق التي يتزوجها عليها أو عتق التي يتسراها عليها (ف) يلزمه التعليق (فيها)، أي: العصمة المعلق فيها (وغيرها) من العصم المستقبلة، فإن طلق المحلوف لها ثلاثًا ثم تزوجها بعد زوج عاد عليه التعليق فتطلق التي يتزوجها عليها وتعتق التي يتسراها عليها وهكذا أبدًا، وهذا ضعيف والمذهب اختصاصه بالعصمة المعلق فيها في المحلوف لها. وأما المحلوف عليها فلا يختص التعليق بالنسبة لها بالعصمة المعلق فيها فيعمها وغيرها، فإن كان له زوجتان عزة وزينب وقال: إن وطئت عزة فزينب طالق، فزينب =
[ ٤ / ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = محلوف بطلاقها، وعزة محلوف على ترك وطئها، فيلزمه التعليق فيها. ولو طلقها ثلاثًا وتزوجها بعد زوج ما دامت زينب في العصمة المعلق فيها، فإن طلقها ثلاثًا وتزوجها بعد زوج فلا يعود عليه التعليق. ولا يخفى أن اللازم في عزة الإيلاء كما في المدونة لا الطلاق الذي الكلام فيه، ولو أراد المصنف ذكر المسألتين على المعتمد لقال كمحلوف لها لا عليها ففيها وغيرها أفاده عب البناني قوله وهو ضعيف، أي: لأن المصنف تبع فيه اعتراض ابن عبد السلام على ابن الحاجب والحق ما لابن الحاجب. وحاصل ما لهم هنا أن المحلوف عليها اتفقوا على تعلق اليمين فيها بالعصمة الأولى وغيرها، وأن المحلوف بطلاقها اتفقوا على اختصاص اليمين فيها بالعصمة الأولى. وأما المحلوف لها ففيها الخلاف فالذي في كتاب الأيمان منها أنها كالمحلوف بها في الاختصاص بالعصمة الأولى، وعليه ابن الحاجب، واعترضه ابن عبد السلام قائلًا: أنكر ذلك ابن المواز وابن حبيب وغير واحد من المتأخرين المحققين ورأوا أن هذا الحكم إنما هو في المحلوف بطلاقها لا في المحلوف لها. ثم استدل بظاهر ما في الإيلاء منها حيث فرق في مسألة زينب وعزة بين المحلوف بها فخصها بالعصمة الأولى، وبين المحلوف عليها فجعل حكمها مستمرًا في العصمة الأولى وغيرها. قال في تكميل التقييد ما لابن عبد السلام سبقه إليه عياض فذكره مرتين وصحح ما في كتاب الإيلاء، وهذا هو الذي اعتمده المصنف هنا مخالفًا لابن الحاجب تبعًا لما كان في كتاب الأيمان منها. لكن قال ابن عرفة تضعيف ابن عبد السلام رواية ما في كتاب الأيمان بظاهر ما في الإيلاء منها نقله بعض من تقدمه من الفاسيين. وفرق بين المسألتين بأن الإيلاء مخالف للطلاق لأن الإيلاء لزم في الأجنبية ولا يزول بالملك، والطلاق لا يلزم في الأجنبية ويزول بالملك، وهذا الفرق ذكره أبو الحسن في كتاب الإيلاء. ونصه الفرق بينهما أنه في الإيلاء قصاراه أنها أجنبية والإيلاء في الأجنبية لازم. والضابط أن الملك الذي عقد فيه اليمين إما بالظهار أو بالطلاق، أو علق طلاقها بالتزويج عليها متى طلقها ثلاثًا ثم تزوجها بعد زوج لا يعود عليه إلا أن يكون ظهارًا مجردًا، أو بشرط وقد وقع الشرط، أو يكون إيلاء فيلزم في الأجنبية. ابن عرفة: يدل على صحة فرق بعض الفاسيين وأن المدونة لا مخالفة فيها بين الكتابين قول ابن رشد في سماع ابن القاسم أصل مالك رضي اللَّه تعالى عنه في المدونة أن من شرط لامرأته طلاق الداخلة عليها تنحل عنه اليمين بخروج زوجته عن =
[ ٤ / ٢٤٥ ]
[مسألة:]
فلو طلقها -أي: المحلوف لها- ثم تزوج أجنبية، ثم تزوجها، أي: المطلقة المحلوف لها، طلقت الأجنبية، ولا حجه لى معتبرة في دعواه أنه لم يتزوج عليها، بل تزوجها على غيرها.
قال في المدونة: ولا أنويه.
ثم بالغ على ذلك بقوله: وإن ادعى نية؛ لأن قصده أن لا يجمع بينهما، أي: والجمع حاصل.
[مسألة:]
وهل عدم قبول نيته لأن اليمين على نية المحلوف لها، فالمعتبر نيتها، وهو تأويل أبي الحسن الصغير، أو معناه ما قال بعضهم وابن رشد: إنه قامت عليه بذلك بينة، وإنما لو جاء مستفتيًا لقبل؟ تأويلان.
قال بعضهم: في كلا المدونة نظر؛ لكونه يقول: نويت أن لا أتزوج، ونحن نقول له: قصدك أن لا تجمع بينهما، وهو مخالف لقصده.
[مسألة:]
وفي ما إذا قال: كل امرأة أتزوجها على فلانة ما عاشت فلانة طالق، لزمه ذلك مدة حياتها، سواء كانت تحته حين تزوج عليها أم لا، نحوه في المدونة، وزاد: ما لم يخش العنت، ولم يذكره المؤلف.
إلا لنية كونها تحته، فيلزمه الطلاق، إلا أن يكون نوى بقوله: (ما عاشت) ما دامت تحته، فإذا طلقها وتزوج بعد طلاقها فله نيته.
_________________
(١) = عصمته بالثلاث، وهو خلاف رواية ابن حبيب ومطرف، وقول ابن الماجشون وابن أبي حازم من أنها لا تنحل عنه لأن الشرط في اليمين في الداخلة وليس هو فيها. ابن عرفة فلو كان عنده ما في كتاب الإيلاء خلافًا لقال ومثل قول هؤلاء في كتاب الإيلاء وهو أذكر الناس لمسائل المدونة اهـ. طفي: فظهر لك أن لا تخافي في كلامها وأن مسألة الإيلاء مباينة لمسألة الطلاق، وأن كلام ابن الحاجب هو الصواب".
[ ٤ / ٢٤٦ ]
[مسألة:]
ولما كان المعتبر حال المطلق يوم نفوذه، لا يوم عقده، قال: ولو علق عبد الثلاث لزوجته على الدخول لدار فلان، فعتق العبد، ودخلت بعد عتقه، لزمت يمينه بالثلاث، لأنه حر حال النفوذ، فلو دخلت قبل عتقه لزمه اثنتان، ولم تحل له إلا بعد زوج، ولو عتق بعد ذلك.
[مسألة:]
ولو علق العبد اثنتين على الدخول، فعتق ودخلت، لزمه اثنتان، وبقيت له واحدة، ولو علق واحدة بقيت له اثنتان، كما لو طلق واحدة وهو عبد، ثم عتق، بقيت له واحدة، لأنه طلق نصف طلاقه، فكان كحر طلق واحدة ونصفًا.
تنكيت:
لو قال المصنف: لو علق ذو رق ليشمل ذي السائبة، كما قال محمد، لكان أحسن.
[مسألة:]
ولو علق حر طلاق زوجته المملوكة لأبيه على موته -أي: موت أبيه الذي يرثه؛ إذ لو ارتد لم يرثه لم ينفذ تعليقه؛ لانتقال تركة أبيه له بموته، ومن جملتها أمة أبيه، فيفسخ نكاحه، ولو كان على التركة دين؛ لانتقالها للورثة.
[صيغة الطلاق:]
ثم شرع في الركن الرابع، وهو الصيغة بقوله: ولفظه الذي تنحل به العصمة دون غيره من الألفاظ المنقسمة:
لصمريح، وهو: ما دل على معنى لا يحتمل غيره، ولا ينصرف عنه بنية صرفه.
وكناية، وهو: ما يحتمل وينصرف لغيره.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
[أولًا: الطلاق الصريح:]
ومثل للأول بقوله: طلقت، وأنا طالق منك، أو أنت طالق مني، أو مطلقة، أو الطلاق لي لازم، وأجاب القرافي عما أورده على قول الفقهاء: الصريح ما كان فيه الطاء واللام والقاف في عدم اللزوم في منطلقة، إلا بالسنة، بأنه كان الأصل عدم اللزوم في (أنت طالق)؛ لأنه خبر، والخبر لا يلزم به طلاق، وإنما يلزم بالإنشاء، لكن العرف نقل (أنت طالق) للإنشاء، ولم ينقل منطلقة؛ ولذا قال المصنف: لا منطلقة، فلا يلزم بها طلاق، إلا بالبينة، فيلزم ما نواه.
[محل لزوم طلقة واحدة:]
وتلزم واحدة في كل من الألفاظ السابقة لصراحتها، ولما كانت صالحة للاثنتين والثلاث، قال: إلا لنية أكثر من الواحدة، فيلزم ما نواه، وظاهره: من غير يمين.
قال في الشامل: وهو الأصح.
وشهر ابن بشير لزوم اليمين، ولم يعتبر المؤلف تشهيره، وإلا لقال خلاف على عادته.
كاعتدي تلزم واحدة، إلا لبينة أكثر، ولو كررها نسقًا مرة أو اثنتين لزمه بعدد ما كرر، إلا أن ينوي واحدة.
وصدق في نفيه في قوله: اعتدي، إن دل البساط على العدّ، بشد الدال، بأن يكون معه شيء يعدّه لها، فيقول: اعتدي، ويقع في بعض النسخ على العداء بالمد، وجعل الشارحان مثاله قوله: أو كانت موثقة بقيد أو كتان، وقالت: أطلقني. فقال: أنت طالق، وادعى أنه أراد من الوثاق، ولا خلاف أنه يدين في ذلك إن سألته.
وأما إن كان لم تسأله فتأويلان في تصديقه وعدمه، وظاهره: ولو كان
[ ٤ / ٢٤٨ ]
جاء مستفتيًا، ولا تنفع البينة في ذلك، إلا أن يكون جوابًا (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (وإن) كانت موثقة و(لم تسأله)، أي: الزوجة الزوج أن يطلقها من وثاقها، وقال لها: أنت طالق، وقال: أردت من الوثاق (ف) في تصديقه بيمين وعدمه (تأويلان) أصلهما قولان، قال مطرف: يصدق، وقال أشهب: لا يصدق فمنهم من حملها على الأول ومنهم من حملها على الثاني، ومحلهما في القضاء. واتفقوا على تصديقه في الفتوى وإن لم تكن موثقة فلا يصدق اتفاقًا. قوله وصدق في نفيه إلخ إشارة إلى أن اللزوم في الصريح وما ألحق به محله إذا لم يكن بساط دال على نفي إرادته، فإن كان قبل منه، فإن قيل الظاهر لزومه ولو سألته لأنها ليست كما قال، بل موثقة فجوابه أنه يمكن كونه إخبارًا باعتبار المآل، أي: ستطلقين. فإن قيل: سبق في تخصيص العام وتقييد المطلق وتبيين المجمل تقديم النية على البساط، وأنه تحويم عليها، وهذا يقتضي صرف ألفاظ الطلاق الصريحة أو الكناية الظاهرة عنه بها بالأولى من البساط، وقد صرحوا هنا بأنها لا تصرفها عنه، وأن البساط يصرفها عنه قبل شرط تقديم النية مساواتها عرفًا للموضوع له، وهي هنا بعيدة بالنسبة له، وانضم لهذا خفاؤها فاحتيط للفروج بإلغائها، واعتبر البساط لظهوره واللَّه أعلم أفاده عب البناني قول "ز" محلهما في القضاء إلخ. هذا القيد حكاه في التوضيح بقيل، وذلك أنه لما ذكر ما تقدم، قال: وقيل: إن أتى مستفتيًا صدق على كل حال إلا على مذهب من رأى أن مجرد لفظ الطلاق دون نيته يوجبه. اهـ. واعتمده عج ومن تبعه، وهو خلاف نصها. ففي ابن يونس ما نصه ومن المدونة قلت لابن القاسم فيمن قال لزوجته أنت طالق وقال نويت من وثاق ولم أرد الطلاق ولا بينة عليه وجاء مستفتيًا، قال: أرى الطلاق يلزمه، وقد قال مالك رضي اللَّه تعالى عنه فيمن قال لزوجته كلامًا مبتدأ: أنت برية ولم ينو به الطلاق فهي طالق، ولا ينفعه ما أراد من ذلك بقلبه فكذلك مسألتك. وقال مالك رضي اللَّه تعالى عنه: يؤخذ الناس في الطلاق بألفاظهم ولا تنفعهم نياتهم في ذلك إلا أن يكون جوابًا لكلام كان قبله فلا شيء عليه. ابن يونس وقال مطرف إذا كانت في وثاق فقال أنت طالق يعني من الوثاق دينته ونويته. ابن يونس ولا يخالف في ذلك ابن القاسم إن شاء اللَّه. وهذا صريح في جعل التأويلين في المستفتي فكيف يصح تقييدهما بالقضاء وقد سلم كلامها. ابن يونس واللخمي وعياض وابن الحاجب وابن عبد السلام وابن عرفة وغيرهم، وبحث فيه القرافي فقال: إلزام الطلاق فيها لو قيل أنه خلاف الإجماع لم يبعد لأنه =
[ ٤ / ٢٤٩ ]
[محل لزوم الثلاث:]
ويلزم الثلاث في بتة من البت، وهو القطع، دخل بها أو لا، وهو مذهب المدونة والرسالة، وهو خلاف ما شهره ابن الحاجب، فإنه قال: وجاء وينوي في غير المدخول بها، وهو المشهور.
ويلزم الثلاث في حبلك على غاربك أي: كتفك؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا أن تنتهي الدابة بالرعي ألقو حبلها على كتفها، فشبه به طلاق المرأة، ونحوه في التخيير والتمليك هي ثلاث، ولا ينوي؛ لأن هذا لا يقوله أحد، وقد أبقى من الطلاق شيئًا.
أو لها: أنت طالق واحدة بائنة فثلاث، بنى أو لم يبن، وهو مذهب الرسالة كالمدونة، وعلى هذا قرره الشارح، وقرر البساطي على لزوم الثلاث في المدخول بها لخلوه عن العوض، وهو قول ابن القاسم في العتبية.
_________________
(١) = نظير من طلق امرأته، فقيل له: ما صنعت؟ فقال: هي طالق وأراد الإخبار، فقال أبو الطاهر: لا يلزمه في الفتوى إجماعًا، ثم قال القرافي: فينبغي أن تحمل مسألة الوثاق على اللزوم في القضاء دون الفتوى. اهـ. واعتمد طفي كلام القرافي ومال إلى تقييد عج كلام المصنف بالقضاء، وهو غير صواب إذ كيف يعدل عن كلامها مع تسليمه الشيوخ إلى مجرد بحث القرافي، وقد قدم طفي قريبًا وما بالعهد من قدم عند قوله: لا محلوف لها ففيها وغيرها أن كلامها حجة على غيره وإن لم يقل به أحد، كيف وقد سلمه هنا الشيوخ. نعم بحث ابن عبد السلام في كلام ابن القاسم المتقدم بأن مسألة مالك رضي اللَّه تعالى عنه التي قاس عليها ليس فيها نية مخالفة لظاهر اللفظ لقوله فيها ولم ينو به الطلاق، ولم يقل ونوى به غير الطلاق، ومسألة ابن القاسم فيها نية تمنع من وقوع الطلاق فلا يلزم من الحكم بالطلاق عند عدم المعارض الحكم به مع وجود المعارض، ورده ابن عرفة بأن دعواه في قوله أنت برية أنه ليس فيه نية مزاحمة للطلاق باطلة، لقوله فيها لا ينفعه ما أراده من ذلك بقلبه، فقد نص على أنه أراد بقلبه شيئًا غير الطلاق وحكم بعدم نفعه إياه. فإن قلت: المزاحم في: أنت طالق بين وهو إطلاقها من الوثاق فيما هو في أنت برية. قلنا: هو كثير ككونها برية من الفجور، أو الخير، أو غيرهما، قاله في تكميل التقيد".
[ ٤ / ٢٥٠ ]
أو نواها -أي: الواحدة البائنة- بخليت سبيلك، أو ادخلي الدار مثلًا، قال في التخيير والتمليك من المدونة: وإن قال لها بعد البناء: أنت طالق واحدة بائنة فهي ثلاث.
أو قال لها: الحقي بأهلك، أو استتري، أو تخفي، أو ادخلي، أو اخرجي، يريد بذلك كله واحدة بائنة فهي ثلاث، وأعاد الشارحان والأقفهسي ضمير نواها للثلاث، وليس بظاهر مع وجود هذا النص، ولتكرره مع ما يأتي قريبًا، وثلاثًا إلا أن ينوي أقل مطلقًا في خليت سبيلك، واللَّه أعلم.
تنبيه:
ترك المصنف التقييد ببعد البناء كما في المدونة، ولعله لوضوحه، واقتصر على قوله: (ادخلي) دون ما معه في المدونة؛ لأنه أخفها، فغيره أحروي.
ويلزم الثلاث إلا أن ينوي أقل منها لواحدة أو اثنتين إن لم يدخل بها في قوله: أنت علي كالميتة والدم ولحم الخنزير، وإن لم ينو به الطلاق، ومثله: وهبتك نفسك، أو طلاقك، أو لأبيك.
أو قال لأهلها: وهبتها لكم، ورددتك لأهلك، أو أنت حرام، قال علي أو لم يقل، ومثله: أنا منك حرام.
أو ما انقلب إليه من أهلي حرام، وكذا لو أسقط أهل، أو قال: أنت خلية مني، أو أنا خلي منك، أو بائنة، قال مني أو لم يقل.
أو: أنا منك، لزمه الثلاث في ذلك كله، مدخولًا بها أو لا، لكنه ينوي في غير المدخول بها، وحلف في غير المدخول بها عند إرادة النكاح لمن أوقع عليها واحدة من هذه الألفاظ أنه لم يرد إلا واحدة أو اثنتين، ودين في نفيه -أي: الطلاق- إن دل بساط عليه من تقدم كلام غير الطلاق، يكون هذا جوابًا له، وإلا لزمه، ولا نية له.
ويلزم ثلاث في قوله: لا عصمة لي عليك، أو اشتر لها منه وباعها،
[ ٤ / ٢٥١ ]
فثلاث لملكها بالشراء جميع ما كان يملكه، وقاله سحنون في امرأة اشترت عصمتها، إلا لعداء فواحدة، إلا أن يريد الثلاث.
قال الشارح: والاستثناء راجع لقوله: (لا عصمة لي عليك) فقط. انتهى.
قال القرطبي والأبياني: إلا أن يكون معها لفداء فواحدة، حتى يزيد الثلاث، ونحوه للبساطي، لكنه يستظهر رجوعه للشراء.
ويلزم ثلاث، إلا أن ينوي أقل مطلقًا، دخل أو لا، في قوله: خليت سبيلك، وهذا غير ما تقدم؛ إذ لم يتوارد على محل واحد كما نبهنا عليه فيما تقدم.
وتلزم واحدة في قوله: فارقتك، إلا أن ينوي أكثر، وظاهره: بنى أو لا.
اللخمي: لأن الطلاق والفراق واحد، ومن فارق فقد طلق، ومن طلق فقد فارق.
ولمالك وابن القاسم وغيرهما: واحدة في التي لم يبن بها، وإن قال: لم أرد طلاقًا فهي أشد، وهي البتة.
[الكنايات الخفية:]
ولما تكلم على الكنايات الظاهرة، ألحق بها الخفية، فقال: ونوى فيه -أي: في الطلاق- هل أراده أو لا، إذا قال: أردته نوي في عدده واحدة، أو أكثر، فإن لم يرد شيئًا فهي البتات في قوله لها: اذهبي وانصرفي، أو لم أتزوجك، أو قال له رجل: ألك امرأة؟ قال: لا.
أو قال لها: أنت حرة، أو: معتقة، أو: الحقي بأهلك، أو: ليست لي بامرأة، إلا أن يعلق في هذا الأخير، بأن يقول: إن كلمت زيدًا مثلًا فليست لي بامرأة، فلا ينوي، ويقع واحدة، إلا أن ينوي أكثر.
وإن قال لها: لا نكاح بيني وبينك، أو: لا ملك لي عليك، أو: لا
[ ٤ / ٢٥٢ ]
سبيل لي عليك، فلا شيء عليه في المسائل الثلاث، إن كان عتابًا، وإن لم يكن عتابًا ولم ينو شيئًا فهو طلاق، كما في المدونة.
ومثله قوله لعبده في العتق، وإليه أشار بقوله: وإلا فبتات، ولم تقع هذه المسائل الثلاث عند البساطي.
وهل تحرم بوجهي من وجهك حرام، وهو قول ابن القاسم، أو لا شيء عليه، وهو قول ابن عبد الحكم ذهابًا في ذلك لما اعتاده بعض الناس في قوله: عيني في عينك حرام، ووجهي من وجهك حرام، يرون البغض والمباعدة؟ قولان.
وهل تحرم بقوله: وجهي على وجهك حرام، نحوه لابن راشد وابن عبد السلام وهو نص غير اللخمي، أو لا تحرم، وهو نص اللخمي؟ قولان.
وفي أكثر النسخ أو على وجهك، هل تحرم بقوله: وجهي على وجهك، بغير زيادة لفظة حرام.
أو هل تحرم بقوله: ما أعيش فيه حرام، وهو قول عبد الحق: أعرف فيها قولًا بلزوم الطلاق.
أو لا شيء عليه، وهو قول محمد: ليست من العيش، إلا أن ينوي بها، فيلزمه، قولان في كل فرع من الفروع الثلاثة، وحذفه من الأولين لدلالة هذا الثالث.
ثم شبه في هذا الشق الثاني، وهو لا شيء عليه، فقال: كقوله لها: يا حرام، وهو لابن عبد الحكم أبو عمران، ولا نص لغيره، ولم يعتبر المصنف تقييد ابن يونس لذلك بكونه ببلد لا يريدون به الطلاق، كأنت سحت.
أو: الحلال حرام، أو لم يقل: علي، لا شيء فيه عند ابن العربي، أو: حرام علي، ولم يقل: أنت.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
أو قال: جميع ما أملك حرام، ولم يرد إدخالها، لا شيء عليه، وبه أفتى أبو بكر بن عبد الرحمن، قولان في كل فرع من الفروع الثلاثة التي قبل التشبيه لا الرابعة.
وإن قال لها: أنت سائبة مني، أو: عتيقة، أو: ليس بيني وبينك حلال ولا حرام، أي: ليس بيني وبينك شيء، وادعى أنه لم يرد الطلاق بلفظ منها حلف على نفيه، ولا شيء عليه، ونحوه في المدونة، وكتاب محمد.
فإن نكل عن الحلف وقع عليه، ونوي في عدده، وعوقب على ذلك عقوبة موجعة؛ لتلبيسه على نفسه وعلى المسلمين (١).
ولا ينوي في العدد أو واحدة أو اثنتين إن أنكر قصد الطلاق بعد
_________________
(١) قال في المنح: " (وإن قال) الزوج لزوجته: أنت (سائبة مني أو) قال: أنت (عتيقة) مني (أو) قال (ليس بيني وبينك حلال ولا حرام) وقال لم أرد بشيء منها طلاقًا (حلف) الزوج (على نفي) أرادت (هـ) بإحدى هذه الصيغ الثلاث ولا شيء عليه (فإن نكل) الزوج عن الحلف على نفيه (نوي) بضم فكسر مثقلًا، أي: قبلت نيته (في عدده) من واحدة أو اثنتين أو ثلاث. طفى: هذا الكلام نقله عنها وهي إنما ذكرته عن ابن شهاب فليس هو لمالك رضي اللَّه تعالى عنهما، فلذا خالف أصل مذهبه كما قال البساطي لتنويته بعد إنكاره أصل الطلاق ونكوله، ولذا لم يذكره ابن الحاجب ولا ابن شاس ولا ابن عرفة، وإنما ذكر هذه الألفاظ الثلاثة في الكناية مع ألفاظ أخر عن الأخوين أنه لا شيء عليه فيها بنى أو لم يبن، إلا أن ينوي طلاقًا فهو ما نوى. وقال أصبغ: إن لم ينو شيئًا ونوى الطلاق فهي الثلاث حتى ينوي أقل ولم يذكر يمينًا ولا نكولًا، وذكر بعد هذا بيسير عن محمد في ليس بيني وبينك حلال ولا حرام، فيحلف ما أراد به طلاقًا ويدين. ولم يعرج على مسألة المدونة بحال مع اعتنائه بالنقل عنها، وما ذاك إلا لكونه ليس قول مالك، ونصها: قال ابن شهاب: وإن قال لها: أنت سائبة أو مني عتيقة أو ليس بيني وبينك حلال ولا حرام، فيحلف ما أراد به طلاقًا ويدين، فإن نكل وزعم أنه أراد به طلاقًا كان ما أراد من الطلاق، ويحلف على ذلك وينكل من قال هذا عقوبة موجعة لأنه لبس على نفسه وعلى أحكام المسلمين".
[ ٤ / ٢٥٤ ]
قوله لها: أنت بائن أو برية أو خلية أو بتة، جوابًا لقولها: أود لو فرج اللَّه لي من صحبتك؛ لقرينة دلالة الحال على إرادة ما بيده من العصمة (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (ولا ينوى) بضم المثناة وفتح النون والواو مشددة، أي: لا تقبل نيته (في العدد) للطلاق (إن أنكر) الزوج (قصد)، أي: نية (الطلاق) فتلزم الثلاث (بعد قوله)، أي: الزوج لزوجته (أنت بائنة أو) قرله: أنت (برية أو) أنت (خلية أو) أنت (بتة) حال كون القول المذكور (جوابًا لقولها)، أي: الزوجة له (أود) بفتح الهمز والواو وشد الدال، أي: أتمنى (لو) مصدرية (فرج) بفتحات مشدد الراء آخره جيم، أي: رفع الكرب (اللَّه لي)، أي: عني (من صحبتك) بضم الصاد المهملة وسكون الحاء كذلك، أي: عشرتك وزوجيتك لدلالة البساطي على قصده الطلاق وكذبه في إنكاره، فإن لم يكن جوابًا لقولها أود إلخ، وأنكر قصد الطلاق به فإن تقدم كلام دال على عدم قصده فلا شيء عليه، وإلا لزمه الثلاث وإن أقر بقصد الطلاق بما كان جوابًا لذلك أو ما لم يكن فتلزمه الثلاث في المدخول مطلقًا، ولا تقبل منه نية أقل منها. وكذا في غير المدخول بها في بته وينوي في غيرها، ففي المفهوم تفصيل. هذا وقال طفى: ليس معنى المسألة ما يتبادر من عبارة المصنف أنه بعد إنكار قصد الطلاق قال: أردت واحدة أو اثنتين كما قرره بهذا غير واحد، بل معناها قولها في كتاب التخيير والتمليك، وإن قالت: أود لو فرج اللَّه لي من صحبتك فقال لها أنت بائن أو خلية أو برية أو باتة، أو قال أنا منك بريء أو خلي أو بائن أو بات، ثم قال لم أرد به الطلاق فلا يصدق لأنه جواب سؤالها. اهـ. فالمصنف أراد تأدية هذا المعنى فقصرت به العبارة، فمعنى قولها لا يصدق، أي: في عدم إرادة الطلاق بدليل آخر كلامها، وبفرض المسألة والمصنف فهم لا ينوي في العدد وفيه نظر لأنه إحالة للمسألة، فلو حذف لفظ العدد لطابق نصها والمدونة مقصد كلامها أنه لا يصدق في نية عدم الطلاق. وأما ما يلزمه منه فأجره على ما سبق من كلامها وكلام المصنف ففي باتة الثلاث بنى أم لا، وفي بائن الثلاث إن بنى، وكذا إن لم يبن لعدم نية الأقل لأن الفرض أنه منكر وكذا خلية وبرية. فالحاصل أنه يلزمه الثلاث في الجميع عملًا بما تقدم، ومفهوم إن أنكر الطلاق هو ما تقدم فافهم، وبه يتبين لك أن ما أطال به الشراح هنا خبط ومثل من عرف المضارب لا يطيل الهز، واللَّه الموفق، وتبعه البناني، وسلمه. أقول: كلام طفي هذا ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. وبتحصيله لزوم الثلاث في الجميع تبين أنه لا ينوي في العدد كما قال المصنف، وأنه لم يحل المسألة إذ عدم تنويته في العدد يستلزم عدم تنويته في عدم قصد الطلاق، فكلامه مفيد ما أفاده كلامها وزيادة ختم اللَّه لنا بخاتمة السعادة".
[ ٤ / ٢٥٥ ]
وإن قصده -أي: الطلاق- بكاسقني الماء أو ادخلي أو اخرجي أو كلي أو اشربي أو تقنعي أو خزاك اللَّه، أو قصده بكل كلام ليس من لفظ الطلاق لزم ما أراده من واحدة فأكثر على المشهور.
ومفهومه: إن لم يقصده فلا شيء عليه، وهو كذلك في المدونة، ومقابله لأشهب: عدم اللزوم لهذه الألفاظ، إلا أن يعلق عليها الطلاق بنيته فينوي، كقوله: إن قلت لك اسقني الماء فأنت طالق.
لا إن قصد التلفظ بالطلاق فلفظ بهذا، أي: اسقني الماء، وغير غلطًا، فلا يلزمه شيء، لأنه لم يوقع الطلاق بالنية، وإنما أراد إيقاعه بلفظ فوقع في الخارج غير ذلك اللفظ، فلم يقع طلاق بنية، ولا تلفظ بما أراد به الطلاق.
أو أراد أن ينجز الثلاث، فقال: أنت طالق وسكت عن ذكر الثلاث، فيلزمه واحدة فقط، إلا أن يريد بلفظه: أنت طالق الثلاث، فيلزمه الثلاث.
وسفه قائل: يا أمي، ويا أختي، ويا عمتي، ويا خالتي، ولا يلزمه طلاق إذا قال ذلك لزوجته.
وأشار المؤلف بذلك لقول مالك: هو من كلام أهل السفه، وفيه دليل على حرمته أو كراهته.
[الطلاق بالإشارة:]
ولزم الطلاق بالإشارة المفهمة، ظاهره: من كل قادر على الكلام أو عاجز عنه كالأخرس، وهو كذلك.
[الطلاق كتابة:]
ولزم الطلاق مرسله بمجرد إرساله به لزوجته مع رسول، فيقع حين قوله ذلك، ونحوه في المدونة.
ولزم أيضًا بالكتابة حال كون الكاتب عازمًا عليه، سواء كتب لها أو
[ ٤ / ٢٥٦ ]
لغيرها، ويقع ناجزأ؛ لوجود النية، والكتابة كالنطق، وسواء خرج الكتاب من يده أم لا.
فائدة:
أقاموا من هذه من قال لشاهد: اكتب لهذه طلقة، فقال له: لا تفحل، أو قال: اكتب لها ثلاثًا، فقال له: اجعلها واحدة، لزم بما عزم عليه، ولا أثر لقول الشاهد.
أو كتب لا عازمًا، بل لينظر ويشاور، لزمه الطلاق إن وصل الكتاب لها.
ومفهومه: عدم اللزوم، إن لم يصل لها، وهو كذلك، وتحته صورتان:
الأولى: أن لا يخرجه، لكن في المدونة وغيرها: يحلف ما أراد إنفاذ الطلاق، ويدين.
والثانية: أن يخرجه ويرده قبل وصوله لها، فلا يلزمه، وهو المشهور ومذهب المدونة، وسواء كتب: أنت طالق، أو إذا جاكِ كتابي فأنت طالق، ومثار الخلاف في هذه: هل وصوله كالنطق، أو إخراجه، واللَّه أعلم.
[الطلاق بالكلام النفسي:]
وفي لزومه بكلامه النفسي، بأن يطلق بقلبه كما يطلق بلسانه، وليس المراد مجرد القصد الذي هو المراد في العبارات؛ لأن لفظ النية مشترك فيهما، وعدم لزومه بالكلام النفسي خلاف.
والقولان لمالك في العتبية والموازية، وقال القرافي: من عزم على طلاق امرأته ثم بدا له لم يلزمه إجماعًا، وكذا من اعتقد أنها مطلقة ثم تبين له أنها غير مطلقة لم يلزمه إجماعًا، والخلاف إنما هو إذا أنشأه بقلبه بكلامه النفساني، وهو يسمى نية. انتهى.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
تنبيه:
لا أثر للوسواس لقوله في نفسه: أطلقها وأستريح منها ونحوه.
[تكرير لفظ الطلاق:]
وإن كرر الطلاق بعطف بواو، أعاد المبتدأ أو لا، كـ: أنت طالق، وأنت طالق، وأنت طالق، أو: طالق، وطالق، وطالق.
أو فاء كذلك، كـ: أنت طالق، فطالق، فطالق.
أو ثم كذلك، كـ: أنت طالق، ثم طالق، . . إلخ، فثلاث في المسائل الثلاث، إن دخل بها، ولا ينوي في إرادة الواحدة.
قال مالك: وفي كون النسق بالواو كهو بالفاء أو ثم في اقتضائها المغايرة أو لا يلزمه بها إلا واحدة كغير العطف إشكال.
قال ابن القاسم: ورأيته يريد بها ثلاثًا، ولا ينوي.
ومفهوم الشرط: إن لم يدخل فواحدة، وإن كرره بما فيه معنى الواو وهو المعية كمع طلقتين -أي: أنت طالق مع طلقتين فثلاث- مطلقا، دخل أو لا؛ لاقتضاء المعية ذلك.
وكذا كل لفظ يقتضي المعية، كـ: طلقة مصحوبة بطلقتين، أو معروفة بهما، أو تحتهما، أو فوقهما، أو يمينهما، أو يسارهما، ولو قال: مع طلقة إلى آخر ما تقدم لزمه اثنتان.
[التكرار بلا عطف:]
ولو كرره بلا عطف، كـ: طالق طالق طالق، لزمه ثلاث في المدخول بها، كغيرها إن نسقه بغير فصل، خلافًا للقاضي إسماعيل في قوله: تلزمه واحدة في غير المدخول بها؛ لأن الواحدة تبينها، فلا يجد ما بعدها محلًا يقع فيه، إلا لنية تأكيد فيهما، أي: في المدخول بها وغيرها، فيقبل في اللفظين المؤكد بهما أو أحدهما.
وهذا في غير معلق بمتعدد، كأن لا يكون معلقًا أصلًا، أو معلقًا
[ ٤ / ٢٥٨ ]
بمتحد، كـ: أنت طالق إن كلمت زيدًا، أنت طالق إن كلمته، وأما إن علقه بمتعدد تعدد كـ: طالق إن كلمت، إن دخلت، إن خرجت.
[ما اختلف في لزومه واحدة أو اثنتين:]
ولو طلق زوجته، فقيل له: ما فعلت؟ فقال للسائل: هي طالق، فإن لم ينو إخباره بذلك، بل قال ذلك بغير نية، ففي لزوم طلقة فقط، وهو قول اللخمي، أو اثنتين قولان للمتأخرين، وإن نوى إخباره فيقبل، ويحلف، وهل الآن أو عند نية إرجاعها؟ قولان لابن محرز وعياض.
[حكم التجزئة: تكميل الكسر:]
ولما كان حكم التجزئة التكميل، قال: وفي نصف طلقة، أو: نصف طلقتين، أو: نصفي طلقة، أو: نصف وثلث طلقة، بذكر طلقة في المعطوف، وحذف من المعطوف عليه: طلقة؛ لرجوع الجزأين معًا واحدة.
وكذا لو ذكر أجزاء يقصر مجموعها عن الطلقة، أو يساويها، واستشكل لزوم واحدة في المسألة الثانية، بأنه مخالف لقولهم: التثنية والجمع كتكرار الواحد.
أو كان الضرب لا يزيد على المضروب، مثل واحدة في واحدة؛ لأن الخارج واحدة.
أو علقه بمتحد، كقوله: متى ما فعلت، وأسند الفعل إليه أو إليها، وكرر ذلك مرة فأكثر لزمه واحدة، إن نوى التأكيد، وإلا تعدد، وفي بعض النسخ هنا: (أو متى) فقط دون (ما)، كما قدمه في باب الأيمان، أو طالق أبدًا طلقة في المسائل السبع، وحذفه من الستة الأول لدلالة هذا عليه.
[ما فيه لزوم اثنتين:]
ويلزم اثنتان في ربع طلقة ونصف طلقة؛ لأن كلا منهما أخذ مميزة
[ ٤ / ٢٥٩ ]
فاستقل به، وهو الأصل في النكرة إذا أعيدت نكرة، فالثانية غير الأولى (١)؛
_________________
(١) قال في مغني اللبيب ص ٨٦١، وما بعدها: "الرابع عشر: قولهم: إن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى وإذا أعدت معرفة أو أعدت المعرفة معرفة أو نكرة كان الثاني عين الأول، وحملوا على ذلك ما روي: "لن يغلب عسر يسرين" قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى: إن مع العسر يسرين اهـ. ويشهد للصورتين الأوليين أنك تقول: اشتريت فرسًا ثم بعث فرسًا فيكون الثاني غير الأول، ولو قلت: ثم بعت الفرس لكان الثاني عين الأول وللرابع قول الحماسي: صفحنا عن بني ذهل وقلنا: القوم إخوان عسى الأيام أن يرجعـ ـن قومًا كالذي كانوا ويشكل على ذلك أمور ثلاثة: أحدها: أن الظاهر في آية: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ أن الجملة الثانية تكرار للجملة الأولى كما تقول: إن لزيد دارًا إن لزيد دارًا وعلى هذا فالثانية عين الأولى. والثاني: أن ابن مسعود قال: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه أنه لن يغلب عسر يسرين مع أن الآية في قراءته وفي مصحفه مرة واحدة، فدل على ما ادعينا من التأكيد وعلى أنه لم يستفد تكرر اليسر من تكرره، بل هو من غير ذلك كأن يكون فهمه مما في التنكير من التفخيم فتأوله بيسر الدارين. والثالث: أن في التنزيل آيات ترد هذه الأحكام الأربعة فيشكل على الأول قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ واللَّه إله واحد ﷾ وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ فالصلح الأول خاص وهو الصلح بين الزوجين والثاني عام ولهذا يستدل بها على استحباب كل صلح جائر ومثله ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ والشيء لا يكون فوق نفسه وعلى الثالث قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ فإن الملك الأول عام والثاني خاص ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ فإن الأولى العمل والثاني الثواب ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فإن الأول القاتلة والثانية المقتولة وكذلك بقية الآية وعلى الرابع: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ وقوله: إذ الناس ناس والزمان زمان فإن الثاني لو ساوى الأول في مفهومه لم يكن في الاخبار به عنه فائدة وإنما هذا من باب قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري أي: وشعري لم يتغير عن حالته =
[ ٤ / ٢٦٠ ]
كقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾.
ولابن الحاجب هنا إشكال، فإنه قال: قالوا: في نصف وربع طلقة في نصف طلقة وربع طلقة وربع طلقة طلقتان، انظر جوابه في الشرح الكبير.
[لزوم الخارج من ضرب عددين صحيحين:]
ويلزم اثنتان في قوله واحدة في اثنتين، قاله سحنون؛ لأن الخارج من ضرب الواحد فيما عداه ما عداه.
[مسألة:]
ويلزم اثنتان أيضًا في قوله: الطلاق كله إلا نصفه، بالضمير، قاله سحنون؛ لأن الخارج واحدة ونصف.
تنبيه:
لعل المصنف أتي بالضمير موضع الظاهر؛ لأنه لو أتى به لزمته الثلاث، لقول سحنون: لو قال: أنت طالق الطلاق كله إلا نصف الطلاق، أو ثلاثًا إلا نصف الطلاق، لزمته الثلاث، لأن الطلاق المبهم واحدة، فكأنه قال: إلا نصف طلقة، فاستثناؤه منها غير مفيد لتكميل كسر الباقي (١).
_________________
(١) = فإذا ادعي أن القاعدة فيهن إنما هي مستمرة مع عدم القرينة فأما إن وجدت قرينة فالتعويل عليها سهل الأمر".
(٢) قال في المنح: " (و) اثنتان في قوله: أنت طالق طلقة (واحدة في) طلقتين (اثنتين) إن عرف الحساب وإلا فثلاث (و) اثنتان في قوله: أنت طالق (الطلاق كله)، أي: ثلاثًا (إلا نصفه)، أي: واحدة ونصفًا فالباقي بعد الاستثناء واحدة ونصف، وحكم كسر الطلاق تكميله بواحدة تت لعل المصنف أتى بالضمير موضع الظاهر لأنه لو أتى به لزمه الثلاث لقول سحنون لو قال أنت طائق الطلاق كله إلا نصف الطلاق أو ثلاثًا إلا نصف الطلاق لزمته الثلاث؛ لأن الطلاق المبهم واحدة فكأنه قال إلا نصف طلقة، فاستثناؤه منها غير مقيد لتكميل كسر الباقي. طفي: قوله: لعل المصنف هذا الذي ذكره جزم به ابن شاس وابن الحاجب وابن عرفة والمصنف في التوضيح".
[ ٤ / ٢٦١ ]
[مسألة:]
ويلزم اثنتان في قوله لامرأته: أنت طالق إن تزوجتك، ثم قال: كل من أتزوجها من هذه القرية مشيرًا لقريتها فهي طالق، ثم تزوجها.
[عود على ما يلزم ثلاثًا:]
ويلزم ثلاث في قوله: أنت طالق الطلاق، إلا نصف طلقة، كأنه قال: أنت طالق طلقتان ونصف، ونحوه للشارح.
وقال البساطي: أنت طالق إلا نصف طلقة؛ لأن الطلاق يفسر بواحدة وباثنتين وبثلاث، فإن فسر بثلاث كان معناه: أنت طالق اثنتين ونصفًا، والطلاق يحتاط فيه.
أو قال: أنت طالق اثنتين في اثنتين فالثلاث؛ لأن ضرب اثنتين في اثنتين أربعة، تبين منها بثلاث، وكذا بقية هذا المعنى، وظاهره كان يعرف الحساب أو لا.
قال ابن عرفة: هذا إن كان عالمًا بالحساب، أو قصده ولم يعلمه، وإلا فهو ما نوى إن كان مستفتيًا، أو علم من قرائن الأحوال عدم قصده معنى الضرب، كقول من علم جهله بالبادية: أنت طالق طلقتين في طلقتين، وقال: أردت طلقتين فقط. انتهى.
وهذا على ما عندهم، وأما عند عوام المصريين، فينبغي لزوم الثلاث؛ لأنهم إنما يقصدون الجمع، واللَّه أعلم.
أو قال لمن تحيض: أنت طالق كلما حضت، لزمه ثلاثة الآن عند ابن القاسم؛ لأنه محتمل غالبا، ولأنه قصد تكثير الطلاق.
وقال سحنون: يلزمه اثنتان إذا قاله.
وهو ظاهر؛ لأن المعجل فرع الواقع بالتعليق، فإذا حاضت وقعت واحدة، ثم إذا حاضت وقعت أخرى، وإذا طهرت من هذه فلا تقع الثالثة.
أو قال: كلما طلقتك فأنت طالق، ثم طلقها واحدة، لزمه ثلاث،
[ ٤ / ٢٦٢ ]
وإليه رجع سحنون، واختاره ولده، وكان يقول: يلزمه اثنتان؛ بناءً على أن فاعل السبب هو فاعل المسبب، أو لأنه لما طلقها واحدة طلقت أخرى بالتعليق، فإن قلنا: إنه فاعل الثانية طلقت ثالثة، وإلا فاثنتان فقط.
وألحق سحنون بكلما متى ما، وإذا ما، ودرج عليه المصنف، فقال: أو متى ما طلقتك فأنت طالق، ثم طلقها واحدة.
أو قال: إذا ما طلقتك فأنت طالق، وطلقها واحدة، أو قال لها: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، وطلقها واحدة، لزمه ثلاث.
وحذف وطلقها واحدة من المسائل الثلاث لدلالة هذا.
تنبيه:
قال ابن عرفة: ظاهره: أن متى ما وإذا ما مثل كلما دون إرادة كونهما مثلهما خلاف نصها، ونص ابن حبيب في تكرير الطلاق، وفي لفظ ابن شاس أن مهما ومتى ما مثل إذ في عدم التكرار. انتهى.
أو قال لها: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثًا، فإذا طلقها لزمه ثلاث؛ لأن قبلها لغو؛ لاتصالها بالحل إلى زمن التعليق، وفي زمن التعليق قد مضى قبله، والماضي لا يرتفع.
وأيضًا ثبوته يؤدي لرفعه، كذا لمالك، ووقع له ما يدل على خلاف ذلك، انظره في الكبير، وقد قال ابن عرفة: وهذه المسألة معروفة بالسريجية. انتهى.
وقال البساطي: إن قلت: فعلى هذا لا يلزمه شيء، كما قال ابن سريج وغيره من الشافعية.
قلت: هذا هو أصل هذا اللفظ، ولكنه لما قصد التعليق، وأوقع المعلق عليه، ألزموه المعلق. انتهى.
[عود على لزوم واحدة عند تعدد الزوجات:]
وتلزم طلقة واحدة في امرأة من نسوة أربع قال لهن: بينكن طلقة،
[ ٤ / ٢٦٣ ]
كأنه قال: طلقت كل واحدة منكن ربع طلقة، فيكتمل عليها، وكذا لو كانت امرأتين أو ثلاثًا؛ لحصول نصف طلقة لكل في الأولى، وثلثها في الثانية، وكذا طلقتان أو ثلاث أو أربع، لزم لكل طلقة واحدة، ما لم يزد العدد على الطلقة الرابعة، فإن قال: خمس إلى ثمان طلقن اثنتين اثنتين، وإن قال: تسع إلى ما فوق طلقن ثلاثًا ثلاثًا، قاله ابن القاسم في المدونة.
سحنون: وإن شرك بأن أتى بلفظ الشركة، فقال: شركت بينكن في ثلاث طلقات، طلقن ثلاثًا ثلاثًا، والفرق بين بينكن وهذه أنه في الأولى ألزم نفسه ما توجبه القسمة، ولم يلزم نفسه قبل القسمة شيئًا، وفي الثانية ألزم نفسه ما نطق به من الشركة، وهو موجب لكل واحدة منهن، جزاء من كل طلقة.
وقال ابن يونس: لو قال قائل: إن الفرعين سواء، لم أعبه.
وإن قال لإحدى زوجاته: أنت طالق ثلاثًا، ثم قال لثانية: أنت شريكة مطلقة ثلاثًا، وقال لثالثة: وأنت شريكتهما، طلقت الثالثة اثنتين؛ لأنه لما أشركها مع الأولى اقتضت الشركة أن لها واحدة ونصفًا، طلقت كل واحدة من الطرفين الأولى والثالثة ثلاثًا:
أما الأولى فللتصريح لها بذلك، وأما الثالثة؛ فلشركتها مع الأولى بطلقة ونصف، فيكمل النصف، ومع الثانية بطلقة، ونحوه للمصنف والشارح وابن عرفة، ووجهه البساطي بغير هذا.
تنبيه:
اقتصر المصنف في فرض المسألة على الثلاث لأنه لو زاد عليها البتة، فقال لإحدى نسائه الثلاث: أنت طالق ثلاثًا البتة، ثم للأخرى أنت شريكتهما طلقن البتة، ولم ينفعه قوله: (ثلاثًا)؛ لأنها لغو مع البتة، قدمت أو أخرت، والبتة لا تتبعض، قاله أصبغ في نوازله.
[حكم مجزئ الطلاق:]
وأدب المجزئ للطلاق بتشريك أو غيره، ابن القاسم: من طلق بعض
[ ٤ / ٢٦٤ ]
طلقة لزمته، ويوجع ضربًا. انتهى.
قالو: لتلبيسه على حكام المسلمين.
ابن عبد السلام: ويحتمل لمخالفته السنة، لأن اللَّه تعالى بين عدده وزمانه، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
[تطليق جزء من المرأة:]
ثم شبه في اللزوم والأدب قوله: كمطلق جزء من زوجته، وإن كيد، ابن حارث: يدها أو رجلها ككلها اتفاقًا.
ولما كان لا فرق في اللزوم في الجزأين، كونه ذاتيًا أو لا، قال: ولزم الطلاق بـ: شعرك طالق، أو كلامك طالق، قاله أصبغ، لأنهما من محاسنها.
وقال سحنون: لا شيء عليه فيهما، كقوله لعبده. شعرك حرام، لم يعتق.
ابن عبد السلام: وقول أصبغ أظهر.
وإليه أشار المؤلف بقوله: على الأحسن، اللخمي: ولا تطلق بسعال وبصاق؛ لأنهما مما يكره، ولا يتلذذ به، بخلاف الريق، والبصاق ما زايل الفم، والريق ما لم يزايله، وهو مما يتلذ به، ودمع، وعدم الطلاق بالدمع قاله الباجي.
[الاستثناء في الطلاق:]
وصح استثناؤه بإلا وأخواتها إن اتصل بالمستثنى منه، لا إن انفصل، إلا لعذر، كـ: سعال أو عطاس ونحوه.
ولم يستغرق، كـ: طالق ثلاثًا إلا اثنتين، وأما إن استغرق بأن كان المستثنى كالمستثنى منه فأكثر لم يصح إجماعًا.
ولما ذكر أن من شرطه عدم الاستغراق خشي أن يتوهم أن المستغرق لغو، واللغو لا يستثنى منه، كما قيل خارج المذهب، دفع ذلك بقوله: ففي
[ ٤ / ٢٦٥ ]
إيقاع ثلاث إلا ثلاثًا إلا واحدة اثنتان، لاستثناء الواحدة من الثلاث اللازمة المستثنى منها، لا من المستثناة، وبحث فيه ابن الحاجب، انظره في الكبير (١).
أو قال: طالق ثلاثًا إلا اثنتين إلا واحدة؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات (٢)، وعكسه فثلاث إثبات، وإلا اثنتين نفي، أخرج منه اثنتين، فصار اللازم واحدة، ثم أثبت أخرى بقوله: إلا واحدة.
أو قال: طالق البتة إلا اثنتين إلا واحدة اثنتان؛ لأن حكم البتة في التبعيض كالثلاث على الأصح، وهو قول أشهب وسحنون.
_________________
(١) قال في حاشية العطار (٢/ ٤٧ - ٤٨): "ولا يجوز الاستثناء المستغرق بأن يستغرق المستثنى المستثنى منه، أي: لا أثر له في الحكم فلو قال له علي عشرة إلا عشرة لزمه عشرة خلافًا لشذوذ أشار بذلك إلى ما نقله القرافي عن المدخل لابن طلحة فيمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا أنه لا يقع عليه طلاق في أحد القولين، ولم يظفر بذلك من نقل الإجماع على امتناع المستغرق كالإمام الرازي والآمدي، قيل: ولا يجوز الأكثر من الباقي نحو له علي عشرة إلا ستة فلا يجوز بخلاف المساوي والأقل، وقيل: لا الأكثر ولا المساوي بخلاف الأقل، وقيل: لا الأكثر إن كان العدد في المستثنى والمستثنى منه صريحًا نحو: ما تقدم بخلاف غير الصريح نحو خذ الدراهم إلا الزيوف وهي أكثر كذا حكى القول في شرحيه كغيره في الأكثر وإن شملت العبارة هنا حكايته في المساوي، وقيل: لا يستثنى من العدد عقد صحيح نحو له مائة إلا عشرة بخلاف إلا تسعة، وقيل: لا يستثنى منه مطلقًا وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، أي: زمنًا طويلًا كما تقول لمن يستعجلك: اصبر ألف سنة وكل قائل بحسب استقرائه وفهمه، والأصح جواز الأكثر مطلقًا، وعليه معظم الفقهاء إذ قالوا: لو قال له: علي عشرة إلا تسعة لزمه واحد".
(٢) قال في حاشية العطار (٢/ ٤٨): "والاستثناء من النفي إثبات وبالعكس خلافًا لأبي حنيفة فيهما، وقيل: في الأول فقط، فقال: إن المستثنى من حيث الحكم مسكوت عنه فنحو ما قام أحد إلا زيدًا وقام القوم إلا زيدًا يدل الأول على إثبات القيام لزيد والثاني على نفيه عنه، وقال: لا وزيد مسكوت عنه من حيث القيام وعدمه، ومبنى الخلاف على أن المستثنى من حيث الحكم مخرج من المحكوم به فيدخل في نقيضه من قيام وعدمه مثلًا أو مخرج من الحكم فيدخل في نقيضه، أي: لا حكم إذ القاعدة أن ما خرج من شيء دخل في نقيضه، وجعل الإثبات في كلمة التوحيد بعرف الشرع، وفي المفرغ: نحو ما قام إلا زيد بالعرف العام".
[ ٤ / ٢٦٦ ]
ولسحنون: لا يصح الاستثناء منها، فيلزمه الثلاث؛ بناءً على أنها لا تتبعض، واللَّه أعلم.
تنبيه:
لا يعارض هذا ما تقدم عن أصبغ من أنها لا تتبعض؛ لوقوعها هناك مؤكدة للثلاث، بخلاف هنا.
وحذف (إلا) وما بعدها من التي قبلها لدلالة ما هنا عليه.
[الاستثناء بعد عطف:]
وإذا عطف المستثنى منه على شيء يمكن الاستثناء منه أيضًا إذا جمع، فقال: أنت طالق واحدة واثنتين إلا اثنتين إن كان الاستثناء من الجميع فواحدة تلزمه؛ لأنه أخرج اثنتين من الثلاث؛ بناءً على جواز استثناء الأكثر، وهو الصحيح، خلافًا لعبد الوهاب.
