للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء السادس
دار ابن حزم
[ ٦ / ١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
[ ٦ / ٢ ]
باب
ذكر فيه أحكام المفلس، وهو المدين، منعًا وجوازًا وإنظارًا وحبسًا، وغير ذلك.
وعرف المصنف الفلس بقوله: للغريم، وهو: رب الدين واحدًا كان أو متعددًا؛ لأن اللام للجنس منع من -أي: مدين- أحاط الدين الحال بماله من تبرعه، أي: زاد عليه؛ إذ المساوي لا يحيط بمساويه.
ومفهومه: أن ما ساواه أو نقص عنه لا يمنع، وهو كذلك.
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله: (للغريم) أنه ليس للمديان أن يفلس نفسه، وسيأتي.
قال في توضيحه: وأخذ من قول ابن الحاجب وإذا التمس الغرماء، وفيه خلاف للشافعية.
الثاني: أفهم قوله: (الدين) أن من أحاطت التبعات بماله لا يفلس،
[ ٦ / ٥ ]
وهو كذلك، قالـ[ـه] أحمد بن نصر الداوودي، انظر كلامه في الكبير، واللَّه أعلم (١).
الثالث: قول صاحب التكملة: ظاهره: أن للغريم الحجر بلا حاكم.
وقال المازري: اتفق مالك والشافعي على أنه للحاكم فقط.
يرد بقول ابن عرفة حد التفليس: المانع قبول إقراره قيام غرمائه عليه، أو قيامهم فيستتر عنهم.
محمد: ويمنعونه من التصرف في ماله انتهى.
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٩ - ١٠): "الثالث: أفهم قوله الدين أن من أحاطت التبعات بماله لا يفلس وهو كذلك قاله أحمد بن نصر الداودي، انظر كلامه في الكبير، قاله تت. طفى: أحمد بن نصر من له دين على من اغترقت التبعات ما بيده ولا يعلم منتهى ما عليه فلا يجوز لأحد أن يقتضي منه شيئًا مما له عليه لوجوب الحصاص في ماله ولا يجوز له أخذ شيء لا يدري هل هو له أم لا وهذا ظاهر في عدم تفليسه إذ فائدته قسم ماله على ديونه والفرض أنهم لا يأخذونها فقول ح لا دليل فيه على عدم تفليسه غير ظاهر. البناني: عج ومن تبعه: إنما قالوا: لا دليل فيه على عدم الحجر عليه وهو كذلك إذ لا يلزم من عدم تفليسه عدم الحجر عليه يمنعه من التصرف فيما بيده. عب وفي أبي الحسن في خلاف هل حكمه حكم من حجر عليه القاضي أو حكم من أحاط الدين بماله فعلى الأول لا يصح منه قضاء بعض غرمائه ولو ببعض ماله ولمن لم يقضه الدخول مع من قضاه بالمحاصة كغرماء المفلس وعلى الثاني يصح قضاؤه لبعض غرمائه ببعض ماله ومحل الخلاف حيث لم تعلم أعيان التبعات لأشخاص معينين. البناني ينبني على أنه كالمفلس منعه من التصرف في ماله مطلقًا وعلى أنه كمن أحاط بماله منعه من التبرع به فقط، وللغريم منع المدين ولو لم يحط الدين بماله من سفره أي المدين إن حل دينه أي الغريم بغيبته أي المدين وأيسر ولم يوكل على قضائه ولم يضمنه موسره فإن كان معسرًا أو وكل من يقضيه في غيبته من ماله أو ضمنه مليء أو لم يحل بغيبته فليس لغريمه منعه من سفره إلا أن يعرف بلده وهذا إذا تحقق إرادته السفر وأما إن خشي سفره وغيبته لحلول الدين ودلت عليه قرينة وانكره فلغريمه تحليفه على عدم إرادته فإن نكل أو كان لا يتوقى اليمين الغموس كلف حميلًا بالمال".
[ ٦ / ٦ ]
فظاهره: أن لهم ذلك دون حاكم.
الرابع: أفهم قوله: (أحاط) أنه علمت إحاطته، وأما لو ادعى الملاء، لم يمنع إلا بعد كشف السلطان عن غرمائه، فإن وجد وفاء لم يفلس، وإلا فلس.
اللخمي: وهو المشهور.
وللغريم منعه من سفره إن حل دينه بغيبته، نحوه في المدونة، وقيدت بما إذا لم يوكل في قضائه فإن وكل لم يمنع، وذكر ابن الحاجب القيد، فقال: فيوكل من يوفيه، وتركه المصنف.
تتميم:
وإذا وكل فهل له عزل الوكيل؟
ابن عبد السلام: فيه تردد، واختار بعض المحققين له عزله إلى بدل، لا مطلقا.
تنبيه:
هذا الحكم -وهو منع المديان من السفر- عام فيه، لا بقيد كونه مفلسا؛ ولذا أطلقه في السلم الثالث من المدونة، وقد يقال: ليس في كلام المصنف ما يقتضي عدم عمومه في غيره؛ لأن كلامه إنما هو في الفلس خاصة.
ومفهوم الشرط: عدم منعه إن لم يحل بغيبته، وهو كذلك.
وظاهره: أنه لا يلزمه كفيل، ولا إشهاد، وهو كذلك، نص عليه ابن شاس.
وله منعه من إعطاء غيره من الغرماء قبل أجله؛ لأنه سلف، فيصير تبرعا.
بعض القرويين: ويتفق على رده.
[ ٦ / ٧ ]
أو إعطاء كل مما بيده لبعض غرمائه اتفاقًا؛ لأن له فيه حقًا، وسيأتي مفهومه.
كإقراره أي: من أحاط الدين بماله قبل الحجر، لا يقيل لمتهم عليه، كابنه وأخيه وزوجته على المختار عند اللخمي من خلاف حكاه هو وغيره.
ثم قال بعد حكايته: وأن لا يجوز أحسن، وكذا على الأصح، الذي أفتى به قاضي الجماعة بقفصة (١)، حين نزلت به، وشهره المتيطي.
ومفهومه: جوازه لمن لا يتهم عليه، وهو كذلك اتفقا، حكاه ابن عرفة.
لا بعضه أي لا يمنع من إعطاء بعض المال الذي بيده لبعض غرمائه.
وأشار بعضهم للخلاف فيه، وما في الكافي من اتفاق مالك وأصحابه على المنع لعله طريقة.
وظاهر كلام المصنف: ولو تشاوروا في تفليسه، وهو كذلك، وسمع عيسى ابن القاسم: ما لم يتشاوروا فيه.
_________________
(١) مدينة من البلاد الجريدية، بينها وبين تقيوس مرحلة وهي كبيرة قديمة أزلية، كان عليها سور صخر جليل بأحكم صناعة جديد العمل في مرأى العين، يقال إن الذي بناه شيبان غلام النمرود بن كنعان، وكان اسمه منقوشًا على باب من أبوابها، وكان لها أربعة أبواب، وكان اسم قفصة مدينة الحنية، لأن فيها بنيانًا قديمًا مثل الحنية، فكانت تسمى بها، وهي متوسطة بين القيروان وقابس. وفي داخلها عيون كثيرة منها عينان كبيرتان معينتان. ومدينة قفصة مركز البلاد الدائرة بها، ولها غابة كبيرة، وقد أحاطت بها من كل ناحية مثل الإكليل في تكسير دائرتها نحو خمسة عشر ميلًا، فيها من المنازل التي تعرف بالقرى ثمانية عشر منزلًا، وعلى الغابة والمنازل والكل حائط يسمونه سور الغابة، وفي ذلك السور أبواب عظيمة عليها أبراج مسكونة، يسمون تلك الأبواب: الدروب. وكانت مدينة قفصة أعظم بلاد إفريقية نظرًا، كان حواليها نحو مائتي قصر آهلة عامرة فيها الأشجار والنخل والزيتون والفستق وجميع الأشجار، وفيها العيون والأنهار والآبار، تسمى قصور قفصة.
[ ٦ / ٨ ]
ولا يمنع من أحاط الدين بماله من رهنه لبعض غرمائه.
وظاهره كالمدونة، ولو تبين فلسه، وهو كذلك، ففيها: قضاؤه بعض غرمائه أو رهنه جائز، ما لم يفلس، وقد كان مالك يقول إذا تبين فلسه فليس له ذلك، ويدخل الغرماء معه، وليس بشيء.
ابن القاسم: وعلى إجازته جماعة الناس.
وجوز صاحب التكملة في (بعضه) و(رهنه) النصب والجر عطفا على كل.
وفي جواز كتابته لرقيقه بناء على أنها كالبيع ومنعها على أنها كالعتق قولان، ذكرهما في توضيحه غير معزوين.
وله أي: من أحاط الدين بماله التزوج والنفقة على الزوجة، وليس له ذلك بعد الفلس، ففيها: ليس للمفلس أن يتزوج فيما بعده.
وظاهره: تزوج بمن تشبه حاله أو لا، أصدقها مثل صداقها أو أكثر، وهو كذلك على ظاهر المدونة والعتبية ونص اللخمي وصاحب الكافي.
ولابن رشد: هذا إن تزوج بمن تشبه حاله، وأصدقها مثل صداقها، ولو كان أكثر لكان لغرمائه أن يرجعوا عليه به.
وفي جواز تزوجه أربعا بناء على أن الزائد على الواحدة من الأمور الحاجية، ومنعه مما زاد بناء على الاكتفاء، والزائد في معنى التبرع، تردد.
وفي جواز كراء تطوعه بالحج ومنعه تردد، أصله قول صاحب المقدمات على ما حكاه الشارح عنه: هل له تزوج أربع أم واحدة، وليس له أن يفعل ما لم تجر به العادة من الكراء في الحج التطوع وما أشبهه، وقد تردد الأشياخ في ذلك انتهى.
وانظر نقل بعض من تكلم على هذا المحل لكلام ابن رشد في الكبير.
وفلس المديان الذي أحاط الدين بماله إن حضر اتفاقًا أو غاب وبيعت عروضه، وقضي دينه، وليس كالميت يستأنى أمره إن كان معروفا بالدين.
[ ٦ / ٩ ]
وظاهر كلامه: وجوب تفليسه، وهو واضح إن التمسه الغرماء، وقدره بعض مشايخي على الجواز تبعا لشيخه صاحب التكملة.
وقيد المصنف تفليس الغائب بقوله: إن لم يعلم ملاؤه قبل غيبته، فإن علم لم يفلس على المشهور، وهو قول ابن القاسم استصحابًا للحال؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، خلافًا لأشهب.
تنبيهان:
الأول: ظاهر كلامه: بعدت غيبته أو توسطت أو قربت، وليس كذلك، بل هذا في بعيد الغيبة، وأما غيره فيكتب إليه كما قال ابن القاسم، ولذا قال صاحب التكملة: قول ابن الحاجب فالبعيد الغيبة لا يعلم ملأوه يفلس أحسن منه انتهى.
وفي التوضيح عن العتبية والواضحة: حد القريب الأيام اليسيرة.
قال في البيان: ولا خلاف في ذلك، وخلاف ابن القاسم وأشهب إنما هو عددي فيما كان على مسيرة العشرة أيام، وأما ما كان على مسيرة الشهر، فلا خلاف في وجوب تفليسه، وإن علم ملاؤه انتهى.
الثاني: غيبة ماله كغيبته.
اللخمي: من بعدت غيبته، وشك في قدره أو وجوده فلس، وإن علم وجوده وفيه وفاء فابن القاسم: لا يفلس.
[شروط التفليس:]
ولما ذكر أنه يفلس حضر أو غاب ذكر شروطه وهي ثلاثة لأولها بقوله: بطلبه، أي: بسبب طلب الغريم دينه، وإن أتى غيره، أو سكت إذا تعذر.
ابن المواز: إلا أن يقدم الغرماء من طلب ذلك المال الموجود، أو من أموالهم.
وفهم من هذا الشرط أنه لا يفلس نفسه.
[ ٦ / ١٠ ]
وأشار للشرط الثاني بقوله: دينا حل أصالة أو انتهاء، وهو منصوب بالمصدر.
وأشار للثالث بقوله: زاد مال الطالب الحال على ماله، أي: مال المطلوب اتفاقًا، أو بقي من مال المطلوب ما أي: قدر لا يفي بالمؤجل، فيفلس على المعروف من المذهب، وأحرى إن ساوى دينه ما بقى بالحال، ولم يبق للمؤجل شيء، وهو أحد قولين حكاهما ابن يونس.
ومفهومه إن بقي ما يفي به لم يفلس، وهو كذلك.
تنبيه:
ظاهر كلام المصنف: تفليسه، ولو أتى بحميل، وهو كذلك.
وقال اللخمي: إن أتى بحميل إن بقى ما عليه لأجله.
[أحكام الحجر:]
ثم شرع في بيان أحكام الحجر بقوله: فمنع بسبب الحاكم تفليسه من تصرف مالي كبيعه وشرائه إذ أجل ذلك حجر عليه.
قال ابن عرفة: المذهب كله على وقف تصرفه على نظر الحاكم، ردًا وإمضاءً، هذا نقل اللخمي والمازري وابن رشد وغيرهم من حفاظ المذهب انتهى.
وفي التوضيح الذي اقتصر عليه اللخمي والمازري وابن شاس أن بيعه وشراءه لا يمضي.
وفي الجلاب: بيعه وشراؤه جائز، ما لم يجاب انتهى.
إذا علمت هذا فتقرير الشارح لمنع تصرفه بالهبة والصدقة والعتق غير ظاهر، وإن تبعه على ذلك صاحب التكملة، وبعض تلامذته من مشايخي (١).
وهل الحكم رد إيقاف اتفاقًا أو على المشهور، قولان ذكرهما ابن ناجي.
_________________
(١) يعني السنهوري.
[ ٦ / ١١ ]
قال: ولا خلاف إن رد الولي فعل محجوره رد إبطال، وكذا رد السلطان فعل السفيه المهمل، وأما المرأة فهي واسطة بينهما، ففي الكتاب رد إيقاف.
وقال أشهب: إبطال انتهى.
ثم أفاد بمفهوم مالي أن تصرفه في غير المال جائز، فقال لا إن التزم إعطاء شيء في ذمته، إن ملكه، فليس له منعه من ذلك، إلا أن يملكه، ودينهم باق.
ومثل لما ليس بمالي بقوله: كخعله؛ لما فيه من تحصيل مالي لغرمائه، وطلاقه لما فيه من سقوط النفقة عنه، وقصاصه ممن جني عليه، أو على وليه؛ إذ ليس فيه مالا بالأصالة، وعفوه عن قصاصه مجانًا؛ لأن الواجب فيما فيه القصاص القصاص أو العفو عند ابن القاسم.
وعتق أم ولده التي أولدها قبل تفليسه؛ إذ ليس له فيها غير الاستمتاع وقليل الخدمة، وأما بعده فيرد؛ لأنها تباع إذا وضعت دون ولدها.
وإذا أعتقها تبعها مالها إن قل عند ابن القاسم، وإن كثر فللسيد، خلافًا لمحمد: يتبعها وإن كثر.
وحل به أي: بالفلس وبالموت ما أجل على كل واحد لخراب ذمة الأول بالفلس اتفاقًا، والثاني بالموت خلافًا للسيوري، وأحرى على قوله الفلس، واستثنوا من مسألة الموت من قتل مدينه، فإن دينه المؤجل لا يحل لحمله على استكمال ما أجل.
ثم بالغ بقوله: ولو كان الدين المؤجل على المفلس أو الميت دين كراء، كدار أو دابة، فإنه يحل إذا استوفى المنفعة، وأما إن لم يستوف ومات قبل الأجل لم يحل بموته، ويلزم الوارث بحسب ما لزم موروثه، ذكره ابن فرحون في ألغازه.
وأما في الفلس فصاحب الدار أحق من الغرماء إن لم يسكن شيئًا، وكان أكرى سنة باثني عشر دينارا، ودفع ستة، وسكن ستة أشهر، وفلس.
[ ٦ / ١٢ ]
سمع عيسى تخيير رب الدار في إسلامه بقية السكنى، ويحاص بالستة دنانير الباقية، وأخذه بقية السكنى، ورد منابها مما قبضه، ويحاص بما رده، قاله ابن زرقون، وانظر في الكبير ما في الموازية.
ولعله أشار بـ (لو) لقول المازري: عندي أن المسألة كالمنصوص فيها على قولين (١).
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ١٢ - ٢٧): "وبالغ على حلول المؤجل بالتفليس والموت فقال ولو كان الدين المؤجل على المكتري المفلس أو الميت دين كراء لعقار أو حيوان أو عرض وجيبة لم يستوف منفعته فيحل بفلس المكتري وموته وللمكري أخذ عين شيئه في الفلس ثم إن لم يستوف شيء من منفعته فلا شيء له من الكراء وإن لم يأخذ عين شيئه في الفلس وأبقاه حاصص بكرائه حالًا وإن كان استوفى بعض منفعته حاصص بما يقابله من الكراء وخير في أخذ عين شيئه فيسقط باقيه وتركه فيحاصص به حالًا كما يحاصص في الموت ويأخذ منا به بالحصاص معجلا كما هو مفاد المصنف ونحوه في المدونة وهو المشهور كما في شرحها وقال ابن رشد يحاصص به ويوقف ما نابه بالحصاص فكلما استوفي شيء من المنفعة أخذ المكري ما ينوبه من الموقوف ولا يحمل كلام المصنف على استيفاء المنفعة المقابلة للكراء ولا على ما وجب تعجيله لشرطه أو عرفه لأنه لا يقال فيهما حل به وبالموت ما أجل وقيدنا الكراء بالوجيبة ليكون لازمًا لا ينفسخ بموت أحد المتعاقدين وإن حل إذ لو كان مشاهرة لم يكن لازمًا فلا يأتي فيه حل به وبالموت ما أجل أفاده عب البناني ما حمله عليه هو ظاهر المصنف والمدونة وصرح به أبو الحسن ومقابله اختيار ابن رشد في المقدمات والنوازل انظر ضيح وطفى وما في خش من تقييد كلام المصنف بالاستيفاء غير ظاهر ونص طفى قوله ولو دين كراء أي المؤجل دين كراء والمراد بالمؤجل ما لم تستوف منفعته ولم يشترط نقده ولم يكن عرف به سواء كان مؤجلًا أم لا. أما المستوفى منفعته فلا خلاف أنه كسائر الديون يحل بالموت والفلس وكذا المشترط نقده أو كان العرف والخلاف في غير ذلك فظاهر الكتاب حلوله لقوله إذا فلس المكتري فصاحب الدابة أحق بالمتاع إذ ظاهرها تعجيل الحق ولو فلس قبل الاستيفاء أبو الحسن يقوم منه أن من اكترى دارا بثمن مؤجل ثم مات قبل أن يسكن فإنه يحل بموته ولقولها وإن مات المكتري وقد سكن أو لم يسكن لزم ورثته الكراء أبو الحسن يؤخذ منه أن الكراء يحل فيما ترك الميت بموته. اهـ. وقيل لا يحل ويحاصص في الفلس فما نابه يوقف فكل ما سكن المكتري شيئًا دفع له بحسبه وسبب الخلاف كون العوض لم يقبض. أبو الحسن اختلف في الديون التي أعواضها غير مقبوضة هل تحل بالموت أم لا =
[ ٦ / ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وظاهر الكتاب أنها تحل اهـ. وقال في المقدمات وأما ما لا يمكنه دفع العوض فيه ويمكنه دفع ما يستوفى منه مثل أن يكتري الرجل دارًا بالنقد أو يكون العرف فيه النقد فيفلس المكتري قبل قبض الدار أو بعد القبض وسكن البعض من السكنى فأوجب ابن القاسم في المدونة للمكري المحاصة بكراء ما بقي من السكنى إذا شاء أن يسلمه وله مثله في العتبية وعلى قياس هذا إن فلس قبل قبض الدار فللمكري أن يسلمها ويحاصص بجميع كرائه وهذا قياس قول أشهب الذي رأى قبض أوائل الكراء قبضًا لجميع الكراء فيجيز أخذ الدار للمكري من الدين. وأما ابن القاسم فالقياس على أصله أن يحاصص الغرماء بكراء ما مضى ويأخذ داره وليس له أن يسلمها ويحاصص الغرماء بجميع الكراء ولو لم يشترط في الكراء النقد ولا كان العرف فيه النقد لوجب على المذهب المتقدم إذا حاصص أن يوقف ما وجب في المحاصة فكلما سكن شيئًا أخذ بقدره. اهـ. فجزم ابن رشد بالقول المقابل الذي أشار له المصنف بالمبالغة وهكذا فعل في نوازله ونصه ومن اكترى دارًا سنين معلومة بنجوم فمات أو فلس فالأصح في النظر أنها لا تحل بموته ولا بتفليسه إذ لا يحل عليه ما لم يقبض بعد عوضه وهل أصل ابن القاسم لأنه لم ير قبض الدار قبضًا لسكناها فيأتي على مذهبه أن الكراء لا يحل بموته وينزل ورثته منزلته. اهـ. وهذا اختيار له وأنه الجاري على مذهب ابن القاسم بعد اعترافه بمذهب ابن القاسم في المدونة والعتبية زاد في نوازله إلا أن يقول رب الدار لا أرضى بذمتهم فله فسخ الكراء وأخذ داره ويأتي على مذهبه في التفليس أنه يأخذ داره ولا يسلمها ويحاصص الغرماء بكرائها إلا برضاهم ومر قوله له أن يسلمها ويحاصص الغرماء وهذا اضطراب من قوله وجريان على غير أصله ورجوع منه إلى مذهب أشهب لأنه رأى أن قبض الأوائل من الكراء قبض للجميع. وقاله في موضع آخر من نوازله وقد رأيت لبعض الشيوخ أن جميع الكراء يعجل المكتري من تركة المكتري لأنه تحل عليه بموته الديون المؤجلة وذلك غير صحيح لأنه إنما يحل عليه ما قبض عوضه وما بقي من الكراء لم يقبض عوضه لأنه منافع تقبض شيئًا بعد شيء اهـ. فانظر كيف جعل قول ابن القاسم في المدونة غير صحيح وذلك لعلو مرتبته وقد نص هو على أنه لا يجوز لإنسان أن يعتمد على الرواية حتى يعلم صحتها يعني إذا كان أهل الاجتهاد في الترجيح كهو فلا يغتر بكلامه من قصرت رتبته عن رتبته إذا تمهد هذا علمت أن تقرير تت غير محرر لجعله محل الخلاف استيفاء المنفعة وقد علمت =
[ ٦ / ١٤ ]
أو ولو قدم الغائب مليئًا، فوجد الحاكم قد فلسه جل ما عليه من مؤجل؛ لأنه حكم مضى.
وقيل: لا يحل؛ لكشف الغيب عن خلاف ما قضى به، واختاره بعض المحققين، وأشار له بلو المقدرة.
وإن نكل المفلس عن يمين وجبت عليه في حق به شاهد واحد أو امرأتان حلف كل من الغرماء المتعددين كهو، أي: كالمفلس.
ولو حلف فيحلف بأن ما شهد به شاهده حق لحلوله محله لا على منابه فقط ونبه على المتعدد لذلك وإلا فالمستجد كذلك وإذا حلف بعض المتعدد أخذ حصته أي قدر ما في الحصاص لا جميع حقه ولو نحل غيره عند ابن القاسم.
قال المصنف: على الأصح.
وابن رشد: هو الصحيح.
_________________
(١) = أنه محل وفاق واعتمد فيما لم يستوف على كلام ابن فرحون وهو خلاف مذهب ابن القاسم في المدونة والعتبية وإن وافق اختيار ابن رشد ولا يعدل عن الرواية لاختيار أحد الشيوخ وابن فرحون لم يذكره على أنه المذهب بل على أنه قول قيل به على عادته في ألغازه يأتي ما يأتي به اللغز من غير تقييد بالمشهور ونصه فإن قلت: رجل مات ولا يحل دينه إلا عند حلول أجل الدين. قلت: هذا في الرجل يكتري دارًا بمائة درهم يوفيها عند انقضاء الأجل ثم مات قبل أن يستوفي السكنى فلا تحل المائة بموته وتلزم الورثة على حسب ما لزمت المكتري بخلاف سائر الديون ذكره أبو إبراهيم الأعرج اهـ. فلم يعزه إلا لأبي إبراهيم، وإذا فلس المدين وهو غائب حل ما عليه من الدين المؤجل سواء قدم من غيبته وهو معدم أو قدم المفلس الغائب حال كونه مليًا فقد حل المؤجل عليه لأن الحاكم حكم بتفليسه وهو مجوز لقدومه مليًا فمضى حكمه ولا ينفع المدين دعواه تبين خطئه بملائه هذا ظاهر كلام أصبغ واختار بعض القرويين أنه لا يحل ما عليه لأن الغيب كشف خلاف ما حكم به فصار كحكم تبين خطؤه. ابن عبد السلام: الأول أقرب لأن الحاكم حين قضائه بالمحاصة كان مجوزًا لما قد ظهر الآن وأيضًا فهو حكم واحد وقد وقع الاتفاق على أن من قبض شيئًا من دينه المؤجل لا يرد ذلك إذا قدم مليًا فكذلك ما بقي نقله في التوضيح".
[ ٦ / ١٥ ]
ولابن عبد الحكم يأخذ جميع حقه قاله في مسألة الورثة يقوم للميت شاهد، وعليه دين (١)، ولا فرق بين البابين.
تكميل:
من نكل من الغرماء بطل حقه، وفي صحة رجوعه بعد نكوله قبل الحكم بمقتضاه قولان لابن الماجشون ومطرف.
وأفهم قوله: (نكل المفلس) أنه المطلوب باليمين أولا، وهو كذلك.
وقوله: (المفلس) أنه لو نكل قبل تفليسه لم يحلف الغرماء عليه، وهو كذلك، قاله مطرف وابن الماجشون أيضًا.
وأفهم أنه في الحي، وهو كذلك؛ لأن الميت يتنزل وارثه منزلته، وليس للغرماء جبر الوارث على اليمين، فإن أبي حلف الغرماء، ومن نكل من الورثة سقط حقه، ولا يجزئ عنه يمين غيره.
وعموم حلف يشمل الصبي، وهو كذلك على أحد الأقوال.
وقيل: يحلف وليه.
وقيل: يؤخر لرشده، ويشمل المحجور، وهو كذلك على المشهور.
وقيل: لانفكاك الحجر، وبه أفتي.
ومن حجر عليه قبل إقراره لمن يقر له بالمجلس الذي حجر عليه فيه، وقربه إن ثبت دينه المفلس فيه بإقراره لمن لا يتهم عليه اتفاقًا، لا إن ثبت دينه ببينة، فلا يقبل إقراره عند مالك، وعليه حملت المدونة؛ لإدخاله نقصًا على من ثبت دينه ببينة بمجرد قوله، واختار بعض الأشياخ قبوله، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب.
وأفهم قوله: (بالمجلس) قبوله قبله، وقوله: (قربه) عدم قبوله فيما بعد، وهو كذلك فيهما.
_________________
(١) جاء في هامش "ن ٣": صوابه: وله دين، كما في الشيخ داوود.
[ ٦ / ١٦ ]
وهو أي ما لم يقبل إقراره فيه يكون في ذمته، لا فيما في يده، ونحوه في المدونة؛ لأنه بمجرد إقراره حجر عليه فيه.
ولما بين حكم الإقرار بما في الذمة شرع في الإقرار بمعين، فقال: وقبل تعيينه القراض والوديعة، إذا قال: هذا قراض أو وديعة، سواء عين بهما أم لا، إن قامت بينة بأصله، أي: القراض أو الإيداع، عينت البينة ربهما أم لا، وهو قول ابن القاسم.
ومفهوم (تعيينه) أنه لو قال لفلان: في مالي قراض كذا، أو: وديعة كذا، لم يقبل، وهو كذلك، نص عليه في الجواهر.
ونبه بقوله: (إن قامت بينة) على خلاف قول أصبغ: يقبل قوله بلا بينة لمن لا يتهم عليه، وبقوله: (بأصله) على خلاف قول مالك: لا بد من شهادة البينة بالتعيين.
والمختار عند اللخمي من الحلاف قبول قول المانع المفلس لمصنوع عنده هذا لزيد بلا بينة؛ لقوله في قول ابن القاسم يقبل أحسن؛ لأن الصناع منتصبون لمثل هذا، وليس العادة الإشهاد عند الدفع، ولا يعلم ذلك إلا من قولهم.
وحجر أيضًا على المفلس الذي أخذ الغرماء ما بيده، إن تجدد له مال بعد الحجر الأول، سواء كان على أصل مال كالربح عن مال تركه بيده بعض من فلسه، أو من معاملة جديدة، أو عن غير أصل كميراث أو هبة أو صدقة أو وصية أو أرش جناية؛ لأن الحجر الأول كان عن مال مخصوص، وأما المتجدد فيتصرف فيه إلى أن يحجر عليه فيه.
ومفهومه: أن من ثبت عدمه وأطلق ولم يتجدد مال له لا يفتقر لتحديد عدم، ولو طال زمانه.
ابن ناجي: وبه العمل.
وانفك حجر المفلس إذا قسموا ماله وبقيت بقية، وحلف أنه لم يكتم شيئًا، أو وافقه الغرماء على ذلك، ولو بلا حكم يفكه، قاله اللخمي.
[ ٦ / ١٧ ]
وأشار بـ (لو) لقول القاضيين ابن القصار وتلميذه عبد الوهاب: لا ينفك حجر عن محجور عليه إلا بحكم حاكم؛ لاحتياج ذلك للاجتهاد، الذي لا يضبطه إلا الحاكم، كذا قرره المصنف في قول ابن الحاجب، وفي انفكاك الحجر عنه من غيرهم قولان، وقرره ابن عبد السلام بأنه اختلف هل ينفك عنه الحجر بطرو والملاء، أو لا بد من حكم حاكم كالحجر عليه ابتداء انتهى.
وهو غير ما قرره المصنف.
ولو مكنهم الغريم أي المديان مما بيده من عرض وغيره، فباعوا بغير دفع لحاكم، واقتسموا بحسب ديونهم، وبقيت لهم بقية، ثم داين غيرهم، وأراد الأولون الدخول فيما استدانوه، فلا دخول للأولين فيه، إلا أن يفضل شيء بعد وفاء الآخرين، فللأولين الدخول فيه بالمحاصة، وكذا في الجلاب.
وأفهم قوله: (باعوا واقتسموا) أنهم لو قاموا فلم يجدوا شيئًا تركوه لم يكن تفليسًا، فإذا داين آخرين دخل الأولون.
تذنيب:
قال في الشامل مختصرًا لما في التوضيح: لو أبي بعض تفليسه والدخول مع الغرماء، ففي دخوله مع الآخرين قولان، ولو كان حين الفلس غائبا، ثم قدم حاصص الأولين اتفاقًا دون الآخرين على المنصوص، ولو أبقى أمد الأولين نصيبه بيد المفلس ففي ضربه مع الآخرين بقدره أو بأصل فيه خلاف.
ثم شبه في الحكم قوله: كتفليس الحاكم من دفع له، وقسم ماله، ثم داين غيرهم، فلا دخول للأولين إلا فيما فضل عن الآخرين، كالتي قبلها، إلا كإرث وصلة وأرش جناية عليه، أو على وليه، فللأولين الدخول فيه إذا فلس؛ لتجدده من غير مال الآخرين، فيتحاصصون كلهم، ومنع التصرف في المال حكم من الأحكام الحجر.
[ ٦ / ١٨ ]
وأشار لثاني أحكامه بقوله: وبيع ماله إن خالف جنس دينه أو صفته، ويباع بحضرته.
ظاهره: وجوبا، وهو الذي مال إليه في توضيحه، وفي الذخيرة أنه من باب الكمال، والبيع في حضرته أبلغ في قطع حجته، ويباع ماله بالخيار ثلاثا في جميع السلع؛ للاستزادة في الثمن، لا للاختيار، كما في بيع الخيار، وكذلك اختلفت مدته هناك.
تنبيه:
قال المصنف: ولا يختص هذا ببيع المفلس، بل كلما يبيع الحاكم على غيره هذا سبيله انتهى.
ولا يرد عليه هنا؛ لأنه إنما تكلم الآن في الفلس.
ابن عرفة: العادة إن بيع القاضي على خيار وإن لم يشترط إلا أن يحمل المشتري فله القيام بالتنجير، ردًا وإمضاء.
وترك (التاء) من ثلاث لأن المراد الليالي مع أيامها، ولو كان ماله كتبا، فيجوز بيعها على المشهور، ولمالك كراهة بيع كتب المفلس، وحرمته، واقتصر على الجواز لأن بعض الأشياخ شهره.
أو ثوبي جمعته يبيعها الحاكم على المفلس إن كثرت قيمتها، ولا يباع من ثياب جسده ما لا بد له منه، ونحوه في المدونة؛ لأن الغرماء عاملوه على ذلك.
تنبيه:
إطلاقه كالمدونة يشمل دين الغصب، وأفتى ابن رشد في دين الغصب أن لا يترك له شيء انتهى.
وظاهرهما: أنه لا يترك له لجمعته أكثر من ثوبين، وانظر ما المراد بهما.
ويباع على المفلس ما كان للقنية، كداره وخادمه ودابته وسرجه
[ ٦ / ١٩ ]
وسلاحه وخاتمه ومصحفه، وفي بيع آلة الصانع كمرزبة الكماد، ومطرقة الحداد، ومقص الخياط، وعدم بيعه، تردد لعبد الحميد الصائغ شيخ المازري.
ابن ناجي: وبلغني أن شيخنا أبا مهدي اختار قول المازري: أرى أنه لا تباع إذا كانت قيمتها يسيرة، ولا غناء له عنها، فتباع مرازب الكمادين، فإنها بتونس تساوي الدنانير الكثيرة، كالثلاثين دينارًا كبيرة الضرب أميرية، فهم يعاملون عليها كالدار.
وأوجر رقيقه الذي لا يباع كمدبره ومعتقه لأجل وولد أم ولده من غيره، مما له فيه خدمة فقط، وأما القن فيباع، بخلاف مستولدته فلا تؤجر؛ إذ ليس فيها غير الاستمتاع، وهو لا يباع.
وقيل: خدمتها لغو.
ولا يلزم للمفلس بتكسب، وهو المذهب، لا يلزم على فعل تسلف يوفي به دينه؛ لأنه استدانة أخرى.
تنبيه:
قال المصنف: لو قام أحد بوفاء دين الطالب ليرجع به على المفلس لكان له ذلك؛ لأنه منفعة له لا للمفلس، إلا أن يقصد القائم ضرر المفلس فلا. انتهى.
وقال بعض مشايخي: ظاهر كلامه أن له الامتناع.
ولا يجبر على استشفاع، أي: أخذ بالشفعة لفضل له فيه، ولا على عفو عن قصاص وجب له للدية، أي: لأجل أن يأخذها ليوفيها من دينه.
وفهم منه منعه من عفو عن دم لا قصاص فيه، وإنما فيه الدية، أو العفو، كقتل خطأ، وجائفة، ومأمومة عمدًا، أو خطأ، وهو كذلك، نص عليه ابن شاس.
ولا على انتزاع مال رقيقه الذي تقدم أنه يؤاجر عليه، إذا لم يعاملوه
[ ٦ / ٢٠ ]
إلا على ملك نفسه، لا غيره، ولو كان له هو ذلك في صحته، أو ما كان وهبه لولده فلا يعتصره منه.
تكميل:
سمع ابن القاسم عن مالك من حبس حبسا وشرط إن شاء المحبس عليه البيع باع فلغرمائه بيعه عليه.
وعجل بيع الحيوان، فلا يستأنى به الأيام اليسيرة، ولا يطال له من الأجل بما يطال للعرض، كذا قرره الشارح.
وقال صاحب التكملة: لا يباع بالخيار ثلاثا؛ لسرعة تغييره، وافتقاره لمؤنة، ولا يريد أنه يباع في يومه، وأما ما يخشى فواته من رطب فاكهة، وطري لحم، فلا يستأنى به الأيام اليسيرة، وأما يسير العروض كسوط ودلو وحبل فيباع من حينه.
واستؤني بعقاره كالشهرين، فهم الشارح دخول ما قارب الشهرين معهما، فتعقب بأن ما زاد عليهما ليس له حكمهما، وقد يجاب بما ذكره البساطي في غير هذا المحل بأن هذه الكاف تسمى المستقصية.
وقسم ماله بنسبة الديون، أي: بأن ينسب كل دين لمجموعها، فلو كان لشخص مائة، ولآخر خمسون، ولآخر مائة وخمسون، ومال المفلس مائة وعشرون فنسبة ما للأول لمجموع الديون ثلث، فيأخذ أربعين، ونسبة مال الثاني سدس، فيأخذ عشرين، ونسبة مال الثاني النصف، فيأخذ ستين، كذا قرره صاحب التكملة، قائلًا: هذا ظاهر قوله: (بنسبة الديون).
وقال الشارح: طريقه أن يعلم نسبة مال المفلس لمجموع الديون، ويعطي كلا بتلك النسبة، وهو صحيح، لكن لو أراده لقال: وقسم نسبته للديون انتهى.
وهو ظاهر بلا بينة حصرهم، إذ لا يكلف الحاكم الغرماء أن لا غريم غيرهم، بخلاف الورثة، فإنه يكلفهم ذلك اتفاقًا؛ إذ عددهم معلوم للجيران،
[ ٦ / ٢١ ]
وإلا صدق، وأهل البلد وغيرهم، بخلاف أرباب الديون، بل ربما يقصدون إخفاء ديونهم.
واستؤني به، أي: بالقسم بين غرماء الدين إن عرف المدين بالدين، وهذا في الموت فقط دون الفلس، رواه ابن وهب، وروى غيره يستأنى كالموت.
اللخمي: وهو أحسن.
إن لم يكن معروفا بالدين قسم ماله بغير استئناء به، والفرق بين الموت والفلس: أن ذمة المفلس باقية، فإن طرأ غريم تعلق حقه بذمته، والميت لا ذمة له.
تتميم:
قال أصبغ: إذا أفلس المديان أو مات نودي عليه بباب المسجد في مجتمع الناس أن فلانًا قد فلس أو مات، فمن له عليه دين أو قراض أو وديعة أو بضاعة فليرفع ذلك للقاضي.
وإذا كان على المفلس ديون متخالفة من نقد وعرض وطعام قوم مخالف النقد يوم الحصاص، وهو يوم قسم المال للغرماء بنقد من نوع ما بيع به مال المفلس، واشتري له أي: لمن دينه مخالف للنقد منه، أي: من النقد بما يخصه من جنس دينه، فإذا كان النقد عشرة، وكل من العرض والطعام يساوي عشرة، ومال المفلس عشرة، أخذ كل واحد الثلث، وهذا هو المشهور.
وإن لم يشتر لصاحب العرض والطعام من نوع دينهما، حتى رخص أو غلا مضى القسم، إن رخص أو غلا، ولا تراجع بين الغرماء وبين من لم يشتر له ذلك، كذا نص عليه الباجي وابن رشد.
وزاد ابن رشد: إلا أن يصير له أكثر من حقه، فيرد الفضل للغرماء، ويدخل معهم.
وهل يشترى في شرط جيد أدناه، أي: الجيد، أو وسطه قولان:
[ ٦ / ٢٢ ]
الأول: لابن عبد الحكم.
والثاني: هو العدل لهما، إذ أخذا على ظلم للمسلم إليه، والأدنى ظلم للمسلم، وإنما يشتري لكل من نوع دينه عند مشاحة غرماء المفلس.
وأما إن رضي بأخذ ما نابه جاز الثمن إلا لمانع شرعي، كما لو كان ماله ذهبا، وأراد أخذ فضة، أو العكس، للصرف المؤخر، وهذا الفصل كالاقتضاء فيما سبق.
ووجه المنع أنهم جعلوا القاضي كالنائب عن المفلس، فلم يكن دخوله رافعا للتهمة.
وحاصت الزوجة مع غرماء زوجها المفلس بما أنفقت على نفسها، سواء تقدم إنفاقها على دين الغرماء أو تأخر على المشهور؛ لأنها معاوضة.
وحاصت أيضًا بصداقها في الفلس، كالموت على المشهور فيهما.
وظاهره: المحاصة بجميعه، ولو فلس قبل الدخول؛ لأنه دين في ذمته حل بفلسه، ثم إن طلقها قبل الدخول:
فقيل: ترد ما زاد على النصف، إن صار لها في المحاصة أكثر منه.
وقيل: لا تحاص إلا بالنصف، فيكون لها نصف ما صار لها بالمحاصة، وترد نصفه، وهو قول ابن القاسم خلافًا لابن دينار.
لا بنفقة الولد، فلا تحاص بها في موت ولا فلس؛ لأنها مواساة، وإن ظهر دين على مفلس أو على ميت بعد قسم الغرماء من غير علمه بمن ظهر رجع عليهم بالحصة التي تخصه، لو كان حاضرًا حين القسم.
وفهم من قوله: (ظهر) لو كان حاضرًا ساكتا حين القسم لم يرجع، وهو كذلك.
ومن قوله: (بالحصة) أنه لا يأخذ مليئًا عن معدم، ولا حاضرًا عن غائب، وهو كذلك.
أو استحق مبيع من سلع المفلس أو الميت، وإن كان بيع قبل فلسه
[ ٦ / ٢٣ ]
أو موته رجع المستحق بالحصة، فلو كان عليه عشرون لاثنين، لكل واحد عشرة، وله سلعتان بيعت كل بعشرة، فاقتسماها كل عشرة، ثم استحقت إحدى السلعتين رجع المستحق من يده على كل منهما بثلاثة وثلث.
ثم شبه لإفادة الحكم، فقال: كوارث طرأ على وارث مثله، أو موصى له طرأ على موصى له مثله، فيرجع الطارئ على كل منهما بما يخصه، ولا يأخذ مليئًا عن معدم، ولا حاضرًا عن غائب.
وإن اشتهر ميت بدين أو علم وارثه به، وقسم المال بين الحاضر من الغرماء، وأقبض كلا حصته، ثم طرأ غريم رجع عليه، أي: رجع الطارئ على الوارث بما يخصه؛ لتعديه مع علمه واستعجاله مع شهرة الدين.
قال صاحب التكملة: (رجع): مبني للمفعول انتهى.
ومفهوم الشرط: إن لم يشتهر أو لم يعلم الوارث وأقبض لم يرجع عليه بقية الغرماء، بل على من قبض مما يخصه من المحاصة في المال.
وأخذ مليء من الورثة عن معدم منهم، ما لم يجاوز ما قبضه الوارث المليء دين الطارئ، فإن جاوزه لم يأخذ منه أكثر مما قبضه؛ لأنه يقول: ليس لك علي رجوع إلا بما قبضت، ورجع ط ببقية دينه على بقية الورثة، إن كانوا أملياء، أو على المليء منهم، وإن أعدموا كلهم لم يرجع حينئذ.
وهذا بخلاف الغرماء، فإنما يأخذ كلا بما ينوبه فقط، والفرق تساويهم مع الطارئ، بخلاف الوارث لا يستحق ميراثا إلا بعد قضاء الدين، وإن كان دين الطارئ أقل أخذه فقط، ثم إذا أغرم للطارئ مع الشهرة أو العلم رجع على الغريم الذي قبض أولا، كذا لمالك في باب المديان من المدونة.
وفيها أيضًا بعده عن ابن القاسم البداءة بالغريم، أي: يبدأ الطارئ برجوعه على الغريم القابض، فإن وجده معدما رجع على الوارث بما يخصه من ذلك، ثم يرجع الوارث على الغريم الأول.
واختلف: هل قول ابن القاسم خلاف لقول مالك، وهو فهم اللخمي وغيره للمدونة، أو على التخيير، فهو وفاق، بمعنى: أن القادم مخير: إن
[ ٦ / ٢٤ ]
شاء أخذ الوارث المقبض أولا، إلا أن يجده عديما فالغريم، وإن شاء أخذ الغريم أولا، وهو فهم ابن يونس؟ تأويلان.
والوصي مع شهرة الدين أو علمه به كالوارث تحصيل علم من كلام المصنف: أن الطارئ ثلاثة أقسام:
- غريم على مثله، وهو قوله: (وإن ظهر دين) إلى قوله (بالحصة).
- الثاني: وارث على مثله، أو موصي على مثله، وهو قوله: (كوارث) إلى قوله (مثله).
- الثالث: غريم على وارث، وهو وما بعده إلى هنا.
وإن تلف نصيب غائب عزل، أي: عزله له القاضي أو مقامه، فمنه أي: من الغائب اتفاقًا، لأن القاضي أو مقامه كوكيله، كعين ذهب أو فضة وقف لغرمائه وتلفت، فإنها من الغريم لا من المفلس والميت؛ لتقصير الغريم في قسم العين لتهيئتها للقسم، لا عرض وقف للغرماء فتلف، فليس منهم، بل من المفلس أو الميت في قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
وهل عدم ضمان الغريم للعرض مطلقا: سواء كان مثل دينه أو لا، وعليه فهمه اللخمي والمازري والباجي، أو عدم الضمان، إلا أن يكون العرض بكدينه، أي: الغريم؛ لأن المحاصة فيه كالعين، ولا يحتاج لبيعه فيضمنه لغريم، وإن كان مخالفًا لدين الغريم، كأن يكون دينه عرضًا غير جنس عرض المفلس أو الميت أو عينًا فلا يضمنه حينئذ، وهو فهم بعض القرويين وصاحب المقدمات تأويلان (١).
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٤٧): "طفى اغتر بكلام المصنف فجعل التأويلين في كلام المدونة فأعاد الضمير عليها وليس كذلك بل الفهمان في كلام ابن القاسم في غير المدونة وقد اعترض المواق كلام المصنف قائلا انظر قوله تأويلان فإنهما ليسا على المدونة اهـ ولم ينسبهما في توضيحه لها ولا ابن عرفة ولا ابن عبد السلام ولا غيرهم. والحاصل أن المسألة غير منصوص عليها في المدونة ولعل أصله ففهمه اللخمي بتذكير الضمير الذي مرجعه قول ابن القاسم وكذا رأيته في كبيره وفي بعض النسخ من صغيره".
[ ٦ / ٢٥ ]
وروى أشهب أن ضمان التالف من المفلس حق يصل للغرماء، عينا كان أو عرضا، وهو قول ابن عبد الحكم، واختاره اللخمي وابن عبد السلام.
وترك له أي: للمفلس من ماله قوته نفسه، وترك له أيضًا النفقة الواجبة عليه لغيره، كزوجته وولده ووالديه وأمهات أولاده ومدبريه؛ لظن يسرته.
وهذا كقول المازري: التحقيق أن يترك له إلى وقت يؤدي الاجتهاد أنه يحصل له في مثله ما تأتى له منه المعيشة انتهى. وفي التوضيح: نحو الشهر هو المشهور.
وقال في الشامل: لظن يسرته هو المشهور، وليس خلافا.
وبما قررناه يتضح لك أن قول صاحب التكملة: (الظاهر أن عطف النفقة على قوته من عطف الخاص على العام) غير ظاهر، وإن أقره بعض تلامذته من شيوخنا.
وترك له ولمن تلزمه نفقته كسوتهم دستا معتادا.
قال في القاموس: الدست: بالسين المهملة، مفتوح الدال، هو: الدشت. أي: بالمعجمة.
تكميل:
إذا خلقت كسوة ولده الصغار ترك لهم كسوة على المشهور، والزوجة أحرى، ونحوه في التوضيح.
ولو ورث المفلس أباه بيع كله، إن استغرقه الدين، وإلا فيقدره إن وجد من يشتريه شقصا، وعتق باقيه، وإلا فكله، ويملك الباقي.
ولو ادخل الكاف أباه ليشمل كل من يعتق عليه لكان أحسن؛ لتعلق حق الغرماء بملكه.
لا إن وهب له من يعتق عليه، فلا يباع إن علم واهبه أنه يعتق عليه؛ لأنه إنما وهبه حينئذ للعتق لا للغرماء، والمتصدق به عليه كالموهوب.
[ ٦ / ٢٦ ]
ومفهوم الشرط: إن لم يعلم الواهب أنه يعتق عليه بيع، وبه جزم ابن يونس والمازري وغيرهما، وجعله ابن رشد محل نظر.
وأشار للحكم الثالث من أحكام الفلس بقوله: وحبس المفلس، وغاية حبسه لثبوت عسره، وإذا ثبت وجب انتظاره إن جهل حاله؛ حملا له على الملاء، وسواء كان دينه عن معاوضة أو لا، ومحل حبسه إن لم يسأل الصبر له، أي: لثبوت عسره بحميل، حتى يكشف أمره، فإن سأل مكن على الأصح.
عياض: والصواب أن يكون الحميل بوجهه.
وسبقه إلى ذلك أبو عمران والتونسي وغيرهما.
فغرم هذا الحميل إن لم يأت به، ولو أثبت عدمه، كذا قال المصنف هنا تبعا لما في المقدمات.
وقال في باب الضمان: لا يغرم أن أثبت عدمه، وهما طريقان، ذكرهما في توضيحه، وكذا ابن عرفة.
وذكر صاحب الشامل الطريقين قولين، وتلخص من اقتصار المصنف في البابين رجحان كل من الطريقين.
ثم عطف على من جهل حاله، فقال: أو ظهر ملاؤه جنس إن تفالس، وإن ترك بغير حبس فهل بحميل بالمال أو بالوجه.
قال في الشامل: ورجح.
ثم قال: وهل على ظاهرهما، أو الأول للمد، والثاني لغيره، خلاف.
وإن وعد المفلس بقضاء لما عليه، وسأل تأخيره يوم أعطى حميلا، ولم يأت به، سُجِنَ.
ثم شبه بما تقدم في الحبس فقط، فقال: كمعلوم الملاء، إذا لم يعط ما عليه لددًا سجن.
وقال سحنون: يضرب بالدرة المرة بعد المرة.
[ ٦ / ٢٧ ]
وأجل معلوم الملاء لبيع عرضه إن أعطى حميلا بالمال لا بالوجه، وفي حلفه على عدم الناض، أي: أنه لا ناض عنده، ذهب ولا فضة، وهو قول ابن دحون (١)، وعدم حلفه، وهو قول أبي على الحداد، أو يحلف إن كان تاجرا، وهو قول ابن زرب، تردد لهؤلاء.
قال بعض مشايخي: وهذا التردد يحتمل أن يكون لعدم نص المتقدمين، وهو الظاهر، أو لاضطراب المتأخرين في النقل.
وإن علم بالناض لم يؤخر، ولا يحلف.
عياض: وهو الصواب.
وضرب معلوم الملاء مرة بعد مرة؛ لأنه ملد، ومن جهل حاله إن شهد بعسره عند القاضي قبل فلسه أو بعده، وصفة الشهادة: أن يقولوا: إنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن، وهذا بدل من قوله (بعسره).
حلف المشهود له كلذلك، أي: طبقا للشهادة على نفي العلم؛ لاحتمال أن يملك ما لا يعلمه، كإرث أو هبة.
_________________
(١) قال في ترتيب المدارك: "أبو محمد عبد اللَّه بن يحيى بن دحون، أحد جلّة شيوخ المفتين بقرطبة وكبار أصحاب ابن المكوى، وابن زرب، صحبهما وتفقه بهما وبغيرهما. قال ابن حيان: لم يكن في أصحاب ابن المكوى، بإجماع، أفقه منه. ولا أغوص على الفتيا ولا أضبط للروايات مع نصيب من الأدب والخبر. ولم يكن معه كتب إلا يسيرًا من الأصول. وكان بقية علماء وقته بقرطبة. وعاش بعد قرنائه، فانفرد بالرئاسة، بقية مدته. وكان فكه المجلس. جمّ الإفادة. شديد التواضع مع رفعة حاله، وتقديم الناس له. يشتري جميع ما يحتاج إليه في الأسواق لنفسه. حسن الرأي. أنشد بعض الأدباء لابن دحون، وزعم أنها من قوله، وهي تنشد لابن الروي ﵀: عجبت من الخير في أنعم بالدجى وأصبح ريّاه مع الصبح يعجب فخلت الرِّيا طبعًا له فكأنه فقيه يرائي وهو بالليل يشرب قال ابن حيان: وكان يرخص في السماع، ويجادل فيه عن مذهبه. وسئل عن حاله، فقال: ما حال من يعثر في ثوبه ويلقط الحيوان في جسمه. وتوفي في صدر محرم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة".
[ ٦ / ٢٨ ]
وفهم من قوله: (أنه لا يعرف له. . إلى آخره) أنهم لو قطعوا في شهادتهم بأنه لا مال له ظاهرًا ولا باطنًا، بطلت شهادتهم، وهو كذلك، نص عليه ابن رشد.
وإنما حلف لأن الشهادة لم تكن قطعا، بل على ظاهر الحال؛ لاحتمال أن يكون له مال أخفاه.
وزاد في يمينه على ما شهد له به، وإن وجد مالا ليقضين غرماءه وأنظر حينئذ.
وزاد بعضهم ليقضين عاجلا، وإن كان مسافرًا عجل الأوبة، ولم يذكر المصنف هذه الزيادة، واللَّه أعلم.
تنبيه:
لو ادعي عليه أنه استفاد مالا، وأنكر، لم يكن للغرماء عليه يمين؛ إذ عدمها هو فائدة قوله: (وإن وجد ليقضين.
وحلف الطالب -وهو: رب الدين- إن ادعى عليه المديان علم العدم، ولم يصدقه، إذ حبسه حينئذ ظلم، فإن نكل رب الدين عن اليمين لم يسجن له، وأما إن صدقه أنه عديم، فلا يمين، ولا حبس، كذا في التوضيح عن ابن شعبان.
ابن عرفة: كان بعض قضاة بلدنا لا يحكم بهذه اليمين، وهو حسن، فنحن لا نظن به علم حال المدين؛ لبعده عنه.
وإن سأل رب الدين تفتيش داره، أي: الغريم؛ لأنه غيب ماله فيها، ففيه أي: ففي تمكينه من ذلك وعدمه تردد.
ابن ناجي: العمل عندنا على عدمه، والحانوت عندي كالدار، ووقعت بأحكامي مسألة بباجة، ورأيتها أخف، وهو رجل ادعى من له عليه دين أن يجيبه مالا، وسأل تفتيشه، فقال الغريم: لا شيء فيه، فحكمت بتفتيشه، فلم يوجد فيه شيء، والكيس من هذا المعنى، ولا يختلف في هذين وشبههما.
[ ٦ / ٢٩ ]
ورجحت بينة الملاء إن بينت أنه أخفى مالا على بينة العدم.
وظاهره: ولو بينت الأخرى العدم.
ومفهوم الشرط: إن لم تبين بينة الملاء أنه أخفى، بل شهدت على ظاهر حاله فقط، لم ترجح، سواء بينت الأخرى أم لا، انظر الكبير.
وأخرج المجهول حاله عدما ويسرا من السجن، إن طال حبسه، ويعتبر طوله بقدر الدين، فيحبس في المال الكثير أربعة أشهر، وفي الدريهمات اليسيرة نصف شهر، وفيما بينهما شهرين، وبحسب الشخص قوة وضعفا وتوسطا ووجاهة وحقارة، وحبس النساء في دين أو غيره عند أمينة أو ذات أمين معروف بالخير زوج أو أب أو ابن.
وقال اللخمي: عند ذات زوج أمين.
وقدمنا في فصل الجنائز أن الخنثى يحبس وحده، لا مع رجال ولا نساء.
ويحبس السيد لمكاتبه في دينه الحال إذا امتنع من دفعه.
اللخمي: ما لم يحل من نجومه ما يفي بدينه، أو يكون في قيمة الكتابة ما يفي بدينه، ويحبس السيد لعبده في مسألة أخرى، وهي: إذا أقام شاهدًا بعتقه، ونكل السيد، فإنه يحبس، وإن طال دين، وأطلق.
ويحبس الجد والجدة لولد ولدهما، والولد لأبيه وأمه، لا عكسه، فلا يحبس الأب له.
ثم شبه لإفادة الحكم، فقال: كاليمين في حق وجب له على أحد أبويه، كدعواه مالا له بال، فلا يحلفه على المشهور، ولو شح، وهو مذهب مالك في المدونة، ولابن القاسم إن شح في تحليفه احلف له، وكانت جرحة على الابن، تسقط شهادته.
محمد: وهو عقوق.
إلا اليمين المنقلبة من الابن على أبيه، فله تحليفه إياها، كدعواه عليه
[ ٦ / ٣٠ ]
شيئًا، فأنكره، ولا بينة له، فردها على الأب، فإنه يحلف اتفاقا.
وإلا اليمين المتعلق بها حق لغيره، أي: غير الولد، كدعوى الأب تلف صداق ابنته، والزوج يطلبه بالجهاز، أو دعوى زوجها أنه نحلها نحلة لعقد النكاح عليها، أو دعوى الأب أنه أعارها شيئًا من جهازها قبل السنة، فحلفه، ولا يكون ذلك عقوقا، وكذا المتعلق بها حق الأب، كإقامة شاهد واحد بحق على ولده، فإنه يحلف معه اتفاقا.
وإذا حبس قريبا في حق لم يفرق في السجن بين كالأخوين والأبوين، وغيرهما من الأقارب أحرى، ولا بين الزوجين إن خلا السجن لهما.
ولو طلب الغريم التفريق لم يجب، نص عليه ابن عبد الحكم.
ومفهوم الشرط: التفريق، فيحبس الرجل مع الرجال، وهي مع النساء، ولا يمنع المحبوس مسلما يسلم عليه ويحدثه، ولا خادما يخدمه.
قال في التوضيح: إن اشتد مرضه واحتاج لأمة تباشر منه ما لا يباشره غيرها، وتطلع على عورته، فلا بأس أن تجعل معه حيث يجوز ذلك انتهى.
وإطلاقه هنا يشمل المريض وغيره، بخلاف زوجة، فإنها تمنع من دخولها على زوجها المسجون في حقها أو حق غيرها.
وأخرج المحبوس لحد وجب عليه، كذا أطلق هنا، فيشمل القتل، كما قال صاحب التكملة.
وقال الشارح: ظاهره ولو كان الحد يأتي على النفس، وفي توضيحه للقذف، ثم يعود لسجنه، ومثله لابن يونس وغيره.
أو لأجل ذهاب عقله؛ إذ لا فائدة في حبسه حينئذ، لعدم علمه، وينتهي خروجه لعوده، أي: العقل، فإذا عاد عقله أعيد للسجن.
قال الباجي: واستحسن خروجه بكفيل بوجهه، إذا خرج لمرض أبويه وولده وأخيه وقريب جدًا ليسلم، إذا خيف الموت في غيبته، ثم يعود، ولا يفعل ذلك فيمن ليس قريب جدا.
[ ٦ / ٣١ ]
الباجي: والقياس المنع، وهو الصواب عندي، فلا يخرج بحميل ولا غيره.
لا جمعة، فلا يخرج المحبوس لصلاتها؛ لأن لها بدلا.
تتمة:
قال ابن عبد الحكم: ولا يخرج لغرض حج، فإن أحرم به أو بعمرة أو نذر وحنث، ثم أقيم عليه بالدين حبس، وبقي على إحرامه، وإن لزمه الدين يوم نزوله مكة أو منى أو عرفة استحسنت أن يؤخذ منه كفيل؛ لفراغه ثم يسجن يوم النفر الأول.
ابن عبد الحكم: ولا يخرج لصلاة عيد، ولا ليغير على عدو إلا لخوف قتله أو أسره بموضعه، فيخرج لغيره.
ثم أشار لحكم من أحكام المفلس، وهو: رجوع رب المال في عين ماله، فقال: وللغريم أي: رب الدين أخذ عين ماله المحوز عنه في الفلس، إذا وجده بيد المفلس.
وظاهره: ولو وجده زائدًا أو ناقصًا، وهو كذلك، وفي بعض النسخ (المحاز) موضع المحوز.
لا الموت، فلا يأخذه، بل هو فيه أسوة الغرماء، وله أخذ عين ماله إن لم يكن عينا، بل عرضًا أو طعامًا أو حيوانًا.
ولو كان عين ماله مسكوكا دنانير أو دراهم، إن شهد له بها، أو اعترف بها المفلس على المشهور.
وأشار بـ (لو) لمخالفة أشهب في أنه لا يأخذها؛ إذ لا يطلق على المسكوك عرفا أنه متاع ولا سلعة، وله أيضًا طلب عين ماله، ولو كان رقيقا آبقا من المشتري.
وإذا رضي بأخذه دون المحاصة لزمه إن لم يجده، قاله ابن القاسم، وليس له أن يطلبه على أنه إن وجده أخذه، وإن لم يجده حاصص؛ لما فيه
[ ٦ / ٣٢ ]
من الضرر بغيره، لعدم تصرفهم حتى ينظر: هل يجده أو لا، خلافًا لأشهب.
وللرجوع في عين ماله ثلاثة شروط، أشار لأحدها بقوله: إن لم يفد غرماؤه بثمنه الذي على المفلس عند مالك وأصحابه، خلافًا للشافعي ومن وافقه، ليس لهم أن يعطوه إلا متاعه.
ثم بالغ بقوله: ولو كان الفداء بما لهم، قاله ابن الماجشون، ومثله في الموازية، وزاد: أو يضمنوا الثمن، أو يعطوا به حميلا ثقة.
ابن كنانة: ليس لهم ذلك.
وأشار للشرط الثاني بقوله: وأمكن الرجوع في عين ماله، فإن لم يمكن فلا رجوع فيه، وتعينت المحاصة؛ ولذا قال: لا بضع، كمن طالبت زوجها بصداقها، فوجدته مفلسا لعدم إمكان رجوعها فيما استوفاه.
ولا في صحة عصمة، كمخالعة على مال تدفعه له، ثم فلست لعدم إمكان الرجوع في العصمة.
ولا في قصاص صولح فيه بمال، ثم فلس الجاني؛ لتعذر الرجوع في القصاص.
قال صاحب التكملة: وينبغي أن يلحق بصلح القصاص الإبكار، وإذا فلس المنكر فإن المدعي يحاصص بما صالح عليه، ولا يرجع في الدعوى.
وأشار للشرط الثالث، وهو: بقاء متاعه على هيئة، بقوله: ولم ينتقل عين ماله عما كان عليه حين البيع، ومثّل لمفهوم قوله: (ولم ينتقل) بما ينتقل، كما يفعل ذلك كثيرا، بقوله: لا إن طحنت الحنطة، خلافًا للخمي في عدم فوتها بطحنها.
وبما قررناه يندفع قول بعضهم: صوابه كإن طحنت؛ ليطابق قوله: (ولم ينتقل)، حيث جعله مثالا للمنطوق، مدعيًا خطأ المصنف، وما ذاك إلا لعدم استحضاره لما ذكرناه، نعم لو قال: لو مثل للمنطوق، فقال: كإن طحنت لكان أوضح لكان حسنا، لا أنه غير صواب، فتأمله.
[ ٦ / ٣٣ ]
أو خلط المبيع من حنطة أو غيرها بغير مثل، كشعير أو سايس أو نقي بمغلوث، أو سمن زبده، أي: صير زبدة سمنا.
وقول صاحب التكملة: (أي: إخراج زبدة) سبق قلم.
أو فصل ثوبه قميصًا أو سراويل، أو ذبح كبشه، لا خصوصية للكبش، أو تتمر رطبه، فلا رجوع في عين شيئه في شيء مما ذكر، بل هو فيه أسوة الغرماء؛ لفوات الغرض المقصود منه.
ومفهوم (بغير مثل) رجوعه فيما خلط بالمثل، كحنطة أو عسل أو زيت بمثله، (وطحنت وما بعده) مبني للمفعول، وأما (تتمر) فللفاعل.
وفي التوضيح كالجواهر: لا يفوت الجلد بدبغه على المشهور، ولا يقطعه نعالا انتهى (١).
وفيه نظر مع تفصيل ثوبه، كأجير رعي، لا يكون أحق بما يرعاه في أجر رعيه، إذا فلس ربه، بل أسوة الغرماء موتا وفلسا، ونحوه أجير علف، أو رحلة إبل، أو حراسة، أو حانوت، أو زرع، عند ابن القاسم.
وظاهره: كان الراعي يردها لبيتها أو لا.
وقال لقمان بن يوسف (٢):
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٦٣): "طفى: ما عزاه للتوضيح ليس فيه، وفيه إن اشترى جلودًا فقطعها نعالًا أو خفافًا فذلك فوت وكذا في الشرح وشامله وابن عرفة فتنظيره في غير محله".
(٢) قال في ترتيب المدارك: "لقمان بن يوسف الغساني، كان بالقيروان. وسكن صقلية مدة. ثم استوطن تونس. فسمع من يحيى بن عمر، وعليه اعتمد. وعيسى بن مسكين، وحماس، وعبد الجبار، وابن بسطام، وغيرهم من أصحاب سحنون. وحجّ، فسمع بمصر كثيرًا. وأخذ عن علي بن عبد العزيز، ويحيى بن أيوب الغالب، وقرأ على الأنماطي، والوداني. وكان محسنًا للقراءة. يقرأ بقراءة نافع. قال ابن حارث: كان من أهل العبادة والصيام، والقيام، والتقشّف، والتواضع، حافظًا لمذهب مالك، حسن القريحة فيه. متفننًا، فقيهًا مبرزًا في ذلك، عالمًا باللغة، والحديث، والرجال، والقرآن. يميل الى طريقة ابن عبدوس في فقهه وفي مسألة الإيمان، والاستثناء فيه، وفي جميع =
[ ٦ / ٣٤ ]
قرأت على عبد الجبار بن خالد (١) كلام ابن القاسم: إن الراعي أسوة الغرماء.
فقال: معناه: إن كان يردها لبيتها، وإن كانت باقية ببيته ومنزله، فهو كالصانع.
ومثل ذي حانوت أو دار ليس أحق عليه من أمتعة، وراد سلعة على مفلس بعيب، اطلع عليه بها؛ فإنه لا يكون أحق بها، بل هو أسوة الغرماء.
وهذا كقول اللخمي: من رد عبدًا بعيب، ولم يأخذ ثمنه حتى فلس بائعه، كان أسوة الغرماء.
وتقرير الشارح لذلك تابعا للمصنف في شرح قول ابن الحاجب: (والراد للسلعة بعيب لا يكون أحق بها في الثمن)، فإنه قال: يعني أن من اشترى سلعة، ثم اطلع فيها على عيب، وأراد ردها، فوجده قد فلس) غير ظاهر انظر الكبير، فإنه فرع آخر.
وإن كانت السلعة المردودة بالعيب أخذت عن دين كان للمشتري على البائع فلا يكون أحق بها، بل أسوة الغرماء، أي: لا فرق بين أن تكون أخذت عن دين أو نقد ثمنها.
وهذا وإن كان واضحا لكنه يحتاج لنقل في عينها، ولذا تعقبه الشارح
_________________
(١) = معانيه، من أحسن الناس مجلسًا، وأغزرهم خبرًا، وأعرفهم بأخبار القيروان وشيوخها، لا يكاد يفرغ من حديث، حتى يصله بغيره. قال أبو العرب: كان فقيهًا يسمع معنا من مشائخنا. قال أبو عبد اللَّه الخراط: كان فقيه البدن، ثقة صالحًا متقشفًا. يحسن اللغة والنحو، فكان الأبياني يثني عليه، ثناء حسنًا. ويقال: إنه كان عالمًا باثني عشر صنفًا من العلوم ومات بتونس سنة تسع عشرة وثلاثمائة. وقيل ثمان عشرة. قال أبو العرب: في نيف وعشرين".
(٢) هو: عبد الجبار بن خالد بن عمران السرتي، أبو حفص، (١٩٤ - ٢٨١ هـ = ٨١٠ - ٨٩٤ م): فقيه فاضل زاهد. من ثقات الشيوخ وعقلائهم في إفريقية. يضرب أهلها المثل به في الفضل والدين، له أخبار وكلمات سائرة. ينظر: الأعلام (٣/ ٢٧٤).
[ ٦ / ٣٥ ]
قائلًا: إنما هذا في المسألة ذات الأقوال الثلاثة الآتية آخر الباب في السلعة تشترى شراء فاسدا، ويطلع على عيب فيردها، فيجد البائع قد فلس، يفصل في الثالث بين أخذها عن دين، فلا يكون أحق بها، أو عن نقد فيكون أحق بها، وهو كما قال في التوضيح، وما ذكره بعض مشايخي عن التوضيح وهم، وإنما هو في مسألة الفساد، كما قال الشارح (١).
وهل القرض كذلك، لا يكون المقرض أحق بعين ما أقرضه، إذا فلس المقترض، وإن لم يقبضه مقترضه، أو هو أحق به كالبيع، وهو مذهب مالك وأصحابه وطريق ابن رشد، خلاف.
وله أي: من وجد المفلس قدر سلعة رهن التي اشتراها فك الرهن بفدائها وأخذها، وحاص الغرماء بفداف التي فداها به، وله تركها مرهونة، ويحاص بثمنها.
وفرض ابن شاس المسألة في العبد مثال، وإلا فالعبد وغيره سواء.
لا بفداء الجاني عند المفلس، فلا يحاص البائع؛ إذ لا رجوع بالجناية، وإن كان له أن يفديه، وفرق بأن الجناية ليست في ذمة المفلس، بل في رقبة الجاني؛ إذ له أن يسلمه فيها، بخلاف الدين في الرهن؛ فإنه كان في ذمته.
ولصاحب السلعة التي حاص بالغرماء بثمنها نقض المحاصة إن ردت على الفلس بعيب، وأخذ سلعته، وله أن لا ينقضها، ويستمر على محاصته، وهو واضح، وله ردهما، أي: سلعته إن أخذها.
والمحاصة إن ردت على الفلس بعيب، أي: بسبب عيب سماوي حدث عند المشتري، وله أخذها ولا شيء له، وهذا كقول ابن الحاجب:
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٦٥): "طفى: انظر قوله تشتري شراء فاسدًا ويطلع على عيب لأن مسألة البيع الفاسد لا عيب فيها وإنما ردت للفساد فالصواب إسقاط ويطلع على عيب وعبارته في كبيره كصغيره".
[ ٦ / ٣٦ ]
(فلو أخذها فوجد بها عيبًا حادثا فله ردها ويحاص، أو حبسها ولا شيء له).
ونحو هذا التقرير حكى صاحب التكملة عن ابن الفرات، وهو واضح، وأما تقرير صاحب التكملة تبعا للشارح أن قوله: (وردها) أي: الحصة التي أخذها؛ لأنه إنما حاص ظنا منه أنه لم يجدها، فهو فعل ماض يعود ضميره على الحصة المفهومة من المحاصة، وقول الشارح: (له أن يحاص الغرماء بأرش العيب إن شاء وإن شاء رد وحاص بجميع الثمن، وهذا هو المشهور) تعقبه صاحب التكملة بأنه غير معزو.
أو كان العيب من مشتريه، وهو: المفلس، كإخلاقه للثوب، أو من أجنبي، لم يأخذ، أي: المفلس أرشه من الأجنبي، كإن أوضحه مثلًا، أو أخذه وعاد المجني عليه لهيئته، فكأنه لم يتعيب، فله في هذه المسائل الأربع أخذة بلا أرش، والمحاصة بجميع الثمن.
وإلا بأن أخذ أرشه ولم يعد لهبته فبنسبة نقصه، أي: يحاص بها، إن أخذه، وإن رده حاص بجميع ثمنه، قاله اللخمي، كذا قرره صاحب التكملة تبعا لما في التوضيح، وقرره الشارح بكلام عن محمد يحتاج لتأمل، وما قررناه من أن الاستثناء راجع للمسألة الأخيرة مثله للشارح وصاحب التكملة.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: وإن لم يكن أحد الوجوه الأربعة حاسب بنسبة نقصه إن شاء.
ولمن وجد سلعته عند المفلس، وكان قد قبض ثمنها قبل التفليس، رد بعض ثمن قبض، وأخذهما، وله تركها والمحاصة فيما بقي من ثمنها، وهذا إن اتحد المبيع، وأما إن تعدد، وفات بعضه، فله أخذ بعضه إن شاء، وحاص بالفائت، وانتقض البيع فيما أخذ، وله المحاصة ببقية ثمنه، وترك باقي المبيع.
وظاهره: ولو وجد عشر المبيع فله أخذه بعشر الثمن، ويحاص بباقيه، وهو كذلك، نص عليه ابن أبي زيد وغيره، ونحوه لابن الحاجب، ولابن عبد السلام هنا شيء ناقشه فيه ابن عرفة، انظرهما في الكبير.
[ ٦ / ٣٧ ]
كبيع أم ولدت عند مشتريها، وبقي ولدها، ثم فلس، وطلب البائع الأول الثمن، فوجد الولد عند المفلس، فله أخذه بمنابه من الثمن، والمحاصة بمناب الأم، وله تركه والمحاصة بجميع الثمن على المشهور؛ لأنهما كسلعتين.
وإن مات أحدهما: الأم أو الولد وبقى الآخر، أو بماع الولد وأبقى الأم، فلا حصة للميت منهما في الأولى، ولا في بيع الولد في الثانية، بل إن شاء أخر الموجود ولا حصاص، أو تركه وحاص بالثمن باتفاق في الأولى، وعلى المشهور في الثانية.
المازري: هو أصل المذهب.
سحنون: لا أدري ما هذا.
اللخمي: يريد القياس فيهما سواء.
ومن اشترى أصولا فأتمرت عنده، أو كان عليها تمر لم يؤبر، أو اشترى شيئًا واستغله، أو غنما عليها صوف تام، ثم فلس، أخذ هذا المفلس الثمرة إذا جزها، والغلة التي استغلها، ولا شيء للبائع من ذلك؛ لأنه من الخراج التابع للضمان.
وعطف (الغلة) على (الثمرة) من عطف العام على الخاص.
ولما ذكر أن البائع لا يرجع في الغلة، استثنى منه، فقال: إلا صوفا تم يوم الشراء، أو ثمرة مؤبرة يومه، فإنهما للبائع.
المازري: أما الثمرة المؤبرة فلا يأخذها مع الأصول إذا جزها، وكانت قائمة بعينها، ولكن يحاصص بما ينوبها من الثمن، وإن لم يجزها فهي من البائع؛ لانقطاع حق مشتريها منها بالتفليس، وهي على أصولها، وأما الصوف إذا جزه وكان قائما بعينه فإنه يرد مع سلعته، وأما إن باعه المشتري حاص مما يخصه في الرقاب، لا بما باعه به، كذا قال المصنف في توضيحه.
[ ٦ / ٣٨ ]
تنبيه:
لم يقل المصنف في الثمرة إذا اشترطها المشتري اعتمادًا على ما تقدم في البيع أن المابورة لا تدخل إلا بالشرط، وأخذ المكره دابته وأرضه من مكتر فلس؛ لأنه أحق بهما من بقية الغرماء، وقدم المكري في أخذ أجرة الأرض في زرعها في الفلس؛ لأنه نشأ عنها، فهي جائزة له، وحوزها كحوزه، وأما في الموت فأسوة الغرماء.
ثم يلي صاحب الأرض في التقدم على الغرماء فيما فضل منه ساقيه، أي: الزرع؛ إذ لولاه لما انتفع به، وعموم ساقيه يشمل الواحد والمتعدد، فلا يقدم الأخير على ما قبله، وهو أحد الأقوال.
وقيل الأول.
وقيل أكثرهما عملا.
ثم يلي الساقي في ما فضل من الزرع مرتهنه على الغرماء، وإنما قدم صاحب الأرض والساقي على المرتهن، ولو حازه، إنما تكون عن مال هذا وعمل هذا، فكان أخصر من الحوز، وصاحب الحوز الأخص مقدم على صاحب الحوز الأعم، كما لو وقعت سمكة بحجر شخص بمركب فهو أحق بها من صاحب المركب.
والصانع أحق من بقية الغرماء، ولو بموت بما بيده من مصنوعه، حتى يستوفي أجرته منه؛ لأن كونه تحت يده كالرهن.
وبالغ بـ (لو) لا إشارة للخلاف، بل خشية أن يعتقد أنها كالتي قبلها في اختصاص ذلك بالفلس دون الموت، وقيد بما بيده تبعا لتقييد الأشياخ لإطلاق المدونة.
ثم صرح بمفهوم القيد، فقال: وإلا يكن بيده بل أقبضه لربه فلا يكون أحق به، بل أسوة الغرماء في الموت والفلس، وهذا إن لم يضف لصنعته شيئا كخياط وقصار.
واستثنوا ممن لم يضف لصنعته شيئًا النساج؛ فإن ابن القاسم جعل
[ ٦ / ٣٩ ]
حكمه حكم من أضاف لها شيئا؛ لقوة صنعته فيه، فكأنه زاد فيه زيادة، ولذا قال: إلا لنسج فكالمزيد المضاف للصنعة، كالصباغ يصنع الثوب، أو الغراء برفع الغرائر قاع من عنده، فيشارك بقيمته يوم الحكم، ولا ينظر: هل نقص بذلك أم زاد، فيقوم بغير الزيادة، فإن قيل: يساوي أربعة مثلًا، وبها يساوي خمسة، كان الصانع شريكا بالخمس، وهذا إذا امتنع الصانع أن يحاصص، أو امتنع الغرماء دفع أجرته، فإن دفعوها وأخذوا المصنوع فذلك لهم.
تلخيص لما تقدم:
قال ابن عرفة: بائع منفعة يده إن لم يجز ما فيه عمله فأجير كالبناء، وإن حازه، فإن لم يخرج فيه شيئًا من عنده فصانع كالنساج، وإن أخرج شيئًا فصانع بائع كالصباغ.
والمكتري لدابة معينة لموضع معين أحق بالمعينة من الغرماء إذا فلس ربها أو مات اتفاقًا، كان قبضها أولا؛ لأن تعيينها كقبضها.
والمكتري أحق بغيرها، أي: غير المعينة، إن قبضت، إن لم يدر ربها، بل ولو أديرت، بأن كان ربها يدير الدواب تحت المكتري على المشهور، وهو قول مالك.
وأشار بـ (لو) لقول أصبغ: لا يكون أحق بها.
ومفهوم الشرط: إن لم تقبض فهو أسوة الغرماء، وهو كذلك.
تنبيه:
عارض التونسي المشهور هنا بقول مالك في الراعي ليس أحق بالغنم، قائلًا: وأراه اختلاف قول.
وفرق ابن يونس بأن الراعي لم يتعلق له حق بعين لدواب، وحقه بذمة المكتري، بخلاف الركاب، تعلق حقهم بقبضهم أو بركوبهم عليها صارت كالمدونة.
[ ٦ / ٤٠ ]
وربها أحق بالمحمول عليها في فلس المكتري أو موته، إذا كان ربها معها، سواء كان المكتري معها أو لا، وقول الشارح: (رب الدابة أحق بها) سبق قلم، صوابه بما عليها، وهكذا بعضهم أصلح الشرح.
ثم بالغ على محل الخلاف بقوله: وإن لم يكن ربها معها، بأن أسلمها للمكتري اتفاقًا في الأولى، وعلى المشهور في الثانية؛ لأن المحمول كأرض، وهذا ما لم يقبضه، أي: المحمول ربه، فإن قبضه فصاحب الدابة أسوة الغرماء.
ابن القاسم: والسفن كالدواب؛ لأنها حاملة.
وفي كون المشتري لسلعة شراء فاسدًا بثمن نقده، أو أخذها عن دين له في ذمة بائعها، أحق بالسلعة القائمة في ثمنه، إذا فلس البائع قبل فسخ البيع في بيع، يفسخ لفساد البيع، أي: لأجل فساده، وهو قول سحنون، أو لا يكون أحق بها، بل أسوة الغرماء؛ لأنه أخذها عن شيء لم يتم، وهو قول ابن المواز، أو يكون أحق بها في النقد لا الدين، وهو قول ابن الماجشون أقوال.
ولم يذكر ابن رشد غير الأولين وكذا المازري، ولم يعزهما (١).
_________________
(١) قال في منح الجليل (٦/ ٧٦ - ٧٧): "طفى: أو في النقد أي ابتاعها بنقد لا إن ابتاعها بدين هذا معنى القول ثالث المفصل لا ما قاله بعض الشراح وهو الذي يفهم من كلام تت والشارح والتوضيح من أن المراد أخذت عن دين في ذمة بائعها إذ المسألة ليست مفروضة كذلك قال في المقدمات واختلف فيمن اشترى سلعة بيعًا فاسدًا ففلس قبل أن يردها عليه المبتاع هل يكون أحق بها حتى يستوفي ثمنها وهو قول سحنون أو لا يكون أحق بها وهو قول ابن المواز وإن كان ابتاعها بنقد فهو أحق بها وإن كان ابتاعها بدين فهو أسوة الغرماء وهو قول ابن الماجشون اهـ. ولما ذكر ابن عرفة الأقوال الثلاثة قال فإن قلت هل معنى الشراء إلى أجل في القول الثالث إن المؤجل هو الثمن أو السلعة. قلت ظاهر لفظ ابن محرز الأول وظاهر نقل الشيخ في النوادر الثاني قال عن ابن الماجشون ما نصه إن باعها بنقد فمبتاعها أحق بثمنها حتى يستوفي حقه وإن أخذها بدين دخل مع الغرماء في ثمنها لأنه كان له دين كدينهم نص في أن ثمنه كان له دينًا =
[ ٦ / ٤١ ]
وهو أي: مشتري السلعة شراء فاسدًا في المسألة السابقة أحق بثمنه بعينه في الموت والفلس، كذا في توضيحه عن ابن رشد، ومثله للشارح، وقرره صاحب التكملة بأن المشتري لسلعة من المفلس أحق بثمنه.
ابن عرفة: تعيينه إذا استحقت السلعة، وعزاه لابن رشد اتفاقًا، فجعل قوله: (واستحقت) في المسألة الآتية مقدارًا في هذه، فإن كانت لابن رشد كما نقله المصنف عنه في المسألة التي قبلها فواضح، وإلا فتحتاج هذه لنقل فيها.
والمشترى أحق أيضًا بالسلعة التي باعها، إن بيعت بسلعة أخرى، واستحقت أي: التي ابتاعها، إن وجد سلعته بعينها في الموت والفلس لانتقاض البيع الموجب لخروج سلعته عن ملكه، قاله ابن رشد.
_________________
(١) = على المفلس وهذا لا يتقرر إلا والسلعة مؤخرة ولم يحك ابن رشد غير قولي محمد وسحنون وكذا المازري ولم يعزهما اهـ كلام ابن عرفة وعلى الثاني فرضها ابن عبد السلام لأنه فرضها في السلم فقد علمت فرض المسألة وبه تعلم ما في قول تت عن الشارح في قوله وإن أخذت عن دين يفصل في الثالث بين أخذها عن دين إلخ من الإيهام اهـ كلام طفى. قلت لا دليل في كلام المقدمات لما ادعاه طفى لاحتمال قولها ابتاعها بدين لا بتياعها بدين كان في ذمة بائعها وهو المتبادر ولا بتياعها بدين يتقرر في ذمة مبتاعها بابتياعه وهذا لا يصح أنه المراد ولا يصح فرض المسألة به إذ المشترى فيه لم يتقرر له دين على المفلس حتى يقال هو أحق بالسلعة في دينه أو لا أو في النقد لا في الدين بل هو مدين للمفلس فتعين ما قاله الجماعة وقول ابن الماجشون لأنه كان له دين كدينهم نص في أن ثمنه كان له دينًا على المفلس كما قال ابن عرفة فلا شاهد فيه لطفى بل هو شاهد عليه للجماعة. البناني ما شرح به ز وهو الظاهر وهو الذي يفهم من ضيح ومن عبارة النوادر التي نقلها ابن عرفة وأما فهم ابن عرفة فمشكل ونص ابن عرفة بعد ذكر الأقوال الثلاثة فإن قلت إلى آخر ما تقدم. قلت قد غفل البناني أيضًا من عدم صحة فرض المسألة في ابتياعها بدين يتقرر على مشتريها ولم يفهم كلام ابن عرفة على وجهه كطفى فاستشكله وهو نص في كلام الجماعة وفرضهم المسألة ولا إشكال فيه والكمال للَّه وما توفيقي إلا باللَّه عليه توكلت وإليه أنيب".
[ ٦ / ٤٢ ]
تنبيه:
لا خصوصية للبيع، وكذا لو تزوج امرأة بسلعة بعينها، فدفعها إليها، ثم طلقها قبل الدخول، ووجد النكاح مفسوخا، فهو أحق بجميع السلعة، أو بنصفها إن طلقها، وأدركها قائمة في الفلس والموت معًا قولا واحدا.
وقضي بأخذ المدين الوثيقة من رب الدين، أو ممن تنزل منزلته، إذا قضاه حقه، وامتنع من دفعها له؛ لئلا يقوم بما فيها مرة أخرى، أو تقطيعها، ولا تبقى بيد رب الدين، قاله ابن القصار.
المتيطي: وبه القضاء.
ذكره عنه ابن هارون في اختصاره للمتيطية، لكن فيه (وتقطيعها) بالواو، وعلى هذا فأو بمعنى الواو.
وقال الخضراوي: يأخذها مخصوما بظاهرها، فيقال فيه وقضي بأخذ المدين الوثيقة، أي: مخصوما بظاهرها، أو يقضي بتقطيعها، والعرف الآن بمصر الخصم بظاهرها، ثم إن احتاط المقر كتب له براءة منها، والعرف في وثائق الجريد قصر اسم المقر، وتبقى بيد المقر له.
لا صداق قضي، فلا يقضى لزوج ولا مطلق ولا وارث بأخذ عقده، ولا تقطيعه؛ إذ لا تتزوج إلا به، للعلم بتقضي عدتها، إن كتب طلاقهما، ولما لها فيه من المنفعة بسبب الشروط الباقية لها، ولحوق النسب في حمل يظهر بعد موته، إلا أن تطوع بدفعه.
قال في اختصار المتيطية: هو المشهور، وبه العمل.
ولربها أي: الوثيقة ردها من المدين، إن وجدت عنده، وادعى القضاء، إن ادعى ربها سقوطها، ولا يرث المدين، وعليه دفع ما فيها إن حلف ربه على مقامه؛ إذ الأصل في كل ما كان بإشهاد أن لا يبرأ منه إلا بإشهاد، وفي هذا شيء مع قوله قبله: (وقضي بأخذ المدين الوثيقة أو تقطيعها)، إذا كانت (أو) على بابها، لا أنها بمعنى (الواو).
وقضي لراهن وجد بيده رهنه بدفع الدين لمرتهنه، إذا ادعى ذلك،
[ ٦ / ٤٣ ]
ولم يصدقه المرتهن، بل ادعى سقوطه أو سرقته أو إعارته له، ويبرأ منه، قاله مالك، كوثيقة زعم ربها سقوطها.
قال صاحب التكملة: ظاهره أن من ادعى على شخص دينا وزعم أن له وثيقة، وأنها سقطت، لا يقضى له بشيء بعد حلف المدعى عليه، كما أن المرتهن لا يقضي له بشيء على الراهن الذي بيده رهنه، بل يقضي ببراءة الذمة فيهما انتهى.
ولعل هذا إذا لم توجد الوثيقة بيد المدين، وإلا لو وجدت بيده لكانت كقوله: (وقضي بأخذ المدين الوثيقة).
ولم يشهد شاهدها إلا بها، قال صاحب التكملة: هذه مسألة مستقلة، أي: من زعم سقوط وثيقة وطالب بما فيها، وزعم المشهود عليه رد الدين، لا يشهد شاهد الوصية إلا بعد حضور الوثيقة التي فيها خطه، وكذا في كافي أبي عمر انتهى.
وظاهر تقرير الشارح: أن قوله: (كوثيقة. . إلى آخره) مسألة واحدة، القول فيها قول المدين، إذا زعم ربها أنها سقطت، ولم يقبض ما فيها، وقال المدين: بل أقبضته، وامتنع شاهدها أن يشهد، إلا بعد إحضارها انتهى.
وعلى كل حال ففي المسألة إشكال؛ لأن المدين مقر بالدين، فعليه البيان للوفاء، واللَّه أعلم (١).
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٨١): "طفى لا إشكال؛ لأن الإقرار به عارضه عدم وجود الوثيقة الدالة على قضاء الدين وذكر نص المتيطية عن الكافي المتقدم ثم قال فقد علمت أنه لا عبرة بإقراره بالدين لاستناده لما عليه أكثر الناس فلا إشكال لمن تأمل وأنصف ومعنى قول أبي عمر لم يشهد لا عبرة بشهادته لتصديق المشهود عليه فكأنه قال يصدق فأطلق لم يشهد تصديقه بدليل آخر كلامه وإلا فالشهادة هنا لا فائدة فيها لإقرار المشهود عليه بما تضمنته الوثيقة من شهادته، ويمكن حمل قوله ولم يشهد شاهد إلا بها على غير فرض أبي عمر وأن صورة المسألة أن المشهود عليه منكر لأصل الدين =
[ ٦ / ٤٤ ]
باب
ذكر فيه أسباب الحجر وأحكامه، وما يتعلق به.
وهو لغة: المنع.
واصطلاحا، قال ابن عرفة: صفة حكمية، توجب منع موصوفها من نفوذ تصرفه في الزائد على قوته، أو تبرعه بما له، وبه يدخل حجر المريض والزوجة.
[من يحجر عليه:]
[١] المجنون محجور عليه، وغاية حجره للإفاقة من جنونه، فإن عاد عقله زال حجره، وسواء كان بصرع أو وسواس، وهو كذلك.
[٢] والصبي محجور عليه، ومنتهاه لبلوغه، مع ما ينضم لذلك كما سيأتي.
تكميل:
قال المازري: البلوغ قوة تحدث في الصبي يخرج بها عن حال الطفولية إلى حال الرجولية، وتلك القوة لا يكاد يعرفها أحد، فجعل الشارع لها علامات يستدل بها على حصولها.
تنبيه:
عطف المصنف العلامات بـ (أو) دون الواو؛ خوف توهم أن العلامات مجموعها، والعلامات خمس:
_________________
(١) = ففي كتاب الاستغناء ابن حبيب عن ابن الماجشون فيمن أشهد في ذكر حق ثم ذكر أنه ضاع وسأل أن الشهود أن يشهدوا بما حفظوا فلا يشهدوا وإن كانوا حافظين لما فيه خوف أن يكون قد اقتضى ومحكي الكتاب فإن جهلوا وشهدوا بذلك قضى به. وقال مطرف: بل يشهدون بما حفظوا إن كان الطالب مأمونا وإن لم يكن مأمونا فقول ابن الماجشون أحب إلى واللَّه سبحانه تعالى أعلم".
[ ٦ / ٤٥ ]
أشار لإحداها بقوله: بثمان عشرة سنة.
المازري: هو المشهور.
وحكى فيه البرزلي وصاحب التكملة تشهير ستة عشر سنة (١)، ولم يعتمده المصنف.
وأشار لثانيها بقوله: أو الحلم، وهو: الإنزال من ذكر أو أنثى.
وأشار لثالثتها ورابعتها بقوله: أو الحيض أو حمل، وهما في الأنثى فقط، وكذا في الخنثى، والأولان في الذكر والأنثى.
وأشار لخامستها بقوله: أو الإنبات، وهو: طلوع شعر العانة لهما، وإن لم ينزل، ولا بلغ سنه.
الطرطوشي: المراد به الخشن، لا الزغب.
