[حد الشارب المضطر]
بَابٌ ذَكَرَ فِيهِ حَدَّ الشَّارِبِ وَأَشْيَاءَ تُوجِبُ الضَّمَانَ
فَقَالَ: (يُجْلَدُ): ثَمَانِينَ عَلَى ظَهْرِهِ كَمَا يَأْتِي.
(الْمُسْلِمُ): فَلَا يُحَدُّ الشَّارِبُ الْكَافِرُ، وَيُؤَدَّبُ إنْ أَظْهَرَهُ.
(الْمُكَلَّفُ) الْحُرُّ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى بِعِلْمٍ مِنْهُ أَنَّهُ طَائِعٌ، إذْ الْمُكْرَهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا.
وَخَرَجَ أَيْضًا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَيُؤَدَّبُ الصَّبِيُّ.
(بِسَبَبِ شُرْبٍ): وَلَا يَكُونُ إلَّا بِالْفَمِ إذَا وَصَلَ لِحَلْقِهِ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ لِجَوْفِهِ، لَا مَا وَصَلَ مِنْ أَنْفٍ وَنَحْوِهِ وَلَوْ سَكِرَ بِالْفِعْلِ.
(مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ): وَلَوْ لَمْ يُسْكِرْ بِالْفِعْلِ لِقِلَّتِهِ، أَوْ لِاعْتِيَادِهِ، لَا بِمَا لَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ، وَلَوْ اعْتَقَدَهُ مُسْكِرًا. نَعَمْ عَلَيْهِ إثْمُ الْجَرَاءَةِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [بَابٌ فِي حَدَّ الشَّارِبِ] [حَدَّ الشَّارِبِ الْمُضْطَرّ] بَابٌ أَيْ بَيَّنَ فِيهِ حَقِيقَةَ الشَّارِبِ وَقَدْرَ حَدِّهِ وَكَيْفِيَّتَهُ. قَوْلُهُ: [عَلَى ظَهْرِهِ]: أَيْ وَكَتِفَيْهِ. قَوْلُهُ: [وَيُؤَدَّبُ إنْ أَظْهَرَهُ]: أَيْ إنْ كَانَ ذِمِّيًّا. قَوْلُهُ: [الْحُرُّ]: زَادَهُ الشَّارِحُ أَخْذًا لَهُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَتَشَطَّرَ بِالرِّقِّ. قَوْلُهُ: [وَيُؤَدَّبُ الصَّبِيُّ]: أَيْ الْمُمَيِّزُ لِلْإِصْلَاحِ لَا لِكَوْنِهِ فَعَلَ حَرَامًا. قَوْلُهُ: [بِسَبَبِ شُرْبٍ]: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْحَدَّ مُخْتَصٌّ بِالْمَائِعَاتِ، أَمَّا الْيَابِسَاتِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي الْعَقْلِ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْأَدَبُ كَمَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ مِنْهَا إلَّا الْقَدْرُ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْلِ لَا مَا قَلَّ؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ بِخِلَافِ الْخَمْرِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَفَادَهُ (بْن) . قَوْلُهُ: [وَلَا يَكُونُ إلَّا بِالْفَمِ]: أَيْ كَالنَّظَرِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْعَيْنِ، وَالسَّمْعِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْأُذُنِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يَصِلْ لِجَوْفِهِ]: أَيْ بِأَنْ رَدَّهُ بَعْدَ وُصُولِهِ لِحَلْقِهِ. قَوْلُهُ: [وَنَحْوِهِ] أَيْ كَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ اعْتَقَدَهُ مُسْكِرًا]: أَيْ فَإِذَا شَرِبَ شَيْئًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ خَمْرٌ فَتَبَيَّنَ
[ ٤ / ٤٩٩ ]
(مُخْتَارًا) قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ التَّكْلِيفُ (بِلَا عُذْرٍ) احْتِرَازًا عَمَّنْ ظَنَّهُ غَيْرَ مُسْكِرٍ.
(وَ) بِلَا (ضَرُورَةٍ): فَلَا حُرْمَةَ عَلَى مَنْ شَرِبَهُ لِغُصَّةٍ كَمَا يَأْتِي، وَهِيَ مِنْ الْعُذْرِ فَيُغْنِي عَنْهُ مَا قَبْلَهُ.
(وَإِنْ قَلَّ) جِدًّا بَلْ وَلَوْ غَمَسَ إبْرَةً فِي مُسْكِرٍ وَوَضَعَهَا فِي فِيهِ وَبَلَعَ رِيقَهُ، فَيُحَدُّ كَمَنْ شَرِبَ كَقِنْطَارٍ. وَقِيلَ: لَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ شُرْبًا، وَاسْتُظْهِرَ.
(أَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ) مَعَ عِلْمِ الْحُرْمَةِ، أَوْ جَهِلَ الْحُرْمَةَ لِقُرْبِ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَلَوْ كَانَ حَنَفِيًّا يَشْرَبُ النَّبِيذَ وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ مَاءِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] أَنَّهُ غَيْرُ خَمْرٍ فَلَا يُحَدُّ وَعَلَيْهِ إثْمُ الْجَرَاءَةِ. قَوْلُهُ: [احْتِرَازًا عَمَّنْ ظَنَّهُ غَيْرَ مُسْكِرٍ]: أَيْ بِأَنْ ظَنَّهُ خَلًّا مَثَلًا. قَوْلُهُ: [فَلَا حُرْمَةَ عَلَى مَنْ شَرِبَهُ]: أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ وَلَا حَدَّ أَيْضًا، وَلَوْ سَكِرَ مِنْهُ قَالَ (عب) وَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ قُدُومِهِ عَلَى شُرْبِهِ مَعَ ظَنِّهِ غَيْرَهُ وَأَمَّا مَعَ شَكِّهِ فَيَحْرُمُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ لِدَرْئِهِ بِشُبْهَةِ الشَّكِّ. قَوْلُهُ: [وَهِيَ مِنْ الْعُذْرِ فَيُغْنِي عَنْهُ مَا قَبْلَهُ]: أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُذْرِ الْغَلَطُ وَهُوَ غَيْرُ الضَّرُورَةِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ قَلَّ جِدًّا]: أَيْ لِخَبَرِ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» . قَوْلُهُ: [قِيلَ لَا يُحَدُّ] إلَخْ: قَائِلُهُ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ وَأَفَادَ أَنَّ الْحَدَّ فِيهِ مِنْ التَّعَمُّقِ فِي الدِّينِ. قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يُحَدُّ]: فَإِنْ قِيلَ لَمْ يُعْذَرْ هُنَا وَعُذِرَ فِي الزِّنَا بِجَهْلِ الْحُكْمِ إنْ جُهِلَ مِثْلُهُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الشُّرْبَ أَكْثَرُ وُقُوعًا مِنْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ مَفَاسِدَهُ أَشَدُّ مِنْ مَفَاسِدِ الزِّنَا لِكَثْرَتِهَا لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ بِشُرْبِهِ زِنًا وَسَرِقَةٌ وَقَتْلٌ وَلِذَا وَرَدَ أَنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ أَفَادَهُ (عب) . قَوْلُهُ: [يَشْرَبُ النَّبِيذَ]: أَيْ يَرَى حِلَّ شُرْبِ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ مِنْهُ. وَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ الْخَمْرَ وَهُوَ مَا اُتُّخِذَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَدَخَلَتْهُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ شُرْبُهُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَمُوجِبٌ لِلْحَدِّ إجْمَاعًا لَا فَرْقَ بَيْنَ كَثِيرِهِ وَقَلِيلِهِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ، وَأَمَّا النَّبِيذُ وَهُوَ مَا اُتُّخِذَ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ أَوْ الْبَلَحِ وَدَخَلَتْهُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ فَشُرْبُ
[ ٤ / ٥٠٠ ]
الْعِنَبِ وَشَرِبَ مِنْهُ قَدْرًا لَا يُسْكِرُ، وَرُفِعَ لِمَالِكِيٍّ، فَيُحَدُّ.
(ثَمَانِينَ) جَلْدَةً: مَعْمُولُ " يُجْلَدُ " (بَعْدَ صَحْوِهِ): فَإِنْ جُلِدَ قَبْلَ صَحْوِهِ فَيَكْفِي إنْ كَانَ عِنْدَهُ شُعُورٌ بِأَلَمِ الْجَلْدِ، وَإِلَّا أُعِيدَ.
(وَتَشَطَّرَ) الْحَدُّ (بِالرِّقِّ) وَإِنْ قَلَّ الرِّقُّ فَيُجْلَدُ أَرْبَعِينَ.
(إنْ أَقَرَّ): بِالشُّرْبِ، لَكِنْ إنْ رَجَعَ بَعْدَ إقْرَارِهِ يُقْبَلُ وَلَوْ لِغَيْرِ شُبْهَةٍ.
(أَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِشُرْبٍ أَوْ شَمٍّ) لِرَائِحَتِهِ فِي فَمِهِ لِعِلْمِهِمْ ذَلِكَ، إذْ قَدْ يَعْرِفُهَا مَنْ لَا يَشْرَبُهَا.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ مِنْهُ كَبِيرَةٌ، وَمُوجِبٌ لِلْحَدِّ إجْمَاعًا، وَأَمَّا شُرْبُ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ مِنْهُ لِقِلَّتِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ صَغِيرَةٌ وَلَا يُوجِبُ حَدًّا وَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا إثْمَ فِي شُرْبِهِ بَلْ هُوَ جَائِزٌ فَلَا حَدَّ فِيهِ وَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، فَإِنْ كَانَ لَا يُسْكِرُ الشَّخْصَ إلَّا أَرْبَعَةُ أَقْدَاحٍ فَلَا يَحْرُمُ عِنْدَهُ إلَّا الْقَدَحُ الرَّابِعُ، وَقَيَّدَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْجَوَازَ بِمَا إذَا كَانَ الشُّرْبُ لِلتَّقَوِّي عَلَى الْجِهَادِ وَنَحْوِهِ لَا لِمُجَرَّدِ اللَّهْوِ. قَوْلُهُ: [وَرُفِعَ لِمَالِكِيٍّ]: أَيْ فَيَحُدُّهُ الْمَالِكِيُّ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: أَنَا حَنَفِيٌّ لِضَعْفِ مَدْرَكِ حِلِّهِ وَقِيلَ لَا يُحَدُّ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ. قَوْلُهُ: [مَعْمُولُ يَجْلِدُ]: وَذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِيمَا تَقَدَّمَ بِلَصْقِهِ بِطُولِ الْفَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا أُعِيدَ]: أَيْ مِنْ أَوَّلِهِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إحْسَاسٌ حَالَ الضَّرْبِ أَصْلًا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحُسَّ فِي أَوَّلِهِ وَأَحَسَّ فِي أَثْنَائِهِ حُسِبَ مِنْ أَوَّلِ مَا أَحَسَّ كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ. قَوْلُهُ: [وَتَشَطَّرَ الْحَدُّ بِالرِّقِّ]: أَيْ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. قَوْلُهُ: [إنْ أَقَرَّ] إلَخْ: شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ يُجْلَدُ. قَوْلُهُ: [إذْ قَدْ يَعْرِفُهَا مَنْ لَا يَشْرَبُهَا]: جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّهُ لَا يَعْرِفُ رَائِحَتَهَا إلَّا مَنْ شَرِبَهَا وَمَنْ شَرِبَهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهَا لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتُبْ كَانَ فَاسِقًا، وَإِنْ تَابَ وَحُدَّ لَا تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ رَائِحَتَهَا إلَّا مَنْ شَرِبَهَا، بَلْ قَدْ يَعْرِفُ رَائِحَتَهَا مَنْ لَمْ يَكُنْ شَرِبَهَا قَطُّ كَمَنْ رَآهَا مُرَاقَةً أَوْ رَأَى إنْسَانًا يَشْرَبُهَا
[ ٤ / ٥٠١ ]
[كيفية الضرب في حد الشرب]
(أَوْ) شَهِدَ (أَحَدُهُمَا بِوَاحِدٍ): كَشَهَادَةِ عَدْلٍ بِرُؤْيَةِ الشُّرْبِ (وَ) شَهَادَةِ (الثَّانِي بِالْآخَرِ): أَيْ رَائِحَتِهَا.