وإلا بأن كان الإخراج من المعطوف فقط أو من المعطوف عليه خاصة فثلاث، لكونه مستغرقًا، وكل من المعطوف والمعطوف عليه مسألة مستقلة.
تتمة:
سكت عن ذكر المساوي، كـ: طالق اثنتين إلا واحدة، وهو صحيح عند الأكثر، وغير صحيح عند عبد الوهاب؛ لاشتراطه كون الباقي أكثر، وعليه يختلف في المسائل المذكورة؛ لأن الواحدة ليست أقل، وهو داخل في قول المصنف: ولم يستغرق.
[إلغاء ما فوق الثلاث:]
وفي إلغاء ما زاد على الثلاث فلا يستثنى منه، واعتباره فيستثنى منه قولان لسحنون، ورجع عن الأول للثاني.
فإذا قال: أنت طالق خمسًا إلا اثنتين، فعلى الأول يلغى الزائد، وهو الاثنان؛ لأن الشرع لم يجعل له إلا ثلاثًا، فكأنه قال: ثلاثًا إلا اثنتين، فيلزمه واحدة.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
وعلى الثاني لا يلغى؛ لأن المتكلم قصده، فتلزمه الثلاث.
[الطلاق المعلق:]
واختلف في حكم الطلاق المعلق؛ ففي المقدمات مكروه.
اللخمي: ممنوع.
مطرف وعبد الملك: جرحة لا يحلف به سلطان ولا غيره، ويؤدب فاعله.
[أقسامه:]
ولما كان إيقاعه معلقًا أقساما، شرع في الكلام عليها، وأشار لأولها وهو تعليقه بالزمان بقوله:
[أولًا: تعليقه بالماضي:]
ونجز إن علق بماض، أي: بفعل مقدر وقوعه في الزمان الماضي ممتنع ذلك المقدر عقلًا، مثل: إن جمعت بين الضدين أمس فأنت طالق، أو بماض ممتنع عادة كـ: إن طرت في الهوى أمس فأنت طالق.
أو بماض ممتنع شرعًا، كقوله لآخر: امرأتي طالق لو كنت حاضرًا الشرك مع أخي لفقأت عينك؛ لأنه حلف على شيء لا يبر فيه، كذا في الرواية، فلو كان يعلم أنه يقدر على ذلك فينبغي أنه لا يحنث، وكذا إن قصد المبالغة لفقء العين، كذا لابن بشير.
ثم مثل للقدر المشترك عقلًا وعادة بقوله: أو جائز كـ: لو جئت أمس قضيتك حقك، فهو حانث عند ابن القاسم للشك؛ إذ هو غيب لا يدري أكان فاعلا أم لا، فلا يقدم على فرج مشكوك فيه.
ابن الماجشون: لا يحنث.
[ثانيًا: تعليقه بالمستقبل:]
أو علقه على مستقبل محقق وقوعه، ويشبه بلوغهما له عادة، كبعد سنة أنت طالق، أو أنت طالق يوم موتي نجز وقت التعليق، ولا ينتظر؛ لأنه يشبه المتعة.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
أو علقه على أمر مستقبل لكنه ممتنع عادة، كـ: أنت طالق إن لم أمس السماء نجز الآن.
أو علقه على واضح نقيضه مؤخرًا عنه، كقوله: إن لم يكن هذا الحجر حجرًا فأنت طالق نجز، ومثله لابن الحاجب.
أو علقه بأمر مقدم عليه لهزله، كـ: طالق أمس؛ لأن ما يقع الآن يستحيل وقوعه أمس، فالتعليل له ولما قبله.
أو علقه بما لا صبر عنه كـ: إن قمت أو نمت أو أكلت أو شربت نجز، وسواء أسنده لنفسه أو لها أو لغيرهما، وهو كذلك عند ابن يونس وعياض عن الأكثر، وتأولوه على المدونة، وكأنه علقه على محقق بالحصول.
أو علقه على أمر غالب محتمل وقوعه، كـ: إن حضت، أو علقه على أمر محتمل واجب، كـ: إن صليت أنت أو أنا فأنت طالق؛ لأن الصلاة لا بد منها، وكذا إن صلى زيد.
أو علقه على مغيب بما لا يعلم حالًا، كـ: إن كان في بطنك غلام، أو إن لم يكن نجز عند ابن القاسم.
أو إن كان في هذه اللوزة قلبان فأنت طالق، وإن لم يكن فيها فأنت طالق نجز.
أو إن كان فلان من أهل الجنة فأنت طالق، أو إن لم يكن من أهلها فأنت طالق.
قال ابن عرفة: تعليقه على الجزم بمغيب وجودًا وعدمًا لا يعلم حين الجزم عادة يوجب الحكم بتنجيزه، وإن وجد ما علق عليه لم ترد إليه.
تتمة:
قال ابن القاسم: من قال لامرأته: أنت طالق إن لم يكن عمر بن الخطاب أو أبو بكر من أهل الجنة لا شيء عليه، وكذا عمر بن عبد العزيز.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
ابن رشد: وسائر العشرة كأبي بكر في ذلك، وكذلك من ثبت بطريق صحيح عنه ﵊ أنه من أهل الجنة، كعبد اللَّه بن سلام.
ووقف مالك في تحنيث من حلف بذلك في عمر بن عبد العزيز، وقال: هو رجل صالح إمام هدى.
ولم يزد على ذلك؛ لعدم ورود نص فيه، ووجه قول ابن القاسم ظاهر قوله -ﷺ-: "أنتم شهداء اللَّه في أرضه، فمن أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة. . " الحديث (١)، وحصل إجماع الأمة على حسن الثناء عليه، والإجماع معصوم.
أو إن كنت حاملًا فأنت طالق، أو لم تكوني فأنت طالق نجز طلاقها، وحملت على البراءة منه، أي: من الحمل إذا علق في طهر لم يمس فيه.
أو مس فيه ولم ينزل، فلا يطلق إذا ثبت، بأن قال: إن كنت حاملًا، وتطلق إذا نفى، فقال: إن لم تكوني حاملًا، وهذا الحكم اختاره اللخمي مع العزل.
ومفهوم كلام المؤلف: تنجيزه إن أنزل ولم يعزل، وهو قول مالك في المدونة، وسواء قال: إن كنت حاملًا، أو إن لم تكوني، أوقعه الحاكم أو لا، وهو الأصح.
أو علقه على ما لم يمكن اطلاعنا أيها البشر عليه، كـ: إن شاء اللَّه أو الملائكة أو الجن، أو واحد منهم، وتعليقه على ذلك كإطلاقه فينجز.
ابن رشد: اتفاقًا.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٤٦٦، رقم ٢٧٦٨٦)، وابن ماجه (٢/ ١٤١١، رقم ٤٢٢١) قال البوصيري (٤/ ٢٤١): إسناده صحيح ورجاله ثقات. وابن أبي شيبة (٧/ ٤١١، رقم ٣٦٩٦٠)، والطبراني (٢٠/ ١٧٨، رقم ٣٨٢)، والحاكم (١/ ٢٠٧، رقم ٤١٣) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (١٠/ ١٢٣، رقم ٢٠١٧٧).
[ ٤ / ٢٧٠ ]
أو علقه على أمر معلق بمشيئة اللَّه تعالى نجز كإن صرف المشيئة للَّه على أمر معلق عليه كأنت طالق إن دخلت الدار إن شاء اللَّه سواء أعاد الاستثناء على الطلاق أو الدخول للدار.
وقال ابن الماجشون وأشهب: ينفعه. واختاره جماعة.
بخلاف ما إذا علقه على فعل جعله سببًا، كـ: أنت طالق إن دخلت الدار، وإن لم تدخلي.
ثم قيد ذلك الفعل وهو الدخول بقوله: إلا أن يبدو لي أن لا أجعله سببًا في المستقبل، فكأنه حل ما عقد، وهذا في الفعل المعلق عليه فقط، لا في المعلق، كـ: طالق إن شاء اللَّه، إلا أن يبدو لي، أو أرى غيره، على المعروف.
والنذر والعتق كذلك، علقه على أمر لا يمكن دعوى تحقيقه، ولا يدري أحق هو أم باطل، كـ: إن لم تمطر السماء غدًا أو إلى رأس الشهر الفلاني فأنت طالق نجز على المشهور، وعلله في المدونة بأنه من الغيب، فهو دائر بين الشك والهزل، وكل منهما موجب للحنث على المذهب.
تنبيه:
قول البساطي: (نعم لو أمطرت قبل حكم الحاكم بالطلاق لم يحكم عليه بشيء) خلاف المشهور.
وأما إن لم يقيد بزمن ولا بلد فلا حنث، وإليه أشار بقوله: إلا أن يعم الزمن؛ لأنه لا بد أن تمطر في زمن ما.
أو إلا أن يحلف لعادة يعرفها أو علامة فتنتظر، فإن وقع ما حلف عليه لم يحنث، وإلا حنث.
وهل ينتظر في البر إذا حلف لعادة، كـ: أنت طالق إن أمطرت،
[ ٤ / ٢٧١ ]
وعليه الأكثر من شيوخ المدونة، أو ينجز كالحنث، وعليه الأقل؟ تأويلان (١).
أو علقه بمحرم كـ: إن لم أزن أو أشرب الخمر أو أقتل زيدًا نجز، إلا أن يتحقق، أي: يوجد فعل المحرم المعلق عليه قبل التنجيز، فلا حنث، وكذا في المدونة وغيرها.
واعلم أن الحكم بتنجيزه مع قولهم: (إلا أن يتحقق) كالمتناقض، إلا أن يوقف الحكم على التنجيز.
أو علقه بما لا يعلم حالًا ولا مآلًا.
تنبيه:
قال الشارح: هو تكرار مع قوله: (أو ما لا يمكن اطلاعنا عليه)، وأعاده ليرتب عليه ما بعده.
وقال البساطي: بينهما فرق، وهو أن ما لا يمكن اطلاعنا عليه ليس له خارج يمكن تعلق علمنا به، كـ: إن شاء اللَّه، وما لا يعلم حالًا ولا مآلًا له خارج يمكن أن يعلق من غير خبر، كـ: زيد من أهل الجنة مثلًا.
_________________
(١) قال في المنح: " (وعليه)، أي: الانتظار (الأكثر) من شارحيها (أو ينجز) بضم المثناة تحت وفتح النون والجيم مشددة الطلاق في البر (ك) تنجيزه في (الحنث تأويلان) محلهما إذا حلف لا لعادة وقيد بزمن قريب كدون سنة. وأما إن حلف لعادة فينتظر، أو قيد بزمن بعيد فينجز عليه لأنه لا بد أن تمطر في الأجل البعيد، والظاهر أن السنة زمن بعيد في صيغتي البر والحنث فينجز عليه إن قيد بها في صيغة البر، ولا ينجز عليه إن قيد بها في صيغة الحنث لأنه يندر بل يستحيل عادة ببلدنا، ونحوها أن تمضي سنة ولا يحصل مطر فيها، بل ينبغي أن تكون الأشهر التي لا يتخلف المطر فيها عادة كالتقييد بزمن بعيد فيفترق فيها صيغة البر والحنث. اللخمي: إن قال: أنت طالق إن أمطرت السماء كانت طالقًا الساعة لأن السماء لا بد أن تمطر في زمن ما، وكذا إن ضرب أجلًا عشر أو خمس سنين. اهـ. طفى: إنما محل التأويل إذا حلف لا لعادة وضرب الأجل القريب كأنت طالق إن أمطرت السماء غدًا أو في هذا الشهر، ومن تأكد كلام اللخمي وما نقله في توضيحه اتضح له ما قلنا، وعليه شرح من يعتد به من شراحه".
[ ٤ / ٢٧٢ ]
ودين إن أمكن حمالًا أو ادعاه، كحلفه على رؤية الهلال والسماء مطبقة ليلة ثلاثين.
تنكيت:
قول الشارحين والأقفهسي: (ليلة تسع وعشرين) سبق قلم، صوابه ما قلناه؛ إذ لا يكون الشهر ثمانية وعشرين يومًا.
ثم فرع على ما تقدم، فقال: فلو حلف اثنان كل منهما على النقيض مما حلف عليه الآخر، كـ: إن قال أحدهما في طائر رأياه: إن كان هذا الطائر غرابًا فامرأته طالق، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فامرأته طالق، أو قال أحدهما: إن لم يكن غرابًا فامرأته طالق، وقال الآخر: إن كان غرابًا فامرأته طالق، فإن لم يدع واحد منهما يقينًا طلقت زوجة كل منهما، فإن ادعى كل اليقيق فلا شيء عليهما، وإن ادعاه أحدهما دون الآخر لم تطلق زوجة مدعيه، وتطلق زوجة الآخر.
تنبيهان:
أحدهما: في قوله: (يقينًا) تسامح، ومعناه: يعتقد؛ لأن اليقين لا يتغير.
ثانيهما: فرض المسألة في اثنين يقتضي أن المخالف لو كان واحدًا له امرأتان، وحلف بطلاق كل على الإثبات والنفي لطلقتا معًا؛ إذ لا يمكنه دعوى التحقيق في الجانبين.
[ما لا ينجز فيه الطلاق:]
ولما فرغ مما ينجز الطلاق فيه ذكر مسائل لا ينجز فيها، فقال: ولا يحنث إن علقه على محال كتعليقه بمستقبل ممتنع، كـ: إن لمست السماء فأنت طالق.
أو لا يحنث: أنت طالق إن شاء هذا الحجر عند ابن القاسم، وقال سحنون: يحنث.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
ويعد نادمًا، وصحح عبد الوهاب الطلاق في مسألة الحجر، وشهره المازري.
تتمة:
عورضت هذه المسألة بلزوم طلاق الهزل، كـ: أنت طالق إن لم يكن هذا الحجر حجرًا، وأجاب الغبريني بأنه فرق بين اللفظ الدال بذاته على الهزل وبين لفظ صريح يدعي فيه الهزل.
أو علقه على ما لم تعلم مشيئة المعلق بمشيئته، كـ: طالق إن شاء زيد، فمات ولم تعلم مشيئته، فلا حنث عليه، سواء وصل لذلك، أو لا، قضى شيء ولم يعلم ما قضي به، أو لم يقض.
أو علقه بمستقبل لا يشبه البلوغ إليه، ابن رشد: اتفاقًا، كمائتي يمينة مثلًا.
أو: طلقتك وأنما صبي أو مجنون أو في منامي أو قبل أن أؤكد فلا شيء عليه.
أو علقه على أمر تحصل به الفرقة بينهما، كـ: طالق إذا مت أو متي، أو إن مت أو متي فأنت طالق، إلا أن يريد نفيه، أي: نفي الموت، بأن يعلم ببساط يعلم به أنه حلف أن لا يموت عنادًا، فيحنث مكانه؛ بناء على اختصاص استعمال (إن) في النفي كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾.
أو علقه على ولادتها جارية، أو غلامًا، كقوله: إن ولدت جارية فأنت طالق، فإنه لا ينجر عليه الطلاق، بل ينتظر وقوع ما علق عليه، أو عدم وقوعه.
تنكيت:
نظر الشارح في كلام المؤلف بشيئين:
أحدهما: أن ظاهره عدم الوقوع، ولو وقع ما علق عليه، وليس
[ ٤ / ٢٧٤ ]
كذلك، وجوابه: أنه لما تكلم على ما ينجز، سواء وقع فيه أو لم يقع، ولا ينجز، وهو هنا يقع غير منجز، بلا نزاع.
ثانيهما: أن المؤلف قدم أنه ينجز في قوله: (إن كان في بطنك غلام فأنت طالق، أو إن لم يكن فأنت طالق)، وهنا لم ينجز.
وجوابه: أن قوله: إن وضعت جارية بمنزلة إن دخلت الدار فأنت طالق، فلا تطلق إلا بدخولها، كما لا تطلق إلا إن وضعت جارية، واللَّه أعلم.
أو علقه على حملها، وليست ظاهرة الحمل، كقوله: إن حملت فأنت طالق، لم يحنث لتعليقه على مستقبل، له سبب وهو الوطء، إلا أن يطأها مرة بعد يمينه، بل وإن قبل يمينه، ولم يحصل استبراء؛ لحصول الشك في العظمة؛ لأنها قد تحمل.
وقال ابن الماجشون: له وطئها في كل طهر مرة، ما لم يظهر حملها، كقوله: لأمته أنت حرة إن حملت.
وفرق ابن يونس المشهور بمنع النكاح لأجل، وجواز العتق له، وأشعر قوله: (إذا حملت) بأنه لا يحنث، إلا بحمل مستأنف، لا بحملها الظاهر، وهو كذلك في نقل ابن يونس وابن أبي زيد واللخمي عن سحنون (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (أو) قال لزوجته المحقق براءتها من الحمل (إن ولدت جارية)، أي: بنتًا فأنت طالق فلا شيء عليه إن كانت في طهر لم يمسها فيه أو مسها فيه ولم ينزل أو عزل على كلام اللخمي، فوافق ما تقدم من قوله وحملت على البراءة في طهر لم يمس فيه. طفي: هذا أصله لعياض فإنه قال في التنبيهات في قول المدونة: إن لم يكن في بطنك غلام فأنت طالق فإنها تطلق ساعتئذ ما نصه، وهذا بخلاف إن ولدت جارية أو إذا ولدت جارية فأنت طالق فلا شيء عليه حتى تلد لأنه تعليق بشرط، وكذا بينه في كتاب ابن حبيب. اهـ. أبو الحسن فظهر من كلام عياض أنه حمل قول ابن حبيب على التفسير، وكذا ظهر =
[ ٤ / ٢٧٥ ]
ثم شبه لإفادة الحكم قوله كـ: إن حملت ووضعت فأنت طالق، فإنه لا شيء عليه.
_________________
(١) = من كلام ابن يونس، وظهر من كلام اللخمي أنه خلاف اهـ. وكذا ظهر من كلام ابن رشد فإنه قال في سماع عيسى: من قال لامرأته: إن ولدت غلامًا فلك مائة دينار وإن ولدت جارية فأنت طالق فالطلاق وقع عليه ما نصه، يريد أن الحكم يوجب أن يعجل عليه، وهذا قول مالك "﵁" في المدونة. اهـ. ولذا حمل الشيخ عبد الرحمن الأجهوري كلام المصنف على أنه لا ينجز عليه إلا أن يطأها مرة كما بعده، والغرض أنها غير حامل وتبعه "س" وتعقب الحط كلام المصنف بأنه جرى على غير عادته من الاقتصار على المشهور. وذكر هنا طريقين؛ أولاهما: التي قدمها في قوله كإن كان في بطنك غلام، أو لم يكن، وإن كنت حاملًا أو لم تكوني وهذه طريقة اللخمي أنه ينجز في قولي مالك في صيغة البر والحنث، ونص تبصرته اختلف فيمن قال: إن ولدت جارية فأنت طالق أو إن لم تلدي غلامًا فأنت طالق نحو الاختلاف المتقدم في إن كنت حاملًا أو إن لم تكوني حاملًا ففي مالك أنها طالق مكانها في الوجهين. اهـ. والطريقة الثانية؛ هي التي ذكرها الآن وهي طريقة عياض، ثم ذكر ما تقدم عنه. اهـ. قال في قول المؤلف المتقدم أو إن كنت حاملًا أو لم تكوني هذا من أمثلة ما لم يعلم حالًا، وكذا قوله إن كان في بطنك غلام أو إن ولدت جارية إلى غير ذلك من الفروع فكلها من باب واحد. وقوله أو إن ولدت جارية مع الفروع التي ذكرها في التوضيح وابن عبد السلام مبنية على خلاف ما شهره هناك. اهـ. وما قاله غير ظاهر إذ لا تخالف في كلام المصنف لأن قصاراه أنه جرى على طريقة عياض، إذ لم يخالف عياض إلا في إن ولدت جارية أو إذا ولدت جارية حسبما تقدم من نصه. وأما ما تقدم من قوله إن كان في بطنك غلام أو لم يكن أو إن كنت حاملًا أو لم تكوني فلم يخالف فيه عياض، بل وافق اللخمي على ذلك، وكيف يخالفه فيه والمدونة قالت: في إن لم يكن في بطنك غلام ما تقدم عنها وأقره عياض، وإنما قال وهذا بخلاف إلخ. وقال: وإن قال لها: إن كنت حاملًا أو لم يكن بك حمل أو إذا وضعت فأنت طالق، طلقت مكانها، ولا يستأنى بها لينظر أبها حمل أم لا، فلو مات أحدهما قبل ذلك فلا يتوارثان، فهذا صريح لا يحتاج للتأويل واللَّه الموفق، فخلافهما إنما هو في إن ولدت جارية ومحله إذا قاله لمحققة الحمل أو لمشكوك في حملها فإن كانت محققة البراءة فقد اتفقا على عدم التنجيز، لكن عند اللخمي ينتظر إلى الوطء وعند عياض إلى الولادة".
[ ٤ / ٢٧٦ ]
إلا أن يطأها مرة، وإن قبل يمينه فيحنث حينئذ، ولا ينتظر حملها ولا وضعها.
أو علقه على فعل محتمل غير غالب وجوده، يمكن علمه، لم يلزم إلا به، وهو معنى قوله: وانتظر إن أثبت، كيوم قدوم زيد، وتبين الوقوع أوله إن قدم في نصفه، أو ثلثه مثلًا.
أو علقه على مشيئة زيد، كـ: أنت طالق إلا أن يشاء زيد، لم ينجز ويوقف على مشيئته على المشهور، فإن شاء وقع، وإلا فلا.
وهذا مثل قوله: أنت طالق إن شاء زيد اتفاقًا، وإنما اختلف في المثال الأول، واتفق في الثاني؛ لأن الأول على مقابل المشهور، واقتضى وقوع الطلاق إلا إن شاء دفعه بعد وقوعه، وهو بعد وقوعه لا يرتفع، وفي الثاني وقوعه مشروط بمشيئته، فلا يقع إلا بعد وجودها.
بخلاف قوله: أنت طالق إلا أن يبدو لي عدم طلاقك، فينجز عليه.
ثم شبه في الأمرين قوله: كالنذر والعتق، فإنه يوقف فيهم على مشيئته، بخلاف قوله: إلا أن يبدو لي، فيلزمه فيهما.
ثم ذكر قسيم قوله: (إن أثبت) بقوله: وإن نفى بأن أتى بصيغة الحنث، ولم يؤجل أجلًا معينًا، بل أطلق، كـ: إن لم يقدم زيد، فإن نفي طالق منع منها، فلا يطأها؛ لأن يمينه على حنث حتى يقدم، فإن أجل بأجل معين كـ: إن لم يقدم بعد شهر لم يمنع، لأنه من ضرب أجلًا فهو على بر إليه.
ثم استثنى من قوله منع منها مما يمينه فيه على حنثه، فقال: إلا إن لم أحبلها فهي طالق، وإن لم أطأها فهي طالق؛ لأن بره في إحبالها في الأول فيطأها أبدًا حتى تحبل، وفي وطئها في الثاني، قاله في المقدمات.
وهل يكون موليًا وهو لمالك، أو لا إيلاء عليه، وهو لابن القاسم، وهو الصواب؟ قولان.
وإذا فرعنا على عدم الوطء هل يمنع من وطئها مطلقًا، وهو
[ ٤ / ٢٧٧ ]
المشهور، أو يمنع إلا في كـ: إن لم أحج في هذا العام فأنت طالق، وليس حلفه ذلك وقت سفر للحج؛ لأن الحج لما كان له زمن معين أشبه الحلف المؤجل بمعين، وهو لا يمنع فيه، وهو لغير ابن القاسم في غير المدونة أيضًا؟ تأويلان.
وفي كون قول الغير تقييدًا أو خلفًا حسب اختلاف شراحها في ذلك رأيان.
ولما ذكر أن يمينه إذا كانت على حنث يؤجل إليه، ويمنع من وطئها ولا ينجز، خشي النقض عليه بما هو على حنث وينجز فيه الطلاق، قال: إلا في قوله: إن لم أطلقك مطلقًا، أي: بغير ذكر أجل، فأنت طالق، نجز طلاقها؛ إذ لا براءة له إلا به، فلا فائدة في الإيقاف.
أو قال: إن لم أطلقك إلى أجل كبعد شهر مثلًا فأنت طالق، ينجز على المشهور.
وقيل: حتى ترفع للسلطان.
أو قال: إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق رأس الشهر البتة، نجز؛ إذ لا بد من إحدى البتتين رأس الشهر على كل تقدير، إما بإيقاعه هو أو بمقتضى التعليق، فهو كمن قال: أنت طالق رأس الشهر البتة، أو الآن، أي: قال: إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق الآن البتة، فالبتة واقعة رأس الشهر، فينجز.
وبحث ابن عبد السلام، فقال: له أن ينتظر رأس الشهر البتة، فإذا جاء فله أن يختار الحنث، وهو فأنت طالق الآن، وقد مضى زمنه، فلا شيء عليه.
واختار المصنف الوقوع، وإن مضى زمنه، فقال: ويقع ولو مضى زمنه، كطالق اليوم إن كلمت فلانًا غدًا، وهذه مشبهة بها ما قبلها.
وإن قال: إن لم أطلقك واحدة بعد شهر فأنت طالق الآن البتة، فإن عجلها -أي: الواحدة- قبل الشهر أجزأت، ولا يقع عليه شيء بعد الشهر؛
[ ٤ / ٢٧٨ ]
لوقوع المعلق عليه، وكونه بعد الشهر لا يضر؛ لما علم أن المنجز قد يكون قبل أجله، كطالق بعد شهر.
وإلا بأن أبي أن يطلق الآن الواحدة وقف، وقيل له: إما عجلتها الآن -أي: الواحدة- وإلا بانت منك بالثلاث (١).
[التعليق على فعل غيره:]
ثم ذكر ما إذا علقه على فعل غيره بقوله: وإن حلف على فعل غيره، ففي تعليقه على البر كـ: أنت طالق إن دخل زيد الدار، كنفسه.
فلا فرق بين إن دخلت أو دخل زيد في جميع الوجوه، وهل كذلك يكون كفعل نفسه في تعليقه على الحنث، كـ: إن لم يدخل زيد الدار فيمنع من وطئها، ويدخل عليه، إلا بلا جملة، وهو قول ابن القاسم.
أو لا يكون كفعل نفسه، فلا يضرب له أجل الإيلاء، ولكن يتلوم له قدر ما يرى أنه أراد بيمينه، ثم يقع حنثه، وهو قول ابن القاسم أيضًا، قولان.
وظاهر كلام المؤلف: حنثه دون حكم، وهو كذلك عند ابن القاسم.
وظاهره: سواء حلف على حاضر أو غائب، وهو كذلك، ولابن القاسم ثالث: إن حلف على حاضر كـ: إن لم يهب لي دينارًا، أو إن لم يقض حقي، فالأول، وإن حلف على غائب، كـ: أنت طالق، إن لم يقدم زيد، أو إن لم يحج فالثاني.
وظاهره كان الغير أجنبيًا أو الزوجة، وهو كذلك، قال في الشامل: إن أسند الفعل إليها فأحنثته قصدًا فقولان.
_________________
(١) وبعد كل الذي ساقه المصنف في الطلاق المعلق، اعلم أن عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي، المعروف بابن بزيزة قد ذكر في شرحه لأحكام عبد الحق أن علي بن أبي طالب -﵁- رأى أن الحالف بالطلاق لا شيء عليه، ولم يعرف له في الصحابة مخالف، وأخذ به.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
وان أقر بفعل، كقوله: تزوجت عليك، شم حلف بالطلاق مما فعلت، وكنت كاذبا في إقراري، صدق بيمين؛ لأن كلامه أولًا أوجب التهمة، ولا يحنث.
بخلاف إقراره أنه تزوج بعد يمينه بالطلاق، أنه لا يتزوج، ثم قال: كنت كاذبًا، فينجز بالقضاء؛ لإقراره بانعقاد اليمين، ثم الحنث.
ولا تمكنه زوجته من نفسها إن سمعت إقراره بعد اليمين، وعلمت أنه كاذب.
وبانت منه عملًا بالظاهر، وحل له هو المقام عليها فيما بينه وبين اللَّه، كمطلقة ثلاثًا ولا بينة لها.
قال مالك: ولا تتزين له، ولا تمكنه إلا كرهًا.
تنكيت:
تبع المؤلف قوله: (كرهًا) ما في التهذيب، وهو متعقب بأن الذي في الأم: إلا وهي كارهة، ولا تطاوعه؛ لأنها لا ينفعها كرهها، وإنما ينفعها كونها مكرهة.
وزاد في الأم: ولا يرى لها شعرًا، ولا وجهًا، أي: بقصد اللذة، كالأجنبي، وإلا فوجهها ليس بعورة.
ولتفتد منه بما قدرت عليه، محمد: ولو بشعر رأسها، وفي جواز قتلها له إن أمكنها ذلك عند محاورتها فسره الشارح بمراجعة الكلام بينهما في الوطء. انتهى.
وهو تفسير لغوي، ولعل المؤلف استعاره هنا للمدافعة عند إرادة الوطء.
محمد: قياسًا على العادي والمحارب.
ومنعه وهو قول سحنون: لا تقتله، ولا تقتل نفسها، أكثر ما عليها الامتناع، وصوبه ابن محرز، قولان بغير ترجيح عند المؤلف.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
وأمر بالفراق بغير جبر.
ابن بشير وابن شاس: اتفاقًا.
في قوله لها: إن كنت تحبيني فأنت طالق، أو في قوله: إن كنت تبغضيني بضم المثناة الفوقية فأنت طالق.
وهل عدم الجبر مطلقًا، سواء أجابته بما يقتضي الحنث أو لا، وهو رواية الواضحة، أو لا يجبر، إلا أن تجيب بما يقتضي الحنث، فينجز، أي: فينجز جبرًا، وأما إن أجابته بما لا يقتضيه فلا جبر، وهو لعياض عن بعض الأشياخ؟ تأويلان.
والمدونة فيها ما يدل لهما، انظر لفظها في الكبير.
[الشك في الطلاق:]
وينجز عليه الطلاق بالأيمان المشكوك فيها، ويحتمل عطفه على الفراق في قوله: (إن كنت تحبيني)، أي: أمر بالطلاق في الأيمان المشكوك فيها؛ ففي المدونة: لو حلف وشك فيما حلف به، هل طلاق أو عتق أو مشي أو صدقة فليطلق نساءه، ويعتق رقيقه، وليتصدق بثلث ماله، ويمشي لمكة، يؤمر بذلك كله من غير قضاء، وما ذكره فيها قال ابن راشد: هو المشهور.
ولا يؤمر بالفراق إن شك هل طلق أم لا من غير أن يستند لأصل.
وفهم منه عدم الجبر من باب أولى، وهو كذلك هنا اتفاقًا، إلا أن يستند وهو سالم الخاطر، أي: غير موشوش، كرؤية شخص داخلًا داره مثلًا شك في كونه زيدًا المحلوف عليه، أي: ألا يدخل، أو هو غيره وغاب عنه بحيث تعذر تحقيقه، فإنه يؤمر بالطلاق اتفاقًا.
وهل يجبر عليه، وهو المشهور عند أبي عمران وجماعة، واقتصر عليه ابن الحاجب، أو لا يجبر، وهو المشهور عند أبي محمد، والمعروف عند اللخمي، وبه قال ابن القاسم وابن الماجشون، واقتصر عليه في الجلاب، تأويلان، وهما قائمان من المدونة.
[ ٤ / ٢٨١ ]
واحترز بسالم الخاطر عن الموسوس، فلا شيء عليه، كما في المدونة، وبرؤيته داخلًا عما شك هل دخل أم لا، لأنه من الشك الذي لا يؤمر فيه بطلاق، وكان ينبغي للمؤلف أن يقول بعد قوله: (تأويلان): وخلاف على عادته (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (وهل يجبر) الزوج على الفراق إن أباه وينجز عليه الطلاق أو لا يجبر عليه، (تأويلان) واحترز بسالم الخاطر من الموسوس، أي: مستنكح الشك فلا يؤمر بالفراق اتفاقًا ابن عرفة. اللخمي اختلف إذا شك هل طلق أم لا، فعلى وجوب وضوء من أيقن بالوضوء وشك في الحدث تحرم عليه هنا، وعلى استحباب وضوئه يستحب فراقه وفي تخريجه الوجوب نظر، لأن الوضوء أيسر من الطلاق ولأن أسباب نقض الوضوء متكررة غالبًا، بخلاف أسباب الطلاق. ولما حكى ابن عبد السلام الفرق بمشقة الطلاق دون الوضوء قال ما أشار إليه في المدونة من الفراق وأحسن ذلك أنه جعل الشك في الحدث من الشك في الشرط، والشك فيه شك في مشروطه وذا مانع من الدخول في الصلاة، والشك في الطلاق شك في حصول المانع من استصحاب العصمة، والشك في المانع لا يوجب التوقف بوجه. والنكتة أن المشكوك فيه مطروح، فالشك في الشرط يوجب طرحه وذا يمنع الإقدام على المشروط، والشك في المانع يوجب طرحه، وهذا موجب للتمادي. قلت من تأمل وأنصف علم أن الشك لغو مطلقًا ويؤيده قوله النكتة إلخ، والمشكوك فيه في مسألة الوضوء إنما هو الحدث لا الوضوء فيجب طرحه. اهـ. وتقدم توجيه اعتباره بالاحتياط لأعظم أركان الإسلام بعد الشهادة مع خفة الوضوء وتكرر أسباب نقضه، واللَّه أعلم. طفى حاد عن تمثيل ابن الحاجب تبعًا لابن شاس للاستناد بقوله فإن استند كمن حلف ثم شك في الحنث وهو سالم الخاطر حنث على المشهور لقول ابن عبد السلام وفي مثاله نظر، وليس مراد العلماء بالمستند هذا المعنى لأنه لا يلزم من وجود اليمين حصول الشك لأن من حلف بالطلاق أن لا يدخل زيدًا داره ثم شك هل دخلها زيد أم لا فهذا من الشك الذي لا يؤمر به بطلاق وإن رأى إنسانًا دخل تلك الدار وشبهه بزيد ثم غاب ذلك الإنسان بحيث يتعذر عليه تحققه هل هو المحلوف عليه أم لا؟ ففيه الخلاف بين أبي عمران وأبي محمد، وفي تنظيره نظر والصواب ما قالاه، وهو الموافق لقولها تشبيهًا في الفراق من غير قضاء. =
[ ٤ / ٢٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وكذا إن حلف بطلاق ولم يدر أحنث أم لا أمر بالفراق وإن كان ذا وسوسة فلا شيء عليه. وقوله لا يلزم من وجود اليمين حصول الشك لا يرد عليهما إذ لم يقولا ذلك، وإنما قالا اليمين أصل لاستناد الشك وهو كذلك. وقوله لأن من حلف بالطلاق إلخ لا يراد أيضًا لأن هذا الذي قال لا يؤمر فيه بالطلاق. ابن رشد ولعلهما لا يقولان فيه بذلك أخذًا بعموم قولها ثم لم يدر أحنث أم لا. وقولها المتقدم وكك يمين بالطلاق أو غيره إلخ، ولئن سلم ما قاله ابن رشد، وكلامهما في الحالف على فعل نفسه ولا يلزم من إلغاء الشك في اليمين على فعل الغير إلغاؤه فيه على فعل النفس، وقد فرق ابن رشد بينهما وإن كان ابن عرفة عارض بين كلاميه فتأمله منصفًا. البناني فيه نظر والظاهر ما قاله ابن عبد السلام والمصنف، وليس في كلام المدونة ما يرد عليهما، بل الظاهر أنه يدل لهما لأن من يشك بلا سبب موسوس فلا واسطة بين من يشك لسبب وبين الموسوس ويبين ذلك تقسيم ابن رشد، قال: ينقسم الشك في الطلاق خمسة أقسام؛ منها ما يتفق على لغوه بلا أمر ولا جبر كحلفه على شخص لا يفعل كذا ثم يشك في فعله بلا سبب يوجب شكه فيه، ومنه ما يتفق على الأمر به بلا جبر كحلفه أن لا يفعل كذا ثم يشك هل حنث أم لا لسبب اقتضى شكه، ومنه ما يتفق على عدم الجبر به ويختلف في الأمر به كشكه هل طلق زوجته أم لا أو هل حنث في يمينه فيها فقال ابن القاسم: يؤمر ولا يجبر. وقال أصبغ: لا يجبر ولا يؤمر. ومنه ما اختلف في الجبر به وعدمه كطلاقه ثم شكه هل طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا وكحلفه وحنثه وشكه هل حلف بطلاق أو مشي أو عتق، أو قوله زوجته طالق إن كانت فلانة حائضة فقالت لست بحائضة، أو إن كان فلان يبغضني فقال: أنا أحبك، أو إن لم يخبرني بالصدق فيخبره ويزعم أنه صدق ولا يدري حقيقة ذلك. ومنه ما يتفق على الجبر به كقوله زوجته طالق إن كان أمس كذا لشيء يمكن أن يكون وأن لا يكون ولا طريق إلى استعلامه. وكشكه في، أي: امرأة من امرأتين طلقها فيجبر على فراقهما جميعًا ولا يجوز له أن يقيم على واحدة منهما. طفى قوله: ولا يؤمر إن شك هل طلق أم لا جاز على نقل اللخمي والأولى الجري على نقل ابن رشد لتقديمه عند الشيوخ على نقل اللخمي إذا تعارضا. البناني وفيه نظر إذ كلام المصنف موافق لنقل ابن رشد، فإن ما ذكره ابن رشد في =
[ ٤ / ٢٨٣ ]
ثم إن المؤلف ذكر مسائل في الشك بالطلاق، فقال: وإن أوقع الطلاق على إحدى زوجتيه بعينها هند أو زينب، وشك أهند هي الموقع عليها أم غيرها، وهي زينب، طلقتا معًا من غير استئناف طلاق، وهو قول مالك، وكذا إن كن أكثر.
وقيل: يوقف ليتذكر.
اللخمي: والصبر أحسن.
تتمة:
لو ارتجع ونوى المطلقة لحلتا معًا إن لم تنتقض العدة، وإلا فبعقد جديد، وإن كان طلاقه ثلاثًا فبعد زوج.
أو قال لزوجتيه: إحداكما طالق، ولم ينو معينًا طلقتا معًا، وكذا إن كن أكثر على المشهور؛ لصدق ذلك على كل واحدة، لا بعينها، فكل واحدة مشكوك فيها.
وقيل: يختار كالعتق.
وفهم من قولنا: (ولم ينو معينة) أنه لو نوى معينة لصدق.
ابن بشير: اتفاقًا.
قال في المدونة: في القضاء والفتيا.
_________________
(١) = القسم الثالث عن ابن القاسم من أنه يؤمر إن شك هل طلق أم لا خلافًا لأصبغ محله إذا كان شكه لسبب وإلا فلا يؤمر اتفاقًا كما يظهر بالتأمل فابن رشد استغنى عن التقيد في هذا بالقيد فيما قبله، فإن حمل كلام اللخمي على غير السبب انتفى التعارض بينه وبين ابن رشد، واللَّه أعلم. وقول ابن رشد في القسم الثالث: أو يشك هل حنث في يمينه فيها إلخ، قال أبو الحسن معناه هل حلف وحنث أم لا فهذا محل الاختلاف هل يؤمر أم لا، وليس المراد ظاهره من تحقق الحلف والثك في الحنث لأنه يناقض ما قدمه في القسمين الأولين من الاتفاق على الأمر بالفراق إن كان شكه لسبب والاتفاق على عدم الأمر به إن كان لغير سبب".
[ ٤ / ٢٨٤ ]
وقولنا: (لزوجتيه) لأنه لو قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق، وقال: أردت الأجنبية، لم يقبل منه، وطلقت زوجته، قاله ابن شاس.
[الإضراب في الطلاق:]
أو قال: أنت طالق، ثم قال لأخرى: بل أنت، طلقتا معًا.
اللخمي: لأنه أوجب الطلاق للثانية، وإضرابه عن الأولى لا يرفع عنها ما وقع عليها.
وإن قال: أنت طالق، أو أنت خير في طلاق أيتهما شاء، اللخمي ولو قال: أو أنت بنية أحدثها بعد تمام قوله: أنت طالق، طلقت الأولى.
ولو قال: أنت لا أنت طلقت الأولى خاصة؛ لأنه نفى الطلاق عن الثانية.
إلا أن يريد بقوله: (إلا) النفي عن الأولى، ثم التفت للثانية، فقال: أنت، أي: الذي تكون طالقًا فيطلقان معًا، وهو مراد المؤلف بقوله: إلا أن يريد الإضراب بلا.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: يحتمل بلا وبأو.
وإذا كان النقل كذلك فقول البساطي: (أحسب أن المسألة ليست كذلك، وحملها على مسألة من مسائل الشك ذكرها اللخمي، وهي: لو قال: أنت طالق، وللثانية: لا أنت، وللثالثة: بل أنت، وللرابعة: أو أنت، لخُيّر بين الأول والرابعة، ولم يطلق الثانية، وطلقت الثالثة) غير ظاهر من وجهين:
أحدهما: مخالفة نقل اللخمي.
وثانيهما: أنه صير المسألتين اللتين في كلام المؤلف واحدة، وجلب أخرى ليست من كلامه، واللَّه أعلم.
وإن شك أطلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا لم تحل له، إلا بعد زوج؛ لاحتمال كونه ثلاثًا.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
وظاهره: أنه يقضى عليه بذلك، وهو كذلك عند أكثر المتأخرين.
وقيل: بل على سبيل الكراهة، فيؤمر بالفراق من غير قضاء فيما زاد على الواحدة.
وصدق بغير يمين إن ذكر في العدة أنه طلق واحدة أو اثنتين ليراجع، وليس ذكره فيها شرط في تصديقه، بل للمراجعة، لنص المدونة على تصديقه بعدها، ويكون خاطبًا من خطابها.
وظاهر كلام المؤلف: تصديقه فيها فقط، وعليه قرره الشارحان.
ثم إن تزوجها بعد زوج وطلقها واحدة واحدة أو اثنتين اثنتين فكذلك لا تحل له، إلا بعد زوج؛ لاحتمال كون الأول اثنتين، وكذلك بعد زوج ثالث؛ لاحتمال كون الأول واحدة، ثم كذلك يدور.
قال في المدونة: ولو بعد مائة زوج.
وقال عياض: بعد ألف زوج.
إلا أن يبت طلاقها، فينقطع الدور.
وقال أشهب: ينقطع بعد ثلاثة أزواج، وترجع إليه إن تزوجها على كل الطلاق.
يحيى بن عمر: تدبرته فوجدته خطأ.
وقال الفضل أيضًا: هو خطأ واضح، واللَّه أعلم.
تنبيهات:
الأول: لا خصوصية لفرض المؤلف المسألة فيما ذكر كابن الحاجب، فقد ذكر ابن عرفة أن صور الشك في العدد أربعة:
- الصورة المذكورة.
- والشك في واحدة أو اثنتين.
- والشك في واحدة أو ثلاث.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
- والشك في اثنتين أو ثلاث.
الثاني: قال في التوضيح: لا يحصل الدوران مع الاختلاف، وإن كان ظاهر كلام جماعة حصوله، وبيان ذلك أنه إذا طلقها طلقتين في الثاني، وفي الثالث طلقة، وفي الرابع طلقة، فإن فرض المشكوك فيه ثلاثًا، فالأخيرة أول عصمة مستأنفة، وإن فرض اثنتين، فتكون ثانية، وكذلك إن فرض واحدة.
الثالث: قال المصنف: ويمكن أن يزول الشك، بأن يقول: إن لم يكن طلاقي ثلاثًا فقد أوقعت عليها تكملة الثلاث؛ لأنه بين أحد أمرين، إن كان طلقها ثلاثًا فلا شك، وإن طلقها دونها فهي في عصمته، فتقع بقية الثلاث إلى أن تنقضي العدة، أو تكون غير مدخول بها.
[استعمال الطلاق في اليمين:]
وإن حلف صانع طعام على غير لا بد أن تدخل الدار مثلًا، فحلف الآخر بالطلاق لا دخلت، حنث الأول لحلفه على ما لا يملك، بخلاف الثاني.
واختلف شيوخنا في هذه، فقال بعضهم: يحنث الأول، ولو دخل الثاني تمسكًا بالتعليل.
وقال غيره: إنما يحنث إذا لم يدخل.
[تعليق الطلاق على شرطين:]
وإن علق طلاقها على شرطين بأن قال: إن كلمت زيدًا إن دخلت الدار لم تطلق إلا بهما معًا، لا بأحدهما.
ولا يعارض عدم حنثه هنا بأن المذهب التحنيث بالبعض بأن المراد بالتحنيث بالبعض كون الفعل صادقًا على الكل والبعض، كـ: إن أكلت هذا الرغيف، والأكل صادق بكله وبعضه، والشرطان كل منهما غير الآخر وغير صادق عليه.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
[تلفيق الشهادة:]
ولما تكلم على مسائل التعليق أخذ في الكلام على ما يلفق من الشهادة في الطلاق وما لا يلفق، فقال: وان شهد عليه شاهد بحرام فإن قال لها: أنت علي حرام، وشهد عليه آخر ببته لفقت شهادتهما اتفاقًا؛ لاتفاقهما على البينونة، وإن اختلفا في اللفظ المحصل لها.
أو شهد عليه واحد بتعليقه طلاقها على دخول دار معينة، قال ذلك في رمضان، وشهد آخر أنه قال ذلك في ذي الحجة، لفقت شهادتهما إن شهداهما، أو غيرهما، أنه دخلها بعد ذي الحجة، كما في المدونة.
أو علق الطلاق بدخولها للدار وشهدا بدخولها فيهما، فشهد الأول أنه دخلها في رمضان، والآخر أنه دخلها في ذي الحجة، لفقت شهادتها، واللَّه أعلم.
تنكيت:
جعل البساطي هذا احتمالًا في التي قبلها يوجب تكرارها، فتأمله.
أو حلف بطلاقها لا كلم زيدًا، فشهد عليه واحد بكلامه له في السوق، وآخر بكلامه في المسجد لفقت.
أو شهد عليه واحد بأنه طلقها يومًا بمصر في رمضان، وشهد عليه آخر أنه طلقها يومًا بمكة في ذي الحجة، لفقت، أي: ضمت إحدى الشهادتين للأخرى في المسائل الخمس، وحذفه من الأربعة الأول لدلالة هذا عليه، والضم في هذه الأخيرة إن أمكن كون الزوج بمصر بمكة، كما مثلنا، ومثله في المدونة، وإن لم يمكن كما لو شهد أحدهما عليه بذلك يوم الخميس بمصر، والآخر يوم الخميس الآخر في بمكة، لم تلفق، قاله ابن يونس.
ثم شبه في التعليق، فقال: كشاهد بواحدة وآخر بأزيد منها كاثنتين أو ثلاث لفقت فيما اتفقا عليه وهو الواحدة، وحلف على الزائد، أي: لإسقاطه.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
وإلا بأن نكل سجن حتى يحلف لقدرته على اليمين، فيتهم بنكوله، وإليه رجع مالك، وكان يقول: إن طال سجنه ترك، كما في الجلاب، وكلاهما في المدونة.
لا بفعلين: كشهادة واحد أن لا يدخل الدار، ويشهد بدخولها، والآخر أن لا يركب الدابة، ويشهد بركوبها.
أو بفعل وقول، كواحد شهد بتعليقه بالدخول لدار زيد، وآخر شهد بالدخول لها، فلا يلفق في المسألتين، وفي الصورة الثانية لف ونشر غير مرتب.
وإن شهدا عليه بطلاق واحدة معينة من نسائه، ونسياها، لم تقبل شهادتهما على المشهور لعدم ضبطها، وحلف على المشهور مما طلق واحدة منهن.
اللخمي: لا يمين.
وهذا حكم إنكاره، وأما لو صدقهما، وادعى النسيان أيضًا لطلقن كلهن، وإن عينها صدق، كما تقدم في إحداكما طالق.
وإن شهد ثلاثة كل بيمين بطلقة حنث فيها ليس معه صاحبه أمر أن يحلف؛ لتكذيب كل واحد، فإن حلف لم يلزمه شيء.
وإن نكل فالثلاث لازمة له، قاله ربيعة في آخر كتاب الأيمان بالطلاق، وانظر الكلام على ما يتعلق بهذه وما ذكرناه من الفروع في الكبير.
* * *
فصل ذكر فيه حكم النيابة في الطلاق
وهي تخيير وتوكيل وتمليك ورسالة، فقال: إن فوضه -أي: الطلاق- فوضه الزوج لها -أي: للزوجة- توكيلًا -أي: على جهة التوكيل- بأن
[ ٤ / ٢٨٩ ]
جعل إنشاءه بيد غيره مع بقاء منع الزوجة منه، فله -أي: الزوج- العزل له قبله اتفاقًا.
إلا لتعلق حق زائد عن التوكيل، كـ: إن تزوجت عليك فأمر التي أتزوجها بيدك توكيلًا عني، فلا عزل له، كذا قيد ابن بشير بتعلق الحق، وتبعه المصنف، ولم يذكره ابن الحاجب.
ولما كان التفويض جنسًا يشمل التوكيل والتخيير والتمليك، قال: لا تخييرًا، وهو جعل الزوج إنشاء الطلاق ثلاثًا حكمًا أو نصًا عليها حقًا لغيره، ومن صيغته: اختاريني أو اختاري نفسك.
أو تمليكًا، وهو جعل إنشائه حقًا لغيره راجعًا في الثلاث يخص بما دونها بنية أحدهما، ومن صيغته: أمرك بيدك أو طلاقك، فليس له العزل، سواء جعله بيدها في المجلس، أو ما قرب منه؛ لأنهما إنما يفعلهما عن أنفسهما، وإذا لم يكن له العزل فيهما، فليس لها أن تطيل.
وحيل بينهما حتى تجيب، ووقفت، ولا تمهل، ثم بالغ بقوله: وإن قال: أمرك بيدك إلى سنة ووقفت متى علم ذلك، وفي أولها أو أثنائها فتقضي بإيقاع الطلاق، ورد ما بيدها.
وإلا بأن وقفت ولم تفعل أسقطه الحاكم، ولم يمهلها، وإن رضي الزوج لحق اللَّه تعالى؛ إذ فيه التمادي على عصمة مشكوك فيها.
وقول البساطي: (يسقطه إن رضي الزوج) غير ظاهر.
ولما كان جوابها يكون بقول وبفعل، والقول صريح ومحتمل، قال: وعمل بجوابها الصريح في الطلاق، يريد بالصريح هنا ما كانت دلالته على المعنى نصًا، كالألفاظ الصريحة في باب الطلاق.
كطلاقه تشبيه له بالصريح في جوابها وفي عدده، وعمل بجوابها في رده وبقائها في العصمة، كما كانت، كلا أقبل ما ملكتني، أو لا أدخل فيه ونحوه.
ومثل لجواب الفعل بقولها: كتمكينها من نفسها طائعة لا مكرهة،
[ ٤ / ٢٩٠ ]
وعطف على تمكينها قوله: ومضى يوم تخييرها، ولم تختر، ونحوه في المدونة.
ويسقط خيارها أيضًا مع ردها للعصمة بعد بينونتها بخلع أو بتات؛ لاستلزامه رضاها، ولذلك لا يعتبر رد الرجعية.
وهل نقل قماشها ونحوه من الأفعال كانتقالها عنه، وتخمير وجهها منه طلاق بمجرده، أي: يجري مجرى جوابها به، وهو لمالك، وعليه اقتصر ابن شاس، أو لا يكون طلاقًا، إلا أن تريده، وهو لمالك أيضًا؟ تردد في النقل عن مالك.
وقبل منها تفسير قولها المحتمل، وهو قبلت فقط، أو قبلت أمري -أي: شأني- أو قبلت ما ملكتني بأحد أمور ثلاثة:
- برد لتمليكه واستدامتها على العصمة.
- أو طلاق.
- أو بقاء في العصمة؛ لتنظر ما هو الأحسن بها: إما البقاء، وإما الفراق.
وناكر الزوج مخيرة لم تدخل إن زاد ما أوقعته على واحدة، بأن يقول: إنما قصدت بالتخيير واحدة.
وفهم منه: أنه ليس له مناكرة المدخول بها، وناكر مملكة مطلقًا مدخولًا بها أو لا، إن زاد ما أوقعته على الواحدة.
وفي بعض النسخ: (إن زادتا)، فيعود للمخيرة والمملكة.
[شروط المناكرة:]
ثم أفاد أن للمناكرة خمسة شروط، لا بد من اجتماعها، أشار لأحدهما بقوله: إن نواها -أي: الواحدة- عند التفويض، فلو لم ينوها عنده أو بعده أو لم ينو شيئا لزمه ما أوقعته، وكذا إن نوى أكثر.
ولثانيها بقوله: وبادر لمناكرتها فورًا عند سماع الزائد، فلو لم يبادر
[ ٤ / ٢٩١ ]
وأراد المناكرة وادعى الجهل في ذلك سقط حقه، وهو إحدى المسائل التي يسقط فيها حق الساكت، كما لو سكت حتى وطئها وادعت الجهل فإن حقها يسقط.
الثانية: من طلقت فراجعها زوجها، وسكتت حتى وطئها، ثم ادعت انقضاء عدتها.
الثالثة: من زوجت وهي حاضرة، فتسكت حتى دخل بها الزوج، ثم تنكر النكاح.
الرابعة: الأمة تعتق تحت العبد، فلا تختار حتى يطأها، وهي ساكتة.
الخامسة: الرجل يباع عليه ماله، ويقضيه المشتري وهو حاضر ساكت، ثم يدعي عدم الرضا بالبيع.
السادسة: سكوت الشفيع حتى أحدث المشتري في المبيع غرسًا أو بناءً، وطال الزمان، ثم أراد القيام.