وهل هو إلا علامة مطلقًا في حق اللَّه تعالى وحق الآدمي، وهو ظاهر كلام المازري وغيره، أو علامة إلا في حقه تعالى، فليس بعلامة، فيلزم الآدمي في الحكم الظاهر من طلاق وحد، ولا يلزمه فيما بينه وبين اللَّه طلاق حتى يحتلم، أو يبلغ سن الاحتلام، وكذا الصلاة ونحوها، وهو رأي ابن رشد؟ تردد.
هذا ظاهر كلام المصنف، وتقرير الشارح: هل هو علامة، وهو المشهور، أو ليس بعلامة وهو قول مالك، ونحوه لابن القاسم، أو الخلاف فيما بينه وبين الآدميين، وأما فيما بينه وبين اللَّه فلا خلاف أنه ليس بعلامة انتهى.
وهو وإن كان في توضيحه كذلك، لكنه بعيد من كلامه هنا.
تتمة:
زاد القرافي في العلامات: رائحة الأبطين، وزاد غيره: فرق الأرنبة، وبعض الطبائعيين: غلظ الصوت.
_________________
(١) كذا في سائر النسخ، والصواب: ست عشرة سنة.
[ ٦ / ٤٦ ]
وصدق مدعي البلوغ في السن بالعدد، وفي الاحتلام إذا أمكن، وكذلك الإنبات، إن لم يرب مدعيه، فإن حصلت منه ريبة لم يصدق، وسواء كان طالبا كمدعيه؛ ليقسم له في الجهاد، أو مطلوبا كجانٍ ادعى بلوغه؛ ليقام عليه الحد، فأنكر، ولا يكشف.
وقال ابن العربي: يكشف، ويستدبره الناظر في المرآة، فيرى الإنبات أو البياض المسطح.
وأنكره ابن القطان (١) الفقيه المحدث المتأخر، قائلًا: لا يجوز النظر لا للعورة، ولا لصورتها.
وللولي أب أو غيره رد تصرف مميز بهبة أو صدقة أو بيع في عقار أو غيره، وله إمضاؤه.
تنبيهات:
الأول (٢): ظاهره: ولو كان سدادا، وهو كذلك عند أصبغ؛ لوقوعه على وجه الحدس والتخمين، واللَّه أعلم.
_________________
(١) هو: علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسي، أبو الحسن ابن القطان، (٥٦٢ - ٦٢٨ هـ = ١١٦٧ - ١٢٣٠ م): من حفاظ الحديث، ونقدته. قرطبي الأصل. من أهل فاس. أقام زمنا بمراكش، قال ابن القاضي: رأس طلبة العلم بمراكش، ونال بخدمة السلطان دنيا عريضة، وامتحن سنة ٦٢١ فخرج من مراكش، وعاد إليها واضطرب أمره، ثم ولي القضاء بسجلماسة، فاستمر إلى أن توفي بها. ونقمت على في قضائه أمور. له تصانيف، منها "بيان الوهم والايهام الواقعين في كتاب الاحكام - خ" انتقد به أحكام عبد الحق ابن الخراط، قال ابن ناصر الدين: ولابن القطان فيه وهم كثير نبه عليه أبو عبد اللَّه الذهبي في مصنف كبير. ومن كتبه "مقالة في الأوزان" و"النظر في أحكام النظر" و"برنامج" مشيخته، ونسب إليه "نظم الجمان - ط" قطع منه، وليس من تصنيفه. ينظر: الأعلام (٤/ ٣٣٠ - ٣٣١)، وجذوة الاقتباس ٢٩٨ وشذرات الذهب ٥: ١٢٨.
(٢) قال في المنح (٦/ ٨٩): "عج: المعتمد تصديقه إذا كان مطلوبا لقوله -ﷺ- ادرءوا الحدود بالشبهات وفي كلام ق ما يفيده وتبعه الخرشي وعب قال فإن ارتيب فيه فلا يصدق فيما يتعلق بالمال ويصدق في الجناية لدرء الحد بالشبهة وفي الطلاق فلا يلزمه استصحابا لأصل صباه ففي المفهوم تفصيل واستثني دعوى الحمل فينتظر ظهوره إن =
[ ٦ / ٤٧ ]
الثاني: أشعر تخييره بأن الرد هنا إبطال لا إيقاف، وهو كذلك، ومفهوم (مميز) أن ما لا تمييز عنده أحرى.
الثالث: يقيد ما تقدم بما في المتيطية من تصدق على يتيم مولى عليه، واشترط المتصدق عدم الحجر عليه فيه لوصى أو غيره، كان له شرطه.
ابن فرحون: وبه الفتوى، وفيه خلاف.
وله أي: للصغير المميز إن تصرف في صغره ولا ولي له أو له ولم يعلم قبل رشده رد تصرف نفسه، إن رشد، وله إمضاؤه؛ لأن ما كان لوليه انتقل له.
ثم بالغ على أن ما كان للولي ينتقل للصبي، ولو لم يحنث فيما كان حلف عليه، إلا فيما بعد بلوغه؛ ليشير للخلاف، ولما هو المشهور، فقال: ولو كان تصرف من رشد قبل بلوغه بيمين حنث فيه بعد بلوغه رشيد.
ابن رشد: على المشهور.
ومفهوم الصرف عدم لزومه إن حنث حال صغره، وهو كذلك.
ابن رشد: اتفاقا.
أو وقع تصرفه حال صغره الموقع؛ لكونه سدادًا ونظرًا، فله رده وإمضاؤه؛ لأنه حينئذ غير مكلف، وهو المشهور، فهو داخل في حيز المبالغة كالذي قبله، وضمن المميز مما أي: شيئًا أفسد إن لم يؤمن عليه اتفاقا.
_________________
(١) = كان خفيًا ويدل قوله ولا نفقة بدعواها الحمل بل بظهوره وحركته قاله د في الحط أنها تصدق اهـ. الحط ومنه أي البرزلي سئل السيوري عن البكر اليتيمة تريد النكاح وتدعي البلوغ هل يقبل قولها أو تكشف فأجاب يقبل قولها اهـ".
[ ٦ / ٤٨ ]
ومفهوم الشرط: أنه لو أمن عليه لم يضمنه، وهو كذلك على المشهور.
ومفهوم (مميز) أن من لم يعقل لم يضمن دما ولا مالا كالعجماء، وهو كذلك على أحد الأقوال.
ثانيها: كالمميز.
ثالثها: إهدار المال دون الدم.
وأفهم قوله (ضمن) أن أباه لا يتبع بذلك، وأنه لو كان مما لا يضمن كالخمر ونحوه مما هو محرم لم يضمنه، وهو كذلك.
وصحت وصيته أي: الصغير المميز كالسفيه البالغ؛ لأن الحجر عليهما لأجلهما، ولو حجر عليهما عنها لكان لغيرهما، إن لم يخلط، يحتمل تعلق هذا الشرط بالمميز، كما هو ظاهر كلام الشارح؛ لأنه المحدث عنه، ويحتمل السفيه لقربه، كما قيده اللخمي به، ويحتمل عوده لهما؛ ولذا أخره عنهما، وأفرد الضمير لأن المراد أحدهما.
تذنيب:
فسر اللخمي عدم التخليط بإيصائه بما فيه قربة للَّه، أو صلة رحم.
وأبو عمران التخليط بأن يذكر في كلامه ما يبين أنه لم يعرف ما ابتدأ به.
ومفهوم الشرط: إن خلط بطلت، وعليه غير واحد.
تتمة:
اختلف في سن من تجوز وصيته: هل عشر فأقل بيسير، أو سبع، وهما لمالك، أو إذا راهق، وهو لابن الماجشون، أو ينظر لحال كل بانفراده، وإليه أشار اللخمي، واستظهر، أقوال.
ويستمر الحجر على المميز إلى حفظ مال ذي الأب بعده، أي: البلوغ، فالغاية هنا غاية للغاية السابقة، والصبي لبلوغه.
[ ٦ / ٤٩ ]
وجوز صاحب التكملة كونه متعلقا بقوله: (تصرف) في قوله: (وللولي رد تصرف)، فيصير قوله قبل هذا: (والصبي محجور عليه لبلوغه) ظاهر في أن الصبي محجور عليه إلى البلوغ فقط، فيرتفع حجره، وليس كذلك انتهى.
وهو مندفع بما قررناه.
تنبيه:
ظاهر كلامه انفكاك الحجر عنه بمجرد حفظ المال، وهو كذلك على أحد قولين حكاهما المازري؛ إذ اللازم للحاجر صيانة المال، لا التجزئة، فمالكه أولى.
وقيل: يشترط زيادة حسن التنمية؛ إذ لو لم يحسنها لأدى لتلف ماله.
ويستمر في غير ذي الأب إلى فك وصي، أو فك مقدم من القاضي، إن كان أحدهما، ولا يحتاج المقدم لإذن القاضي في ذلك.
المازري: وهو المشهور، خلافًا لابن زرب؛ فإنه وكله، إلا أن يكون معروفا بالرشد.
ابن راشد: وبه العمل اليوم.
ولم ينبه المصنف على ما به العمل.
فائدة:
إنما كان الوصي أقوى من الأب مع أنه فرعه؛ لأن الأب لما أدخله في حجره صار كحجره هو عليه، وهو إذا حجر لا ينفك إلا بإطلاقه.
تنبيه:
سكت عن تعريف السفه، وهو عنده قسيم الرشد، وهو ظاهر أقوال أهل المذهب، أنه لا واسطة بينهما.
قال صاحب التكملة: فعلى هذا نقرر حقيقته بتبذير المال اتفاقًا، وفي تقريره بعدم حسن القيام بتنمية أو بالفسق قولان، مخرجان من قوله: (حسن
[ ٦ / ٥٠ ]
التنمية، وعدم الفسق) انتهى. وأخذ ذلك من ابن عرفة.
إلا كدرهم يصرفه لعيشه، كلحم وبقل وخبز، فلا يحرج عليه فيه.
ثم أخرج من قوله: (وللولي رد تصرف مميز) الشامل للسفيه البالغ ما هو خاص بالبالغ، فقال: لإطلاقه؛ فليس له رد تصرفه فيه، ويلزمه على المذهب خلعا كان أو غيره.
ويلزم استلحاق نسب بشرطه، ونفيه بلعان في الزوجة، أو نفي حمل أمته.
ويلزمه عتق مستولدته تنجيزًا على المشهور؛ إذ لم يبق له فيها غير الاستمتاع وخفيف الخدمة، والنفقة عليها أكثر من ذلك، ويتبعها مالها إن قل.
ويلزمه قصاص أي: جنايته المقتضية للقصاص.
ابن رشد: ويعقل مع المعاقلة ما لزمها.
ونفيه أي: نفي القصاص؛ إذ لا يجب فيه مال عند ابن القاسم، إن أراد أن يقتص، وكذا لا حجر عليه إذا وجب له قصاص في قتل ولد ونحوه عمدًا، ولا خلاف أنه لا يصح له عفو عن جراح الخطأ؛ لأنها مال، فإن أدى جرح الخطأ إلى نفسه وعفا عن ذلك عند موته كان في ثلثه كالوصايا.
ويلزمه إقرار بعقوبة في بدنه كحد وقصاص.
تنبيه:
ما قررنا به كلامه من اللزوم في هذه المسائل من قوله: (لإطلاقه) إلى هنا في البالغ، مثله لابن الحاجب، وأما تقرير الشارح له بعدم اللزوم لغير البالغ واللزوم للبالغ ففيه نظر في بعض مسائل غير البالغ؛ إذ ليس له نسب يثبته أو ينفيه، ولا أم ولد.
وأشعر تخصيصه (عتق مستولدته) بأن عتق غيرها لا يلزمه، وهو كذلك، ونحوه في المقدمات.
[ ٦ / ٥١ ]
[٣] وتصرفه أي: السفيه المهمل قبل الحجر على محمول يسمى الإجازة عند مالك -رحمه اللَّه تعالى- وأكثر أصحابه، وشهره ابن رشد في مقدماته؛ لأن المانع عنده من التصرف الحجر، وليس بموجود، ويؤيده ما أخذه غير واحد من قول المدونة: من أراد أن يحجر على ولده أتى به الإمام ليحجر عليه، ويشهر ذلك في الجوامع والأسواق، ويشهد على ذلك، فمن باع أو ابتاع بعد ذلك فمردود.
لا عند ابن القاسم في المشهور عنه في البيان، وصححه ابن الحاجب وغيره.
المازري: واختاره محققو أشياخي؛ لأن السفه عنده هو العلة في حجر الحاكم.
تنبيهان:
الأول: في كلام المؤلف إشعار بأن الأول هو المعتمد عنده، وإلا لقال: خلاف، كعادته.
الثاني: أشعر ذكره القولين في السفيه بأن أفعال مجهول الحال جائزة، وهو كذلك اتفاقًا، قاله في التوضيح عن المقدمات.
وعليهما أي: قول مالك وابن القاسم، قال المصنف: أو على شبههما العكس في تصرفه، أي: السفيه، إذا رشد بعده أي: بعد الحجر عليه، ولم يحكم بإطلاقه.
فعلى قول مالك لا يجوز، ولا يمضي؛ لأنه محجور عليه، لم يطلق.
وعلى قول ابن القاسم يمضي؛ لأن العبرة عنده بحال التصرف، لا وقت الحكم.
قال صاحب التكملة: وهما منصوصان، لا مخرجان.
وزيد على ما ينفك به الحجر عن الذكر في فكه عن الأنثى شرطان:
الأول: دخول زوج بها، فإن لم يدخل فهي على الحجر، ولو علم
[ ٦ / ٥٢ ]
رشدها، ولا يحتاج لاختيارها بسنة بعد الدخول على المشهور عند ابن رشد وعياض وغيرهما، وشهر ابن الحاجب اختبارها بسنة بالنون.
وصرح ابن فرحون بتشهيره عند قول ابن الحاجب: (بسنة) بمثناة فوقية، أي: ستة أعوام بعد البناء، ليوافق ما به العمل، قاله ابن أبي زمنين، إلا أن يحدد الأب عليها سفها قبل ذلك، وعن ابن القاسم سبعة أعوام بعد البناء.
ابن عرفة: وبه العمل عندنا.
والشرط الثاني: شهادة العدول على صلاح حالها بحسن تصرفها وسداد أفعالها، كما في الموطأ والمدونة، ثم ينفك الحجر عنها، وإن كان قرب الدخول بها على المشهور، ولو جدد أبوها حجرًا على الأرجح، وهو خلاف ما كان يفتي به ابن زرب من أن له تجديد سفهها.
تنبيهات:
الأول: ظاهر كلام المصنف انفكاكه، ولو ضمن شهود تجديد سفهها علمهم بسفهها، وهو كذلك، خلافًا لما كان يفتي به ابن القطان والأصيلي (١) من أنه ليس له ذلك إلا بإثبات سفهها.
الثاني: كان حقه أن يقول على الأظهر؛ لأن المرجح هنا إنما هو ابن رشد، حيث قال: القياس أن ليس للأب عليها تجديد حجر على قول من
_________________
(١) هو: عبد اللَّه بن إبراهيم بن محمد بن عبد اللَّه بن جعفر، أبو محمد، الأموي المعروف بالاصيلي، (٣٢٤ - ٣٩٢ هـ = ٩٣٦ - ١٠٠٢ م): عالم بالحديث والفقه. من أهل أصيلة (في المغرب) أصله من كورة "شبدونة" ولد فيها ورحل به أبوه إلى "آصيلا" من بلاد العدوة فنشأ فيها. ويقال: ولد في آصيلا. رحل في طلب العلم، فطاف في الأندلس والمشرق. ودخل بغداد سنة ٣٥١ هـ وعاد إلى الأندلس في آخر أيام المستنصر، فمات بقرطبة. له كتاب "الدلائل على أمهات المسائل" في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة. ينظر: الأعلام (٤/ ٦٣)، وجذوة المقتبس ٢٣٩ ومعجم البلدان ١: ٢٧٨ وتاريخ علماء الأندلس ٢٠٨.
[ ٦ / ٥٣ ]
حد لجواز أفعالها حدا؛ لأنه حملها ببلوغها إليه على الرشد، وأجاز أفعالها، فلا يصدق الأب في إبطال هذا الحكم بما يدعي من سفهها إلا أن يعلم صحة قوله.
الثالث: شمل قوله (الأنثى): المعنسة، وابن الحاجب جعل هذا الحكم في غيرها، واللَّه تعالى أعلم.
الرابع: وقع للشارح نسبة الترجيح لابن يونس، ثم نقل عنه ما قدمناه عن ابن رشد، وما قدمناه هو عنه في مقدماته، فإن كانا متفقين على تلك العبارة، فكان ينبغي أن يقول: على الأرجح والأظهر، وإلا فهو سبق قلم من الكاتب.
وللأب ترشيدها أي: ابنته البكر البالغ قبل دخولها؛ لأنه محمول على السداد كالوصي، له ترشيدها قبل دخولها إن عرف رشدها، وكذا لو لم يعرف رشدها في المسألتين (١).
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ١٠٣ - ١٠٤): "وللأب ترشيدها أي بنته البكر البالغة قبل دخولها بزوجها وأولى بعده هذا ظاهره وبه قرر تت وقال عب كالوصي له ترشيدها بعد الدخول لا قبله على المعتمد خلافًا لتت ولظاهر المصنف ونحوه للخرشي. طفى قول تت قبل الدخول لعله بعد الدخول إذ المسألة مفروضة هكذا في كلام المتيطي وغيره وبه قرر عج إن عرف رشدها بل ولو لم يعرف بضم فسكون ففتح رشدها في المسألتين طفى الصواب أنه خاص بالثانية إذ فيها الخلاف المشار إليه بلو وبه قرر "ج" في المتيطية، اختلف هل للوصي ترشيدها بعد البناء فالمشهور أنه عليه العمل والوصي مصدق في ذلك وإن لم تعلم البينة رشدها. وقيل ليس له ذلك إلا بعد إثبات رشدها قاله ابن القاسم في سماع أصبغ ونحوه لعبد الوهاب. واختلف في ترشيد الوصي إياها وهي بكر فقيل له ذلك كالأب. وقيل ليس له ذلك حتى يدخل زوجها ويعرف من حالها ما يوجب إطلاقها. وقال أحمد بن بقي ليس للوصي ترشيدها قبل دخول بيتها إلا أن تعنس فإن التعنيس يأتي على ذلك كله اهـ. وبهذا يصح قوله قبل دخولها اهـ. قلت إذا رجعت المبالغة الثانية فرجوعها للأولى أولى لحمل تصرف الأب على السداد =
[ ٦ / ٥٤ ]
واختلف في مقدم القاضي: هل هو كهما، لأن له عليها ولاية، وهو لسحنون في العتبية ولغير ابن القاسم في المدونة، أو ليس كهما، وأفعالها مرودة ما لم تعسر، أو ما لم تتزوج وتقيم مدة يحمل أمرها فيها على الرشد خلاف.
والولي على المحجور عليه صبيًا كان أو سفيها الأب الرشيد، كذا قيد المصنف كلام ابن الحاجب، فإن لم يكن رشيدًا فهل يكون ناظرًا على بينة أو لا إلا بتقديم مستأنف؟ قولان.
وله أي: الأب البيع على ولده مطلقا في ربع وغيره، لا مقيدًا بما يقيد به الوصي، وفعله محمول على السداد، وإن لم يذكر سببه، كذا أطلق المصنف، وعزاه في توضيحه لظاهر المذهب.
وقال أبو عمران: كلما سئل في الكتاب عن بيع الأب لشيء من متاع به أطلق القول بجوازه، إلا أن يكون على غير وجه النظر، وإذا سئل عن الوصي قال: لا يجوز بيعه إلا أن يكون نظرا، وحيث كان في بيعه محمولا
_________________
(١) = لشفقته غاية الأمر أنها في الأولى لمجرد دفع التوهم لعدم الخلاف فيها واللَّه أعلم. وفي ترشيد مقدم القاضي خلاف فقيل يجوز كترشيد الأب والوصي لأن له ولاية وهو لسحنون في العتبية ولغير ابن القاسم في المدونة. . وقيل لا يعتبر وأقفالها بعده مردودة ما لم تعنس أو تتزوج وتقم مدة ببيت زوجها مدة يحمل أمرها فيها على الرشد طفى أشار به لقول المتيطي اختلف في مقدم القاضي هل له ترشيدها بعد البناء فالمشهور ليس له ذلك إلا بعد إثبات ما يوجب إطلاقها وبعد أمر القاضي له به وكما أدخلها في الولاية قاض فلا يجوز أن يطلقها منها إلا قاض وقاله ابن زرب وغيره ونحوه لعبد الوهاب وقيل له ذلك من غير إذن قاض وإن لم يعرف رشدها إلا بقوله ونحوه في كتاب محمد اهـ. وفي التوضيح وأما المقدم من القاضي فالمشهور أنه كوصي الأب لأن القاضي جبر به الخلل الكائن بترك الأب تقديم وصي لهذا الولد على ما قرره المازري وغيره وأما تقرير تت فغير ظاهر لأن الخلاف الذي ذكره في اليتيمة غير المولى عليها هل أفعالها جائزة إذا بلغت المحيض أو مردودة ما لم تعنس كما في التوضيح وغيره وهذا غير ملتئم مع كلام المصنف ولا معنى لقوله كهما إذ لم يتعرض سحنون ولا غيره لمقدم القاضي أصلا".
[ ٦ / ٥٥ ]
على السداد فلا اعتراض لولده بعد رشده فيما باعه عليه، قاله ابن القاسم، واللَّه -﷾- هو الموفق للصواب.
تنبيه:
إطلاقه جواز البيع يشمل ما إذا باع لمنفعة نفسه، وهو قول أصبغ، لكنه رجع عنه لقول ابن القاسم: إن باع لنفسه وتحقق ذلك فسخ.
ابن عرفة: يريد منفعة غير واجبة، ولو كانت واجبة له لا يفسخ، كبيعه الدار لشركته معه فيها، وهي لا تنقسم.
ثم يلى أبا المحجور وصيه؛ لأنه نائبه، ثم وصي وصيه، وإن بعد، وهل تصرف الوصي محمول على السداد كالأب، فلا يختلف لذكر سبب تصرفه، إلا أن يثبت خلافه، وإليه ذهب جماعة من الأندلسيين وغيرهم، أو محمول على السداد، إلا الربع إذا باعه فببيان السبب، فإذا بينه جاز اتفاقًا، وإليه ذهب أبو عمران وغيره من القرويين، خلاف في التشهير.
وليس له أي: الوصي هبة لشيء من مال محجوره للثواب؛ لأنها إن كانت بيد الموهوب إنما عليه قيمتها، والوصي لا يبيع بالقيمة، بخلاف الأب له ذلك.
ثم يلي الوصي الحاكم أو مقامه، وباع على اليتيم ما يصرف ثمنه في مصالحه بثبوت يتمه عنده؛ لاحتمال وجود أبيه، وإهماله لاحتمال وجود وصي، وملكه لما بيع عليه؛ لئلا يبيع ما ليس له، وأنه الأولى بالبيع من غيره، إن كان له غيره.
وبإثبات حيازة الشهود له أي: لما شهد عند الحاكم أنه ملك اليتيم؛ خشية أن يقال بعد ذلك: ليس هذا المبيع هو المشهود بملكه له.
وبثبوت التسوق بما يباع، بأن يوقف للسوق مرة بعد أخرى، وعدم إلغاء، أي: وجود ثمن زائد على ما أعطى فيها، والسداد في الثمن، بحيث لا يكون نسيئه، ولا يكون عرضا؛ لئلا يخسر إذا بيع، وفي لزوم تصريحه
[ ٦ / ٥٦ ]
بأسماء الشهود الثابت عندهم ما أوجب البيع، وعدم لزوم تصريحه بأسمائهم، قولان بغير ترجيح.
وذكر ابن راشد هذه الشروط، وزاد: قبول من يقدمه للبيع لما كلفه من ذلك؛ لأنه إن باع قبل قبوله كان بيعه منظورًا فيه؛ إذ حين الإذن لم يقبل، وحين البيع لم يؤذن له، وإنما لم يذكره المصنف لأن تصرفه قبول.
لا حاضن كجد وأم وأخ وعم، فلا يبيع على محضونه مطلقا، ولا يقسم عنه، وعمل بإمضاء بيع حاضن للشيء اليسير فقط، وفي العتبية جوازه، وبه قال أصبغ؛ ولذا تعقب الشارح لفظ الإمضاء؛ لاقتضائه عدم الجواز ابتداء.
وعموم قوله (حاضن) يشمل الذكر والأنثى، والقريب والأجنبي، وهو كذلك، قاله ابن فتوح.
وفي حده أي: اليسير، قال صاحب التكملة: بالنسبة ليتيم واحد، تردد للمتأخرين: فلابن الهندي: عشرة دنانير، ولابن العطار: عشرون دينارا، ولابن زرب: ثلاثون دينارا.
قال أبو الحسن الصغير: وعلى الثاني الأكثر.
وللولي أب أو غيره ترك التشفيع، فلا يأخذ له بالشفعة، إن كان الترك نظرا، ويسقط حق اليتيم، فلا قيام له بذلك، إن بلغ ورشد، وإن كان الأخذ نظرًا فليس للولي الترك، وإن تركه فله القيام إذا رشد.
وله في الصغير ترك القصاص في الجناية عليه أو على وليه، وأخذ الدية إن كان محتاجا، والقصاص إن كان غنيا، وإن ترك فله القيام إذا رشد، وحيث ترك الولي التشفيع أو القصاص على وجه النظر فيسقطان.
تنبيه:
إنما حملنا كلامه على الصغير حتى لا يعارضه ما تقدم في البالغ.
ولا يعفو أي: الولي في عمد ولا خطأ، قاله في المدونة، وزاد: إلا
[ ٦ / ٥٧ ]
أن يعوض المحجور عليه مما له نظير ما فوته عليه.
وإن أعتق الولي غير الأب عبد المحجور مضى عتقه عليه، إن كان بعوض من مال الولي أو غيره، لا من مال العبد، فلو أعتق بغير عوض رد؛ لأنه إتلاف لمال المحجور عليه، وفي شفعة المدونة: الجواز؛ ولذا شوحح المصنف في تعبيره بـ (مضى).
ثم شبه في الحكم، فقال: كأبيه يمضي عتقه دون غيره من الأولياء بغير عوض، إن أيسر الأب، ويغرم قيمته، فإن كان معسرًا لم يجز، ونحوه قول المدونة: وإن أعتق عبد ابنه جاز إن كان للأب مال، وإلا لم يجز، ففي تشبيهه بما يمضي مشاحة.
وما قررناه به هو ظاهر ما في توضيحه، فقول الشارح ومن تبعه: (كأبيه أو غيره من الأولياء) غير ظاهر، وكذا تقريره لقوله: (ومضي عتقه) أي: الولي بعوض، احترازًا عما لو كان بغير عوض، فإنه يرد، إلا أن يكون موسرًا فيجوز ويغرم قيمته من ماله؛ إذ لو أراده المصنف لأسقط (كأبيه)، واكتفى بما قبله؛ لعمومه فيه وفي غيره.
ثم ذكر مسائل لا يحكم فيها غير القضاة، فقال: إنما يحكم في الرشد وضده وهو: السفه وفي الوصية والحبس المعقب وأمر الغائب والنسب والولاء وحد لحر، وأما الرقيق فلسيده حده، إن لم يتزوج بغير ملكه، وقصاص ومال يتيم: القضاة، فاعل (يحكم).
فالثمانية الأولى نص عليها أبو الأصبغ بن سهل، والأخيران زادهما أبو محمد صالح (١).
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ١١٤): "طفى فيه نظر لأن الذي زاده أبو محمد صالح الحد والقصاص وما عداهما نص عليه أبو الأصبغ كذا في أصل أبي الأصبغ بن سهل وكذا نقله أبو الحسن في شرح المدونة قولها ولا يتولى الحجر إلا القاضي وزاد بعد الثمانية قال الشيخ أبو محمد صالح والنظر في الحدود والقصاص اهـ وقد أحسن "س" عزوها".
[ ٦ / ٥٨ ]
وإنما يباع عقاره أي: اليتيم لأحد وجوه عشرة ذكرها ابن رشد، واقتصر عليها المصنف، وعطفها بـ (أو) للاكتفاء بكل واحد منها:
أولها بيعه لحاجة تلحقه، وهي تشمل عدم نفقته، ودينا لا يحد قضاءه من غير ثمنه.
وعد ابن عرفة الثاني وجها ثانيا، فهي عنده أحد عشر.
[٢] أو غبطة، بأن يزاد في ثمن ماله قدر وبال، وفسره الغرناطي بالزائد على ثلث القيمة.
[٣] أو لكونه موظفا، لكون أرضه محتكرة.
[٤] أو لكونه حصة، ويستبدل غيرها كاملا؛ للسلامة من ضرر الشركة.
[٥] أو قلت غلته فيستبدل خلافه مما غلته أكثر، كذا هنا، وفي توضيحه: أن لا يعود عليه منه شيء، ومثله في وثائق الغرناطى، ونحوه قول ابن عرفة، أو لأنه لا يعود بنفع.
[٦] أو لكونه بين ذميين، ويشتري له بين مسلمين.
[٧] أو لكونه بين جيران [سوء].
[٨] أو لإرادة شريكه بيعا فيما لا ينقسم، ولا مال له يشتري به حصة الشريك.
[٩] أو لخشية انتقال العمارة من قرية، فيصير غير منتفع به غالبا.
[١٠] أو الخراب ولا مال له يعمر به، أو له والبيع أولى من العمارة.
وظاهر هذا أنه وجه غير العشرة، وعده الشراح مع الذي قبله وجها واحدا، وزاد في الطرد وجها آخر، وهو أن يتقي عليه من السلطان أو غيره، وزاد ابن أبي زمنين وابن زياد كون الدار أو الحصة مثقلة بمغرم، لا تفي أجرتها بها.
[ ٦ / ٥٩ ]
وقد يقال: إن المصنف استغنى عن هذا الوجه بالموظفة.
وزاد ابن عرفة عن ابن الطلاع (١) أن يخشى عليها النزول، ولعل المصنف استغنى عنه بما قلّت غلته وبما يخشى انتقال العمارة عنه، وقد نظمها الشيخ الإمام المحقق المدقق وسلطان الفصحاء البدر الدماميني (٢) مطولا ومختصرا، ولنقتصر على المختصر؛ لأن الكلام على المختصر وهو:
إذا بيع ربع لليتيم فبيعه لا شيئًا يحصيها الذكي بفهمه
قضاء وإنفاق ودعوى مشارك إلى البيع فيما لا سبيل لقسمه
وتعويض كل أو عقار محرر وخوف نزول فيه أو خوف هدمه
وبذل كثير المال في ثمن له وخفة نفع فيه أو ثقل غرمه
_________________
(١) هو: محمد بن الفرج القرطبي المالكي، أبو عبد اللَّه، ابن الطلاع، ويقال الطلاعي، (٤٠٤ - ٤٩٧ هـ = ١٠١٤ - ١١٠٤ م): مفتي الأندلس ومحدثها في عصره. من أهل قرطبة. كان أبوه مولى لمحمد بن يحيى البكري (الطلاع) فنسب إليه. له كتاب في (أحكام النبي) -ﷺ-، وكتاب في (الشروط) وغيره ذلك. وينظر: الأعلام (٦/ ٣٢٨)، والصلة لابن بشكوال ٥٠٦.
(٢) هو: محمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن محمد، المخزومي القرشي، بدر الدين المعروف بابن الدماميني، (٧٦٣ - ٨٢٧ هـ = ١٣٦٢ - ١٤٢٤ م): عالم بالشريعة وفنون الادب. ولد في الاسكندرية، واستوطن القاهرة ولازم ابن خلدون. وتصدر لاقراء العربية بالأزهر. ثم تحول إلى دمشق. ومنها حج، وعاد إلى مصر فولي فيها قضاء المالكية. ثم ترك القضاء ورحل إلى اليمن فدرس بجامع زبيد نحو سنة، وانتقل إلى الهند فمات بها في مدينة (كلبرجا). من كتبه (تحفة الغريب - ط) شرح لمغني اللبيب، و(نزول الغيث - خ) عندي، انتقد فيه شرح لامية العجم للصفدي، و(الفتح الرباني - خ) في الحديث، و(عين الحياة - خ) اختصر به حياة الحيوان للدميري، و(العيون الغامزة - ط) شرح للخزرجية في العروض، و(شمس المغرب في المرقص والمطرب - خ) أدب، و(مصابيح الجامع - خ) شرحه لصحيح البخاري، منه نسخ متعددة، إحداها في مجلد ضخم، في مكتبة (أدوز) بالسوس، ذكرها صاحب خلال جزولة. و(جواهر البحور - خ) في العروض، و(إظهار التعليل المغلق - خ) في مسألة نحوية، و(شرح تسهيل الفوائد - خ)، وله نظم. ينظر: الأعلام (٦/ ٥٦)، والضوء اللامع ٧: ١٨٤ وبغية الوعاة ٢٧ وشذرات الذهب ٧: ١٨١ وآداب اللغة ٣: ١٤٣.
[ ٦ / ٦٠ ]
وترك جواز الكفر أو خوف عطله فحافظ على نقل الصواب وحكمه
[٤] ولما فرغ من ذكر الجنون والصبا والسفه ذكر سببًا رابعا، وقول الشارح ثالثًا سبق قلم: وحجر على الرقيق في مال نفسه، والحجر من سيده للرق، وسواء كان ماله قليلا أو كثيرا، بمعاوضة أو غيرها، وسواء كان مضيقا لماله أو حافظا لحق السيد فيه؛ إذ له انتزاعه، والتعليل يوجب أصالته في كل رق، إلا ما ارتفع منه بإذن له في التجارة نصا، كالمأذون له في التجر أو لزوما.
اللخمي: والمدبر والمعتق لأجل وأم الولد كالقن.
فقوله: (الرقيق) أي: في الجملة إن لم يكن الإذن في نوع خاص، بل مطلقًا باتفاق.
ولو كان في نوع خاص كأن لا يبيع إلا في البز، فباع في غيره، فكوكيل مفوض في جميع الأشياء على المشهور؛ لأنه أقعده للناس، ولا يدرون لأي أنواع التجارة أقعده.
تنبيه:
يفهم من قوله: (نوع) أنه لو أقعده في صنعة كالقصارة ونحوها لا يكون ذلك إذنا في التجارة ولا في المداينة.
قال المصنف: وكذا لو قال له: أدِّ إليّ الغلة، فليس إذنا في التجارة.
تتمة:
شبه بالوكيل مع أنه لم يأت اعتمادًا على ما يأتي، أو لإفادة الحكم فيهما.
وله أن يضع من الدين شيئًا لمن عامله، وله أن يؤخر فيه عن أجله، وله أن يضيف بطعام يدعو له الناس، ولو عقيقة لولده، ونحوه في المدونة.
وهذا إن استأنف بذلك للتجارة، والقيد راجع للثلاثة، وفهم منه المنع لغير الاستيلاف، وقيد اللخمي الوضيعة بما إذا لم تكثر، والتأخير بما إذا لم
[ ٦ / ٦١ ]
يبعد الأجل، وبه قيد ابن ناجي المدونة، ولم يذكره المؤلف هنا.
وله أن يأخذ قراضا يعمل فيه، وله أن يدفعه من ماله لمن يعمل فيه.
تنبيه:
عدل عن قول ابن الحاجب: (وفي إمضاء أخذ القراض وإعطائه قولان) لقوله في توضيحه: إن الإمضاء لا يدل على الجواز.
وللمأذون أن يتصرف فيه كهبة ووصية وعطية، مثله لابن الحاجب.
قال صاحب التكملة: وهو غير محتاج له؛ لأنه من جملة مال العبد، فينسحب عليه حجر التصرف فيه، وكأنه يشير إلى أنه مكرر مع قولهما: (كغيرهما) أن للسيد الحجر على مال رقيقه، وفيه نظر؛ لأنهما إنما نصًا على ذلك لأنه لما كان أصل المال ليس للسيد، فربما يتوهم أنه لا حجر له فيه، فدفعا هذا الوهم بنصهما على أن له الحجر، ولو لم يكن أصله ماله، واللَّه أعلم، ويقبل الهبة بغير إذن سيده.
وأقيم منها أي: من المدونة عدم منعه منها أي: من قبولها إقامة عياض من قولها: وما وهب للعبد المأذون، وقد اغترفه دين فغرماؤه أحق به من سيده، ولا يكون للغرماء من عمل يده شيء، ولا من خراجه وأرش جرحه وقيمته إن قتل، وما فضل بيده من خراجه، وإنما ذلك لهم في مال وهب للعبد، أو تصدق به عليه، أو وصى له به فقبله العبد، ولغير من أذن له في التجارة القبول للهبة بلا إذن من سيده، وإذا قبلها لم يتصرف فيها إلا على نحو ما يفعل في أمواله، لأنها صارت منها.
ولسيده الحجر عليه فيها بحث تقدم أن السفيه إذا شرط واهبه عدم الحجر عليه في الموهوب عمل به، فينبغي أن يكون هنا كذلك.
والحجر عليه أي: على المأذون عند قيام الغرماء عليه كآخر إذا قام
[ ٦ / ٦٢ ]
عليه غرماؤه، فيتولى ذلك القاضي لا الغرماء ولا السيد، إلا عند السلطان، وقبل للسيد الحجر عليه بغير حاكم لملكه له، وفهم أبو الحسن المدونة عليه.
قال المصنف: ومقتضى تصدير ابن الحاجب بالأول، وعطفه الثاني عليه بقيل: أنه المشهور.
وقول اللخمي هذا إن لم يظن اتجره قال ابن عبد السلام لا ينبغي العدول عنه.
وأشار صاحب التكملة لاحتمال كونه خلافًا أو تقييد أو الأول ظاهر كلام ابن شاس.
وأخذ بالبناء للمفعول دين المأخوذ مما بيده من المال، فإن بقي شيء فالسيد مخير في تركه بيده وانتزاعه، وإن كان ما بيده مستولدته فتباع في دينه إن استغرقها، وإلا فبقدره، إذ ليس فيها طرف حرية، وإلا كانت أشرف من سيدها.
وشمل كلامه من بيده من أقاربه ممن يعتق على الحر، وهو كذلك، ولكن بيعهم بإذن سيده كأم ولده ونحوه في آخر عتق المدونة الأول.
وأشعر قوله: (مستولدته) بأنها ولدت قبل ذلك، وهو كذلك، واعلم أنه لابد وأن تكون غير حامل؛ إذ لو كانت حاملًا لم يبعها حتى تضع؛ لأن ما في بطنها لسيده، انظر الكلام على ما يتعلق بفروع هذه المسألة في الكبير.
كعطيته صدقة ونحوها، فإن دينه يوفي منها، وهل تعلق الدين بما في يده من العطية إن منح ذلك للدين وهو للقابسي، قال: وإن لم يوهب لذلك فهو كخراجه، يكون السيد أحق به.
أو يتعلق الدين به مطلقا، سواء منح للدين أم لا، وهو لابن أبي زيد؟ تأويلان، وهذا فيما وهب له بعد قيامهم.
قال في الشامل: واختص سيده بما وهب له قبل قيامهم على الأصح،
[ ٦ / ٦٣ ]
إن ثبت ببينة، والدين قدر ماله، وإلا فلا (١).
لا من غلته؛ لأنها من أموال سيده، ولا من رقبته؛ إذ لا يباع في دينه.
وظاهره: سواء استهلكه تعديًا أو لا، كان وغدا أو لا، وهو كذلك على خلاف في كل منهما.
وإن لم يكن للمأذون غريم مطالب له بدين فكغيره ممن لم يؤذن له في التجارة فلسيده انتزاع ماله أو تركه بيده، بناء على أن من ملك أن يملك يعد مالكا، وإن كان غريم فله انتزاع ما فضل، ويقبل إقراره بدين فيما بيده قبل قيام الغرماء لمن لا يتهم عليه، ذكره ابن فرحون (٢).
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ١٢٥): "طفى: لا فرق بين ما وهب له قبل قيامهم وبعده كما هو ظاهر إطلاق الأئمة ولم أر هذا القيد لغيره ولا سلف له فيه ولا معنى له وغره كلام الشامل الذي نقله محرفا كما حرفه الزرقاني وغيره وتكلف له معنى يمجه السمع وشرحه مؤلفه على هذا التحريف والذي رأيته في نسخة عتيقة من الشامل واختص سيده بما رهنه بالراء والنون بعد الهاء وكأنها إصلاح وعليها شرح المدني شارح الشامل فقال أشار بذلك لما في النوادر. قال مالك -﵁- إذا باع لعبده المأذون له سلعة ثم أخذ منه رهنا فلحق العبد دين فإن كان دين السيد بقدر مال العبد ومبايعته مبايعة مثله فهو أحق بالرهن إذا كانت عليه بينة وإن كان على غير ذلك لم يكن أحق به وإن كانت له بينة. وقيل لا يكون أحق به وهو أسوة الغرماء اهـ. وهذا هو المتعين في كلام الشامل، ولا يصح غيره وقد قال في المدونة ولا يحاصص السيد غرماء عبده بما دفع إليه من مال فتجر به إلا أن يكون عامله بذلك فأسلفه أو باعه بيعًا صحيحًا بغير محاباة وإن دفعه إلى السيد رهنا في ذلك كان السيد أحق به، وإن ابتاع من سيده سلعة بثمن كثير لا يشبه المعتاد مما يعلم أنه توليج لسيده فالغرماء أحق بما في يد العبد إلا أن يبيعه بيعًا يشبه البيع فهو يحاصص به الغرماء. اهـ. فقول الشامل والدين قدر ماله هو قولها بيعًا صحيحًا وقولها يشبه البيع وقوله وإلا فلا هو قولها بثمن كثير لا يشبه الثمن وقد نبه ح على كلام الشامل وتبع س تت".
(٢) قال في المنح (٦/ ١٢٦): "طفى: تقرير تت كلام المصنف بالانتزاع فقط صواب وهو قول ابن الحاجب، وأما الانتزاع إذا لم يكن غرماء فكغيره فزيادة س وج والحجر عليه بغير حاكم غير صواب لما سبق لك من نص المدونة وابن شاس أن الحجر عليه لا =
[ ٦ / ٦٤ ]
وليس له إسقاط ما لزم من دين بخلاف غير المأذون.
ولا يمكن رقيق ذمي من تجر في كخمر وخنزير وربا ونحوها مما لا يحل ملكه، إن اتجر لسيده المسلم، أو باع الذمي، فإن باع لمسلم كسرت على المسلم.
ومفهوم كلامه تمكينه من التجر في غير ذلك، وفي المدونة: لا يجوز لمسلم أن يستجر عبده النصراني، فلا يأمره ببيع شيء؛ لقوله تعالى: (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه)، لكن قال ابن عرفة: مراد بعبده هنا مكاتبه.
وقيل: مأذون له وفلس.
وقيل: مأذون يتجر في مال نفسه.
وقيل: في قوته ومعاوضته.
وقيل: فيما تركه له سيده بوسعه انتهى.
وإلا بأن تجر لنفسه وعامل أهل الذمة فقولان:
- تمكينه في التجر؛ بناء على عدم خطابهم.
- وعدمه بناء على خطابهم.
وأما غير المأذون فروى أشهب: لا يشتري منه شيء، وإن قل كخف، ولا يقبل قوله: إن أهله أذنوا له.
[٥] ومن أسباب الحجر: المرض، وهو: سبب خامس، وعد الشارح له رابعًا سبق قلم، يتجر على مريض مرضًا مخوفا حكم الطب أي: أهله بكثرة الموت به أي: بسببه، لكونه ناشئًا عنه، شهيرًا لا يتعجب من صدوره عنه، وإن لم يكن غالبا عنه عند الأكثر، خلافًا لقول المازري: لابد من كونه غالبا عنه.
_________________
(١) = يكون إلا عند الحاكم كالحر لا فرق بين كونه عليه دين مستغرق أم لا وهو ظاهر إطلاق المصنف وغرهما تقرير قوله والحجر عليه كالحر مع قيام الغرماء وقد علمت ما فيه".
[ ٦ / ٦٥ ]
تنبيه:
وهذا فيما زاد على ثلثه لحق الورثة، وسيأتي أن هذا في غير مؤنته وما معها.
ومثل للمخوف بقوله:
- كسل: بكسر السين المهملة، وهو: مرض ينتحل معه البدن، فكأن الروح تنسل معه قليلا قليلا.
- وقولنج: بضم القاف وفتحها، وبفتح لامه وتكسر: مرض معدي مؤلم يعسر معه خروج التفل والريح.
- وحمى قوية، وعبر عنها ابن الحاجب بالحادة.
قال صاحب التكملة: الحادة ما جاوزت العادة في الحرارة وإزعاج البدن مع المداومة.
وحامل بستة، ودخلت في الشهر السابع، وبه فسر عياض المذهب، ويحتمل أنها دخلت في الشهر السادس، ونقله المتيطي.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر قول ابن الحاجب: والحامل تبلغ ستة أشهر انتهى، وكلام المصنف يحتملها.
تكميل:
يعلم دخول الحامل في الستة بقولها، ولا يسأل النساء.
[٦] ويحجر على محبوس لقتل ثبت عليه ببينة عادلة، أو اعتراف، لا من حبس ليستبرأ أمره، أو لقطع في سرقة أو غيرها ليد أو رجل، إن خيف عليه الموت منه.
وظاهره: العطف على ما قبله، فيكون محبوسا للقطع، ويحتمل تعلقه بمحذوف أي: قرب لقطع، كما في المدونة؛ لأن الخوف فيمن قرب أكثر.
ومفهومه: إن لم يخف عليه الموت لم يحجر عليه، وكرر اللام مع القطع إشعارًا بأن قيد القطع مختص به.
[ ٦ / ٦٦ ]
[٧] ويحجر على حاضر صف القتال، وأما إن كان في النظارة أو متوجها للقتال قبل وصول الصف فلا.
الباجي: ولم أر في صف الرد نصا، وأرى أن لا يثبت له هذا الحكم إلا بكونه في صف المقاتلة.
[من لا يحجر عليهم:]
لا خفيف مرض، كجرب ورمد وحمى يوم وربغ وبرص وجذام وفالج، فلا يحجر على صاحبها؛ لأن الغالب السلامة منها، والموت منها نادر.
ولا يحجر على ملجج ببحر ملح ونيل وفرات ودجلة، كذا في توضيحه، ولو حصل الهول على المشهور، ومقابله: الحجر عليه.
وأشار إليه بـ (لو) وهما لمالك، وأشار بقوله: (ولو حصل الهول) إلى أن المعتبر حصوله حقيقة لا وقته.
وقال صاحب التكملة: المراد بالبحر الملح والنيل والملجح الذي صار في اللجة.
والحجر على المريض في غير مؤنته من تبرعه كعتق وهبة وصدقة وشبهها، لا في مؤنته وكسوته وتداويه؛ إذ بذلك قوام بدنه.
ويحجر عليه في غير معاوضة مالية، لا كبيع وشراء وقراض ومساقاه ونحوها مما فيه تنمية لماله.
وخرج بالمالية: النكاح والخلع، فلا يخالع المريضة، فإن حابى في معاوضاته فمحاباته في ثلثه إن مات من مرضه، وهي وارث، فإن كانت له بطلت، إلا أن يجيزها بقية الورثة، وإذا تبرع المحجور عليه بشيء وقف تبرعه بعتق أو غيره، إلا لمال مأمون للمحجور، وهو العقار، كدار وأرض ونخل، فلا يوقف تبرعه فيه، بل ينفد ما حمله ثلثه عاجلًا على المشهور.
وإذا وقف تبرعه في غير المأمون فإن مات فمن الثلث، إن وسعه، أو
[ ٦ / ٦٧ ]
ما وسعه منه، وإلا بأن عاش مضى تبرعه.
[عود على من يحجر عليه:]
[٨] ثم ذكر سببًا آخر من أسباب الحجر بقوله: وعلى الزوجة لزوجها؛ لما له من الحق في التجمل بمالها؛ إذ لو تصرفت بغير إذن لضر ذلك به.
ونبه على خلاف أبي حنيفة والشافعي في أنه لا حجر له عليها.
وأشار للخلاف في الزوج غير الحر بقوله: ولو عبدا على ظاهر المذهب؛ لما له من الحق كالحر، خلافًا لابن وهب.
وشمل الزوج السفيه، فلوليه الحجر على زوجته في تبرع زاد على ثلثها فلا حجر له عليها في الثلث، ولو تبرعت به ضررا، وهو كذلك عند ابن القاسم وأصبغ.
وخرج بقوله في تبرع المعاوضة المالية، كما تقدم.
وعموم قوله: (زوجها) يشمل الحر يتزوج الأمة، وليس حكمه كذلك؛ إذ لا حجر عليها له، لأن مالها لسيدها، وإنما لم ينبه المصنف على ذلك لشهرته.
وتمنع من التصرف فيما زاد على ثلثها وإن بكفالة، نحوه في المدونة، وسواء تكلف بمال أو وجه لضرر الزوج بخروجها للطلب، أو حبسها ويمنع منها.
وظاهره: ضمنت معسرًا أو موسرًا.
ابن عرفة: في المدونة كفالتها كعطيتها.
وأفهمت عبارته: أنها لو تكفلت عن زوجها لزمها، وهو كذلك.
ابن عرفة: ولو قالت: أكرهني لم تصدق.
وفي منع إقراضها كهبتها، وهو قول ابن الشقاق، أو جوازه، وهو قول ابن دحون؛ لأنه تقتضيه، قولان.
[ ٦ / ٦٨ ]
واصطلاح المصنف أن يعبر عن مثل هذين القولين بالتردد.
تنكيت:
قول صاحب التكملة: (إطلاقه في القرض مع حكاية ابن عرفة مقيدًا له عن من ذكر مما زاد على الثلث) غير ظاهر؛ لأن كلامه في هذه المسائل إنما هو في ما زاد على الثلث.
وهو أي تبرعها جائز حتى يرد الزوج، أو يجيز، وهو قول ابن القاسم، وعند مطرف مردود حتى يجيزه.
قال ابن رشد: وثمرة الخلاف إذا اختلف الزوجان: هل هو الثلث أو أكثر، فمن جعل تبرعها على الإجازة، قال: القول قولها. ومن جعله على الرد، قال: القول للزوج.
فمضى تبرعها بالزائد على الثلث إن لم يعلم زوجها به حتى تأيمت بأن طلقها، أو مات أحدهما، وليس له مقال في الأول، ولا لورثته في الثاني، ولا فرق بين موتها أو موت الزوج عند ابن القاسم؛ ولذا قال: (أو مات أحدهما).
وقال ابن حبيب: إن لم يعلم الزوج حتى ماتت فمردود؛ لأن له الميراث.
كعتق العبد رقيقه المحجور عليه فيه، ولم يعلم سيده بعتقه حتى أعتقه، وهو بيده، فإن عتقه يمضي، ولا مقال لسيده.
ابن رشد: لا أعلم فيه نص خلاف.
وعلى هذا التقرير فالمصدر مضاف لفاعله، وعتق العبد مثال؛ إذ لا خصوصية له، بل كل تبرعاته غير المأذون له فيها كذلك.
وجوز الشارح كونه مثالا لعتق الزوجة عبدها، ولم يعلم زوجها بذلك حتى طلقها مضى، ولا مقال له، وعليه فالمصدر مضاف لمفعوله.
[ ٦ / ٦٩ ]
تنبيه:
في الاحتمال الأول زيادة فائدة بخلاف الثاني؛ لأنه معلوم مما قبله.
وكذا إذا تبرع المديان قبل وفاء الدين بغير إذن غريمه، ولم يعلم غريمه بذلك إلا بعد وفاء دينه، فتبرعه نافذ إن بقي ما تبرع به بيده، ونحوه في المقدمات.
تنكيت:
إذا علمت ما ذكرناه عن المقدمات فتقرير الشارح لهذه المسألة بأن (العبد إذا وفى دينه، ولم يعلم سيده بذلك إلا بعد العتق فلا كلام له) غير ظاهر، وإن تبعه صاحب التكملة، وكذا بعض مشايخي، قائلًا: وإنما نبّه على ذلك دفعا لما قد يتوهم أن للسيد الرد ليأخذه، ويسقط الدين عن ذمة عبده.
وله أي: الزوج رد الجميع وإمضاؤه، إن تبرعت بزائد على ثلثها عند ابن القاسم في المدونة.
ابن نافع: سواء كانت الزيادة كثيرة أو يسيرة.
ولابن القاسم في المدونة أيضًا إذا زاد على الثلث كالدينار، وما خف مضى، وإن كثرت رد الجميع.
وليس لها بعد الثلث الذي تبرعت به تبرع بشيء من الثلثين الباقيين، إلا أن يبعد ما بين التبرعين، فلها التبرع من الثلثين الباقيين، وكأنه للبعد صار مالا لم يقع فيه تبرع، قاله ابن المواز.
تتمة:
حد ابن حبيب البعد بستة أشهر، وقيل: العام. ابن سهل بالسنة فأكثر.
والفرق بين المشهورين: أن للزوج رد الجميع، وبين المريض والموصي في أنه لا رد لهما إلا فيما زاد على الثلث: أن الأصل إبطال الجميع في المسائل الثلاث، لأنه وقع على وجه ممنوع، فأبطل في حق
[ ٦ / ٧٠ ]
الزوجة؛ لأنه يمكنها استدراك غرضهما بإنشاء الثلث ثانيا، بخلاف المريض والموصي، فإنّا لو أبطلنا الجميع لم يمكن استدراك الغرض بموت الموصي والمريض، واللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه الصلح وأحكامه، وما يتعلق به، وعقبه لما قبله لمناسبة بينهما.
وهو لغة: قطع المنازعة، مأخوذ من صلح الشيء، بفتح اللام وضمها إذا كمل.
قال ابن عرفة: هو من حيث ذاته مندوب إليه، وقد يعرض وجوبه عند تعين مصلحته، وحرمته وكراهته لاستلزام مفسدة واجبة الدرء، أو راجحته وقسموه لإقراره وإنكار.
فقول عياض: (حكم السكوت حكم الإقرار)، تكون القسمة حقيقة بين الشيء ونقيضه، أو المساوئ لنقيضه.
ولما كان الصلح قسمين على غير المدعي فيه وعلى بعضه، والأول قسمان، أشار للأول من الأول بقوله: الصلح على غير المدعى به بيع، فيشترط فيه شروطه، كدعواه عرضًا أو حيوانًا أو طعامًا فيصالحه بدنانير أو دراهم أو بهما أو بعرض أو طعام مخالف للمصالح عنه، وهذا معاوضة اتفاقًا؛ إذ هو كبيع عرض بنقد أو بعضو مخالف، فلو اختل شرط البيع:
- كمن صالح عن دراهم بخمر، وهو مما لا يحل الحرام.
- وكمن صالح عن سلعة بثوب بشرط أن لا يلبسه، أو لا يبيعه، وهو مما يحرم الحلال.
[ ٦ / ٧١ ]
- وكمن صالح عن شيء مجهول أو لأجل مجهول فغير جائز في الصور الثلاث.
وأشار للثاني من الأول بقوله: أو إجارة فيشترط له مالها، كصلحه على دنانير نقدًا بسكنى دار، فيجوز، فلو كان على دنانير مؤجلة امتنع، كصلحه عن مائة بخمسين، فالمتروك هبة لازمة للواجب، لأنها مقبوضة، ويشترط فيها قبول الموهوب له في حيازة الواهب، وفي قبوله بعد موته قولان.
وجاز الصلح عن دين بما يباع به ذلك الدين؛ إذ هما كالعوضين، ويمتنع ما يمتنع بيعه، فيعتبر ضع وتعجل في العرض والنقد، كدعواه ثلاثة دنانير أو أثواب إلى سنة فأقر، ثم صالح بدينارين، أو ثوبين نقدا.
ويعتبر أيضًا حط الضمان وأزيدك في العرض فقط، كدعواه خمسة أثواب لشهر صولح بستة نقدا، وكذا بخمسة دنانير نقدا، لأنه فسخ دين في دين.
ويعتبر أيضًا الصرف المؤخر، كدعواه دينارين فصولح بفضة لأجل، وبيع الطعام قبل أجله، كدعواه بطعام من بيع، فصولح بغيره، والكل ممتنع.
وجاز الصلح عن ذهب الدينار حال بورق، كخمسة دراهم حالة معجلة، وعكسه كصلحه عن عشرة دراهم حالة بدينار معجل.
وأشار لاشتراط تعجيل المصالح عنه بقوله إن حلا؛ لأنه صرف ما في الذمة، وشرطه الحلول.
وأشار لشرط المصالح به من ذهب أو فضة بقوله: وعجل؛ إذ لو أجل لأدى لصرف مستأخر، وهو ممنوع.
ولما كان لا فرق في الجواز بين انفراد كل نقد بجهة أو اجتماعهما معًأ في كلا الجهتين، أشار للثاني بقوله: كمائة دينار ودرهم واحد صلحا
[ ٦ / ٧٢ ]
عن مائتهما أي: عن مائة دينار ومائة درهم، فيشترط الحلول والتعحيل، ونحوه في المدونة (١).
ومن لك عليه مائة درهم ومائة دينار خالصة فصالحته من ذلك على
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ١٣٩ - ١٤١): "طفى: قول تت يشترط الحلول والتعجيل أما الحلول فنعم وهو نص المدونة لئلا يؤدي إلى ضع وتعجل وأما التعجيل فلا يشترط كما صرح به أبو الحسن وغيره لأنه ليس ببيع وإنما هو قضاء وحطيطة فلا تهمة في التأخير أبو الحسن عن ابن يونس وسواء أخذ منه الدرهم نقدًا أو أخره به أو أخذ منه المائة دينار نقدًا أو أخره بها لأنه لا مبايعة هنا وإنما هو قضاء وحطيطة فلا تهمة في ذلك ولو كانت المائة دينار أو المائة درهم لم تحل فلا يجوز لأنه ضع وتعجل عب قول تت فيشترط الحلول والتعجيل خلاف ما لابن يونس من أنه لا يشترط التعجيل إن كان على إقرار فكلام المصنف ظاهر حيث صالح بمعجل مطلقًا أو بمؤجل والصلح على إقرار فإن كان على إنكار امتنع لأنه لا يجوز على ظاهر الحكم فلو صالح عن مائتيهما بمائة دينار ودينار فإن كان نقدًا جاز لأن المائة قضاء عن المائة والدينار صرف للمائة درهم وإن كان مؤجلًا امتنع لأنه صرف مؤخر. الثالث طفى قول تت وإن دخلت في التي قبلها إلخ دخولها باعتبار تقريرهم اشتراط الحلول والتعجيل وقد علمت فساده. الرابع عب قوله ودرهم عطف على مائة ولا يتوهم عطفه على دينار ومع قوله عن مائتيهما ولكون التمثل للصلح على البعض وتبرك بلفظ المدونة وإن كان الأوضح كدرهم ومائة دينار عن مائتيهما وجاز الصلح على الافتداء بمال من حلف يمين طلبت منه لرد دعوى مجردة أو مع شاهد نحوه قول أيمان المدونة ونذورها ومن لزمته يمين وافتدى منها بالمال جاز وظاهرها كالمصنف جوازه ولو علم براءة نفسه. ابن ناجي: وهو المعروف. وقال ابن هشام إن علم المدعى عليه براءته وطلب منه اليمين فليحلف ولا يصالح بشيء من ماله فإن صالح أثم من أربعة أوجه إذلال نفسه وقد قال -ﷺ- من أذل نفسه أذله اللَّه وإضاعة المال وتجزئته على غيره وإطعامه ما لا يحل له. ورد بأن ترك الحلف عز لا إذلال وليس الصلح عليه إضاعة مال لأنه لمصلحة ولأن الإضاعة المنهي عنها إتلافه بنحو حرق وإغراق لا تركه لمن ينتفع به من نحو قاطع طريق والإغراء وإطعام ما لا يحل ليس على المصالح منها شيء إنما السبيل على الذين يظلمون الناس. أبو الحسن لا يقال أطعمه ماله بالباطل لأنه يقول دفعت عن نفسي الظلم والأصل في هذا أن الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم منهم من افتدى ومنهم من حلف. اهـ".
[ ٦ / ٧٣ ]
مائة دينار ودرهم؛ لأنك أخذت الدنانير قضاء عن دنانيرك، وأخذت درهما من دراهمك، وهضمت باقيها بخلاف التبادل بها نقدا.
تنبيه:
ذكر هذه الصورة وإن دخلت في التي قبلها لخفاء فهمها منها، وذكرها مع الاستغناء عنها أيضًا بقوله: (وعلى بعض هبة)، للتنصيص على كل نوع بانفراده.
وجاز الصلح على الافتداء بمال من يمين توجهت عليه، ونحوه قول أيمان المدونة ونذرها: ومن لزمته يمين فافتدى منها بالمال جاز.
وظاهر كلام المؤلف كالمدونة: جوازه، ولو علم براءته.
ابن ناجي: وهو المعروف.
تنكيت:
تقييد الشارح ومن تبعه من مشايخي وصاحب التكملة كلام المصنف بقول ابن هشام: (إن علم المدعي عليه براءته، وطلب منه اليمين، فليحلف، ولا يصالح على شيء من ماله، فإن صالح أثم من أربعة أوجه:
- إذلال نفسه.
- وإطعامه ما لا يحل له.
- وإمناعه ماله.
- وتجربته على غيره).
رده الغبريني نقلا ومعنى، انظره في الكبير.
أو السكوت بأن يدعي شخص على آخر بشيء فيسكت، أو الإنكار، فيجوز الصلح على كل منهما.
وظاهر كلام المصنف: أن السكوت غير الإقرار والإنكار، وهو كذلك، لكن باعتبار الصورة، وأما الحكم فهو كالإقرار، أو يعتبر في
[ ٦ / ٧٤ ]
السكوت ما يعتبر في الإنكار من الشروط، وهي ثلاثة عند مالك، وأشار لها بقوله: إن جاوز على دعوى كل من المدعي والمدعى عليه، وهذان شرطان.
والثالث جوازه على ظاهر الحكم، واعتبر ابن القاسم الأولين فقط، وأصبغ واحدا، وهو أن لا تتفق دعواهما على فساد.
تنبيه:
وقوع الشرط في كلام المؤلف بعد السكوت والإنكار في ليل على رجوعه لكل منهما، ولنذكر أمثلة ذلك كما في توضيحه، فلو ادعى شخص على آخر دراهم وطعام من بيع، فاعترف بالطعام وأنكر الدراهم، فصالحه على طعام مؤجل أكثر من طعامه، واعترف له بالدراهم، وصالحه على دنانير مؤجلة أو دراهم أكثر من دراهمه فسخ اتفاقًا؛ لما فيه من السلف بزيادة، والصرف المؤخر.
ولو ادعى عليه عشرة دنانير فأنكره، فصالحه بدراهم لأجل منع على دعوى المدعي؛ إذ لا يحل أخذ دراهم لأجل في دنانير، وجائز على دعوى المدعي عليه؛ إذ إنما صالح عن يمين وجبت عليه، فيمنع عند مالك وابن القاسم؛ إذ من شرطه جوازه على دعواهما معا، وهذا ممتنع على دعوى المدعي.
وإجازة أصبغ إذا لم تتفق دعواهما على فساد، وكذا لو أدعي عليه عشرة أرادب من قرض، فقال المدعى عليه: بل لك خمسة من سلم، وصالحه على دراهم معجلة، فجائز على دعوى المدعي؛ لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه، ولا يجوز على دعوى المدعى عليه؛ لأن طعام السلم لا يجوز بيعه قبل قبضه، فيمنعه مالك وابن القاسم، ويجيزه أصبغ.
ولو ادعى عليه مائة درهم، فأنكر، فصالحه على خمسين لأجل، أو على تأخير جميعها، فجائز على دعوى كل منهما؛ إذ يقول المدعي: حططت وأخرت فأنا محسن، والمدعى عليه: افتديت من يمين وجبت علي.
[ ٦ / ٧٥ ]
وظاهر الحكم فيه: سلف جر نفعا، فالسلف التأخير، والمنفعة سقوط اليمين المنقلبة على المدعي بتقدير نكول المدعي عليه أو حلفه، فيسقط جميع المال، فهو ممنوع عند مالك، لاشتراطه الجواز في ظاهر الحكم، وجائز عند ابن القاسم؛ لأنه لم يعتبر هذا الشرط، ولا إشكال في جوازه على قول أصبغ.
ولا يحل للظالم في الباطن ما وقع الصلح به على الإنكار فيما بين الظالم وبين اللَّه تعالى.
ولما قدم أن الصلح إما بيع أو إجارة أو هبة، وكان كل من الثلاثة لازما، ليس للمصالح نقضه، أفاد مسائل للمصالح النقض فيها، وأشار لأحداها بقوله: فلو أقر المنكر بما ادعى عليه به بعده، أي: بعد الإنكار أو الصلح على بعض ما أنكره، أو على خلافه، فله نقضه؛ لأن المقر له كالمغلوب على الصلح، ولا خلاف في هذه.
وأشار للثانية بقوله: أو شهدت للمدعي على المنكر بينة بما ادعاه لم يعلمها حين الصلح، فله نقضه على المشهور.
وأشار للثالثة بقوله: أو أشهد بأنه إنما صالح لغيبة بينة، وأعلن هذه الشهادة، أي: أظهرها، وذكر أنه يقوم بها، إذا حضرت، فله نقضه إذا حضرت وشهدت له بما قال اتفاقا.
وأشار للرابعة بقوله: أو وجد المصالح على الإنكار وثيقته التي صالح لعقده ما بعده، أي: بعد الصلح، فله نقضه اتفاقًا، وله إمضاؤه، كما صرح به سحنون.
وهذا جواب الشرط الأخير، كما قال الشارح.
وأشار للخامسة مشبها لها بما قبلها بأن له النقض لا في الاتفاق بقوله: كمن لم يعلن إشهاده بالقيام ببينة إذا وجدها، بل أشهد بذلك سرا، واستظهر ابن عبد السلام عدم القيام به.
[ ٦ / ٧٦ ]
وأشار للسادسة بقوله: أو يقر أي: المدعى عليه سرا، ويجحد علانية.
قال المصنف: فصالح على إن أخر سنة، وأشهد أنه صالح لغيبة بينة، وإذا قدمت قام بها، فله ذلك، إذا علم أنه كان يطلبه ويجحده، وبه أفتى بعض أشياخ شيخي، وهو لسحنون، والآخر لمطرف، وهذه المسألة تسمى بإيداع الشهادة انتهى.
وأشار لهاتين المسألتين بقوله: فقط على الأحسن، ولم يذكر في توضيحه من استحسن الأولى منهما، بل الذي استظهره ابن عبد السلام فيها عدم نقضه.
وأشار بالاستحسان في الثانية لفتوى بعض أشياخ شيخه، وفي بعض النسخ إسقاط فيهما، فيعود للثانية فقط، وانظر الكلام على ما يتعلق بإيداع الشهادة في الكبير.
وأشار للسابعة بقوله: لا إن علم المصالح ببينته على المنكر، ولم يشهد قبل صلحه أنه يقوم بها، ثم قام بعد الصلح، فليس له نقضه؛ لأنه حين الصلح كالتارك لها، وهو المشهور.
وأشار للثانية بقوله: أو ادعى ضياع الصك أي: الوثيقة الشاهدة له بحقه، فقيل أي: قال لى المدعي عليه: حقه ثابت فائت به أي: بالصك وامحه وخذ حقك، فصالح ثم وجده بعد الصلح، فلا نقض له، قاله ابن القاسم في العتبية، وفرق ابن يونس بين هذه وبين الذريعة بأنه هنا صالح على إسقاط وثيقته مع علمه بثبوت حقه فقد رضي بإسقاطه واستعجال ما صالح عليه، والأولى خصمه منكر، وقد أشهد أنه إنما صالح لضياع وثيقته، فهو كإشهاده أنه إنما صالح لبعد غيبة بينته.
وجاز لبعض الورثة الصلح عن إرث زوجة على حصتها من تركة زوجها المشتملة على عرض وورق وذهب، وكل ذلك حاضر بذهب، بشرط كونه من التركة، وبشرط كونها قدر مورثها منه أي: من الذهب فأقل أو أكثر من مورثها من الذهب، إن قلت الدراهم التي تخصها من التركة،
[ ٦ / ٧٧ ]
والشرط عائد على المسألتين ونحوه في المدونة.
ثم ذكر مفهوم قوله من التركة، فقال: لا إن صالحها بدنانير من غيرها، فلا يجوز مطلقا، سواء قلت الدراهم أو كثرت؛ لدخول التفاضل بين العينين، والتأخير بينهما، لأن حكم العرض الذي مع العين حكم النقد في الغائب، والتناجز في هذه الصورة مطلوب، ويدخله أيضًا بيع وصرف إن كان حظها من الدراهم صرف دينار فأكثر.
إلا إن كان الصلح من غير التركة بعرض فيجوز بشروط، أشار لأحدها بقوله: إن عرف جميعها أي: التركة، إذ لو لم يعرفها لكانت معاوضة على مجهول.
وأشار لثاني الشروط بقوله: وحضر الموروث من جميع أصنافها؛ لئلا يكون من باب النقد في الغائب بشرط.
وأشار لشرط ثالث إن كان فيها دين بقوله: وأقر المدين ما عليه من دين التركة، وحضر؛ إذ الحضور شرط في صحة كل دين، إذ لو غاب لاحتمل إنكاره إذا حضر.
وظاهره: أنه لابد من حضوره، ولو ثبت إقراره في غيبته، وهو كذلك؛ إذ لعل له مدفعا فيما ثبت، فلابد من إقراره ليعلم أن ثم دين يشترى، وحضوره يحقق أن لا مدفع له في الدين، وللاطلاع على حاله، فقد لا يرتضي معاملته.
وما ذكره في هذه المسألة والتي قبلها كقولها فأما على عروض من ماله نقدًا فذلك جائز بعد معرفتهما بجميع التركة وحضور أصنافها وحضور من عليه الدين وإقراره، وإن لم يقفا على معرفة ذلك كله لم يجز.
تنكيت:
ظاهر كلام المصنف: أن إقرار المدين كاف في الجواز، سواء كان ممن تأخذه الأحكام أولا، وليس كذلك، بل إن كانت تأخذه جاز اتفاقًا، ومقابله إن كانت لا تأخذه، ويختلف إن كان منكرا، وعليه بينة، وهو
[ ٦ / ٧٨ ]
بموضع تأخذه الأحكام على قولين بالجواز والمنع؛ لأنه شراء ما فيه خصومة، ونحو هذا للشارح، ولعل المصنف سكت عنه لشهرة التفصيل في المسألة.
وجاز صلح وارث لوارث عن دراهم وعرض تركا عن مورثهما، كما لو مات عن زوجة وولد فصالحها الولد عن حصتها منهما بذهب من غير التركة، إن كان حظها من الدراهم أقل من صرف دينار، ولم يكن في التركة دين جاز الصلح، وإن كان حظها أكثر من صرف دينار لم يجز.
وهذا الصلح كبيع وصرف، يغتفر إن اجتمعا معًا في دينار، سواء كان ذلك مجموع ما عقد عليه الصلح أو بعضه، كعقده على ما غالبه مبيع، وأقله اجتمع فيه البيع والصرف.
والتركة إن كان فيها مع ما تقدم دين فكبيعه، أي: الدين، فيجوز حيث يجوز، ويمنع حيث يمنع، ونحوه في المدونة.
وجاز الصلح عن العمد بما قل من المال وكثر، ففيها: وكل ما وقع به الصلح عن دم عمدًا وجراحة عمد مع المجروح أو مع أوليائه بعد موته فذلك لازم، كان أكثر من الدية أو أضعافا أو أقل؛ إذ لا دية للعمد، إلا ما اصطلحوا عليه.
ثم أخرج من الجائز، فقال: لا بما فيه كرر، فلا يجوز الصلح به، كرطل لحم من شاة صالح صاحبها به ذا دين عليه، وأطلق هنا، وقيدها في المدونة بالحية، ففيها: وإن أدعيت على رجل دينا فصالحك على عشرة أرطال من لحم شاة وهي حية لم يجز (١).
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ١٥ (-١٥٦): "طفى: أبو الحسن كذلك لا يجوز بعد الذبح وفهم من تمثيله بالرطل منعه بأكثر منه بالأولى وجوازه بجميع الشاة الحية أو المذبوحة قبل سلخها وهو كذلك كالبيع لأن المقصود حينئذ جميعها الحاضر المشاهد لا بعض لحمها المغيب فإن سلخت جاز الصلح برطل من لحمها إذ لا غرر فيه ومما فيه الغرر ثمرة لم يبد صلاحها فإن وقع ارتفع القصاص وقضى بدية عمد. =
[ ٦ / ٧٩ ]
تنبيهات:
الأول: فهم من تمثيله بمنع الغرر في الرطل منعه في أكثر من باب أولى؛ ولذا عدل عما في المدونة.
الثاني: فهم منه أنه لو صالح بجميعها لجاز، حية كانت أو مذبوحة، وهو كذلك؛ إذ هو كالبيع.
الثالث: يجوز في (غرر) الرفع والجر.
ولذي دين منعه أي: المدين الجارح منه، أي: من الصلح عن العمد يسقط القصاص عن نفسه، وهذا إذا أحاط الدين بماله، كما في المدونة، لا مطلقا، كما هو ظاهر كلامه.
وظاهره: سواء دفع المال لولي المجني عليه أو لا، وهو كذلك، حكاه عياض عن بعض القرويين.
قال: وهو ظاهر المدونة، وتأولها أبو بكر بن عبد الرحمن على أن ذلك إنما هو إذا لم يدفع المال؛ إذ لهم حينئذ تفليسه والحجر عليه، وإن دفعه مضى، ولا رد لهم، ولم ينبه المصنف على هذا التأويل.
فرق:
ضرورات الجسد مقدمة على الغرماء، كـ: القوت والكسوة؛ لأنه معذور، فقدم بدنه على مال الغير، كالضرر بالمجاعة، وهنا قدمت الغرماء على الجسد؛ لأنه ظالم بالجناية، فلا يضر الغرماء بظلمه.
_________________
(١) = ابن راشد لو صالح الجاني على ارتحاله من بلد المستحق للقصاص فقال ابن القاسم ينقض الصلح وللمستحق القصاص. وقال أصبغ والمغيرة يمضي ولحكم على القاتل بأن لا يساكنهم أبدًا عملًا بالشرط وهذا هو المشهور المعمول به واستحسنه سحنون وعلى هذا إن لم يرتحل أو ارتحل ثم عاد وكان الدم ثابتًا فلهم القود في العمد والدية في الخطأ، أو إن كان لم يثبت فهم على حجتهم".
[ ٦ / ٨٠ ]
وإن رد مقوم صولح به عن دم عمد كعبد وثوب مثلًا بعيب اطلع أخذه به عليه رجع على دافعه بقيمته سليما، إذ ليس لدم العمد قيمة يرجع بها، كنكاح وقع صداقه عبدًا مثلًا، فوجدت به المرأة عيبًا.
وخلع وقع على كغرس، فاطلع فيه على عيب رجعت الزوجة في النكاح، والزوج في الخلع بقيمته صحيحًا سليما، لأنها قيمة معلومة.
ولم يرجع هنا لصداق المثل وخلع المثل، لأن طريق النكاح المكارمة، فقد تتزوج بصداق المثل وأضعافه وعشره.
وكذا الخلع يقع بقدر صداق المثل وأضعافه وبعشره وبغير شيء، وزيد على هذه الثلاث أربع يرجع فيها قيمة المردود سليما، وهو:
- العبد المصالح في دم عمد على الإنكار.
- والمقاطع به المكاتب.
- والعبد المعتق عنه في ملك الغير المعتق.
- وعوض العمري.
تكميل:
قال بعض من تكلم على هذا المحل: وهذه المسائل الثلاث -أي: التي ذكرها المصنف- من النظائر السبع التي يرجع فيها لأرش العوض في الرد بالعيب والاستحقاق والشفعة.
قال: وقد كنا جمعناها في بيت، وهو:
صلحان عتقان وبضعان معا عمري لإرش عوض به أرجعا
فالبيت يشتمل على إحدى وعشرين مسألة من ضرب ثلاثة في سبع انتهى.
ونظم الشارح السبع في باب الخلع، ونظمها صاحب التمكلة هنا، فقال:
[ ٦ / ٨١ ]
قيمة ما استحق خذ في العبد به صولح عن نكر دم العمد انتبه
ومعتق عن غير أو قوطع به مكاتب أو عوض العمري ايت به
وإن قتل جماعة واحدًا أو متعددًا جاز صلحهم لأولياء الواحد والمتعدد.
وجاز للأولياء العفو عن جميعهم، أو عن بعضهم، وقتل الجميع، وصلح البعض، والعفو عن الباقي.
أو قطعوا يد واحد فأكثر عمدًا جماز للمقطوع صلح كل من الواحد فأكثر.
وجاز لهم العفو عنه وقصاصه، وصلح بعض وعفو بعض وقصاص غيره.
تنبيه:
يدخل في مسألة القتل من قتل رجلين عمدًا، فصالح أولياء أحدهما على الدية، وطلب أولياء الآخر القود، وهو كذلك، لكن إن استفاد من له القود بطل الصلح، ورجع إلى ورثته؛ لأنه إنما صالح على النجاة، كذا في العتبية من رواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم.
ووقع في نسخة الشارح: (قتلوا) بالبناء للمفعول موضع (قطعوا).
قال صاحب التكملة: وهو سبق قلم.
ثم حكى عنه أن المعنى: أن الجماعة إذا قتلوا غيرهم أو واحدًا أو متعددا، أو قتلهم غيرهم واحدًا أو متعددا، فإن لهم أن يصالحوا أولياء المقتولين على شيء يدفعوه لهم، فللأولياء أو غيرهم أن يعفوا عن الكل أو البعض، ويصالحوا البعض، ويعفوا عن البعض، ويقتلوا البعض، وقاله فيها انتهى.
قال: فيه أمور:
الأول: أن الذي فيها إنما هو إذا قطع جماعة يد رجل عمدًا، فله
[ ٦ / ٨٢ ]
صلح أحدهم، والعفو عمن شاء، والقصاص ممن شاء، وكذلك الأولياء في النفس بعد قولها: وإذا قطع جماعة يد رجل، وليس فيها إذا قتلوا، بالبناء للمفعول.
الثاني: أنه لم يذكر إلا حكم مسألتها، أعني: إذا قتلوا غيرهم، لا إذا قتلهم غيرهم.
الثالث: قوله: (لهم أن يصالحوا أولياء المقتولين) يوهم أن الخيار لهم، وليس كذلك، بل الخيار لأولياء المقتولين فقط.
الرابع: قوله: (يدفعوا) صوابه: يدفعونه، بثبوت النون، وإنما كان لهم قتل الجميع؛ لأن المذهب قتل الجماعة بالواحد انتهى. وانظر المناقشة معه في بعض ما ذكره في الكبير.
وإن صالح مقطوع عمدًا على مال بدل قطعه، ثم نزي قطعه فمات فللولي إمضاء صلحه، وأخذ الدية، وله رده.
فائدة:
قال عياض: نزي بضم النون وكسر الزاي مخففة، معناه: سال دمه، ولم يقدر على قطعه.
لا له أي: ليس للقاطع إذا مات المقطوع، ونكل الولي عن القسامة رده أي: الصلح، ويقول: قد آل القطع إلى النفس فردوا مالي، واقتلوني، ونحوه في المدونة، أي: لأن النفوس لا تباح، إلا بالأمر الشرعي، ولا يكفي فيها رضاه.
وإذا رد الأولياء الصلح فلهم القتل بقسامة، فيحلفون لمن ذلك الجرح مات؛ لأن الصلح إنما وقع من الجاني على العفو عن القطع، وقد كشف الغيب أنه نفس، فالمستحق عليه غير ما صالح عنه، فوجب الرجوع للمستحق، كأخذهم الدية أي: الأولياء في جناية الخطأ، كموضحة صالح عليها بمال، ثم حصل الموت، فلهم أن يقسموا، أو يستحقوا الدية على العاقلة، ويرجع الجاني بما دفع من ماله، ويكون في العقل كواحد منهم،
[ ٦ / ٨٣ ]
ولهم أن لا يقسموا، فليس لهم حينئذ إلا المال المصالح به.
وإن وجب -أي: ثبت- لمريض على رجل مثلًا جرح عمد بالإضافة -وفي بعض النسخ عمدا بالنصب- فصالح المريض عن جرحه في مرضه بأرش أو كيره، أي: بأقل من أرشه أو بأقل من دينه، إن كان فيه شيء معين، ثم مات من مرضه الذي صالح فيه جاز صلحه ابتداء، ولزم بعد وقوعه؛ إذ للمريض العفو عن دم العمد، وإن لم يترك مالا، ونحوه في المدونة.
وهل جواز صلحه مطلقا، سواء صالح على الجرح بخصوصه، أو عليه وعلى ما يؤول إليه، وهو ظاهر المدونة عند بعض شيوخها، أو إنما يجوز ذلك إذا صالح عليه، أي: على الجرح فقط، لا على ما يؤول إليه، وعليه فهمها بعض شيوخها، وهو ظاهر كلام ابن القاسم تأويلان.
قال في الشامل: وإن صالح عليه وعلى ما يؤول إليه لم يجز على الأصح.
وإن صالح أحد وليين عن جناية عمد بعين أو عرض فللآخر الدخول معه فيما صالح به، وسقط القتل عن الجاني، ونحوه قول المدونة: ومن قتل رجلًا له وليان، فصالحه أحدهما على عين أو عرض، فللولي الآخر الدخول معه في ذلك، ولا سبيل إلى القتل.
وظاهره: سواء صالح عن نصيبه أو عن جميع الدية، كان الصلح بمثل الدية أو أقل أو أكثر.
ثم شبه في إسقاط القصاص فقال كدعواك بأولي الدم صلحه، أي: القاتل أو الجارح عمدًا، فأنكر الصلح، فلا قصاص عليه.
التونسي والمازري: لإقرارك بسقوطه، ولا شيء لك عليه غير اليمين؛ لأنك مدع، فلا تقبل دعواك أنه رضي بمال.
التونسي: فإن نكل حلفت، وأخذت ما أدعيت في الصلح، ونحوه في المدونة.
[ ٦ / ٨٤ ]
تنبيه:
هذه المسألة فرع أصل اختلف فيه ابن القاسم وأشهب، هل كل مقر على صفة يتبعض إقراره، وهو قول ابن القاسم، أو لا، وهو لأشهب.
ومنه قول السيد: أعتقه على مال، وقول العبد: مجانا، فلابن القاسم: يحلف العبد.
ومنه إذا ادعي الزوج أنه خالعها بمال وأنكرت.
تكميل:
لها لو ادعى القاتل أو الجارح على الولي العفو على مال أو على غير مال، لم يلزم الولي غير اليمين عند ابن القاسم، وعند أشهب لا يلزمه، كدعوى الزوجة الطلاق.
وفرق ابن القاسم بين هذا والطلاق بأنها لو مكنت لتكررت دعواها على الزوج فتضره.
وإن صالح مقر بخطأ -أي: بقتل خطأ، فالباء متعلقة بمقر- بماله: متعلق بصالح، لزمه الصلح، ولا رجوع له عنه.
وهل يلزمه الصلح مطلقا، سواء دفع ما صالح به أو بعضه؛ لقول مالك في الإقرار بالقتل: إنه على المقر في ماله، وعليه اقتصر المصنف في الجراح.
أو إنما يلزمه ما دفع مما هو منجم عليه دون ما لم يدفع؛ لقول مالك أيضًا في الإقرار بالقتل: إنه على العاقلة بقسامة، العوفي وهو مشهور مذهبها؟ تأويلان في فهم قولها: ولو أقر رجل بقتل رجل، ولم تقم بينة، فصالح الأولياء على مال قبل أن تلزم الدية العاقلة بقسامة، فظن أن ذلك يلزمه، فالصلح جائز.
وقد اختلف عن مالك في الإقرار بالقتل خطأ، فقيل: على المقر في ماله.
[ ٦ / ٨٥ ]
وقيل: على العاقلة بقسامة في رواية ابن القاسم وأشهب انتهى.
الأول: لم ينبه المصنف على التأويل.
الثاني: في الجراح الثاني إنما ألزموه ما دفع، وإن كان أكثر مما يلزمه مع العاقلة؛ لتفريطه حيث صالح قبل علمه بما عليه، ولشبهة الخلاف فيه، وإلا فالقياس عدم إلزامه ما زاد على حصته مع العاقلة.
لا إن ثبت قتل الخطأ على المصالح ببينة، وجهل القاتل المصالح لزومه أي: مال الدية، فصالح لجهله، وحلف أنه إنما صالح ظنا منه لزوم الدية له، ورد للمصالح المال المدفوع صلحا، إن طلب به، أي: بالصلح مطلقا، أي: فيرجع في عينه إن كان باقيا، وفي مثله أو قيمته إن فات؛ لأنه كالمغلوب على الصلح، فناسب الرجوع في جميع شيئه.
أو طلبه إن كان هو الطالب للصلح، ووجد ما دفعه بأيدي الأولياء، رجع فيه، وما فات فلا شيء له فيه قبلهم، كمن أثاب على صدقته ظانا لزوم الثواب له.
وإن صالح أحد ولدين مثلًا وارثين شخصًا خليطًا لأبيهما، ادعى عليه هذا الوارث مالا لأبيه، وإن كان صلحه له عن إنكار من المدعى عليه، فلصاحبه -وهو: الولد الآخر- الدخول معه فيما صالح على نصيبه من ذهب أو فضة أو عرض، وله أن لا يدخل معه، ويتبع بجميع حقه.
تنبيه:
لا فرق بين كون الوارثين ولدين أو غيرهما، ولا بين كونهما اثنين أو أكثر، ولكنه تبع المدونة في فرضها في ولدين.
ويقع في بعض النسخ (وليين)؛ ولذا قال: فلصاحبه، وفهم منه أنه مخير، وهو واضح.
[ ٦ / ٨٦ ]
كحق لهما من إرث أو غيره في كتاب واحد، أو كحق لهما مطلق بغير كتاب، زاد في المدونة: إلا أنه من شيء كان بينهما، فباعه صفقة مال أو بعرض يكال أو يوزن من غير الطعام والإدام، أو من شيء أقرضاه من عين أو عرض أو طعام أو غيره مما يكال أو يوزن، أو ورثا هذا الذكر الحق، فإن ما اقتضى منه أحدهما يدخل فيه الآخر، وكذا إن كانوا جماعة، فإنه يدخل فيه بقية اشراكه انتهى.
تنبيه:
قال الشارح في الكبير: ولابد من تقييد قوله: (مطلق) بما زاده في المدونة، لأنه إذا لم يكن من شيء بينهما، وليس في كتاب واحد، فلا دخول لأحدهما على الآخر فيما اقتضي؛ لأن دين كل واحد منهما مستقل، لم يجامع الآخر بوجه.
ثم استثنى مما لغير المصالح الدخول مع المصالح فيما صالح به، فقال: إلا إن كان الذي صالح عليه الفابض الطعام، أي: والإدام، كما في المدونة، ففيه أي: في جواز دخوله معه تردد، والقولان نقلهما ابن يونس.
إلا أن يكون المدين ببلد غير بلد أرباب الدين، ويشخص أي: يسافر إليه بعضهم لاقتضاء نصيبه، ويعذر إليه أي: إلى البعض الآخر في الخروج معه للاقتضاء، أو الوكالة للشاخص، فيمتنع من ذلك فلا دخول للممتنع فيما اقتضاه شريكه، لأن امتناعه من السفر معه أو التوكل دليل ظاهر على عدم دخوله معه، كما لو سأل الشاخص الحاكم في أن يشخص شريكه معه أو يوكل، وأمره الحاكم بذلك، فلم يفعل؛ لمنعه من الدخول معه فيما اقتضاه.
وفهم من قوله: (يشخص) لو كان المدين حاضرا، واقتضى منه شيئًا لدخل معه.
[ ٦ / ٨٧ ]
ومن قوله: (ويعذر إليه): أنه لو خرج ولم يعذر لدخل معه في المسألتين، وهو كذلك، ونحوه في المدونة (١).
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ١٧٣ - ١٧٤): "قال عج المدار على الأعذار وإن لم يكن سفر. طفى: عبارة المدونة كعبارة المصنف فقال أبو الحسن فصل في الغائب وسكت عن الحاضر وهو مثله في الإعذار وعدمه، أو إلا أن يكون الدين المشترك مكتوبا بكتابين نصيب أحدهما بكتاب ونصيب الآخر بكتاب آخر فلا يدخل أحدهما فيما يقتضيه الآخر من مدينهما لأن تعدد الكتاب كالقسمة. قال في المدونة والحق إذا كان بكتابين كان لكل واحد ما اقتضى ولا يدخل عليه فيه شريكه وإن كان من شيء أصله مشترك بينهما أو باعاه في صفقة ولو كان لشخصين دينان على شخص واحد وكتباهما في كتاب واحد ولا شركة بينهما فيهما واقتضى أحدهما من مدينهما دينه كله أو بعضه ففي دخول أحدهما فيما اقتضاه الآخر ما ليس مشتركا لهما بأن جمعا سلعتيهما في البيع وكتب بضم فكسر ثمنهما في كتاب واحد لأن جمعهما في كتاب واحد صيرهما كمشترك فيه وعدمه قولان الأول لسحنون قال صاحب التكملة ظاهر الكتاب وصريح قول سحنون أن الاشتراك بالمكاتبة في المفترق يوجب الاشتراك في الاقتضاء. والثاني لابن أبي زيد لا يوجبه ولكل ما قبضه ورده ابن يونس بأن الكتابين يفرقان ما أصله الاشتراك فينبغي أن يجمع الكتاب الواحد ما أصله الافتراق. تنكيت لم يحفظ بعض مشايخي قول سحنون فقال كان ينبغي للمصنف أن لا يعادل كلام الشيخ أبي محمد ببحث ابن يونس وإن كان ظاهر المدونة فالأولى أن يقول بعد قول أبي محمد ورجح خلافه وهو ظاهرها قاله تت. ح ابن يونس وهذا إذا جمعا سلعتيهما في البيع على قول من أجازه لأنهما كالشريكين قبل البيع ألا ترى أنه لو استحقت سلعة أحدهما وهي وجه الصفقة كان للمشتري نقض البيع كما لو كانا شريكين فيهما فكذلك يكون حكمهما في الاقتضاء حكم الشريكين. وقال أبو محمد بن أبي زيد لا يوجب الكتب في كتاب واحد الشركة بينهما ولكل واحد ما اقتضى اهـ. قلت إذا كانت هذه المسألة مفرعة على القول بجواز جمع الرجلين سلعتيهما في البيع فلا حاجة لذكرها لأنها مفرعة على غير المشهور واللَّه أعلم اهـ كلام ح. البناني إن وجد شرط جواز جمع الرجلين سلعتيهما كانت مفرعة على المشهور وسقط بحث ح. وإن كان دين مشترك واقتضى أحد الشريكين نصيبه كله أو بعضه من مدينهما وسلمه له شريكه فلا رجوع للشريك الذي لم يقبض على القابض بنصيبه مما قبضه إن كان =
[ ٦ / ٨٨ ]
ثم بالغ على عدم دخول من لم يشخص مع الشاخص المعذر بقوله: وإن لم يكن بيد الغريم الغائب شيء من المال غير القدر المقتضى بفتح الضاد، أي: المأخوذ، أو إلا أن يكون الحق المشترك بين الولدين أو غيرهما بكتابين، بأن كتب كل منهما نصيبه بكتاب مفرد، ثم اقتضى أحدهما حقه أو بعضه، فليس للآخر الدخول معه فيما اقتضي، لأن كتبهما الحق
_________________
(١) = اختار غير القابض أن يأخذ ما بقي على الغريم أي مدينهما منه ورضي باختصاص القابض بما قبضه إن لم يهلك الغريم ولا ماله بل وإن هلك الغريم نفسه أو ماله لأن اختياره إتباع الغريم كالمقاسمة ولا رجوع له بعدها وإن كان لشريكين مائة على مدين وصالح أحدهما على عشرة وقبضها بدلا من خمسينه فل شريكه الآخر الذي لم يصالح إسلامها أي ترك العشرة للمصالح وإتباع المدين بخمسين أو أخذ خمسة من شريكه المصالح ويرجع الآخر الذي لم يصالح على المدين بخمسة وأربعين تمام الخمسين التي له ويأخذ الآخر المصالح من المدين خمسة بدل الخمسة التي أخذها منه شريكه لأنها كأنها استحقت منه وهذا في الصلح على إقرار أو بينة. وأما في الصلح على إنكار ولا بينة فللآخر أخذ خمسة من شريكه ويرجع بمثلها على المدين ولا رجوع للآخر على الغريم بشيء لأن الإنكار لم يثبت به شيء يرجع بنصيبه منه قاله عب والخرشي. البناني وفيه نظر إذ الفرض أنه لم يصالح فالظاهر أنه يطالبه حتى يحلف أو يؤدي أو يصالح وأثبت نون خمسين مع إضافته على لغة استعماله كحيز. وإن أهلك شخص مقوما ولزمته قيمته حالة فصالح عنها بمال مؤخر بفتح الخاء المعجمة إلى أجل معلوم عن قيمة مقوم مستهلك بفتح اللام من عرض أو حيوان لم يجز صلحه لأنه فسخ دين في دين وهو ممنوع إن كان المفسوخ فيه من غير جنس المفسوخ أو كان المفسوخ فيه أكثر من المفسوخ وإلا جاز كما أشار له بقوله إلا أن يصالحه بدراهم مؤخرة وهي كقيمته أي المستهلك فأقل منها فيجوز إذ هو حينئذ إنظار بها أو مع إسقاط بعضها وهو معروف وحسن اقتضاء أو ذهب كذلك أي قدر قيمته فأقل مؤخر فيجوز لذلك فإن صالحه بدراهم أو ذهب مؤخر أكثر منها امتنع لأنه سلف جر نفعًا، وأشار لشرط الجواز في المسألتين بقوله والحال هو أي المستهلك من جنس ما أي شيء أو الشيء يباع أي يجوز بيعه به أي المال المصالح به وهو الدراهم أو الذهب احترازًا عما لو كان المستهلك يباع بالورق فأخذ ذهبا مؤخرا أو عكسه كما في المدونة، ودل قوله كقيمته على أن المستهلك مقوم. طفى: المسألة مفروضة في المدونة وغيرها في المقوم، وأسقط المصنف قيد كونه يباع به بالبلد وهو قيد معتبر قاله أبو الحسن ولذا تارة تكون القيمة ذهبا وتارة فضة".
