[شكر الله تعالى]
بَابٌ
فِي جُمَلٍ مِنْ مَسَائِلَ شَتَّى، وَخَاتِمَةٍ حَسَنَةٍ (شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبٌ شَرْعًا) .
(وَهُوَ): أَيْ الشُّكْرُ فِي عُرْفِ الصُّوفِيَّةِ، وَقِيلَ عُرْفُ أَهْلِ الشَّرْعِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ وَاجِبٌ شَرْعًا فَيَشْهَدُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ عُرْفُ الشَّرْعِ: (صَرْفُ الْمُكَلَّفِ كُلَّ نِعْمَةٍ لِمَا خُلِقَتْ لَهُ) اللَّامُ فِي " لَهُ " لِلثَّمَرَةِ الْغَيْرِ الْبَاعِثَةِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [بَابٌ فِي جُمَلٍ مِنْ مَسَائِلَ شَتَّى وَخَاتِمَةٍ حَسَنَةٍ] [شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى] بَابٌ هَذَا الْبَابُ مِمَّا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى خَلِيلٍ سَلَكَ بِهِ مَسْلَكَ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ فِي الْمَذْهَبِ. وَقَوْلُهُ: [مِنْ مَسَائِلَ شَتَّى]: أَيْ مُتَفَرِّقَةٍ لَا تُضْبَطُ فِي بَابٍ بِعَيْنِهِ مِنْ الْأَبْوَابِ مَعَ أَنَّهَا مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ. قَوْلُهُ: [وَخَاتِمَةٍ حَسَنَةٍ]: أَيْ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى تَوْحِيدٍ وَتَصَوُّفٍ فَحَسُنَتْ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَاجِبٌ شَرْعًا]: أَيْ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي إيجَابٍ وَلَا غَيْرِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ عُرْفُ أَهْلِ الشَّرْعِ]: إنْ قُلْت الصُّوفِيَّةُ أَهْلُ شَرْعٍ وَزِيَادَةٍ، فَمَا مَعْنَى الْمُقَابَلَةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الصُّوفِيَّةَ بَحْثُهُمْ عَلَى الْعَمَلِ الْبَاطِنِ وَحُسْنِ السَّرِيرَةِ وَخَلَاصِ النِّيَّةِ مِنْ رُؤْيَةِ الْغَيْرِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَأَعْمَالُهُ عِنْدَهُمْ كَالْهَبَاءِ لَا يُثْبِتُونَهَا، وَأَهْلُ الشَّرْعِ يُعَوِّلُونَ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ الْأَعْمَالِ الْمُوَافِقَةِ لِلشَّرْعِ فَمَا أَنْكَرَهُ الشَّرْعُ ظَاهِرًا أَنْكَرُوهُ وَمَا مَدَحَهُ مَدَحُوهُ وَيَكِلُونَ السَّرَائِرَ لِلَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ: [لِلثَّمَرَةِ الْغَيْرِ الْبَاعِثَةِ]: أَيْ لِلْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ الْغَيْرِ الْحَامِلَةِ الْفَاعِلَ عَلَى فِعْلِهِ كَانْتِفَاعِ النَّاسِ بِظِلِّ الْأَشْجَارِ بَعْدَ تَمَامِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْحَامِلُ لِلْغَارِسِ إلَّا الثَّمَرُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ الْغَرَضُ الْبَاعِثُ الَّذِي يَتَكَمَّلُ بِهِ وَإِلَّا فَأَفْعَالُهُ ﷾ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ حِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ سَبَقَ عِلْمُهُ بِهَا أَزَلًا لَكِنَّ تِلْكَ الْمَصَالِحَ
[ ٤ / ٧٢٩ ]
كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلشُّكْرِ التَّامِّ، وَأَصْلُ الشُّكْرِ: صَرْفُ شَيْءٍ مَا. وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] مَعْنًى، وَقَدْ يُقَالُ الْمُبَالَغَةُ بِحَسْبِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ مُتَعَذِّرٌ لَا قَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَتَعَذَّرُ إلَّا بِحَسْبِ عُقُولِ الْقَاصِرِينَ الْمُقَصِّرِينَ. ثُمَّ هَذَا شُكْرُ عَامَّةِ أَهْلِ اللَّهِ، وَيَقْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ الْجُنَيْدِ لَمَّا سَأَلَهُ شَيْخُهُ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ: يَا غُلَامُ مَا الشُّكْرُ؟ فَقَالَ: أَنْ لَا يُعْصَى اللَّهُ بِنِعَمِهِ. فَقَالَ: يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ حَظُّك مِنْ اللَّهِ لِسَانَك،، قَالَ الْجُنَيْدُ؛ فَلَا أَزَالُ أَبْكِي عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ، قَالَهُ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ. (وَلَوْ) كَانَ مَا خُلِقْت لَهُ (مُبَاحًا ضَرُورِيًّا - كَالْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ - فَلَيْسَ فَاعِلُ الْمُبَاحِ كَافِرًا لِلنِّعْمَةِ)
لِأَنَّهُ صَرْفٌ فِيمَا خُلِقَ لَهُ (فَإِنْ نَوَى خَيْرًا) - كَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَالتَّقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ وَكَفِّ الشَّهْوَةِ عَمَّا لَا يُرْضِي اللَّهَ (فَطَاعَةٌ): أَيْ فَصَارَ الْمُبَاحُ طَاعَةً يُثَابُ عَلَيْهِ (بِ) سَبَبِ (النِّيَّةِ) الْحَسَنَةِ.
(وَحَمْدُهُ تَعَالَى) فِي عُرْفِ النَّاسِ الْعَامِّ، إذْ بِتَعْرِيفِهِ الْآتِي لَيْسَ خَاصًّا بِالشَّرْعِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] لِخَلْقِهِ لَا لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]: أَيْ إلَّا لِيَئُولَ أَمْرُهُمْ لِعِبَادَتِي كَمَا سَبَقَتْ بِهِ حِكْمَتِي فَتَعُودُ مَصَالِحُ عِبَادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلشُّكْرِ التَّامِّ]: أَيْ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ مَا خُلِقَتْ لَهُ]: الْمُنَاسِبُ وَلَوْ كَانَ الصَّرْفُ فِيمَا خُلِقَتْ لَهُ. قَوْلُهُ: [كَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ] إلَخْ: كُلٌّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَالتَّقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ وَكَفِّ الشَّهْوَةِ يَصْلُحُ فِي الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ. قَوْلُهُ: [أَيْ فَصَارَ الْمُبَاحُ طَاعَةً]: أَيْ وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ لَا تُفَارِقُ الْمَعْصُومِينَ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ: [لَيْسَ خَاصًّا بِالشَّرْعِ]: أَيْ لِأَنَّ الْحَمْدَ الشَّرْعِيَّ هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ بِالْكَمَالَاتِ.
[ ٤ / ٧٣٠ ]
وَلَا بِالصُّوفِيَّةِ وَلَا بِأَهْلِ الْكَلَامِ وَإِنْ قِيلَ بِكُلٍّ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: الْحَمْدُ الْمَطْلُوبُ الِابْتِدَاءُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ هُوَ اللُّغَوِيُّ لِأَنَّ الْعُرْفَ أَمْرٌ طَارِئٌ بَعْدَ النَّبِيِّ - ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ وَعَظَّمَ عَدَدَ مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ - إذْ حَيْثُ كَانَ الْمُرَادُ الْعُرْفَ الْعَامَّ فَمِنْ أَيْنَ طُرُوُّهُ؟ نَعَمْ قَدْ وَرَدَ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ» بِالرَّفْعِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ اللِّسَانِيَّ مِنْ قَبِيلِ:
وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتُهُ بِالْوَارِدِ
قَالَهُ أُسْتَاذُنَا الْأَمِيرُ.
(فِعْلٌ) الْمُرَادُ الْفِعْلُ اللُّغَوِيُّ لِيَشْمَلَ مَا قَالَهُ مِنْ الِاعْتِقَادِ وَلَوْ عَلَى أَنَّهُ كَيْفٌ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] وَقَوْلُهُ: [وَلَا بِالصُّوفِيَّةِ]: أَيْ لِأَنَّ الْحَمْدَ عِنْدَهُمْ هُوَ شُهُودُ كَمَالَاتِ اللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. قَوْلُهُ: [وَلَا بِأَهْلِ الْكَلَامِ]: أَيْ لِأَنَّ الْحَمْدَ عِنْدَهُمْ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّنَاءِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ قِيلَ بِكُلٍّ]: أَيْ قَوْلًا مَقْبُولًا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا لِلْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعُرْفَ] إلَخْ: تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ. وَقَوْلُهُ: [إذْ حَيْثُ كَانَ] إلَخْ: عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ سَقَطَ مِنْ قَلَمِ الشَّارِحِ تَقْدِيرُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ حَيْثُ إلَخْ. قَوْلُهُ: [فَمِنْ أَيْنَ طُرُوُّهُ]: أَيْ بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: [بِالرَّفْعِ]: أَيْ فَيُرَادُ بِهِ هَذَا اللَّفْظُ. قَوْلُهُ: [فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ اللِّسَانِيَّ]: أَيْ وَهُوَ اللُّغَوِيُّ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ عَلَى أَنَّهُ كَيْفٌ]: مَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ هَذَا إذَا مَرَرْنَا عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ بَلْ وَلَوْ مَرَرْنَا عَلَى أَنَّهُ كَيْفٌ أَوْ انْفِعَالٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالِانْفِعَالِ وَالْكَيْفِ أَنَّ الْفِعْلَ الْإِيجَادُ، وَالِانْفِعَالَ التَّأَثُّرُ، وَالْكَيْفَ الْأَثَرُ النَّاشِئُ عَنْهُمَا، وَمَثَّلُوا الثَّلَاثَة بِوَضْعِ الْخَاتَمِ مُلَوَّثًا بِالْحِبْرِ فِي الْكَاغِدِ فَالْوَضْعُ فِعْلٌ، وَانْطِبَاعُ الْكَاغِدِ بِالْوَضْعِ انْفِعَالٌ، وَالْأَثَرُ الَّذِي يَظْهَرُ وَيُقْرَأُ كَيْفٌ فِعْلِيٌّ. كَلَامُ الشَّارِحِ يُقَالُ لِلْكُلِّ فِعْلٌ لُغَوِيٌّ.
[ ٤ / ٧٣١ ]
أَوْ انْفِعَالٌ (يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِهِ الْمُنْعِمَ) عَلَى الْحَامِدِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ (اعْتِقَادًا أَوْ إقْرَارًا بِاللِّسَانِ أَوْ عَمَلًا بِالْجَوَارِحِ) .
(فَالْحَامِدُ أَعَمُّ) مِنْ الشَّاكِرِ وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيرِ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِيمَا حَقَّقَهُ عَلَى مُقَدِّمَةِ الْفَاضِلِ الصَّبَّانِ فَعَلَيْك بِهَا.
(فَأَهْلُ الشُّكْرِ صَفْوَةُ اللَّهِ تَعَالَى) اصْطَفَاهُمْ وَخَلَّصَهُمْ مِنْ كَدَرِ الْقَلْبِ وَيُقَالُ لَهُمْ: صُوفِيَّةٌ: مِنْ صَفَا يَصْفُو إذَا خَلَصَ، أَوْ مِنْ صُوفِيَ إذَا صَافَاهُ غَيْرُهُ، أَوْ نِسْبَةً لِلُبْسِ الصُّوفِ؛ لِأَنَّهُ شَأْنُهُمْ تَبَاعُدًا عَنْ التَّرَفُّهِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيُّ:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [عَلَى الْمَشْهُورِ]: رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ النِّعْمَةِ الَّتِي وَقَعَ الْحَمْدُ فِي مُقَابَلَتِهَا وَاصِلَةً لِخُصُوصِ، الْحَامِدِ، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِهِ مُنْبِئًا بِكَوْنِهِ مُنْعِمًا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ، وَمُقَابِلُهُ يَخُصُّهَا بِالْحَامِدِ فَيَكُونُ عَلَى مُقَابِلِهِ مُرَادِفًا لِلشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ. قَوْلُهُ: [اعْتِقَادًا]: أَعْرَبَهُ الشَّارِحُ خَبَرًا لِكَانَ الْمَحْذُوفَةِ. قَوْلُهُ: [فَالْحَامِدُ]: أَيْ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ. وَقَوْلُهُ: [أَعَمُّ مِنْ الشَّاكِرِ]: أَيْ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ أَيْضًا. وَأَمَّا النِّسْبَةُ بَيْنَ الْحَمْدِ الِاصْطِلَاحِيِّ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ فَإِمَّا التَّرَادُفُ أَوْ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ. قَوْلُهُ: [عَلَى مُقَدِّمَةِ الْفَاضِلِ الصَّبَّانِ]: أَيْ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ. قَوْلُهُ: [صَفْوَةُ اللَّهِ]: هُوَ مَصْدَرٌ لِصَفَا فَهُوَ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي زَيْدٍ عَدْلٌ. قَوْلُهُ: [مِنْ صَفَا يَصْفُو إذَا خَلَصَ]: وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: [أَوْ مِنْ صُوفِيَ إذَا صَافَاهُ غَيْرُهُ]: أَيْ وَقَدْ أَفَادَ هَذَا الْمَعْنَى بَعْضُ الْعَارِفِينَ بِقَوْلِهِ: صَافَى فَصُوفِيَ لِهَذَا سُمِّيَ الصُّوفِيُّ قَوْلُهُ: [تَبَاعُدًا عَنْ التَّرَفُّهِ]: عِلَّةٌ لِكَوْنِهِ شَأْنَهُمْ فَهُوَ عِلَّةُ لِلْعِلَّةِ. قَوْلُهُ: [قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ] هَكَذَا كُنْيَتُهُ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْأَنْصَارِيُّ وَالْمُرْسِي نِسْبَةٌ لِمُرْسِيَةَ قَرْيَةٍ بِالْأَنْدَلُسِ وُلِدَ بِهَا وَتُوُفِّيَ بِثَغْرِ إسْكَنْدَرِيَّةَ عَامَ سِتِّمِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ خَلِيفَةُ الْقُطْبِ الْكَبِيرِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ وَوَارِثُ حَالِهِ وَسَلَكَ
[ ٤ / ٧٣٢ ]
الصُّوفِيُّ مُرَكَّبٌ مِنْ حُرُوفٍ أَرْبَعَةٍ فَالصَّادُ صَبْرُهُ وَصِدْقُهُ وَصَفَاؤُهُ وَالْوَاوُ وَجْدُهُ وَوُدُّهُ وَوَفَاؤُهُ وَالْفَاءُ فَقْدُهُ وَفَقْرُهُ وَفَنَاؤُهُ وَالْيَاءُ لِلنِّسْبَةِ إذَا تَكَمَّلَ نُسِبَ إلَى حَضْرَةِ مَوْلَاهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا يَكُونُ الصُّوفِيُّ صُوفِيًّا حَتَّى لَا يَكْتُبَ عَلَيْهِ كَاتِبُ الشِّمَالِ شَيْئًا عِشْرِينَ سَنَةً أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْهُ ذَنْبٌ، بَلْ كُلَّمَا أَذْنَبَ تَابَ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِمْهَالِ: أَيْ أَنَّهُ لَا قَرَارَ لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (مِنْ عِبَادِهِ وَهُمْ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] بِصُحْبَتِهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ: التَّاجُ السَّكَنْدَرِيُّ، وَسَيِّدِي يَاقُوتُ الْعَرْشِيُّ، وَابْنُ النَّحَّاسِ النَّحْوِيُّ، وَالْبُوصَيْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ. قَوْلُهُ: [فَالصَّادُ صَبْرُهُ] إلَخْ: هَذِهِ الْمَعَانِي إشَارِيَّةٌ وَالصَّبْرُ عِنْدَهُمْ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ رُؤْيَةِ الْغَيْرِ. وَقَوْلُهُ: [وَصِدْقُهُ]: هُوَ التَّبَرِّي مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ. وَقَوْلُهُ: [وَصَفَاؤُهُ]: أَيْ خُلُوصُ سَرِيرَتِهِ مِنْ الْكَدَرَاتِ الْبَشَرِيَّةِ. قَوْلُهُ: [وَجْدُهُ]: الْوَجْدُ هُوَ تَلَهُّبُ الْقَلْبِ لِلِقَاءِ الْمَحْبُوبِ. قَوْلُهُ: [وَوُدُّهُ]: أَيْ وَهُوَ الْحُبُّ وَعَلَامَتُهُ بَذْلُ النَّفْسِ فِيمَا يُرْضِي مَحْبُوبَهُ وَكَثْرَةُ لَهَجِهِ بِذِكْرِهِ. قَوْلُهُ: [وَوَفَاؤُهُ]: أَيْ بِالْعَهْدِ الْمَأْخُوذِ يَوْمَ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] بِقِيَامِهِ بِوَظَائِفِ الْعُبُودِيَّةِ. قَوْلُهُ: [فَقْدُهُ]: الْفَقْدُ حَالَةٌ تَعْرِضُ لِلْعَبْدِ عِنْدَ غَلَبَةِ التَّوْحِيدِ عَلَى قَلْبِهِ فَيَفْنَى عَنْ رُؤْيَةِ الْأَحْوَالِ. وَقَوْلُهُ: [وَفَقْرُهُ]: أَيْ خُلُوُّ قَلْبِهِ مِنْ رُؤْيَةِ الْكَوْنَيْنِ وَهُوَ الْوَصْفُ الذَّاتِيُّ لِلْعَبْدِ. وَقَوْلُهُ: [وَفَنَاؤُهُ]: وَهُوَ عَدَمُ شُعُورِهِ بِشَيْءٍ سِوَى مَوْلَاهُ، وَأَقْسَامُهُ ثَلَاثَةٌ فَنَاءٌ فِي شُهُودِ الْأَفْعَالِ فَلَا يَرَى فِعْلًا إلَّا لِلَّهِ، وَفَنَاءٌ فِي شُهُودِ الصِّفَاتِ فَلَا يَرَى إلَّا صِفَاتِ اللَّهِ، وَفَنَاءٌ فِي شُهُودِ الذَّاتِ فَلَا يَرَى إلَّا ذَاتَ اللَّهِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ يَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَلِكِبَارِ الْأَوْلِيَاءِ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِمْهَالِ]: أَيْ وَهِيَ سِتُّ سَاعَاتٍ يَقُولُ فِيهَا كَاتِبُ الْيَمِينِ لِكَاتِبِ الشِّمَالِ أَمْهِلْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ. قَوْلُهُ: [مِنْ عِبَادِهِ]: مُتَعَلِّقٌ بِصَفْوَةٍ أَيْ اصْطَفَاهُمْ وَخَلَّصَهُمْ اللَّهُ دُونَ سَائِرِ
[ ٤ / ٧٣٣ ]
[الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
الْمُقَرَّبُونَ) قُرْبًا مَعْنَوِيًّا.
(وَيَجِبُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ) قَوْلًا وَفِعْلًا ثُمَّ إنْ كَانَ بِالْقَلْبِ فَفَرْضُ عَيْنٍ، وَأَمَّا بِالْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ عَلَى مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ وَإِنْ تَعَدَّدَ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ. وَالْمَعْرُوفُ: مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ وَلَوْ لُزُومًا، لِيَشْمَلَ الْقِيَاسَ لَكِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرُ الْوَاجِبِ كَالْمَنْدُوبِ مَنْدُوبٌ عَلَى الرَّاجِحِ. (وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ): أَيْ يَجِبُ كِفَايَةً أَوْ عَيْنًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَمَنْ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] عِبَادِهِ وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وَيُقَالُ لَهُمْ عِبَادُ الْعُبُودِيَّةِ. [الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ] قَوْلُهُ: [ثُمَّ إنْ كَانَ بِالْقَلْبِ فَفَرْضُ عَيْنٍ]: أَيْ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ؛ لِأَنَّ بُغْضَ الْمُخَالَفَاتِ وَحُبَّ الطَّاعَاتِ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] الْآيَةَ وَصِفَةُ تَغْيِيرِ الْقَلْبِ إذَا رَأَى مُنْكَرًا أَنْ يَقُولَ لَوْ كُنْت أَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِهِ لَغَيَّرْته، وَإِذَا رَأَى مَعْرُوفًا ضَاعَ. يَقُولُ فِي نَفْسِهِ لَوْ كُنْت أَقْدِرُ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ لَأَمَرْت بِهِ، وَقَدَّمَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدَّمَهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَأَيْضًا أَمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ أَوَّلًا وَنَهَى آدَم بَعْدَهُ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ. قَوْلُهُ: [فَفَرْضُ كِفَايَةٍ]: أَيْ فَمَتَى قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ. قَوْلُهُ: [لِيَشْمَلَ الْقِيَاسَ]: أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الْأَمْرُ صَرِيحًا بَلْ وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ عَلَى الْأَمْرِ الصَّرِيحِ، فَالْأَمْرُ الصَّرِيحُ كَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَقِيسُ كَبِرِّ الْأَشْيَاخِ مَثَلًا. قَوْلُهُ: [مَنْدُوبٌ عَلَى الرَّاجِحِ]: قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي كَوْنِهِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ مَنْدُوبًا أَوْ وَاجِبًا قَوْلَانِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُمَا أَرْجَحِيَّةُ النَّدْبِ كَنَدْبِ النَّهْيِ فِي الْمَكْرُوهِ أَفَادَهُ فِي حَاشِيَةِ الرِّسَالَةِ. قَوْلُهُ: [وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ] إلَخْ: سُمِّيَ بِذَلِكَ إمَّا؛ لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ لَمْ تَعْرِفْهُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ لِأَنَّ الْقُلُوبَ تُنْكِرُهُ. قَوْلُهُ: [عَلَى مَا تَقَدَّمَ]: أَيْ فَفِي الْقَلْبِ عَيْنٌ وَفِي الْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ كِفَايَةٌ إنْ تَعَدَّدَ.
[ ٤ / ٧٣٤ ]
[كف الجوارح عن الحرام]
لَهُ يَدٌ يَأْمُرُ وَيَنْهَى فَإِنْ امْتَثَلَ وَإِلَّا هُدِّدَ بِالضَّرْبِ وَإِلَّا ضُرِبَ بِالْفِعْلِ، وَمَعْنَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ بِالْقَلْبِ: مَحَبَّتُهُ وَمَحَبَّةُ فَاعِلِهِ، وَمَعْنَى النَّهْيِ بِالْقَلْبِ: كَرَاهَةُ الْمُنْكَرِ وَكَرَاهَةُ فَاعِلِهِ (إنْ أَفَادَ) هَذَا شُرِطَ فِي الْوُجُوبِ بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ الْإِفَادَةُ، وَإِلَّا سَقَطَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ الْجَوَازُ أَوْ النَّدْبُ. وَشَرْطُ جَوَازِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ: أَنْ يَعْلَمَ الْآمِرُ وَالنَّاهِي بِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ أَوْ مُنْكَرٌ، مَخَافَةَ أَنْ يَنْعَكِسَ الْأَمْرُ فَيَأْمُرَ بِمُنْكَرٍ وَيَنْهَى عَنْ مَعْرُوفٍ وَفِي الْمُنْكَرِ أَنْ لَا يَخَافَ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى مُنْكَرٍ أَعْظَمَ مِنْهُ.
(وَ) يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ (كَفُّ الْجَوَارِحِ): عَنْ الْحَرَامِ وَاحْتَرَزْنَا عَنْ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِالْوَاجِبِ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّهِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَإِلَّا ضُرِبَ بِالْفِعْلِ]: أَيْ فَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلْ أُشْهِرَ لَهُ السِّلَاحُ إنْ وَجَبَ قَتْلُهُ كَمَا أَفَادَهُ فِي حَاشِيَةِ الرِّسَالَةِ. قَوْلُهُ: [مَحَبَّتُهُ وَمَحَبَّةُ فَاعِلِهِ]: أَيْ وَذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵁ -: أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْت مِنْهُمْ لَعَلِّي أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَهْ وَأَكْرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ الْمَعَاصِي وَإِنْ كُنَّا سَوَاءً فِي الْبِضَاعَهْ قَالَ لَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ حَنْبَلٍ: تُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنَالُوا بِك الشَّفَاعَهْ وَتَكْرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ الْمَعَاصِي حَمَاك اللَّهُ مِنْ تِلْكَ الْبِضَاعَهْ قَوْلُهُ: [وَبَقِيَ الْجَوَازُ أَوْ النَّدْبُ]: لَعَلَّ أَوْ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ لِلشَّكِّ فِي تَعْيِينِ الْحُكْمِ وَالظَّاهِرُ النَّدْبُ وَلَا سِيَّمَا الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ الْإِفَادَةَ. قَوْلُهُ: [أَنْ يَعْلَمَ الْآمِرُ وَالنَّاهِي بِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ]: أَيْ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْمَذَاهِبِ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْفَاعِلُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَاهُ مَعْرُوفًا فِي الْمَعْرُوفِ أَوْ مُنْكَرًا فِي الْمُنْكَرِ. قَوْلُهُ: [أَنْ لَا يَخَافَ أَنْ يُؤَدِّيَ] إلَخْ: أَيْ كَنَهْيِهِ عَنْ أَخْذِ مَالِ شَخْصٍ فَيُؤَدِّي لِقَتْلِهِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ شَرْطٌ فِي الْأَمْرِ أَيْضًا. [كَفُّ الْجَوَارِحِ عَنْ الْحَرَامِ] قَوْلُهُ: [كَفُّ الْجَوَارِحِ عَنْ الْحَرَامِ]: أَيْ مَنْعُ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرِيَّةِ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ كَالْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي أَفَادَهَا بِقَوْلِهِ وَالْقَلْبُ عَنْ الْفَوَاحِشِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] الْآيَةَ.
[ ٤ / ٧٣٥ ]
أَنْ يُجَنِّبَهُ مُخَالَطَةَ مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُكَلَّفِ مُخَالَطَتُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ لِإِصْلَاحِ حَالِهِ. وَالْجَوَارِحُ - وَيُقَالُ لَهَا الْكَوَاسِبُ - سَبْعَةٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَقِيَهَا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ السَّبْعَةَ، وَهِيَ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالْبَطْنُ وَالْفَرْجُ. وَسَيُذْكَرُ بَعْضُهَا فِي قَوْلِهِ وَالتَّلَذُّذُ بِسَمَاعٍ إلَخْ
(وَيَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ) عَمَّنْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ (إلَّا لِضَرُورَةٍ) فَلَا يَحْرُمُ بَلْ قَدْ يَجِبُ، وَإِذَا كُشِفَ لِلضَّرُورَةِ (فَبِقَدْرِهَا): كَالطَّبِيبِ يُبْقَرُ لَهُ الثَّوْبُ عَلَى قَدْرِ مَوْضِعِ الْعِلَّةِ فِي نَحْوِ الْفَرْجِ إنْ تَعَيَّنَ النَّظَرُ وَإِلَّا فَيَكْتَفِي بِوَصْفِ النِّسَاءِ إذْ نَظَرُهُمْ لِلْفَرْجِ أَخَفُّ مِنْ الرَّجُلِ
(وَ) يَجِبُ كَفُّ (الْقَلْبِ عَنْ الْفَوَاحِشِ) جَمْعُ فَاحِشَةٍ: كُلُّ مُسْتَقْبَحٍ عَظُمَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَيَحْرُمُ الْعَزْمُ عَلَى قَبِيحٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَ الْقَبِيحِ الَّذِي يَجِبُ كَفُّ الْقَلْبِ عَنْهُ اعْتِنَاءً بِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْكَثِيرَةِ دُنْيَا وَأُخْرَى بِقَوْلِهِ: (كَالْحِقْدِ) التَّصْمِيمُ عَلَى الْبَغْضَاءِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [أَنْ يُجَنِّبَهُ مُخَالَطَةَ مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُكَلَّفِ مُخَالَطَتُهُ]: أَيْ وَمِنْ ذَلِكَ التَّفْرِقَةُ فِي الْمَضَاجِعِ وَزَجْرُهُ عَنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يَجِبُ لِإِصْلَاحِ حَالِهِ]: أَيْ وَيَظْهَرُ الْوُجُوبُ فِي مِثْلِ إبْعَادِهِ عَنْ نَحْوِ اللِّوَاطِ. قَوْلُهُ: [وَالْجَوَارِحُ]: مُبْتَدَأٌ وَسَبْعَةٌ خَبَرُهُ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ. قَوْلُهُ: [أَنْ يَقِيَهَا أَبْوَابَ جَهَنَّمِ]: أَيْ طَبَقَاتِهَا. قَوْلُهُ: [عَمَّنْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا] إلَخْ: عِبَارَةٌ رَكِيكَةٌ وَالْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ وَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنْ كُلِّ مَنْ يُمَيِّزُ الْعَوْرَةَ غَيْرَ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا. قَوْلُهُ: [إلَخْ تَفْصِيلُهَا] أَيْ الْعَوْرَةُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَيُكْتَفَى بِوَصْفِ النِّسَاءِ]: أَيْ فِي مِثْلِ عُيُوبِ الْفَرْجِ. قَوْلُهُ: [إذْ نَظَرُهُمْ]: الْمُنَاسِبُ نَظَرُهُنَّ. قَوْلُهُ: [مِنْهُمَا]: أَيْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَإِنَّمَا حَرُمَ الْعَزْمُ؛ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ عَلَى الْعَبْدِ خَيْرًا أَوْ شَرًّا.
[ ٤ / ٧٣٦ ]
(وَالْحَسَدِ) تَمَنِّي زَوَالِ نِعْمَةِ الْمَحْسُودِ قَالَ - ﷺ - «إيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ وَالْعُشْبَ» . (وَالْكِبْرِ): رَدُّ الْحَقِّ عَلَى قَائِلِهِ وَاحْتِقَارُ النَّاسِ، وَالتَّكَبُّرُ: إظْهَارُ الْعَظَمَةِ وَرُؤْيَةُ الْغَيْرِ حَقِيرًا بِالنِّسْبَةِ لَهُ فَيَصِيرُ صِفَتُهُ الْعُجْبَ قَالَ الشَّعْرَانِيُّ: إنَّ إبْلِيسَ إذَا ظَفِرَ مِنْ ابْنِ آدَمَ بِإِحْدَى أَرْبَعٍ قَالَ لَا أَطْلُبُ مِنْهُ غَيْرَهَا: إعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ، وَاسْتِكْثَارُ عَمَلِهِ، وَنِسْيَانُهُ ذُنُوبَهُ، وَزِيَادَةُ الشِّبَعِ وَهُوَ أَعْظَمُهَا، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ تَنْشَأُ عَنْهُ.
(وَظَنِّ السُّوءِ): فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ بَابُ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْ الْقَلْبِ حَتَّى يُفْسِدَهُ وَيُتْعِبَ صَاحِبَهُ وَيَنْشَأَ عَنْهُ بُغْضُ الْمَظْنُونِ بِهِ سُوءٌ، وَيَحْصُلُ بَيْنَهُمَا خَلَلٌ كَثِيرٌ، وَرُبَّمَا كَانَ بَرِيئًا فَيَزْدَادُ إثْمُ الظَّانِّ وَخُصُوصًا فِي مِثْلِ أَهْلِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ أَحْسَنَ مِنْ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ - ﷺ - وَرَزَقَنَا اتِّبَاعَهُ بِجَاهِهِ عِنْدَ رَبِّهِ.
(وَ) تَجِبُ (التَّوْبَةُ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ، وَالتَّوْبَةُ هِيَ لُغَةً: مُطْلَقُ الرُّجُوعِ، وَشَرْعًا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [فَيَصِيرُ صِفَتُهُ الْعُجْبَ]: أَيْ فَبَيْنَ الْعُجْبِ وَالْكِبَرِ تَلَازُمٌ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ]: قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] الْآيَةَ. قَوْلُهُ: [خُصُوصًا فِي مِثْلِ أَهْلِهِ]: أَيْ أَهْلِ الظَّانِّ كَالزَّوْجَةِ. قَوْلُهُ: [مِنْ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ]: بِأَنْ يَزِنَ صَاحِبَهُ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ. قَوْلُهُ: [مِنْ ذَلِكَ الْمَذْكُورِ]: أَيْ الَّذِي هُوَ الْفَوَاحِشُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ.
[ ٤ / ٧٣٧ ]
[بعض الواجبات الشرعية]
(وَهِيَ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ) النَّدَمُ رُكْنٌ مِنْهَا كَمَا قَالَ، وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، لَا لِكَوْنِ الْمَعْصِيَةِ فِيهَا ضَرَرٌ لِبَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ. وَالنَّدَمُ يَسْتَلْزِمُ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ: مِنْ الْإِقْلَاعِ عَنْ الذَّنْبِ حَالَ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ.
وَأَمَّا رَدُّ الْمَظَالِمِ لِأَهْلِهَا فَوَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ مَعَ تَلَبُّسِهِ بِغَيْرِ مَا تَابَ مِنْهُ. وَإِذَا عَزَمَ أَنْ لَا يَعُودَ، ثُمَّ قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَادَ أَوْ ارْتَكَبَ غَيْرَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ وَلَوْ كَثُرَ مِنْهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ: (وَ) يَجِبُ (تَجْدِيدُهَا لِكُلِّ مَا اقْتَرَفَ) فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَنَدِمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ» .
(وَ) يَجِبُ (الْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) الْخَوْفُ: تَأَلُّمُ الْقَلْبِ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَيَجِبُ التَّأَلُّمُ لِئَلَّا يَقَعَ عِقَابٌ فِي الْآخِرَةِ أَوْ الدُّنْيَا
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [رُكْنٌ مِنْهَا]: أَيْ لِأَنَّهُ دَاخِلُ الْمَاهِيَّةِ خِلَافًا لِمَنْ عَدَّهُ مِنْ الشُّرُوطِ فَإِنَّهُ مُعْتَرَضٌ بِأَنَّ الشَّرْطَ مَا كَانَ خَارِجَ الْمَاهِيَّةِ. قَوْلُهُ: [أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ]: أَيْ أَنْ يَكُونَ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا رَدُّ الْمَظَالِمِ لِأَهْلِهَا]: أَيْ بِالْفِعْلِ وَأَمَّا مَنْ عَدَّهُ مِنْ الشُّرُوطِ فَهُوَ نَاظِرٌ لِلْعَزْمِ عَلَى الرَّدِّ لَا لِلرَّدِّ بِالْفِعْلِ. قَوْلُهُ: [مَعَ تَلَبُّسِهِ بِغَيْرِ مَا تَابَ مِنْهُ]: أَيْ وَقَوْلُهُمْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِقْلَاعِ فِي الْحَالِ بِاعْتِبَارِ الذَّنْبِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: [فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ]: أَيْ تَوْبَةً لِلذَّنْبِ الْجَدِيدِ، وَأَمَّا الذَّنْبُ الْأَوَّلُ فَقَدْ مُحِيَ وَلَا يَعُودُ بِالرُّجُوعِ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَلَا انْتِقَاضَ إنْ يَعُدْ فِي الْحَالِ لَكِنْ يُجَدِّدُ تَوْبَةً لِمَا اقْتَرَفَ قَوْلُهُ: [فَنَدِمَ عَلَيْهِ]: أَيْ لِأَنَّ النَّدَمَ الصَّحِيحَ تَوْبَةٌ كَمَا وَرَدَ فَيَحْصُلُ بِهِ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ. [بَعْض الْوَاجِبَات الشَّرْعِيَّة] قَوْلُهُ: [بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ]: أَيْ وَأَمَّا تَأَلُّمُ الْقَلْبِ مِمَّا حَصَلَ فَيُقَالُ لَهُ حُزْنٌ وَيُرَادِفُ الْخَوْفَ بِهَذَا الْمَعْنَى الْهَمُّ.
[ ٤ / ٧٣٨ ]
وَأَعْظَمُهُ لِجَلَالِ اللَّهِ.
(وَ) يَجِبُ (الرَّجَاءُ) بِالْمَدِّ وَضَمِيرُ (فِيهِ) يَعُودُ لِلَّهِ: أَيْ الطَّمَعُ فِي رَحْمَتِهِ مَعَ حُسْنِ الطَّاعَةِ، إذْ لَا يَصِحُّ مَعَ تَرْكِ الْأَخْذِ فِي أَسْبَابِ الطَّاعَةِ.
(وَ) يَجِبُ (صِلَةُ الرَّحِمِ) وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهَا وَمَا يُعَيِّنُ عَلَيْهَا وَيُحَذِّرُ مِنْ تَرْكِهَا، كَقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَيْسَ ذَنْبٌ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمَ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ حَتَّى إنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يَكُونُونَ فَجَرَةً لَكِنْ يَتَوَاصَلُونَ فَيُبَارَكُ لَهُمْ فَتَزِيدُ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ» .
(وَ) يَجِبُ (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ)
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَأَعْظَمُهُ لِجَلَالِ اللَّهِ]: أَيْ وَهُوَ خَوْفُ الْأَنْبِيَاءِ وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى قِدَمِهِمْ. قَوْلُهُ: [لَا يَصِحُّ مَعَ تَرْكِ الْأَخْذِ فِي أَسْبَابِ الطَّاعَةِ]: أَيْ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُسَمَّى رَجَاءً بَلْ طَمَعٌ مَذْمُومٌ وَذَلِكَ كَطَمَعِ إبْلِيسَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: [وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهَا]: أَعْظَمُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢١] الْآيَةَ، وَأَعْظَمُ مَا وَرَدَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ تَرْكِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢٥] الْآيَةَ. قَوْلُهُ: [وَيَجِبُ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ]: أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلَخْ مَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ السُّورَةِ قَوْلُهُ - ﵊ -، حِينَ سُئِلَ عَنْ «أَيِّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا، قِيلَ ثُمَّ أَيِّ قَالَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى بِرِّهِمَا وَحَرَّمَتْ عُقُوقَهُمَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا. قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّ «مَنْ فَاتَهُ بِرُّ وَالِدَيْهِ فِي حَيَاتِهِمَا يُصَلِّي لَيْلَةَ الْخَمِيسِ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ بَعْدَهَا آيَةُ الْكُرْسِيِّ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَإِذَا سَلَّمَ مِنْهُمَا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ خَمْسَ عَشَرَةَ مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ ذَلِكَ لِأَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ بِرَّهُمَا بِذَلِكَ» أَفَادَهُ النَّفْرَاوِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ.