السابعة: الحيازة إذا سكت المحوز عنه مدة تكون الحيازة فيها عاملة، ثم قام، فإن حقه يبطل.
ولثالثها بقوله: وحلف إن لم ينو زائدًا على الواحدة، فإن لم يحلف وقع ما زادته، ولا ترد عليها اليمين.
ابن رشد: اتفاقًا.
إذ لا يعلم صدق قوله من كذبه فيما ادعاه من النية، وقد جعل المملك لها ما كان بيده مع انتفاء نية الواحدة، ووقت هذا الحلف التعجيل وقت المناكرة، إن كان دخل بها؛ ليحكم الآن بأن طلاق التمليك رجعي.
وإلا يكن دخل بها فعند إرادة الارتجاع، أي: الزواج، فيحلف حينئذ، وأما إن لم يرده فلا يمين؛ إذ لعله لا يرتجعها.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
وأشار لرابعها بقوله: ولم يكررها أمرها بيدها، فإن كرره فلا مناكرة له فيما زادته، إلا أن ينوي التأكيد فما نواه، فإن لم ينوه بل نوى التأسيس أو لم ينو شيئًا فلا مناكرة.
تنكيت:
قولنا: فما نواه أحسن من قول الشارح فواحده، لأنه قد يقول: نويت التأسيس في الأولتين والتأكيد بالثالثة، أو التأكيد بالثانية والتأسيس بالثالثة، كنسقها هي إذا ملكها قبل البناء، فطلقت نفسها واحدة فواحدة فواحدة نسقًا لزمته الثلاث، ما لم تنو هي التأكيد، كطلاقه لها قبل البناء نسقًا، ونحوه في المدونة.
ولخامسها بقوله: ولم يشترط هذا التمليك في العقد، فله المناكرة، فإن اشترط فلا مناكرة له، دخل بها أو لم يدخل على المشهور، لكن إن دخل فله الرجعة، وإلا فلا، خلافًا لسحنون وغيره في أنه لا رجعة له في المدخول لها.
ابن عتاب: لرجوعه للخلع؛ لأنها أسقطت من صداقها للشرط، فإن تطوع في أصل العقد فله المناكره، قاله غير واحد.
وفي حمله -أي: التمليك عند العقد- على الشرط إن أطلق، ولم ينص على طوع ولا شرط، وهو قول أبي الوليد وابن فتحون، أو على الطوع وهو قول ابن العطار قولان، ليس له المناكرة على الأول لا الثاني، وإن قضت بأكثر من واحدة، وقال: لم أرد بالتمليك الطلاق قبل منه إرادة الواحدة بعد قوله: لم أرد طلاقًا، إذا رجع، وقال: أردت طلقة؛ لاحتمال سهوه، رواه ابن القاسم عن مالك، بعد أن يحلف، ولم يذكر المؤلف اليمين.
وقال أصبغ: لا يقبل منه؛ لأنه ندم.
واختاره غير واحد من الأشياخ؛ ولذا قال مرجحًا لقول غير ابن القاسم: والأصح خلافه، أي: خلاف قول ابن القاسم.
[ ٤ / ٢٩٣ ]
[حكم المخيرة المدخول بها:]
ولما قدم أن حكم المخيرة غير المدخول بها كالمملكة، ذكر حكمها مدخولًا بها، فقال: ولا نكرة له إن دخل بمخيرة أوقعت ثلاثًا في تخيير مطلق على المشهور، وهو مذهب المدونة بخلاف المقيد، كما يأتي.
وإن قالت مخيرة أو مملكة جوابًا: طلقت نفسي، سئلت بالمجلس وبعده بقليل؛ لأن جوابها محتمل، فإن أرادت الثلاث بذلك لزمت في التخيير، ولا مناكرة له، وناكر في التمليك بشروطه السابقة.
وإن قالت حين سئلت عما أرادت، فقالت: واحدة، بطلت تلك الواحدة في التخيير، بل بطل التخيير من أصله على المشهور، فلو أسقط التاء من (بطلت) ليعود للتخيير لكان أحسن. وقيل: لها القضاء ثانيًا بالثلاث.
وهل يحمل قولها: طلقت نفسي على الثلاث، لأنه الفاصل وهو قول أصبغ في الواضحة، ومذهب ابن القاسم في المدونة في التي تقول: طلقت نفسي، ولا نية لها أو على الواحدة لصدقه عليها، والأصل عدم الزائد، وهو قول ابن القاسم عند عدم النية قولان.
وفي بعض النسخ (تأويلان) موضع قوله (قولان)، والظاهر: سؤالها ثانيًا إن قالت في الجواب: طلقت نفسي أيضًا، إن لم يزد قولها ثانيًا على الأول، كذا قرره البساطي، وهو ظاهر.
وقال الشارح: لعل الواقع في الأصل طلقت زوجي؛ لأن المصنف وغيره إنما نصوا على أنه مثل طلقت نفسي، فتسأل عما أردت، وإلا فهو سهو.
[حكم التخيير:]
وفي جواز التخيير، وهو نقل الباجي وعبد الحق عن أبي عمران، قائلًا: ما علمت من كرهه، إنما يكره للمرأة إيقاع الثلاث، وعدم جوازه قولان.
ومقابل الجواز في كلامه يحتمل المنع، وهو ظاهر من حيث المقابلة
[ ٤ / ٢٩٤ ]
للجواز المطلق، وهو مقتضى قول اللخمي: يمنع لمنع الزوج من إيقاع الثلاث، وتوكيله عليه، فإن فعل انتزعه الحاكم من يدها، ما لم توقع الثلاث، ويحتمل الكراهة، وهو نقل الباجي -أيضًا- عن أبي بكر القاضي، ومن وافقه.
وتلخص من هذا أن في هذه المسألة ثلاثة أقوال، قال البساطي: والقول بالكراهة متوسط.
[ما يحلف فيه الزوج:]
وحلف الزوج ولزمه طلقة واحدة، وله الرجعة في قوله: اختاري في واحدة، فقالت: اخترت نفسي، فقال: ما أردت إلا واحدة من الطلاق، وقاله مالك في المدونة.
أو في قوله: اختاري أن تطلقي نفسك طلقة واحدة، أو تقيمي، فقالت: اخترت نفسي، وهي أيضًا في الأمهات؛ ففيها: إن قال لها: اختاري أن تطلقي نفسك تطليقة واحدة، أو في أن تقيمي، فقالت: اخترت نفسي، أتكون ثلاثًا؟
قال: نزلت بالمدينة، فقال مالك: آللَّه ما أردت بقولك ذلك إلا واحدة؟ ! فقال: واللَّه ما أردت إلا واحدة. قال: هي واحدة.
قلت: ما المسألة التي تسأل عنها مالك، قال: هي رجل قال لامرأته اختاري في واحدة، فأجابه بما أخبرتك.
عياض: ظاهر قول ابن القاسم أنهما سواء، وعليه تأولها الشيخ وغيره، وتأولها آخرون أنهما مفترقتان، وأن اليمين في الأولى دون الثانية.
لا اختاري طلقة فاختارت أكثر، فلا يحلف؛ لانصباب الاختيار على التطليقة (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (لا) يحلف إن قال: (إختاري طلقة) فأوقعت ثلاثًا فقال: ما أردت إلا واحدة فتلزمه واحدة فقط بلا يمين "غ" أشار لقول أبي سعيد وإن قال لها: =
[ ٤ / ٢٩٥ ]
[محل بطلان ما جعله لها:]
وبطل ما جعله الزوج لها إن قضت بواحدة في قوله: اختاري تطليقتين، ولا يلزمه شيء، ويبقى الزوج على ما كان قبل القول لها، أو في قوله: اختاري في تطليقتين بزيادة (في)، لم يلزمه شيء، إن قضت بواحدة، وبطل ما جعله بيدها.
وإن قال لها: اختاري من تطليقتين، فلا تقضي إلا بواحدة، وبطل على المشهور ما جعله بيدها في التخيير المطلق العادي عن التقييد بواحدة أو اثنتين، كـ: اختاري أو خيرتك ونحوه، إن قضت بدون الثلاث.
وقال أشهب: لا يبطل اختيارها، ولها أن تقضي بالثلاث، واستحسنه اللخمي؛ إذ لم تترك ما جعل لها إلا على حصول الواحدة، كـ: طلقي [نفسك] ثلاثًا، فيبطل ما قضت بدونها، إذ ليس لها مخالفته، وهو مذهب المدونة.
_________________
(١) = اختاري في طلقة فقالت قد اخترتها أو اخترت نفسي وقد يلزمه إلا واحدة وله رجعتها وليست في الأمهات (وبطل) ما جعله الزوج لها (إن قضت) الزوجة المخيرة (ب) طلقة (واحدة في) قوله لها (اختاري تطليقتين) ويبقى الزوج على ما كان له قبل قوله لها (أو في قوله) اختاري (في تطليقتين) بزيادة في فلا يلزمه شيء إن قضت بواحدة وبطل ما جعله بيدها، قاله تت. طفي: ظاهره أنه يبطل التخيير من أصله، وبه قرر الشارح في غير شرحه الصغير وتبعه تت و"س"، وقرره الشارح في صغيره على بطلان ما قضت به مع بقاء التخيير، وتبعه عج، وزعم أن هذا هو المطابق للنقل، ونظر في الأول ولم أر هذا النقل الذي زعم أنه يطابقه، بل ظاهر كلامهم أو صريحه خلاف ما زعمه، ففي المدونة وإن قال لها: اختاري تطليقتين فاختارت واحدة أو قال: طلقي نفسك ثلاثًا فقالت: طلقت نفسي واحدة لم يقع عليها شيء. اهـ. فتسويتها بين اختاري تطليقتين وطلقي نفسك ثلاثًا دليل على بطلانه من أصله، وعبارة اللخمي في اختاري تطليقتين لها القضاء بهما فإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء ونقلها ابن عرفة والموضح".
[ ٤ / ٢٩٦ ]
[مسألة:]
وإذا خيرها وقفت إن اختارت نفسها بدخوله على ضرتها، فأما إن تختاره أو فراقه، ولا التفات لشرطها.
قال ابن ناجي: وهو المشهور.
قال في الشامل: على الأصح.
[التخيير والتمليك المطلق:]
ورجع مالك -رحمه اللَّه تعالى- إلى بقائهما -أي: التخيير والتمليك- بيدها في المطلق العادي عن التقييد بالزمان والمكان، ما لم توقف، أو توطأ.
سواء قالت في المجلس: قبلت، أو لا، وذلك لها ما دامت في المجلس، وإن تفرقا فلا شيء لها، وحد ذلك إذا قعد معها قدر ما يرى الناس أنها تختار في مثله، ولم يقم فرارًا، ولا خيار لها بعد ذلك.
وله في باب آخر: إذا طال المجلس وذهب عامة النهار، وعلم أنهما خرجا عن ذلك إلى غيره، فلا خيار لها.
ثم شبه في قول مالك المرجوع إليه، فقال: كمتى شئت -أي: قال لها: أمرك بيدك متى شئت- فهو بيدها ما لم توقف أو توطأ.
ابن راشد: لا يختلف أنه بيدها حتى توقف، وإنما اختلف هل يقطعه الوطء أو لا.
وأخذ ابن القاسم بالسقوط لما بيدها بعد التفرق، وهو قول مالك الأول.
تنبيه:
لم يعلم من كلامه هل الراجح الأول لتصديره به، أو الثاني لموافقة ابن القاسم عليه، أو تساويهما.
وفي جعل إن شئت أو إذا شئت كمتى شئت فيتفق على أنه بيدها
[ ٤ / ٢٩٧ ]
بشرطه ما لم توقف وهو أحد طريقي المتأخرين، أو هما كالمطلق فيأتي فيه قولًا مالك بالسقوط المرجوع عنه، وقوله المرجوع إليه وهو البقاء بيدها لشرطه، وهو طريق ثان للمتأخرين، تردد حكاه ابن بشير.
وقال أصبغ: إن قال: إن شئت كان الأمر بيدها في المجلس، ويقطعه الوطء، وإن قالت: إذا شئت كان الأمر بيدها حتى توقف، ولا يقطعه الوطء.
ثم شبه في التردد لا في مطلق الحكم قوله: كما إذا كانت غائبة عن المجلس وبلغها تخييرها ذلك، فهل يتفق على بقائه بيدها، وإن طال حتى يتبين رضاها بإسقاط حقها، وهو طريق ابن رشد، قال: والطول في ذلك أكثر من شهرين، أو كالحاضرة فيها، القولان اللذان في المملكة تمليكا مطلقًا، وهو طريق اللخمي؛ لقوله: والقول ببقائه أحسن.
الباجي: الصواب أن يدخله القولان.
[تعين المعين:]
وإن عين أمرًا كخيرتك أو ملكتك في هذا اليوم أو الجمعة أو الشهر أو العام أو أتى بما يدل على التكرار تعين، ولا تتعداه، وهذا ما لم ترد أو يسقطه الحاكم، فهو كالمقيد بما تقدم في قوله: ووقفت، وإن قال: إلى سنة إلخ.
[إجابتها التخيير بمتنافيين:]
وإن خيرها فأجابت بأمرين متنافيين كأن قالت: اخترت نفسي وزوجي، أو بالعكس (١)، فإن قدمت ما كان مؤخرًا، كـ: اخترت زوجي ونفسي فالحكم للمتقدم منهما في المسألتين، وهو الطلاق في الأولى، وعدمه في الثانية، قاله ابن يونس.
_________________
(١) بل لا بد من استيضاح مرادها؛ لأنها ربما تكون قد عنت بكلامها هذا أن بقاءها مع زوجها هو خير لها، فهو اختيار لنفسها، فقولها: اخترت نفسي وزوجي، يعني أن لا انفكاك لأحدهما عن الثاني، واللَّه أعلم بخبايا النفوس.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
[تنجيز التخيير والتمليك:]
وهما -أي: التخيير والتمليك- في التنجيز وغيره لتعليقهما بمنجز وغيره، كـ: إن مضت سنة فأمرك بيدك، فأمرها بيدها الآن، وإن قال: إن في خلت الدار فأمرك بيدك انتظر الدخول، كالطلاق في التخيير والتأخير، فينجز فيه هنا ما ينجز في الطلاق، وما لا فلا، وفاقًا وخلافًا.
[تعليقهما:]
ولو علقهما -أي: التخيير والتمليك- بمغيبه، كـ: إن غبت شهرًا فقد خيرتك أو ملكتك، فقدم قبل انقضاء الشهر، ولم تعلم بقدومه فتزوجت بعد اختيار نفسها وثبوت غيبته، وحلفها على ذلك، وأنه لم يقدم سرًا ولا جهرًا، فكالوليين تفوت على الأول بدخول الثاني، ولم تعلم على المشهور.
وإن علمت بقدومه وتزوجت لم تفت، ولو علقهما بحضوره من سفره مثلًا، كـ: إن حضرت فأمرك بيدك فحضر، ولم تعلم بحضوره، فهي على خيارها.
تنبيه:
كذا قرره الشارح، وقول البساطي: (ليس له كبير معنى، ولا لقوله: فهي على خيارها، يعني: والذي يظهر في معنى ذلك، أنه جعلهما بيدها إلى أن يحضر، ثم حضر ولم تعلم بحضوره، فإنها تبقى على خيارها تنزيلًا لعلمها بالحضور منزلة الحضور) غير ظاهر، وقد بينا عدم ظهوره في الكبير.
[التخيير لصغيرة:]
واعتبر التخيير لصغيرة تعقل ما توقعه قبل بلوغها، واختلف في قول الإمام: إذا بلغت في حالها، هل هو إن ميزت، وهو سماع عيسى، إذا عرفت ما ملكت فيه، وإن لم تبلغ مبلغًا يوطأ مثلها فيه، فاعتبر حال التمييز فقط، أو متى تبلغ أن توطأ، وهو قول ابن القاسم: يريد بلغت حد الوطء؟ قولان.
ومفهوم (ميزت) أنها إن لم تميز لا يعتبر ما توقعه، ويستأنى حتى
[ ٤ / ٢٩٩ ]
تعقل، ثم تختار، وقاله ابن القاسم.
[تفويضه لغيرها:]
وله -أي: للزوج على المشهور- التفويض لغيرها، بأن يجعل له ما كان يجعله لها.
وهل -أي: لهذا المفوض- له عزل وكيله الأجنبي، إن أراد، وهو لمالك، أو لا، وهو قول ابن الماجشون؟ قولان حكاهما الباجي، واعتمده المصنف.
تنبيهان:
الأول: ظاهر كلامه: جواز التفويض، ولو لصبي، وهو كذلك.
الثاني: ظاهر كلامه جوازه للذمي، وهو كذلك.
[محل نظر الأجنبي في شأن المرأة:]
وله -أي: للأجنبي المفوض له- النظر في أمر الزوجة، وصار كهي في إبقاء العصمة أو زوالها، إن حضر، أو كمان غائبًا غيبة قريبة، كاليومين، يحتمل والثلاثة كما في سماع عيسى، وهو الظاهر، ويحتمل اليوم وشبهه، كما لابن القاسم في الواضحة.
لا إن كانت غيبته أكثر من كاليومين فلها النظر في أمر نفسها؛ إذ في انتظاره مع بعد غيبته ضرر عليها وجعل ذلك بيد أجنبي آخر وإبطاله لا موجب له.
إلا أن تمكن الزوج من نفسها، فيسقط نظر الأجنبي، كما لو كان التفويض لها ومكنته.
قال في الشامل: ولو كان التمكين بغير علم الأجنبي على الأصح.
أو إلا أن يغيب حاضر فوض إليه، فيسقط حقه من ذلك، وظاهره: قربت غيبته أو بعدت، وهو كذلك.
ابن عبد السلام: ينبغي التفريق بين القريبة والبعيدة.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
ولذلك قيدوه بما إذا لم يشهد ببقائه على ما جعل له فإن أشهد ففي بقائه بيده عملًا بالظاهر، وهو قول مالك: لا يقربها؛ لأنه جعل أمرها لغيرها فيلزمه ما التزم.
أو ينتقل للزوجة، قاله في الجواهر، قولان إلا أنه قيدها فيها بالبعيدة، وأما القريبة فيكتب إليه بإسقاط ما بيده، أو إمضاء ما جعل إليه، ولم يذكره المؤلف.
وإن ملك رجلين أمر امرأته فليس لأحدهما القضاء دون الآخر، إلا أن يكونا رسولين فلأحدهما القضاء دون الآخر، كالوكيلين في البيع والشراء، واللَّه أعلم.
خاتمة:
لو قال: ملكتكما أمرها أو أمرها بيديكما فوكيلان، وينزلان منزلة الواحد، فلا يقع طلاقه إلا باجتماعهما معًا، وإن قال: أعلماها أنني طلقها فرسولان، والطلاق واقع، وإن لم يعلماها اتفاقًا.
وإن قال: طلقاها، احتمل الرسالة والتمليك، فعند ابن القاسم أن المحتمل على الرسالة حتى يريد التمليك، وعند أصبغ على التمليك حتى يريد الرسالة.
* * *
فصل ذكر فيه الرجعة، وحكمها، وما يتعلق بها
فقال: يرتجع من ينكح -أي: من فيه أهلية النكاح- لا صبي ومجنون، ولما خرج بـ (من ينكح) المحرم والمريض والعبد أدخلهم بقوله: وإن بكـ: إحرام وعدم إذن سيد؛ لأن إذنه له في النكاح إذن في توابعه، وسواء كان المحرم الزوج أو الزوجة أو هما.
[ ٤ / ٣٠١ ]
تتمة:
يضاف للثلاثة المذكورة السفيه والمفلس، فإن هؤلاء الخمسة تجوز رجعتهم، ولا يجوز نكاحهم.
طالقًا واحدة أو اثنتين بغير العبد غير بائن: صفة لمطلقة، وخرج به من طلقت قبل البناء أو بخلع، أو اثنتين للعبد، أو ثلاثًا للحر، فلا يسمى عود كل للعصمة رجعة اصطلاحًا.
[محل الرجعة:]
في عدة نكاح صحيح، فلا رجعة لمعتدة نكاحه الفاسد الذي لا يقر بالدخول، حل وطوه، خرج به نكاح صحيح لا يحل وطؤه، كما لو راجع ثم طلق قبل الدخول، فلا رجعة إلا بنكاح جديد، كذا قرره الشارح رحمه اللَّه تعالى.
وقال البساطي: احترز به عما لا يحل وطئها، كـ: حائض ونفساء، أو في نهار رمضان ونحوه؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا بالنسبة للارتجاع، وأما بالنسبة للعدة منه فاحتياطًا.
وقال ابن الماجشون: يحل وطؤه، فتصح الرجعة.
[ما تحصل به:]
وتحصل الرجعة بقول صريح أو ظاهر مع مصاحبة نية، كـ: رجعت وارتجعت مثلًا، وأمسكتها، ونحوه مما يدل على خلاف ما كان منه، أو نية مجردة عن اللفظ على الأظهر عند ابن رشد؛ لأن اللفظ إنما هو عبارة عما في النفس (١).
وإذا نوى رجعتها في نفسه صحت فيما بينه وبين اللَّه تعالى، وأشار بقوله وصحح خلافه لقول ابن لشير: إنه المذهب.
_________________
(١) إذا كان كذلك؛ فانظر الفرق في عدم وقوع الطلاق لمن حدث نفسه مطلقًا زوجته.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
أو بقول مجرد عن النية على المشهور لدلالته بالوضع، ولو كان القول هزلًا، ويؤاخذ به في الظاهر، ولا يصدق فيما ادعاه من عدم النية.
[ما لا تحصل به:]
لا في الباطن فيما بينه وبين اللَّه تعالى، فلا تصح، لا بقول محتمل للرجعة وغيرها، كـ: أعدت الحل، بلا نية، أو: رفعت التحريم؛ إذ لا نية ولا دلالة ظاهرة.
ولا تحصل الرجعة بفعل دونها -أي: النية- كوطء أو قبلة، أو لمس، قاله في المدونة.
[وطء رجعية دون نية:]
ولا صداق على واطئ رجعية بغير نية، وإن استمر على وطئه بغير نية، وانقضت عدتها ثم طلقها؛ لحقها طلاقه على الأصح، وهو قول أبي عمران.
ولا تحصل الرجعة إن لم يعلم دخول بين الزوجين، بأن قامت قرينة تدل على عدم الدخول، وإن تصادقا على الوطء قبل الطلاق؛ لأن الرجعة حينئذ تؤدي لثبوت النكاح بلا عقد ولا ولي ولا صداق، إلا أن يظهر حمل، ويقر به، لانتفاء التهمة مع الإقرار به.
تنبيه:
تعقب البساطي قول الشارح يدخل علم عدم الدخول تحت قوله: (إن لم يعلم دخول) بأن علم الدخول غير علم عدمه، واللَّه أعلم.
وأخذ بإقرارهما في غير الرجعة، فيمنع كل من صاحبه، ويؤاخذ الزوج بما يقضيه إقراره من نفقة وكسوة وصداق وسكنى وحرمة أمهاتها وبناتها وجمع أختها وعمتها وخالتها وتزويج غير حتى تنقضي عدتها، وتؤاخذ الزوجة بالعدة، ومنع نكاحها حتى تنقضي، وحرمتها على آبائه وأبنائه.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
كدعواه -أي: الزوج- لها -أي: للرجعة- بعدها -أي: العدة- فلا رجعة له إن تماديا على التصديق، بأن قال: كنت راجعتها، وصدقته، أما لو رجعا معًا، وكذبا أنفسهما، أو رجع أحدهما، فقال بعض القرويين: لا يؤاخذ بإقراره.
وقال بعضهم: يؤاخذان بما تقدم من إقرارهما، إلا أن يحدث طلاق.
وصوب عبد الحق الأول، وإليه أشار بقوله: على الأصوب، وعلى الزوج للمصدقة له على دعواه الرجعة بعد العدة النفقة والكسوة، وتمنع من نكاح غيره؛ لأنها زوجة عند نفسها، وكذا عند الزوج.
ولا تطلق عليه إن قامت لحقها في الوطء.
اللخمي: على المعروف من المذهب.
لأنه لم يقصد ضررها، ولأنها غير زوجة في الحكم (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (إن تماديا)، أي: الزوجان (على التصديق) البناني إن حمل كلامه على الإقرار بالوطء فقط قالصواب أن قوله: إن تماديا على التصديق: شرط فيما بعد الكاف خاصة كما لجد عج عب وهو الجاري على قاعدته الأغلبية من رجوع الشرط ونحوه لما بعد الكاف واستظهره عج قائلًا: وأما الأولى فلا فرق فيها بين تماديهما على التصديق وعدمه ما دامت العدة، فإن انقضت فلا بد من أن يتماديا عليه وإلا عمل برجوعهما أو أحدهما، كمسألة دعواه لها بعدها ولا يلزمان بشيء. البناني: فيه نظر، بل بعد انقضاء العدة لا يؤاخذان بشيء إلا أن يكونا قد ارتجعا فتصير المسألة حينئذ مثل دعواه لها بعدها. ومفهوم إن تماديا إلخ: أن من رجع منهما سقطت مؤأخذته بإقراره، وما ذكره عج من أنه إذا رجع أحدهما سقطت مؤاخذة كل منهما غير ظاهر انظر طفي، ونصه: قوله إن تماديا على التصديق، فمن رجع فلا يؤاخذ بإقراره كما يفهم من تت، وصرح به "س"، وزعم عج أنه غير ظاهر قائلًا: إذا رجع أحدهما سقطت مؤاخذة كل منهما وهو غير ظاهر، ففي ابن عرفة ودعواه رجعتها بعد العدة لغو ولو وافقته إلا بدليل في كون البجنة على أنه كان يخلو بها في العدة ويبيت عندها أو أحدهما قولها ونقل ابن بشير ونقل اللخمي عن محمد يبيت عندها في بيت في كونه ثالثًا نظر، ثم قال: قلت: ومقتضى منع تزويج أختها أنه لا يقبل رجوعه عن قوله رجعتها، ومقتضى =
[ ٤ / ٣٠٤ ]
[جبرها على تجديد العقد:]
وله جبرها على تجديد عقد بربع دينار؛ لأنه ممنوع منها، لحق اللَّه تعالى في ابتداء نكاح بغير شروطه.
[محل ثبوت الوطء:]
ولا يثبت الوطء إن أقر به الزوج فقط في خلوة زيارة، وكذبته، فلا رجعة له، ولها كل الصداق، وعليها العدة للخلوة، ثم صرح بالمفهوم، فقال: بخلاف خلوة البناء.
وقوله: (فقط) يحتمل عوده للأولى فقط، ولهما معًا.
[إبطال الرجعة:]
وفي إبطالها -أي: الرجعة- مطلقًا إن لم تنجز، بأن علقت على شرط محقق، كغد، أي: إذا جاء غد فقد راجعتها، كما في المدونة، فلا تكون رجعة أصلًا، وهو لصاحب النكت.
أو الإبطال إنما هو الآن فقط، وتكون رجعة في غد، وإليه ذهب ابن محرز وغيره؛ لأنه حق له، فله تعليقه وتنجيزه.
تأويلان أصلهما الاختلاف في فهم قول مالك في المدونة ليس ذاك رجعة، وحكى ابن الحاجب الثاني بقيل.
ولا رجعة إن قال: من يغيب وقد كان علق طلاقها على دخول الدار وخاف إن تحنثه في غيبته: إن دخلت داري مثلًا فقد ارتجعتها، وأصله لمالك فيمن قال لزوجته: أشهدكم أنني إن طلقت زوجتي فقد أرجعتها، أنه لا ينفعه ذلك.
_________________
(١) = قولهم تجبر له على تجديد عقد إذا أعطاها ربع دينار وعدم قبول رجوعها عن تصديقه، ونقل عبد الحق عن بعض القرويين قبول رجوعهما عن قولهما كمن ادعت أن زوجها طلقها ثلاثًا فأكذبها ثم خالعها ثم أرادت مراجعته وأكذبت نفسها فيقبل رجوعها واختاره وعن بعضهم: لا يقبل رجوعها".
[ ٤ / ٣٠٥ ]
كاختيار الأمة نفسها أو زوجها العبد بتقدير حصول عتقها تحته، بخلاف زوجة ذات الشرط، يجعله لها زوجها في العقد إن تزوج عليها أو تسرى فأمرها بيدها، تقول: إن فعله زوجي فقد فارقته، فإنه لازم له، قاله مالك.
وسأله ابن الماجشون عن الفرق، فقال له: أتعرف دار قدامة، وهي دار يلعب فيها بالحمام تعريضًا بقلة تحصيله، وترك إعمال نظره، حتى لا يسأل إلا عن مشكل، كقوله أيضًا لابن القاسم في سؤاله له: أنت حتى الساعة تسأل عن مثل هذا.
وفرق الصقلي بأن خيار الأمة إنما يجب بعتقها، فاختيارها قبله ساقط كالشفعة في إسقاطها قبل الشراء، والمملكة جعل لها الزوج ما كان له إيقاعه معلقًا على أمر.
[محل صحتها:]
وصحت رجعته -أي: الزوج- إن قامت بينة على إقراره بوطئها قبل الطلاق، كذا قرره الشارح بعد أن قال: لما ذكر أن الرجعة لا تكون إلا مع الدخول، وأنه إذا لم يعلم دخول لا تصح، ولو تصادقا على الوطء قبل الطلاق نبه على أن هذه المسألة بخلاف تلك، وأن الزوج إذا أقام بينة على إقراره بالوطء قبل الطلاق أن له الرجعة، وهكذا قال أشهب.
ثم قال: ويحتمل أن يريد أنه أقام بينة بعد العدة أنه راجعها قبل انقضائها، ونسبه للمدونة.
أو أقام بينة تصرفه عليها، ومبيته معها فيها، أي: في العدة، وادعى الرجعة، صحت رجعته، وظاهره: أنه لا بد من مجموع الأمرين: تصرفه ومبيته، وهو خلاف عطف ابن الحاجب للمبيت بـ (أو).
أو قالت عند ارتجاعه لها: حضت ثالثة، فأقام بينة على قولها قبله، أي: قبل هذا القول بما يكذبها، بأن تشهد البينة أنها قالت: لم أحض
[ ٤ / ٣٠٦ ]
أصلًا، أو لم أحض ثالثة، وليس بين قوليها ما يمكن أن تحيض فيه كمال الثلاث صحت رجعته.
ومفهوم (أقام بينة): أنه لو لم يقمها لم تصح رجعته، ولو صدقته، وهو كذلك، قاله أشهب.
أو أشهد برجعتها فصمتت، ثم قالت: بعد يوم أو أقل، كانت العدة انقضت صحت رجعته، وتعد نادمة.
أو قال: راجعتها، ولم تصدقه، وانقضت عدتها، وتزوجت، ثم ولدت ولدًا كاملًا لدون ستة أشهر من النكاح الثاني لحق ما ولدته بالأول، وردت إليه برجعته التي لم تصدقه عليها؛ لظهور حملها منه قبل طلاقه.
ولم تحرم على الزوج الثاني إذا طلقها الأول، أو مات عنها؛ لأنا لما ألحقنا الولد بالأول لزم أن يكون الثاني تزوج ذات زوج لا معتدة.
تنكيت:
قد ظهر لك مما قررنا أن في كلامه إحجافًا.
[إرجاعها دون علمها:]
وإن راجعها ولم تعلم بها -أي: برجعته- حتى انقضت عدتها وتزوجت، ودخل بها الزوج، فكالوليين يزوجها كل منهما، ويدخل بها الثاني، فإنها تفوت على الأول على المشهور.
[وطء السيد أمته المطلقة:]
أو وطئ الأمة المطلقة سيدها بعد انقضاء عدتها، ولم يعلم السيد برجعتها فكالوليين، تفوت على الزوج كالحرة على المشهور.
[حكم الرجعية:]
والرجعية كالزوجة في وجوب نفقتها وكسوتها والتوارث، إلا أنها تفارق حكمها في تحريم الاستمتاع بها، وحرمة الدخول عليها، والأكل معها على المشهور، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وإليه رجع مالك،
[ ٤ / ٣٠٧ ]
وكان يقول: لا بأس أن يدخل عليها، ويأكل معها، والقولان في المدونة.
تتمة:
له السكنى معها في دار جامعة لها وللناس، ولو أعزب.
فائدة:
أقام أبو محمد صالح من قول المدونة: "لا بأس للمعتدة أن تنتقل لأحد بيوت الدار الجامعة للناس"، وهو عند أهل فأس منكر عظيم. انتهى، وكذا عند بعض أهل مصر.
[إرجاعها بعد العدة:]
وإذا قال لمعتدة: راجعتك، فقالت نسقًا: قد انقضت عدتي، صدقت في انقضاء عدة الأقراء والوضع بلا يمين ما أمكن، بأن يمضي من الزمان ما يمكن انقضاؤها فيه، وإن خالفت عادتها.
تنبيه:
خص ذلك بعدة القرء والوضع؛ لظهورهما، ولأن الأشهر لا تختلف.
[عدم قبول قول من كذبت نفسها:]
وأما ما أشكل على الرجال انقضاؤها فيه كشهر، فقال مالك في المدونة في إذا قالت: حضت ثلاثًا في شهر: سئل النساء، فإن قلن يحضن ويطهرن لذلك صدقت، ولا يفيد تكذيبها نفسها في قولها: قد انقضت، ثم تقول: كنت كاذبة؛ لأنه داعية لنكاح بغير ولي ولا صداق ولا شهود.
[اعتذارها عن كذبها:]
ولا يفيد المرأة أيضًا اعتذارها أنها إنما قالت انقضت أنها رأت أول الدم فأخبرت بانقضائها، وانقطع بعد ساعة، ولا يفيد رؤية النساء لها إذا كذبت نفسها بعد قولها دخلت في الحيضة الثالثة، ورآها النساء، فلم يجدن بها أثر الحيض، وبانت بأول قولها.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
تنبيه:
رتب المؤلف كابن الحاجب هذه المسائل الثلاثة ترتيبًا حسنًا، وهو أنه حكم أولًا بعدم قبول قولها لما كذبت نفسها، ثم عقبه بعدم قبول من لم تكذب نفسها، ثم عقبه بعدم قبول من شهد لها النساء بصدقها.
[محل عدم تصديقها:]
ولو طلقت طلاقًا رجعيًا، ومات زوجها بعد كسنة، فقالت: لم أحض من حين الطلاق، إلا حيضة واحدة، فإن كانت غير مرضع ولا مريضة لم تصدق؛ لندوره ولاتهامها على أخذ ميراثها منه، وإن كانت مريضة أو مرضعة صدقت لقلة الدم.
إلا إن كانت غير المريضة والمرضعة تظهره، أي: عدم الحيض. البساطي: تكرر ذلك بحيث ظهر من قولها.
وقوله: (سنة)، أي: قدرها أو قبلها أو بعدها بقليل (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (إلا إن كانت) الرجعية (تظهره)، أي: احتباس دمها وتكرر ذلك حتى ظهر من قولها في حياة مطلقها فتصدق بيمين وترثه لضعف التهمة حينئذ ولو في أكثر من عامين، ومفهوم غير مرضع ومريضة تصديق المرضع والمريضة مدتهما بلا يمين، وتصدق المرضع أيضًا في عدم انقضائها بعد الفطام بالفعل ولو تأخر الفطام عن مدته الشرعية إلى عام بيمين ولا تصدق بعده، كذا في النص، قاله عج. وفي الشارح الوسط عن ابن مزين ما يفيد خلافه، والظاهر أن المريضة مرضًا شأنه منع الحيض كالمرضع، ومحل عدم تصديقهما إذا لم تظهرا عدم الانقضاء وإلا صدقتا بيمين. ومفهوم مات أنها لو ادعت ذلك وهو حي قبل سنة أو بعدها صدقت إن كانت بائنًا لاعترافها على نفسها، فإن كانت رجعية فلا يمكن من رجعتها مطلقًا، ولها النفقة ونحوها إن صدقها. ولو ماتت بعد انقضاء مدة عدتها المعتادة فادعى بقاءها فيها وتأخر حيضها ليرثها فلا يصدق إلا بقرينة دالة على صدقه، وإن ادعى حملها وعدم وضعها صدق، وعلى من خالفه إثبات عدم حملها أو وضعه إلا إذا اعتدت بمسكنها ثم تحولت منه لانقضاء عدتها وذكرت ذلك فلا يرثها قاله الشارح وتت عن الإمام مالك "﵁" أفاده عب. =
[ ٤ / ٣٠٩ ]
أو حلفت إذا مات زوجها في كالستة أشهر إن عدتها لم تنقض وصدقت وورثته.
لا إن مات في كالأربعة أشهر أو عشر، فلا تحلف وتصدق، كذا في توضيحه: أربعة أشهر وعشرًا عند ابن رشد، فحكاه ابن عرفة: أربعة أشهر ونحوها.
[ما يندب في الرجعة:]
وندب الإشهاد بالرجعة على المشهور، ومقابله يجب، وأصابت من منعت نفسها من الزوج له -أي: للإشهاد- وشهادة السيد بالرجعة لزوج أمته كالعدم؛ لأنه يتهم على ذلك.
وندبت المتعة على المشهور (١)، وهي ما يؤمر الزوج بإعطائه الزوجة لطلاقه إياها، ولا يقضى به، ولا تحاصص.
قال مالك في المدونة: ولا حد لها، بل على قدر حاله، وهو المشهور.
أبو عمران: على قدر حالها.
_________________
(١) = البناني قوله: لم تصدق إلا إن كانت تظهره هذا قول المدونة وفي سماع عيسى تصدق بيمين مطلقًا، وحكاه ابن رشد في دعواها ذلك في السنة وقربها، ثم قال: وأما لو ادعته بعد فوته بأكثر من العام أو العامين لا ينبغي أن لا تصدق إلا أن تكون ذكرته في حياته قولًا واحدًا. طفي: حيث جرى المصنف على قيد الإظهار فلا خصوصية للسنة، ففي تقييده بها درك عليه. اهـ. قلت: يصح حمل كلامه على الصورة الأخيرة المتفق عليها، ويكون بمفهومه جاريًا على ما في سماع عيسى، فينتفي عنه الاعتراض، واللَّه أعلم. وقوله: لا تصدق بعد عام فيه نظر، إذ الذي في "ق" عن ابن رشد أن حكم المرضع من بعد الفطام كالتي لم ترضع من يوم الطلاق. اهـ. أي: فتصدق إن كانت تظهره".
(٢) وهو ما يعرف في عرفنا الليبي بـ (انْصَفَهْ)، ولعل أصل الكلمة تحريف عن قولهم أولًا: انصفها.
[ ٤ / ٣١٠ ]
ابن مسلمة: لازمة، يقضى بها.
الرجعية بعد العدة؛ لأنها زوجة ما دامت في العدة.
تكميل:
لو دفعها لرجعية ثم راجعها لم يرجع بها؛ لأنه كالهبة المقبوضة.
وقيل: يرجع.
[أخذ الورثة لها:]
أو ورثتها، أي: لهم أخذها إن ماتت قبل أن يمتعها عند ابن القاسم.
[محل إعطائها:]
ثم شبه في الحكمين السابقين من الدفع لها أو لورثتها، فقال: ككل مطلقة بائن؛ فإنه يدفعها لها عند الطلاق، ولورثتها إن ماتت، وسواء كانت حرة مسلمة أو كتابية أو أمة مسلمة، في نكاح لازم صحيح أو فاسد، لزم بفواته كالفاسد لصداقه إذا طلق فيه بعد الدخول، وإن كان مما يفسخ بعده فلا متعة.
لا في فسخ، فلا يستحب في نكاح يفسخ؛ إذ لا جبر حينئذ، ثم شبه بقوله: كلعان؛ إذ لا رجعة مع وجوده.
ولا متعة في ملك أحد الزوجين للآخر؛ لأنه إن كان المالك الزوج فلم تخرج عن حوزه، وإن كانت هي فهو وما معه لها.
ثم استثنى من الكلية، فقال: إلا من اختلعت؛ لأنها أعطت للفراق، فلا ألم عندها كالمصالحة.
أو فرض لها صداق، وطلقت قبل البناء؛ لأخذها نصف الصداق وسلعتها باقية، فإن لم يفرض لها فلها المتعة.
ومختارة لعتقها للفراق؛ لأنها هي الموقعة للطلاق، أو مختارة للفراق لعيبه؛ لأنه من قبلها، وإن كان لعيبها فغارة، ومخيرة ومملكة على المشهور؛ لأن تمام الطلاق منهما.
[ ٤ / ٣١١ ]
وقيل: لكل منهما المتعة.
اللخمي: وهو صحيح.
* * *
باب ذكر فيه الإيلاء، وما يتعلق به
واختلف هل مدلوله لغة: الامتناع، ثم استعمل فيما كان الامتناع منه بيمين، وهو قول القاضي ابن رشد، أو اليمين، وهو قول الباجي وابن الماجشون والفضل.
[تعريف خليل للإيلاء:]
ورسمه المصنف بنحو ما قال ابن الحاجب، فقال: الإيلاء يمين زوج مسلم حر أو عبد، باللَّه أو بصفة من صفاته، أو ما فيه التزام من عتق أو طلاق أو صدقة أو غير ذلك، إذا علق بالوطء، خلافًا لأحمد في تخصيص اليمين باللَّه، ولأبي حنيفة في انعقاده بكل ما فيه التزام غير الصلاة.
وخرج بمسلم: الكافر، ويأتي خلاف الشافعي لعموم الآية، وجوابه إن قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ويمنعه؛ لأن الغفران والرحمة لا يحصلان للكافر بالفيئة.
مكلف: صفة لمسلم، يخرج به الصبي والمجنون، فلا يصح إيلاؤهما، ويدخل السفيه والسكران والمولي عليه والأخرس إن فهم منه ذلك بإشارة أو كتابة والأعجمي بلسانه.
يتصور وقاعه: وصف، يخرج به الخصي والمجبوب والشيخ الفاني، فلا إيلاء على واحد منهم.
ثم بالغ بقوله: وإن كان المسلم الموصوف مريضًا؛ لأن المرض لا يمنع مطلق الوطء.
[ ٤ / ٣١٢ ]
ووصف اليمين بكونها بمنع وطء زوجته صغيرة مطيقة أو كبيرة، كـ: واللَّه لا أطؤها، وخرج به هجرانها، وهو يصيبها، فإنه غير إيلاء، وإن كان ضررًا يقوم بالطلاق لأجله عند تبينه.
وخرج به أم الولد والسرية، فلا إيلاء فيهما.
[تعليق الإيلاء:]
ولا يشترط تنجيز اليمين؛ فلذا قال: وإن تعليقًا، كـ: إن دخلت الدار فواللَّه لا أطؤك (١).
[شروط الزوجة:]
ثم وصف الزوجة بقوله: غير المرضعة حلف أن لا يطأها حتى تفطم ولدها، وبالغ بقوله: وإن كان المولي منها مطلقة طلقة رجعية؛ لأنها في حكم الزوجة.
[زمن الإيلاء:]
ثم وصف الترك المحلوف عليه بكونه أكثر من أربعة أشهر للحر؛ لأن هذه المدة مظنة الضرر.
تنكيت:
في قوله: (أكثر) إجمال؛ لصدقه باليوم أو لزيادة مؤثرة على اليوم، أو بما زاد على أجل المتلوم، والأول ظاهر المدونة، ونص أبي عمران،
_________________
(١) قال في المنح: " (وإن) كان (تعليقًا) يصح كونه مبالغة في يمين وفي منع الوطء، وفي زوجته لأن اليمين تكون منجزة ومعلقة، ومنع الوطء كذلك والزوجة كذلك، كقوله لأجنبية: إن تزوجت فلانة فواللَّه لا أطؤها سنة مثلًا. طفي: الظاهر أن مراده التعليق المختلف فيه وهو التعليق على التزويج ظاهرًا أو حكمًا كقوله لأجنبية: إن تزوجتك فواللَّه لا أطؤك، أو قوله لها ابتداء: واللَّه لا أطؤك فإذا تزوجها لزمه الإيلاء في الصورتين على المشهور، وهو مذهب المدونة خلافًا لابن نافع محتجًا بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. اهـ. فحق المصنف التعبير بلو دفعًا للخلاف المذكور".
[ ٤ / ٣١٣ ]
والثاني للقاضي، والثالث نقل عياض.
وأكثر من شهرين للعبد، كما في المدونة، وهو المشهور، وحذف منه لفظ أكثر لدلالة الأول عليه، وصوب اللخمي أنه كالحر؛ لأن ضرر ترك الوطء فيهما واحد، ولمالك شهران، ومثله لابن القصار والطرطوشي.
تنكيت:
في قوله: (شهرين) إجمال؛ لظهوره في الاقتصار عليهما، كما هو أحد قولي مالك وابن القصار.
ولا ينتقل العبد بعتقه بعده، أي: بعد الإيلاء، لقدر أجل الحر، بل يبقي على حاله اعتبارًا بحال حلفه.
[ألفاظ الإيلاء:]
ثم أفاد الألفاظ التي يكون بها موليًا بقوله لمطلقته الرجعية: كـ: واللَّه لا أراجعك، فإنه يكون موليًا إن مضت أربعة أشهر من يوم الحلف، وهي معتدة، فإن لم يفت ولم يرتجع طلق عليه أخرى، وثبت على عدتها الأولى، وتحل بتمامها، وإن قل ما بقي منها، ولو يومًا أو ساعة.
واستشكله اللخمي أن الوقوف إنما يكون لمن لها حق في الوطء والمطلقة لا حق لها فيه، ولا خلاف أن الرجعة حق له لا عليه، إن شاء ارتجع، وإن شاء لم يرتجع، فكيف يجبر على أن يرتجع ليصيب أو يطلق عليه أخرى، وهو ظاهر.
وأجاب ابن محرز وغيره بأنه إنما ألزمه الإيلاء مخافة أن يكون ارتجع وكتم.
أو: لا أطؤك حتى تسأليني أو تأتيني، فيكون موليًا، ولا يفيده تقييده بسؤالها أو إتيانها، لأنه معرة عند النساء، وإن سألته أو أتته قبل الأجل أمر بالفيئة، فإن فاء انحل عنه الإيلاء، وإن لم يف حتى مضى الأجل طلق عليه.
[ ٤ / ٣١٤ ]
أو حلف على شيء يلزمه منه نفي الوطء عقلًا، مثل: لا ألتقي معها.
اللخمي: هو مول بلا شك؛ لأن عدم الالتقاء يلزم منه عدم الجماع.
أو شرعًا، مثل: لا أغتسل من جنابة منها فمول، وظاهره: ولو كان فاسقًا بترك الصلاة؛ لأنه لا يقدم على الجماع إلا بكفارة.
أو حلف على فعل عليه فيه مؤنة ومشقة مثل: لا أطؤك حتى أخرج من البلد إذا تكلفه سالمي الخروج فمول.
أو قال: علي نذر -مثلًا- إن وطئتك في هده الدار إلى سنة مثلًا فمول إن لم يحسن في حقه خروجها له، أي: للوطء، أو كان عليها ضرر بالخروج له خارجها.
أو علق طلاقها على عدم الوطء، كقوله: إن لم أطأك فأنت طالق فمول عند مالك وابن القاسم، ثم رجع ابن القاسم إلى أنه ليس بمول؛ لأن يمينه غير مانعة له من الوطء، وصوب.
أو قال: إن وطئتك فأنت طالق واحدة أو اثنتين فمول، ويمكن من وطئها، ويقع طلاقه بمجرد الملاقاة، فالنزع حرام.
ويخلصه من ذلك ما قال المصنف وغيره: نوى ببقية وطئه الرجعة، وبالغ بقوله: وإن غير مدخول بها؛ لأنها بمجرد الملاقاة صارت مدخولًا بها، وهذه المسألة يلغز بها، فيقال: رجل وطئ زوجته، فحرمت عليه بذلك الوطء، أو حلت به.
[محل تعجيل الطلاق:]
وفي تعجيل الطلاق إن حلف بالثلاث إن وطئها عند مالك وابن القاسم، وهو الأحسن، يحتمل أنه أشار بقوله لاختيار سحنون، ويحتمل كما قال البساطي: عند جماعة، إذ لا بد من الطلاق، ولا يمكن من التقاء الختانين.
أو ضرب الأجل للإيلاء، ولا يعجل عليه الطلاق، قولان فيها، أي:
[ ٤ / ٣١٥ ]
في المدونة، وفيها قولان آخران غير هذين.
وفيها: ولا يمكن منه، أي: من الوطء، وعليه أكثر الرواة.
تنبيه:
حكم البتة في التمكين وعدمه كذلك.
[حكم عدم التمكين:]
كالظهار: تشبيه في أنه لا يمكن منها، قال في ظهارها: من قال لزوجته: إن وطئتك فأنت عليَّ كظهر أمي فهو مول حين قوله ذلك، فإن وطئ سقط إيلاؤه، ولزمه الظهار؛ فلا يقربها حتى يكفر له.
[من لا يلزمه الإيلاء:]
لا كافر، لا يلزمه إيلاء حال كفره، بل ولا إن أسلم بعد ذلك، إلا أن يتحاكمون إلينا راضين بحكمنا، فيلزمهم، قاله ابن عبد البر.
ولا يلزمه إيلاء في حلفه: لأهجرنها، أو: لا كلمتها؛ لأنهما لا يمنعان الوطء.
زاد في المدونة: وهو مع ذلك يمسها، ولم يذكره المؤلف، لكنه من الضرر الذي لها القيام به، وتطلق عليه بغير أجل عنده ظهوره.
أو حلفه: لا وطئتها ليلًا لبقاء النهار، أو: لا وطئتها نهارًا لبقاء الليل.
واجتهد، أي: اجتهد في أن لا يخطئ؛ لأن من الزمان ما يشك في كونه من النهار أو من الليل.
[التطليق عليه:]
وطلق عليه بلا ضرب أجل في حلفه: لأعزلن على الأصح.
وقيل: يضرب له أجل الإيلاء.
أو حلفه: لأبيتن عندها، فيطلق عليه من غير ضرب أجل، واستحسنه
[ ٤ / ٣١٦ ]
اللخمي، وأبيتن منفي بلا متصلة، فيجوز توكيده بالنون، قال في التسهيل (١): وهو الأصح، ومقابله قول الجمهور بالمنع في غير الضرورة (٢).
أو ترك الوطء ضررًا، طلق عليه بلا أجل إن كان حاضرًا، بل وإن كان غائبًا.
وقيل: يضرب له أجل الإيلاء.
أو سرمد العبادة بأن أدامها طلق عليه بلا أجل على المشهور، ولم ينه عن عبادته، ويقال له: إما وطئت أو فارقت إن خاصمته بلا أجل على الأصح في المسائل الأربع.
[محل عدم وقوع الإيلاء:]
ولا إيلاء لحالف إن لم يلزمه بيمينه حكم على الأصح، كـ: كل مملوك أملكه حر، أو علي المشي للسوق إن وطئتك، فلا يلزمه إيلاء.
أو خص بلدًا لكل مملوك أملكه من بلد كذا فحر إن وطئتك، فلا يكون موليًا قبل ملكه منها، أي: من تلك البلدة.
قال في المدونة: فإن ملكه فهو مول من ساعتئذ.
أو حلف: لا وطئتك في هذه السنة إلا مرتين ليس بمول؛ لأنها إذا وطئتها بعد أربعة أشهر ثم أمسك أربعة ووطئ بقية أربعة فليس بمول حتى يطأ وتبقى المدة كوطئه في المرة الأولى مرتين.
أو في آخرها مرة، وفي أول الثانية أو قربها مرة، أو حلف: لا وطئتك في هذه السنة إلا مرة فليس بمول حتى يطأ في أثنائها، وتبقى المدة أكثر من أربعة أشهر، وهذا قول ابن القاسم في المدونة، وله أيضًا: هو مول من حين حلف.
ولا يكون موليًا إن حلف على أربعة أشهر، هذا مستغنى عنه بقوله
_________________
(١) هو ابن مالك، وسبقت ترجمته.
(٢) أي: بالمنع في اختيار الكلام، الذي هو النثر.
[ ٤ / ٣١٧ ]
في الرسم: أربعة أشهر، واللَّه أعلم.
تتمة:
يحتمل أن يريد بهذا فرع الجواهر، وهو: إذا آلى إلى أربعة أشهر، ثم أعاد الإيلاء في آخرها بأربعة لم يكن موليًا.
أو قال: إن وطئتك فعلي صوم هذه الأربعة أشهر أو هذين الشهرين مثلًا، فليس بمول.
نعم إن وطئ في أثنائها صام بقيتها، إلا أن يسمى شهرًا، يأتي بعد أربعة أشهر، كقوله: في أول رمضان إن وطئتك فعلي صوم صفر، كأن قال: لا أطؤك حتى ينسلخ صفر.
ومفهومه: إن لم يعين كقوله: إن وطئتك فعلي صوم شهر أو شهرين فإنه يكون موليا، والفرق أنه في المعين كضارب الأجل.