[ ٦ / ٨٩ ]
الواحد في كتابين كالمقاسمة، وهو ليس أصله مشتركا لهما.
وفي بعض النسخ بينهما كسلعتين لكل واحدة باعهما من واحد ولا شركة بينهما فيهما.
وكتب ثمنها في كتاب واحد قولان:
أحدهما لسحنون، حكاه عنه صاحب التكملة في شرحه للمسألة التي قبل هذه، فقال: ظاهر الكتاب وصريح قول سحنون أن الاشتراك بالكتابة في المفترق يوجب الاشتراك في الاقتضاء.
والثاني: لابن أبي زيد: لا يوجب، ولكل ما قبضه.
ورده ابن يونس بأن الكتابين يفرقان ما أصله الاشتراك، فينبغي أن يجمع الكتاب الواحد ما أصله الافتراق.
تنكيت:
لم يحفظ بعض مشايخي قول سحنون، فقال: كان ينبغي للمؤلف أن لا يعادل كلام أبي محمد ببحث ابن يونس، وإن كان ظاهر المدونة، فالأولى أن يقول بعد قول أبي محمد: ورجح خلافه، وهو ظاهرها.
ولا رجوع لأحد الشريكين على الآخر فيما قبضه من الغريم، إن اختار تسليم ذلك وابتاع ما على الغريم، وإن هلك ما بيد الغريم؛ لأن اختيار اتباعه كالمقاسمة، ولا رجوع له بعدها، ونحوه في المدونة.
وإن صالح شريك في مائة مثلًا، حيث لم يشخص لشريكه أو لم يعذر إليه في الشخوص أو التوكيل، على عشرة من خمسينه، التي هي من شيء أصله بينهما بكتاب واحد أو بغير كتاب، فللآخر إسلامها، أي: العشرة التي صالح عليها، وأخذ خمسينه من الغريم.
وله أخذ خمسة منها من شريكه وبرجع على المدين بخمسة وأربعين، ويأخذ الآخر الذي أخذت منه الخمسة خمسة من المدين عوضًا عن التي
[ ٦ / ٩٠ ]
أخذها شريكه منه؛ لتتم له العشرة التي صالح عليها، ونحوه لابن القاسم في صلح المدونة.
وإن صالح ذو حق بموخر من جنسه أو من غيره عن مستهلك كعرض أو طعام أو حيوان لم يجز صلحه؛ لأنه فسخ دين في دين؛ إذ باستهلاكه لزمت قيمته لمستهلكه، فأخذها مؤخرة فسخ دين في دين.
إلا أن يكون الصلح وقع بدراهم كقيمته، أي: المستهلك فأقل، فيجوز؛ إذ حاصله أنه أنظره بالقيمة، وهو حسن اقتضاء، أو وقع الصلح على ذهب كذلك، أي: قدر قيمته فأقل، فيجوز، والعلة ما سبق.
وأشار لشرط الجواز في المسألتين بقوله: وهو أي: المستهلك مما يباع به، أي: بما بذل فيه من الدراهم أو الذهب، ونحوه في المدونة، إلا أنه قال فيها: وكان المستهلك مما يباع بالدنانير في البلد.
وأسقط المؤلف (في البلد)، وكأنه رآه طرديا، وتحرز بقوله: (مما يباع به) عما لو كان المستهلك ذهبا، فأعطى قيمته فضة مؤخرة فأقل، أو عكسه، لم يجز للصرف المستأخر، وقس على ذلك.
تنبيه:
جعل بعض مشايخي ضمير (هو) للدراهم أو للذهب، وضمير (به) للمستهلك، ومعناه مع ما قررناه واحد.
كعبد آبق يحتمل أنه مثال لما تقدم منعًا وجوازًا، وفهم من قوله: (مستهلك) أنه لو كان باقيًا لم يشترط في جوازه ما تقدم، وهو كذلك، ونحوه في المدونة، انظر نصها في الكبير.
ويحتمل أنه تشبيه، و(آبق) فعل، وأراد به قول التهذيب: وإن غصبك عبد أو أبق لم يجز أن يصالحك على عرض مؤجل، وأما على دنانير مؤجلة فإن كانت كالقيمة فأقل جاز، وليس هذا من بيع الآبق.
قال الشارح في الكبير: ولعل هذا مراد الشيخ.
[ ٦ / ٩١ ]
وإن صالح جان مجني عليه على جنايته بشقص من دار أو بستان مثلًا مما فيه الشفعة عن موضحتي عمد وخطأ، وأراد شريك الجاني الأخذ بالشفعة، وقيمة الشقص عشرون مثلًا، فالشفعه بنصف قيمة الشقص، وهي عشرة، وبدية الموضحة لخطأ عند ابن القاسم في المدونة؛ لأن من قاعدته فيما أخذ من مقابلة معلوم ومجهول أن يوزع عليهما شطرين: نصفه للمعلوم، ونصفه للمجهول، وهذا مذهبه فيها في موضحتي عمد وخطأ.
واختلف شيوخها في فهمها هل الحكم كذلك، أي: قسم المعلوم والمجهول نصفين، إن اختلف الجرح، كموضحة ويد مثلًا، وعليه جماعة، وهو قول ابن عبد الحكم، وإنما يكون نصفين إذا استويا كموضحتين، كما تقدم، وأما إن اختلفا، كنفس ويد، فيقسم على قدر ديتهما، فيأخذ الشفيع الشقص بخمسمائة وبثلثي قيمته، إن كان القطع هو الخطأ، والقتل العمد؟ تأويلان وعلى التأويل الثاني أكثر القرويين.
* * *
باب ذكر فيه الحوالة، وما يتعلق بها
عياض وغيره: هي مأخوذة من التحول من شيء لآخر لتحول الطالب من طلبه لغريمه لغريم غريمه، وفي ندبها وهو المشهور وإباحتها قولان، حكاهما الفاكهاني.
ولم يعرفها المصنف، وعرفها ابن عرفة بأنها طرح الدين عن ذمة بمثله في أخرى.
ولا ترد المقاصة؛ إذ ليس طرحا بمثله في أخرى، لامتناع تعلق الدين بذمة من هو له.
وتعقب قول ابن الحاجب: (نقل الدين من ذمة إلى ذمة تبرأ بها الأولى) فانظره وما يتعلق به في الكبير.
[ ٦ / ٩٢ ]
شرط الحوالة رضى المحيل والمحال فقط، لا رضى المحال عليه على المشهور.
ابن عرفة: المعروف لغو رضاه انتهى.
وما ذكره المصنف مثله لابن الحاجب كابن شاس، ولم يعدهما اللخمي وابن رشد من شروطها، واستحسنه ابن عرفة، قائلًا: والأظهر أنهما جزآن كلما وجدا وجدت.
تنبيه:
وعلى المشهور يشترط السلامة من العداوة قاله مالك.
ومن شرطها ثبوت دين للمحيل على المحال عليه إذ حقيقتها أن تكون على دين وكذا قرره الشارح.
وقال البساطي: ثبوت دين يشمل صورتين:
إحداهما: السابقة.
والثانية: ثبوت دين للمحال على المحيل لاستلزام ذلك حقيقة بيع الدين بالدين.
قال: وإذا كان الأمر كذلك فلم خص ابن الحاجب وغيره هذا بقولهم: (وأن يكون للمحيل دين على المحال عليه).
وأجاب بأن عادتهم جرت أن يقولوا: إذا لم تكن الحوالة على أصل دين انقلبت حمالة، ولا يتأتى ذلك إلا على ما ذكروه.
ووصف الدين بقوله: لازم، أي: أو آيل إلى اللزوم، كما يأتي في الكتابة.
وخرج به دين على رقيق بغير إذن سيده لعدم لزومه، فإن أعلمه -أي: أعلم المحيل المحال- بعدمه -أي: الدين- وقال له: لا دين لي على المحال عليه، وشرط المحيل على المحال البراءة مما عليه، ورضي بذلك صح عقد الحوالة.
[ ٦ / ٩٣ ]
ولا رجوع له على المحيل عند ابن القاسم؛ لأن المحال ترك حقه مجانا، وروى ابن وهب في المدونة: لا يرجع إلا في الموت والفلس.
واختلف هل قول ابن القاسم بصحة الحوالة وعدم الرجوع مطلقا، ولو فلس الغريم أو مات، فهو خلاف لرواية ابن وهب، وهو تأويل سحنون وابن رشد.
أو يصح، ولا رجوع عنده إلا أن يفلس المحال عليه أو يموت، فهو وفاق، وهو تأويل أبي محمد، تأويلان.
وجمع أبو عمران بين كلاميهما أيضًا بأن في جواب ابن القاسم اشتراط البراءة، وليس ذلك في جواب ابن وهب، فهما متفقان.
وفهم من قوله: (شرط البراءة): أن له الرجوع إن لم يشترطها، وهو قول ابن القاسم، وأحرى إن اشترط رب الدين الرجوع على من شاء منهما، فيوفى له بذلك عند ابن القاسم.
تنبيهان:
الأول: تلخص من كلامه منطوقا ومفهوما ثلاث مسائل:
- فإنه تارة يشترط المحيل البراءة.
- وتارة لا يشترط أحدهما شيئا.
- وتارة يشترط الرجوع على أيهما شاء.
الثاني: قال بعض مشايخي: كيف صحة الحوالة حيث أعلمه (١) بأن
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ١٨٣ - ١٨٤): "طفى: قوله: (فإن أعلمه بعدمه. . إلخ)، لو قال فإن علم بعدمه كما عبر في المدونة وابن الحاجب لكان أولى إذ لا يشترط أن يعلمه المحيل والمدار على علم المحال، وجعل تت التأويلين بين قول ابن القاسم ورواية ابن وهب تبع فيه الشارح والتوضيح ونسبوا الوفاق لأبي محمد. وفي ذلك كله نظر بل الوفاق بين قولي ابن القاسم وأشهب وهو لمحمد بن المواز كما في ابن يونس وأبي الحسن وغيرهما وذلك أن ابن القاسم قال: لا يرجع. =
[ ٦ / ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال أشهب يرجع في الفلس والموت مع العلم وشرطه البراءة. فقال ابن القاسم يحتمل أن يوفق بينه وبين قول ابن القاسم ويكون معناه لا يرجع ما لم يفلس أو يمت وعلى هذا تأولهما محمد واحتج بأنه لو دفع المحال عليه لكان له الرجوع به على المحيل. وأما رواية ابن وهب ففي المدونة روى ابن وهب عن مالك رضي اللَّه تعالى عنهما فيمن قال لرجل حرق صحيفتك التي لك على فلان واتبعني بما فيها من غير حوالة بدين له عليه فاتبعه حتى فلس الضامن أو مات ولا وفاء له أن للطالب الرجوع على الأول وإنما يثبت من الحوالة ما أحيل به على أصل دين. ابن يونس: وبه أخذ سحنون. أبو عمران جواب ابن القاسم فيمن اشترط البراءة إلى آخر ما تقدم عنه فأنت ترى التوفيق الأول بين قولي ابن القاسم وأشهب بخلاف توفيق أبي عمران فإنه بين قول ابن القاسم ورواية ابن وهب. ومعنى قوله سابقا فإن أعلمه بعدمه وشرط البراءة صح أي صح عقدها حوالة لازمة ولا يرجع على المحيل ولا ينقلب حمالة فإن لم يعلم لم تصح وتنقلب حمالة قال فيها وإن أحالك على من ليس له قبله دين فليست حوالة وهي حمالة اهـ. وعلى هذا يتنزل كلام بعض مشايخ تت فمعنى قوله لا بد من ثبوت دين لازم حيث لم يعلمه أي لا بد من ثبوته في كونها حوالة وإلا انقلبت حمالة ومعنى قوله ومحل الصحة أي صحتها حوالة ولا تنقلب حمالة فليس له الرجوع على المحيل. البناني الظاهر أن الحوالة صحيحة وإن لم يرض المحال عليه لكن إن رضي لزمه وإلا فلا والتأويلان ذكرهما ابن رشد في المقدمات ونصه واختلف إن شرط المتحمل له على الحميل أن حقه عليه وأبرأ الغريم فظاهر قول ابن القاسم أن الشرط جائز ولا يرجع على الغريم. وروى ابن وهب عن مالك رضي اللَّه تعالى عنهما أنه لا يرجع عليه إلا أن يموت الحميل أو يفلس ثم قال فمن الناس من حمل رواية ابن وهب عن مالك في المدونة على التفليس لقول ابن القاسم فيها ومنهم من قال معنى ما ذهب إليه. ابن القاسم أنه لا يرجع المتحمل له على غريمه الأول إلا أن يموت أو يفلس ويحتمل عندي أن يؤول قول ابن القاسم على أنهما قد أبرأ الغريم جميعًا من الدين جملة فابن القاسم إنما تكلم على غير الوجه الذي تكلم عليه مالك في رواية ابن وهب وهذا سائغ ممكن محتمل. اهـ. فهي ثلاث تأويلات وعزا ابن يونس الثاني لمحمد والثالث لأبي عمران. وقال أشهب في كتاب محمد يرجع في الفلس والموت مع العلم وشرط البراءة فقال =
[ ٦ / ٩٥ ]
لا دين له، واشترط البراءة منه، مع قولهم: لابد فيها من ثبوت دين لازم، وهل هذا إلا تناقض.
وأجاب بعدم التناقض، ولم يكن شرطا، ومحل الصحة المذكورة حيث الإعلام بالعدم، وحيث الشرط، فلا تناقض، لاختلاف الغرض.
ومن شروطها صيغتهما، ابن عرفة: وهي ما دل على ترك المحال دينه في ذمة المحيل بمثله في ذمة المحال عليه.
واختلف الشارحان: هل لا يشترط التصريح بلفظها، وهو قول ابن رشد: لا تكون إلا بالتصريح بلفظها، أو ما ينوب منابه، كـ: خذ منه حقك، وأنا بريء من دينك وشبهه، وعليه درج الشارح.
أو يشترط، وعليه البساطي، فقال: لابد أن يقع العقد بلفظها، ووقع في كلام ابن القاسم ما يدل عليه، حيث قال: إنما الحوالة أن يقول: أحلتك بحقك على فلان، وأبرأ منه، بعد أن قال فيمن أمر رجلًا أن يأخذ من رجل كذا وأمر الآخر بالدفع: ليس بحوالة.
وقال في موضع آخر: لو قال: خذ من هذا حقك، وأنا بريء من دينك، ليس بحوالة انتهى (١). وهو ظاهر المصنف.
_________________
(١) = ابن يونس يحتمل أن يوفق بينه وبين قول ابن القاسم بمثل التأويل الثاني وعليه تأوله محمد ولا يمكن فيه التأويل الثالث لأنه شرط البراءة كقول ابن القاسم بخلاف رواية ابن وهب وبما ذكرنا من كلام ابن رشد وابن يونس علم أن التوفيق الذي في كلام المصنف موجود بين قول ابن القاسم ورواية ابن وهب كما وجد بينه وبين قول أشهب خلافًا لطفى في إنكاره وجوده في رواية ابن وهب واللَّه أعلم".
(٢) قال في المنح (٦/ ١٨٥ - ١٨٧): "طفى: الشارح والبساطي قراره على أن شرطها كونها بلفظها لكن لما أتى الشارح بكلام ابن رشد دل على عدم شرط لفظها فصح نسبته له وقد قال ح: انظر هل مراده بصيغتها أنها لا تنعقد إلا بلفظها وعليه حمل الشارح في شروحه لكنه أتى بعده بكلام البيان وهو يدل على خلاف ذلك أو مراده أنه لا بد فيها من لفظ يدل على ترك المحال دينه من ذمة المحيل وهذا هو الذي نص عليه في البيان ولم يذكر خلافه وعليه اقتصر ابن عرفة. =
[ ٦ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال في أول سماع يحيى من كتاب الحوالة والكفالة. قال يحيى: قال ابن القاسم في رجل طلب رجلًا بحق فذهب به إلى غريمه وقال له خذ حقك من هذا وأمره بالدفع إليه فتقاضاه فقضاه بعض حقه أو لم يقضه شيئًا منه فأراد الرجوع على الأول ببقية حقه أو بجميعه فذلك له وليس هذا بوجه الحوالة اللازمة لمن احتال بحقه لأن له أن يقول لم أحتل عليه بشيء وإنما أردت أن أكفيك التقاضي وإنما وجه الحوالة اللازم أن يقول أحيلك على هذا بحقك وأبرأ بذلك مما تطلبني وإلا رجع عليه بحقه. ابن رشد هذا كما قال لأن الحوالة بيع ينقل بها الدين عن ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فلا يكون ذلك إلا بيقين وهو التصريح بلفظ الحوالة أو ما ينوب منابه مثل أن يقول له خذ من هذا حقك وأنا بريء من دينك وما أشبه ذلك واستظهر ما قاله ابن رشد بعد نقله عن أبي الحسن أن من شرطها كونها بلفظ الحوالة وكلام ابن عرفة يدل على ما قاله ابن رشد إلا أن أبا الحسن اشترط ذلك للبراءة من الدين ونصه الشيخ وللبراءة بالحوالة أربعة شروط رضا المحيل والمحال وأن تكون بلفظ الحوالة وأن تكون على أصل دين وأن لا يغر بها على من علم عدمه اهـ. فإن لم تكن بلفظها عنده فكأنها حمالة ويرجع على المحيل، وعند ابن رشد يبرأ بلفظها أو ما يقوم مقامه كخذ حقك من فلان وأنا بريء منه. وأما قول البساطي وقال في موضع آخر لو قال خذ حقك من هذا وأنا بريء منه فليس بحوالة اهـ. فغير صحيح إذ لم يقل ذلك ابن القاسم إنما وقع في العتبية من سماع يحيى ما نقل لفظه أولًا فقط فقال ابن رشد هذا كما قال لأن الحوالة بيع من البيوع ينتقل بها الدين عن ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فلا يكون ذلك إلا بيقين وهو التصريح بلفظ الحوالة أو ما ينوب منابه مثل أن يقول له خذ من هذا حقك وأنا بريء من دينك وما أشبه ذلك اهـ. فلو وقع لابن القاسم ما نقله عنه البساطي ما قال ابن رشد هذا والعجب من تت كيف سلمه وقد قال بعض الشيوخ إذا قال له اتبع فلانا بحقك فهي حوالة لقوله -ﷺ- ومن اتبع على مليء فليتبع قال فلما أتي بلفظ يشبه النص كان حوالة إذا كان ذلك على المحال عليه. ابن رشد: وليس ذلك بالبين وإنما البين في ذلك أن يقول قد أتبعتك على فلان وأما إذا قال اتبع فلانا فيتخرج على قولين وهما هل الأمر يحمل على الإيجاب أم لا اختلف فيه قول مالك -﵁- اهـ. والقولان اللذان أشار إليهما هما الروايتان في قول البائع خذ هذا الثوب بكذا هل هو =
[ ٦ / ٩٧ ]
ومن شروطها حلول الدين المحال به، إن لم تكن كتابة، كمن له مائة حالة على زيد من بيع مثلًا، فيحيل بهما عمرا.
بل وإن كان المحال به كتابة حلت للسيد على مكاتبه، فيحيله المكاتب بها على غيره.
وقوله: (حلول المحالة به)، أي: سواء كان حالًا أو قد حل؛ لأنه إذا حل كان بيعه جائزا.
وحاصله: بيع الدين بالدين، وإن لم يحل لم يجز؛ لما يتوقع عند الحلول من الغرر.
ويدخل في كلامه ما لو أحال المكاتب سيده بكتابته الحالة على مكاتبه، ونص على جوازه في الجواهر.
وهل يشترط بت عتق الأعلى، وهو لابن القاسم، أو لا، وهو لبعض المتأخرين قولان.
لا الدين المحال عليه، فلا يشترط حلوله، وإذا كان كتابة بأن يحيل السيد بدين حال على نجوم كتابة لم تحل؛ لأن الكتابة الأولى يشترط حلولها دون الثانية.
الباجي: لأنها إذا لم تحل كمن أخذ من دينه قبل حلوله من جنسه ما هو أقل أو أكثر أو أدنى أو أجود، لتعذر تماثل الذمم، فيدخله ضع
_________________
(١) = إيجاب للبيع كقوله بعتك أم لا. نعم في عبارة أبي الحسن من شروط الحوالة كونها بلفظ الحوالة وأطلق ونصه وللبراءة بالحوالة أربعة شروط كونها برضا المحيل والمحال وكونها بلفظ الحوالة وكونها على أصل دين وأن لا يغر بالإحالة على من علم عدمه. ثم قال الحط والأول أظهر واللَّه أعلم ويؤيده قول ابن شاس إن أتى بلفظ يحتمل الحوالة والوكالة كقوله خذ الذي لك علي من الدين الذي لي على فلان فقال ابن القاسم للمحال أن يرجع على المحيل ويقول إنما طلبت منه ثيابه عنك لا على أنها حوالة أبرأتك منها واللَّه أعلم".
[ ٦ / ٩٨ ]
وتعجل، أو حط الضمان وأزيدك، ومثل هذا عند حلول الأجل جائز (١).
تنبيهان:
الأول: ذكر المبالغ به بين متعلقي الشرط وغيره لوجهين:
أحدهما: أن المبالغ به كأنه من تمام الشرط، فحقه أن يلي ما هو منه.
ثانيهما: لو أخره لربما توهم منه اختصاصه بالأخير، وليس كذلك.
الثاني: عدل المصنف عما مشى عليه ابن شاس وابن الحاجب من أن ابن القاسم اشترط حلول ما على المحال عليه، إن كان من نجوم الكتابة؛
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٢١٥): "طفى: لأنه بيع الطعام قبل قبضه زاد في المدونة لأن المطلوب مخير إن شاء أعطى الحميل مثل ما أدى أو ما كان عليه. وقوله لم يعتمد ما ذكره المازري عنها فيه نظر إذ يبقى المصنف لا مستند له في مخالفة المدونة وقوله اختلف قول المدونة إذا صالح بمثلي إلخ أي والدين عين. ابن عرفة وفي منعه عن عين بمثلي وجوازه قولا سلمها وكفالتها ونص سلمها وإن كان دينك مائة دينار من قرض فصالحك الكفيل عنها قبل الأجل أو بعده بشيء يرجع إلى القيمة جاز ذلك ويرجع الكفيل على الغريم بالأقل من الدين أو القيمة لما صالح به وإن صالحك الكفيل بطعام أو بما يقضي بثمنه لم يجز لأن الغريم بالخيار إن شاء إن أعطاك مثله أو الدين اهـ. ونص كفالتها ومن تكفل بمائة دينار هاشمية فأداها دمشقية وهي دونها برضا الطالب رجع بمثل ما أدى ولو دفع فيها عرضًا أو طعاما فالغريم مخير في دفع مثل الطعام أو قيمة العرض أو ما لزمه من أصل الدين اهـ. فكلاهما في المصالحة عن العين بمثلي كما قال ابن عرفة خلافًا لتعميم ابن عبد السلام أما المصالحة عن العين بمقوم فجائزة كما تقدم في نص سلمها وحكى المازري عليه الاتفاق وقبله ابن عرفة وأما المصالحة عن العوض بعرض أو عين فقال ابن عرفة وفي منعه عن عرض بعين أو عرض مخالف له سماع عيسى ابن القاسم. ونقل ابن رشد وأما المصالحة عن المثلي بمثلي من غير جنسه كتمر عن قمح ابن رشد فيه قولان بالجواز والمنع وبهذا تعلم أن البساطي أطلق في منع المصالحة بغير الجنس للكفيل وفيها تفصيل".
[ ٦ / ٩٩ ]
للانتقاد عليهما بأنه خلاف المعروف عن ابن القاسم، انظر ابن عرفة.
ومن شروطها: تساوى الدينين المحال به والمحال عليه قدرا، فيحيل من عليه دينار بدينار، ومن عليه دراهم بنظيرها، ولا يجوز التحول بالأقل على الأكثر، كذي الدينار على أقل منه؛ إذ هو ربا على تقدير حلولها، ومنفعة في التحول، فيخرج عن المعروف.
ويشترط في الدينين تساويهما صفة أيضًا، فيتحول من دينار يزيدي على مثله، لا محمدي، وعكسه؛ لأن الأجود صفة كالأكثر مقدارا.
قال الشارح: يريد: وأن لا يكونا متجانسين، كـ: ذهب، وفضة.
البساطي: ويستغنى عن ذلك باتحاد الصفة، ورد بأنه لا يلزم من التساوي فيهما التساوي في الجنس؛ لجواز التحول من دراهم محمدية لدنانير محمدية، وفيه بحث.
ولما أفهم بما تقدم أنه لا يتحول بالأدنى على الأعلى، وشمل مفهوم كلامه عكسه أيضًا، وفيه خلاف، أفاده بقوله: وفي جواز تحوله على الأدنى، كما لو كان للمحال على المحيل أجود مما للمحيل على المحال عليه أو أكثر؛ لأنه معروف، وهو قول اللخمي والمازري، وتبعهما ابن شاس وابن الحاجب، ومنعه وهو قول ابن رشد وعياض تردد لهؤلاء المتأخرين، واللَّه أعلم.
فائدة:
قال في التوضيح: حيث حكم بالمنع في هذا الفصل فإنما ذلك إذا لم يكن وقع التقابض في الحال، وأما لو قبضه لجاز.
ومن شروطها: أن لا يكون -أي: المحال به وعليه- طعاما من بيع، أي: سلم، كما في المدونة؛ لئلا يدخله بيع الطعام قبل قبضه، وسواء اتفقا أم لا، استوت رؤوس الأموال أم لا.
ومفهوم: (من بيع) جوازهما من قرض، أو منه ومن بيع، وهو كذلك عند ابن القاسم بشرط حلول الطعامين معا.
[ ٦ / ١٠٠ ]
تنبيه:
حكى الشارح عن المقدمات أن لا يكونا من مسلم أو أحدهما، ولم يحل الدين المحال به، وتبعه البساطي في قوله: (أحدهما)، فقال: الرواية أو أحدهما من بيع، وفي دلالة كلام المصنف على هذا نظر انتهى.
لا كشفه، أي: المحال عن ذمة المحال عليه، أغني أم فقير، فلا يشترط، حكاه المازري عن مالك؛ لأنها معروف، فاغتفر فيها الغرر، بخلاف شراء الدين لا يجوز حتى يكون من عليه الدين حاضرا، مقرًا، وهو خلاف ما حكاه المتيطي.
ويتحول حق المحال من ذمة المحيل على ذمة المحال عليه، فتصير الثانية مشغولة به، ولا رجوع له على المحيل، وإن أفلس المحال عليه أو غاب، كما في المدونة وغيرها.
تنبيه:
قيد المغيرة المدونة بما إذا لم يشترط المحال الرجوع على المحيل عند فلس المحال عليه، فيكون له شرطه، وسكت عنه هنا مع أنه ذكره في توضيحه وأقره.
قال البساطي: وينبغي أن لا يعدل عنه.
ونظر ابن عرفة في القيد بأنه شرط مناقض لعقد الحوالة، ولعل المذهب في الشرط المناقض أنه يفسده، وفي بعضها يسقط الشرط، ويصحح العقد كالبيع على أن لا جائحة، فتأمله انتهى. ولعل سكوت المصنف هنا لذلك.
أو جحد المحال عليه الحق بعد تمام الحوالة، فلا رجوع له على المحيل لحصول البراءة.
ثم استثني من الفلس، فقال: إلا أن يعلم المحيل بإفلاسه، أي: المحال عليه فقط دون المحال، فيرجع لتدليسه عليه.
[ ٦ / ١٠١ ]
ومفهوم فقط: أنه لو علم أيضًا لكانت حوالة أيضًا لازمة وخص علمه بالإفلاس دون الجحود لأن المسألة في المدونة وابن الحاجب كذلك، ففي المدونة: لو غرك من عدم يعلمه غريمه أو فلس فلك طلب المحيل، ولو لم يغرك كانت حوالة لازمة.
وحلف المحيل على نفيه العلم بإفلاس المحال عليه، إذا ادعى المحال عليه علمه بذلك حين الحوالة، إن ظن به -أي: المحيل- العلم بذلك، وأما لو قامت على علم المحيل بينة أو أقر به لرجع عليه المحتال.
فلو أحال بائع من له عنده دين على مشتر بالثمن، ثم رد ذلك المبيع على بائعة المحيل بعيب قبل دفع الثمن للمحتال، أو استحق المبيع من مشتريه، ولم تنفسخ تلك الحوالة، بل يلزم المشتري دفع الثمن للمحتال، ويرجع بنظيره على بائعه عند ابن القاسم.
وقال أشهب: تنفسخ الحوالة، ولا يلزمه دفع الثمن للمحتال، وإن كان دفعه استرده، وإن فات عنده مضى، ورجع المشتري بالثمن على البائع؛ بناء على أن الحوالة طريقها الإرفاق والمعروف، فينقض لانتقاض ما يثبت عليه.
وبهذا صدر ابن الحاجب، وشهره ابن راشد، واختاره ابن المواز وأكثر المتأخرين.
محمد: وبه قال أصحاب مالك كلهم.
ولذا قال المؤلف بعد ما تقدم: واختير خلاف، أي: خلاف قول ابن القاسم.
تنكيت:
في كلام المؤلف نظر من وجهين:
- أحدهما: مخالفته لاصطلاحه؛ فإن اللخمي لم يختر قول أشهب، بل تصديره في (تبصرته) بقول ابن القاسم مشعر بترجيحه، اللهم إلا إن لم يوجد الترجيح له في غيرها، أو في موضع منها غير هذا الباب.
[ ٦ / ١٠٢ ]
- وثانيهما: أنه تبع ابن الحاجب في إطلاقه الخلاف مع قوله في توضيحه: إنه مقيد بما إذا كان البائع باع ما ظن أنه يملكه، وأما لو باع ما يعلم أنه لا يملكه، كبيعه سلعة، ثم باعها من ثان، وأحال على الثاني بدين، فلا يختلفان أن الحوالة باطلة، ويرجع المحتال على غريمه.
والقول للمحيل في أنه أحال على أصل مال، إن ادعى عليه المحتال بعد موت المحال عليه نفي الدين للمحال عليه حتى يثبت أنها على غير مال، كذا حكاه اللخمي عن محمد.
وإذا وقع لفظ الحوالة بين اثنين وتنازعا بأن قال: أحلتك على فلان بكذا، ثم قال المحيل: إنما أردت بذلك التوكيل أو التسليف، لا الحوالة، وقال المحتال: بل قبضته من الدين الذي لي عليك، لا يقبل قول المحيل في دعواه أنه قبضه له وكالة عنه أو سلفا منه، على أن يرد له بدله تغليبا للفظ الحوالة على الأصح عند ابن الحاجب.
وظاهره: ولو قام دليل على كونها وكالة، ككونه ممن يتصرف للمحيل، أو كون عادة المحيل التوكيل على التقاضي، وهذا ممن يتوكل في مثل ذلك، أو كون المحيل لا يشبه أن يملك مثل ذلك.
* * *
باب
ذكر فيه الضمان، ومن يصح منه، وما يبطله، وانفراد الضامن، وتعدده، وتقسيمه لذمة، ووجه، وطلب، وما يتعلق بذلك، وعقبه للحوالة لما بينهما من المناسبة، التي هي حمالة الدين.
وعرفة كابن الحاجب بقول القاضي في تلقينه: الضمان شغل ذمة أخرى بالحق، فـ (شغل ذمة) كالجنس، يشمل الضمان وغيره، و(أخرى) كالفصل، مخرج للبيع ونحوه، كـ: الحوالة لبراءة الذمة بها، فليس فيها شغل ذمة أخرى.
[ ٦ / ١٠٣ ]
وارتكب هذا التعريف مع أنه متعقب للجواب عن كل ما تعقب به.
وعرفه ابن عرفة بأنه التزام دين لا يسقطه، أو طلب من هو عليه لمن هو له، انظر الكلام على ذلك كله في الكبير.
وأركانه أربعة أو خمسة؛ لأنه نسبة تستدعى ضمانا ومضمونا عنه، ومضمونا له وبه، وصيغة إن عدت الصيغة ركنا؛ قياسا على البيع وغيره، فتكون ركنا خامسا.
وأما من يرى أنها دليل على الماهية التي الأركان أجزاؤها، والدليل غير المدلول؛ فهي غير ركن.
وأشار إلى الركن الأول بقوله: وصح الضمان من أهل التبرع، لا من صبي وسفيه ومجنون؛ إذ لو صح من واحد منهم لبطلت فائدة الحجر عليهم؛ لأنهم ربما غرموا بسببه، كمكاتب وعبد مأذون له في التجارة إن أذن لهما سيدها في الضمان إذنا خاصا؛ لأن إذنه للعبد في التجارة ليس إذنا في الضمان، وما ذكره في المكاتب هو المشهور.
وقيل: لا يصح ضمانه، وإن أذن له؛ لأنه دابة لرقه.
وقوله: (كمكاتب) محتمل أنه تشبيه في الحكم ويحتمل التمثيل فيدخل في ذلك المدبر وأم الولد ونحوهما.
تنكيت:
أطلق في المأذون، وقيده في المدونة بما إذا لم يكن عليه دين، فيفترق، وقد يجاب عن هذا بما تقدم في الحجر أنه يحجر عليه كالحر.
تنبيه:
الرقيق غير المأذون يصح ضمانه بإذن سيده، وإنما نص على الإذن في المأذون لئلا يتوهم أن الإذن له في التجارة كاف في الضمان.
وصح الضمان من زوجة ومريض بثلث، أي: في قدر ثلث كل منهما فقط، ولا يصح فيما زاد؛ لحق الزوج والوارث في الثانية.
[ ٦ / ١٠٤ ]
تنكيت:
مفهومه: عدم صحة ما زاد على ثلث الزوجة، ولو يسيرًا، وفي المدونة: للزوج رده، إلا في خف كالدينار.
وقد يجاب بأنه أطلق هذا اعتمادًا على تقييدهم ذلك في باب الحجر، وأيضًا قدم في الحجر أنه ماض، إلا أن يرده الزوج، فظاهر كلامه: سواء كان المحتمل عنه غنيًا أو فقيرًا، وهو كذلك على المشهور، وانظر تعقب الشارح في شرحه الكبير، والرد عليه في الكبير.
تنبيه:
قال في التوضيح: لا إشكال أن دفع الزوجة الحمالة فيما زاد على ثلثها إنما هو لحق الزوج، فإذا ضمنته هو جاز، وإن استغرق مالها، وإن ادعت أنه أكرهها على أن تحملت له أو عنه لم يقبل عنها إلا ببينة عند ابن القاسم، ووافقه أشهب في حمالتها به، وألحق بالبينة ما إذا كان المحتمل له عالما بأن زوجها أكرهها، فإن أنكر المتحمل له العلم فعليه اليمين، إن ظن به علم ذلك، كالجار والقريب في النسب، وإنما قال: (صح) ولم يقل: (جاز) مع أن الجواز يستلزم الصحة؛ لأنه أخص منها، وهي لا تستلزمه؛ لأن بعض المسائل صحيحة وليست بجائزة، فأراد إدخالها في كلامه، قاله بعض شيوخنا.
واتبع ذو الرق القن وذو الشائبة كمدبر وأم ولد به، أي: بما ضمن إن عتق.
ظاهره: علم السيد به وسكت، أو لم يعلم، أو علم ورد فقط، أي: لم يجز، أو علم وأسقطه، وهذه أربع صور، وهو كذلك في جميعها، إلا الأخيرة، فإذا أسقطه عنه السيد قبل عتقه سقط، كما في توضيحه، تبعا للمدونة.
وليس للسيد جبره أي: الرقيق عليه أي: الضمان على المشهور ومذهب المدونة.
[ ٦ / ١٠٥ ]
تذييل:
لو جبره السيد عليه لم يلزمه، قاله في المدونة.
وصح الضمان عن الميت المفلس عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، وأما عن المليء فيصح اتفاقًا؛ لأنه معروف من الضامن حيث ضمن المعدوم حسا، أي: لأنه لم يعدم حكما.
قال البساطي: إذ يلزمه براءة الذمة وغيرها انتهى.
المازري: من ضمن دين ميت لزمه ما طرأ عليه من دين غريب لم يعلم به.
وصح ضمان الضامن فيما ضمنه؛ ففي المدونة من أخذ من الكفيل كفيلا لزمه ما لزم الكفيل انتهى.
وظاهره: كان كفيلا بالمال أو بالوجه، أو الأول بالمال، والثاني بالوجه، أو عكسه، وهو كذلك، انظر الكبير.
وصح ضمان المؤجل حالًا، كذا أطلق هذا في المدونة، وتبعها ابن الحاجب، وقيدها ابن يونس، وتبعه المصنف بقوله: إن كان الحق مما يعجل كالنقد والعرض من قرض، لأن الأجل في ذلك من حق من عليه الدين، فإذا أسقط حقه صح تعجيل المؤجل، وأما إن كان النقد أو العرض وشبهه من بيع لم يصح التعجيل؛ لأنه من باب حط الضمان وأزيدك توثقا.
وقد يجاب عن إطلاق المدونة وابن الحاجب بأنهما إنما تركا ذلك اعتمادًا على شهرة ذلك بمحله.
وكذا يصح عكسه، وهو أن يضمن الدين الحال مؤجلًا بشرطين، أشار لأحدهما بقوله: إن أيسر كريمه بالحال في جميع الأجل اتفاقًا؛ لأنه ملك قبض دينه مكانه، فتأخيره به كابتداء سلف بضامن.
وأشار للشرط الثاني بقوله: أو لم يؤسر في الأجل، بل كان معسرًا في جميعه؛ إذ تأخير المعسر واجب، فليس صاحب الحق مسلفا حقيقة ولا حكما.
[ ٦ / ١٠٦ ]
ومفهوم كلامه: لو شرط التأجيل بالحال على الغريم، والغريم معسر حينئذ لكنه يؤمر قبل تمام الأجل لم يصح عند ابن القاسم، وهو المذهب؛ بناء على أن اليسار المترقب كالمحقق؛ لأنه لما أخذه بما حل كان كأنه أسلفه إلى ذلك الأجل، وانتفع بالضامن زمن عسره، وأجازه أشهب؛ لأن الأصل استصحاب عسره، ويسره قد لا يكون.
تلخيص:
ظهر من كلامه ثلاث صور: اثنتان من المنطوق، وهما جائزتان اتفاقًا، والثالثة من المفهوم، وهي ممنوعة عند أشهب.
توضيح:
سأل البساطي: ما الفرق بين أن يكون موسرًا حال العقد فيجوز، وبين أن يكون موسرًا في أثناء الأجل فيمنع؟
وأجاب بظهور المعروف في الموسر؛ لقدرته على أن يستوفي الآن، وظهور قصده الانتفاع في المعسر أولا؛ لانتفاعه بالضامن زمن العسر.
وإذا كان الدين مائة مثلًا، والغريم موسر ببعضه ومعسر ببعضه صح الضمان مؤجلًا بالموسر فقط، أو المعسر به فقط، لا مانع من ذلك.
وقول البساطي: (وعلى هذا، فالصواب: أن يكون بالواو؛ لصدقه على ما إذا كان موسرًا بالكل) غير ظاهر، لمن تأمل؛ لقول المصنف: لا بالجميع، لا يصح ضمانه بالموسر به والمعسر به جميعا، على أن يؤجل؛ لأنه سلف جر نفعا؛ إذ هو مسلف للموسر به، لتأخيره إياه على حميل، ومنتفع به الحميل.
وصح الضمان بدين أي: بسببه، وجوز البساطي كونه حالا، فيتعلق بمحذوف وجوبا، أي: وصح الضمان متلبسا بدين، فلا يصح ضمان معين، كبيع سلعة معينة على أنها إن هلكت قبل القبض كان عليه مثلها، أو على أنها إن استحقت فعليه مثلها، فإن وقع فقال ابن القاسم: ينفسخ البيع، ولا تلزم الحمالة.
[ ٦ / ١٠٧ ]
وقال غيره: تلزم، وعليه الأقل من القيمة يوم الاستحقاق والثمن، إلا أن يكون الغريم حاضرًا مليئا.
ثم وصف الدين بقوله: لازم، فلا يصح ضمان شخص عبدًا بسلعة اشتراها بغير إذن سيده، وكذا مولى عليه، أو بدين آيل إليه، أي: إلى اللزوم، وسواء كان معلومًا أو مجهولًا.
لا كتابة، فلا يصح ضمانها؛ لأنها غير لازمة، إذ لو عجز صار رقيقا، وإنما يلزم الضامن ما يلزم أصله.
تنبيه:
أطلق هنا مع أنه قيده في توضيحه كما في المدونة بأن يبقي على كتابته، وأما لو شرط عتقه لصحت الحمالة، وكان له الرجوع على المكاتب.
بل كجعل يصح ضمانه؛ لأنه آيل إلى اللزوم، وظاهره: قبل العمل أو بعده، وهو كذلك، وقول ابن الحاجب تابعا لابن شاس: (لا يجوز ضمان الجعل، ولا بعد العمل) نظر فيه المصنف بوجهين، انظرهما في الكبير.
تنكيت:
قول الشارح ومن تبعه: (لو قدم (كجعل) على (لا كتابة) وحذف حرف الإضراب لكان أخصر وأحسن) غير ظاهر، بل الأحسن ما فعله المصنف؛ لعطفه (داين) الآتي على (كجعل)؛ إذ هما معًا آيلان، فاقتضى ذلك عدم تقديمهما لطول الكلام في الثانية منهما.
وصح الضمان ممن قال لشخص داين فلانًا، أو بائعه، أو عامله، ومهما تداينه أو تبايعه أو تعامله فأنا ضامن فيه، ولزم هذا الضامن فيما ثبت من ذلك، وهذا قول ابن القاسم في المدونة.
وقال غيره فيها: إنما يلزمه ما جرت العادة به من مداينة أو معاملة هذا لمثل هذا.
[ ٦ / ١٠٨ ]
واختلف شيوخها هل يقيد كلام ابن القاسم بقول الغير فيها بما يعامل به مثل هذا، وهو لابن يونس وابن رشد.
المازري: وهو الأظهر.
أو قول الغير خلاف، والأول محمول على إطلاقه، وهو لغير من تقدم من الأشياخ، قاله ابن عبد السلام تأويلان.
فعلى الأول: لو قال داينته بعشرة دنانير ولم تجر العادة بمداينة مثل هذا لمثل هذا إلا بدينار لقبل قول الدافع فيما قال من المداينة بالعشرة، ولا يقبل على الثاني إلا في الدينار فقط.
وتعقب ابن عرفة قول ابن عبد السلام قائلًا: لا أذكر من حمله على الخلاف.
ومن قال لآخر داين فلانًا وأنا ضامن له الرجوع عن ذلك قبل المعاملة، وظاهره: أطلق أو قيد، فقال: عامله بمائة، وذكر المازري عن بعض أشياخه عدم الرجوع إن قيد، بخلاف من قال لمدع على آخر: احلف على دعواك وأنا ضامن به، ثم رجع قبل حلفه، لا ينفعه رجوعه، ذكرهما في المدونة؛ لأنه أحله محل نفسه.
ومن قال لغريمه: احلف وخذ ما حلفت عليه، لا رجوع له، معللا للثانية بأنه حق واجب.
وأشار لركن آخر بقوله: إن أمكن استيفاؤه أي: ألحق المضمون من ضامنه، فلا يصح ضمان معين، ولا حد ولا قصاص ولا تغرير.
وصح الضمان وإن جهل قدر الحق المضمون حالًا ومالًا.
وقول الشارح: (لو اعتنى عن هذه بقوله داين فلانًا إلى آخره لكفى) واضح.
وأشار لركن آخر بقوله أو إن جهل من له الحق، وهو المضمون له؛ إذ لا يختلف الغريم بمعرفته وعدمه.
[ ٦ / ١٠٩ ]
وصح الضمان بغير إذنه أي: المضمون، واستدل المصنف لذلك بقوله: كأدائه، أي: كما يصح أن يؤدي شخص دينا عن آخر بغير إذنه، إذا كان ذلك رفقا به، ويرجع به عليه عند مالك وطائفة، لا إن قصد بضمانه والأداء عنه عنتا: بفتح العين المهملة، وفتح ثانيه، وآخره مثناة فوقية، أي: أضرار العداوة بينهما.
قال في القاموس: العنت محركة دخول المشقة على الأنسان، وأعنته غيره وإلقاء الشدة.
وهو معطوف على (رفقا)، وإذا أدي عنه عنتا فيرد فعله.
ثم شبه في الحكم السابق، فقال: كشرائه دينا عليه، فيرد إن قصد الضرر.
وهل إن علم بائعه، أي: فلابد من علمهما معا، وإلا لم يرد، ويباع الدين على المشتري، فيرتفع الضرر، وهو الأظهر عند ابن رشد على اصطلاح المصنف، لكنه لم ينقله في توضيحه عن غير ابن يونس، أو يرد إن علم قصد المشتري وحده الضرر، وهو ظاهرها عند ابن يونس وغيره؟ تأويلان.
ثم أخرج من قوله: (ولزم فيما ثبت) قوله: لا إن ادعى شخص دينا على غائب فضمن آخر الغائب فيما ادعى به عليه، ثم أنكر الغائب عند حضوره، لم يلزم الضامن شيء، إن لم يثبت حق المدعي ببينة.
أو قال شخص لمدع على حاضر منكر لما ادعاه: إن لم آتك به لغد، فأنا ضامن لما عليه، ولم يأت به في الغد لم يلزم الضامن شيء، إن لم يثبت حقه على المضمون ببينة، فإن ثبت بها فهو ضامن فيه.
وهل يلزم الضامن المدعي به بإقراره، أي: المدعى عليه؛ لأن إقراره كقيام البينة عليه.
قال بعضهم: وهو دليل الكتاب.
أو لا يلزم الضامن شيء، وهو قول عياض: لو أقر هذا المتكفل عنه
[ ٦ / ١١٠ ]
بعد لا يلزم الضامن شيء، وهو نص ما في كتاب محمد، وعليه حمل بعضهم الكتاب؟ تأويلان.
وظاهر كلام المصنف: أن التأويلين في المسألتين معا، ولكن لم يذكرهما الشارحان إلا في الثانية، ولو أتي بـ (واو) قبل إقراره لكان حسنا.
ثم شبه في عدم اللزوم المطوي في كلامه، فقال: كقول المدعي عليه المنكر للطالب: أجلني اليوم، فإن لم أوافك كدا ما تدعيه فالذي تدعيه عليّ حق، ولم يوفه، فلا شيء عليه، إلا أن يقيم المدعي بينة على ما ادعاه.
البساطي: ووقع في عباراتهم: فإن لم أرضك، أي: موضع أوفك.
وإذا دفع الضامن شيئًا رجع على الأصيل بما أدى عنه، أي: بمثله، عينا كان أو طعاما، ولو كان ما أداه مقوما عند ابن القاسم، وهو المشهور؛ لأنه كالسلف، وأشار بـ (لو) لقول غير ابن القاسم: يرجع في المقوم بالقيمة.
وظاهره: ولو كان المقوم عرضًا اشتراه، على أنه حكى في توضيحه عن ابن رشد الاتفاق على أنه يرجع بثمن ما اشتراه، ما لم يجاب، فلا يرجع بالزائد، ولم يذكره هنا، وساقه صاحب الشامل كالقيد.
وهذا إن ثبت الدفع ببينة أو بإقرار صاحب الدين لسقوط الحق بأحد الأمرين.
وظاهره: أنه لا عبرة بإقرار المضمون عنه، وهو كذلك لعدم سقوط الحق عنه، ولو قال له الضامن أنت مقر لي بالدفع عنك لعدم توثقه بالإشهاد، وقاله ابن القاسم.
وظاهره أيضًا: ولو دفع عنه بحضوره، وهو كذلك على أحد قولي ابن القاسم، واستظهره ابن رشد.
فائدة:
هذه إحدى المسائل التي يضمن فيها المقوم بالمثل، ومنها:
[ ٦ / ١١١ ]
- جزاء الصيد يضمن قاتله مثله، إن كان له مثل ومنها شاة الزكاة إذا أتلف المالك الغنم بعد الحول.
- ومنها: الحيوان المقترض.
- ومنها الجارية المقترضة، حيث يجوز قرضها يلزمه مثلها.
- ومنها من هدم مسجد أو بعضه لزمه إعادته كما كان؛ لئلا يؤدي أخذ القيمة لبيع الوقف وتغييره عما كان عليه.
ونظمتها تذكرة لحفظ من يعرف صورتها، فقلت:
مقوم يضمن عنه المثل في ست فخذها أيها الخل الوفي
شياة زكاة وجزاء الصيد مع فرض أما ضامن لا يختفي
وهادم لمسجد أو بعضه وقرضك الحيوان يا ذا المتحف
وجاز صلحه -أي: الضامن- عنه، أي: الغريم، ويحتمل عن الدين بما جاز للغريم أن يصالح رده على الأصح، فيتنزل منزلته، فكما يجوز للغريم أن يصالح بعد الأجل عن دنانير طيبة بدنانير أدنى منها، جاز للضامن؛ لأنه يعلم أن الغريم إنما يدفع الأدنى والعكس؛ لأنه يعلم أنه لا يدفع إلا ماله عليه.
تنكيت:
تعقب البساطي المصنف بصورتين يجوز للغريم الصلح فيهما، ولا يجوز ذلك للضامن:
إحداهما: إذا حل أجل طعام السلم لم يجز الضامن أن يصالح بالأجود ولا بالأدنى مع جواز ذلك للأصيل، كما في المدونة.
الثانية: إذا صالح الأصيل بغير الجنس جاز بشرطه، ولا يجوز ذلك للضامن، وكذا إذا صالح بدراهم عن دنانير وعكسه انتهى.
وذكره بعض مشايخي، وأقره، وقد يجاب عن المصنف بأنه إنما لم يستثن هاتين المسألتين لأنه إنما ذكر الأولى فيهما في توضيحه عقب قوله:
[ ٦ / ١١٢ ]
(ما جاز للغريم أن يدفعه جاز للضامن).
قال: لكن المازري قال: لم يطرد هذا -أعني: الجواز- في المدونة في الطعام من السلم؛ فإنه منع الكفيل إذا صالح من له الدين، إذا حل الأجل بطعام أجود مما تحمل به، أو بطعام أدنى منه، وإن فعل ذلك قضاء عن الغريم؛ لا ليشتريه لنفسه؛ لأنه يبيع الطعام قبل قبضه انتهى. فلم يعتمد هنا ما ذكره المازري عنها.
وأما الثانية: ففي التوضيح قبل هذه بنحو صفحة: اختلف قول المدونة إذا صالح على مخالف لجنس الدين، فمنعه في السلم الثاني، وأجازه في الكفالة ابن عبد السلام، وهو أقرب؛ لأن الباب معروف، انتهى.
فدرج هنا على ما استقر به ابن عبد السلام من قوليهما انتهى.
وما لا يجوز للغريم أن يدفعه عوضًا عما عليه، لا يجوز للضامن، فلو ضمنه في عروض عليه من سلم لم يجز للضامن أن يصالح عنها قبل الأجل بأدنى صفة، وقدر الدخول ضع وتعجل، ولا بأكثر لدخول حط الضمان وأزيدك.
ورجع الضامن إذا صالح بمقوم عما في الذمة بالأقل منه، أي من الدين أو من قيمته، أي: المصالح به؛ فأيهما كان أقل رجع به، ويحتمل عود ضمير (منه) لما صالح الضامن به، أي: يرجع بنفس ذلك الشيء، إن كان أقل، أو قيمته إن كانت أقل، ولا يلزم الرجوع بنفس ذلك الشيء، وإن برئ الأصل، وهو: الغريم بوجه من الوجوه بإعطاء أو حوالة أو هبة أو إبراء برئ الضامن مطلقًا، لأن طلبه فرع ثبوت الدين على الأصل، لا عكسه، وهو إذا برأ الضامن لا يبرأ الأصيل مطلقًا، قد يبرأ، وقد لا يبرأ، فيستويان في البراءة بالإعطاء، وأما إن أبرأ رب الدين الضامن لم يبرأ الأصل.
وعجل الحق المؤجل المضمون بأحد أمرين، أشار لأولهما بقوله: بموت الضامن قبل حلوله، فيؤخذ من تركته؛ لخراب ذمته، وإن كان المضمون حاضرًا مليئًا، ورجع وارثه على المضمون بعد أجله، فلو مات
[ ٦ / ١١٣ ]
الضامن عند الأجل، أو بعده والغريم حاضر مليء لم يطالب كالحي.
وأشار للأمر الثاني بقوله: أو الغريم أي: يعجل الحق من ماله بموته، إن تركه، فإن لم يترك مالًا لم يطالب الكفيل بشيء، حتى يحل الأجل؛ إذ لا يلزم من حلول الدين على الغريم حلوله على الحميل لبقاء ذمته، ولا يطالب الضامن بالدين إن حضر الغريم موسرا على أحد قولي مالك في المدونة المرجوع إليه، وهو المشهور، وبه أخذ ابن القاسم، وعليه العمل، وبه القضاء.
ولمالك في المدونة -أيضًا له- مطالبة من شاء منهما، وبه صدر ابن الحاجب كذلك.
وكذا لا يطالب الضامن إذا غاب الغريم، وله مال حاضر يعدي فيه، أي: يسلطه الحاكم على الأخذ منه؛ لأنه حينئذ بمنزلة الحاضر المليء، فيؤدي من ماله كما في المدونة، وفسرت بما إذا لم يبعد إثباته عليه، ولا النظر فيه، ونصها: وإذا كان للغائب مال حاضر يعدي فيه، فلا يتبع الكفيل.
وقال غيره: إلا أن يكون في تثبيت ذلك وفي النظر فيه بعد فيؤخذ من الحميل.
ابن رشد: قول الغير تفسير، لا خلاف.
وكذا حمله من أدركنا من الشيوخ، وبه العمل، وقول البساطي: (الظاهر: إن لم يبعد حال، وصاحبه الغريم، والمعنى: أن الغريم قد يكون حاضرًا موسرا، وتتوجه المطالبة على الضامن بأن يكون في إثباته عليه بعد ومشقة، فتنزل منزلة المعسر هذا الذي يدل عليه كلامه) ظاهر.
والقول له -أي: للضامن- في ملائه، أي: الغريم إذا طالبه المضمون له، لا قول المضمون له: إنه عديم عند ابن القاسم؛ استصحابا بالملاء، إلا أن يقيم الطالب -وهو رب الدين- بينة بعدمه على الأظهر عند بعض الأشياخ.
وأفاد شرط الطالب في أخذ أيهما شاء مبدأ على الآخر على المشهور.
[ ٦ / ١١٤ ]
وأفاد شرط تقديمه -أي: الحميل- على الغريم عكس الحكم السابق؛ لأن الشرط إذا كان لحق آدمي يوفي له به.
وظاهره: سواء كان للشرط فائدة لكونه أم لا، أو اسمح أو أيسر قضاء أو لا، قاله في البيان.
وللشارح هنا تقرير خلاف هذا، تعقبه البساطي، انظره في الكبير.
أو شرط الحميل أنه لا يغرم إلا إن مات المضمون، أفاد شرطه ونحوه في تبصرة اللخمي.
البساطي: فإن قلت: أليس هذا هو الحكم على المشهور، فما فائدة هذا الشرط وذكره.
قلت: فائدته الاتفاق على إعماله، فإن من قال: يطالب أيهما شاء يسلم أنه إذا شرط أن لا يطالب إلا عند تعذر الأخذ من الغريم يعتبر شرطه.
ثم شبه في إفادة الشرط قوله: كشرط ذي -أي: صاحب- ضمان الوجه التصديق في إحضار المضمون بغير يمين، نحوه قول المتيطي: وإذا اشترط ضامن الوجه أنه مصدق في إحضار وجهه دون يمين يلزمه، كان له شرطه.
وهذا أحسن من تقرير الشارحين بأن ضامن الوجه إذا شرط سقوط المال عنه أفاده؛ لقولى المدونة: لو شرط حميل الوجه: إن لم أجده برئت، لم يلزمه، إلا ما شرط.
ووقع في نسخة البساطي دين الوجه: (فقال)، أي: يشرط الحميل أن لا دين في حالة الوجه.
أو شرط رب الدين التصديق في عدم الإحضار، هو كقول المتيطي، وإن انعقد في وثيقة الضمان تصديق المضمون له في إحضار وجهه إن ادعى الضامن أنه قد أحضره دون يمين يلزمه، فهو من الحزم للمضمون له، ويسقط عنه اليمين إن ادعى الضامن إحضاره انتهى.
[ ٦ / ١١٥ ]
وحذف المصنف في الإحضار من التي قبل هذه لدلالة هذا عليه، وذكر البساطي احتمالا آخر، انظره في الكبير.
وله أي: الضامن طلب المستحق، وهو رب الدين، وإلزامه بتخليصه من الضمان، بأن يقول له عند حلول أجله وسكونه من طلب المضمون أو تأخيره، إما أن تطلب حقك، أو تسقط عني الضمان.
وفهم من قوله: (بتخليصه) أن هذا في الموسر؛ لأنه الذي يقال له: إما أن تطلب حقك، أو تسقط عني الضمان، ولا يقال له في المعسر.
وظاهره: سواء طولب الضامن بما على الغريم أو لا، وهو كذلك.
ومفهوم عند الأجل: أنه ليس له ذلك قبله.
لا بتسليم المال، أي: ليس للضامن طلب المضمون إليه، أي: إلى الضامن عند الأجل ليؤديه للمضمون له، وإن سلمه له فضاع ضمنه الكفيل، إن اقتضاه لتنزله منزلة صاحب المال، فهو وكيل عنه بغير إذنه متعد.
لا إن أرسل به؛ لأنه حينئذ آمين، فلا يبرأ الغريم إلا بوصوله للطالب، ولزمه أي: الضامن تأخير ربه، أي: رب الدين المضمون المعسر.
ابن رشد: ولا كلام للضامن في هذا اتفاقًا؛ لوجوب إنظار المعسر.
والمعسر: بالنصب من إضافة المصدر لفاعله.
ولما ذكر ابن رشد هذا ذكر لتأخير الموسر ثلاثة أحوال، أفادها المؤلف باختصار، مشيرا للحالة الأولى منها بقوله: أو الموسر أي: يلزم الضامن تأخير رب الدين الموسر، وهو منصوب أيضًا عطفا على المعسر، إن سكت الضامن مع علمه بالتأخير.
وأشار للثانية بقوله: أو لم يعلم بالتأخير حتى حل الأجل الذي انظر رب الدين المدين إليه، إن حلف رب الدين حينئذ أنه لم يؤخره مسقطا للضمان، وإن نكل رب الدين عن اليمين سقط الضمان.
وأشار للثالثة بقوله: وإن أنكر الضامن التأخير حين علمه، ولم يرضه
[ ٦ / ١١٦ ]
حلف رب الدين أنه لم يسقط ضمانه حين أخر المضمون، بل أخره على أن يبقى الضامن على ضمانه، فإن التأخير يسقط عن الضامن، ولزمه الضمان.
قال في الشامل: على الأصح.
وكذا يسقط التأخير إن نكل، ويبقى الحق والضمان في هذه ثابت على كل حال عند ابن القاسم في المدونة، لكنه سكت فيها عن اليمين.
تنبيه:
سكت المصنف هنا عن قول ابن رشد هذا كله في التأخير الكثير، وأما اليسير فلا حجة فيه للضامن، مع ذكره لذلك في توضيحه.
وتأخر غريمه -أي: غريم رب الدين، وهو: المدين- بتأخيره للحميل، إلا أن يحلف رب الدين أنه ما قصد بتأخيره للحميل تأخير الغريم، فله طلب الغريم، وإن نكل رب الدين لزمه التأخير، ونحوه في المدونة.
وبطل الضمان إن فسد متحمل به، كدراهم بدنانير لأجل عند ابن القاسم في المدونة والعتبية، ورواه عن مالك، وسواء كان في عقد البيع أو بعده، إلا أنه في الأول بخلاف، وفي الثاني باتفاق، وإذا بطل لم يلزم الضامن شيء.
قال في الموازية: كل حمالة وقعت على حرام بين المتبايعين في أول أمرهما، أو بعد فهي ساقطة لا يلزم الحميل بها شيء، علم المتبايعان بحرام ذلك أو جهلاه، علم الحميل بذلك أو جهله.
أو إن فسدت أي: الحمالة نفسها، لم يلزم الحميل شيء، ومثل ذلك بقوله: كبجعل من غيره أي: من غير رب الدين لمدينه، وهذا صادق بكون الجعل من رب الدين للضامن، أو من المدين للضامن، أو من أجنبي للضامن.
ومفهومه: أنه إن كان من ربه لمدينه على أن يأتيه بحميل فجائز، وهو
[ ٦ / ١١٧ ]
كذلك عند مالك وابن القاسم وأشهب وغيرهم، وعن أشهب أيضًا عدم الصحة.
اللخمي: والأول أبين.
ووجه الفساد أن الضامن إن غرم رجع بما غرم مع زيادة ما أخذ، وإن لم يغرم كان له الجعل باطلا، فهو دائر بين أمرين ممنوعين قاله المازري.
وقررنا قوله: (إن فسدت) على عدم لزوم شيء للحميل ليندفع ما أورد بعض مشايخي من لزوم الخلل في كلام المؤلف، فإنه قال:
تنبيه:
من قاعدة العربية: أنه لابد أن يغاير المعلق المعلق عليه، وهنا ليس كذلك، فكيف هذا؟
وبيانه: أنه حكم ببطلان الضمان، أي: فسدت الحمالة، والحمالة الضمان، والبطلان والفساد مترادفان عندنا وعند الجمهور، فكأنه قال: وفسد الضمان إن فسد، أو بطل إن بطل، ولا خفاء بخلل مثل هذا الكلام، فتأمل والتمس جوابا، وفقني اللَّه وإياك انتهى.
وبالغ على بطلان الضمان بجعل، فقال: وإن كان الجعل ضمان مضمونه، بأن ضمن كل صاحبه؛ ليضمنه الآخر؛ لئلا يتوهم إخراج هذه الصورة.
ثم استثنى من المنع قوله: إلا أن يكون ضمان كل للآخر ليضمنه الآخر في اشتراء شيء معين بينهما على السواء؛ فإنه جائز لعمل الماضين.
أو في بيعه أي: شيء بينهما بالسوية، على أن أحدهما ضامن للآخر، وهو الصحيح عند ابن رشد، كقرضهما على الأصح شيئًا من رجل بالسوية بينهما، فيجوز ضمان كل منهما للآخر.
ابن عبد السلام: وهو الأصح عندي.
وقيده بالسوية في المسائل الثلاثة؛ لأنه لو كان لأحدهما أكثر مما
[ ٦ / ١١٨ ]
للآخر لم يجز، إلا أن يضمن أحدهما قدر ما ضمنه فيه الآخر فقط، فيجوز، نص عليه عبد الحق.
وإن تعدد حملاه: اثنان فأكثر في شيء واحد، وليس واحد منهم حميلا عن الآخر، أتبع كل منهم بحصته فقط، وأحوى إن شرطوا أن لا يؤخذ أحد بزائد على ما تحمل به، ففي حمالة اثنين يتبع كل بالنصف وثلاثة بالثلث، وقس على ذلك.
إلا أن يشترط في عقد الحمالة حمالة بعضهم عن بعض، فيتبع كل بالجميع، لكن فيه تفصيل، ذكره في توضيحه، وتركه هنا لفهمه مما تقدم، فقال: إن قال لهم صاحب الدين أيكم شئت أخذت بحقي لم يكن له أن يأخذ بعضهم ببعض، إلا في العدم أو الموت، لأن الحميل لا يوخذ بالحق في ملاء الغريم وحضوره على الرواية المشهورة.
ثم شبه في إتباع أحدهم بالجميع فقال: كترتبهم بأن يأخذ كفيلا، فله في عدم الغريم أن يأخذ بحقه أي الفرعين شاء، ونحوه في المدونة.
تنبيه:
تقرير الشارح لهذا المحل برواية ابن وهب عن مالك في المدونة فيمن كتب حقه على رجلين، واشترط أن يأخذ حيهما عن ميتهما، ومليئهما عن معدمهما، فذلك كحمالة أحدهما عن الآخر: بعيد، وإن أقره البساطي وغيره، وكذا الاحتمال الثاني الذي ذكره البساطي، وهو: إفادة شرط الترتيب، كما لو شرط عليه أن لا يأخذ من شخص عن شخص إلا بعد عجز الأول.
قال: وهذا قليل الجدوى؛ إذ الحكم كذلك عند عدم الشرط، إلا أن يقال عند عدم هذا الشرط يرتفع الخلاف انتهى.
ورجع المودي اسم فاعل، فاعل (رجع)، وهو الغارم للمكفول له بغير المؤدى اسم مفعول عن نفسه؛ فإنه لا يرجع منه شيء، بكل ما على
[ ٦ / ١١٩ ]
الملقى بفتح القاف: اسم مفعول كذا أعربه البساطي ومن وافقه (١).
وقال بعض من تكلم عن هذا الموضع: (بكل) بدل من (بغير): بدل بعض من كل، والعامل فيهما (رجع)، و(الملقي) بكسر القاف مشدد الياء اسم مفعول من الثلاثي.
ثم ساواه في غرم ما دفع عن غيره، كثلاثة اشتروا سلعة بثلثمائة درهم عن كل مائة درهم، وكل حميل عن الآخر، فلقي البائع أحدهم فأخذ منه الجميع: مائة عن نفسه، ومائتين عن صاحبيه، فإذا وجد الغارم أحدهما أخذه بمائة عن نفسه، وبخمسين عن نصف ما دفع عن الثالث، ثم من وجد الثالث منهما أخذه بخمسين.
ثم ذكر المصنف مسألة المدونة في الحملاء الستة التي أفردها الناس بالتصنيف، مفرعا لها على ما قدمه أولا كالمثال له، فقال: فإن اشترى ستة سلعة بستمائة على كل مائة بالحمالة أي: كل حميل بالجميع، فلقي رب المال أحدهم أخذ محه الجميع، وهو: الستمائة: مائة عن نفسه أصالة، وخمسمائة حمالة عن الخمسة، ثم إن لقي هذا الدافع أحدهم أي: الخمسة أخذه بمائة عن نفسه، ثم تبقى أربعمائة يساويه فيها، فيرجع عليه أيضًا بمائتين منها، فكل منهما غرم مائتين عن الأربعة، فصارا غارمين، فإن لقي أحدهما ثالثًا من الباقيين أخذه بخمسين نصف حصته؛ لأن الثاني غرم عنه أيضًا خمسين، وبقي لهذا الذي غرم مائة وخمسين حمالة يساويه فيها، ويأخذ منه خمسة وسبعين؛ لأنه دفع ثلثمائة: مائة عن نفسه، ومائتين عن هذا الثالث، وعن الثلاثة الباقية عليه منها خمسون، فإن لقي الثالث الذي
_________________
(١) كذا قال شارحنا كما في سائر النسخ، وهذا -كما لا يخفى- خطأ عظيم في العربية لا يغتفر؛ إذ الإعراب علم يهتم بما بين الكلمات من علاقة أفقية، فيحدد الكلمة من حيث هي فاعل أو مفعول به، أو مفعول مطلق، ونحو ذلك، وأما معرفة بنية الكلمة من حيث هي فعل أو فعل أو اسم أو الحرف، والاسم من حيث الاشتقاق أهو اسم فاعل أو اسم مفعول، ونحو ذلك، فليس من اختصاصه، وإنما من اختصاص علم الصرف.
[ ٦ / ١٢٠ ]
دفع خمسين وخمسة وسبعين رابعا أخذه بخمسة وعشرين التي أداها عنه؛ إذ لا رجوع بالتي أداها عن نفسه، وقد أبي عن نفسه وعن صاحبه خمسة وسبعين: حصته منها خمسة وعشرون، ويرجع عليه أيضًا بخمسة وعشرين مثلها أداها حمالة عن الاثنين الباقيين، وغرم هذا الرابع خمسة وعشرين عنهما، ثم إن لقي هذا الرابع خامسا أخذه باثنى عشر ونصف؛ لأنه يقول: دفعت خمسة وعشرين عن نفسي، وخمسة وعشرين عنك وعن صاحبك، بقي لي اثنا عشر ونصف، أنت شريكي فيها حمالة، فعلي منهما ستة وربع، وأرجع عليك بستة وربع، ثم إن لقي هذا الخامس السادس أخذه بستة وربع؛ لأنها هي التي أداها عنه وحده.
وسكت المؤلف عن هذا الأخير لوضوحه، وسكت -أيضًا- عن استيفاء العمل حتى يصل إلى حقه كاملا، وقد ذكره في توضيحه عن المازري.
قال بعض مشايخي: وفيه تطويل تنفر منه النفوس.
ثم ذكر طريقا، قال: وإن كان لا يناسب كلام المؤلف كل المناسبة، فقال: وإذا لقي البائع أحد المشتريين، وأخذ منه الستمائة، ثم لقي هذا الدافع واحدًا من شركائه في الشراء طالبه بثلثمائة: بحصته، ومائتين بطريق الحمالة؛ لأنه يقول له: دفعت ستمائة مائة، تخصني لا رجوع لي بها، وخمسمائة عنك وعن أصحابك، يخصك منها مائة، يبقى أربعمائة عن أصحابنا الأربعة، أنت حميل معي بها؛ فلذلك يطالبه بالثلثمائة، فإذا أخذها منه استقر أن كل واحد دفع ثلثمائة، وقد علمت تفصيلها، فإذا لقيا ثالثًا طالبًا بمائة تخصه، ويبقى ثلثمائة هو معهما حميل بها، فيطالبانه بمائة منها بالحمالة، فإذا أخذا المائتين يقاسمانهما، فيبقى لكل شخص منهما مائة، وللثالث أيضًا، فإذا لقي هؤلاء الثلاثة رابعًا طالبوه بمائة عن نفسه، ويبقى لهم مائتان، هو معهما حميل بها، فيطالبوه بحصته بطريق الحمالة منها، وهي خمسون، ويتقاسم الثلاثة هذه المائة والخمسين أثلاثا، فيبقى لكل خمسون، وللرابع أيضًا كذلك، وهي التي حطها بطريق الحمالة، فإذا الباقي
[ ٦ / ١٢١ ]
مائتان، فإذا لقي هؤلاء الأربعة خامسا طالبوه بمائة عن نفسه، وبعشرين من المائة السادسة؛ لأن الخمسة حملاء بها، فتضم هذه العشرون إلى المائة، وتوزع على الأربعة، فينوب كلًا ثلاثون، ويبقى لكل عشرون، وللخامس أيضًا عشرون، وهي التي دفعها بطريق الحمالة، وبمجموع ذلك مائة، فيأخذها الخمسة من السادس، إذا ظفروا به، ويتقاسمونها أخماسا، فيظفر كل بمجموع حقه انتهى.
تنبيه:
هذا العمل نحوه عمل الطنيزي (١)، وقد تعقبه ابن عرفة انظره في الكبير (٢).
_________________
(١) هو: أحمد بن محمد بن أحمد الأديب الفرضي، يعرف: بابن الطنيزي: من أهل قرطبة سكن إشبيلية، يكنى: أبا القاسم، روى عنه الخولاني، وقال: كان يؤدب بالحساب، نبيلًا فيه بارعًا. وله تأليف حسن في الفرائض والحجب على قول زيد بن ثابت، ومذهب مالك بن أنس -﵄-، وكذلك تأليفه الثاني في الفرائض على الاختصار في التاريخ. رحل إلى المرية، وبها توفي -﵀-. قال ابن خزرج توفي سنة ست عشرة أو سبع عشرة وأربع مائة وهو ابن ست وسبعين سنة. ينظر: إكمال الإكمال (٥/ ٢٥٨).
(٢) قال في المنح (٦/ ٢٣٥ - ٢٣٨): "طفى: جَعْلُهُ ما ذكره بعض مشايخه طريقا آخر لا يناسب كلام المصنف ونحوا لعمل الطنيزي وهم بل هو صورة من صور التراجع تناسب كلام المصنف وتؤخذ منه وليست طريقا أخرى لأن صور التراجع غير منحصرة فيما ذكر قال أبو الحسن في شرح المدونة اعلم أن وجوه التراجع لا تنحصر بينهم في عدد إذ قد يلتقون على رتب مختلفة وصور شتى لأن صاحب الحق إما أن يلقى جميعهم أو يلقى خمسة منهم أو أربعة أو ثلاثة أو اثنين أو واحدًا وإذا لقي أربعة منهم أو أقل فأخذ ماله ممن لقي فإن ذلك الغريم إما أن يلقى سائرهم مجتمعين أو متفرقين في كل واحد من جانبي الملتقين أو مجتمعين في جانب ومفترقين في آخر والافتراق على أقسام كثيرة ثم ذكر كيفية التراجع في هذه الصور إلى أن قال وإن لقي اثنان منهم واحدًا رجعا عليه بما أديا عنه من أصل الحق وبثلث ما أديا عن أصحابه بالحمالة وإن كانوا ثلاثة فلقوا واحدًا رجعوا عليه بما أدوا عنه بحمالة ما أدوا عن أصحابه بالحمالة =
[ ٦ / ١٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = اهـ باختصار وأطال في ذلك، فقد ظهر لك أن هذه وجوه مفرعة على طريق الفقهاء وغيرهم لا اختلاف فيها وليس شيء منها طريقا مخالفًا لغيره والخلاف بين الفقهاء والطنيزي حيث لقي أحد الاثنين الثالث على الانفراد وكذا من بعده حسبما هو مفروض في كلام عياض وابن عرفة وغير واحد أما إن لقياه معًا كما فرض بعض مشايخ تت فلا خلاف فيها ولا تنحو لما قال الطنيزي ونص ابن عرفة وضابط تراجعهم في ثمن ما ابتاعوه متحاملين رجوع كل غارم على من لقيه بما غرم عنه من ثمن ما ابتاعه وبما يوجب مساواته إياه فيما غرمه بالحمالة عن غيره ثم في رجوعه عليه بذلك على مقتضى حال لقاء الغارم من لقيه فقط أو على مقتضى ما يجب على كل واحد منهما مع كل من غرم لو لقيهم رب الحق مجتمعين قولا الأكثر. ونقل عياض حيث قال لو لقي ثاني الستة ثالثهم ففيها يأخذه بخمسين قضاها عنه في خاصته وبخمسة وسبعين نصف مائة وخمسين أداها بالحمالة فذلك مائة وخمسة وعشرون وعلى هذا حسب كل الفقهاء المسألة في التراجع بينهم وقال أبو القاسم الطنيزي الفارضي هذا غلط في الحساب والواجب إذا التقى الثالث مع أحد الأولين أن يقول الثالث نحن كأنا اجتمعنا معًا باجتماع بعضنا ببعض ولو اجتمعنا معًا كان المال علينا أثلاثا علي منه مائتان غرمتهما أنت وصاحبك عني خذ مائتك وادفع لصاحبك مائته إذا لقيته وكذا في بقية المسألة. قلت قبله عياض وغيره وهو غلط في الفقه لأن مآله عدم غرم الثالث شيئًا بالحمالة لأن جملة ما غرمه على قوله في لقائه الثاني مائة وهي واجبة عليه بالشراء واستواؤهما في التزام الحمالة يوجب استواءهما في الغرم بها واستواؤهما فيه يوجب رجوع الثاني على الثالث بما قال الفقهاء وإذا كانوا حملاء غير غرماء بأن ضمنوا شخصًا في مال عليه بشرط حمالة بعضهم بعضا وأدى بعضهم الحق لربه لعدم الغريم أو غيبته ولقي المؤدي أحد أصحابه فهل لا يرجع المؤدي على الملقي بما أي القدر الذي أي المؤدى أيضًا أي كما لا يرجع عليه به إذا كانوا حملاء غرماء إذا كان الحق المضمون على غيرهم أي الحملاء المشترط حمالة بعضهم عن بعض أولًا بشد الواو منونا أي ابتداء وعليهم ثانيًا بالحمالة وعليه أي عدم رجوع المؤدي بما يخصه على الملقي الأكثر وهو المعتمد وكيفية التراجع على هذا التأويل إذا تحمل ثلاثة عن واحد بثلاثمائة وغرمها أحدهم ثم لقي آخر فيأخذ منه مائة عن نفسه وخمسين بحمالة الثالث ومن لقي منهما الثالث أخذ منه خمسين. والتأويل الثاني طواه المصنف تقديره أو يرجع بما يخصه وكيفية الرجوع عليه أن الغارم الأول يأخذ من الملقي الأول مائة وخمسين بالحمالة وإذا لقي أحدهما الثالث فيأخذ منه خمسة وسبعين وإذا لقيه الآخر طالبه بخمسة وسبعين فيقول له الثالث دفعت =
[ ٦ / ١٢٣ ]
ولما قدم أن من دفع من الغرماء الحملاء شيئًا عن نفسه لا يرجع به، ذكر اختلاف شيوخ المدونة في فهمها فيما إذا كانوا حملاء فقط لا غرماء، ولقي صاحب الحق أحدهم، فأخذه بالجميع، ثم لقي هذا الدافع آخر، فقال: وهل لا يرجع الحميل بما يخصه (١) في الحمالة أيضًا، كالمسألة
_________________
(١) = لصاحبنا الذي لقيني قبلك خمسة وسبعين ساويتك فيها يبقى لك زائدًا مثلها فخذ نصفه سبعة وثلاثين ونصفًا ثم كل من لقي منهما الذي لم يدفع إلا خمسة وسبعين أخذ منه اثني عشر ونصفًا فيستوي الجميع في أن كل واحد منهم دفع مائة بالحمالة فظهر الفرق بين التأويلين في كيفية تراجعهم في المثال المذكور وكلام من وقفت عليه من الشراح في هذا المحل غير ظاهر ولا واف بالمقصود فلو قال المصنف وهل كذا إن كان الحق على غيرهم لكان أولى لاختصاره وإفادته جريان هذه المسألة على الأولى في جميع ما ذكر فيها من قوله ورجع المؤدي إلى قوله ثم ساواه قاله المسناوي رحمه اللَّه تعالى".
(٢) قال في المنح (٦/ ٢٣٧): "طفى قوله وهل لا يرجع بما يخصه إلخ أي إذا أخذ من أحدهم ما يخصه فقط فهل لا يرجع به كما إذا كان الحق عليهم أو يرجع به هذا هو الصواب في تقرير كلام المصنف وبه تظهر ثمرة الخلاف والمسألة هكذا مفروضة في كلام ابن رشد ونصه فإن تحمل بالمال حملاء في صفقة واحدة فيلزم كل واحد منهم ما ينوبه منه موزعا على عددهم إلا أن يشترط أن كل واحد منهم حميل عن صاحبه أو عن أصحابه قال بجميع المال أو لم يقل فيؤخذ مليهم بمعدمهم كأخذهم بعدم الغريم ويأخذ أيهم شاء على أحد قولي مالك -﵁- وعلى كليهما إن اشترط أخذ أيهم شاء فإن أخذا أحدهم بما ينوبه من المال فاختلف هل للمأخوذ منه ذلك أن يرجع على من وجد من أصحابه حتى يساويه فيه فقيل له ذلك وإلى هذا ذهب أبو إسحاق وقيل ليس ذلك له وهو الصواب لأن ما ينوبه منه إنما أداه عن نفسه ومثله في كتاب ابن المواز وهو الآتي على ما في المدونة لغير ابن القاسم في الستة كفلاء اهـ نقله أبو الحسن وق. وأما فرضها في أخذ جميع الحق من أحدهم فلا يظهر للخلاف فيه معنى لمن تأمل وأنصف وإن كان جمع من المحققين فرضوه فيه كعياض وابن عبد السلام وابن عرفة بل وجميع من وقفت عليهم إلا ابن رشد مع أنهم لم ينقلوا إلا كلامه ولعلهم حرفوه وإن بعد تواطؤ هؤلاء الأئمة الأجلاء على التحريف فإنه لا يصح فرضهم والحق أحق أن يتبع وكلام المدونة صريح فيما فرضوه لا تأويل فيه ولا خلاف ونصها في الثلاثة الحملاء فقط إن أخذ من أحدهم جميع المال رجع الغارم على صاحبيه إذا لقيهما بالثلثين وإن لقي أحدهما رجع عليه بالنصف اهـ =
[ ٦ / ١٢٤ ]
السابقة، إذا كان الحق على غيرهم حمالة فقط، وأخذ من أحدهم، ثم لقي الآخر هل يقاسمه أولًا بعد إسقاط ما يخصه من الحق، وعليه الأكثر من شيوخ الأندلسيين، أو يرجع بما يخصه أيضًا، فيقاسم بالسواء في الغرم حتى يعتدلوا؛ لأن الحق على غيرهم، وإليه ذهب ابن لبابة والتونسي وغيرهم؟ تأويلان.
فلو تحمل ثلاثة عن شخص بثلاثمائة، وغرم أحدهم جميعها، ثم لقي الآخر، فعلى الأول يقاسمه في مائتين على كل مائة، وعلى الثاني يقاسمه في ثلاثمائة على كل مائة وخمسون؛ لأنه يقول: إذا أديت ثلثمائة أنت معي حميل بها.
ولبعض مشايخي: كيفية التراجع في هذه على الأول: إن دفع المال كله لا يأخذ ممن لقيه المائة التي تخص الدافع، وإنما يطالب بالمائة التي تخص الملقي، ثم يطالبه بنصف المائة الثالثة؛ لأنه حميل بها معه، فإذا لقي الثاني الثالث أخذه بخمسين، وهي التي أداها عنه بالحمالة، وعلى الثاني يأخذ الأول من ملقيه مائة وخمسين؛ إذ يقول أديت ثلثمائة أنت معي حميل بها، فإذا لقي الثاني الثالث أخذه بخمسة وسبعين؛ إذ هي نصف ما غرم، وما غرم كان حميلا بغرمه. انتهى.
_________________
(١) = فأنت ترى أنها صرحت بما يرجع به وهو كلام ظاهر لا تأويل فيه ولا خلاف فلو كان الخلاف فيما فرضوه لنبهوا على نصها إذ يبعد أن ينسب إلى التونسي وابن المواز وسماع أبي زيد ويترك نصها وهذا ظاهر وبه يظهر لك ما في تقرير تت وبعض مشايخه من الخبط لكن العذر لهما أنهما مسبوقان بذلك ممن له قدم راسخ في التحقيق والكمال للَّه تعالى والمحل ليس محلا للتأويلين إذ لم يؤولا عليها. وجعل تت في كبيره تبعا للبساطي نصها المتقدم محل التأويلين غير ظاهر اهـ. البناني واندفع بما تقدم عن المسناوي ما هول به طفى ثم قال سلمنا وجود الخلاف في فرض ابن رشد كما بينه لكن لا يلزم منه عدم التأويلين في الفرض المتقدم وقد علمت ثمرتهما فيه ثم قال قلت العجب كيف حمله عدم فهمه ثمرة الخلاف في فرض الجماعة على الثاني بالنصف فإنه قابل للتأويل لسكوته عن رجوع أحدهما على الثالث فلا دليل فيه لطفى واللَّه الموفق في الجواب".
[ ٦ / ١٢٥ ]
تنبيه:
(أو لا) في كلام المؤلف: منونا، كذا رأيته بخط الأقفهسي ضبطا بالقلم، وهو الموافق لكلام المصنف كما قررناه، وأما بغير تنوين قسيما لما لا يرجع بما يخصه، كما هو ظاهر كلام الشارحين، فينعكس النقل؛ إذ يصير ما عليه الأكثر هو التأويل الثاني، وليس كذلك.
وصح الضمان بالوجه، وهو: عبارة عن الإتيان بالغريم للذي له عليه الدين وقت الحاجة، ولا اختلاف في صحته عندنا، وعبر بالصحة تبعا لابن الحاجب، وعبر ابن عرفة بالجواز كالإرشاد، ونحوه قول صاحب الشامل: وجاز بوجه والعضو المعين كالجميع، أي: لا فرق بين الوجه وغيره.
وإذا علمت هذا ففي تفسير البساطي بقوله: (التزام إحضار عينه؛ لأنه يعبر بالذات عن العين وبالوجه) شيء (١).
وللزوج رده أي: ضمان الوجه، إن حصل من زوجته، ولو بغير مال، لأنه يقول: قد تحبس، فأمنع منها، وقد تخرج للخصومة، وليس ذلك علي، وأما ضمانها للمال فقد تقدم صحته في قدر ثلثها فدونه، فأغناه ذلك عن إعادته هنا.
وبرئ ضامن الوجه بتسليمه -أي: المضمون له للمضمون- له.
تتمة:
زاد في المدونة بمكان فيه حاكم، وأما مكان لا سلطان فيه، أو في حال فتنة، أو مفازة، أو مكان يقدر الغريم على الامتناع منه، لم يبر.
وبالغ بقوله: وإن سلمه له بسجن أي: فيه.
قال في المدونة: لأنه يحبس له بعد تمام ما حبس فيه.
الباجي: وسواء كان سجنه في دم أو غيره.
_________________
(١) كذا في سائر النسخ، ولعل الصواب كما يدل عليه السياق: ليس بشيء، واللَّه -تعالى- أعلم.
[ ٦ / ١٢٦ ]
اللخمي: ولو كان تعديًا.
ابن عرفة: في التعدي نظر؛ لأنه مظنة في إخراجه برفع التعدي عنه.
أو بتسليمه أي: المضمون نفسلى للمضمون له، فإن الحميل يبرأ بذلك، كما في المدونة، وزاد المؤلف ما في الموازية، وهو قولها: إن أمره الضامن به، أي: التسليم؛ لأنه كوكيله، ولو قال: سلمت نفسي عن من تحمل بوجهي لم تسقط الكفالة، كما لو سلمه أجنبي على المشهور فيهما.
وأشار لشرط البراءة بالتسليم بقوله: إن حل الحق المضمون به؛ إذ لا فائدة في إحضاره قبل حلوله، قاله المازري وغيره.
وبريء بتسليمه له بغير مجلس الحكم، إن لم يشترط مجلس الحكم، فإن اشترط لم يبرأ إلا به، قاله في الكافي.
ومفهومه: لو أحضره بمجلس الحكم فوجده غائبًا لم يبرأ لفقد التسليم، وهو كذلك، إلا أن يشترط الضامن أنه إن لم يجده ولا وكيله فلا ضمان عليه، فإنه يشهد على ذلك ويبرأ على أحد القولين.
وبغير بلده إن كان به حاكم، وظاهره: سواء كان مكان الاشتراط باقيًا على حاله، تجري فيه الأحكام أم لا، كما لو خرب، وهو كذلك على المشهور، وإذا حضر برئ، ولو كان عديمًا، وهو المشهور.
وإلا بأن لم تحصل براءة حميل الوجه بوجه مما سبق أغرم ما على الغريم على المشهور، والشاذ لابن عبد الحكم لا غرامة؛ لأنه لم يلتزم إلا إحضاره، وهو لا يقتضي الغرم، والغرم بعد خفيف تلوم على المشهور، وإنما يكون التلوم إن قربت غيبة غريمه كاليوم واليومين.
ومفهومه: إن بعدت غيبته غرم دون تلوم، وهو كذلك.
ولا يسقط الغرم عن الحميل بإحضاره أي: الغريم إن حكم [به، أي:] بالغرم؛ لأنه حكم مضي، فلا يسقط على المشهور.
[ ٦ / ١٢٧ ]
ومفهوم الشرط: لو حضر بعد الأجل والدعوى قبل الحكم لم يبرأ، وهو كذلك اتفاقًا.
قال المصنف: واختلف في المراد بالحكم: هل هو إشهاد الحاكم على الحكم بالغرم، أو القضاء بالمال ودفعه لربه؟ قولان لعبد الملك وبعضهم.
لا إن أثبت حميل الوجه عدمه أي: الغريم في غيبته، فإنه يسقط غرمه، قاله اللخمي؛ بناء على أن يمين العدم استظهار، وأما على أنه جزء نصاب فلا يسقط، وعلى هذا الثاني شيء في الفلس، حيث قال: وغرم إن لم يأت به، وإن أثبت عدمه، وهو قول ابن رشد في مقدماته، فهما قولان، ويترجح ما هنا؛ لذكره في بابه.
