(وَفِي) الْجَعَالَةِ (الْفَاسِدَةِ) لِفَقْدِ شَرْطٍ (جُعْلُ الْمِثْلِ) إنْ تَمَّ الْعَمَلُ لَا أُجْرَتُهُ رَدًّا لَهُ إلَى صَحِيحِ نَفْسِهِ. فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَمَلُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. (إلَّا) أَنْ تَقَعَ الْجَعَالَةُ (بِجُعْلٍ مُطْلَقًا) تَمَّ الْعَمَلُ أَوْ لَمْ يَتِمَّ، كَأَنْ يَقُولَ لَهُ: إنْ أَتَيْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِهِ فَلَكَ كَذَا (فَأُجْرَتُهُ): أَيْ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ تَمَّ الْعَمَلُ أَمْ لَا لِخُرُوجِهَا حِينَئِذٍ عَنْ حَقِيقَتِهَا، لِأَنَّ سُنَّتَهَا أَنَّهُ لَا جُعْلَ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرْضِ وَلَمَّا كَانَ مَوَاتُ الْأَرْضِ يُشْبِهُ الشَّيْءَ الضَّائِعَ وَإِحْيَاؤُهُ يُشْبِهُ الْجَعَالَةَ أَتَى بِهِ بَعْدَ الْجَعَالَةِ فَقَالَ:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] التَّفْتِيشِ عَلَى عَبْدِهِ الْآبِقِ كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا أَتَى بِهِ أَمْ لَا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْآبِقِ إنْ كَانَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إلَّا بِالتَّمَامِ فَهُوَ جَعَالَةٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّفْتِيشِ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا أَتَى بِهِ أَمْ لَا فَهُوَ إجَارَةٌ، فَالْحَقُّ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مُطْلَقًا وَأَنَّ الْإِجَارَةَ أَعَمُّ. [الْجَعَالَةِ الْفَاسِدَةِ] قَوْلُهُ: [رَدًّا لَهُ إلَى صَحِيحِ نَفْسِهِ]: أَيْ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُسَمًّى وَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَمَلُ إلَخْ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا لِلْأَمْرَيْنِ. قَوْلُهُ: [هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ]: وَمُقَابِلُهُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ تَمَّ الْعَمَلُ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [لِخُرُوجِهَا حِينَئِذٍ عَنْ حَقِيقَتِهَا]: أَيْ وَمَتَى خَرَجَ عَنْ حَقِيقَةِ الْبَابِ كَانَ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ. تَتِمَّةٌ: لَوْ كَانَ الْجُعْلُ عَيْنًا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً مُعَيَّنَةً امْتَنَعَ وَلِلْجَاعِلِ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَيَغْرَمُ الْمِثْلَ إذَا حَصَلَ الْمُجَاعَلُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ مَوْزُونًا لَا يُخْشَى تَغَيُّرُهُ إلَى حُصُولِ الْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ أَوْ ثَوْبًا جَازَ وَيُوقَفُ، وَإِنْ خُشِيَ تَغَيُّرُهُ كَالْحَيَوَانِ امْتَنَعَ لِلْغَرَرِ كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخَرَشِيِّ نَقْلًا عَنْ اللَّخْمِيِّ. [بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرْضِ] قَوْلُهُ: [يُشْبِهُ الشَّيْءَ الضَّائِعَ]: أَيْ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِكُلٍّ، وَقَوْلُهُ وَإِحْيَاؤُهُ يُشْبِهُ الْجَعَالَةَ أَيْ مِنْ حَيْثُ تَحْصِيلُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
[ ٤ / ٨٥ ]
بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرْضِ أَيْ: فِي بَيَانِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَأَسْبَابِهِ وَأَحْكَامِهِ. وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِ الْمَوَاتِ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ
(مَوَاتُ الْأَرْضِ): أَيْ الْمَوَاتُ مِنْهَا (مَا سَلِمَ): أَيْ خَلَا (عَنْ اخْتِصَاصٍ بِإِحْيَاءٍ): لَهَا أَيْ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِسَبَبِ إحْيَاءٍ لَهَا بِشَيْءٍ مِمَّا يَأْتِي، فَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِاخْتِصَاصٍ. (وَمَلَكَهَا): أَيْ الْأَرْضَ، مَنْ أَحْيَاهَا (بِهِ): أَيْ بِإِحْيَائِهِ لَهَا (وَلَوْ انْدَرَسَتْ) بَعْدَ الْإِحْيَاءِ، فَانْدِرَاسُهَا بَعْدَ الْإِحْيَاءِ لَا يُزِيلُ مِلْكَهَا عَنْهُ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] بَابٌ: الْمَوَاتُ بِضَمِّ الْمِيمِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ الْمَوْتُ، وَبِفَتْحِهَا مَا لَا رُوحَ فِيهِ وَأَيْضًا هُوَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا (اهـ)، وَقَدْ عَلِمْت ضَبْطَ الْمَوَاتِ هُنَا بِأَنَّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَأَنَّهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ. قَوْلُهُ: [أَيْ فِي بَيَانِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]: الْمُرَادُ بَيَانُ الْحَقِيقَةِ فِي قَوْلِهِ مَا سَلِمَ عَنْ اخْتِصَاصٍ إلَخْ. وَقَوْلُهُ: [وَأَسْبَابِهِ]: أَيْ السَّبْعَةِ الْآتِيَةِ فِي قَوْلِهِ وَالْإِحْيَاءُ بِتَفْجِيرِ مَاءٍ إلَخْ. وَقَوْلُهُ: [وَأَحْكَامِهِ]: أَيْ مَسَائِلِهِ الَّتِي احْتَوَى عَلَيْهَا الْبَابُ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» . قَوْلُهُ: [أَيْ الْمَوَاتُ مِنْهَا]: أَشَارَ ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ عَلَى مَعْنًى مِنْ نَظِيرِ: بَابِ سَاجٍ. قَوْلُهُ: [مَا سَلِمَ]: مَا وَاقِعَةٌ عَلَى أَرْضٍ وَذَكَرَ الْفِعْلَ نَظَرًا لِلَفْظِ مَا. قَوْلُهُ: [وَمَلَكَهَا] إلَخْ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ قَصَدَ بِهَا بَيَانَ بَعْضِ أَحْكَامِ الْإِحْيَاءِ وَلَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ التَّعْرِيفِ. قَوْلُهُ: [لَا يُزِيلُ مِلْكَهَا عَنْهُ]: هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَالْمُنَاسِبُ لَا يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْهَا.
[ ٤ / ٨٧ ]
(إلَّا لِإِحْيَاءٍ مِنْ غَيْرِهِ) بَعْدَ انْدِرَاسِهَا لَا بِقُرْبِ الِانْدِرَاسِ بَلْ (بَعْدَ طُولٍ) يَرَى الْعُرْفُ أَنَّ مَنْ أَحْيَاهَا أَوَّلًا قَدْ أَعْرَضَ عَنْهَا، فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلثَّانِي وَلَا كَلَامَ لِلْأَوَّلِ؛ بِخِلَافِ إحْيَائِهَا بِقُرْبٍ. لَكِنْ إنْ عَمَرَهَا الثَّانِي جَاهِلًا بِالْأَوَّلِ فَلَهُ قِيمَةُ عِمَارَتِهِ قَائِمًا، لِلشُّبْهَةِ. وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَلَهُ قِيمَتُهَا مَنْقُوضًا. وَهَذَا مَا لَمْ يَسْكُتْ الْأَوَّلُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالثَّانِي بِلَا عُذْرٍ، وَإِلَّا كَانَ سُكُوتُهُ وَهُوَ حَاضِرٌ بِلَا عُذْرٍ دَلِيلًا عَلَى تَرْكِهَا لَهُ. وَقَوْلُنَا: " بَعْدَ طُولٍ " هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَقِيلَ: تَكُونُ لِلثَّانِي وَلَوْ لَمْ يَطُلْ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَيْهِ دَرَجَ الشَّيْخُ. وَقِيلَ: لَا تَكُونُ لِلثَّانِي أَبَدًا، بَلْ هِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ مَلَكَهَا بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَانْدَرَسَتْ، فَإِنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا كَلَامَ لِمَنْ أَحْيَاهَا اتِّفَاقًا، إلَّا لِحِيَازَةٍ بِشُرُوطِهَا كَمَا يَأْتِي. (أَوْ بِحَرِيمِ عِمَارَةٍ): عَطْفٌ عَلَى " بِإِحْيَاءٍ "، فَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ " لِأَنَّ الْحَرِيمَ سَبَبٌ فِي الِاخْتِصَاصِ كَالْإِحْيَاءِ: أَيْ مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِإِحْيَاءٍ أَوْ بِكَوْنِهِ حَرِيمًا لِعِمَارَةٍ لِبَلَدٍ أَوْ دَارٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ بِئْرٍ، فَلِكُلٍّ حَرِيمٌ يَخُصُّهُ. فَبَيَّنَ حَرِيمَ الْبَلَدِ بِقَوْلِهِ: (كَمُحْتَطَبٍ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ: الْمَكَانُ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْهُ الْحَطَبُ (وَمَرْعًى) مَحَلُّ رَعْيِ الدَّوَابِّ (لِبَلَدٍ) فَإِذَا عَمَرَ جَمَاعَةٌ بَلَدًا اخْتَصُّوا بِهِ وَبِحَرِيمِهِ، وَحَرِيمُهُ: مَا يُمْكِنُ الِاحْتِطَابُ مِنْهُ وَالرَّعْيُ فِيهِ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ مَعَ مُرَاعَاةِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [لَكِنْ إنْ عَمَرَهَا الثَّانِي] إلَخْ: اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْإِحْيَاءِ بِالْقُرْبِ وَالْمَعْنَى فَإِنْ أَحْيَا بِالْقُرْبِ فَلَا تَكُونُ لَهُ لَكِنْ إنْ عَمَرَهَا إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ لَا تَكُونُ لِلثَّانِي أَبَدًا]: أَيْ كَمَا هُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ، وَلِلثَّانِي قِيمَةُ الْبِنَاءِ قَائِمًا إنْ كَانَ جَاهِلًا لِلشُّبْهَةِ أَوْ مَنْقُوضًا إنْ كَانَ عَالِمًا. قَوْلُهُ: [كَمَا يَأْتِي]: أَيْ فِي آخِرِ بَابِ الشَّهَادَاتِ. قَوْلُهُ: [عَطْفٌ عَلَى بِإِحْيَاءٍ]: أَيْ فَهُوَ مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْرِيفِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَوَاتَ الْأَرْضِ مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْآتِيَةِ الَّتِي هِيَ: الْإِحْيَاءُ، وَحَرِيمُ الْعِمَارَةِ، وَإِقْطَاعُ الْإِمَامِ، وَحِمَاهُ. قَوْلُهُ: [لِبَلَدٍ]: مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْ مُحْتَطَبٍ وَمَرْعًى.
[ ٤ / ٨٨ ]
الْمَصْلَحَةِ
وَالِانْتِفَاعِ بِالْحَطَبِ وَحَلْبِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ غُدُوًّا وَرَوَاحًا فِي الْيَوْمِ، فَيَخْتَصُّونَ بِهِ. وَلَهُمْ مَنْعُ غَيْرِهِمْ مِنْهُ وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لِلْجَمِيعِ، وَمَنْ أَتَى مِنْهُمْ بِحَطَبٍ مِنْهُ أَوْ حَشِيشٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مَلَكَهُ وَحْدَهُ. نَعَمْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ مِنْهُ مَا شَاءَ لِمَنْ شَاءَ بِالنَّظَرِ كَمَا سَيَأْتِي. وَبَيَّنَ حَرِيمَ الْبِئْرِ بِقَوْلِهِ: (وَمَا يَضِيقُ عَلَى وَارِدٍ) لِشُرْبٍ أَوْ سَقْيٍ (وَيَضُرُّ بِمَاءٍ) لَوْ حُفِرَتْ بِئْرٌ أُخْرَى (لِبِئْرٍ) قَالَ عِيَاضٌ: حَرِيمُ الْبِئْرِ مَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي مِنْ حَقِّهَا أَنْ لَا يُحْدِثَ فِيهَا مَا يَضُرُّ بِهَا، لَا بَاطِنًا مِنْ حَفْرِ بِئْرٍ يُنَشِّفُ مَاءَهَا أَوْ يُذْهِبُهُ أَوْ يُغَيِّرُهُ بِطَرْحِ نَجَاسَةٍ يَصِلُ إلَيْهَا وَسَخُهَا. وَلَا ظَاهِرًا كَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ. وَبَيَّنَ حَرِيمَ الشَّجَرِ بِقَوْلِهِ: (وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ) عُرْفًا (لِشَجَرَةٍ) مِنْ نَخْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلِرَبِّهَا مَنْعُ مَنْ أَرَادَ إحْدَاثَ شَيْءٍ بِقُرْبِهَا يَضُرُّ بِهَا مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [غُدُوًّا وَرَوَاحًا]: رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مِنْ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ عَلَى سَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ. وَقَوْلُهُ: [فِي الْيَوْمِ]: ظَرْفٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاحْتِطَابِ وَالْمَرْعَى وَمَا بَعْدَهُمَا وَيُقَدَّرُ بِأَقْصَرِ الْأَيَّامِ عَلَى الظَّاهِرِ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ]: أَيْ فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُحْيِيَهُ بِعِمَارَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَهُمْ مَنْعُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَمَا سَيَقُولُ. قَوْلُهُ: [مَلَكَهُ وَحْدَهُ]: لِأَنَّ مَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ يَكُونُ لَهُ. قَوْلُهُ: [لِبِئْرٍ]: مُتَعَلِّقٌ بِ يَضِيقُ وَيَضُرُّ وَمِثْلُ الْبِئْرِ فِي الْحَرِيمِ النَّهْرُ فَحَرِيمُهُ مَا يَضِيقُ عَلَى وَارِدٍ أَوْ يَضُرُّ بِمَائِهِ وَقِيلَ حَرِيمُ النَّهْرِ أَلْفَا ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَقَدْ وَقَعَتْ الْفَتْوَى قَدِيمًا بِهَدْمِ مَا بُنِيَ بِشَاطِئِ النَّهْرِ وَحُرْمَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ إنْ كَانَ مَسْجِدًا كَمَا فِي الْمَدْخَلِ وَغَيْرِهِ، وَنَقَلَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ عَنْ سَحْنُونَ وَأَصْبَغَ وَمُطَرِّفٍ أَنَّ الْبَحْرَ إذَا انْكَشَفَ عَنْ أَرْضٍ وَانْتَقَلَ عَنْهَا فَإِنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا كَانَ الْبَحْرُ لَا لِمَنْ يَلِيهِ وَلَا لِمَنْ دَخَلَ الْبَحْرُ أَرْضَهُ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ إنَّهَا تَكُونُ لِمَنْ يَلِيهِ وَعَلَيْهِ حَمْدِيسٌ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءُ عَلَى هَذَا. خِلَافًا لِقَوْلِ سَحْنُونَ وَمَنْ مَعَهُ كَمَا يُفِيدُهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْعَدَوِيِّ.
[ ٤ / ٨٩ ]
وَبَيَّنَ حَرِيمَ الدَّارِ غَيْرِ الْمَحْفُوفَةِ بِالدُّورِ بِقَوْلِهِ: (وَمَطْرَحُ تُرَابٍ وَمَصَبُّ مِيزَابٍ لِدَارٍ): فَحَرِيمُهَا مَا يَرْتَفِقُ أَهْلُهَا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَهُمْ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ إحْدَاثَ شَيْءٍ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ الْحَرِيمِ. (وَلَا تَخْتَصُّ) دَارٌ (مَحْفُوفَةٌ بِأَمْلَاكٍ بِحَرِيمٍ) . (وَلِكُلٍّ) مِنْ أَرْبَابِ الدُّورِ الْمُتَجَاوِرَةِ (الِانْتِفَاعُ) بِالزُّقَاقِ الْمُتَّسِعِ أَوْ الرَّحْبَةِ بَيْنَهُمْ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِغَيْرِهِ) مِنْ الْجِيرَانِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ. (أَوْ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ) عَطْفٌ عَلَى " إحْيَاءٍ " أَيْ: مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ تِلْكَ الْأَرْضَ لِأَحَدٍ أَوْ لِجَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ مَعْمُورِ الْعَنْوَةِ، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي. فَإِذَا أَقْطَعَ الْإِمَامُ أَرْضًا لِأَحَدٍ مَلَكَهَا - أَيْ كَانَتْ مِلْكًا لَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْمُرْهَا بِشَيْءٍ مِمَّا يَأْتِي - فَلَهُ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَتُورَثُ عَنْهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِحْيَاءِ بَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ. وَهَلْ الْإِرْثُ يَحْتَاجُ لِحِيَازَةٍ أَوْ لَا؟ وَرُجِّحَ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَمَصَبِّ مِيزَابٍ]: أَيْ وَنَحْوِهِ كَمِرْحَاضٍ. قَوْلُهُ: [فَلَهُمْ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا بَنَى جَمَاعَةٌ بَلَدًا فِي الْفَيَافِي مَثَلًا فَمَا كَانَ مُجَاوِرًا لِلدَّارِ فَهُوَ حَرِيمٌ لَهَا يَخْتَصُّ بِهَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِحَيْثُ يُطْرَحُ فِيهِ التُّرَابُ وَيُصَبُّ فِيهِ مَاءُ الْمِيزَابِ أَوْ مَاءُ الْمِرْحَاضِ. قَوْلُهُ: [عَطْفٌ عَلَى إحْيَاءٍ]: أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْرِيفِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ عَطْفٌ عَلَى بِحَرِيمٍ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِأَوْ. قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ مَعْمُورِ الْعَنْوَةِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا هُوَ فَإِنَّهُ لَا يُقْطِعُهُ الْإِمَامُ مِلْكًا بَلْ إمْتَاعًا. قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِحْيَاءِ]: أَيْ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ بِأُمُورٍ سَبْعَةٍ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا. قَوْلُهُ: [بَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ]: أَيْ عَنْ مُعَاوَضَةٍ، وَعَنْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْإِحْيَاءِ. قَوْلُهُ: [وَرَجَّحَ]: أَيْ عَدَمَ احْتِيَاجِهِ لِحِيَازَةٍ وَعَلَيْهِ لَوْ مَاتَ الْمَقْطُوعُ لَهُ قَبْلَ حَوْزِهِ اسْتَحَقَّهُ وَارِثُهُ.