(أَوْ بِتَقَايُئِهِ): أَيْ الْخَمْرِ. وَمَتَى شَهِدَا بِالشُّرْبِ إلَخْ فَيُحَدُّ الشَّارِبُ، وَلَوْ شَهِدَ فُلَانٌ بِخِلَافِ شَهَادَتِهِمَا؛ كَأَنْ شَهِدَا عَلَى الرَّائِحَةِ فَشَهِدَ غَيْرُهُمَا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ رَائِحَةَ خَمْرٍ فَلَا تُعْتَبَرُ الْمُخَالَفَةُ؛ لِأَنَّ الْمُثْبِتَ يُقَدَّمُ عَلَى النَّافِي وَلَمْ يَجْعَلُوا الْمُخَالَفَةَ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ.
(وَجَازَ): أَيْ انْتَفَتْ حُرْمَتُهُ فَيُصَدُّ بِوُجُوبِ الشُّرْبِ (لِإِسَاغَةِ غُصَّةٍ إنْ خَافَ) الْهَلَاكَ مِنْهَا (وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ): أَيْ الْمُسْكِرَ فَلَهُ شُرْبُهُ عَلَى الرَّاجِحِ. وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْخَمْرِ لِدَوَاءٍ وَلَوْ خَافَ الْمَوْتَ؛ لِأَنَّهُ لَا شِفَاءَ فِيهِ وَلَا لِعَطَشٍ بَلْ لِحَرَارَتِهِ يَزِيدُ، وَلَوْ طِلَاءٍ فِي ظَاهِرٍ الْجَسَدِ.
(وَالْحُدُودُ كُلُّهَا): كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ تَكُونُ (بِسَوْطٍ) مِنْ جِلْدٍ (لَيِّنٍ بِلَا رَأْسَيْنِ) بَلْ بِرَأْسٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَكُونُ بِقَضِيبٍ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] مَعَ عِلْمِهِ بِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ شَهِدَ فُلَانٌ]: أَيْ وَلَوْ خَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ الْعُدُولِ بِأَنْ قَالَ عَدْلَانِ آخَرَانِ شَرِبَ خَلًّا مَثَلًا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ خَافَ الْمَوْتَ]: أَيْ فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَتَدَاوَى بِهِ شُرْبًا حُدَّ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ تَرَدَّدَ عُلَمَاؤُنَا فِي دَوَاءٍ فِيهِ خَمْرٌ وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ وَالْحَدُّ انْتَهَى وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَدِّ إذَا سَكِرَ بِالْفِعْلِ وَإِلَّا لَمْ يُحَدَّ وَلَا يُرَدُّ. قَوْلُهُمْ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ بِالْفِعْلِ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي غَيْرِ الْمَخْلُوطِ بِدَوَاءٍ. قَوْلُهُ: [وَلَا لِعَطَشٍ]: مِثْلُهُ الْجُوعُ فَلَا يَجُوزُ شُرْبُهُ لِخَوْفِ الْمَوْتِ مِنْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، لِأَنَّهُمَا لَا يَزُولَانِ بِهِ لِمَا فِي طَبْعِهِ مِنْ الْحَرَارَةِ وَالْهَضْمِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ طِلَاءٍ فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ]: مُبَالَغَةٌ فِي حُرْمَةِ التَّدَاوِي وَحَقُّهُ التَّقْدِيمُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا لِعَطَشٍ. لَكِنْ قَالَ (عب): مَحَلُّ مَنْعِ الطِّلَاءِ بِهِ مُنْفَرِدًا أَوْ مُخْتَلِطًا بِدَوَاءٍ مَا لَمْ يَخَفْ الْمَوْتَ بِتَرْكِهِ وَإِلَّا جَازَ. [كَيْفِيَّةُ الضَّرْبِ فِي حَدّ الشُّرْب] قَوْلُهُ: [كَالزِّنَا] إلَخْ: الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ كَانَتْ لِزِنًا أَوْ لَقَذْفٍ أَوْ لِشُرْبٍ. قَوْلُهُ: [فَلَا يَكُونُ بِقَضِيبٍ]: أَيْ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالنَّبُّوتِ.
[ ٤ / ٥٠٢ ]
وَلَا شِرَاكٍ وَلَا دُرَّةٍ. وَمَا كَانَتْ لِسَيِّدِنَا عُمَرَ فَهِيَ لِلتَّأْدِيبِ لَا لِلْحَدِّ.