أو أثبت موته، فيسقط غرمه بذلك أيضًا في غيبته: متعلق بقوله (أثبت)، لا بقوله: (أو موته)، وعلقه الشارح بهما، ونظر فيه؛ بقوله: ولو كان موته بغير بلده، أي: الضمان عليه؛ لأن النفس المكفولة ذهبت.
أشهب: لا أبالي مات غائبًا أو بالبلد.
فيبرأ الغريم، وهو مذهب المدونة.
ورجع حميل الوجه على رب الدين به، أي: بما أدى له إن ثبت موت الغريم قبل الحكم عليه بالغرم، ونحوه في المدونة.
وصح الضمان بالطلب، وهو يشترك مع ضمان الوجه في لزوم الإحضار، ويختص الوجه بالغرم عند التعذر؛ ولهذا لا يصح ضمان الوجه في غير المال، وصح في ضمان الطلب؛ ولذا قال: وإن كان الطلب في قصاص؛ لأنه لا يلزم فيه غرم، ولضمان الطلب صيغ، منها:
- ما فيه لفظ الطلب، كـ: (أنا حميل بطلبه)، أو على أن أطلبه، أو: (لا أضمن إلا الطلب)، أو: (أنا مطالب بطلبه)، وشبهه.
[ ٦ / ١٢٨ ]
- ومنها: (عليّ إحضاره)، أو: (التزمت بإحضاره)، ونحوه مما يشعر بالطلب، وليس نصًا فيه.
- ومنها أن يتعرض لنفي المال، كـ: (لست من المال في شيء)، وإليه أشار بقوله: أو اشترط نفي المال، أو قال: لا أضمن إلا وجهه، قاله ابن المواز، ولزم الضامن طلبه، أي: المضمون، أي: بما أي: شيء يقوى عليه عند ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون: يخرج لطلبه، قرب أو بعد، ما لم يتفاحش، فأما ما يكون من أسفار الناس فليخرج أو يرسل أو يؤدي عنه.
والفرق بين القولين ما أشار إليه في توضيحه من أن لفظة (قوي) تعطي من الوسع ما لا يعطي سفر مثله.
وحلف حميل الطلب إن ادعى أنه لم يجده، وكذبه الطالب، وصفة يمينه أنه: ما قصر في الطلب، ولا دلس، وأنه لا يعلم له مستقر.
أو غرم حميل الطلب إن فرط بعد الأجل حتى هرب، أو هربه بإنذارها له، وثبت ذلك عليه ببينة، وعوقب بالسجن بقدر ما يرى السلطان.
تكميل:
بقي هنا نوع آخر من الضمان لم ينبه عليه، وذكره في المدونة، وسماه: ضمان الدرك، فقال: ومن تكفل لرجل بما أدركه من درك في جارية ابتاعها من رجل أو دار أو غيرهما جاز ذلك، ولزمه الثمن حين الدرك في غيبة البائع وعدمه وأطال في ذلك، فانظره.
ثم أشار لصيغة الضمان، وهي كما قال ابن عرفة: ما دل على الحقيقة عرفا، بقوله: وحمل الكفيل في مطلق قوله: أنا حميل، أو: زعيم، أو: أذين بذال معجمة، وقبيل، وعندي، وإليّ شبهه، كـ: عليّ وصيير، ووكيل، وكفيل، ومأمن، وغرير بمعجمة فرآين مهملتين بينهما مثناة تحتية، واشتقاق الكل من الحفظ والحياطة، قاله في التنبيهات.
على المال على الأرجح عند ابن يونس؛ لقوله: هو الصواب.
[ ٦ / ١٢٩ ]
وعلى الأظهر عند ابن رشد؛ لقوله في مقدماته: هو الأصح.
ابن عرفة: في لفظ حملها العاري عن بيان لفظ أو قرينة على المال أو النفس نقلا عياض عن شيوخنا.
ابن رشد: الأصح الأول؛ لخبر: "الحميل غارم" انتهى.
واحترز بقوله: (مطلق) عما لو قال: أردت بالإطلاق بالوجه أو المال فإنه يلزمه ما أراد.
تنبيهات (١):
الأول: قال المصنف: ينبغي أن يعتمد هنا على الألفاظ التي يستعملها أهل العرف في الضمان، لا على غيرها.
الثاني: تلخص من كلامه منطوقا ومفهوما ثلاثة أحوال:
الأول: أنه أراد بالإطلاق في قوله: مطلق أنا حميل عروه عن المال والوجه، وهو موضع الخلاف الذي أشار إليه بالأرجح والأظهر، ومفهومه: أنه لو لم يعر بل قيد الإطلاق بالمال، بأن قال: أردت المال، أو بالوجه، فقال: أردت الوجه، لزمه ما أراد، وهما الحالان الآخران.
الثالث (٢): يندفع بهذا التقرير قول البساطي: (اعلم أنهم قالوا في المطلق إن أراد الوجه لزم وإن ادعى أنه لم يرد شيئًا فهاهنا الاختلاف والاختيار)، ولا يفهم هذا من كلامه.
لا إن اختلفا، وحقق كل منهما ما وقعت به الحمالة، فقال الحميل: إنما تحملت بالوجه، وقال الطالب: بل بالمال، فالقول قول الحميل؛ لأن الأصل براءة الذمة، كذا في توضيحه وتبعه الشارح.
وقال البساطي: ظاهر كلام ابن يونس أنه بحث لقوله: ينبغي أن يكون القول قول الحميل انتهى.
_________________
(١) كذا في سائر النسخ، والصواب أن يقال: تنبيهان، وإلا فثمة تنبيه ثالث قد سقط ذكره.
(٢) كذا في سائر النسخ، فيكون الحال الثاني قد سقط سهوا من المؤلف لا من الناسخ.
[ ٦ / ١٣٠ ]
ويدخل في قوله: (اختلفا) ما في كتاب ابن حبيب: قال أصبغ في الحميل يأتي برجل، ويقول: تحملت بهذا فتسلمه، فيقول: إنما تحملت بفلان غيره: إن القول قول الحميل مع يمينه، ولا شيء على الذي جاء به؛ لأنه أبرأه.
ولم يجب على منكر الحق إذا طلب منه بينة على دعواه، فيدعي غيبتها، فيقيم لي وكيلا، لم يلزمه وكيل بقيمة للخصومة عنه، إذا طلب المدعي المهلة لإقامة بينة بسبب دعواه.
وقال: أخاف إن أثبت بالبينة أن لا أجدك، فأقم لي من يخاصم عنك.
ويجب: بفتح أوله، وكسر ثانيه.
وكيل: فاعله.
وللخصومة: متعلق بوكيل.
تنبيه:
سيذكر أواخر الشهادات اختلاف الشيوخ في فهم المدونة في هذه المسألة.
ولا يجب كفيل بالوجه بالدعوي، أي: بسببها، فالباء في (بوجه) متعلقة بـ (كفيل).
وفي (بالدعوى) سببية، متعلقة بـ (يجب)، البساطي: ويحتمل بمجردها.
ويقويه قوله: إلا بشاهد أي، فيجب إقامة كفيل معه؛ لترجيح الدعوى به.
تنبيه:
سيأتي (١) أواخر الشهادات أنه يجب بالمال مع إقامة الشاهد، إذا أراد إقامة ثان، ولو اقتصر على ما هناك لسلم من التكرار.
_________________
(١) في "ن ٣": سيذكر.
[ ٦ / ١٣١ ]
وإن ادعى الطالب أن له بينة على المدعي عليه بكالسوق وجناب البلد الآخر والمكان القريب، أو ببعض القبائل، كما في المدونة وقفه القاضي، أي: المدعي عليه عنده مقدار ما يأتي بها، فإن جاء وإلا خلي سبيه.
* * *
باب ذكر فيه الشركة وما يتعلق بها
وهي كسر الشين وفتحها وكون الراء فيها وفتح الشين وكسر الراء والأولى أفصحها وهي لغة الاختلاط والامتزاج.
البساطي: هي دائرة على التعدد.
وعرفها المصنف كابن الحاجب بقوله: الشركه إذن في التصرف لهما مع أنفسهما، أي: إذن كل منهما لصاحبه أن يتصرف مع نفسه.
فقوله: (مع أنفسهما) فصل أو خاصة، مخرج الوكالة، لا حشو؛ إذ ليس في الوكالة إذن من الوكيل للموكل أن يتصرف مع نفسه، بخلاف الشركة، لا يكون الشريك شريكا لصاحبه حتى يشركه في رقاب الأموال على الإشاعة، وأما إن لم يشاركه في رقابها فخليط، فالخلطة أعم من الشركة.
وللشركة أركان، منها: العاقدان، وأشار لهما بقوله: وإنما تصح من أهل التوكيل؛ لأنه إذن لغيره في التصرف في ماله، ومن أهل التوكل، أي: بأن يكون وكيلا؛ لأنه متصرف عن غيره.
ولما كان كل من الشريكين وكيلا عن صاحبه حسن تشبيههما بالوكيل والموكل، وهذا مانع من صحة وكالة المجنون والعبد غير المأذون والمحجور والصبي.
ومقتضى كلامه: عدم صحة شركة مسلم لكافر، وهو كذلك.
[ ٦ / ١٣٢ ]
قال البساطي: وهو المنصوص، إلا أن يتولى المسلم العقود انتهى.
والذي قاله أبو الحسن الصغير: ما لم يتول عقد البيع والشراء والقضاء والاقتضاء بحضرة المسلم؛ لئلا يعمل بالربا.
ويدخل في عبارة المصنف صحة شركة النساء، وهو كذلك فيما بينهن، ومع الرجال كما في المدونة، انظر الكبير.
وأشار لركن آخر وهو الصيغة بقوله: ولزمت بما يدل عرفا من قول: كاشتركنا وتعاملنا في هذا المال على هذا ونحوه، أو فعل كخلط المالين والعمل فيهما بغير لفظ.
ويدخل في قوله: (عرفا) الإشارة المفهمة، وحكمها ابتداء الجواز.
ابن عرفة: حكمها الجوار كجزيئها: البيع والوكالة، وعروض وجوبها بعيد، بخلاف عروض توجب حرمتها وكراهتها.
وما ذكره من اللزوم بالقول شهره صاحب المعين في شركة المال وفي المزارعة.
وقيل: جائزة لا تلزم إلا بالخلط.
ابن عبد السلام: الظاهر أنه لا مخالفة بين لزومها وجوازها.
ومراد من قال بلزومها لزومها بالعقد باعتبار الضمان، فإذا هلك شيء بعد العقد كان ضمانه منهما، خلافًا لمن يقول لا تنعقد إلا بالخلط.
وأشار صاحب الشامل للقولين والتوفيق بينهما بقوله: وهل تلزم بالقول، وشهر، أَوْ لا.
قيل: وهو المنصوص.
أو اللزوم باعتبار الضمان فقط؟ تردد انتهى.
فائدة:
قال ابن عرفة: حكمها الجواز، ومن أركانها المال الذي يقع به
[ ٦ / ١٣٣ ]
الاشتراك أو العمل كذلك، وعبر ابن الحاجب عن هذا بالمحل، فقال: محلها المال والعمل.
وأشار المصنف للأول بقوله: بذهبين أي: ذهب من هذا، وذهب من الآخر، أو ورقين منهما، اتفق صرفهما، أي: الذهبين أو الورقين، وإن اختلفت سكتهما، وهو كذلك، ففي المدونة: وإن أخرج أحدهما دنانير هاشمية، وأخرج الآخر مثل وزنها دمشقية، أو أخرج هذا دراهم يزيدية، والآخر مثل وزنها محمدية، وصرفهما مختلف لم يجز، إلا في اختلاف يسير لا بال له انتهى.
وسكت المصنف عن ذكر قيد اليسارة؛ لما هو مقرر من اعتقاده في غير موضع.
ولو أخرج أحدهما ذهبا والآخر ورقا لم يجز؛ لأنه صرف وشركة، وهو ممنوع.
وتصح الشركة بهما، أي: بذهب وورق معًا منهما، أي: من الشريكين، بأن يخرج هذا ذهبا وورقا، والآخر كذلك اتفاقًا، وتصح بعين ذهب وورق من أحدهما وبعرض من الآخر.
قال ابن الحاجب: على المشهور، ومثله في حكاية المشهور لصاحب المعتمد.
وأنكر المصنف وابن عرفة الشاذ.
وتصح بعرضين مطلقًا من كل واحد عرض، اتفق العرضان كصوف وصوف مثلًا، أو اختلفا كصوف وحرير، وكل من العرضين يقع الاشتراك به بالقيمة والمعتبر في التقويم يوم أحضر عرضهما للاشتراك به.
فـ (يوم): ظرف للتقويم، فإن اتفقت قيمتها فالاشتراك بالنصف، وإن اختلفت فيقدر الاختلاف، لا إن فات أي: لا يكون التقويم يوم الفوات، وهذا إن صحت شركتهما.
[ ٦ / ١٣٤ ]
ومفهوم الشرط: لو كانت فاسدة كما لو وقعت على تفاضل في الربح أو العمل فلا تقويم، ويكون رأس مال كل منهما ما بيع به عرضه؛ لأن العرض في الشركة الفاسدة لم يزل على ملك ربه، وفي ضمانه إلى يوم البيع.
وكما أن البيع الفاسد لا يدخل في ضمان المشتري إلا بالعقد فكذلك هنا.
ولما قدم لزوم العقد بالقول فيما سبق، ذكر شرط الصحة، فقال: إن خلطا ماليهما حسًا، بحيث لم يتميز بعضه من بعض، بل يكفي الخلط، ولو كان حكما، كجعلهما في بيت واحد بغير خلط، وإلا يكن الخلط حسا ولا حكما، بأن بقيت صرة كل منهما بيده، فالتالف منهما أي: من الصورتين من ربه خاصة وما ابتيع أي: اشترى من سلعة بغيره -أي: بغير التالف- فبينهما، كما في المدونة.
وأشار لتقييد ابن يونس لها بقوله: وعلى المتلف أي: الذي تلفت صرته نصف الثمن الذي اشتريت به السلعة.
واختلف: هل يكون السالمة صرته شريكا لمن ضاعت صرته فيما ابتاع، إلا أن يعلم صاحب السلعة بالتلف حين الشراء، فإذا علمه فله ما اشتراه بربحه، وعليه ما خسره، وهو قول ابن رشد وغيره، أو يكون من سلمت صرته شريكًا مطلقًا، علم بالتلف أو لم يعلم، وهو لابن يونس.
ثم استثنى من محل التردد الآتي، فقال: إلا أن يدعي رب السالمة الأخذ له، أي: الشراء لنفسه فقط، فيكون ما ابتاعه له اتفاقًا، تردد.
وكل من أحد الترددين فهم من قول المدونة: وإن بقيت صرة كل بيد ربها حتى ابتاع بها أحدهما أمة على الشركة، وتلفت الصرة الأخرى، فالصرة من ربها، والأمة بينهما.
فهمها ابن رشد وغيره على الأول، وابن يونس على الثاني، فالجاري
[ ٦ / ١٣٥ ]
على اصطلاح المصنف أن يقول: تأويلان (١).
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٢٥٥ - ٢٥٧): "طفى: قرر تت كلام المصنف على ظاهره مع أنه منتقد من ح ومن تبعه وهو انتقاد صحيح. وحاصل النقل عن جميع من تكلم على المسألة من أهل المذهب أن الخلاف الذي أشار له المصنف هو بين ابن رشد وابن يونس مع عبد الحق فابن رشد عنده إن اشترى بعد تلف ما أخرجه صاحبه وهو لا يعلم فهو مخير بين أن يلزمه حصته مما اشتراه أو ينفرد به عنه وإن اشترى بعد علمه بالتلف فهو له خاصة هكذا في مقدماته وهكذا نقله أبو الحسن وغيره. وعند ابن يونس وعبد الحق إن اشترى بعد علمه التلف فشريكه مخير بين أن يشركه فيها أو يدعها إلا أن يقول اشتريتها لنفسي فهي له وإن لم يعلم بالتلف حين اشترى فهي بينهما كما لو اشترى فتلفت الصرة الأخرى هكذا في نقل أبي الحسن وابن عرفة وغير واحد فابن رشد عكس ما قالاه إذ التخيير عنده مع عدم العلم للمشتري بخلافهما وقد أحسن صاحب الشامل في عزوهما ونصه وهل إلا أن يشتري قبل علمه بالتلف فيخير وإن علم يختص به أو يخير الآخر مع العلم إلا أن يدعي أنه ابتاع لنفسه تردد اهـ. وقال تت في كبيره ظاهر كلام المصنف أن السالم صرته تلزمه الشركة فيما ابتيع بها بشرطه عند ابن رشد وابن يونس والذي في المقدمات أنه بالخيار وبه قرر الشارح كلامه هنا ودرج عليه في شامله ثم ساق كلام الشامل المتقدم وهو ظاهر لأن التخيير عند ابن رشد في مقدماته للمشتري وهو السالم صرته كما علمت وكما في الشامل وقد نقل لفظه على وجهه ولم ينبه عليه في صغيره وباللَّه تعالى التوفيق. الحط الأليق باصطلاحه تأويلان ولم أقف عليهما على ما ذكره المصنف فإنه قال في المدونة وإن بقيت كل صرة بيد ربها حتى ابتاع أحدهما بصرته أمة على الشركة وتلفت الصرة الأخرى والمالان متفقان فالأمة بينهما والصرة من ربها. ابن يونس قوله فالأمة بينهما يريد بعد أن يدفع لشريكه نصف ثمنها لأنه إنما اشتراها على الشركة بعض أصحابنا إن اشتراها بعد التلف عالما به فشريكه مخير بين أن يشركه فيها أو يدعها له إلا أن يقول إنما اشتريتها لنفسي فهي له وإن لم يعلم بالتلف حتى اشترى الأمة فهي بينهما كما لو اشترى ثم تلفت صرة الآخر وهذا على أصل ابن القاسم. أبو الحسن ولابن رشد عكس هذا قال إن اشترى بعد التلف وهو لم يعلم فهو بالخيار بين أن يلزمه ما اشتراه أو ينفرد به لأنه يقول لو علمت تلفه لم أشتر إلا لنفسي وما اشترى بعد علمه تلف ما أخرجه صاحبه فهو له خاصة. اهـ. فالتأويل الأول في كلام المصنف الذي أشار إليه بقوله وهل إلا أن يعلم بالتلف فله =
[ ٦ / ١٣٦ ]
ولزمت الشركة بالعقد ولو غاب نقد أحدهما، أي: أحد المالين عند مالك وابن القاسم في المدونة، وهو المشهور، واستحسنه اللخمي، وقيده بقيدين، أشار لهما المصنف بقوله:
[١] إن لم يبعد، زاد في توضيحه جدا، وأطلق هنا.
[٢] ولم يتجر لحضوره، أي: المال الغائب، والذي في توضيحه: لقبضه، وهو مستلزم لحضوره، بخلاف عكسه.
لا بذهب من أحدهما، وبورق من الآخر، فلا يجوز للصرف والشركة.
وأعاد حرف الجر لئلا يظن أن الذهب والورق معًا من كل جانب، وليس كذلك.
ولا يجوز بطعامين مختلفين نوعا وصفة ومقدارا: طعام من هذا وطعام من الآخر، بل المنع ولو اتفقا على المشهور، ورجع إليه مالك؛ لأنه يؤدي لبيع الطعام قبل قبضه، إذ كل واحد باع نصف طعامه بنصف طعام الآخر، ولم يحصل قبض لبقاء يد كل واحد على ما باع، فإذا باعا كان كل منهما بائعا للطعام قبل استيفائه.
_________________
(١) = وعليه هو الذي يناسب ما ذكره أبو الحسن عن ابن رشد والمعنى أن ما ذكره من أن ما اشترى بالسالم يكون بينهما محله إذا لم يعلم التلف فإن علمه فهي له خاصة إلا أن كلام المصنف يفيد أنه إذا لم يعلمه فالسلعة بينهما بلا خيار لأحدهما وكلام ابن رشد يفيد أن المشتري مخير. فإن قيل قول المصنف بعد إلا أن يدعي يفهم منه أنه بالخيار. قلت ليس كذلك لأنه إذا أقر أنه اشترى للشركة ولم يدع الأخذ لنفسه فكلام ابن رشد يفيد أنه يخير وكلام المصنف يفيد أنه لا يخير وإنه بينهما لزومًا. والتأويل الثاني في كلام المصنف الذي أشار إليه بقوله أو مطلقًا هو الذي يناسب ما ذكره ابن يونس إلا أن كلام المصنف يفيد أنه بينهما ولا خيار لأحدهما سواء اشترى بعد العلم بالتلف أو قبله وما ذكره ابن يونس يفيد أنه إن اشترى بعد علمه التلف يخير شريكه الذي تلفت صرته في شركته وتركها، واللَّه أعلم".
[ ٦ / ١٣٧ ]
تنبيه:
نظر المصنف في ذلك بإجازته في المدونة الشركة بالطعام وبالنقد والطعام، ولو كانا كما ذكر من العلة لمنع انتهى.
وقد يجاب بأن الطعام تبع للنقد، والشركة إنما وقعت بنقد وطعام.
تتمة:
قال في الشامل: حيث فسدت بالطعامين فلكل قيمة طعامه يوم خلطا.
ولما كانت الشركة ستة أقسام:
[١] مفاوضة.
[٢] وعنان.
[٣] وجبر.
[٤] وعمل.
[٥] وذمم.
[٦] ومضاربة، وهو: القراض.
ذكرها مرتبة هكذا، وأفرد للأخير بابا، سيأتي، فقال: ثم إن أطلقا التصرف في جميع ما يتجران فيه، فجعله كل منهما لصاحبه غيبة وحضورا في بيع وشراء وكراء وأكثر أو نحوه.
وإن كان الإطلاق بنوع واحد من جملة ما يتجران فيه فمفاوضة في كل من المسألتين، ولا يفسدها انفراد أحدهما بشيء غير مال المفاوضة يعمل فيه نفسه إذا استويا في عمل الشركة.
وأجاز البساطي معنى آخر، وهو: أن يعين كل صنفا للآخر يعمل فيه، ويشتركان في غيرهما في العمل.
قال: والأول هو المنصوص.
وله أي: لأحدهما أن يتبرع بغير إذن شريكه المفاوض من مال
[ ٦ / ١٣٨ ]
المفاوضة بهبة أو صدقة ونحوه، إن استأنف به التجارة، ونحوه في المدونة.
ومفهوم الشرط: المنع على غير هذا الوجه.
أو إن خف التبرع، كإعارة آلة مما جرت العادة به كماعون، ومثل دفع كسرة فقير أو شربة ماء أو غلام لسقي دابة ونحوه، وأما غير الخفيف فلا يفعله إلا بإذن.
وله أن يبضع، أي: يدفع مالًا لمن يشتري به بضاعة كذا من بلد كذا.
وله أن يقارض -أي: يدفع مالًا- لمن يتجر فيه بربح بغير إذن.
وله أن يودع مال المفاوضة عند أمين لعذر، كنزوله في فندق، فيودعه خوف السرقة من الفندق، وإلا بأن أودع بغير عذر وتلف ضمن.
وله أن يمشارك في معين شركة غير مفاوضة، كذا في المدونة؛ ولذا قال البساطي: لابد من التقييد بغير المفاوضة؛ لأنه قدم أنها تكون في المعين.
وله أن يقيل من شيء باعه هو أو شريكه، وله أن يولي غيره مما اشتراه كبيعه.
قال في المدونة: ما لم يجاب لأحدهما، سواء كان هو المشتري أو الأمرين.
ويقبل المعيب، وإن أبي الآخر من قبوله، والمراد رده؛ ففي المدونة: وإن اشترى أحدهما عبدًا فوجد به عيبًا فرضيه هو أو شريكه لزم ذلك الآخر، فإن رده مبتاعه ورضيه شريكه لزم رضاه؛ لأنه لو اشترى عالما بأنه رده لزم الشريك.
وله أن يقر بدين في مال المفاوضة، ويلزم ما أقر به، إن كان لمن لا يتهم عليه، وأما لمن يتهم عليه كأبويه أو ولده أو صديقه الملاطف ونحوه لم يقبل.
[ ٦ / ١٣٩ ]
وله أن يبيع بالدين، أي: لأجل على المشهور، لا الشراء به، فيمنع إلا بإذن.
ثم شبه فيما لا يجوز فعله إلا بإذن الآخر، فقال: ككتابة لعبد من عبيد التجارة؛ لأن قبول العبد موقوف على إذن الشريك، ولم يوجد.
وعتق لعبد من عبيد المفاوضة على مال يتعجل من العبد، وإذن لعبد من عبيد المفاوضة في تجارة لتوقف ذلك على إذن الشريك.
وقولنا: (يتعجله من العبد) لأنه لو كان من أجنبي مثل قيمته فأكثر لجاز كبيعه، ونحوه في المدونة.
وليس لأحدهما أن يشارك شركة مفاوضة إلا بإذن شريكه واستبد، أي: اختص أخذ قراض من أجنبي بربحه وخسارته دون شريكه الآخر.
وعلله في المدونة بأن المقارضة ليست من التجارة، وإنما هو أجير أجر نفسه، فلا شيء لشريكه في ذلك.
واستبد شريك مستعير دابة لحمل بلا إذن من شريكه بضمانها إن تلفت، وإن كان ما يجعل عليها للشركة، فلا شيء على شريكه.
فرع:
لو استعاراها معًا لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أفهم؛ ففي المدونة: وإن استعاراها جميعًا فيتعدى عليها أحدهما فالضمان على المتعدي من ماله.
وقوله: (بلا إذن) يحتمل عوده على هذه وما قبلها، ويحتمل على هذه الأخيرة فقط.
واستبد متجر بوديعة تحت يده بالربح فيها والخسر فيهما، إلا أن يعلم شريكه بتعديه بالتجر في الوديعة، ويرضي بتجره فيها فالربح بينهما والخسران عليهما، ونحوه في المدونة.
[ ٦ / ١٤٠ ]
وكلٌّ من المتفاوضين وكيل عن الآخر، فيرد طباعه أحدهما بعيب على شريك حاضر لم يتول العقد.
ظاهره: مع حضور من تولى العقد، وليس كذلك بل الكلام له مع حضورهما، إلا مع من تولي العقد؛ لأنه أجير محال ما باعه.
فإن تعذر الرد على من تولى العقد فيرد على شريكه؛ لأن وكيله كالغائب المتولي للبيع يرد المشتري على وكيله الحاضر، إن بعدت غيبته كالعشرة أيام، وإلا بأن قربت غيبته كاليوم ونحوه انتظر قدومه؛ ليكون الكلام معه في حكم الحاضر.
ونحو ما قررناه في توضيحه، ونحوه في المدونة، وللبساطي على المؤلف هنا اعتراض، انظره.
والربح والخسر الحاصل في مال الشركة يفض بين الشريكين بقدر أصل المالين وجوبًا، تساويًا أو تفاوتًا، وتفسد بشرط عقدها على التفاوت في الربح، مثل أن يخرج أحدهما مائة، والآخر خمسين، على أن يكون الربح على النصف.
وكذا لو كان المال نصفين، واشترط التفاوت في الربح، ويفسخ العقد قبل العمل، وإن عملا فض الربح على المالين، ويرجع به إن قبض.
ولكل أجر عمله على أنه للآخر؛ ففي الفرض الأول وهو الثلث والثلثان، يرجع صاحب الثلث على ذي الثلثين بأجرة السدس عند تساويهما في العمل.
وله أي: أحدهما التبرع بزيادة في الربح أو العمل، وله السلف والهبة للآخر، إذا كان كل من المسائل الثلاث بعد العقد، بناء على أن اللاحق له ليس كالواقع فيه، وحينئذ لا مانع لظهور قصد المعروف، بخلاف قبله لظهور التوافق على الفساد، والقول لمدعي التلف للمال أو بعضه، أو الخسر فيه؛ لأنه آمين، وفي التوضيح عن الجواهر تقييده بما إذا لم يظهر كذبه، فإن اتهم استحلفه، والقول لآخذ شيء لائق أي: مشبه لحاله، إذا
[ ٦ / ١٤١ ]
ادعى شراؤه له من مال الشركة، ولم يصدقه شريكه.
تنبيه:
كذا أطلق هنا تبعا لابن الحاجب، وفي توضيحه: هذا إنما هو في الأكل والكسوة.
ابن القاسم: وذلك بخلاف شرائه لنفسه شيئًا من العروض والرقيق، هذا له أن يدخل معه فيه.
والقول لمدعي النصف، ابن يونس: إذا أشرك من سأله، ثم اختلفا، فقال: أشركتك بالربع. وقال الآخر: بالنصف. وقال: نطقنا به، أو: أضمرناه بغير نطق، فالقول لمدعي النصف، وإن لم يدعه أحدهما رد إليه؛ لأنه أصل شركتهما في القضاء.
وإن كانوا ثلاثة فعلى عددهم ما كانوا، وقرره الشارح في الأوسط بما إذا مات أحدهما، وقال الحي: المال بيننا نصفان. ونازعه ورثة الميت، فإنه يصدق، وإلا فهو تكرار مع ما بعده انتهى.
تنبيه:
وعلى دعواه عدم تكراره هنا، فهو مكرر مع قوله آخر فصل الخيار: وإن أشركه حمل وإن أطلق على النصف.
وحمل اختلافهما عليه، أي: النصف في تنازعهما في قدر مال الشركة عند المفاصلة بدعوى أحدهما الثلثين والآخر الثلث عند أشهب، لكن بعد أيمانهما.
تنبيه:
تبع المصنف ابن الحاجب في إسقاط اليمين.
وللاشتراك أي: القول لمدعيه فيما بيد أحدهما دون مدعيه لنفسه،
[ ٦ / ١٤٢ ]
إلا لبينة تشهد لمدعيه لنفسه على كإرثه أو بهبة له، أو التصدق عليه به، أو أنه ملكه قبل المفاوضة، ولم يفاوضه عليه، فهو له، وتصير المفاوضة فيما سواه، ونحوه في المدونة.
وإن قالت بينة في شهادتها تشهد بإرثه لا نعلم تقدمه أي: الإرث لها أي: للمفاوضة، أو تأخره عنها؛ لأن الأصل عدم الشركة، وبقاؤه على ملك مالكه، فلا ينتقل عنه إلا بيقين، ويكفي هذا الاستثناء عند ابن سهل، بشرط أشار له بقوله: إن شهد بالمفاوضة، وكانوا عالمين بما يشهدون به، ولو لم تشهد بينة بالإقرار بها على الأصح عند المصنف؛ لقوله في توضيحه: هو الأظهر.
وبالغ بـ (لو) لخلاف ابن العطار وابن دحون وابن الشقاق، حيث قالوا: لا يكتفي بذلك، بل لابد أن تقول البينة: أقر عندنا بالمفاوضة، وأشهدنا بها.
والقول لمقيم بينة على شريكه بأخذ مائة من مال الشركة أنها باقية عنده بشرطين، أشار لأحدهما بقوله: إن شهد بها عند الأخذ، سواء طالت المدة أو قصرت، ولم يبرأ إلا بالإشهاد على ردها، كذا قال ابن المواز.
وأشار لثانيها بقوله: أو لم يشهد بها، ولكن قصرت المدة، بحيث يظن أنه لم يشغلها في التجارة، أشهد أم لا، فهي باقية عنده، وإن خلا الحال عن الشرطين، فإن لم يشهد وطالت المدة لم يقبل قول الشريك في بقائها؛ لأن الغالب أنه أدخلها في مال التجارة.
تنبيه:
قال المصنف: ويظهر أن مراد محمد بقوله: (أشهد) أن تكون البينة مقصودة للتوثق كبينة المودع، فلا تقبل دعوى الرد معها إلا بإشهاد انتهى.
وعلى هذا فكان ينبغي له أن يقول: أشهد رباعيا.
كدفع صداق من أحد المتفاوضين عنه أي: عن شريكه، ولم يبين كونه من ماله أو من مال الشركة، ثم مات الدافع، فقال ورثته: هذا من
[ ٦ / ١٤٣ ]
مال ولينا. وقال الآخر: بل من مال الشركة. فالقول قول الدافع في أنه من المفاوضة، إلا أن يطول الأمر كسنة.
ثم استثنى من قوله: إلا أن يطول كسنة، فقال: إلا ببينة تشهد بأن المدفوع عنه الصداق قد حصل له ذلك من بكإرث أو هبة أو صدقة، فإنه يعمل بها.
وبالغ فقال: وإن قالت هذه البينة: لا نعلم تقدم هذا الإرث مثلًا على المفاوضة أو تأخره عنها.
وسقطت هذه المسألة من نسخة البساطي.
وإن أقر واحد من الشريكين بعد تفرق منهما، أو بعد موت لشريكه بدين مثلًا حال شركتهما فهو شاهد في غير نصيبه، إن كان أهلا للشهادة يحلف معه من أقر له، ويستحق.
وأما نصيب المقر فلازم له، إذا أنفق كل واحد من المتفاوضين على نفسه، أو اكتسى من مال الشركة ألغيت نفقتهما وكسوتهما، وإن كانا ببلدين مختلفي السعر، وأحرى متفقيه، أو ببلد واحد؛ لدخولهما على ذلك عادة كعيالهما تلغى نفقتهم، إن تقاربا أو تساويا، وإلا تكن النفقة والكسوة متقاربة، أو كانت عيال أحدهما أكثر من عيال الآخر حسبا.
ابن عبد السلام: وأما إن كان أحدهما يقنع بالحرش من الطعام أو الغليظ من الثياب، والآخر على الضد؛ لحسب كل واحد نفقته.
كانفراد أحدهما به أي: بالعيال دون الآخر، فيحسب كل ما أنفق.
تنبيه:
سكت عن شرط ذكره في توضيحه، وهو كون الشركة على النصف، فإن كان لأحدهما الثلثان، والآخر الثلث، لم ينفق صاحب الثلث من المال إلا بتعدد جزئيه، ولم يجز أن ينفق بقدر عياله؛ ليحاسب بذلك في المستقبل؛ لأنه يأخذ من المال أكثر من صاحبه، وجعل البساطي هذا الشرط تنبيهًا.
[ ٦ / ١٤٤ ]
وإن اشترى أحد الشريكين من مال الشركة جارية، فشراؤه لها على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشهد أنها لنفسه لخدمة أو وطء، ولم يمسها فللآخر ردها للشركة، وإمضاء فعله.
وأشار لثانيها بقوله: إلا إن اشتراها للوطء بإذنه، فليس له ردها، وللمشتري ربحها، وعليه نقضها.
وأشار للوجه الثالث، وهو على ثلاثة أوجه: أشار لأحدها بقوله: وإن وطئ جارية اشتراها للشركة بإذنه، قومت وجوبا، حملت أم لا؛ لأنها محلله.
تنبيه:
قول الشارح في هذا الوجه: وقد اشتراها للوطء ينافي فرض هذه الصورة، فتأمله.
وأشار للوجه الثاني بقوله: أو وطئها بغير إذنه وحملت عليه وجوبا، إن كان مليئا.
وأشار للوجه الثالث بقوله: وإلا بأن لم يأذن، ولم تحمل فللآخر إبقاؤها للشركة أو مقاواتها، أي: يتزايدا فيها حتى تقف على أحدهما، فيأخذها صاحب العطاء به، وهو ظاهر قول مالك في المدونة.
تنكيت:
ما قررنا به كلامه هو ملخص ما في توضيحه، وعليه فقول البساطي: (وإلا بأن لم تحمل والوطء بإذنه أو بغير إذنه فللآخر إبقاؤها أو مقاواتها، فيخير الشريك في الصورتين) غير جلي.
[شركة العنان:]
ولما فرغ من شركة المفاوضة أتبعها بشركة العنان، فقال تبعا لابن
[ ٦ / ١٤٥ ]
الحاجب: وإن اشترطا نفي الاستبداد، أي: لا يستقل أحدهما بشيء دون الآخر فعنان.
عياض: ضبطناه بكسر العين، وهو: المعروف وفى بعض كتب اللغة فتحها، ولم أره انتهى.
وجاز لذي طير ذكر وذي طيرة أنثى أن يتفقا على أن يخليا بينهما على الشركة في الفراخ الحاصلة بينهما، كذا أطلق المصنف، ورواه ابن القاسم في الحمام لتساويهما في الحضن.
قال: إذا كانت مؤنتها عليهما، وإلا فلا، إلا أن يتطوع بذلك بعد العقد فلا بأس به.
والظاهر: أن المصنف إنما خص الطير لأن غيره من الحيوان إنما يحتاج لأم فقط، فلا يجوز فيه ما جاز في الحمام مما لا ينفرد بالحضن كالأوز والدجاج.
تنبيه:
أشعر كلامه بأن ذوي رقيقين لا يجوز أن يزوجاهما على ذلك، وهو كذلك ويفسخ، وبأن من جاء لشخص ببيض، فقال له: اجعله تحت دجاجتك والفراخ بيننا، أن الحكم ليس كذلك، وهو كما أشعر، لكنه لا يفيد عين الحكم، وهو أن الفراخ لصاحب الدجاجة، ولصاحب البيض مثله.
وإن قال: اشتر سلعة كذا بكذا لي ولك فوكالة مقصورة لا تتعدي للبيع؛ لأن الوكالة الخاصة لا يتعدى الوكيل فيها لغير ما أذن له.
وبما قررناه يندفع قول البساطي: في كلامه مناقشة قضية، وهي: موجود الفاء في غير محلها.
وإذا قال: اشتر لي ولك جاز أن يقول له: وانقد ثمن حصتي عني لأنه معروف منعه من غير عوض، وهو سلفة له مع تولي الشراء عنه، إن لم يقل: وأنا أبيعها لك، فإن قال ذلك منع؛ لوجود السلف بزيادة، فالسلف نقده عنه، والزيادة انتفاع الناقد ببيع الآخر عنه.
[ ٦ / ١٤٦ ]
تتمة:
قال في التوضيح عن الباجي: فإن وقع ذلك كانت السلعة بينهما، وليس عليه بيع حظ المسلف بعد ذلك، إلا أن يستأجره استئجارا صحيحا، وعليه ما أسلفه نقدا.
فإن كان قد باع فله جعل مثله في بيع نصف المسلف، ولو ظهر عليه قبل النقد لأمسك المسلف، ولم ينقدوها في السلعة شريكان ببيع كل واحد منهما نصيبه إن شاء، أو يستأجر عليه.
وليس له أي: المشتري إذا قال له الموكل: اشتر لي ولك وانقد عني حبسها، أي: السلعة المشتراة في الثمن، يريد: وليس له إلا المطالبة بثمنه.
البساطي: فإن قلت: البائع له حبسها حتى يقبض، فما الفرق؟
قلت: الفرق أن الخارج من يد البائع هو عوض الثمن، فله التمسك حتى يأخذ العوض، ولا كذلك المسلف.
إلا أن يقول له الآمر: واحبسها، حتى تقبض الثمن، لكان له ذلك، فكالرهن فيما ينقده عنه، أي: إذا اشتريتها، وصارت في ملكي صيرتها رهنا، فهو عقد معلق على الملك، ويحتمل أنها كالرهن، فيفرق بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه.
ولعل المصنف إنما لم يقل فرهن لاحتياج الرهن للفظ صريح، كما تقدم في أحد التأويلين.
ولما ذكر ما إذا كان المشتري مسلفا ذكر ما إذا كان المسلف غيره، فقال: وإن أسلف مخير المشتري شيئًا لمن يشتري به ما يشاركه فيه جاز عند ابن القاسم، إن كان ذلك على وجه المعروف والرفق، إلا إن كان لا لذلك، بل لكبصيرة المشتري، ومعرفته بالشراء كوجاهته، أو خصه، فلا يجوز، ويفسد؛ لأنه سلف جر نفعا.
[ ٦ / ١٤٧ ]
تنبيه:
لعل قول ابن رشد في البيان: (لا خلاف في الجواز إذا صحت النية في ذلك، ولا في عدمه إن قصد منفعة نفسه، وإنما الخلاف حيث لا نية) طريقة.
[شركة الجبر:]
ثم تكلم على شركة الجبر التي اتفق مالك وأصحابه على القول بها، فقال: وأجبر عليها إن اشترى شيئًا: طعاما أو غيره عند ابن القاسم، وغيره خلافًا لأشهب في قصرها على الطعام.
وأشار إلى أن الجبر بشروط وانتفاء موانع، فمن شروطها كون الشراء بسوقه، أي: سوق ذلك الشيء، أما لو اشترى في داره أو حانوته التي ليست بسوقه، فلا جبر اتفاقا.
ومن الموانع كونه للتجارة لا لكسفر أو قنية، أو عاقبة، وإذا نوزع في كونه اشتراها لكسفر صدق مع يمينه، إلا أن يظهر كذبه لكثرة ما اشتراه جدًا.
ومن الشروط: شراؤها وغيره حاضر للشراء لم يتكلم من تجاره فلو غاب تجارها يوم الشراء لم يكن لهم جبر، وكذا لو كانوا حضورا وزايدوا، ولم يكونوا من تجار ذلك الشيء، فلا جبر، ولو لم يتكلموا؛ ولذا أضاف الضمير لتجاره، ولينبه على خلاف ابن الماجشون أن ذلك لجميع التجار.
وفهم من قوله: (لم يتكلم) أنهم لو تكلموا حين الشراء، وقالوا: أشركنا. فقال: نعم. أو سكت لجبر من باب أولى، ويقضي له عليهم إذا امتنعوا؛ لظهور خسارة.
ولو قال: لا، لو لم يشركهم؛ لأنه أنذرهم ليشتروا لأنفسهم، وفهم من قوله: (اشتر لي. . إلى آخره) أنهم لو حضورا السوق فقط، واشترى بعد ذهابهم لم يجبر، ولو قالوا له: أشركنا، لكنه يحلف ما اشترى عليهم، ولو طلبه هو لزمهم لسؤالهم، وهو كذلك في توضيحه، وتجارة بكسر التاء
[ ٦ / ١٤٨ ]
وتخفيف الجيم وبضم التاء وتشديد الجيم لغتان.
ثم أخرج من الجبر، فقال: لا إن اشتراها في كبيته أو مجلسه أو حانوته التي ليست بسوق، فلا يشاركه فيها أحد ممن حضر جبرا اتفاقًا، قاله في البيان.
تنكيت:
قول البساطي: (لاحق فيه للجيران) غير جلي، بل لا جبر لمن حضر مطلقًا كما قررناه.
وهل يجبر إن اشتراها وفي الزقاق: بزاي فقافين بينهما ألف، وهو قول ابن حبيب: لا فرق بين السوق والزقاق، ومسألة كبيته معداة عن القولين، أو حكم الأزقة حكم داره، فلا جبر، وهو قول أصبغ وغيره؟ قولان ذكرهما في التوضيح، ومثله للشارح هنا وفي شامله.
تنكيت:
قول البساطي الزقاق بزاي فألف، وحكى القولين، وعزاهما لمن تقدم، يحتاج لنقل عنهما في ذلك.
ولما كان الفقهاء يطلقون الشرط على انتفاء المانع تبعناهم في ذلك، وذكرنا من الشروط ما هو مانع، كما إذا اشتراها لنفسه، لا لتجر وما بعده.
ثم ذكر مسألة شركة الأبدان، فقال: وجازت بالعمل اتفاقًا بشروط، أشار لأحدها بقوله: إن اتحد العمل كخياطين، ولا تجوز إن اختلف كخياط وحداد للغرر؛ إذ قد تتفق صنعة هذا دون الآخر.
ولما كان العمل المتلازم كالمتحد، قال: أو تلازم، كأن ينسج أحدهما، ويتولى الآخر ما سوى النسج.
اللخمي: ليس ذلك كالصنعتين المختلفتين؛ لأنهما هنا إما أن يعملا معا، أو يتعطلا، فلا غرر.
[ ٦ / ١٤٩ ]
وأشار للشرط الثاني بقوله: وتساويا فيه أي: العمل سرعة، وأيضًا جودة ودناءة.
ولما كان التساوي حقيقة يتعذر أو يتعسر، قال: أو تقاربا؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، فلو اختلف علمهما على أن يأخذ كل النصف فسدت، لا إن أخذ بنسبة عمله فقط، كما لو كان أحدهما يعمل مرة، والآخر مرتين: على الثلث والثلثين فيجوز.
وأشار للشرط الثالث بقوله: وحصل التعاون بالاشتراك، فإن لم يحصل التعاون لم يجز، فقد سئل في العتبية عن صيادين معهم شباك، فقال بعضهم لبعض: تعالوا نتعاونها، وما أصبناه فبيننا، فنصب أحدهم شبكته، فأخذ صيدا، وأبى أن يعطي الآخرين، فقال: ذلك له، وليس لهم شيء فيما أصاب؛ لأنها شركة لا تحل.
ابن رشد: لأن شركة الأبدان لا تجوز إلا فيما يحتاج الاشتراك فيه للتعاون؛ لأنهم متى اشتركوا أن يعمل كل على حدة كان من الغرر البين.
ولما كان اتحاد مكان العمل غير شرط، قال: وإن تعاونا بمكانين، إذا اتحدت الصنعة، كما في العتبية، وشرط في المدونة اتحاد صنعتهما ومكانهما، وعليه درج ابن الحاجب.
ابن ناجي: وهو المشهور.
واختلف هل ما في الكتابين خلاف، وهو رأي اللخمي، أو لا؟ تأويلان.
ولما كان ما قدمه إنما هو في صنعة لا آلة فيها، أو فيها ولا قدر لها كالخياطة، ذكر ما إذا كانت تحتاج لآلة كالصياغة والتجارة والصيد، فيزاد اشتراط اشتراكهما في الآلة بملك أو إجارة، فقال: وفي جواز إخراج كلٍّ آلة مساوية لآلة الآخر، وهو مذهب سحنون، تأول بعضهم المدونة عليه، أو لابد من اشتراكهما فيها بملك أو كراء من غيرهما، وهو لابن القاسم
[ ٦ / ١٥٠ ]
وغيره؛ ليضمناها، وتأولها عليه بعض آخر تأويلان وقولان (١).
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٢٨٧ - ٢٨٩): "طفى: قوله وفي جواز إخراج كل آلة تساوي آلة صاحبه وسكتا عن الكراء هذه ذات التأويلين مذهب سحنون الجواز وتأول عليه المدونة في مسألة الثلاثة: لأحدهم البيت. وللآخر الدابة. وللآخر الرحي، قائلًا: إنما يمنع إذا كان كراء هذه الأشياء يختلف. وقال عياض ظاهر المدونة المنع. وقال في مسألة الثلاثة ظاهر هذا أن مذهب الكتاب أنه لا يجوز حتى يكري كل واحد منهما نصيبه بنصيب صاحبه إذا كانا متساويين وصرح عياض بأنه إذا وقع مضى هذا تحصيل ما في مسألة المصنف. فقول تت تأويلان وقولان غير ظاهر إذ لم أر من قال بالمنع إلا ما فهمه عياض من ظاهر المدونة وعلى ذلك ابن عرفة وأبو الحسن. وأما قوله واستئجاره من الآخر فقرره الشارح بأن الآلة لأحدهما وأجر نصفها لصاحبه وتبعه تت وغير واحد. وأصل ذلك كله للمصنف في توضيحه قائلا قال عياض وغيره الجواز ظاهر الكتاب وهذا وهم منه رحمه اللَّه تعالى لأن عياضا لم يقل هذا في تصويره وإنما قاله فيما إذا أخرج كل آلة وآجر نصف آلة صاحبه بنصف آلته ولم يذكر فيها تأويلين وإنما ذكرهما في المقدمة. ونصه وهل يجوز أن يؤاجر أحدهما نصف آلة صاحبه بنصف آلته هو وهما متساويان ظاهر الكتاب الجواز. ولابن القاسم وغيره المنع إلا بالتساوي في الملك والكراء من غيرهما فإن لم يذكر إكراء واستويتا فظاهر المدونة المنع فإن وقع مضى وأجازه سحنون واختلف في تأويل قوله في ذلك. اهـ. وعليه اقتصر ابن عرفة وأبو الحسن فظهر أن كلامه اشتمل على مسألتين الأولى أن يخرج كل آلة مساوية لآلة صاحبه بنصف آلته ولم يذكر فيها تأويلين وإنما ذكر فيها الجواز لظاهر الكتاب والمنع لابن القاسم وغيره. الثانية أن يخرج كل آلة مساوية لآلة صاحبه ويسكتا عن الكراء وهي ذات التأويلين فأين هذا من نسبة المصنف لعياض ظاهر الكتاب الجواز في تصويره وجعل فيه تأويلين وتبعوه على ذلك وقد نقل الحطاب كلامه وقبله تقليدًا وجرى على ذلك في مختصره وذكر التأويلين في المسألتين وقال تت تأويلان وقولان في هذا أيضًا ولم يكن فيها ذلك كله وعلى فرض عياض لم يكن فيها إلا قول ابن القاسم وغيره بالمنع =
[ ٦ / ١٥١ ]
وفي جواز استئجاره من الشريك الآخر قدر نصيبه من آلة يخرجها من عنده.
عياض وغيره: وهو ظاهر المدونة.
ابن عبد السلام: وهو المشهور.
أو لابد من ملك لهما أو كراء من غيرهما، وهو لابن القاسم وغيره، وعليه تؤولت المدونة أيضًا، تأويلان وقولان، وحذف التأويلين من الأولين لدلالة هذا.
تنكيت:
قول البساطي: (لا يخفي عليك ما في قوله تأويلان) بعد ما نقلناه أنه
_________________
(١) = وظاهر الكتاب بالجواز. فإن قلت ما الحكم فيما فرضوه قلت صرح في المدونة بجوازه ففيها وأما إن تطاول أحدهما بأداة لا يلغى مثلها لكثرتها لم يجز حتى يشتركا في ملكها أو يكتري من الآخر نصفها اهـ. ولا شك في منعها على قول ابن القاسم لا بد من اجتماعهما في الملك أو الكراء وقد صرح ابن عبد السلام بالخلاف فيها وأن جوازها مذهب المدونة وهو المشهور وعليه اقتصر ابن الحاجب والقول بمنعها للعتبية فهي ذات خلاف أيضًا وإنما نقمنا على المصنف نسبتهما لعياض وذكر التأويلين فيها وليس الأمر كذلك وإنما المشهور فيها جوازها وقد اعترض الحط على المصنف بعد أن قررها كما فرضوا قائلا كلام المدونة في مسألة تطوع أحدهما بكثير الآلة وفي مسألة صاحب البيت والرحى صريح في جوازها ففي تسوية المصنف بين القولين في هذه نظر اهـ. إلا أنه سلم التأويلين تقليدًا للمصنف وقد علمت أنهما غير مسلمين فيها فتأمل ذلك حق التأمل وشد يدك عليه فلعلك لا تجد تحقيقه في غير هذا واللَّه الموفق. البناني قول عياض واختلف في تأويل قوله في الكتاب إلخ يحتمل رجوعه للمسألتين معًا تكون في كل واحدة منهما تأويلان ويحمل قول المصنف واستئجاره من الآخر على الأول منهما أي واستئجار كل منهما من الآخر إلخ فيسقط عنه الاعتراض في المتن واللَّه أعلم. تنبيه هذا فيما يحتاج لآلة لها قيمة وأما ما لا يحتاج إلى آلة أو يحتاج إلى آلة لا قدر لها كالخياطة فلا كلام فيه انظر التوضيح قاله الحط".
[ ٦ / ١٥٢ ]
ظاهر المدونة، وتقدم جوابه غير مرة.
ثم شبه في جواز الصنعة المتحدة بقوله: كطبيبين اتفق طبهما أو جرايحيين كذلك، اشتركا في الدواء بشراء، أو يفعل أحدهما واشترى الآخر، فلو اختلفت صنعتهما كطبيب وجرايحي لم يجز، قاله اللخمي وغيره.
ويجوز مشاركة صائدين اشتركا في ملك البازين أو الكلبين، إذا كان طلبهما واحدا، وأخذهما واحدا، لا يفترقان كما في بعض روايات المدونة.
وهل يجوز ذلك وإن افترقا؟ رويت عليهما، جعلوا الجوارح والكلاب كرؤوس الأموال، فإذا وقع الاشتراك فيها لم يبق غرر.
ويجوز اشتراك حافرين بكركاز ومعدن وآبار وعيون ودفائن، إذا كان الموضع واحدا، وكطبخ قراميد، وقطع حجارة.
ابن يونس: من الجبل إذا لم يفترقا. ونحوه في المدونة.
ولم يستحق وارثه أي: وارث حافر المعدن من أحد الشريكين أو من أحدهما بقيته، أي: بقية ما أخذ مورثه منه، خلافًا لسحنون في أنه يستحق بقيته؛ لأنه لم يدركه إلا بنفقته.
وإذا لم يستحقها أقطعه الإمام لمن شاء من وارث أو غيره، وقول المدونة: من مات منهما بعد إدراكه النيل لم يورث حظه من المعدن، والسلطان يقطعه لمن شاء.
وظاهره (١): سواء أدركاه ولم يخرجا منه شيئًا، أو أخرجا.
ولكن قيد ما فيها بما لم يبد.
قال الشارح: أي حمله القابسي على ما قال المصنف؛ فإنه قال: معنى ما في الكتاب أنهما أدركا نيلا أخرجاه واقتسماه، وبقيت منه بقية.
_________________
(١) قوله: (وظاهره) خبر لقوله: (وقول المدونة)؛ ولذا ينبغي حذف الواو من: وظاهره.
[ ٦ / ١٥٣ ]
وقال البساطي: حمل القابسي المدونة على مذهب سحنون.
قال: ولفظه ومعنى الكتاب إذا لم يخرجا شيئًا، وعبر عنه المؤلف بما لم يبد انتهى.
ولزمه أي: أحد شريكي العمل ما يقبله صاحبه من العمل؛ إذ لا يشترط فيها أن يعقدا مقابل العمل عليهما معا، ويلزمه أيضًا ضمانه، إن كان مما يضمن، وإن تفاصلا، ونحوه في المدونة.
وألغي مرض أحدهما في كيومين وغيبتهما أي: اليومين من إضافة المصدر لمفعوله، وهو الضمير المثنى، ومفسره اليومان.
وفهم الشارح في الكبير: أنه عائد على الشريكين.
قال البساطي: فتحير وخلط انتهى.
وانظر وجه التخليط وما يتعلق به في الكبير.
لا إن كثر المرض أو الغيبة، فلا يلغي ذلك الأكثر على الأكثر من اليومين، ويختص به العامل، قاله بعض القرويين.
البساطي: ظاهر كلامهم: أنه لا يلغي منه شيء.
وفسدت شركة عمل عقدت باشتراطه، أي: إلغاء الكثير بمرض طويل أو غيبة بعيدة، بل ما اجتمعا فيه فبينهما، وما انفرد به أحدهما اختص به.
وفهم من قوله: (اشتراطه) أنهما لو لم يشترطاه، وأحب صاحبه أن يعطيه نصيبه من عمله جاز.
ككثير الآله اختلف الشارحان في تقريره، فقال الشارح: تفسد إذا تطوع أحدهما بآلة لها خطب وبال، واستدل له بقولها: إذا تطاول أحد القصارين على صاحبه بشيء تافه من ماعون لا قدر له في الكراء كقصرية ومدقة جاز.
وقال البساطي: تفسد إذا اشترط ما له بال من الآلات انتهى. ومقتضاه: عدم فسادها إن تبرع بكثيرها.
[ ٦ / ١٥٤ ]
وهل يلغي اليومان في الشركة الفاسدة باشتراط إلغاء الكثير، ويكونان شريكين في أجرة اليومين، وفي الزائد عليهما يختص به العامل كالصحيحة، وهو لبعض القرويين، أو لا يلغيان كالجميع، وهو لابن القاسم؟ تردد للمتأخرين.
[شركة الذمم:]
ثم ذكر شركة الذمم، وتسمى أيضًا شركة في الوجوه، وفسرها بقوله: وباشتراكهما في الذمم، بأن يتفقا على أن يشتريا في ذمتهما ويبيعا بلا مال يخرجانه من عندها، وهو أي: ما يشتريانه بينهما اشترياه معًا أو أحدهما عند ابن القاسم، وعند سحنون ما انفرد به أحدهما اختص به.
ثم ذكر المصنف تفسير بعض أهل العلم لها بقوله: وكبيع وجيه من التجار مال خامل بجزء من ربحه، ووجه فسادها: أنها إجارة مجهولة.
تنبيه:
تبع المصنف المدونة في الجمع بين التفسيرين، وإن كان ابن الحاجب وغيره جعلوهما قولين؛ لأنهما كالوجهين للفساد.
وربما أشعر تفسيرهما بما تقدم بأنهما لو اشتريا شيئًا معينًا لا ليتجرا فيه ولا حمالة بينهما لجاز، وهو كذلك، سواء اتفق نصيبهما أو اختلف.
ثم عطف على الفاسد، فقال: أو كذي رحى وذي بيت وذي دابة، اشتركوا ليعملوا على الشركة، واتفقوا على أن ربع عملهم بهذه الآلات بينهما بالسوية، فهي شركة فاسدة، إن لم يتساو الكراء، من الرحي والبيت والدابة، وجهلوا أن ذلك غير جائز لدخولهم على ما لا يعلمون صحته من فساده، وإذا كان كذلك تساووا في الغلة على حسب ما دخلوا عليه؛ لأن رؤوس أموالهم عمل أيديهم، وقد تكافؤوا فيه، وترادوا الأكرية، أي: فضلها، فيرجع من له فضل كراء على أصحابه.
وظاهره: سواء أصابوا شيئًا أم لا، كما في المدونة؛ لأن ما أخرجوه مما يكرى، وقد اكتري كراء فاسدا، وكيفية الرجوع أن يجمع الكراء،
[ ٦ / ١٥٥ ]
ويفض على الجميع، ويسقط ما على كل واحد، ويرد من عليه شيء ما زاد لمستحقه، فإن كانت الرحى تساوي ثلاثة فيرجع على صاحب الدابة بواحد.
ومفهوم الشرط: الصحة عند تساوي الكراء.
وإن اشترط في العقد من رب الرحى عمل رب الدابة وعمل على ذلك، فالغلة له وعليه كراؤها، أي: الرحى والبيت.
وظاهره: وإن لم يصب شيئًا، كما في المدونة، وعلله بأن عمله كأنه رأس المال.
وقضي على شريك انتفع من العمارة فيما لا ينقسم كحمام، ويبر احتاج للعمارة بأحد أمرين:
- أن يعمر مع شريكه.
- أو يبيع ممن يعمر معه.
تنكيت:
في كلامه إجمال؛ إذ لا يعلم ما يباع: هل يقدر ما يعمر به فيما بقي من حقه بعد ما بيع للإصلاح؛ لأن البيع إنما أبيح للضرورة، وهو يرتفع بقدر الحاجة، وهو سماع يحيى عن ابن القاسم في كتاب السداد، أو يباع نصيب الشريك كله.
ابن عبد السلام وهو ظاهر إطلاقاتهم، ورجح؛ لما فيه من تقليل الشركاء.
كذي سفل إن وهى أي: ضعف، وهم بالسقوط، فيقضي على صاحبه بالعمارة خوف سقوط العلو، أو ببيع ممن يعمر، فالتشبيه في الحكم الذي قبله، فلو سقط العلو على السفل فهدمه خير رب السفل: أن يبني أو يبيع ممن يبني.
وعليه أي: على صاحب السفل ولو وسطا إذا وهى واحتاج للعمارة التعليق؛ لبناء العلو إن احتاج، وعليه السقف الساتر لسفله؛ إذ لا يسمى السفل بيتا إلا به.
[ ٦ / ١٥٦ ]
تتميم:
سمع أشهب باب الدار على رب السفل.
وعليه أيضًا كنس مرحاض تسقط فضلة أصحاب العلو عند ابن القاسم وأشهب، لأنها لصاحب السفل.
وقيل: على الجميع.
قال في التوضيح: وهو الأظهر.
وظاهر كلامه: كان في رقبة الدار أو في الفناء.
ابن أبي زيد: أخذ بعض متولي الحكم من متأخري أصحابنا بالأول، وإن كان في رقبة الدار، وبالثاني إن كان في الفناء.
قال: ويجري القول فيه بين الدارين على القول بالعلو والسفل فيمن له رقبة البئر أو ليست له على الاختلاف فيه.
فرع:
اختلف في كنس كنيف الدار المكتراة، فقال: أشهب على ربها، وروي عن ابن القاسم، وسمع أبو زيد ابن القاسم: على المكتري، وفيها دليلهما.
لا سلم، وهي: الأدراج التي يصعد عليها، فإنه على صاحب العلو؛ لأنه المنتفع به.
وقيل: على الأسفل.
وقضي بعدم زيادة العلو، إذا أرادها ربه، ولو خشبة أثقل من أخرى بموضعها، إلا الخفيف الذي لا يضر، فلا يمنع منه، وقضي بالسقف للأسفل، إذا تنازعاه، وبالدابة للراكب عليها، لا متعلق بلجام فيها، إذا ادعاه كل منهما، ولا بينة.
وإن كان ثلاثة مثلًا شركاء أقام أحدهم رحى إذا أبيا، أي: امتنع شريكاه من إقامتها معه، فالغلة لهم، أي: للشركاء الثلاثة، ويستوفي من
[ ٦ / ١٥٧ ]
أقامها منها أي: من الغلة ما أنفق.
وهذا أحد أقوال ثلاثة كلها لابن القاسم.
ثانيها: الغلة كلها لمقيمها، وعليه أجرة نصيبها خرابا.
ثالثها يكون شريكا في الغلة بما زادته عمارته، ويقسم الباقي أثلاثا، ثم من أراد أن يدخل معه دفع ما ينوبه من قيمة ذلك يوم يدفعه، وبهذا القول قال ابن دينار.
واقتصر المصنف على القول الأول لقول ابن عبد السلام: إنه أقواها انتهى.
واختصاصه بما أنفق كاختصاصه بماء البئر يذهب ماؤها، ويأبى شريكه الإصلاح، ويصلح هو.
قال عيسى: رأيت ابن بشير يحكم بهذا.
وقضي على جار بالإذن في دخول جاره داره لإصلاح جدار ونحوه مما يتوقف على الدخول، كإخراج دابة لا يستطيع أحد أخذها إلا مالكها، وكذا لو ألقت الريح ثوبا، وحلف صاحب الدار لا يمسها، ونحلا اتخذ موضعا وصاحب الدار لا يدري كيف يخرجه، وغير الجار يشاركه في هذا.
وإذا كان الجدار مشركا بين اثنين مثلًا قضي بقسمته إن طلبت، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
قال في التوضيح: بشرط عدم الضرر.
وقيل لابن القاسم: فإن كان لكل جذوع؟
قال: إذا كان جذوع هذا من هنا، وهذا من هنا، ولم يستطع قسمته يتقاويانه بمنزلة ما لا ينقسم من العروض والحيوان.
وصفة القسم عند ابن القاسم أن يقسم طولًا، فإن كان طوله من المشرق إلى المغرب مثلًا عشرين ذراعا في عرض شبرين مثلًا، أخذ كل واحد عشرة أذرع من ناحية بالقرعة.
[ ٦ / ١٥٨ ]
ولا يقسم بطوله عرضًا أي: بأن يأخذ كل واحد شبرا مما فيه إلى عشرين ذراعا، كما هو عند عيسى بن دينار.
وقضي على جار بإعادة جداره الساتر لغيره، كما كان؛ إن هدمه ضررا، لا إن هدمه لإصلاح، أي: لوجه مصلحة، كخوف سقوط أو ليعيده بأوثق أو لشيء تحته يريد إخراجه لم يلزمه إعادته.
ثم عطف على إصلاح قوله: أو هدم: مصدرا على مصدر، أي: فلا يلزمه إعادته إذا هدم بأمر من اللَّه تعالى.
البساطي: هدم فعل، ومراده انهدم بنفسه. ولا يخفى ما فيه من المسامحة.
وما قررناه من أن الجدار لأحدهما هو خلاف ما في ابن الحاجب وابن شاس من أنه مشترك بينهما، لكن قال في التوضيح: لم ينقل ابن يونس هذا إلا فيما إذا كان الحائط لأحدهما. وكلام المصنف هنا محتمل لهما.
وقضي بهدم بناء بطريق، إن أضر بالسالك اتفاقًا، بل ولو لم يضر على المشهور.
وقضي بجلوس باعة بأفنية الدور للبيع إن خف ذلك.
وظاهره: لأرباب الدور وغيرهم، وهو ظاهر إطلاق الشارح، والذي في ابن الحاجب: قضى به عمر -﵁- لأرباب الدور، وبه قرره البساطي وبعض مشايخي.
تنبيهات:
الأول: فناء الدور ما بين بنائها فاصلا عن ممر الطريق المعد للمرور غالبا، كان بين يدي بابها أو غيره.
الثاني: لا يباح لذي الفناء إدخاله داره، فإن فعل وهو مضر بالطريق هدم، ورد كما كان، وإن لم يضر ففي هدمه قولان.
[ ٦ / ١٥٩ ]
قال ابن عرفة: والقائلون بالأول أكثر، والثانى أظهر بقرطبة فأفتى طائفة بالهدم، وأخرى بعدمه، واللَّه أعلم.
الثالث: لا يجوز بذوي الأفنية التي لا يضيق الانتفاع بها على المارة إجارتها.
وقضي بأفنية الطرق غير المتملكة للسابق إليه على غيره، إن نازعه، واختلف إن قام منه ونيته العود إليه من غد، فقيل: هو أحق به حتى يتم غرضه قطعا للنزاع.
وقيل: هو وغيره سواء، وأما إن لم يقم فهو أحق به.
كمسجد يستحق الموضع منه من سبق له، وقد اختلف فيمن أقيم بموضع منه لتدريس أو إفتاء أو إقراء، فقال مالك: هو أحق به إذا عرف به.
وقال الجمهور: وهو أحق به استحسانا لا وجوبا.
عياض: ولعله مراد مالك.
وفي العوفية: من وضع بالمسجد شيئًا حجره به حتى يأتي إليه يخرج على مسألة التحجير: هل هو إحياء أم لا.
وقضي على جار بسد كوة فتحت، أي: أحدث فتحها، ويشرف منها على جاره إذا أريد سد خلفها مع بقاء بوضع فتحها؛ إذ لا يكفي ذلك عند مالك وابن القاسم.
والكوة: ثقب البيت، وفيها الفتح والضم، والتفصيل إن كانت نافذة فالأول، وإلا فالثاني.
وقضي بمنع دخان كحمام وفرن ومطبخ ومحبرة، ويمنع إحداث ذي رائحة كـ: دباغ، ومذبح، ومسبط، ومرحاض؛ لضرر رائحته.
البساطي: فإن قلت: ما الفرق بين الرائحة والدخان، والكل دخان، والكل مشموم؟
قلت: الفرق على الوجه المذكور أنه عنى بالدخان المحسوس بالبصر،
[ ٦ / ١٦٠ ]
وبالرائحة ضده، وإن كان الكل دخانا خفيفا، وعلى الوجه الثاني أن الدخان يحصل ضرره بغير الشم، كتسويد الثياب والحيطان وما أشبه ذلك.
وقضي بمنع إحداث أندر قَبِل بكسر القاف وفتح الباء تجاه بيت لضرر صاحب البيت بغباره وتبنه.
ولو مال: (كبيت) ليشمل البستان لكان أحسن.
وقضي بمنع فعل شيء مضر بجدار خوف سقوطه، أو وهنه أو تسبيخه.
ويمنع إحداث إصطبل لكخيل عند بيت جاره؛ لما فيه من الضرر ببول الدواب وزبلها، وحركتها ليلا ونهارا.
وبإحداث حانوت لبيع أو شراء أو صدقة. البساطي: أو شهود قبالة باب، سواء كان الباب بسكة نافذة، أو لا، على خلاف في النافذة.
وبقطع ما أضر من شجرة بجدار لجار، إن تجددت بعد الجار اتفاقًا، وإلا بأن كانت أقدم منه، وانتشر من أغصانها ما أضر به فقولان:
الأول: لمطرف يقطع المضرورة.
قال جماعة: واستظهره صاحب البيان.
والثاني: لا تقطع، لأنه قد علم أن هذا شأن الشجر، وصاحب الجدار حاز من حريمها، وأما أصلها القديم فقال مطرف: إذا كان على حال ما هو عليه اليوم من انبساطه لم يقطع.
لا مانع ضوء وشمس وريح، فلا يقضى على الجار بمنع ذلك.
وظاهره: ولو منع ذلك جملة، وهو نحو قول المدونة: ومن رفع بنيانه فسد على جاره كواه، وأظلمت عليه أبواب غرفه وكواها، ومنع الشمس أن تقع في حجرته أو منع الهواء أن يدخل له لم يمنع.
وظاهره: كالمصنف وإن قصد ضرر جاره.
[ ٦ / ١٦١ ]
وقول ابن نافع يمنع من رفعه ليضر دون منفعة محتمل الخلاف والتقييد (١).
إلا أن يكون إنما رفعه ليمنع الشمس والريح لأندر، فيمنع من ذلك عند ابن القاسم ومن وافقه.
ثم عطف على (مانع) بالجر، فقال: وعلو بناء مجاور لبناء جاره، فلا يمنع منه، وإن أشرف عليه، لكن يمنع من الضرر.
وظاهره: ولو كان من علا بناؤه ذميا، وهو كذلك.
ولا يمنع من صوت ككمد لدق القماش وقصار وحداد، وقول البساطي: (ومن ذلك صانع الآلآت المباحة عند تجربتها، ومعلم الأنعام عند الفعل، ومعلم الصبيان عند رفع أصواتهم، ومتخذ السمان والعصافير والحمام الهدار) فيه نظر.
ولا يمنع ذو دار من إحداث باب بسكة نافذة، إن لم يقابل باب غيره اتفاقًا أو قابله عند ابن القاسم في المدونة خلافًا لسحنون.
وظاهره: كانت السكة واسعة أو لا، وهو كذلك، خلافًا لابن وهب.
ولا يمنع من له جانب واحد من إحداث روشن، وهو جناح يخرجه رب الدار سكة نافذة، ويبني عليه ما ينتفع به، إذا رفعه عن رؤوس المارة
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٣٢٥): "طفى: قوله ابن نافع لعله ابن كنانة إذ هو المفصل وأما ابن نافع فالمنع عنده مطلقًا كذا في التوضيح وابن عرفة وغير واحد. الحط: هذا المشهور وأما إحداث ما ينقص الغلة فلا يمنع اتفاقًا كإحداث فرن قرب فرن وحمام قرب حمام قاله في معين الحكام والتبصرة إلا مانع شمس وريح لأندر بفتح الهمز والدال أي عنه فيقضى بمنعه عند ابن القاسم ومن وافقه. الباجي: من كانت له أرض ملاصقة أندر غيره وأراد أن يبني فيها ما يمنع الريح عن الأندر ويقطع منفعته فقال مطرف وابن الماجشون لا يمنع وروي عن ابن القاسم أنه يمنع مما يضر بجاره في قطع مرافق الأندر الذي تقادم ابن يونس والأنادر كالأفنية فلا يجوز لأحد التضييق فيها ولا قطع منافعها، وقاله ابن نافع. العتبي: وهو الصواب انتهى مواق".
[ ٦ / ١٦٢ ]
رفعا بينا، ولو تنازع الجاران المتحاذيان فيه قسم هواه بينهما.
ولا يمنع من ساباط لمن له الجانبان من دارين بينهما طريق أن يجعل عليهما خشبا، ويقطهما، وينتفع به، إن كان بسكة نفذت.
ابن شعبان: بشرط أن يرفعه عن رؤوس الركبان رفعا بينًا. ومثله لابن رشد.
وإلا بأن لم تكن السكة نافذة بل منسدة الأسفل فكالملك لجميعهم، فلا يجوز لأحد من سكانها إحداث روشن أو ساباط إلا بإذن الجميع.
تنبيه:
إنما قال: (كالملك) لأنها ليست ملكا تاما لهم؛ إذ لو كانت ملكا تاما لهم لكان لهم تحجيرها بغلق.
فائدة:
قال في الذخيرة: هواء الوقف وقف، [وهواء الطلق طلق]، وهواء الموات موات، وهواء المملوك مملوك؛ إذ حكم الأهواء حكم ما تحتها.
إلا بابا أن نكب، أي: حرف عن باب جاره، بحيث لا يشرف منه على ما في داره، فيجوز فتحه في السكة غير النافذة عند ابن القاسم ومن وافقه.
وإلا صعود نخلة أو شجرة في دار لجني ثمرها، أو لإصلاحهما، فيجوز.
ويحتمل جر (صعود) عطفا على (مانع).
وأنذر صاحب النخلة جاره بطلوعه عند طلوعه، إذا كان يشرف عليه منها، وإتيانه بالفعل يدل على وجوبه.
[ ٦ / ١٦٣ ]
وندب عند مالك، وهو المشهور للجار إعارة جداره لغرز خشبة فيه لاستناد إليه، أو وضع سقف عليه؛ لخبر الموطأ والصحيحين: "لا يمنع أحدكم أن يغرز خشبة في جداره" (١)، يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين، واللَّه لأرمين بها بين أكتافكم. يروي بالتاء المثناة وبالنون، وروي خشبة على الجمع والإفراد. ويلحق بالندب في إعارة الجدار إرفاق بماء، وفتح باب في جواره أو طريق وشبهه، مما يتوقف على إذنه، ولا يضر به.
وله أي: المالك أن يرجع فيما أعار، سواء أطال الزمان أو قصر، عاش أو مات، باع أو ورث، احتاج لجداره أو لا.
وإذا رجع فقال فيها -أي: المدونة- في كتاب العارية: إن دفع للمعار ما أنفق، وفيها في باب آخر بعده، أو قيمته، لكن هذا إنما وقع فيها في إعارة العرصة للبناء، لا في الجدار.
وفي موافقته أي: الموضع الثاني للأول بأن يحمل معنى ما أنفق على ما إذا اشترى ما عمر به، وقيمته إذا كان عنده، وقبل ما أنفق إذا رجع بالقرب، وعلى هذا حملها بعضهم، ومخالفته أي: الثاني للأول، بأن يحمل على ما إذا لم يكن فيه تغابن، وقيمته إن كان، وحملها عليه بعضهم تردد.
والتأويلات الثلاثة ذكرها صاحب النكت، لكن جرت عادة المؤلف في التعبير عن مثل هذا بالتردد.
* * *
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: مالك (٢/ ٧٤٥، رقم ١٤٣٠)، وأحمد (٢/ ٢٣٠، رقم ٧١٥٤)، وابن أبي شيبة (٤/ ٥٤٩، رقم ٢٣٠٣٥)، والبخاري (٢/ ٨٦٩، رقم ٢٣٣١)، ومسلم (٣/ ١٢٣٠، رقم ١٦٠٩). وأخرجه أيضًا: الشافعي (١/ ٢٢٤). وحديث ابن عباس: أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٨٣، رقم ٢٣٣٧). وحديث مجمع بن يزيد: أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٠، رقم ١٥٩٨١)، وابن ماجه (٢/ ٧٨٣، رقم ٢٣٣٥) قال البوصيري (٣/ ٤٧): إسناده فيه مقال. والطبراني (١٩/ ٤٤٦، رقم ١٠٨٦).
[ ٦ / ١٦٤ ]
فصل ذكر فيه المزارعة
وهي: عقد على علاج الزرع، وما يحتاج إليه، وعقبها للشركة لمناسبة بينهما، وخرج مسلم -﵁- ورحمه عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ما من مسلم يغرس غرسًا، ولا يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء، إلا كانت صدقة" (١).
لكلٍّ فسخ المزارعة؛ إذ هي عقد جائز القدوم عليه، ولكل الرجوع عنه إن لم يبذر، فإن بذر لزم إلحاقا له بالشركة.
ابن رشد: والجواز هو معنى قول ابن القاسم في المدونة.
وقيل: لازمة بالعقد تغليبا للإجارة.
والبذر: بذال معجمة.
وصحت بشروط، أشار لأحدهما بقوله: إن سلما من كراء الأرض بممنوع، ككرائها بطعام مطلقا: أنبتته أو لا، وببعض ما تنبته من غيره، كقطن أو كتان: زريعتهما أو شعرهما، وأما ما ليس بممنوع كذهب أو فضة أو عرض أو حيوان فجائز.
تنبيه:
عدل كابن الحاجب عن قول أهل المذهب: إن سلما من كراء الأرض بما يخرج منها، لقصوره، فإن عبارته تشمل ما يخرج منها وما لا يخرج من الطعام كالعسل والسمن ونحوهما، وإنما اكتفوا بتلك العبارة لأن ما لا يخرج منها لا مدخل له في المزارعة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣/ ١١٨٨، رقم ١٥٥٢) عن مسلم بلفظ: "ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه صدقة وما أكل السبع فهو له صدقة وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة".
[ ٦ / ١٦٥ ]
تنكيت:
في قوله: (إن سلما من كراء الأرض بممنوع) إجمال، حيث لم يبين الممنوع من غيره، ولعله اعتمد على شهرة ذلك.
وأشار للشرط الثاني بقوله: وقابلها -أي الأرض- مساو لها من عمل وبقر عند مالك وأصحابه.
سحنون: هو صواب.
فالمساواة شرط، وعدمها مانع، وكثيرا ما يطلق الفقهاء الشرط على عدم المانع.
ومفهوم ذلك: إن لم يتساويا (١) المنع، إن كان العمل أكثر من كرائه، وهو كذلك.
وأشار للشرط الثالث بقوله: وتساويا (٢) أي: العاقدان في قدر المخرج أو قيمته، فإن أخرج أحدهما الأرض وثلث البذر، والزرع بينهما نصفان منعت.
سحنون: كأنه أكرى سدس أرضه بسدس بذر صاحبه.
إلا أن يكون عدم التساوي لتبرع بعد العقد، أي: اللازم بالبذر.
وأشار للشرط الرابع بقوله: وخلط بذر إن كان، [وقد ينزل عدم الخلط منزلته، كأن يخرجا البذر معا، ويبذرانه بحيث لا يتميز بذر كل في ناحية كل.
قال المصنف: وهو الجاري على قول مالك وابن القاسم.
وإليه أشار بقوله:] (٣) ولو بإخراجهما، وظاهره: وإن تميز بذر كل، يأن بذر كل في ناحية وهو كذلك.
_________________
(١) في "م": إن لم يتساووا.
(٢) في "م": وتساووا.
(٣) ما بين معكوفين سقط من "م".
[ ٦ / ١٦٦ ]
قال ابن الحاجب: فلو أخرجاه معًا وبذراه.
فقيل: كالخلط.
وقيل: إن علمت النواحي فلكل واحد نبت بذره، ويتراجعان في الأكرية والعمل.
فإن لم ينبت بذر أحدهما وعلم، بأن كان كل في ناحية لم يحتسب به إن غر شريكه، فإن كان عالما أنه لا ينبت؛ وذلك لأن بعض البذر كحب الكتان، إذا شم رائحة الدخان لم ينبت، وعليه أي: القار لشريكه مثل نصف البذر النابت، والزرع لهما.
ابن عبد السلام: وينبغي الرجوع على الغار بنصف قيمة العمل.
قال المصنف: وينبغي أن يرجع عليه بنصف قيمة كراء الأرض التي غر فيها.
وإلا بأن لم يغر فعلى كل منهما نصف بذر الآخر، فعلى صاحب غير النابت نصف النابت، والزرع بينهما في الصورتين.
ثم شبه في الصحة مسائل أشار لإحداها بقوله: كأن تساويا في الجميع: أرضًا وعملًا وبقرًا، وجوز الشارح كون التشبيه راجعًا للتي قبلها، أي: في كون الزرع بينهما.
وأشار لثانيهما بقوله: أو قابل بذر أحدهما عمل من عند الآخر، والأرض بينهما بملك أو كراء.
ولثالثتها بقوله: أو قابل أحدهما من عند شريكه الآخر أرضه، وبذره، أو قابل عمله وبعض بذره أرض شريكه، ومن البذر بعضه.
وأشار لشرط الصحة في هذه بقوله: إن لم ينقض مما للعامل عن نسبة بذره، كأن يكون عليه العمل وثلث البذر، وعلى الآخر الأرض وثلث البذر، وللعامل ثلث الزرع، فأما إن نقص عن نسبة بذره بأن أخرج مع عمله ثلثي البذر، وأخرج صاحب الأرض ثلث البذر على أن الزرع لهما
[ ٦ / ١٦٧ ]
نصفان، لم تصح؛ لأن زيادة البذر هنا كراء الأرض.
أو لأحدهما الجميع، أي: الأرض والبقر والبذر إلا العمل، فإنه على الآخر، وله الربع مثلًا، فإنها تصح، إن عقدا بلفظ الشركة، لا بلفظ الإجارة، أو أطلقا ولم يسميا شركة ولا إجارة، فلا تصح فيهما.
وهذه المسألة على هذا التقدير هي ما في توضيحه، حيث تعقب ابن عبد السلام إذا كان البذر من عند صاحب الأرض، والعمل والبقر من عند الآخر إجارة.
سحنون: ومنعه محمد وابن حبيب.
أن هذه مسألة الخماس ببلاد المغرب، بأنها ليست هي؛ لأن مسألة الخماس: البقر والآلة فيها من عند رب الأرض، وإنما للعامل جزء معلوم يساوي قيمة عمله، ويتبين لك ذلك بالوقوف على ما في أجوبة ابن رشد.
ونص السؤال: يتفضل الفقيه الأجل قاضي الجماعة أبو الوليد ابن رشد، وفقه اللَّه تعالى، ورضي عنه، بالجواب في رجلين اشتركا في الزرع على أن جعل أحدهما الأرض والبر والبقر، والثاني العمل، ويكون الربع للعامل، والثلاثة أرباع لصاحب الأرض، هل يجوز أم لا؟
فأجاب تصفحت سؤالك، فأما مسألة الاشتراك في الزرع على الوجه الذي ذكرت فلا يخلو الأمر فيها من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يعقدا الشركة.
والثاني: أن يعقدا بلفظ الإجارة.
والثالث: لم يذكرا شركة ولا إجارة، وإنما قال: أدفع أرضي وبقري وبذري، وتول أنت العمل، ويكون لك ربع الزرع، أو خمسه، أو جزء من أجزائه يسميانه، فحمله ابن القاسم على الإجارة، فلم يجزه، وإليه ذهب ابن حبيب، وحمله سحنون على الشركة، فأجازه.
هذا تحصيل القول عندي في هذه المسألة، وكان من أدركنا من
[ ٦ / ١٦٨ ]
شيوخنا لا يحصلونها هذا التحصيل، ويذهبون إلى أنها مسألة اختلاف جملة من غير تفصيل، وليس هذا عندي بصحيح انتهى. وانظر الكلام عليها في الكبير.
ثم شبه بما لا يصح، وهو قوله: (لا الإجارة)، فقال: كإلغاء أرض لها قدر من أحدهما، وتساويا غيرها، وهو: البذر والعمل.
وجوز البساطي كون البذر والتشبيه بينه وبين قوله: (إن عقدا بلفظ الشركة)، فتكون المسألة جائزة، كما قال مالك، انظر الكلام معه فيها وفيما بعدها في الكبير.
ثم عطف على الممنوع، فقال: أو لأحدهما أرض رخيصة، كأرض المغرب وشبهها، وله مع الأرض عمل، وللآخر البذر، والمنع فيهما لابن عبدوس؛ لما فيه من كراء الأرض بما يخرج منها.
وأشار بقوله: على الأصح لقول ابن يونس: هو الصواب؛ ولذا قال بعض من تكلم على هذا المحل: لعل (الأصح) تصحيف (الأرجح) انتهى.
وقرره البساطي على الجواز، وأنه قول مالك إذا اعتدلا في العمل والبذر، ولأحدهما الأرض، فألغاها، إن كاتب أرضًا لا خطب لها، كأرض المغرب، جاز.
وقال سحنون: لا يعجبني أن تلغى الأرض، وإن لم يكن حاكرا. ولأجل هذا قال: على الأصح انتهى.
فجعل قول سحنون مقابل الأصح، وهو بعيد.
تنبيه:
خص الأرض تبعا للمدونة وابن الحاجب، وفي توضيحه: ينبغي أن يكون التطوع بالتافة مطلقًا كذلك.
ولما ذكر المزارعة الصحيحة وشروطها، عُلم أن الفاسدة هي ما اختل منها شرط؛ فلذلك لم يحتج إلى بيانها، بل اقتصر على حكمها، فقال: وإن
[ ٦ / ١٦٩ ]
فسدت شركتهما ولم يعجلا فسخت، وإن عملا وتكافآ عملا والأرض من أحدها والبذر من الآخر على أن الزرع بينهما نصفان فبينهما: لكل نصفه، وترادا غيره، فعلى صاحب الأرض لصاحب البذر نصف مكيلته، وعلى صاحب البذر نصف كراء الأرض.
ولا خفاء في فسادها لمقابلة الأرض بالبذر.
وإلا يتكافا في العمل، بل كان العمل من أحدهما فقط، فللعامل جميع الزرع، وعليه الأجرة لصاحب الأرض، كان له -أي: العامل- بذر مع عمل، والأرض للآخر، وفسدت لمقابلة الأرض لجزء من البذر، أو كان له أرض مع عمل، والبذر للآخر، أو كان كل من الأرض والبذر لكل منهما، والعمل من أحدهما، فالزرع لصاحب العمل، سواء كان مخرج البذر صاحب الأرض، أو غيره.
وعليه إن كان هو مخرج البذر كراء أرض صاحبه، وإن كان صاحبه مخرج البذر فعليه له مثل بذره، هكذا نقله أبو محمد عن ابن القاسم، وتبعه المؤلف.
تنبيه:
قررنا هذه المسألة في شريكين لقوله: (تكافا)، ويحتمل أن تقرير قوله: (كل لكل) بما إذا كانوا ثلاثة: البذر من واحد، والأرض من آخر، والعمل من آخر.
قال المصنف: ولا إشكال في فسادها لمقابلة جزء من الأرض بجزء من البذر والزرع للعامل عند ابن القاسم.
وقال سحنون: لرب الأرض.
ثم يقومان بما يلزمهما من مكيلة البذر، وأجرة الأرض، والعمل، ويحتمل أن يريدهما، ويشمل كلامه المسألتين معا.
* * *
[ ٦ / ١٧٠ ]
باب ذكر فيه ما جمعه من مسائل الوكالة
وهي لغة: الحفظ، والاسم: الوكالة بالفتح والكسر، فأعقبها للشركة والمزارعة لما بينهما من المناسبة، فقال: صحت الوكالة في قابل النيابة.
و(صحت) يقع في بعض النسخ فعلا، وفي بعضها مصدرا، وعبر بالصحة دون الجواز لعروض سائر الأحكام لها بحسب متعلقها، كـ: قضاء دين بعين لا يتوصل إليه إلا بها، والصدقة، والبيع المكروه والحرام، ونحو ذلك.
وبهذا يندفع قول من قال: كان ينبغي للمؤلف أن يقول: (جازت) مكان (صحت)؛ لأن كل ما جاز صح، ولا عكس.
ثم بين مجمل: (قابل النيابة) بقوله: من عقد كـ: نكاح، وطلاق، وبيع، وشراء، وصلح، وإجارة، وجعل، وقراض، ومساقاة، وشركة، وصدقة، وهبة، ونحو ذلك.
وفسخ بعقد يجوز له فسخه، أو يتحتم عليه، وقبض حق له قبضه، وعقوبة كحد وتعزير، وحوالة لغريم على مدينه، أو يأخذ له منه حميلا، وفي إبراء من حق له على آخر، وإن جهله الثلاثة الموكل والوكيل ومن عليه الحق.
وفي حج عنه على خلاف في بابه وزكاة، وفهم من كلامه: أن ما لا تقبل فيه النيابة لا تصح فيه الوكالة، كالطهارة والصلاة ونحوهما.
ولعل المصنف إنما لم يذكر الكفالة، وهو: أن يوكل من يتكفل عنه بحق وجب عليه، كما قاله ابن شاس وابن الحاجب؛ للبحث فيه: بأن الوكالة إنما تطلق حقيقة عرفية فيما يصح للموكل مباشرة، وكفالة شخص عن نفسه ممتنعة؛ ولذا فسرها ابن هارون بأن يوكل على أن يتكفل عنه لفلان بما على فلان وصح.
[ ٦ / ١٧١ ]
وجاز توكيل واحد فقط في خصومة واحدة، لا أكثر من واحد، فقد سمع عيسى عن ابن القاسم: إن ادعى شريكان على شخص حقًا، فقالا للقاضي: من حضر منا يخاصمه، ليس لهما ذلك؛ لقول مالك من قعد خصمه عند القاضي ليس له أن يوكل، إلا من علة.
وقال في ورثة ادعوا منزلا بيد رجل: لا يخاصمه كل واحد عن نفسه، بل يقيمون رجلًا يخاصم.
ابن رشد: كما لا يجوز للرجل أن يوكل وكيلين يخاصمان عنه، إن غاب عنه أحدهما خاصم له الآخر.
وفهم من قوله: (في خصومة) جواز توكيل أكثر من واحد في غيرها، وهو كذلك، كما سيأتي.
وللشخص أن يوكل في الخصومة قبل الشروع فيها وإن كره خصمه ذلك، لا إن قاعد الموكل خصمه مجالس كثلاث، وانعقدت المقالات بينهما، فليس له أن يوكل من يخاصم عنه، إلا لعذر كمرض أو سفر، ويعرف ذلك.
قال مالك: إذا قاعد الوكيل خصم موكله ثلاث مرات فأكثر، ليس لموكله عزله، ذكرهما المتيطي.
وبه تندفع مناقشة البساطي للمؤلف هنا بما في توضيحه: أن الموكل ليس له عزل وكيله.
وإذا قاعد خصمه المرتين والثلاث، وإذا قاعد الغريم خصمه مرتين أو ثلاثا، وادعى إرادة سفر حلف في كسفر أنه مما قصده ليوكل، قاله ابن العطار.
وليس له أي: الموكل حينئذ أي: حين قاعد وكيله خصمه ثلاثا عزله عن الوكالة، ولا له أي: الوكيل عزل نفسه على الأصح عند ابن رشد.
ولا له الإقرار عن موكله، إن لم يفوض له، أو إن لم يجعل له ذلك، لكن إن نهاه عنه لا يلزم اتفاقًا، وكذا إن لم يفوض على المعروف،
[ ٦ / ١٧٢ ]
وأما إن فوض له فيه أو جعل له لزمه.
ابن عبد البر: وبه جرى العمل.
وعليه درج المؤلف هنا.
تنبيه:
قال في الشامل: يلزمه ما أقر به على الأصح، إن كان من معنى الخصومة التي وكل عليها، وإلا لم يقبل على الأصح.
ويحتمل أن يكون خلافا، وأن يكون تقييدا لكلام المؤلف.
ولخصمه -أي: خصم الموكل- اضطراره -أي: الوكيل- إليه -أي: الإقرار- إن سكت الموكل عنه عند التوكيل على المشهور.
المتيطي: وبه العمل.
ابن العطار وجماعة من الأندلسيين: من حق الخصم أن لا يخاصم الوكيل حتى يحصل له الإقرار.
وظاهر كلام المؤلف: لزوم ما أقر به عنه، سواء كان مما يشبه به أو لا.
قال المازري من عند نفسه: وإن قال لوكيله: أقر عني بألف لزيد مثلًا فإقرار بالألف من الموكل.