[ ٤ / ٧٣٩ ]
وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ تَفْضُلُ عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ وَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ بِالْجَوَارِحِ أَوْ بِسَبَبِ الِاعْتِقَادِ. وَيَكُونُ الْبِرُّ بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ الدَّالِّ عَلَى مَحَبَّتِهِمَا بِأَنْ يَقُولَ لَهُمَا مَا يَنْفَعُهُمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا بِدُونِ رَفْعِ صَوْتٍ عَلَيْهِمَا وَيَقُودُ الْأَعْمَى مِنْهُمَا - وَلَوْ كَافِرًا - لِلْكَنِيسَةِ وَيَحْمِلُهُمَا لَهَا، وَيُعْطِيهِمَا مَا يُنْفِقَانِهِ فِي أَعْيَادِهِمَا لَا مَا يُنْفِقَانِهِ فِي الْكَنِيسَةِ أَوْ لِلْقِسِّيسِ، وَيُطِيعُ الْوَالِدَيْنِ فِي الْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ. نَعَمْ قَالُوا: لَا يُطِيعُ فِي تَرْكِ سُنَّةٍ أَوْ رَغِيبَةٍ عَلَى الدَّوَامِ كَالْوِتْرِ وَالْفَجْرِ وَلَا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ. وَمِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ: أَنْ لَا يُحَاذِيَهُمَا فِي الْمَشْيِ وَلَا يَجْلِسَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ تَفْضُلُ عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ]: لِأَنَّ نِسْبَةَ الْوَلَدِ لِلْأُمِّ مُحَقَّقَةٌ وَلِلْأَبِ ظَنِّيَّةٌ وَلِتَأَلُّمِهَا فِي حَمْلِهِ وَفِصَالِهِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ]: أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] الْآيَةَ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُمَا مُشْرِكَانِ غَيْرُ حَرْبِيَّيْنِ وَإِلَّا فَيَجِبُ اجْتِنَابُهُمَا وَلَهُ قَتْلُهُمَا حِينَئِذٍ. قَوْلُهُ: [بِالْجَوَارِحِ]: أَيْ الظَّاهِرَةِ. قَوْلُهُ: [أَوْ بِسَبَبِ الِاعْتِقَادِ]: أَيْ بِأَنْ كَانَ فِسْقُهُمَا مُتَعَلِّقًا بِالْعَقَائِدِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَافِرًا لِلْكَنِيسَةِ]: مُرْتَبِطٌ بِمَا بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ كَأَنَّهُ قَالَ يَقُودُ الْأَعْمَى لِمَصَالِحِهِ، هَذَا إذَا كَانَ مُسْلِمًا بَلْ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَيَقُودُهُ لِمَطْلُوبِهِ وَإِنْ كَانَ لِلْكَنِيسَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ]: أَيْ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . قَوْلُهُ: [أَنْ لَا يُحَاذِيَهُمَا فِي الْمَشْيِ]: أَيْ فَضْلًا عَلَى التَّقَدُّمِ عَلَيْهِمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ نَحْوِ ظَلَامٍ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَجْلِسُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا]: أَيْ وَلَا يَقُومُ إلَّا كَذَلِكَ وَلَا يَسْتَقْبِحُ مِنْهُمَا نَحْوَ الْبَوْلِ عِنْدَ كِبَرِهِمَا أَوْ مَرَضِهِمَا وَبِالْجُمْلَةِ فَيَجِبُ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِالْقَوْلِ وَالْجَسَدِ بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ.
[ ٤ / ٧٤٠ ]
وَفِي الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ خِلَافٌ الظَّاهِرُ " لَا "
(وَ) يَجِبُ (الدُّعَاءُ لَهُمَا) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٤] الْآيَةَ أَيْ أَنْعِمْ عَلَيْهِمَا. وَمِنْ جُمْلَتِهِ غَفْرُ الذَّنْبِ، وَيُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ عَنْ الْوَالِدَيْنِ وَيَنْتَفِعَانِ بِهَا كَالدُّعَاءِ وَالْقِرَاءَةِ كَانَتْ عَلَى الْقَبْرِ أَوْ لَا وَتَلْزَمُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَيُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قَبْرِهِمَا كُلَّ جُمُعَةٍ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا كُلَّ جُمُعَةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَكُتِبَ بَارًّا»
(وَ) تَجِبُ (مُوَالَاةُ الْمُسْلِمِينَ) بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ فَيُحِبُّهُمْ وَيَسْعَى لَهُمْ فِي نَحْوِ الْوَلِيمَةِ وَالتَّعْزِيَةِ.
(وَ) تَجِبُ (النَّصِيحَةُ لَهُمْ): أَيْ لِلْمُسْلِمِينَ فَرْضُ عَيْنٍ؛ بِأَنْ يُرْشِدَهُمْ إلَى مَصَالِحِهِمْ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِرِفْقٍ وَهِيَ وَاجِبَةٌ طَلَبُوا ذَلِكَ أَمْ لَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [الظَّاهِرُ لَا]: قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ الَّذِي عِنْدِي أَنَّهُمْ لَا يَبْلُغُونَ مَبْلَغَ الْآبَاءِ. قَوْلُهُ: [وَيُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ] إلَخْ: مَحَلُّ اسْتِحْبَابِ مَا ذُكِرَ إنْ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: [وَيَنْتَفِعَانِ بِهَا]: وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ، وَعَدَّ مِنْهَا دُعَاءَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ»، وَمَحَلُّ طَلَبِ الدُّعَاءِ لَهُمَا إنْ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ لَا إنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَيَحْرُمُ لِآيَةِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] الْآيَةَ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي اسْتِغْفَارِهِ - ﷺ - لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَاسْتِغْفَارِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِأَبَوَيْهِ الْمُشْرِكَيْنِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوُجُوبَ يَحْصُلُ وَلَوْ بِمَرَّةٍ فِي عُمْرِهِ مَعَ قَصْدِهِ أَدَاءَ الْوَاجِبِ كَمَا تَكْفِي الْمَرَّةُ فِي وُجُوبِ الِاسْتِغْفَارِ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ كَمَا قَالَهُ النَّفْرَاوِيُّ اسْتِظْهَارًا. قَوْلُهُ: [طَلَبُوا ذَلِكَ أَمْ لَا]: لَكِنَّ مَحَلَّ الْوُجُوبِ إنْ ظَنَّ الْإِفَادَةَ لِأَنَّهُ مِنْ
[ ٤ / ٧٤١ ]
وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (وَحَرُمَ أَذَاهُمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ.
(وَكَذَا أَهْلُ الذِّمَّةِ) وَالْمُعَاهَدُونَ يَحْرُمُ أَذَاهُمْ (فِي نَفْسٍ) بِجُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ فَأَوْلَى بِقَتْلٍ (أَوْ مَالٍ): كُلُّ مَا يُمْلَكُ شَرْعًا وَلَوْ قَلَّ (أَوْ عِرْضٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنْ الْإِنْسَانِ كَالْحَسَبِ وَالنَّسَبِ وَظَاهِرُهُ يَعُمُّ عِرْضَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمُعَاهَدِينَ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] وَقِيلَ: لَا شَيْءَ فِي عِرْضِ الْكَافِرِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ. وَقَالَ بِالْأَوَّلِ: ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ: وَالنَّفْسُ أَمْيَلُ إلَيْهِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ. قَوْلُهُ: [قَالَ لِلَّهِ] إلَخْ: النَّصِيحَةُ لِلَّهِ هِيَ تَوْحِيدُهُ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ. وَقَوْلُهُ: [وَلِكِتَابِهِ]: وَهُوَ الْعَمَلُ بِهِ. وَقَوْلُهُ: [وَلِرَسُولِهِ]: أَيْ وَهُوَ حُبُّهُ وَاتِّبَاعُهُ. وَقَوْلُهُ: [وَلِلْأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ]: أَيْ وَهُوَ امْتِثَالُ أَمْرِهِمْ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ. وَقَوْلُهُ: [وَعَامَّتِهِمْ]: أَيْ وَهُوَ إرْشَادُهُمْ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [وَالْمُعَاهِدُ]: أَيْ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَهْلُ الذِّمَّةِ فَالتَّصْرِيحُ بِهِ زِيَادَةٌ فِي الْإِيضَاحِ. قَوْلُهُ: [كَالْحَسَبِ]: أَيْ وَهُوَ مَا يُعَدُّ مِنْ مَفَاخِرِ الْآبَاءِ. قَوْلُهُ: [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا]: أَيْ وَلَفْظُ النَّاسِ عَامٌّ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ لَا شَيْءَ فِي عِرْضِ الْكَافِرِ]: أَيْ لَا إثْمَ. قَوْلُهُ: [وَقَالَ بِالْأَوَّلِ ابْنُ وَهْبٍ]: أَيْ بِأَنَّ الْإِثْمَ فِي عِرْضِ الْكَافِرِ لَكِنْ لَا يَبْلُغُ بِهِ كَالْإِثْمِ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ قَذْفَ الْمُسْلِمِ الْعَفِيفِ فِيهِ الْحَدُّ بِخِلَافِ الْكَافِرِ.
[ ٤ / ٧٤٢ ]
[بعض المحرمات الشرعية]
(أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَأَذِيَّةِ زَوْجَةٍ أَوْ وَلَدٍ بِالنَّظَرِ لِلزَّوْجِ وَالْوَالِدِ وَأَمَّا بِالنَّظَرِ لَهُمَا فَدَاخِلَانِ فِي النَّفْسِ إلَخْ تَأَمَّلْ.
(إلَّا) إذَا كَانَ الْإِيذَاءُ فِي النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ أَوْ الْعِرْضِ مِنْ (مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ) فَفِيهِ أَذِيَّةُ النَّفْسِ وَلَا يَحْرُمُ أَوْ اسْتِهْلَاكُ مَالٍ فَيَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ أَوْ يَكُونُ مُبْتَدِعًا أَوْ فَاسِقًا فَيَتَكَلَّمُ فِيهِ، وَلَا يَحْرُمُ إنْ تَجَاهَرَ (لِمُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ): بِقَتْلٍ أَوْ زِنًا أَوْ فِسْقٍ.
(وَ) حَرُمَ التَّلَذُّذُ بِ (سَمَاعِ صَوْتِ أَجْنَبِيَّةٍ): لَيْسَتْ زَوْجَةً وَلَا أَمَةً وَمِنْهُمَا جَائِزٌ - وَلَوْ كَانَ شَأْنُهُ لَا يَصْدُرُ إلَّا مِنْ نَحْوِ الْغَوَازِي - إذْ جِمَاعُهُمَا الْأَعْظَمُ جَائِزٌ. وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ سَمَاعَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَوْ شَابَّةً جَمِيلَةً بِدُونِ قَصْدِ لَذَّةٍ يَجُوزُ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
(أَوْ أَمْرَدَ): فَيَحْرُمُ التَّلَذُّذُ وَقَصْدُهُ بِسَمَاعِ صَوْتِهِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ.
(أَوْ بِالنَّظَرِ إلَيْهِمَا) أَيْ وَيَحْرُمُ التَّلَذُّذُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِمَا فِي غَيْرِ الْعَوْرَةِ إذْ فِيهَا يَحْرُمُ وَلَوْ بِدُونِ قَصْدِ لَذَّةٍ. وَالْعَوْرَةُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعْلُومَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِهَا.
(أَوْ سَمَاعِ الْمَلَاهِي - إلَّا مَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ - أَوْ بِالْغِنَاءِ): أَيْ يَحْرُمُ سَمَاعُ الْغِنَاءِ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَعَ الْمَدِّ وَهُوَ الصَّوْتُ الَّذِي يُطْرِبُ السَّامِعَ. وَأَمَّا بِالْمَدِّ مَعَ الْفَتْحِ: فَهُوَ النَّفْعُ، وَبِالْكَسْرِ مَعَ الْقَصْرِ الْيَسَارُ: مُقَابِلُ الْفَقْرِ وَأَمَّا
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [بِالنَّظَرِ لِلزَّوْجِ وَالْوَالِدِ]: مَعْنَاهُ لَا يُؤْذِي الرَّجُلَ فِي زَوْجَتِهِ بِأَنْ يَخُونَهُ فِيهَا وَلَوْ بِرِضَاهَا وَلَا الْوَالِدَ فِي وَلَدِهِ بِأَنْ يَخُونَهُ فِيهِ. قَوْلُهُ: [فَفِيهِ أَذِيَّةُ النَّفْسِ] إلَخْ: لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ مَعَ ثِقَلٍ فِي التَّرْكِيبِ لَا يَخْفَى. قَوْلُهُ: [فَيَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ]: أَيْ مِنْ مَالِ ذَلِكَ الظَّالِمِ مِثْلَ مَا اسْتَهْلَكَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ جَهِلَ قَدْرَهُ. وَقَوْلُهُ: [أَوْ قِيمَتَهُ]: أَيْ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا عُلِمَ قَدْرُهُ. [بَعْض الْمُحْرِمَات الشَّرْعِيَّة] قَوْلُهُ: [بِسَمَاعِ صَوْتٍ]: مُتَعَلِّقٌ بِيَحْرُمُ تَنَازَعَهُ كُلٌّ مِنْ التَّلَذُّذِ وَقَصْدِهِ. قَوْلُهُ: [إلَّا مَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ]: أَيْ وَمِنْ ذَلِكَ الْغِرْبَالُ وَهُوَ الدُّفُّ الْمَعْرُوفُ بِالطَّارِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ وَسَمَاعُهُ فِي النِّكَاحِ، وَأَمَّا الْكَبَرُ وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ وَالْمِزْهَرُ فَفِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَتَقَدَّمَ بَسْطُ الْكَلَامِ فِي الْوَلِيمَةِ. قَوْلُهُ: [فَهُوَ النَّفْعُ]: قَالَ صَاحِبُ الْهَمْزَةِ:
[ ٤ / ٧٤٣ ]
بِضَمِّ الْغَيْنِ فَلَحْنٌ لَيْسَ لَهُ مَعْنَى (الْمُشْتَمِلِ عَلَى مُحَرَّمٍ): فَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مُحَرَّمٍ فَمَكْرُوهٌ مَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى آلِهِ فَيُنْدَبُ. (وَاللَّهْوُ) كَاللَّعِبِ بِالنَّرْدِ الْمُسَمَّى فِي مِصْرَ بِالطَّاوِلَةِ فَيَحْرُمُ كَانَ بِعِوَضٍ أَوْ بِدُونِهِ، لِأَنَّهُ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَيَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ، وَكَالشِّطْرَنْجِ وَالسِّيجَةِ وَالطَّابِ وَالْمَنْقَلَةِ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ كَرَاهَةَ الْمَنْقَلَةِ وَالطَّابِ. وَمَحَلُّهُ بِدُونِ عِوَضٍ وَاشْتِمَالٍ عَلَى مُحَرَّمٍ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ اتِّفَاقًا.
(وَاللَّعِبُ إلَّا مَا مَرَّ فِي الْمُسَابَقَةِ) مِنْ جَوَازِهَا بِالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالسَّهْمِ بِجُعْلٍ كَبِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
(وَ) يَحْرُمُ (قَوْلُ الزُّورِ) يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ شَهَادَةُ الزُّورِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَالْبَاطِلُ) أَعَمُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَتَكُونُ شَهَادَةُ الزُّورِ دَاخِلَةً فِيهِ وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ، أَنْ يَشْهَدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ وَلَوْ وَافَقَ الْوَاقِعَ.
(وَ) يَحْرُمُ (الْكَذِبُ): اعْلَمْ أَنَّهُ تَعْتَرِيهِ الْأَحْكَامُ:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قُلْنَ مَا لِلْيَتِيمِ عَنَّا غَنَاءٌ قَوْلُهُ: [فَيُنْدَبُ]: مِثْلُهُ الْقَصَائِدُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْعِشْقِ فِي الْحَضْرَةِ الْعَلِيَّةِ فَإِنَّهَا مَحْمَلُ حَدِيثِ: «إنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» . قَوْلُهُ: [وَاللَّهْوُ حَرَامٌ كَاللَّعِبِ]: أَيْ وَهُوَ مَعْنَى الْمَيْسِرِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. قَوْلُهُ: [وَكَالشِّطْرَنْجِ] إلَخْ: آلَاتٌ لِلَّهْوِ مَشْهُورَةٌ يُسْأَلُ عَنْهَا أَرْبَابُهَا. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَيَحْرُمُ اتِّفَاقًا]: أَيْ بِأَنْ كَانَ بِجُعْلٍ أَوْ اشْتَمَلَ عَلَى مُحَرَّمٍ. قَوْلُهُ: [إلَّا مَا مَرَّ فِي الْمُسَابَقَةِ]: أَيْ لِخَبَرِ: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الْمُؤْمِنُ بَاطِلٌ إلَّا مُلَاعَبَةَ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَرَمْيَهُ عَنْ قَوْسِهِ» . قَوْلُهُ: [وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ] إلَخْ: أَيْ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا؟ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ؛ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ثُمَّ قَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ» . قَوْلُهُ: [أَنْ يَشْهَدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ]: أَيْ وَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَشْهَدَ بِمَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ.
[ ٤ / ٧٤٤ ]
فَيَكُونُ وَاجِبًا لِإِنْقَاذِ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ أَوْ مَالٍ مَعْصُومٍ مِنْ ظَالِمٍ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّتَّائِيِّ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ النَّاصِرِ.
وَقِسْمٌ حَرَامٌ تُكَفِّرُهُ التَّوْبَةُ: كَالْإِخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ بِغَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَمِنْ الْكَذِبِ الْحَرَامِ: الثَّنَاءُ عَلَى الْغَيْرِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، وَالْعُزُومَةُ عَلَى الْغَيْرِ بِاللِّسَانِ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَعْزِمْ بِقَلْبِهِ، بَلْ قَالَ فَانْزِلْ عِنْدَنَا حَيَاءً لَعَلَّهُ يَمْتَنِعُ. أَوْ يَقْتَطِعُ بِهِ حَقَّ امْرِئٍ غَيْرَ حَرْبِيٍّ، فَتَجِبُ مِنْهُ التَّوْبَةُ وَرَدُّهُ أَوْ الْمُسَامَحَةُ.
وَيَكُونُ مَنْدُوبًا: كَإِخْبَارِ الْكُفَّارِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ فِيهِمْ قُوَّةٌ.
وَيَكُونُ مَكْرُوهًا: كَالْكَذِبِ لِلزَّوْجَةِ.
وَقِيلَ: مُبَاحٌ، كَالْكَذِبِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ مُتَشَاحِنِينَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا لِضَرُورَةٍ) .
(وَ) يَحْرُمُ (هِجْرَانُ) الشَّخْصِ (الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) بِأَيَّامِهَا لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» فَمَنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَهُوَ جُرْحَةٌ فِي شَهَادَتِهِ. وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ هِجْرَانَ الثَّلَاثِ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، بَلْ مَكْرُوهٌ وَلَمَّا كَانَ طَبْعُ الْإِنْسَانِ الْغَضَبَ وَسَّعَ لَهُ الشَّارِعُ فِي الثَّلَاثِ دُونَ الزَّائِدِ.
