[تعريف القراض]
وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ: أَنَّ فِيهِ قَسْمَ الرِّبْحِ بَيْنَ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ وَنَوْعَ شَرِكَةٍ قَبْلَ الْقَسْمِ. وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ: مَأْخُوذٌ مِنْ الْقَرْضِ وَهُوَ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ قَطَعَ لِلْعَامِلِ قِطْعَةً مِنْ مَالِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِقِطْعَةٍ مِنْ الرِّبْحِ. وَيُسَمَّى مُضَارَبَةً أَيْضًا. وَعَرَّفَهُ بِقَوْلِهِ:
(الْقِرَاضُ) الصَّحِيحُ عُرْفًا:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [بَابٌ فِي الْقِرَاضِ وَأَحْكَامِهِ] [تَعْرِيف الْقِرَاض] قَوْلُهُ: [وَنَوْعُ شَرِكَةٍ]: عَطْفٌ عَلَى قَسَمٍ. قَوْلُهُ: [مِنْ الْقَرْضِ]: أَيْ بِفَتْحِ الْقَافِ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْقَطْعُ]: وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقَرْضِ: وَهُوَ مَا يُجَازَى عَلَيْهِ الرَّجُلُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَرِضَيْنِ قَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى مَنْفَعَةِ الْآخَرِ، فَهُوَ مُقَارَضَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَيُسَمَّى مُضَارَبَةً أَيْضًا]: أَيْ عِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل: ٢٠] الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مَالَهُ عَلَى الْخُرُوجِ بِهِ إلَى الشَّامِ وَغَيْرِهَا فَيَبْتَاعُ الْمَتَاعَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهُ الْمُصْطَفَى - ﵊ - فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ إلَيْهِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى التَّنْمِيَةِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مُسْتَثْنًى لِلضَّرُورَةِ مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ. قَوْلُهُ: [الصَّحِيحُ]: دَفَعَ بِهِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ يَشْمَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ؛ لِأَنَّ شَأْنَ التَّعَارِيفِ أَنْ تَكُونَ لِلْمَاهِيَّاتِ صَحِيحِهَا وَفَاسِدِهَا، فَأَفَادَ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لِخُصُوصِ الصَّحِيحِ. قَوْلُهُ: [عُرْفًا]: أَيْ وَأَمَّا لُغَةً فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: مَأْخُوذٌ مِنْ الْقَرْضِ إلَخْ.
[ ٣ / ٦٨١ ]
(دَفْعُ مَالِكٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ. (مَالًا) مَفْعُولُهُ (مِنْ نَقْدٍ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، خَرَجَ بِهِ الْعَرْضُ (مَضْرُوبٍ) أَيْ مَسْكُوكٍ، وَخَرَجَ التِّبْرُ وَالنِّقَارُ مِنْهُمَا (مُسَلَّمٍ) مِنْ الْمَالِكِ، لَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ مُحَالٍ بِهِ عَلَى أَحَدٍ (مَعْلُومٍ) قَدْرًا وَصِفَةً لَا مَجْهُولٍ، (لِمَنْ): مُتَعَلِّقٌ: بِ " دَفْعُ ": أَيْ دَفَعَهُ لِعَامِلٍ (يَتَّجِرُ بِهِ) . وَالتَّجْرُ: التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِتَحْصِيلِ رِبْحٍ.