ثم أخرج من قوله: (قابل النيابة) قوله: لا في كيمين؛ لأنها من الأعمال البدنية، فلا تصح فيها النيابة كالايمان والطهارة والصلاة والشهادة، ويدخل في اليمين الإيلاء واللعان.
ولا يصح التوكيل في معصية كقتل وسرقة وغصب مثلًا، وظهار.
وفي بعض النسخ: كالظهار بالتشبيه لا التمثيل، أو لإفادة الحكم، وإنما لم يصح في الظهار، وإن كان ليس يمينا؛ لأنه معصية؛ لكونه منكرا من القول وزورا.
[ ٦ / ١٧٣ ]
وتنعقد بما يدل عرفا، البساطي: لأنه لا صيغة لها خاصة، بل تنعقد بما يدل لغة أو عرفا، فإن خالف اللغة العرف فالمعتبر العرف.
وحمله الشارح على معنى آخر، وهو: أن يكون الموكل فيه معلوما بالعرف، وهذا أغنى عن بيان ما فيه، وألجأه إلى ذلك قوله: لا مجرد وكلتك بل حتى يفوض، فإنه ظاهر فيما قال.
ويمكن حمل هذا على معناه مع حمل الأول على المعنى الذي قلنا، والتقدير: وصحت بلفظ يدل على الوكالة عرفا، وليس مطلقًا ما يدل كافيًا في التفويض، بل لابد أن يصدر المطلق مع التفويض والتعيين، والأعم لا يدل على الأخص انتهى.
ولعله عنى بما في كلام الشارح أن المؤلف إنما يتكلم في بيان صيغة العقد، لا بيان الشيء الموكل فيه، وبينهما فرق، واللَّه أعلم.
لا مجرد وكلتك، فلا يقيد لعدم معرفة ما يدخل فيه من تفويض أو تخصيص، بل حتى يفوض، أو يقيد، وإذا فوض فيمضي النظر فيما يفعله فقط، إلا أن يقول له نظرًا وغير النظر، فيمضي أيضًا غير النظر.
وللمصنف في غير إمضاء النظر نظر، وللبساطي تنظير فيه، انظرهما في الكبير، واللَّه أعلم.
تنبيه:
قال ابن ناجي في شرحه للمدونة: بحيث يجوز للوكيل التوكيل فلا يوكل إلا أمينا.
وظاهر ما في التوكيل: أنه لا يشترط مساواته في الأمانة، وظاهر إجارتهما: المساواة، انظره في الكبير.
تتمة:
قال المتيطي: اختصار لفظ التوكيل الشامل العام أن يقول: وكل فلان فلانًا توكيلًا مفوضًا جامعًا لمعاني التوكيل كله، لا يشذ عنه فصل من
[ ٦ / ١٧٤ ]
فصوله، ولا فرع من فروعه، ولا أصل من أصوله، دائمًا مستمرًا، وأذن له أن يوكل من شاء مما شاء من فصوله، فلو لم يذكر توكيل غيره عنه ففي دخوله فيه اختلاف للشيوخ المتقدمين.
وقال بعضهم: لا أحفظ في ذلك قولا لأحد من المتقدمين، والأظهر: أن له أن يوكل؛ لأن الموكل أنزله منزلته، وجعله بمثابته انتهى.
وللوكيل المفوض التصرف في جميع أشياء إلا الطلاق لمن في عصمة موكله، وإنكاح بكره، وبيع دار سكناه، وبيع عبده.
زاد الشيخ البساطي: الذي يخدمه، وهو في عهدة التقييد، فلا يدخل واحد من هذه الأربع في وكالة التفويض العام.
تنبيه:
قال بعض مشايخي من كبار الأندلسيين: إذا ابتدئت الوكالة أو البراءة كل منهما خاصة، ثم عقبت بالأوصاف العامة، لم تنفذ تلك الأوصاف العامة، إلا في ذلك الوجه الذي ابتدئت عليه، وتكون تلك الأوصاف العامة راجعة إلى أحوال ذلك الخاص، الذي ذكر أولًا.
ثم عطف على قوله: (يفوض) أي: (لا مجرد وكلتك بل حتى يفوض): أو يعين الموكل الشيء الموكل فيه من الأربعة السابقة أو غيرها بنص، كـ: افعل الشيء الفلاني، أو لا تفعله، أو قرينة وتخصص الموكل فيه بالعرف، كـ: اشتر لي ثوبا من أي الأثواب شئت، فيقيد بما يليق بالأمر، وكـ: بع السلعة الفلانية، ولها أسواق تباع فيها، ومن جملتها سوق معد لها فقط، فإن توكيله يتخصيص بالمعد، وكما لو كان لها زمن تباع فيه.
ولو وكله على شراء شيء له تقيد بالعرف، فلا يشتري له إلا ما يليق به.
تنبيه:
سئل البساطي: ما الفرق بين التخصيص والتقييد؟ وأجاب بأنه أشار
[ ٦ / ١٧٥ ]
بذلك إلى أن الإخراج من العام تخصيص، وزيادة بعض الأوصاف في الشيء الواحد تقييد.
والظاهر: أن المصنف أطلق التخصيص على التقييد، كفعل بعض الفقهاء والموثقين، والبساطي جعله على حقيقته عند الأصوليين؛ إذ التخصيص عندهم من عوارض العام، والتقييد من عوارض المطلق، وإذا كان الحكم كذلك فلا يعدُهُ لغيره.
ولما كان في قوله: (لا يعده) عموم خصصه بقوله: إلا إذا وكله على بيع، فله طلب الثمن من المشتري، وله قبضه منه، أو اشتراء فله قبض المبيع من البائع.
وردُّ المعيب على بائعه، لأن الوكالة على البيع تستلزم قبض المبيع ورده بالعيب، إن لم يعينه موكله أي: المعيب، فإن عينه فلا رد للوكيل به.
وأصل هذه المسألة من قوله: (فلا يعده. . إلى هنا)، نعم لو نص له على عدم قبض الثمن أو المبيع أو الرد بالعيب فليس له ذلك، وجعل الشارحان ضمير (يعينه) للمبيع، وكذلك بناها على أن هذا في التوكيل المخصوص، إذا قال له: اشتر هذه السلعة، فاشتراها، ثم اطلع على عيب فليس الرد.
تنبيه:
ظاهر كلامه أن للوكيل قبض الثمن مطلقا، ولو كان المبيع دارا أو عقارا، وهو كذلك، وأما نص أبو عمران أن العادة لو كانت في الرباع أن الوكيل لا يقبض الثمن، فإن المشتري لا يبرأ بالدفع له، فالمراد بالوكيل السمسار.
وطولب وكيل شراء أو بيع بثمن ومثمن، ولو صرح بأنه وكيل ما لم يصرح بالبراءة من دفع الثمن أو المثمون فلا يطالب حينئذ، وإنما المطالب بذلك الموكل، كـ: بعثني فلان إليك لتبيعه، فالثمن على فلان لا على الرسول، فإن أنكر فلان أنه بعثه كان على الرسول.
[ ٦ / ١٧٦ ]
لا إن قال شخص لآخر: بعثني فلان إليك لأشتري منك، فالمطالب بالثمن الرسول دون من قال: إنه أمره، وطولب الوكيل بالعهدة، وهي تبعات المبيع، كـ: عيب واستحقاق، ما لم يعلم مشتريه أنه وكيل، فلا مطالبة عليه، بل على الموكل، ونحوه في المدونة.
وتعين في العقد المطلق كبيع أو شراء، لم يذكر كميته، ولا صفته، ولا جنسه، نقد البلد الذي يبيع فيه الوكيل.
تنكيت:
قول الشارح بلد الوكيل نظر فيه البساطي؛ لأنه قد يوكل بمصر ليبيع بالشام مثلًا انتهى، وهو ظاهر.
تتمة:
سكت عن حكم ما إذا خالف وباع بعرض أو بنقد غير البلد، وبيانه أنه يضمن إن فات، إلا أن يحيز الآمر فعله، ويأخذ ما باع به، كذا في سلمها الثاني، وفي وكالتها: إن باع بعرض، ولم يفت، فليس له تضمينه، وخير في إجازته ببيعه، وأخذ ما بيعت به، أو نقضه وأخذ سلعته، وإن فات خير فيما بيعت به من عرض، أو تضمين الوكيل قيمتها، ويسلم العرض للوكيل.
عياض: وهو وفاق.
تنبيه:
إن اختلف نقد البلد فينبغي اعتبار غالبه.
وتعين في العقد المطلق لائق به، أي: شراؤه، فإن اشترى ما لا يليق به لم يلزمه، وخير في إجازته ورده عند ابن القاسم في المدونة.
وظاهره: سواء سمي الثمن أم لا، وعند أشهب: لا خيار له إن سماه، كان ما اشتراه يليق به أو لا.
وإن لم يسم فله الخيار، وجعل بعض القرويين تقييد القول.
[ ٦ / ١٧٧ ]
ابن القاسم: فهما وفاق.
وقال غيره: وقول ابن القاسم على ظاهره، لا يلزمه إلا ما يليق، وإن سمى له الثمن فهما خلاف، وإليه أشار بقوله: إلا أن يسمى الثمن فتردد.
تنبيهان:
الأول: استظهر الشارح كونه خلافا، قائلًا: إذ قد يكون ثمن ما لا يليق مساويًا لثمن ما يليق به.
الثاني: إنما ذكر مسألة اللائق مع فهمها من قوله: (وتخصص بالعرف) للنص على عينها، وليرتب عليها قوله: إلا أن يسمى الثمن فتردد.
وتعين في العقد المطلق لبيع أو شراء ثمن المثل في ذلك المبيع، ولا يفتقر في ذلك إلى ما يحصل التغابن بمثله، وأما ما لا تغابن به ففي البيع يخير في رده، إن كان باقيا، ويلزم الوكيل قيمته إن فات، وفي الشراء يلزم الوكيل مع البقاء، ويضمن مع الفوات، ونحوه في المدونة.
وإلا بأن خالف ثمن المثل خُيّر الموكل في الرد والإجازة، فإن رد لزم الوكيل، كذا قصره الشارح على مخالفته ثمن المثل، وعممه البساطي فيما إذا باع أو اشترى بغير نقد البلد، أو اشترى ما لا يليق، أو بيع أو شراء بغير ثمن المثل، فيخير الموكل في ذلك كله، كفلوس باع بها سلعة فيخير الموكل؛ لأنها كالعرض، إلا ما شابه ذلك أي شابه ما يباع بالفلوس؛ لخفته؛ فالفلوس فيه كالعين، ونحوه في المدونة، وفي بعض النسخ: إلا ما شأنه: بالنون.
ثم شبه في تخيير الوكيل تشبيها غير تام؛ لأن التخيير فيما قبله قبل القبض وبعده، وفيما بعده فقط: كصرف ذهب دفعة الموكل لوكيله يسلمه له في طعام، فلم يسلمه حتى صرفه، بفضة، فإن قبض سلمه الوكيل للطعام، فالموكل مخير في قبضه وأخذ ذهبه، وإن لم يكن قبضه فهو متعدد، ويضمن الذهب، ويلزمه الطعام.
ولا يجوز لهما أن يتراضيا على كون الطعام للموكل، إلا أن يكون
[ ٦ / ١٧٨ ]
الشأن في تلك السلعة أن يسلم فيها الدراهم، ويكون نظرا، فذلك جائز، ونحوه في المدونة بتقديم وتأخير، نصها ذكرناه في الكبير.
وكمخالفته مشترى: بفتح الراء مفعول عُيّنَ، كـ: اشتر لي الفرس الفلاني، فاشترى غيره، فللموكل الخيار.
ويصح كسر الراء، كـ: بع فلانا، فباع من غيره، خير أيضًا، أو خالف في سوق، أو في زمان، فيخير في المسألتين، وهو واضح.
وتعقب البساطي على الشارح عطف: (وكمخالفته. . إلى آخره) على (والأخير)، قائلًا: لا يخفى على أحد أنه لا معنى له. انتهى.
يريد: وإنما هو معطوف على (فلوس) أو (صرف).
أو بيعه أي: الوكيل بأقل مما سمى له موكله كثيرا، ولو بيسير، فيخير موكله؛ لأن الشأن في البيع طلب الزيادة.
أو اشترائه بأكثر مما سمى له موكله كثيرا، فيخير، وأما بيسير فلا؛ لأن الزيادة مما تستحق في الشراء لتحصيل الغرض، وإلى التفصيل بين البيع والشراء ذهب صاحب تهذيب الطالب وجماعة.
وظاهر كلام ابن الحاجب مساواتهما كما ذهب إليه أبو الحسن عن النظار، والتلمساني عن بعض الأشياخ.
وكلام المؤلف يحتمل أن يكون قوله: (كثيرا) حذف من الأول لدلالة الثاني.
إلا كدينارين (١) يزيدهما في أربعين دينارًا في الشراء فيسير، وكثلاثة
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٣٨٠): "واستثنى من قوله بأكثر فقال إلا كدينارين يزيدهما الوكيل في شراء ما وكل على شرائه بأربعين دينارا فلا يخير موكله لأنها زيادة يسيرة تغتفر لتحصيل الغرض. وفي بعض النسخ لا دينارين بلا النافية بدل الاستثنائية الحط وهو أحسن فهو مخرج من قوله بأقل قاله تت. =
[ ٦ / ١٧٩ ]
في مائة ونحوه في المدونة، فاستثنى من قوله بأكثر كثيرا، وفي بعض النسخ: لا كدينار، فهو مخرج من قوله بأقل.
تنبيه:
صوب ابن محرز أنه لا فرق في الشراء بين سلعة معينة وغيرها، وهو ظاهر كلام المؤلف.
وقال بعضهم: لا يزاد في المعينة شيء.
وصُدق الوكيل في دفعهما أي: الدينارين في الأربعين فيما ليس له أن يسلم المبيع لموكله.
وكذا إن سلم ما لم يطل، ويرجع بهما على موكله، وإن طال لم يصدق، كذا مشى عليه هنا، وهو أحد ترددين للتونسي؛ ففي التوضيح: هل يصدق الوكيل في دفعه الزيادة اليسيرة؟ تردد فيه التونسي.
تنبيه:
لما كان تصديقه في الرفع مستلزما لقبول قوله في الزيادة اكتفى به عنه.
وحيث خالف الوكيل في اشتراء، أو اشترى غير لائق، أو غير ما عينه له لفظا أو عرفا، لزمه: لزم الوكيل ذلك وثمنه إن لم يرضه موكله، وأما إن رضيه فواضح، ونحوه في المدونة، وحذف الألف من (يرضه) للجازم.
كذي عيب يرد به، يلزمه إن لم يرضه موكله، إلا أن يقل العيب، وهو أي: الشراء فرصة: بضم الفاء، أي: فيه غبطة، فيلزم الموكل.
_________________
(١) = طفى كذا في النسخ وكذا في كبيره ولعله من قوله بأكثر كثيرا كما في الاستثناء إذ لا فرق بينهما".
[ ٦ / ١٨٠ ]
أو خالف في بيع، فباع بأنقص مما سمي له، فيخير موكله في الرد والإمضاء.
وقول الشارح: (قوله: "أو في بيع" فيلزم الوكيل النقص إذا باع بأقل مما سمى له الموكل) غير ظاهر مع قوله بعده: "فيخير الوكيل"، وكما سيأتي: أنه إذا لزم الوكيل الزائد، فلا خيار للموكل على الأحسن.
ثم بالغ ولو ربويًا بمثله، أي: يخير، ولو أمره ببيع ربوي بربوي آخر، ففي التوضيح: كما لو قال له: بعها بقمح، فباعها بفول، أو: بدراهم، فباعها بذهب، فله الخيار هنا.
وقيل: لابد من الفسخ؛ لأن المبيعات الربوية لا يدخلها خيار، وإليه أشار بالمبالغة، والقولان متأولان على المدونة، ولا شك أنهم لم يدخلوا هنا على الخيار ابتداء، وإنما جر الحكم لثبوته للموكل، وفيه خلاف: هل هو كالشرط أو لا، والمشهور هنا أنه ليس كالشرط، فله الخيار.
وحيث قلنا للموكل الخيار عند المخالفة في بيع أو شراء فإنما ذلك إن لم يلتزم الوكيل الزائد الذي سماه موكله في البيع، كما لو قال له: بع بعشرة، فباع بخمسة، أو الذي سماه به في الشراء، كـ: اشتر بخمسة، فاشترى بعشرة، فإن التزم الزائد في المسألتين فلا خيار للموكل على الأحسن عند ابن عبد السلام؛ لحصول غرضه الذي سماه.
ثم أخرج من متعلق خُيّر، فقال: لا إن زاد الوكيل في بيع، كـ: بع بخمسة، فخالف وباع بعشرة.
أو نقص في اشتراء، كـ: اشتر بعشرة مثلًا الشيء الفلاني، فاشتراه بأقل، فلا خيار لموكله فيهما؛ لأن هذا مما يرغب فيه، وليس مطلق المخالفة يوجب خيارا، وإنما يوجبه مخالفة يتعلق بها غرض صحيح للعقلاء.
أو اشتر بها، أي: المائة مثلًا التي دفعها له، وقال: اشتر بها سلعة كذا، فاشترى في الذمة ونقدها وعكسه: بأن دفعها له، وقال: اشتر في الذمة، ثم انقدها، فاشترى بعينها، ونقدها، فلا مقال للموكل في المخالفة
[ ٦ / ١٨١ ]
فيها؛ لأن الزيادة في البيع والنقص في الشراء مما تركن إليه النفوس.
أو شاة مثلًا بدينار مثلًا دفعه له، فاشترى به اثنتين لم يمكن إفرادهما، بأن لا يقدر على شراء واحدة مفردة لزمتا موكله، وإلا بأن أمكن إفرادهما واشتراهما واحدة بعد أخرى، خير موكله في قبول الثانية وردها، ويسترجع حصتها من الثمن، وتلزمه الأخرى عند ابن القاسم.
أصبغ: تلزمانه معا.
وانظر قول البساطي: فإن اشترى اثنتين مع القدرة على الواحدة، وكانت الأولى بأقل مما أعطي فيها، لزمته الواحدة، وخير في الثانية.
أما لزوم الواحدة فإنه اشتراها بأقل، فقد تقدم أنه يلزم إذا اشترى بأقل، وأما تخييره في الثانية فلأنها مشتراة له بغير إذنه، هذا معنى نص ابن القاسم؛ فإنه يخالف إطلاق المصنف في لزوم الأولى، سواء أعطي فيها غير الموكل مساو لما اشترى الوكيل به، أو أقل، أو أكثر.
ومحل التخيير عند ابن القاسم الثانية فقط.
أو أخذ لك الوكيل في سلمك الذي وكلته فيه حميلا على المسلم إليه، أو أخذ لك به رهنا على ما أسلم فيه بغير أمرك، فلا خيار لك؛ لأنه زيادة توثق، ونحوه في المدونة.
وضمنه أي: ضمن الوكيل الرهن الذي أخذه من المسلم إليه إن هلك، قبل علمك له ورضاك به أيها الموكل، وأما بعدهما فمنك، ونحوه في المدونة.
وإن رددته لم يكن للوكيل حبسه، وفي تخيير الموكل عند مخالفة الوكيل لزومه في بذهب أي: في قوله: بع بذهب، في بيعه بدراهم، وفي عكسه، وهو: قوله بع بدراهم، فباع بذهب قولان:
أحدهما: أنه مخير.
والثاني: لزوم ذلك له.
[ ٦ / ١٨٢ ]
المازري: بناء على أنهما جنسان، أو جنس، والمعتمد اعتبار عادة المتعاملين في تساويهما واختلافهما.
ابن عرفة: والأظهر أنهما جنسان.
تنبيه:
قيد اللخمي الخلاف باتحاد قيمة الدنانير والدراهم.
وحنث الموكل بفعله، أي: بفعل وكيله في حلفه أي: الموكل لا أفعله، أي: هذا الأمر، إلا بنية حين حلفه أن لا يفعله بنفسه، فلا يحنث بفعل وكيله؛ لأن فعله كفعله فيما يوجبه.
زاد في المقدمات: وكذلك في البر لو حلف على فعل، فوكل غيره، ففعله برا، لا أن يكون نوى فعله بنفسه.
ومنع ذمي، أي: لا يجوز لمسلم توكيله في بيع أو شراء أو تقاض لدين لعدم تحفظه.
وظاهره: كالمدونة، سواء تقاضاه من مسلم أو ذمي، وتقييد الشارح بالمسلم خلافه، انظر الكبير. واقتصر المصنف على الذمي لأن غيره أحرى.
وعدو يمنع توكيله على عدوه مسلم أو كافر؛ للنهي عن الضرر والإضرار (١).
_________________
(١) يشير إلى حديث: "لا ضرر ولا ضرار"، وقد ورد من طرق عديدة تدل على أن له أصلا، فقد رواه من حديث ابن عباس: أخرجه أحمد (١/ ٣١٣، رقم ٢٨٦٧)، (١/ ٣١٣، رقم ٢٨٦٧)، وابن ماجه (٢/ ٧٨٤، رقم ٢٣٤١) قال البوصيري (٣/ ٤٨): هذا إسناد فيه جابر (يعنى الجعفى) وقد اتهم. والطبراني (١١/ ٢٢٨، رقم ١١٥٧٦)، والطبراني (١١/ ٣٠٢، رقم ١١٨٠٦). حديث عبادة بن الصامت: أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٨٤، رقم ٢٣٤٠)، قال البوصيري (٣/ ٤٨): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع. والبيهقي (٦/ ١٥٦، رقم ١١٦٥٧). حديث ثعلبة بن أبي مالك: أخرجه الطبراني (٢/ ٨٦، رقم ١٣٨٧). حديث عمر بن يحيى المازني عن أبيه المرسل: أخرجه مالك (٢/ ٧٤٥، رقم ١٤٢٩). =
[ ٦ / ١٨٣ ]
ابن فرحون: وللحاكم عز له.
فرع:
قال ابن رشد: لا يصح لأحد توكيل من هو عدو لخصمه، ولا من يخاصم؛ لأن الضرر في الوجهين بين.
ومنع للموكل الرضى بمخالفته، أي: الوكيل في سلم إن دفع له الثمن وقال له: أسلمه في كذا، فأسلمه في غيره.
ومفهوم الشرط: جواز الرضا بمخالفته إن لم يدفع له الثمن، ويخير الموكل في أخذه، أو رده.
ومنع بيعه أي: الوكيل ما وكل في بيعه لنفسه من نفسه، ومحجوره كولده الصغير والسفيه وشبهه ويتيمه على المشهور والمعروف من المذهب، فإن فعل خُيّر موكله في الرد والإمضاء، إلا أن يفوت بموت، أو بتغير سوق، فيلزمه الأكثر من القيمة أو الثمن.
تنبيه:
لما كان الشراء لموكله من نفسه أو محجوره كالبيع سكت عنه، ونص عليه ابن شاس، وتبعه في الشامل.
وفهم من قوله: (ومحجوره): جواز بيعه وشرائه لولده الكبير ما وكل في بيعه أو شرائه، وهو كذلك، نص عليه اللخمي وغيره.
بخلاف بيعه ما لموكله من زوجته ورقيقه، فيجوز إن لم يحاب لهما، فيمنع.
ويدخل في رقيقه: مكاتبه، ومدبره، وأم ولده، ونحوه في المدونة.
ومنع اشتراؤه، أي: الوكيل من يعتق عليه، أي: على الموكل،
_________________
(١) = وأخرجه أيضًا: الشافعي (١/ ٢٢٤). حديث أبي سعيد: أخرجه الدارقطني (٣/ ٧٧)، والحاكم (٢/ ٦٦، رقم ٢٣٤٥) وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. والبيهقي (٦/ ٦٩، رقم ١١١٦٦).
[ ٦ / ١٨٤ ]
كأبويه، وإن علوا، وولده وفروعهم، إن علم الوكيل أنه ممن يعتق عليه، ولم يعينه موكله للشراء بتسمية أو إشارة، وإذا وقع على الوجه الممنوع عتق عليه، أي: على الوكيل على الأصح؛ لأنه اشتراه للعتق، وهو غير لازم للموكل؛ لعدم تعيينه.
تنبيه:
قد علم مما ذكرنا مراجع الضمائر، فألها في اشتراه للوكيل، وفي عليه للموكل، وفاعل علم الوكيل، وهاء يعينه لمن، وكذا فاعل يعتق، وعتق، والهاء في عليه للوكيل.
وإلا بأن لم يعلم أنه يعتق على موكله كأن لا يعلم أنه أبوه مثلًا، أو علمه وجهل حكمه، كما قاله عياض، عينه موكله أم لا، أو عينه الموكل، علم أنه يعتق عليه أو لا، فعلى آمره، أي: يعتق عليه.
ومنع توكيله أي: الوكيل فيما وكل فيه، واستثنى المؤلف من ذلك موضعين، فقال:
- إلا أن لا يليق به تعاطي ما وكل فيه بنفسه.
وظاهره: سواء أعلم الموكل أنه لا يليق به أو لا، وهو كذلك؛ إذ لا شك إذا علم، وأما إذا لم يعلم فقطع بعضهم بأنه لا التفات إلى علمه.
- وأشار للموضع الثاني بقوله: أو يكثر ما وكل فيه، بحيث يتعذر استقلاله به، فله استتابة من يعينه فيه، ولا يجعل جميع ذلك له، بخلاف الأول.
وإذا كان التوكيل في الصورتين إنما هو عن الموكل، فلا ينعزل الثاني بعزل الموكل لوكيله الأول، وكأنه وكيل بعد وكيل.
وفي منع رضاه أي: الموكل بوكيل وكله وكيله إن تعدى به، بأن وكله فيما ليس له أن يوكله فيه وجوازه تأويلان في قولها: من وكل رجلًا يسلم له في طعام فوكل غيره لم يجز.
[ ٦ / ١٨٥ ]
فحملها بعض الأشياخ على معنى أن للآمر إجازته وفسخه، وهو موافق لما رواه ابن القاسم عن مالك في الواضحة: أن للموكل الخيار، وحملها ابن يونس على الثاني، يعني أنه يمنع رضاه بما يعلمه وكيل وكيله؛ إذ بتعديه صار الثمن دينا عليه، فلا يفسخه في سلم الوكيل الثاني، إلا أن يكون قد حل، وقبضه، فيجوز.
ومنع رضاه أي: الموكل بمخالفته أي: يسبب مخالفة الوكيل له في سلم، إن دفع الثمن لوكيله بمسماه متعلق بمخالفته، أي: خالفه، وزاد على ما سماه له زيادة كثيرة، لا يزاد مثلها، فليس للآمر إجازة فعله؛ لأنه لما تعدى ضمن الثمن دينا، ثم فسخه فيما لا يعجله؛ فهو دين بدين.
تنبيه:
قال الشارح: ليست هذه مكررة مع قوله قبل: (والرضى بمخالفته في سلم)؛ لأن المخالفة في هذه في الثمن، وفي تلك في السلم فيه، وتبعه البساطي.
ثم عطف على المخالفة أو بمسماه، فقال: أو امره أن يبيع بنقد أو كان العرف فخالف وباع بدين لأجل، منع ذلك إن فات المبيع، وليس للموكل إجازة تعديه على أن يرضى بالمسمى المؤجل على المشهور.
وحيث منع بيع الدين المؤجل بنقد؛ إذ ليس للموكل وجه يأخذ به عوض سلعته غير ثمن الدين، فإن وفى ثمن الدين بالقيمة إن لم يسم ثمنًا، أو للتسمية إن سماه، فلا كلام للموكل، وإلا يوف بأن بيع بأقل غرم الوكيل تمام القيمة أو التسمية، كما لو قال: بعها نقدًا بستة، فباعها بثمانية لأجل، وفاتت السلعة، وبيع الدين بأربعة مثلًا غرم تتمة الستة، فإن لم يسم الستة وبيع الدين بأربعة، وهي أقل من قيمتها لزمه تكميل القيمة يوم الفوات.
[ ٦ / ١٨٦ ]
تتمة:
لم يعلم من كلامه حكم ما إن بيع الدين بأكثر، والحكم: أنه للموكل؛ إذ لا ربح للمتعدي.
وقيل: يخير الموكل بين الإجازة والرد، واللَّه أعلم.
وإن سأل الوكيل غرم التسمية أو القيمة الآن لموكله، وعدم بيع الدين، ويصبر الموكل ليقبضها، أي: التسمية أو القيمة عند الأجل، ويدفع الباقي لموكله جاز إن كانت قيمته، أي: الدين الآن مثلها، أي: القيمة أو التسمية فأقل؛ إذ لا نفع للوكيل في ذلك، بل أحسن للآمر.
ومفهوم الشرط: لو كانت القيمة أو التسمية أكثر لم يجز الصبر؛ لأنه يصير كأنه فسخ ما زاد على التسمية أو القيمة في الباقي.
ومفهوم الشرط في قوله: (إن فات): أن المبيع لو لم يفت بل كان قائما باقيًا لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أفهم، لكن لا يعلم منه عين الحكم، وهو أنه إن لم يسم له ثمنًا جاز له الرضى بالمؤجل، قاله في الموازية: إن سمى له وباع بأكثر خير الموكل في الإجازة والرد على المشهور.
وإن أمره الوكيل ببيع سلعة سمى له ثمنًا أو لا، فأسلمها في طعام أكرم الآن التسمية إن سمى له، أو القيمة، إن لم يسم له شيئًا، واستؤني بالطعام المسلم فيه لأجله فبيع بعد استينائه، وغرم الوكيل النقص عن التسمية، أو القيمة، والزيادة لك يا موكل، ونحوه في المدونة.
وترك المصنف حكم المساواة لوضوحه، وهذه المسألة من معنى المخالفة.
ولو وكله على إقباض دين عليه ضمن إن أقبض الدين لربه، ولم يُشهد بذلك، إن أنكر ربه.
وظاهره: ولو كانت العادة ترك الإشهاد، أو لم تكن عادة، وهو كذلك.
[ ٦ / ١٨٧ ]
وقيل: لا يضمن.
وحكم ما إذا أقبض المبيع ولم يشهد وجحد المشتري أصل البيع في الضمان، كذلك في المدونة، قال: لأنه أتلف الثمن؛ إذ لم يشهد.
وظاهرها: ضمان الثمن، وعليه تأولها ابن شبلون (١)، واختاره عبد الحق وجماعة.
وقال أبو محمد: القيمة.
وقيل: الأقل.
قال الشارح: ولو أسقط المصنف لفظ الدين لتضمن كلامه المسألتين انتهى.
تنبيه:
وهذا كله ما لم يكن الدفع بحضرة الموكل، وأما بحضرته فلا.
ثم عطف على قوله أقبض فقال: أو باع الوكيل متاعا بكطعام أو بعرض نقدا لا مؤجلًا ما لا يباع به ذلك المتاع، وادعى الإذن له في ذلك، فنوزع أي: أنكر موكله، ضمن: سواء كان المتاع قائما أو لا، أو أنكر الوكيل القبض لثمن ما باعه، أو قبض غيره، فقامت البينة عليه بقبضه فشهدت له بينة بالتلف ضمن؛ لأنه أكد بها بقوله أولا: لم أقبض، وهو الصحيح، كالمديان يطلب بدين فينكره فيقيم المدعي عليه البينة به فيقول دفعته ويقيم بينة تشهد له بذلك لم تسمع؛ لأنه أكذبها.
تنبيه:
قول الشارح: (لعلهم يريدون أنه جحد أصل الدين، وأما إن قال:
_________________
(١) هو عبد الخالق بن أبي سعيد: خلف، تفقه بابن أخي هشام وكان الاعتماد عليه -في القيروان- في الفتوى والتدريس بعد أبي محمد بن أبي زيد سمع من بن مسرور الحجام وألف كتاب المقصد أربعين جزءًا. وكان يفتي في الأيمان اللازمة بطلقة واحدة. توفي سنة إحدى وتسعين وقيل: سنة تسعين وثلاثمائة.
[ ٦ / ١٨٨ ]
ليس لك عندي شيء، ثم أقام بينة على دفعه، فليس فيه تكذيب) واضح.
ولو قال الوكيل غير المفوض قبضت ثمن ما بعته، وتلف مني، برئ لموكله؛ لأنه أمينه، ولم يبرأ الغريم المشتري للموكل؛ لاعترافه بعمارة ذمته له، إلا ببينة تشهد له بمعاينة القبض، ولا تفيد شهادة الوكيل؛ إذ هي على فعل نفسه، وإذا غرم الغريم للموكل: فهل يرجع على الوكيل، أو لا؟ قولان لمطرف وابن الماجشون.
ومفهوم (غير المفوض): براءة الغريم للموكل باعتراف المفوض، وهو كذلك كالوصي.
ولزم الموكل غرم الثمن لما ابتاعه له وكيله إن ضاع من الوكيل، ولو مرارا، إلى أن يصل لربه البائع، إن لم يدفعه الموكل له أي: الوكيل قبل الشراء؛ لأنه إنما اشترى على ذمته، فالثمن في ذمته حتى يصل إلى البائع.
وأما إن دفعه له قبل الشراء لم يلزم الموكل غرمه ثانيا، إن امتنع؛ إذ هو مال بعينه ذهب، فلم يلزمه غرمه، ونحو هذا التفصيل للمدونة.
وصدق الوكيل مع يمينه في دعوى الرد لثمن أو مثمن لموكله، كما في المدونة والعتبية، قرب ذلك أو بعد، كان وكيلا على شيء مخصوص أو مفوضا، كالموضع يصدق في رد الوديعة، إن أنكر ربها.
وحيث كان مصدقا في الرد فلا يؤخر للإشهاد عليه، أي: ليس له أن يقول: لا أقبض حتى أشهد؛ إذ لا نفع له فيه، وللمصنف كابن عبد السلام وابن هارون: ولو قيل لهما: تأخير الدفع حتى يشهد، لكان حسنا؛ لأنهما يقولان: لو لم نشهد لتوجهت عليه اليمين.
قلنا: التأخير للإشهاد لتسقطها.
وقريب منه للبساطي.
ولأحد الوكيلين الاستبداد، أي: الاستقلال فيما يفعله عن موكله دون الوكيل الآخر، بخلاف الوصيين، وفرق بتعذر النظر من الموصي في الرد دون الموكل، إن ظهر منه على أمر عزله، إلا لشرط من الموكل: أن لا
[ ٦ / ١٨٩ ]
يستبد أحدهما، فيتبع شرطه، كذا قال هنا كابن الحاجب وجماعة، على أنه تعقب ابن الحاجب قائلًا: بل لأحدهما الاستبداد، ومثله لابن عرفة.
ولما رأى الشارح قوة التعقب قال في شامله: ولا يستبد أحد الوكيلين، وقيل: له ذلك.
فحكى ما هنا بقيل، انظر ما في هذه المسألة في الكبير.
وإن بعت يا موكل ما وكلت آخر في بيعه، وباع ذلك وكيلك أيضًا فالأول من البيعتين هو الصحيح، إلا بقبض في البيع الثاني، فيفوت كاليومين في النكاح.
تنبيه:
لم يقيد المسألة هنا بما في النكاح من أن أحقية الثاني إنما هي إذا لم يعلم بعقد الأول، وانظر ما في ذلك في الكبير.
ولك يا موكل قبض سلمه أي: ما أسلم فيه وكيلك لك يا موكل بغير حضرته، ويبرأ دافعه، إن ثبت ببينة أن المسلم فيه لك، ولا حجة للمسلم إليه، إن قال: لا أدفع إلا لمن أسلم إليّ.
ومفهومه: إن لم يثبت بالبينة لم يلزمه دفعه، وهو كذلك، وتحته صورتان:
إحداهما: إقرار المسلم إليه أن الوكيل اعترف له بأن لهذا.
والثاني: مجرد دعوى الموكل.
واختلف في الأولى: هل يكون المسلم إليه شاهدًا يحلف معه الموكل، أو لا، لأن في شهادته منفعة له، وهي تفريغ ذمته؟ قولان.
والقول لك يا موكل إن ادعى الوكيل الإذن منك له في بيع أو شراء أو نحوه، ولم تصدقه؛ تمسكا بالأصل، أو صدقته على أن الإذن له، فالقول لك إن ادعى صفة له، وخالفته، كـ: قولك: أذنت في رهنه، وقال: بل في بيعه، أو صدقته على المبيع واختلفتما في جنس الثمن، فقلت:
[ ٦ / ١٩٠ ]
بنقد، وقال: بطعام مثلًا، أو على أحدهما، وقال: بقدر كذا منه، وقلت: بأكثر، أو على القدر، وقلت: حالا، وقال: مؤجلا، ونحو ذلك.
ثم استثنى من ذلك مسألتين، وهما:
- إذا تخالفا في المبيع.
- أو في قدر ثمنه.
وأشار للأولى بقوله: إلا أن يشتري بالثمن فزعمت أنك أمرته بغيره، كحنطة مثلًا، وحلف أي: الوكيل على ذلك.
قال ابن القاسم: لأن الثمن مستهلك، كفوات السلعة، فالقول قول الوكيل.
وأشار للثانية بقوله: كقوله، أي: الوكيل: أمرت ببيعه بعشرة وأشبهت ثمنه، وقلت بأكثر كاثني عشر، وفات المبيع بزوال عينه، فالقول للوكيل بيمينه، فإن حلف برئ؛ لأنه مدعى عليه الضمان، وإن نكل حلف الآمر، وغرم الوكيل اثنين، وإن نكل فلا شيء عليه.
ومفهوم (أشبهت): لو ادعى الوكيل ما لا يشبه لم يصدق، ويحلف الموكل، وإن نكل فالقول قول الوكيل، ويلزمه العشرة، وهل بغير يمين، أو معها؟ قولان لابن ميسر وابن المواز.
ومفهوم (بزوال عينه): عدم فواته بعتق وهبة وصدقة، وهو كذلك.
ثم صرح بمفهوم (فات) بقوله: أو لم يفت ما ابتاعه الوكيل، ولم تخلف موكله، فالقول قول الوكيل، وهل بيمين أو لا؟ القولان السابقان.
وإن وكلته على أخذ جارية بربرية مثلًا فبعت بها إليك، فوطئت ثم قدم بأخرى وقال: هذه اشتريتها لك، والأولى وديعة فإن لم يبين حتى بعث الأول أنها التي وكل في شرائها، ولا أنها وديعة، وحلف على ذلك أخذها الوكيل، ودفع لك الثانية، إلا أن تفوت الأولى بـ: كولد، أو تدبير، أو عتق، أو كتابة، إلا لبينة تشهد للوكيل بما قال، فيأخذ مع قيمة ولدها إن
[ ٦ / ١٩١ ]
كان، وثبت عند سحنون إن أخذ قيمتها من قول ابن القاسم، وعند غيره أنه من تتميم سحنون للمدونة.
ولزمتك يا موكل الأخرى، أي: الثانية، وأما إن لم تقم بذلك بينة فالأولى لك، ونحوه في المدونة.
وإن أمرته بشراء جارية بمائة فاشتراها، وبعث بها إليك، فوطئتها، ثم قدم، فقال أخذتها لك بمائة وخمسين، فإن لم تفت خيرت يا موكل في أخذها بما قال، وهو: المائة والخمسون أو ردها، ولا شيء عليك في وطئها، وإلا بأن فاتت بشيء مما تقدم لم يلزمك إلا المائة، التي أمرته بالشراء بها.
ولو أقام البينة بشرائها بما قال؛ لأنه لما لم يعلمك سلطك عليها، فهو كالمتطوع بالزيادة، ونحوه في المدونة.
تتمة:
قال البساطي: إنما جعلوا له أخذها في المسألة السابقة إذا فاتت مع قيام البينة دون هذه، واعتبروا هنا الفوات فقط؛ لأنها هناك ملك للوكيل، وملك الغير لا يفوت، وهنا البينة على زيادة الثمن على ما أذن فيه، والجارية ملكه.
وإن ردت دراهمات التي دفعتها لمأمورك على أن يسلمها لك في طعام مثلًا كلها أو بعضها لزيف اطلع المسلم إليه فبها، فإن عرفها مأمورك لزمتك: صدقته أم لا.
وهل تلزمك وإن قبضت المسلم فيه، أو لم تقبضه، وعلى هذا الإطلاق فهم ابن يونس المدونة، أو إنما يلزمك إذا لم تقبضه، وأما إن قبضته فلا يلزمك، وعليه حملها بعض الشيوخ؟ تأويلان.
تنبيه:
ظاهر كلامه: سواء بين المأمور للمسلم إليه أنه وكيل أم لا، وقال اللخمي: المسألة مفروضة فيما إذا لم يبين ذلك، وأما إن بين له ذلك فإن
[ ٦ / ١٩٢ ]
وكالته تنتقض بنفس دفعه الدراهم، فلا يقبل قوله على الآمر، ويتهم أن يكون أبدلها، وحلف الآمر أنه لا يعلمها من دراهمه.
وإلا فإن لم يعرفها مأمورك، ولكن قبلها حلفت أيها الآمر، ويأتي مفعول (حلفت).
وهل حلفك مطلقًا: كان المأمور موسرًا أو معدمًا، وهو ظاهر المدونة، أو إنما يحلف لعدم المأمور، وأما مع يسره فلا تحلف، ولما قبلها المأمور صار غارما للمسلم إليه، وإليه نحا أبو عمران.
ثم ذكر مفعول (حلفت) وفيه صفة يمينه، فقال: ما دفعت يا آمر إلا جيادا في علمك.
وظاهره: ولو كان صيرفيا، وهو كذلك، وقيل: يحلف الصيرفي بتاء.
وإذا حلفت يا آمر لزمته، أي: المأمور تأويلان في الحلف السابق، وإلا بأن لم يقبلها المأمور ولا عرفها حلف كذلك، أي: كما حلف الآمر أنه ما دفع إلا جيادا في علمه وبرئ.
تنبيه:
تلخص من كلامه ثلاثة أوجه:
- وجه يعرف الوكيل الدراهم فيه.
- ووجه لا يعرفها ويقبلها.
- ووجه لا يعرفها ولا يقبلها.
وتقدمت مرتبته من كلامه هكذا.
وحلف بتشديد اللام البائع: فاعل (حلف)، والمفعول محذوف، وهو الآمر، وفي المبدأ إذا أنكر الوكيل الدراهم، ولم يقبلها الآمر أو المأمور باليمين، كما قاله بعض الأصحاب، وهو ظاهر كتاب ابن المواز، تأويلان.
وتقدم عن ابن يونس أن هذا إذا لم يخبر المسلم إليه أنه وكيل.
[ ٦ / ١٩٣ ]
وانعزل الوكيل بموت موكله إن علم به؛ إذ هو نائبه في ماله، وقد صار للورثة؛ فلا يتصرف إلا بإذنهم.
وظاهره: ولو أشرف على الخصومة.
وظاهره أيضًا: ولو قبل قبض ما باعه.
وظاهره: كان مفوضا أم لا، وهو كذلك على المشهور، وإلا يعلم بموته فهل ينعزل لمجرده، وهو قول ابن القاسم.
اللخمي: وهو ظاهر المذهب.
أو لا، حتى يبلغه موته. اللخمي: وهو ظاهر المدونة وعليه حملها عامة الأشياخ انتهى.
وظاهره: أن الأقل حملوها على قول ابن يونس -﵀- فتأويلان.
وتقدم غير مرة الجواب عن تعقب البساطي إطلاق التأويل على الظاهر.
وفي عزله -أي: الوكيل- بعزله -أي: الموكل، ولم يعلم عزله، فلا ينفذ تصرفه كما في شركة المدونة: وعدم عزله، فيصح تصرفه قبل العلم، وهو لابن القاسم وأشهب.
قال صاحب المعين: وهو المشهور.
خلاف في التشهير؛ نظرًا إلى أن ما في شركتها مشهور.
تنبيه:
الخلاف مبني على الخلاف في الفسخ: هل هو من حين العزل أو البلاغ؟
وهل لا تلزم مطلقا: وقعت بأجرة أو جعل أو لا؟ ولكل الرجوع، أو إن وقعت بأجرة أو جعل فكهما، ففي الإجارة تلزمهما بالعقد، وفي الجعل تلزم الجاعل بالمشروع، كما درج المؤلف عليه هناك، ويحتمل اللزوم لهما، كما هو أحد قولي مالك في المدونة.
[ ٦ / ١٩٤ ]
وإلا بأن وقعت بغير أجر أو جعل لم تلزم، فتردد: عدم اللزوم فيهما شهره ابن غلاب في وجيزه، واللزوم للموكل؛ لأنه كواهب منفعته، والهبة تلزم بالقول على المعروف، واللزوم لهما كما هو أحد قولي مالك في المدونة.
ابن عرفة: اللخمي: الوكالة بأجرة تلزم بالعقد.
ابن رشد: بأجر وأجل معلومين، وعمل معروف، وبالجعل عليه، إن أفصح فله كذا، وإلا فلا شيء له، قولاها في كتاب الجعل.
اللخمي: في لزومها بالعقد أو بالجاعل فقط، ثالثها الخيار ما لم يشرع العامل، والعامل بالخيار، ولو شرع. انتهى، واللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه الإقرار وما يتعلق به، ولم يعرفه تبعا لغيره، وعرفه ابن عرفة، فانظره في الكبير.
[ما يؤاخذ به المكلف:]
يؤاخذ المكلف البالغ العاقل الرشيد بلا حجر صفة لمكلف؛ إذ قد يتصف بالأوصاف الثلاثة ويحجر عليه في كل ماله كالعبد والمفلس أو في ثلثه، كالمريض والزوجة (١) بإقراره متعلق يؤاخذ ولو أتي إقراره على جميع
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٤١٩ - ٤٢٢): "طفى وهم الشارح في إخراج الزوجة والمريض بقوله بلا حجر وتبعه تت وغيره إذ لا حجر عليهما في الإقرار ولو في زائد الثلث إذ ليس هو من التبرع اهـ. وتبعه البناني قائلا فقوله بلا حجر أي في المعاوضات فتدخل الزوجة والمريض واللَّه أعلم وصلة يؤاخذ بإقراره أي المكلف بلا حجر في الذخيرة هذه المادة وهي الإقرار والقرار والقر والقارورة أصلها السكون والثبوت لأن الإقرار يثبت الحق والمقر أثبت =
[ ٦ / ١٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الحق على نفسه والقرار محل السكون والقر البرد وهو يسكن الدماء والأعضاء والقارورة يستقر فيها المائع. ابن عرفة: لم يعرفوه، وكأنه بديهي عندهم، ومن ينصف لا يدعي بداهته؛ لأن مقتضى حال مدعيها أنه قول يوجب حقا على قائله، والأظهر أنه نظري، فيعرف بأنه خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه أو لفظ نائبه، فيدخل إقرار الوكيل، وتخرج الإنشاءات كبعت وطلقت ونطق الكافر بالشهادتين ولازمها الإخبار عنها بلفظ بعت وطلقت وأسلمت ونحو ذلك والرواية والشهادة والقذف كقوله زيد زان فإنه وإن أوجب حكما على قائله فقط فليس هو حكم مقتضى صدقه. اهـ. البناني قوله ونطق الكافر بالشهادتين فيه الجزم بأنه منه إنشاء وجوز الرصاع فيه الخبرية ورد بعض المحققين على ابن عرفة بأن الظاهر أنه منه إخبار لا إنشاء لأن الإيمان القلبي من قبيل العلوم أو من توابعها لأنه المعرفة أو حديث النفس التابع لها والمراد بحديث النفس القبول والإذعان لما عرفه وإذا كان كذلك فكلمة الشهادة عبارة عنه فهو يخبر أنه اعتقد مضمونها وأقر به فهي خبر من الأخبار فتدخل في تعريفه. وأما كونها إنشاء فمشكل لأن المنشأ إن كان ما في الاعتقاد فلا يصح لأنه سابق على التلفظ بها والمنشأ يلزم تأخره عن صيغته وإن كان الدخول في الإسلام فهو حاصل بنفس النطق من غير اعتبار أمر زائد على معناها الخبري وأيضًا فيلزمه أن كل إقرار إنشاء لدخول كل مقر في التزام ما أقر به وهذا باطل لأن الإقرار إخبار فالصواب أن نطق الكافر بها إخبار عن اعتقاده وكذا الذاكر بالأحرى نعم إذا قصد الذاكر إنشاء الثناء بها ناقلا لها عن معناها صح ذلك فيه ولا يصح في الكافر لأن هذه الحالة إنما تحصل بعد الإيمان. الحط وخرج بالمكلف إقرار المكره فإنه غير مكلف على الصحيح. القرطبي في شرح مسلم شرط صحة الإقرار أن لا يكون بإكراه واختلف في أخذ المحبوس والمهدد بإقراره واضطرب المذهب فيه هل يقبل جملة أو لا يقبل جملة أو يفرق فيقبل إذا عين ما اعترف به من قتل أو سرقة ولا يقبل إذا لم يعين ثلاثة أقوال. الدماميني في حاشية البخاري وعن الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه أن المذعور لا يلزمه ما صدر منه في حال ذعره من بيع وإقرار وغيرهما. ق ابن شاس المقر ينقسم إلى مطلق ومحجور فالمطلق ينفذ إقراره في كل ما يقر به على نفسه في ماله وبدنه والمحجور ستة أشخاص الصبي وإقراره مسلوب قطعا مطلقًا نعم لو أقر بأنه بلغ بالاحتلام في وقت إمكانه لصدق إذ لا يمكن معرفته إلا من جهته والمجنون وهو مسلوب القول مطلقًا والمبذر والمفلس والعبد والمريض وهو محجور عليه في الإقرار لمن يتهم عليه اهـ. =
[ ٦ / ١٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فائدة الإقرار والشهادة والدعوى إخبار والفرق بينها أن الخبر إن كان حكمه قاصرا على قائله فهو إقرار وإلا فإن كان فيه نفع له فدعوى وإلا فشهادة. لأهل أي صالح الملك المقر به ولو حكما كحمل ومسجد وقنطرة فلا يؤاخذ المكلف بلا حجر بما أقر به لغير أهل كجبل وبحر وسبع. ابن شاس من شرط المقر له أن يكون أهلا للاستحقاق فلو قال لهذا الحجر أو الحمار علي ألف بطل لم يكذبه أي الأهل المقر له المقر في إقراره له. ابن شاس من شرط المقر له أيضًا أن لا يكذب المقر فإن كذبه فلا يسلم له المقر به ويترك بيد المقر. ابن عرفة هذا نقل الشيخ عن سحنون إذ لا يصح دخول ملك الغير في ملك أحد جبرا إلا في الميراث ولم يتهم بضم التحتية وشد الفوقية مفتوحة هي والهاء أي المقر في إقراره بكذب لا كيد قرابة أو صداقة أو زوجية. ق هذا الشرط لا يحتاج له في إقرار صحيح غير محجور انظر أول الإقرار من الكافي فإنه قال إقرار غير المحجور بأمر لا يلحقه فيه تهمة ولا يظن به توليج يلزمه ولا يحتاج إلى معاينة قبض المال إلا أن يكون المقر له ممن يعرف بالقهر والتعدي. ابن الحاجب لا يقبل إقرار المريض لمن يتهم عليه وتقدم في الغريم منع إقراره لمتهم عليه. طفى قوله ولم يتهم مستغنى عنه بقوله بلا حجر إذ هو مخرج للمريض كما قال في الجواهر المقر ينقسم إلى مطلق ومحجور فالمطلق ينفذ إقراره والمحجور عليه ستة الصبي والمجنون والمبذر والمفلس والعبد والمريض وهو محجور عليه في الإقرار لمن يتهم عليه اهـ. أي وعدم الاتهام إنما يعتبر في إقرار المريض. البناني وفيه نظر بل الظاهر أن هذا القيد لا بد منه لحمل الحجر المنفي فيما تقدم على الحجر في المعاوضات كما تقدم واللَّه أعلم. عب إنما يعتبر عدم الاتهام في إقرار المريض والصحيح المحجور عليه. البناني يعني بالمحجور عليه المفلس وفيه نظر لأن إقراره لمن يتهم عليه لازم لكن لا يحاصص المقر له به ويتبعه به في ذمته كما تقدم في الفلس خلاف ما يوهمه كلامه هنا من بطلانه فالصواب أن عدم الاتهام إنما يعتبر في إقرار المريض واللَّه أعلم. ومثل لمن يؤاخذ بإقراره بمن يتوهم فيه عدم مؤاخذته به فقال كالعبد غير المأذون يؤاخذ بإقراره في غير المال كجرح أو قتل عمدًا مما يجب فيه قصاص أو حد كقذف وسرقة بالنسبة للقطع لا لغرم المسروق ونبه بقوله في غير المال على أن التفرقة بين المال وغيره شرعية يعني أن الشارع حجر على العبد بالنسبة للمال فلا ينفذ تصرفه فيه =
[ ٦ / ١٩٧ ]
ماله إذا أقرا لأهل وهو القائل أو ما في معناه كحمل ومسجد وقنطرة مثلًا، وخرج به إقراره لحجر مثلًا بكذا أو الفرس، لم يكذبه المقر له فهو صفة لأهل أي غير مكذب فضميره المرفوع لأهل والمنصوب إذ لا يصح دخول مال الغير في ملك أحد جبرا، إلا في الميراث.
تتمة:
لو أن المقر لإقراره بعد تكذيب المقر له فله ذلك ثم لا رجوع للمقر له إلا أن يعود المقر للإقرار فللمقر له حينئذ التصديق.
ولم يتهم في إقراره هو صفة أيضًا لأهل فلا يقبل إقراره لبينته مع ابن عمه الوارث معها بخلاف العكس كالعبد غير المأذون يؤاخذ بإقراره في غير المال، كجرح أو قتل عمد مما فيه القصاص أو الحد كالسرقة بالنشبة القطع لا الغرم.
_________________
(١) = ولم يحجر عليه بالنسبة إلى نفسه في قتل أو جرح أو ما أشبههما فيؤاخذ بإقراره به وقد يجتمع الأمران في شيء واحد فيؤاخذ ببعض دون بعض كالسرقة فيقطع ولا يغرم ولم يقيد العبد بغير المأذون لأن قوله بلا حجر أغنى عنه وبهذا اندفع قول الشارح ينبغي أن يقيد العبد بغير المأذون قاله تت وتبعه الخرشي وعب وفيه أن قوله بلا حجر يفيد تقييده بالمأذون لا بغيره ولذا قال العدوي الأولى أن يقول أن تقييده بغير المال يفيد تقييده بغير المأذون لأن المأذون يصح إقراره بالمال وغيره ويكون فيما بيده من مال التجارة لا في غلته ورقبته لأنهما لسيده وما زاد على مال التجارة فهو في ذمته وليس لسيده إسقاطه عنه قاله في كتاب المأذون منها. وأما غير المأذون فلا يصح إقراره بالمال ولا يلزم في ماله ويكون في ذمته إن عتق إلا أن يسقطه سيده أو السلطان قاله في كتاب المأذون. ق ابن عرفة حجر الرق يلغي الإقرار في المال لا البدن ففي جناياتها إن أقر عبد بما يلزمه في جسده من قطع أو قتل أو غيره صدق فيه وما آل إلى غرم سيده فلا يقبل إقراره به. ابن سحنون وقال الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه وأصحابه إقرار المأذون له من عبد أو مدبر أو أم ولد بدين أو وديعة أو عارية أو غصب لازم. وفي الموازية وإقرار المكاتب ببيع أو دين أو وديعة جائز في المدونة مالك في ثوب بيد عبد قال فلان أودعنيه وسيده يدعيه إن السيد مصدق إلا أن يقيم فلان البينة اهـ".
[ ٦ / ١٩٨ ]
ونبه بقوله: (في غير المال) على أن هذه الأمور اعتبارية شرعية، يعني أن الشرع حجر على العبد بالنسبة للمال، فلا يقبل تصرفه فيه، ولم يحجر عليه بالنسبة إلى نفسه في قتل أو جرح وما أشبه ذلك، فيؤاخذ به وقد يجمع الأمران فيؤاخذ ببعض دون بعض كالسرقة يقطع ولا يغرم.
تنبيه:
إنما لم يقيد العبد بغير المأذون له لأن قوله بلا حجر مغن عنه.
وبهذا يندفع قول الشارح ينبغي أن يقيد كلام المؤلف بغير المأذون.
وأخرس بالجر عطف على عبد، فيؤاخذ بإقراره بما يفهم عنه من إشارة ونحوها؛ إذ هو صفة إقراره، ودفع به توهم عدم مؤاخذة بذلك.
وإقرار مريض يؤاخذ به إن ورثه ولد أو ابن ابن إذا أقر لأبعد، أي: لوارث أبعد منه سواء استغرق الولد المال كابن أولا وأقر بعصبة مثلًا، وسيأتي حكم إقراره للمساوي والأقرب والمتوسط.
أو إقرار مريض لملاطف أجنبي، فيؤخذ بإقراره له ولأجنبي غير ملاطف يؤاخذ به اتفاقا.
تذييل:
إن لم يوجد تصدق به تعد تعريفه كاللقطة.
أو أقر لمن لم يرثه من أقاربه أصلا كالخال أو أجنبيا (١) من الابن فيؤاخذ به.
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٤٢٣ - ٤٢٤): "طفى قوله أو لمن لم يرثه أي مع كونه قريبا إذ الكلام فيه فزيادة تت أو أجنبيًا غير ظاهرة. تت: تنكيت تمثيل البساطي بقوله أو حجبا لكنه قريب غير ظاهر مع قول المصنف قبله لا بعد. طفى: فهم تت أن المحجوب دخل في قوله لا بعد فعنده الأبعد الذي من شأنه الإرث سواء ورث بالفعل أو حجب ولذا قال سواء استغرق الولد المال أو لا. وهذا اغترار بظاهر كلام المصنف من اشتراطه في الإقرار للأبعد وجود ولد وهو غير =
[ ٦ / ١٩٩ ]
تنكيت:
تمثيل البساطي بقوله: (أو حجب لكنه قرابة) غير ظاهر مع قول المصنف قبله: (إن ورثه ولد لأبعد).
أو أقر لمجهول حاله هل قريب وارث أو قريب غير وارث أو أجنبي فيؤاخذ به كما قال ابن رشد وأنظر حكم ما إذا وجد هذا المجهول وما إذا لم يوجد في الكبير.
تنبيه:
الشرط في قول المصنف أولا إن ورثه ولد قيد في الملاطف وغير الوارث والمجهول لا في الإقرار لوارث فقط وتلخص من كلامه إن إقرار المريض لغير زوج على خمسة أقسام لوارث لقريب غير وارث لملاطف لأجنبي لمجهول.
ولما ذكر حكم إقرار المريض غير الزوج ذكر حكم إقرار الزوج فقال:
_________________
(١) = مشترط فيه إذ لا مستند للمصنف في ذلك واعتماده في هذا على كلام ابن رشد وهو لم يشترط فإنه قال وإن أقر لوارث أبعد كإقراره لعصبة وله ابنة أو لأخ لأب أو لأم وله أخ شقيق أو لأخ شقيق أو لأب أو لأم وله أم جاز إقراره اتفاقًا اهـ. واعتمده ابن عرفة أيضًا ولا مخالف له وإنما شرط وجود الولد في الإقرار للملاطف أو للقريب غير الوارث فكلام البساطي هو الصواب والجاري على كلام ابن رشد فقوله لأبعد أي مع كونه وارثا بالفعل والقريب غير الوارث هو قوله أو لمن لم يرثه سواء كان لا يرث أصلا أو حجبا وهو معنى قول ابن رشد لقريب غير وارث اهـ. البناني ونحوه لابن عاشر فالإقرار للبعيد المحجوب مشروط بإرث ولد وفيه نظر مع ما في المواق عن ابن رشد ونصه ابن رشد إن أقر المريض لوارث أبعد ممن لم يقر له من الورثة مثل أن يقر لعصبة وله أب أو لأخ لأم وله أخ شقيق إلخ قوله أن يقر لعصبة وله أب هكذا رأيته في كثير من نسخ المواق بلفظ وله يدل على شمول الأبعد لمن لا يرث لحجب العصبة بالأب وطفى نقل كلام ابن رشد بلفظ وله ابنة وهو خلاف ما رأيته في نسخ ق واللَّه أعلم. قلت والذي في نسخة ق التي رأيتها بلفظ وله ابنة أو أقر المريض لشخص مجهول حاله مع المريض المقر له هل هو قريبه وارثه أو غير وارثه أو أجنبي ملاطف له أو غيره فيؤاخذ بإقراره له إن ورثه ولد".
[ ٦ / ٢٠٠ ]
كزوج يؤاخذ بإقراره لزوجة علم بغضه لها.
ومفهومه سقوط إقراره لها إن علم ميله إليها وصابته بها إلا أن يحيزه الورثة وهو كذلك.
أو جهل حاله معها وورثه في هذا الحال ابن واحد ذكر غير أو كبير أو من غيرها فيؤاخذ بإقراره لها أو ورثه بنون ذكور أو إناث أو ذكور وإناث عددا أخذ بإقراره لها.
وقول البساطي: (ظاهر كلامهم إذا كان الولد ذكورا وإناثا إن حكمهم حكم الذكر فتخصيص المؤلف ذلك بالذكور ليس بجيد) يرد بقول بعض شيوخ شيوخنا: إنهم داخلون في بنون.
الأول: حكم إقرار الزوجة لزوجها كإقراره لها سواء سواء واللَّه أعلم.
الثاني: لا فرق بين أن يقر أحدهما لصاحبه بدين، أو بأنه قبض ماله عليه من دين.
إلا إن تنفرد الزوجة بالولد الصغير من البنين، بكونه منها وبقيتهم كبار منها، أو من غيرها، فلا يقبل إقراره.
تنبيه:
تلخص من كلامه منطوقا ومفهوما ثلاثة أحوال علم بغضه لها وعلم ميله إليها وجهل حاله معها وتقدمت مرتبة على هذا الوجه.
وفي جواز إقراره لها مع وجود الإناث من الولد والعصبة ومنعه قولان، ففي توضيحه عن ابن رشد إن كان الولد إناثا يرثه مع العصبة فسواء كان واحدة أو عددًا صغارًا كن أو كبارًا من غيرها أو كبارًا منها، يتخرج ذلك عندي على قولين:
أحدهما: أن إقراره جائز.
والثاني: أنه لا يجوز من اختلافهم في إقراره لبعض العصبة إذا ترك
[ ٦ / ٢٠١ ]
ابنة وعصبة، فإن كن صغارًا منها لم يجز إقراره لها اتفاقًا، واللَّه أعلم.
تنبيه:
قد علمت أن القولين مخرجان لا منصوصان فأما إن المصنف أطلع عليهما منصوصين بعد ما ذكره في توضيحه أو بناء على أن المخرج قول.
ثم شبه في القولين فروعا أشار لأحدها بقوله: كإقراره للولد العاق، يحتمل مع أخر غير عاق وهما مخرجان أيضًا، ويحتمل أن يريد منع إقراره لها مع ولد كبير عاق.
وأشار لثانيهما بقوله: أو لأمه أي أقر لأم ولده العاق ففي منعه وجوازه قولان هذا والذي في كلام ابن رشد أنه لا فرق بين كون الولد العاق منها أو من غيرها انظر نصها في الكبير.
أو لأن من لم يقر له أبعد وأقرب، أي: كما لو كان بعض الورثة أبعد من بعض وبعضهم أقرب من البعض الأخر كام وأخت وعم وأقر للأخت، فمن نظر إلى الأم أجاز الإقرار ومن نظر للعم منع ويدخل في كلامه ما إذا كان البعض أقرب والبعض الآخر مساو، لا المساوي فقط لا يصح الإقرار له مع مساويه كابنين وأخوين، ولا الأقرب، لا يصح الإقرار له دون الأبعد، كإقراره لأمر مع أخت ابن رشد اتفاقًا فيهما.
ثم شبه بما فيه قولان على فهم الشارح، فقال: كأخرني لسنة مثلًا وأنا أقر لك بما ادعيته علي، فأخره هل يكون ذلك إقرار معمولا به أولا قولان ورجع القائل أخرني لسنة وأنا أقر لك لخصومته معه على القول بأنه ليس إقرارا.
وجعله البساطي مشبها بما قبله فقال ليسر بإقرار على الصحيح ويرجع لما كان عليه من الخصومة بعد السنة أو قبلها انتهى.
قال بعضهم: ويحلف، ويلزمه.
[ ٦ / ٢٠٢ ]
[متى يلزم الإقرار:]
ولزم الإقرار:
[١] لحمل إن وطئت أم ذلك الحمل، بأن كان لها زوج مرسل عليها بعد الإقرار له.
[٢] ووضع ذلك الحمل لأقله، وهو ستة أشهر، ومثله لابن الحاجب تبعا لابن شاس.
ومفهوم كلام المصنف أنها لو وضعته لأكثر من ستة أشهر وهي توطأ لم يلزمه؛ لاحتمال أن تكون إنما حملت بعد الإقرار، وهو كقول ابن الحاجب: (وإن وضعته لأكثر وهي توطأ لم يلزمه)، وهو متعقب؛ لأن حكم السنة حكم الأكثر منها لا ما دونها.
ابن عبد السلام: من غير خلاف أعلمه في المذهب.
وصوب ابن عرفة تعقبه، ومثله لابن هارون، وحينئذ فكلام المؤلف هنا متعقب منطوقا ومفهوما، والعجب من الشارح بل من الشارحين كيف أبقياه على ظاهره، واللَّه أعلم.
تنكيت:
قول البساطي معنى قوله إن وطئت أن لها زوجا حاضرًا هذا مراده لا ظاهره غير ظاهر؛ إذ لا يلزم من حضرته أن يكون مرسلا عليها.
وإلا بأن لم توطأ أو لم تحمل بعد الإقرار فلأكثرة، أي: فالإقرار لازم لمن وضعته لأكثرة، وهو أربع سنين على المنصوص، هذا كما اقتصره عليه ابن الحاجب، وإلا فالجاري على المذهب أو خمس على الخلاف في التشهير في أكثره وإذا جاوز الأكثر لم يلزم الإقرار.
تكميل:
ما يدل على وجود الحمل يوم الإقرار وهو موضعه لأقل من ستة أشهر وما يدل على عدمه هو وضعه لأكثر من أربع سنين من يوم الإقرار
[ ٦ / ٢٠٣ ]
ولو وضعته لما بين هذين الوقتين وليست بذات زوج ولا سيد مرسل عليها يطأها حمل على أن الولد كان مخلوقا؛ إذ لا تحل إضافته للزنا، قاله المازري.
[التسوية بين التوأمين:]
وإذا وقع الإقرار لحمل سوي بين توأميه فيه: ذكرين كانا أو أنثيين، إن وضعا حيين، وإلا فهو للحي فقط إذ لا يصح تملك الميت ولذا لو كانا ذكر أو أنثى.
وقال عن إرث ولم يزد أو وصية أو هبة أو صدقة أو عن أخ لأم أو عن أخ ولم يبين، وهو كذلك لكن على أحد القولين في الأخيرة فيقسم نصفين.
ابن عبد الحكم: وبه أقول.
وقيل: يجزأ أثلاثا للذكر جزء، وللأنثى جزء، والجزء الثالث يدعيه الذكر كله، والأنثى نصفه، وسلمت للذكر نصفه فيقسم النصف بينهما لتداعيهما إياه.
إلا لبيان الفضل، كقوله لهذا الحمل من دين لأبيها وترث أمها منه إن كانت زوجة.
[الإقرار بالصيغة الصريحة:]
ولما كان للإقرار صيغة يؤاخذ به المكلف فيها وهي على ضربين صريحة ومجملة شرع في بيان ذلك مبتدأ بالصريحة فقال: بِعَلَيَّ لك كذا، أو في ذمتي أو عندي أو أخذت منك كذا، لزمه ما أقر به، ولو قال عقب لفظ من هذه الألفاظ: إن شاء اللَّه أو قضى اللَّه، أو أراد أو يسر أو أحب؛ لأن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد في غير اليمين باللَّه.
وأشار بلو لقول ابن المواز لا يلزمه، وفي بعض النسخ بدل (قال): (زاد)، وهو أصرح.
[ ٦ / ٢٠٤ ]
قال المصنف: قل أن يوجد للإمام نص في مسائل الإقرار؛ فلذا تجد أكثرها مشكلا.
البساطي: أكثر هذا الباب لابن عبد الحكم.
أو قال من بيده شيء لمدعيه: وهبته لي أو بعته لي، فهو إقرار بالملك، وعليه البينة لما ادعى، أو طولب بدين، فقال لمدعيه: وفيته لك؛ لأنه أقر به وبعد نادما بقوله وفيته.
أو قال لآخر: أقرضتني ألفا فهو إقرار، ويحتمل أن يريد به ما.
قال الشارح: إنه يشير به لقول ابن سحنون: من قال لرجل أليس قد أقرضتني بالأمس ألفا فقال الطالب: بلى أو نعم فجحد المقر فالمال يلزمه.
تنبيه:
ما ذكره الشارح نحوه في التوضيح عن ابن سحنون وهو مناسب لقوله هنا: (أقرضتني) بالجزم، ويحتمل أن الناسخ أسقط همزة الاستفهام من أقرضتني، واللَّه تعالى أعلم.
وأما قول البساطي: (يعني أن من ادعى على رجل أن له معه قراضا، فقال: لا بل أقرضتني إياه فهو إقرار) فغير ظاهر.
أو ما أقرضتني أو ألم تقرضني، فقال: نعم أو بلى، أو قال لمن قال لي عليك كذا: ساهلني فإقرار، أو قال: اتزنها مني أو لا قضيتك اليوم أو لأقضينك فإقرار، أو قال: نحم أو بلى، أو أجل بفتح الهمزة والجيم واللام ساكنة، بمعنى: نعم، جوابا لا ليس لي عندك.
قال الشارحان: فهم كلما تقدم من قوله ساهلني على وجه الاستفهام فإقرار قاله ابن عبد الحكم.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: التقييد بالجواب راجع لهذه الحروف دون ما قبلها.
أو قال أليس لي عندك مائة فقال: ليست لي ميسرة، فإقرار وكأنه
[ ٦ / ٢٠٥ ]
قال: نعم وسأله الصبر، ومثله أنا معسر أو أنظرني أو لست منكرًا أو أرسل رسولك.
ولو قال له شخص: لي عندك مائة فقال: لا أقر، لا: نافية، وأقر: مضارع مثبت، لم يلزمه شيء لأنه وعد.
أو قال له أخر لي عندك مائة فأجابه: عليّ أو على فلان لم يلزمه شيء، قاله ابن المواز ومحمد وابن عبد الحكم، وكذا على أو على هذا الحجر.
أو قال في الجواب: من أي ضرب تأخذها ما أبعدك منها، سحنون: ليس بإقرار.
وهو محتمل أنه أجاب بهما معا، أو بكل وحده، فإن كان بهما فواضح، وكذا بالثاني، وأما بالأول فقال ابن عبد الحكم: الأقرب أنه ليس بإقرار، إلا أنه يحلف أنه لم يرد إلا الإنكار أو التهكم أو شبهه.
وفي كونه جوابه كمن قال أقضي المائة التي عندك بقوله حتى يأتي وكيلي وشبهه كحتي يقدم غلامي، واتزن وخذ قولان، إقرار وهو قول سحنون أو ليس بإقرار، لأنه لم ينسب ذلك لنفسه، وهو قول ابن عبد الحكم، قال: إن زاد اتزن مني فإقرار؛ لأنه نسبه لنفسه.
ثم شبه في القولين من غير نظر للقائل فقال: كللك على ألف في ما أعلم أو أعتقد أو أظن، وفيما ظننت أو فيما أحسب أو حسبت، أو فيما رأيت أو أرى، أو علمي، أو اعتقادي، فقال سحنون: إقرار.
وقال محمد بن عبد الحكم: هو شك، وليس بإقرار، وقاس ذلك على الشهادة، فإن هذه الألفاظ تبطلها دون الإقرار.
ولزم الإقرار إن نوكر المقر في ألف أقر بها، وقال بعد إقراره: من ثمن خمر أو خنزير أو ميتة أو شيء لا يصح بيعه، ويعد نادما بعد اعترافه بتعمير ذمته، وهذا هو الصحيح عند من يبعض كلام المقر، وأما من لم
[ ٦ / ٢٠٦ ]
يبعضه فقال ابن عبد السلام: الأقرب عدم اللزوم لأن أول الكلام مرتبط بآخره.
ومفهوم نوكر أن المدعي لو سلم له ذلك لم يلزمه شيء وهو كذلك.
أو طالبه بألف فقال: هي علي من ثمن عبد ابتعته منك، ولم أقبضه فإنها تلزمه ويعد قوله: (لم أقبضه) ندما، كدعواه الربا عقب إقراره بألف، وأقام بينة أنه راباه في ألف، فتلزمه الألف على الأصح لعدم التعيين، خلافًا لسحنون، لا إن أقامها أي البينة على إقرار المدعي أنه لم يقع بينهما إلا الربا، فلا يلزمه القدر الزائد على الأصل ويرد لرأس ماله قولا واحدا.
وفهم من كلامه أنه لو لم تكن بينة وإنما هو مجرد دعوى الربي لم يقبل وهو كذلك.
تنبيه:
تلخص من كلامه ثلاثة أحوال:
- دعواه الألف.
- وإقامة البينة على إقرار الطالب أن التبائع لم يقع بينهما إلا على الربا.
- ومجرد دعواه الربا
وتقدمت على هذا الترتيب.
أو اشتريت خمرًا بألف: معطوف على أقامها، وفيه تعقب الإقرار بما يشبه رافعه لم يلزمه شيء، لأنه لا يقر بشيء في ذمته، ومثله اشتريت عبدا بألف ولم أقبضه، لأن اشتريت لا يوجب عمارة الذمة إلا بالقبض ولم يوجد.
قال المؤلف: وفيه بحث لا يخفي.
أو قال لمدعي عليه بإقرار: أقررت لك بكذا وأنا صبي، لم يلزمه ذلك إذا كان كلامه نسقا.
[ ٦ / ٢٠٧ ]
ابن رشد: وهو الأصح.
ولو قال: أقررت لك في نومي أو قبل إن أخلق صدق بيمينه، خلافًا لسحنون، كأنا مبرسم، أي: أقررت لك وأنا مبرسم لم يلزمه ذلك، إن علم تقدمه له، أي: البرسام، وهو: ضرب من الجنون، وإن لم يعلم تقدمه لزم الإقرار.
أو أقر بشيء طلب منه فقال هو لزيد اعتذارا، أي: على وجه الاعتذار حتى لا يدفعه للطالب، لم يلزمه كونه للمقر له إلا ببينة تشهد له به قبل الإقرار.
أو أقر بقرض شكرا لم يلزمه على الأصح، ومقابل قول الأصح قول بعض القرويين باللزوم.
ابن يونس: وكذا على وجه الذم، كـ: أساء معاملتي، وضيق علي حتى قضيته، خلافًا لبعض القرويين يلزمه في الذم، ولا وجه للفرق بينهما، والصواب أنهما سواء انتهى.
تنبيه:
يحتمل أن المصنف ترجح عنده ما قاله بعض القرويين من اللزوم في الذم لا مما صوب ابن يونس من تساويهما، ويحتمل أنه لم يعتبر المفهوم وأنهما هما عنده سواء وهو بعيد جدا.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل مستشكلا: قول المؤلف على الأصح بأن تصويب ابن يونس إنما هو في الذم، فالصواب أن يقول على الأرجح، وإن الواقع في بعض النسخ أو بقرض شكرًا أو ذما على الأرجح انتهى.
ولم نقف على هذه النسخة، وعلى ثبوتها فيصير في الكلام إجمال؛ إذ لا يعلم هل تصويب ابن يونس في الشكر والذم أو في الذم فقط.
[ ٦ / ٢٠٨ ]
تنبيه:
ربما أشعر قوله: (بقرض) أنه لو أقر لا بقرض بل قال لفلان على كذا وقضيته بأنه يلزمه ولو نسقا، وهو كذلك، حكاه ابن عرفة عن كتاب ابن سحنون، قال: إلا أن يقيم بينة بإجماعنا.
وقبل أجل مثله في له على ألف إذا كان في بيع، وأنكر البائع التأجيل، ولا يلزمه إلا إلى ذلك الأجل.
ابن الحاجب: على الأصح.
ومفهومه: لو ادعى غير أجل مثله لم يقبل، وهو كذلك ويحلف المقر له، ويأخذ الألف حالة.
لا إن ادعى التأجيل في قرض، فلا يصدق ويحلف المقر له، ويأخذه حالا؛ لأن الأصل فيه الحلول، ونحوه لابن الحاجب وابن عبد السلام، وأنكره ابن عرفة قائلًا: لا أعرفه لغير ابن الحاجب، ولا فرق بين القرض وغيره، بل قبوله في القرض أولا.
[الإقرار بالصيغة المحتملة:]
ولما تكلم على الإقرار بالصيغة الصريحة والظاهرة شرع في ذكر المحملة فقال: وقبل تفسير ألف أقر بها مبهمة.
ثم عطف عليها عددًا مفسرًا بفتح السين في قوله: (كألف) ودرهم أو وبيضة أو وصيف لم يلؤمه غير ما فسر به، ولا يكون المعطوف مفسرًا للمعطوف عليه، سواء فسره بما جرت العادة به أولا، وهو قول ابن القصار.
وقبل قوله في مجموع عقبه بإخراج بعضه، يعني: سواء استحق ذلك الاسم دون المخرج أو لم يستحقه دونه، فمن الأول له عندي خاتم فصُّه لي إذا قاله نسقا من غير مهلة، ومن الثاني له الباب، ومساميره لي، فلو لم يكن نسقا، بل بعد مهلة لم يقبل، ويلزمه الجميع.
والفص: بفتح الفاء وكسرها.
[ ٦ / ٢٠٩ ]
إلا في غصب، كـ: غصبته الخاتم وفصه لي، فقولان في كون الفص للمقر عند أشهب ومن وافقه، أو جميعه للمقر له، وهو قول ابن عبد الحكم.
ولا يقبل تفسيره بجذع وباب مركب في قوله: له من هذه الدار أو الأرض حق، ورجع إليه سحنون، وكان يقول: يقبل، كفي أي: كما لا يقبل تفسيره بذلك في قوله: له في هذه الدار حق، على الأحسن عند المصنف، وهو لسحنون.
وقال ابن عبد الحكم: يقبل في الثانية.
والفرق عنده إن من تقتضي التبعيض وفي للظرفية فالحق في الدار لا منها.
ولو قال: له علي مال لزمه نصاب من زكاة أهل المقر من العين ذهبا أو فضة.
ابن عبد السلام: هو الأشهر في المذهب.
وقيل: نصاب السرقة، إذ فيه القطع، وبه يحل البضع.
وعلى هذا ففي قوله: (نصاب) إجمال.
وقال ابن القصار: لا نص عن مالك، والذي يوجبه النظر الثاني.
والأحسن عند الابهري وغيره تفسيره ولو بقيراط أو حبة وإذا فسره حلف.
ثم شبه فقال: كشيء وكذا يقبل تفسيره فيهما، لكن في الأول بأقل الأشياء؛ لأن الأشياء أنكر النكرات.
وفي الثاني قال ابن عبد الحكم: لا يكون إلا بواحد كامل، ومثله للمصنف في توضيحه، وتبعه الشارح.
ابن عرفة: في منع تفسير كذا بالنصف وغيره من الأجزاء نظر، وإنما يمنع ذلك إذا ذكر مضافا، والفرض كونه منفردا انتهى.
وإن امتنع من التفسير سجن له، ولو طال، واللام تحتمل التعليل
[ ٦ / ٢١٠ ]
والغاية، ويقبل تفسيره النيف في كعشرة ونيف بما كثر أو قل، ولو بدرهم أو دانق.
والنيف: الزيادة حتى يبلغ العقد الثاني، ويخفف ويشدد ويقدم ويؤخر.
وسقط ما يحتاج للتفسير وهو شيء في كمائة وشيء له عندي؛ لأنه مجهول، ويلزمه المائة، ولو قال له علي مائة إلا شيء اعتبر، وطولب بتفسيره.
تنبيهان:
الأول: تلخص أن لإقراره بشيء ثلاثة أحوال:
- إفراده.
- واستثناؤه.
- وذكره بعد معلوم.
وقد علم حكم كل منها.
الثاني: الفرق بين ذكره مفردا فيلزم تفسيره، ومعطوفا فلا يلزم به شيء، لأن لغوه مفردا يؤدي إلى إهمال اللفظ المقر به، ومعطوفا يسلم من ذلك لإهماله في المعطوف عليه.
ولو قال له: علي كذا درهما لزمه عشرون درهما، وكذا وكذا أحد وعشرون وكذا كذا أحد عشر، لأن (كذا) موضوع للكناية عما يدل عليه المميز، والمميز في الأعداد إن كان لفظا واحدًا منصوبا، ولفظ كذا مفرد كالمثال الأول، فأول عدد وجد ذلك فيه عشرون، والزائد عليه يحتاج إلى دليل، وإن كان لفظ كذا معطوفا على مثله كالمثال الثاني فأول عدد وجد ذلك فيه أحد وعشرون، وإن كان لفظ كذا مركبا كالمثال الثالث فأول عدد وجد ذلك فيه أحد عشر، وما زاد يحتاج إلى دليل، وهو ظاهر فيمن له علم بالعربية، ولذا قال سحنون: لا أعرف هذا، ويرجع إلى تفسيره.
ولو قال: علي بضع من الدراهم، أو ثلاثة عشر درهما وبضع، لزمه
[ ٦ / ٢١١ ]
ثلاثة؛ لأن البضع من الثلاثة إلى التسعة فيلزمه المحقق.
أو قال: له عندي دراهم أو دنانير لزمه ثلاثة عند مالك؛ لأنه أقل الجمع، وكذا لو أقر بها مصغرة، فقال: درهيمات أو دنينيرات.
ولو قال: له على دراهم كثيرة لزمه أربعة تحقيقا؛ لفائدة كثيرة.
أو قال: له عندي دراهم لا كثيرة ولا قليلة لزمه أربعة؛ لأنه لزمه بدراهم ثلاثة، وبقوله: لا قليلة، لابد من زيادة وأقلها درهم فإذا قال: لا قليلة، لزمه الزائد على الثلاثة، وأقله درهم، فيجب صرف لا كثيرة لما زاد على الأربعة من متناولات كثيرة جمعا بين الكلامين.
ولو قال: له علي درهم لزمه الدرهم المتعارف عند الناس، وإلا بأن لم يكن لهم درهم متعارف فالشرعي، وهو: سبعة أعشار دينار من الفضة.
قال المصنف: ينبغي إذا كان بالبلد دراهم مختلفة الوزن والجودة أن يحمل كلام المقر على أقلها وزنا وصفة فإن خالف المقر له حلف.
ولو قال: له عندي درهم مغشوش أو ناقص قبل منه غشه ونقصه إن وصل ذلك بإقراره، ولا يلزمه درهم كامل ولا خالص وإن لم يصله لم يقبل وأخذ بما أقر به، قاله ابن المواز.
ونحوه في التوضيح ويحتمل أنه فسر المقر به بكونه ناقصًا مغشوشًا معا.
ولو قال: له علي درهم مع درهم أو درهم تحته درهم أو درهم فوقه درهم أو درهم عليه درهم أو درهم قبله درهم أو درهم بعده درهم أو درهم ودرهم أو درهم ثم درهم لزمه درهمان في كل صورة، وسقط الدرهم في قوله: علي درهم لا بل ديناران، أو بل دينار ولزمه الديناران أو الدينار، ونحو هذا للشارح.
وقال البساطي: يحتمل أن يعود فاعل سقط إلى المقر به أولا، ويعني به أن من أقر بشيء ثم تكلم بلا وبعدها، بل وأثبت أعظم من الأول سقط الإقرار الأول وثبت الثاني.
[ ٦ / ٢١٢ ]
ولو قال: له علي درهم درهم بإعادته بلفظه لزمه درهم واحد، أو قال: له علي درهم بدرهم لزمه درهم، وإنما لم يلزمه درهمان لأنه في الصورة الأولى يحتمل التوكيد، والأصل براءة الذمة، وفي الثانية تحتمل الباء العوضية، ولأجل الاحتمال قال: وحلف -أي: المقر- ما أرادهما، أي: الدرهمين لم يشبه في الحكمين السابقين اللزوم والحلف، فقال: كإشهاد في ذكر بمائة، وفي ذكر آخر بمائة متساويتين نوعا وقدرًا لزمه مائة واحدة، وحلف المقر إن ادعاهما المقر له، فإن اختلفا نوعًا أو سببًا لزمتاه معًا، وإن كان هذا مع ذكر الحق بوثيقة فأحرى بدونها.
ونحو هذا لابن الحاجب ولابن عرفة هنا مناقشة، انظرها في الكبير.
وكإشهاد في موطن بمائة وفي موطن آخر بمائتين لزمه الأكثر، وهو المائتان فقط، سواء تقدم الأكثر أو تأخر.
ولأصبغ: إن كان الأكثر أولا لزمه ثلثمائة وإن كان الأقل أولا دخل في الأكثر، وبه قرر الشارح كلام المؤلف، وهو بعيد.
وكذا حمله المسألة على الإشهاد في ذكر بمائة وفي آخر بمائتين؛ لأن ابن الحاجب لم يذكر في هذه أن الإشهاد في ذكر، وكذا في التوضيح، واللَّه تعالى أعلم.
تذييل:
لو اختلف الشهود بموطن واحد ففي البرزلي: لو شهد على إقرار امرأة في مجلس واحد، فقال: أحدهما بأربعمائة، وقال الآخر: ثلثمائة وهي منكرة فمذهب ابن القاسم وبه الفتوى وعليه العمل تصح شهادتها في الثلثمائة المتفق عليها بغير يمين على الطالب، ويحلف المقر في المائة الرابعة إلا على القول باليمين مع الشاهد، فيخير الطالب معه في الأربعمائة ويستحقها أو الثلثمائة دون يمين على المقر.
وفي قوله: علي جل المائة أو قربها أو نحوها لزمه الثلثان منها فأكثر بالاجتهاد من الحاكم.
[ ٦ / ٢١٣ ]
سحنون: وعليه الأكثر. لكن إنما ذكروه في الوصية، وهو موافق للإقرار هنا.
وقيل: يقتصر على الثلثين.
وهل يلزمه في عشرة في عشرة عشرون؛ وهو أقرب لعرف العامة؛ لأنهم إنما يريدون بذلك الجمع لا الضرب، الذي هو تكرير أحد العددين بقدر ما في الأرض من الآحاد، أو يلزمه مائة؟ وهو قول سحنون، قولان.
ونحوه لابن الحاجب، ولابن عرفة عليه تعقب، انظره في الكبير، ولفظ في الأولى من التركيب، والثانية بمعنى مع.
ولو قال: له عندي ثوب في صندوق أو زيت في جرة لزمه الثوب والزيت، وفي لزوم ظرفه وهو الصندوق والجرة عند سحنون وابنه وجماعة، لكن إنما هو فيمن قال: غصبت من فلان ثوبا في منديل هل يلزمه الثوب والمنديل، وعدم لزومه وهو لابن عبد الحكم؟ قولان في كل من الفرعين.
لا دابة في إصطبل فلا يلزمه الإصطبل اتفاقًا، ولو علق إقراره على فرع، كقوله: له على ألف إن استحل ذلك، فقال: استحللته.
أو قال: له ألف إن أعارني رداءه مثلًا فأعاره لم يلزم من علق ذلك؛ لأنه يقول: ظننت أنه لا يستحله أو لا يعيرني، كذا عللوه وهو واضح.
وقول البساطي: "عندي أن استحلاله لا يعلم، وقوله: (استحللت قد يكذب فيه) وقوله: (إن أعارني) لغو من الكلام" غير ظاهر؛ لأن المقر لم يعلقه على ما في النفس، بل على قوله: (إن استحل) وقد وقع المعلق عليه.
ثم شبه فيما لا يلزم فقال: كإن حلف أي قوله: له على ألف إن حلف أو إذا حلف أو متى حلف أو حين حلف أو قد يحلف أو مع يمينه أو بعده، كذا قاله ابن أبي زيد، إذا كان ذلك في غير الدعوى عليه بذلك، بأن كان ذلك ابتدأ فحلف لم يلزمه؛ لأنه بقول ظننت أنه لا يحلف باطلا.
سحنون: لا شيء عليه في إجماعنا.
[ ٦ / ٢١٤ ]
وانظر هل ذلك بمجرد الدعوى عليه عند الحاكم وإن لم يوجه الحاكم اليمين أو حلفه بعد توجيهها عليه، وأما قبله فلا.
تنبيه:
قال ابن عبد السلام تأمل هذا مع ما لمالك في حمالتها فيمن قال لرجل أحلف إن الحق الذي تدعيه قبل أخي حق وأنا ضامن ثم رجع لا ينفعه رجوعه ويلزمه ذلك إن حلف الطالب وإن مات قبل حلفه كان ذلك في ماله وأجاب المؤلف بأنه قد يقال إن مسألة المدونة خارجة عن هذه وهي من باب الالتزام المرتب على شرط.
أو قال: له على ألف إن شهد له فلان، فيشهد، لم يلزمه، كذا قال مالك، وقيده ابن القاسم بما إذا شهد غير العدل قال وأما العدل فيقبل عليه.
تنبيه:
ربما أشعر قوله إن شهد فلان بأنه لو قال إن حكم بها فلا لرجل سماه فتحاكما إليه فحكم بها عليه لزمته كذا قاله في توضيحه انتهى.
وانظر: هل يشترط في هذا ما في الحكم، أو لا يشترط ذلك هنا.
[الإقرار بأحد شيئين على الشك:]
ثم تكلم على الإقرار بأحد شيئين على الشك بقوله: وتحقق المقر به بقوله: هذه الشاة أو هذه الناقة لزيد لزمته الشاة التي أقر بها قبل حذف الشك، وهو أو وحلف المقر عليها أي على الناقة أنها ليست للمقر له.
وظاهره سواء أدعي المقر له أرفعهما أو كليهما بقي المقر على إقراره أو رجع عنه.
وما قاله المؤلف واضح إذا زال شك المقر، وأما مع بقائه فكيف يحلف على الناقة، ولذا قال في توضيحه: وفيما قالوه في هذه المسألة نظر لا يخفي انتهى.
[ ٦ / ٢١٥ ]
ولو قدم الناقة في المثال فقال: هذه الناقة أو هذه الشاة لزيد لزمه ما قبل حرف الشك.
ولو قال: هذا الثوب أو هذا العبد مثلًا غصبته من فلان وعينه كزيد، لا بل من آخر، وعينه، كخالد، فهو للأول منهما؛ لإقراره له به أو لا ويتهم في إخراجه عنه ثانيا، وقضى للثاني بقيمته، إن كان مقوما، وإلا فمثله على المعروف من المذهب ابن القاسم، ولا يمين عليهما، كذا أطلق المصنف.
وقال عيسى: إلا أن يدعيه الثاني فله اليمين على الأول فإن حلف كما تقدم وإن نكل الأول حلف الثاني وأخذه ولا شيء على المقر.
ابن رشد: هو تفسير لقول ابن القاسم.
ولو قال: لك أحد ثوبين معينين أو أحدهما تين الأمتين، عيّن المقر أحدهما للمقر له لأن إقراره يحتمل الإبهام والشك وله دعوى زوال الشك وعلى كل له التعيين فإن عين أجودهما أخذه وكذا إن عين أدناهما وصدقه دون يمين وإن كذبه حلف المقر ودفعه له فإن نكل حلف المقر له وأخذه الأعلى وبقي الأدنى.