(إلَّا لِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ) فَلَا يَحْرُمُ وَلَيْسَ جُرْحَةً: كَهَجْرِ الشَّيْخِ وَالْوَالِدِ وَالزَّوْجِ عِنْدَ ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي. وَأَمَّا هَجْرُ ذِي بِدْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ فَوَاجِبٌ، كَأَهْلِ الِاعْتِزَالِ وَالْمَكْسِ وَالظُّلْمَةِ إلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ، وَأَمَّا صَاحِبُ بِدْعَةٍ مَكْرُوهَةٍ، كَتَطْوِيلِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَيَحْرُمُ هِجْرَانُ الشَّخْصِ الْمُسْلِمِ]: أَيْ لَا الْكَافِرِ فَلَا يَحْرُمُ هَجْرُهُ بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ لِحُرْمَةِ مُوَالَاتِهِ. قَوْلُهُ: [بَلْ مَكْرُوهٌ]: وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الرِّسَالَةِ بَلْ هُوَ جَائِزٌ. قَوْلُهُ: [إلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ]: أَيْ فَيُدَارِيهِمْ بِظَاهِرِهِ مَعَ هَجْرِهِمْ بِبَاطِنِهِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا صَاحِبُ بِدْعَةٍ مَكْرُوهَةٍ]: أَيْ فَالْبِدْعَةُ تَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ: الْوُجُوبُ كَتَدْوِينِ الْكُتُبِ، وَالنَّدْبُ كَإِحْدَاثِ الْمَدَارِسِ، وَالْكَرَاهَةُ كَتَطْوِيلِ الثِّيَابِ، وَالْإِبَاحَةُ كَاِتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الْمَأْكَلِ، وَالْحُرْمَةُ كَالْمُكُوسِ.
[ ٤ / ٧٤٥ ]
الثِّيَابِ، فَقِيلَ: هَجْرُهُ مَنْدُوبٌ، وَقِيلَ: مُبَاحٌ.
(وَالسَّلَامُ يُخْرِجُ مِنْهُ): أَيْ مِنْ الْهِجْرَانِ إنْ نَوَى بِهِ الْخُرُوجَ وَإِلَّا كَانَ نِفَاقًا، (وَلَا يَنْبَغِي تَرْكُ كَلَامِهِ بَعْدَ ذَلِكَ): أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ الْمَنْوِيِّ بِهِ الْخُرُوجُ؛ لِأَنَّ فِي التَّرْكِ ظَنَّ سُوءٍ بِهِ مِنْ بَقَائِهِ عَلَى الْهِجْرَانِ، فَإِنْ تَرَكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَهَجْرٌ جَدِيدٌ لَا يَحْرُمُ إلَّا إنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَإِنْ سَلَّمَ نَاوِيًا الْخُرُوجَ خَرَجَ وَهَكَذَا تَأَمَّلْ.
(وَ) يَحْرُمُ عَلَى الرَّاجِحِ وَقِيلَ يُكْرَهُ (أَكْلُ كَثُومٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْفَاءِ كَمَا فِي الْقُرْآنِ. أَدْخَلَتْ الْكَافُ كُلَّ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَبَصَلٍ نَيْءٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ أَوْ لَمْ تَذْهَبْ رَائِحَتُهُ بِخَلٍّ وَإِلَّا فَلَا يُمْنَعُ (فِي مَسْجِدٍ) كَانَ مَسْجِدَ خُطْبَةٍ أَمْ لَا (أَوْ دُخُولِهِ، لِأَكْلِهِ) فَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ أَكَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَحَدٌ (وَ) يَحْرُمُ (حُضُورُهُ): أَيْ آكِلِ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ الْفُجْلُ حَيْثُ كَانَ يَتَجَشَّأُ مِنْهُ (مَجَامِعَ الْمُسْلِمِينَ): كَمُصَلَّى عِيدٍ، وَحِلَقِ ذِكْرٍ وَعِلْمٍ وَوَلِيمَةٍ وَمِثْلُ أَكْلِ ذَلِكَ مَنْ بِهِ جُرْحٌ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ أَوْ فِيهِ صُنَانٌ اُحْتُرِزَ بِالْمَسْجِدِ عَنْ السُّوقِ فَلَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ (وَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ) أَيْ يُسْتَحَبُّ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ (أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ) الْمُؤْمِنِ (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) مِنْ الطَّاعَةِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ كَالْمَلَابِسِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [فَإِنْ سَلَّمَ نَاوِيًا الْخُرُوجَ خَرَجَ]: مَحَلُّ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَزِيدُ مَوَدَّةٍ وَاجْتِمَاعٍ عَلَى خَيْرٍ وَإِلَّا فَلَا يَكْفِي فِي الْخُرُوجِ السَّلَامُ وَحْدَهُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَوْدَةِ لِلْحَالَةِ الْأُولَى. قَوْلُهُ: [وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّاجِحِ]: أَيْ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا لِيُؤْذِيَنَا بِرِيحِ الثُّومِ» . قَوْلُهُ: [فَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ أَكَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ]: أَيْ مَا دَامَتْ الرَّائِحَةُ بَاقِيَةً، فَإِنْ أَزَالَهَا بِشَيْءٍ أَوْ زَالَتْ مِنْ نَفْسِهَا فَلَا مَنْعَ. قَوْلُهُ: [أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ]: اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الرَّسُولِ - ﷺ -، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَنَفْسِهِ أَفَادَهُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ. قَوْلُهُ: [الْمُؤْمِنِ]: اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْكَافِرِ فَلَا يُحِبُّ لَهُ شَيْئًا مَا دَامَ كَافِرًا وَإِلَّا فَمِنْ الْإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لَهُ الْإِسْلَامَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَا يَتَمَنَّاهُ لِنَفْسِهِ.
[ ٤ / ٧٤٦ ]
[بعض المندوبات الشرعية]
الْحَسَنَةِ (وَهُوَ عَلَامَةُ كَمَالِ الْإِيمَانِ) لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» أَيْ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ إذْ أَصْلُ الْإِيمَانِ حَاصِلٌ بِتَصْدِيقِهِ - ﷺ -.
(وَ) يَنْبَغِي أَيْ يُسْتَحَبُّ لِلْعَبْدِ (أَنْ يَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ): أَيْ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَنْ يُسَامِحَ مَنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ بِشَتْمٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ.
(وَ) يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ (يَصِلَ مَنْ قَطَعَهُ): أَيْ يَصِلَ مَوَدَّةَ مَنْ قَطَعَ مَوَدَّتَهُ عَنْهُ وَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَصْرِهِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ.
(وَ) يُنْدَبُ لِلْعَبْدِ أَنْ (يُعْطِيَ مَنْ حَرَمَهُ) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي وَأَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي» .
وَرُوِيَ: «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ أُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ؟ فَلَا يَقُومُ إلَّا مَنْ عَفَا» وَرُوِيَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إنْفَاذِهِ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا» وَقَدْ يَعْرِضُ الْوُجُوبُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِخَوْفِ مَفْسَدَةٍ.
(وَ) يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ (أَنْ يُكْرِمَ جَارَهُ): اعْلَمْ أَنَّ الْجَارَ إلَى أَرْبَعِينَ دَارًا،
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [بَعْض الْمَنْدُوبَات الشَّرْعِيَّة] قَوْلُهُ: [أَنْ يَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ] إلَخْ: قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وَقَالَ أَيْضًا: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] . قَوْلُهُ: [أَمَرَنِي رَبِّي] إلَخْ: أَيْ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] الْآيَةَ الْأَصْلُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ إلَّا لِدَلِيلٍ وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خُصُوصِيَّتِهِ - ﷺ - بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَقَدْ يَعْرِضُ الْوُجُوبُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ]: أَيْ الَّتِي هِيَ الْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَوَصْلُ مَنْ قَطَعَهُ وَإِعْطَاءُ مَنْ حَرَمَهُ. قَوْلُهُ: [إلَى أَرْبَعِينَ دَارًا]: أَيْ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.
[ ٤ / ٧٤٧ ]
وَالْكَرَامَةُ تَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ أَوْ مَنْدُوبًا كَكَفِّ الْأَذَى وَدَفْعِ ضَرَرٍ لِقَادِرٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ وَالْإِهْدَاءِ لَهُ.
(وَ) أَنْ يُكْرِمَ (ضَيْفَهُ) مِنْ مَالَ إلَيْك نَازِلًا بِك وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَسَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَلَهُ الْإِكْرَامُ بِكِفَايَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ فَرْشٍ وَمَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَتَجْهِيزِ مَاءٍ لِيَغْتَسِلَ بِهِ حِينَ نُزُولِهِ وَجُلُوسِ رَبِّ الدَّارِ دُونَ مَكَانِ الضَّيْفِ وَأَنْ يُلْقِمَهُ بِيَدِهِ فَقَدْ قَالَ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» وَقَالَ - ﷺ -: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ مَعَ الضَّيْفِ فَلَقَمَهُ بِيَدِهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كُتِبَ لَهُ بِهِ عَمَلُ سَنَةٍ صِيَامُ نَهَارِهَا وَقِيَامُ لَيْلِهَا» .
(وَلْيُحْسِنْ) الْعَبْدُ وُجُوبًا (إلَى نَفْسِهِ بِمَا يَقِيهَا مُوبِقَاتِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا): كَلَامٌ جَامِعٌ وَاضِحٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ؛ وَيَطْلُبُ مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ (مُتَجَافِيًا) مُتَبَاعِدًا مُتَغَافِلًا (عَنْ عُيُوبِ غَيْرِهِ): فَلَا يَظُنُّ بِغَيْرِهِ إلَّا خَيْرًا.
(نَاظِرًا لِعُيُوبِ نَفْسِهِ، مُحَاسِبًا لَهَا) لِلنَّفْسِ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الذُّنُوبِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [كَكَفِّ الْأَذَى] إلَخْ: لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ. قَوْلُهُ: [وَدَفْعِ ضَرَرٍ لِقَادِرٍ]: أَيْ بِالْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ. قَوْلُهُ: [وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ]: أَيْ الْبِشْرُ وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ. قَوْلُهُ: [وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا] إلَخْ: أَيْ لِكَوْنِهِ فِي تَرْكِ الْإِكْرَامِ مَفْسَدَةٌ أَوْ لِكَوْنِ الضَّيْفِ مُضْطَرًّا وَلَمْ يَجِدْ سِوَى مَنْ نَزَلَ بِهِ. قَوْلُهُ: [إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ]: أَيْ فِي الْجَارِ. قَوْلُهُ: [بِكِفَايَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ]: أَيْ عَلَى حَسْبِ طَاقَةِ الْمَنْزُولِ عِنْدَهُ. قَوْلُهُ: [وَأَنْ يُلْقِمَهُ بِيَدِهِ]: أَيْ إنْ لَمْ تَكُنْ نَفْسُ الضَّيْفِ تَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَلْيُحْسِنْ الْعَبْدُ وُجُوبًا إلَى نَفْسِهِ]: أَيْ؛ لِأَنَّ حَقَّ نَفْسِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ الْحُقُوقِ بَلْ سَائِرُ الْمَحَاسِنِ الْمَأْمُورِ بِهَا تَعُودُ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] . قَوْلُهُ: [نَاظِرًا لِعُيُوبِ نَفْسِهِ]: أَيْ فَفِي الْحَدِيثِ: «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا بَصَّرَهُ عُيُوبَهُ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
[ ٤ / ٧٤٨ ]
(رَاجِيًا) مِنْ اللَّهِ الْكَرِيمِ (غُفْرَانَهَا) فَإِنَّهَا وَإِنْ عَظُمَتْ وَكَثُرَتْ فَعَفْوُ اللَّهِ أَعْظَمُ وَفِي الْحَدِيثِ: «أَذَنْبُك أَعْظَمُ أَمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ؟ فَقَالَ: ذَنْبِي، فَقَالَ - ﷺ -: أَذَنْبُك أَعْظَمُ أَمْ عَفْوُ اللَّهِ؟ فَقَالَ عَفْوُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ - ﷺ - قُلْ: اللَّهُمَّ مَغْفِرَتُك أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِي وَرَحْمَتُك أَرْجَى لِي مِنْ عَمَلِي» . (خَائِفًا مِنْ سَطْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى): فَإِنَّهُ وَإِنْ أَمْهَلَ الْمُذْنِبَ رُبَّمَا أَخَذَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.
نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] مَعِيبٌ عَلَى الْإِنْسَانِ يَنْسَى عُيُوبَهُ وَيَذْكُرُ عَيْبًا فِي أَخِيهِ قَدْ اخْتَفَى فَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلٍ لَمَا عَابَ غَيْرَهُ وَفِيهِ عُيُوبٌ لَوْ رَآهَا بِهَا اكْتَفَى قَوْلُهُ: [وَرَحْمَتُك أَرْجَى لِي مِنْ عَمَلِي]: هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْعَارِفِينَ: الِاعْتِمَادُ عَلَى الْعَمَلِ نَقْصٌ فِي الْإِيمَانِ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قَالَ بَعْضُهُمْ: ذُنُوبِي وَإِنْ فَكَّرْت فِيهَا كَثِيرَةٌ وَرَحْمَةُ رَبِّي مِنْ ذُنُوبِي أَوْسَعُ وَمَا طَمَعِي فِي صَالِحٍ قَدْ عَمِلْته وَلَكِنَّنِي فِي رَحْمَةِ اللَّهِ أَطْمَعُ قَوْلُهُ: [خَائِفًا مِنْ سَطْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى]: قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] فَيَكُونُ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ مِنْهُ كَجَنَاحَيْ الطَّائِرِ لَكِنْ فِي حَالِ الصِّحَّةِ يَغْلِبُ الْخَوْفُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ - ﵁ - فِي الْخَرِيدَةِ: وَغَلِّبْ الْخَوْفَ عَلَى الرَّجَاءِ وَسِرْ لِمَوْلَاك بِلَا تَنَائِي
[ ٤ / ٧٤٩ ]
[فصل بعض السنن في الأكل وغيره]
فَصْلُ بَعْضِ السُّنَنِ (سُنَّ): عَيْنًا (لِآكِلٍ وَشَارِبٍ) وَلَوْ صَبِيًّا.
(تَسْمِيَةٌ) وَيُنْدَبُ الْجَهْرُ بِهَا لِيُنَبِّهَ الْغَافِلَ وَيَتَعَلَّمَ الْجَاهِلُ وَإِنْ نَسِيَهَا فِي أَوَّلِهِ أَتَى بِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا فَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَوَسَطِهِ وَآخِرِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَقَايَأُ مَا أَكَلَهُ خَارِجَ الْإِنَاءِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى بِسْمِ اللَّهِ أَحَدُ رَاجِحَيْنِ (وَنُدِبَ) لِآكِلٍ وَشَارِبٍ (تَنَاوُلٌ بِالْيَمِينِ) وَسَيُنَصُّ عَلَى كَرَاهَةِ ضِدِّهِ (كَحَمْدٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ) تَشْبِيهٌ فِي النَّدْبِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ سِرًّا خَوْفًا مِنْ حُصُولِ الْخَجَلِ لِلْغَيْرِ قَبْلَ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [فَصْلُ بَعْضِ السُّنَنِ فِي الْأَكْل وَغَيْره] فَصْلٌ: شُرُوعٌ مِنْهُ فِي آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ سَوَابِقُ وَمُقَارَنَةٌ وَلَوَاحِقُ، فَمِنْ السَّوَابِقِ قَوْلُهُ سُنَّ لِآكِلٍ وَشَارِبٍ تَسْمِيَةٌ إلَخْ وَقَوْلُهُ عَيْنًا أَيْ خِلَافًا لِلسَّادَةِ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا إنَّهَا سُنَّةُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ. قَوْلُهُ: [أَحَدُ رَاجِحَيْنِ]: أَيْ وَالْآخَرُ يُكَمِّلُهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ فِي التَّكْمِيلِ تَذْكَارَ نِعْمَةِ الْمُنْعِمِ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى التَّسْمِيَةِ: «وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتنَا» وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لَبَنًا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ " وَزِدْنَا مِنْهُ ". قَوْلُهُ: [تَنَاوُلٌ بِالْيَمِينِ]: أَيْ لِخَبَرِ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» . وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي أَكْلِهِ فَقِيلَ حَقِيقَةً وَقِيلَ مَجَازًا عَنْ الشَّمِّ، وَفِيهِ شَيْءٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ: «إنَّهُ يَتَقَايَأُ مَا أَكَلَهُ» . قَوْلُهُ: [كَحَمْدٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ]: أَيْ وَكَانَ - ﷺ - يَقُولُ عِنْدَ فَرَاغِهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» . قَوْلُهُ: [خَوْفًا مِنْ حُصُولِ الْخَجَلِ لِلْغَيْرِ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَإِسْرَارِ الْحَمْدِ
[ ٤ / ٧٥٠ ]
الشِّبَعِ، وَيُنْدَبُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْوَاسِطَةِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَقَوْلُهُمْ يُكْرَهُ فِي الْأَكْلِ أَيْ فِي أَثْنَائِهِ وَابْتِدَائِهِ (وَ) يُنْدَبُ (لَعْقُ الْأَصَابِعِ) وَلَا تَحْدِيدَ فِيمَا يُبْتَدَأُ بِلَعْقِهِ وَسَيُذْكَرُ أَنَّهُ يُتَنَاوَلُ بِغَيْرِ الْخِنْصَرِ (مِمَّا تَعَلَّقَ بِهَا) مِنْ الطَّعَامِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَإِنَّهُ كَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ قَبْلَ الْغَسْلِ وَفِيهِ مُرَاعَاةُ النِّعْمَةِ وَهَضْمُ النَّفْسِ ثُمَّ بَعْدَ لَعْقِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الطَّعَامِ دَسَمٌ فَلَا يُطَالَبُ بِغَسْلِهَا بَلْ يَمْسَحُهَا بَعْضَهَا بِبَعْضٍ أَوْ فِي مِنْدِيلٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ غَمْرٌ فَيُنْدَبُ غَسْلُهَا كَمَا قَالَ (غَسْلُهَا بِكَأُشْنَانٍ) لِأَنَّ بَقَاءَ الْغَمْرِ يُورِثُ الْجُنُونَ أَوْ الْبَرَصَ أَوْ أَذِيَّةَ الْهَوَامِّ لَهُ وَسَيُذْكَرُ مَا يُكْرَهُ غَسْلُ الْيَدِ بِهِ وَأَمَّا غَسْلُهُمَا قَبْلَ الطَّعَامِ لَهُ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا الْكَرَاهَةُ قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِهِ - ﷺ -: «الْغَسْلُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ» أَيْ لَيْسَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ وَمَذْهَبُهُ تَقْدِيمُ الْعَمَلِ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعِلْمِهِمْ بِحَالِهِ - ﷺ - فَمَا خَالَفُوا الْحَدِيثَ إلَّا لِكَوْنِهِ - ﷺ - فَعَلَ خِلَافَهُ وَقَدْ غَسَلَ إمَامُنَا مَالِكٌ - ﵁ - وَعَنَا بِهِ قَبْلَ الطَّعَامِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِالْيَدِ شَيْءٌ وَعَلَيْهِ يُقَدِّمُ رَبُّ الطَّعَامِ. وَأَمَّا بَعْدَ الْأَكْلِ فَيُقَدِّمُ الضَّيْفَ، كَمَا وَقَعَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ مَعَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ حِينَ نَزَلَ عِنْدَهُ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [أَيْ فِي أَثْنَائِهِ وَابْتِدَائِهِ]: أَيْ إنْ قَصَدَ التَّسَنُّنَ. قَوْلُهُ: [اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -]: أَيْ قَوْلًا وَفِعْلًا فَفِي الْحَدِيثِ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامَهُ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا»، زَادَ التِّرْمِذِيُّ: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي الْبَرَكَةَ فِي أَوَّلِ طَعَامِهِ أَوْ آخِرِهِ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «أَنَّ مَنْ لَعِقَ الْأَصَابِعَ مِنْ الطَّعَامِ وَشَرِبَ غُسَالَتَهَا عُوفِيَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ هُوَ وَوَلَدُهُ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «مَنْ الْتَقَطَ فُتَاتًا مِنْ الْأَرْضِ وَأَكَلَهَا كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً» وَوَرَدَ: «إنَّهُ مَهْرُ الْحَوَرِ الْعِينِ وَأَنَّ مَنْ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ فِي سَعَةٍ» . قَوْلُهُ: [فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِالْيَدِ شَيْءٌ]: مِثْلُهُ مَا إذَا كَانَتْ نُفُوسُ الْحَاضِرِينَ تَأْنَفُ مِنْ تَرْكِ الْغَسْلِ، أَوْ يَكُونُ مَنْ فِي الْمَجْلِسِ يَدُهُ تَحْتَاجُ لِلْغَسْلِ وَيَقْتَدِي بِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُنَّةً عِنْدَنَا فَهُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ. قَوْلُهُ: [حِينَ نَزَلَ عِنْدَهُ بِالْمَدِينَةِ]: أَيْ كَانَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ضَيْفًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ.