[محل الأجل:]
والأجل في الإيلاء من اليمين، فيكون موليًا من حينه، إن كانت يمينه صريحة في ترك الوطء، كـ: واللَّه لا وطئتك إلى خمسة أشهر فأكثر (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (إن كانت يمينه)، أي: الزوج (صريحة في) المدة المعتبرة للإيلاء وهي أكثر من أربعة أشهر للحر ومن شهرين للعبد، بدليل قوله: لا إن احتملت مدة يمينه أقل، وكان حلفه على (ترك الوطء) صراحة أو التزامًا بدليل قوله: أو حلف على حنث. طفي: مراد المصنف أن الأجل من اليمين بشرطين: كون يمينه على ترك الوطء صريحًا أو التزامًا، وكونها صريحة في المدة المذكورة، وهي أكثر من أربعة أشهر، لكن عبارته غير وافية بهذا فالصريحة ليست منصبة على ترك الوطء، وإنما هي منصبة على المدة المذكورة بدليل قوله: لا إن احتملت مدة يمينه أقل، ومعنى ذلك أن يمينه إن كانت على ترك الوطء صريحًا أو التزامًا بأي يمين كانت باللَّه تعالى أو بالتزام قربة او طلاق أو إعتاق أو تعليق على فعل ممكن، فأجله من اليمين بقيد معتبر عند المصنف وهو كونها صريحة في المدة المذكورة. فإن كانت غير صريحة فيها فقد أشار إليها بقوله: لا إن احتملت مدة يمينه أقل. =
[ ٤ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإن كانت على غير ترك الوطء فقد أشار لها بقوله أو كانت على حنث، فالمراد بها الحلف على غير ترك الوطء كأن لم أدخل دار فلان فأنت طالق، وهذا الذي تقدم له في الطلاق بقوله: وإن نفى ولم يؤجل منع منها. هذا تحرير كلامه، وهو المطابق للنقل. ابن رشد: الإيلاء ثلاثة أقسام: قسم يكون فيه مؤليًا من يوم حلف وذلك الحلف على ترك الوطء بأي يمين كانت فهو مؤل من يوم حلفه. وقسم لا يكون فيه مؤليًا إلا من يوم رفعه إلى السلطان وإيقافه، وذلك الحلف بطلاقها أن تفعل فعلًا فلا يكون مؤليًا حتى يضرب له الأجل من يوم رفعه. وقسم مختلف فيه وهو الإيلاء الذي يدخل على المظاهر. اهـ. فالحاصل أن الحلف على ترك الوطء أجله من اليمين بأي يمين كانت، سواء كانت بصيغة البر كواللَّه لا وطئتك أو إن وطئتك فأنت طالق، أو بصيغة الحنث كانت يمينه باللَّه أو بغيره، ولذا قال في الجواهر: من حلف على أمر ممكن ليفعلنه كقوله: لأدخلن الدار فإنه يكون مؤليًا قياسًا على الحالف على ترك الوطء، ويفترقان في ابتداء الأجل فإنه في حق هذا بعد الرفع حين الحكم، وفي الأول من حين الحلف. اهـ. فما ذكره المصنف في الشرط الأول وهو كون الحلف على ترك الوطء صحيحًا كما علمت. وأما الشرط الثاني الذي أشار لتخلفه بقوله: لا إن احتملت مدة يمينه أقل فتبع فيه ابن الحاجب ابن عرفة قول ابن الحاجب يلحق بالمولى من احتملت يمينه أقل وأجله من يوم الرفع. ابن عبد السلام قال في المدونة: من قال: إن لم أفعل كذا أو لأفعلن كذا فأنت طالق ضرب له أجل الإيلاء، وفيها أيضًا من حلف أن لا يطأ امرأته حتى يموت فلان أو حتى يقدم أبوه وأبوه باليمن فهو مؤل فيمكن جعل هذه المسألة مثالًا لكلام المؤلف. قلت تفسيره بالثانية وهم لقول ابن الحاجب وأجله من يوم الرفع، والأجل في الثانية من يوم القول، وقول ابن الحاجب يتعقب بإطلاقه الصادق بالصورة الثانية اهـ كلام ابن عرفة. فكلام المصنف يتعين تقريره بالذي جعله ابن عرفة وهما لنصه على الآخر بقوله أو حلف على حنث، ولأنه فسره في توضيحه بذلك فيرد عليه ما قاله ابن عرفة، وبذلك فسره تت وغيره. وفرقوا بين أن أموت أو تموتي، وبين موت زيد، وأصله لابن الحاجب فإنه قال إثر قوله: والأجل من يوم الرفع فيمن احتملت مدة يمينه أقل، ولذا فرقوا بين أن أموت أو تموتي أو يموت زيد، فقال ابن عرفة: يريد ويمينه فيها على ترك الوطء لامتناع =
[ ٤ / ٣١٩ ]
لا إن احتملت مدة يمينه إن وطئتك أقل من مدة الإيلاء، وأكثر منها، كـ: واللَّه لا وطئتك حتى يقدم زيد الغائب، أو حتى يموت عمر، فالأجل من يوم الرفع والحكم، بخلاف: حتى أموت، أو تموتي، فمن يوم الحلف؛ لتناول يمينه مدة عمره أو عمرها، ومثله لابن الحاجب.
قال في توضيحه: وفيه مغمز.
أو حلف على حنث، كـ: إن المرا دخل الدار فأنت طالق، فمن الرفع والحكم، واحترز به من رفع لم يقع فيه حكم، فإنه كالمعدوم (١).
_________________
(١) = كونه فيها بطلاق على إيقاع فعل، وإذا كان فيها على ترك الوطء كان قوله الأجل من يوم الرفع وهما حسبما بيناه. ثم قال وكلام ابن الحاجب وهم لأنه بناه على أن الأجل في قوله: واللَّه لا أطؤك حتى يموت زيد من يوم الرفع وهو غلط، بل هو من يوم الحلف كما هو نصها وسائر المذهب. اهـ. فقد بان لك أن الحلف متى كان على ترك الوطء فالأجل من حين اليمين، ولو احتملت يمينه أقل فالشرط الثاني في كلام المصنف غير صحيح تبع فيه ابن الحاجب على أن كلام ابن الحاجب يمكن تصحيحه كما تقدم، بخلاف كلام المصنف، وقد نزع في توضيحه لهذا حيث قال ظاهر المدونة خلاف هذه التفرقة لقولها وإن حلف أن لا يطأ امرأته حتى يموت فلان أو حتى يقدم أبوه من السفر فهو مؤل، فظاهره أنه يضرب له الأجل من يوم اليمين".
(٢) قال في المنح: " (لا) يكون الأجل من اليمين (إن احتملت مدة يمينه أقل) من أجل الإيلاء كواللَّه لا أطؤك حتى يقدم زيد أو حتى يموت عمرو، فبدأ الأجل من الرفع والحكم قاله تت، وتبعه بعضهم، وهو ظاهر كلام المصنف، والمذهب أنه في هاتين الصورتين من يوم اليمين كالصريحة في المدة. (أو) كانت يمينه غير صريحة في ترك الوطء بأن (حلف) بطلاقها (على حنث) بأن قال: إن لم أفعل أو تفعلي كذا فأنت طالق، وهذه السابقة في وإن نفى ولم يؤجل كأن لم يقدم منها (ف) مبدأ الأجل (من الرفع والحكم) بالإيلاء وما تقدم من أن الأجل من اليمين في: لا وطئتك حتى يقدم زيد مقيد بعلم تأخر قدومه عن مدة الإيلاء، فإن شك في تأخر قدومه عنها فلا يكون مؤليًا، كذا في النقل خلاف ما يوهمه ظاهر المصنت، ويوهم أيضًا أن من حلف لا يطأ زوجته حتى يدخل دار زيد أو حتى يقدم يكون مؤليًا الآن، والذي يفيده الجواهر وابن عرفة أنه لا يكون مؤليًا إلا بعد ظهور كون الأمد أكثر من مدة الإيلاء. =
[ ٤ / ٣٢٠ ]
واختلف: هل المظاهر إن قدر على التكفير وامتنع منه كالأول، أي: الذي يمينه صريحة في ترك الوطء، فابتداء أجله من يوم الظهار، وهو لمالك في الموازية.
وعليه اختصرت، اختصرها البراذعي وغيره.
اللخمي: وهو أحسن.
أو كالثاني، وهو الذي يمينه محتملة، فأجله من يوم الرفع، وهو لمالك أيضًا؛ إذ معنى الظهار: وطؤك حرام علي كأمي، وهو الأرجح، حكاه في توضيحه عق ابن يونس؛ لأنه لم يحلف على ترك الوطء صريحًا، وإنما هو لازم شرعي.
_________________
(١) = ابن شاس لو قال: واللَّه لا أطؤك حتى يقدم فلان وهو بمكان يعلم تأخر قدومه على أربعة أشهر فهو مؤل، ولو قال: حتى يدخل زيد الدار فمضت أربعة أشهر فلم يدخل فلها إيقافه، وإن قال إلى أن أموت أو تموتي فهو مؤل. ولو قال: إلى أن يموت زيد فهو كالتعليق بدخول الدار. ابن عرفة ما ذكره من الحكم في المسائل الأربعة صحيح، وظاهر قوله في مسألة التعليق على القدوم وعلى موت الزوجين أنه إيلاء أن التعليق على الدخول وعلى موت زيد غير إيلاء، ويجب فهمه على أن مراده أن الأول إيلاء بنفس الحلف، والثاني إنما هو إيلاء باعتبار المآل، وظهور كون ابتداء الترك أكثر من أربعة أشهر. اهـ. فقد حصلت التفرقة مع استواء الجميع في أن الأجل من اليمين، فاستفيد من كلام الجواهر وابن عرفة أن ما احتملت مدته أقل، وإن كان أجله من يوم الحلف هو مؤل باعتبار المآل حتى يظهر كون ابتداء الترك من حين يمينه أكثر من أربعة أشهر فتأمله. إنما أطلنا في هذه المسألة لعدم تحرير الشراح لها وجلبنا فيها كلام ابن عرفة لما اشتمل عليه من التحقيق ومطابقة المنقول فتلقه باليمين وشد عليه يد الضنين، والحق أحق أن يتبع، قاله طفي. وفائدة كون الأجل في الحلف على ترك الوطء من اليمين أنها إن رفعته بعد أربعة أشهر وهو حر أو شهرين وهو عبد لا يستأنف له أجل وإن رفعته قبل تمام ذلك بنى على ما مضى منه. وفائدة كونه في الحنث غير المؤجل من يوم الحكم استئنافه من يومه وإلغاء ما مضى قبله، ولو طال وعلم أن الأجل الذي يضرب غير الأجل الذي يكون به موليًا".
[ ٤ / ٣٢١ ]
أو أجله من يوم تبين الضرر، وهو يوم الامتناع من التكفير، وعليه تؤولت؟ أقوال.
قال الباجي: الأول والثاني في المدونة.
ومفهوم الشرط: أن غير القادر على التكفير لا يلحقه إيلاء؛ لقيام عذره.
قال المصنف: وهو مقتضى المدونة.
[ما يدخل فيه الإيلاء:]
ثم شبه فيما يدخل فيه الإيلاء، فقال: كالعبد يظاهر من زوجته، ولا يريد الفيئة بالكفارة، فيدخل عليه الإيلاء، كما يدخل على العبد الحر إذا امتنع منها.
أو يمنع الصوم عند إرادته الفيئة به بوجه زائد ضرر سيده به، وهو ظاهر كلام المؤلف.
وقال الشارح: مراده أن العبد لا يلحقه الإيلاء إذا ظاهر من امرأته، ولم يرد الفيئة، أو أرادها ولكن منعه سيده لكونه يضربه في عمله، فالتشبيه واقع بين هذه وبين مفهوم الشرط، وتقديره: وإن لم يكن المظاهر يقدر على التكفير لا يلحقه الإيلاء كالعبد لا يريد الفيئة إلى آخره.
قال: ولا تجري الأقوال الثلاثة السابقة هنا.
وما قرره به، مثله لابن الحاجب، وما قررناه به هو رواية ابن القاسم عن مالك، ومثله للبساطي، فالتشبيه في الوجه الثالث، وهو تبين الضرر.
[انحلال الإيلاء:]
وانحل الإيلاء بزوال ملك من حلف بعتقه، إن وطئها، كناصح حر إن وطئتها فباعه طوعًا، أو باعه عليه السلطان لفلس، خلافًا لأشهب في الثانية.
إلا أن يعود المحلوف بعتقه لملكه بغير إرث، فيعود الإيلاء إن كانت
[ ٤ / ٣٢٢ ]
يمينه غير مؤقتة، أو موقتة وبقي من الأجل أكثر من أربعة أشهر، وأما لو عاد بإرث لم يعد الإيلاء.
تنبيه:
عود بعضه بشراء أو غيره كعود كله، أو يصدق عليه في الجملة أنه عاد إليه بغير إرث.
كالطلاق القاصر عن الغاية واحدة أو اثنتين بائن أو رجعي انقضت عدتها منه في المحلوف بها، والتشبيه بمسألة العبد السابقة بمن له زوجتان: زينب وعزة، فقال: زينب طالق إن وطئت عزة، وأطلق أو أجل فطلق زينب واحدة أو اثنتين انحل الإيلاء في عزة، إن كانت يمينه مطلقة أو مؤجلة، وبقي من الأجل أكثر من أربعة أشهر، كخروج العبد عن ملكه، وكان له وطء عزة.
فإن عادت زينب لعصمته قبل زوج أو بعده عاد الإيلاء في عزة كعود العبد لملكه.
وهذا التفصيل في زينب المحلوف بها لا في عزة المحلوف لها، أي: عليها، لأن اليمين منعقدة فيها، سواء طلقها ثلاثًا أو أقل، ثم تزوجها بعد زوج، لم يعد الإيلاء في عزة لزوال طلاق ذلك الملك.
وانحل الإيلاء أيضًا بتعجيل الحنث في المحلوف به كتخيير عتق العبد المحلوف بعتقه أو الإتيان بالصوم المحلوف به، قاله في البيان، ولا خلاف فيه؛ لأنه لا بقاء لليمين بعد ذلك.
وانحل الإيلاء أيضًا بتكفير ما يكفر، كحلفه باللَّه لا يطؤها، وكفر قبل الحنث أو بعده، أوقعه الحاكم أو لا على المشهور.
وقال أشهب: لا ينحل بالتكفير قبل الحنث؛ إذ لعله عن يمين سبقت له.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
[حكم ما لا ينحل:]
وإلا بأن لم ينحل الإيلاء بوجه مما سبق من عتق معين محلوف فيه أو تعجيل الحنث على نفسه أو تكفير ما يكفر، فلها -أي: للزوجة الحرة صغيرة مطيقة أو كبيرة رشيدة أو سفيهة مجنونة أو عاقلة- ولسيدها إن كانت أمة لا لها إن لم يمتنع وطؤها عقلًا، كالرتقاء، أو عادة كالمريضة، أو شرعًا كالحائض، المطالبة بعد الأجل بالفيئة.
وللحرة أن تطالب أو تقيم بغير وصي، فهي مخيرة، وأما الأمة فالخيار لسيدها، وإن رضيت، لأن له حقًا في الولد، فليس للأمة إسقاطه.
تنكيت:
تعقب ابن عرفة قول ابن الحاجب تبعًا لابن شاس: (إن لم يمتنع وطؤها)، قائلًا: لا أعرفه.
ومقتضى قولها في الحائض ينافيه؛ ففيها: ومن دعته زوجته للبناء والنفقة، وأحدهما مريض مرضًا لا يقدر معه على الجماع لزمه أن ينفق، أو يدخل.
وفيها وقف المريض والمسجون. انتهى.
[تفسير الفيئة:]
ولما تكرر في كلامه ذكر الفيئة، فسرها اصطلاحًا بقوله: وهي تغييب الحشفة، فبعضها لغو، وأكثر منه غير محتاج إليه في القبل من ثيب لا الدبر، وافتضاض البكر، فلا يكفي فيه مغيبها إن لم تفض به.
[شرط وطء الفيئة:]
ثم شرط في وطء الفيئة اتصافه بالحل، ولذا قال: إن حل وطؤه شرعًا، فلا فيئة بوطء حائض ومحرمة وصائمة، بخلاف جنونها، وزاد ابن الحاجب: كونه طائعًا، وتبعه صاحب الشامل، ولم يذكره المؤلف، ولو قال: واللَّه لا وطئتك فهو مول.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
[ما لا تحصل به الفيئة:]
لا تحصل فيئة بعد إيقافه أو قبله بوطء بين فخدين، ولا ينحل إيلاؤه، ولا بقبلة ولا مباشرة ولا بمس، ولا يفي إلا بالجماع، حيث لا عذر، وحنث بهذا الوطء عند مالك، ولزمته الكفارة.
إلا أن ينوي بوطئه الفرج، فله نيته، ولا حنث عليه لمطابقته لفظه، إلا أن تفهم البينة أنه أراد الاجتناب، فلا تقبل نيته حينئذ، وعند ابن القاسم لا يحنث بوطئه دون الفرج، ويبقى موليًا.
[محل التطليق عليه:]
ومن طولب بالفيئة بعد الأجل وأمر بها طلق عليه، إن قال: لا أطأ بلا تلوم على الصحيح؛ إذ قد ضرب له الأجل، خلافًا لبعضهم.
وإلا بأن لم يمتنع من الوطء ووعد به اختبر مرة ومرة، فإن تبين كذبه طلق عليه.
قال في البيان: المعلوم -من مذهب مالك- أنه يختبر المرتين، والثلاث.
وصدق إن ادعاه -أي: الوطء- وأنكرته، زاد في المدونة: مع يمينه، فإن نكل حلفت، وطلق عليه، وظاهره: ثيبًا كانت أو بكرًا، وهو كذلك على المشهور.
وقيل: تصدق البكر.
وإلا بأن لم يعد بالفيئة أو وعد فاختبر مرة ومرة أمر بالطلاق، فإن طلق فواضح، وإلا بأن امتنع من الطلاق طلق عليه، أي: الحاكم أو صالحو البلد إن لم يكن حاكم دون تلوم.
[ما تحصل به فيئة العاجز:]
وفيئة المريض العاجز عن الوطء والمحبوس تحصل بما ينحل به حلف كل منهما من تكفير يمين، إن كانت مما يكفر قبل الحنث كاليمين
[ ٤ / ٣٢٥ ]
باللَّه، أو تعجيل الحنث كعتق عبد وإبانة الزوجة المحلوف بهما، فإن أبى كل منهما من ذلك طلق عليه، ولا يطلب منهما الفيئة بالوطء؛ لعدم قدرتهما عليه حينئذ.
وإن لم تكن يمينه مما تكفر قبله -أي: الحنث- كطلاق فيه رجعة فيها، كقوله لمن يملك عليها ثلاثًا أو اثنتين: إن وطئتك فأنت طالق؛ إذ لا فائدة في تعجيل طلاقها.
أو طلاق فيه رجعة في غيرها، كـ: إن وطئتك ففلانة طالق؛ إذ لا فائدة في تعجيل طلاق فلانة؛ لأنه -إذا طلقها طلقة رجعية- فاليمين منعقدة.
أو صوم لم يأت زمنه؛ إذ لو فعله لم يقع موقعه، أو عتق غير معين فالوعد، أي: فيئته الوعد في المسائل الأربع.
قال في البيان: لا خلاف أنه لا ينحل عنه اليمين، ولا يرتفع عنه الإيلاء بالصيام ولا بالمشي ولا بالصدقة، إن وقع ذلك قبل الحنث، وإن نوى بذلك حل اليمين عنه، وإن عليه أن يفعل ذلك مرة أخرى إن حنث، وعلى هذا فكفارته أيضًا الواعد.
[مطالبة الغائب بالوفاء:]
وبعث للغائب المولي لأجل أن يفي، وإن كانت مسافة غيبته بعيدة بشهر أو بشهرين، ونحوه في المدونة، وفهم من قوله: (بعث) أن مكانه معلوم، وهو كذلك، كما قيده الباجي وغيره؛ لأنه إذا لم يعلم مكانه فمفقود، ولا إيلاء مع الفقد، فلها القيام بغيره.
وفهم من المبالغة على الشهرين عدم البعث لمن هو أبعد منهما، فلها القيام بالفراق، وهو كذلك، ولو رافعته عند قصد سفر قبل الأجل منعه الحاكم حتى يحل، فيفي أو يطلق، فإن أبي إلا السفر أعلمه أنه يوقع عليه الطلاق إذا حل الأجل.
[حق المولى منها:]
ولها -أي: المولى منها- العود بالقيام للإيلاء إن رضيت أولًا
[ ٤ / ٣٢٦ ]
بالإسقاط لحقها من الفيئة، وإذا قلنا لها العود فمن غير استئناف أجل؛ لأنه أمر لا يصبر النساء عنه.
[مسألة:]
والمولي إذا طلق عليه الحاكم تتم رجعته إن انحل الإيلاء بوطء أو ما يشاركه في انحلاله من كفارة أو انقضاء أجل أو تعجيل حنث، كما تقدم.
[حكم عدم الانحلال في العدة:]
ولما كان في مفهوم الشرط خلاف قوي صرح به، فقال: وإلا بأن لم ينحل إيلاؤه في العدة بأن راجع ولم يفعل شيئًا مما تقدم ألغيت رجعته، أي: صارت عدمًا.
وظاهره: ولو رضيت الزوجة بعدم الوطء، وهو كذلك عند سحنون، خلافًا لابن القاسم ومطرف وابن الماجشون في إجازتها.
وإن أبي الفيئة في قوله لإحدى زوجتيه: إن وطئت إحداكما فالأخرى طالق طلّق الحاكم عليه إحداهما.
قال الشارح: يطلق عليه واحدة غير معينة، ولعله يريد بالقرعة، أو يجبر الزوج على طلاق أيتهما شاء، إلا أنه بعيد من لفظه.
وقال البساطي: ويطلق الحاكم عليه واحدة منهما: إما بالقرعة أو بالاجتهاد في الأصلح. انتهى.
وفي هذه المسألة إشكال من وجوه، ذكرها ابن عرفة، وذكر عن ابن محرز ما يلزمه، انظر ذلك في الشرح الكبير.
[الاستثناء في الإيلاء:]
وفيها -أي: المدونة- فيمن حلف باللَّه لا يطأ زوجته، واستثنى بـ: إن شاء اللَّه، فقال مالك: إنه مول، وله وطؤها بلا كفارة.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
وقال غيره: لا يكون موليًا.
وهو لأشهب وعبد الملك، فلم يعتبر مالك الاستثناء؛ لقوله: إنه مول، واعتبره بقوله: له أن يطأ بلا كفارة، فاستشكل.
وحملت -أي: حملها بعض الأشياخ- على ما إذا رفع للحاكم، ولم تصدقه أنه أراد بالاستثناء حل اليمين، وإنما أراد التبرك، وامتناعه عن الوطء يدل على أنه لم يقصد حل اليمين.
وأورد على هذا الحمل قول مالك أيضًا، لو حلف أن لا يطأها ثم كفر عنها -أي: عن يمين الإيلاء- ولم يطأ بعد الكفارة، ولم تصدقه في أن الكفارة عنها، وإنما هو عن يمين أخرى، أن الإيلاء ينحل عنه.
وعلى هذا فيلزم رفع التهمة عنه في الأولى، كما في هذه، أو يتهم في هذه كذلك، وتتفق المسألتان.
قال المصنف: وفرق بينهما بشدة خروج المال على النفوس، فهو أقوى في رفع التهمة من الاستثناء؛ لاحتمال كونه للتبرك، ذكره ابن عبد السلام.
قال: ومثله الصوم.
وفرق -أيضًا- بأن الاستثناء يحتمل غير الحل لليمين حقيقة؛ لاحتمال كونه للتبرك، والكفارة تحل اليمين حقيقة، وهو لابن يونس.
خاتمة:
قال ابن عرفة: وهذا فرق ضعيف، ولو زاد: لأن الأصل عدم صرف الكفارة عن يمين الإيلاء؛ لأن الأصل عدم حلفه، فيرجح كونها لها، ولا يرجح لكون الاستثناء للحل، لتم. ثم ذكر ابن عرفة فرقًا ذكرناه في الكبير.
* * *
[ ٤ / ٣٢٨ ]
باب ذكر فيه الظهار وأحكامه وكفارته، وما يتعلق به
وهو مأخوذ من الظهر؛ لأن الوطء ركوب، وفي الغالب على الظهر.
[تعريف الظهار:]
وعرفه المؤلف بقوله: تشبيه المسلم لا الكافر؛ ففي المدونة: إن تظاهر الذمي من امرأته ثم أسلم لم يلزمه ظهار، كما لا يلزمه طلاق في الشرط.
وكل يمين كانت عليه من طلاق أو عتاق أو صدقة أو نذر أو شيء من الأشياء فموضوع عنه إذا أسلم.
[شروط المظاهر المسلم:]
ثم وصف المسلم بقوله: المكلف، وإن عبدًا، ويشمل السكران، وخرج به الصبي، وإن راهق والمجنون.
تنبيه:
إتيانه بالوصف مذكرًا مخرج للنساء، ففي المدونة: إن تظاهرت امرأة من زوجها لم يلزمها شيء: لا كفارة ظهار ولا كفارة يمين، خلافًا للزهري (١) في الأول، ولإسحاق (٢) في الثاني.
_________________
(١) هو: محمد بن مسلم بن عبد اللَّه بن شهاب الزهري، من بني زهرة بن كلاب، من قريش، أبو بكر، (٥٨ - ١٢٤ هـ = ٦٧٨ - ٧٤٢ م): أول من دوَّن الحديث، وأحد أكابر الحفاظ والفقهاء. تابعي، من أهل المدينة. كان يحفظ ألفين ومائتي حديث، نصفها مسند. وعن أبي الزناد: كنا نطوف مع الزهري ومعه الألواح والصحف ويكتب كل ما يسمع. نزل الشام واستقر بها. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه. قال ابن الجزري: مات بشغب، آخر حد الحجاز وأول حد فلسطين. ينظر: الأعلام (٧/ ٩٧).
(٢) هو: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي المروزي، أبو يعقوب بن راهويه، (١٦١ - ٢٣٨ هـ = ٧٧٨ - ٨٥٣ م): عالم خراسان في عصره. من سكان مرو (قاعدة =
[ ٤ / ٣٢٩ ]
من تحل زوجة أو أمة، كـ: أنت علي كأمي، أو جزؤها، كرأس أمي مثلًا.
ثم ذكر المشبه به بقوله: بظهر محرم، كـ: أنت علي كظهر أمي، ولما كان الظهار لا يختص بالظهر، فقال: أو جزئه -أي: المحرم- كـ: أنت علي كرأس أمي مثلًا.
و(محرم): بفتح الميم، وسكون الحاء، ويحتمل: ضم الميم، وفتح الحاء.
ظهار: خبر تشبيه المسلم.
تنبيه:
لو قال المصنف: كمحرم كله أو جزئه لكان أحسن؛ لشموله الأقسام الأربعة، وهي تشبيه جملة بجمله، وجزء بجزء.
وقول بعض الشافعية: (ولا يزيد الجزء على الكل إلا في هذه) غير ظاهر، بل يزاد على ما قال مسائل:
- منها: الإنسان فيه ديات كثيرة، وفي كله دية واحدة.
- ومنها: من له جدار في سكة غير نادرة، له رفع جميع الجدار، وليس له فتح باب به.
_________________
(١) = خراسان) وهو أحد كبار الحفاظ. طاف البلاد لجمع الحديث وأخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم. وقيل في سبب تلقيبه (ابن راهويه) إن أباه ولد في طريق مكة فقال أهل مرو: راهويه! أي: ولد في الطريق. وكان إسحاق ثقة في الحديث، قال الدارمي: ساد إسحاق أهل المشرق والمغرب بصدقه. وقال فيه الخطيب البغدادي: اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد، ورحل إلى العراق والحجاز والشام واليمن. وله تصانيف، منها (المسند - خ) الجزء الرابع منه، في دار الكتب. استوطن نيسابور وتوفي بها. ينظر: الأعلام (١/ ٢٩٢).
[ ٤ / ٣٣٠ ]
- ومنها: معاقلة المرأة الرجل لثلث ديته، فإذا بلغته نقضت النصف.
[تعليق الظهار:]
ويوقف الظهار على مشيئة المظاهر منها إن تعلق، أي: وقع معلقًا بكمشيئتها، كـ: أنت علي كظهر أمي إن شئت، وهو بيدهما بالمجلس وبعده.
وقيل: بالمجلس فقط.
وعلى الأول فيستمر بيدها، ما لم توقف، فإن وقفت وشأنه فمظاهر، وإن ردته فغير مظاهر.
ودخل بالكاف اختيارها ورضاها وإرادتها ونحوها.
تنبيه:
ظاهر كلامه: أنه لا فرق بين (إن) و(إذا) و(متى) في بقائه بيدها، ما لم توقف، وهو كذلك، لكن اتفاقًا في الأولين، وعلى خلاف قول ابن القاسم في الثالث، قاله السيوري.
وفي البساطي: حكى بعضهم الاتفاق على إذا شئت ومتى شئت، أنه يبقى بيدها، ولو تفرقا من المجلس، وإنما الخلاف في: إن شئت.
[تعليقه بمحقق:]
وإن علقه بمحقق حصوله، كـ: أنت علي كظهر أمي، إن مضى عام مثلًا، تنجز الآن كالطلاق.
وقيل: يتأجل.
[تعليقه بوقت:]
وإن حدده بوقت، كـ: أنت علي كأمي في هذا الشهر، تأبد كالطلاق، فيصير مظاهرًا غير مقيد بالشهر؛ لوجود سبب الكفارة، فلا ينحل بغيرها، وروي يصح مؤقتًا.
[ ٤ / ٣٣١ ]
[تعليقه بعدم زواج:]
أو علقه بعدم زواج، كـ: إن لم أتزوج فأنت عليَّ كأختي مثلًا، فعند الإياس من الزواج بموت المحلوف عليها المعينة بكونه مظاهرًا، وبانقضاء مدة عينها ولم يفعل.
ويدخل عليه الإيلاء إن كانت يمينه على حنث، أو العزيمة على عدم الزواج يكون مظاهرًا حينئذ (١).
[ما لا يصح به المعلق:]
ولم يصح في الظهار المعلق على أمر لم يحصل تقديم كفارته قبل لزومه، كـ: إن كلمت زيدًا فأنت عليَّ كظهر أمي، ولم يكلمه؛ لأن سبب الكفارة وهو الظهار لم يتحقق.
_________________
(١) قال في المنح: " (أو) عند (العزيمة) على عدم الزواج يكون مظاهرًا من زوجته ويدخل الإيلاء عليه ويؤجل من يوم الرفع. واعترض طفي على المصنف في قوله أو العزيمة فقال لم أر من ذكر الحنث بالعزيمة غير ابن شاس وابن الحاجب، ولا حجة لهما في كلام القرافي في كفاية اللبيب، لأنه تبع ابن شاس مقلدًا له. البناني وهو غفلة منه عن كلام ابن المواز الذي نقله ابن عرفة والحط وطفي نفسه، ولم يتنبه له ونص ابن عرفة الشيخ في الموازية من قال: إن لم أفعل كذا فأنت علي كظهر أمي، فإن ضرب أجلًا فله الوطء إليه، وإلا فلا، فإن رفعته أجل حينئذ ووقفت لتمامه. فإن فعل بر، وإن قال ألتزم الظهار وأخذ في كفارته لزمه ذلك ولم يطلق عليه بالإيلاء حين دعي للفيئة كمسجون أو مريض، فإن فرط في الكفارة صار كمؤل يقول: أفيء فيختبر المرة بعد المرة ويطلق عليه بما لزمه من الإيلاء. اهـ. فقوله: وإن قال: ألتزم. . إلخ صريح في الحنث بالعزيمة. ونقل الحط عن سماع أبي زيد عند قوله: وتعددت الكفارة إن عاد ثم ظاهر ما يدل على عدم الحنث بها فإنه قال فيمن قال: أنت كظهر أمي إن لم أتزوج عليك أنه إذا صام أيامًا من الكفارة. ثم أراد أن يبر بالتزويج سقطت عنه الكفارة إذا تزوج، فسقوطها عنه بعد فعل بعضها المفيد للعزم على الضد يفيد أن الحنث لا يقع بالعزم، فهما حينئذ قولان، لكن تقدم في باب اليمين عن ابن عرفة أن مقتضى المذهب عدم الحنث، واللَّه أعلم".
[ ٤ / ٣٣٢ ]
[محل صحته من الرجعية:]
وصح الظهار من مطلقة رجعية، كمن في العصمة، ومن مدبرة يحل وطؤها، وأمته وأم ولده، بخلاف معتقة لأجل كلها أو بعضها أو مشركة لحومة وطئهن، ومن محرمة كحائض ونفساء، لأن التحريم تعارض غير معتبر.
[محل صحته من غير المسلم:]
وصح من مجوسي أسلم على مجوسية، ثم ظاهر منها، ثم أسلمت.
قال الشارح في الكبير: وأتى بـ (ثم) المقتضية للتراخي المخالف لقول المدونة: إذا أسلم الزوج ثم ظاهر منها، ثم أسلمت بقرب إسلامه؛ لأنه لا مفهوم للقرب، ليوافق قول ابن رشد بلزوم ظهاره مع التراخي. انتهى بمعناه.
وقال البساطي: ظاهر كلامه أنه ظاهر وهو مجوسي ثم أسلم، كما قررناه، وهو خلاف ما في المدونة، وما قرره به الشارح هو الموافق لقول المصنف أول الباب: تشبيه المسلم الحر.
[صحته من رتقاء:]
وصح من رتقاء لحصول الاستمتاع بها فيما عدا الفرج.
[عدم صحته من مكاتبة:]
لا من مكاتبة، لا يصح ظهار سيدها منها، إن لم تعجز، بأن خرجت حرة، وتزوجها، وكذا لو عجزت عن الأداء عادت لرقه؛ لأن عودها إنما هو بملك جديد عند ابن القاسم على الأصح عند غير واحد.
[صحته من كمجبوب:]
وفي صحته من كمجبوب وخصي وشيخ فان عند ابن القاسم والعراقيين، وعدم صحته عند أصبغ وسحنون وابن زياد تأويلان.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
وإذا علمت هذا، فكان ينبغي للمؤلف أن يقول: تأويلان وقولان، وذكرنا لفظها المؤول في الكبير (١).
[ضربا الظهار:]
ولما كان الظهار ضربين: صريح وكناية، ذكرهما بادئًا بالأول، فقال: وصريحه بظهر مؤبد تحريمها، كـ: أنت علي كظهر أمي أو أختي، ويشمل المحرمة برضاع أو ظهر كأم زوجتي مثلًا، بخلاف من لم يتأبد تحريمها، كأخت زوجتي وعمتها مثلًا.
أو عضوها -أي: مؤبدة التحريم- كـ: يد أمي مثلًا، أو ظهر ابني، أو غلامي، كذا قال المؤلف هنا، وتعقبوه بما في توضيحه وغيره بأن المشهور قصر الصريح على ما فيه ظهر مؤبدة التحريم، وأما ما ذكره فيه مؤبدة التحريم ولم يذكر الظهر، فإنما هو صريح عند ابن الماجشون.
وأما ظهر الذكر فالخلاف فيه إنما هو هل ظهار أم لا، وعلى القول بأنه ظهار لا يعلم من صرح بصراحته.
_________________
(١) قال في المنح: " (وفي صحته)، أي: الظهار (من كمجبوب) وخصي وشيخ فان عند ابن القاسم والعراقيين وعدم صحته عند أصبغ وسحنون وابن زياد (تأويلان) فينبغي وقولان قاله تت. طفى: في عزوه وتفريعه نظر وإن تبعه عليه جمع لأنه ليس منصوصًا لابن القاسم والعراقيين وإنما هو إجراء ابن عرفة، ذكر ابن محرز وغيره الأول على أنه مقتضى قول ابن القاسم والبغداديين باقتضاء الظهار منع التلذذ بالمظاهر منها بوطء أو غيره، ثم قال ابن عبد السلام: الأول قول العراقيين من أصحابنا. قلت: هذا يقضي أنه نصهم ولم أعرفه إلا إجراء كما تقدم لابن محرز، وعزا الثاني لأصبغ وسحنون وابن زياد قائلًا: لم يذكر الشيخ في النوادر غير قول سحنون، وكذا الباجي قائلًا: هذا على أنه لا يحرم الاستمتاع بغير وطء، فالمناسب الاقتصار على الثاني لأنه المنصوص. البناني كلام ابن رشد المتقدم عند قوله: ورتقاء يفيد أن الأول هو المذهب لأنه سوى الشيخ الفاني بالرتقاء والأول فيها هو مذهب المدونة".
[ ٤ / ٣٣٤ ]
تنبيه:
قيل: لعل الواقع في أصل المؤلف: لا عضوها أو ظهر ذكر، فصحف الكاتب (لا) بـ (أو).
[عدم انصراف هذا الظهار للطلاق:]
ولا ينصرف صريح الظهار عنه للطلاق، بحيث يصير طلاقًا فقط على المشهور، وهو قول مالك، رواه ابن القاسم.
وقيل: ينصرف.
[الطلاق مع الظهار:]
وهل يؤخذ بالطلاق معه، أي: مع الظهار إذا نواه، فيؤخذ بهما معًا مع قيام البينة على إقراره أنه نواه، فيؤخذ بالطلاق فيما أقر به للبينة وبالظهار فيما لفظ به، فلا سبيل له عليها إذا تزوجها بعد زوج حتى يكفر لظهاره، قاله في المقدمات.
أو لا يؤخذ بالطلاق مع الظهار، وإن نواه، وإنما هو مظاهر فقط، رواه أشهب عن مالك، وهو أحد قولي ابن القاسم، تأويلان.
ثم شبه في التأويلين قوله: كـ: أنت حرام كظهر أمي، أو: أنت حرام كأمي.
وهذا المثال الثاني ليس بصريح، فيؤخذ معه -أي: مع الظهار بالطلاق- إذا نوى الطلاق مع قيام البينة، أو لا يؤخذ به مع الظهار، وإنما هو مظاهر فقط، تأويلان، وحذفه من الأول لدلالة هذا عليه.
[قسم الظهار الثاني:]
وكنايته -كما قال الشارح- ما سقط منه لفظ الظهر، أو ذكر مؤبدة التحريم، فالأول قوله: أنت كأمي، أو أنت أمي، بإسقاط حرف التشبيه، وهو ظهار، إلا أن يعول لها ذلك لقصد الكرامة، فلا يلزمه شيء.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
والثاني: كقوله: أنت عليَّ كظهر أجنبية معينة، فإذا تزوج هذه الأجنبية بعد ذلك هل ينحل عنه الإيلاء أو لا؟
قال سحنون فيمن قال لزوجته: إن فعلت كذا فأنت عليَّ كظهر فلانة الأجنبية، ثم تزوج فلانة، ثم فعل المحلوف، فلا شيء عليه.
ونوى فيها -أي: الكناية- فيصدق في قصد الطلاق بها على المشهور، وعليه فالبتات يلزمه، لا دونها في المدخول بها على الأصح؛ إذ الجامع بين الطلاق والظهار التحريم، وهو الأظهر في البتات.
سحنون: ينوي فيما أراد واحدة أو أكثر.
ابن رشد: وهو الأظهر.
[ما يلزم فيه البتات:]
ثم شبه بمسائل يلزم فيها البتات، فقال: كـ: أنت كفلانة الأجنبية، ولم يذكر الظهر ولا مؤبدة التحريم، فيلزمه الثلاث على المشهور، إن لم تكن له نية، ولا قامت عليه بينة؛ ولذا قال: إلا أن ينويه -أي: الظهار- وهو مستفت فيصدق في دعواه إرادته.
أو قال لها: أنت علي ككل شيء حرمه الكتاب.
قال ابن القاسم: هو البتات؛ لأن الكتاب حرم الميتة والدم ولحم الخنزير؛ فهو بمنزلة ما لو قال لها: أنت علي كالميتة.
[ما يلزم به الظهار:]
ولزم الظهار بأي كلام نواه به، قال أبو الحسن الصغير: مما لا حكم له في نفسه.
ثم أخرج من عموم، أي: قوله: لا بـ: إن وطئتك وطئت أمي، فلا شيء عليه.
أو قال لأمته: لا أعود لمسك حتى أمس أمي، فلا شيء عليه؛ لأنه كمن قال: لا أمس أمي أبدًا.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
أو قال لمطلقته الرجعية: لا أراجعك حتى أراجع أمي، فلا شيء عليه، حكاه ابن يونس عن مالك، وحذف (فلا شيء عليه) من الأولين لدلالة هذا عليه.
[تعدد الكفارة:]
وتعددت الكفارة إن عاد من ظهار وحنث فيه، ولم يكفر، معلقًا كان أو غيره، ثم ظاهر ثانيًا، وحنث للظهار الثاني، ولو كان حلفه فيه بما حلف في الأول، كقوله في الأول: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، فدخلت وعاد، ثم حلف في الثاني كذلك، لأن الكفارة الأولى لما تقررت بالعود صار الثاني مخالفًا للأول، وإن كان بغير ما حلف عليه أولًا؛ لأن الأولى تقورت فيها كفارة، فامتنع التأكيد، ووجب التأسيس.
أو قال لأربع له: من دخلت منكن الدار فهي علي كظهر أمي، انعقد عليه الظهار في كل من دخلت منهن، وتعددت الكفارة بعدده، ولا تسقط بدخول واحدة والتكفير عنها، قاله ابن القاسم.
أو قال لهن: كل من دخلت منكن الدار فهي علي كظهر أمي تعددت بحسب من دخل منهن، رواه ابن القاسم.
أو قال لهن: أيتكن دخلت الدار فهي علي كظهر أمي تعددت كذلك.
لا إن قال لأربع مثلًا: إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي، فتزوجهن، لم يلزمه غير كفارة واحدة، فإن تزوج واحدة لزمته، ولا يقربها حتى يكفر، فإن كفر ثم تزوج البواقي فلا شيء عليه، قاله في المدونة، وهو الأصح.
أو قال: كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي، فلم يلزمه غير واحدة على المشهور، ولمالك: تتعدد، وصوب.
أو ظاهر من نسائه المتقدمات بكلمة واحدة، فقال: أنتن علي كظهر أمي، فكفارة واحدة على المذهب، خلافًا لابن خويز منداد في تعددها.
واحترز به عما لو ظاهر من كل بانفرادها بلفظ يخصها، فإنها تتعدد.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
أو كرره، ظاهره: فيهن، أو في واحدة، كـ: أنتن أو أنت علي كظهر أمي، أنت عليَّ كظهر أمي أنت عليَّ كظهر أمي، فكفارة واحدة.
أو علقه بمتحد، كـ: إن لبست الثوب فأنت علي كظهر أمي، إن لبست الثوب فأنت علي كظهر أمي، و(متحد) يحتمل خصوصه لهذه الأخيرة، ويحتمل رجوعه لها ولتكرره.
واحترز به عما لو علقه بمتعدد، كـ: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، إن كلمت زيدًا فأنت علي كظهر أمي، فإنها تتعدد بحسبه، ولا ينوي، واتفق عليه حنث ثانيًا بعد إخراج الأولى، وأما قبل إخراجها فقال اللخمي: ظاهر المدونة كذلك.
وقال المخزومي وابن الماجشون: تجزئه واحدة.
ولما كان كلامه يشمل ما إذا قصد التأكيد أو لا، نوي ظهارات أو لا، أراد كفارات أو لا، استثنى فقال: إلا أن ينوي كفارات في التكرار فتلزمه متعددة.
[مسألة:]
وله المس لمن ظاهر منها مكررًا بعد إخراج كفارة واحدة أنها اللازمة على الظهار، والزائد بالتزامه، كأنه نذر معلق، قاله القابسي وأبو عمران.
وأشار بقوله على الأرجح لقول ابن يونس: هو الصواب، وقال أبو محمد: لا يمس حتى يخرج جميع ما نواه، ورجحه ابن عبد السلام.
[المس قبل الكفارة:]
وحرم قبلها -أي: قبل الكفارة- الاستمتاع بالمظاهر منها؛ خوف التطرق للوطء؛ حملًا لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ على عمومه، وعليه الأكثر.
وقيل: على خصوص الوطء.
وعليها منعه نفسها وجوبًا، ووجب عليها إن خافته على نفسها رفعها
[ ٤ / ٣٣٨ ]
أمرها للحاكم، فيمنعه وطأها، ويؤدبه إن أراد ذلك.
[اجتماعهما ببيت:]
وجاز كونه معها ببيت، ويدخل عليها بغير إذن، إن أمن، فإن لم يؤمن لم يجز كونه معها، ويجوز نظره لها.
[سقوط الظهار:]
وسقط الظهار إن تعلق بشيء، ولم يتنجز بالطلاق الثلاث، كقوله لها: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، ثم طلقها ثلاثًا، أو ما يكمل الثلاث؛ فإن الظهار يسقط عنه إذا عادت له بعصمة جديدة.
فقوله بالطلاق متعلق بسقط لزوال العصمة المعلق عليها، وهذه عصمة غيرها، ولو تنجز بدخولها قبل طلاقه لم يسقط ما علقه، فإن دخلت لزم الظهار، ولو طلقها دون الثلاث وعادت لعصمته لم يسقط.
أو تأخر الظهار عن الطلاق الثلاث سقط تعليق الظهار، كـ: أنت طالق ثلاثًا، وأنت علي كظهر أمي؛ لأن الظهار لم يصادف محلًا؛ ولمساواة هذه العلة لغيرها.
قال: كقوله لغير مدخول بها: أنت طالق، و: أنت علي كظهر أمي، ولا يرد على هذا: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، لأن المشهور لزوم الثلاث في غير المدخول بها، لقول أبي محمد وغيره: لما كان الطلاق جنسًا واحدًا عد كوقوعه في كلمة واحدة، ولا كذلك الظهار والطلاق؛ إذ لا يمكن جمعهما في كلمة واحد.
لا إن تقدم الظهار على الطلاق في اللفظ، كـ: أنت علي كظهر أمي، أو أنت طالق ثلاثًا، فلا يسقط الظهار، وإذا عادت لعصمته بعد زوج لا يمسها حتى يكفر؛ لأن تحريم الظهار لا يرفعه إلا الكفارة.
أو صاحب الظهار الطلاق، بأن لم يسبق أحدهما الآخر، كـ: إن تزوجتك فأنت طالق ثلاثًا، وأنت علي كظهر أمي، وأنت طالق ثلاثًا، فإذا تزوجها رفعا معًا لاشتراكهما في الزمان بقرينة التعليق، كما قاله اللخمي، أو
[ ٤ / ٣٣٩ ]
لأن الواو لا ترتب، كما قاله ابن محرز، فإن تزوجها طلقت عليه ثلاثًا، ثم إن تزوجها بعد لم يقربها حتى يكفر للظهار، ونحوه في المدونة، قال: والذي قدم الظهار في لفظه أبين.
وإن عرض عليه نكاح امرأة، فقال: هي أمي، فظهار إن تزوجها؛ لأنه مستند إلى ما عورض عليه من زواجها، فكأنه قال: إن فعلت ذلك فهي أمي، ولو أراد وصفها بالكبر لم يلزمه ظهار، وتجب الكفارة بالعود، ويأتي الخلاف في تفسيره، وتتحتم بالوطء.
ثم أعاد قوله: وتجب بالعود؛ ليرتب عليه قوله: ولا تجزئ قبله؛ لأنه لو حذفه لأوهم أن ضمير (قبله) على قوله للوطء، وليس هو له.
تنكيت:
قال الشارح: لو قدم قوله: (ولا تجزئ قبله) على قوله: (وتتحتم بالوطء)، وحذف التكرار لاستقام، وهو واضح (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (وتتحتم)، أيَ: تتخلد الكفرة في ذمة المظاهر (بالوطء) للمظاهر منها ولو ناسيًا فلا تسقط عنه بموت ولا فراق (وتجب بالعود) أعاده ليرتب عليه قوله (ولا تجزئ) بضم الفوقية وفتحها، أي: لا تصح (قبله)، أي: العود لأنه لو حذفه لتوهم أن الضمير للوطء وليس بمراد. وفي بعض النسخ: وتجب بالعود وتجزئ قبله وتتحتم بالوطء وهو أحسن. طفى: تفريق المصنف بين الوجوب والتحتم خلاف ما عليه الأئمة إذ كل من قال تجب بالعود أراد به التحتم والتعلق بالذمة وإن ماتت أو بانت لترادفهما، ولم يذكروا التحتم بالوطء، هذا محصل كالأم أهل المذهب. واختلفوا في تفسير العود فقال ابن زرقون: تحصيل المذهب في العودة في كونها إرادة الوطء، فإن أجمع عليه وجبت الكفارة، ولو ماتت أو طلقها أو أرادته مع دوام العصمة فإن أجمع عليه ثم سقطت العصمة بموت أو طلاق سقطت الكفارة، وإن عمل بعضها سقط سائرها ثالثها نفس الوطء للموطأ ولها ورواية القاضي. اهـ. فنسب للمدونة أنها إرادة الوطء والإجماع عليه ودوام العصمة، وإن لم يذكر دوامها فيها لكن لما كان مذهبها سقوطها بالموت والطلاق أخذوا منه أن العود عندها العزم على الوطء مع دوام العصمة إلى تماام الكفارة، فلو كانت تجب بالعود بلا تحتم لما احتاجوا إلى ذلك وكان مذهبها الوجوب بالعود وهو العزم على الوطء، لكن الوجود =
[ ٤ / ٣٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = محتم بدليل سقوطها بالموت والطلاق كما قال المصنف، لكنه غير اصطلاحهم، فلذا قالوا ما ذكرنا. ونحو قول ابن زرقون قول ابن رشد أصح الأقاويل وأجراها على القياس وأتبعها لظاهر القرآن قول مالك -﵁- في المدونة الذي عليه جماعة أصحابه أن العودة هي إرادة الوطء مع استدامة العصمة، فمتى انفرد أحدهما دون الآخر فلا تجب الكفارة. وقال في سماع ابن القاسم إن أجمع على إمساك زوجته فصام فماتت أو طلقها لا أرى عليه إتمامها ما نصه قوله صحيح على المشهور أن العودة إرادة الوطء والإجماع عليه مع استدامة العصمة، فإن انفرد أحدهما فلا تجب الكفارة، بل لا تجزيه إن فعلها غير عازم على الوطء ولا مجمع عليه، فالكفارة على هذا القول تصح بالعزم على الوطء والإجماع عليه، ولا تجب إلا بالوطء، وعلى ما في الموطأ أنها إرادة الوطء والإجماع عليه تجب الكفارة عليه إن أجمع على الوطء وإن ماتت أو طلقها اهـ. فانظر كيف صرح بأن العود مصحح فقط لما رأى من السقوط بالموت والطلاق، تدل عليه المدونة لقولها في موضع والعودة هاهنا إرادة الوطء والإجماع عليه، وفي آخر وإنما تجب عليه كفارة الظهار بالوطء فإذا وطئ فقد لزمته الكفارة اهـ. فنسبتهم لها أن العود هو العزم على الوطء مع الإمساك باعتبار التصحيح باعتبار الوجوب، وقد صرح في توضيحه بأن وجوبها بالعزم على الوطء خاصة على مذهب المدونة شرطه بقاؤها في عصمته، وفرق بين الوجوب والتحتم تبعًا لابن عبد السلام، فإن ابن الحاجب لما قال العود في المدونة العزم على الوطء خاصة وفيها وإنما تجب الكفارة بالوطء. قال ابن عبد السلام: ما ذكره المصنف عن المدونة ثانيًا من أنها إنما تجب بالوطء وجعله خلافًا لما حكاه عنها أولًا فليس المعنى عندهم على ما فهمه المصنف لأن وجوبها في هذا الباب مقول بالاشتراك على معنيين: أحدهما: للمظاهر فيه خبرة بوجه ما، وهذا هو الوجوب التي تشترط فيه العودة، وبيان ذلك أنه إذا ظاهر من امرأته فإن لم ينو العود فلا تجب عليه الكفارة، ويبقى النظر هل تجزئ أم لا. وإن نوى العودة خاصة ولم يطأ وجبت عليه الكفارة وهذه هي الخيرة التي قلنا في هذا الوجه وكأنه حق لآدمي مشروط بحق اللَّه تعالى. والمعنى الثاني من معنى الوجوب: وهو الذي لا خيرة للمظاهر فيه فمحله إذا ظاهر ثم وطئ المظاهر منها فهذا تتحتم عليه الكفارة بقيت في عصمته أم لا، وهذا حق اللَّه تعالى، فما حكاه المصنف عن المدونة أولًا مستعمل في المعنى الأول، وما حكاه عنها ثانيًا مستعمل في المعنى الثاني. اهـ. =
[ ٤ / ٣٤١ ]
[ما به العود:]
ولما تكرر ذكر العود، وفيه خلاف بينه بقوله: وهل هو -أي: العود- العزم على الوطء فقط، وهو فهم اللخمي لقول المدونة: تجب الكفارة بالوطء، وهو مروي عن مالك.
أو هو العزم على الوطء مع العزم على الإمساك لها في عصمته، عياض وابن رشد: وهو مذهبها، وصرح بمشهوريته، والقول الثاني هو ظاهر الموطأ؟ تأويلان وخلاف.
قال في الشامل: شهروهما.
تتمة:
قال الباجي: ليس معنى العزم على الإمساك الأبدية، بل لو عزم على سنة لكان عازمًا. انتهى.
وانظر قوله: (لو عزم على سنة) هل هو مثال، وأن ما دونها كذلك، أو هو أقل ما يكفي في الإمساك.
[محل سقوط كفارة العود:]
وسقطت كفارة من نوى العود إن لم يطأ من ظاهر منها بطلاقها، كما تقدم قريبًا.
_________________
(١) = قال ابن عرفة: حاصله فهمه المذهب على قصر معنى وجوب الكفارة بالوطء على تحتم لزومها ولو ماتت المظاهر منها أو طلقها وقصر معنى وجوبها بالعودة بغير الوطء على عدم لزومها وسقوطها بطلاق أو موت، والأول حق، والثاني ليس كذلك لما تقدم من نقل ابن زرقون إن أجمع على الوطء وجبت عليه الكفارة، وإن ماتت أو طلقها وإن كان عمل بعضها وجب عليه إتمامها، وقول ابن رشد على ما في الموطأ إن أجمع على الوطء وجبت عليه الكفارة، وإن ماتت أو طلقها ولو كان عمل بعضها وجب عليه إتمامها وقول الباجي إثر ذكره الخلاف فيمن ظاهر في أثناء كفارة ظهار عليه، والقولان عندي على أن الكفارة تجب بالعودة أو تصح بها طفي وهذا يؤيد ما قاله ابن رشد أن العود على مذهب المدونة مصحح، وعلى ما بيناه من ذلك، واللَّه الموفق".