وإلا بأن لم يعين المقر، وبقي على شكه: فإن عين المقر له أجودهما حلف عند ابن القاسم، وإن عين الأدنى أخذه دون يمين.
وإن قال المقر له أيضًا: لا أدري عين ثوبي منهما، حلفا على نفي العلم المقر ثم المقر له، واشتركا فيهما بالنصف.
ابن عرفة: وكذا إن نكلا أو حلف أحدهما.
[الاستثناء في الإقرار:]
ولما كان الاستثناء كالتعقب بالرافع ذكره، فقال: والاستثناء هنا في باب الإقرار كغيره من الأبواب، كـ: الطلاق والعتق من كونه بأدوات مخصوصة وشروط كالاتصال وما في حكمه كما تقدم في غير هذا الباب، فيصح استثناء الأكثر عند الأكثر، خلافًا لابن الماجشون، وكذا يصح استثناء
[ ٦ / ٢١٦ ]
المساوي عند الأكثر، كـ: عشرة إلا خمسة، ولا يصح المستغرق اتفاقًا عند الأكثر.
وحكى القرافي عن أبي طلحة فيمن قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا أنه ينفعه، وعلى ما عليه الأكثر ففي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية تلزمه تسعه، وإلى الواحد خمسة؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات (١)، فيحط الأخير مما يليه، ثم باقيه مما يليه وكذلك حتى الأول فما
_________________
(١) قال الشوكاني في إرشاد الفحول (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠): "المسألة التاسعة: الاستثناء من النفي والخلاف فيه، اتفقوا على أن الاستثناء من الإثبات نفي، وأما الاستثناء من النفي فذهب الجمهور إلى أنه إثبات، وذهبت الحنفية إلى أن الاستثناء لا يكون إثباتا وجعلوا بين الحكم بالإثبات والحكم بالنفي واسطة وهي عدم الحكم، قالوا: فمقتضى الاستثناء بقاء المستثنى غير محكوم عليه، لا بالنفي ولا بالإثبات. واختلف كلام فخر الدين الرازي، فوافق الجمهور في "المحصول" واختار مذهب الحنفية في "تفسيره". والحق ما ذهب إليه الجمهور، ودعوى الواسطة مردودة، على أنها لو كان لها وجه لكان مثل ذلك لازمًا في الاستثناء من الإثبات، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله. وأيضًا نقل الأئمة عن اللغة يخالف ما قالوه ويرد عليه، ولو كان ما ذهبوا إليه صحيحًا لم تكن كلمة التوحيد توحيدًا، فإن قولنا: لا إله إلا اللَّه، هو استثناء من نفي؛ وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه"، وقد استدلت الحنفية بأن الاستثناء هو مأخوذ من قولك: ثنيت الشيء إذا صرفته عن وجهه: فإذا قلت: لا عالم إلا زيد فههنا أمران: أحدهما: هذا الحكم. والثاني: نفس العلم. فقولك: إلا زيد، يحتمل أن يكون عائدًا إلى الأول، وحينئذ لا يلزم تحقق الثبوت؛ إذ الاستثناء إنما يزيل الحكم بالعلم، فيبقى المستثنى مسكوتا عنه غير محكوم عليه بنفي ولا إثبات، ويحتمل أن يكون عائدًا إلى الثاني، وحينئذ يلزم تحقق الثبوت؛ لأن ارتفاع العدم يحصل الوجود لا محالة؛ لكون عود الاستثناء إلى الأول أولى؛ إذ الألفاظ وضعت دالة على الأحكام الذهنية لا على الأعيان الخارجية، فثبت أن عود الاستثناء إلى الأول أولى. وحكى عنهم الرازي في "المحصول" أنهم احتجوا بقوله -ﷺ-: "لا نكاح إلا بولي"
(٢) و"لا صلاة إلا بطهور". =
[ ٦ / ٢١٧ ]
حصل فهو الباقي، فيحط الواحد من الاثنين، فيقي واحد يحطه من ثلاثة، يبقي اثنان يحطهما من خمسة يبقي ثلاثة يحطها من ستة يبقي ثلاثة يحطها من سبعة تبقي أربعة يحطها من تسعة تبقي خمسة يحطها من عشرة تبقي خمسة هي المقر بها.
ولما كان ما يؤدي الاستثناء هنا عرفا يعتبر، ولو خالف اللغة، وكان يعتبر لفظه، قال: وصح الدار التي بيدي والبيت الفلاني منها لي، فلا فرق بينه وبين إلا البيت الفلاني فهو لي، وصح الاستثناء بغير الجنس المستثنى منه، كألف له علي إلا عبدا على الأصح.
وعبر عنه ابن راشد بالمشهور فيوصف ويقوم بصفته وينقص من الألف، ولذا قال: وسقطت قيمته.
وفهم منه أن قيمته لا تكون مساوية ولا أكثر؛ لئلا يستغرق، كما نص عليه ابن شاس، وكذا له عندي عبدا لا ثوب فيطرح قيمة الثاني من الأول.
_________________
(١) =٢ - ولم يلزم منه تحقق النكاح عند حضور الولي، ولا تحقق الصلاة عند حضور الوضوء، بل يدل على عدم صحتها عند عدم هذين الشرطين. هكذا حكى عنهم في "المحصول" ولم يتعرض للرد عليهم، ويجاب عن الأول: بمنع ما قالوه، ولو سلم أنه لا يستفاد الإثبات من الوضع اللغوي، لكان مستفادًا من الوضع الشرعي. وعن الثاني: بأنه إن كان النزاع فيما يفيد ذلك باعتبار الوضع الشرعي فلا بد من اعتبار تمام ما اشترط الشرع في النكاح والصلاة، وإن كان النزاع فيما يفيد ذلك باعتبار الوضع اللغوي، فدخول الباء في المستثنى قد أفاد معنى غير المعنى الذي مع عدمها، فإن دخولها ليس بمخرج مما قبله؛ لأنا لم نقل لا نكاح إلا الولي، ولا صلاة إلا الطهور، بل قلنا: "إلا بولي" و"إلا بطهور" فلا بد من تقدير متعلق هو المستثنى منه فيكون التقدير: لا نكاح يثبت بوجه إلا مقترنًا بولي، أو نحو ذلك من التقديرات. قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": وكل هذا عندي تشغيب. ومراوغات جدلية والشرع خاطب الناس بهذه الكلمة، يعني كلمة الشهادة، وأمرهم بها لإثبات مقصود التوحيد وحصل الفهم منهم بذلك والقبول له من غير زيادة ولا احتياج إلى أمر آخر، ولو كان وضع اللفظ لا يفيد التوحيد لكان أهم المهمات تعليم اللفظ الذي يقتضيه؛ لأنه المقصود الأعظم".
[ ٦ / ٢١٨ ]
وإن أبرأ فلانًا مما له قبله بكسر القاف وفتح الباء الموحدة، أي: جهته برئ، أو أبرأه من كل حق برئ أيضًا، أو أبرأه بأن قال: أبرأتك، ولم يزد برئ مطلقا من الحقوق المالية، وكذا من البدنية، مثل القذف، ما لم يبلغ الإمام، فإن بلغه فليس له إسقاطه، إلا أن يريد المقذوف سترًا على نفسه، وكذا يبرأ من الحقوق المالية، التي يفوتها الإتلاف كغرم مال السرقة لأحدهما؛ لأنه حق للَّه تعالى، لا للمسروق متاعُه.
[عدم قبول الدعوى على المبرأ:]
وإذا برئ من عليه الحق بصيغة مما تقدم، ثم قام صاحب الحق وادعى على من أبرأه فلا تقبل دعواه بنسيان أو جهل، أو بقوله: إنما أبرأت مما فيه الخصومة فقط، وإن كانت دعواه بصك، أي: وثيقة مكتوبة بما يدعيه، إلا ببينة تشهد له أنه -أي: الصك الذي أحضره- بعده، أي: بعد الإبراء، فتقبل دعواه به حينئذ، وأما قبله فلا.
[ما لا يبرأ منه:]
وإن أبرأه مما معه برئ من الأمانة وديعة وقراضا وإبضاعا ونحوه، لا الدين، فلا يبرأ منه، ولعل هذا كما قال الشارح: إذا كان العرف كذلك.
* * *
فصل
ذكر فيه الإستلحاق، وهو: الإقرار بالنسب، وألحقه بالإقرار بالمال لشبهه به، وإن خالفه في بعض الصور.
[من له حق الاستلحاق:]
إنما يستلحق الأب لا الأم اتفاقًا، ولا الجد على مشهور، ولا يستلحق غيرهما من الأقارب، وأما ما يأتي أواخر الفصل إن أقر عدلان بثالث ثبت النسب فهو إقرار لا استلحاق.
[ ٦ / ٢١٩ ]
[شروط الاستلحاق:]
وإذا استلحق الأب فإنما يستلحق [١] مجهول النسب، لا مشهوره؛ لتشوف الشارع للحوق نسب، مراده: أن الأب يستلحق ولا يستلحق غيره، وأن مجهول النسب هو الذي يستلحق، ولا يستلحق غيره، وعبارته تدل على المعنى الثاني فقط عند التأمل.
[٢] إن لم يكذبه، أي: الأبَ العقلُ لصغره عن من استلحقه، وعبر ابن شاس عن العقل بالحس أو العادة، ككونه لم يدخل حيث ولد المستلحق بالفتح، أو لم يكذبه الشرع، كاستلحاق مشهور النسب.
[٣] ولم يكن أي المستلحق بالفتح الذي باعه المستلحق بالكسر وهو الأب رقما لمكذبه، أي: لمكذب الأب، فلا يصدق الأب حينئذ؛ لأنه يتهم على خلاصه من الرق؛ إذ لو صدقه لنقض البيع، ولحق به.
أو لم يكن مولى لمكذبه، فإن كان مولى لم يصدق، ولو صدقه لنقض البيع والعتق.
لكنه يلحق به في الصورتين؛ إذ لا يمتنع كونه أبناء لمن استلحقه ومولى المعتقة أو عبدا لمن ملكه، فإن أعتقه ورث أباه وورثه قاله أشهب في المدرنة.
وفيها أيضًا قول آخر أنه يصدق في الصورة المذكورة فينتقض البيع إن لم يعتقه، بل وإن أعتقه مشتريه وينقض عتقه وقرره الشارحان على خلاف هذا فأنظر الكلام معهما في الكبير، إن لم يستدل على كذبه.
ويلحق الولد المجهول النسب مستلحقه بالكسر وإن لم يكبر بأن كان صغيرا، بل وإن كبر، أي: كان كبيرًا وقت استلحاقه، أو مات الولد، فكذلك يلحقه؛ لأنه لما لم يشترط تصديق الولد لمستلحقه لم يلتفت لتصديقه وتكذيبه، حكاه المصنف عن النوادر، وهو طريق صاحب البيان وابن شاس، وجزم ابن عبد السلام السلام وابن هارون وطريق ابن خروف وألحو في اشتراط تصديق الكبير ومثله لصاحب الكافي.
[ ٦ / ٢٢٠ ]
فائدة:
كبر ككرم، كبرا كعنب، وكبرا بالضم، وكبارة بالفتح: نقيض صغير، وكبر كفرح كبرا كعنب، ومكبرة كمتركة صغر في السن، قاله في القاموس.
[المستلحق يرث:]
وإن استلحق الأب ولدا كبير ميتًا ورثه الأب إن ورثه -أي: الولد- ابن واحد فأكثر؛ لبعد التهمة في استلحاقه حينئذ ليسارة ما يرثه.
ولمفهوم الشرط صور منها:
- أن يترك بنتا فأكثر أو بنت ابن فأكثر.
- ومنها: أن يترك وارثا غير ولد عاصب كأخ أو عم.
- ومنها: أن لا يترك وارثا أصلا، فلا يرثه في كل منها:
أما الأولى، فقال في الشامل: على الأصح. وفي المدونة يرثه إن كان له ولد.
وأما الثانية، فكذلك في المدونة، لكن قيدها فضل بما إذا كان المال كثيرا.
وأما الثالثة، فعلى الأصح عند ابن الحاجب، بناء على أن المسألتين كالوارث أولا.
[بيع العبد ثم استلحاقه:]
أو باعه، أي: باع المستلحق بالكسر ولده على أنه عبده ثم استلحقه لحق به، ونقض البيع، وهذه مكررة مع قوله وفيها أيضًا بصدق وأعادها ليرتب عليها قوله: ورجع بنفقته على مستلحقه ليوم استلحاقه، إن لم يكن له خدمة، فإن كانت وأقر بها المبتاع أو ثبتت لم يرجع على الأرجح عند ابن يونس؛ لقوله هو أعدل الأقوال، وإن ادعى من باع أمة ولا ولد معها استيلادها بسابق، أي: بولد سابق على بيعها، فقولان فيها، أي: المدونة، انظر محملها فيها في الكبير.
[ ٦ / ٢٢١ ]
وجعل الشارحان ضمير (فيها) للأمة، و(سابق) صفة الملك، وجوز البساطي عوده للمدونة.
[الاستلحاق بعد بيع الأم:]
وإن باعها فولدت عند مشتريها ما بينه وبين أربع سنين فاستلحقه البائع دون المشتري لحق به، ولم يصدق فيها، أي: في الأم، إن اتهم بمحبة لها، أو عدم كثرة ثمن أو وجاهة، فإن انتفت هذه الأمور صدق، ورد ثمنها.
ابن يونس: لإقراره أنه ثمن أم ولد.
ولحق به الولد مطلقا، سواء اتهم أو لا، أحدث فيه المشتري عتقا أو لا، مات أو لا.
تنكيت:
في جعل البساطي من صور الإطلاق سواء ولد بعد الشراء أو قبله مع قول المصنف فولدت نظر.
[اشتراء مستلحقة:]
وإن اشترى مستلحقة، أي: من كان استلحقه، والملك لغيره، وكذبه المالك حين الاستلحاق، عتق على من استلحقه لاعترافه بحريته.
ثم شبه بها، فقال: كشاهد شهد بعتق عبد فلم تقبل شهادته وردت شهادته لمانع قام به، ثم اشتراه عتق عليه لاعترافه بحريته، وإن استلحق شخص وارثا غير ولد، فإن كان لهذا المستلحق وارث معروف النسب، كـ: أخ وعم، لم يفد استلحاقه ثبوت نسبه، ولم يرثه، إن لم يكن هناك قريب وارث غيره؛ لاتهامه على إغناء ورثته، وإلا بأن كان هناك وارث غيره فخلاف: هل يرث معه أو لا؟ هذا ظاهر كلامه، وعليه قرره الشارحان.
ثم تعقبه الشارح بأنه عكس ما عليه أصحابنا، وأن الخلاف إنما هو مع عدم الوارث، وأما مع وجوده فلا، انتهى.
[ ٦ / ٢٢٢ ]
وما تعقب به الشارح مثله للمصنف في أثناء فصل التنازع في الزوجية حيث قال: وفي الإقرار بوارث وليس ثابت النسب خلاف.
والعجب من الشارحين كونهما لم ينبها على ذلك، ولعل المصنف اطلع على تشهير ما هنا أيضًا.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل في النسخ الصحيحة: (إن كان وارث) بالشرط المثبت، ولا يصح غيره انتهى.
وخصه المختار، أي: خص اللخمي موطن الخلاف بما إذا لم يطل الإقرار بالوارث، وأما مع الطول فلا خلاف في الإرث به؛ لدلالة الطول على صدقه غالبا.
[مسألة:]
وإن قال شخص لأولاد أمته الثلاثة مثلا: أحدهم ولدي، ومات ولم يعرف عين المقر به، عتق الأصغر منهم كله، لأنه حر على كل تقدير؛ لأن المقر به إن كان هو الأكبر فالثلاثة أحرار، وإن كان الأوسط فهو والأصغر حران، وإن كان الأصغر فحر وحده، وعتق ثلثا الأوسط؛ لأنه حر بتقديرين، ورقيق بتقدب واحد، وعتق ثلث الأكبر؛ لأنه حر بتقدير واحد، ورقيق بتقديرين.
تكميل:
قال في التوضيح: ولا خلاف أنه لا إرث لأحد منهم للشك، وهذا إذا اتحدت أمهم.
[افتراق الأمهات:]
وإن افترقت أمهاتهم، فكان كل واحد من أم، ومات المقر ولم يعلم عين المقر به فواحد منهم حر فقط بالقرعة، كقوله: أحد عبيدي حر.
[اختلاط ولد حرة بولد أمة:]
وإذا ولدت زوجة رجل حرة وأمة شخص آخر ضيف أو غيره،
[ ٦ / ٢٢٣ ]
واختلطا، ولم تعرف كل واحدة منهما ولدها، أو تداعيتا أحدهما، وبقي الأخر، عينته القافة.
وفهم من قوله: (أمة آخر) أنها لو كانت أمته فلا قافة، وهو كذلك.
ولما قرر البساطي كلامه بنحو ما قلنا قال: وقررنا كلامه على ما هو من ظاهره ليشمل مسألتين منصوصتين:
الأولى: نزل ضيف على رجل له أم ولد، فولدت وولدت زوجة الضيف، واختلط الولدان أن القافة تدعى لهما.
والثانية: إذا ولدت امرأته جارية وأمته جارية (١)، واختلطا، يعني: ولد الحرة وولد الأمة، فإن القافة أيضًا تدعى لهما.
فقوله: (وأمة آخر) لم يرد به إلا أم الولد، لا الرقيقة، كما أنه لم يرد بزوجة رجل ما هو أعم من الأمة، بل الحرة، فالجامع لهذا ولد حرة وولد أمة انتهى.
فائدة:
قال الشهاب القرافي في الفرق الأول من قواعده ما معناه: لا يشترط اقتصار القافة على بني مذلج، بل إذا وجد في عصر من الناس من يودعه اللَّه تلك الخاصة قبل قوله (٢).
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٤٩٣): "طفى قول تت الثانية إذا ولدت امرأته جارية وأمته جارية أي أمة رجل آخر غيره كما يؤخذ من ابن شاس وإلا فلا قافة، ونص ابن شاس ولو ولدت زوجة رجل غلاما وأمته غلاما وماتا فقال الرجل أحدهما ابني ولم أعرفه دعي لهما القافة فمن ألحقوه به لحق به ويلحق الآخر بالآخر اهـ".
(٢) وقد استغني عن ذلك في عصرنا بما يسمى تحليل الحامض النووي، وهو ولا ريب أدق وأصوب من القافة، واللَّه تعالى أعلم، ونص ما قال في فروقه (٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧): "الفرق التاسع والأربعون - بين قاعدة قيافته ﵇ وبين قاعدة قيافة المدلجيين: اعلم أن مالكا والشافعي -﵄- قالا بالقافة في لحوق الأنساب وخصصه مالك في مشهور مذهبه بالإماء دون الحرائر. وقال أبو حنيفة -﵁- لا يجوز الاعتماد على القافة أصلا في صورة من الصور؛ لأنه =
[ ٦ / ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حزر وتخمين فلا يجوز كالاعتماد على النجوم وعلى علم الرمل والفأل والزجر وغير ذلك من أنواع الحزر والتخمين فإن الاستدلال بالخلق على الأنساب من باب الحزر البعيد ومع طول الأيام يولد للشخص من لا يشبههما في خلق ولا في خلق وقد قال ﵇ للذي أنكر ولده من لونه لعله عرق نزع بعد أن قال له هل لك من إبل قال نعم قال فما ألوانها قال بيض قال هل فيها من أورق قال نعم قال فمن أين ذلك الأورق قال لعله عرق نزع قال له ﵇ لعله عرق نزع يشير إلى أن صفات الأجداد وأجداد الأجداد والجدات قد تظهر في الأبناء فيأتي الولد يشبه غير أبويه وقد يأتي يشبه أبويه وليس منهم لأن الواطىء الزاني بأمه كان يشبه أباه أو جدًا من أجداده أو خالا من أخواله يشبه أباه الذي ألحقته به القافة وليس باب له في نفس الأمر وإذا لم يطرد ولم ينعكس لم يجز الاعتماد عليه لأنه من باب الحزر والتخمين البعيد واحتج مالك والشافعي -﵄- بما في مسلم قالت عائشة -﵄- دخل علي رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم مسرورا فقال يا عائشة ألم تري أن مجززًا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدًا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض فقال أبو داود كان أسامة شديد السواد وأبوه شديد البياض فطعنت الجاهلية على زيد بذلك فسر ﵇ لعلمه بترك الطعن عند ذلك ورسول اللَّه -ﷺ- لا يسر إلا بسبب حق فتكون القيافة حقا وهو المطلوب، أجاب الحنفية عن هذا الحديث بوجهين الأول أن رسول اللَّه -ﷺ- لا يتعين أن يكون سر لكون القيافة حقا بل جاز أن يسر لقيام الحجة على الجاهلية بما كانوا يعتقدونه وإن كان باطلا والحجة قد تقوم على الخصم بما يعتقده وإن كان باطلا وقد يؤيد اللَّه الحق بالرجل الفاجر وبما شاء فإخمال الباطل ودحضه يوجب السرور بأي طريق كان الثاني أن رسول اللَّه -ﷺ- سر بوجوده آية الرجم في التوراة وهو لا يعتقد صحتها بل لقيام الحجة على الكفار وظهور كذبهم وافترائهم فلم لا يكون هنا كذلك، أجاب الفقهاء عن الأول بما جاء في البخاري وغيره أن رسول اللَّه -ﷺ- قال في حديث اللعان المشهور لما لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته وكانت حاملا إن جاءت به أحمر قصيرا كأنه وحرة فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها وإن جاءت به أسود أعين ذا أليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها فجاءت به على المكروه من ذلك وفي بعض الروايات في البخاري كان ذلك الرجل مصفرا قليل اللحم سبط الشعر. وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله خدلا آدم كثير اللحم جعدًا قططًا فقال النبي -ﷺ- اللهم بين فجاءت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها فائدة الوحرة بالحاء المهملة دويبة حمراء تلصق بالأرض والأعين الواسع العينين والآدم الشديد الأدمة وهي سمرة بحمرة والخدل الكثير اللحم في الساقين يقال رجل خدل =
[ ٦ / ٢٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وامرأة خدلاء والقطط الشديد الجعودة كشور السودان وبما جاء في الصحيح عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال لعائشة -﵂- لما قالت أو تجد المرأة ما يجد الرجل يعني من إنزال المني واللذة الموجبة للغسل فقال لها ﵇ تربت يداك ومن أين يكون الشبه فدل هذا الحديث على أن مني المرأة ومني الرجل يحدث شبها في الولد بالأبوين فيأتي في الخلقة والأعضاء والمحاسن ما يدل على الأنساب وحديث اللعان أيضًا يقتضي ذلك فإن رسول اللَّه -ﷺ- قضى على خلقة مخصوصة أنها توجب أنه من واطىء مخصوص وأنه يوجب النسب إن جاءت به يشبه صاحب الفراش وإذا استدل ﵇ بالخلق التي لم توجد على الأنساب فالأولى ثبوت الدليل بالخلق المشاهد فإن الحس أقوى من القياس وإذا ثبت أن رسول اللَّه -ﷺ- أثبت هذا من قبل نفسه في صورة ليس فيها غرض للمشركين دل ذلك على أن هذه القاعدة حق في نفسها وأن سروره ﵇ لم يكن إلا بحق لا لأجل إقامة الحجة على المشركين. وعن الثاني أن رجم رسول اللَّه -ﷺ- اليهوديين إنما كان بوحي وصل إليه -ﷺ- لعدم صحة التوراة في آية الرجم وتجويز أنها من المحرفات ولا يلزم من إخبار عبد اللَّه بن سلام أن في التوراة آية الرجم أن يكون ذلك صحيحًا لأن عبد اللَّه بن سلام إنما أخبر بأنه رآها مكتوبة في نسخ التوراة ولم يخبر أنها مروية عنده بالطريق الصحيح إلى موسى بن عمران ﵇ ولا يلزم من أن يكون في النسخ شيء مكتوبا أن يكون صحيحًا فإن الإنسان منا يقطع بأنه وجد في كتب التواريخ حكايات وأمورا كثيرة ولا يقضي بصحتها فكذلك هنا وإذا كان ﵇ حكم بالوحي فلا يكون ذلك حجة علينا ههنا فإن هذه الصورة ليس فيها ما يدل على الوحي بل ظاهر الأمر خلافه فظهر بهذه الأحاديث أن هذا مدرك صحيح يعتمد عليه وليس من باب الحزر الباطل كما قاله أبو حنيفة سؤال قال بعض الفضلاء العجب من مالك والشافعي -﵄- كونهما لم يستدلا على أبي حنيفة في ثبوت القيافة إلا بحديث مجزز المدلجي وهو رجل من آحاد الناس معرض للصواب والخطأ ورسول اللَّه -ﷺ- قد صرح بالقيافة في هذه الأحاديث المتقدمة فكان الاعتماد على ما صدر عنه ﵇ قولا وفعلا وهو معصوم من الخطأ أولى مما أقر عليه فإن حديث المدلجي إنما وجه الاستدلال منه بطريق الإقرار على ما قاله وأين إقرار النبي -ﷺ- مما فعله هو بنفسه -ﷺ- وتكرر منه مع أنه لم يوجد لأحد من الفقهاء استدلال بشيء من هذه الأحاديث على صحة القيافة وهذا عجب عظيم في عدولهم عن مدرك في غاية القوة والشهرة إلى ما هو أضعف منه بكثير ولم يعرج أحد منهم على القوي ألبتة جوابه أن لذلك موجبا حسنا وذلك أن رسول اللَّه -ﷺ- أعطاه اللَّه تعالى من وفور العقل وصفاء الذهن وجودة الفراسة أمرا عظيما بينه وبين غيره من أمته في ذلك فرق لا يدانى ولا يقارب وكذلك في حواسه وقوى جسده وجميع أحواله =
[ ٦ / ٢٢٦ ]
وعن ابن القاسم فيمن وجدت مع ابنتها بنتا أخرى ولم تعرف بنتها منهما لا تلحق به أي بزوجها واحدة منهما؛ لأن القافة لا تدعى لهما.
وقال سحنون: تدعي لهما القافة.
تنبيه:
قول الشارح (إنّما أتى بهذه عقب التي قبلها لأن ظاهرهما التعارض (١)، أي لأنهم أعملوا القافة في الأولى دون الثانية.
_________________
(١) = فكان يرى من وراء ظهره ويرى في الثريا أحد عشر كوكبا ونحن لا نرى فيها إلا ستة فلو استدل الفقهاء على أبي حنيفة بقيافته ﵇ لم تقم الحجة على أبي حنيفة إذ كان له أن يقول إذا صحت القيافة من تلك الفراسة النبوية القوية المعصومة عن الخطأ فمن أين لكم أن فراسة الخلق الضعيفة تدرك من الخلق ما يستدل به على الأنساب ولعلها عمياء عن ذلك بالكلية لقصورها ولم يبق فيها إلا حزر وتخمين باطل كما أنا عمينا في بقية كواكب الثريا لا ندركها ألبتة لضعفنا والبصر كالبصر وأنتم تقصدون بهذا الاستدلال ثبوت حكم القيافة إلى يوم القيامة فلا يتأتى لكم ذلك وإذا قال أبو حنيفة ذلك تعذر جوابه وبطل الاستدلال عليه ألبتة أما إذا استدل الفقهاء عليه بقضية مجزز المدلجي فقد استولوا بشيء يمكن وجوده إلى يوم القيامة فإن الأمة يمكن فيها ذلك لا سيما في هذه القبيلة فكان الاستدلال بذلك على ثبوت الحكم في القيافة إلى يوم القيامة استلالا صحيحًا بخلاف الأول لتعذر وجود مثل رسول اللَّه -ﷺ- ومثل فراسته القوية وهذا سبب عظيم يوجب العدول عن قيافة رسول اللَّه -ﷺ- إلى قيافة غيره من الآحاد وهذا الموضع سؤالا وجوابا هو المقصود بذكر هذا الفرق لأجل ما اشتمل عليه من الغرابة وصعوبة الجواب فذكرته للتنبيه عليه سؤالا وجوابا".
(٢) قال في المنح (٦/ ٤٩٤ - ٤٩٥): "تت قول الشارح إنما أتى بهذه عقب التي قبلها لأن ظاهرهما التعارض أي لأنهم أعملوا القافة في الأولى دون الثانية ولا فرق بينهما غير ظاهر لأن عدم إعمالها في هذه لاحتمال كون البنت الأخرى بنت حرة والقافة لا تكون بين الحرائر اهـ. طفى ظاهره أن القائل بنفي القافة بين الحرائر قاله مطلقًا وليس كذلك وإنما محل الكلام في متزوجة في عدتها وذلك أن الأمة إذا بيعت بعد وطئها بلا استبراء ووطئها المبتاع في ذلك الطهر فأتت بولد فادعياه دعت له القافة وإن تزوجت المطلقة قبل حيضه فأتت بولد لحق بالأول لأن الولد للفراش والثاني لا فراش له هكذا المسألة مفروضة في المدونة وغيرها فقد ظهر الفرق بين الحرة والأمة في هذا الفرض فقط =
[ ٦ / ٢٢٧ ]
ولا فرق) غير ظاهر لأن عدم أعمالها في هذه احتمال كون البنت الأخرى بنت حرة والقافة لا تكون بين الأحرار.
[شروط اعتماد القافة:]
_________________
(١) = ومرادهم المتزوجات ولو كن إماء لأنهن لهن فراش حينئذ. أما في غير هذا الفرض فلا فرق بين الإماء والحرائر ومنه فرض المصنف وقد قال فيه ابن رشد لا يقام منه القافة في الحرائر لأن ما اعتل به التفرقة وهو قوة فراش أحد الزوجين معدوم في هذه المسألة إذ لا مزية في هذه لأحد الفراشين على الآخر اهـ ثم قال فظهر لك أن اعتراضه على الشارح غير ظاهر وأن المعارضة ظاهرة كما قال ح وغيره وأنهم أرادوا بقولهم لا تكون القافة بين الحرائر ما تقدم ولا يفهم أن المراد أن القافة تكون بين الحرائر والإماء فقط كما سبق إلى ذهن كل قاصر أخذا من قوله كغيره وإن ولدت زوجة رجل إلخ إذ موضوعها في الأمة يطؤها الشريكان كما ذكرت لك عن ابن رشد ولا تدخل في الحرة يطؤها الزوجان فمرادهم لا تدخل في الحرائر أي الحرة الواحدة والجمع باعتبار الجنس والمراد كما سبق المتزوجة ولو أمة ما عدا هذا فلا فرق بين الحرائر والإماء فتدخل في المرأتين إذا كان لكل واحدة زوج واختلط ولداهما حرتين أو أمتين أو مختلفتين وكذا بين الأمتين من غير نكاح كل واحدة بسيدها وبين الحرة الأمة كما هو فرض المصنف إذ في هذا كله لا مزية لأحد الفراشين على الآخر وهذا الذي قلناه هو المتحصل من كلام ابن رشد وغيره واللَّه الموفق. وإنما تعتمد القافة في الإلحاق على مشابهة أب حي أو ميت لم يدفن بضم التحتية وفتح الفاء لا على شبه عصبة الأب المدفون خلافًا لسحنون قاله تت. ق سحنون وعبد الملك لا تلحق القافة الولد إلا لأب حي فإن مات فلا كلام للقافة في ذلك من جهة قرابته إذ لا تعتمد على شبه غير الأب. الحط اختلف في قصر القافة على الولد الحي وعمومها فيه حيًا وميتًا. ابن عرفة وفي قصرها على الولد حيًا وعمومها فيه حيًا وميتًا سماع أصبغ ابن القاسم إن وضعته تاما ميتًا فلا قافة في الأموات ونقل الصقلي عن سحنون إن مات بعد وضعه حيًا دعي له القافة. قلت يحتمل ردهما إلى وفاق لأن السماع فيمن ولد ميتًا وقول سحنون فيمن ولد حيًا ولم أقف لابن رشد على نقل خلاف فيها. في التوضيح والمشهور أنه يكتفى بالقائف الواحد وقيل لا بد من اثنين. وإن أقر عدلان من ورثة ميت كابنين أو أخوين أو عمين بثالث مساو لهما في الاستحقاق كابن أو أخ أو عم ثبت النسب والميراث من الميت ومفهوم الشرط أنه لو أقر غير عدلين فلا يثبت به النسب وهو كذلك إجماعا حكاه ابن يونس".
[ ٦ / ٢٢٨ ]
وإنما تعتمد القافة في الإلحاق على أب حي أو ميت لم يدفن، لا على شبه العصبة في موت الأب، خلافًا لسحنون، ويكفي قائف واحد على المشهور.
فائدة:
المتردد بين الخبر والشهادة: هذه، والترجمان، وكاشف البنيان، وقايس الجرح، والناظر في العيوب كالبيطار؛ لأنه علم وضعه اللَّه تعالى فيه، والمستنكة للسكر، أي: إذا أمره الحاكم به، وأما الشهادة على الشرب فلابد من اثنين كالتقويم للسلع والعيوب والرقبة والصيد في الحج.
واختلف في الحكمين والمزكي وكاتب القاضي والمحلف، ونظمتها في الكبير.
[إقرار وارثين عدلين بوارث ثالث:]
وإن أقر عدلان من الورثة بثالث ثبت النسب والميراث، ومفهوم الشرط لو كانا غير عدلين لم يثبت بهما النسب، وهو كذلك إجماعا، حكاه ابن يونس.
تنبيهان:
الأول: تعبيره بأقر كابن الحاجب وابن يونس وابن زرقون وكذا غير واحد صوابه كما قال ابن يونس والحوفي إن شهد وارثان لأن الإنسان يجوز إقراره مما يظنه دون تحقيق ولا يشهد بذلك.
الثاني: ثبت النسب والميراث بعدلين أجنبيين لكن قوله بثالث مشعر بأنهما من النسب ولا خصوصية لهما بذلك.
[إذا ثمة عدل واحد:]
وإن أقر عدل واحد يحلف المقر به معه، أي: مع إقرار المقر، ويرث ولا نسب، مثله الباجي والطرطوشي وابن الحاجب وابن شاس والذخيرة وابن عبد السلام، مع أنه قال في توضيحه: المذهب خلافه على ما نقله العلماء قديما وحديثا.
[ ٦ / ٢٢٩ ]
والمذهب أن العدل كغيره، وليسس للمقر به الأخذ إلا من المقر انتهى.
ولعله اعتمد هنا على ما في الولاء من المدونة: إن أقرت ابنتان لرجل بأنه اعتق أباهما وهما عدلتان حلف وورث الباقي.
وإلا فحصة المقر إن لم يكن عدلا كالمال، أي فلا يرث إلا من حصة المقر فقط، فيشاركه المقر به، ويأخذ منه ما زاد على تقدير دخوله مع الورثة فلو ترك ابنين فأقر أحدهما بثالث وأنكره الآخر فالإنكار من اثنين والإقرار من ثلاثة تضرب اثنين فيها بستة وتقسم على الإنكار لكل ابن منهما ثلاثة، ثم على الإقرار لكل ابن اثنان يفضل عن المقر واحد يأخذه المقر به.
[الإضراب في تعيين الأخ:]
ومن مات وترك أبناء فقال الابن لشخص: هذا أخي، ثم أضرب عنه وقال: بل هذا هو أخي، فللأول من المقر بهما نصف إرث أبيه؛ لاعترافه له بذلك؛ إذ إضرابه عنه لا يسقط حقه، وللثاني نصف مما بقي بيد المقر؛ لأنه الذي بيده، وقد اعترف بأن له نصفه.
أشهب: للمقر له ثانيا جميع النصف؛ لاعترافه أنه يستحقه.
وعلى الأول، لو قال لثالث: بل هذا أخي، لكان له ثمن ما بيده.
[إقرار الأم بوجود ابن وارث:]
وإن مات وترك أما وأخا فأقرت بأخ آخر منها أو من غيرها وأنكره الآخر، فله أي المقر به منها أي من حصة الأم السدس، لاعترافها أنها لا تستحق غيره؛ إذ هو فرضها مع الأخوين فأكثر ولا شيء من المنكر للسدس المقر به لاعترافه إن الأمر ترث معه الثلث وهو مذهب الموطأ وعليه العمل وإنكار ابن عرفة كونها في الموطأ تعقب إنكاره.
[مسألة:]
وإن أقر ميت بأن فلانة جاريته ولدت منه فلانة وسماها، ولها أي لجاريته ابنتان أيضًا من غيره، ونسيتها الورثة والبينة، أي: نسوا اسمها،
[ ٦ / ٢٣٠ ]
فإن أقر بذلك الورثة، أي: صدقوا إقرار المقر مع نسيانهم اسمها فهن أي الثلاثة أحرار، ولهن ميراث بنت واحدة بالسوية بينهن، ولا نسب لهن.
وإلا بأن لم يقر الورثة بل أنكروا إقراره جملة مع نسيان البينة اسمها كذا قال ابن شاس، لم يعتق شيء من الثلاثة، وإن لم ينس الشهود الاسم فلا إشكال سواء أنكر الورثة أو اعترفوا ومن المشكل عدم العتق مع شهادة البينة يعتق واحدة مع نسيانهم اسمها.
تنبيه:
يظهر الفرق بين هذه وبين السابقة في قوله: (وإن قال: لأولاد أمته أحدهم ولدي) أن تلك ليس هناك وارث يكذبه وهنا الورثة تكذبه، واللَّه تعالى أعلم.
[مسألة:]
وإن استلحق ولدا في محل يلحق به، ثم أنكره، وقال: ليس بولدي، ثم مات الولد عن مال وترك أباه، فلا يرثه الأب لإنكاره، ووقف ماله إن لم يكن للأب حاجب، فإن مات الأب فلورثته، أي: ورثة الأب ميراث ابنه؛ لأن إنكاره لا يقطع حقهم.
وقضي به دينه أي: دين الأب، إن كان، وإن قام غرماؤه، أي: غرماء الأب وهو حي أخذوه، واقتسموه إن كان قدر دينهم فأقل، وإلا أخذوا قدر دينهم وتركوا باقيه موقوفا على حاله، حتى يموت.
* * *
باب
ذكر فيه الوديعة وأحكامها وما يتعلق بها، وعرفها بقوله: الإيداع توكيل بحفظ مال، فيدخل إيداع الوثائق بذكر الحقوق، ويخرج إيداع الأب ولده لمن يحفظه؛ لانتقاء لوازم الوديعة من الضمان، والأمة المتواضعة؛ لأن
[ ٦ / ٢٣١ ]
القصد إخبار الأمين بحالها، لا حفظها، والإجارة على حراسة المال؛ لوجوب المقابل للمنفعة والأجل، فليس بمجرد حفظ.
تذييل:
الوديعة من حيث ذاتها للفاعل والقابل مباحة، وقد يعرض وجوبها كخائف فقدها الموجب هلاكه أو فقره إن لم يودعها مع وجود قابل لها يقدر على حفظها وحرمته، كمودع شيء غصبه ولا يقدر القابل على جحدها ليردها إلى ربها وللفقراء، بأن كان المودع مستغرق الذمة؛ ولذا ذكر عياض في مداركه عن بعض الشيوخ أن من قبل وديعة من مستغرق الذمة ثم ردها إليه ضمنها للفقراء.
ثم قال: وندبها حيث يخشى ما يوجبها دون تحقيقه، وكراهتها حيث يخشى ما يحرمها دون تحقيقه انتهى.
[ما يكون به التعدي في الوديعة:]
ولما كانت الوديعة أمانة والأصل في الأمانة عدم الضمان، أخذ يذكر أسبابا يكون بها متعديا فيضمن، فقال: تضمن بسقوط شيء من المودع بالفتح عليها، وإن كان خطأ؛ إذ هو كالعمد في أموال الناس، لا إن انكسرت في نقل مثلها بغير تفريط، فلو لم ينقلها نقل مثلها ضمن، ويضمن بخلطها مع غيرها له، أو لغيره بحيث يتعذر تمييزها.
ثم استثنى مما يضمن بالخلط قوله: إلا أن يخلط مثليا، كقمح بمثله جنسا وصفة فلا ضمان.
أو إلا يخلطها بغير جنسها بحيث تتميز بغير كلفة كخلط دراهم بدنانير، وقطن بكتان.
وقيد عياض المدونة بما إذا كان الخلط للإحراز، فاعتمده المصنف، لكن ظاهر كلامه هنا: أن القيد في هذه والتي قبلها، وفي توضيحه إنما هو في الأولى فقط، وكأنه رأى أن لا فرق.
ومفهوم (بمثله): لو خلط سمراء بمحمولة لضمن وهو كذلك اتفاقا.
[ ٦ / ٢٣٢ ]
ثم إن تلف بعضه، أي: المثلي المخلوط فبينكما على قدر المالين، ويتحاصان فيما بقي؛ لأن الذي لكل منهما غير معروف بعينه؛ ولذا قال: إلا أن يتميز ما لكل منكما فمصيبته من ربه عند مالك ومن وافقه، فلو ضاع دينار من ثلاثة واثنين، وواحد لثلاثة فنسبة ما لكل فعلى صاحب الثلاثة نصف، وعلى صاحب الاثنين ثلث، وعلى ذي الواحد سدس.
وقيل: غير ذلك.
[المنتفع ضامن:]
ويضمن بانتفاعه بها إن تلفت فيما تعطب في مثله، وأما فيما لا تعطب في مثله فلا، انظر ذلك في الكبير مثلية كانت أو مقومة، كحنطة بأكلها، أو دابة يركبها.
أو سفرة بها إن قدر على أمين يجعلها عنده، فإن لم يجد أمينا، وخشي التلف إن تركها فالضمان، قاله اللخمي.
إلا أن ترد سالمة لموضعها بعد انتفاعه بها وبعد سفره فلا يضمنها إن تلف بعد ذلك؛ لأن موجب الضمان الهلاك، لا مجرد الانتفاع.
وظاهر كلامه: أنه يصدق في دعوى الرد، ولو بغير إشهاد، وهو كذلك؛ لأنه لا يعلم إلا منه.
وظاهره أيضًا: سافر بأهله وماله أم لا، سفر نقلة أو تجارة أو زيارة، وهو كذلك، قاله في الكافي.
[السلف المقوم للمودع:]
وحرم على مودع عنده مليء أو معدم سلف مقوم، كعرض وحيوان اتفاقًا؛ لاختلاف الأغراض فيه، ولأنه من شراء الشيء بغير إذن ربه.
وحرم سلف معدم مثليا كان أو مقوما، ابن عبد السلام: ومن بيده قدرها وأزيد منها بيسير كالمعدم، وأقره المصنف، واستظهره صاحب الشامل.
[ ٦ / ٢٣٣ ]
[مسألة:]
وإن لم يكن المودع مقوما ولا المودع عنده معدما كلره النقد والمثلي للمليء، كذا في وديعتها، وفي لقطتها: المنع، كالتجارة بها يكره.
[الاتجار بالوديعة:]
وإن تجر بها كان الربح له؛ إذ لو تلفت لضمنها، ونحوه في المدونة، ومثلها لو تجر بمال اليتيم.
[ضياع المحرم:]
وبرئ متسلف الوديعة إن رد غير المحرم، وهو تسلفه النقد أو المثلي للمليء فضاع على المشهور، رده بإشهاد أو لا، كانت مربوطة أو مختومة، وعلى المشهور لا يصدق إلا بيمين، إلا بإذن مطلق في التسلف منها، أو مقيد كأن يقول: إن احتجت فخذ؛ فإنه يضمن ما أخذه ولا يبرئه الرد لأمانته؛ لأن السلف من المالك فصار كسائر الديون، وإذا أخذ الوديعة بإذن مطلق أو مقيد ورده وضاع مع الباقي، ضمن المأخوذ فقط، ولا يبرئه دعوى الرد.
وتعقب البساطي تقرير الشارح هنا واضح، انظرهما في الكبير.
[المخالفة توجب الضمان:]
ولما كان من أسباب الضمان المخالفة قال: أو قفل عليها بقفل نهي عنه، كضعها في تابوتك مثلًا ولا تقفل عليها، فقفل، ضمن؛ لطمع السارق في القفل.
ومفهومه: عدم الضمان إن لم ينهه فقفل ومفهومه أيضًا عدم الضمان إن لم يقفل وهو كذلك.
أو خالف بوضع بنحاس في أمره بوضعها بفخار؛ لما فيه من إغراء السارق.
[ ٦ / ٢٣٤ ]
[ما لا ضمان به:]
لا إن زاد قفلا أو عكسه في الفخار على ما أمره به؛ فإنه لا يضمن، ولم يبين المؤلف آلة القفل على من إذا قال: أقفل.
وفي المذهب لابن راشد: القفل والغلق على رب الوديعة.
أو أمر بربط بكم فأخذ باليد فضاع لم يضمن؛ لأن اليد أكثر حفظا.
ابن شاس: إلا أن يريد بجعلها في الكم إخفاءها عن غاصب فيضمن بجعلها في اليد.
وتوركُ البساطي على المؤلف بقوله: (لم نر زيادة الربط في الرواية) غيرُ ظاهر؛ لأن المصنف ليس مقيدا بالاقتار على الرواية، وقد قال ابن شعبان: لو ربطها في داخل كمه أو خارجه كان حرزا، ولو شدها في وسط كان حرزا، ولو ثنى عليها بالسراويل بغير شدها لم يكن حرزا.
حكى ذلك عنه ابن عرفة، وفي المذهب لابن راشد: لو أودعها في المسجد فجعلها في نعله فضاعت لم يضمن، ولو نثرها منه نسيانا ضمن.
ابن وهب: ولو كانت صرة فجعلها في نعله ضمن.
كجيبه لا يضمن بوضعها فيه إذا خالف الكم على المختار عند اللخمي، لاسيما جيب أهل المغرب.
[الضمان بالنسيان:]
وضمن بنسيانه في موضع إيداعها وضمن بدخوله الحمام بها.
قال سحنون: من أودع وديعة فصرها في كمه مع نفقته ودخل بها الحمام فضاعت ثيابه بما فيها ضمن.
وانظر: هل لقوله الحمام مفهوم.
[مسألة:]
وضمن بخروجه بها في كمه يظنها له فضاعت؛ لأنه جناية، لا إن
[ ٦ / ٢٣٥ ]
نسيها في كلمه فضاعت حيث أمره بجعلها فيه فوقعت منه فلا ضمان على الأصح.
[اشترط الضمان يسقطه:]
ولا يضمن إن شرط عليه ربها الضمان؛ لأن شرطه مخرج لها عن حكم الوديعة.
[مسألة:]
وبضمن بإيداعها عند غيره، وإن كان أمينا؛ إذ لم يرض ربها إلا بأمانته، وهذا هو الفرق بين هذا وبين الملتقط يودع عند مثله في الأمانة لا ضمان عليه.
وإن أودعها بسفر، إلا لعذر كما يأتي، ومحل الضمان إذا أودع لغير أمة أو زوجة، وأما لهما فلا ضمان عند مالك.
ابن القاسم: وعدم ضمانه إن عتيدا بذلك، فلو لم يعتد كل منهما بذلك بأن أودع عندهما عقب التزويج أو الشراء ضمن، وحمله أكثر الأشياخ على التفسير، وبعضهم على الخلاف.
تنبيه:
تخصيصه الزوجة والأمة مخرج لأجيره الذي في عياله، ولعبده، وجعلها في المدونة كالزوجة والأمة، وعليه درج صاحب الشامل.
وهل حكم إيداع الزوجة عند زوجها كإيداعه عندها أو لا؟ قولان.
وترك التاء من اعتيدا نظرًا للتخصيص.
[مسألة:]
إلا أن يودع لعورة حدثت، كذا قيد أشهب العورة بحدوثها، كـ: خراب منزله إذا أودع فيه عامرا فخرب، أو زاد خرابه، وأما لو بقي على حاله، وربها عالم، فالضمان.
[ ٦ / ٢٣٦ ]
أو أودع لسفر، أي: لإرادته عند عجز الرد لربها، فإن سافر مع القدرة على ردها وضاعت ضمنها.
وظاهره كالمدونة، لا فرق بين العين وغيرها، وتردد البساطي في جعل العجز عن الرد قيدا في هذه فقط، أو فيها وفي التي قبلها.
وإن سافر بها سفرا لا ضمان فيه، ثم أودع بسفر لمسافر أو عورة أو غيره فلا ضمان عليه، وكذا لو طرحها خوف لصوص، أو طرحها لمن ظن نجاته بها، كراكب أو عالم أو صالح، فضاعت، فلا ضمان عليه، ولا يصدق أنه خاف عورة منزله، أو أنه أراد سفرا، كما في المدونة، بل لابد من ثبوت ذلك؛ ولذا قال: ووجب الإشهاد بالعذر، أي: يشهدهم العذر، ولا يكفي أن يقول: اشهدوا أني إنما أودعت لعذر.
[مسألة:]
وبرئ المودع بالفتح إن رجعت سالمة من إيداعه إياها لغيره، ثم ضاعت بعد ذلك، فهي غير مكررة مع قوله قبل: (إلا أن ترد سالمة)، وهو خلاف تقرير الشارحين له بما يوجب التكرار، فتأمله.
[مسألة:]
وعليه وجوبًا استرجاعها إذا أودعها لعذر إن نوى الإياب عند إيداعها وقت سفره، ثم سافر ورجع؛ لأنه التزم حفظها لربها، ولا يسقط عنه إلا للعذر الذي سافر فيه، وإن لم ينو الإياب عند إيداعها بل سافر منتقلا، أو لا نية له، ثم عاد لم يجب عليه استرجاعها.
تتمة:
ولا يعلم من هذا عين الحكم. وقال البساطي: المنصوص الاستحباب.
[مسألة:]
ويضمن ببعثه بها لربها بغير إذنه فتلفت، أو يأخذها اللصوص، ويدعي إذن ربها، وينكر بها ذلك.
[ ٦ / ٢٣٧ ]
[مسألة:]
ويضمن بإنزائه عليها بأن يحمل عليها الذكور فمتن من الإنزاء، وإن من الولادة، قاله ابن القاسم.
وبالغ على ذلك لمخالفته قول مالك: لا ضمان إن متن من الولادة.
ولأشهب: عدم الضمان في الموت من الإنزاء كأمة زوجها المودع بغير إذن سيدها فماتت من الولادة، وكذا من الوطء.
ابن ناجي: على المشهور.
وعليه لو اقتصر على قوله: (فماتت)، لكان أحسن؛ ليشمل المسألتين.
وأشعر قوله: (أمة) بأنه لو زوج العبد لم يضمن، وهو كذلك، والسيد مخير.
[مسألة:]
ويضمن بجحدها من أصلها إن أعسر بها بعده، أو قامت البينة، وإلا فلا ضمان.
تنبيه:
لو لم يجحدها، بل قال: لا يلزمني تسليم شيء إليك، لَقُبِلَ؛ إذ لا تناقض بين كلامه، ونحوه في النوادر عن ابن حبيب.
ثم في قبول بينة الرد بعد الجحد لأنه أمين، واستحسنه اللخمي، وعدم قبولها وهو المشهور خلاف.
[مسألة:]
ويضمن بموته، أي: المودع، ولم يوص بها ولم توجد بعينها في تركته، عينا كانت أو عرضًا أو طعاما، ويحمل على أنه تسلفها، قاله مالك.
إلا أن يتقادم الأمر لكعشر سنين، فيحمل على أنه ردها حينئذ لربها.
قال: والسنة يسيرة.
[ ٦ / ٢٣٨ ]
ومفهوم (لم يوص): أنه لو أوصى بها لا يكون ضامنا، فإن كانت باقية أخذها ربها، وإن تلفت فلا ضمان.
ويدخل في قوله: (أوصى بها) ما لو قال: هي بموضع كذا، ومات ولم توجد، فإنه لا ضمان، وتحمل على الضياع؛ لأنه لم يستلفها.
وظاهر كلام المنصف الإطلاق، سواء كانت الوديعة ثابتة ببينة أو باعتراف المودع، وتبعه في إطلاقه صاحب الشامل، وهو تبع ابن الحاجب، وقبله ابن عبد السلام وابن هارون، وتعقب ذلك ابن عرفة، انظره في الكبير.
[مسألة:]
وأخذهما -أي: الوديعة- مالكها بكتابة إن ثبت عليها أنها له تفسير لكتابة إن ثبت أن ذلك خطه، أي: مالكها، أو ثبت أنه خط الميت عند أصبغ.
وقال ابن القاسم: إذا وجد عليها خط الميت أي لا خط صاحبها.
ابن دحون: لاحتمال أن يكون بعض الورثة أخرجها له، فكتب عليها اسمه.
وظاهره: ولو انفردت هذه الوديعة بالكتابة عليها دون غيرها.
[مسألة:]
ويضمن بسعيه، أي: مشي المودع بالفتح بها، أي: بالوديعة لمصادر، أي: ظالم.
وقال بعض متأخري المغاربة: هو المكاس والعشار.
والأول أعم، ومصادر: اسم فاعل، ويصح كونه اسم مفعول.
[مسألة:]
ويضمن بموت المرسل معه بمال لبلد يوصله لآخر بضاعة أو غيرها،
[ ٦ / ٢٣٩ ]
إن لم يصل إليه أي: البلد، ولم يوجد المال معه، ويكون في تركة الرسول.
ابن يونس: ويحمل على أنه تعدى عليها.
ومفهوم الشرط: أن الرسول لا يضمنها بعد وصوله إن زعم المرسل إليه أنه لم يدفع له شيئًا ولم توجد في تركة الرسول، ويحمل على أنه دفعها.
[مسألة:]
ويضمن بانتفاعه بكلبس الثوب وركوب الدابة.
قال الشارحان: هو مستغنى عنه بقوله فيما سبق: (وبانتفاعه بها). وقد يقال: أعاده ليرتب عليه قوله: والقول له، أي: مع يمينه إن ردها سالمة إن أقر بالفعل، كاللبس والركوب؛ إذ لم يعرف ذلك إلا بقوله.
ومفهوم الشرط: لو قامت بينة بالفعل فادعى أنه ردها سالمة لم يقبل قوله، وهو كذلك عند محمد.
قال: وهو قول أصحابنا.
وإن أكراها، أي: الدابة المودعة لمكة مثلًا، ورجعت بحالها سالمة كما كانت عليه، إلا أنه حبسها عن أسواقها، بحيث منعك يا مالكها منها، فلك إن شئت قيمتها يوم كرائه؛ إذ هو يوم التعدي عليه، ولا كراء لك إن أخذت قيمتها، أو أخذه -أي: كراءها- وأخذهما معه.
[مسألة:]
ويضمن بدفعها لشخص مدعيا أنك يا مودع أمرته به، أي: الدفع، وأنكرت ذلك، وحلفت أنك لم تأمره به، وإلا بأن نكلت عن اليمين حلف المودع -بالفتح- وبرئ من الضمان، إلا ببينة على الأمر، مستثنى من الذي اقتضاه قوله: (وبدفعها)، أي: وضمن بدفعها إلا ببينة على الأمر.
وقول البساطي: (في الاستثناء شيء) ظاهر.
[ ٦ / ٢٤٠ ]
وحيث ضمن وغرم إذا دفع مدعيا أنك أمرته ولم تصدقه رجع على القابض بما أخذه منه، وإن بعثت إليه بمال فقال المبعوث إليه: تصدقت به علي وأنكرت، وقلت: بل هو وديعة، فالرسول شاهد عليك بالصدقة.
قال في الشامل: على الأصح، فيحلف معه ويأخذه.
[مسألة:]
وهل تقبل شهادة الرسول مطلقا سواء كان المال باقيًا بيد المبعوث إليه أو لا، أو إنما تقبل شهادته إن كان المال باقيًا بيده، أي: بيد المبعوث إليه في ذلك تأويلان:
الأول: قول لابن القاسم بالجواز.
والثاني: لأشهب بعدمه.
واختلف هل قول أشهب وفاق، فيكون معناه: أن المبعوث إليه بعد، أو خلاف؟ وعليه فالتأويلان ليسا على عادته، بل عادته في مثل هذا أن يقول: وهل خلاف أو وفاق تأويلان، انظر الكبير.
[مسألة:]
ويضمن الوديعة بدعوى من هي بيده الرد على وارثك يا مودع بالكسر؛ لأنه يأتمنه عليها أو المرسل إليه المنكر، أي: ويضمن بإنكار المرسل إليه مال مع رجل على وجه السلف أو الصلة أو الصدقة أو ثمن مبيع، أو ليشتري به سلعة للمرسل إذا قال الرسول: دفعته كعليك، أي: كدعوى من بيده الوديعة ردها لربها، إن كانت له، أي: لربها ببينة شاهدة به، أي: بالإيداع، مقصودة تلك البينة للتوثق؛ إذ لم يأتمنه حينئذ على ردها، بل على حفظها فقط؛ ولذا لو ادعى ضياعها صدق، قاله مالك وجميع أصحابه، ولو دفعها بغير بينة لقبل قوله في ردها، وكذا لو لم تكن البينة مقصودة للتوثق، بل كان حضورها اتفاقيا فكالعدم.
لا بدعوي التلف، فلا يضمن إن ادعاه، ولو قبضها ببينة مقصودة؛ لأنه أمين على حفظها، أو دعوى عدم العلم بالتلف أو الضياع، أي: فلا
[ ٦ / ٢٤١ ]
يضمن إذا ادعى أنه لا يعلم هل تلفت أو ضاعت لكفاية كل منهما في عدم الضمان، وحمله الشارح على أنه قال: لا أدري أضاعت أم رددتها.
ولما حمله على ذلك احتاج إلى تقييد كلام المؤلف بما إذا لم تكن هناك بينة.
وقال البساطي بعد أن قرره بنحو ما قلناه: ويحتمل أن يريد أن أحدهما اقترن مع الرد، فقال: لا أدري أتلف أم رددتها، أو: لا أدري أضاعت أم رددتها، فإن أراده حمل على ما إذا قبضها بغير بينة.
[مسألة:]
وحلف المتهم (١)، البساطي: هو الذي شأنه التساهل، إذا ادعى الرد
_________________
(١) قال في المنح (٦/ ٤٩٤ - ٤٩٥): "تت قول الشارح إنما أتى بهذه عقب التي قبلها لأن ظاهرهما التعارض أي لأنهم أعملوا القافة في الأولى دون الثانية ولا فرق بينهما غير ظاهر لأن عدم إعمالها في هذه لاحتمال كون البنت الأخرى بنت حرة والقافة لا تكون بين الحرائر اهـ. طفى ظاهره أن القائل بنفي القافة بين الحرائر قاله مطلقًا وليس كذلك وإنما محل الكلام في متزوجة في عدتها وذلك أن الأمة إذا بيعت بعد وطئها بلا استبراء ووطئها المبتاع في ذلك الطهر فأتت بولد فادعياه دعت له القافة وإن تزوجت المطلقة قبل حيضه فأتت بولد لحق بالأول لأن الولد للفراش والثاني لا فراش له هكذا المسألة مفروضة في المدونة وغيرها فقد ظهر الفرق بين الحرة والأمة في هذا الفرض فقط ومرادهم المتزوجات ولو كن إماء لأنهن لهن فراش حينئذ. أما في غير هذا الفرض فلا فرق بين الإماء والحرائر ومنه فرض المصنف وقد قال فيه ابن رشد لا يقام منه القافة في الحرائر لأن ما اعتل به التفرقة وهو قوة فراش أحد الزوجين معدوم في هذه المسألة إذ لا مزية في هذه لأحد الفراشين على الآخر اهـ ثم قال فظهر لك أن اعتراضه على الشارح غير ظاهر وأن المعارضة ظاهرة كما قال ح وغيره وأنهم أرادوا بقولهم لا تكون القافة بين الحرائر ما تقدم ولا يفهم أن المراد أن القافة تكون بين الحرائر والإماء فقط كما سبق إلى ذهن كل قاصر أخذا من قوله كغيره وإن ولدت زوجة رجل إلخ إذ موضوعها في الأمة يطؤها الشريكان كما ذكرت لك عن ابن رشد ولا تدخل في الحرة يطؤها الزوجان فمرادهم لا تدخل في الحرائر أي الحرة الواحدة والجمع باعتبار الجنس والمراد كما سبق المتزوجة ولو أمة ما عدا هذا فلا فرق بين الحرائر والإماء فتدخل في المرأتين إذا كان لكل واحدة زوج واختلط =
[ ٦ / ٢٤٢ ]
حيث يقبل، أو ادعى التلف أو الضياع.
وظاهر كلام المصنف: أن غير المتهم لا يحلف، والمنقول أنه يحلف في دعوى الرد بلا نزاع؛ لأنه تحقق عليه الدعوى، وفي دعوى التلف أو الضياع مشهورهما يحلف المتهم دون غيره، ويحتمل أن يريده المؤلف؛ لأنه عقبه لما يتعلق بالتلف والضياع، لكنه أخل على هذا التقدير بحكم اليمين في الرد انتهى.
وفيه نظر، بل حلف المتهم متفق عليه في دعوى الرد على المشهور، وجعلُ الشارح في الوسط الرد موضع الخلاف والتلف موضع الاتفاق، سبقُ قلم؛ ولذا أصلح في بعض النسخ.
ولم يفده -أي: المودع بالفتح- شرط نفيها -أي: اليمين- في
_________________
(١) = ولداهما حرتين أو أمتين أو مختلفتين وكذا بين الأمتين من غير نكاح كل واحدة بسيدها وبين الحرة الأمة كما هو فرض المصنف إذ في هذا كله لا مزية لأحد الفراشين على الآخر وهذا الذي قلناه هو المتحصل من كلام ابن رشد وغيره واللَّه الموفق. وإنما تعتمد القافة في الإلحاق على مشابهة أب حي أو ميت لم يدفن بضم التحتية وفتح الفاء لا على شبه عصبة الأب المدفون خلافًا لسحنون قاله تت. ق سحنون وعبد الملك لا تلحق القافة الولد إلا لأب حي فإن مات فلا كلام للقافة في ذلك من جهة قرابته إذ لا تعتمد على شبه غير الأب. الحط اختلف في قصر القافة على الولد الحي وعمومها فيه حيًا وميتًا. ابن عرفة وفي قصرها على الولد حيًا وعمومها فيه حيًا وميتًا سماع أصبغ ابن القاسم إن وضعته تاما ميتًا فلا قافة في الأموات ونقل الصقلي عن سحنون إن مات بعد وضعه حيًا دعي له القافة. قلت يحتمل ردهما إلى وفاق لأن السماع فيمن ولد ميتًا وقول سحنون فيمن ولد حيًا ولم أقف لابن رشد على نقل خلاف فيها. في التوضيح والمشهور أنه يكتفى بالقائف الواحد وقيل لا بد من اثنين. وإن أقر عدلان من ورثة ميت كابنين أو أخوين أو عمين بثالث مساو لهما في الاستحقاق كابن أو أخ أو عم ثبت النسب والميراث من الميت ومفهوم الشرط أنه لو أقر غير عدلين فلا يثبت به النسب وهو كذلك إجماعا حكاه ابن يونس".
[ ٦ / ٢٤٣ ]
دعوى التلف أو الرد، وحيث لم يفده الشرط فإن نكل المتهم عن اليمين حلفت يا رب الوديعة وغرمها المتهم على المشهور.
[مسألة:]
ولا ضمان على رسول إن شرط الدفع للمرسل إليه بلا بينة، إذا ثبت الشرط، ويضمن بقوله -أي: المودع بالفتح- تلفت قبل أن تلقاني بعد منعه دفعها لربها لعذر اعتذر به، ثم قال بعده: ذهبت قبل أن تلقاني؛ لإقراره بها.
وفهم منه أنه اعتذر من قوله كقوله: تلفت بعده، أي: بعد ما لقيتني بلا عذر، فإن كان لعذر لم يضمن.
البساطي: فإن قلت: موضوع المسألة أنه اعتذر، قلت: الاعتذار ثابت في الصورتين، ولكن ليس كل اعتذار يكون عذرا في الشرع.
[مسألة:]
لا إن قال والمسالة بحالها: لا أدري متى تلفت: أقبل أن تلقاني أو بعده لم يضمن؛ حملا على أنها تلفت قبله، ولم يعلم بذلك، أو حال الملاقاة؛ إذ الأصل فيها عدم ضمانها.
[مسألة:]
وضمن بمنعها عند طلبها حتى يأتي الحاكم بفتح الميم أو ضمها، إن لم تقم بينة بالتوثق بإيداعها لقبول قوله حينئذ.
ومفهوم الشرط: إن قامت بينة لم يضمن للعذر، وسأل البساطي: هل للحاكم خصوصية حتى لو وجد بينة تشهد بالرد فامتنع يكون باقيًا على عذره، أو المقصود من الحاكم ما بيده، ولا خصوصية للحاكم.
قلت: في تعليل بعض هذه الأقوال ما يدل على خصوصية الحاكم أنه
[ ٦ / ٢٤٤ ]
يقول: أخاف أنه طرأ عليه سفه أو نحوه.
لا إن قال عند طلبها منه: ضاعت منذ سنين وكنت أرجوها، سواء لم يحضرها صاحبها أو ولو حضر صاحبها، فلا يضمنها عند ابن القاسم؛ لأن الأصل براءة الذمة، كالقراض يدعي ضياعه فلا ضمان عند ابن القاسم.
[مسألة:] (١)
وليس له -أي: المودع بالفتح- الأخذ منها -أي: يحرم عليه الأخذ من
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ٣٧ - ٣٨): "لا تضمن بدعوى المودع بالفتح التلف للوديعة ولو قبضها ببينة مقصودة للتوثق أو دعوى عدم العلم من المودع بالفتح بما حصل للوديعة من التلف أو الضياع، أي لا يضمنها إذا ادعى أنه لا يعلم هل تلفت أو ضاعت لكفاية دعوى كل منهما في عدم الضمان، وحمله الشارح على معنى أنه قال: لا أدري أتلفت أم رددتها أو لا أدري أضاعت أم رددتها. واحتاج لتقييده عدم ضمانه بما إذا لم يقبضها ببينة مقصودة للتوثق، وقرره البساطي بالوجهين السابقين، وقيد عدم الضمان في الثاني بعدم بينة التوثق أفاده تت. ق: في نوازل أصبغ لو قال لمودعها ما أدري أرددتها إليك أم تلفت فلا يضمنها إلا أن يكون إنما أودعه إياها ببينة فلا يبرأ إلا بها. ابن رشد ويحلف ما هي عنده ولقد دفعها إليه أو تلفت. طفى: ما حمله الشارح عليه هو الموافق للنقل إذ المسألة مفروضة كذلك ولذا قال ح الصواب وعدم العلم بالرد وهو الموافق لكلام ابن الحاجب. وحلف المودع بالفتح المتهم بفتح الهاء أي بالتساهل في حفظ الوديعة إذا ادعى ردها حيث تقبل منه أو ادعى عدم العلم بالرد أو الضياع. وظاهر كلام المصنف أن غير المتهم لا يحلف والمنقول أنه يحلف في دعوى الرد بلا نزاع لأنه تحقق عليه الدعوى وفي دعوى التلف أو الضياع مشهورها يحلف المتهم دون غيره ويحتمل أن هذا مراد المصنف لتعيبه به لكنه على هذا يفوته حكم اليمين في دعوى الرد قاله البساطي. تت: فيه نظر بل حلف المتهم متفق عليه في دعوى الرد وفي دعوى التلف على المشهور وقول الشارح في الوسط دعوى الرد موضع الخلاف والتلف موضوع الاتفاق سبق قلم ولذا أصلح في بعض نسخه. طفى ليس المراد به من شأنه التساهل في حفظ الوديعة بل الذي لم تحقق عليه الدعوى وليس إلا مجرد التهمة مع كونه غير معروف بالخير والصلاح وقوله وفيه نظر =
[ ٦ / ٢٤٥ ]
الوديعة- لمن ظلمه في شيء من بيع أو شراء أو إيداع أو غيره بمثلها عند مالك في المدونة؛ لخبر: "أد الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك" (١).
_________________
(١) = بل حلف المتهم متفق عليه إلى آخر ما قاله البساطي هو الصواب لحكاية صاحب البيان وابن عرفة وغيرهما الاتفاق على الحلف في دعوى الرد وأطلقوا سواء كان متهما أم لا واعترضت عبارة ابن الحاجب وبينه في التوضيح. ق: فيها لمالك -﵁- لو قبضه أي الوديعة أو القراض ببينة فقال ضاع مني صدق أراد ولا يمين عليه إلا أن يتهم فيحلف أبو محمد وقال أصحاب مالك -﵃-. ابن عبد الحكم وإن نكل المتهم عن اليمين ضمن ولا ترد اليمين هاهنا. ابن يونس الفرق بين دعوى الرد ودعواه الضياع على أحد القولين أن رب الوديعة في دعوى الرد يدعي يقينا أنه كاذب فيحلف متهما كان أو غير متهم. وفي دعوى الضياع لا علم له بحقيقة دعواه وإنما هو معلوم من جهة المودع فلا يحلف إلا إذا كان متهما وهذا هو الصواب. ح هذا إذا ادعى التلف ولم يحقق ربها عليه الدعوى أنها باقية ثم قال فإن نكل غرم ولا ترد اليمين وأما في دعوى الرد فيحلف باتفاق. ابن عرفة وحيث قبل قوله في الرد فلا خلاف أنه بيمين واعترض على ابن الحاجب في حكايته الخلاف في ذلك، وباشتمال كتابه على مثل هذا كان محققو شيوخنا ينكرون كتاب ابن الحاجب الفقهي، واللَّه أعلم".
(٢) رواه من حديث أبي هريرة: البخاري في التاريخ (٤/ ٣٦٠) وأبو داود (٣/ ٢٩٠، رقم ٣٥٣٥)، والترمذي (٣/ ٥٦٤، رقم ١٢٦٤) وقال: حسن غريب، والحاكم (٢/ ٥٣، رقم ٢٢٩٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. والبيهقي (١٠/ ٢٧١، رقم ٢١٠٩٢). ومن حديث أنس: الطبراني في الكبير (١/ ٢٦١، رقم ٧٦٠) وفى الصغير (١/ ٢٨٨ رقم ٤٧٥) قال الهيثمي (٤/ ١٤٥): رواه الطبراني في الكبير والصغير، ورجال الكبير ثقات. والدارقطني (٣/ ٣٥) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٣٢)، والحاكم (٢/ ٥٣، رقم ٢٢٩٧) وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. والبيهقي (١٠/ ٢٧١، رقم ٢١٠٩٣)، والضياء (٧/ ٢٨١، رقم ٢٧٣٨). ومن حديث أبي أمامة: الطبراني (٨/ ١٢٧، رقم ٧٥٨٠)، قال الهيثمي (٤/ ١٤٥): فيه يحيى بن عثمان بن صالح المصري، قال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه. والبيهقي (١٠/ ٢٧١، رقم ٢١٠٩٢) وقال: ضعيف. ومن حديث أبي بن كعب: الدارقطني (٣/ ٣٥). ومن حديث رجل من الصحابة: أحمد (٣/ ٤١٤، رقم ١٥٤٦٢)، وأبو داود (٣/ ٢٩٠، رقم ٣٥٣٤).
[ ٦ / ٢٤٦ ]
وقصرُ الشارح المثلية على أن الأولى وديعة أيضًا قصورٌ، وفهم من قوله: (بمثلها) المنع بما لو ظلمه بغيرها أحرى.
[أخذ الأجرة على الوديعة:]
ولا له أخذ أجرة حفظها؛ لأنه ليس من سنتها، ولخروجها عن هذا الاسم بالأجرة مع ثبوت هذا الاسم لها لغة، بخلاف أجرة محلها، فله ذلك، ونحوه قول ابن الحاجب: (وله أجرة موضعها دون حفظها)، أي: إذا كانت مما يشغل منزلا فطلب أجرة موضعها فذلك له، ونحوه في المقدمات.
ابن عبد السلام: أطلق المصنف وغيره هذا، وعندي أنه يتقيد بمن يقتضي حاله طلب الأجرة، كما هو المذهب في رب الدابة بإذن لرجل، ويقول راكبها: إنما ركبتها عارية، ويقول ربها: إنما كان الإذن بإجارة، فالقول لربها إذا كان مثله يكري الدواب انتهى.
ولم يقيد به المصنف هنا مع أنه ذكره في توضيحه، وأقره، وفهمُ البساطي أن تعقب ابن عبد السلام في أجرة الحفظ لا المحل غيرُ ظاهر، فتأمله.
[مسألة:]
ولكل من ربها ومن المودع تركها بعد وقوعها، فلربها أخذها، وللمودع ردها.
[مسألة:]
وإن أودع صبيا أو سفيها وديعة، أو أقرضه شيئًا، أو باعه فأتلف ذلك كله، لم يضمن شيئًا من ذلك، وفاعل (يضمن) أحدهما لا بعينه.
وإن كان ذلك بإذن أهله، هذا بعد الوقوع، ولا يؤخذ منه جواز إذنهم له اتبداء، بل مكروه؛ نص عليه في التهذيب، وكذا يكره الإذن للسفيه للتغرير بإتلاف المال.
[ ٦ / ٢٤٧ ]
[مسألة:]
وتعلقت بذمة العبد المودع بالفتح المأذون له في التجارة إذا تعدى عليها عاجلا، أي: فتؤخذ منه الآن كالحر، ولا يستأنى بذلك خلافًا لأشهب، قائلًا: ولا تتعلق برقبته.
وفهم من قوله: (بذمته) أي لا فيما بيده من مال السيد، وليس للسيد فسخ ذلك عنه.
وتعلقت بذمه غيره، أي: غير المأذون، فيتبع بها إذا عتق، لا برقبته؛ إذ ليست جناية كسائر الجنايات، إن لم يسقطه السيد عنه، وإن كان له الإسقاط؛ لأنه يعيبه.
[مسألة:]
وإن قال من عنده الوديعة لاثنين مثلا: هي لأحدكما ونسيته، فلا أميزه الآن، تحالفا، أي: حلف كل منهما أنها له، وقسمت بينهما نصفين، كما لو نكل أحدهما أخذها الحالف.
ولو عين من هي عنده أحدهما قبل مع يمينه، ولو قال: ليست لواحد منكما لم يقبل، وكانت بينهما بالأيمان.
وفهم من قوله: (قسمت) أنه لا يلزمه قدرها للآخر، وهو كذلك، حكاه ابن يونس.
ابن المواز: يلزمه قدرها له.
وأشعر كلامه بأمور منها:
- أن هذا الحكم مع بقائها تحت يد المودع، وهو كذلك؛ إذ لو قال: رددتها لأحدهما، فإن لم يثبت أيهما هو ضمن قدرها لكل منهما.
- ومنها: أن هذا [في الوديعة دون الدين، وهو كذلك
[ ٦ / ٢٤٨ ]
عند ابن عبد الحكم] (١) [يغرمه لكل منهما محمد هما سواء ومنها إن هذا] (٢) مع اتحاد قدرها، وأما لو اختلف بأن أودعه واحد مائة، وآخر خمسين، ونسي من صاحب المائة منهما، وادعاها كل منهما، فقال سحنون: تحالفا على المائة، واقتسماها، وأما الخمسون الباقية فتبقى بيد المودع؛ إذ ليس لها مدع.
[مسألة:]
وإن أودع عند اثنين وديعة جعلت بيد إلا عدل منهما، وفهم منه: أنهما لو تساويا لكانت بأيديهما معا.
قال في الشامل: ولا ضمان إن اقتسماها.
وفهم من: (أعدل) أنهما لو كانا غير عدلين لم يكن الحكم كذلك، وحينئذ فيحتمل أن يجعلها الحاكم عند غيرهما كالوصيين، ويحتمل أن تبقى بأيديهما، فانظره، واللَّه تعالى أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه العارية وفروعها، فقال: صح وندب إعارة مالك منفعة بملك أو إجارة أو عارية، فلا يشترط فيها ملك الرقبة، ففي وصايا المدونة الثاني: للرجل إن يؤاجر ما أوصى له به من سكنى دار وخدمة عبد.
وقيد مالك المنفعة بقوله: بلا حجر عليه، وإن كان مالك المنفعة مستعيرًا.
و(إعارة): فاعل (صح)، لا نائب فاعل (نُدِب)، فلا تصح من عبد
_________________
(١) ما بين معكوفين مضروب عليه في "ن ٣".
(٢) ما بين معكوفين غير موجود في "ن ٣".
[ ٦ / ٢٤٩ ]
ولا صبي ونحوهما، ووجه تعيين كون فاعل صح أنه المحدث عنه بالأصالة، وأيضًا بلا حجر إنما هو قيد في الصحة لا في الندب، وكذا قوله: (وإن مستعيرا)؛ إذ لم يقل أحد أنه يندب للمستعير أن يعير، بل الخلاف في الصحة.
[من لا تصح منه الإعارة:]
لا مالك انتفاع، وهو: من ملك المنفعة المعبنة، فلا يعير، كسكنى بيوت المدارس والربط والجلوس في المساجد والأسواق، ويستثنى من ذلك ما جرت به العادة من إنزال الضيف المدارس المدة اليسيرة، فلا يجوز إسكان بيت المدرسة دائمًا ولا إيجاره إن عدم الساكن، ولا الخزن فيه، ولا بيع ماء الصهاريج، ولا استعماله فيما لم تجر به العادة، ولا يتغطى ببسط الوقف، وليس للضيف بيع الطعام، وله إطعام الهر والسائل.
[شرط المتبرع له:]
وأشار للركن الثاني بقوله: من أهل التبرع عليه بالشيء المعار، وهو متعلق بقوله: (إعارة)، فلا يعار مسلم لكافر، كما يأتي.
[شرط المستعار:]
وأشار للركن الثالث، وهو المستعار وشرطيه، بقوله: عينا لمنفعة، مع بقاء ذاتها، فالمعار العين، والمقصود من إعارتها حصول منفعة مباحة، وعدل عن قول ابن الحاجب: (المستعار منفعة مع بقاء العين)؛ لأنه متعقب.
تنبيه:
قال البساطي: وقع للشارح أن اللام هنا للتعليس، وأن عينا معمول: (مالك منفعة)، فإنه قال: عينا معمول لما قبله، وكلاهما سهو انتهى.
أي: فإن عينا معمول للمصدر، الذي هو إعارة، واللام كما قال:
[ ٦ / ٢٥٠ ]
تشبه لام العاقبة (١)، وبيانه: أن عاقبة حصول الثواب المندوب فعله، لا أنها لأجل المنفعة، وقد يجاب عن الشارح بأن قوله: (لما قبله) صادق بالمصدر، وبأن الظاهر أن اللام للعلة.
[من ليس من أهل التبرع:]
ثم أخرج من أهل التبرع قوله: [١] لا كذمي مسلما، فلا يعار؛ لما فيه من إذلال المسلم، وهو ممنوع، ونبه بالذمي على أن المنع في الحربي أحرى.
ودخل بالكاف: المصحف والسلاح لقتل مسلم، والآنية لشرب الخمر ونحوه.
[٢] وجارية للوطء، فلا تعار لذلك؛ للإجماع على انحصار حل الوطء في نكاحها أو ملكها التام.
تنكيت:
لو قال (استمتاع) بدل (وطء) لكان أحسن.
[٣] أو خدمه لغير محرم منها يحرم ذلك، وظاهره: ولو كان مأمونا، وله أهل متجالة أو لا، شيخا فانيا أو لا، وللخمي: الجواز للمأمون ذي الأهل، وأما إعارتها لمحرمها فجائز؛ لانتفاء المانع.
_________________
(١) يعني لام الصيرورة، فهي تسمى أحيانا لام العاقبة، ولام المآل، ذكرها الكوفيون والأخفش وقوم من المتأخرين، منهم ابن مالك، وجعلوا منها قوله تعالى ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. وهذه اللام عند أكثر البصريين صنف من أصناف لام كي. وهي عند الكوفيين ناصبة بنفسها. ولام كي هذه هي اللام الواقعة موقع (كي)، وإن شئت قلت: هي اللام التي يصح وقوع (كي) موقعها، نحو: جئتك لتكرمني. فهذه اللام جارة، والفعل منصوب بأن المضمرة. وأن مع الفعل في تأويل مصدر، مجرور باللام. هذا مذهب البصريين. وهذه اللام أيضًا هي لام التعليل. ينظر: الجنى الداني، ص ١٦، وص ١٩، وعلى هذا فما قاله الشارح صحيح.
[ ٦ / ٢٥١ ]
ويشبه المحرم من لا تحل له من أقارب المعير إذا أصابها كولده وأبيه وجده والصغير والمحرم.
[٤] أو إعارتها لمن تعتق عليه؛ فإنه ممنوع، وهي -أي: منفعتها من عاريتها ممن تعتق عليه- لها، دون المعير والمعار له.
تنبيه:
تخصيص الجارية بالمسألة الجارية الأولى والثانية ظاهر؛ إذ لا يعار العبد للاستمتاع، وفي الثانية يجوز إعارتها للخدمة، وأما الثالثة فلا فرق بينهما.
[ما ليس من باب العارية:]
والأطعمة والنقود قرض لا عارية، وعلله المصنف وغيره بأن الانتفاع بها يستلزم زوال عينها.
[لفظ الإعارة:]
وأشار للركن الرابع، وهو: ما تكون به الإعارة بقوله: بما يدل على معناها قولا، كـ: أعرتك، أو نعم، جوابا لـ: أعرني، أو فعلا كالمناولة مع تقدم طلب، أو إيماء برأسه.
وجاز أعني بغلامك يوما أو يومين لأعينك بغلامي، كذلك حكاه ابن أبي زيد.
قال الشارح: ويكون إجارة أي: حال كونه إجارة، وأعربه البساطي تمييزا (١)، وهو ظاهر كلام المصنف أنه لا يشترط اتحاد موضع الإعانة؛ لأن أحدهما عوض عن الآخر.
_________________
(١) الفرق بين التمييز والحال من أوجه: أحدها من حيث وظيفة كليهما، أن التمييز يُفَسِّر ما خَفِيَ من الذوات، والحال يُفسِّر ما خفي من هيئات الذوات، نحو قولك: (تَصَبِّبَ زَيْدٌ عرقًا، وتَفَقَّأ بكر شحمًا). وثانيها من حيث المعنى: أَن الحال على معنى (في)، والتمييز على معنى (من)، فمعنى "جئت راكبًا": جئت في ركوبي، ومعنى "للَّه دره فارسًا، و: "بعت ثلاثة عشر كتابًا": للَّه دره من فارس، وبعت ثلاثة عشر من الكتب. =
[ ٦ / ٢٥٢ ]
ابن رشد: إنما يجوز فيما قرب. أي: لأنه إنما مع البعد نقد في منافع معين يتأخر قبضها.
[ضمان المستعار المغيب:]
وضمن المستعير المستعار المغيب عليه، كالثياب والحلي والعروض، إذا ادعي التلف، إلا لبينة على التلف بغير سببه، فلا يضمن، خلافًا لأشهب.
تتمة:
لم يذكر المؤلف وقت ضمانة، ولا ما يضمنه، ابن عرفة: وفي ضمان ما يقبض منها يوم العارية أو يوم ضاعت فقاسها اللخمي على الخلاف في الرهن، فإن كانت عين العارية عنده بالأمس فقيمتها يومئذ: قلّت أو كثرت، وإن لم تر من يوم أعيرت، وقيمتها يوم العارية عشرة، ويوم ضاعت ثمانية غرم عشرة؛ لأن المعير يكذبه في بقائها ليوم ضياعها، وإن كانت في اليومين على العكس أحد عشرة؛ لأنه يصدق في دعوى بقائها، والقدر المضمون منها جميعها إن لم ينقصها استعمالها بحسب ذاتها، أو قصر مدتها، وما ينقصها استعمالها يضمن باقيها بعد نقصها ذلك، ولو ثبت استهلاكه إياها قبل استعمالها بحسب ذاتها؛ لأنه صار فيها به كشريك، انظر بقية كلامه في الكبير.
[مسألة:]
وهل ضمان ما يغاب عليه ثابت على المستعير، وإن شرط نفيه، وعزاه في المقدمات لابن القاسم، وهو المشهور، أو ضمانه غير ثابت، وهو أيضًا لابن القاسم؛ لأنه معروف، وإسقاط الضمان معروف آخر، إلا
_________________
(١) = ثالثها من حيث الجمود والاشتقاق: أن الأصل في الحال أنها مشتقة والأصل في التمييز أنه جامد، الأصل في الحال أنها مشتقة والأصل في التمييز أنه مشتق. رابعها من حيث صاحب الحال أو التمييز: أن صاحب الحال يكون معرفة، وأما صاحب التمييز فيكون نكرة.
[ ٦ / ٢٥٣ ]
أن يكون ذلك من باب إسقاط حق قبل وجوبه، فلا يلزم على أحد القولين؟ تردد، انظر وجهه والبحث مع البساطي فيه في الكبير.
[لا ضمان في غير المغيب:]
لا غيره أي لا غير المغيب عليه، كالدور والحيوان ولو صغيرا كطير، فلا يضمنه المستعير عند مالك وأصحابه إن لم يظهر كذبه، ولو بشرط من المعير أن ضمانه على المستعير، فظاهره: ولو شرط الضمان لأمر خافه، كطريق أو نهر أو شبهه، وهو كذلك، خلافًا لمطرف.
وإذا لم يضمن ما لا يغاب عليه فقال اللخمي: يضمن الغرس ويضمن سرجها ولجامها.
وحلف المستعير فيما علم أنه حصل في المعار بلا سببه، أي: بغير صنعه، كسوس في الثوب، وقرض فأر، وخرق مسمار، وحرق نار.
وصفة يمينه أنه ما فرط، ولا ضمان عليه، وبرئ المستعير في ما حصل بسببه، مثل كسر كسيف، ونحوه من آلة حرب استعاره للقتال، إن شهد له أنه كان معه في اللقاء للعدو، أو شهد له أنه ضرب به ضرب مثله، و(أو) في كلامه بمعنى الواو، وهو قول سحنون، انظر الكلام على هذا في الكبير؛ فإن الشارحين لهما في ذلك ما تركناه لطوله ولما فيه.
وفعل المستعير المشيء المأذون له فيه، كاستعارته دابة ليحمل إردب حنطة لموضع كذا ففعل، ومثله كعدس مكانها، ودونه كشعير مكانها، لا أضر منه، فليس لك ذلك، كقول مكانها أو أحجار.
[متى تلزم قيمة المستعار:]
ثم تكلم على ما إذا خالف، فقال: وإن زاد على ما استعارها له ما أي: شيئًا تعطب وعطبت فله أي: للمعير قيمتها فقط يوم التعدي، أو كراؤه، أي: الزائد المتعدي فيه فقط لا غيره؛ لأن الخبرة تنفي الضرر.
قال في المدونة: وإن استعار دابة ليحمل عليها حنطة فحمل حجارة فكل ما عليها مما هو أضر مما استعارها له فعطبت فهو ضامن، وإن كان
[ ٦ / ٢٥٤ ]
مثله في الضرر لم يضمن، كحمله عدسا مكان حنطة، أو كتانا أو قطنا مكان بر. انتهى.
وقول البساطي: (الذي يظهر لي أن المخير فيه قيمتها وكراء الذي تعدى فيه بكماله) بعيد.
كرديف تعدى المستعير في حمله معه يخير ربها كالتي قبلها، وأتبع الرديف إن أعدم المستعير والرديف مليء، ولم يعلم بالإعارة؛ لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء.
ومفهومه: لو كان المستعير مليئًا والرديف غير عالم لم يتبع الرديف، بل يتبع المستعير، وإن كان الرديف عالما والمستعير مليئًا تبع من شاء منهما، وكذا لو كان عديما، والآخر عالما.
وإلا يكن الزائد مما تعطب به فكراؤه، أي: الزائد فقط؛ لأن عطبها من اللَّه لا من الزيادة.
وظاهره: عطبت أو لا، وقول البساطي: (وعطبت) فيه نظر.
[العارية المقيدة بعمل:]
ولزمت -أي: العارية- المقيدة بعمل، كزراعة أرض بطنا فأكثر مما لا يخلف كقمح، أو مما يخلف كقصب وقضيب، أو أجل كسكنى دار شهرا مثلا؛ لانقضائه أي العمل أو الأجل.
وإلا تكن مقيدة بأحدهما كأعرتك هذه الأرض أو الدار أو الدابة أو الثوب، فالمعتاد لازم في مثلها؛ لأن العرف (١) كالشرط.
_________________
(١) اتفقت المذاهب الفقهية على الاحتجاج بالعرف إجمالًا، وإنْ وُجد بينهم تفاوت في مدى اعتباره. وليس معنى حجية العُرْف كونه مصدرًا للتشريع وإنشاء الأحكام كالكتاب والسنة، إنما المراد بحجيّته أن نصوص الشارع، وعبارات المتعاملين تُفسَّر وفْقًا للعُرْف الجاري بينهم. وللاحظ أن كتب الأصول قلَّ أن تبحث في العوائد باعتبارها دليلًا مستقلًا، ولكنّها تبحثها في كونها من مخصَّصات العموم المنفصلة، لكن كتب القواعد الفقهية تبحثها تحت قاعدة (العادة مُحكَّمة) وما يتفرعّ عنها، العادة تجعل حكمًا لإثبات =
[ ٦ / ٢٥٥ ]
وظاهره: لزومها بالقول قبل القبض، وهو كذلك على أحد القولين.
[مسألة:]
وله -أي: المعير الذي لم يقيد بعمل ولا أجل- الإخراج، أي: إخراج المستعير مما أعاره له في كبناء أو غرس إن دفع المعير للباني ما أنفق؛ لأنه التزم ما لا غاية له، وإن كان العرف يقيده فليس هو كتقييد الشرط.
قال في المدونة: ومن أذنت له أن يبني في أرضك أو يغرس فلما فعل أردت إخراجه، فإما بقرب ذلك مما لا يشبه أن يعيره إلى مثل تلك المدة القريبة فليس لك إخراجه، إلا أن تعطيه ما أنفق.
كذا في باب العارية، وفيها أيضًا في باب بعده: قيمته، وإلا تركته إلى مثل ما يرى الناس أنك أعرته إلى مثله من الأمد.
_________________
(١) = حكم شرعي أي أن للعادة في الاعتبار الشرعي حاكمية تخضع لها أحكام والتصرفات فتثبت تلك الأحكام على وفق ما تقضي به العادة أو العرف إذا لم يكن هناك نصٌ شرعي يخالف تلك العادة، أمثلة على هذه القاعدة: ١) في باب الحيض والنفاس: قالوا لو زاد الدم عمى أكثر أيام الحيض والنفاس يُرد إلى أيام عادتها وما زاد يُعتبر دم فساد، وتعرف أيام عادتها بالعادة أي عادة أيامها ستة أو خمسة أيام على حسب عادتها، فهنا حكمنا العادة والعرف. ٢) الحركة لغير مصلحة الصلاة إن كانت كثيرة بطلت الصلاة وإن كانت قليلة فإنها لا تبطل الصلاة، فضابط هذه الحركة سواء الكثيرة أو القليلة راجع إلى العرف. ٣) بيع السليم هو تعجيل الثمن وتأخير الثمن. والسلم من البيوع التي شرعت خلاف القياس دفعا للحرج وتسهيلًا على الناس، وهذه أبيحت لتعارف الناس بها في معاملاتهم. مثال على ذلك ان يأتي المزارع إلى التاجر ويقول أعطني مائة ألف ريال وأعطيك من محصول السنة القادمة ثلاثة الآف كيلة من القمح مثلًا، فالأصل أن هذا لا يجوز لكن أبيحت كما قلنا دفعًا للحرج وتسهيلًا على الناس. ٤) الكفاءة في الزواج من حيث الدين والحرية والسلامة من العيوب والحرفة يُعول في معرفتها على ما تعارفه الناس من الصفات التي هي معظمة عندهم أو محقرة أو الحرفة التي هي شريفة أو غير شريفة، وتفصيل ذلك مرجعه إلى العرف والعادة ونحو ذلك.