[ ٤ / ٧٥١ ]
(وَ) يُنْدَبُ (تَخْلِيلُ مَا بِالْأَسْنَانِ مِمَّا تَعَلَّقَ بِهَا) مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «نَقُّوا أَفْوَاهَكُمْ بِالْخِلَالِ فَإِنَّهَا مَجَالِسُ الْمَلَائِكَةِ وَلَيْسَ أَضَرُّ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَقَايَا مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ» . وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ بَلْعُ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ إلَّا لِخَلْطِهِ بِدَمٍ فَلَيْسَ مُجَرَّدُ التَّغَيُّرِ يُصَيِّرُهُ نَجِسًا خِلَافًا لِمَا قِيلَ.
(وَ) يُنْدَبُ (تَنْظِيفُ الْفَمِ) بِالْمَضْمَضَةِ وَالسِّوَاكِ وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ.
(وَ) يُطْلَبُ (تَخْفِيفُ الْمَعِدَةِ) بِتَقْلِيلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَا قِيلَ]: أَيْ فَإِنَّهُ قَوْلٌ حَكَاهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ وَتَغَيَّرَ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ بَلْعُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ نَجِسًا وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي نَجَاسَتِهِ فَادَّعَى أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ: نَجَاسَةُ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ تَغَيُّرِهِ بَلْ لِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ مُخَالَطَتِهِ لِشَيْءٍ مِنْ دَمِ اللِّثَاتِ. قَوْلُهُ: [وَيُنْدَبُ تَنْظِيفُ الْفَمِ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الطَّعَامِ دَسَمٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ «لَيْسَ أَضَرُّ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَقَايَا مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ» وَقَوْلُهُ وَيُطْلَبُ تَخْفِيفُ الْمَعِدَةِ إلَخْ قَالَ فِي الرِّسَالَةُ: وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ تَجْعَلَ بَطْنَك ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ، قَالَ شَارِحُهَا لِاعْتِدَالِ الْجَسَدِ وَخِفَّتِهِ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الشِّبَعِ ثِقَلُ الْبَدَنِ وَهُوَ يُورِثُ الْكَسَلَ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَكْثَرَ مِنْ الْأَكْلِ لَمَا بَقِيَ لِلنَّفَسِ مَوْضِعٌ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يُضَرُّ بِهِ وَلَمَا وَرَدَ: «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ أَيْ: وَأَصْلُ كُلِّ دَاءٍ الْبَرَدَةُ» وَالْحِمْيَةُ خُلُوُّ الْبَطْنِ مِنْ الطَّعَامِ، وَالْبَرَدَةُ إدْخَالُ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ. قَالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: الْخَسِيرُ كُلُّهُ فِي خِصَالٍ أَرْبَعٍ بِهَا صَارَتْ الْأَبْدَالُ أَبْدَالًا: إخْمَاصُ الْبُطُونِ، وَالْعُزْلَةُ عَنْ الْخَلْقِ، وَالصَّمْتُ، وَسَهَرُ اللَّيْلِ. وَقَالَ الْعَارِفُونَ أَيْضًا: الشِّبَعُ مِنْ الْحَلَالِ يُقْسِي الْقَلْبَ وَيُقِلُّ الْحِفْظَ وَيُفْسِدُ الْعَقْلَ
[ ٤ / ٧٥٢ ]
عَلَى قَدْرٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ وَلَا كَسَلٌ عَنْ عِبَادَةٍ، فَقَدْ يَكُونُ الشِّبَعُ سَبَبًا فِي عِبَادَةٍ وَاجِبَةٍ فَيَجِبُ، وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرْكُ وَاجِبٍ فَيَحْرُمُ، أَوْ تَرْكُ مُسْتَحَبٍّ فَيُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَيُبَاحُ. (وَ) يُنْدَبُ لَك (الْأَكْلُ مِمَّا يَلِيك) إنْ أَكَلْت مَعَ غَيْرِك مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَزَوْجَةٍ وَرَقِيقٍ إذْ لَا يُطْلَبُ بِالْأَدَبِ مَعَهُمْ وَهُمْ يُطْلَبُونَ. وَقَدْ «أَمَرَ - ﷺ - عُمَرَ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ أَكَلَ مَعَهُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ بِقَوْلِهِ - ﷺ - لَهُ: كُلْ مِمَّا يَلِيك» فَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ مَا يَلِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ لِلشَّرَهِ. «وَقَالَ - ﷺ - لِعِكْرَاشٍ - ﵁ - حِينَ أَكَلَ مَعَهُ ثَرِيدًا: كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ. ثُمَّ أُتِيَ - ﷺ - بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ الرُّطَبِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَقَالَ - ﷺ -: كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْت فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» .
فَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَإِلَّا فِي نَحْوِ فَاكِهَةٍ): أَيْ مِمَّا هُوَ أَنْوَاعٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَنَحْوِهَا كَالْأَطْعِمَةِ الْمُخْتَلِفَةِ. (وَ) يُنْدَبُ (أَنْ لَا يَأْخُذَ لُقْمَةً إلَّا بَعْدَ بَلْعِ مَا فِي فِيهِ) فَأَخْذُهَا قَبْلَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ يُنْسَبُ لِلشَّرَهِ. (وَ) يُنْدَبُ أَنْ يَأْخُذَهَا (بِمَا عَدَا الْخِنْصَرِ) إنْ لَمْ يَحْتَجْ لِلْخِنْصَرِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْأَكْلُ بِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - ﷺ -: «الْأَكْلُ بِأُصْبُعٍ أَكْلُ الشَّيْطَانِ وَبِأُصْبُعَيْنِ أَكْلُ الْجَبَابِرَةِ وَبِالثَّلَاثِ أَكْلُ الْأَنْبِيَاءِ» فَلَا يَزِيدُ إنْ لَمْ يَحْتَجْ لِغَيْرِهَا. وَقَدْ أَكَلَ - ﷺ - بِالثَّلَاثَةِ وَبِالْأَرْبَعَةِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] وَيُكْثِرُ الشَّهَوَاتِ وَيُقَوِّي جُنُودَ الشَّيْطَانِ وَيُفْسِدُ الْجَسَدَ فَمَا بَالُك بِالْحَرَامِ. قَوْلُهُ: [عَلَى قَدْرٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ]: أَيْ لِأَنَّ الْمَخْمَصَةَ قَدْ تَكُونُ شَرًّا مِنْ الشِّبَعِ قَالَ صَاحِبُ الْبُرْدَةِ: وَاخْشَ الدَّسَائِسَ مِنْ جُوعٍ وَمِنْ شِبَعٍ فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنْ التَّخَمِ قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَزَوْجَةٍ وَرَقِيقٍ]: أَيْ وَالْجَمِيعُ لَك.
[ ٤ / ٧٥٣ ]
وَبِالْخَمْسَةِ عَلَى حَسْبِ الطَّعَامِ. (وَ) يُنْدَبُ (نِيَّةٌ) بِالْأَكْلِ (حَسَنَةٌ) لِحُسْنِ مُتَعَلِّقِهَا: (كَإِقَامَةِ الْبِنْيَةِ) وَالتَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ. (وَ) يُنْدَبُ (تَنْعِيمُ الْمَضْغِ): أَيْ الْمَمْضُوغُ أَوْ يُرَادُ بِتَنْعِيمِهِ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ حَتَّى يَصِيرَ الْمَمْضُوغُ نَاعِمًا يُلْتَذُّ بِهِ وَيَسْهُلُ بَلْعُهُ وَيَخِفُّ عَلَى الْمَعِدَةِ. (وَ) يُنْدَبُ (مَصُّهُ الْمَاءَ) وَسَيُذْكَرُ مُحْتَرَزُهُ وَهُوَ أَنَّ الْعَبَّ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ مَصًّا وَلَا يَعُبُّ عَبًّا، فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنْ الْعَبِّ» وَالْكُبَادُ بِوَزْنِ غُرَابٍ: وَجَعُ الْكَبِدِ. وَمِثْلُ الْمَاءِ كُلُّ مَائِعٍ كَلَبَنٍ (وَ) يُنْدَبُ (إبَانَةُ): إبْعَادِ (الْقَدَحِ) حِينَ التَّنَفُّسِ حَالَةَ الشُّرْبِ (ثُمَّ عَوْدِهِ): أَيْ الْقَدَحُ لِفِيهِ (مُسَمِّيًا) عِنْدَ وَضْعِهِ عَلَى فِيهِ (حَامِدًا) عِنْدَ إبَانَتِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ (ثَلَاثًا): وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ الشُّرْبُ فِي مَرَّةٍ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأُولَى أَوْ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَفَّسْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» بِالْهَمْزَةِ فِيهِمَا وَأَخْطَأَ مَنْ قَرَأَهُمَا بِالْأَلِفِ. (وَ) يُنْدَبُ (مُنَاوَلَةٌ مِنْ عَلَى الْيَمِينِ) وَإِنْ تَعَدَّدَ (إنْ كَانَ) عَلَى يَمِينِهِ أَحَدٌ قَبْلَ مُنَاوَلَةِ مَنْ عَلَى يَسَارِهِ، وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا، «فَقَدْ نَاوَلَ - ﷺ - الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي كَانَ عَلَى يَمِينِهِ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي كَانَ جَالِسًا عَلَى يَسَارِهِ» . وَلَيْسَ لِمَنْ عَلَى الْيَمِينِ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بَلْ إنْ لَمْ يَشْرَبْ سَقَطَ حَقُّهُ فَإِنْ كَانُوا جَالِسَيْنِ أَمَامَ الشَّارِبِ فَيَبْدَأُ بِأَكَابِرِهِمْ. (وَكُرِهَ عَبُّهُ): يُقَالُ عَبَّ الْحَمَامُ الْمَاءَ شَرِبَ مِنْ غَيْرِ مَصٍّ وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [فَقَدْ نَاوَلَ - ﷺ - الْأَعْرَابِيَّ] إلَخْ: أَيْ وَوَرَدَ أَيْضًا: «أَنَّهُ - ﷺ - أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ فَقَالَ - ﷺ - لِلْغُلَامِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ لَا وَاَللَّهِ
[ ٤ / ٧٥٤ ]
(وَ) يُكْرَهُ (النَّفْخُ فِي الطَّعَامِ) لِمَا فِيهِ مِنْ إهَانَةِ الطَّعَامِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الرِّيقِ وَعَلَيْهِ يُكْرَهُ وَلَوْ أَكَلَ وَحْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي الْإِنَاءِ وَخَصَّهُ بَعْضٌ بِالثَّانِي.
وَقِيلَ: الْعِلَّةُ أَذِيَّةُ الْآكِلِ مَعَهُ وَعَلَيْهِ فَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ كَانَ وَحْدَهُ. (وَالشَّرَابِ): لِمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِيهِمَا عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -. (كَالْكِتَابِ) يُكْرَهُ النَّفْخُ فِيهِ لِشَرَفِهِ كَانَ فِقْهًا أَوْ حَدِيثًا أَوْ قُرْآنًا وَكَانَ - ﷺ - يُتَرِّبُ الْكِتَابَ. وَلَكِنْ اعْتَرَضَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ أَبِي زَيْدٍ: بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَدِيثٌ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ النَّفْخِ فِي الْكِتَابِ (اهـ) وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مُطَّلِعٌ وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ. (وَ) يُكْرَهُ (التَّنَفُّسُ فِي الْإِنَاءِ): حَالَ الشُّرْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُنْدَبُ التَّنَفُّسُ خَارِجَ الْإِنَاءِ وَرُبَّمَا كَانَ نَفَسُهُ كَرِيهًا فَيُغَيِّرُ الْإِنَاءَ حَتَّى يَصِيرَ ذَا رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ يَعْرِفُهَا حَتَّى النِّسَاءُ وَيَتَكَلَّمُونَ بِقُبْحٍ فِي الشَّارِبِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ. (وَ) يُكْرَهُ (التَّنَاوُلُ) لِلْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ (بِ) الْيَدِ (الْيُسْرَى) حَيْثُ أَمْكَنَ بِالْيُمْنَى. (وَ) يُكْرَهُ (الِاتِّكَاءُ) حَالَ الْأَكْلِ عَلَى جَنْبِهِ (وَالِافْتِرَاشُ) التَّرَبُّعُ بَلْ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْك أَحَدًا قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي يَدِهِ» يَعْنِي أَعْطَاهُ. قَوْلُهُ: [وَخَصَّهُ بَعْضٌ بِالثَّانِي]: أَيْ الطَّعَامَ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ. قَوْلُهُ: [يُتَرِّبُ الْكِتَابَ]: أَيْ وَقَدْ شَاعَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ: مَا خَابَ كِتَابٌ تُرِّبَ. قَوْلُهُ: [وَمَنْ حَفِظَ] إلَخْ: مَنْ اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ وَحَفِظَ صِلَتُهُ وَحُجَّةٌ خَبَرُهُ وَعَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ صِفَةٍ لِحُجَّةٍ. قَوْلُهُ: [بِقُبْحٍ فِي الشَّارِبِ]: أَيْ فَمُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ فَمَه أَبْخَرُ. قَوْلُهُ: [وَيُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ] إلَخْ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَأْكُلُ وَهُوَ وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ؟ فَقَالَ إنِّي لَا أَبْتَغِيهِ وَأَكْرَهُهُ وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، وَالسُّنَّةُ الْأَكْلُ جَالِسًا عَلَى الْأَرْضِ عَلَى هَيْئَةِ مُطْمَئِنٍّ عَلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُ مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ وَلَا مُتَّكِئًا عَلَى ظَهْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبُعْدِ عَنْ التَّوَاضُعِ وَوَقْتُ الْأَكْلِ وَقْتُ تَوَاضُعٍ
[ ٤ / ٧٥٥ ]
الْمَطْلُوبُ جُلُوسٌ كَجُلُوسِهِ - ﷺ - أَنْ يُقِيمَ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى أَوْ مَعَ الْيُسْرَى أَوْ يَجْلِسَ كَالصَّلَاةِ وَجَثَا - ﷺ - مَرَّةً عَلَى رُكْبَتَيْهِ حِينَ أُهْدِيَتْ لَهُ شَاةٌ فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَالَ - ﷺ -: «إنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا» وَقَالَ: «إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ» لِأَنَّ السِّيَادَةَ وَالْعَظَمَةَ إنَّمَا تَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى.
(وَ) يُكْرَهُ الْأَكْلُ (مِنْ رَأْسِ الثَّرِيدِ) لِأَنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ عَلَى وَسَطِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ» وَهَذِهِ تَشْمَلُ غَيْرَ الثَّرِيدِ، وَالثَّرِيدُ: مَا يُفَتُّ مِنْ الْخُبْزِ ثُمَّ يُبَلُّ بِالْمَرَقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَحْمٌ، وَلَا يَنْبَغِي قَسْمُ الرَّغِيفِ بِالْخَنْجَرِ بَلْ بِالْيَدِ وَلَا يُقْسَمُ مِنْ وَسَطِهِ بَلْ مِنْ حَوَاشِيهِ وَالسُّنَّةُ فِي اللَّحْمِ أَنْ يُؤْكَلَ بَعْدَ الطَّعَامِ وَأَنْ يُنْهَشَ قَالَ - ﷺ -: «خَيْرُ إدَامِكُمْ اللَّحْمُ» وَقَالَ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] وَشُكْرٍ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [أَنْ يُقِيمَ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى] إلَخْ: أَشَارَ الشَّارِحُ لِثَلَاثِ هَيْئَاتٍ لِجُلُوسِ الْآكِلِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَحْمٌ]: أَيْ زَائِدٌ فَوْقَ الْمَرَقِ وَإِلَّا فَالْمَرَقُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمَاءِ الَّذِي طُبِخَ فِيهِ اللَّحْمُ كَمَا أَنَّ الثَّرِيدَ اسْمٌ لِلْمَفْتُوتِ فِيهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: إذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ فَذَا وَأَمَانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ فِي الْآدَابِ كُلُّ فَتٍّ فِي طَعَامٍ لِأَنَّهُ يُسَمَّى ثَرِيدًا عُرْفًا وَإِنْ كَانَ لَا يُسَمَّى ثَرِيدًا شَرْعًا. قَوْلُهُ: [أَنْ يُؤْكَلَ بَعْدَ الطَّعَامِ]: أَيْ وَحِينَئِذٍ فَمَا شَاعَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ابْدَءُوا بِسَيِّدِ الطَّعَامِ فَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَالِكٌ. قَوْلُهُ: [خَيْرُ إدَامِكُمْ اللَّحْمُ]: لَيْسَ فِيهِ وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى النَّهْشِ
[ ٤ / ٧٥٦ ]
- ﷺ -: «سَيِّدُ إدَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ» .
(وَ) يُكْرَهُ (غَسْلُ الْيَدِ بِالطَّعَامِ): كَدَقِيقِ الْحِنْطَةِ، وَكَذَا مَسْحُ الْيَدِ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيلَ يَجُوزُ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَمْسَحُونَ أَيْدِيَهُمْ مِنْ الطَّعَامِ فِي أَقْدَامِهِمْ وَهِيَ أَدْنَى مِنْ الْيَدِ وَيَشْمَلُ الطَّعَامُ دَقِيقَ التُّرْمُسِ وَالْحُلْبَةِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّدَلُّكِ بِهِ فِي الْحَمَّامِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِطَعَامٍ قَبْلَ أَنْ يَحْلُوَ بِالْمَاءِ (كَالنُّخَالَةِ): أَيْ نُخَالَةُ الْقَمْحِ لِمَا فِيهَا مِنْ الطَّعَامِ بِخِلَافِ نُخَالَةِ الشَّعِيرِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْغَسْلِ بِهَا وَمَثَّلَ بِالنُّخَالَةِ؛ لِأَنَّهَا يُتَوَهَّمُ فِيهَا عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَلَا فَرْقَ فِي الْكَرَاهَةِ بَيْنَ زَمَنِ الْمَسْغَبَةِ وَغَيْرِهَا.