[ ٤ / ٣٤٢ ]
قال المؤلف: وهو مذهب المدونة.
وموتها الواو بمعنى (أو)، كما في نسخة البساطي.
[مسألة:]
ولو شرع هذا المظاهر في الكفارة قبل الطلاق ثم طلق، هل تجزئ إن أتمتها بعد ذلك، وبه قال ابن نافع، أو لا تجزئ، وهو قول ابن القاسم؟ تأويلان.
واختلف: هل قول ابن نافع خلاف لقول ابن القاسم، أو وفاق وإليه مال اللخمي.
[بيان الكفارة:]
ولما قدم ذكر الكفارة بينها، بقوله: وهي -أي: الكفارة- إحدى ثلاث مرتبة:
- عتق.
- فصوم.
- فإطعام.
[أولًا: الإعتاق وشروطه:]
الأول إعتاق رقبة كاملة، لا إعتاق جنين؛ إذ لا يصدق عليه رقبة حينئذ.
ولكن إذا أعتقه، وهو ببطن أمه عتق عليه بعد وضعه، كما في المدونة، لا حين العتق، ولا يجزي إعتاق منقطع خبره عن سيده بإباق أو غيره؛ لعدم العلم بحياته، وعلى تقديرها هل هو سالم أم لا؟
ومفهومه: إجزاء معلوم الخبر، وهو كذلك، سواء علم حين العتق أو بعده، نص عليه في لفظة المدونة وصوالها.
[ ٤ / ٣٤٣ ]
تنبيه:
فرق بينه وبين الجنين لاستصحابه دون الجنين، وبأنه ليس رقبة.
[شروط الرقبة:]
ثم وصف بقوله: مؤمنة، وفي إجزاء عتق الأعجمي، والمراد به الكافر غير الكتابي، صغيرًا كان أو كبيرًا، وعدم إجزائه إن كان كبيرًا تأويلان في قول المدونة: ويجزئ عتق الصغير الأعجمي في كفارة الظهار، إذا كان من فطر النفقة.
قال بعضهم: هذا في الصغير والكبير.
وقال ابن أبي زيد في اختصاره: يجزئ عتق الأعجمي الذي يجبر على الإسلام.
زاد: والذي يجبر عليه الصغير.
وفي الوقف عن الوطء حتى يسلم بالفعل احتياطًا للفروج، وإن مات قبل الإسلام لم يجزئه، حكاه ابن يونس عن بعض الأصحاب بلفظ ينبغي على قول ابن القاسم، وعدم الوقف لكونه على دين مشتريه، ويجبر على الإسلام ولا يأباه غالبًا.
ابن يونس: وأنا قلته.
قولان، وظاهر هذا أنهما غير منصوصين، وعادته في مثل هذا يقول: تردد.
ثم وصف الرقبة أيضًا بقوله: سليمة عن قطع إصبغ واحد، ولو بآفة، فظاهره: إبهامًا أو خنصرًا أو غيره، وعموم كلامه يشمل أصبع الرجل.
وسليمة عن عمًى وبكم، وهو الذي لا ينطق صاحبه، وظاهره: كان معه صمم أم لا، فإن كان معه ذلك فلا إشكال في عدم إجزائه.
وعن جنون وإن قل كمرة في الشهر، وخالف أشهب في هذا الأخير.
وسليمة عن مرض مشرف صاحبه على الموت، وقطع إشراف أذنين،
[ ٤ / ٣٤٤ ]
وصمم لناطق، وهرم وعرج شديدين، والمفاهيم واضحة، وسنذكر بعضها.
وعن جذام وبرص وفلج مثله في المدونة، غير أنه قيد الفلج بأنه يبس الشق، والمصنف أطلق بلا ثبوت عوض في ذمة الرقبة، كعتق على دينار في ذمة الرقيق، وأما على دينار في يده فيجزئ، لأنه له انتزاع ماله، ويحتمل ما قاله في المدونة: من أعتق عبده عن رجل عن ظهاره على جعل جعله له فالولاء للمعتق عنه، وعليه الجعل، ولا يجزئه عن ظهاره.
وفي بعض النسخ بلا شوب عوض، أي: شائبته، ومعناهما واضح، لا مشترى بشرط كونه للعتق؛ لأنه كمن ترك من ثمنه شيئًا لأجل العتق، ومحرره له -أي: للظهار- وحده، ولذا قال: لا يجزئ عتق من يعتق عليه؛ لأنه لسبب القرابة لا للظهار، وسواء احتاج لحكم أو لا؛ لعدم استقرار الملك عليه.
وفي عدم إجزاء عتق معين، قال: إن اشتريته فهو حر عن ظهاري فاشتراه، وهو قول المدونة: إن قال: إن اشتريته فهو حر فاشتراه عن ظهاره لم يجزئه، وإجزائه وهو قول ابن القاسم في الموازية: إن اشتريت فلانًا فهو حر من ظهاري، فإنه يجزئ تأويلان في كون قول ابن القاسم وفاقًا لما في المدونة، ومال إليه الباجي، أو خلافًا وإليه مال غيره.
والعتق بالجر عطفًا على ثبوت عوض، أي: خالية عن شوائب العوض، وعن العتق، وعلى هذا لا يجزئ عتق مدبر ومكاتب ونحوهما، كأم ولد ومعتق لأجل؛ لوجود الشائبة في الجميع.
أو أعتق نصفًا له في رقبة والباقي لغيره، فكمل عليه عتق جميعه بالحكم لم يجزئه؛ لأن الحكم لما كان يوجب عليه تتميم الباقي صار ملكه غير تام.
أو أعتقه -أي: النصف الباقي- ثانيًا بأن كانت الرقبة كلها له؛ لأنه يشترط كونه دفعة واحدة، وهو ظاهر المدونة.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
تنكيت:
تقريرُ البساطي لقوله: (أو أعتقه) أي: النصف الباقي لا عن ظهاره بعيدٌ؛ لاقتضائه بمفهومه أنه لو أعتقه عن ظهاره أجزأه، وهو خلاف ظاهر المدونة، وخلاف المشهور، إلا أنه موافق لسماع عيسى.
وأعتق ثلاثًا من الرقاب عن أربع ظاهر منهن لم يجزئه من ذلك شيء؛ لأنه يكون لكل كفارة ثلاثة أرباع رقبة، والعتق لا يتبعض، كما لو أعتق أربعًا عن أربع، وقصد الشريك في كل رقبة.
[ما يجزئ في الرقبة:]
ويجزئ أعور، وهو من ذهبت إحدى عينيه عن كفارة الظهار، وهو مذهب المدونة.
ويجزئ مغصوب؛ لبقائه على ملكه، سواء قدر على تخليصه من غاصبه أو لا.
ويجزئ مرهون وجان إن افتديا بوفاء الدين عن الأول ودفع أرش الجناية عن الثاني، وكذا لو أسقط كل من المرتهن وللمجني عليه حقه.
ومرض وعرج يجزئ صاحبهما إن كانا خفيفين.
تنبيه:
ليس مراده بالخفيف مفهوم (أشرف)؛ لأن بين المشرف والخفيف شديد مرجو، وهو يجزئ على المنصوص.
وأنملة يجزئ ناقصها من إبهام وغيره، ويجزئ جدع بدال مهملة في أذن، إن لم يوعبها، وهو خلاف قول ابن الحاجب: كاصطلام الأذن، قال في الصحاح: رجل أصلم إذا كان مستأصل الأذنين، وقد صلمت أذنه أصلمها صلمًا، إذا استأصلها، ورجل مصلم الأذنين إذا اقتطعتا من أصولهما.
[العتق عن المظاهر:]
ويجزئ عتق الغير عنه، ولو لم يأذن له فيه، خلافًا لابن الماجشون
[ ٤ / ٣٤٦ ]
في اشتراطه الإذن إن عاد المظاهر بنية أو وطء، ورضيه، أي: العتق عنه حين بلغه.
[ما يكره في الرقبة:]
وكره الخصي، ويغتفر نقصه لزيادة منفعته، قال الشارح: وهل حكم العنين والمجبوب كذلك أو لا؟
[ما يندب في الرقبة:]
وندب أن يكون ممن يصلي ويصوم، أي: بلغ ذلك السن، وفهم منه إن عتق من لم يبلغ هذا السن مجزئ، وإن رضيعًا.
تنبيه:
لو أعتقه كذلك فكبر أخرس أو أصم أو مقعد أو مطبق ففي العتبية ليس عليه بدله، وكذا لو ابتاعه فكبر على هذا؛ لاحتمال حدوثه.
[ثانيًا: الصوم:]
وأشار للنوع الثاني من أنواع الكفارة بقوله: ثم معسر عنه، أي: عن العتق وقت الأداء، وهو إخراج الكفارة على مذهب المدونة، وهو المشهور.
وقيل: وقت الوجوب.
وهو العود، واختلف: هل هو على ظاهره، فيكون خلافًا لما في المدونة، وهو طريق اللخمي، أو يؤول على الاستحباب، وهو طريق الباجي؟ تأويلان.
ثم صرح بمفهوم معسر لما فيه مما يوهم السقوط وهو الحاجة: لا قادر، وإن كانت قدرته بملك محتاج إليه من عبد أو غيره، لكمرض ومنصب أو غيرهما، كمسكن لا فضل فيه.
أو كانت قدرته على العتق بملك رقبة فقط ظاهر منها، بحيث اتحد محل الظهار، وتعلق الكفارة، فإنه لا ينتقل للصوم، ويعتقها عن ظهاره منها، فإذا تزوجها بعد العتق حلت له من غير كفارة على المنصوص.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
صوم شهرين متعلق بمعسر بالهلال، إن ابتدأ من أولهما كان الشهر ثلاثين أو تسعة وعشرين حال كون الصوم منوي التتابع وجوبًا، ومنوي التتابع وجوبًا ومنوي الكفارة للظهار وجوبًا.
وتمم الشهر الأول إن انكسر، بأن ابتدأ من أثنائه من الثالث، كأن مرض في أثناء أحدهما أو فيهما، وللسيد المظاهر عبده المنع له من الصوم إن أضر بخدمته، ولم يؤد خراجه، ومجموعهما هو المؤدي لمنع السيد؛ لأنه أدخل الظهار على نفسه.
ابن الماجشون ومن وافقه: ليس له منعه؛ لأنه من توابع النكاح.
تنكيت:
قول البساطي: (إنه من توابع الظهار) سبق قلم، وقد يقال: إنه ليس سبق قلم؛ لأن الظهار من توابع النكاح على قول ابن الماجشون ومن وافقه، وتابع التابع تابع له، وعليه فليس له منعه من الصوم، واللَّه أعلم.
وتعين الصوم لذي الرق -أي: عليه- ويشمل المكاتب والمدبر والمعتق لأجل؛ إذ لا ولاء له، ولازم العتق الولاء، وإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه.
وتعين الصوم أيضًا لمن طولب بالفيئة، وقد التزم عتق من يملك لعشر سنين، ومفهوم (طولب) أنها صبرت لهذه المدة لم يصم، وهو كذلك، قاله سحنون.
وإن أيسر من شرع له الصوم فيه -أي: في أثنائه- وقدر على العتق تمادى على صومه، ولم يعد للعتق، إلا أن يفسده بعد يسره، فيعود للعتق، وإن لم يبق من صومه غير يوم؛ لأنه لما فسد خوطب بالكفارة، وهو موسر.
وندب العتق لمن أيسر بعد صومه، فيرجع له إذا صام في كاليومين ونحوهما، ولو تكلفه المعسر، بأن أستدان عن رقبة وأعتقها، جاز ذلك، وأجزأه.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
تنبيه:
قول الشارح: (لو قال أجزأ، لكان أحسن) غير ظاهر؛ لأنه يلزم من الجواز الإجزاء دون التعسر.
[ما يقطع تتابعه:]
ولما تقدم وجوب تتابع الصوم أخذ في بيان ما يقطعه، فقال: وانقطع تتابعه بوطء المظاهر منها اتفاقًا، أو بوطء واحدة ممن فيهن كفارة واحدة فأكثر، حرائر كن أو إماء أو مجتمعات؛ لأنهن في حكم امرأة واحدة.
وإن حصل وطؤه المظاهر منها ليلًا ناسيًا أو غالطًا أو جاهلًا، وأحرى في الإبطال نهارًا أو عامدًا؛ لأن اللَّه تعالى اشترط في الكفارة أن تكون قبل المماسة.
ومفهوم الوطء: أن القبلة والمباشرة لا يقطعانها، وهو كذلك، وشهره يوسف بن عمر، وشهر الزناتي القطع.
واحترز عن وطء غير المظاهر منها ليلًا، فإنه لا يبطل كبطلان الإطعام بوطء المظاهر منها أو واحدة ممن فيهن كفارة في أثنائه، ولو بقي مسكين واحد، وسواء كان الوطء عمدًا أو نسيانًا أو جهلًا أو غلطًا، كما تقدم، لكن بطلان الصوم باتفاق، والإطعام على المشهور؛ لأن ابن الماجشون يرى أن الوطء لا يبطل الإطعام المتقدم مطلقًا، والاستئناف فيه أحب إليه؛ لأن اللَّه تعالى إنما قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ في العتق والصوم، ولم يقله في الإطعام، وأيضًا يخالفه في أن وطء غير المظاهر منها في الإطعام ليلًا أو نهارًا لا يبطله.
وانقطع بتتابع الصوم بفطر السفر؛ لأنه اختياري فيستأنف بخلاف ما لا خيرة للمكلف فيه، كما يأتي.
أو بمرض هاجه السفر لتسببه، فالضمير المرفوع في هاجه للسفر، والمنصوب للمرض، لا إن لم يهجه السفر، فلا يقطع التتابع، كحيض لا يقطع تتابع ما يجب عليها تتابعه، ككفارة القتل؛ إذ لا خيرة له فيه.
[ ٤ / ٣٤٩ ]
وإكراه على الفطر لا يقطع التتابع، ولا أكل وشرب عند ظن غروب، وأحرى عند ظن بقاء الليل، ويقضي متصلًا بصومه، فإن لم يصله ابتدأ.
وفيها: ونسيان لا يقطعه، وشهره ابن الحاجب، ويأتي تشهير القطع بالنسيان أيضًا.
وانقطع التتابع بالعيد -أي: بفطره- إذا ابتدأ صيام ظهاره في شهره، إن تعمده، لا إن جهله، فلا يقطع تتابعه، وصرح بمفهوم الشرط ليرتب عليه قوله: وهل عدم القطع إن صام العيد وأيام التشريق ويقضيها ويبني، وإلا بأن أفطرها لم يجزئه البناء، واستأنف؛ لأنه صوم غير متتابع، وهو فهم ابن الكاتب لقول مالك في المدونة: وإذا صام القعدة وذا الحجة عن ظهار عليه أو قتل نفس خطأ لم يجزئه، إلا من فعله بجهالة، وظن أنه يجزئه، فعسى أن يجزئه، وما هو بالبين، وأحب إلى أن يبتدئ.
أو يفطرهن -أي: أيام النحر- ويبني، قضاهن متصلًا، وهو فهم أبي محمد، تأويلان.
تنبيه:
أطلق الجهالة هنا مع أن في توضيحه عن عياض: انظر، هل الجهالة التي عذره بها في المدونة الجهالة بالحكم أو بالعدد، وتعيين الشهر وغفلته، على أن فيه فطرًا، فيكون كالناسي، وفي الشامل تصحيح الثاني.
وجهل رمضان كالعيد، فلا يقطع التتابع، ويجزئه، ابن حبيب: كمن صام شعبان لظهاره ورمضان لفرضه، وأكمل ظهاره بشوال أجزأه.
ابن يونس: يحتمل كونه وفاقًا لقول مالك فيمن جهل رمضان فصام ذا القعدة وذا الحجة لظهاره: عسى أن يجزئه.
وقال بعض شيوخنا: لا يجزئه؛ لأنه تفريق كثير، والأول أولى؛ لأن الجهل عذر في غير موضع، وإليه أشار بقوله: على الأرجح، ولو علمه وصامه عن ظهاره لم يجزئه.
وانقطع تتابعه بفصل القضاء فيما لا يجزئ قضاؤه والبناء فيه، وأما ما
[ ٤ / ٣٥٠ ]
يجزئ قضاؤه فإنه إذا وصله بالماضي من كفارته فإنه لا ينقطع، وشهر أيضًا القطع بالنسيان، شهره ابن رشد، واللَّه أعلم.
تنبيه:
لعله إنما لم يذكر هذا عند قوله عن المدونة عدم القطع مع أنه فيها أيضًا؛ لأن هذا عنده في الشهرة دونه، وتقدم له مثله في الذبائح، حيث قال: وشهر أيضًا الاكتفاء بنصف الحلقوم والودجين، ويحتمل مساواتهما في الشهرة.
وأخر هذا ليرتب عليه قوله: فإن لم يدر بعد صوم أربعة عن ظهارين لزماه موضع يومين مجتمعين نسيهما: هل هما من الأولى أو من الثانية أو أولهما أخر الأولى والآخر أول الثانية، صامهما وقضى شهرين؛ لاحتمال كونهما من الأولى أو من الثانية، أو أحدهما من الأولى والآخر من الثانية، فيصومهما؛ لاحتمال كونهما من الثانية، فلا ينتقل عنها مع القدرة على إتمامها، ويقضي شهرين لاحتمالها كونهما من الأولى أو مفترقين.
وقال سحنون: يصوم يومًا واحدًا وشهرين.
تتمة:
قال ابن الحاجب: لو علم أنهما من إحداهما، فقال ابن القاسم مثلها.
وقال سحنون: شهرين.
وإن لم يدر اجتماعها صامهما؛ لاحتمال اجتماعهما من الثانية، فلا ينتقل عنها حتى يكملهما، وصام الأربعة الأشهر أيضًا؛ لاحتمال افتراق اليومين.
تنبيه:
ترك المصنف التنبيه على القول بأن النسيان لا يقطع لوضوحه؛ لأنا إذا بنينا عليه يأتي بما نسيه فقط، ومثله لابن الحاجب.
[ ٤ / ٣٥١ ]
[ثالثًا: الإطعام:]
وأشار للنوع الثالث من أنواع الكفارة بقوله: ثم بعد العجز عن الصيام -كما يأتي- تمليك ستين مسكينًا، لا أقل ولا أكثر؛ لأن هذا العدد معتبر عندنا اتفاقًا؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.
وقال أبو حنيفة وجماعة: يطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا. فلم يعتبر العدد.
تنبيه:
عدل عن الإطعام الذي هو نص الآية إلى تمليك؛ لأن الإطعام مجاز عنه.
[شرط المساكين:]
أحرارا مسلمين: نعت لستين؛ لأن العبد غني بسيده، ولا تدفع لغني، والكافر ليس أهلًا للصدقة.
[مقدار الإطعام:]
لكل منهم مد وثلثان بمده ﵊، وعدل عن قولهم: مد بمد هشام إلى مد وثلثين بمد النبي -ﷺ- تبركًا، أو مراعاة للاختصار، أو لكراهة مالك أن يقال: مد هشام.
[جنس الطعام:]
برًا: تمييزًا لجنس المخرج، وإن اقتاتوا غيره تمرًا أو مخرجًا في الفطر شعيرًا أو سلتًا أو ذرة أو زبيبًا أو أقطًا أو دخنًا أو أرزًا، أخرجوا منه، فعدله.
عياض: معناه أن يقال: إذا أشبع الرجل مد حنطة يشبعه من غيرها، أي: فيخرج ذلك.
وقال الباجي: الأظهر عندي مثل مكيلة القمح لزكاة الفطر.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
وظاهر كلام المصنف: أنه لا يجزئ عرض، ولا ثمن فيه وفاء القيمة، وهو كذلك، ونحوه في المدونة.
[الغداء والعشاء:]
قال مالك: ولا أحب الغداء والعشاء؛ لأني لا أظنه يبلغ مدًا بالهشامي.
ابن المواز: لو غدى وعشى لا إعادة عليه.
فأحب على بابها، ويحتمل أن يراد بها عدم الإجزاء، ولما احتملتهما نسبها ابن الحاجب للمدونة، كـ: فدية الأذى، تشبيه في الإطعام لا في عموم أحكامها من التخيير بين النسك والصوم والإطعام، كما في تلك، واللَّه أعلم، ووقعت هذه المسألة في بعض النسخ عقب قوله: (مد وثلثان)، وما هنا أحسن.
[محل الانتقال للإطعام:]
وهل لا ينتقل المظاهر عن الصوم للإطعام، إلا إن أيس من قدرته على الصوم، وهو قول ابن القاسم في المدونة: من صام عن ظهاره شهرًا، ثم مرض، وهو لا يجد رقبة لم يكن له أن يطعم، وإن تمادى به المرض أربعة أشهر لم يدخل عليه الإيلاء؛ لأنه غير مضار، وينتظر إفاقته، فإذا صح صام، إلا أن يعلم أن ذلك المرض لا يقوي صاحبه على الصيام بعده، فيصير حينئذ من أهل الإطعام.
وظاهر هذا: أنه لا ينتقل للإطعام إلا بعد اليأس، وإن ظن القدرة في المستقبل؛ إذ التردد في ذلك يمنع من الإطعام عند ابن القاسم.
أو ينتقل إن شك في القدرة بعد العجز الحاضر، وهو قول المدونة أيضًا: من ظاهر من امرأته وهو مريض بمثل الأمراض التي يصح منها الناس فلينتظر حتى يصح، ثم يصوم إن كان لا يجد رقبة، وكل مرض يطول بصاحبه ولا يدري أيبرأ منه أو لا، ولعله يحتاج إلى أهله، فليطعم ويصيب أهله، ثم إن صح أجزأه الإطعام.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
وظاهر هذا: أن التردد لا يمنع عند ابن القاسم، لقوله: لا يدري أيبرأ أو لا.
قولان فيها؛ بناءً على أن المسألة الأولى مخالفة للثانية، وإليه ذهب ابن شبلون وغيره من القرويين، أو غير مخالفة وترد إحدى المسألتين إلى الأخرى، وإليه ذهب جماعة من القرويين أيضًا، وإليه أشار بقوله: وتؤولت أيضًا على أن الأول قد دخل على الكفارة بصومه شهرًا منها، وفي الثانية لم يدخل، وللدخول تأثير في العمل بالتمادي، وإليه ذهب جماعة القرويين.
وإن أطعم المكفر عن كفارة واحدة مائة وعشرين، لكل نصف مد، فكاليمين إذا أطعم فيها عشرين مسكينًا؛ لأن العدد معتبر فيهما، فيكمل هنا لستين منهم بالقرعة نصفًا نصفًا، لا ممن شاء؛ لاستوائهم في ذلك، ويرجع على الستين الأخرى، إن كان باقيًا بأيديهم لوقت التكميل، وأعلمهم بأنها كفارة، ولا استأنف.
تنبيهان:
الأول التشبيه يقتضي جريان الخلاف هل من شرط التكميل بقاء ما دفعه بأيديهم وقت التكميل أو لا، فإنه ذكر هناك تأويلين في ذلك، وهما هنا كذلك أيضًا.
الثاني: ظاهر كلام المؤلف سواء علم الآخر بعد الستين أو لا، وهو كذلك، واستظهر ابن عرفة من عند نفسه إن علم الإجزاء بعد الستين تعين رد ما بيده.
وللعبد إخراجه، أي: الإطعام إن أذن لسيده على المشهور، ومقابله لعبد الملك: لا يجزئه، وإن أذن له؛ لأن له الرجوع قبل صرفه للمساكين، واستبعد؛ لأنه مالك حتى ينزعه سيده.
تنكيت:
إذا علمت هذا ظهر لك أن قول البساطي: (لا أدري معنى قوله
[ ٤ / ٣٥٤ ]
وللعبد إخراجه؛ لأن هذه العبارة فيما له إخراجه، وله تركه) غير ظاهر (١).
وفيها أحب إلى أن يصوم العبد، وإن أذن له سيده في الإطعام، ونصها: مالك: وإذا ظاهر العبد من امرأته فليس عليه إلا الصوم، ولا يطعم، وإن أذن له سيده، والصوم له أحب إليّ.
وقال ابن القاسم: الصوم هو الذي فرض اللَّه عليه، وليس يطعم أحد يستطيعه.
قال الشيوخ: ظاهر كلام ابن القاسم أنه حمل كلام مالك على الوهم، وبتوهيمه صرح في المبسوط، ونحا إليه سحنون بطرحه هذه اللفظة، وقوله: بل هو أحب إليه أشار بقوله: وهل هو -أي: جواب مالك وهم بفتح الهاء؛ لأنه -أي: الصوم- الواجب على العبد، أو ليس بوهم، بل هو مؤول، وإليه ذهب الأكثر، وأشار المؤلف لذلك بقوله: أو أحب للوجوب، كما في الكتاب في غير موضع، وهو تأويل أبي عمران، أو أحب على بابها من أن للسيد عدم المنع من الصوم مع القدرة، وهو تأويل عياض، أو أحب راجع لمنع السيد إذا أراد أن يأذن في الصوم أو في إطعام، فإذنه في الصيام أحب إلى، وهو تأويل القاضي إسماعيل.
أو أحب محمول على العبد العاجز حينئذ في الحال فقط عن الصوم القادر عليه في الاستقبال، وإن أذن له في الإطعام أن يؤخر حتى يؤخذ على الصوم، ولا يلغى بالإطعام، وهو تأويل الأبهري؟ تأويلات أربع.
وقال مالك فيها: إن أذن له أن يطعم أو يكسر في كفارة اليمين باللَّه أجزأه، وفي قلبي منه شيء، والصوم أبين عندي.
تنبيه:
قال ابن عبد السلام: ذكره في المدونة عقب ما تقدم كالمستدل به على صحة تأويل الأبهري، ولا شك أن الشيء الذي في قلب الإمام من جهة
_________________
(١) في "ن ٣": ظاهر، من دون قوله: غير.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
الإطعام، إنما هو عدم صحة ملك العبد، أو الشك في ذلك.
[تشريك كفارتين:]
ولا يجزئ تشريك كفارتين في مسكين واحد بأن يعطي كل مسكين طعام اثنين إذا وجبت الثانية قبل إخراج الأولى، وإلا بأن وجبت بعد إخراجها أجزأت اتفاقًا.
تنبيه:
ظاهر كلامه: ولو اختلفت الكفارتين كظهار ويمين باللَّه تعالى، وهو كذلك، هذا والذي في ابن الحاجب عن المدونة: لا يعجبني.
قال المصنف: محمول على الكراهة، وهو غاية ما يمكن هنا.
[تركيب صنفين:]
ولا يجزئ تركيب كفارة واحدة من صنفين، كعتق نصف رقبة لا يملك غيرها مع صوم شهر مثلًا.
تنبيه:
ليس من التركيب إطعام ثلاثين مسكينًا برًا، وثلاثين تمرًا مثلًا؛ لضيق أو لخروج لبلد ذلك عيشهم، فإنه يجزئ.
[مسألة:]
ولو صام مائة وعشرين يومًا أو أطعم مائة وعشرين مدًا مدًا، ونوى لكل من الكفارتين عددًا أجزأ، أو أطعم مائة وثلاثين عن أربع، ونوى عن الجميع كمل بإطعام ستين مسكينًا.
[مسألة:]
وإن ماتت واحدة من الأربع قبل التكميل سقط حظ من ماتت منهن مما أخرجه من المائة والثمانين، وهو خمسة وأربعون؛ لأنه أخرج عن كل واحدة الربع من ذلك.
[ ٤ / ٣٥٦ ]
وقول الشارح: (لعله يريد بذلك ما إذا صام ستة أشهر، وعليه أربع كفارات، ولم يعين لكل واحدة منهن كفارة، إلا أنه نوى لكل واحدة عددًا بطلت الثلاث الأول، وكمل الرابعة، لكن ليس هذا من التركيب الذي أراده، ووجه بطلان الثلاث التفريق) غير ظاهر، لأن هاتين المسألتين مستأنفتان، لا تعلق لهما بالتركيب، كما قررناه، واللَّه أعلم بالصواب.
تنبيه:
قال بعض من تكلم على المحل: لأن هذه والتي قبلها خاصتان بالإطعام. انتهى، وإنما قال ذلك لأن التي قبلها ليس فيها تكميل على ما فهمه.
[مسألة:]
ولو أعتق ثلاثًا عن ثلاث من أربع ظاهر منهن ولم يعين من أعتق عنها منهن لم يطأ واحدة منهن حتى يخرج الكفارة الرابعة؛ لاحتمال كون التي يريد وطأها هي التي لم يكفر عنها، وإذا كفر الرابعة وطئ من شاء منهن.
[مسألة:]
وإن مات واحدة فأكثر أو طلقت قبل إخراج الكفارة الرابعة لم يجز له وطء واحدة من الباقيات حتى يخرج الرابعة، لاحتمال كون الباقية بغير تكفير هي إحدى الباقيات.
خاتمة:
ذكر يوسف بن عمر: من لم يجد مساكين في بلد نقله لبلد آخر، واللَّه تعالى أعلم.
فرع:
قال في الشامل: لو تناهب المساكين الكفارة ابتدأها إن كانوا أكثر من ستين، وإلا بنى على واحدة، وكمل.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
باب ذكر فيه اللعان، وما يتعلق به
[معناه:]
ومعناه لغة البعد، يقال: لعنه اللَّه، أبعده اللَّه، وكانت العرب تبعد الشرير المتمرد كي لا تؤاخذ بجرائره، وتسميه لعينًا، وهل تسمية اللعان به لذلك، أو لبعد الزوجين عن الائتلاف؛ لتحريمها تأبيدًا، أو لذكر اللعنة فيه في خامسة الرجل؟ أقوال.
[من له أن يلاعن:]
إنما يلاعن زوج، لا سيد؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية، ويشمل الحر والعبد، ومن يدخل بزوجته، وهو كذلك، ويتناول غير المكلف، كالصبي والمجنون، ويتناول العنين والهرم والأخرس والخصي القائم الذكر المقطوع الأنثيين، وعكسه، ومن قطعت بيضته اليسرى، والمقطوع ذكره وأنثياه، وهو كذلك في الجميع في الرؤية والقذف، وأما في نفي الحمل ففي الخصي بقسيميه إذا أتت زوجته بولد لا اللعان عليه عند ابن القاسم؛ إذ لا يلحق به، كما في الجلاب، وأما من ذهبت بيضته اليسرى فلا يلاعن عند ابن حبيب للطب؛ لأنها تطبخ المني، فإذا فقدت فقد الولد، واليمين لنبات الشعر، وأما المقطوع ذكره وأنثياه فلا يلاعن لعدم إمكان الحمل عادة.
ثم بالغ بقوله: وإن فسد نكاحه، كناكح ذات محرم أم أو أخت غير عالم، ثم علم، وقد حملت فأنكره، فيلاعن، وإن نكلت حدت، وكذا إن نكل حد للقذف، ويلحقه الولد، أو فسقًا أو رقًا أو أحدهما تلاعنًا، لا إن كفرا فلا يصح لعانهما؛ لأن شرطه إسلام الزوج.
إلا أن يترافعا ويرضيا بحكم الإسلام فيحكم بينهما به، ومفهوم (كفرا) أن المسلم يلاعن الذمية، وهو كذلك، كما في الجلاب، لكن لعانه لنفي الحمل أو الولد، لا للزنا.
[ ٤ / ٣٥٨ ]
[سبب اللعان:]
ثم أفاد سبب اللعان كما في توضيحه، أو شرطه كما قال الشارحان: إن قذفها الزوج بزنا صريح، ادعى حصوله منها طوعًا في زمن نكاحه، ويشمل صورتين:
الأولى: لعانهما حال الزوجية.
والثانية: إذا قامت بقذفهما بعد بينونتها منه، وبه صرح ابن ناجي وبمشهورتها.
وإلا بأن قذفها بزنا قبل نكاحه حد، ولا لعان، ولو كانت زوجته الآن، وأحرى بعد بينونتها منه.
وظاهر كلامه: سواء قذفها بالزنا في قبل أو دبر، وهو كذلك، صرح به ابن الحاجب.
ولما كان شرط هذا الزنا الجزم به، قال: تيقنه أعمى بإخبار أو بطريق محصل للعلم كجس أو حبس.
ورآه غيره، وهو البصير، فلا يعتمد على ظن، ولا شك، ويدخل رؤية الأصم؛ ففي المدونة: يلاعن الأخرس فيما يفهم عنه من إشارة أو كتاب.
وسمع أصبغ مثله في الزوجة صماء بكماء.
ابن رشد: لأن الإشارة كالكلام عند عدمه.
تنبيهات:
الأول: ظاهر كلامه: أنه لا يشترط وصفه كالشهود، وهو المشهور، واللَّه تعالى أعلم.
الثاني: قال في الشامل: لو انطلق لسانه، فقال: لم أره، لم يقبل.
الثالث: قال ابن ناجي في شرحه للمدونة: إذا لاعن الأخرس، ثم انطلق لسانه، لم يعد عليه اللعان.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
الرابع: خرج بقوله: (زنا) نسبتها لفعل شرار النساء، البساطي: أي تفعل بهن، فلا لعان، وفي عكسه -أي: يفعلن بها ذلك- نظر، ولم أره. انتهى.
وانتفى به -أي: بلعان الرؤية- ما ولد لستة أشهر فصاعدًا من يوم الرؤية، وإلا بأن ولدت لدون ستة أشهر لحق به في أحد قولي مالك.
تنبيه:
أطلق فيما دون الستة، وقال محمد بن دينار: يلحق به، وإن نقص ليلتين أو ثلاثًا قدر ما بين الأهلة.
إلا أن يدعي الاستبراء، فلا يلحق به الولد، قال في المقدمات: بالإجماع.
والاستبراء بحيضة على المشهور؛ لأنه لبراءة الرحم، وليس بعده فأشبه استبراء الأمة.
وقال المغيرة: بثلاث.
فائدة:
قال المصنف: ليس عندنا حرة تستبرأ بحيضة إلا هنا، ولا أمة تستبرأ بثلاث إلا على قول المغيرة هنا، وفيمن ادعى سيدها وطأها، وأتت بولد فنفاه، وادعى أنه كان استبرأها بثلاث. انتهى.
وإن رماها بنفي حمل دون قذف انتفى بلعان معجل على المعروف من المذهب بعد ثبوته بشهادة امرأتين على المشهور.
ثم بالغ على اللعان لنفي الحمل، فقال: وإن مات الولد بعد الولادة أو ولدته ميتًا، ولم يعلم بها الزوج لغيبته أو غيرها فيلاعن؛ لأنه قاذف.
تنبيه:
وعلى المشهور من أنه يلاعن لنفي الحمل، ففي المدونة وغيرها: لو أنفش بعد لعانه لم تحل له أبدًا.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
أو تعدد الوضع، بأن ولدت واحدًا بعد آخر في غيبة الزوج، ثم قدم ونفى الجميع، فإنه ينتفي بلعان واحد.
أو التوأم، وهو الولد المتعدد في حمل واحد ينتفي كل بلعان واحد معجل، ولا يؤخر للوضع على المشهور.
قال في الشامل: ولو مريضين أو أحدهما، وأما الحائض والنفساء فيؤخران.
ثم شبه في الاكتفاء بلعان واحد قوله: كالزنا والولد، سمع ابن القاسم من قدم من غيبته سنين فوجد امرأته قد ولدت أولادًا فأنكرهم، وقالت: بل هم منك، لم يبرأ منهم ومن الحد، إلا بلعان.
قال ابن رشد: هذا إذا أمكن إتيانه إليها سرًا.
[شروط نفي الولد:]
ولما كان لنفي الولد شروط، وهو اعتماده على أحد أمور ثلاثة، أفاده بقوله: إن لم يطأ بعد وضع لحمل قبل هذا الولد، أو وطئها ولكن هذا الوطء لمدة لا يلحق الولد فيها لقلة، كخمسة أشهر فأقل، أو كثرة كست سنين فأكثر، أو استبراء بحيضة بعد وطئه لها.
قال في التوضيح: على المشهور.
ابن عبد السلام: عدم اللعان في هذه أقرب، لضعف دلالة الاستبراء على نفي الحمل الأول على المشهور.
تنكيت:
إذا علمت ما ذكرناه ظهر لك أن قول الشارح: (يريد مع رؤية الزنا) غير ظاهر، وإن استظهره المؤلف، فلا يحل به كلامه وجود التشهير.
ثم بالغ على عدم نفي اللعان بقوله: ولو تصادقا على نفيه، فلا يفيد الزوج تصادقهما على ذلك لحق الولد عند الأكثر.
وقيل: ينتفي بذلك.
[ ٤ / ٣٦١ ]
وتحدوهما روايتان عن مالك في المدونة.
تنبيه:
ظاهره: سواء تصادقا على ذلك قبل البناء أو بعده، وهو كذلك، لكن مقابل المشهور في الأول ما في المدونة، وفي الثاني تخريج اللخمي.
إلا أن تأتي به لدون ستة أشهر من يوم العقد، لأن الشرع نفاه عنه، فلا يمكن من استلحاقه.
أو يأتي به وهو صبي حين الحمل أو مجبوب؛ لاستحالة حملها من الصبي والمجبوب عقلًا.
أو ادعته -أي: الحمل- زوجة مغربية بالغرب على زوج مشرقي بأرض المشرق، وكل منهما ببلده، وادعت طروقه ليلًا، فينتفي بغير لعان، خلافًا لأبي حنيفة في هذه الأخيرة.
وفي حده -أي: الزوج- دون لعان بمجرد القذف لزوجته العادي عن دعوى رؤية ونفي ولد، كقوله لها: يا زانية، وهو أحد قولي ابن القاسم، وعليه أكثر الرواة، وصححه في المقدمات، وصوبه اللخمي، وشهره الباجي، أو لعانه وهو أحد قولي ابن القاسم أيضًا وابن نافع، واختاره بعض كبار المتأخرين، وشهره في الإرشاد، خلاف، والقولان في المدونة.
تنكيت:
قول البساطي: (في القول الأول يحد، ولا ينفي عنه لهذا الحد لعانه، وهو قول ابن القاسم وأكثر الرواة) سبق قلم.
وإن لاعن لرؤية وادعى الوطء قبلها، أي: الرؤية في يومها أو قبله، وادعى عدم الاستبراء بعد وطئه، ثم أتت بولد يمكن أن يكون من زنا الرؤية، فلمالك -﵁- في إلزامه -أي: الزوج- به -أي: بالولد- ولا ينتفي بهذا اللعان، وإن ولدته لأكثر من ستة أشهر من يوم الرؤية، إلا ينفيه بلعان ثان.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
وعدمه -أي: عدم إلزامه- بمعنى أنه لا ينتفي باللعان الأول، بل إن نفاه بلعان ثان انتفى، وإن استلحقه لحق به؛ لأن اللعان الأول لنفي الحد فقط، وعدوله عن دعوى الاستبراء رضى منه بالاستلحاق للولد، فبقي أمره موقوفًا.
ونفيه لأن اللعان الأول موضوع لنفي الحد والولد معًا، فإن ادعاه بعد ذلك لحق به وحد.
أقوال ثلاثة مطلقة، أي: سواء كانت حاملًا يوم الرؤية أم لا، ولهذا قال في المدونة في القول الثالث: وقال بنفيه مرة، وإن كانت حاملا.
وفصل ابن القاسم، فقال: ويلحق الولد وإن تعدد إن ظهر حملها يومها، أي: الرؤية.
قال المصنف: وتفصيله ظاهر؛ لأنه لا يلزم من لعانه لنفي الحد عنه نفي حمل ظاهر.
تنبيه:
ما ذكره من الخلاف مثله في المدونة، فمن الشيوخ من فهمها على ثلاثة أقوال، كما فعل المؤلف وابن الحاجب، ومنهم من فهمها على قولين كابن لبابة وصاحب المقدمات:
الأول: أن الولد ينتفي، وإن أتت به لدون ستة أشهر.
والثاني: الفرق بين أن يولد لأقل من ستة أشهر أم لا، وجعلا قوله: (لم يلزمه) مرة، وقال بنفيه مرة قولًا واحدًا.
[ما لا يجوز الاعتماد عليه:]
ولما قدم ما يعتمد عليه الملاعن، ذكر ما لا يجوز الاعتماد عليه في نفي الولد، فقال: ولا يعتمد فيه على عزل؛ لأن المني قد ينفصل عنه، ولا يشعر به.
قال في الشامل: ولو في أمة على الأصح.
[ ٤ / ٣٦٣ ]
ابن أبي زيد: من أنكر حمل امرأته بالعزل لم ينفعه، وكل وطء في موضع يمكن وصول المني منه للفرج.
ولا يعتمد على مشابهة لغيره في صفته، وإن كانت المشابهة بسواد، وبالغ به لأن الشك به أقوى من غيره من الصفات.
تنبيه:
هذا مخالف لباب القافة.
ولا يعتمد في النفي على وطء بين الفخذين إن أنزل؛ لأنه لقوة اندفاعه قد يصل للفرج، ومثله الوطء في الدبر.
ولا يعتمد على وطء بغير إنزال إن أنزل قبله في وطء آخر وملاعبة، ولم يبل بعد هذا الإنزال؛ لاحتمال بقاء شيء منه خرج في هذا الوطء، فحصل عنه الحمل، فإن بال بعده انتفى هذا الاحتمال.
[ما يلاعن به:]
ولاعن في نفي الحمل مطلقًا، سواء كانت حية أو ميتة في عصمته أو مطلقة رجعية أو بائنة، كانت في العدة أو خرجت منها، ما لم تجاوز أقصى أمد الحمل.
ولاعن في دعوى الرؤية مطلقة في العدة، ولا يمنع من الطلاق اللعان، وإن كانت العدة من طلاق بائن، وبالغ عليه لخلاف ابن المواز فيه؛ لأن اليأس عنده كالأجنبية.
وحد إن رماها به -أي: بالزنا- بعدها -أي: العدة- اتفاقًا؛ لأنها حينئذ أجنبية، كاستلحاق الولد الذي نفاه يحد بذلك لإكذابه نفسه باستلحاقه.
إلا أن تزنى بعد اللعان، فلا يحد إن استلحق؛ لزوال اسم العفة عنها، كقاذف عفيف، ولم يحد حتى زنا ذلك العفيف.
وحد مع اللعان لأجل تسمية الزاني بها، كرأيتها تزني مع فلان، الباجي: لا يخلصه من الحد لعانه.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
قال سحنون: لو حد للرجل المسمى لسقط اللعان.
الباجي: لأن من حد لقذف دخل فيه كل قذف ثبت عليه قبل ذلك الحد ممن قام به ومن لم يقم.
[إعلام المقذوف:]
وأعلم من سمي بحده، فيقال له: فلان قذفك بامرأته، وهو يحد لك؛ لأنه حق له على الأصح.
[محل سقوط الحد واللعان:]
إلا إن كرر قذفها به، أي: مما لاعن بسببه، فلا يحد ولا يلاعن، وخرج بقوله ما إذا قذفها بغيره.
[أحكام الاستلحاق:]
وورث المستلحق بكسر الحاء الميت المستلحق بفتح الحاء، إن كان له -أي: الولد- ولد حر مسلم يشاركه الأب في المال لبعد التهمة في الاستلحاق حينئذ.
قال في المدونة: من نفى ولدًا بلعان، ثم ادعاه بعد أن مات الولد عن مال، فإن كان لولده ولد ضرب الحد، ولحق به، وإن لم يترك ولدًا لم يقبل قوله؛ لأنه يتهم في ميراثه ويحد، ولا يرثه.
أو لم يكن للولد المستلحق بالفتح ولد وقل المال الموروث عنه، فيرث الأب لبعد التهمة أيضًا، فإن كثر المال لم يرثه، كذا قيد فضل المدونة، واعتمده المصنف، وكذا لو لم يكن له حر مسلم، بل كان الولد عبدًا أو ذميًا وقل المال، وهذا القيد لأبي إسحاق، واعتمده المصنف أيضًا.
وإن وطئ الرامي زوجته بعد علمه بوضعها أو حملها أو أخر لعانه بعد علمه بوضع أو حمل اليوم أو اليومين كما في المدونة، قال الشارح: يريد أو أكثر.
بلا عذر، امتنع لعانه في الصور الأربع، ويلحق به الولد، وبقيت له
[ ٤ / ٣٦٥ ]
زوجة مسلمة كانت أو كتابية، وحد للحرة دون الأمة والكتابية، والتقييد بعدم العذر لعبد الوهاب.
تنبيه:
قال البساطي: هذا في نفي الولد، وأما في الزنا بالرؤية فله القيام، ولو طال، وإنما يمنع منه الوطء.
[صفة اللعان:]
ثم ذكر صفة اللعان بقوله: وشهد الرجل في الرؤية باللَّه يكرره أربعًا لرأيتها تزني، هذا على ما قدمه من أنه يعتمد على مجرد الرؤية، وأما على القول باعتماده على الوصف كالشهود فيزيد نكح فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة.
تنبيه:
أشعر قوله: (شهد) أنه لا يقول: أقسم باللَّه، ولا: أشهد بعلم اللَّه، ولا: بعزة واللَّه، وهو كذلك، وفهم من اقتصاره على (باللَّه) أنه لا يزيد: (الذي لا إله إلا هو)، كقول محمد، ولا الرحمن الرحيم، كما حكاه اللخمي، ولا عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، كما يقوله ابن كنانة.
أو إن كان لعانه لنفي الحمل، قال: أشهد باللَّه أربعًا: ما هذا الحمل مني عند ابن المواز، وعليه جماعة، قالوا: ليس بمشهور، ولم يذكر المؤلف مذهب المدونة، مع أنه المشهور؛ لقوله في توضيحه: انظر مذهبها؛ فإنه لا يلزم من قوله: (زنت) أن يكون الحمل من غيره. انتهى.
تنبيه:
ظاهر قول ابن الحاجب: وفي نفي الحمل لزنت أو ما هذا الحمل مني التخيير.
ووصل الزوج خامسة بلعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، مثله في الجلاب والكافي بإسقاط (إن)؛ بناءً على أن الإتيان بها أولى، وفي
[ ٤ / ٣٦٦ ]
المدونة: أنه لعنة اللَّه عليه، ومثله لابن الحاجب والإرشاد، أو يقول موضع (إن كان من الكاذبين): إن كنت كذبتها، ظاهره: التخيير والذي قاله ابن محرز عن محمد: أجزأ.
[لعان الأخرس:]
وأشار الأخرس لما يتعلق باللعان من رمي وأيمان واعتراف ونكول بما يفهم عنه من ذلك؛ لعجزه أو كتب ذلك إن كان يحسنها، والرجل والمرأة في ذلك سواء.
وقدمنا أن من انطلق لسانه، وقال: لم أر ذلك لم يقبل منه، ومن اعتقل لسانه قبل اللعان ورجي زواله عن قرب انتظر.
[لعان المرأة:]
ثم ذكر صفة لعان المرأة على سبق ما في القرآن، وحلفها المبطل لحلفه، فقال في ردها لحلفه في نفي الحمل لزنت في الرؤية بقوله وشهدت باللَّه أربعًا ما رآني أزني، أو تقول في ردها لحلفه في نفي الحمل لزنت: ما زنيت و(أو) للتفصيل.
وهذا إنما يأتي على قول المدونة: إنه يحلف لزنت، وهو خلاف ما قدمه عن محمد، وقياسه أن تحلف أن الحمل منه.
أو تقول في أيمانها الأربعة: لقد كذب فيهما، أي: في قوله: لرأيتها تزني، أو: لزنت.
وجوز الشارح عود ضمير التثنية للرؤية ونفي الحمل، واستظهر الأول.
وتقول في الخامسة: غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين، بغير لفظة (إن) ومثله في الجلاب، وفي المدونة وغيرها (إن).
ووجب أشهد في كل من الأربعة، وتعين اللعن في خامسته؛ لأنه مبعد لها في نسبه، فناسب ما يدل عليه، وتعين الغضب في خامستها؛ لأنها مغضبة لربها وأهلها وزوجها، فناسب ذكره.
[ ٤ / ٣٦٧ ]
تنبيه:
لو أبدل اللعن بالغضب أو عكسه لم يجز، قاله عبد الوهاب.
[موضع إقامة اللعان:]
ووجب بأشرف موضع في البلد كالجامع، فلا يقبل رضاهما أو أحدهما بدونه.
الباجي: التغليظ بالمكان شرط، وعليه جماعة العلماء.
[الإشهاد عليه:]
ووجب كونه بحضور جماعه من الناس؛ لوقوعه في زمنه ﵊ كذلك، وظاهره: أنه لا يشترط حضور الإمام ولا نائبه.
وقال عياض: سننه أن يكون مشهورًا بحضرة الإمام أو من يستنيبه كذلك.
أقلها أربعة؛ لاحتمال نكولها أو إقرارها، ولا يتم إلا بأربعة، قال الشارح: وعليه فلا بد من كونهم عدولا؛ إذ لا يثبت بغيرهم.
[ما يندب فيه:]
وندب كونه إثر صلاة من الصلوات الخمس، أي ساعة شاء الإمام.
محمد: وعلى إثر صلاة أحب إليّ.
وندب تخويفهما؛ لما ورد فيه، وخصوصًا عند الخامسة؛ لأنه محل نزول العذاب بهما.
وندب القول لكل منهما بأنها موجبة العذاب، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
[حكم البدء بالمرأة:]
وفي وجوب إعادتها إن بدأت باللعان كما هو ظاهر الآية، وهو قول أشهب، واختاره ابن الكاتب واللخمي، وصححه ابن عبد السلام، وعدم
[ ٤ / ٣٦٨ ]
إعادتها، وهو قول ابن القاسم، خلاف.
تنبيه:
ظاهر كلامه إعادتها على القول به، ولو حلفت أولًا كما يحلف الرجل، ولم يعتبر تقييد ابن رشد الخلاف بما إذا حلفت أولًا كالرجل: أشهد باللَّه أني لمن الصادقين ما زنيت، وأن هذا الحمل منه، وفي الخامسة غضب اللَّه علي إن كنت من الكاذبين.
وأما إن حلفت على تكذيب أيمانه، كـ: أشهد باللَّه إنه لمن الكاذبين، وفي الخامسة: غضب اللَّه علي إن كان من الصادقين، أعادت اتفاقًا.
[ملاعنة الذمية:]
ولاعنت الذمية بكنيستها كاليهودية لبيعتها، إن طاعت باللعان؛ لأنه الموضع الذي تعظمه، وتحلف باللَّه، ومخيرًا الزوج في الحضور معها، ولا تدخل هي معه المسجد؛ لمنعها منه، وبلعانها ينقطع نكاحها، ولم تجبر على اللعان إن امتنعت منه.
وإن أبت بأن امتنعت من اللعان أدبت؛ إذ لو أقرت بالزنا لم تحد، وأدبت لامتناعها لأذيتها لزوجها، وإدخالها اللبس في نسبه، وردت بعد أدبها لملتها؛ لاحتمال تعلق الحد عندهم بنكولها أو إقرارها.
كقوله -أي: الزوج- وجدتها نائمة مع رجل في لحاف، فيؤدب حيث لا بينة له بذلك، ولا لعان عليه، ولا حد.
وتلاعنا معًا وإن رماها بغصب، فقال: زنت مغصوبة، أو وطء شبهة، فقال: وطئها زيد، أو سكتت ظنته إياي، وأنكرته -أي: الوطء- حمله في الصورتين.
أو صدقته في الصورتين ولم يثبت غصبها، ولم يظهر غصبها، فإنهما يتلاعنان، وتقول في لعانها: ما زنيت، ولقد غلبت على نفسي، وإلا بأن ثبت الغصب ببينة أو ظهر التعن الزوج فقط دونها، وتبقى زوجة؛ لأنها تقول: يمكن أن يكون من الغاصب، وإن نكل الزوج لم يحد، كصغير لم
[ ٤ / ٣٦٩ ]
يطأ تشبيه في أنه يلاعن دونها، وتبقى زوجة، فإن جاء حمل لم يلحق به، ومفهومه: عدم لعانه لمن لم تطق الوطء.
وإن شهد زوج بزنا زوجته مع ثلاثة، واطلع على ذلك، التعن، ثم التعنت، وحد الثلاثة لعدم تمام النصاب، لا إن نكلت عن اللعان، فلا حد على الثلاثة، وتحد هي لأنه قد خف عليها ما شهدوا به.
أو لم يعلم بزوجته حتى رجمت لنفوذ الحد بشهادة الزوج مع الثلاثة، وسقط الحد عنهم.
مالك: ويلاعن الزوج، فإن نكل حد وورثها.
إلا أن يعلم أنه تعمد الزور ليقتلها، أو أقر بذلك، ولا دية على الإمام؛ لأنه مختلف فيه، وليس بخطأ صريح.
[مسألة:]
ولما قدم أن اللعان في الزوجة دون الأمة ذكر مسألة مركبة من القسمين، فقال: وإن اشترى زوجته ثم ولدت لستة -أي: أشهر- فأكثر ونفاه فكالأمة في أن ولدها ينتفى بغير لعان.
وإن ولدته لأقل من ستة أشهر فكالزوجة، لا ينتفي إلا بلعان.
تنبيه:
كلامه هنا مثله لابن الحاجب، وقيده في التوضيح بما في الجواهر، بما إذا لم يعلم أنها كانت حاملًا يوم الشراء، وبما إذا لم يطأها، ولم يذكره هنا.
[ما يترتب على اللعان:]
وحكمه بالنسبة للزوج رفع الحد عنه في الحرة المسلمة، أو الأدب
[ ٤ / ٣٧٠ ]
في الزوجة الأمة أو الذمية، وحكمه إيجابه -أي: الحد- على المرأة، إن لم تلاعن؛ لأنها حينئذ كالمصدقة لحلفه.