[ ٦ / ٢٥٦ ]
[مسألة:]
واختلف هل ما في الموضعين خلاف، وهو تأويل غير واحد، أو وفاق، فيجمع بينهما.
عبد الحق: يحتمل ثلاثة أوجه:
الأول: قيمته، أي: ما أنفق إن لم يشتره، بل كان ما بنى به من طين أو آجر ونحوه في ملكه، وما أنفق إذا اشتراه للعمارة بثمن.
أو قيمته إن طال الأمد؛ لتغيره بانتفاعه، وما انفق إذا كان بالقرب جدًا كاليوم واليومين فلا يكون اختلافا على هذين الوجهين انتهى.
أو قيمته إن اشتراه بغبن كثير، فيعطي القيمة بالعدل لا بحسب ما فيه مما يتغابن الناس بمثله، وما أنفق إذا لم يكن فيه تغابن، أو كان وهو يسير، وعلى هذا فلا يكون اختلاف قول تأويلات.
تنبيهان:
الأول: ظاهر قوله: (ما أنفق) أي: بغير زيادة، وفي توضيحه عن مختصر حمديس: إذا أعطى ما أنفق يعطيه إجارة مثله في كفايته، ليس على قيامه فقط؛ لأن رب الأرض قد يجد ما ينفق، ويعجز عن القيام، ولولا ذلك لشاء من عجز عن القيام أن يعير أرضا، فإن استوى البناء أو الغرس أخرجه، وقال: هذه نفقتك.
الثاني: قال أبو الحسن: وإذا أعطاه قيمته قائما فمعناه على التأبيد، بخلاف الاستحقاق؛ فإنه إذا أعطاه قيمته قائما فإنه لتمام المدة.
[مسألة:]
وإن أنقضت مدة البناء أو الغرس المعتادة أو المشترطة فكالغاصب للأرض، فيخير المعير بين دفع قيمته مقلوعا أو أمره بقلعه، وألحقوا المستعير في هذا بالغاصب في أخذه القيمة مقلوعا كمن لا شبهة له، ولم
[ ٦ / ٢٥٧ ]
يلحقوه بالباني بوجه شبهة كالمستحق من يده، فإنه يأخذ قيمته قائما؛ لأن شبهه به أشد.
[مسألة:]
وإن ادعاها -أي: العارية- الآخذ لها، وادعى المالك الكراء فالقول له، أي: للمالك في الكراء؛ لأن المستعير يدعي أمرا زائدا الأصل عدمه بيمين ليدفع دعوى المستعير، إلا أن يأنف مثله عنه، أي: عن الكراء لشرفه، فالقول قول المستعير مع يمينه، فإن نكل حلف المالك، وأخذ الكراء الذي زعمه، فإن نكل أخذ كراء مثله، كزائد المسافة القول فيه قول المعير مع يمينه، إذا اختلفا، فقال المعير: من مصر مثلًا إلى العقبة، وقال المستعير: إلى الأزلم (١).
وهذا إن لم يرد أي: لم يركب المستعير الزائد الذي ادعاه، وهو الأزلم، بأن ركب المستعير الزائد، وتنازعا في الأزلم، فللمستعير أي: القول له حينئذ في نفي الضمان إن عطبت الدابة فيه، وفي نفي الكراء للزائد إن رجعت سالمة عند ابن القاسم.
ثم بالغ على أنه لا فرق في الحكم بين أن يكون المستعير هو القابض للمستعار أو رسوله بقوله: وإن كان قبض العارية برسول أرسله المستعير مخالف للمستعير، أو للمعير، أولهما؛ لأنه إنما شهد على فعل نفسه، كدعواه -أي: المستعير- في كونها مقبولة مع يمينه في رد ما لم يضمن، وهو ما لا يغاب عليه، كبعير مثلا.
ابن المواز: كل من يقبل قوله في التلف فهو مقبول في الرد، ولو ردها مع عبده أو أجبره فعطبت أو ضلت لم يضمن؛ لأن شأن الناس هذا، وإن لم يعلم ضياعها إلا بقول الرسول مأمونـ[ـا]، أو غير مأمون، ذلك سواء.
وفهم من قوله: (رد ما لم يضمن له) لو ادعى رد ما يضمن مما يغاب عليه لم يقبل، وهو كذلك.
_________________
(١) موضع ببرية الحجاز، به بئر يسمى به، ويؤمه الحجاج.
[ ٦ / ٢٥٨ ]
[مسألة:]
وإن زعم حر أو رقيق أنه مرسل لاستعارة حلي من زيد لبكر، فدفع له ما طالبه، وتلف ضمنه مرسله إن صدقه أنه أرسله، إن كان مما يضمن، وبرئ الرسول.
وإلا بأن لم يصدقه أنه أرسله حلف أنه ما أرسله برئ، ثم حلف الرسول أنه أرسله وبرئ، وكانت هدرا.
[مسألة:]
وإن اعترف الرسول بالعداء ضمن الحر في ذمته، وضمن العبد في ذمته، ويتبع إن عتق، لا في رقبته، وإن قال الرسول أوصلته لهم، أي: لمن أرسلوني، وأنكروا ذلك، فعليه اليمين أنه أوصله لهم، وعليهم اليمين أنه لم يصل إليهم، ونحو هذا كله في العتبية.
[مسألة:]
ومؤنة أخذها -أي: حملها لمكان المستعير- على المستعير، قاله في المقدممات، كردها لمكان أخذها، فإنه على المستعير أيضًا على الأظهر؛ لأنها معروف، فلا يكلفه أجرة بعد معروف صنعه.
[مسألة:]
واختلف في علف الدابة المستعارة وهي عند المستعير هل هو على المعير؛ إذ لو كان على المستعير لكان كراء، وربما كان علفها أكثر من الكراء، إن كان زمن غلاء، فيخرج من العارية للكراء، أو هو على المستعير؟ قولان حكاهما أبو الحسن الصغير.
وظاهر كلامه: طالت مدة العارية أو لا، وهو كذلك، ولبعض المفتين: هو على المعير في الليلة والليلتين، وأما المدة الطويلة فعلى المستعير.
* * *
[ ٦ / ٢٥٩ ]
باب
ذكر فيه الغصب وما يتعلق به، وهو لغة: أخذ الشيء ظلما، وفي المقدمات: التعدي على رقاب المال سبعة أقسام، لكلٍّ حكمٌ يخصه، وكلها مجمع على تحريمها:
[١] الحرابة.
[٢] والغصب.
[٣] والاختلاس.
[٤] والسرقة.
[٥] والجناية.
[٦] والإدلال.
[٧] والجحد.
واصطلاحا قال المصنف كابن الحاجب: الغصب أخذ مال قهرا تعديا بلا حرابة.
فأخذ: جنس يشمل الغصب، وأخذ مال الإنسان نفسه من مودع وغيره والمشتري المبيع من بائعه.
وإضافته للمال مخرج لأخذ الحر.
وقهرا مخرج للمأخوذ اختيارا، كـ: السلف، والعارية، والقرض، والقراض، والصدقة، والإبضاع، ونحوها.
وتعديا مخرج للمأخوذ قهرا بغير تعد، كأخذ المغصوب منه ماله من الغاصب، والزكاة كرها من الممتنع.
وبلا حرابة مخرج لها لاختلاف أحكامها من حيث الجملة، وإلا فهي غصب من غير شك.
[ ٦ / ٢٦٠ ]
[عقوبة الغاصب:]
وأدب غاصب مميز بضرب وحبس بقدر اجتهاد الحاكم، قاله ابن رشد وابن شعبان واللخمي؛ دفعا للفساد بين العباد، لا للتحري كما يؤدب على الزنا والسرقة وغيرهما؛ تحقيقا للاستصلاح، وتهذيبا للأخلاق؛ ولذلك تضرب البهائم استصلاحا وتهذيبا لأخلاقها.
ومفهوم (مميز) عدم أدب غيره، وأما البالغ فيؤدب اتفاقًا، كمدعيه على صالح لا يتهم فيؤدب لجنايته على عرضه.
[مسألة:]
وفي حلف المجهول حالة يدعى عليه الغصب وعدم حلفه وهو لأشهب واستظهر قولان بغير ترجيح.
[الغاصب يضمن:]
وضمن الغاصب مميزًا أو غير مميز الشيء المغصوب بالاستيلاء عليه؛ أي: بمجرد حصوله في حوزه، ولو تلف بسماوي أو جناية غيره عليه، لقوله ﵊: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (١)؛ لأن (على) تدل على الوجوب، وقد رتبه -ﷺ- وصف الأخذ، فيكون وضع اليد للأخذ سببًا للضمان.
وإلا بأن لم يكن من الغاصب استيلاء فتردد في الضمان وعدمه، وقد يمثل لهذا لمن فتح باب دار فيها دواب وأهلها فيها فذهبت فلا ضمان عند ابن القاسم في المدونة؛ لوجود الحافظ، ويضمن عند أشهب إن كانت
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٨، رقم ٢٠٠٩٨)، والدارمي (٢/ ٣٤٢، رقم ٢٥٩٦)، وأبو داود (٣/ ٢٩٦، رقم ٣٥٦١)، والترمذي (٣/ ٥٦٦، رقم ١٢٦٦) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (٣/ ٤١١، رقم ٥٧٨٣)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٢، رقم ٢٤٠٠)، والطبراني (٧/ ٢٠٨، رقم ٦٨٦٢)، والحاكم (٢/ ٣٣، رقم ٢٣٠٢) وقال: صحيح الإسناد على شرط البخاري. والبيهقي (٦/ ٩٠، رقم ١١٢٦٢). وأخرجه أيضًا: ابن أبي شيبة (٤/ ٣١٦، رقم ٢٠٥٦٣)، وابن الجارود (ص ٢٥٦، رقم ١٠٢٤)، والروياني (٢/ ٤١، رقم ٧٨٤).
[ ٦ / ٢٦١ ]
مسرحة، وإن كان فيها أهلها؛ لتيسير خروجها قبل علمهم، واختاره جماعة.
تنبيه:
ذكر هنا ترددا، وسينص على الضمان إذا لم يكن فيها أهلها، ولعله ترجح عنده.
كأن مات (١) عبد مغصوب ساعة غصبه، أو قتل عبد بعد غصبه قصاصا ضمنه الغاصب؛ لحصول الفوات تحت يده.
أو ركب دابة فهلكت ضمنها، وتقدم أن مجرد وضع اليد موجب للضمان فكيف بالركوب.
أو ذبح شاة مثلًا، فالضمان، فالذبح مفيت، وفي هذه والتي قبلها إشكال؛ لأنه تقدم أنه يضمن بمجرد الاستيلاء؛ ولذا قال ابن عرفة: لا أعرفه في الذبح نصا، بل تخريجا.
أو جحد وديعة عنده؛ لأنه حالة الجحد متعد.
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ٨٤ - ٨٥): "طفى لا شك أن قوله كأن مات إلخ مثال للمفوت الذي يوجب الضمان عنده لأن الاستيلاء موجب للضمان ولا يحصل إلا بمفوت فقوله أو ركب دابة إن عنى به مجرد الركوب فقد أوقعه في غير محله مع مناقضته لقوله وضمنه بالاستيلاء وعلى هذا يأتي إشكال تت وأصله لابن عبد السلام والتوضيح. وتعقبه ابن عرفة قائلا ما حكاه من أن ذبحها مفيت يوجب قيمتها لم أعرفه نصًا فقول تت فيهما إشكال إلخ فيه نظر لأنه لا إشكال في هذه من الوجه الذي ذكره وإنما هو في الأولى على وجه كما سبق وإنما الإشكال في الثانية من إنكار ابن عرفة لا مما قاله فقوله ولذا قال ابن عرفة إلخ فيه نظر ثم إن جمعا من شارحيه قرروه على أنه في الذبح بالخيار في أخذها مذبوحة وما نقصها الذبح أو إلزامه قيمتها وليس كذلك بل المعتمد أنه إن اختار أخذها فليس له أن يأخذ ما نقصها وإنما القائل بذلك محمد بن مسلمة فقط. اللخمي ليس له أن يأخذها مذبوحة ولا شيء له أو يضمنه قيمتها قاله مالك وأصحابه وأخذ به سحنون في المجموعة. وقال ابن القاسم قال محمد بن مسلمة له أخذه وما بين قيمته مذبوحا وحيا اهـ".
[ ٦ / ٢٦٢ ]
[سبب السبب كالسبب:]
ثم تكلم على أن سبب السبب كالسبب ولا تشترط المباشرة بقوله: أو أكل شخص من الغاصب ما غصبه بلا علم أنه مغصوب، فإن الأكل يضمنه، ولا يريد أنه يختص بضمانه، لكن يبدأ على الغاصب لمباشرته.
أو أكره شخص شخصًا غيره على التلف لشيء ضمنه المكره بالكسر، ويضمنه المكره بالفتح أيضًا تقديما لسبب السبب.
أو حفر بئرا تعديا في أرض غيره، أو في طريق المسلمين، فإنه يضمن، فلو غرم بملكه بقصد معين لم يضمن، وقدم عليه المردي، أي: على الحافر تقديما للمباشرة لقوتها على السبب، ومثله لابن شاس وابن الحاجب.
إلا أن يحفرها لمعين قصدا لإتلافه فرده غيره فسيان القصاص في الإنسان والضمان في غيره.
أو فتح قيد عبد قيد لئلا يأبق فأبق ضمنه، كان الإباق عقب الفتح أو بعده، فلو قيد لا لهذا، بل القصد النكال لم يضمن.
أو فتح بابا على غير عاقل من بهيمة أو غيرها فذهب ضمن، إلا إن كان الفتح بمصاحبة ربه، أي: بأن كان فيها فإنه لم يضمن.
أو فتح حرزه فذهب منه شيء ضمنه، قال الشارح: على التفصيل السابق.
[ما يضمنه الغاصب:]
ثم تكلم على ما يضمنه الغاصب، فقال: يضمن المثلي مكيلا أو موزونا أو معدودا إذا عيبه أو أتلفه، ولو غصبه بغلاء، وحكم عليه زمن رخاء بمثله، وكذا عكسه.
وإن تعذر المثلي لعدم إبانه أو يكون المغصوب لا مثل له صبر لوجوده في إبانه عند ابن القاسم في المدونة، وليس له طلبه.
[ ٦ / ٢٦٣ ]
وقال أشهب: له ذلك.
[مسألة:]
وإذا وجد رب المثلي الغاصب في بلد غير البلد المغصوب فيه صبر وجوبًا حتى يوجع لبلده، إن لم يكن مع الغاصب، بل كان باقيًا ببلد الغصب، ولو صاحبه في غير بلد الغصب عند ابن القاسم؛ لقوله: لا يلزمه إلا مثله في مكان الغصب.
وأشار بـ (لو) لقول أشهب: يخير الغاصب بين أخذه فيه، أو في مكان الغصب، وسواء كان البلد الذي هو فيه قريبا أو بعيدا، وهو كذلك عند ابن القاسم ومن وافقه.
[منع الغاصب من التصرف في المثلي:]
ومنع الغاصب منه أي: من التصرف في المثلي المغصوب للتوثق، أي: لأجل التوثق لربه برهن أو ضامن اتفاقًا، ولا رد له، أي: ليس للمغصوب منه إلزام الغاصب برد المغصوب لبلد الغصب، وأجاز الشارح احتمالا آخر، ومثل له بمثال فيه نظر، انظره في الكبير.
كإجازته -أي: المغصوب منه- بيعه، أي: الغاصب معيبا زال عيبه، ولم يعلم ربه بزواله، وقال: أجزت البيع لظن بقائه، أي: العيب، ثم ظهر لي أنه زال قبل إجازتي، فلا رد له، ونحوه في المدونة.
[تسلط للمالك:]
ولما كان لا تسلط للمالك على عين المثلي إذا وجده بغير بلده، كذلك لا تسلط له عليه إذا وجده على غير صفته، قال: كنقرة، أي: قطعة من ذهب أو فضة صيغت حليا، فليس لربها أخذها مصوغة، وإنما له مثلها وزنا وصفة عند ابن القاسم.
ومثل طين لبن، أي: ضرب لبناء يلزمه المثل، إن علم مثله، وإلا فقيمته، وكغصب قمح طحن يلزمه مثله عند ابن القاسم في المدونة وغيرها، وكغصب بذر ثم زرع لزمه مثله، وكغصب بيض وحضنه حتى أفرخ فعليه
[ ٦ / ٢٦٤ ]
مثله، والفرخ للغاصب، إلا إن غصب من الطير ما باض إن حضن المغصوب بيض نفسه، فالفرخ للمغصوب منه.
وظاهره: ولو كان الذكر للغاصب، وهو كذلك، ومفهوم الشرط لو حضنه تحت غيره أو حضنه بيض غيره لكان الفرخ للغاصب، وعليه أجرة الحضن.
ثم عطف على ما قبل الاستثناء، فقال: وغصب عصير تخمر بعد غصبه يلزم الغاصب عصير مثله؛ لانقلابه لما لا يجوز تملكه، وإن تخلل العصير بعد غصبه خير مالكه بين مثل عصيره أو أخذه خلا إن علم، وإن كان جزافا فقيمته.
تنبيه:
أشعر قوله: (تخلل) بأنه لو لم يكمل تخلله بأن دخله طرف تخلل فقط أن الحكم ليس كذلك، وهو كما أشعر، ويقوم على الرجاء والخوف كالثمرة.
كتخللها، أي: الخمر، إذا تخللت وهي لذمي، خير بين أخذها خلا وتركها، وأخذ قيمة الخمر على الأشهر، لا في أخذه ومثل الخمر.
وقال عبد الملك: يتعين الخل.
إذا وجبت قيمتها فقال ابن القاسم: يقومها من يعرف ذلك من المسلمين.
وقال أيضًا: يقومها أهل دينه؛ بناء على خطابهم بالفروع.
وتعين ما تخلل من خمر غصب لغيره، أي: لغير ذمي، وهو المسلم فقط، ولذا تعقبه الشارح بأن غيره يتناول الحربي المعاهد ونحوهما ضمن، ليس في أهل الذمة، وليس كذلك؛ لمساواة حكمهم للذمي، فلو قال: كتخللها لكافر لكان أحسن. انتهى.
[ ٦ / ٢٦٥ ]
[القيمة في المقوَّم:]
ولما فرغ من الكلام على المثلي، تكلم على المقوم، فقال: وإن صنع كغزل وحلي وغير مثلي كعرض وحيوان فقيمته؛ لتعذر إدراك المماثلة فيه، والتزام قيمته تكون يوم غصبه على المشهور؛ لأنه سبب لضمان، فوجب إضافة الحكم، وذكر لي بعض من وقف على خط المؤلف -رحمه اللَّه تعالى- أنه بضاد معجمة فمثناة تحتية مشددة مبني للفاعل، وغير بالرفع (١)، وغصبه فعل ماض.
قال في الشامل: ولو استهلك غزلا أو أتلف حليا فالقيمة. وظاهر كلام المصنف بأن الغزل والحلي مثلي؛ لقوله: (غير مثلي)، بناه على أصل غير ابن القاسم أن الصنعة لا تنقله، وأما على أصل ابن القاسم فإن المثلي إذا دخلته صنعة نقلته عاد بسببها من ذوات القيم فمقوم.
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ٩٩): "طفى قوله وغير بالرفع هكذا في النسخ التي وقفنا عليها من صغيره وكبيره وأصله تصحيف إذ الرفع لا يلائم بناء ضيع للفاعل. الحط بعضهم أنه رأى خط المصنف بضاد معجمة وياء تحتية مبنيا للنائب وهو ظاهر وأشار به إلى أن الغاصب إذا غصب غزلا ثم ضاع بسبب الغاصب أو بغير سببه فإنه يلزمه غرم قيمته وهذا هو الذي صدر به ابن الحاجب وكذا الحلي إذا غصبه وتلف فإنه يلزمه غرم قيمته ونبه بالغزل والحلي على مذهب ابن القاسم في المثلي إذا صنع فإنه يصير مقوما غ كذا في النسخ التي وقفنا عليها صنع بالصاد المهملة والنون مبنيا للفاعل أو للنائب فينبغي نصب لفظ غير على الأول ورفعه على الثاني على حسب محل الكاف وكأنه من باب علفتها تبنًا وماء باردًا أي أو فوت غير مثلي وإنما خص الصنعة أولًا نظرًا إلى الغالب وفر بعضهم من هذا التخصيص فضبط ضيع بضاد معجمة ومثناة تحتية مشددة مبنيا للفاعل أو للنائب أيضًا وزعم بعضهم أن قوله وإن صنع إغياء لمسألة تخليل الخمر أي وإن خلل وهذا معروف الأقوال عند ابن عرفة إذ قال ففي كونها بتخليلها عند الغاصب له أو لربها ثالثها إن تسبب في تخليلها لتخريج عبد المنعم والمعروف ومفهوم تعليل أبي محمد وعليه فصنع بصاد مهملة ونون مبنيا للنائب ليس إلا وغير مجرور عطفا على ما بعد الكاف وبقيمته بباء جر مكان فاء الجواب والمشبه به هو قوله المثلي ولو بغلاء بمثله وكأنه قال وضمن المثلي بمثله كضمان الغزل وحلي وغير مثلي بقيمته اهـ".
[ ٦ / ٢٦٦ ]
فائدة:
قال في الذخيرة: يقضي بالمثل في غير المثليات في أربع مسائل هذه، وإذا هدم بناء وجب عليه إعادته، وإن دفن في قبر غيره وجب عليه حفر مثله، ومن قطع ثوبا رقاه، وزيد خامسة، وهي: الجزاف إذا تلف، وتلزم القيمة.
[مسألة:]
وإن كان المغصوب جلد ميتة لم يدبغ إذا أتلفه، وإن كان لا يجوز بيعه، قاله ابن القاسم في المدونة، واستدل له بقوله: كما لا يباع كلب ماشية وزرع وصيد، وعلى قاتله قيمته، ولما رأي المصنف أنه لا فرق بين غصبه وإتلافه قال: أو كلبًا.
وبالغ على غير المدبوغ لأنه المتوهم، وأما المدبوغ فقيمته جميعه عند ابن القاسم.
نعم، بالغ على لزوم القيمة في الكلب بقوله: ولو قتله تعديا بغير غصب.
وفهم منه: أنه لو قتله على غير وجه العداء كما لو عدا عليه لم يثبت له هذا الحكم.
تنبيهات:
الأول: لم يؤقت مالك في المدونة في أثمان الكلاب بأن في كلب الماشية شاة، وفي كلب الصيد أربعون درهما، وفي كلب الزرع فرقا من طعام، وإنما على فأقله قيمته.
الثاني: أطلق في الكلب اعتمادًا على قوله: (تعديا)؛ لأن المباح قتله منها، وهو ما لم يأذن.
الشارح: في اتخاذه لا شيء على قاتله.
[ ٦ / ٢٦٧ ]
الثالث هاتان المسألتان يلزم فيهما القيمة، ولا يجوز فيهما البيع، ولهما نظائر، انظرها في الكبير.
[مسألة:]
وإذا جنى على المغصوب أجنبي، أي: غير الغاصب فأتلفه خير ربه في اتباع الأجنبي بقيمته يوم الجناية أو الغاصب بها يوم الغصب، وإنما خير فيهما لأن كل واحد منهما صل منه ما يوجب الضمان: هذا بالغصب، وهذا بالإتلاف.
وفهم منه: أنه لا خيار له مع إتلاف الغاصب، وإنما له القيمة يوم الغصب على المشهور من قولي ابن القاسم؛ لأنه لا يعتبر تعدد الأسباب في الضمان إذا كانت من واحد، واقتصر على هذا المشهور لقوله في توضيحه: هو الصواب.
[مسألة:]
فإن تبعه أي: تبع المغصوب منه الغاصب، وأخذ منه القيمة، تبع هو -أي: الغاصب- الجاني بجميع قيمة السلعة؛ لأن أخذ ربها قيمتها من الغاصب تمليك للغاصب لها، وهذا إذا كانت القيمة مساوية لما أخذ منه، أو أقل.
وأما إن كانت القيمة يوم الجناية أكثر فقد نبه عليه بقوله: فإن أخذ ربه -أي رب المغصوب- أقل القيمتين من الغاصب أو من الجاني فله -أي: رب المغصوب- الزائد، وهو تمام أكثر القيمتين من الغاصب فقط، لا من الجاني، وإن كان أخذ من الجاني أولا، وإن أخذ الأقل من الغاصب أولا فلا رجوع له على الجاني ولا على الغاصب على المشهور.
وله -أي: للمغصوب منه خشبة أو عمود- هدم بناء عليه، وأخذه، قاله ابن القاسم في المدونة، وله إبقاؤه وأخذ قيمته.
[ ٦ / ٢٦٨ ]
تنبيهان:
الأول: لو امتنع الغاصب من الدفع مع رضى المغصوب منه لم يلزم الغاصب، قاله ابن القصار.
وقال اللخمي وعبد الحميد: يلزم الغاصب.
الثاني: ظاهر كلام المصنف: ولو عظم البناء كالقصور، وهو كذلك.
[مسألة:]
وللمغصوب منه غلة مغصوب مستعمل كعبد ودابة ودار وغيرهما، وسواء استعمله بنفسه أو أكراه على المشهور.
وظاهره: أن الغلة للمغصوب منه، ولو هلك المغصوب، وهو كذلك، فيأخذ الغلة وقيمة المغصوب.
وللمغصوب منه صيد عبد اتفاقًا وجارح كباز وكلب على المشهور.
[مسألة:]
وله كراء أرض بنيت دارا أو نحوها، سكنها الغاصب أو استغلها، وهذا إذا كانت الأرض له خاصة، وأما لو كانت مشتركة وبنى أحد الشريكين أو غرس فليقتسما، فإن وقع بناؤه أو غرسه في حصته دفع لشريكه أجرة الأرض فيما مضى، وإن وقعت في حصة شريكه خير من وقفت في حصته بين دفع قيمته مقلوعا أو أمره بقلعه، قاله ابن القاسم.
ثم شبه في أن كراء الأرض للمالك والزائد للغاصب فقال: كمركب نخر: بنون فخاء معجمة فراء، أي: بالٍ متفتت، غصبه وأصلحه فاستعمله، فغلة الأصل للمالك، والزائد للغاصب، فيقال: كم تساوي أجرته نخرا لمن يعمره ويستغله؟ فما قيل لزم الغاصب، قاله أشهب.
وقال محمد: الجميع للمالك.
اللخمي: والأول أبين.
ابن راشد: أقيس.
[ ٦ / ٢٦٩ ]
ابن عبد السلام: الثاني أظهر.
[مسألة:]
وإذا أخذ المالك المركب أخذ معها ما لا عين له قائمة، كزفت وقلفطة (١) بغير شيء، وأما ماله عين قائمة كحبل ومقذاف وقلاع ونحوه فللغاصب، فإن كان بموضع لابد للمركب منه في سيرها لموضع الغصب، ولا يجده في ذلك الموضع فرب المركب مخير بين قيمته بموضعه كيف كان، أو يسلمه للغاصب، ومثل المركب النخر الدار تنهدم يصلحها الغاصب ويستعملها.
[مسألة:]
وله -أي: الغاصب- صيد شبكة غصبها اتفاقًا، وعليه أجرتها، كـ: الحبل والشرك والرمح والقوس، وألحقوا بذلك ما لا فعل له في الصيد، لكن يدرك به كالفرس.
[مسألة:]
وللغاصب ما أنفق على المغصوب من علف ومؤنة وكسوة وسقي أرض وعلاجها مما لابد للمغصوب منه، ويكون ذلك في الغلة مقامة منها، لا في غيرها؛ ففي الغلة ظرف لقوله: (ما أنفق)؛ ولذا لو زاد ما أنفق على الغلة لم يرجع به الغاصب، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
وتقرير البساطي بأن: "للغاصب إذا أخذت منه الغلة أن يرجع بما أنفق حين حصلت، فقوله: (في الغلة) أي: في حصولها" فيه نظر؛ لأنه يقتضي أن يكون له ما أنفق ولو زاد على الغلة.
[مسألة:]
وهل يلزم الغاصب الثمن إن أعطاه، أي: أعطى رب المغصوب فيه،
_________________
(١) القلفطة عبارة عن حشو الشقوق التي في ظهر السفينة ومن ثم طلاؤها، فهي على هذا عملية للصيانة والوقاية لها؛ وتكون بمادة كيماوية طلائية.
[ ٦ / ٢٧٠ ]
أي: في المغصوب المقوم متعدد عطاء فبه، أي: بذلك العطاء، لا قيمة، وهو قول مالك.
وقال سحنون: القيمة.
أو يلزمه بالأكثر منه، أي: من العطاء المتعدد، ومن القيمة، فأيهما كان أكثر لزمه، وهو قول عيسى؛ لوجود السببين؟ تردد في قول عيسى: هل هو خلاف كما قاله بعض الشيوخ، فهي ثلاثة أقوال، أو تفسير لقول مالك: "إنما يلزمه ذلك إذا كان أكثر، وإن كان أقل لزمته القيمة"، كما قاله بعض المتأخرين.
[مسألة:]
وإن وجد المغصوب منه غاصبه بغيره، أي غير المغصوب المقوم، وفي غير محله، أي: الغصب، فله -أي: للمالك- تضمينه القيمة.
ابن رشد: اتفاقا.
لما عليه في الصبر من الضرر، وله أن يصبر لمحل الغصب، ويكلف الغاصب أو وكيله الخروج معه لإقباض ذلك.
[مسألة:]
وإن وجد الغاصب بغير محله والمغصوب المقوم معه أخذه عند سحنون.
ظاهره: حيوانا كان أو عرضا؛ لأن نقله ليس فوتا، وهذا إن لم يحتج لكبير حمل كالدواب ووخش الرقيق، وأما الذي يحتاج لحمل فيخير بين أخذه أو قيمته يوم الغصب، لا إن هزلت جارية ثم عادت لسمنها، أو نسي عبد صنعة ثم عاد لمعرفتها فلا تخيير، وليس للمالك غيرهما، والتغيير في الأولى حسي والثاني معنوي، وتبع المصنف في هذا ابن الحاجب وابن شاس، وأنكر ابن عرفة معرفته لذلك في المذهب، قائلًا: ولم أقف عليه لغيرهما.
[ ٦ / ٢٧١ ]
أو أخصاه الغاصب فلم ينقص، فليس لربه غيره، وفهم منه: أنه لو زاد لم يضمن من باب أولى، وأنه لو نقص لضمن، وهو كذلك، نص على المسائل الثلاثة في الجواهر، وزاد: ويعاقب.
أو جلس على ثوب غيره في صلاة، وقام صاحب الثوب فانقطع، فلا شيء عليه؛ لأنه مما تعم به البلوى في الصلوات والمجالس، قاله عبد الملك، وعليه فلا خصوصية لقوله: (في صلاة)، وذكر بعض شيوخنا عن بعض شيوخه أن هذا بخلاف من وطيء نعل غيره فانقطعت فإن الواطيء يضمنه انتهى.
ويقاس على ما قاله ما يقطعه حامل الحطب من الثياب في الطريق، أو دل لصًا على مال أو غيره فأخذه فلا شيء على الدال، وكذا لو دل غاصبًا، ولولا الدلالة لم يعرفه.
أبو محمد: وضمنه بعض أصحابنا.
تتمة:
قال ابن يونس: من اتفق مع آخر على أن يقر له بالرق ليبيعه ويقتسمان الثمن ففعل، وهلك البائع، ضمن المقر الثمن للمبتاع لغرره.
أو أعاد الغاصب مصوغا كسره على حاله الأول، فلا شيء عليه عند ابن القاسم وأشهب.
محمد: يضمن قيمته، واستُظهر.
تنبيه:
لو باعه الغاصب فكسره المشتري وأعاده لحاله لم يأخذه المغصوب منه إلا بدفع أجرة الصياغة؛ لعدم تعديه.
وإن أعاده على غيرها، أي: على غير حالته الأولى فقيمته ككسره، أي: المصوغ، فيلزم الغاصب قيمته، وإليه رجع ابن القاسم، وكان يقول: إنما عليه ما نقصته الصياغة.
[ ٦ / ٢٧٢ ]
وهذا إن قدر على صياغته، فإن لم يقدر فعليه ما نقصه.
[مسألة:]
أو غصب منفعة فقط فتلفت الذات، قال الشارح: لم يبين ما الذي يضمنه، والمذهب أنه يضمن ما استولى عليه، وهو السكنى.
وقال البساطي: ظاهر كلامه: أنه يضمن قيمة الذات؛ لعطفه على ما تضمن فيه القيمة، والمنصوص يضمن قيمة المنافع، ويحتمله كلامه، لكنه بحث في توضيحه بحثا يقتضي أنه يضمن قيمة الذات، كما قالوا في المستأجر إذا تعدي وجاوز المكان.
[مسألة:]
أو كله -أي: المغصوب- مالكه، بأن قدمه له غاصبه ضيافة، فأكله بغير علم، فلا شيء على الغاصب؛ لأنه متسبب، وربه مباشر، وأحرى إن علم مالكه.
تنبيه:
لو أسقط قوله: (ضيافة)؛ ليشمل ما لو أكرهه على أكله، وما لو دخل المالك دار الغاصب وأكله بغير إذنه كما نص عليهما في الذخيرة لكان حسنا.
[مسألة:]
أو غصب شيئًا في زمان ثم قام به في زمان آخر، ولم يتغير بدنه لكنه نقصت لسوق، فلا شيء على الغاصب.
[مسألة:]
أو غصب دابة فسافر بها، ورجع بها من سفره، ولم يتغير، فلا شيء لربها سواها من قيمة، زلا كراء لتلك المسافة، ولو بعد السفر، كسارق سرقها وتغير سوقها، فليس لربها سواها.
وله -أي: للمالك- في تعد كمستأجر على دابة بزيادة مسافة، أو قدر
[ ٦ / ٢٧٣ ]
في محمول كراء الزائد في مسافة أو حمل إن سلمت على المشهور.
وإلا بأن لم تسلم بأن حصل فيها ما نقصها خير ربها فيه، أي: في كراء الزائد معها، وفي قيمتها وقته، أي: التعدي، وإن تعيب المغصوب المقوم بسماوي، إن لم يقل العيب، بل وإن قل على المشهور، ونحوه في المدونة، ومثل للعيب القليل بقوله: ككسر نهديها إذا غصبها قائمتهما.
وأشار بالمبالغة لقول الجلاب: إنه لا يضمن ذلك بحدوث العيب اليسير، وإن رجحه بعض المتأخرين من شيوخ عياض.
[مسألة:]
ولما كان لا فرق بين السماوي وجناية الغاصب والأجنبي على مذهب المدونة قال: أو جنى هو -أي: الغاصب- أو أجنبي على المغصوب خير المالك فيه، أي: في الغصب، لكنه أجمل في ذلك، وبيانه: أنه مخير في السماوي بين أمرين:
- أخذ قيمة المغصوب يوم الغصب.
- أو أخذه بعيبه بغير أرش؛ لأن المغصوب منه كان قادرا على تضمين الغاصب جميع القيمة فتركها.
وفي جناية الأجنبي يخير بين أخذه ناقصا، ويتبع الأجنبي بأرش الجناية أو قيمته من الغاصب يوم الغصب، ثم يتبع الأجنبي الغاصب، وفي جناية الغاصب يحتمل أنه كالسماوي، أو أنه كأجنبي، انظر الكبير.
كصبغه بسواد مثلًا لثوب غصبه أبيض يخير مالكه في قيمته أبيض، أو أخذ ثوبه مصبوغا، ودفع قيمة الصبغ.
تنبيه:
ظاهر إطلاقه هنا: تخيير بين الأمرين، سواء زادت قيمة الصبغ في الثوب أو لم تزد ولم تنقص، أو نقصه، وفي توضيحه عن المدونة: إنه مخير في الزيادة والمساواة، وأما النقص فيخير بين قيمة ثوبه أو أخذه مجانا.
وجعل البساطي المساواة كالنقص.
[ ٦ / ٢٧٤ ]
[مسألة:]
وإذا بنى الغاصب خير المالك في أخذ بنائه في أخذه ودفع قيمة نقضه بعد سقوط كلفة في نقضه إن لم يتولها الغاصب، بأن لم يكن من شأنه توليها بنفسه أو خدمه، وأما إن تولاها بنفسه أو خدمة لم يسقط في نظيرها شيء.
وسكت عن الشق الآخر، وهو لزوم الغاصب قلع بنائه، وهذه المسألة مكررة؛ لأنه شبهها بالعارية في بابها.
تنكيت:
تفسير البساطي للشق الثاني بلزوم القيمة سبق قلم؛ لأن المنقول فيها كما ذكرناه، لا ما قاله من لزوم القيمة للغاصب، وقد يقال: إنها غير مكررة؛ لأن العارية إنما ذكرها مشبهة بما في الغصب، وللمسألة نظائر، انظرها في الكبير.
[مسألة:]
وضمن الغاصب منفعة البضع بالتفويت، مثله في الجواهر، وعبر عنه ابن الحاجب بالاستيفاء، ففي وطء الحرة صداق مثلها، ولو ثيبا، وفي الأمة ما نقصها، وضمن منفعة بدن الحر بالتفويت.
ومفهومه: أنه لو لم يفوت البضع بل منع الحرة أو الأمة من التزويج لم يضمن شيئًا، ولو غاب عليهما، وهو كذلك.
كحر باعه غاصبه وتعذر رجوعه، مالك: يكلف بطلبه، فإن أيس منه ودى ديته لأهله.
[مسألة:]
وضمن الغاصب غيرهما، أي: غير البضع والحر بالفوات، وإن لم يستغل ولا استعمل عند مطرف وجماعة، وصوب، وتقدم أن مذهب ابن القاسم عدم الضمان، وهو المشهور.
[ ٦ / ٢٧٥ ]
فتلخص من هذا: أنه ذكر في المسألة قولين: مشهورا ومصوبا.
[مسألة]
ومن شكا شخصًا هل يضمن شاكيه لمغرم غرمه مالا زائدا: مفعول (يضمن) على قدر أجرة الرسول إن ظلم الشاكي المشكو في شكواه له، وبه أفتي بعض شيوخ ابن يونس.
ومفهوم الشرط: أنه لو لم يظلم بل كان مظلوما لا يقدر أن يتلخص منه إلا بذلك فلا يغرم الزائد على قدر أجرة الرسول، بل يغرم أجرته فقط.
أو المضمون الجميع: أجرة الرسول والزائد. ابن يونس: وأفتي به بعض شيوخنا. وإن لم يظلم لم يغرم شيئا.
أو لا يغرم شيئًا مطلقا، وإن ظلم بشكواه، وأحرى إن لم يظلم، وعليه الإثم والأدب إن ظلم، وعليه كثير، أقوال.
وحكى ابن عرفة عن المازري في ضمان من أتلف مالا بسببه بالقول: قولين. وتقدم عند قوله: (أو دل لصا).
وملكه الغاصب إن اشتراه بعد غصبه، إن لم يغب المغصوب، ولو غاب ببلد آخر؛ بناء على أن الأصل سلامته بموضعه.
وأشار بـ (لو) لقول أشهب: إنما يجوز بيعه منه غائبًا بشرط أن يعرف القيمة، ويبذل ما يجوز فيها.
تنبيه:
هذا على أحد شقي التردد في البيع، حيث قال: لا يباع إلا من غاصبه، وهل إن رد لربه مدة تردد.
أو غرم الغاصب قيمته كدعواه إباقه أو تلفه فإنه يملكه بذلك إن لم يموه، أي: يكذب في دعواه الإباق أو التلف، فإن موه فللمغصوب منه الرجوع على الغاصب.
ولو وصفه الغاصب وقوم على ما وصفه وأخل من وصفه بما نقص
[ ٦ / ٢٧٦ ]
قيمته ثم ظهر أنه أكمل مما وصفه بأمر واضح رجع عليه مالكه بفضلة أخفاهما، كوصفه بصفة تقتضي أن تكون قيمته عشرة، ثم ظهر أنه بصفة تقتضي أن تكون قيمته خمسة عشر على المشهور، ونحوه في المدونة، وزاد: فكأن الغاصب لزمته القيمة فجحد بعضها، وقاله أشهب.
والقول له -أي: للغاصب- في تلفه إن ادعاه وأنكره ربه، وفي نعته، أي: وصفه، إن أتى بما يشبه وخالفه ربه.
تنبيه:
قال ابن ناجي: تتعين الصفة بأحد أمرين:
- إما وصف الطول والعرض والصفاقة والخفة ونحو ذلك.
- وإما أن يأتي الغاصب بمثل ما غصب، ويقول: هو مثل هذا، وقاله في المجموعة، ومشى عليه المغربي.
وفي قدره من كيل أو وزن أو عدد لأنه غارم وحلف الغاصب في المسائل الثلاث كما نص عليه في المدونة.
تذييل:
هذا إذا أتى بما يشبه، وأما إذا أتى بما لا يشبه، وأتى ربه بما يشبه فالقول لربه مع يمينه، وأما لو أتيا بما لا يشبه فقال ابن ناجي: يقضى في ذلك بأوسط القيم بعد إيمانهما بنفي كل منهما ودعوى صاحبه انتهى.
ثم شبه بما تقدم قوله كمشتر منه -أي: من الغاصب- فيصدق في التلف والصفة والقدر مع يمينه، إذا قام عليه ربه وكذبه، وسواء علم أن البائع غاصب أو لا.
وظاهره: أن القول له، سواء كان مما يغاب عليه أو لا.
[وقت الضمان:]
ثم بين وقت ضمان ما يغاب عليه، فقال: ثم غرم لآخر رؤية رؤي عنده عليها بعد شرائه، بخلاف الصانع أو المرتهن يدعي ضياعه بعد رؤيته
[ ٦ / ٢٧٧ ]
عنده بعد شهر مثلًا، فإنه يضمن القيمة يوم القبض؛ لأنهما قبضاه على الضمان ولما غيباه اتهما على استهلاكه، فأشبها المتعدي، بخلاف المشتري قبضه على الملكية فلا يتهم.
[مسألة:]
ولربه -أي: المغصوب- إمضاء بيعه -أي: بيع الغاصب- لأنه فضولي.
وظاهره: علم المشتري أنه غاصب أم لا، كان المالك حاضرًا أم لا، قريب المكان بحيث لا ضرر على المشتري في الصبر إلى أن يعلم ما عنده أو لا، وهو كذلك في الجميع، وفي كل حلاف.
[مسألة:]
وله -أي: لربه- نقض عتق المشتري -أي: المشتري من الغاصب- وله إجارته، فيتم العتق وما يترتب عليه كشهادة وارثه، ونحوه لابن المواز.
وإن كانت أمة فأخذها سيدها رجع المقتص منه على عاقله الإمام بدية اليد ويرجع سيدها عليه بما نقصها.
[مسألة:]
وضمن مشتر من غاصب لم يعلم كونه غاصبا في إتلاف المغصوب بفعل عمد، كأكل الطعام وإبلاء ثوب للبس مثلًا وهدم دار وقت ضمانه يوم وضع يده عليه، أما لو علم بغصبه فحكمه كالغاصب.
لا تلفه عند المشتري غير العالم بسماوي لا صنع لأحد فيه، فلا يضمنه اتفاقًا، وكذا لا ضمان عليه في غلة استغلها.
تنبيه:
استشكل الحكم له بالغلة؛ لأنه يدل على أن الضمان منه، وقولهم: (لا ضمان عليه في السماوي) يدل على أن الضمان ليس منه، فما وجه الجمع؟
[ ٦ / ٢٧٨ ]
قال المصنف: قيل: إنما نفينا سببًا خاصًا من أسباب الضمان لا مطلق الضمان انتهى.
وأخذ البساطي هذا فجعله سؤالا لا جوابا.
[مسألة:]
وهل الخطأ من جناية المشتري في إتلافه أو تغييبه كالعمد وهو لأشهب في المجموعة.
أبو الحسن: ظاهر المدونة التسوية.
ابن عبد السلام: وهو القياس؛ لأن الخطأ كالعمد في أموال الناس.
أو هو كالسماوي، إليه ذهب ابن القاسم في العتبية، واختلف في المدونة على أي القولين يحمل، فجعل في البيان ما في العتبية مفسرا لها، وحمل ما فيها من الضمان إذا قطع المشتري يدها على الخطأ.
وقال أبو الحسن: ظاهرها أنه لا فرق بين كون الجناية عمدا أو خطأ، وهو مراد المؤلف بقوله تأويلان.
[مسألة:]
ووارثه -أي: الغاصب- وموهوبه الذي وهب الغاصب له المغصوب إن علما فينزلان منزلته كهو أنه غاصب، ويتبع المغصوب أيها شاء، ويرجع عليهما بالغلة؛ لأنهما لما علما خوطبا بالرد، ولما لم يفعلا صارا متعديين.
وإلا بأن لم يعلم الموهوب له بالغصب بدئ بالغاصب في الرجوع عليه بقيمة الموهوب وغلته على المشهور؛ إذ هو المسلط له عليه، وهو لابن القاسم في المدونة.
وقيل بالموهوب له.
وإذا بدئ بالغاصب رجع عليه المغصوب منه بغلة موهوبه، أي: التي استغلها الموهوب له.
[ ٦ / ٢٧٩ ]
اللخمي: اتفاقًا؛ لأن هبته لا تسقط عنه المطالبة المرتبة عليه بسبب الغصب.
[عسر الغاصب:]
فإن أعسر الغاصب فعلى الموهوب له الرجوع اتفاقًا؛ لأنه المستهلك، ثم يرجع بها الموهوب له على الغاصب إذا أيسر، قاله في البيان.
[تلفيق شاهد على الإقرار:]
ولفق شاهد شهد لزيد على بكر بالغصب لأمته لآخر شهد له على إقراره بالغصب لها وتمت الشهادة، ففي المدونة: "وإن أقصت شاهدًا أن فلانًا غصبك هذه الأمة، وشهد آخر على إقرار الغاصب أنه غصبكها، تمت الشهادة"، أي: بالغصب وقضي لك بها من غير يمين القضاء، ولم تتم بالملك؛ إذ قد تكون بيدك وديعة أو عارية، كشاهد بملكك لها فإنه يضم لثمان بغصبك، أي: بغصبها منك، فإن شاهد الغصب قد شهد بالملك، وإلا لم يشهد بالغصب، إلا أنه لا يقضى له بذلك، بل جائز فقط في المسألتين؛ ولذا قال: وجعلت ذا يد، أي: جائز، لا مالكا.
وهذا حيث لا يمين ولذا قال: إلا أن تحلف مع شاهد الملك أنه شهد لك بحق وتحلف أيضًا يمين القضاء أنك ما بعت ولا وهبت ولا خرجت عن ملكي بوجه.
وهذا على إثبات الواو قبل (يمين) كما في نسخة الأقفهسي، وعند الشارحين بغير واو؛ فهي يمين واحدة يجمع فيها بين الأمرين، قالا: ويحلف مع أيهما شاء، فمع شاهد الملك أنه ملكه لم يخرج عنه بوجه، ويقضى له به ملكا، وهو مع شاهد الغصب أنه غصبه، ويقضى له به حوزا.
[ادعاء الاستكراه:]
وإن ادعت استكراهما كذا وجد بأصل المؤلف، وبعده بياض كمله الأقفهسي بخطه، فقال: على غير لائق به بلا تعلق حدت له، أي: حد
[ ٦ / ٢٨٠ ]
القذف وحد الزنا، إن ظهر بها حمل، ولا شيء عليه اتفاقًا، وبتعلق لا حد إلا أن يظهر حمل فالزنا.
[التعدي:]
ولما أنهى الكلام على الغصب وكان بينه وبين التعدي مناسبة عقبه له، فقال: والمتعدي جان على بعض من السلعة، والغاصب على كلها.
ولما كان هذا لا يعم صور المتعدي لأن المكتري والمستعير إذا تعديا إنما يتعديان على الجميع، وليس لهما حكم الغاصب زاد: غالبا ليدخلهما ونحوهما.
فإن أفات التعدي المقصود مما تعدى عليه كقطع ذنب دابة ذي هيئة كقاض وكاتب وشاهد أو قطع أذنها أو قطع طيلسانه لأن إتلاف المنفعة المقصودة من العين كإتلاف جملتها.
قال الشارح: وإنما قال: (دابة) ولم يقل: (بغلة) ليشمل الفرس والحمار، إذا كان فارها لا يركبه إلا ذوو الهيئات غالبا لإبطال الغرض من مثله.
أو لبن شاة هو المقصود منها أذى تعدي عليها بما أذهب لبنها، وقلع عيني عبد أو قطع يديه لإفاتته الغرض المقصود منه.
ثم ذكر جواب الشرط بقوله: فله -أي: المالك المتعدى عليه إن حصلت إفاتة- أخذه ونقصه، أو له قيمته وتركه للمتعدي، فهو مخير بين الأمرين عند مالك وابن القاسم، وهو مذهب المدونة، وإليه رجعا.
وإن لم يفته -أي: لم يفت المتعدي المقصود من المتعدي عليه- فنقصه -أي: ليس له غيره- ثم أخذه.
ثم مثل لغير المفيت بقوله: كلبن بقرة أو ناقة ولو مقصودا؛ لأنهما وإن كانتا كذلك فلهما منافع غير ذلك، وقطع يد عبد، أو قلع عينه؛ لعدم تعطيل منافعه جملة أو جلها، فالمشهور أن لربه أخذه أو أخذ قيمة التألف.
[ ٦ / ٢٨١ ]
[مسألة:]
وإذا تعدى على رقيق غيره، فقطع يديه أو فقأ عينيه عتق عليه إن قوم عليه، بأن طلب سيده قيمته، وأما إن أخذه وما نقص لم يعتق عليه، وعلى هذا فهم جماعة قول ابن القاسم، وهو ظاهر كلام المؤلف.
ابن يونس: وهذا الذي ذهبوا إليه خلاف كلام ابن القاسم؛ فإنه قال: ليس لسيده إمساكه، بل يعتق عليه، وهو الصواب، أحب سيده أم كره؛ لظهور قصد الضرر لعدم عتقه؛ لأن قيمته عوضه، وإلى هذا أشار بقوله: ولا منع لصاحبه في الفاحش على الأرجح للمتعدي، ورفا الثوب إن خرقه وشعب القصعة إن شقها مطلقا، أي: يسيرًا كان ما أفسده أو كثيرا، ويغرم ما نقصه بعد رفو اليسير اتفاقا.
[لزوم أجرة الطبيب:]
وفي لزوم أجرة الطبيب للمتعدي يجرح تنزيلا للطب منزلة الرفو واستحسنه اللخمي، وعدم لزومه؛ لأن الرفو يتحقق أمره في الثوب بخلاف هذا، فيأخذه مع نقصه.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر المذهب. قولان متساويان عند المصنف.
* * *
فصل
في الاستحقاق، وذكر فيه حكما كان مشتركا بين الغاصب والمتعدي، فقال: وإن زرع الغاصب أو المتعدي أرضا فاستحقت، أي: قام مالكها.
البساطي: وليس المراد الاستحقاق المشهور أي فقط.
فإن لم ينتفع بالزرع، بأن كان قبل ظهوره أو بعده أخذ ذلك الزرع لرب الأرض بلا شيء عوضًا عن البذر، ولا أجرة الحرث أو غيره.
[ ٦ / ٢٨٢ ]
تنكيت:
ظاهره: القضاء له بأخذه، ولو أراد ربه قلعه، وليس كذلك، بل يؤمر بقلعه (١)، فإن أبي أخذ حينئذ بغير شيء، كما في توضيحه.
وظاهره: أنه ليس له إبقاؤه لربه وأخذ كرائه، وهو كذلك عند ابن المواز.
وإلا بأن بلغ حدًا ينتفع به فله -أي للمستحق- قلعه، بأن يأمر ربه بذلك، إن لم يفت وقت لم تراد له الأرض، سواء أريد زرعها بجنس ما زرع فيه أو غيره، ونحوه في نوازل ابن رشد، وفي نوازل أصبغ خلافه، وهو ما حمل عبد الحق وغيره المدونة عليه، وأن المراد بالإبان ما زرعه فيها الغاصب فقط، وهو ظاهر تقرير الشارح.
[مسألة:]
وله -أي: رب الأرض- أخذه بقيمته مقلوعا، ويبقيه لنفسه بأرضه
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ١٥٢): "وظاهر قوله أخذ أنه يقضى له بأخذه ولو أراد الزارع قلعه وليس كذلك بل يأمره بقلعه فإن أبى فله أخذه بغير شيء كما في توضيحه وظاهره أيضًا أنه ليس له إبقاؤه لزارعه بكراء وهو كذلك عند ابن المواز لأنه بيع له قبل بدو صلاحه لأنه لما كان للمستحق أخذه مجانا كان إبقاؤه بكراء بيعًا له في الحقيقة بالكراء على تبقيته وذلك ممنوع للغرر وخرج جوازه على أن من ملك أو يملك لا يعد مالكا ونظر فيه البساطي فيخرج على أن من خير بين شيئين فاختار أحدهما لا يعد منتقلا إذ عليه لا يتصور هنا بيع الزرع قبل بدو صلاحه على تبقيته. ومنع ابن المواز على عده منتقلا أفاده تت. طفى قوله وليس كذلك بل يأمره بقلعه. . . إلخ. فيه نظر والصواب إبقاء كلام المصنف على ظاهره أن الخيار للمستحق إن شاء أمره بقلعه وإن شاء أخذه مجانا كما في ابن عبد السلام وابن عرفة والتوضيح وغيرهم. ابن يونس ابن القاسم وأشهب إن كان الزرع صغيرا إذا قلع لا ينتفع به قضى به لرب الأرض بلا ثمن ولا زريعة ولا شيء وما عزاه للتوضيح ليس فيه ونصه وإن كان قيامه بعد الزرع وقبل ظهوره أو بعده وقبل الانتقاع به فيه أن يأمره بقلعه أو يأخذه ابن القاسم وأشهب بلا ثمن ولا زريعة اهـ".
[ ٦ / ٢٨٣ ]
إذا أبقاه، يتنزل منزلة زرعه، وله أن يزرع، وله أن يبقيه على المختار عنه اللخمي؛ لقوله: إنه صواب.
وفهم من قوله: (بقيمته) أنه ليس له جبره على أخذه مجانا ليبقيه بأرضه، وهو كذلك على المشهور.
وإلا بأن فات وقت ما تزاد له فكراء السنة كلها لربها على الغاصب عند مالك، ولا حق له في النسخ، وليس له قلعه؛ إذ لو قلع لم ينتفع بأرضه.
ثم شبه في حكم ما إذا لم يفت الإبان فقط لا في جميع أحوال الغاصب السابقة، فقال: كذي شبهة من وارث أو مشتر لم يعلم بالغصب وزرع واستحقت؛ ففي المدونة عن ابن القاسم: وإن كانت الأرض تزرع في السنة مرة فاستحقها وهي مزروعة قبل فوات إبان الزراعة فكراء تلك السنة للمستحق، وليس له قلع الزرع؛ لأن المكتري زرع بوجه شبهة، ولو كان الزارع غاصبا لرب الأرض قلعه.
وفهم الشارح أن التشبيه في جميع أحوال الغاصب، فاعترض بما في المدونة من الفرق بين الغاصب وغيره.
أو جهل حاله -أي: مكري الأرض- هل هو غاصب أو مبتاع أو هل ابتاع عالما أو غير عالم، ثم زرعها المكتري فاستحقت فمكريها كالمشتري في التي قبلها ونحوه في المدونة.
وإن لم يزرع المكتري الأرض فاتت بحرثها فيما بين مُكر ومكتر، كذا لعياض عند قولها: (ومن أكترى أرضا بعبد أو ثوب ثم استحق أو بما يوزن من نحاس أو حديد بعينه يعرفان وزنه، ثم استحق ذلك، فإن استحق قبل أن يزرع أو يحرث انفسخ الكراء، وإن كان بعدم زرع أو أحدث فيها عملا فعليه قيمة الأرض).
ابن ناجي: أي كراء المثل.
[ ٦ / ٢٨٤ ]
[الحكم بين المكتري والمستحق:]
ولما ذكر الحكم بين المكري والمكتري أفاد الحكم بين المكتري والمستحق بقوله: وللمستحق أخذها من المكتري، ودفع كراء الحرث له، فإن أبى مستحقها من دفع كراء الحرث للمكتري قيل له -أي: للمكتري-: أعط كراء سنة، فإن أعطاه فواضح.
وإلا بأن لم يعطه أسلمها لربها بلا شيء، مثله لابن القاسم في المستخرجة.
[تأجير الأرض سنين:]
وإذا أجر الأرض مش هي في يده سنين، وزرعت سنة مثلًا، ثم استحقت، وفات الإبان، وقام المستحق، فلا شيء له فيما مضى من الأجرة، ويفسخ العقد إن شاء، أو يمضي في باقيها، كذا أطلق في المدونة، وقيدها اللخمي وغيره بما إذا كانت نسبة أجرة باقي المدة معلومة.
وللقيد أشار المؤلف بقوله: إن عرف النسبة لما يقابل الأرض في الباقي لا بعدد السنين.
ومفهوم الشرط: لو لم يعلم النسبة لكانت الأجرة مجهولة، ويصير كجمع الرجلين سلعتهما في البيع.
ولا خيار للمكتري، بل يلزمه العقد، وليس من حجته أن يقول: لي الخيار؛ للعهدة -أي: لأخلص منها، وانتقد المستحق حصته فيما بقي من المدة، إن انتقد الأول -أي: المكري- وأمن هو -أي: المستحق- من دين يحيط به، وأبرز الضمير لجريانه على غير عوده (١).
_________________
(١) قال ابن مالك: وأبرزنه مطلقًا حيث تلا ما ليس معناه له محصلا قال شارحه ابن عقيل (١/ ٢٠٧): "إذا جرى الخبر المشتق على من هو له استتر الضمير فيه، نحو: (زيد قائم) أي هو فلو أتيت بعد المشتق بهو ونحوه وأبرزته فقلت زيد قائم هو فقد جوز سيبويه فيه وجهين أحدهما أن يكون هو تأكيدًا للضمير المستتر =
[ ٦ / ٢٨٥ ]
والغلة لذي الشبهة كمشتر ومكتر أو المجهول الذي لا يعلم وهبه غاصب أم لا، ويستحقها كل منهم للحكم بالاستحقاق على من هو يده، ثم تكون للمستحق ولام (للحكم) للغاية، كوارث من غاصب وموهوب ومشتر منه لمهم الغلة، إن لم يعلموا بالغصب، فإن علموا فالغلة للمستحق، واللَّه أعلم.
تنبيه:
ظاهر كلامه: أن المعتبر علم الوارث والموهوب له والمشتري.
وقال ابن ناجي عن أبي عمران: لا ينظر لمعرفة الموهوب، وإنما ينظر لمعرفة الناس لذلك، وأما المشتري فإنما ينظر لمعرفة نفسه، فإن عرف أن البائع غاب لم يكن له عليه غلة، وإلا كانت انتهى.
بخلاف ذي دين على وارث، كدار دفعها له في دينه فاغتلها، ثم استحقت رد الغلة؛ إذ لا ينتفع مع بقاء دينه، كوارث طرأ على وارث مثله.
_________________
(١) = في قائم والثاني أن يكون فاعلا بقائم هذا إذا جرى على من هو له، فإن جرى على غير من هو له وهو المراد بهذا البيت وجب إبراز الضمير سواء أمن اللبس أو لم يؤمن فمثال ما أمن فيه اللبس زيد هند ضاربها هو ومثال ما لم يؤمن فيه اللبس لولا الضمير زيد عمرو ضاربه هو فيجب إبراز الضمير في الموضعين عند البصريين وهذا معنى قوله وأبرزنه مطلقًا أي سواء أمن اللبس أو لم يؤمن. وأما الكوفيون فقالوا إن أمن اللبس جاز الأمران كالمثال الأول وهو زيد هند ضاربها هو فإن شئت أتيت بهو وإن شئت لم تأت به وإن خيف اللبس وجب الإبراز كالمثال الثاني فإنك لو لم تأت بالضمير فقلت زيد عمرو ضاربه لاحتمل أن يكون فاعل الضرب زيدًا وأن يكون عمرًا فلما أتيت بالضمير فقلت زيد عمرو ضاربه هو تعين أن يكون زيد هو الفاعل. واختار المصنف في هذا الكتاب مذهب البصريين ولهذا قال وأبرزنه مطلقًا يعني سواء خيف اللبس أو لم يخف واختار في غير هذا الكتاب مذهب الكوفيين وقد ورد السماع بمذهبهم فمن هذا قول الشاعر ٤٢ -: قومي ذرا المجد بانوها وقد علمت بكنه ذلك عدنان وقحطان التقدير بانوها هم فحذف الضمير لأمن اللبس".
[ ٦ / ٢٨٦ ]
اختلف الشارحان في هذا المحل: فقرره بهرام تابعا لما في التوضيح بقوله: أي لا غلة لوارث طرأ على وارث آخر مثله في المنزلة، يريد: أو أقرب منه، وإن لم يعلم؛ لأنه ليس بضامن، ويأخذ القادم الكراء.
ثم قال عن ابن القاسم: وأما إن سكن هذا الوارث ثم طرأ عليه أخ لم يعلم به فالاستحسان أن لا رجوع لأخيه عليه بشيء.
إلا أن ينتفع بنفسه قاموا، وعليه فلا يرجع الطاريء على أخيه بثلاثة شروط:
- أن لا يسكن بنفسه.
- وأن لا يكون في نصيبه ما يكفيه.
- وأن لا يعلم بأخيه.
وقرره البساطي بأن الطاريء المساوي في الدرجة إن لم يعلم من حاز الميراث، إلا أن ينتفع الجائز بالكراء فللطاريء نصف الكراء، وانظر ما قيل على كل من التقريرين في الكبير.
[مسألة:]
وإن غرس ذو الشبهة أو بنى في أرض فاستحقت قيل للمالك له: أعطه قيمته -أي: ما بنى أو غرس- قائما، فإن أخذ فواضح، وإن أبي فله -أي: للغارس أو الباني- دفع قيمة الأرض بغير غرس ولا بناء.
فإن دفع فلا كلام، وإن أبي فشريكان: هذا بقيمة أرضه وهذا بقيمة بنائه، وبهذا قضي عمر -﵁-، والمعتبر في التقويم يوم الحكم لا يوم الغرس ولا يوم البناء.
[الأرض المحبسة:]
إلا الأرض المحبسة تستحق بعد الغرس فيها أو البناء فالنقض: بضم النون، متعين لصاحبها كالمغروس؛ إذ ليس ثم من يعطيه قيمته قائما، وليس له أن يعطي قيمة البقعة؛ لأنه بيع الحبس، ولا يكون شريكا بذلك.
[ ٦ / ٢٨٧ ]
[مسألة:]
وضمن مشتر قيمة الأمة المستحقة بالملك لا بالحرية، لتعلق حق مستحقها بقيمتها لا بعينها على خلاف فيها، وضمن قيمة ولدها أيضًا لمستحقها، والتعبير في فوات يوم الحكم، وإليه رجع مالك.
قال في المدونة: وعليه جماعة الناس.
لا يوم القبض الذي أفتى به مالك لما استحقت أم ولده.
تنكيت:
قول الشارح: استحقت بحرية أو ملك سبق قلم.
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله: (قيمة ولدها) أنه لو لم يحصل فيها غير الوطء لم يلزمه شيء.
الثاني: إذا قوم الولد وله مال فبدونه. الفاكهاني: على المشهور. واللَّه أعلم.
الثالث: إذا مات الولد قبل ذلك فلا شيء عليه على المنصوص.
[مسألة:]
وإن قتل الولد ضمن الأب للمستحق الأقل من قيمته عبدا حيا، ومما أخذ من قيمته إن أخذ له دية عن خطأ أو عمد، كما يأتي.
وفهم منه: أنه لو قتل عمدا أو اقتص الأب لم يكن للمستحق شيء، وهو كذلك، نص عليه في المدونة.
قال ابن عرفة: إن قتل خطأ فعلى عاقلة قاتله ديته منجمة على ثلاث سنين، وعلى الأب الأقل منها، ومن القيمة يوم القتل، فإن استحقت قبل أن يقبض الأب شيئًا لم يغرم حتى يقبض، فيقضي من أول نجم، فإن لم يف
[ ٦ / ٢٨٨ ]
منه فمن الثاني، ثم الثالث، وإن استحقت بعد أن انفق الأب الدية فلا شيء للمستحق على العاقلة؛ لأن المقال عليها بالحرية، والمقال على الأب الرق.
وإن قتل عمدا فللأب القصاص والعفو، وإلا مقال للمستحق على القاتل، ولا على الأب، وإن صالح على الأقل من الدية فللمستحق الأقل من ذلك ومن قيمته يوم القتلى.
[مسألة:]
ولا يضمن مبتاع صداق حرة اشتراها على أنها أمة ووطئها بكرا كانت أو ثيبا ثم استحقت عند مالك وابن القاسم.
قال المصنف: وهو المشهور المعروف، ولا يضمن ما نقصها.
قال في الشامل: على الأصح.
أو غلتها لا يضمنها كما ورث دارا مثلًا فاستحقت حبسا لإخراج عليه عند ابن القاسم.
ابن رشد: وبه جري العمل عندنا.
[مسألة:]
وإن هدم مكتر لكدار من ذي شبهة ما اكتراه تعديا منه، ثم استحق المهدوم، فللمستحق على المتعدي بالهدم النقض: بضم النون، وقيمة الهدم؛ إذ له أخذه قائما.
ثم بالغ بقوله: وإن أبرأه مكريه مما هدم قبل ظهور الاستحقاق، وأحرى إن لم يبرئه، كان الهادم مليئًا أو معدما، ولا رجوع للمستحق على المكري؛ لأنه فعل ما يجوز له.
ومفهوم (تعديا): أن المكري لو أذن للمكتري في الهدم لم يلزمه شيء، وإنما له النقض إن وجده، أو ثمنه إن باعه، ونحوه في المدونة.
كسارق عبد من مبتاع أبرأه المبتاع من قيمته، ثم استحق العبد،
[ ٦ / ٢٨٩ ]
فللمستحق قيمته على السارق خاصة، بخلاف مستحق شخص مدعي حرية استعمله شخص، ثم استحق أجرة عمله لمستحقه، وإن مات.
قال في الشامل: على الأصح.
إلا العمل القليل، كـ: سقي دابة مثلًا، فلا شيء لمستحقه فيه.
وظاهره: سواء طالت إقامته وهو يدعي الحرية أو لا، أتلف الأجره أو لا، وهو كذلك؛ لأن مستعمله لم يتعد في الدفع إليه.
تنبيه:
المخالفة بين هذه ومن استحقت بحرية في تلك بعد ظهور الرق وعكسه هنا.
[مسألة:]
وله -أي: لمستحق عرصة دار- هدم مسجد بني فيها، وله إبقاؤه؛ ففي المدونة: (من بنى داره مسجدا ثم استحقها رجل فله هدمها، كمن ابتاع عبدا فأعتقه، ثم استحق، فلربه رد للعتق).
[مسألة:]
وإن استحق بعض فكالمبيع ورجع للتقويم، وفي بعض النسخ: (فكالبيع)، ومعناها واحد، وتقدم ذلك في فصل الخيار.
ومحصله: أنه يفرق فيه بين وجه الصفقة وأقلها، ففي الأول ينقض البيع، ويرد ما بقي، ولا يجوز التمسك بالأقل، ولو رضي البائع، وفي المكيل والموزون يرجع بحصة القليل من الثمن، ويلزم الباقي، ويخير في الكثير بحسب ما بقي من حصته أورده، وفي البائع يرجع بحصته من الثمن فقط.
[مسألة:]
وله -أي: للمشتري- رد أحد عبدين اشتراهما في صفقة، ثم استحق أفضلهما بحرية؛ لأنه وجه الصفقة، وله التمسك بالآخر، وهذا ظاهر قول
[ ٦ / ٢٩٠ ]
التهذيب، فله على أنه تعقب في صفقة، بأن الذي في الأمهات إن كان وجه الصفقة رد الباقي، وظاهره الحتم.
تنبيهان:
الأول: قال محمد: وجه الصفقة ما زاد على النصف، فلو استحق أدناهما ألزم الباقي بحصته من الثمن بعد التقويم، وكذا لو تساويا.
الثاني قوله بحرية تبعا للرؤية.
كأن صالح عن عيب ظهر عليه في عبد ابتاعه بآخر، ثم استحق أحدهما فليس له الرد.
ابن ناجي: وهو المشهور. فهي خلاف التي قبلها.
[مسألة:]
وهل يقوم العبد الأول مع الثاني المأخوذ في العيب يوم الصلح.
عياض: لأنه يوم تمام قبضها، وقاله أبو عمران.
أو تقوم الأول يوم البيع، والثاني يوم الصلح، وذكره عبد الحق في نكته؟
تأويلان على قول ابن القاسم فيهما، كأنهما في صفقة واحدة، وعاب أبو عمران التأويل الثاني، فقال: ابن القاسم يقول: كأنهما في صفقة، وهو يقول في صفقتين.
[مسألة:]
وإن قام شخص وادعى على آخر بشيء فأقر له به، وصالح المدعى عليه بشيء فاستحق المصالح به، وهو معنى قوله: ما بيد مدعيه رجع المدعي في مقر به: بفتح القاف، إن لم يفت بتغير سوق أو بدن، وهو عرض أو حيوان.
وإلا بأن فات ففي قيمة عوضه كالبيع، ونحوه في المدونة، وإن كان مثليا رجع بمثله، كإنكار صالح عليه فاستحق ما أخذه المدعي رجع بقيمة ما
[ ٦ / ٢٩١ ]
قبض أو مثله إن وجد له مثل على الأرجح عند ابن يونس؛ لقوله: إنه الصواب. فالتشبيه فيما بعد الاستثناء.
[مسألة:]
لا يرجع إلى الخصومه للغرر؛ إذ لا يدري ما يصح له، فلا يرجع من معلوم لمجهول، كمن صالح عن دم عمد بعبد، فاستحق، فإنه يرجع بقيمة العبد؛ إذ لا ثمن معلوم لعوضه، وإن استحق ما بيد المدعى عليه -وهو المصالح عنه- ففي الإنكار يرجع على المدعي بما دفع له، فيأخذه منه إن لم يفت بما تقدم.
وإلا بأن فات فقيمته في المقوم، ومثله في المثلى، وسواء كان ذلك بحضرة الصلح أو بعد الطول.
[مسألة:]
وإن استحق ما بيد المدعي عليه، وهو المصالح عنه ففي الانكار يرجع على المدعي بما دفع له، فيأخذه منه إن لم يفت بما، وإلا بأن فات فقيمته في المقوم، ومثله في المثلي، وسواء كان ذلك بحضرة الصلح أو بعد الطول، وإن استحق ما في يد الإقرار لا يرجع على المدعي بشيء لإقراره أنه له وإنه أخذه منه ظلما.
وتلخص من كلام المصنف أربع صور: اثنتان في الإقرار واثنتان في الإنكار.
كعلمه -أي: المشتري المستحق من يده- صحة ملك بائعه لما استحق، فلا يرجع عليه بشيء عند ابن القاسم وأشهب، لتحقيقه أن المستحق ظلمه.
وقال غيرهما: يرجع.
لا إن لم يعلم صحة ملكه لما استحق، وإنما قال داره فاستحقت من المشتري، فإنه يرجع على بائعه.
[ ٦ / ٢٩٢ ]
[مسألة:]
ورجع في بيع عرض بعرض استحق أحدهما بما خرج منه وهو عرضه، لا في عرض غيره الذي استحق إن وجده، أو قيمته إن لم يوجد، وكان مقوما، وإلا فمثله إن كان مثليا.
[المستثنى في المسألة:]
إلا نكاحا صدقها فيه عبد فاستحق، فإنها ترجع بقيمة العبد بخلاف ما قبله.
وإلا خلعا على عبد فاستحق العبد.
وإلا صلح عمد بعبد فاستحق.
وإلا عبدا مقاطعا به عن عبد اشترى نفسه من سيده فاستحق، وعبدا مقاطعا عن كتابة مكاتب فاستحق، أو عبدا عن عمري دار عمرها له وصالحه به عنها، فاستحق العبد، ورجع المستحق من يده بقيمة العبد المستحق في المسائل السبع، وتقدمت قبل هذا.
[مسألة:]
وإن أنفذت وصية مستحق بفتح الحاء برق متعلق بمستحق بعد قوله لم يضمن وصي تصرف في ماله بالإيصاء، وصرفه في مصرفه، وكذا لا يضمن حاج حج عنه إن عرف هذا المستحق فتح الحاء بالحرية بين الناس.
ومفهوم الشرط: أنه لو كان غير معروف بها لضمن الوصي في مال غيره، وهو كذلك، نص عليه الباجي.
[مسألة:]
وأخذ السيد المستحق بكسر الحاء ما كان قائما من تركته لم يبع وما بيع منها وهو قائم بيد مشتريه لم يفت بالثمن، متعلق بقوله: (أخذ) فيدفع الثمن لمشتريه، ونحوه في المدونة، زاد فيها: (ويرجع على من باع تلك
[ ٦ / ٢٩٣ ]
الأشياء فيقبض منه ثمن ما باع من مال عبده، وأما ما فات بزوال عينه أو بتغير صفته أخذ ثمنه خاصة، قاله ابن القاسم.
ثم شبهها بمسألة قالها مالك فقال كمشهود بموته بيعت تركته رقيق وغيره، وتزوجت زوجته، ثم قدم حيا، إن عذرت بينته الشاهدة بموته في دفع تعمد الكذب عنها كرؤيتها له في معركة القتلى وطعن فظنت موته فإن زوجته ترد له، أو يأخذ ما وجده من متاعه لم يبع وما بيع وهو قائم لم يتغير أخذه بالثمن، وما وجد قد فاتت عينه عند مبتاعه أو تغير في بدنه أو فات بعتق أو تدبير أو كتابة أو أمة حملت من السيد أو صغير كبر فإنما له الرجوع بالثمن على من باع ذلك كله.
وإلا بأن لم تعذر بينته بأن تعمدت الزور فكالغاصب، فإنه إذا وجد متاعه عنده أخذه إن شاء، وإن شاء أخذ ثمنه، وما فات من متاعه فالثمن له يرجع به على البائع، وهذا مقابل قوله: (لم يفت)، كما لو دبر المشتري عبدا اشتراه من التركة أو كاتبه أو أعتقه أو كبر صغير عند المشتري فله أخذه أو ثمنه، وكذا لو كانت أمة أولدها المشتري فله أخذها وقيمة ولدها يوم الحكم كالمغصوبة.
قال البساطي وذكر التدبير وكبر الصغير يصلح مثالا للأولى والثانية انتهى.
وهاتان المسألتان نحوهما في المدونة، واللَّه -تعالى- أعلم بالصواب.
* * *
باب
ذكر فيه الشفعة وما يثبت وما لا يثبت، وهي بسكون الفاء وضمها، وهي خارجة عن الأصول، وأرخص فيها لضرر الشركة أو لضرر القسمة.
واصطلاحا قال ابن الحاجب: (أخذ الشريك حصته جبرا شراء).
[ ٦ / ٢٩٤ ]
[شرح التعريف:]
فـ (أخذ): كالجنس، و(الشريك) كالفصل مخرج للجار، فلا شفعة له، و(حصته) يحترز به عن أخذه منه ما ليس بينه وبينه فيه شركة؛ إذ قد يقضى للشريك على شريكه بحق غير متعلق بالشركة، و(جبرا) مخرج للشراء اختيارًا، و(شراء) مخرج للاستحقاق.
ولابن عرفة تعقب على هذا الحد، انظره في الكبير، ولم يحدها المصنف، بل بدأ بالكلام على الأخذ، فقال: الشفعة أخذ شريك في الشقص المبيع بعضه حين بيعه غيره، فيخرج بائع بعض شقصه، وإن كان شريكا حين البيع؛ لأن البيع ليس من غيره.
حادثة:
قال ابن ناجي: وقعت بتونس وهي وصي على أيتام باع عليهم نصفه لضرورتهم، ثم أراد الأخذ بالشفعة لهم، فقال شيخنا: لا يأخذ لهم. وخالفه بعض شيوخنا، واختار أنه يشفع لهم.
نظائر:
أربعة لا شفعة لهم:
- إذا باع أحد المتفاوضين حصته من دار من شركتهما.
- والوصي من دار مشتركة بينه وبين يتيمه.
- والأب لابن صغير من شركة بينهما.
- ومن كل على حصة في دار هو شفيعها.
[مسألة:]
ثم بالغ بقوله ولو كان الشريك ذميا باع شريكه المسلم حصته لذمي أخر.
وأشار بلو لقول ابن القاسم: (لا شفعة للنصراني)؛ لأن خصمه نصراني، والمخاصمة بينهما في الشفعة لا ينظر القاضي فيها.
[ ٦ / ٢٩٥ ]
تنبيهان:
الأول: خص الذمي بالذكر لأنه موطن الخلاف.
الثاني: ظاهر كلامه أن للمسلم الأخذ ولو باع الذمي لذمي بخمر أو خنزير، وهو كذلك، لكن اختلف: هل يأخذ بقيمة الشقص أو بقيمة الثمن؟ قولان لأشهب وابن عبد الحكم.
كذميين تحاكموا إلينا في الشفعة فإنا نقضي بينهم فيها، وإن لم يتحاكموا إلينا فلا، ونحوه في المدونة.
وأفهم قوله: (تحاكموا) أنه لابد من ترافعهم، فلو طلب ذلك بعضهم وأبي بعضهم لا نحكم بينهم.
[تحبيس الشريك حصته:]
أو كان الشريك محبسا لحصته فله الشفعة، لبقاء الحبس على ملكه إن أخذ بالشفعة ليحبس، وإلا فلا شفعة له، كسلطان له الأخذ بالشفعة لبيت المال.
سحنون: لو قتل مرتد وله شفعة، أخذه السلطان لبيت المال، إن شاء.
[مسائل تتعلق بمن لا شفعة له:]
[١] لا محبس عليه، فلا شفعة له، ولو أخذ ليحبس، وهو مذهب المدونة.
وأشار بلو لخلاف مطرف وابن الماجشون: له ذلك إن أراد إلحاقه بالحبس.
[٢] ولا جار لا شفعة له وإن ملك تطرقا بأن كان شريكا في الممر، أو كان مالكا لمنفعة التطرق، كمن له طريق في دار فبيعت الدار لا شفعة له فيها.
[٣] وناظر وقف لا شفعة له فيما بيع مشتركا بين الوقف وغيره.
[ ٦ / ٢٩٦ ]
قال في الشامل: على الأصح.
ثم عطف على (ناظر)، فقال: وكراء فلا شفعة لشريك أكرى شريكه حصته المشتركة بينهما على أحد قولي مالك، أو الشفعة على قوله الآخر، ولم يذكره المؤلف.
[مسألة:]
واختلف في ناظر الميراث: هل لا شفعة له، وهو قول مالك، أو له الشفعة لبيت المال، وهو قوله أيضًا؟ قولان، وأطلق المؤلف الخلاف، وقيده بعضهم بما إذا لم يجعل السلطان له ذلك، وأما إذا جعله له فهو بمنزلته.
[شروط المأخوذ منه:]
ثم تكلم على المأخوذ منه، وهو من اجتمعت فيه شروط، أشار لأولها بقوله: ممن تجدد ملكه، خرج به ما لو اشترى اثنان فأكثر دارا دفعة، فلا شفعة لواحد منهم على الآخر.
ولثانيها بقوله: اللازم، وهو: صفة لملك، وتحرز عن المبيع بخيار، فلا شفعة فيه قبل لزومه، وأما بعد لزومه فالشفعة فيه؛ ولذا قال البساطي: فيه مناقشة لا تضر مع العلم بالمراد انتهى.
وسواء كان الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما أو لأجنبي، وكذا لو أسقط هو شفعته قبل تمام الخيار لكان له القيام إذا تم، قاله ابن المواز.
ولثالثها بقوله: اختيارا احترازًا عما يدخل الملك قهرا كالميراث بمعاوضة، فلا شفعة فيما تجدد ملكه اللازم بصدقة أو تمليك على الأصح عند ابن يونس وغيره.
[مسألة:]
ولو كان تجدد الملك ببيع عقار موصًى ببيعه للمساكين كمن أوصى بثلثه لهم وفيه عقار فباعه الوصي ففيه الشفعة للورثة على الأصح عند ابن
[ ٦ / ٢٩٧ ]
الهندي، وعلى المختار عند اللخمي.
وأشار بالمبالغة لقول سحنون: (لا شفعة)؛ لأن بيع الوصي كبيع الميت، لا موصى له معين كزيد ببيع جزء من عقار، أي: يكون هو المشتري، فلا شفعة للورثة لئلا يبطل قصد الموصي.
ثم ذكر المأخوذ وهو معمول أخذ المتقدم أول الباب بقوله: عقارا كالدور والأرضين وما يتصل بها من بناء أو ثمرة، كما قال ابن شاس، فلا شفعة في غير العقار من حيوان وعرض.
[حكم المناقلة:]
وبالغ بقوله: ولو مناقلا به، والمناقلة: بيع الشقص بعقار، كأن يناقل شريك بحصته رجلًا بحصته من دار أخرى أو بدار، فلشريكه أخذ الحصة عند مالك، واقتصر عليه المصنف لقول ابن رشد في بيانه: هو الصحيح.
وظاهر كلامه: سواء علم أن المراد الناقلة دون المبايعة أو لا، كان المناقل معه شريكا له في هذه الدار أو لا، دفع مع ما نافل به نقدًا أو لا.
[شرط العقار الذي فيه الشفعة:]
ثم أفاد أن شرط العقار الذي فيه الشفعة قبوله للقسم بقوله إن انقسم، أي: قبل القسم، فإن لم يقبله أو قبله بفساد كالحمام فلا شفعة.
ابن عبد السلام وفي المدونة ما يدل له.
وفيها أيضًا الإطلاق أي قبل القسم أو لا، وهو لمالك أيضًا، وعمل به.
قال صاحب المعين: وبه القضاء.
ابن حارث: وهي حادثة وقعت بقرطبة، وافق فيها فقهاؤها (١).
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ١٩٦ - ١٩٧): "وفي الذخيرة أن تقييد الشفعة بما ينقسم هو المشهور وأن صاحب المعين ذكر أن به القضاء وهو قول ابن القاسم. =
[ ٦ / ٢٩٨ ]
[المأخوذ به:]
ثم أشار للمأخوذ به بقوله: بمثل الثمن المدفوع للبائع نقدًا أو غيره من المثليات، ولو كان الثمن المثلي دينا على البائع عوض فيه الحصة فمثله.
وهذا إن وجد المثلي، وإلا فقيمته، قاله مالك فيمن اشترى بعين فلم يجده الشفيع.
أو قيمته إن كان مقوما، كبيعه الحصة بعبد أو فرس، وإذا بيع من الشقص بثمن مع رهن أو ضامن أخذه الشفيع يرهنه، وضامنه، ولو كان الشفيع أملى من المشتري لتحقق المثلية، وقاله أشهب.
_________________
(١) = وعمل بضم فكسر أي حكم به أي الإطلاق صاحب المعين وبه القضاء. ابن حارث وهو جار بقرطبة وأفتى به فقهاؤها أفاده تت. ابن عرفة ابن حارث أخبرني من أثق به أن العمل عند أهل الشورى بقرطبة على الشفعة في الحمام. طفى تبع تت الشارح في عزوه لصاحب المعين وهو سهو. قال في المعين إذا كان من شأنه لا ينقسم ولا تتهيأ فيه الحدود فلا شفعة فيه كالحمامات والأرحاء وهو قول ابن القاسم وبه القضاء فأنت تراه قال إن القضاء بعدم الشفعة وهكذا عزاه في توضيحه وصلة أخذ بمثل بكسر فسكون الثمن الذي اشترى الشقص به إن كان مثليا نقدًا كان أو غيره إن دفعه المشتري من ماله للبائع حين شرائه بل ولو كان الثمن المثلي دينًا على بائع الشقص لمشتريه فدفع له الشقص عوضًا عنه فيأخذ الشفيع بمثله إن وجد وإلا فبقسمته قاله الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه فيمن اشترى بعنبر فلم يوجد مثله. ق فيها مع غيرها ما اشترى بعين أو مثلي فالشفعة فيه بمثل ثمنه ومن ابتاع شقصًا بثمن إلى أجل فللشفيع أن يأخذه بالثمن إلى ذلك الأجل إن كان مليًا أو أتى بضامن ثقة مليء. ابن القاسم وإن قاله البائع للمبتاع أنا أرضى أن يكون مالي على الشفيع إلى الأجل لم يجز لأنه فسخ ما لم يحل من دينه في دين على رجل آخر. عبد الملك إن كان إنما اشترى الشقص بدين له على البائع إلى سنة فلا يأخذ الشفيع إلا بقيمة الدين عرضًا يدفعه الآن لأن الدين عرض من العروض وكذلك إن لم يقم الشفيع حتى حل الأجل".
[ ٦ / ٢٩٩ ]
[كيفية الأخذ:]
ويأخذه أيضًا بمثل أجرة دلال وأجرة كاتب عقد شراء وثمن ما يكتب فيه معتادًا لازمًا على العادة، وبه أفتى ابن عتاب (١) وغيره.
المتيطي: ولا أظن لهم مخالفا.
[حكم المكس:]
وفي لزوم المكس للشفيع، وهو: ما يؤخذ ظلما؛ لأنه مدخول عليه، وعدم لزومه؛ لكونه ظلما تردد؛ لعدم نص المتقدمين.
[مسألة:]
ولما أفاد أن الشفيع يأخذ بمثل الثمن مثليا كان أو مقوما فدخل تحت التقويم فقال: أو قيمة الشقص المشفوع فيه المأخوذ من زوجة لزوجها في كخلع، ومن زوج لزوجة في مهر، فالأخذ بالشفعة بقيمة ذلك الشقص؛ إذ الخلع والمهر لا قدر لهما معلوم، فرب كارهة تدفع كثيرا، وراغب يدفع أكثر من مهر المثل، فالرجوع للقيمة أعدل، ولا يشفع بصداق المثل، وإن استغربه ابن عبد السلام.
[مسألة:]
وبقيمة شقص مدفوع في صلح جرح عمد؛ لأن الواجب فيه القود، ولا قيمة له، بخلاف الخطأ، ففيه الدية، فيؤخذ من العاقلة قيمة الإبل إن كانت أهل إبل، أو ذهب وورق إن كانت أهله، وينجم عليه ذلك كالعاقلة، ونحو هذا كله في المدونة.
تنكيت:
قول البساطي تبعا لابن عبد السلام: (المشهور الأخذ بالشفعة في الخلع
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن محمد بن عتاب، أبو محمد، (٤٣٣ - ٥٢٠ هـ = ١٠٤١ - ١١٢٦ م): فاضل، من أهل قرطبة. له (شفاء الصدور) في الزهد والرقائق. ينظر: الأعلام (٣/ ٣٢٧).
[ ٦ / ٣٠٠ ]
والمهر)، وقول صاحب الشامل: (قيمة شقص دفع في خلع وكذا في صلح عمد، ولا تبطل على الأصح)، قال ابن عرفة: لا أعرف خلافًا في الخلع ودم العمد.
[مسألة:]
ويأخذ الشفيع بقيمة الشقص يوم الشراء في جزاف نقد بيع الشقص به.
تنبيه:
تبع المصنف في ذلك ابن شاس وابن الحاجب مع تعقب ابن عبد السلام لهما، قائلًا: في صحة فرض دراهم جزافا على المذهب نظر؛ لأن الدراهم والدنانير لا يجوز بيعها جزافا.
[مسألة:]
وأخذ الشفيع الشقص المبيع مع غيره في صفقة بما يخصه من الثمن إن صاحب غيره بعد تقويمها، ونحوه في المدونة، ففيها: من ابتاع شقصًا من دار وعرض صفقة بثمن واحد فالشفعة في الشقص خاصة بحصته من الثمن بقيمته مع قيمة العرض يوم الصفقة، وليس للشفيع أخذ العرض، ولا ذلك عليه إن أباه.
وقول البساطي: (وقول الشارح: "قولها: وليس للشفيع. . إلى آخره، أشار له المصنف بقوله ولزم المشتري الباقي" فيه نظر) غير ظاهر؛ لأنه إذا لم يكن للشفيع أخذ الباقي هو عليه إن أباه، ولا للمشتري رده على التفريق إذا أخذ الشفيع ما له فيه الشفعة، فتعين لزومه له.
[مسألة:]
وإذا بيع الشقص مؤجلًا أخذه الشفيع إلى أجله إن أيسر الشفيع بالثمن، أو إن ضمنه مليء به، ولا يشترط تساويهما في الملاء على المشهور.
وفهم من قوله: (أجله) أن الشفيع لو لم يقم حتى حل الأجل وطلب
[ ٦ / ٣٠١ ]
ضرب الأجل كالأول لم يوجب، وهو كذلك عند مالك وأصبغ وغيرهما؛ لأن الأول مضروب لهما معا، ولمطرف ومن وافقه يضرب له كالأول، وصوبه ابن يونس وابن راشد.
[مسألة:]
وإلا يكن الشفيع مليئًا ولا وجد ضامنًا ملئًا عجل الثمن للبائع، إلا أن يتساويا، أي: المشتري والشفيع عدما، فلا يلزم الشفيع حينئذ الإتيان بضامن على المختار؛ لأن الشفيع مليء بالحصة.
ومفهومه: إن كان أشد عدما لزمه، وهو كذلك. قال ابن رشد: اتفاقا.
[مسألة:]
ولا يجوز للمشتري إحالة البائع على الشفيع به، أي: بالثمن المؤجل؛ لأن الحوالة إنما تكون بدين حال، ولما فيه من بيع دين بدين؛ لأن البائع ترتب له في ذمة المشتري دينا باعه بدين على الشفيع.
ثم شبه في المنع فقال، كأن أخد مستحق الشفعة من أجنبي مالا ليأخذ بشفعته ويربح ما يأخذه من الأجنبي مع الثمن بكماله، وإذا أخذ ذلك سقطت شفعته؛ ولذا قال: ثم لا أخذ له بعد ذلك، ويحتمل أنه يأخذ من الأجنبي مالا على أن يأخذ بالشفعة لنفسه ليس للأجنبي غرض في دفع المال غير ضرر المشتري، ويربح الشفيع المال، والمدونة محتملة لهما.
أو باع مستحق الشفعة قبل أخذه بشفعته؛ لأن من ملك أن يملك لا يعد مالكا بخلاف أخذ مال يأخذه المستحق بعده، أي: بعد الأخذ بالشفعة من المشتري أو غيره ليسقط حقه من الشفعة، فإنه جائز، ويسقط حقه بذلك، ويحتمل بعد عقد البيع.