(وَضَرْبٍ) عَطْفٌ عَلَى سَوْطٍ (مُتَوَسِّطٍ) لَا خَفِيفٍ وَلَا شَدِيدٍ حَالَةَ كَوْنِ الْمَحْدُودِ (قَاعِدًا) فَلَا يُمَدُّ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ (بِلَا رَبْطٍ) عَلَى نَحْوِ جِذْعٍ (إلَّا لِعُذْرٍ): كَكَوْنِهِ لَا يَسْتَقِرُّ أَوْ يَضْطَرِبُ اضْطِرَابًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لَا يَقَعُ الضَّرْبُ مَوْقِعَهُ فَيُرْبَطُ. (وَلَا شَدِيدٍ): أَيْ وَبِلَا رَبْطِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ إلَّا لِعُذْرٍ أَيْضًا وَلَوْ أَخَّرَ قَوْلَهُ إلَّا لِعُذْرٍ لَكَانَ أَوْلَى.
(بِظَهْرِهِ وَكَتِفَيْهِ): أَيْ إنَّ الْجَلْدَ عَلَى الظَّهْرِ وَالْكَتِفَيْنِ لَا غَيْرِهِمَا مِنْ الْبَدَنِ. وَشَرْطُ الضَّارِبِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا.
(وَجُرِّدَ الرَّجُلُ مِنْ) كُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ (مَا سِوَى الْعَوْرَةِ) مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
(وَالْمَرْأَةُ) تُجَرَّدُ (مِمَّا يَقِي الضَّرْبَ): أَيْ أَلَمَهُ.
(وَنُدِبَ): لِأَجْلِ السِّتْرِ عَلَيْهَا فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهَا (جَعْلُهَا) حَالَ الضَّرْبِ (فِي كَقُفَّةٍ بِتُرَابٍ) مَبْلُولٍ وَيُوَالِي الضَّرْبَ إلَّا لِخَوْفِ هَلَاكٍ فَيُفَرِّقُ.
(وَعَزَّرَ الْحَاكِمُ): بِاجْتِهَادِهِ - لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي أَقْوَالِهِمْ، وَأَفْعَالِهِمْ وَذَوَاتِهِمْ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] وَقَوْلُهُ: [وَلَا شِرَاكٍ]: هُوَ السَّيْرُ الرَّفِيعُ مِنْ الْجِلْدِ. وَقَوْلُهُ: [وَلَا دُرَّةٍ]: هِيَ سَوْطٌ رَفِيعٌ مَجْدُولٌ مِنْ الْجِلْدِ فَإِنْ وَقَعَ وَضُرِبَ فِي الْحَدِّ بِقَضِيبٍ أَوْ شِرَاكٍ أَوْ دُرَّةٍ لَمْ يَكْفِ وَأُعِيدَ. قَوْلُهُ: [وَمَا كَانَتْ لِسَيِّدِنَا عُمَرَ] إلَخْ: مَا وَاقِعَةٌ عَلَى دُرَّةٍ أَيْ وَالدُّرَّةُ الَّتِي كَانَتْ لِسَيِّدِنَا عُمَرَ إنَّمَا كَانَتْ لِلتَّأْدِيبِ لَا لِلْحَدِّ وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَكَانَتْ مِنْ جِلْدٍ مُرَكَّبٍ بَعْضِهِ فَوْقَ بَعْضٍ. قَوْلُهُ: [لَا غَيْرَهُمَا مِنْ الْبَدَنِ]: أَيْ فَلَوْ جُلِدَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ لَمْ يَكْفِ وَالْحَدُّ بَاقٍ يُعَادُ ثَانِيًا فَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَلْدُ بِظَهْرِهِ وَكَتِفَيْهِ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ أُخِّرَ، فَإِنْ أَمْكَنَ فِعْلُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فُعِلَ، وَأَمَّا التَّأْدِيبُ فَمَوْكُولٌ مَحَلُّهُ لِلْإِمَامِ. قَوْلُهُ: [وَجُرِّدَ الرَّجُلُ] إلَخْ: فَإِنْ لَمْ يُجَرَّدْ الرَّجُلُ مُطْلَقًا وَلَا الْمَرْأَةُ مِمَّا يَقِي الضَّرْبَ فَانْظُرْ هَلْ يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ إنْ تَأَلَّمَ مِنْهُ كَمَا يَتَأَلَّمُ الْمُجَرَّدُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَهُوَ
[ ٤ / ٥٠٣ ]
[التعزير]
(لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ) تَعَالَى: وَهِيَ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ إسْقَاطُهَا؛ كَأَكْلٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَتَأْخِيرِ صَلَاةٍ.
(أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ): وَهُوَ مَا لَهُ إسْقَاطُهُ كَسَبٍّ وَضَرْبٍ وَكُلِّ حَقٍّ لِمَخْلُوقٍ؛ فَلَهُ فِيهِ حَقٌّ.
وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ تَأْدِيبٌ إلَّا لِلسَّيِّدِ فِي رَقِيقِهِ وَالزَّوْجِ فِي زَوْجَتِهِ أَوْ وَالِدٍ فِي وَلَدِهِ غَيْرِ الْبَالِغِ أَوْ مُعَلِّمٍ، وَلَا يَجُوزُ لِحَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ لَعْنٌ وَلَا سَبٌّ لَلْمُؤَدَّبِ أَوْ لِوَالِدَيْهِ أَوْ ضَرْبٌ عَلَى وَجْهٍ أَوْ شَيْنُ عُضْوٍ. وَيَكُونُ التَّعْزِيرُ: (حَبْسًا) مُدَّةً يَنْزَجِرُ بِهَا بِحَسْبِ حَالِهِ (وَلَوْمًا) يَنْزَجِرُ بِهِ؛ كَتَوْبِيخٍ بِكَلَامٍ. وَهُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَقِيلَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَبِالْقِيَامِ مِنْ الْمَجْلِسِ وَبِنَزْعِ الْعِمَامَةِ) مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ (وَضَرْبًا بِسَوْطٍ وَغَيْرِهِ) كَقَضِيبٍ وَدُرَّةٍ وَصَفْعٍ بِالْقَفَا، وَقَدْ يَكُونُ بِالنَّفْيِ؛ كَالْمُزَوِّرِينَ، وَبِإِخْرَاجٍ مِنْ الْحَارَةِ؛ كَمُؤْذِي الْجَارِ، وَبِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ بِمَا غَشَّ بِهِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] الظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ الْأَشْيَاخُ. [التَّعْزِير] قَوْلُهُ: [وَتَأْخِيرُ صَلَاةٍ]: أَيْ عَنْ وَقْتِهَا وَلَوْ اخْتِيَارِيًّا. قَوْلُهُ: [وَكُلُّ حَقٍّ لِمَخْلُوقٍ]: الْمُنَاسِبُ وَإِلَّا فَكُلُّ حَقٍّ إلَخْ فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [وَالزَّوْجُ فِي زَوْجَتِهِ]: ظَاهِرُهُ وَلَوْ بَالِغَةً رَشِيدَةً وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أَوْ مُعَلَّمَةً. وَقَوْلُهُ: [غَيْرُ الْبَالِغِ]: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَالِدَ لَيْسَ لَهُ تَعْزِيرُ الْبَالِغِ وَلَوْ كَانَ سَفِيهًا وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ وُجِدَ الْحَاكِمُ الْعَدْلُ. قَوْلُهُ: [وَهُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ]: لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَبْسَ وَاللُّوَّمَ مَصْدَرَانِ، فَالْأَوْلَى جَعْلُهُمَا خَبَرَيْنِ لِيَكُونَ كَمَا حَلَّ بِهِ أَوَّلًا وَأَيْضًا ظَرْفُ الْمَكَانِ لَا يَكُونُ مُخْتَصًّا فَلَا يُقَالُ جَلَسْت الْحَبْسَ وَلَا الدَّارَ. قَوْلُهُ: [وَبِالْقِيَامِ مِنْ الْمَجْلِسِ]: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ إيقَافُهُ بِأَنْ يَأْمُرَهُ الْحَاكِمُ بِوُقُوفِهِ عَلَى قَدَمَيْهِ ثُمَّ يُقْعِدَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَمْرُهُ بِالذَّهَابِ مِنْ الْمَجْلِسِ. قَوْلُهُ: [وَغَيْرُهُ]: أَيْ بِخِلَافِ الْحَدِّ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالسَّوْطِ. قَوْلُهُ: [وَبِإِخْرَاجٍ مِنْ الْحَارَةِ]: أَيْ وَبِبَيْعِ مِلْكِهِ. قَوْلُهُ: [وَبِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ بِمَا غَشَّ]: أَيْ وَأَمَّا التَّعْزِيرُ بِأَخْذِ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ
[ ٤ / ٥٠٤ ]
(وَإِنْ زَادَ) التَّعْزِيرَ (عَلَى الْحَدِّ) بِالْجَلْدِ كَأَنْ زَادَ عَلَى مِائَةٍ (أَوْ أَتَى عَلَى النَّفْسِ): بِأَنْ نَشَأَ عَنْهُ مَوْتٌ، فَلَا إثْمَ وَلَا دِيَةَ (إنْ ظَنَّ السَّلَامَةَ) مِنْ فِعْلِهِ. وَإِنَّمَا قَصَدَ التَّشْدِيدَ لِمَا صَدَرَ مِنْهُ كَسَبِّ الصَّحَابَةِ.
(وَإِلَّا) يَظُنُّ السَّلَامَةَ، فَإِنْ شَكَّ مُنِعَ.
وَ(ضَمِنَ) مَا سَرَى عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ: أَيْ ضَمِنَ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ السَّلَامَةِ فَالْقَوَدُ: فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ إنْ ظَنَّ السَّلَامَةَ فَخَابَ ظَنُّهُ وَسَرَى لِمَوْتٍ أَوْ عُضْوٍ فَهَدَرٌ، وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَهَا فَالْقِصَاصُ، وَإِنْ شَكَّ فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ. هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ. وَيُعْلَمُ ظَنُّ السَّلَامَةِ أَوْ الشَّكُّ مِنْ إقْرَارِ الْحَاكِمِ وَنَحْوِهِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ.
(كَتَأْجِيجِ نَارٍ بِرِيحٍ عَاصِفٍ): أَيْ شَدِيدٍ فَأَحْرَقَتْ مَالًا فَيَضْمَنُهُ فِي مَالِهِ أَوْ نَفْسًا، فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ لَا يَظُنُّ فِيهِ الْوُصُولَ إلَى الْمَحْرُوقِ عَادَةً فَلَا ضَمَانَ.