(وَ) يُكْرَهُ (الْقِرَانُ فِي كَتَمْرٍ): أَيْ أَخْذُ اثْنَيْنِ فِي مَرَّةٍ وَلَوْ كَانَ مِلْكَهُ حَيْثُ أَكَلَ مَعَ غَيْرِهِ لِئَلَّا يُنْسَبَ لِلشَّرَهِ، فَإِنْ كَانَ الْغَيْرُ شَرِيكًا بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَحْرُمُ لِلِاسْتِبْدَادِ بِزَائِدٍ إنْ اسْتَوَوْا فِي الشَّرِكَةِ أَمَّا وَحْدَهُ أَوْ مَعَ عِيَالِهِ فَلَا يُكْرَهُ. (وَالشَّرَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ) مَكْرُوهٌ (وَقَدْ يَحْرُمُ) كَمَا قُلْنَا فِي الشَّرِكَةِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِقَوْلِهِ - ﷺ - «أَدْنِ الْعَظْمَ مِنْ فِيك فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» . قَوْلُهُ: [وَهِيَ أَدْنَى مِنْ الْيَدِ]: أَيْ فَإِنْ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ مِنْ أَجْلِ التَّهَاوُنِ فَفِي الْمَسْحِ بِالرِّجْلِ أَعْظَمُ تَهَاوُنًا وَحِينَئِذٍ فَلَا كَرَاهَةَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ أَنْ يَحْلُوَ بِالْمَاءِ]: عَائِدٌ عَلَى دَقِيقِ التُّرْمُسِ وَالْحُلْبَةِ. قَوْلُهُ: [فَيَحْرُمُ لِلِاسْتِبْدَادِ بِزَائِدٍ]: قَالَ النَّفْرَاوِيُّ اُخْتُلِفَ هَلْ النَّهْيُ لِلْأَدَبِ أَوْ لِئَلَّا يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ نَهْيَ كَرَاهَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ لِلْحُرْمَةِ. قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: مَسْأَلَةُ هَلْ الطَّعَامُ الْمُقَدَّمُ لِلضُّيُوفِ يَمْلِكُونَهُ بِمُجَرَّدِ التَّقْدِيمِ أَوْ لَا يَمْلِكُونَهُ إلَّا بِالْأَكْلِ؟ وَعَلَى كُلٍّ لَا يَجُوزُ لِلْوَاحِدِ مِنْ الضُّيُوفِ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْأَكْلِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ بِنَاءً عَلَى مِلْكِهِمْ لَهُ بِالتَّقْدِيمِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْعِبْرَةُ بِإِذْنِ بَعْضِهِمْ، وَعَلَى الثَّانِي الْعِبْرَةُ بِإِذْنِ صَاحِبِ الطَّعَامِ.
[ ٤ / ٧٥٧ ]
[فصل في بعض السنن]
فَصْلٌ فِي بَعْضِ السُّنَنِ سَيُذْكَرُ أَنَّهَا كِفَايَةٌ (لِدَاخِلٍ أَوْ مَارٍّ عَلَى غَيْرِهِ) أَوْ رَاكِبٍ عَلَى مَاشٍ أَوْ رَاكِبِ فَرَسٍ عَلَى رَاكِبِ بَغْلٍ أَوْ جَمَلٍ أَوْ حِمَارٍ وَرَاكِبِ الْبَغْلِ عَلَى رَاكِبِ الْحِمَارِ، لَكِنْ يَخْرُجُ الْكَافِرُ مِنْ عُمُومِ الْغَيْرِ، إذْ يُكْرَهُ بَدْؤُهُمْ بِالسَّلَامِ فَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْنَا بِصِيغَتِنَا رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ (السَّلَامُ عَلَيْهِ) عَلَى الْغَيْرِ. وَقَدْ وَرَدَ: «مَنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا قَالَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً، وَإِذَا قَالَ: وَبَرَكَاتُهُ، كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] . ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ السَّلَامِ الَّذِي تَتَوَقَّفُ السُّنَّةُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (بِأَنْ يَقُولَ) الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ): أَيْ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ فَلَا بُدَّ مِنْ مِيمِ الْجَمْعِ وَلَوْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ أُنْثَى وَاحِدَةً، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [فَصْلٌ فِي بَعْضِ السُّنَنِ] فَصْلٌ: قَوْلُهُ: [سَيُذْكَرُ أَنَّهَا كِفَايَةٌ]: أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَوْلُهُ: [لَكِنْ يَخْرُجُ الْكَافِرُ مِنْ عُمُومِ الْغَيْرِ]: مِثْلُهُ شَابَّةٌ لَيْسَتْ مَحْرَمًا وَقَاضِي حَاجَةٍ وَسَكْرَانُ وَمَجْنُونٌ وَمَنْ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَلَامًا. قَوْلُهُ: [سَلِّمُوا عَلَيْنَا بِصِيغَتِنَا رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ]: قَالَ النَّفْرَاوِيُّ وَيَبْقَى النَّظَرُ لَوْ سَلَّمَ وَاحِدٌ مِمَّنْ لَا يُسَنُّ السَّلَامُ عَلَيْهِ هَلْ يَجِبُ رَدُّ السَّلَامِ أَوَّلًا؟ وَيَظْهَرُ عَدَمُ وُجُوبِ رَدِّ سَلَامِهِ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُ الشَّارِحِ رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ أَيْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا يُنْدَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] . قَوْلُهُ: [كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً]: أَيْ فَالْأَفْضَلُ الْجَمْعُ. قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ مِيمِ الْجَمْعِ]: أَيْ لِأَنَّ مَعَ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ الْحَفَظَةُ وَهُمْ
[ ٤ / ٧٥٨ ]
آتِيًا بِالسُّنَّةِ وَأَمَّا تَعْرِيفُ سَلَامِ الِابْتِدَاءِ فَفِيهِ خِلَافٌ جَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: السَّلَامُ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا مُعَرَّفًا قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ عَلَيْهِ سَحَائِبُ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ: لِأَنَّهُ الْوَارِدُ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. (وَوَجَبَ) عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ (الرَّدُّ) عَلَى الْمُسَلِّمِ (بِمِثْلِ مَا قَالَ) فَعَلَى هَذَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى عَلَيْكُمْ السَّلَامُ مَعَ كَوْنِ الْمُسَلِّمِ زَادَ لَا يَجُوزُ وَلَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا الَّذِي يُفِيدُهُ التَّلْقِينُ الْجَوَازُ، حَيْثُ قَالَ إنْ زَادَ لَفْظُ الرَّدِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَوْ نَقَصَ جَازَ وَنَحْوُهُ فِي الْمَعُونَةِ (كِفَايَةٌ فِيهِمَا): أَيْ فِي الِابْتِدَاءِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: الِابْتِدَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالرَّدُّ فَرْضُ عَيْنٍ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِسْمَاعِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ نَعَمْ إنْ كَانَ الْمُسَلِّمُ أَصَمَّ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ مَا لَمْ يَفْهَمْ مِنْ اللَّفْظِ وَإِلَّا فَيَكُونُ لَهُ اللَّفْظُ وَالْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ فِي الرَّدِّ أَفْضَلُ عَلَى الرَّاجِحِ وَيَكْفِي الرَّدُّ إنْ حَذَفَ مِيمَ الْجَمْعِ كَمَا يَكْفِي لَوْ نَطَقَ فِيهِ بِصِيغَةِ الِابْتِدَاءِ. (وَنُدِبَ لِلرَّادِّ الزِّيَادَةُ لِلْبَرَكَةِ) حَيْثُ اقْتَصَرَ الْمُسَلِّمُ عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا عَلَى مَا قَالَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ وُجُوبِ الرَّدِّ مِثْلُ الِابْتِدَاءِ، وَأَمَّا عَلَى كَلَامِ التَّلْقِينِ فَالنَّدْبُ وَلَوْ أَتَمَّ الْمُسَلِّمُ بِالْبَرَكَةِ تَأَمَّلْ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] كَجَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي آدَمَ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ الْوَارِدُ]: أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ سَلَامِ الِابْتِدَاءِ وَالْإِتْيَانِ بِمِيمِ الْجَمْعِ بِخِلَافِ رَدِّ السَّلَامِ. قَوْلُهُ: [الرَّدُّ عَلَى الْمُسَلِّمِ] إلَخْ: إنَّمَا وَجَبَ الرَّدُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] . قَوْلُهُ: [نَعَمْ إنْ كَانَ الْمُسَلِّمُ أَصَمَّ]: مِثْلُهُ الْبَعِيدُ. قَوْلُهُ: [يَرُدُّ عَلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ]: الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ مُصَاحِبًا لِلْإِشَارَةِ لَا أَنَّهُ يَرُدُّ بِالْإِشَارَةِ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا عَلَى كَلَامِ التَّلْقِينِ]: أَيْ مِنْ جَوَازِ النَّقْصِ فِي الرَّدِّ وَتَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ الْعَدَوِيِّ مَا يُفِيدُ اعْتِمَادَهُ.
[ ٤ / ٧٥٩ ]
[المصافحة]
(وَالْمُصَافَحَةُ) مَنْدُوبَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: مَكْرُوهَةٌ، وَهُوَ وَضْعُ أَحَدِ الْمُلَاقَيْنَ بَطْنَ كَفِّهِ عَلَى بَطْنِ كَفِّ الْآخَرِ إلَى آخِرِ السَّلَامِ أَوْ الْكَلَامِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ عَنْكُمْ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ» قَوْلُهُ: - ﷺ -: " يَذْهَبْ " مَجْذُومٌ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ حُرِّكَ بِالْكَسْرِ تَخَلُّصًا " وَالْغِلُّ " بِكَسْرِ الْغَيْنِ: الْحِقْدُ، فَاعِلُ " يَذْهَبْ " وَ" تَهَادَوْا " بِفَتْحِ الدَّالِ وَ" الشَّحْنَاءُ " بِالْمَدِّ. وَيُكْرَهُ خَطْفُ الْيَدِ بِسُرْعَةٍ كَمَا يُكْرَهُ تَقْبِيلُ يَدِ نَفْسِهِ بَعْدَ الْمُصَافَحَةِ وَتَقْبِيلُ يَدِ صَاحِبِهِ حِينَهَا عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْمُصَنِّفِ
وَلَا تَجُوزُ مُصَافَحَةُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ وَلَوْ مُتَجَالَّةً؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ الرُّؤْيَةُ فَقَطْ، وَلَا الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
(لَا) تُنْدَبُ (الْمُعَانَقَةُ) بَلْ تُكْرَهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ وَرَدَ «أَنَّهُ - ﷺ - عَانَقَ سَيِّدَنَا جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ» - فَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [الْمُصَافَحَةُ] قَوْلُهُ: [وَالْمُصَافَحَةُ]: مَعْطُوفٌ عَلَى الزِّيَادَةِ وَجَعَلَهُ الشَّارِحُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ. قَوْلُهُ: [لِقَوْلِهِ - ﷺ - تَصَافَحُوا] إلَخْ: أَيْ وَلِخَبَرِ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» . قَوْلُهُ: [وَالشَّحْنَاءُ بِالْمَدِّ]: أَيْ وَهِيَ الْبَغْضَاءُ. قَوْلُهُ: [وَلَا تَجُوزُ مُصَافَحَةُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ]: أَيْ الْأَجْنَبِيَّةَ وَإِنَّمَا الْمُسْتَحْسَنُ الْمُصَافَحَةُ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ لَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُسْنِ الْمُصَافَحَةِ مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ - ﷺ - لِمَنْ قَالَ لَهُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَيَأْخُذُهُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ» قَالَ النَّفْرَاوِيُّ وَأَفْتَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ الِانْحِنَاءِ إذَا لَمْ يَصِلْ لِحَدِّ الرُّكُوعِ الشَّرْعِيِّ. قَوْلُهُ: [جَعْفَرًا]: أَيْ ابْنَ عَمِّهِ أَخَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.
[ ٤ / ٧٦٠ ]
مِنْ كَوْنِ النُّفُوسِ تَنْفِرُ مِنْهَا - مَنْفِيَّةٌ فِيهِ - ﷺ -. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْمُجْتَهِدِينَ بِجَوَازِهَا وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ: " كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إذَا الْتَقَوْا تَصَافَحُوا فَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا " وَهَذَا يَرِدُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ حُجَّةٌ لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا تَقَدَّمَ.
(وَ) لَا يُنْدَبُ (تَقْبِيلُ الْيَدِ) بَلْ يُكْرَهُ. وَالْمُرَادُ: يَدُ الْغَيْرِ، وَأَمَّا يَدُ نَفْسِهِ فَلَيْسَ الشَّأْنُ فِعْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ وَقَعَ فَيُكْرَهُ. وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ تَقْبِيلِ الْيَدِ إنْ كَانَ الْمُقَبِّلُ مُسْلِمًا فَلَوْ قَبَّلَ يَدَك كَافِرٌ فَلَا كَرَاهَةَ. (إلَّا لِمَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ) وَعَلَيْهِ مَحْمَلُ مَا صَحَّ «أَنَّ وَفْدَ عَبْد الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - ابْتَدَرُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ» وَرُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ قَبَّلَ يَدَهُ - ﷺ - (مِنْ وَالِدٍ وَشَيْخٍ وَصَالِحٍ) فَلَا يُكْرَهُ بَلْ يُطْلَبُ وَحُكْمُ غَيْرِ الْيَدِ مِنْ الْأَعْضَاءِ كَالرَّأْسِ وَالْكَتِفِ وَالْقَدَمِ كَالْيَدِ نَهْيًا وَطَلَبًا وَقَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ: وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى الْجَوَازِ لِمَنْ يُتَوَاضَعُ لَهُ وَيُطْلَبُ إبْرَارُهُ.
(وَالِاسْتِئْذَانُ وَاجِبٌ) بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعَمَلَ حُجَّةٌ]: قَدْ يُقَالُ إنَّ مَالِكًا رَأَى أَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى عَدَمِ فِعْلِهَا. قَوْلُهُ: [وَرُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ قَبَّلَ يَدَهُ]: أَيْ وَرُوِيَ أَيْضًا: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَرِنِي آيَةً. فَقَالَ: اذْهَبْ إلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَقُلْ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَدْعُوك فَتَحَرَّكَتْ يَمِينًا وَشِمَالًا وَأَقْبَلَتْ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهِيَ تَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهَا ارْجِعِي. فَقَالَ لَهَا ارْجِعِي فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ فَقَبَّلَ الْأَعْرَابِيُّ يَدَهُ وَرِجْلَهُ - ﷺ -» . قَوْلُهُ: [لِمَنْ يَتَوَاضَعُ لَهُ وَيَطْلُبُ إبْرَارَهُ]: أَيْ لِأَنَّ فِي تَرْكِ ذَلِكَ مُقَاطَعَةً وَشَحْنَاءَ خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا هَذَا. [الِاسْتِئْذَانُ] قَوْلُهُ: [وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ]: أَيْ عَلَى مُرِيدِ الدُّخُولِ وَوُجُوبُ الْفَرَائِضِ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ.
[ ٤ / ٧٦١ ]
﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] «وَلِقَوْلِهِ - ﷺ - لِرَجُلٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ - ﷺ -: نَعَمْ قَالَ: إنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ. فَقَالَ - ﷺ -: اسْتَأْذِنْهَا قَالَ: إنِّي خَادِمُهَا. فَقَالَ - ﷺ -: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟» فَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهُ يَكْفُرُ لِوُرُودِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَعُلِمَ ضَرُورَةً.
(إذَا أَرَادَ دُخُولَ بَيْتٍ) مَفْتُوحًا أَوْ مَغْلُوقًا حَيْثُ كَانَ، لَا يَدْخُلُ إلَّا بِإِذْنٍ، لَا نَحْوَ حَمَّامٍ وَفُنْدُقٍ وَبَيْتِ قَاضٍ وَطَبِيبٍ وَعَالِمٍ حَيْثُ لَا حَرَجَ فِي الدُّخُولِ بِلَا إذْنٍ وَإِلَّا فَكَغَيْرِهَا فَ (يَقُولُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) عَلِمْت حُكْمَ السَّلَامِ وَقَدْ جَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُسَلِّمُ بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ (أَأَدْخُلُ؟) يَقُولُ (ثَلَاثًا) وَلَا يَزِيدُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّمَاعُ وَيَقُولُ مَقَامَ " أَأَدْخُلُ " نَقْرُ الْبَابِ ثَلَاثًا وَلَوْ مَفْتُوحًا وَالتَّنَحْنُحُ، وَيُكْرَهُ الِاسْتِئْذَانُ بِالذِّكْرِ. (فَإِنْ أُذِنَ لَهُ) فَلْيَدْخُلْ وَلَوْ جَاءَ الْإِذْنُ مَعَ صَبِيٍّ أَوْ عَبْدٍ حَيْثُ وَثِقَ بِخَبَرِهِمَا لِقَرِينَةٍ وَإِنْ قِيلَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: فُلَانٌ بِاسْمِهِ لَا بِنَحْوِ أَنَا فَإِنَّهُ أَنْكَرَ - ﷺ - عَلَى مَنْ قَالَهَا. وَمَحَلُّ وُجُوبِ الِاسْتِئْذَانِ إنْ كَانَ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ لِعَوْرَتِهِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ لَيْسَ مَعَهُمَا غَيْرٌ فَيُنْدَبُ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْأَعْمَى قَوْلَانِ. (وَإِلَّا) يُؤْذَنُ لَهُ بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ ثَلَاثًا مَعَ ظَنِّ السَّمَاعِ أَوْ قِيلَ لَهُ ارْجِعْ (رَجَعَ) وُجُوبًا وَلَا يُلِحُّ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِقَبِيحٍ وَلَا يَدْخُلُ إلَّا بَعْدَ الْإِذْنِ لَا بِمُجَرَّدِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَيُكْرَهُ الِاسْتِئْذَانُ بِالذِّكْرِ]: أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ جَعْلِ اسْمِ اللَّهِ آلَةً. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ أَنْكَرَ - ﷺ - عَلَى مَنْ قَالَهَا]: أَيْ حَيْثُ خَرَجَ لَهُ - ﷺ - وَهُوَ يَقُولُ أَنَا أَنَا وَإِنَّمَا كَرِهَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَيِّنُ الْمَقْصُودَ، وَلِأَنَّهَا هَلَكَ بِهَا مَنْ هَلَكَ كَفِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ. قَوْلُهُ: [قَوْلَانِ]: الظَّاهِرُ مِنْهُمَا الْوُجُوبُ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] . قَوْلُهُ: [رَجَعَ وُجُوبًا]: أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
[ ٤ / ٧٦٢ ]
[عيادة المرضى]
الِاسْتِئْذَانِ كَمَا يَقَعُ مِنْ الْعَوَامّ وَأَمْثَالِهِمْ.