[ ٤ / ٩٠ ]
وَلَوْ اقْتَطَعَهُ الْإِمَامُ لِأَحَدٍ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا أَوْ كُلَّ عَامٍ كَذَا، عُمِلَ بِهِ، وَكَانَ الْمَأْخُوذُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْإِمَامُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ لِمَا اقْتَطَعَهُ، وَإِنْ مَلَكَهُ الْمَقْطُوعُ لَهُ بِاقْتِطَاعِهِ. (وَلَا يُقْطِعُ) الْإِمَامُ (مَعْمُورَ) أَرْضِ (الْعَنْوَةِ) وَأَرْضُ الْعَنْوَةِ كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ - أَيْ: الصَّالِحَةُ لِزَرْعِ الْحَبِّ مِلْكًا لِأَنَّهَا وَقْفٌ كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ يُقْطِعُهَا إمْتَاعًا وَانْتِفَاعًا. وَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ لِزَرْعِ الْحَبِّ وَإِنْ صَلَحَ لِغَرْسِ الشَّجَرِ وَلَيْسَ مِنْ الْعَقَارِ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَوَاتِ، يُقْطِعُهُ مِلْكًا وَانْتِفَاعًا.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَإِنْ مَلَّكَهُ الْمَقْطُوعُ لَهُ]: أَيْ فَيُلْغَزُ بِهَا فَيُقَالُ شَخْصٌ جَعَلَ لَهُ الشَّارِعُ أَصَالَةً أَنْ يُمَلِّكَ غَيْرَهُ مَا لَا مِلْكَ فِيهِ لِنَفْسِهِ. قَوْلُهُ: [الْعَنْوَةِ]: أَيْ الَّتِي فُتِحَتْ قَهْرًا. قَوْلُهُ: [كَمَا تَقَدَّمَ]: أَيْ فِي الْجِهَادِ. قَالَ خَلِيلٌ وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ. قَوْلُهُ: [وَانْتِفَاعًا]: عَطْفُ تَفْسِيرٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا اقْتَطَعَهُ الْإِمَامُ مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ إنْ كَانَ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ انْحَلَّ عَنْهُ بِمَوْتِهِ وَاحْتَاجَ لِإِقْطَاعٍ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ لِشَخْصٍ وَذُرِّيَّتِهِ وَعَقِبِهِ اسْتَحَقَّتْهُ ذُرِّيَّتُهُ بَعْدَهُ الْأُنْثَى كَالذَّكَرِ إلَّا لِبَيَانِ تَفْضِيلٍ كَالْوَقْفِ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي الِالْتِزَامِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَنَا بِمِصْرَ أَوْ غَيْرِهَا هَلْ هُوَ مِنْ الْإِقْطَاعِ فَلِلْمُلْتَزِمِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْأُجْرَةِ الْمَعْلُومَةِ عِنْدَهُمْ عَلَى الْفَلَّاحِينَ مَا شَاءَ وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ مَنْ سَبَقَ، أَوْ لَيْسَ مِنْ الْإِقْطَاعِ وَإِنَّمَا الْمُلْتَزِمُ جَابٍ عَلَى الْفَلَّاحِينَ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُ زِيَادَةٌ وَلَا تَنْقِيصٌ لِمَا ضُرِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ السُّلْطَانِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِجَارَةِ فِي شَيْءٍ كَذَا فِي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ لِزَرْعِ الْحَبِّ] إلَخْ: أَيْ كَأَرْضِ الْجِبَالِ وَالرِّمَالِ وَالتِّلَالِ. قَوْلُهُ: [يُقْطِعُهُ مِلْكًا وَانْتِفَاعًا]: أَيْ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِلْكًا بِحَيْثُ يُورَثُ عَنْ الْمَقْطُوعِ لَهُ أَوْ انْتِفَاعًا فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ إلَّا الِانْتِفَاعُ وَلَا يَمْلِكُ الذَّاتَ فَعَطْفُ الِانْتِفَاعِ عَلَى الْمِلْكِ مُغَايِرٌ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إلَّا لِزِرَاعَةِ الْحَبِّ لَا يُقْطِعُهَا الْإِمَامُ إلَّا انْتِفَاعًا وَمِثْلُهَا عَقَارُ الْكُفَّارِ، وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ تَصَرُّفٌ فِيهَا بِوَجْهٍ، وَأَمَّا
[ ٤ / ٩١ ]
وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَلَا يُقْطِعُهَا الْإِمَامُ لِأَحَدٍ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِأَرْبَابِهَا. (أَوْ بِحِمَاهُ): أَيْ وَمَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِحِمَى الْإِمَامِ لَهُ (مُحْتَاجًا) أَيْ أَرْضًا مُحْتَاجًا (إلَيْهِ) لَا إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْحِمَى (قَلَّ) الْمَحْمِيُّ لَا إنْ كَثُرَ. وَالْقَلِيلُ: مَا لَا يُضَيَّقُ فِيهِ عَلَى النَّاسِ (مِنْ بَلَدٍ عَفَا): أَيْ خَلَا عَنْ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ. لَا لِنَفْسِهِ؛ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِيَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ احْتَاجَ، بَلْ يَحْمِي مَا قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا. (لِكَغَزْوٍ): أَيْ لِدَوَابِّ الْغُزَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِثْلُ الْإِمَامِ فِي الْحِمَى نَائِبُهُ. وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ بِخِلَافِ الْإِقْطَاعِ فَلَيْسَ لِنَائِبِ السُّلْطَانِ إقْطَاعٌ إلَّا بِإِذْنٍ. وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْإِقْطَاعَ يَحْصُلُ بِهِ التَّمْلِيكُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِذْنِ بِخِلَافِ الْحِمَى - بِالْقَصْرِ لَيْسَ إلَّا - وَقِيلَ: يَجُوزُ مَدُّهُ وَهُوَ يَائِيُّ اللَّامِ مِنْ حَمَيْت. وَتَثْنِيَتُهُ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] أَرْضُ الْعَنْوَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِزِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَأَرْضُ الْفَيَافِي وَالْجِبَالِ وَالْأَرْضُ الَّتِي اُنْجُلِيَ عَنْهَا فَيُقْطِعُهَا الْإِمَامُ عَلَى مَا يُرِيدُ مِلْكًا وَانْتِفَاعًا. قَوْلُهُ: [مُطْلَقًا]: أَيْ لَا مِلْكًا وَلَا انْتِفَاعًا سَوَاءٌ أَسْلَمَ أَهْلُهَا أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [أَوْ بِحِمَاهُ]: عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِإِقْطَاعٍ وَبِهِ التَّعْرِيفُ. قَوْلُهُ: [بِحِمَى الْإِمَامِ لَهُ]: أَصْلُ الْحِمَى عِنْدَ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الرَّئِيسَ، مِنْهُمْ إذَا نَزَلَ بِأَرْضٍ مُخْصَبَةٍ يَسْتَعْوِي كَلْبًا بِمَحَلٍّ عَالٍ فَحَيْثُ يَنْتَهِي إلَيْهِ صَوْتُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَمَاهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَرْعَى غَيْرُهُ فِيهِ مَعَهُ، وَيَرْعَى هُوَ فِي غَيْرِهِ مَعَ غَيْرِهِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا وَإِنَّمَا الشَّرْعِيُّ يَكُونُ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ أَفَادَهَا الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: [مِنْ بَلَدٍ]: أَيْ أَرْضٍ. قَوْلُهُ: [لَا لِنَفْسِهِ]: دُخُولٌ عَلَى قَوْلِهِ لِكَغَزْوٍ وَالْأَوْضَحُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِيَكُونَ مُحْتَرِزًا لَهُ. قَوْلُهُ: [نَائِبُهُ]: أَيْ الْمُفَوَّضُ لَهُ لَا قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ أَيْ فِي الْحِمَى بِالْخُصُوصِ. قَوْلُهُ: [إلَّا بِإِذْنٍ]: أَيْ خَاصٍّ. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْحِمَى]: أَيْ فَفِيهِ امْتِنَاعٌ فَقَطْ. قَوْلُهُ: [بِالْقَصْرِ]: أَيْ بِمَعْنَى الْمَحْمِيِّ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ.
[ ٤ / ٩٢ ]
[الإحياء يكون بأحد أمور سبعة]
حِمَيَانِ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الِاخْتِصَاصَ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ: مَا كَانَ بِإِحْيَاءٍ، وَالثَّانِي: مَا كَانَ حَرِيمًا لِبَلَدٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ دَارٍ، وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ، وَالرَّابِعُ: مَا كَانَ بِحِمَاهُ.