(وَكَسُقُوطِ جِدَارٍ) عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ فَأَتْلَفَهُ، فَيَضْمَنُ الْمَالَ فِي مَالِهِ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ:
(مَالَ): بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسْتَقِيمًا.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] إجْمَاعًا، وَمَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ جَوَازِ التَّعْزِيرِ لِلسُّلْطَانِ بِأَخْذِ الْمَالِ فَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ الْبَرَادِعِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَمْسِكَ الْمَالَ عِنْدَهُ مُدَّةً لِيَنْزَجِرَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَيْهِ لَا أَنَّهُ يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ الظَّلَمَةُ، إذْ لَا يَجُوزُ أَخْذُ مَالِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ وَفِي نَظْمِ الْعَمَلِيَّاتِ: وَلَمْ تَجُزْ عُقُوبَةٌ بِالْمَالِ أَوْ فِيهِ عَنْ قَوْلٍ مِنْ الْأَقْوَالِ قَوْلُهُ: [بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ]: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِهِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. وَقِيلَ لَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الْجِدَارِ إلَّا إذَا قَضَى عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالْهَدْمِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنِ وَهْبٍ، وَقِيلَ إنْ بَلَغَ حَدًّا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْمُهُ لِشِدَّةِ مَيَلَانِهِ فَتَرَكَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، إشْهَادٌ وَلَا حُكْمٌ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ.
[ ٤ / ٥٠٥ ]
(وَأَنْذَرَ صَاحِبَهُ) بِأَنْ قِيلَ لَهُ: أَصْلِحْ جِدَارَك وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ بِالْإِنْذَارِ، وَيَكْفِي عِنْدَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ حَاكِمٍ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَظْهَرُ مَيَلَانُهُ، وَإِلَّا فَلَا يَحْتَاجُ لِلْإِنْذَارِ، كَمَا لَوْ بَنَاهُ مِنْ الْأَصْلِ مَائِلًا وَاحْتُرِزَ عَنْ " غَيْرِ صَاحِبِهِ ". كَمُسْتَأْجِرٍ وَمُسْتَعِيرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَلَوْ أُنْذِرُوا.
(وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ): أَيْ إصْلَاحُهُ قَبْلَ السُّقُوطِ؛ وَلَمْ يُصْلِحْهُ حَتَّى سَقَطَ، فَيَضْمَنُ. لَا إنْ لَمْ يُمْكِنْ تَدَارُكُهُ بِأَنْ سَقَطَ قَبْلَ زَمَنٍ يُمْكِنُهُ الْإِصْلَاحُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الشُّرُوطَ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ لِصَاحِبِهِ مَيَلَانُهُ وَلَمْ يَبْنِهِ مِنْ الْأَصْلِ مَائِلًا.
(أَوْ عَضَّهُ) شَخْصٌ (فَسَلَّ) الْمَعْضُوضُ (يَدَهُ) عَنْ فَمِ الْعَاضِّ (فَقَلَعَ) الْمَعْضُوضُ (أَسْنَانَهُ): أَيْ الْعَاضِّ (قَصْدًا) لِقَلْعِ أَسْنَانِهِ، فَيَضْمَنُ دِيَةَ الْأَسْنَانِ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَلَمْ يُمْكِنْ تَخْلِيصُ يَدِهِ إلَّا بِقَلْعِ أَسْنَانِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِهِ - ﷺ - لَمَّا عَضَّ رَجُلٌ آخَرَ فَنَزَعَ يَدَهُ فَقَلَعَ سِنَّهُ: «أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ» .
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَأَنْذَرَ صَاحِبَهُ]: الْمُرَادُ بِهِ مَالِكُهُ الْمُكَلَّفُ أَوْ وَكِيلُهُ الْخَاصُّ أَوْ الْعَامُّ الَّذِي هُوَ الْحَاكِمُ إذَا كَانَ رَبُّ الْجِدَارِ غَائِبًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ خَاصٌّ، وَمِنْ الْوَكِيلِ الْخَاصِّ نَاظِرُ الْوَقْفِ وَوَصِيُّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، فَإِذَا سَقَطَ الْجِدَارُ مَعَ وُجُودِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ ضَمِنَ وَصِيُّ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ فِي مَالِهِ، وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ مَالٌ وَضَمِنَ نَاظِرُ وَقْفٍ وَوَكِيلٌ خَاصٌّ مَعَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ حَيْثُ كَانَ لَهُ مَالٌ يَصْلُحُ مِنْهُ لِتَقْصِيرِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَأَمْكَنَهُمَا التَّسَلُّفُ عَلَى ذِمَّتِهِ وَهُوَ مَلِيءٌ وَتَرَكَا حَتَّى سَقَطَ ضَمِنَا فِيمَا يَظْهَرُ أَفَادَهُ (عب) . قَوْلُهُ: [فَيَضْمَنُ دِيَةَ الْأَسْنَانِ]: إنَّمَا لَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ لِتَعَدِّي الْعَاضِّ فِي الِابْتِدَاءِ. قَوْلُهُ: [لَمَّا عَضَّ رَجُلٌ آخَرَ]: أَيْ حِينَ عَضَّ رَجُلٌ رَجُلًا آخَرَ. وَقَوْلُهُ: «أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ»؟: الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّوْبِيخِ. وَقَوْلُهُ: «كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ»: الْمُرَادُ فَحْلُ الْإِبِلِ وَإِنَّمَا سَقَطَتْ الدِّيَةُ عَنْ
[ ٤ / ٥٠٦ ]
[ما أتلفته البهائم]
(أَوْ نَظَرَ لَهُ مِنْ كُوَّةٍ) طَاقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَبَابٍ (فَقَصَدَ عَيْنَهُ): بِأَنْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ قَاصِدًا قَلْعَ عَيْنِهِ فَقَلَعَهَا أَوْ أَذْهَبَ بَصَرَهَا فَيُقْتَصُّ مِنْهُ.
(وَإِلَّا) يَقْصِدْ قَلْعَ عَيْنِهِ بِأَنْ قَصَدَ الزَّجْرَ (فَلَا) قِصَاصَ بَلْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى الرَّاجِحِ. وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِرَمْيِ النَّاظِرِ مِنْ كُوَّةٍ خُرِّجَتْ مَخْرَجَ الزَّجْرِ أَوْ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦] الْآيَةَ.
(وَمَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهَائِمُ) مِنْ الزَّرْعِ وَالْحَوَائِطِ - مَأْكُولَةَ اللَّحْمِ أَمْ لَا - وَهِيَ غَيْرُ مَعْلُومَةِ الْعَدَاءِ وَلَمْ يَحْفَظْهَا رَبُّهَا بِرَبْطٍ أَوْ غَلْقِ بَابٍ (لَيْلًا): مَعْمُولُ " أَتْلَفَتْهُ " (فَعَلَى رَبِّهَا) ضَمَانُهُ. فَإِنْ عُرِفَتْ بِالْعَدَاءِ فَعَلَى رَبِّهَا وَلَوْ نَهَارًا حَيْثُ لَمْ يَحْفَظْهَا. فَإِنْ رَبَطَهَا رَبْطًا مُحْكَمًا أَوْ غَلَقَ الْبَابَ فَانْفَلَتَتْ فَلَا ضَمَانَ مُطْلَقًا.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] الْمَعْضُوضِ لِأَنَّ الظَّالِمَ أَحَقُّ بِالْحَمْلِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [فَقَصَدَ عَيْنَهُ]: أَيْ قَصَدَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ رَمْيَ عَيْنِ النَّاظِرِ لِقَلْعِهَا. قَوْلُهُ: [عَلَى الرَّاجِحِ]: أَيْ خِلَافًا لِبَهْرَامَ وَالتَّتَّائِيِّ أَيْ حَيْثُ قَالَا بِلُزُومِ الدِّيَةِ إنْ قَصَدَ بِالرَّمْيِ فَقْءَ عَيْنِهِ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الزَّجْرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَعَلَى الرَّاجِحِ إنْ ادَّعَى الْمَرْمِيُّ أَنَّ الرَّامِيَ قَصَدَ عَيْنَهُ وَادَّعَى الرَّامِي عَدَمَ قَصْدِهَا وَلَا بَيِّنَةَ وَلَا قَرِينَةَ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِدَعْوَى الرَّامِي لِأَنَّ الْقَصْدَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ بِالشَّكِّ وَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْعَضِّ تَرْجِيحُ كَلَامِ بَهْرَامَ وَالتَّتَّائِيِّ، وَقَدْ يُفَرَّقُ لِلرَّاجِحِ بِأَنَّ التَّعَدِّيَ بِالْعَضِّ أَعْظَمُ مِنْ التَّعَدِّي فِي النَّظَرِ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ]: أَيْ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ عَيْنَهُ هَدَرٌ لِتَعَدِّيهِ. قَوْلُهُ: [بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ [النحل: ١٢٦]]: أَيْ لِعُمُومِهَا. [مَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهَائِمُ] قَوْلُهُ: [مِنْ الزَّرْعِ وَالْحَوَائِطِ]: أَيْ وَأَمَّا لَوْ أَتْلَفَتْ غَيْرَهُمَا مِنْ مَالٍ أَوْ آدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَتْ عَادِيَةً ضَمِنَ رَبُّهَا مَا أَتْلَفَتْهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا حَيْثُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ عَادِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَلَوْ لَمْ يَرْبِطْهَا أَوْ يَغْلِقْ عَلَيْهَا وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مَعَهَا وَإِلَّا ضَمِنَ.
[ ٤ / ٥٠٧ ]
وَإِذَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ: فَعَلَيْهِ (وَإِنْ زَادَ) مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ زَرْعٍ (عَلَى قِيمَتِهَا) وَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَنْ يُسَلِّمَهَا فِيمَا أَتْلَفَتْهُ، فَلَيْسَتْ كَالْعَبْدِ الْجَانِي لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ.
(وَقُوِّمَ إنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ): بِأَنْ يُقَوَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، بِأَنْ يُقَالَ: مَا قِيمَتُهُ عَلَى تَقْدِيرِ سَلَامَتِهِ وَتَقْدِيرِ جَائِحَتِهِ؟ فَمَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ. فَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ حَتَّى عَادَ كَمَا كَانَ فَلَا شَيْءَ فِيهِ. فَلَوْ أَتْلَفَهُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ فَقِيمَتُهُ وَقْتَ إتْلَافِهِ.
(لَا) مَا أَتْلَفَهُ غَيْرُ الْعَادِيَةِ (نَهَارًا)، فَلَيْسَ عَلَى رَبِّهَا ضَمَانٌ بِشَرْطَيْنِ: (إنْ سَرَحَتْ بِبُعْدِ الْمَزَارِعِ) جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُظَنُّ وُصُولُهَا لِلزَّرْعِ فَاتَّفَقَ أَنَّهَا وَصَلَتْ؛ فَلَا ضَمَانَ. فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِهِ فَعَلَى رَبِّهَا الضَّمَانُ لَقِيمَةِ الزَّرْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَاعٍ) فِيهِ قُدْرَةٌ عَلَى حِفْظِهَا.
(وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ فِيهِ كِفَايَةٌ لِحِفْظِهَا (فَعَلَى الرَّاعِي) الضَّمَانُ لِلزَّرْعِ وَلَوْ صَبِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَمِّنْ عَلَى الْمُتْلِفِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قُدْرَةٌ عَلَى حِفْظِهَا فَالضَّمَانُ عَلَى رَبِّهَا.