ومفهوم (بعده) أنه لو أخذ من المشتري مالا قبل الشراء لم يجز، ولا يسقط حقه، كشجر مشترك بأرض حبس أو معارة، وبناء مشترك بأرض حبس، أو بأرض معير، باع الشريك حصته من ذلك، فلشريكه الأخذ بالشفعة على المشهور.
[ ٦ / ٣٠٢ ]
[المسائل التي استحسنها الإمام:]
ومسألة البناء هي إحدى مسائل الاستحسان الأربع التي استحسنها الإمام، ولم يسبقه أحد إليها، والشفعة في الثمار، والقصاص بشاهد ويمين، وفي الأنملة من الإبهام خمس من الإبل، بخلاف كل أثملة من غيره، فإنما فيها ثلث ما في الأصبع، ونظمها بعضهم فقال:
وما استحسن المتبوع إن عد أربع فالاثنان منها صاحب الوتر يشفع
بناء وتمر والقصاص بشاهد وأنملة الإبهام للخمس تربع
والأوليان هما المشار إليهما بقوله صاحب الوتر يشفع.
وإذا جاز ذلك للشفيع قدم المعير، وهو صاحب الأرض، يحتمل تقدمته على الشفيع، ويحتمل على المشتري، ويفسخ البيع بينه وبين المبتاع، فيرجع على البائع بما دفع له، وهما تأويلان على المدونة، وإذا قدم فيأخذ بنقضه، أي: بقيمة بنائه منقوضا إن شاء، ويبقيه بأرضه، أو ثمنه الذي باع به، فيأخذه بأقلهما، فـ (أو) للتخيير، وعليه درج ابن الحاجب، ويحتمل أنهما قولان، فالرجوع على الأول بقيمة الشقص فقط، وعلى الثاني بالثمن فقط، حكاهما عياض وغيره، وهما تأويلان على المدونة.
أبو الحسن: وظاهرها أنه ليس على المعير إلا قيمة النقص.
سواء مضي من يعار له أم لا، وقيدها أبو عمران بما إذا مضى زمن يعار لمثله، وإلا فله قيمة بنائه قائما، وعليه درج المؤلف، فقال: إن مضى زمن ما يعار له، وإلا فقائما.
تنبيه:
وهذا كله في العارية المطلقة، وأما المقيدة بزمن ولم ينقض فقالا ابن رشد: إن باع قبل انقضاء أمد العارية على البقاء فللشريك الشفعة، ولا مقال لرب الأرض، ولو باعها على النقض قدم رب الأرض.
[ ٦ / ٣٠٣ ]
وكثمرة للشريك أخذها بالشفعة، إذا باعها شريكه على أحد الروايتين، وتقدمت قريبا.
ابن القاسم: ومقثأة، وباذنجان، وقرع، وقطن.
الباجي يريد وكلما له أصل تجني ثمرته مع بقاء أصله.
وبالغ بقوله: ولو مفردة للتشبيه على خلاف أصبغ القائل: إن بيعت مع أصولها ففيها الشفعة، وإلا فلا، إلا أن تيبس الثمرة فلا شفعة فيها، ويشمل كلامه مسألتين:
إحداهما: إذا بيعت قبل حبسها، ولم يقم الشفيع حتى يبست.
والأخرى: بيعت يابسة.
وهما لمالك في المدونة.
[مسألة:]
وإذا اشتري الأصل مع الثمرة حط عن الشفيع حصتها، إن أزهت أو أبرت يوم البيع، وأخذها الشفيع بعد يبسها فلا شفعة له في الثمرة، ويأخذ الأصل بالشفعة بحصته، ويحط عنه ما ينوب الثمرة؛ لأن لها حصة في الثمن.
[مسألة:]
ولما قدم عن المدونة أن الشفيع يأخذ الثمرة ما لم تيبس، قال: وفيها أيضًا: أخذها الشفيع ما لم تيبس أو تجذ.
واختلف هل هو -أي: ما في الموضعين منها- خلاف، فمرة قال: ما لم تيبس.
[ ٦ / ٣٠٤ ]
ومرة قال: ما لم تجذ.
أو وفاق، والأول: إذا اشتراها [مع أصلها فالشفعة ما لم تجذ] (١)، بغير أصل فالشفعة ما لم تيبس، فإن جذت قبل اليبس فله أخذها.
والثاني: إذا اشتراها مع أصلها، فالشفعة ما لم تجذ، سواء أخذت قبل اليبس أو بعده؟ تأويلان.
[مسألة:]
وإن اشترى المبتاع أصلها فقط وليس فيها ثمر، قاله الشارحان، أو فيها ثمر لم يؤبر، وقال الشفيع: أخذت بالشفعة مع الأصول، إن لم تؤبر قبل أخذها، وإن أبرت ورجع المبتاع على الشفيع بالمؤنة من علاج وسقي، قاله في المدونة، وهو المشهور، والقول له فيما ادعى من المؤنة مع يمينه ما لم يتبين كذبه.
وكبئر أو عين لم تقسم أرضها وباع الشريك حصته من ذلك فالشفعة، ويقسم شرب العين بالقلة، وإلا بأن قسمت الأرض خاصة فلا شفعة للشريك، قاله في المدونة؛ لأن القسم يمنع الشفعة، وفي العتبية له الشفعة.
واختلف: هل ما في الكتابين خلاف، وإليه ذهب الباجي، قال: وهو مبني على الخلاف في الشفعة فيما لا يقسم، فالبئر والعين كالنخلة، أو وفاق، وإليه ذهب سحنون، فقال: معنى ما في المدونة بئر متخذة، وما في العتبية آبار كثيرة.
وقال ابن لبابة: معنى المدونة بئر لا قناة لها، ومعنى العتبية بئر لها قناة وأرض مشتركة.
وشمل التوفيقين قوله: وأولت أيضًا بالمتحدة، أي: غير المتعددة وغير ذات القناة.
_________________
(١) ما بين معكوفين مضروب عليه بحمرة في "ن ٣".
[ ٦ / ٣٠٥ ]
[ما لا شفعة فيه:]
[١] لا عرض، فلا شفعة فيه.
[٢] ولا في كتابة، كذا (١) حكى ابن الحاجب الخلاف كابن شاس، [و] (٢) تعقبه ابن عرفة بأن مقتضاه أن أحد الشريكين في عبد كاتباه إذا باع أحدهما خطه من الكتابة على أحد الأقوال بجوازه أن لشريكه فيه الشفعة، ولا أعرفه، وإنما وقع في المذهب كون المكاتب أحق بما بيع من كتابته.
[٣] ولا في دين، قال في الموازية: لم يقل أحد في الدين بالشفعة، لكن الذي هو عليه أحق به؛ للضرر.
مالك: إنه لحسن أن يكن أحق به.
وفي المجموعة: روى ابن القاسم وأشهب: إلا أن يبيعه من عدوه، وهو من الضرر، قاله في التوضيح.
وظاهر المذهب: أنه لا يكون أحق به، وكذلك الكتابة، وقيد في سماع أشهب كون المكاتب أحق بما إذا بيعت كلها؛ لأنه معتق، أما ما لا يعتق به فلا يكون أحق به؛ إذ لا يرجع لحرية، ليس هذا حقيقة الشفعة.
[٤، ٥] ولا شفعة في علو شخص على سفل لآخر وعكسه، إذا باع أحدهما، ونحوه في المدونة لأنها جاران.
[٦] ولا شفعة في زرع إن لم يبع مع أصله، ولو بيع بأرضه، والشفعة في الأصل بما ينوبها من الثمن، وسواء بيع بعد يبسه، أو وهو أخضر، أو قبل نباته عند ابن القاسم.
وفرق بين الأرض مع الزرع، وبين الثمر مع الشجر، بأن البائع إذا استثنى الثمرة قبل أبارها لم يجز، وإذا استثنى الزرع جاز؛ لأن الزرع
_________________
(١) في "ن ٣": ولما.
(٢) ما بين معكوفين غير موجود في "ن ٣".
[ ٦ / ٣٠٦ ]
مقصود، وإن لم يصح بيعه منفردا حينئذ، وبأن الزرع غير ولادة والثمرة ولادة.
[٧] ولا شفعة في بقل، كـ: هندباء ونحوها، وقول البساطي: (وقرع) سبق قلم؛ لما تقدم أنه كالمقاتي.
[٨] ولا شفعة في عرصة، يحتمل صورتين:
إحداهما: إذا باع أحدهما حصته من العرصة.
والثانية: إذا باع حصته من الدار المقسوم بيوتها وبقيت عرصتها وهما صحيحان.
[٩] ولا شفعة في ممر، وهو الطريق المشترك، إن قسم متبوعه، وبقي هو ليتوصل منه للبيوت ليرتفقوا به، فلا شفعة فيه، وضمير (متبوعه) عائد على المذكور منهما، ومثلهما الساباط ومسيل الماء، ذكرهما في الجلاب.
[١٠] ولا شفعة في حيوان رقيق أو دواب، إلا أن يكون في كحائط، ففيه الشفعة تبعا، وأما منفردا فلا شفعة فيه اتفاقًا، واللَّه أعلم.
تنبيه:
لا فرق بين أن يكون الحيوان له عمل في الحائط، أو معدا للعمل.
قال الشارح: ولعله أدخل الكاف على (حائط) لهذا.
[١١] ولا شفعة في إرث، أي: موروث على المشهور.
[١٢] ولا في هبة بلا ثواب على المشهور، وإلا بأن كانت بثواب فبه بعده، أي: بعد أخذ العوض، فإن كان مثليا فبمثله، أو مقوما فبقيمته، وجعل ابن عبد السلام الحكم به كأخذه.
[١٣] ولا شفعة في مبيع خيار لبائع أو مشتر أولهما أو لأجنبي، إلا بعد مضيه اتفاقًا، واختلف هل الخيار الحكمي كالشرطي أو لا، ووجبت الشفعة لمشتريه، أي: الخيار إن باع المالك داره مثلًا نصفين: نصفها خيارا
[ ٦ / ٣٠٧ ]
أولا، ثم نصفها بتلًا ثانيا، فأمضى بيع الخيار، أي: إمضاء من له الخيار بعد بيع البتل.
وهذا بناء على أن بيع الخيار منعقد، قال في المدونة: كمن حلف لا باع له في شهر كذا، فباعه بخيار، ومضى الشهر قبل تمام الخيار، لا يحنث، [وأما على أنه غير منعقد فتجب الشفعة لمشتري البتل] (١).
[١٤] ولا شفعة في بيع فاسد؛ لأنه مفسوخ، إلا أن يفوت المبيع عند المشتري بما يفوت به البيع الفاسد فبالقيمة، أي: يملكه المشتري بالقيمة، وتكون فيه الشفعة بها، إلا أن يكون المشترى شراء فاسدا، فإنه بيع صح، فبالثمن فيه.
ومفهوم صح لو فسد ولم يفت لم يأخذه بالبيع الفاسد.
[١٥] ولا شفعة لشريك مع تنازع في سبق ملك ادعاه كل، ولا بينة، وحلفا أو نكلا، إلا أن ينكل أحدهما وحلف الآخر، فالشفعة للحالف.
[ما يسقط الشفعة:]
وسقطت شفعة الشفيع بأمور ذكرها المؤلف بقوله:
[١] إن قاسم الشفيع المشتري فيما اشتراه.
[٢] أو اشترى الشفيع من المبتاع ما فيه الشفعة.
[٣] أو ساوم فيما له فيه الشفعة لملكه الأخذ بغير ذلك.
[٤] أو ساقى الشفيع المشتري على حصته المبيعة.
[٥] أو استأجر الشفيع منه ما له فيه الشفعة، فإنها تسقط.
[٦] أو باع الشفيع حصته التي يشفع بها، فإن شفعته تسقط.
[٧] أو سكت الشفيع بهدم أو بناء مع حضوره وعلمه؛ لدلالة سكوته على الرضي، والغرس كالبناء.
_________________
(١) ما بين معكوفين غير موجود في "ن ٣".
[ ٦ / ٣٠٨ ]
[٨] أو سكت على القيام بشفعته شهرين إن حضر العقد.
وظاهره: سواء كتب شهادته في عقد الشراء أم لا، وقول ابن رشد: (إن لم يكتب شهادته وقام بالقرب مثل الشهر والشهرين كانت له الشفعة دون يمين) خلاف ظاهر كلام المؤلف.
وإلا سنة، أي: وإن لم يحضر العقد أسقطها سكوته سنة، و[لو] (١) حلف أنه لم يترك القيام راضيا بإسقاطه.
تنبيه:
ظاهر قوله سنة التقييد ونحوه في الرسالة وهو قول مالك.
المتيطي: وعليه العمل، ومذهب المدونة: إن ما قارب السنة له حكمها.
ابن الهندي وغيره من الموثقين: وكذلك الشهر والشهران.
وقيل: وثلاثة.
وقيل: وأربعة.
وقيل غير ذلك، وهذه إحدى مسائل السنة وقد ذكرناهما في الكبير نظما.
كأن علم الشفيع ببيع شريكه، فغاب في سفر بحدثان ذلك، فهو على شفعته إلى سنة كالحاضر، فإن زاد عليها سقطت، إلا أن يظن الأوبة، أي: الرجوع من سفره قبلها، أي: السنة، فعيق عن ذلك بأمر يعذر فيه، فهو باق على شفعته.
وحلف باللَّه ما كان تاركا فيهما، إن بعد زمن غيبته عن السنة، وسواء أشهد عند خروجه أم لا.
ومفهومه عدم الحلف إن لم يبعد.
_________________
(١) ما بين معكوفين غير موجود في "ن ٣".
[ ٦ / ٣٠٩ ]
وإذا طالت المدة بحيث تسقط فيها الشفعة وتنازع الشفيع والمشتري في العلم وعدمه صدق الشفيع، إن أنكر علمه؛ لموافقته الأصل.
أبو الحسن: مع يمينه.
[ما لا تسقط به:]
[١] لا إن غاب الشفيع أولًا قبل العقد، فلا تسقط شفعته، ولو بعد سنين، إلا أن يصرح بالإسقاط، أو ما يدل عليه من مداومة، ونحوهما مما تقدم.
[٢] أو أسقط شفعته لكذب أخبره به في الثمن، ثم ظهر أنه دون ذلك، لم تسقط، وحلف أنه ما سلم إلا لما أخبر به من كثرة الثمن.
[٣] أو أسقط لكذب أخبر به في المشترى أو المشتري بكسر الراء وفتحها.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: لعلهما ثبتا في الأصل، فظن الناسخ التكرار فأسقط الثانية.
[٤] أو انفراده -أي: المشتري- ثم تبين أنه غير منفرد، فله القيام، وأخذ حصتهما؛ لأنه يقول: إنما رضيت شركة هذا.
[٥] أو أسقط ولي وصي أو أب شفعة ثبتت لمحجوره بلا نظر، فإن كان النظر الأخذ فتركه لم تسقط شفعته، وله الأخذ.
ومفهومه: أنهما لو أسقطا نظرًا لم يكن له الأخذ.
تنبيه:
أفهم قوله: (وصي أو أب) أن الجد لا يأخذ لولد ولده، وهو كذلك، وقيده أبو عمران بما إذا لم يكن الآن تحت حجر الجد، فإن كان فقولان.
[حكم شفاعة الوصي لنفسه:]
وشفع الوصي لنفسه، أي: جاز له ذلك، إن كان شريكا ليتيمه أو أيتامه؛ ففي الأول لنفسه، وفي الثاني له ولهم.
[ ٦ / ٣١٠ ]
محمد: ولا يدخل فيهم من بيع عليه.
أو شفع الوصي ليتيم آخر إذا كان وصيا على يتيمين مثلًا، وباع حصة أحدهما، فله الآخر.
تتمة:
يراعى هنا ما تقدم في أي موضع يباع عقار اليتيم فيه.
[عود على ما لا شفعة فيه:]
ثم عطف ما لا شفعة فيه فقال: [٦] أو أنكر المشتري أي: مدعي الشراء، فلا شفعة للشريك؛ إذ لم يثبت شراؤه، فلم يخرج عن ملك مدعي البيع، ونحوه في المدونة.
وأشعر كلامه بأنهما لو أنكراه معًا لم يكن الحكم كذلك.
قال ابن لبابة: عليهما اليمين.
وقال أبو محمد صالح وغيره: لا يمين عليهما.
تنكيت:
قول الشارح: "في إطلاق المشتري على من لم يثبت له شراء تجوز؛ لأن الفرض أنه منكر للشراء، وكذلك قوله: (وأقر به بائعه)، والأحسن: (ولو أقر بائعه) بالمبالغة" غير ظاهر، أما الأول فلأنه تبع فيه لفظ المدونة، وأيضًا أطلق عليه ذلك لدعوى البائع، وأما الثاني فلأن المبالغة كما قال البساطي لا معنى لها أصلا؛ إذ فرض المسألة مجموع إنكار المشتري واعتراف البائع، وكأنه توهم أنه معطوف على (حلف).
[مسألة:]
وهي -أي: الشفعة- صفتها عند تعدد الشركة على قدر الأنصباء على المشهور، لا على عدد الرؤوس.
[ ٦ / ٣١١ ]
[وحكى ابن الجمم (١) أنها على الرؤوس] (٢) فلو كانت دار بين ثلاثة: لواحد نصفها، ولآخر ثلثها، ولآخر سدسها، فإذا باع صاحب السدس فحصته بين شريكيه على خمسة أسهم: لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث اثنان، ولها نظائر ذكرناهما في الكبير.
[مسألة:]
وإذا كان المشتري أخذ الثلاثة، وقام الثالث بالشفعة ترك للشريك المشتري حصته، ولا يؤخذ منه الجميع، فإذا باع صاحب النصف وكان المشتري صاحب السدس أخذ صاحب الثلث سهمين، ويترك لصاحب السدس سهما، وطولب الشفيع بالأخذ بالشفعة أو الإسقاط بعد اشترائه، أي: الشقص؛ لما يلزم المشتري من الضرر بوقفه عن التصرف فيما اشتراه لا قبله، أي: لا قبل اشترائه، فلا يطالب بأن يقال له: شريكك يريد البيع، إما إن تشتري، وإلا فأسقط حقك من الشفعة؛ إذ لا فائدة في ذلك؛ لأنه لو أسقط لم يلزمه إسقاطه، أسقط ما لم يجب له، ولها نظائر تقدمت منظومة اثناء الصداق.
[مسألة:]
وله -أي: الشفيع- الأخذ بالشفعة نقض وقف وقفه المشتري كهبة وصدقة له نقضهما؛ لعدم سقوط حقه بهذه الأمور، والثمن الذي يأخذه المشتري من الشفيع يكون لمعطاه، وهو الموهوب له أو المتصدق عليه، إن علم المشتري شفيعه، أي: أن له شفيعا فيما اشتراه.
ابن يونس: وكأنه وهب له الثمن.
وذكر مفهوم الشرط بقوله: لا إن وهب دارا اشتراها فاستحق نصفها مثلًا، فرجع على البائع بثمن النصف المستحق، فإنه للموهوب له، ولا للمتصدق عليه، وأما ثمن النصف الآخر فقال الشارح: يريد، وكذلك ثمن
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) ما بين معكوفين غير موجود في "ن ٣".
[ ٦ / ٣١٢ ]
النصف المستحق. انتهى. وفيه شيء انظره في الكبير.
[ما يملك الشفيع به الشقص:]
وملك الشقص الشفيع بأحد أمور ثلاثة:
[١] إما بحكم له بذلك.
[٢] أو دفع ثمن للمشتري رضي به أو لم يرض.
[٣] أو إشهاد بالأخذ، ومثله لابن شاس وابن الحاجب، ولابن عرفة فيه شيء، انظره في الكبير.
[مسألة:]
واستعجل الشفيع الأخذ أو الترك إن قصد ارتياء، بأن يتروا في الأخذ أو قصد نظرا للمشترى بفتح الراء، ولا يمهل للنظر إلا أن يكون المبيع غائبا، فيمهل كساعة عند مالك، وهو خلاف ما في كتاب ابن المواز: أنه لا يؤخر ولا ساعة.
ثم أشار هنا لثلاثة أوجه ذكرها في توضيحه عن البيان فقال: ولزم الشفيع حكم الشفعة إن أخذ، أي: قال: أخذت بلفظ الماضي، وعرف الثمن، فإن لم يعرفه فله الرجوع، وإذا لزم فبيع للثمن، أي: فبسبب اللزوم بيع من ماله، أو للشقص لمن امتنع من دفع الثمن حتى يوفي للمبتاع ما دفعه، ولزم المشتري دفع الحصة المشتراة إن سلم، بأن قال عند قول الشفيع أخذت: وأنا سلمت، ولا رجوع له حينئذ، كما لا رجوع للشفيع.
وأشار للوجه الثاني بقوله: فإن سكت المشتري عند قول الشفيع: أخذت، وأجل في الثمن ولم يأت به، فله -أي: للمشتري- نقضه، ولا خيار للشفيع.
وأشار للوجه الثالث بقوله: وإن قال الشفيع: أنا آخذ بلفظ المضارع، ولم يقل: أخذت، وطلب التأخير، أجل ثلاثا للنقد، وبه العمل والقضاء،
[ ٦ / ٣١٣ ]
فإن أتى في الثلاث فذاك، وإلا سقطت شفعته ورجع الشقص للمشتري، إلا أن يتفقا على إمضائه للشفيع.
[اتحاد الصفقة وتعدد الحصص والبائع:]
وإن أتحدت الصفقة وتعددت الحصص وتعدد البائع، أي: ليس له أخذ البعض وترك البعض، قال في المدونة: لو اشترى رجل ثلاثة أشقاص من دار أو دور من بلد أو بلدان من رجل أو من رجال في صفقة واحدة، وشفيع ذلك كله واحد، فليس له أن يأخذ إلا الجميع، أو يسلم، وكذلك إن اشترى من أحد حصته من نخل، ومن آخر حصته من قرية، ومن آخر حصته من دار صفقة واحدة، أو كان بائع ذلك كله واحدا، وشفيع ذلك كله واحدا، فإما أخذ الجميع أو سلم كتعدد المشتري، والمسألة بحالها على الأصح، وهو الذي رجع إليه ابن القاسم، وكان أسقط بعضهم حقه من الشفعة في دار أو دور وانعقد البيع فيها صفقة واحدة، أو غاب أحد الشفعاء وأراد الحاضر أخذ نصيبه فقط، فليس له في المسألتين إلا أخذ الجميع أو الترك.
أو أراده أي الشقص (١) المشتري وأبي الشفيع، فليس له إلا أخذ الجميع أو الترك، وإذا أخذ أحد الشركاء للغائبين ثم حضروا وأحدهم فالحكم أن لمن حضر بعد غيبته من الشفعاء حصته إن أحب من جميع ما أخذه الحاضرون من الشقص.
واختلف هل العهدة، وهي: ضمان درك الثمن والعيب والاستحقاق لمن حضر من الغيبة وأخذ عليه، أي: على الشفيع الأخذ للجميع؛ لأنه إنما أخذ من المشتري بدليل أنه إذا أسقط حقه لم يعد للمشتري شيء، أو إنما العهدة على المشتري؛ لأن أخذ الشفيع إنما كان نيابة عنه؟ تأويلان.
ثم شبه في التأويل الثاني قوله: كغيره، أي: غير من لم يكن غائبا، ثم بالغ على الخلاف بقوله: ولو أقاله -أي: أقال- البائع المشتري، فإن
_________________
(١) في "ن ٣": التبعيض.
[ ٦ / ٣١٤ ]
تقايلهما لا يسقط الشفعة، وعهدة الشفيع على المشتري، وهو مذهب المدونة.
وأشار بـ (لو) لقول مالك أيضًا: إنه مخير: إن شاء جعلها على المشتري، أو البائع، وذكرهما البساطي، تأويلين.
وقيد بعضهم الخلاف بما إذا لم يسلم الشفيع الشفعة قبل الإقالة؛ ولذا قال: إلا أن يسلم الشفيع ويترك الأخذ قبلها، أي: قبل الإقالة، ثم تقايلا، فإذا أخذ الشفيع فعهدة الشفيع من البائع عليه.
ابن المواز: لأنه صار بيعًا حادثًا.
عياض: باتفاق.
وأما لو سلم بعد الإقالة فلا شفعة له؛ لإسقاطه حقه، وليس ثَمَّ موجب آخر يأخذه به، تأويلان في الفرعين السابقين على الاستثناء، وحذف من الأول لزيادة الثاني.
تتمتان:
الأولى: قال المؤلف وغيره: كل هذا إذا كانت الإقالة بمثل الثمن، وأما مع زيادة أو نقص فالشفعة بأي البيعتين شاء.
الثانية: قال الباجي: التولية والشركة كالإقالة.
[مسألة:]
وقدم مشتركه، أي: الشفيع في السهم عند اختلاف الأسباب التي بها الشركة، بحيث يكون بعضها أخص من بعض، كدار بين أجنبيين، مات أحدهما وترك ورثة، فباع أحد الورثة نصيبه، لم يدخل الأجنبي في الأخذ، ويدخل الورثة، فإن كانوا أولادًا أدخلوا كلهم.
وإن لم يكونوا أولادًا واجتمع منهم عدد في سهم قدم الشريك في ذلك السهم، كتارك جدتين وأختين وزوجتين، وباعت إحدى الجدتين نصيبها، فالجدة الأخرى أحق من غيرها؛ لأنهما أهل سهم واحد، ولا
[ ٦ / ٣١٥ ]
تدخل بقية الورثة؛ إذ هي المشاركة في السهم دونهم، وكذا لو باعت الأخت اختصت أختها، أو الزوجة اختصت الزوجة الأخرى.
[مسألة:]
وإن كان المشارك في السهم كأخت لأب مع شقيقة وزوجات أخذت أخت الأب سدسا تمام الثلثين، فإن باعت إحدى الأختين نصيبها فالأخرى أحق من غيرها؛ لأنهما أهل سهم واحد، ولا تدخل الزوجات.
[مسألة:]
ودخل ذو السهم وهو الشريك الأخص على غيره، وهو الشريك الأعم، ومثله بقوله: كذي سهم على وارث، ليس ذا سهم كميت عن اثنين وعمين باع أحد العمين نصيبه، فهو للجميع بقدر حصصهم، ولا يختص به العم.
[مسألة:]
ودخل وارث على موصى لهم، لا العكس، كموص لاثنين بنصف داره، ومات، فباع أحدهما نصيبه دخل الورثة معه، ثم بعد المشارك في السهم، إذا باع أو أسقط الشريك الوارث، ثم بعده الشريك الأجنبي، بالعطف على قوله: (وقدم مشاركه في السهم)، إذا تعدد البيع في الشقص المشفوع فيه لهذا الشفيع، بأي بيع شاء، كان الشفيع حاضرًا أو غائبا، وعهدته المتقدم تفسيرها -أي: الشفيع- عليه، أي: على من أخذ منه الشقص؛ لأنه الذي أخذ الثمن، وهو المشهور، وعبر عنه ابن رشد بالصحيح.
[مسألة:]
وأي بيع أخذ به الشفيع نقض ما بعده من البيع، وثبت ما قبله، اتفقت في الأثمان أو اختلفت، فإن أخذ بالأول نقض الجميع، وبالمتوسط صح ما قبله، ونقض ما بعده، وبالأخير صح الجميع.
[ ٦ / ٣١٦ ]
[مسألة:]
وله -أي: المشترك المأخوذ منه- غلته التي استغلها قبل الأخذ منه بالشفعة؛ لأن ضمانه كان منه.
[مسألة:]
وفي فسخ عقد كرائه -أي: المشتري- وبه أفتى ابن عتاب وجماعة، وعدم فسخه وبه أفتى ابن مغيث وجماعة تردد للمتأخرين.
[مسألة:]
ولا يضمن المبتاع للشفيع نقصه بالصاد المهملة، أي: ما نقص عند المبتاع بتغير سوق أو بدن أو صفة، ولو بفعل من المشتري؛ لصحة ملكه.
فإن هدم المشترى وبنى فله قيمته، أي: البناء قائما يوم القيام؛ لأنه تصرف في ملكه، وللشفيع النقض بضم النون وبالضاد المعجمة.
ابن يونس: ومن المدونة لو هدم المبتاع وبنى، قيل للشفيع: خذ بجميع الثمن وقيمة ما عمر فيه، قيل لمحمد: كيف يمكن أن يحدث بناء في مشاع مع ثبوت الشفعة، والحكم بقيمة البناء، وذلك أن الشريك إذا كان حاضرًا فقد سقطت لثمفعته، وإن كان غائبًا فالباني متعد، فلا يكون له قيمة البناء قائما، والحكم بوجوب شفعة بناء في قيمة البناء قائما.
وأجيب بأجوبة، ذكرها المؤلف:
الأول: أن يكون أحد الشريكين غائبا، وكل في مقاسمة شريكه، فباع شريكه نصيبه، ثم قاسم الوكيل المشتري، ولم يأخذ بالشفعة.
الثاني: أن يكون الشفيع غائبا، وله وكيل حاضر على التصرف في أمواله، فباع الشريك، فلم ير الوكيل الأخذ بالشفعة، وقاسم المبتاع، وشمل هذين قوله: إما لغيبة شفيعه فقاسم وكيله.
الثالث: أن يكون شريك البائع غائبا، فرفع المشتري للسلطان، يطلب القسم، والقسم على الغائب جائز، فقسم عليه بعد الاستقصاء، وضرب
[ ٦ / ٣١٧ ]
الأجل، ثم لا يبطل ذلك شفعة الغائب، وهو قوله: أو قاض عنه.
وأشار للرابع بقوله: أو ترك الشفيع الأخذ بالشفعة، وقاسم لكذب في الثمن.
وأشار للخامس بقوله: أو اشترى جميع الدار مثلًا، فهدم وبنى، ثم استحق نصفها، وهذا الخامس والثالث لابن المواز.
[مسألة:]
وحط عن الشفيع من الثمن ما حط عن المشتري لعيب ظهر بالشقص، أو حط لهبة ونحوها كتبرع، إن حط ذلك عادة بين الناس، كما هو مذهب المدونة، أو أشبه الثمن بعده، أي: كان الباقي بعد ما حط عن المشتري، يشبه أن يكون ثمنا، فإن حط عن المشتري يحط عن الشفيع، كما لو كان الثمن ألفا، فحط عن المشتري تسعمائة، والمائة الباقية تشبه أن تكون الثمن.
وإن استحق الثمن المدفوع في الشقص، وهو مقوم كعبد أو عرض أو الثمن المثلي بعد أن أخذ الشفيع بالشفعة بقيمة المقوم أو ثمن المثلي رجع البائع المستحق من يده على المبتاع بقيمة شقصه، أو رد الثمن المقوم أو المثلي على المشتري بعيب بعدها، أي: بعد الأخذ بالشفعة، رجع البائع على المشتري بقيمة شقصه؛ لأنه خرج من يده وبدله أيضًا، ولو كان الثمن مثليا، قاله محمد وسحنون وغيرهما، وصوبه جماعة من الأشياخ.
وأشار بـ (لو) لما في كتاب محمد: يرجع بمثل المثلي المستحق أو المعيب.
إلا بنقد فمثله، أي: إلا أن يكون الثمن المثلى ذهبا أو فضة، ويرجع إلى مثله؛ لأنها لا تتعين، وسواء كان ذلك في مسألة النقد قبل الأخذ بالشفعة أو بعدها، وهذا لأجل انتقاض ما بين البائع والمشتري.
[مسألة:]
ولم ينتقض ما بين الشفيع والمشتري، وهو قول ابن القاسم.
[ ٦ / ٣١٨ ]
قال الشارح: وعليه فلا يكون للمشتري إلا قيمة الثمن المستحق أو المردود بعيب.
[مسألة:]
وإن وقع الاستحقاق أو الرد بالعيب قبلها، أي: قبل الأخذ بالشفعة بطلت شفعته؛ لانتقاض البيع بين البائع والمشتري، والأخذ بالشفعة فرع صحته، وهذا في الثمن غير النقد، وأما النقد فلا تبطل باستحقاقه ولا عيبه.
[مسألة:]
والمشتري والشفيع إن اختلفا في قدر الثمن، فقال المشتري: بمائة وعشرة مثلًا، وقال الشفيع: بل بمائة فقط، فالقول للمشتري فيما يشبه بيمين، وإن لم يشبه فالقول للشفيع.
ثم شبه في دعوى ما يشبه فقال: ككبير، أي: سلطان أو غيره، يرغب في شراء مجاوره، كذا بخط المؤلف، وفي بعض النسخ: بمجاورته، فيزيد في ثمنه لذلك، وإلا بأن لم يأت المشتري بما يشبه فللشفيع -أي: القول له- إن أتى بما يشبه، وإن لم يشبها، أي: لم يكن يشبه قول واحد منهما حلفا جميعا، ورد الشفيع إلى الوسط مما يشبه، فيأخذه به إن شاء أو يدع.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر فالشفعة بما حلف عليه الحالف منهما، وهذا في اختلاف الشفيع والمشتري، وإن اختلف البائع والمشتري فقال البائع: بعت الشقص بمائتين، وقال المشتري: بمائة، ووجهت عليه اليمين، فنكل، فأشار إليه بقوله: وإن نكل مشتر وحلف البائع أنه باع بمائتين ففي الأخذ للشفيع بما ادعى المشتري، وهو المائة؛ لأنه الثمن الذي أقر به المشتري، وقال: إن البائع ظلمه، وأخذ منه ما ليس له، وبه قال ابن المواز.
أو بما أدى، وهو المائتان، وبه قال ابن عبد الحكم وأصبغ؛ لأن المشتري يقول: إنما خلصت الشقص بالمائة الثانية، فصرت كأني ابتدأت
[ ٦ / ٣١٩ ]
الشراء بمائتين؛ إذ لو حلفت لانتقض البيع، ولم تكن لك شفعة، قولان بغير ترجيح.
ثم شبه في بطلان البيع فقال: وإن ابتاع أرضا بزرعها الأخضر فاستحق نصفها فقط دون الزرع واستشفع المستحق -أي: آخذ النصف الآخر بالشفعة لأنه صار شريكا- بطل البيع في نصف الزرع، لبقائه بلا أرض؛ لأن أرضه استحقت، ولا يجوز بيعه منفردا عن أرضه على البقاء، ولم يبق للبائع غيره، ويأتي حكم ما إذا لم يأخذ المستحق بالشفعة، كمشتري قطعة من جنان بازاء أجنانه -أي: المشتري- ليتوصل له -أي للمبيع- من جنان مشتريه، لا من جنان البائع، ثم استحق جنان المشتري، فصارت القطعة المبتاعة ليس لها ممر يتوصل لها منه، فأفتى ابن أبي زيد وابن العطار ببطلان البيع فيها؛ لبقائها بغير ممر يتوصل لها منه.
قال الشارح: الذي في خط المصنف: (ثم استحق جنان البائع) وهو سهو؛ لأن جنان البائع لو استحق لكان من جملته القطعة المباعة، فلا إشكال في نقض البيع فيها، سواء اشتراها على الصورة التي ذكر أو غيرها.
ثم عاد لتتميم الكلام على مسألة الأرض المبيعة بزرعها الأخضر، فقال: ورد البائع نصف الثمن على المشتري؛ لأن الأرض استحق نصفها، وبطل البيع فيه وفي نصف زرعها.
وله -أي: البائع- نصف الزرع الذي بغير أرض، وخير الشفيع المستحق أولا، أي: قبل أن يخير المبتاع، بين أن يشفع فيأخذ النصف الذي بيد المشتري أو لا يشفع، وحينئذ فيخير المبتاع في رد ما بقي من الصفقة لبائعة وأخذ بقية ثمنه؛ لأنه قد استحق من يده ماله بال، وفي التماسك بنصف الأرض الذي لم يأخذه الشفيع ونصف الزرع، وإلا يأخذ بقية الثمن، ونحو هذا كله في المدونة، واللَّه أعلم.
* * *
[ ٦ / ٣٢٠ ]
باب
ذكر فيه القسمة وأنواعها والمقسوم عليهم ولهم، وغير ذلك من فروعها، وما يتعلق بذلك جميعه، فقال: القسمة ثلاثة أنواع:
[قسمة المنافع:]
الأول- قسمة المنافع: تهايؤ بالنون أو المثناة التحتية مهموز؛ لأن كل واحد هنا صاحبه مما دفع له أو هيأه وجهزه له في زمن، قيدها به لأنها قسمة منافع، وأما قسمة الرقاب فتتأبد.
[معنى التهايؤ:]
وفسر التهايؤ بقوله: كخدمة عبد مشترك بين اثنين مثلًا نصفين، يخدم كلا منهما شهرا، وسكنى دار لسكنها أحدهما سنين والآخر كذلك، أو أرضا ما مؤنة الذي يزرعها عاما، والآخر كذلك، كالإجارة تشبيه في اللزوم، وتتعين المدة.
ولا فرق بين المتحد كما مثل والمتعدد كعبدين بينهما، يخدم أحدهما شهرا والآخر كذلك، ولا يشترط المساواة فيها.
[ما يكون فيه التهايؤ:]
لا في غلة، فلا يجوز التهايؤ فيها، كما في الموازية، ولو يوما لكل يوم، وأشار بـ (لو) لخلاف محمد في قوله: يسهل ذلك في اليوم الواحد.
[قسمة المراضاة:]
والنوع الثاني مراضاة بينهما فكالبيع في أن من صار له شيء ملكه، وفي اشتراط نفي الجهالة والغرر في أحد المتقابلين، ونحو ذلك، واللَّه أعلم.
تنبيه:
شبهها بالبيع مع قول اللخمي وابن رشد: لا خلاف أنها بيع؛ لأمور:
[ ٦ / ٣٢١ ]
- منها: تصريحه بأنها تمييز حق، وهو ينافي البيع.
- ومنها: إجازتهم التفاضل في قفيز بر بين اثنين: أخذ أحدهما ثلثه، والآخر ثلثيه بالتراضي، ولو كانت محض بيع لم يجز للربا.
[قسمة القرعة:]
والنوع الثالث قرعة، وهو المقصود هنا، وأما النوع الأول فكالكراء، والثاني كالبيع، ولكل منهما باب، ولا قرعة فيهما ولا جبر.
[تفسير قسمة القرعة:]
وهي -أي: قسمة القرعة- تمييز حق كان شائعا على الصحيح، ولمالك: هي بيع، وصوبه اللخمي، وكفى قاسم واحد، والأفضل اثنان، واشترطهما ابن شعبان، وعلى الأول فيحكم بشهادته منفردا؛ لأنه بمنزلة اثنين.
لا مقوم، فلا يكفي واحد، ولابد من اثنين، ويقبلان قبل عزل القاضي الذي ولاهما لا بعده، وأجرته -أي: القاسم معتبر- بالعدد، أي: عنه أو منه، لا بالأنصباء، وبالأول القضاء، وبالثاني العمل، وكان ينبغي للمؤلف التنبيه عليه.
وكره له أخذ أجرة، ونحوه في المدونة، وكان ربيعة (١) وخارجة (٢)
_________________
(١) هو: ربيعة بن فروخ التيمي بالولاء، المدني، أبو عثمان، (٠٠٠ - ١٣٦ هـ = ٠٠٠ - ٧٥٣ م): إمام حافظ فقيه مجتهد، كان بصيرا بالرأي (وأصحاب الرأي عند أهل الحديث، هم أصحاب القياس، لأنهم يقولون برأيهم فيما لم يجدوا فيه حديثا أو أثرا) فلقب (ربيعة الرأي) وكان من الاجواد. أنفق على إخوانه أربعين ألف دينار. ولما قدم السفاح المدينة أمر له بمال فلم يقبله. قال ابن الماجشون: ما رأيت أحد أحفظ لسنة من ربيعة. وكان صاحب الفتوى بالمدينة وبه تفقه الإمام مالك. توفي بالهاشمية من أرض الانبار. ينظر: الأعلام (٣/ ١٧).
(٢) هو: خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، أبو زيد، من بني النجار، (٢٩ - ٩٩ هـ = ٦٥٠ - ٧١٧ م): أحد الفقهاء السبعة في المدينة. تابعي، أدرك زمان عثمان وتوفي بالمدينة. ينظر: الأعلام (٢/ ٢٩٣).
[ ٦ / ٣٢٢ ]
يقسمان، ولا يأخذان شيئًا، إلا أن يكون من بيت المال، فلا كراهة.
[المقسوم:]
ولما ذكر أنواع القسمة والقاسم تكلم على المقسوم، فقال: وقسم العقار وغيره، البساطي: مما أشبهه يعتبر بالقيمة لا بالعدد ولا بالمساحة، فيجزأ المقسوم بالقيمة على عدد مقام أقلهم جزءا.
حادثة:
لو كان المقسوم مكيلا أو موزونا فقال ابن رشد: لا تجوز فيه القرعة، وبه أفتى الشيبي (١).
_________________
(١) هو: عبد اللَّه بن علي بن الحسين بن عبد الخالق الشيبي العبدري المالكي الصاحب الوزير صفي الدين، (٥٤٨ - ٦٢٢ هـ = ١١٥٣ - ١٢٢٥ م)، تفقه في مذهب مالك على الفقيه أبي بكر: عتيق البجائي وبه تخرج ودخل الإسكندرية وتفقه بها على أبي القاسم: مخلوف بن علي المعروف بابن جارة وسمع عليه وعلى الإمام أبي الطاهر: إسماعيل بن مكي بن عوف وأبي الطيب: عبد المنعم بن يحيى الحميري وسمع من الحافظ السلفي وله: مهما تهاون في أمري امرؤ وغدا مبالغًا لا أرى إلا مبجله وإن أساء مسيء فوق طاقته أحسنت مجتهدًا حتى أخجله وأجاز له أبو محمد: القاسم بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر وأبو محمد: عبد اللَّه بن بري وأبو القاسم: هبة بن علي البوصيري وغيرهم من الكبار وذكره الحافظ زكي الدين أبو محمد المنذري في معجمه وكتب عنه وقال: كان مؤثرًا للعلماء والصالحين كثير البر لهم والتفقد لأحوالهم لا يشغله ما هو فيه من كثرة الاشتغال عن مجالستهم. وصنف كتاب البصائر في الفقه على مذهب الإمام مالك وأنشأ مدرسة ورباطًا بالقرب من داره وأوقف لهما مرتبات وداره بمكان يسمى سويقة الصاحب وتوفي يوم الجمعة ثامن شعبان سنة اثنين وعشرين وستمائة بالقاهرة وصلى عليه بمدرسته التي أنشأها ودفن برباطه الذي بقرب داره رحمه اللَّه تعالى. قال في الأعلام (٤/ ١٠٥): "وزير مصري. من الدهاة. ولد في دميرة البحرية (من إقليم الغريبة بمصر) ونشأ نشأه صالحة، فتفقه في القاهرة، وصنف كتابا في "الفقه" على مذهب مالك. واتصل بالملك العادل أبي بكر بن أيوب فولاه مباشرة ديوانه سنة ٥٨٧ هـ ثم استوزره، فعمد إلى سياسة العنف والمصادرة واستبد بالاعمال، فعزله =
[ ٦ / ٣٢٣ ]
وقال الباجي: يجوز. وبه أفتى ابن عرفة.
[إفراد الأنواع المتباعدة:]
وأفرد كل نوع متباعد، الظاهر: أنه من العقار؛ لأنه سيقول: وأفرد كل صنف كتفاح، فلا تكرار في كلامه.
ولما فهم البساطي التكرار بين هذه وبين ما يأتي حاول الجواب عنه، فجعل المراد بالنوع هنا الجنس؛ فلذا قال: (يعني أن النوع الذي تحته أصناف يقسم وحده، ولا يجمع بين نوعين في القسمة) انتهى.
[جمع الدور والمزارع:]
وجمع في القسم دور متلاصقة وأقرحة، أي: فدادين كذلك، الجوهري: هي المزرعة التي لا بناء فيها ولا شجر.
ابن عبد السلام: هو أقرب لاستعمال الفقهاء.
ولا يشترط حضوره، بل يجوز ولو كان غائبا، بوصف كساحة الدار وبيوتها كبيعها.
[شروط الجمع:]
ويجمعها شروط، أشار لها بقوله: [١، ٢، ٣] إن تساوت قيمة ورغبة وتقاربت مواضعها كالميل، لا إن تباعدت.
[٤] ومحل الجمع: إن دعا إليه أحدهم ليجتمع حظه منها بموضع
_________________
(١) = العادل، فخرج إلى آمد وأقام عند ابن أرتق إلى أن مات العادل (سنة ٦١٥) فطلبه الكامل محمد ابن العادل، وهو في نوبة قتال مع الافرنج على دمياط، فجاءه، فكاشفه بما هو عليه من الاضطراب بثورة العرب في مصر ومحاربة الفرنج وعصيان بعض الامراء. فنهض ابن شكر بالامر عنيفا على سابق عادته، فخافه الناس وهابوه، فاستقر الملك. وعظم أمره عند الملك الكامل. واستمر على ذلك إلى أن مات بالقاهرة. قال مؤرخوه: كان طلق المحيا، حلو اللسان، حسن الهيئة، صاحب دهاء مع هوج، شديد الحقد. منتقما لا ينام عن عدوه ولا يقبل معذرة أحد".
[ ٦ / ٣٢٤ ]
واحد، وإن أبي غيره، ولا يجاب من دعي للإفراد، إلا أن يختلف ذلك.
ولا يشترط في قسمة الأرض تساويها من كل وجه بل، ولو كانت بعلا، وهي: التي لا تحتاج لسقي بعد الذي يزرع عليه، وسيحا وهي: التي يأتيها الماء السيح من الأودية والجبال؛ لأنهما يزكيان بالعشر.
وأشار بالمبالغة للقول بعدم جمعها، ولمخالفة النضح، وهو: الذي يسقى بالسانية؛ فإنه لا يجمع مع واحد منها.
[ما يستثنى مما يجمع:]
ولما ذكر أن الدور تجمع بالشروط السابقة استثنى منها، فقال: إلا دارا معروفة بالسكنى لمورثهم، دعا أحدهم لإفرادها فالقول لمفردها، وإن احتملت القسم، وتأول الأكثر المدونة عليه (١).
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ٢٦١ - ٢٦٢): "طفى قول تت وتأول الأكثر المدونة عليه إلخ زاد في كبيره وهو ما في كتاب ابن حبيب إذا مات الرجل الشريف وترك دارًا كان يسكنها ولها حرمة بسكناه وترك دورا غيرها فإن كانت بالقرب منها فتشاح الورثة في تلك الدار وأراد كل واحد حظه منه فإنها تقسم وحدها إن كانت تنقسم ويعمل في غيرها ما ينبغي فجعل كلام المصنف في التأويل الأول موافقا لقول ابن حبيب ولذا عزاه للأكثر تبعا لقول التوضيح عن ابن عبد السلام والأكثر ممن لقيناه على ما في الواضحة اهـ. وكلام تت غير ظاهر من جهة أن ما عزاه ابن عبد السلام لأكثر من لقيه ليس هو تأويلا عليها بنفس كلام ابن حبيب ونص ابن عبد السلام والعبارة في المدونة بألفاظ مضطربة والأكثر ممن لقيناه على ما في كتاب ابن حبيب وساق كلامه المتقدم فمراده واللَّه أعلم بكونهم على ما في كتاب ابن حبيب إفرادها بالقسم لا من كل وجه لأن ابن حبيب قد يكون الرجل شريفا ولم يقيد به فيها ولم أر من تأولها على قول ابن حبيب لا في أبي الحسن ولا في ابن ناجي ولا في تنبيهات عياض وإنما ذكر التأويلين فضل وابن أبي زمنين وجعل ابن عرفة قول ابن حبيب ثالثًا مخالفًا لهما فقال وفي كون المعروفة بسكنى الميت كغيرها وقبول قول مريد إفرادها. ثالثها إن كان شريفا لها به حرمة لابن أبي زمنين مع أكثر مختصريها وفضل وابن حبيب ففي تقرير المصنف في توضيحه قول ابن الحاجب إلا أن تكون واحدة معروفة بسكناهم فتفرد إن تشاحوا فيها بقول ابن حبيب نظر وتبعه على ذلك الشارح وإياهما تبع تت واللَّه أعلم. =
[ ٦ / ٣٢٥ ]
ابن ناجي: وهو المشهور.
وتؤولت أيضًا بخلافه على أن لا يكون للميت دار غيرها، وهو فهم ابن أبي زمنين؛ إذ لو كان له غيرها لجمعت معه في القسم، ولم يجب من دعا لإفرادها.
[مسألة:]
وفي جواز قسم العلو والسفل الصالح لذلك من دار واحدة بالقرعة ومنعه بل القسم بالتراضي (١) تأويلان.
_________________
(١) = ثم إن عبارة ابن الحاجب أوفق بقولها وإذا تشاح الورثة في دار من دور الميت كانوا يسكنونها فأراد كل وأرث أخذ حظه منها لفرضها المسألة في سكناهم لا في انفراد الميت بالسكنى وأنهم تشاحوا في إفرادها وكل أراد أخذ حظه منها بخلاف عبارة المصنف وابن عرفة وأبقى عياض المدونة على ظاهرها وحكي عن بعض الشيوخ تخصيص الساكنين بكونهم من الولد دون العصبة قال وهذا في غير الشريف أما الرجل الشريف فسواء بنوه وعصبته ممن سكنها أو لم يسكنها إذ لها حرمة في نفسها توجب إفرادها بالقسم".
(٢) قال في المنح (٧/ ٢٦٤ - ٢٦٥): "طفى قول تت وفي جواز قسمه بالقرعة أي أو بالتراضي لأن المجيز بالقرعة يقول بالتراضي من باب أولى فاقتصرت على التوهم فهو كقول عياض ذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما يجوز بالخراصات لا بالقرعة على ما جاء مفسرا لعبد الملك وما في كتاب ابن شعبان والعلة أنه كقسم شيئين إذ لا ساحة للعلو وإنما هو مرتفق للسفل والأكثر أجازوه على الوجهين بالسهم والمراضاة ورجحه أبو عمران وهكذا في ابن عرفة. وأفرد القاسم في قسمة الشجر المختلف الأصناف بالقرعة كل صنف كتفاح ورمان وخوخ ونخل إن احتمل أي قبل وصبح كل صنف لقسمه وحده بحيث ينوب كل شريك شجرة منه سواء كانت الأصناف في حوائط أو في حائط واحد وتميز بعضها عن بعض بأن كان كل صنف في جهة خاصة به إلا أصنافا مجتمعة في كحائط فيه شجر مختلفة كصيحاني وبرني وعجوة ولينة وتفاح ورمان وخوخ ولم يتميز بعضها عن بعض بجهات واختلط بعضها ببعض كنخلة فزيتونة فرمانة فتفاحة وهكذا فتجمع في قسمة القرعة. ق فيها لابن القاسم إن كان التفاح جنانا على حدة والرمان جنانا على حدة وكل نوع جنان على حدة وكل واحد يحمل القسم فليقسم كل جنان وحده بالقيمة. =
[ ٦ / ٣٢٦ ]
[مسألة:]
وأفرد كل صنف كتفاح في حائط، ورمان في آخر، وتمر في آخر، إن احتمل كل منها القسم، وأما إن اجتمع ذلك كله في حائط واحد فقد أشار له بقوله إلا في كحائط واحد، فيه شجر مختلفة، كتمر وصيحاني وبرني وعجوة ولينة مثلًا، فيجمع كله في القسم ويعدل بالقيمة، أو أرض شجر مفترقة فيها اقتسمها الشركاء بميراث أو غيره، فإن الأرض والشجر يقسم جميعا، ولا يفرد؛ إذ لو أفرد لوقعت فصول أحدهم بأرض غيره.
[ما يجوز فيه القسم:]
[١] وجاز أن يقسم صوف على ظهر كغنم (١) إن جز حين قسمه أو قربه، وإن كان قربه لكنصف شهر، وهذا كقول المدونة: لا بأس بقسمة الصوف على ظهر الغنم إن جزه الآن أو إلى أيام قريبة، يجوز بيعه إليها، ولا يجوز ما بعد انتهى.
ولم يبين فيها حد القرب هنا، وبينه في البيوع بنحو ما قال المؤلف (٢).
_________________
(١) = وأما الأشجار المختلفة مثل تفاح ورمان وخوخ وغيرها من أنواع الفاكهة وكلها في جنان واحد مختلطة فإنه يقسم كله مجتمعا بالقيمة كقول مالك في النخل تكون في حائط فمنه البرني والصيحاني والجعرور وأنواع الثمر أنه يقسم على القيمة ويجمع لكل واحد حظه في موضع واحد من الحائط والالتفات إلى ما يصير في حظ أحدهم من ألوان التمر دون غيره".
(٢) في "ن ٣": الغنم.
(٣) قال في المنح (٧/ ٢٦٥ - ٢٦٦): "تت: وبين حد القرب في البيوع الفاسدة بنحو ما قال المصنف. طفى لم يبينه في الصوف بل في الزرع ولما ساق في كبيره كلامها قال وحكم الصوف كذلك، وإن مات عن عرض ودين وله وارثان أراد قسمهما فيجوز في قسمة المراضاة أخذ وارث عرضًا بفتح فسكون من تركة مورثهم وأخذ وارث آخر دينًا بفتح الدال منها كان لمورثهم على غيره يتبع المدين به إن كان قد جاز بيعه أي الدين بحضور المدين وإقراره بالدين. =
[ ٦ / ٣٢٧ ]
وقول بعض من تكلم على هذا المحل: (في بعض النسخ: إن لم يجز، وكأنه إصلاح ممن لم يفهم معناه) فيه شيء؛ لأن ظاهر كلامها كالمؤلف، أنه لم يجز.
[٢] وجاز في القسم أخذ وارث عرضًا وآخر دينًا لمورثهما، على أن يتبع الغريم، إن جاز بيعه، أي: الدين، بأن يكون الغريم حاضرا، ويجمع بينهما، ويقر بالدين، واللَّه أعلم.
_________________
(١) = ق: فيها لابن القاسم رحمه اللَّه تعالى ومن هلك وترك عروضا حاضرة وديونا على رجال شتى فاقتسم الورثة فأخذ أحدهم العروض وأخذ الآخر الديون على أن يتبع الغرماء فإن كانوا حاضرين مقرين وجمع بينه وبينهم جاز وإن كانوا غائبين لم يجز لأن مالكا -﵁- قال لا يشترى دين على غريم غائب. قال الإمام مالك -﵁- وإن ترك ديونا على رجال فلا يجوز للورثة أن يقتسموا الرجال فتصير ذمة بذمة وليقتسموا ما كان على كل رجل. قال الإمام مالك -﵁- سمعت بعض أهل العلم يقول الذمة بالذمة من وجه الدين بالدين. طفى زاد عج على قوله وليقتسموا ما على كل واحد أي حيث جاز بيعه كما هو ظاهر وكلام المصنف هذا يخالف قول ابن عرفة في تعريف القسمة فيدخل ما على مدين ولو غائبا لكن كلام المصنف فيما تجب الفتوى به وابن عرفة مقصوده بيان أن تعريف القسمة يجري حتى على القول المقابل اهـ. وما قاله غير صواب بل كلام ابن عرفة جار على المشهور أيضًا لأن قسم ما على مدين واحد جائز ولو كان غائبا كما يدل عليه كلام المدونة في باب الصلح في الشركاء الذين إذا شخص أحدهم دون الإعذار إليهم فلشركائه أن يدخلوا معه فيما اقتضى أو يسلموا له ما قبض ويتبعوا الغريم لأن ذلك مقاسمة للدين. أبو الحسن دلت هذه المسألة على جواز قسمة الدين على غائب ولم يكن محمل ذلك عنده عمل بيع ما عليه وإن كانت القسمة بيعًا لأن كل واحد منهما إنما يأخذ نصيبه من الدين من نفس مدينه فليس فيه بيع ذمة بذمة فإن ثبت فلهما جميعًا وإن بطل فلهما جميعًا فلا غرر فيه فالحاصل أن قسمة الدين مع غيره وهو منطوق المصنف حكمه كحكم بيع الدين وقسم الديون على رجال لا يجوز بحال لأنه بيع ذمة بذمة وقسم ما على مدين واحد جائز ولو كان غائبا والعجب من الرصاع شارح الحدود حيث قال في قول ابن عرفة فيدخل قسم ما على مدين ولو غائبا تأمل هذا مع ما ذكروا في باب الصلح وهو مخالفة لمذهب المدونة ولعله أراد أن الرسم على ما يعم المشهور وغيره اهـ. فليت شعري أين كلام المدونة الذي جعله مخالفًا لكلام ابن عرفة".
[ ٦ / ٣٢٨ ]
تنبيه:
لو كانت الديون على رجال لا يجوز للورثة أن يقتسموا الرجال، وتصير ذمة بذمة، بل يقتسموا ما كان على كل واحد.
[٣] وجاز أخذ أحدهما قطنية فولا، والآخر قمحا: سمراء أو محمولة.
[٤] وجاز خيار أحدهما، بأن يقتسما على أن لأحدهما الخيار كالبيع، وتحته حكمان:
- الجواز.
- وقدر المدة المشترطة باعتبار السلع.
[٥] وجاز غرس شجرة أخرى مكان شجرتك، كانت من جنسها أو لا، إن انقلعت شجرتك من أرض غيرك، قلعتها أنت، أو قلعها سماوي، إن لم تكن التي غرسها أضر ببياض الأرض من التي نبتت، بأن تكون أكثر عروقا، فتضر ما تجاوره، أو تهلكه، أو فروعا تست الشمس في الأرض فتضعف منفعتها.
وفهم من قوله: (أخرى) أنه لا يغرس اثنين، وكذا قال في المدونة، وفيه: إذا كانت مثل المقلوعة أو أقل.
كغرسه -أي: صاحب الأرض- أشجارا بجانب نهرك الجاري في أرضه، وليس لك منعه من ذلك، كان ذلك مما يضر بالماء أو لا، وهو ظاهر المدونة.
وحملت بالبناء للمفعول في طرح كناسته أي: النهر على العرف الجاري بالبلد، فإن اقتضى طرحه في أرض صاحب الأرض طرح فيه، وإلا في موضع آخر قضي به.
ولم تطرح أنت على حافته إن وجدت سعة، وكان بحافته بحر، فإن
[ ٦ / ٣٢٩ ]
وجدت سعة طرحتها بين الشجر، وإن ضاق فعلى الشجر، إذا كانت سنة بلدهم طرح طين النهر على حافته.
[مصدر رزق القاسم:]
وجاز للقاسم ارتزاقه من بيت المال، وفيه دليل على أن ناظر بيت المال يجعل ذلك له، كـ: القاضي والعامل والساعي، وكل من تحصل به منفعة للمسلمين.
لا شهادته إن اختلف المقسوم لهم بعد إنفاذ القاضي ما أخبره به أولا، ولم يوجد رسم أصل القسمة.
تنكيت:
حملُ الشارحين على قول سحنون: "إذا شهد قاسمان على ما قسماه بأمر قاض أو بغير أمره" أن كل واحد ممن قسم بينهم استوفى في نصيبه، فلا تجوز شهادتهما؛ لأنهما شهدا على فعل أنفسهما غيرُ ظاهر (١)؛ لما تقدم أن هذا بعد عزل القاضي الذي أقامهما، ولو كان كذلك لما كان لقولهم: (وكفى قاسم والاثنان أولا) فائدة، وقد ذكرنا ما يشهد لما قلناه عن الذخيرة في الكبير.
[٦] وجاز القسم في قفيز من بر مثلًا، أخذ أحدهما ثلثيه والآخر ثلثه مع اشتراكهما فيه على السواء، لا إن زاد أحدهما كيلا في قسمة العين، أو زاد عينا في قسمة الطعام؛ لدناءة غلة في زاد، فهي مسألة غير مسألة القفيز السابقة، واللَّه تعالى أعلم.
[٧] وجاز للمشتركين بالسواء في كثلاثين قفيزا من قمح مثلًا، أو ثلاثين درهما أخذ أحدهما عشرة دراهم وزنا وعشرين قفيزا، وأخذ الآخر عشرين درهما وعشرة أقفزة، إن اتفق القمح صفة، كـ: سمراء أو محمولة، نقيا أو غلثا، فإن اختلفت لم يجز، ونحوه في التهذيب.
_________________
(١) خبر للمبتدأ: حمل الشارحين.
[ ٦ / ٣٣٠ ]
ووجب غربلة قمح لبيع، إن زاد غلته على الثلث، وإلا بأن كان الثلث فأقل ندبت غربلته، نحوه لابن رشد في رسم شك من سماع ابن القاسم، وأما غربلة القمح من التبن والغلث عند البيع فذلك واجب، إن كان التبن والغلث فيه كثيرا، يقع في أكثر من الثلث؛ لأن بيعه على ما هو عليه من الغرر، ويستحب إن كان الثلث والثلثين فيه يسيرًا انتهى.
وعلى هذا درج المؤلف، ولم يحد في المدونة بثلث ولا غيره، ففيها: قال مالك: ويغربل القمح للبيع، وهو الحق الذي لا شك فيه.
ابن ناجي في شرحها عن ابن أبي زيد: إن كان الغلث في الطعام قدر الثلث وجب أن يغربل، وإن كان أقل استحب، وعلى هذا شرحه الشارح.
تنبيه:
ساقها المؤلف في هذا الباب كالمدونة، بناء على أن القسمة بيع.
[٨] وجاز جمع بفتح وسكون الميم مصدر مضاف؛ لقوله بز بفتح الباء وبالزاي: أمتعة البزاز، ولو كان ما يجمع كصوف وحرير، مخيوطا أو غيره، تباعد ما بين الصنفين كما ذكر أو تقارب، كحرير وخز.
[ما لا يجوز قسمه:]
لا كبعل من أرض وذات بئر أو ذات غرب، وهو الدلو الكبير، فلا يجوز جمع وأحد من الأخيرتين مع الأولى في القسم، ولو قدم هذا عند قوله: (ولو بعلا وسيحا) لكان أحسن.
ولا يجوز قسم ثمر على رؤوس شجر. ولا زرع قائم على أصله بالخرص إن لم يجذاه، فإن جذاه مكانهما جاز، وإن احتاج أهله لأكله رطبا أو بسرا، وقسم بالخرص، لا بالكيل، كما في المدونة، وسيأتي.
كقسمه التمر أو الزرع بأصله، أي مع أصله، وأصل الثمر الشجر، وأصل الزرع الأرض: لم يجز؛ لما فيه من بيع الأرض والطعام بأرض وطعام.
[ ٦ / ٣٣١ ]
أو قسم الزرع قتا، أي: حزما أو قبضا، أو قسمه ذرعا، فلا يجوز في المسألتين.
أو فيه -أي: القسم- فساد للمقسوم جملة، فلا يجوز، أو لم يحصل منه انتفاع كياقوتة.
أو يحصل منه نفع يسير كسفر من ديوان، أو كجفر بجيم وهو غمد السيف.
قاعدة:
قال في الذخيرة: يمتنع القسم تارة لحق اللَّه تعالى كالغرر في مشروعية القسم في المختلفات، فإن الغرر يعظم، أو للربا كقسم الثمار بشرط التأخير إلى الطيب؛ لما يدخله من بيع الطعام غير معلوم التماثل؛ لأن القسم بيع أو قسمة، أو لإضاعة المال كالياقوتة، وتارة لحق آدمي، كقسم الدار اللطيفة والحمام والمصرعين، ولذلك يجوز بالتراضي؛ إذ للآدمي إسقاط حقه بخلاف حق اللَّه تعالى، ومنع الآدمي من قسم ما فيه ضرر أو بغير نوع المقسوم.
أو قسم شيء من الثمار في أصله على رؤوس شجرة لا يجوز بالخرص قبل طيبه، ولكن يجذوه إن أرادوا قسمه ثم يقتسمونه كيلا، ونحو هذا للشارح، وهو مكرر مع قوله قبله: (وزرع وتمر)، ولعله أعاده ليرتب عليه قوله بالخرص.
كبقل قائم لم يجذ، لا يجوز قسمه بالخرص، لكن يباع ويقسم ثمنه.
وحاول البساطي دفع التكرار، فقال: لا يجوز قسم البقل وما أشبهه من الثمار بالخرص حل بيعه أو لم يحل.
إلا الثمر والطيب فيجوز بالخرص، ولعله فعل ذلك ليصح الاستثناء، وإنما جاز ذلك فيهما لأن أمر الناس مضى على خرصها.
[ ٦ / ٣٣٢ ]
[شروط الجواز:]
وجوازه فيهما بشروط ستة ذكرها في توضيحه، وأشار لأولها بقوله: إذا اختلفت حاجة أهله، بأن يريد بعضهم يبسه، وغيره البيع، ومن اختلاف الحاجة كثرة العيال وقلتهم، وإليه أشار بقوله: وإن بكثرة أكل.
البساطي: الظاهر أنه اسم فاعل.
وأشار للشرط الثاني بقوله وقل ذكره الباجي.
وللثالث بقوله: وحل بيعه حينئذ، ونبه على هذا الشرط وإن كان المستثنى مخرجا من البيع لخفائه.
وللرابع بقوله واتحد المقسوم من بسر فقط أو رطب فقط؛ إذ لو كان منهما قسم كل على حدته، ولو صار تمرا لم يجز قسمه بالخرص، بل بالكيل، وإليه أشار بقوله: لا تمر، ولو اختلف نوعه كصحياني وبرني وعجوة.
وأشار للشرط الخامس والسادس بقوله: وقسم بالقرعة بالتحري، أي: فيجوز أولا بالتحري بالكيل ثم يقرع عليه، كالبلح الكبير.
قال في توضيحه: إنه كالمستثنى من قوله: (وحل بيعه)، فيجوز قسمه بالخرص، وإن كان ربويا إذا اختلفت حاجة أهله، أي: قبل أن يحل بيعه.
وإذا قسمت الثمرة لاختلاف الحاجة ثم قسمت الأصول فوقع نصف كل من الثمرة في أصل الآخر سقى ذو الأصل أصله، وإن كانت الثمرة لغيره على المشهور، كبائعه -أي: الأصل- المستثني هذا البائع ثمرته، أي: ثمر الأصل الذي باعه حيث يجوز له استثناؤه، فإن عليه سقيه حتى يسلم الأصل امشتريه بعد جذ ثمرته.
ثم عطف على أول الممنوعات فقال: أو فيه -أي: القسم- تراجع بين المتقاسمين، فلا يجوز، كدارين: إحداهما بمائة والأخرى بخمسين، على أن من صارت له ذات المائة يدفع لصاحبه مائة وخمسين؛ إذ كل منهما لا يدري هل يرجع أو يرجع إليه، وأما قسمة التراضي بأن يقول أحدهما
[ ٦ / ٣٣٣ ]
للآخر إن شئت أن تأخذ ذات المائة وتدفع خمسة وعشرين، أو تأخذ الأخرى وتأخذ خمسة وعشرين، فيجوز، ونحوه في الرسالة.
إلا أن يقل ما يتراجعان فيه فيجوز، اللخمي: لأن هذا مما لابد منه، ولا يتفق في إلغاء أن تكون قيمة الدارين سواء.
أو قسم لبن في ضروع لا يجوز؛ ففي المدونة: لا يجوز قسم اللبن في الضروع؛ لأنه مخاطرة، إلا لفضل بيّن، وأما إن فضل أحدهما الآخر بأمر بين على المعروف، وكان إن هلك ما بيد هذا من الغنم رجع فيما بيد صاحبه فذلك جائز؛ لأن أحدهما ترك فضلا لغير معنى القسم.
أو قسموا دارا أو حاجة أو سفلا وعلوا على أن نصيب أحدهم بلا مخرج، ولا مخرج له على الآخر، أو وقع في نصيبه ما ليس له مخرج لم يجز مطلقا، يحتمل سواء كان المقسوم دارا وما معها، كما تقدم، ويحتمل سواء كان قسمة قرعة أو تراض، وجوز الشارح الاحتمالين.
واقتصر البساطي على الثاني؛ لأنه من تضييع المال، وإذا امتنع من ذلك مع التراضي فمع القرعة أحرى، ويحتمل أن يريدهما المصنف معا.
وصحت قسمة الشركاء إن سكت عنه، أي: عن المخرج حين القسم، بأن لم يشترطوا شيئًا، ووقع الباب في نصيب أحدهما، فالباب ملك لمن وقع في نصيبه، ولشريكه الانتفاع بالمرور عند ابن القاسم على المشهور، ولا يجبر أحد الشركاء على قسم مجرى الماء، إن امتنع، ونحوه في المدونة.
تنبيه:
قال ابن ناجي: أطلق الجري هنا على الماء وإنما قال ذلك لما فيه من النقص والضرر انتهى.
وقال البساطي: لا يجبر على قسم الأرض التي هي محل مجرى الماء؛ إذ الماء لا ضابط له في جريه؛ لأنه يعرض له، ولو من الريح بما يميل به إلى ما كان ما يلاعنه.
[ ٦ / ٣٣٤ ]
وفهم من عدم الجبر جوازه بالتراضي، وحيث لا جبر على قسمه وإنما يرسل جميعه على كل نصيب بقدر ما يستحقه صاحبه، أشار للحيلة في ذلك بقوله: وقسم بالقلد وفسره ابن حبيب بأن يثقب قدر ونحوه بشيء، ويحتفظ بذلك الشيء، ويعينوا وقتا كانصداع الفجر مثلًا، ويلقى في تلك القدر الماء، يضبط ما يسيل من ذلك الثقب، ويحتفظ من اختلاف السيلان بأن لا يترك القدر إلى أن يخف الماء، ولا يزال الأمر كذلك إلى أن ينصدع الفجر أيضًا، ثم يعمد لذلك الحاصل، فيقسم بينهم على قدر الحصص، ويجعل كل سهم ما حصل له في قدر أو قدور، ويثقب بذلك المثقاب، ثم يرسل النهر كله إليه، حتى يفرغ نصيبه، وعلى ذلك كسترة بينهما، لا يجبران عليها، إذا لم يشترطاها عند القسم، ويقال لمن دعي إلى ذلك استر على نفسك إن شئت، وإن اشترطاها أخذ من نصيب كل واحد نصف بناء الجدار، وإن كان نصيب أحدهما أقل من الآخر، والنفقة عليهما بالسواء لمبلغ حد الستر إن لم يشترطها أحد.
[مسألة:]
ولا يجمع في القسم بين عاصبين فأكثر، بل يفرد لكل نصيبه، إلا برضاهم، أي: كل الورثة؛ ولذا أتى بضمير الجمع، إلا أن تكون العصبة مع ذي فرض (١)، وهو كالأجنبي كزوجة ذات ربع أو ثمن، فيجمعوا -أي:
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ٢٨٦ - ٢٨٧): "طفى قول تت مع ذي فرض وهو الأجنبي تقييده يوهم الاختصاص وليس كذلك بل جميع ذوي الفروض سواء في هذا كما يعلم من كلام ابن رشد المتقدم وقد قال الشيخ عبد الرحمن الأجهوري في حاشيته الذي في أبي الحسن وابن رشد أنهم إذا رضوا بالجمع جمع بينه في مسألة الزوجة ونحوها كالأم والجدة اهـ. وهو مراد المصنف ولذا أتى بالكاف في قوله كزوجة وكأن تت غره قول التوضيح تبعا لابن عبد السلام واستثنى ابن القاسم مسألة الزوجة من عموم المسألة اهـ. ففهم اختصاص الحكم بها وفيما قالاه نظر بل لم يستثن ابن القاسم مسألة الزوجة فقط. ففي التنبيهات لعياض اختلف في قول الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه لا يجمع بين =
[ ٦ / ٣٣٥ ]
العصبة- أولا، ويسهم بينهم وبين الزوجة، ثم يقتسمون ثانيا، كذي سهم (١)
_________________
(١) = نصيب اثنين في القسم وإن أراد فابن القاسم رحمه اللَّه تعالى تأوله أنه لا يجمع جملة سهم اثنين اتفقا أو اختلفا رضيا أو كرها جمعهم أو فرقهم إلا العصبة إذا رضوا بذلك وغيره رأى جمع أهل كل سهم في سهم وأحد ويضرب لهم به شاءوا ذلك أم كرهوه ثم هم بعد بالخيار بين أن يبقوا شركاء في سهم أو يستأنفوا القسمة فيما بينهم اهـ. وقال قبل هذا قالوا وتأويل ابن القاسم هذا على مالك رضي اللَّه تعالى عنه خلاف وقول مالك رضي اللَّه تعالى عنه ومراده ولم يرد مالك رضي اللَّه تعالى عنه لا يجمع الأنصباء في واحد في جميع الأقسام بالقرعة وإنما هذا فيما هم فيه سواء في السهام فإذا اختلفت أنصباؤهم فكان لقوم منهم الثلث ولآخرين منهم السدس ولآخرين منهم النصف فإنه يجمع أهل كل سهم بالقرعة عليه وإن كرهوا ذلك كذا فسره عن مالك رضي اللَّه تعالى عنه في العتبية في سماع ابن نافع وأشهب. وفي كتاب ابن حبيب عن عبد الملك ومطرف وأصيغ قالوا وهو قول مالك وجميع أصحابه رضي اللَّه تعالى عنهم اهـ. ونص العتبية الذي أشار إليه أشهب وسألته عن الإخوة لأم يرثون الثلث فيقول أحدهم اقسموا إلى حصتي على حدة ولا تضموني لإخوتي فقال ليس ذلك له حتى يقسم له ولإخوته جميعًا الثلث ثم يقاسمهم بعد إن شاء وكذلك أزواج الميت يرثن الربع أو الثمن وكذلك العصبة الإخوة وغيرهم يقول بعضهم اقسموا إلى حصتي ليس ذلك لهم وقد علمت أنه خلاف مذهب ابن القاسم ولذا قال في المدونة ولا يجمع حظ رجلين في القسم وإن أراد ذلك الباقون في مثل هذا يعني الزوجة مع العصبة ويفهم من قوله في مثل هذا عدم اختصاص الحكم بالزوجة كما علمت والمصنف رحمه اللَّه تعالى جار على مذهب المدونة وحام حول كلامها وأراد تأدية ذلك فلم تساعده العبارة ولذا قلنا تبعا لبعضهم الصواب إسقاط إلا أو يقول ولا يجمع بين رجلين إلا العصبة مع كزوجة والكمال للَّه تعالى".
(٢) قال في المنح (٧/ ٢٣٣ - ٢٣٤): "وارث عاصب أفاده تت. طفى تقريره بذي السهم وجعل قوله كذي سهم على وارث مثالا تنبو عنه عبارة المصنف لأن المعهود في المثال أن يتقدمه عيوم يندرج المثال فيه وهنا ليس كذلك وتبع تت الشارح والصواب أن المراد بقوله ودخل على غيره أي الأخص غير ذي السهم بدليل ما بعده لأن المراد بقوله وقدم مشاركه في السهم أي الحظ سواء كان فرضا أم لا وعلى هذا حمل المصنف في توضيحه قول ابن الحاجب ويدخل الأخص على الأعم فإنه قال لو حصلت شركة بوراثة عن وراثة لكان أهل الوراثة السفلى أولى نص عليه في المدونة في إرث ثلاثة بنين دارًا ثم مات أحدهم عن أولاد فإن باع أحد أولاد الولد شقصه منها قدم إخوته في الشفعة ثم أعمامه ثم شركاؤه فيها لو باع أحد =
[ ٦ / ٣٣٦ ]
نصف من دار مثلًا، ونصف لآخر مات أحدهما عن سهمه.
وعن ورثة، فيسهم أولا للشريك، ثم للورثة ثانيا، كتب القاسم
_________________
(١) = الأعمام فالشفعة لبقيتهم مع بني أخيهم لقيامهم مقام أبيهم فنص على أن الأخص يدخل على الأعم وإليه أشار بقوله ويدخل الأخص على الأعم اهـ كلام ضيح فهذا مراده في مختصره وبحمل كلامه عليه يشتمل على ثلاث مسائل كقول ابن الحاجب والشريك الأخص أولى على المشهور ويدخل الأخص على الأعم وفي دخول ذوي السهام على العصبة قولان والمصنف ينسج على منواله. وقال غ ودخل الأخص على غيره من ذوي الفروض وأما دخوله على العاصب فأفاده بقوله بعد كذي سهم على وارث أي عاصب ورده تت في كبيره قال غير ظاهر وإلا لدخلت الزوجات في الفرض السابق مع البنات. اهـ. وهذا لا يرد على غ لأن هذا علم من قوله وقدم مشاركه في السهم نعم يرد عليه أنه لا خصوصية للأخص في دخوله على ذوي الفروض بل كذلك غيره من الورثة فثقل جدوى كلام المصنف إذ هو في الاختصاص ولا اختصاص هنا كما يأتي وإن كان هذا خلاف ظاهر قول ابن الحاجب والشريك الأخص أولى على المشهور فإن أسقط فالأعم كالجدتين والزوجتين والأختين ثم بقية الورثة ثم الأجانب فجعل المراتب أربعا وبه قرره في توضيحه قال قوله فإن أسقط هو تفريع على المشهور فتكون لبقية ذوي السهام ثم لباقي الورثة أي العصبة إن كان في الفريضة عصبة فإن أسقط العصبة فالشركاء الأجانب اهـ. وتبعه ابن فرحون وهو غير صحيح بل أسقط الأخص المشارك في السهم دخل جميع الورثة ذو السهم والعصبة ففي الجواهر فإن باعت إحدى الجدتين أو الأختين أو الزوجتين شفعت الأخرى خاصة فإن سلمت شفع بقية أهل السهام والعصبة فإن سلموا شفعت الشركاء الأجانب اهـ. ويأتي مثله في سماع يحيى وأقره ابن رشد وفي كتاب محمد وغيره ويأتي نصه وتعقب ناصر الدين ضيح فيما قاله وقرره ابن عبد السلام على الصواب فقد اتضح لك مساواة جميع الورثة عاصبا وذا سهم في حصة البائع إن أسقط شريكه الأخص فأين يكون الأخص يدخل على ذوي الفروض ويختص بذلك لأن الكلام في امتيازه بحظ شريكه وبدخوله على غيره ولذا قال ابن عبد السلام في قول ابن الحاجب ويدخل الأخص على الأعم ما نصه لما قرر أن الشريك الأخص أولى من غيره وأنه إذا باع أحد الأخصين فلا دخول للأعم بين هنا أن للأخص مزية أخرى وأنه إذا باع أحد الأعمين فلا يختص بالشفعة الأعم بل يدخل معه الشريك الأخص اهـ. ولا يكون هذا إلا فيما ذكرنا عن المدونة واللَّه أعلم".
[ ٦ / ٣٣٧ ]
الشركاء، وجعل اسم كل بورقة مثلًا، ووضعها ببندقة من شمع مثلًا، ثم رمى كل بندقة منها في جهة من الجهات المعدلة، فمن خرج اسمه على هبة أخذه، إن كان قدر نصيبه، وإلا أخذه وما يليه، لمنتهى حقه.
ثم ذكر صفة أخرى، فقال: وكتب القاسم المقسوم، وجعل كل جهة منه ببندقة، وأعطى كلا من البنادق التي من الجهات لكل من أصحاب تلك الأسماء، فأي جهة ظهرت فيها فهي له.
وقيل: يكتب الأسماء، ويكتب الجهات، ويجعل كل تحت ساتر، ثم يأخذ واحدًا من الأسماء وواحدًا من الجهات، فما ظهر من الجهات فهو لصاحب الاسم.
فائدة:
القرعة مشروعة في اثنين وعشرين مسألة انظرها في الكبير.
[اشترا الخارج من القسمة:]
ومنع اشتراء الخارج من القسمة، وظاهره: كان المشتري شريكا أو أجنبيا، وقرره الشارحان على منع الشراء لأجنبي، ونحوه قول التهذيب: ولا يجوز لأجنبي أن يشتري من أحدهم ما يخرج له بالسهم من هذه الثياب؛ إذ لا شركة له فيها، وإنما جاز ما أخرج السهم في تمييز حظ الشريك خاصة؛ لأن القسم عند مالك بالقرعة ليس من البيوع، والقسم يقارن البيع في بعض الحالات انتهى.
وهذا التعليل يقتضي أنه لا فرق بين الأجنبي وغيره، وكذا تعليل الشارح بجهل الخارج، والبساطي بأنه قد يخرج ما لا يوافق غرضه، وتعذر تسليمه عند العقد.
[متى يلزم القسم:]
ولزم القسم بأنواعه إن وقع بوجه صحيح، وليس لأحد من الشركاء نقضه، ونظر في دعوى جور أو غلط في المقسوم، وإن لم يظهر شيء مضى القسم، وإن اعترف الشريك الآخر قضى بما يوجبه اعترافه.
[ ٦ / ٣٣٨ ]
وإن أنكر حلف المنكر، وإن تفاحش الجور أو الغلط، أو ثبتا بشهادة أهل المعرفة، بأن يقولوا: بها تغابن أو تفاحش، نقضت، ونحوهما التهذيب.
تتمة:
ابن يونس: التفاحش أن يكون الغبن الثلث وما قبله، ولو كان دونه، وعزاه عياض لها ولأشهب وابن حبيب.
وهذا في قسمة القرعة دل عليه قوله كالمراضاة إن أدخلا مقوما بينهما، فينظر الحاكم أيضًا في دعوى جور أو غلط، وأما المراضاة من غير إدخال مقوم فلا نقض، ولو تفاحش الجور والغلط، وأجبر لها -أي: القسمة- كل من الشركاء؛ إذ طلبها بعض وامتنع غيره، سواء كانت حصة الطالب أو غيره.
البساطي: ولذا أعاد لفظة كل؛ إذ لو قال: (وأجبر لها كل إن انتفع) عاد الضمير على (كل) و(كل) إنما هو الممتنع، فلا يدخل انتفاع الطالب في الشرط، فتأمله. انتهى.
ومفهوم الشرط: المنع إن لم ينتفع كل، وهو لمالك، واختاره ابن القاسم وابن الماجشون.
[مسألة:]
وأجبر للبيع شريك في كل ما لا يجبر فيه بالقسمة من حيوان أو عرض، إذا انتفع منه، إن نقصت حصة شريكه، إذا بيعت مفردة عن ثمنها في بيع الكل.
ابن عرفة: كذا قيده غير واحد، وهو كذلك عند الأكثر.
تنبيهان:
الأول: إذا وقف هذا البيع على ثمن، فلكل من الشركاء أخذه به، طالب البيع أو غيره، وبه القضاء، خلافًا للداودي في أن مريد البيع ليس له
[ ٦ / ٣٣٩ ]
أخذه، وحمل المدونة عليه، قائلًا: ليس في المذهب غيره.
الثاني: قيد اللخمي الجبر بما إذا لم يقل الشريك: أنا أدفع النقص الذي ينال شريكي في بيع نصيبه مفردا، فلا مقال لشريكه حينئذ؛ لارتفاع ضرره، ولم يعتبره المؤلف.
لا كربع غلة، فلا يجبر من أبي البيع فيه من شريكه؛ لأن رباع الغلة لا يحط ثمن بعضها، إذا بيع مفردا عن بيعه مع الجملة، بل ربما زادت الرغبة في البعض بخلاف دور السكنى.
أو اشترى بعضا، وأراد بيعه، فلا يجبر شريكه الممتنع عن البيع عليه معه؛ لأنه اشترى بعضا، فيبيع كذلك.
[الطارئ على قسمة:]
ولما كان الطارئ على القسمة أمور، ذكرها فقال: وإن وجد أحد الشركاء عيبا بالأكثر فيما خصه من القسمة، بأن زاد على النصف والباقي سالم، فله ردها -أي: القسمة- إن كان المقسوم قائما بيد الشركاء، ثم ابتدؤوا القسم، ويأتي مفهوم الأكثر، فإن فات ما بيد صاحبه -وهو الذي لم يظهر له عيب- بكهدم أو بناء أو قطع الثوب تبابين أو تحبيس أو صدقة أو هبة أو نحوه مما أدخلته الكاف، رد صاحب الفائت نصف قيمته -أي: الفائت- لمن ظهر العيب بنصيبه.
[المعتبر في التقويم:]
والمعتبر في التقويم يوم قبضه وما سلم ولم يفت بينهما، فتلخص من هذا: أن الفائت بينهما والمعيب بينهما، فتأمله.
وإن فات من صاحب المعيب ما بيده، وهو المعيب، رد على الذي بيده السالم من العيب نصف قيمته، وما سلم بينهما نصفان.
قال المصنف: وكذا لو فات النصيبان معا، فيرجع على من أخذ السالم بنصف ما زادته قيمة السالم على قيمة المعيب.
[ ٦ / ٣٤٠ ]
وإلا بأن لم يكن المعيب بالأكثر بل بالنصف فأقل لم ينتقض القسم، وإذا لم ينتقض فلا يرجع فيما بيد شريكه، بل بنسبة المعيب مما في يده، فإن كان المعيب قدر سبع رجع على صاحبه بنصف المعيب، أي: بثمن قيمة نصف المعيب من الصحيح، وهو نصف سبع مما في يده ثمنا، لا أنه يرجع شريكا.
وإذا رجع بقيمة نصف المعيب عاد المعيب بينهما مشتركا، وهذا مفهوم الأكثر، ومفهومه: لو كان المعيب جميع النصف لكان النقص أحرى.
ولما فرغ من الكلام على الطارئ الأول تكلم على الثاني: وإن استحق نصف أو ثلث مما بيد بعض المقسوم عليهم خير المستحق من يده بين نقض القسمة وبقائها والرجوع على صاحبه بنصف ذلك.
قال الشارح: وتخييره بين النقض ورجوعه شريكا فيما بيد صاحبه بقدر ما استحق من يده.
لا إن استحق ربع فأقل، فلا يخير، ويرجع بنصف قيمته ثمنا، وفسخت استحقاق الأكثر من النصف، ولا خيار ولا رجوع، ومفهوم (الأكثر) لو استحق جميع حصة شريكه لفسخ من باب أحرى.
تتمة:
يستثنى من ذلك ما قاله ابن فرحون في ألغازه: إذا استحق نصيب واحد قبل قسم الغنيمة لا ينتقض القسم.
ثم ذكر من الطوارئ أربعا متفقا حكمها مشبها لها بما يفسخ فقال: كطرو غريم وحده على ورثة وحدها، أو على وارث موصى له بالثلث، أو طرو موصى له بعدد من دنانير ونحوها وحدها على ورثة وحدها، أو طرو موصى له بعدد وحده على وارث وموصى له بالثلث، وإذا فسخت فقال ابن القاسم: يعطي الغريم أو الموصى له حقه، ثم يبتدئ القسم.
[ ٦ / ٣٤١ ]
[قيود الفسخ:]
والفسخ مقيد بما إذا كان المقسوم كدار أو بستان أو حانوت؛ لتعلق الغرض بها.
وإن كان المقسوم:
- عينا: ذهبا أو فضة.
- أو مثليا، كـ: قمح أو عسل لم يفسخ القسم.
رجع الطارئ على كل من بيده شيء من ذلك بما يخصه، إن كان قائما، وإن فات رجع بمثله، ومن أعسر فعليه، ويتبع به دون غيره من الأملياء، إن لم يعلموا بالطارئ، قاله ابن القاسم، وأما إن قسموا مع العلم بالطارئ رجع على المليء بالجميع لتعديهم.
وإن دفع جميع الورثة الدين أو الموصى له للطارئ لعمد القسمة مضت لوصول كل منهما لحقه؛ إذ لا حق لهما في الفسخ، وهو المشهور من قول ابن القاسم المنصوص في المدونة.
ومفهومه: لو امتنعوا أو بعضهم من الدفع فسخت؛ لأن الدين والوصية مقدمان على الميراث، ولا ملك للوارث إلا بعدهما.
ثم شبه في الإمضاء وعدم الفسخ فقال كبيعهم بلا غبن، ثم طرأ الدين.
ابن المواز: ويضمنون الدين بالبيع وبغبن أحرى وهو كذلك على أحد القولين.
وإذا قلنا بإمضاء البيع فباع بعضهم نصيبه، وبقي نصيب بعض استوفى الطارئ جميع حقه مما وجد من التركة، ثم تراجعوا: فيرجع من أدى على من لم يؤد، ومن أعسر فعليه، ويتبع مما أخذ، إن لم يعلموا بالطارئ، فإن علموا فمتعدون.
[ ٦ / ٣٤٢ ]
ثم ذكر للطارئ أربع صور أيضًا متبعة في الحكم، وبها تمت الطوارئ العشرة، فقال:
وإن طرأ غريم على مثله، أو وارث على مثله، أو موصى له بجزء -أي: بنصيب- على وارث اتبع الطارئ كلا ممن طرأ عليه بحصته، ولا ينتقض القسم، ولا يأخذ مليئًا عن معدم، فإن وجد ما بأيديهم أخذ من كل منهم ما يجب له إن كان مكيلًا أو موزونًا، وإن كان حيوانًا أو عرضًا انفسخت؛ لما يدخل عليه من الضرر لتبعيض حصته، وقوله: (بجزء) هو قسيم قوله: (بعدد) فيما سبق.
[مسألة:]
وأخرت قسمة تركة لوضع حمل، وستأتي آخر الفرائض، لا دين على ميت، فلا يؤخر قضاؤه، وفى تأخير مال الوصية لوضع الحمل وتعجيله قولان، حكاهما ابن رشد.
[مسألة:]
وقسم عن صغير أب، ما لم يكن كافرا، فلا يقسم عن ابنته البكر، كما لا يجوز له تزويجها، وخرج بالأب الأم، إلا أن تكون وصية على ابنها، ومفهوم كلامه: أن الأب لا يقسم على كبير غائب.
أو وصي أو مقدم القاضي إن لم يكن ملتقط اسم فاعل يقسم عن ملتقطه، كقاض عن غائب يجوز قسمه عنه، إن طلب شركاؤه ذلك.
لا ذي شرطة، فلا يقسم عن صغير ولا غائب، أو كنف أخ أخا صغيرا، أي: أحاطه وقام به، فلا يجوز قسمه عنه، ولا بيعه له، وغير من كنف أحرى في المنع.
وظاهر كلامه: ولو مع القاضي، وهو كذلك، وظاهره: كان المقسوم كثيرا أو قليلا، وهو كذلك.
أو أب لا يجوز قسمه عن ولد كبير رشيد، وإن غاب بالغ عليه؛ لدفع توهم الجواز مع الغيبة.
[ ٦ / ٣٤٣ ]
[مسألة:]
ثم ختم الباب بمسألة مستقلة، ولذا نسبها للمدونة، فقال: وفيها: قسم نخلة وزيتونة مشتركتين بين اثنين، إن اعتدلتا في القسم مع اختلاف جنسهما، وأصل ابن القاسم منع النوعين المختلفين كعبد ودابة.
واختلف شيوخ المدونة: هل هي قسمة قرعة أجيزت للقلة، وهو فهم ابن يونس؛ لقولها: إن اعتدلتا، واعتذروا عن قوله: (تراضيا)، أي: بالاستهام؛ لقولها بعد: وإن تركوها لم يجبر، ولقولها: اعتدلت.
أو مراضاة، اعتبارا بقولها: تراضيا، واعتذروا عن قوله: اعتدلتا، بأن التراضي لا يشترط فيه الاعتدال، بأنهما دخلا على بيع لا غبن فيه؟ تأويلان.
ومفهوم الشرط: إن لم يعتدلا في القسم لم يجز.
* * *
[تم بفضل اللَّه وحسن توفيقه الجزء السادس]
[ ٦ / ٣٤٤ ]