(وَالْإِحْيَاءُ) يَكُونُ بِأَحَدِ أُمُورٍ سَبْعَةٍ: الْأَوَّلُ: (بِتَفْجِيرِ مَاءٍ) لِبِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ فَتُمْلَكُ بِهِ، وَكَذَا تُمْلَكُ الْأَرْضُ الَّتِي تُزْرَعُ بِهَا. (وَ) الثَّانِي: (بِإِزَالَتِهِ): أَيْ الْمَاءِ مِنْهَا حَيْثُ كَانَتْ الْأَرْضُ غَامِرَةً بِالْمَاءِ. (وَ) الثَّالِثُ: (بِبِنَاءٍ) بِأَرْضٍ. (وَ) الرَّابِعُ: بِسَبَبِ (غَرْسٍ) لِشَجَرٍ بِهَا. (وَ) الْخَامِسُ: بِسَبَبِ (تَحْرِيكِ أَرْضٍ) بِحَرْثِهَا وَنَحْوِهِ. (وَ) السَّادِسُ: يَكُونُ بِسَبَبِ (قَطْعِ شَجَرٍ) بِهَا بِنِيَّةِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا. (وَ) السَّابِعُ: بِسَبَبِ (كَسْرِ حَجَرِهَا مَعَ تَسْوِيَتِهَا) أَيْ الْأَرْضِ.
(لَا) يَكُونُ الْإِحْيَاءُ (بِتَحْوِيطٍ) لِلْأَرْضِ بِنَحْوِ خَطٍّ عَلَيْهَا (وَ) لَا (رَعْيِ كَلَإٍ) بِهَا (وَ) لَا (حَفْرِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ) بِهَا (إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ الْمِلْكِيَّةَ) حِينَ حَفَرَهَا. فَإِنْ بَيَّنَهَا فَإِحْيَاءٌ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَقَدْ عَلِمْت]: أَيْ مِنْ التَّعْرِيفِ الْمُتَقَدِّمِ. [الْإِحْيَاءُ يَكُونُ بِأَحَدِ أُمُورٍ سَبْعَةٍ] قَوْلُهُ: [لِبِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ]: أَيْ كَأَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا أَوْ يَفْتُقُ عَيْنًا فِي أَرْضِ الْفَيَافِي. قَوْلُهُ: [غَامِرَةً بِالْمَاءِ]: أَيْ يَبْقَى عَلَيْهَا الْمَاءُ صَيْفًا وَشِتَاءً فَتُحِيلُ فِي زَوَالِهِ وَصَارَ مُتَمَكَّنًا مِنْ مَنَافِعِ تِلْكَ الْأَرْضِ. قَوْلُهُ: [بِبِنَاءٍ بِأَرْضٍ] إلَخْ: اُخْتُلِفَ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ بِالْأَرْضِ عِظَمُ الْمُؤْنَةِ أَوْ لَا فَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، وَفِي الْجَوَاهِرِ اشْتِرَاطُهُ وَاعْتَمَدَهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [لَا يَكُونُ الْإِحْيَاءُ بِتَحْوِيطٍ لِلْأَرْضِ] إلَخْ: السَّبْعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مُتَّفَقٌ عَلَى كَوْنِهَا إحْيَاءً، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ إحْيَاءً، وَانْظُرْ لَوْ فَعَلَ فِي الْأَرْضِ تِلْكَ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ جَمِيعَهَا هَلْ يَكُونُ إحْيَاءً لَهَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ كُلِّ
[ ٤ / ٩٣ ]
[إذن الإمام في الإحياء]
(وَافْتَقَرَ) الْإِحْيَاءُ (إنْ قَرُبَ) لَلْعُمْرَانِ - بِأَنْ كَانَ حَرِيمَ بَلْدَةٍ - قَالَ الْحَطَّابُ: وَالْقَرِيبُ هُوَ حَرِيمُ الْعِمَارَةِ مِمَّا يَلْحَقُونَهُ غُدُوًّا وَرَوَاحًا. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَحَدُّ الْبَعِيدِ مِنْ الْعُمْرَانِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَيْهِ مَسْرَحُ الْعُمْرَانِ وَاحْتِطَابُ الْمُحْتَطِبِينَ إذَا رَجَعُوا إلَى الْمَبِيتِ فِي مَوَاضِعِهِمْ، (لِإِذْنٍ) مِنْ الْإِمَامِ. وَلَا يَأْذَنُ إلَّا لِمُسْلِمٍ لَا ذِمِّيٍّ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَوْلُ الْبَاجِيِّ: لَوْ قِيلَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَبْعُدْ، ضَعِيفٌ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ تَعَدَّى الْمُسْلِمُ وَأَحْيَا فِيمَا قَرُبَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ (فَلِلْإِمَامِ إمْضَاؤُهُ) لَهُ فَيَمْلِكُهُ (وَجَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا) فَيَرُدُّهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَيُعْطِيهِ قِيمَةَ غَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ أَوْ حَفْرِهِ مَنْقُوضًا لِتَعَدِّيهِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِيمَا أَغَلَّهُ فِيمَا مَضَى، نَظَرًا إلَى أَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي الْجُمْلَةِ.