وقطع نسبه من ولدها الملاعن فيه، وحكمه بالنسبة لها بلعانها تأبيد حرمتها عليه، فلا تحل له أبدًا قبل زوج أو بعده، وهو فسخ بغير طلاق، ولها قبل البناء نصف صداقها.
ثم بالغ على تأبيد حرمتها، فقال: وإن ملكت أو انفش حملها الذي تلاعنا لأجله ولو عاد الزوج إليه -أي: إلى اللعان- بعد نكوله عنه قبل منه على الأصح، وفيه ثلاث طرق، كالمرأة تقبل دعواها إليه بعد نكولها على الأظهر، وهو قول ابن رشد على الصحيح، لأن نكولها عن اللعان كإقرارها بالزنا، وهي إذا رجعت فيه تقبل، واللَّه أعلم.
وإن استلحق أحد التوأمين، وهما ما ليس بين وضعيهما ستة أشهر، لحقا معًا، وإذا كان بينهما أقل من ستة أشهر، وإن كان بينهما ستة فأكثر فبطنان، وليسا بتوأمين، لا يلحقه أحدهما إذا استلحق الآخر.
إلا أنه -أي: مالك- قال في المدونة ما يوهم خلاف هذا، وهو قوله: إن أقر بالثاني أنه ولده لزمه؛ لأن الولد للفراش، ونفي الأول باللعان، والفرض أن بينهما ستة أشهر، وقال: لم أطأ بعد ولادة الأول، سئل النساء العارفات بذلك، فإن قلن: إنه -أي: الحمل- قد يتأخر هكذا، لم يحد؛ لأنه بطن واحد، وإن قلن: لا يتأخر هكذا، حد، ولحق به، وفي هذا الفرع إشكال ذكرناه في الكبير.
خاتمة:
قال ابن عرفة: انظر لو شك النساء في تأخره كذا وعدمه، والأظهر أنه لا يحد.
* * *
[ ٤ / ٣٧١ ]
باب ذكر فيه العدد، وما يتعلق بها
وهي من موانع النكاح، وهي من طلاق ووفاة، وبدأ بعدة الطلاق، فقال: تعتد حرة وإن كانت كتابية يهودية أو نصرانية طلقها مسلم أو أراد نكاحها من طلاق ذمي أطاقت الوطء، فلا عدة على صغيرة لم تطقه اتفاقًا؛ لأنه لها كالجرح، فلو أطاقته اعتدت، وإن لم يمكن حملها، وهو مذهب المدونة.
بخلوة زوج بالغ، لا صغير لا يولد لمثله، ولو قوي على الوطء إذا خالع عنه أب أو وصي، فلا عدة عليها.
ثم وصف البالغ بقوله: غير مجبوب ذكره وأنثياه، ووصف الخلوة بقوله: أمكن شغلها، أي: الزوجة في الخلوة بالحمل منه -أي: الزوج- وسواء في ذلك خلوة الاهتداء أو خلوة الزيارة، فخلوة تقصر عن زمن الوطء لا عدة بسببها.
ثم بالغ على وجوب العدة مع الخلوة الموصوفة بقوله: وإن نفياه -أي: الوطء- لأنه حق اللَّه، لا يسقط باتفاقهما، فيسقط حقها من النفقة والسكنى وتكميل الصداق، وحقه من الرجعة.
وإن ادعى أحدهما الوطء وأنكره الآخر، قال الشارح: حيث لا يعلم دخول ولا خلوة أخذا بإقرارهما، فإقرارها فقط يوجب عدتها، وإقراره فقط لا يوجبها؛ إذ هو دعوى بغير دليل يكمل عليه الصداق، ويلزمه النفقة والسكنى.
لا بغيرها -أي: الخلوة- فلا عدة عليها؛ لأنها طلقت قبل البناء، إلا أن تقر به -أي: الوطء- في غير الخلوة، فتعتد واللَّه أعلم.
تنبيه:
ليس في هذا تكرار مع قوله: (وأخذا بإقرارهما)؛ لأن هذا في غير
[ ٤ / ٣٧٢ ]
الخلوة؛ وذاك معها، وبهذا يندفع قول البساطي أنه كالتكرار.
أو إلا أن يظهر حمل، ولم ينفه، فتعتد؛ لأنه يصير كالدخول؛ إذ الولد للفراش، ومفهومه: لو نفاه باللعان لم تعتد بثلاثة أقراء: متعلق بقوله: (تعتد حرة).
وإعراب الشارح له خبرًا فيه تجوز، علاقته مشابهته للخبر، من حيث أن كلًّا منهما توقف عليه الفائدة.
أطهار: بدل من أقراء، وهو كذلك عندنا وعند الشافعي وأحمد، ونبه به على خلاف أبي حنيفة ومن وافقه أنها الحيض.
[عدة ذات الرق:]
وعدة ذات الرق ومكاتبة ومدبرة ومعتقة لأجل أو بعضها قرءان اتفاقًا، ومنع من التنصيف تعذره في الثلاثة كالطلاق، وسواء كان الزوج في ذلك كله حرًا أو عبدًا.
والأقراء الثلاثة الجميع للاستبراء في عدة مطلقة مدخول بها عند الأبهري؛ ولذا لا يجب على مطلقة قبل الدخول؛ لأنها لا تحتاج لبراءة رحم، لا القرء الأول فقط، كما يقوله القاضي أبو بكر.
وأشار لقول ابن يونس الأول أبين لقوله: على الأرجح، ولا تحل مطلقة بعد الدخول بدون الأقراء الثلاثة، ولو اعتادته -أي: الحيض- مرة واحدة في كالسنة.
وفي نسخة الشارح في الكبير: في كل سنة، فقال: أو كل عشرة أشهر، وتبعه البساطي، وفي الشامل: فإن اعتادت الحيض في السنة مرة انتظرت عادتها، فإن حاضت في وقته وإلا فسنة، بعد طهرها، ولا تزال كذلك حتى تتأخر عادته، أو تكمل ثلاثة أقراء. انتهى.
تنبيه:
ظاهر كلام الشارحين والشامل: أن السنة هي الغاية، ولو كانت عادتها
[ ٤ / ٣٧٣ ]
أكثر منها، وهو خلاف كلام محمد، ويحتمل أن كلامهم في غير المعتادة أكثر من السنة، وأما معتادة ذلك فكما قال محمد، فيتفقان.
أو أرضعت، فلا تعتد بالسنة، وتنتظر الأقراء حتى تطهر، أو تفطم ولدها، أو ينقطع رضاعها، فتستقبل ثلاث حيض، فإن لم تحض حتى أتت عليه ستة من حين انقطاع الرضاع حلت؛ لأنه إنما تأخر لسبب الرضاع.
ابن المواز: لم يختلف في ذلك قول مالك وقول أصحابه.
أو استحيضت وميزت دم الحيض من الاستحاضة فتعتد بالأقراء، لا بالسنة على المشهور، وعن مالك: سنة، والأمة كالحرة.
وللزوج انتزاع ولد مطلقته المرضع بفتح الضاد وكسرها وصف الولد أو المطلقة؛ فرارًا من أن ترثه إن استمر رضاعها، وأصله قضية حبان بن منقذ (١)، طلق زوجته وهي مرضع، فمكثت نحو سنة، وهي لا تحيض، ثم مرض فخاف أن ترثه إن مات، فخاصمها إلى عثمان، وعنده علي وزيد فقال لهما: ما ترون؟ فقالا: ترثه؛ لأنها ليست من القواعد، ولا من الأبكار اللاتي لم يحضن، فانتزع ولده منها مخافة أن ترثه، ولم ينكر عليه ذلك، فكان إجماعًا سكوتيًا.
أو ينتزعه لتحيض وتبين منه؛ ليتزوج أختها أو ما لا يحل له جمعه معها، أو أن يتزوج أربعة، إذا لم يضر الانتزاع بالولد، بأن لا يقبل غيرها أو يقبل.
_________________
(١) هو: حبان بفتح الحاء والباء الموحدة المشددة وآخره نون وهو حبان بن منقذ بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري الخزرجي المازني له صحبة وشهد أحدًا وما بعدها وتزوج زينب الصغرى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فولدت يحيى بن حبان وواسع بن حبان وهو جد محمد بن يحيى بن حباد شيخ مالك وهو الذي قال له النبي -ﷺ-: "إذا بعت فقل لا خلابة" وكان في لسانه ثقل فإذا اشترى يقول: لا خيابة؛ لأنه كان يخدع في البيع لضعف في عقله وتوفي في خلافة عثمان.
[ ٤ / ٣٧٤ ]
تنكيت:
علم من قوله: (ليتزوج أختها أو أربعة) أن الطلاق رجعي؛ إذ لو كان بائنًا لم يحتج لهذا التعليل، وبهذا يندفع قول الشارح: (كان حقه أن يقيد المسألة بالرجعي، كما فعل غيره).
ثم ذكر مفهوم قوله: (وميزت) بقوله: وإن لم تميز من استحاضت بين الدمين، أو تأخر غيرها بلا سبب، أو بسبب أنها مرضت تربصت في المسائل الثلاث تسعة أشهر استبراء، ثم اعتدت بثلاثة، وحلت بعد السنة، وكان التربص تسعة أشهر؛ لأنها أكثر الحمل غالبًا، كعدة من لم تر الحيض لصغر، وإلا بينة التي قعدت عن المحيض، فإنها ثلاثة أشهر إن كانت حرة اتفاقًا.
ولما كان في الرق خلاف قال: ولو برق على المشهور، وأشار به لنفي خلاف من قال: شهر ونصف، ومن قال: شهران، حكاهما ابن بشير.
وتمم الأول بالعدد من الشهر الرابع في المنكسر، وألغي يوم الطلاق الواقع في أثنائه، فلا يحسب في العدة، وإن كانت فيه معتدة على ما رجع إليه مالك؛ لأن الشهر يعد باليوم، وهذا قد فات بجزئه، وكان يقول: تحتسب به لمثله من آخر يوم اعتدادها.
ثم تكلم على تميم مسألة من تأخر حيضها بسنة لغير سبب، فقال: وإن حاضت في أثناء السنة استمرت على اعتدادها بالأقراء، وانتظرت الحيضة الثانيه، أو مضي سنة كما فعلت أولًا، فإن رأتها اعتدت بقرين وانتظرت الحيضة الثالثة وحلت برؤيتها في أثنائها أو مضي سنة، وترك المؤلف ما قررناه اعتمادًا على وضوحه، ولم يراعه الشارح فاعترض بأن الظاهر أنها إذا رأت الدم في السنة الأولى تنتظر الثانية والثالثة، وليس كذلك.
ثم إن احتاجت بعد ذلك لعدة فالثلاثة الأشهر عدتها؛ لأنها صارت آيسة، ووجب على الحرة إن وطئت بزنا أو شبهة بغلط أو نكاح فاسد مجمع عليه كمحرم نسب أو رضاع أو لا فلا يطأ الزوج زمن استبرائها،
[ ٤ / ٣٧٥ ]
ولا يعقد أحد عليها نكاحًا، سواء كان زوجًا فسخ نكاحه أو طلقها أو أجنبيًا؛ لأن كل محل امتنع فيه الاستمتاع امتنع فيه العقد، إلا الحيض والنفاس.
أو غاب عليها غاصب أو ساب أو مشتر اشتراها جهلًا أو فسقًا؛ لأن غيبته كل مظنة الوطء، ولا يرجع لها في دعواها عدم وطء واحد منهم، وظاهره: ولو صدقها على ذلك، وهو كذلك؛ لحق اللَّه تعالى.
قدرها: فاعل (وجب)، وهو عائد على المسائل كلها.
تنبيه:
ما قررناه من حمل كلامه على الحرة فقط لأنه سيذكر استبراء الأمة في بابه.
وفي إيجاب الاستبراء في إمضاء الولي لنكاح مخير في إمضائه أو فسخه، وعدم إيجابه أو إيجاب الاستبراء في فسخه إذا فسخه، ثم عادت إلى زوجها تردد، قال في المدونة لما ذكر المسألة: وهذا إذا لم يكن دخل بها. قال ابن يونس: فإن دخل بها لم يطأها حتى تستبرئ بثلاث حيض، قالوا: وفي بعض رواياتها: أن قوله: (وهذا إن لم يكن دخل بها) من كلام سحنون، فإن كان من كلام ابن القاسم عدم الاستبراء بهذا الكلام، وإن كان من كلام سحنون فظاهر كلام ابن القاسم عدم الاستبراء.
البساطي: وهذا هو التردد الذي أشار إليه، فإن قلت: ما فائدة الاستبراء، والولد لا حق له على كل حال؟ !
قلت: ابدوا له فائدة، وهي قذف الولد، فإن نسبته إلى ما قبل الاستبراء فلا حد، وإن نسبته إلى ما بعده حد. انتهى. وسبقه المؤلف في توضيحه لهذه الفائدة.
واعتدت بطهر الطلاق وإن لحظة اتفاقًا، فيتم لها به قرء، وإن حاضت ثانية فقرءان، وثالثة فثلاثة أقراء، ثم رتب على ذلك قوله: فتحل
[ ٤ / ٣٧٦ ]
بأول الحيضة الثالثة، إن طلقت طاهرًا، أو الحيضة الرابعة تحل بأولها، إن طلقت لكحيض أو نفاس.
وهل ينبغي أن لا تعجل التزويج برؤيته في أول الحيضة الثالثة؛ لاحتمال أن ينقطع الدم عنها قبل استمراره حيضة، فلا تعتد بها أو لها إن تعجل؟ تأويلان، وفي هذا كلام ذكرناه في الكبير.
ورجع للنساء في قدر الحيض هنا -أي: في العدة- هل هو يوم أو بعضه، فإن قلن: إن مثل ذلك حيض أجزأها، واستناده لهن من غير تجديد بيوم فأكثر هو المشهور عند مالك، ولأشهب في المدونة: إن اليوم لا يكون هنا حيضًا، ومن قال بالتحديد بيوم أو يومين أو ثلاثة أو خمسة فإنما ذلك لعوائد اطردت عنده.
ورجع في أن المقطوع ذكره وأنثياه يولد له فتعتد زوجته، أو لا يولد له فلا تعتد، وهو مذهب المدونة، ورجع في ما تراه الآيسة من الدم هل هو حيض فيرجع للعدة بالحيض وتلغى الشهور، أو ليس بحيض فتتمادى على عدة الشهور للنساء، مثله لابن الحاجب.
قال المصنف: إذا قال النساء: إنه حيض، فليست يائسة، وإنما معنى الكلام وما تراه من شك في كونها آيسة، فإن قلن: إنه حيض انتقلت إليه.
قال في المدونة: وإن قلن ليس بحيض أو كانت في سن من لا تحيض من بنات السبعين أو الثمانية لم يكن ذلك حيضًا، وتمادت بالأشهر. انتهى، أي: وتصير بعد الحيضة كالمرتابة، فأنت تراه أول عبارة ابن الحاجب، ثم ارتكبها هنا.
بخلاف الصغيرة ترى الدم أثناء الأشهر فحيض إن أمكن حيضها، وانتقلت للأقراء وألغت ما تقدم، ولو بقي منها يوم واحد؛ لأن الحيض هو الأصل في الدلالة على براءة الرحم، ولا يرجع في ذلك للنساء لمن لا يمكن حيضها كبنت خمس وست ونحوه، قائمًا تراه دم علة وفساد.
والطهر هنا كالعبادة والحيض مختلف في البابين، وإن أتت معتدة
[ ٤ / ٣٧٧ ]
بعدها -أي: العدة- بولد لدون أقصى أمد الحمل لحق به -أي: بالزوج- ميتًا كان أو حيًا، إلا أن ينفيه الحي بلعان، ولا يضرها إقرارها بأن عدتها انقضت؛ لأن دلالة القرء على البراءة أكثرية، ولأن الحامل تحيض.
وتربصت إن ارتابت به -أي: بالحمل- لأقصاه، وهي المرتابة بجس البطن، وهل تربصها خمسًا من السنين؛ لقول المدونة في كتاب العدة: لا تنكح إلا بعد خمس سنين، وشهره ابن شاس وغيره، أو أربعًا كما في العتق منها.
عبد الوهاب: وهي الرواية المشهورة في الجلاب، وهو الصحيح.
خلاف، وفيه خمسة أقوال أخر: تسعة أشهر، وست سنين، وسبع، وأبدًا، وما يشبه أن يكون السابق الوطء.
[مسألة:]
وفيها: إن تزوجت قبل الخمس بأربعة أشهر فولدت لخمسة أشهر من نكاح الثاني لم يلحق هذا الولد بواحد منهما، ويفسخ نكاح الثاني؛ لأنه في عدة، ولم يلحق بالأول لزيادته على خمس سنين بشهر، ولا بالثاني لولادته لأقل من ستة أشهر من العقد، وعدم لحوقه بالثاني واضح، وحدت.
واستشكلت هذه المسألة على القول الأول، قال عبد الحق عن بعض شيوخه: استشكل أبو الحسن نفي الولد من الزوج الأول، وتحد المرأة بزيادتها على الخمس سنين شهرًا.
قال: وكان الخمس فرض من اللَّه ورسوله.
وتابعه على ذلك اللخمي.
[عدة الحامل:]
وعدة الحامل في وفاة أو طلاق وضع حملها كله، ولو بعد الطلاق أو الموت بلحظة، لا بعضه من متحد أو متعدد، ونقل المغربي عن ابن وهب ما يقتضي أنه إذا خرج من المتحد ثلثاه خرجث من العدة، وللمطلق
[ ٤ / ٣٧٨ ]
الرجعة قبل تمام الوطء، ولا يشترط في الحمل كونه متصورًا عند ابن القاسم، وهو المشهور، بل تحل بوضعه.
وإن كان دمًا اجتمع بحيث إذا صب عليه الماء لم يذهب، وإلا تكن المتوفى عنها حاملًا فكالمطلقة إن فسد النكاح فتعتد بثلاث حيض إذ دخل بها وكانت حرة، وبحيضتين إن كانت أمة، وإن لم يدخل فلا عدة؛ لأن الحكم يوجب فسخه.
تنبيه:
أطلق في الفاسد سواء كان مجمعًا عليه أو لا، مع قوله في توضيحه: تحقيق المذهب أن الفساد إن أجمع عليه ولم يدخل بها فلا عدة، وإن دخل فالاستبراء خاصة على المشهور، وإن كان مختلفًا فيه ولم يدخل فمن ورثها قال: عليها العدة، ومن لم يورثها لم ير عليها شيئًا وإن دخل؛ ففي اعتدادها بالأشهر أو الأقراء قولان.
ولم يذكر هنا ما قاله في توضيحه أنه تحقيق المذهب.
[مسألة:]
ثم شبه بما تقدم، فقال: كالذمية الحرة غير الحامل تحت ذمي يموت عنها أو يطلقها وقد دخل، فعدتها ثلاثة أقراء، وإن لم يدخل فلا شيء عليها، طلق أو مات.
ومفهوم (ذمي) لو كانت تحت مسلم دخل بها لجبرت على أربعة أشهر وعشرًا، إما لعموم: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾، وإما لأنه حكم بين مسلم وكافر، وما هذا شأنه يغلب فيه المسلم.
[مسألة:]
ثم ذكر مفهوم (إن فسد) بقوله: وإلا بأن كان النكاح صحيحًا، والمسألة بحالها زوجة غير حامل متوفى عنها فأربعة أشهر وعشرًا، كان الزوج صغيرًا أو كبيرًا، حرًا أو عبدًا، كانت الزوجة صغيرة أو كبيرة، مدخولًا بها أو لا، مسلمة أو ذمية.
[ ٤ / ٣٧٩ ]
[مسألة:]
إن كان المتوفى عنها مطلقة رجعية، فإنها تنتقل لعدة الوفاة على المشهور؛ إذ لها حكم الزوجة نفقة وسكنى وإرثًا، وخرج بها البائن، فلا تنتقل لعدة الوفاة.
ثم أفاد شرط حلها بالأربعة والعشر، فقال: إن تمت -أي: الأربعة أشهر والعشر- قبل زمن حيضتها على المشهور، وقال النساء عند نظرهن لها: لا ريبة بها، فتحل حينئذ.
وإلا بأن كانت تحيض في أقل من زمن العدة ولم تحض انتظرتها إن دخل، وأما إن لم يدخل بها فتكفيها الأربعة والعشر.
[عدة الرق:]
وتنصفت عدة الزوجة في الوفاة بالرق -أي: بسببه- ولو بشائبة، وإن لم تحض في هذه المرة، فثلاثة أشهر، إلا أن ترتاب بجس بطن فتسعة، ونحو هذا التقرير للشارح، وقرره البساطي بما إذا كانت صغيرة أو كبيرة لا تحيض فثلاثة أشهر؛ لأنه عوض عن الحمض المطلوب في الحرة، فإن حصلت فتسعة أشهر كالحرة.
ولمن وضعت عقب موت زوجها غسل زوجها ولو تزوجت؛ لأن من الناس من يقول عدتها أقصى الأجلين، فهىِ إلى الآن في العدة.
تنكيت:
هذه مكررة؛ لأنه قدمه في الجنائز مع زيادة قوله: (والأحب نهيه إن تزوج أختها أو تزوجت غيره)، فقول الشارح: (زاد هنا غسله، وإن انقضت عدتها، ولو تزوجت) غير ظاهر.
ولا ينقل العتق أمة طلقها زوجها رجعيًا قبل العتق لعدة الحرة، بل تستمر على عدتها؛ لأن الناقل عند مالك ما أوجب عدة أخرى، وأما لو مات زوجها بعد العتق انتقلت لعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، وأما إن لم يوجب عدة أخرى فلا ينقل شيئًا.
[ ٤ / ٣٨٠ ]
[مسألة:]
ولا ينقل موت ذمي زوخ ذمية أسلمت بعد البناء لعدة الوفاة، وإنما لم ينقل مع أنه أملك لها إذا أسلم لأنها في حكم البائن، وإنما كان أملك لها إذا أسلم تأليفًا للإسلام لا لكونها رجعية.
[الإقرار بطلاق متقدم:]
وإن أقر بطلاق متقدم على وقت إقراره في سفر أو غيره ولا بينة له به استأنفت العدة من يوم إقراره، وصدق في إيقاعه لا في إسناده لليوم السابق على إقراره؛ لما فيه من إسقاط حق اللَّه تعالى، ولم يرثها إن انقضت عدتها على دعواه من طلاقه الرجعي؛ لأنها أجنبية على دعواه، وورثته إن مات فيها -أي: العدة المستأنفة- بعد إقراره؛ لأن المقر يؤخذ بإقراره في نفسه ولا يتعداه لغيره.
إلا أن تشهد بينة له بما أقر به فالعدة من شهادتها، ولا ترثه؛ لأن البينة تقطع التهمة، ولا يرجع الزوج بما أنفقت المطلقة من ماله قبل علمها بطلاقه لتفريطه.
ويغرم لها ما تسلفت عليه على المشهور بخلاف الزوجة المتوفى عنها تنفق من مال زوجها بعد موته فللورثة الرجوع عليها بذلك لانتقال التركة عنه بموته.
وبخلاف الوارث غيرها ينفق على نفسه من مال الميت فلبقية الورثة الرجوع عليه بذلك لانتقال التركة.
[من عدتها أقصى الأجلين مطلقًا:]
وإن اشتريت معتدة طلاق، وهي ممن تحيض وأرادت الاستبراء، فارتفعت حيضتها حلت إن مضت لها سنة للطلاق، من يوم الطلاق أو بعد عشرة أشهر حلت لسنة وشهر، وحاصله: أن عليها أقصى الأجلين.
أو اشتريت معتدة من وفاة فأقصى الأجلين الحيضة أو شهرين وخمس ليال، فإن حاضت قبل الشهرين والخمسة الأيام لم تحل حتى تتم العدة،
[ ٤ / ٣٨١ ]
ولو تمت ولم تحض فلا بد من الحيضة فتنتظرها؛ لأنه أقصى الأجلين.
تنبيه:
قال الشارح: انظر لم خص المتوفى عنها بانتظار أقصى الأجلين مع أن المطلقة كذلك؟
وأجابه البساطي بأن هذه عليها أقصى الأجلين مطلقًا، سواء كانت تحيض أو لا، وتلك عليها أقصى الأجلين لا مطلقًا، بل إذا ارتفعت حيضتها.
[الإحداد:]
ثم تكلم على الإحداد، فقال: وتركت المتوفى عنها فقط وجوبًا، لا المطلقة واحدة أو بتاتًا، وإن صغرت، بالغ عليها ليدخل من علقت النهي، ومن لم تعقله كالرضيعة، ويجنبها ذلك أهلها، حرة كانت أو أمة، ولو كتابية مات زوجها المسلم، وصححه ابن يونس، وأشار بـ (لو) لقول ابن نافع وغيره: لا إحداد عليها، ولو كانت هذه المعتدة مفقودًا زوجها على المشهور.
[الممنوع على المحدة:]
التزين: بالنصب مفعول (تركت)، أي: التجمل بالمصبوغ من الثياب.
تنبيه:
ربما أشعر الترك بالنزع للملبوس منه حين الموت.
ولو أدكن بالدال المهملة، وهو لون يضرب للسواد، إن وجد غيره، ولو بإبداله بالبيع، ثم استثنى من المصبوغ، فقال: إلا الأسود، فلا تتركه؛ إذ لا زينة فيه، ولابن رشد: هو زينة لناصعة البياض.
وتركت التحلي بكخلخال وسواد وقرط وخاتم، قال في الذخيرة: حتى من الحديد.
وتركت التطيب بالطيب، وتركت عمله؛ لأنه في معنى التطيب،
[ ٤ / ٣٨٢ ]
وتركت التجر فيه؛ لأنه من العمل فيه.
وتركت التزين بغير الملبوس، أي: التحسن، وهو إظهار ما عساه يخفى، فالتزين هنا غيره فيما تقدم، فلا تكرار، فلا تمتشط بحناء بالمد، أو كتم بفتح المثناة الفوقية، وهي الوسمة التي يصبغ بها الشعر، بخلاف نحو الزيت والسدر وغيره من الدهن الذي لا طيب فيه، وبخلاف استحدادها وهو حلق عانتها فيجوز.
ولا تدخل الحمام، ظاهره: ولو لضرورة عند أشهب، وأجازه ابن لبابة، وظاهره: ولو لغير ضرورة.
ولا تطلي جسدها بنورة، ولا تكتحل إلا لضرورة، وإن بطيب -أي: فيه- وإذا اكتحلت به قليلًا، وتمسحه نهارًا؛ لخبر الموطأ أنه ﵊ قال لامرأة معتدة اشتكت عينها: "اكتحلي بكحل الجلاء ليلًا، وامسحيه نهارًا" (١).
* * *
فصل ذكر فيه مسائل تتعلق بزوجة المفقود وبالمعتدة
ولما كان الرفع والكشف عن حال المفقود من حق الزوجة إن أرادت فعله، قال: ولزوجة المفقود الرفع لشأنها إن شاءت للقاضي والوالي بالبلد ووالي الماء، وهو الساعي على المشهور.
وقيل: إنما ترفع للإمام، ولها أن لا ترفع.
وإلا بأن يكن أحد من الثلاثة وكانت بموضع لا حاكم به فلجماعة المسلمين من صالحي جيرانها وغيرهم؛ لأنهم كالإمام.
_________________
(١) رواه مالك بلاغًا (٢/ ٥٩٨، رقم ١٢٤٩).
[ ٤ / ٣٨٣ ]
تتمة:
إذا رفعت للإمام كلفها إثبات الزوجية والغيبة وبقاء العصمة، ثم يسأل عن حاله من معارفه، وأهل سوقه، ثم يرسل للبلد الذي يظنه به، فإن لم يوجد فيؤجل للحر أربع سنين إن دامت نفقتها، بأن كان له مال ينفق عليها منه.
ومفهوم الشرط أمران:
- أحدهما: أن لا يكون مال جملة.
- الثاني: أو له ولا يكفي لطول المدة.
ففي الأول يطلق عليه من الآن كالمعسر، وفي الثاني إذا فرغ المال، وظاهره: كان مدخولًا بها أم لا، فرض لها أم لا، وهو كذلك.
ويؤجل الزوج العبد نصفها سنتين على المشهور، وقيل: أربع كالحر، واستظهره ابن عبد السلام، وظاهره: أن لها ذلك، ولو تبين تقدم موته، وهو كذلك، وابتدأ الضرب من حين العجز عن خبره على المشهور.
وقيل: من يوم الرفع بعد البحث عنه والمكاتبة في أمره لمن عساه يعرف شيئًا من خبره.
وهل العلة في الأربع كونها غاية الحمل، أو لأنها أقصى ما ترجع فيه المكاتبة من بلاد الإسلام، وفي كل منهما بحث، انظره في الكبير.
ثم اعتدت بعد الكشف بأربعة أشهر وعشر وشرطها الآتي: كالوفاة بنى بها أو لا، وسقطت بها، أي: بالعدة النفقة، والباء سببية، والعدة لا تحتاج فيها لإذن من الإمام، ولا في التزويج بعد انقضائها، وليس لها البقاء بعدها في عصمة المفقود.
أبو عمران: وكذا بعد بعضها لوجوبها عليها، فليس لها أن تسقط ما وجب عليها باختيارها.
ومفهوم الظرف: أن لها البقاء في خلال الأربع سنين لعدم وجوب
[ ٤ / ٣٨٤ ]
العدة، وإن رجعت للرفع ضرب لها السلطان الأجل، قاله أبو عمران.
وقدر طلاق من المفقود حين إرادة الشروع في العدة لاحتمال حياته يتحقق وقوعه حكمًا، قاله في الإرشاد، بدخول الزوج الثاني، فتحل للأول إن كان طلقها اثنتين قبل ذلك؛ لأنه لما طلقها وقدرنا واحدة فكأنه طلق ثلاثًا، فلما دخل بها الثاني وطلقها حلت للأول.
وظاهر كلامه: أنها تفوت بمجرد الدخول، ولم يعتبر ما قيد به محمد المسألة كما ذكره عنه في توضيحه.
فإن جاء المفقود فهو أحق بها في العدة اتفاقًا، أو بعدها وقبل العقد عليها فهو أحق بها أيضًا، خلافًا لابن نافع، أو بعد العقد عليها وقبل الدخول فهو أحق بها أيضًا، وإليه رجع مالك، أو بعد دخول الثاني فهي للثاني، وهذا إن كان النكاح صحيحًا، فإن دخل بها في نكاح فاسد فالأول أحق بها إن فسخ بغير طلاق؛ ولا إن فسخ به، نص عليه الباجي وغيره، أو لم يجبر أو تبين أنه حي فكالوليين فيما تقدم.
أو تبين أنه مات فكالوليين يفسخ وتحرم بالدخول أبدًا، وورثت الأول إن قضي له بها، أي: في الموضع الذي يقضى له بها، وهو إذا لم تخرج من العدة أو خرجت ولم يعقد الثاني عليها، أو عقد ولم يدخل.
ولو تزوجها الثاني في وقت تكون فيه عدة وفاة الأول فكغيره يفسخ نكاحه إن لم يدخل وكان خاطبًا، إن أحب، وإن دخل بها لم تحل له أبدًا، ونحوه في المدونة.
[ما لا يفيته دخول الثاني:]
ولما ذكر ما يفيته دخول الزوج الثاني ذكر مسائل تشبهها ولا يفيتها دخول الثاني، وأشار للأولى بقوله: وأما إن نعي لها زوجها فاعتمدت على الأخبار وتزوجت، ثم قدم زوجها فالمشهور عدم فواتها على الأول.
فائدة:
قال عياض: الفقهاء تقول: المُنعي: بضم الميم وفتح العين، وهو
[ ٤ / ٣٨٥ ]
خطأ عند أهل العربية، وصوابه عندهم: بفتح الميم، وكسر العين، وتشديد الياء.
وللثانية بقوله: أو قال ذو زوجة اسمها عمرة لا يعرف له زوجة غيرها: عمرة طالق، مدعيًا زوجة غيرها غائبة اسمها كذلك، فطلق عليه عمرة الحاضرة، وتزوجت ودخل بها الزوج، ثم أثبته -أي: نكاح عمرة الغائبة- فإن الحاضرة ترد إليه، ولا يفيتها دخول الثاني.
وللثالثة بقوله: وذو ثلاث في عصمته وكل وكيلين، فزوجاه اثنتين مرتبتين ودخل بالخامسة، فيفسخ، ولا يفوت نكاح الرابعة بل تستمر زوجة.
وللرابعة بقوله: والمطلقة لعدم النفقة تتزوج ويدخل بها ثم يظهر إسقاطها عن المطلق عليه فلا يفيتها دخول الثاني.
وللخامسة بقوله: وذات المفقود تتزوج في عدتها فيفسخ نكاحها لذلك، ثم تزوجت بثالث، ودخل بها، ثم يظهر أن المفقود كان مات، وانقضت عدتها منه قبل نكاح الثاني، فإن دخول الثالث لا يفيتها على الثاني.
وللسادسة بقوله: أو تزوجت بدعواها الموت فيفسخ نكاحها، وتتزوج بثالث ويدخل بها، ثم يظهر أن نكاح الثاني كان على الصحة؛ لثبوت موت الأول، فلا يفيتها الدخول.
وللسابعة بقوله: أو تزوجت زوجة غائب بشهادة غير عدلين على موته ودخل بها الثاني، يفسخ النكاح في المسائل كلها، ثم يظهر أنه -أي: النكاح- في الجميع كان على الصحة، فلا تفوت واحدة منهن بدخول، وهو جواب (أما).
تنبيه:
قول الشارح: (وهو خبر عن جميع المسائل) فيه تجوز، وقد نبهنا عليه في غير هذا الموضع، من أنه يطلق الخبر على ما تتم به الفائدة.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
[ضرب الأجل لمتعدد الزوجات:]
والضرب لواحدة من زوجات المفقود إذا رفعت أمرها وكشف الحاكم لها ضرب لبقيتهن، وإن أبين الرفع.
[مسائل تخالف زوجة المفقود:]
ثم نبه على مسائل تخالف حكم زوجة المفقود، فقال: وبقيت أم ولده بغير عتق للتعمير، وكذلك ماله لا يورث عنه للتعمير؛ إذ لا ميراث بشك، وبقيت زوجة الأسير ببلد العدو للتعمير، إلا أن يثبت موته، وأما متى عرف مكانه وحياته لم تزوج حتى يموت.
وبقيت زوجة مفقود أرض الشرك وماله للتعمير، إلا أن يثبت موته، وهو -أي: التعمير المتقدم ذكره- سبعون سنة من يوم ولد عند مالك، عبد الوهاب: وهو الصحيح، لخبر: "أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وقليل من يجوز ذلك" (١)، والعرب تسمي السبعين دقاقة الأعناق.
واختار الشيخان أبو محمد بن أبي زيد وأبو الحسن القابسي وابن محرز أيضًا ثمانين، وهو لمالك وابن القاسم أيضًا، وبه كان يفتي ابن السليم، وحكم بخمس وسبعين ابن العطار، وبه الحكم عندنا، وبه كان يحكم ابن زرب، الباجي: وبه القضاء.
_________________
(١) حديث أبي هريرة: أخرجه الترمذي (٥/ ٥٥٣، رقم ٣٥٥٠) وقال: حسن غريب. وابن ماجه (٢/ ١٤١٥، رقم ٤٢٣٦)، والحاكم (٢/ ٤٦٣، رقم ٣٥٩٨) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (٣/ ٣٧٠، رقم ٦٣١٤)، وابن حبان (٧/ ٢٤٦، رقم ٢٩٨٠)، وأبو يعلى (١٠/ ٣٩٠، رقم ٥٩٩٠)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٨٥، رقم ٥٨٧٢)، وأبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (١/ ٥٠٣، رقم ١٥١)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ٣٠٤)، والديلمى (١/ ٤١٢، رقم ١٦٦٨). وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٢٤٠) بعد عزوه للترمذي: بسند حسن. حديث أنس: أخرجه أبو يعلى كما في إتحاف الخيرة المهرة للبوصيري (٩/ ٢٥٥ رقم ٩٤٤٨). قال الهيثمي (١٠/ ٢٠٦): فيه شيخ هشيم لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح.
[ ٤ / ٣٨٧ ]
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف ترجيح الأول، وإلا لحكاها أقوالًا على عادته، واللَّه أعلم.
فإن اختلف الشهود في سنه حين فقده بأن قال بعضهم: خمسة عشر، وقال آخرون: عشرون فالأقل من الشهادتين يعمل به؛ لأنه أحوط.
وتجوز شهادتهم على التقدير، ولا يشترط التحقيق في قدر سنه، وحلف الوارث -أي: المستحق لميراثه- حينئذ على وفق ما شهد به الشهود إذا كان الوارث ممن يظن به علم ذلك.
[ردة الأسير:]
وإن تنصر أسير أو تهود فعلى الطوع يحمل أمره على المشهور، وأحرى إن علم طوعه، وهو كالمرتد ماله للمسلمين، إلا أن يسلم فله، وإن علم إكراهه فكالمسلمين، وعن مالك يحمل على الإكراه؛ لأنه الغالب من حال المسلم.
تنكيت:
قول الشارح: (ظاهر كلامه: أن الاستبراء في جميع أحواله محمول على الطوع، وليس كذلك؛ لأنه إذا تعارضت بينة الإكراه وبينة الطوع فبينة الإكراه أعمل) رده البساطي بأن قوله: (على الطوع) متعلق بمحذوف تقديره: حمل، ولا يقال: حمل على كذا إلا عند الجهل. انتهى، وهو جلي.
[مفقود الفتنة:]
واعتدت في مفقود المعترك في الفتنة الواقعة بين المسلمين بعد انفصال الصفين عند ابن القاسم، وهو ظاهر كلام مالك؛ لأن الظاهر: أنه قتل.
وهل يتلوم له ويجتهد في ذلك بعد انفصالهما، وهو قول آخر، ولا
[ ٤ / ٣٨٨ ]
يتلوم له، وهو رأي ابن الحاجب؟ تفسيران، ولم يقل تأويلان لأنهما ليسا على كلام المدونة.
وورث ماله حينئذ على القول بأن العدة بعد انفصالهما كالمنتجع لبلد الطاعون فيفقد أو في زمنه فيفقد، فإنه يحمل على الموت، ولا يضرب له أجل المفقود. اللخمي: لقول مالك في ناس أصابهم سعال بطريق حجهم فيموت الرجل من يسيره، فلم يأت له خبر موت ولا حياة: تتزوج زوجته، ويقسم ماله، وكذا شأن البوادي ينتجعون في الشدائد من ديارهم لغيرها من البوادي، ثم يفقدون أنهم على الموت.
[مفقود جهاد:]
وفي الفقد في القتال الواقع بين المسلمين والكفار تعتد زوجته بعد سنة تمضي بعد النظر في أمره من السلطان، ثم تتزوج ويورث ماله، رواه أشهب وابن نافع عن مالك، وعلى هذه الرواية عمل أهل قرطبة (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (و) أعتدت الزوجة (في الفقد) لزوجها في قتال، (بين المسلمين والكفار بعد سنة بعد النظر) في أمره من السلطان أو نائبه ثم تتزوج ويورث ماله حينئذ كذا في كثير من النسخ بإضافة الظرف الأول لسنة وهو صلة اعتدت المقدر، والظرف الثاني صلة محذوف نعت سنة. وفي بعض النسخ بإسقاط بعد الأول والأولى هي الصواب، واعترض طفي كلام المصنف بأن الذي في عبارة المتيطي وابن رشد وابن شاس وابن عرفة ومعين الحكام وجميع من وقف عليه من أهل المذهب سوى ابن الحاجب والمصنف أن السنة من يوم الرفع للسلطان لا من بعد النظر قال: ولم يتنبه "غ" ولا غيره لهذا والكمال للَّه تعالى. البناني ما قاله المصنف تبعًا لابن الحاجب نقل المتيطي عن بعض الموثقين ووقع القضاء به في الأندلس ونظمه صاحب التحفة رادًا للقول الآخر فقال: وإن يكن في الحرب فالمشهور في ماله ولزوجه التعمير، وقد أتى قول بضرب عام من حين بأس منه لا القيام وذا به القضاء في أندلس لمن مضى فحققته تأتس قال ولده وفي المتيطية قال بعض الموثقين: ينبغي أن يكون ضرب السلطان للأجل من يوم اليأس من المفقود لا من يوم قيام الزوجة عنده على ما استحسن من الخلاف، وقال: ولد الناظم عقبه ما نصه" ولا تعارض بين نقل ابن رشد قول أشهب أنه يتلوم من يوم الرفع مع ما =
[ ٤ / ٣٨٩ ]
تنبيه:
تلخص من كلامه أن للمفقود أربعة أحوال:
- مفقود ببلاد الإسلام.
- وبأرض الشرك كالأسير.
- وفي الفتن بين المسلمين.
- وفي الفتن بين المسلمين والكفار.
[مسألة:]
وللمعتدة المطلقة رجعيًا أو بائنًا أو المحبوسة بسببه كفسخ نكاح لفساده بقرابة كذات محرم أو رضاع حاملًا أو لا أو اللعان إن دخل بالملاعنة في حياته السكنى، وهو مذهب المدونة (١).
_________________
(١) = تقدم عن بعض الموثقين، لأن مجمل نقل ابن رشد إنما هو من يوم اليأس لأنه يكون قريبًا من يوم الرفع فعبر بالرفع عنه تجوزا. اهـ. فتأول عبارة ابن رشد وردها لما به القضاء".
(٢) قال في المنح: " (في حياته)، أي: الرجل ومبتدأ للمعتدة. . إلخ (السكنى) على الزوج في المطلقة وعلى المتسبب في الحبس في المحبوسة والأحسن تعلق في حياته بمقدر، أي: أطلع على موجب الفسخ أو فسخ أو فرق بينهما في حياته فتجب السكنى لها ولو مات بعد دلك كما سيأتي في قوله واستمر إن مات لحرمة النسب ووجوب حفظه فلا يزول بالبينونة بخلاف النفقة لأنها عوض الاستمتاع واحترز بقوله: في حياته عما لو اطلع على موجبه بعد موته أو قبله ولم يفسخ حينئذ فلا سكنى لها مدة استبرائها وهذا على تسليم قوله في حياته والمعتمد أن لها السكنى في استبرائها من النكاح الفاسد ولو اطلع على فساده بعد موته سواء فسخ ما حقه الفسخ في حياته أم لا اهـ عب. البناني: مستنده في هذا الاعتماد قول الحط بعد تقرير الشارح وانظر كلام ابن عبد السلام عند قول ابن الحاجب، ولأم ولد تعتق أو يموت عنها السكنى. . إلخ فإنه يدل على أن الحرة إذا فسخ نكاحها بعد الموت لها السكنى في مدة الاستبراء. اهـ. وهو لا دليل فيه على أنه المعتمد على أن طفي قال عقبه: لم أر في كلام ابن عبد السلام ما يشهد له فكلام المصنف صحيح لا غبار عليه واعلم أن نصوص أهل المذهب مطلقة في وجوب السكنى للمحبوسة بسببه عن التقييد بالحياة كما فعل =
[ ٤ / ٣٩٠ ]
تنبيه:
عطف المحبوسة على المعتدة من عطف العام على الخاص، فقال في حياته ليخرج ما لو مات قبل أن يعثر على فساد النكاح، فإنه لا يجب لها في زمن الاستبراء منه سكنى.
وتجب السكنى أيضًا للزوجة المتوفى عنها إن دخل بها وكان المسكن له بملك أو منفعة أو بإجازة، وقد نقد كراءه قبل موته، فلها السكنى، وعن مالك: لا سكنى لها لانتقال الحق للوارث، وعلى المشهور لو نقد بعض الكراء لوجب لها من السكنى بقدره فقط.
لا بلا نقد، فلا سكنى لها، وذكر مفهوم الشرط ليبني عليه اختلاف شراح المدونة بقوله: وهل لا سكنى لها مطلقًا سواء كانت وجيبة -أي: مدة معينة- كسنة بكذا، أو غير وجيبة ككل شهر بكذا، أو لا سكنى لها إلا الوجيبة، فهي فيه أحق بالسكنى، سواء نقد أم لا؟ تأويلان، ولا سكنى للمتوفى عنها.
لا إن لم يدخل بها إلا أن يسكنها -أي: غير المدخول بها- فلها حينئذ السكنى في العدة، وظاهره: أسكنها معه أم لا، وفي المدونة: إن ضمها إليه، قال بعض الأشياخ: هو الصحيح، إن أسكنها معه.
_________________
(١) = المصنف وأن حكمها حكم المعتدة. ومذهب ابن القاسم في المدونة: للمطلقة البائن السكنى ولو مات خلافًا لرواية ابن نافع سقوطها بموته واختارها ابن رشد ثم قال فقوله في حياته يمكن رجوعه للصورتين على مختار ابن رشد لكن يبعده لزوم مخالفته قول ابن القاسم في المدونة ومخالفة قوله الآتي واستمر إن مات على تقرير "ح" وأنه لو أشار إلى ذلك لقال على الأظهر فتعين أنه لا يرجع للمعتدة ولا للمحبوسة ولا فرق بينهما خلافًا لتقرير الشارح ومن تبعه ولا نقل يساعده فالصواب حذف قوله "حياته" كما قال "ح" البناني إن جعل قوله في حياته متعلقًا بالمحبوسة كما قرره "ز" أن من حبست في حياته، أي: اطلع على موجب حبسها قبل موته وفرق بينهما في حياته يجب لها السكنى ولو مات بعد ذلك، صح كلام المصنف وكان جاريًا على قول ابن القاسم في المدونة وموافقًا لما يأتي، واللَّه أعلم".
[ ٤ / ٣٩١ ]
إلا أن يكون أسكنها معه ليكفها، البساطي: عما يكره، فلا سكنى لها في العدة، فهو مستثنى من المستثنى.
تنبيه:
كذا ذكر في التوضيح ليكفها عن ابن عبد الرحمن، وعنه في ابن عرفة: يكفها.
[مسألة:]
وسكنت مطلقة أو متوفى عنها على ما كانت تسكن زوجيتها ورجعت له، أي: لمسكنها التي كانت تسكنه وتقيم به إلى انقضاء عدتها، إن نقلها منه ثم طلقها، واتهم أنه إنما نقلها لإسقاط سكناها بذلك المسكن.
أو كانت مقيمة بغيره ونقلها وإن كانت إقامتها بشرط في إجازة رضاع اشترطها عليها أهل الرضيع عندهم ثم مات أو طلقها رجعت لمنزل مسكنها، وانفسخت إجارتها إن لم يرض أهل الرضيع إرضاعه بمسكنها ورجعت لمسكنها مع ثقة محرم أو نساء أو نساء ورجال إن بقي من العدة بعد وصولها له، وإلا فلا فائدة في رجوعها، فظاهره: ولو أدركت يومًا، وقيده اللخمي وبعض الفاسيين بما إذا كانت تدرك ما له قدر، ولم يفسراه بحصر.
إن خرجت حال كونها حاجة ضرورة ومات أو طلق وكانت في بعدها عن مسكنها كالثلاثة الأيام ونحوها.
تنبيه:
أطلق الحج في المدونة، وحملها أبو بكر بن عبد الرحمن على الفرض. وترجع في التطوع، وسوى أبو إبراهيم بين الفرض والتطوع، ودرج المؤلف على الأول؛ لقول عياض: هو صواب، ولذا قال: وفي التطوع ترجيع ولو بعدت أو في غيره من النوافل إن خرج لكرباط أو زيادة أو تجارة، لا إن خرج لمقام فلا ترجع.
وإذا قلنا ترجع في كالرباط فترجع وإن وصلت للمكان الذي خرج
[ ٤ / ٣٩٢ ]
إليه، والأحسن عند ابن عبد الحكم من قولين ذكرهما التونسي وغيره رجوعها، ولو أقامت نحو الستة أشهر.
قال البساطي: أو السبعة.
وقال الشارح: أو الستة. والقول الآخر: لا ترجع.
اللخمي: وهو أحسن.
ولذا قال: والمختار خلافه، أي: فلا ترجح، وفي موت الزوج أو طلاقه رجعيًا أو بائنًا في أثناء طريق سفر الانتقال تعتد إن شاءت بأقربهما أو أبعدهما: ضمير التشبيه للمكان الذي خرجت منه وإليه، أو بمكانها الذي مات فيه إن أمكن اعتدادها لكل منهما؛ لأنه مات ولإقرار لها لرفض قراره، ولم يصل بعد إلى قراره، وعليه الكراء حال كونه راجعًا؛ لأنها ترجع لأجله.
ومفهوم القيد بالحال أنه لا كراء عليه إن اعتدت بالموضع المنتقل إليه.
وقال البساطي: بل هو عليه من باب أحرى.
[مسألة:]
ومضت المحرمة على إحرامها إذا طرأت عليها العدة، ولا ترجع لمسكنها، أو المعتكفة فطرأ عليها العدة فتمضي على اعتكافها، ولا تخرج لعدتها؛ لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، والخروج منه مبطل للاعتكاف، واستمرارها فيه لا يبطل عدتها، بل إذا خرجت منه بنت على ما مضى من عدتها إن بقي منها شيء، إذ لا يفوتها فيها غير الإقامة بمسكنها فقط.
أو أحرمت وهي معتدة مضت على إحرامها وعصت، وتقدم الكلام على هذا في باب الاعتكاف المنذور بأوسع من هذا، فهي مكررة، ويحتمل أن تلك في الاعتكاف المنذور، وهذه في غير المنذور، فلا تكرار، ولم أر من صرح بهذا الاحتمال الثاني، واللَّه أعلم.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
[السكنى للأمة:]
ولا سكنى لأمة معتدة لم تبوأ مع زوجها بيتًا، سواء طلقها أو مات عنها، فإن بوئت معه فلها السكنى، ولها حينئذ -أي: حين لم تبوأ- الانتقال مع ساداتها في زمن عدتها؛ لأن حق خدمتهم لم ينقطع بتزويجها، كبدوية ارتحل أهلها فقط، وفسرها الباجي وابن عبد السلام بساكنة العمود، واللخمي وعياض وابن رشد بساكنة العمود والأخصاص.
قال المصنف: والأول أصح؛ لأن أهل الأخصاص تلزمهم الجمعة كالحاضرين على الأصح.
وخرج بالبدوية الحضرية، فلا ترتحل مع أهلها، وبفقط أنها لا ترتحل مع أهل زوجها، وهذا إن كان لكل منهما أهل، فإن لم يكن لها أهل اعتدت حيث كانت مع أهل زوجها، وترتحل معهم، وكذا إن كان لهما أهل ولم يفترقوا.
[مسألة:]
ثم ذكر حكمًا يعم الأمة والبدوية وغيرهما فقال أو لعذر لا يمكن المقام معه -أي: مع العذر- بمسكنها المطلقة به أو المتوفى عنها فيه، كسقوطه يحتمل أو خوفه ذلك، والثاني مثله لابن الحاجب وابن عرفة وغيرهما، أو خوف جار سوء على نفسها، وحيث انتقلت لعذر فإنها لزمت الثاني الذي تنتقل إليه، وتلزم الثالث والرابع وغيره إذا حصل عذر بكل واحد كالأول.
[خروجها لحوائجها:]
وجاز لها الخروج في حوائجها طرفي النهار، ابن الحاجب: تخرج في حوائجها نهارًا وطرفي الليل، ومثله قول المدونة: لها التصرف نهارًا، والخروج سحرًا، وترجع ما بينها وبين العشاء الآخرة.
وبين هاتين العبارتين وعبارة المصنف فرق، نعم نحو عبارته قول اللخمي: قال مالك: لا بأس أن تخرج قبل الفجر، وأرى أن يحتاط
[ ٤ / ٣٩٤ ]
للأنساب، فتؤخر خروجها لطلوع الشمس، وتأتي عند غروبها.
إلا لضرر جوار بحاضرة، فلا تخرج له، وإن رفعت أمرها للحاكم، فإن ظهر له ظلمهم أخرجهم أو هي أخرجها، وأقرع لمن يخرج إن أشكل عليه الأمر، كذا قال اللخمي.
ابن عرفة: إنما يقع الإخراج للشر بعد الإياس من رفعه بزجر من هو منه.
وقبل ابن عات وابن عبد السلام وغيرهما قوله: (أقرع بينهما) والصواب إخراج غير المعتدة؛ لأن إقامتها حق للَّه تعالى، وهو مقدم على حق الآدمي، كما في المستأجرة للرضاع يشترط إقامتها ببيت الرضيع.
[سكنى من سكّنت زوجها:]
وهل لا سكنى لمن سكنت زوجها دون كراء زمن عصمتها، ثم طلقها فطلبت منه الكراء زمن العدة، وبه أفتى أبو عمر المكوي (١) والأصيلي (٢)
_________________
(١) قال في ترتيب المدارك: أبو عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المعروف بابن المكوي، مولى بني أمية، وسكن قرطبة، شيخ فقهاء الأندلس في وقته، تفقه بأبي إبراهيم وصحبه، وكان أبو إبراهيم يتفرس فيه النجابة فحرضه واعتنى به، وكان قد حبب إليه الدرس مدة عمره لا يفتر عنه ليله ونهاره، ورجعت فيه لذته، وكان أول أمره ضعيف الحفظ قليل العلم، فلم يزل أبو إبراهيم عليه بالدرب والتحريض على المطالعة وإقامة الدرس حتى فتح عليه، وكان أول طلبه ممكنًا في عيشه يتجر في سوق البزازين لا يفارق أثناء ذلك المطالعة في جلوسه وحركته، فلما شهر في الناس حذقه، واحتاجوا إلى فتواه قلده الحكم الشورى.