(وَنُدِبَ عِيَادَةُ الْمَرْضَى) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا إلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يَصِحَّ» وَمَحَلُّ النَّدْبِ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ حَيْثُ تَعَدَّدَ مَنْ يَقُومُ بِهِ وَإِلَّا تَعَيَّنَتْ. وَيُطَالَبُ بِهَا ابْتِدَاءً الْقَرِيبُ فَالصَّاحِبُ فَأَهْلُ مَوْضِعِهِ، فَإِنْ تَرَكَ الْجَمِيعُ عَصَوْا وَالْعَائِدُ يَكُونُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَإِنْ أَجْنَبِيَّةً بِدُونِ خَلْوَةٍ. (وَمِنْهُ): أَيْ مِنْ أَفْرَادِ الْمَرِيضِ الَّذِي يُعَادُ (الْأَرْمَدُ) وَصَاحِبُ ضِرْسٍ وَدُمَّلٍ عَلَى الرَّاجِحِ. (وَ) يُنْدَبُ (الدُّعَاءُ لَهُ): أَيْ لِلْمَرِيضِ وَإِنْ كَانَ لَا يَكْرَهُ الْمَرِيضُ وَضْعَ الْيَدِ عَلَيْهِ نُدِبَ وَضْعُهَا وَمِنْ أَحْسَنِ الدُّعَاءِ: «أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَك وَيُعَافِيَك، سَبْعًا» لِلْوَارِدِ بِذَلِكَ.
(وَ) يُنْدَبُ لِلْعَائِدِ (طَلَبُ الدُّعَاءِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَرِيضِ وَتَرْكُ الْمَنْدُوبِ خِلَافُ الْأَوْلَى. (وَ) يُنْدَبُ (قِصَرُ الْجُلُوسِ عِنْدَهُ) مَا لَمْ يَطْلُبْهُ وَكَثْرَةُ الْجُلُوسِ بِدُونِ طَلَبٍ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ. (وَ) يُنْدَبُ أَنْ (لَا يَتَطَلَّعَ لِمَا فِي الْبَيْتِ) مِنْ الْأَمْتِعَةِ وَقَدْ يَجِبُ وَرُبَّمَا يَشْعُرُ بِهِ الْمُصَنِّفُ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨] . [عِيَادَةُ الْمَرْضَى] قَوْلُهُ: «لِقَوْلِهِ - ﷺ - مَا مِنْ رَجُلٍ» إلَخْ: أَيْ وَلِقَوْلِهِ أَيْضًا: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَقَرَّ فِيهَا، وَمَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ عَادَ مَرِيضًا أَبْعَدَهُ اللَّهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» . قَوْلُهُ: [الْأَرْمَدُ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا يُعَادُ فَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ. قَوْلُهُ: [وَرُبَّمَا يَشْعُرُ بِهِ الْمُصَنِّفُ]: أَيْ حَيْثُ أَتَى بِلَا الَّتِي تَكُونُ لِلنَّهْيِ
[ ٤ / ٧٦٣ ]
[ما ينبغي للعاطس]
(وَ) يَجِبُ عَلَى الْعَائِدِ أَنْ (لَا يُقَنِّطَهُ) مِنْ الْعَافِيَةِ إذْ فِيهِ غَايَةُ الْأَذِيَّةِ، وَيُنْدَبُ تَقْلِيلُ السُّؤَالِ عَنْ حَالِهِ، فَكَثْرَتُهُ مَكْرُوهَةٌ، وَقَدْ يَحْرُمُ وَيُنْدَبُ أَنْ يُظْهِرَ لَهُ الشَّفَقَةَ فَعَدَمُ ظُهُورِهَا بِالسُّكُوتِ خِلَافُ الْأَوْلَى وَبِإِظْهَارِ ضِدِّهَا مِنْ التَّشَفِّي فِيهِ حَرَامٌ لِلْأَذِيَّةِ وَيُنْدَبُ الْخُشُوعُ حَالَ الْجُلُوسِ عِنْدَهُ وَأَنْ يُبَشِّرَهُ بِثَوَابِ الْمَرِيضِ وَيَطْلُبَ مِنْ الْمَرِيضِ أَنْ لَا يُضَيِّعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الطَّاعَةِ وَأَنْ يُكْثِرَ الرَّجَاءَ وَعَدَمَ التَّشَكِّي إلَّا لِمَنْ يُرْجَى دُعَاؤُهُ وَلَا يَخْرُجُ فِي كَلَامِهِ وَلَا يَتَوَكَّلُ عَلَى طَبِيبٍ عِنْدَ الدَّوَاءِ.
(وَنُدِبَ لِلْعَاطِسِ) حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّلَاةِ (حَمْدُ اللَّهِ): أَيْ قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَطْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقِيلَ: يَزِيدُ " رَبِّ الْعَالَمِينَ " كَفِعْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقِيلَ: يَزِيدُ " عَلَى كُلِّ حَالٍ " كَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ. وَقِيلَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَفِعْلِ غَيْرِهِمَا. (وَ) يَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ الْعَاطِسَ الْمُسْلِمَ - كِفَايَةً - حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمُشَمِّتُ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَكُنْ الْعَاطِسُ امْرَأَةً يُخْشَى مِنْ كَلَامِهَا الْفِتْنَةُ وَإِلَّا فَلَا تَشْمِيتَ - (تَشْمِيتُهُ بِيَرْحَمُكَ اللَّهُ) بِدُونِ مِيمِ الْجَمْعِ، فَإِنْ كَانَ الْعَاطِسُ كَافِرًا قَالَ لَهُ هَدَاك اللَّهُ (إنْ سَمِعَهُ): أَيْ سَمِعَهُ يَحْمَدُ اللَّهَ أَوْ سَمِعَ شَخْصًا يُشَمِّتُهُ، لِكَوْنِ ذَلِكَ الشَّخْصِ سَمِعَ حَمْدَهُ، لَكِنْ يُقَالُ حَيْثُ شَمَّتَهُ الْغَيْرُ سَقَطَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ؟ نَعَمْ، عَلَى قَوْلِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] وَالْأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ. قَوْلُهُ: [وَيَطْلُبُ مِنْ الْمَرِيضِ]: أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ فِي الْوَاجِبِ وَالنَّدْبِ فِي الْمَنْدُوبِ وَيَكُونُ عَلَى حَسْبِ الطَّاقَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَخْرُجُ فِي كَلَامِهِ]: أَيْ عَنْ الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْكَلِمَاتِ الْمُسْتَقْبَحَةِ شَرْعًا. قَوْلُهُ: [وَلَا يَتَوَكَّلُ عَلَى طَبِيبٍ عِنْدَ الدَّوَاءِ]: أَيْ بَلْ يُقْصِرُ تَوَكُّلَهُ عَلَى اللَّهِ وَالتَّدَاوِي لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. [مَا يَنْبَغِي لِلْعَاطِسِ] قَوْلُهُ: [حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّلَاةِ]: أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِيهَا فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: [حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمُشَمِّتُ فِي الصَّلَاةِ]: أَيْ فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَشَمَّتَ غَيْرَهُ بَطَلَتْ إنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَإِلَّا سَجَدَ لِلسَّهْوِ. قَوْلُهُ: [تَشْمِيتُهُ]: أَيْ وَلَوْ تَسَبَّبَ فِي الْعُطَاسِ.
[ ٤ / ٧٦٤ ]
[ما ينبغي للمتثائب]
صَاحِبِ الْبَيَانِ إنَّ التَّشْمِيتَ فَرْضُ عَيْنٍ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ - ﷺ -: «حَقًّا عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ» فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ إلَخْ فَلَا يَطْلُبُ التَّشْمِيتَ نَعَمْ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُذَكِّرَهُ كَمَا قَالَ. (وَتَذْكِيرُهُ إنْ نَسِيَ) الْعَاطِسُ الْحَمْدَ لِلَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنْ عَطَسَ فَوْقَ ثَلَاثٍ سَقَطَ طَلَبُ التَّشْمِيتِ وَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ مَضْنُوكٌ، أَيْ مَزْكُومٌ عَافَاك اللَّهُ، وَهَذَا إنْ تَوَالَى الزَّائِدُ وَإِلَّا فَيُشَمَّتُ. (وَيُنْدَبُ) لِلْعَاطِسِ (رَدُّهُ بِيَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ) بِمِيمِ الْجَمْعِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُشَمِّتُ (أَوْ) يَرُدُّ بِقَوْلِهِ: (يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) حَالَكُمْ وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ. لَا يُقَالُ الدُّعَاءُ بِالْهِدَايَةِ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِالْهِدَايَةِ لِتَفَاصِيلِ الْإِيمَانِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِطَلَبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] (اهـ مُلَخَّصًا) شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ - ﵁ -.
(وَنُدِبَ لِمُتَثَائِبٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ لَا بِالْوَاوِ أَيْ لِمَنْ فَتَحَ فَاهُ بِسَبَبِ الْبُخَارَاتِ الْمُجْتَمِعَةِ مِنْ الْأَكْلِ الْكَثِيرِ وَمِنْ الشَّيْطَانِ لِلْكَسَلِ وَلِذَا لَمْ يَتَثَاءَبْ نَبِيٌّ.
(وَضْعُ يَدٍ) يُمْنَى أَوْ ظَهْرِ الْيُسْرَى أَوْ أَيِّ شَيْءٍ يَمْنَعُ دُخُولَ الشَّيْطَانِ فِي فِيهِ وَبَعْدَ التَّثَاؤُبِ يَتْفُلُ بِرِيقٍ خَفِيفٍ ثَلَاثًا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ (وَلَا يَعْوِي كَالْكَلْبِ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ قَبِيحٌ عُرْفًا.
(وَنُدِبَ كَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ) لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَتَذْكِيرُهُ إنْ نَسِيَ]: أَيْ بِأَنْ يَقُولَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ يَسْبِقَنَّ عَاطِسًا بِالْحَمْدِ يَأْمَنْ مِنْ شَوْصٍ وَلَوْصٍ وَعِلَّوْصٍ كَذَا وَرَدَا عَنَيْت بِالشَّوْصِ دَاءَ الضِّرْسِ ثُمَّ بِمَا يَلِيه لِلْأُذُنِ وَالْبَطْنِ اسْتَمَعَ رَشَدَا [مَا يَنْبَغِي لِلْمُتَثَائِبِ] قَوْلُهُ: [بِسَبَبِ الْبُخَارَاتِ الْمُجْتَمِعَةِ]: أَيْ وَقَدْ يَكُونُ لِمَرَضٍ. قَوْلُهُ: [أَوْ ظَهْرِ الْيُسْرَى]: أَيْ لَا بَاطِنَهَا؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِإِزَالَةِ الْأَقْذَارِ. قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ]: أَيْ وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَيُبْطِلُهَا التُّفْلُ إنْ كَانَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا.
[ ٤ / ٧٦٥ ]
[كثرة الاستغفار]
[الدعاء]
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] وَقَالَ - ﷺ -: «مَنْ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ» . وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةً» وَقَالَ - ﷺ -: «الِاسْتِغْفَارُ مِمْحَاةٌ لِلذُّنُوبِ» .
(وَ) يُنْدَبُ (الدُّعَاءُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] إنْ قُلْت وَعْدُهُ حَقٌّ فَإِذَا طَلَبَ الْعَبْدُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِهِ حُصُولُهُ فَيَلْزَمُ إمَّا إخْلَافُ الْوَعْدِ أَوْ غَيْرُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْعِلْمُ. قُلْت أُجِيبَ بِأَنَّ وَعْدَهُ تَعَالَى بِالْإِجَابَةِ لَا بِخُصُوصِ الْمَطْلُوبِ أَوْ أَنَّهُ لَا يُوَفَّقُ لِطَلَبِ مَا لَمْ يَعْلَمْ حُصُولَهُ وَقَالَ - ﷺ -: «الدُّعَاءُ مِفْتَاحُ الرَّحْمَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ» وَفِي رِوَايَةٍ «الدُّعَاءُ جُنْدٌ مِنْ أَجْنَادِ اللَّهِ» .
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [كَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ] قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ]: بَالَغَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ [الدُّعَاء] قَوْلُهُ: [أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ] إلَخْ: الْأَوَّلُ فِي كُلٍّ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، وَمَعْنَى الْجَمِيعِ ظَاهِرٌ
[ ٤ / ٧٦٦ ]
[التَّعَوُّذُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ]
(وَ) يُنْدَبُ (التَّعَوُّذُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ) كَعِنْدِ دُخُولِ الْمَنْزِلِ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَنْزِلِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَذِلَّ أَوْ أُذَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» وَرُوِيَ إذَا قَالَ عِنْدَ خُرُوجِهِ «بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ قَالَ كُفِيت وَهُدِيت وَوُقِيت فَتَنْفِرُ عَنْهُ الشَّيَاطِينُ» الْحَدِيثُ. (وَأَحْسَنُهُ: مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ) نَحْوُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] (وَالسُّنَّةِ) كَقَوْلِهِ - ﷺ - «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ» الْحَدِيثَ وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ» وَقَدْ عَلَّمَهُ - ﷺ - لِرَجُلٍ أَتْعَبَهُ الدَّيْنُ قَالَ الرَّجُلُ فَبَعْدَ مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ فَاضَ خَيْرِي عَلَى الْجِيرَانِ (وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ النَّوْمِ) فَقَدْ كَانَ - ﷺ - عِنْدَ النَّوْمِ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ بَعْدَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِك وَضَعْت جَنْبِي وَبِاسْمِك أَرْفَعُهُ اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِك اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك رَهْبَةً مِنْك وَرَغْبَةً إلَيْك لَا مَنْجَا وَلَا مَلْجَأَ مِنْك إلَّا إلَيْك أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [الْحَدِيثُ]: تَمَامُهُ: «وَيَقُولُونَ مَا تَصْنَعُونَ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ كُفِيَ وَهُدِيَ وَرُقِيَ» أَفَادَهُ النَّفْرَاوِيُّ. قَوْلُهُ: «لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ الْحَدِيثُ تَمَامُهُ: خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُك وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» . قَوْلُهُ: [وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ النَّوْمِ وَالْمَوْتِ]: هَكَذَا فِي نُسْخَةٍ وَقَدْ شَرَحَ عَلَيْهَا الشَّارِحُ وَفِي نُسْخَةٍ بِأَيْدِينَا لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ.
[ ٤ / ٧٦٧ ]
[حكم الرقي]
أَنْزَلْت وَآمَنْت بِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ رَبِّ قِنِي عَذَابَك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك» . (وَ) خُصُوصًا يَتَأَكَّدُ الدُّعَاءُ عِنْدَ عَلَامَاتِ (الْمَوْتِ) فَإِنَّهُ وَقْتُ شِدَّةٍ وَحُضُورِ الْفَتَّانَاتِ وَيَدْعُو بِنَحْوِ: «رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْك رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَكَرَاتِ الْمَوْتِ» .
(وَيَجُوزُ الرُّقَى) جَمْعُ رُقْيَةٍ وَتَكُونُ (بِأَسْمَاءِ اللَّهِ) وَبِأَسْمَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالصَّالِحِينَ (وَبِالْقُرْآنِ) وَيَتَحَرَّى مَا يُنَاسِبُ وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ شِفَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٨٢] لِلْبَيَانِ (وَقَدْ وَرَدَ) الرُّقَى بِأَسْمَاءِ اللَّهِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يُعَوِّذُ أَهْلَ بَيْتِهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: «فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت»: تَعْلِيمٌ مِنْهُ - ﵊ - لِأُمَّتِهِ لِعِصْمَتِهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَهَذَا الدُّعَاءُ مَجْمُوعٌ مِنْ عِدَّةِ أَحَادِيثَ مَعَ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ غَيْرِ مُخِلَّيْنِ. [حُكْم الرقي] قَوْلُهُ: [وَيَجُوزُ الرُّقَى]: عَبَّرَ بِالْجَوَازِ رَدًّا عَلَى مَنْ تَوَهَّمَ الْمَنْعَ وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ - ﷺ -: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا» إلَخْ وَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ. قَوْلُهُ: [وَيَتَحَرَّى مَا يُنَاسِبُ]: أَيْ وَالْأَوْلَى تَحَرِّي الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ الَّتِي وَرَدَ اسْتِعْمَالُهَا فِي التَّعَوُّذَاتِ وَالرُّقَى. قَوْلُهُ: [عَلَى أَنَّ مَنْ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَأَيُّ آيَةٍ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ شِفَاءٌ وَلَوْ اشْتَمَلَتْ عَلَى ذَمٍّ؛ لِأَنَّ شِفَاءَهَا مِنْ حَيْثُ تَنَزُّلِهَا مِنْ اللَّهِ. قَوْلُهُ: [كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ]: أَيْ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْعَاصِ: «أَنَّهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: ضَعْ يَدَك عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِك وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ. قَالَ فَفَعَلْت ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ الْأَلَمِ فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ» (اهـ) وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ يَقُولُ هَذَا إذَا رَقَى نَفْسَهُ فَإِنْ رَقَى غَيْرَهُ قَالَ أُعِيذُهُ أَوْ أُعِيذُهَا بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا يَجِدُ وَيُحَاذِرُ.
[ ٤ / ٧٦٨ ]
«اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبْ الْبَاسَ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» وَأَقَرَّ - ﷺ - مَنْ رَقَى بِالْفَاتِحَةِ وَقَالَ: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» «وَكَانَ - ﷺ - إذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ الْإِخْلَاصَ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَيَنْفُثُ فِي يَدَيْهِ وَيَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ» . (وَ) تَجُوزُ (التَّمِيمَةُ) أَيْ الْوَرَقَةُ الْمَشْمُولَةُ (بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَالْقُرْآنِ لِمَرِيضٍ وَصَحِيحٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَبَهِيمَةٍ بَعْدَ جَعْلِهَا فِيمَا يَقِيهَا، وَلَا يُرْقَى بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ يُعْرَفْ مَعْنَاهَا قَالَ مَالِكٌ مَا يُدْرِيك لَعَلَّهَا كُفْرٌ،
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَقَالَ أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ]: أَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - قَالَ: «انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا بِكُمْ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ إنِّي وَاَللَّهِ لَأَرْقِي وَلَكِنْ وَاَللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ وَجَعَلَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ اقْتَسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ فَقَالَ قَدْ أَصَبْتُمْ اقْتَسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ -» (اهـ مِنْ مُخْتَصَرِ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ) فَقَوْلُهُ: إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ قَالَهُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ تِلْكَ الْقِصَّةِ. قَوْلُهُ: [وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ]: أَيْ وَجُنُبٍ. قَوْلُهُ: [وَلَا يُرْقَى بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ يُعْرَفْ مَعْنَاهَا]: أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ مَرْوِيَّةً عَنْ ثِقَةٍ كَالْمَأْخُوذَةِ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ كَدَائِرَتِهِ وَالْأَسْمَاءِ الَّتِي فِي أَحْزَابِ السَّيِّدِ الدُّسُوقِيِّ والجلجلوتية.
[ ٤ / ٧٦٩ ]
[حكم التداوي]
[حكم الحجامة]
وَكَرِهَ مَالِكٌ الرُّقْيَةَ بِالْحَدِيدِ وَالْمِلْحِ وَنَحْوِ خَاتَمِ سُلَيْمَانَ وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ.
إنْ قُلْت قَالَ - ﷺ -: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَهُمْ الَّذِينَ يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرِقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» وَالْجَوَابُ: أَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ مَطْلُوبٌ لِمَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى أَلَمِ الْمَرَضِ وَلَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَيَكُونُ النَّفْيُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ إلَخْ.
(وَ) يَجُوزُ (التَّدَاوِي) وَقَدْ يَجِبُ وَسَوَاءٌ كَانَ التَّدَاوِي (ظَاهِرًا) فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ كَوَضْعِ دَوَاءٍ عَلَى جُرْحٍ (وَبَاطِنًا) كَسَفُوفٍ وَشُرْبَةٍ لِوَجَعِ الْبَاطِنِ وَيَكُونُ (مِمَّا عُلِمَ نَفْعُهُ فِي) عِلْمِ (الطِّبِّ) وَأَلَّا يَحْصُلَ ضَرَرٌ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ وَإِذَا عَالَجَ طَبِيبٌ عَارِفٌ وَمَاتَ الْمَرِيضُ مِنْ عِلَاجِهِ الْمَطْلُوبِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَأَفْضَلُ الدَّوَاءِ خِفَّةُ الْمَعِدَةِ إذْ التُّخَمَةُ أَصْلُ كُلِّ دَاءٍ.
(وَ) تَجُوزُ (الْحِجَامَةُ) بِمَعْنَى تُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَقَدْ تَجِبُ وَيَنْبَغِي تَرْكُهَا يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَرْبِعَاءِ لِمَا وَرَدَ: «مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ مَرَضٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» فَقَدْ احْتَجَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَمَرِضَ، فَرَأَى النَّبِيُّ - ﷺ - فِي مَنَامِهِ فَشَكَا إلَيْهِ مَا بِهِ فَقَالَ: أَمَا سَمِعْت مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ؟ إلَخْ فَقَالَ: نَعَمْ وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ، فَقَالَ: أَمَا يَكْفِيك قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟، قَالَ الْغَزَالِيُّ:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَالْجَوَابُ أَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ] إلَخْ: وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ النَّهْيَ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا اُعْتُقِدَ أَنَّ الرُّؤْيَا تُؤَثِّرُ بِنَفْسِهَا أَوْ بِقُوَّةٍ أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِيهَا، فَإِنَّ الْأَوَّلَ كُفْرٌ وَالثَّانِيَ فِسْقٌ. [حُكْم التَّدَاوِي] قَوْلُهُ: [وَأَلَّا يَحْصُلَ ضَرَرٌ] إلَخْ: مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: بِمَا عُلِمَ نَفْعُهُ أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ تَدَاوَى بِمَا لَمْ يُعْلَمْ نَفْعُهُ يَحْصُلُ الضَّرَرُ إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَأَفْضَلُ الدَّوَاءِ] إلَخْ: أَيْ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ وَأَصْلُ كُلِّ دَاءٍ الْبَرَدَةُ» . [حُكْم الْحَجَّامَة] قَوْلُهُ [وَيَنْبَغِي تَرْكُهَا يَوْمَ السَّبْتِ]: أَيْ لِغَيْرِ قَوِيِّ الْيَقِينِ وَلِغَيْرِ الْمُقْتَدَى بِهِ وَأَمَّا هُمَا فَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا التَّحَرُّزُ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ لِقَوْلِ مَالِكٍ: لَا تُعَادِ الْأَيَّامَ فَتُعَادِيَك.
[ ٤ / ٧٧٠ ]
[حكم التداوي بالكي]
[قتل الحيوان المؤذي]
لَا يُنْظَرُ لِلصِّحَّةِ إلَّا فِي بَابِ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْمُرَاعَاةِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ.
(وَ) يَجُوزُ (الْفَصْدُ) قَطْعُ الْعِرْقِ لِاسْتِخْرَاجِ الدَّمِ الَّذِي يُؤْذِي الْجَسَدَ (وَ) يَجُوزُ التَّدَاوِي بِ (الْكَيِّ) الْحَرْقِ بِالنَّارِ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ وَقِيلَ يُكْرَهُ فَفِي التَّدَاوِي بِالنَّارِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَقَوْلُهُ اُحْتِيجَ لَهُ أَيْ لِلدَّوَاءِ بِمَا تَقَدَّمَ.
(وَجَازَ قَتْلُ كُلِّ مُؤْذٍ) مَا شَأْنُهُ الْإِيذَاءُ وَلَوْ لَمْ يُؤْذِ بِالْفِعْلِ ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (مِنْ فَأْرٍ وَغَيْرِهِ) كَابْنِ عِرْسٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَيْتَةَ الثُّعْبَانِ وَالسِّحْلِيَّةِ وَبِنْتِ عِرْسٍ وَالْوَزَغِ نَجِسَةٌ إذْ كُلُّهَا ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ وَيَجُوزُ أَكْلُ الْجَمِيعِ بِالتَّذْكِيَةِ إلَّا لِضَرَرٍ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِحُرْمَةِ أَكْلِ بِنْتِ عِرْسٍ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى. (وَكُرِهَ حَرْقُ الْقَمْلِ وَالْبُرْغُوثِ وَنَحْوِهِمَا) كَبَقٍّ وَجَمِيعِ خَشَاشِ الْأَرْضِ بِالنَّارِ وَلَا يُكْرَهُ بِشَمْسٍ وَلَا قَصْعٍ أَوْ فَرْكٍ وَلَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِيهَا الْإِيذَاءَ وَإِنْ لَمْ تُؤْذِ بِالْفِعْلِ كُرِهَ بِالنَّارِ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّعْذِيبِ وَلَمْ يَحْرُمْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَتْلَ جَمِيعِ الْحَشَرَاتِ بِالنَّارِ مَكْرُوهٌ وَبِغَيْرِهَا جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ أَذِيَّةٌ بِالْفِعْلِ وَأَمَّا النَّمْلُ بِالنُّونِ وَالنَّحْلُ - بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ فَإِنْ حَصَلَ مِنْهَا أَذِيَّةٌ وَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَرْكِهَا فَيَجُوزُ قَتْلُهَا وَلَوْ بِالنَّارِ فَإِنْ لَمْ تُؤْذِ حَرُمَ قَتْلُهَا وَلَوْ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [لَا يُنْظَرُ لِلصِّحَّةِ إلَّا فِي بَابِ الْأَحْكَامِ]: أَيْ التَّكْلِيفِيَّةِ وَالْوَضْعِيَّةِ وَأَمَّا فَضَائِلُ الْأَعْمَالِ وَالْآدَابُ الْحُكْمِيَّةُ فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يَتَأَنَّسُ لَهَا بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ وَبِالْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ السَّلَفِ. قَوْلُهُ: [الْأَمْرُ بِمُرَاعَاةِ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ] إلَخْ: أَيْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْحِجَامَةِ فِيهِمَا. [حُكْم التَّدَاوِي بِالْكَيِّ] قَوْلُهُ: [فَفِي التَّدَاوِي بِالنَّارِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ]: إنَّمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: شَرْطَةِ مِحْجَمٍ وَشَرْبَةِ عَسَلٍ وَكَيَّةِ نَارٍ وَلَا أُحِبُّ الِاكْتِوَاءَ» . [قَتْلُ الْحَيَوَان الْمُؤْذِي] قَوْلُهُ: [كَابْنِ عِرْسٍ]: أَدْخَلَتْ الْكَافُ بَاقِيَ مَا وَرَدَ إبَاحَةُ قَتْلِهَا فِي الْحِلِّ وَالْحُرُمِ لِلْمُحَرَّمِ وَغَيْرِهِ، بَلْ وَمَا يُؤْذِي مِنْ بَنِي آدَمَ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ وَسَلْبِ الْأَمْوَالِ وَهَتْكِ الْحَرِيمِ. قَوْلُهُ: [وَبِغَيْرِهَا جَائِزٌ]: ظَاهِرُهُ يَشْمَلُ الْمَاءَ لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ الْمَاءَ كَالنَّارِ فِي الْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: [وَالصُّرَدُ]: هَكَذَا بِوَزْنِ زُحَلَ.
[ ٤ / ٧٧١ ]
[الرؤيا الصالحة]
بِغَيْرِ النَّارِ فَإِنْ آذَتْ وَقُدِرَ عَلَى تَرْكِهَا فَيُكْرَهُ الْقَتْلُ وَلَوْ بِالنَّارِ وَهَلْ الْمَنْهِيُّ عَنْ قَتْلِهِ مُطْلَقُ النَّمْلِ أَوْ خُصُوصُ الْأَحْمَرِ الطَّوِيلِ الْأَرْجُلِ لِعَدَمِ أَذِيَّتِهِ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ فَشَأْنُهُ الْإِيذَاءُ وَيُسْتَحَبُّ قَتْلُ الْوَزَغِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ أَذِيَّةٌ وَقَدْ رَغَّبَ فِيهِ - ﷺ - فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعُونَ وَفِي الثَّالِثَةِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ» . وَاعْلَمْ أَنَّهَا ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ فَمَيْتَتُهَا نَجِسَةٌ وَتُنَجِّسُ الْمَائِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَيُكْرَهُ قَتْلُ الضِّفْدَعِ إنْ لَمْ يُؤْذِ فَإِنْ آذَتْ جَازَ إنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَرْكِهَا وَإِلَّا نُدِبَ عَدَمُ الْقَتْلِ وَيَجُوزُ أَكْلُهَا بِالذَّكَاةِ إنْ كَانَتْ بَرِّيَّةً.
(وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) الْمُبَشِّرَةُ أَوْ الصَّادِقَةُ (جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ) كَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ مِنْ شَخْصٍ مُمْتَثِلٍ أَمْرَ اللَّهِ وَإِلَّا فَلَا،
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [فَلَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ] إلَخْ: إنْ قُلْت كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنَّ الْأَجْرَ يَزِيدُ بِتَعَدُّدِ الضَّرَبَاتِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَتْلَ لَهَا فِي مَرَّةٍ يَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ اعْتِنَاءِ الْقَاتِلِ بِالْأَمْرِ وَمَزِيدِ الْحَمِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ]: أَيْ وَلِمَا وَرَدَ أَيْضًا أَنَّهَا كَانَتْ تَنْفُخُ النَّارَ عَلَى إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - ﵊ -. قَوْلُهُ: [وَاعْلَمْ أَنَّهَا ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ] إلَخْ: هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: كَرَّرَهُ لِذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِهَا]: أَيْ إنْ لَمْ يُمْكِنْ الصَّبْرُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهَا لِمَا قِيلَ إنَّهَا أَكْثَرُ الْحَيَوَانَاتِ تَسْبِيحًا حَتَّى قِيلَ إنَّ صَوْتَهَا جَمِيعَهُ ذِكْرٌ وَلِأَنَّهَا أَطْفَأَتْ مِنْ نَارِ إبْرَاهِيمَ ثُلُثَيْهَا. [الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ] قَوْلُهُ: [الْمُبَشِّرَةُ أَوْ الصَّادِقَةُ]: أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى تَنْوِيعِ الْخِلَافِ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا إذَا كَانَتْ مِنْ شَخْصٍ مُمْتَثِلٍ أَمْرَ اللَّهِ] إلَخْ: هَذَا التَّقْيِيدُ عَلَى حَسْبِ الْغَالِبِ وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ مُمْتَثِلٍ بَلْ وَتَكُونُ مِنْ الْكُفَّارِ، وَذَلِكَ كَرُؤْيَا عَزِيزِ مِصْرَ وَرُؤْيَا مَنْ كَانَ مَعَ يُوسُفَ - ﵇ - فِي السِّجْنِ.
[ ٤ / ٧٧٢ ]
وَالْأَحْسَنُ عَدَمُ تَحْدِيدِ ذَلِكَ الْجُزْءِ وَأَمَّا تَحْدِيدُهُ بِنِصْفِ سَنَةٍ؛ لِأَنَّهُ - ﷺ - أُوحِيَ إلَيْهِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَرَى فِي الْمَنَامِ مَا يُلْقِيه الْمَلَكُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى حَدِيثٍ صَحِيحٍ بِأَنَّهَا سِتَّةٌ وَأَنَّ مَا بَعْدَهَا ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ. وَلَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ، وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهَا جُزْءًا: أَيْ فِي الْجُمْلَةِ إذْ فِيهَا اطِّلَاعٌ عَلَى الْغَيْبِ مِنْ وَجْهٍ أَوْ؛ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ أَنْوَاعٌ؛ لِأَنَّ الْوَحْيَ كَانَ يَأْتِي عَلَى أَنْوَاعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُصَّهَا): أَيْ يُخْبِرَ بِهَا وَيَعْرِضَ مَا رَأَى (عَلَى عَالِمٍ صَالِحٍ مُحِبٍّ)؛ لِأَنَّهُ الَّذِي لَهُ نُورٌ وَفِرَاسَةٌ. (وَلَا يَنْبَغِي) أَيْ يَحْرُمُ (تَعْبِيرُهَا لِغَيْرِ عَارِفٍ بِهَا) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَالْعِلْمُ بِتَفْسِيرِ الرُّؤْيَا لَيْسَ مِنْ كُتُبٍ كَمَا يَقَعُ لِلنَّاسِ مِنْ التَّعْبِيرِ مِنْ ابْنِ سِيرِينَ فَيَحْرُمُ تَفْسِيرُهَا بِمَا فِيهِ، بَلْ يَكُونُ بِفَهْمِ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَفِرَاسَةٍ وَعِلْمٍ بِالْمَعَانِي، وَالْفِرَاسَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا: نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ يُدْرِكُ بِهِ الصَّوَابَ وَقِيلَ؛ ظَنٌّ صَائِبٌ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ حَرُمَ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا عَلَى خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ تَفْسِيرُهَا بِالضِّدِّ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ، بَلْ إنْ كَانَتْ شَرًّا يَقُولُ نَحْوَ: نَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا، أَوْ يَسْكُتُ.
وَإِنْ فَسَّرَ بِالضِّدِّ لَا تَخْرُجُ عَلَى مَا عُبِّرَتْ بِهِ. وَقِيلَ: الرُّؤْيَا عَلَى مَا عُبِّرَتْ بِهِ، وَلِذَلِكَ يُنْهَى عَنْ قَصِّهَا عَلَى عَدُوٍّ خَوْفَ أَنْ يُخْبِرَ بِسُوءٍ فَتَخْرُجُ عَلَيْهِ (وَمَنْ رَأَى) فِي نَوْمِهِ (مَا يَكْرَهُ) وَاسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ (فَلْيَتْفُلْ) بِضَمِّ الْفَاءِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَأَمَّا تَحْدِيدُهُ] إلَخْ: هَذَا الْكَلَامُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَهُ شُرَّاحُ هَذَا الْحَدِيثِ إنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَتِمُّ إلَّا لَوْ لَمْ يُعَارِضْهَا رِوَايَاتٌ أُخَرُ مَعَ أَنَّهُ عَارَضَهَا رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: «جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا» وَمِنْهَا «جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا» وَمِنْهَا «جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ» قَوْلُهُ: [أَوْ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ أَنْوَاعٌ]: أَيْ فَتَارَةً تَكُونُ بِالْمِلْكِ جِهَارًا وَهُوَ أَقْسَامٌ وَبِالْمُكَالَمَةِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَبِالْإِلْقَاءِ فِي الرَّوْعِ وَبِالْمَنَامِ. قَوْلُهُ: [فَيَحْرُمُ تَفْسِيرُهَا بِمَا فِيهِ]: أَيْ إنْ لَمْ يَنْضَمَّ لِذَلِكَ بَصِيرَةٌ مِنْ الْمُعَبِّرِ؛ لِأَنَّ مَا فِي ابْنِ سِيرِينَ وَابْنِ شَاهِينَ صَحِيحٌ قَطْعًا لَكِنْ لَا تَتَّحِدُ النَّاسُ فِيهِ بَلْ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَأَزْمَانِهِمْ وَأَشْغَالِهِمْ.
[ ٤ / ٧٧٣ ]
مِنْ بَابِ قَتَلَ وَبِكَسْرِهَا مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَالتُّفْلُ نَفْثٌ بِرِيقٍ (عَلَى) جِهَةِ (يَسَارِهِ) لِأَنَّهَا جِهَةُ الْأَقْذَارِ وَالشَّيْطَانِ فَكَأَنَّهُ يَطْرُدُهُ بِتَحْقِيرٍ وَيُكَرِّرُ التُّفْلَ (ثَلَاثًا) لِلتَّأْكِيدِ فِي طَرْدِ الشَّيْطَانِ (وَلْيَقُلْ) نَدْبًا: (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْت) فِي مَنَامِي أَنْ يَضُرَّ بِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ (وَلْيَتَحَوَّلْ) نَدْبًا (عَلَى شِقِّهِ الْآخَرِ) تَفَاؤُلًا بِأَنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُ الْمَكْرُوهَ بِالْحَسَنِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنَامَ بَلْ يَقُومَ لِلدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ. (وَلَا يَنْبَغِي قَصُّهَا) أَيْ الرُّؤْيَةُ الَّتِي فِيهَا مَكْرُوهٌ وَلَوْ عَلَى حَبِيبٍ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [نَفْثٌ بِرِيقٍ]: أَيْ قَلِيلٌ وَقِيلَ بِغَيْرِ رِيقٍ وَاخْتُلِفَ فِي التَّفْلِ وَالنَّفْثِ؛ فَقِيلَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَلَا يَكُونَانِ إلَّا بِرِيقٍ، وَقِيلَ النَّفْثُ بِغَيْرِ رِيقٍ وَعَلَيْهِ فَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ طَرْدُ الشَّيْطَانِ وَإِظْهَارُ احْتِقَارِهِ وَاسْتِقْذَارِهِ. قَوْلُهُ: [وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنَامَ]: قَالَ فِي حَاشِيَةِ الرِّسَالَةِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَعُودَ لِمَنَامِهِ بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَادَ يَعُودُ لَهُ الشَّيْطَانُ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَنْبَغِي قَصُّهَا]: قَالَ فِي حَاشِيَةِ الرِّسَالَةِ تَنْبِيهٌ: الِاحْتِيَاطُ إذَا رَأَى مَا يُحِبُّ كَتْمَ مَا رَآهُ إلَّا عَنْ حَبِيبٍ يَعْلَمُ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا. بِخِلَافِ مَنْ رَأَى الْمَكْرُوهَ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ بَعْدَ قِيَامِهِ الصَّلَاةُ وَالسُّكُوتُ عَنْ التَّحْدِيثِ بِمَا يَرَاهُ (اهـ) وَعَلَيْهِ بِالتَّضَرُّعِ وَالِالْتِجَاءِ إلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّ مَا أَرَاهُ الْمَكْرُوهَ فِي مَنَامِهِ إلَّا لِيَتَحَرَّزَ مِنْهُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَاتَبَهُ فِي مَنَامِهِ» .
[ ٤ / ٧٧٤ ]