وَهَذَا فِيمَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ. أَمَّا مِثْلُ الْحَمَامِ وَالنَّحْلِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّهِ وَعَلَى رَبِّ الزَّرْعِ حِفْظُهُ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ]: عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَيْسَتْ كَالْعَبْدِ. قَوْلُهُ: [فَمَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ]: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يُعْمَلُ بِهِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ حَكَمَ بِالْقِيمَةِ ثُمَّ عَادَ لِهَيْئَتِهِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَقَالَ مُطَرِّفٌ تَمْضِي الْقِيمَةُ لِرَبِّ الزَّرْعِ، وَقَالَ غَيْرُهُ تُرَدُّ وَالرَّاجِحُ قَوْلُ مُطَرِّفٍ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ نَقَلَهُ (بْن) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الزَّرْعَ عَلَى قَوْلِ مُطَرِّفٍ لِلْجَانِي. قَوْلُهُ: [عَلَى مَا تَقَدَّمَ]: أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي التَّقْوِيمِ بِأَنْ يُقَالَ مَا قِيمَتُهُ عَلَى تَقْدِيرِ سَلَامَتِهِ إلَخْ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَمِّنْ]: هَكَذَا بِالتَّشْدِيدِ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا فِيمَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ]: حَاصِلُ مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهَا وَلَا الْحِرَاسَةُ لَهَا كَحَمَامٍ وَنَحْوِهِ فَقِيلَ يُمْنَعُ أَرْبَابُهَا مِنْ
[ ٤ / ٥٠٨ ]
وَأَمَّا مَا أَتْلَفَتْهُ الدَّابَّةُ بِفِعْلِ شَخْصٍ فَعَلَى فَاعِلِهِ وَإِنْ سَقَطَ رَاكِبُهَا فَأَتْلَفَ مَالًا، فَفِي مَالِهِ وَغَيْرُ الْمَالِ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَمَا أَتْلَفَتْهُ بِذَنَبِهَا أَوْ أَتْلَفَهُ وَلَدُهَا فَهَدَرٌ.
كَأَنْ أَتْلَفَتْ مُمْسِكَهَا الْبَالِغَ الْحُرَّ، وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ أَمَرَهُمَا. وَإِنْ أَتْلَفَتْ بِغَيْرِ فِعْلٍ بَلْ بِسَيْرِهَا؛ كَحَجَرٍ أَطَارَتْهُ ضَمِنَ الْقَائِدُ أَوْ السَّائِقُ أَوْ الرَّاكِبُ - وَلَوْ حَصَلَ مِنْهُ إنْذَارٌ - لِأَنَّ مَنْ بِالطَّرِيقِ لَا يَلْزَمُهُ التَّنَحِّي، فَلَا يَنْفَعُ قَوْلُهُمْ: يَمِينُك شِمَالُك إذَا حَصَلَ تَلَفُ شَيْءٍ فَإِنْ اجْتَمَعُوا ضَمِنَ الْقَائِدُ وَالسَّائِقُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِعْلٌ مِنْ الرَّاكِبِ. فَإِنْ تَعَدَّدَ الرَّاكِبُ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُقَدَّمِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ عَلَى جَنْبِ الدَّابَّةِ اشْتَرَكَا. فَإِنْ حَصَلَ شَكٌّ هَلْ مِنْ الدَّابَّةِ أَوْ مِنْ الْفِعْلِ: فَهَدَرٌ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] اتِّخَاذِهَا إنْ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَرِوَايَةُ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ اتِّخَاذِهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَتْلَفَتْهُ، وَعَلَى أَرْبَابِ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ حِفْظُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ كِنَانَةَ وَأَصْبَغَ، وَصَوَّبَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَوَّلَ لِإِمْكَانِ اسْتِغْنَاءِ رَبِّهَا عَنْهَا وَضَرُورَةِ النَّاسِ لِلزَّرْعِ وَالشَّجَرِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَاعِدَةُ ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ]: أَيْ إنْ بَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَةِ الْجَانِي أَوْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [كَأَنْ أَتْلَفْت مُمْسِكَهَا] إلَخْ: هَذَا اخْتِصَارٌ مُخِلٌّ وَأَصْلُ الْعِبَارَةِ فِي (عب) فَإِنْ انْفَلَتَتْ دَابَّةٌ فَنَادَى رَبُّهَا رَجُلًا بِإِمْسَاكِهَا فَأَمْسَكَهَا أَوْ أَمَرَهُ بِسَقْيِهَا فَفَعَلَ فَقَتَلَتْهُ أَوْ قَطَعَتْ لَهُ عُضْوًا لَمْ يَضْمَنْ رَبُّهَا كَعَدَمِ ضَمَانِ رَاكِبٍ وَسَائِقٍ وَقَائِدٍ مَا حَصَلَ مِنْ فَلُوِّهَا يَعْنِي وَلَدَهَا، فَإِنْ نَادَى صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا بِإِمْسَاكِهَا أَوْ سَقْيِهَا فَأَتْلَفَتْهُ فَقِيمَةُ الْعَبْدِ، وَدِيَةُ الصَّبِيِّ عَلَى عَاقِلَةِ الْآمِرِ، كَنَاخِسِ دَابَّةٍ فَقَتَلَتْ رَجُلًا فَعَلَى عَاقِلَةِ النَّاخِسِ، فَإِنْ قَتَلَتْ رَجُلًا فِي مَسْكِ الصَّبِيِّ أَوْ الْعَبْدِ أَوْ أَمَرَهُمَا بِسَقْيِهَا فَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ وَلَا رُجُوعَ لَهُمْ عَلَى عَاقِلَةِ الْآمِرِ وَيُخَيَّرُ سَيِّدُ الْعَبْدِ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْآمِرِ وَبَيْنَ فِدَائِهِ بِدِيَةِ الْحُرِّ (اهـ) .
[ ٤ / ٥٠٩ ]