(٢) هو: عبد اللَّه بن إبراهيم بن محمد بن عبد اللَّه بن جعفر، أبو محمد، الأموي المعروف بالأصيلي، (٣٢٤ - ٣٩٢ هـ = ٩٣٦ - ١٠٠٢ م): عالم بالحديث والفقه. من أهل أصيلة (في المغرب) أصله من كورة "شبدونة" ولد فيها ورحل به أبوه إلى "آصيلا" من بلاد العدوة فنشأ فيها. ويقال: ولد في آصيلا. رحل في طلب العلم، فطاف في الأندلس والمشرق. ودخل بغداد سنة ٣٥١ هـ وعاد إلى الأندلس في آخر أيام المستنصر، فمات بقرطبة. له كتاب "الدلائل على أمهات المسائل" في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة. ينظر: الأعلام (٤/ ٦٣).
[ ٤ / ٣٩٥ ]
وابن القطان (١)، أو لها ذلك فيلزمه الكراء وقاله ابن عتاب وابن زرب وبه أفتى المازري قولان.
تنبيه:
عادة المؤلف أن يقول في مثل هذا: (تردد)؛ لأنه لعدم نص المقدمين.
[سقوط سكناها:]
وسقطت سكناها أو أجرة ذلك إن أقامت بغيره، أي: غير المسكن الذي لزمها السكنى به، واللَّه أعلم.
تنكيت:
قول الشارح: (سقطت نفقة المعتدة)، لفظ (نفقة) سبق قلم، صوابه (السكنى)، كما قررناه.
كنفقة ولدها هربت به من أبيه مدة ثم جاءت تطلب نفقته في مدة هروبها به، فلا شيء لها، وظاهره: علم الأب موضعها أم لا، وقيده بعضهم بما إذا لم يعلم موضعها، ولم يعتبر المؤلف هذا التقييد.
_________________
(١) هو: علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسي، أبو الحسن بن القطان، (٥٦٢ - ٦٢٨ هـ = ١١٦٧ - ١٢٣٠ م): من حفاظ الحديث، ونقدته. قرطبي الأصل. من أهل فاس. أقام زمنًا بمراكش، قال ابن القاضي: رأس طلبة العلم بمراكش، ونال بخدمة السلطان دنيا عريضة، وامتحن سنة ٦٢١ فخرج من مراكش، وعاد إليها واضطرب أمره، ثم ولي القضاء بسجلماسة، فاستمر إلى أن توفي بها. ونقمت على في قضائه أمور. له تصانيف، منها "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام - خ" انتقد به أحكام عبد الحق بن الخراط، قال ابن ناصر الدين: ولابن القطان فيه وهم كثير نبه عليه أبو عبد اللَّه الذهبي في مصنف كبير. ومن كتبه "مقالة في الأوزان" و"النظر في أحكام النظر" و"برنامج" مشيخته، ونسب إليه "نظم الجمان - ط" قطع منه، وليس من تصنيفه. ينظر: الأعلام (٤/ ٣٣١).
[ ٤ / ٣٩٦ ]
[مسألة:]
وجاز للغرماء بيع الدار في عدة المتوفى عنها زوجها بشرط سكناها مدة عدتها أربعة أشهر وعشرًا، أو هي أحق من الغرماء، ونحوه في المدونة.
تنبيه:
فهم من فرض المسألة فيه بيع الغرماء منع الورثة، وهو كذلك عند بعض الشيوخ إذا كان البيع في غير دين، وأما في غير دين فيجوز.
فإن بيعت بشرط سكناها مدة العدة وارتابت بجس بطن أو تأخر حيض فهي أحق بذلك لمنتهى عدتها؛ إذ لا مدخل لها في التطويل، وهي مصيبة نزلت بها.
قال مالك: وللمشترى الخيار في فسخ البيع والتماسك، ابن القاسم: لا خيار له لدخوله عليه.
[مسألة:]
ويجوز للزوج بيع الدار في عدة ذات الأشهر كالصغيرة واليائسة، كمن باع، واستثنى ثلاثة أشهر، فإنه معلوم بخلاف ذات القرء والحمل، فإنه غير معلوم.
[مسألة:]
وفي جواز بيعها واستثناء مدة العدة مع توقع الحيض من مطلقة بنت اثني عشر أو ثلاثة عشر عامًا، وبنت خمسين، ومنعه، قولان مبنيان على اعتبار الحال والطوارئ، فمن نظر إلى الحال أجاز، ومن راعى الطوارئ منع.
[مسألة:]
ولو باع إن زالت الريبة بأن لم تحصل أصلًا، أو حصلت وزالت،
[ ٤ / ٣٩٧ ]
لزم، وإن استمرت رد، وفسد النكاح للجهل بزوالها (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (إن زالت الريبة) الحاصلة حين البيع أو التي تحصل بعده فالبيع لازم وإن استمرت فالبيع مردود (فسد) البيع للغرر طفي بهذا قرر الموضح قول ابن الحاجب والبيع بشرط زوال الريبة فاسد قال وهكذا في الواضحة وهو اختيار ابن المواز وعلى هذا جرى في مختصره وحاد عن عبارة ابن الحاجب فأتى بعبارة تطابق تقريره وتبعه على ذلك جميع من وقفت عليه من شراحه مع أنه تقرير غير صحيح وليس ذلك معنى كلام ابن الحاجب وإنما معناه البيع بشرط البائع على المشتري مكثت المعتدة إلى زوال ريبتها هكذا فرضت المسألة في كلام الأئمة ولذا علل الثعالبي قول ابن الحاجب فاسد بقوله لغرر كونها تتمادى سنة أو خمسًا أقصى أمد الحمل وعزوه للواضحة وابن المواز غير صحيح. يتبين لك بنقل كلام أهل المذهب ففي سماع أبي زيد بن القاسم في رجل هلك وترك دارًا أو عليه دين قال: تباع الدار، ويشترط لامرأته سكناها حتى تنقضي عدتها قيل له: إذا بيعت على ذلك فلما مضى أربعة أشهر وعشر ارتابت أترى لها السكنى حتى تخرج من الريبة؟ قال: نعم وإنما هي مصيبة نزلت به قال سحنون: وإن تمادت الريبة إلى خمس سنين لأن المبتاع قد علم أن أقصى العدة خمس سنين فكأنه قدم عالمًا به ابن رشد وروي عن سحنون أنها إن ارتابت المرأة كان المشتري مخيرًا بين أن يفسخ البيع عن نفسه أو يتماسك على أن لا يرد البائع عليه شيئًا، ومثله في الواضحة وإياه اختار محمد بن المواز قال: لأن البيع إنما يقع على استثناء العدة المعروفة ولو وقع البيع بشرط الاسترابة كان فاسدًا واعترضه أبو إسحاق التونسي فقال إذا كان البيع شرط الاسترابة لا يجوز إذ لا يدري أتكون سنة أو خمس سنين، فإذا ملك الخيار في الأخذ أو الترك كان أخذه على أن تسكن المرأة إلى انقضاء ريبتها كابتداء الشراء على ذلك إلا أن يكون هذا على أحد التأويلين فيمن خير بين شيئين، فاختار أحدهما أنه يعد منتقلًا ابن رشد ولا أدري معنى تخريجه في المسألة التي ذكر إذ لا اختلاف فيها أحفظه. كما أنه لا اختلاف في أنه لا يجوز أن يبيع الرجل سلعته بعشرة نقدًا أو بخمسة عشر إلى أجل على أن البيع لازم بأحد الثمنين أيهما شاء وإنما يتخرج جواز ذلك على القول بأن من اشترى سلعًا فاستحق منها جلها، فله أن يتماسك بما بقي منها بما ينوبه من الثمن وإن كان مجهولًا لا يعرف إلا بعد التقويم ويحتمل أن يكون معنى قول محمد أنه مخير بين أن يرد البيع أو يتماسك على أنه بالخيار بالرد ما لم تنقض الريبة، لا على أنه يتماسك به على أن البيع لازم له طالت الريبة أو قصرت وهذا أولى ما حمل عليه اهـ كلام ابن رشد. ابن عرفة يرد تعقبه بالاتفاق على المنع في البيع بعشرة نقدًا وخمسة عشر لأجل لأنه =
[ ٤ / ٣٩٨ ]
[مسألة:]
وأبدلت معتدة طلاق في المسكن المنهدم بغيره، سواء كان ملكًا للزوج أو لغيره، وكذا في المسكن المعار والمستأجر المنقضي المدة فيهما.
اللخمي: ولا خلاف أنه لا يجب على المعير أو المكري مدة غير التي أسكنها أو أعارها.
وإن انهدم المسكن أو انقضت المدة واختلفا في مكانين طلبت أحدهما أو الزوج الآخر، ولم يكن على كل منهما ضرر إن خولف، أجيبت لسكناها فيما طلبته.
[مسألة:]
وامرأة الأمير ونحوه كنائبه والقاضي لا يخرجها الأمير القادم من دار الإمارة أو القضاء حتى تنقضي عدتها من طلاق إن عزل أو وفاة، وإن ارتابت، ولو بجس بطن لخمس سنين؛ لأن سكناها من توابع الأول،
_________________
(١) = للغرر يتعين في كل سلعة لا للانتقال، وقول ابن الحاجب والبيع بشرط زوال الريبة فاسد خلافًا لسحنون ظاهره أن قال سحنون نص له وليس كذلك وإنما هو تخريج للباجي على قول سحنون بلزوم البيع وعدم خيار المشتري مع الريبة وأنها مصيبة نزلت به بناءً على أن كل ما يقتضيه العقد يجوز شرطه وفيه بحث تقدم في الصرف. قال في الجواهر: لو وقع البيع بشرط زوال الريبة كان فاسدًا، ثم قال: قال القاضي أبو الوليد وهذا عندي على قول من يرى للمبتاع الخيار وأما على قول من يلزمه ذلك فلا تأثير للشرط. اهـ. والقاضي أبو الوليد يعبر به عن الباجي طفي فقد ظهر لك مما نقلناه ما قلنا من فرض المسألة ومحط كلام الأئمة والعجب من المصنف أنه نقل في توضيحه كلام ابن رشد واعتراض التونسي وتخريج الباجي ولم يهتد لفرض المسألة وقد نازعه ناصر الدين اللقاني في حاشيته في تقريره المتقدم فقال: لو فسر هنا بأن البائع اشترط على المشتري مكث المعتدة إلى زوال الريبة طالت أو قصرت، كما صرح به عياض آخر كلامه لكان أوجه ويدل على أن هذا المراد قوله وزاد الباجي وغيره ولا حجة للمشتري واعتراض التونسي اهـ وإنما تنفسنا بشيء من كلام الأئمة إيضاحًا للحق واللَّه الموفق".
[ ٤ / ٣٩٩ ]
كالحبس على رجل حياته، فيطلق أو يموت، ولا يخرجها مستحقه بعده بحبس أو غيره؛ لأنها من أسباب الميت، بخلاف حبس مسجد بيده فللإمام القادم إخراجها، قاله ابن العطار، وعليه أكثر الشيوخ، وصدر ابن الحاجب تبعًا لابن شاس بأنه لا يخرجها.
ابن عات: وعليه العمل بقرطبة.
وكان ينبغي للمؤلف أن يذكره لرجحانه بالعمل، وفرق ابن العطار بفروق، منها: أن دار الإمارة من بيت المال فللمرأة فيها حق ما.
[مسألة:]
ولأم ولد يموت عنها سيدها السكنى، قال المؤلف: مدة استبرائها بالحيضة؛ لأنها في حقها كالعدة، وكذا إن قلنا هي محض استبراء؛ لأنها مجوسية بسببه، وزيد لها مع العتق على السكنى نفقة الحمل، إن كان.
وقوله: (مع العتق) يقتضي أن لا نفقة لحملها في الموت كغيرها، وهو قول ابن القاسم وأشهب وأصبغ.
كالمرتدة الحامل لها السكنى ونفقة الحمل، قاله في التهذيب، وتلزم النفقة والسكنى في نكاح المشتبهة إن حملت، كمتزوج بمحرمة، كـ: أمه أو خالته مثلًا غير عالم؛ لأن ما في بطنها يتبعه.
تنبيه:
خرج بالمشتبهة من تزوج محرمًا عالمًا دونها، فليس لها إلا السكنى، لا نفقة الحمل؛ لأنه غير لاحق به.
[مسألة:]
وهل نفقة ذات الزوج إن لم تحمل من وطء شبهة عليها نفسها أو على الواطىء؟ قولان مثله لابن الحاجب، وتعقبه ابن عرفة بأنه غير محصل؛ لإطلاقه في المبني بها وغيرها، وفي مقابل الزوج: هل هو الغالط أو الزوجة، انظر ذلك في شرحنا الكبير.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
ومفهوم: (إن لم تحمل) لو حملت من الواطئ لكانت عليه نفقتها وسكناها، واللَّه أعلم.
* * *
فصل ذكر فيه الاستبراء وأحكامه وأقسامه، ومن يلزمه، والمواضعة، وما يتعلق بذلك
وهو لغة: الاستقصاء والبحث والكشف عن الأمر الغامض، وشرعًا: الكشف عن حال الأرحام عند انتقال الأملاك؛ مراعاة لحفظ الأنساب، والأصل فيه خبر سبايا أوطاس: "ألا لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض" (١)، واللَّه أعلم.
تكميل:
فرق بينه وبين العدة بوجهين:
أحدهما: أنه بحيضة واحدة.
ثانيهما: أن المستبرأة لا إحداد عليها في الوفاة، بخلاف العدة.
[شروط الاستبراء:]
وذكر المؤلف له أربعة شروط تبعًا للأبهري، أشار لأحدها بقوله: يجب الاستبراء بحصول الملك، سواء حصل بيع أو غيره، كهبة أو صدقة أو وصية أو فسخ أو غنيمة أو إقالة، إن غاب عليها المشتري.
ولثانيها بقوله: إن لم توقن البراءة، فإن تيقنت فلا استبراء، كحيض
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٦٢، رقم ١١٦١٤)، والدارمي (٢/ ٢٢٤، رقم ٢٢٩٥)، وأبو داود (٢/ ٢٤٨، رقم ٢١٥٧)، والدارقطني (٤/ ١١٢)، والحاكم (٢/ ٢١٢، رقم ٢٧٩٠) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (٥/ ٣٢٩، رقم ١٠٥٧٢).
[ ٤ / ٤٠١ ]
الأمة عند من أودعت عنده فاشتراها.
ولثالثها بقوله: ولم يكن وطؤها مباحًا، فلا استبراء، كمشتر زوجته.
ولرابعها بقوله: ولم تحرم في المستقبل فإن حرمت في المستقبل فلا استبراء، كمشتر ذات محرم منه أو متزوجة بغيره.
وإذا وجدت الشروط وجب، وإن كانت الأمة صغيرة أطاقت الوطء أو كانت كبيرة لا تحملان عادة كبنت تسع وبنت خمسين عند ابن القاسم، وأشار بالمبالغة لقول ابن عبد الحكم بعدم الاستبراء في المسألتين، ومفهومه عدمه على من لم تطق الوطء، وهو كذلك.
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف: أن ذلك لا يختلف باختلاف المواضع، وهو كذلك، واختار اللخمي الاستبراء إن كانت بموضع يمكن فيه حملها، قال: اختبره عن بنات مكة، وذكره ابن عبد الحكم عن بنات اليمن.
أو كانت الأمة وخشًا، وهو ردئ الرقيق الذي لا يراد للوطء غالبًا؛ لاحتمال حملها.
أو كانت بكرًا، والمذهب استبراؤها كالثيب؛ لاحتمال إصابتها فيما دون الفرج، وقد تحمل مع بقاء بكارتها.
أو رجعت من غصب أو سبي بأن أخذها الكفار من المسلمين قهرًا؛ لأن لهم شبهة الملك على المذهب، فيجب الاستبراء في المسألتين، وهما داخلتان في المبالغة.
تنبيه:
ظاهر كلامه كالمدونة: أن مجرد الغيبة عليها كاف في وجوب الاستبراء، وظاهرهما أيضًا: أنه لا فرق بين الوخش وغيره.
تكميل:
ذكر في توضيحه أن وجوب الاستبراء إذا غيب عليها غيبة يمكن
[ ٤ / ٤٠٢ ]
الوطء فيها، ولا تصدق الأمة كالحرة، إن قالت: لم يطأني، وأطلق هنا، ولعله اعتمد على وضوحه لك.
أو غنمت بأن ملكها المسلمون في الغنيمة من إماء الكفار أو أحرارهم.
أو اشتريت ولو متزوجة وطلقت بعد البيع وقبل البناء، فلا يطأها المشتري حتى يستبرئها وجوبًا عند ابن القاسم، وبالغ بـ (لو) لقول سحنون: تحل بغير استبراء؛ لعدم موجبه؛ لأن الفرض عدم البناء بها، واستظهر قول ابن القاسم.
ثم شبه بما يجب فيه الاستبراء فقال: كالموطوءة لسيدها إن بيعت -أي: أربد بيعها- أو زوجت فيجب استبراؤها، وقبل قول سيدها في دعواه الاستبراء؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته.
ومن ابتاع أمته مدعيًا استبراءها جاز للمشتري من مدعيه -أي: الاستبراء قبل البيع- تزويجها -أي: الأمة- قبله -أي: الاستبراء- اعتمادًا على دعوى البائع، وهو المشهور.
سحنون: لا يزوجها حتى يستبريها.
وجاز اتفاق البائع والمشتري على استبراء واحد لحصول غرض كل منهما به؛ إذ غرض البائع نفي الولد، والمشتري حل الوطء.
ثم عطف على كالموطوءة إن بيعت مما يوجب الاستبراء، فقال: وكالموطوءة باشتباه؛ لأنه وطء فاسد يوجب الاستبراء.
قال ابن رشد: باتفاق.
[وجوب الاستبراء لسوء الظن:]
ثم عدد مسائل يجب الاستبراء فيها لسوء الظن، فقال: أو ساء الظن كمن عنده أمة مودعة مثلًا تخرج وتدخل ثم اشتراها، فيجب استبراؤها خوف حملها من زنا أو غصب.
[ ٤ / ٤٠٣ ]
ابن رشد: هو أقيس؛ لفساد الزمان.
أو لكغائب عن الموضع الذي هي به، ويبيعها، فيجب استبراؤها، ودخل بالكاف المشتراة من صبي أو امرأة أو محرم على المشهور، خلافًا لأشهب.
أو كانت لحاضر مجبوب آلته، ومكاتبة تتصرف، ثم عجزت ورجعت للرق، فيجب استبراؤها عند ابن القاسم في نقل التونسي وابن شاس، خلافًا لأشهب.
أو أبضع فيها -أي: دفع ثمنًا لمن يشتريها له به- فاشتراها وأرسلها مع غيره فحاضت في الطريق وجب استبراؤها عند مالك وابن القاسم؛ لسوء الظن.
[زوال الملك:]
ولما كان موجب الاستبراء ضربين: حصول الملك وزواله، وتكلم على الأول، أتبعه بالثاني، فقال: ويجب الاستبراء بموت سيد، إن لم تستبرئ قبل موته، بل وإن استبرئت قبله، ثم مات وجب استبراؤها ثانيًا، أو انقضت عدتها من زوجها في حياة السيد، بحيث حلت له قبل موته، ثم مات وجب الاستبراء؛ إذ لا مانع للسيد من وطئها حينئذ؛ لسوء الظن، ويجب الاستبراء بالعتق تنجيزًا أو تعليقًا أو حنثًا، إن لم يكن المعتق قد استبرأها قبل عتقه، أو لم تكن قد خرجت من عدة زوجها، فإن كان أحدهما ثم أعتقها فلا استبراء.
[مسألة:]
واستأنفت -أي: أم الولد- فقط الاستبراء بعد عتقها بحيضة، إن استبرئت قبله، ولا يكفيها الاستبراء، ولا العدة السابقان على العتق، إن كانت متزوجة؛ لأنها لما كانت فيها شائبة الحرية كانت الحيضة في حيضها كالحرة تطلق بعد استبرائها بثلاث حيض، فلا بد من عدتها بخلاف القن؛ ولأن أم الولد فراش للسيد، ولا يخرجها عن ذلك تزويجها؛ إذ بزوال
[ ٤ / ٤٠٤ ]
عصمة النكاح عادت للفراش، بخلاف الأمة، ولو رائعة، إلا أن يقر السيد بوطئها.
أو غاب السيد عنها غيبة علم أنه لم يقدم منها، أو لا يمكنه ذلك خفية، أو كان مسجونًا استبرئت أم الولد بحيضة، وخرج بـ (فقط) الأمة؛ فإنها تكتفي بالاستبراء السابق أو العدة السابقة.
تنبيه:
مفهوم الشرط غير مخالف، ولهذا كان الأحسن لو أتى قبله بالواو؛ لتكون مبالغة.
واستبراء المعتادة حيضة على المشهور، ولذا قال: إن تأخرت حيضتها عن عادتها لريبة استبرئت بثلاثة أشهر، ثم ينظرها النساء، فإن ارتبن بجس بطن فتسعة أشهر، أو تأخر لسبب بأن أرضعت أو مرضت أو استحيضت ولم تميز دم الحيض من دم الاستحاضة فثلاثة أشهر كالصغيرة المطيقة للوطء واليائسة، ونظر النساء من تأخر حيضها بعد الثلاثة الأشهر، فإن لم يرتبن حلت، فإن ارتبن فتسعة في الجميع.
ومفهوم: (لم تميز) لو ميزت اعتبر ذلك حيضة.
[استبراء الحامل:]
واستبراء الحامل بالوضع لحملها كله، وإن دمًا اجتمع كالعدة، فلا يكفي بعضه، وإن ارتابت بجس بطن فأقصى أمد الحمل.
[مسألة:]
وحرم في زمنه -أي: زمن الاستبراء- على من له أمة الاستمتاع منها بجميع أنواعه: وطئًا وقبلة ومباشرة وغير ذلك، وعلى المعروف لا فرق بين رائعة وغيرها، ومسبية وغيرها، وشاب وشيخ وحامل، من زنا وغيره.
[ما لا استبراء فيه:]
ولما ذكر ما فيه الاستبراء أتبعه بما لا استبراء فيه، وإن فهم بعضه مما
[ ٤ / ٤٠٥ ]
أسلف، فقال: ولا استبراء على صغيرة إن لم تطق الوطء اتفاقًا، كمودعة ومرهونة وأمة زوجته وشريكه وولده الصغير، ثم اشتراها فلا استبراء، ومودعة تمثيل، ويحتمل أنه تشبيه، أي: فلا استبراء فيها إذا عادت لمودعها أو راهنها، والمسألتان كذلك في المدونة، ففيها: ومن رهن أمته أو أودعها فلا يستبرئها إذا ارتجعها، ولو ابتاعها منه المودع بعد أن حاضت عنده أجزأ عن الاستبراء إن كانت لم تخرج، ولو كانت تخرج للسوق لم تجزئه.
ولا استبراء على مبيعة الخيار إذا حاضت عند المشتري، ولم تخرج للتصرف، ولم يلج عليها سيدها، وحاضت عند المشتري وبت البيع من له الخيار فلا استبراء، وكذا لو لم تحض وردت للبائع؛ لأن البيع لم يتم فيها، لكنه يستحب، نص عليه في المدونة.
وقوله: (ولم تخرج) و(لم يلج عليها سيدها) راجعان لمن حاضت من كمودعة ومرهونة ومبيعة بالخيار، وأطلق في المودعة والمرتهنة، وللخمي تفصيل في ذلك، انظره في الكبير.
أو أعتق أمته الموطوءة له وتزوج، أي: أراده، فلا يستبرئ لنكاحه عن ملكه؛ لأن وطئه أولًا صحيح، والاستبراء إنما يكون عن وطء فاسد.
فائدة:
قال المصنف: في التداخل سمعت ممن أثق به أن فيها قولًا بالاستبراء، ولم أره الآن، وهو أظهر، ليفرق بين ولده من وطء الملك، فإنه ينتفي بمجرد دعواه بلا يمين على المشهور، وبين ولده من وطء النكاح، فإنه لا ينتفي إلا بلعان.
أو اشترى زوجته قبل البناء، بل وإن بعد البناء؛ لأنه إن لم يبن فواضح؛ إذ لا وطء صحيح.
وقال ابن كنانة: تستبرئ غير المدخول بها.
فإن باع هذا الزوج زوجته، والحال أنه قد دخل بها، أو لم يبعها، بل أعتق، أو مات عنها، أو كان هذا الزوج مكاتبًا اشترى زوجته، وعجز
[ ٤ / ٤٠٦ ]
هذا المكاتب فرجعت لسيده قبل وطء الملك لم تحل واحدة منهن لسيد اشتراها من الزوج، ولا زوج تزوجها بعد العتق إلا بقرأين -أي: طهرين- ورجع إليه مالك، وأخذ به ابن القاسم، وكان يقول: من اشترى زوجته من حر أو عبد ثم باعها أو أعتقها يستبرئها بحيضة، عدة فسخ النكاح: بالجر بدل من قرأين، أو عطف بيان.
وإن باع المدخول بها أو أعتقها أو مات عنها بعده -أي: الوطء بالملك- فتستبرئ بحيضة؛ لأن وطأه هادم لعدة فسخ النكاح الناشئ عن الشراء.
تنبيه:
قال فيما تقدم: (قرأين) وهنا (حيضة)؛ لأن القرء عنده والطهر وعدة فسخ النكاح عدة، وهنا لا عدة، بل هو استبراء، فلا يكون إلا بالحيض على المشهور، فذكر في كل الموضعين ما يناسبه.
كحصوله -أي: البيع أو العتق أو الموت أو عجز المكاتب- بعد حيضة أو حيضتين -أي: إلا أن يحصل قبل ذلك حيضة أو حيضتان فتحل بحيضة- نحوه لابن الحاجب؛ لأن كلًّا منها إن حصل قبله حيضة كانت هذه الحيضة الثانية التي تحل بها تكملة للعدة، ونائبة عن الاستبراء، وإن حصل قبله حيضتان كانت هذه الثالثة استبراء فقط.
أو حصلت موجبات الاستبراء من ملك وما عطف عليه أو الأمة ببيع، وفي بعض النسخ (حصل) أي: الملك السابق في أول الحيض فيكتفى بها، ولا يحتاج لحيضة أخرى، وهو مذهب المدونة.
ثم أشار إلى خلاف الشيوخ في فهمها بقوله: وهل يكفي أول الحيض إلا أن تمضي من أوله حيضة استبراء أمته، أي: قدرها، فلا يكفي إلا أن يمضي أكثرها، ولم يبق إلا يومان فلا يكفي، تأويلان، ونحو هذا التقرير للشارح.
وقال البساطي: هل يشترط في الكفاية بهذا الحيض أن لا يمضي منه
[ ٤ / ٤٠٧ ]
قبل الحصول مقدار حيضة أو أكثرها، ولا يشترط ذلك، بل ولو مضى فإنه يكفي. قال: هذا الذي فهمناه من كلامه (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (أو) إلا أن يمضي (أكثرها)، أي: الحيضة المعتادة للأمة، وهل المراد بأكثرها أكثرها اندفاعًا، وهو اليومان الأولان أو أكثرها أيامًا في الجواب (تأويلان) طفي ظاهر كلامه بل صريحه أن قوله: إلا أن يمضي حيضة استجراء أحد التأويلين، وليس كذلك إذ لم أر من قابلهما هكذا، وإنما هذا لمحمد قيد به المدونة خارجًا عنهما ابن شاس. وإن بيعت وهي في أول حيضها فالمشهور من المذهب أنه استبراء لها، وإن فرعنا على المشهور فقال محمد: المعتبر في ذلك أن لا يكون الذاهب من الحيض قدر حيضة يصح بها الاستبراء، وصرح ابن عبد السلام وتبعه في التوضيح تفريعًا على هذا القيد بأنه إذا مضى قدر حيضة استبراء لا يجزي الباقي ولو أكثر بأن اعتادت اثنا عشر يومًا أو خمسة عشر فملكت بعد خمسة أو أربعة أيام فلا تكتفي ببقية هذا الدم لتقدم حيضة استبراء، وأما التأويلان فأشار لهما ابن عبد السلام والموضح بقولهما ما اختلف الشيوخ من القرويين في فهم المدونة، فحكى ابن العطار أن ابن مناس قال: عظم الحيضة اليوم الأول والثاني؛ لأن الدم فيهما أكثر اندفاعًا ولا عبرة بكثرة عدد الأيام، وعن ابن عبد الرحمن مراعاة كثرة عدد الأيام ابن عرفة وفي اعتبار العظم بكثرة اندفاع الدم وهو دا اليومين الأولين لا بما بعدهما، وإن كثرت أيامه أو بكثرتها قولًا ابن مناس وابن عبد الرحمن. اهـ. فقد علمت أن قول محمد لا يوافق واحدًا من التأويلين هذا على نقل ابن شاس عن محمد، ونقل عنه ابن عرفة خلافه ونصحه وعلى المشهور قال محمد إن تأخر عن البيع ما يستقل حيضًا كفى ما لم يتقدم أكثر منه ولا نص إن تساويا، ومفهوماه متعارضان فيه والأظهر لغوه ثم قال الشيخ عن الموازية إن لم يبق من حيضها إلا يومان لم يجزه، وإن بقي قدر ما يعرف أنها حيضة أجزأه اهـ. فصرح محمد بأن اليومين ليسا بحيضة فلا يصح قفسير قوله إلا أن يمضي حيضة استبراء لأنها يوم إلخ، وإن أشار له ابن فرحون وجمع من الشارحين؛ لأن كونها يومًا إلخ كلام المدونة وهذا كلام محمد فلا يفسر كلامه بكلامها ولا سيما مع تصريحه بخلافها وبما حررناه ظهر أن تقرير الشارح وابن غازي ومن تبعهما كلام المصنف على ظاهره غير ظاهر لجعلهم أحد التأويلين، قول محمد والآخر قول ابن مناس وتركهم تأويل ابن عبد الرحمن مع أنه هو المقابل لتأويل ابن مناس، كما في ابن عبد السلام وابن عرفة والتوضيح، والحاصل أن قول محمد قيد في المسألة. وظاهر كلامهم الاتفاق عليه في المشهور، وإنما التأويلان المتقابلان اللذان لا يجتمعان قول ابن مناس وقول ابن عبد الرحمن، وكلام محمد خارج عنهما وإن كان تأويلًا؛ =
[ ٤ / ٤٠٨ ]
أو استبرأ أب جارية ابنه ثم وطئها، فقومت عليه لم يحتج في وطئه لها بعد استبراء آخر على المشهور، وعليه الأكثر، لأنها بأول وضع يد الأب عليها، وجلوسه بين فخذيها حرمت على الابن، ووجب له القيمة، فصار كوطئه في مملوكة له بعد الاستبراء.
وتؤولت على وجوبه أيضًا، أي: استبراء ثانيًا، وإن كان الأب استبرأها أولًا لفساد ما به، وعليه -أي: على الوجوب- الأقل من الشيوخ، ومقابله في المدونة.
ويستحسن الاستبراء للبائع إن غاب عليها مشتر بخيار له، ثم ردها على البائع، واستحسنه اللخمي، وتؤولت على الوجوب أيضًا، قال اللخمي: القاضي أبو الفرج: وهو القياس.
[تواضع العلية والوخش:]
وتتواضع الأمة العَلِيّة التي تراد للفرإش لا للخدمة، بفتح العين وكسر اللام مخففة وشد الياء، عياض: علية الجواري بسكون اللام. انتهى.
_________________
(١) = لأنه قيد للمدونة لكن لم يقابلوه بتأويل ابن مناس إذ هو يجامعه إذ يلزم من مضي حيضة استبراء مضي أكثرها اندفاعًا ولا يلزم من مضي أكثرها اندفاعًا وهو اليومان الأولان مضي حيضة استبراء عند محمد على أنهما ليسا في قولها أول الدم، وإنما هما في مضي عظم الحيضة. أقول بحول اللَّه تعالى وقوته: من تأمل كلام طفي وجده ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ وذلك أن طفي اعترف آخرًا بأن كلام محمد تأويل لها، ولا يخفى أن قول المصنف وهل إلا أن يمضي حيضة استبراء نص فيه، وأنه نفسه على نقل الجواهر والتوضيح وأن قوله أو أكثرها مقابل له شامل لتأويل ابن مناس بحمل الأكثر على أكثرها اندفاعًا وتأويل ابن عبد الرحمن بحمله على أكثرها مدة كما شرحت به وقول طفي إذ هو يجامعه لا ينتج مدعاه إذ مجامعته له في بعض الصور لا تمنع مقابلته له باعتبار عدم مجامعته له في بعض آخر، واتفاق المؤولين في شيء واختلافهما في غيره كثير في كلامهم لا ينكر وكون تأويلي ابن مناس وابن عبد الرحمن في عظم الحيضة لا ينافي مقابلتهما لتأويل محمد فتقرير كلام المصنف على ظاهره هو الصواب واللَّه ﷾ أعلم".
[ ٤ / ٤٠٩ ]
أو وخش بسكون الخاء المعجمة، أي: الخسيسة الحقيرة، أقر البائع بوطئها، أي: الوخش، فإن لم يقر به فلا مواضعة فيها، قاله المازري، وفي قوله: (تتواضع) إشارة للطلبه، وفيه إجمال؛ لشموله الوجوب، وهو قول ابن رشد: المذهب وجوبها، ولو في بيع سلطان، وفي التحرير لابن بشير: لا تجب إلا في اثنتين:
إحداهما: التي ينقص الحمل ثمنها.
والثانية: التي وطئها البائع.
[تفسير المواضعة:]
ثم فسر المؤلف المواضعة بأنها: جعل الأمة عند من يؤمن من الرجال والنساء، والشأن للنساء لأنهن أأمن على ذلك وأخبر.
والبائع والمشتري إذا رضيا بغيرهما ممن ذكر فليس لأحدهما الانتقال عنه لغيره، إلا لوجه، كما قيده ابن المواز، ولم يذكره المؤلف، وفهم من قوله: (بغيرهما) أنها لو كانت عند أحدهما وطلب الآخر الانتقال لكان له ذلك، ذكره في الذخيرة عن المازري.
ونهيا عن مواضعتها عند أحدهما خشية تساهل المشتري في إصابتها قبل الاستبراء؛ نظرًا لعقد البيع أو الجائع لتأوله؛ لأنه في ضمانه.
تنكيت:
في قوله: (نهيا) إجمال لاحتماله الكراهة في وضعها تحت يد المشتري، كما في المدونة، ومثله في الموازية في البائع، واحتمال الوجهين كما قال اللخمي عن أصل أصبغ، واحتمال الكراهة في المأمونين والمنع في غيرهما، فإنه عير جائز بحال.
وقال أبو الحسن: المواضعة على ثلاثة أوجه: على أيدي النساء مستحبة، وعلى يد الرجل مأمون له أهل ينظرونها مخزية غير مستحبة، وعلى يد المبتاع مكروهة.
[ ٤ / ٤١٠ ]
وهل يكتفى بواحدة فيقبل قولها: إنها حاضت، قال ابن الكاتب: وهو المشهور، أو لا بد من اثنتين كالحمل وعيب الفرج، وهو قول ابن شاس.
قال المازري: يخرج على الترجمان هل هو من باب الخبر فيكتفى بالواحد، أو الشهادة فلا بد من اثنتين، وللمسألة نظائر، ذكرناها في الكبير.
[المواضعة في كالمتزوجة:]
ولا مواضعة في أمة متزوجة لدخول المشتري على أن الزوج مرسل عليها، ولا في حامل لتحقق الحمل، ولا في معتدة وزانيه؛ لأن النسب لا يلحق بالبائع ولا بغيره؛ لانتفاء فائدة المواضعة في الأربعة، كالمردودة بعيب على البائع، أو بسبب فساد في البيع كالمشتراة بخمر مثلًا، أو بسبب إقالة، إن لم يغب المشتري عليها جملة، ومفهوم الشرط وجوبه إن غاب غيبة يمكن فيها الوطء.
وفسد بيع المواضعة إن نقد المشتري الثمن بشرط من البائع أو غيره، لا أن يصير تارةً سلفًا وتارةً ثمنًا إن نقده تطوعًا، فلا يفسد البيع لبعد التهمة، وستأتي نظائرهما مما لا يجوز النقد فيه بشرط في البيع.
والثمن الموقوف في المواضعة إذا هلك مصيبته ممن قضي له بها، أي: الأمة، حكى الشارح عن التنبيهات: يحكم على البائع بوضع الثمن على يد عدل، فإن تلف فقال مالك: هو ممن تصير إليه الأمة، ومثله للبساطي والأقفهسي.
تنبيه:
قال بعض من تكلم على هذا المحل: لا يصح تأنيث الضمير المجرور بالباء، أي: ومصيبته الثمن ممن قضي له به لو سلم.
وفي الجبر على القاف الثمن بيد عدل وعدم الجبر على ذلك قولان، وهما روايتان عن مالك.
* * *
[ ٤ / ٤١١ ]
فصل في تداخل العدد، وهو فصل يمتحن به الفقهاء ويمتحنون
إن طرأ -أي: حدث- موجب لعدة أو استبراء على معتدة أو مستبرأة، قبل تمام عدة أخرى أو استبراء من رجل واحد بفعل جائز انهدم الموجب الأول، وائتنفت غيره، واستغنت به عن الأول، سواء كان من نوعه أو غيره، كأقراء وشهور وحمل.
ثم شرع في بيان أمثلة ذلك بقوله: كمتزوج بائنته بخلع لا بثلاث، ولا قبل البناء؛ لأن ذي الثلاث لا يتزوجها إلا بعد زوج، والثانية غير معتدة، ثم يطلق أيضًا بعد البناء، فإنها تأتنف العدة من يوم الطلاق الثاني؛ لأن وطأه يهدم العدة الأولى.
وخرج بقوله: (بعد البناء) من طلقت قبله، فلتبني على الأولى؛ لأن البائن كالأجنبية، أو ثم يموت بعد طلاق فتأتنف مطلقًا بنى بها أو لا، أما بعد البناء فواضح، وأما قبله فلأن الموت ينزل منزلة البناء.
وكمستبرأة من وطء فاسد يشبهه أو غيرها ثم يطلق الزوج قبل تمام الاستبراء، فإنها تأتنف العدة من يوم الطلاق، ويستغنى بها عن الاستبراء.
وكمرتجع مطلقته من رجعي مس فيه بعد رجعته، وإن لم يمس طلق أو مات قبل تمام العدة فتأتنف العدة من يوم الطلاق أو الموت؛ لأن الرجعة تهدم العدة.
إلا أن يفهم من ارتجاعه ضرر بالتطويل عليها، بأن يصبر حتى تقرب انقضاء العدة فيراجعها ثم يطلقها، فتبني المطلقة على عدتها الأولى إن لم تمس، فإن مسها فلا بد من الاستئناف؛ لاحتمال حصول حمل عن المس.
وكمعتدة من بائن أو رجعي ثم وطئها المطلق أو غيره وطئًا فاسدًا بكاشتباه أو بنكاح فاسد أو زنا أو لم ينو به المطلق رجعتها؛ لأن نيتها
[ ٤ / ٤١٢ ]
شرط على المشهور، فتستأنف عدة من يوم الوطء، وتنهدم الأولى.
إلا معتدة من وفاة وطئت بكاشتباه فأقصى الأجلين، وهو أبعدهما، فإن تمت ثلاثة أقراء ولم تكمل عدة الوفاة مكثت لانقضائها، وإن تمت ولم تحصل ثلاثة أقراء انتظرت آخر الأقراء.
وفي نسخة البساطي لا من وفاة، فقال: هذا معطوف على قوله: (كمعتدة).
وكمستبرأة من وطء فاسد كزنا أو اشتباه مات زوجها قبل تمام استبرائها فعليها أقصى الأجلين من طلاق، واستبرأ لأجل انتقال الملك وتقدمت هذه في العدة.
ولما ذكر اتحاد الرجل بفعل جائز، ذكر ما إذا تعدد، فقال: وهدم وضع حمل حصل الهععتدة من نكاح صحيح إذا تزوجت بغير مطلقها، أو غصبت، أو وطئت باشتباه، وألحق الولد الذي وضعته بنكاح صحيح، وهو الأول، غيره: مفعول هذم، أي: هذم الوضع الاستبراء من الوطء الفاسد؛ لأنه إنما كان خشية الحمل، وهو مأمون هنا.
وإن ألحق الحمل المذكور بفاسد، كما لو نكحها غير مطلقها في عدتها ووطئها بعد حيضة هذم الوضع أثره، أي: أثر الفاسد.
وهذم أثر الطلاق، وهذا مذهب المدونة عند غير واحد من الشيوخ، لا أثر الوفاة، فلا يهذمه وضع الحمل المذكور اتفاقًا.
[ما كان الموجب واحدًا:]
ولما قدم الكلام على التداخل باعتبار اجتماع موجبين، ذكر ما إذا كان الموجب واحدًا، لكنه التبس بغيره، فقال: وعلى كل الأقصى من الأجلين مع الالتباس، والالتباس إما من جهة محل الحكم، وإما من جهة سببه، ومثل للأول بمثالين، أشار لأحدهما بقوله: كامرأتين تزوجهما إحداهما بنكاح فاسد، والأخرى بنكاح صحيح، كأختين من رضاع.
أو إحداهما مطلقة بائنًا، والأخرى في العصمة، ثم مات الزوج في
[ ٤ / ٤١٣ ]
المثالين، ولم يعلم ذات النكاح الصحيح من الفاسد، ولا المطلقة من غيرها، فيجب على كل أقصى الأجلين؛ فتعتد كل منهما بأربعة أشهر وعشرًا، وبثلاثة أقراء؛ لأن الحكم فيهما لو علمت السابقة أن تعتد بأربعة أشهر، وتعتد الأخرى بثلاثة أقراء، ولما لم يعلم طلب كل منهما بمجموع الأمرين؛ إذ لا يتحقق حلها للأزواج إلا به.
وأشار لمثال الالتباس من جهة سبب الحكم بقوله: وكمستولدة متزوجة مات السيد المستولد والزوج، وتقدم موت أحدهما على الآخر، ولم يعلم السابق منهما، فإن كان بين موتهما أكثر من عدة الأمة، شهرين وخمس ليال، أو جهل مقدار ما بينهما: هل أقل أو أكثر، فعدة حرة: أربعة أشهر وعشرًا، كما لو تحقق أنه أكثر.
وما تُستبرأ به الأمة، وهو حيضة استبراء؛ لاحتمال وطء السيد؛ لأنها حلت له، فلا تحل لزوج إلا بمجموع الأمرين، فإن لم تراد ما تربصت تسعة أشهر، وإن لم تره ولم ترتب حلت.
وعليها في الأقل، وهو إذا ما كان بين موتهما شهران فأقل عدة حرة: أربعة أشهر وعشر؛ لاحتمال موت السيد أولًا، فيكون الزوج مات عنها حرة، وبتقدير موت الزوج أولًا عليها شهران وخمس ليال، وذلك مندرج في عدة الحرة، ولم تحتج هنا لحيضة استبراء؛ لأنها لم تحل لسيدها قبل موته.
وهل حكم ما إذا كان بين موتهما قدرها -أي: العدة- كأقل فتكفي بعدة حرة، وإليه ذهب ابن شبلون إذا لم يمض لها زمن تحل فيه للسيد، أو حكم ما إذا كان أكثر منهما، فتمكث قدر عدة حرة وحيضة، وبه فسر ابن يونس المدونة، قولان.
* * *
[ ٤ / ٤١٤ ]
باب ذكر فيه الرضاع وما يتعلق به
وهو بفتح الراء وكسرها، وأنكر الأصمعي الكسر مع الهاء، فهي أربع لغات.
فائدة:
قال الجوهري: كالرضاع، يقال: هو أخوه بلبان أمه، ولا يقال: لبن أمه، إنما اللبان الذي يشرب من ناقة أو شاة أو بقرة.
حصول لبن امرأة ولو عجوزًا قعدت عن الولد في جوف الرضيع، كما تقدم أن الفطر بوصول شيء للمعدة، وكذا قرره الشارح، وفي التحرير لابن بشير: وصول اللبن من المرضع إلى حلق الرضيع أو جوفه.
وخرج بقوله: (بلبن) الماء الأصفر، فإنه لا ينشر الحرمة، وبـ (امرأة) لبن غيرها من الحيوانات، فلو ارتضع صبي وصبية لبن شاة مثلًا لم ينشر الحرمة بينهما اتفاقًا، ولا اعتبر لبن الذكر ولو كثر على المشهور، خلافًا لابن اللبان الفرضي في أنه يحرم.
وبالغ بقوله: وإن ميتة علم اللبن بثديها، وهو مذهب المدونة، وللتنبيه على الشاذ بعدم نشره للحرمة.
وصغيرة لم تبلغ، داخل في حيز المبالغة، وظاهره: كانت في سن من تحيض، أولًا، وهو كذلك، لكن إن كانت سن من تحيض قال ابن بشير: ينشر الحرمة اتفاقًا.
تنبيه:
لم يذكر المؤلف الخنثى المشكل، ولم أقف عليه، والظاهر أنه ينشر الحرمة؛ قياسا على من تيقن الطهارة، وشك في الحدث.
وسواء حصل اللبن في جوف الرضيع برضاع أو بوجور بفتح الواو: ما يدخل من وسط الفم.
[ ٤ / ٤١٥ ]
وقيل: ما صب في الحلق، ولا فرق بين قليله وكثيره.
أو سعوط بفتح السين: ما صب في الأنف، قاله في المدونة، أو حقنة وهي معروفة، والغالب طونها من الدبر، تكون غذاء بكسر الغين والذال المعجمتين.
قال الشارحان: هو راجع للثلاثة، ولا فرق بين كون اللبن صرفًا أو مخلوطًا، إذا كان غالبًا لما خولط به من طعام أو دواء أو مساو له، لا إن غلب؛ ولذا قال: أو خلط لا غلب فلا يحرم عند ابن القاسم؛ لأن الحكم للغالب.
ابن عرفة: وعلى المشهور في اعتبار لبن امرأتين خلط مطلقًا، وإلغاء المغلوب منهما، كالطعام؛ لتخريج ابن محرز على إضافة لبن ذات زوج بعد زوج لهما.
ونقل عياض ترددهم فيه، والتخريج أحروي؛ لتحقق وجود كل من اللبنين في الآخر في لبن المرأتين وعدمه في لبن الرجلين. انتهى.
ولا إن كان ما رضعه الطفل كماء أصفر مخرج من لبن أو بهيمة مخرج من امرأة، واكتحال به مخرج من جور محرم اسم فاعل خبر حصول.
[وقت نشره الحرمة:]
ثم ذكر شرط كونه محرمًا بقوله: إن حصل في الحولين من يوم الولادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾.
تتمة:
الحق في ذلك للأبوين معًا؛ فلو طلب أحدهما ذلك وامتنع الآخر لم يلتفت لمن أراد الفطام، ولا بد من رضاهما معًا، قاله ابن العربي في أحكامه.
[ ٤ / ٤١٦ ]
أو بزيادة الشهرين على الحولين، وهو مذهب المدونة، إلا أن يستغني الرضيع بالطعام عن اللبن، فلا يحرم الرضاع حينئذ.
ولو فيهما، أي: في الحولين، فلا يحرم، وأشار بـ (لو) لقول مطرف ومن وافقه محرمًا لتمامهما.
[يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب:]
ما حرمه النسب: مفعول (محرم)، وهو سبع: الأمهات والبنات والأخوات والخالات والعمات وبنات الأخوة وبنات الأخوات، فكذلك؛ لخبر: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (١)، واستثنى المؤلف مسائل يحرمن فيها بالنسب ولا يحرمن من الرضاع، وأشار لأحدها بقوله: إلا أم أخيك أو أختك؛ لأنها إما أمك نسبًا، أو زوجة أبيك، وكلتاهما حرام عليك نسبًا، ولو أرضعت أجنبية أخاك أو أختك لم تحرم عليك.
ولثانيتهما بقوله: أو أم ولد ولدك؛ لأنها إما أمك نسبًا، أو أم زوجتك، وكلتاهما حرام عليك، وفي الرضاع إما ابنتك نسبًا، أو زوجة ولدك، وكلتاهما حرام عليك، ولو أرضعت امرأة ولد ولدك لم تحرم عليك.
ولثالثها بقوله وجدة ولدك، لأنها إما أمك نسبًا، أو أم زوجتك،
_________________
(١) من حديث أنس: أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٣٠٧، رقم ٢٠٦٠)، والضياء (٥/ ٢٤، رقم ١٦٢٥). حديث ثوبان: أخرجه الطبراني (٢/ ٩٨، رقم ١٤٣٢). حديث أبي أمامة: أخرجه الطبراني (٨/ ١٦٧، رقم ٧٧٠٢). حديث علي: أخرجه ابن سعد (١/ ١١٠). وأخرجه أيضًا: عبد الرزاق (٧/ ٤٧٥، رقم ١٣٩٤٦)، والدارقطني في العلل (٣/ ٢٢٠، رقم ٣٧٢). حديث ابن عباس: أخرجه أحمد (١/ ٢٧٥، رقم ٢٤٩٠)، ومسلم (٢/ ١٠٧١، رقم ١٤٤٧)، والنسائي (٦/ ١٠٠، رقم ٣٣٠٦)، وابن ماجه (١/ ٦٢٣، رقم ١٩٣٨). حديث عائشة: أخرجه أحمد (٦/ ١٠٢، رقم ٢٤٧٥٦)، والبخاري (٥/ ٢٢٧٩، رقم ٥٨٠٤)، ومسلم (٢/ ١٠٧٠ رقم ١٤٤٥)، وأبو داود (٢/ ٢٢١، رقم ٢٠٥٥)، والنسائي (٦/ ٩٩، رقم ٣٣٠٢)، وابن ماجه (١/ ٦٢٣، رقم ١٩٣٧). وأخرجه أيضًا: ابن حبان (١٥/ ٣٦، رقم ٤٢٢٣).
[ ٤ / ٤١٧ ]
وكلتاهما حرام عليك، وفي الرضاع قد لا تكون أمًا ولا أم زوجتك.
ولرابعها بقوله: وأخت ولدك؛ لأنها إما ابنتك نسبًا، أو ربيبتك، وكلتاهما حرام عليك، ولو أرضعت أجنبية ولدك فبنتها أخت ولد، ولا تحرم عليك، وهذه الأربعة هي التي ذكر ابن دقيق العيد، وزاد المصنف خامستها؛ ولذا قلنا لخامستها بقوله: وأم عمك وعمتك؛ لأنها إما جدتك لأبيك نسبًا، أو زوجة جدك، وكلتاهما حرام عليك، وفي الرضاع لا يحرمان عليك.
ولسادستها بقوله: وأم خالك وخالتك؛ لأنها إما جدتك لأمك أو زوجة جدك، فقد لا يحرم من الرضاع.
قال الشارح: لم يجزم بقوله: (فلا يحرمن من الرضاع)، ولعله يشير به لقول بعض الأشياخ: الحديث باق على عمومه، ولا يخص بالمسائل المذكورة، وبيانه أن كل مسألة مقدرة بتقديرين من جهة النسب ومن جهة الرضاع، فجهة النسب مساوية لجهة الرضاع في الحرمة، وإنما حلت فيها المرأة بالنظر إلى الجهة الأخرى، وللبساطي جواب غير ذلك، انظره، تمت.
وقد وقد نظمت هذه المسائل فقلت:
وما كان بالنسب الصحيح محرم يحرمه الإرضاع إلا مسائل
هي أم أخيه أخت ابنه أم عمه كذا أم ابن أم خال مماثل
وجدة ابن كن لستك خاتما فلا ذكر فيها لأنثى بفاضل
وقدر أي: جعل الطفل الرضيع خاصة دون سائر أقربائه ولدًا لصاحبة اللبن حرة كانت أو أمة، ذات زوج أو سرية، وقدر الطفل ولدًا أيضًا لصاحبه، أي: اللبن من حين وطئه الذي ينزل فيه، لانقطاعه ولو بعد سنين كما في المدونة، ولو طلقها الزوج الأول ووطئها الزوج الثاني اشترك الزوج الثاني مع الزوج القديم في الولد ابنًا لهما، وينشر الحرمة بينه وبين كل
[ ٤ / ٤١٨ ]
منهما، ولو بحرام، أي: بسببه وطء حرام، كمتزوج بخامسة، ويحرم من نسب أو إرضاع جاهلًا.
إلا لا يلحق الولد به في ذلك الوطء، فلا حرمة به، وسواء وجب فيه حد كالزنا والغصب، أو لا كالغائط، وهذا القول لمالك، ورجع عنه، ودرج عليه المصنف هنا.
وحرمت زوجته عليه -أي: على زوجها صاحب اللبن- إن أرضعت بلبنه من كان زوجًا لها؛ لأنها بإرضاعه صارت زوجه ابنه من الرضاع، ولا يشترط دوام كونها حليلة اتفاقًا، كمرضعة مبائنته، أي: مبانة زوجها؛ لأنها صارت أم زوجته، أو مرتضع منها، أي: من مبائنته المدخول بها؛ لأنها بنت زوجته، وإن أرضعت أجنبية زوجتيه الرضيعتين اختار واحدة منهما؛ لصيرورتهما أختين.
وإن كان الآخرة رضاعًا على المشهور، ونحوه في المدونة، وإن كان الزوج قد بنى بها، أي: بالزوجة المرضعة حرم الجميع المرضعة بالعقد عليهما؛ لأنها أمهما بالدخول، وإن لم يدخل اختار واحدة، وحرمت الأم والتي يختارها.
وأدبت المتعمدة للإفساد لنكاح الزوج بإفسادها، وفسخ نكاح الزوجين المتصادقين عليه، أي: على الرضاع بأخوة بينهما مثلًا، كقيام بينة على إقرار أحدهما به قبل العقد ولا يطلع على ذلك إلا بعده، فيفسخ، ومفهوم الظرف: أنه لا يفسخ بعد قيامها على إقرار أحدهما بعده.