(بِخِلَافِ الْبَعِيدِ) مِنْ الْعُمْرَانِ بِأَنْ خَرَجَ عَنْ حَرِيمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فَلَا يَفْتَقِرُ لِإِذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ، وَمَا أَحْيَاهُ فَهُوَ لَهُ (وَلَوْ ذِمِّيًّا) حَيْثُ كَانَ إحْيَاؤُهُ فِي الْبَعِيدِ (بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ): وَهِيَ أَرْضُ الْحِجَازِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ وَمَا وَالَاهَا
_________________
(١) [حاشية الصاوي] وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ لَا يَحْصُلُ بِهَا إحْيَاءٌ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُهَا كَذَلِكَ لِقُوَّةِ الْهَيْئَةِ الْمُجْتَمِعَةِ عَنْ حَالَةِ الِانْفِرَادِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَمُقْتَضَى مَا فِي الْحَاشِيَةِ أَنْ يَكُونَ إحْيَاءً. [إذْنِ الْإِمَامِ فِي الْإِحْيَاءُ] قَوْلُهُ: [وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ] إلَخْ: مَآلُ الْقَوْلَيْنِ وَاحِدٌ فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: [مَسْرَحُ الْعُمْرَانِ]: أَيْ أَهْلُهُ عَلَى حَدِّ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . قَوْلُهُ: [وَقَوْلُ الْبَاجِيِّ]: مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ خَبَرٌ وَمَا بَيْنَهُمَا مَقُولُ الْقَوْلِ. قَوْلُهُ: [إلَى أَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي الْجُمْلَةِ]: أَيْ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ. قَوْلُهُ: [بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ]: اعْلَمْ أَنَّ الْجَزِيرَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْجَزْرِ الَّذِي هُوَ الْقَطْعُ وَمِنْهُ الْجَزَّارُ لِقَطْعِهِ الْحَيَوَانَ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ وَسَطَهَا إلَى أَجْنَابِهَا لِأَنَّ الْبَحْرَ مُحِيطٌ بِهَا مِنْ جِهَاتِهَا الثَّلَاثِ الَّتِي هِيَ الْمَغْرِبُ وَالْجَنُوبُ وَالْمَشْرِقُ، فَفِي مَغْرِبِهَا بَحْرُ جُدَّةَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً وَيُسَمَّى بِالْقُلْزُمِ، وَبَحْرِ السُّوَيْسِ، وَفِي جَنُوبِهَا بَحْرُ الْهِنْدِ وَفِي مَشْرِقِهَا خَلِيجُ عُمَانَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَأَمَّا عَمَّانُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ فَهِيَ قَرْيَةٌ بِنَاحِيَةِ الشَّامِ.
[ ٤ / ٩٤ ]
كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ. فَقَوْلُهُ: " بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ "، قَيْدٌ فِي الذِّمِّيِّ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ سُكْنَى فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ سُكْنَى] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ» . تَتِمَّةٌ: إنْ سَالَ مَطَرٌ بِأَرْضٍ مُبَاحَةٍ سُقِيَ الْأَقْرَبُ إلَيْهَا إنْ تَقَدَّمَ فِي الْإِحْيَاءِ أَوْ تَسَاوَيَا حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ الْكَعْبَ ثُمَّ يُرْسَلَ لِلْأُخْرَى عَلَى التَّرْتِيبِ، وَأُمِرَ بِالتَّسْوِيَةِ لِلْأَرْضِ إنْ أَمْكَنَ. أَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ التَّسْوِيَةُ فَيُسْقَى الْأَعْلَى وَحْدَهُ وَالْأَسْفَلُ وَحْدَهُ وَإِنْ اسْتَوَتْ نِسْبَةُ الْأَرْضِ الَّتِي حَوْلَ الْمَاءِ قُرْبًا وَبُعْدًا قُسِمَ بِقِلْدٍ وَنَحْوِهِ كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ وَأَجْرَوْا مَاءً لِأَرْضِهِمْ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالْقِلْدِ وَنَحْوِهِ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ لِلتَّشَاحُحِ فِي السَّبْقِ وَلَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ بَيْنَ مَاءِ النِّيلِ وَالْمَطَرِ وَالْعُيُونِ.
[ ٤ / ٩٥ ]