ولها إذا فسخ المسمى بالدخول، إلا أن تعلم هي فقط بالرضاع فالكفارة لها ربع دينار فقط، لجهله هو، ومفهوم (فقط) أنه لو علم هو فقط أو علمًا معًا لكان لها المسمى؛ لعدم غرره في الحالتين.
وإن ادعاه -أي: الزوج- علم الرضاعة، فأنكرت، أخذ بإقراره في الفراق والغرم، ولذا كان لها النصف إن لم يدخل بها، والجميع إن دخل؛ لاتهامه أراد الفسخ المتضمن لإسقاط الصداق عنه.
[ ٤ / ٤١٩ ]
وإن ادعته -أي: علم الرضاع- فأنكر. . التي قبلها لم يندفع نكاحها؛ لاتهامها على إرادة الفراق.
تنبيه:
ربما أشعر قوله: (ادعاه) و(ادعته)، أي: الرضاع، بأن قول الرجل
[ ٤ / ٤٢٠ ]
وقيل: إن كانت فكالأب، وإلا فلا.
ويثبت الرضاع برجل وامرأة إن فشا قبل العقد، وإلا فلا على المشهور، وبامرأتين إن فشا قبل العقد من قولهما، خلافًا لابن الجهم في قوله: لا بد من أربع نسوة.
وحذف المصنف (إن فشا قبل العقد) من التي قبل هذه؛ لدلالة هذا عليه.
ومفهوم الشرط: عدم ثبوته إن لم يكن فاشيًا، وهو المشهور، وهو مذهب المدونة.
ابن عرفة: فيها لابن القاسم: إن شهد برضاع الزوجين أمهاتهما لم تقبل شهادتهما، إلا أن يكون فاشيًا من قولهم قبل النكاح.
قلت (١): فهما كأجنبيات في قول مالك.
قال: نعم في رأيي.
وهل تشترط العدالة مع الفشو في المسألتين، وهو مقتضى نقل اللخمي، أو لا يشترط إلا مع عدمه، وأما معه فلا، قاله في البيان؟ تردد لهؤلاء المتأخرين.
ويثبت الرضاع برجلين اتفاقًا، وأخره عن اللتين قبلها لئلا يتوهم عود قيد الفشو له.
لا بامرأة أجنبية؛ فلا يثبت بشهادتها، ولو فشا من قولها قبل العقد على المشهور، وأما إن لم يفش لم يقبل اتفاقًا.
وندب التنزه مطلقًا عن نكاح شهد فيه بالرضاع، ولم يثبت؛ أنه مظنة للطعن في فاعله.
ورضاع الكفر معتبر، وكذا الرق، كمقابلهما؛ فلو أرضعت ذمية صغيرًا
_________________
(١) القائل هو سحنون.
[ ٤ / ٤٢١ ]
مسلمًا مع ابنتها لم يحل له نكاح أخته، ولو لم تسلم.
والغيلة بكسر الغين المعجمة، وقيل: بفتحها، وطء المرضع -كما في الموطأ والمدونة- وتجوز هذه الغيلة؛ لأنها لا تضر بالولد؛ لخبر الموطأ عنه ﵊: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى سمعت أن الروم وفارس يفعلون ذلك، فلا يضر بأولادهم" (١).
وقيل: الغيلة: إرضاع الحامل.
وهو في المدونة أيضًا، والقولان حكاهما الجوهري، فقال: يقال: أضرت الغيلة بولد فلان، إذا أتيت أمه وهي مرضعة، وكذلك إذا حملت أمه وهي ترضعه، والغيلة بالفتح: اسم ذلك اللبن، وقد أغالت المرأة ولدها، فهو مغيل، وأغيلت أيضًا، إذا سقت ولدها الغيل، فهي مغيل، واللَّه ﷾ أعلم.
* * *
باب ذكر فيه النفقات على الزوجات، وما يتعلق بهن
فقال: يجب لممكنة من الوطء، بأن يدعي الزوج الدخول بها، وخرج بـ (ممكنة) الناشز مطيقة للوطء لا صغيرة، ولو مكنته، ولا لمطيقة بها مانع، كـ: رتق مثلًا، وهذا الوجوب على الزوج البالغ، لا الصغير، إذا لم يطق الوطء اتفاقًا، وكذا لو أطاقه على المشهور.
_________________
(١) أخرجه مالك (٢/ ٦٠٧، رقم ١٢٦٩)، وأحمد (٦/ ٤٣٤، رقم ٢٧٤٨٧)، ومسلم (٢/ ١٠٦٦، رقم ١٤٤٢)، وأبو داود (٤/ ٩، رقم ٣٨٨٢)، والترمذي (٤/ ٤٠٦، رقم ٢٠٧٧)، وقال: حسن غريب صحيح والنسائي (٦/ ١٠٦، رقم ٣٣٢٦)، وابن ماجه (١/ ٦٤٨، رقم ٢٠١١)، وابن حبان (٩/ ٥١٠، رقم ٤١٩٦)، والبيهقي (٧/ ٤٦٥، رقم ١٥٤٦٢).
[ ٤ / ٤٢٢ ]
وليس أحدهما مريضًا مرضًا مشرفًا على الموت، بل خفيفًا، يمكن الاستمتاع، أو شديد [ا] غير مشرف، فتجب النفقة، وهو مذهب المدونة.
قوت وإدام وكسوة ومسكن فاعل (يجب)، ويعتبر ذلك بالعادة، وهو قيد في الأربعة بقدر وسعه، وقدر حاله، ويعتبر حالها أيضًا بالنسبة إلى البلد الذي هما به.
والسعر في ذلك الزمان، فليس بلد الخصب كالجذب، ولا زمن الغلاء كالرخاء، ويلزم اعتبار حالها بكفايتها، وإن أكولة، وتزاد المرضع على النفقة المعتادة ما تقوى به على الرضاع زمنه، لاحتياجها دون غيرها، إلا المريضة وقليلة الأكل إذا طلبت كل منهما قوتًا كاملًا، فلا يلزمه إلا ما تأكل فقط، ولا يقضى أكل بزيادة على ذلك، ومثل عبارة المصنف للبساطي.
وقال الشارح: إلا قدر ما تأكل. انتهى.
وبين العبارتين فرق فتأمله، وقوله: على الأصوب هو قول المتيطي: الصواب عندي ألا يكون لها إلا ما تقدر عليه من الأكل.
وقال أبو عمران: يقضى لكل بالوسط، ويصرف الفاضل فيما أحبت.
قال مالك: ولا يلزم الحرير في الكسوة لمتسع الحال، وحمل كلامه على الإطلاق عند ابن القاسم في سائر البلاد، وحمله ابن القصار على المدنية لقناعتها.
تنبيه:
لعله لم يقابل ابن القاسم بابن القصار، وإلا لقال: قولان.
[حكمه:]
ولما كان القوت والإدام وما يصلح ذلك وما يتبعه واجبًا، قال: فيفرض عليه الماء للشرب والطبخ والوضوء والغسل وغسل الثياب، والزيت للأكل والوقود، والحطب للطبخ والخبز، والملح لأنه يصلح ذلك، واللحم
[ ٤ / ٤٢٣ ]
المرة بعد المرة، والمتوسط الحال كل جمعة مرة.
قال المصنف: قالوا: ولا يفرض كل يوم.
البساطي: لو جرت العادة بأكل شيء منه وهو حرام عند الزوج كلحم الخيل، فهل يقضى عليه بشرائه لها؟ لم أر فيه نصًا، والظاهر: عدم القضاء به. انتهى.
ولا يفرض عليه عسل وسمن وحلوى وحالوم وفاكهة، ابن شاس: لا رطبة ولا يابسة.
ويلزمه حصير تحت الفرش، أو هو الفراش من حلفاء أو بردي أو سعف، ويلزمه سرير احتيج له لعقارب أو براغيث مثلًا، ويلزمه أجرة قابلة، وهي التي تقوم بشأن الولد حين الوضع.
ويلزمه زينة تستضر بتركها، كـ: كحل ودهن معتادين؛ لأن الأول يضر بصر معتادته، والثاني يفسد شعرها ويمزقه.
وحناء لرأسها، لا لخضابها، ومشط: وهو الدهن الذي تمشط به، لا آلته، يدل عليه قوله: (تستضر بتركه)، ومفهومه: أن ما لا تستضر بتركه من ذلك أو غيره لا يلزمه.
قال ابن القاسم: لا يلزمه نضوح ولا صباغ ولا مشط ولا مكحلة.
ويلزمه إخدام أهله، ولا يشترط كون الخادم مملوكًا، بل يحصل وإن كان الخادم بكراء.
الباجي: وينفق على خادمها، أو يخدمها بنفسه.
ويلزمه الإخدام ولو بأكثر من واحدة، إن لم تكف الواحدة عند مالك وابن القاسم، وإذا كان لكل منهما خادم، واختلف في تعيين من يخدمها منهما قضي لها بخادمها إن أحبت، وينفق الزوج عليها، إلا لريبة تحصل عنده من خادمها، فلا يقضى لها بها، ولا يقبل دعواه الريبة، بل بالبينة، أو ظهره الجيران.
[ ٤ / ٤٢٤ ]
وإلا بأن كان فقيرًا، أو هي غير أهل له فعليها الخدمة الباطنة من عجن وكنس وفوش وطبخ واستيفاء ماء، إن كان بالدار، أو من خارجها إن كانت عادة النساء ببلدها الاستيفاء، بخلاف الخدمة التي يحصل بها الشيء، مثل النسج والغزل وخياطة والتطريز، ونحوها من التكسب، فلا يلزمها عمله، وظاهره: ولو كان ذلك عادة بلدها.
لا مكحلة ودواء إن احتاجت له، ولا حجامة، ولا يلزمه ثياب المخرج، غنيًا كان أو فقيرًا، وله التمتع معها بشورتها من غطاء ووطء ونحوهما، ما لم يكن حريرًا.
ولا يلزمه بدلها إن خلقت، خلافًا لابن الماجشون، وله منعها من أكل كالثوم والبصل والكراث؛ لكراهة ريحه، ما لم يأكل معها، قاله ابن راشد، وزاد: الغزل.
لا أبويها وولدها من غيره ليس له منعهم من أن يدخلوا لها، وإن كره؛ لندب الشرع للمواصلة، وحنث إن حلف، ظاهره: بمجرده، وهو قول مالك، كحلفه أن لا تزور والديها فيحنث إن كانت مأمونة، قاله مالك، وأما غيرها فلا، إن لم تكن شابة، بل ولو شابة.
فائدة:
قال ابن رشد: تحصيل المذهب بذلك للمتجالة اتفاقًا، وعدمه للشابة غير المأمونة اتفاقًا، واختلف في الشابة المأمونة. انتهى، ولعل هذا طريق غير ما سلك المصنف، واللَّه أعلم.
لا إن حلف عليها أنها لا تخرج فلا يحنث، وقضي للصغار من أولادها بالدخول لها كل يوم، وللكبار كل جمعة مرة؛ لقلة احتياجهم لها، كالوالدين يقضى لهما بالدخول إليها كل جمعة بغير أمينة من جهته، إن لم يتهمهما بإفسادها عليه، ومع أمينة تحضرهما.
زاد في الشامل: مع حضوره، قاله المتيطي، إن اتهمهما، قاله المشاور.
[ ٤ / ٤٢٥ ]
تتمة:
نص عبد الملك على أنه لا يمنع أخاها ولا عمها وابن أخيها، وابن أختها، ولا يبلغ بمنعهم الدخول لها والخروج لهم مبلغ الأبوين في التحنيث؛ إذ لا حنث في غيرهما.
ولها الامتناع من أن تسكن مع أقاربه في دار واحدة، إلا الوضيعة القدر فلا امتناع، كولد صغير لأحدهما للآخر منهما الامتناع من السكنى معه، إن كان له حاضن من أهله يحضنه.
إلا أن يبني وهو معه عالم به فلا امتناع له، ويجبر على بقائه، فإن لم يعلم به فله الامتناع، وكذا إذا علم وأبي البناء لأجله، وإن لم يكن له حاضن أجبر على بقائه، أو التطليق، علم به، أو لا، نص على ذلك ابن زرب في المسألتين.
تنكيت:
يرد بهذا النقل قول الشارح: إنه لم يره، إلا في ولد الزوجة.
وقدرت نفقتها بحاله فقط من يوم كمن رزقه يومًا كبعض الصناع، أو جمعة كبعض الصناع، أو شهر كأرباب المدارس وبعض الجند، أو سنة كأرباب الرزق والبساتن، قاله ابن القاسم بعد قوله: لم أسمع عن السنة شيئًا.
ويفرض الكسوة للزوجة مرتين: مرة في الشتاء، ومرة في الصيف، إذ لا بد من المخالفة في الزمنين، وضمنت بنفقتها بالقبض مطلقًا ماضية أو مستقبلة أو حالة، قدمت على ضمانها بينة على ذلك أو لا؛ لأنها قبضته، كنفقة الولد تضمنها منها.
إلا لبينة على الضياع، فيسقط ضمانها على الأصح، إلا ما كان من أجر الرضاع فتضمنه، وإنما لم تضمن نفقة الولد لأنها لم تقبضها لحق نفسها.
وبجوز للزوج إعطاء الثمن للزوجة عما لزمه لها من نفقة وكسوة؛
[ ٤ / ٤٢٦ ]
لأن الذي يقضى عليه به في الأصل هو ما يفرض لها، لا ثمنه على ظاهر المذهب.
ويجوز المقاصه بما وجب له عليها من نفقتها وكسوتها بدينه الذي له عليها، إلا لضرر يحصل لها بسبب المقاصة؛ لكونها فقيرة يخشى ضيعتها لذلك، فلا يجوز.
وسقطت نفقتها على الزوج إن أكلت معه، ولا شيء لها غير ذلك، ولها الامتناع الامتناع من الأكل معه، فيفرض لها نفقتها، أو إن منعت الزوج الوطء؛ لنشوزها؛ لأنها في مقابلته، وإنما لم يذكر المصنف قول مالك بعدم السقوط مع قول المتيطي: إنه الأشهر، واختاره اللخمي والباجي وابن يونس وجماعة؛ لأن الأبهري حكى الإجماع على الأول؛ ولذا اقتصر عليه هنا.
وسقطت إن منعت الاستمتاع بها من تقبيل ونحوه، وإن كانت معه بداره، وذلك الاستمتاع بعد الوطء الصادق عليه؛ لأنه لو اقتصر عليه لتوهم أن المراد به الوطء خاصة.
أو خرجت من منزله بلا إذن، ولم يقدر عليها، أي: لم يقدر على ردها إليه؛ إذ لو قدر ولم يردها لم تسقط؛ لقدرته على الاستمتاع بردها، ويؤدبها هو أو الحاكم على ذلك.
والسقوط فيما تقدم إن لم تحمل، أي: إن لم تكن حاملًا؛ لأنها مع الحمل لها شريك، فلا يسقط جملة، وقد تقدمت حكاية الأبهري الإجماع على السقوط، فكان ينبغي للمؤلف التنبيه عليه، أو بانت بخلع أو ثلاث، فإن نفقتها تسقط، فهو معطوف على قوله: (أو خرجت).
ولها نفقة الحمل والكسوة في أوله، قال المصنف: لأنه حيث وجبت النفقة وجبت الكسوة، فإذا طلبت الحامل البائن ذلك أول الحمل وصدقها لزمه، وإن لم يصدقها أو أثبتت في أثنائه وجبت من أوله.
قال في التوضيح: حيث ذكر أصحابنا نفقة الحمل فإنما يريدون حمل
[ ٤ / ٤٢٧ ]
البائن، وأما من في العصمة والرجعية والمتوفى عنها فلا نفقة لحملهن، أما الأوليان فلاندراج نفقة الحمل في النفقة عليها، وأما المتوفى عنها فحملها وارث لها، ولها الكسوة في أوله، وجوز البساطي أن يريد أنها تستحق جميعها في أوله، وأنها لا توزع على الأيام والجمع.
وإن أبانها وقد بقي لآخر الحمل ثلاثة أشهر ونحوها فلها من الكسوة في الأشهر قيمة منابها، فيقوم ما كان يصير لتلك الأشهر من الكسوة لو كسيت في أول الحمل، ثم أعطيت تلك القيمة دراهم، واستمرا إن مات زوج الحامل البائن، كذا وقع بضمير التثنية، واختلف الشارحان فيه، فقال بهرام: هو عائد على النفقة والسكنى.
قال: وهو واضح بالنسبة للسكنى، لا النفقة؛ إذ لا نفقة للحامل المتوفى عنها.
وقال البساطي: هو عائد للنفقة وللكسوة، ولو كان الحمل من الميت لا نفقة له؛ لأنه وارث، لأن هذه قد فرض فيها للحمل حال كونه يصح الفرض له، فيقرر دينًا على الميت.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: وقع في كثير من النسخ (واستمر) بالإفراد، وضميره للمسكن في قوله أول الباب: (ومسكن).
لا إن ماتت، قال الشارح: لا كلام في انقطاع ذلك، أي: لا حق لها في السكنى تورث عنها.
ولم يتعرض البساطي لذلك، وفي الشامل: لا نفقة لبائن، إلا الحامل فلها نفقة الحمل والسكنى في أوله، وفي الأشهر قيمة منابها عينًا، واستمر إن مات ببطنها، لا إن مات المطلق.
وردت النفقة، أي: نفقتها المقبوضة لمدة مستقبلة إذا مات الزوج، هذا ظاهر كلامه، وظاهره: كانت في العصمة حين الموت أو مطلقة رجعيًا أو بائنًا، قضي لها أو لا، وهو كذلك، ونحوه في قذف المدونة عن مالك.
زاد: ولو ماتت هي.
[ ٤ / ٤٢٨ ]
كانفشاش الحمل إن تبين عدمه، فترد المقبوض بسببه عند مالك، واختاره ابن المواز وغيره، وعن مالك: عدم الرد، وعنه: الرد إن قضي بها.
فائدة:
للمسألة نظائر، قال ابن رشد: تفوت الرد منها ما في شفعتها من أثاب على صدقة ظانًا لزوم الثواب، ومنها ما في صلحها: من صالح على دم خطأ لزوم الدية.
لا الكسوة المقبوضة لمدة مستقبلة كسنة مثلًا فتموت بعد مضي أشهر لا ترد منها شيئًا، زاد في المدونة: وكذا بعد موت الزوج عند مالك، بخلاف موت الولد تقبل حاضنته كسوته لمدة مستقبلة، ثم يموت الولد، فيرجع بكسوته وإن كانت خلقة، وفي الموازية: يرجع عليها إن مات عن قرب، لا إن طال.
وإن كانت هذه الحامل مرضعة فلها نفقة الرضاع أيضًا مع نفقة الحمل، فتأخذ النفقتين؛ لأن الرضاع سبب آخر.
ابن رشد: لأنه لا رضاع له عليها، فلها الأجرة، وليس وجوب النفقة لها بسبب الحمل بمسقط لما وجب لها من الأجرة.
ولا نفقة لحملها بدعواها ذلك، بل بظهور الحمل وحركاته، الواو بمعنى مع، وفي بعض النسخ (أو حركته)، وعليها فأحدهما كاف، وفي التوضيح: المشهور وجوب النفقة بظهور الحمل بشهادته امرأتين، وإذا ظهر الحمل فتجب من أوله، أي: من حين الطلاق إلى ظهوره، فتأخذ ذلك حالًا، وما بقي شيئًا فشيئًا.
تنبيه:
ليست هذه مكررة مع قوله: (ولها نفقة الحمل في أوله)؛ لأنه في تلك صدقها على ما قدمناه، وهذه لم يصدقها، وللشارح في الكبير جواب غير هذا.
[ ٤ / ٤٢٩ ]
ولا نفقة لها على ملاعن لحمل ملاعنة؛ لأنه غير لاحق به، قال الشارح: ولها السكنى.
ولا لحمل أمه على أب حر أو عبد، لأنه ملك لسيد أمة، والملك مقدم على الأبوة لقوته بتصرف السيد فيه بتزويجه وانتزاع ماله والعفو وجرحه ميراثه دون الأب، وفي تسمية الآخر ميراثًا تجوز.
ولا نفقة على عبد لحمل مطلقته البائن حرة كانت أو أمة؛ لأنه لا يلزمه نفقة ولده، ومفهوم (عبد) لو عتق، وهي حامل لوجبت إن كانت حرة، وكذا لو أعتقت الأمة أيضًا لوجبت، إلا الأمة الرجعية، فيجب على زوجها حر أو عبد لو عتق وهي حامل لوجبت إن كانت حرة، وكذا لو عتقت الأمة أيضًا حرًا وعبدًا؛ لأنها في حكم الزوجة.
وسقطت نفقتها عن الزوج بالعسر، لا إن حبست في حق عليها؛ إذ ليس من جهتها، أو حبسته هي، وأحرى غيرها، كما في الجلاب، أو حجت الفرض، سواء أذن لها أو لا، ولها نفقة حضر عليه زمن سفرها، وإن كانت التي حجت الفرض رتقاء، رضي زوجها بالاستمتاع فيما عدا الفرج، فلها نفقة حضر كحائض ونفساء، لأن ما يسقط النفقة إذا ألغي صار كالعدم عند وجود مسقط آخر.
وإن أعسر الزوج في جمادى مثلًا بعد يسر في ربيع مثلًا، فالماضي من يسره، وهو ربيع لازم له في ذمته إذا أيسر، إن فرض ذلك عليه حاكم، بأن قدره.
وإن لم يفرضه الحاكم؛ لأنه مفروض شرعًا، وحكم الحاكم إنما أثره في تقديرها وكيفية تأديتها، ورجعت عليه بما أنفقت عليه، ككون إنفاقها غير صرف بالنسبة له، وإن كان معسرًا وقت إنفاقها عليه، كمنفق على أجنبي، فإنه يرجع عليه، وإن كان معسرا وقت الإنفاق.
إلا أن يكون إنفاقها عليه لصلة، فلا ترجع، ومفهوم (غير صرف) أنها لا ترجع بالقدر الذي هو صرف، كـ: خراف ودجاج ونحوهما؛ لأن القصد منه التوسعة، وترجع بالمعتاد بين الناس كالأعياد والمواسم.
[ ٤ / ٤٣٠ ]
ويرجع من أنفق على الصغير إن كان له مال حين الإنفاق يرجع فيه، وعلمه المنفق، فإن لم يكن له مال، أو له ولم يعلمه المنفق، ثم ظهر، فلا رجوع عليه؛ لظهور قصد القربة حينئذ، كما في كتاب الرضاع من المدونة.
وحيث كان له الرجوع حلف أنه أنفق ليرجع؛ لأن الغالب في الإنفاق على الصغير مظنة الصدقة والصلة، واليمين احتياطًا.
تنبيه:
أشعر قوله: (علمه) بأنه لو تلف أعلمه، واستفاد غيره، لا يرجع، وهو كذلك، والشرط الأول في المدونة، والثاني زاده ابن يونس، والثالث لبعض المشايخ، وزاد المتيطي في تقييده على المدونة كون ماله غير عين، وأن ينوي المنفق الرجوع، وأن تكون النفقة غير صرف.
ولها -أي: الزوجة- الفسخ لنكاحها إن عجز الزوج عن نفقة حاضرة عند مالك وجماعة؛ لأنها في مقابلة الاستمتاع، ولها البقاء في العصمة.
لا إن عجز عن نفقة ماضية، فليس لها الفسخ لفوات قيامها بها بتمكينه فيما قابلها، فصارت دينًا، إن لم يكن الزوجان عبدين، بل وإن كانا عبدين، أو أحدهما عبدًا والآخر حرًا.
لا إن علمت فقره حين العقد، أو علمت أنه من السؤال، فلا فسخ لها في المسألتين عند مالك، وله أيضًا تطلق عليه.
إلا أن يتركه -أي: السؤال- فلها الفسخ حينئذ، أو علمت أن من السؤال، أو إلا أن يشتهر بالعطاء وينقطع عنه، فلها الفسخ، وإذا رفعت أمرها للحاكم بسبب ضرر ترك الزوج النفقة أو الكسوة فحينئذ يأمره الحاكم إن لم يثبت عنده عسره بالنفقة، إن كان ضررها بسببه، أو الكسوة كذلك أو الطلاق، ويلزمه أحد الأمرين.
وإلا بان أمره، ولم يفعل أحدهما تلوم له على المشهور بالاجتهاد من الحاكم، وزيد به في أجل التلوم إن مرض أو سجن في أثناء ذلك، ثم أطلق الحاكم عليه بعد التلوم وعدم وجدان ما ينفق أو يكسو على الصحيح،
[ ٤ / ٤٣١ ]
ومقابله: يبيح لها في إيقاع الطلاق، إن شاءت.
ثم بالغ بالطلاق على الغائب بقوله: وإن غائبًا؛ للتنبيه على مقابل المشهور في عدم الطلاق عليه.
أو كان غريبًا، لكن وجد ما يمسك الحياة فقط؛ لأن مثل هذا القدر ضرر شديد، لا إن قدر على القوت كاملًا من فسخ أو غيره.
وقدر من الكسوة على ما يواري العورة، ولو من غليظ الكتان، فليس لها الفسخ، وإن كانت غنية.
تنبيه:
ظاهر كلامه: ولو كان له أولاد صغار؛ فإنها تتقدم عليهم؛ غذ لا تجب عليهم نفقتهم إلا مع يسره، ونحوه في المدونة.
وله الرجعة إذا طلق عليه بالعسر، إن وجد في العدة يسارًا يقوم بواجب مثلها، لا ممن هو دونها، ولها النفقة فيها، أي: في العدة، إذا وجد يسارًا، وإن لم يرتجع على الأصح، وهو مذهب المدونة؛ لأن الطلاق رجعي، وللمرأة طلبه أو الزوج عند قصد سفره بنفقة الزمن المستقبل ليدفعها، أي: لأجل أن يدفع لها مقدار ما تنفقه في غيبته، أو لأن يقيم لها كفيلا يدفعها لها كهو مياومة أو غيرها، وهو مذهب المدونة.
وفرض للمرأة نفقتها في مال الغائب إذا طلبت ذلك، وفي وديعة على المشهور المعمول به، ومقابله: لا يفرض في وديعته.
قال أبو عمران: وهو القياس.
وفي دينه على الناس إذا ثبت ذلك بطريقة، و(دينه) بدال مهملة فمثناة تحتية فنون، وفي نسخة البساطي بدال مهملة فمثناة تحتية، فمثناة فوقية، أي: دية وجبت له؛ إذ ليس له العفو، وعليه دين.
وللمرأة إقامة البينة على المنكر لدين زوجها؛ لأنهم غرماؤه، وغريم الغريم غريم، وإنما يفرض لها الحاكم في مال الغائب بعد حلفها
[ ٤ / ٤٣٢ ]
باستحقاقها النفقة، ولا يأخذ منها بها كفيل؛ لأنها لم تأخذه سلفًا، وهو -أي: الزوج- على حجته إذا قدم من سفره، وادعى مسقطًا، وإذا لم يكن لغائب عين ولا دين ولا وديعة، وله دار بيعت داره، وفرض لها فيها، وتباع بعد ثبوت ملكه لها بالبينة؛ إذ البيع عليه فرع ملكه لها واستمراره؛ إذ هو قدر زائد على ثبوته؛ ولذا قال: ويشهدون أنها لم تخرج عن ملكه في علمهم؛ إذ لا يمكن القطع بذلك في غيبته.
ثم بعد الشهادة بالملك واستمراره تشهد له بينة بالحيازة تطوف بالدار داخلًا وخارجًا، قائلة في شهادتها: هذا الذي حزناه هي الدار التي شهد بملكها للغائب عند فلان القاضي كذا، فغذا لم يقولوا ذلك لم تتم الحيازة والشهادة.
تنبيه:
إنما فسر المؤلف ما يقوله الشهود لغوابتها بمصر؛ إذ لا يكادون يفعلون ذلك.
وإن تنازعا في عسره ويسره في غيبته، فادعى الأول وادعت الثاني اعتبر في تصديق أحدهما حال قدومه عند ابن القاسم، فإن قدم معسرًا فقوله، وإلا فقولها.
وإن تنازعا في إرسالها لها في غيبته، فادعاه وأنكرت، فالقول قولها إن رفعت أمرها من يومئذ لحاكم، لا من يوم سفره؛ لأن رفعها دليل صدقها.
لا من يوم رفعها لعدول وجيران، فلا ينزل منزلة الرفع للحاكم على المشهور، وبه الفتوى والعمل.
وإلا بأن لم ترفع للحاكم فقوله يمينه، كالحاضر إذا ادعى الإنفاق وأنكرته، فالقول قوله مع يمينه اتفاقًا؛ لشهادة العرف بصحة قوله.
وإن لم ترفع للحاكم وقبل قوله حلف لقد قبضتها، ووصلت إليها، ولا يحلف لقد بعثتها، قاله مالك.
[ ٤ / ٤٣٣ ]
وإن تنازعا في قدر ما فرضه الحاكم، فادعت قدرًا، وادعى دونه، فقوله -أي: الزوج- إن أشبه نفقة مثلها.
وإلا يشبه مثلها فقولها إن أشبه فقط، وإلا يشبه قول واحد منهما ابتدأ الحاكم الفرض، سواء كان الذي فرض قاضي وقتها أو غيره، بأن مات الأول أو عزل.
وفي حلف مدع الأشبه منهما، كما قال بعضهم؛ إذ ليست على حكم الحاكم؛ إذ هو متفق عليه عندهما، وإنما خلافهما فيما فرضه: هل قدره كذا أو كذا، لو عدم حلفه، وهو قول عياض: لا يمين؛ لأنها على حكم حاكم تأويلان، وذكرنا نص المدونة المؤول في الكبير.
* * *
فصل نفقة الرقيق والدواب والحضانة
ذكر فيه نفقة المملوك آدميًا أو غيره ونفقة القريب وما يتعلق به كخادم الأبوين والحضانة، وما يتعلق بها، ولما أسلف أن من أسبابها النكاح، ذكر الثاني، فقال: إنما تجب على المالك نفقة رقيقه ودابته إن لم يكن بالأرض مرعى جملة، أو بها ولا يكفيها، فتجب كفايتها.
وإلا بأن امتنع من الإنفاق على رقيقه أو دابته حيث يجب، أو عجز عنه بيع عليه ما يباع، ويخير فيما يؤكل بين بيعه أو ذكاته، وقلنا: ما يباع؛ لأن أم الولد لا تباع.
ثم شبه فيما يباع، فقال: كتكليفه -أي: المملوك آدميًا أو غيره- من العمل ما لا يطيق، قال مالك: ويقضى عليه ألا يكلفه إلا ما يطيق.
قال المؤلف: إذا تكرر ذلك، وأما تكليفه مرة أو مرتين مثلًا فلا يوجب بيعه.
[ ٤ / ٤٣٤ ]
وبجوز للمالك الأخذ من لبنها ما لا يضر بنتاجها، وأما ما يضر لأنه من ترك الإنفاق على ولدها، وهو ما وجب عليه.
وأشار للسبب الثالث بقوله: وبالقرابة تجب على الولد الموسر: صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، واحدًا أو متعددًا، مسلمًا أو كافرًا، صحيحًا أو مريضًا نفقة الوالدين المعسرين قيد بالولد الموسر؛ لأنه لا يجب على المعسر، والوالدين بالإعسار، وظاهره: ولو كان الأب قادرًا على التكسب، وهو كذلك، قاله الباجي.
وإذا نازع الولد أبويه في الغناء لتسقط عنه نفقتهما، وأثبتا العدم؛ لتقدم الغناء، وخالفه الأب [لا بيمين، وهل الابن إذا طولب بالنفقة] محمول على الملاء حتى يثبت عدمه، وهو قول ابن القصار وابن أبي زمنين، أو العدم، وعلى الأب إثبات ملائه، وهو قول ابن الفخار؟ قولان، زاد ابن الفخار: لو كان للأب ولد آخر وجب على الابن المدعي للعدم إثبات عدمه؛ لأن أخاه يطالبه بالإنفاق معه.
ويجب على الولد للأبوين النفقة على خادمهما على المشهور، ويجب عليه نفقة خادم زوجة الأب؛ لأنها تخدم الأب، ويجب على الولد إعفافه بزوجة واحدة، رواه أشهب، واختاره ابن الهندي، ولمالك عدم الوجوب أيضًا.
ولا تتعدد النفقة على الولد لزوجتي الأب، إن كانت إحداهما أمه على ظاهرها، أي: المدونة، وأحرى إذا كانتا أجنبيتين في عدم التعدد، فليست إن الشرطية، فلو أتى بالمبالغة لكان حسنًا.
لا زوج أمه الفقير، لا يلزم الولد نفقته، سواء تزوجته فقيرًا أو غنيًا ثم افتقر.
ولا تجب على الولد نفقة جد لأب أو أم، ولا جدة كذلك، ولا تجب على الجد نفقة ولد ابن، أي: ابن ابنه، ولا ابن ابنته، عكس التي قبل، هذا هو المذهب.
[ ٤ / ٤٣٥ ]
ولا يسقطها -أي: نفقة الأم على الولد- تزوبجها من فقير، بل تستمر واجبة على ولد، ولو كان زوجها يقدر على بعضها وجب على الولد تتميم باقيها.
ووزعت نفقة الأبوين على الأولاد عند التعدد اتفاقًا، وهل توزع على الرؤوس من غير نظر لذكر ولا غيره، وهو قول ابن الماجشون وأصبغ، أو توزع قدر الإرث، فتختلف بحساب الذكورة والأنوثة، وهو قول مطرف وابن حبيب. انتهى، والظاهر: أن الخنثى بحسب ميراثه.
أو توزع على قدر اليسار، وهو قول محمد وأصبغ؟ أقوال بغير ترجيح.
وحكى البرزلي في اختلاف الزوجين في الإصابة تشهير الثالث، وتجب نفقة الولد الذكر الحر الفقير العاجز عن الكسب على أبويه، حتى يبلغ الحلم عاقلًا قادرًا على الكسب.
وقيدنا بالحر الفقير العاجز؛ لأن نفقة الرقيق على سيده، وذا المال في ماله، إلا أن ينفذ قبل بلوغه، ونفقة القادر على الكسب عليه، ما لم يكن في كسبه معرة عليه، فعلى الأب، كما لو تعذر كسبه.
وخرج بقيد العقل من باع مجنونًا، فإنها تستمر على الأب، وظاهره: ولو جن حين بلوغه، وجعله البساطي محل نظر، قال: ولا تسقط إذا كان يأتي قبل البلوغ حينًا بعد حين، أي: لأنه صدق عليه أنه بلغ مجنونًا، ويحتاج لنقل في لزومها في حين العقل.
وخرج بالقادر العاجز عن الكسب جملة أو غيرها، وأما لو اكتسب بعض كفايته لوجب على الأب التعميم.
ويجب نفقة الأنثى كذلك حتى يدخل بها زوجها البالغ، مطيقة للوطء، أو يدعى للدخول بها.
وتسقط النفقة عن الموسر بمضي الزمن، بأن يتحيل في نفقة نفسه، ويريد الرجوع، فلا شيء له، مانعًا الخلة وقد استدت.
[ ٤ / ٤٣٦ ]
إلا لقضية بأن يفرضها قاض؛ لأن فرضه كالحكم بها، أو ينفق عليه شخص غير متبرع، ويريد الرجوع، فلا تسقط في الموضعين، فإن أنفق متبرع فلا رجوع.
واستمرت نفقة الأنثى إن عاد لزومها على الأب، إن دخل بها الزوج زمنه، ثم طلق، وهي كذلك، لا إن تزوجها صغيرة صحيحة، ثم عادت للأب مطيقة بالغة، فلا تعود نفقتها عليه، أو عادت الزمانة بعد دخولها صحيحة، أو بعد صحتها منها، ثم طلقها، فإن نفقتها لا تعود على الأب.
ويجب على المكاتبة نفقة ولدها الأرقاء، إن أدخلتهم معها في كتابتها، أو دخلوا فيها حكمًا، كأن حدثوا بعدها؛ لأنها حرزت نفسها ومالها عن السيد.
وهذا إن لم يكن الأب معهم في الكتابة، وإن كان والنفقة عليه، وليس عجزه عنها -أي: النفقة- عجزًا عن الكتابة؛ لأنها متعلقة بوقته، وشرط النفقة اليسار.
فائدة:
قال المصنف: ليس عندنا أنثى تجب عليها النفقة إلا هذه.
ويجب على الأم المتزوجة رضاع ولدها، ويجب على الرجعية رضاع ولدهما من الزوج التي هي في عصمته، أو المطلق بلا أجر، على ذلك؛ لأنه عرف المسلمين على توالي الأعصار في كل الأمصار.
إلا لعلو قدر أو مرض أو قلة لبان، فلا يلزمها إرضاعه، كالبائن بخلع أو غيره، لا يلزمها الإرضاع، إلا أن لا يقبل الولد غيرهما فيلزمها حينئذ، أو يقبل ويعدم الأب أو يموت، ولا مال للصبي، فيلزمها حينئذ.
وإذا وجب عليها الرضاع استأجرت إن لم يكن لها لبان، أو لها ولا يكفيه عند مالك، وهو المشهور، لأنها لما كان عليها الرضاع فعليها خلفه، ولها -أي: الأم المطلقة- إن قبل الولد غيرها أجرة المثل، وتركه لمن بذلك، ولو وجد الأب من ترضعه عنده مجانًا بغير شيء على الأرجح عند
[ ٤ / ٤٣٧ ]
ابن يونس في التأويل للمدونة، فإنه أوّل قولها: قلت: فإن قالت بعدما طلقها البتة: لا أرضع إلا بمائة في كل شهر، وأصاب من يرضع بخمسين، قال: هي أحق بما يرضعه به غيرها، يريد بأجرة مثلها، لا بخمسين، وقاله بعض المرويين، وإليه رجع ابن الكاتب، وهو الصواب، وسواء وجد من يرضعه عند الأم أو لا؛ لأنه وإن كان عند الأم فهي تباشره بالرضاع والمبيت، وذلك تفريق بينه وبين أمه؛ فلذلك كانت أمه أحق به بأجرة مثلها، وهذا أبين. انتهى.
وفي التوضيح عن عياض بعد كلام ابن يونس: ويشهد لهذا قوله آخر الكتاب: أو وجد من يرضعه عندها باطلًا، وهو موسر، لم يكن له أخذه، وعليها إرضاعه بما يرضعه به غيرها، ويجبر الأب على ذلك. انتهى.
فقوله: (بما يرضعه به غيرها)، وهو أجرة المثل، كما قال ابن يونس.
تنبيه:
يظهر لك بما قال عياض أن قول المصنف: (عنده) صوابه: (عندها).
[الحضانة:]
ولما قدم الكلام على الرضاع أتبعه بالحضانة، فقال: وحضانة الذكر واجبة للأم من ولادته للبلوغ فقط على المشهور، وهو مذهب المدونة، وتصدير ابن الحاجب بقول ابن شعبان حتى يحتلم عاقلًا غير زمن، وظاهره: بأن. . أنه المشهور، وليس كذلك، وكأنه التبس غاية الحضانة بالنفقة، فظن تساويهما، وليس كذلك.
وحضانة الأنثى حتى تتزوج، ويدخل بها زوجها، فتسقط حينئذ، كالنفقة، وهو مذهب المدونة للأم.
قال الشارح: متعلق بحضانة.
وقال غيره: هو خبر عن حضانة، ولا يصح عكسه؛ لما يلزم عليه من الإخبار على الموصول قبل كمال صلته. انتهى، وفيه شيء فتأمله.
[ ٤ / ٤٣٨ ]
ولو كانت الأم أمة عتق ولدها، فإن الحضانة واجبة لها، أو كانت أم ولد عتقت على الأصح، نحوه قول المدونة: ولأم الولد تعتق ما للحرة من الحضانة، ومقابل الأصح: لا حضانة لها.
وللأب تعاهده وأدبه وبعثه للمكتب، ولا يبيت إلا عندها، ثم تليها رتبة أمها، وهي جدة الابن لأمه، ثم جدة الأم تليها، إن انفردت بالسكنى عن أم سقطت حضانتها بنكاح أو غيره، ثم الخالة وهي أخت الأم شقيقة أو لأم، ثم خالتها، أي: الخالة، وهي أخت الجدة المحضونة لأم، ثم جدة المحضون من قبل الأب، ثم الأب يلي مرتبة أمه، فإن لم يكن أب، أو كان وعرض له مانع فابنته تليه، وهو معنى قوله: ثم الأخت، أي: أخت المحضون، ثم العمة، وهي أخت أبيه، ثم هل تليها بنت الأخ شقيقة، أو لأم، أو لأب، وقاله في المقدمات.
أو الأخت -أي: ابنتها- كذلك أو الأكفأ منهن، وهو الأظهر عند ابن رشد؛ لقوله: القياس هما في المرتبة سواء، ينظر الإمام في ذلك، فيقضي لأحرزهما وأكفأهما؟ أقوال، وأتى بضمير النسوة جمعًا نظرًا لما قررناه، وإلا لقال: الأكفأ منهما.
ثم الوصي مرتبته مقدمة على العصبة على المنصوص، وخرج أنه لا حق لهم في ذلك، ثم الأخ ثم ابنه، ظاهره: أن رتبة ابن الأخ تلي مرتبة أبيه، وهو خلاف ما في ابن الحاجب، وأقره في النوضيح، ثم العم: أخ الأب، ثم ابنه، لا جد لأم، فلا حق له فيها، واختار اللخمي خلافه، ثم يلي ابن العم الجد للأم على اختيار اللخمي المولى الأعلى على المشهور، وهو متول العتق.
ثم الأسفل، وهو من يقع عليه العتق على المشهور، وهذا الحكم عام الجميع من مستحق الحضانة، فإن غاب من له الحضانة انتقل الحق للأبعد لا للسلطان.
واعتبار التقديم في في المتساويين في المرتبة كالشيقين مثلًا بالصيانة
[ ٤ / ٤٣٩ ]
والشفقة، إما حقيقة أو بالمظنة، فيقدم الأمين على غيره؛ لأنه أقرب للرفق والصبر من غيره.
وشرط الحاضن: العقل، فلا حضانة لمجنون، ولو غير مطبق، كمن يفيق أحيانًا، ولا لمن به طيش.
وشرطه أيضًا الكفاية، فلا حضانة لزمن، أو بالغ به الكبر أو المرض إلى ما لا يمكنه معه التصرف.
اللخمي: أو يمكنه بمشقة؛ ولذا قال: لا: كمسنة، نص عليه في الموازية.
وشرطه حرز المكان في البنت يخاف عليها الفساد، مثله لابن الحاجب، وتعقب بأنه لا فرق بين البنت والصبي، نعم وفي البنت هو آكد، انظر الكبير.
ومن شرطها الأمانة؛ فرب شريب يشرب، ويترك ابنته يدخل عليها الرجال، فيأخذها منه الأبعد، ولو أبًا أو أمًا.
وأثبتها -أي: أثبت مريد الحضانة الأمانة- إن نسب لغيرها، قاله ابن القطان.
ابن الهندي: كذا في توضيح المصنف، وأعاد البساطي ضمير (أثبتها) للشروط السابقة؛ لأنها زيادة على الإسلام مشترطة في شيء يتنازع فيه، فلا بد من وجودها.
ومن شرطها عدم كجذام مضر برؤيته، أو بريحه، وبرص كذلك، فخفيفها لا يمنع.
تنبيه:
قول البساطي: (مراده بالجذام الأمراض التي في ذهن العوام أنها تعدي، كالبرص والجرب الدامي) بعيد؛ إذ الجرب ولو كان داميًا ليس كالجذام والبرص.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
ومن شرطها رشد، فالسفيه في الدين أو العقل أو حفظ المال بتبذيره قبل تمام مدة فرضه مسقط، وظاهر كلام المؤلف: لا فرق في الرشيد بين الذكر والأنثى.
لا إسلام؛ فإنه غير شرط في الحضانة، وضمت حاضنة غير مسلمة، إن يخف على المحضون منها أن تغذيه بخمر أو خنزير للمسلمين، ولا ينتزعون منها، وإن كانت مجوسية أسلم زوجها، وأبت أن تسلم، ونحوه في المدونة.
وبشترط للذكر المستحق للحضانة أن يكون عنده من النسوة من يحضن زوجة أو سرية؛ لأن الذكر لا يصبر على الحضانة، ولا يحسن القيام بها، فإن لم يكن عنده من يحضن، فلا حق.
ويشترط للأنثى الخلو عن زوج دخل بها؛ لخبر: "أنت أحق ما لم تنكحي" (١)؛ لاشتغالها بحق الزوج على المحضون، ولو كان كفاية، وهو المعروف، وظاهره: سقوط حقها بمجرد الدخول، ولو بغير حكم، وهو كذلك، وقيل بالحكم.
ثم استثنى مسائل لا يسقطها التزويج، وأشار لها بقوله: إلا أن يعلم مستحق الحضانة بعد بتزويجها، ويسكت العام، فلا قيام له؛ لأن سكوته مع علمه لهذه المدة مسقط لحقه، فلو لم يعلم فله القيام، ولو طال، وكذا لو علم وسكت دون العام، وبكون الزوج الذي دخل به محرمًا للطفل: بفتح الميم وسكون الحاء، لا محرمًا: بضم الميم وفتح الحاء وشد الراء.
وإن لا حضانة له بكسر الهمزة، كالخال والجد للأم، ولو أتى بلو لتكون للمبالغة لكان أحسن.
أو يكون الزوج وليًا له الحضانة غير محرم، كابن العم، فلا تسقط حضانتها، وإن لم يكن وليًا ممن لا حضانة له، كابن الخال سقط حضانتها كأجنبي.
_________________
(١) رواه أبو داود (٢/ ٢٥١، رقم: ٢٢٧٨).
[ ٤ / ٤٤١ ]
أو لا يقبل الولد غير أمه لأن نزعه حينئذ مؤد لإهلاكه، أو يقبل عيرها ولم ترضعه المرضعة عند أمه؛ لأن كونه في رضاع أمه وإن كانت ذات زوج أرفق به من الأجنبية.
تنكيت:
قول من تكلم على هذا المحل: (صوابه عند بدلها، فيعود الضمير على الأم المتقدمة، والمراد بالبدل من انتقلت إليه الحضانة الأولى، كما فرضه اللخمي) بعيد؛ لاحتياجه إلى تقدير، وعدم التقدير أولى، وأيضًا فإن كلام المؤلف في المسائل التي لا يسقط التزويج الحضانة فيها.
أو لا يكون للولد حاضن غيرها من النساء والرجال، أو له حاضن بعدها غير مأمون، أو يكون من بعدها عاجزًا عن الحضانة، ذكر جميعها اللخمي وغيره.
أو كان الأب عبدًا وهي حرة، فليس لى نزعه منها، وظاهره: سواء كان قائمًا بأمور سيده، أو وغدًا فيباع ويسافر به، فلا حق له.
والحاضنة في الوصية تتزوج أجنبيًا، ويدخل بها روايتان عن مالك: أحدهما: إن جعلت لهم بيتًا يسكنونه ولحافًا وطعامًا، وما يصلحهم، لم ينتزعوا منها، إلا أن يخشى عليهم.
والأخرى: ما أمر أن ينتزعوا منها؛ لأنها إن تزوجت غلبت على جل أمرها، حتى تفعل ما ليس بصواب، وولاتهم يقولون: ليس لك أن تدخلي علمهم رجلًا آخر، فما أخوفني أن ينتزعوا منها.
تنبيه:
جعل الشارح الروايتين في الأم الوصية لا خصوصية لها (١).
_________________
(١) قال في المنح: " (وفي) سقوط حضانة (الوصية) على المحضون بدخول زوج أجنبي بها وعدم سقوطها، وتجعل له بيتًا وما يصلحه (روايتان) عن الإمام رضي اللَّه تعالى عنه في الأم الوصية فقط. =
[ ٤ / ٤٤٢ ]
تتمة:
عكس السابقة: لو تزوجت الوصي عليهم، وجعلتهم في بيت بنفقتهم وخادمهم لم ينتزعوا منها، قاله ابن القاسم.
ومن شرط الحضانة للحاضن أن لا يسافر ولي أبًا أو غيره حر عن ولد حر، واحترز بالحر الأول على العبد، فإن سافر لا يسقط حق الحاضنة؛ لأن العبد لا قرار له، ولا مسكن له، وخرج بالحر الثاني الولد العبد، فإن النظر للسيدة وإن رضيعًا يقبل غير أمه أو تسافر هي عن بلد الولي، وشرطه السفر المسقط للحضانة في المسألتين كونه سفر نقلة وانقطاع، لا تجارة تنزه، فليس له أخذه فيه.
وحلف الولي أنه يريد الاستيطان بذلك البلد، وظاهره: كان متهمًا أو لا، خلافًا لبعض القرويين: لا يمين على المأمون.
قال ابن الهندي: ولا يلزمه أن يثبت أنه استوطن البلد الذي ارتحل إليه.
ويشترط كون هذا السفر ستة برد، [ابن سلمون:] الفتوى عند شيوخ المذهب، والمدونة ظاهرها بريدين، وفيها تحديد القرب بالبريد، وظاهره: لا فرق بين سفر الولي والحاضنة، نص عليه اللخمي، إن سافر الولي لأمن -أي: بلد مأمون- وأمن في الطريق على أهله وماله، ولو كان فيه بحر على الأصح، قاله ابن الهندي وغيره.
_________________
(١) = تت: جعلهما الشارح في الأم الوصية ولا خصوصية لها. طفى: بل لها خصوصية وإن كان ظاهر كلام ابن عبد السلام والموضح العموم؛ لأنها مفروضة في الأم وعنها سئل مالك كما في رسم حلف من سماع ابن القاسم ورسم كتب عليه ذكر حق وفي رسم الوصايا من سماع أشهب، وتكلم عليها ابن رشد في هذه المحال وعلى ذلك نقلها الأئمة كابن أبي زمنين في منتخبه واللخمي في تبصرته وصاحب معين الحكام وغيرهم من الأئمة وعلى المقلد الوقف مع نص من قلده والوقف حيث وقف، واللَّه الموفق".
[ ٤ / ٤٤٣ ]
تنكيت:
وقع للشارح في الكبير والصغير: لا يشترط أن يكون بين البلد الذي سافر إليه وبلد الحاضن بحر. انتهى، وهو سبق قلم، صوابه زيادة (لا) قبل (يكون)، فلا تسقط حضانتها.
لا أقل من ستة برد على الأول، ومن بريد على الثاني، فلا تسقط حضانتها.
ولا تعود الحضانة الساقطة بتزويج الحاضنة بعد الطلاق منه، أو موت الزوج على المشهور، وهو مذهب المدونة؛ لأن المقتضى سقطت، وليس الطلاق بمقتض.
وقال ابن وهب: تعود لزوال المانع.
أو بعد فسخ النكاح الفاسد، وأخذه منها، فلا تعود على الأرجح عند ابن يونس، فيما حكاه بعض الأشياخ؛ لقوله: هو الصواب، وقال بعض الأشياخ: تعود؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا.
تنكيت:
نسبة البساطي تصويب العود لابن يونس سبق قلم، أو إرادة العود بعد الإسقاط لحضانتها، خلافًا لابن وهب.
ثم استثنى مما لا يعود إذا كان الإسقاط لعذر بقوله: إلا لكمرض لا تقدر معه على القيام بالمحضون، أو لعذر غير ذلك، أو لعدم لبن، ثم زال المانع، وأرادت أخذه فلها ذلك.
أو سقطت بتزويج الأم، وانتقلت لجدة فإنها تعود لها بموت الجدة، والأم خالية من زوج، بأن مات من كانت تزوجته، أو طلقها، أو لتأيمها بموت زوجها أو طلقها قبل علمه -أي: الولي- بزواجها، فلا مقال له،
[ ٤ / ٤٤٤ ]
وتستمر حضانتها، وفي تسميته هذا عودًا تسامح.
وللحاضن أم أو غيرها قبض نفقته، أي: المحضون وكسوته وغطائه ووطائه من أبيه أو غيره.
ولها السكنى على أبيه على المشهور، وعليه فقال سحنون: هى بالاجتهاد من الحاكم، ونحوه لابن القاسم.
وقيل: على الرؤوس.
وقيل: على الموسر من الأب والحاضنة.
وتقدمت نظائر مما وقع فيه الخلاف: هل هو على الرؤوس أو الحصص، أو للاجتهاد في زكاة الفطر، ويحتمل عود قوله: (بالاجتهاد) على النفقة أيضًا في فرضها وتقديرها.
ولا شيء لحاضن يستحقه لأجلها، أي: الحضانة، وقيل: يستحق لأجلها، وعليه فينظر القدر الذي يشغل الحاضن الولد من الأزمنة، فإنه إن استغرق جميع زمانه وجبت لها النفقة، كما تجب للمطلقة الحامل على مطلقها؛ لأجل الحمل، وإن لم يستغرق أزمانها، بل شغلها ذلك في بعضها فيجب لها ما يقدره أهل المعرفة لها.
وقيل: لها الأجرة في الوجهين بحسب الاجتهاد، استغرقت زمانها أم لا، وهو مقتضى الفقه.
وذكرنا منشأ الخلاف في استحقاقها وعدمه في الكبير، فراجعه إن شئت، واللَّه ﷾ أعلم بالصواب.
* * *
[ ٤ / ٤٤٥ ]
نجز النصف الأول من شرح الإمام العالم العلامة محمد التتائي الصغير، على يد أفقر خلق اللَّه وأحوجهم إلى رحمة مولاه: يوسف بن بركات البلقطري، غرة شوال من شهور السنة الثانية عشر بعد الألف من الهجرة النبوية على مشرفها أفضل الصلاة والسلام والحمد للَّه وحده على كل حال في المبدأ والختام وكفى.
يلي هذا الجزء من جواهر الدرر على المختصر من شرح العلامة التتائي الجزء الثاني من البيوع.
* * *
[ ٤ / ٤٤٦ ]