(بِجُزْءٍ): أَيْ فِي نَظِيرِ جُزْءٍ شَائِعٍ (مَعْلُومٍ) كَرُبْعٍ أَوْ نِصْفٍ لَا مَجْهُولٍ (مِنْ رِبْحِهِ): أَيْ مِنْ رِبْحِ ذَلِكَ الْمَالِ الْمَدْفُوعِ، لَا مِنْ رِبْحِ غَيْرِهِ، وَلَا بِقَدْرٍ مَخْصُوصٍ؛ كَعَشْرَةِ دَنَانِيرَ مِنْ رِبْحِهِ (قَلَّ) ذَلِكَ الْجُزْءُ كَعُشْرٍ (أَوْ كَثُرَ) كَنِصْفٍ أَوْ أَكْثَرَ، (بِصِيغَةٍ) دَالَّةٍ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَبِرِضَى الْآخَرِ. وَلَا يُشْتَرَطُ اللَّفْظُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَلِذَا عَبَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي تَعْرِيفِهِ بِإِجَارَةٍ حَيْثُ قَالَ:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [خَرَجَ بِهِ الْعَرْضُ]: أَيْ وَمِنْهُ الْفُلُوسُ الْجُدُدُ فَلَا تَكُونُ رَأْسَ مَالٍ. قَوْلُهُ: [مَضْرُوبٍ]: كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ مُتَعَامَلٌ بِهِ لِيَخْرُجَ الْمَضْرُوبُ الَّذِي لَا يُتَعَامَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الْمَضْرُوبِ كَمَا أَفَادَهُ زَرُّوقٌ. لَكِنْ قَالَ (ح): لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ فَلِذَلِكَ شَارِحُنَا تَرَكَ زِيَادَةَ هَذَا الْقَيْدِ. قَوْلُهُ: [لَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ]: أَيْ عَلَى الْعَامِلِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: اتَّجِرْ فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك وَالرِّبْحُ بَيْنِي وَبَيْنَك، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ فِي الرَّهْنِ أَوْ الْوَدِيعَةِ الَّتِي عِنْدَ الْعَامِلِ مَا لَمْ يُقْبِضْ الدَّيْنُ لِرَبِّ الْمَالِ وَيُسَلِّمْهُ لِلْعَامِلِ أَوْ يُحْضِرْهُ وَيُشْهِدْ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [أَوْ مُحَالٍ بِهِ]: أَيْ كَمَا إذَا قَالَ لَهُ اقْبِضْ الدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلَى فُلَانٍ وَاتَّجِرْ فِيهِ، فَمُرَادُهُ بِالْحَوَالَةِ التَّوْكِيلُ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى الْغَيْرِ، وَإِلَّا فَالْحَوَالَةُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهَا لَا تَصِحُّ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَأْخُذُهُ الْمُحَالُ لِنَفْسِهِ مِلْكًا. قَوْلُهُ: [مَعْلُومٍ قَدْرًا وَصِفَةً]: أَيْ فَيُشْتَرَطُ عِلْمُ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِهِ يُؤَدِّي لِلْجَهْلِ بِالرِّبْحِ. وَيَجُوزُ بِالنَّقْدِ الْمَوْصُوفِ بِمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ كَانَ مَغْشُوشًا. قَوْلُهُ: [كَعَشْرَةِ دَنَانِيرَ]: أَيْ إلَّا أَنْ يَنْسُبَهَا لِقَدْرٍ سَمَّاهُ مِنْ الرِّبْحِ، كَ: لَك عَشْرَةٌ إنْ كَانَ الرِّبْحُ مِائَةً فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعُشْرِ.
[ ٣ / ٦٨٢ ]
إجَارَةٌ عَلَى التَّجْرِ فِي مَالٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ، وَعَبَّرَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: تَوْكِيلٌ عَلَى تَجْرٍ فِي نَقْدٍ إلَخْ، إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ بَلْ لِكُلٍّ الْفَسْخُ قَبْلَ الْعَمَلِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُنَا: " دَفْعُ " قَدْ يُشِيرُ لِذَلِكَ مَعَ إخْرَاجِ الدَّيْنِ ابْتِدَاءً، وَإِنْ كَانَ لَا يُخْرِجُ الدَّيْنَ صَرِيحًا إلَّا بِقَوْلِهِ: " مُسَلَّمٍ ".
ثُمَّ ذَكَرَ مُحْتَرَزَ بَعْضِ الْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ. فَذَكَرَ مُحْتَرَزَ " نَقْدٍ " بِقَوْلِهِ: (لَا بِعَرْضٍ) كَعَبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ، وَكَذَا مِثْلِيٌّ غَيْرُ نَقْدٍ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالِ قِرَاضٍ، وَلَوْ بِبِلَادٍ لَا يُوجَدُ فِيهَا النَّقْدُ كَالسُّودَانِ وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ قِيمَتِهِ رَأْسَ مَالٍ. فَإِنْ قَالَ لَهُ: بِعْهُ وَاجْعَلْ ثَمَنَهُ رَأْسَ مَالٍ فَسَيَأْتِي النَّصُّ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ مُحْتَرَزٌ " مَضْرُوبٍ " بِقَوْلِهِ: (وَلَا تِبْرٍ) وَلَا نِقَارِ فِضَّةٍ وَلَا سَبِيكَةٍ مِنْهُمَا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالِ قِرَاضٍ (إلَّا أَنْ يُتَعَامَلَ بِهِ): أَيْ بِالتِّبْرِ وَنَحْوِهِ (فَقَطْ) وَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُمْ مَسْكُوكٌ يُتَعَامَلُ بِهِ (بِبَلَدِهِ): أَيْ فِي بَلَدِ الْقِرَاضِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ. وَمَفْهُومُ: " فَقَطْ " أَنَّهُ إنْ وُجِدَ مَسْكُوكٌ يُتَعَامَلُ بِهِ عِنْدَهُمْ أَيْضًا
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [قَدْ يُشِيرُ لِذَلِكَ]: أَيْ لِمَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّلَفُّظِ وَاللُّزُومِ حَيْثُ عَبَّرَ بِدَفْعٍ. قَوْلُهُ: [مَعَ إخْرَاجِ الدَّيْنِ]: أَيْ بِلَفْظِ دَفْعٍ. قَوْلُهُ: [الْقُيُودُ الْمَذْكُورَةُ]: أَيْ وَهِيَ ثَمَانٍ: نَقْدٌ مَضْرُوبٌ مُسَلَّمٌ مَعْلُومٌ لِمَنْ يَتَّجِرُ بِهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ رِبْحِهِ بِصِيغَةٍ. قَوْلُهُ: [لَا بِعَرْضٍ]: هَذَا مُحْتَرَزُ أَوَّلِ الْقُيُودِ. قَوْلُهُ: [طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ]: تَعْمِيمٌ فِي الْمِثْلِيِّ غَيْرِ النَّقْدِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمِثْلِيَّ مَا ضَبَطَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ أَوْ عَدَدٌ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِبِلَادٍ لَا يُوجَدُ فِيهَا]: أَيْ لِأَنَّ الْقِرَاضَ رُخْصَةٌ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَا وَرَدَ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [فَسَيَأْتِي النَّصُّ عَلَيْهِ]: أَيْ فِي قَوْلِهِ، وَإِنْ وَكَّلَهُ عَلَى خَلَاصِ دَيْنٍ إلَخْ.
[ ٣ / ٦٨٣ ]
لَمْ يَجُزْ التِّبْرُ وَنَحْوَهُ لِوُجُودِ الْأَصْلِ. (كَفُلُوسٍ): أَيْ الْجُدُدُ النُّحَاسُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قِرَاضًا وَلَوْ تُعُومِلَ بِهَا، وَلَوْ فِي الْمُحَقَّرَاتِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ رُخْصَةٌ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَا وَرَدَ وَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ الْمَنْعِ. وَذَكَرَ مُحْتَرَزَ: " مُسَلَّمٍ " بِقَوْلِهِ: (وَلَا بِدَيْنٍ وَ) لَا (بِرَهْنٍ وَ) لَا (وَدِيعَةٍ) عِنْدَ الْعَامِلِ أَوْ غَيْرِهِ كَأَمِينٍ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ قِرَاضًا، أَمَّا الدَّيْنُ فَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ أَخَّرَهُ لِيَزِيدَهُ فِيهِ، وَأَمَّا الرَّهْنُ الْوَدِيعَةُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَهَا فَصَارَتْ عَلَيْهِ دَيْنًا (انْتَهَى) وَكَلَامُنَا فِي الْمَضْرُوبِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَ مَا عِنْدَهُ مِنْ رَهْنٍ مَسْكُوكٍ أَوْ وَدِيعَةٍ، ثُمَّ تَوَاطَآ عَلَى التَّأْخِيرِ بِزِيَادَةٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ تَحْتَ يَدِ الْعَامِلِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ فَقِيلَ: عِلَّةُ الْمَنْعِ انْتِفَاعُ رَبِّ الْمَالِ الرَّهْنِ أَوْ الْوَدِيعَةِ لِتَخَلُّصِهِمَا مِنْ الْأَمِينِ. وَلَا شَكَّ أَنَّهَا عِلَّةٌ ضَعِيفَةٌ فَقَوْلُ الشَّيْخِ: وَلَوْ بِيَدِهِ، صَوَابُهُ قَلْبُ الْمُبَالَغَةِ - كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ - بِأَنْ يَقُولَ: وَلَوْ بِيَدِ غَيْرِهِ، وَاعْتِرَاضُهُمْ عَلَى ابْنِ غَازِيٍّ مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ، فَتَدَبَّرْ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَلَوْ تُعُومِلَ بِهَا]: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا. قَوْلُهُ: [يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَا وَرَدَ]: فِي (بْن) . قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالظَّاهِرُ فِي نَحْوِ هَذَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا حَتَّى يَمْتَنِعَ بِغَيْرِهَا حَيْثُ انْفَرَدَ التَّعَامُلُ بِهِ، بَلْ هِيَ مَقْصُودَةٌ مِنْ حَيْثُ التَّنْمِيَةُ. قَوْلُهُ: [عَلَى أَنَّهُ أَخَّرَهُ]: أَيْ فَيَكُونُ رِبًا. قَوْلُهُ: [أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَهَا]: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ أَوْ الْمُودَعَةِ. قَوْلُهُ: [الرَّهْنُ أَوْ الْوَدِيعَةُ]: بَدَلٌ مِنْ الْمَالِ. قَوْلُهُ: [وَاعْتِرَاضُهُمْ عَلَى ابْنِ غَازِيٍّ] إلَخْ: أَيْ فَقَدْ اعْتَرَضَ شُرَّاحُ خَلِيلٍ عَلَى ابْنِ غَازِيٍّ حَيْثُ اعْتَرَضَ عَلَى خَلِيلٍ فِي الْمُبَالَغَةِ بِالْوَجْهِ الَّذِي قَالَهُ شَارِحُنَا، فَوَجَّهُوا كَلَامَ خَلِيلٍ بِأَنَّ انْتِفَاعَ رَبِّ الْمَالِ بِتَخْلِيصِ الْعَامِلِ الرَّهْنَ أَوْ الْوَدِيعَةَ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ، وَأَمَّا احْتِمَالُ اتِّفَاقِ الْعَيْنِ إنْ كَانَتْ تَحْتَ يَدِ الْعَامِلِ فَأَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ فَالْمُبَالَغَةُ عَلَيْهِ صَحِيحَةٌ، وَكَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ تَحَامُلٌ، فَوَجَّهَ شَارِحُنَا كَلَامَ ابْنِ غَازِيٍّ بِمَا عَلِمْت.
[ ٣ / ٦٨٤ ]
(وَ) لَوْ وَقَعَ الْقِرَاضُ بِدَيْنٍ عَلَى الْعَامِلِ، بِأَنْ قَالَ رَبُّهُ: اجْعَلْ مَا عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ قِرَاضًا عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَنَا كَذَا (اسْتَمَرَّ) الدَّيْنُ (دَيْنًا) عَلَى الْعَامِلِ يَضْمَنُهُ لِرَبِّهِ وَيَخْتَصُّ الْعَامِلُ بِالرِّبْحِ وَعَلَيْهِ الْخُسْرُ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا وَقَعَ مِنْهُمَا (إلَّا أَنْ يُقْبَضَ) الدَّيْنُ: بِأَنْ يَقْبِضَهُ رَبُّهُ مِنْ الْمَدِينِ ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَى أَنَّهُ قِرَاضٌ وَلَوْ بِالْقُرْبِ (أَوْ يُحْضَرَ) لِرَبِّهِ. (وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ) بِعَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ: عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَالَ الَّذِي أَحْضَرَ هُوَ مَا عَلَيَّ مِنْ دَيْنٍ لِفُلَانٍ، ثُمَّ يَدْفَعُهُ لَهُ رَبُّهُ قِرَاضًا، فَيَجُوزُ. وَكَذَا الرَّهْنُ الْوَدِيعَةُ إذَا قُبِضَا أَوْ أُحْضِرَا مَعَ الْإِشْهَادِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهُمَا قِرَاضًا بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ عَلَى الدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُقْبَضَا وَلَمْ يُحْضَرَا وَقَالَ رَبُّهُمَا لَهُ: اتَّجِرْ بِمَا عِنْدَك مِنْ رَهْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَنَا كَذَا قِرَاضًا، فَالرِّبْحُ لِرَبِّهِمَا وَعَلَيْهِ الْخُسْرُ وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ. وَمَا مَرَّ فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ أَنَّ الْمُودَعَ بِالْفَتْحِ إذَا اتَّجَرَ فِي الْوَدِيعَةِ فَالرِّبْحُ لَهُ وَالْخَسَارَةُ عَلَيْهِ، فَذَاكَ فِيمَا إذَا اتَّجَرَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا، وَهُنَا أَذِنَ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَلَا عِبْرَةَ بِمَا وَقَعَ مِنْهُمَا]: أَيْ لَا يُعْتَبَرُ عَقْدُ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا. قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَقْبِضَ الدَّيْنَ]: أَيْ وَلَوْ بِغَيْرِ إشْهَادٍ. قَوْلُهُ: [أَنَّ هَذَا الْمَالَ الَّذِي أَحْضَرَ]: أَيْ مَعَ عِلْمِ الشُّهُودِ بِقَدْرِهِ، وَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ بِهَذَا الْإِحْضَارِ مِنْ الذِّمَّةِ إلَى الْأَمَانَةِ. قَوْلُهُ: [بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ عَلَى الدَّيْنِ]: أَيْ لِأَنَّ الْقَبْضَ أَوْ الْإِحْضَارَ وَالْإِشْهَادَ كَافٍ فِي الدَّيْنِ مَعَ أَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ، فَكِفَايَةُ مَا ذَكَرَ فِيمَا لَيْسَ فِي الذِّمَّةِ أَوْلَى، فَهُوَ قِيَاسٌ أَحْرَوِيٌّ. قَوْلُهُ: [فَالرِّبْحُ لِرَبِّهِمَا] إلَخْ: إنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ تِجَارَتِهِ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالرَّهْنِ الْوَدِيعَةِ، حَيْثُ جَعَلْتُمْ الرِّبْحَ وَالْخُسْرَ لِلْعَامِلِ فِي الْأَوَّلِ وَلِرَبِّ الْمَالِ فِي الثَّانِي؟ قُلْتُ: إنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ ذِمَّةِ الْعَامِلِ وَمَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لَهُ الْغُنْمُ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِمَا عَدَمُ الضَّمَانِ لِمَنْ هُمَا بِيَدِهِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [وَمَا مَرَّ فِي الْوَدِيعَةِ]: أَيْ فَلَا يُنَافِي مَا هُنَا؛ لِأَنَّ مَا مَرَّ صَارَتْ دَيْنًا حَيْثُ اتَّجَرَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُ التِّجَارَةِ فِي الدَّيْنِ.
[ ٣ / ٦٨٥ ]
[القراض الفاسد]
لَهُ عَلَى طَرِيقِ الْقِرَاضِ. وَهَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ، وَالرَّهْنُ أَوْ الْوَدِيعَةُ تَحْتَ يَدِهِ.
فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِهِ وَالرَّهْنُ أَوْ الْوَدِيعَةُ بِيَدِ أَمِينٍ، فَأَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ وَكَّلَهُ): أَيْ وَكَّلَ الْعَامِلَ (عَلَى خَلَاصِ دَيْنٍ) ثُمَّ يَعْمَلُ فِيهِ قِرَاضًا، وَكَذَا عَلَى خَلَاصِ رَهْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ عِنْدَ أَمِينٍ (أَوْ) عَلَى (بَيْعِ عَرْضٍ عِنْدَهُ) أَوْ دَفْعِهِ (أَوْ) عَلَى بَيْعِهِ (بَعْدَ شِرَائِهِ، أَوْ) وَكَّلَهُ عَلَى (صَرْفٍ) بِأَنْ دَفَعَ لَهُ ذَهَبًا لِيَصْرِفَهُ بِفِضَّةٍ أَوْ عَكْسَهُ (ثُمَّ يَعْمَلُ) فِي ثَمَنِ الْعَرْضِ أَوْ فِيمَا صَرَفَهُ قِرَاضًا فَقِرَاضٌ فَاسِدٌ.
وَإِذَا كَانَ قِرَاضًا فَاسِدًا: (فَلَهُ): أَيْ لِلْعَامِلِ (أَجْرُ مِثْلِهِ فِي تَوَلِّيهِ) مَا ذُكِرَ مِنْ التَّخْلِيصِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ الصَّرْفِ فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ، رَبِحَ الْعَامِلُ أَوْ لَمْ يَرْبَحْ. وَكَذَا فِي التِّبْرِ وَالْفُلُوسِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ. (وَ) لَهُ (قِرَاضُ مِثْلِهِ فِي رِبْحِهِ): أَيْ رِبْحِ الْمَالِ فَإِنْ رَبِحَ أُعْطِيَ مِنْهُ قِرَاضَ مِثْلِهِ. وَإِنْ لَمْ يَرْبَحْ فَلَا شَيْءَ لَهُ لَا فِي ذِمَّةِ رَبِّهِ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [الْقِرَاضُ الْفَاسِدِ] قَوْلُهُ [أَوْ عَلَى بَيْعِ عَرْضٍ عِنْدَهُ]: أَيْ عِنْدَ الْعَامِلِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ دَفَعَهُ لَهُ أَيْ دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ الْعُرُوضَ لِلْعَامِلِ مُوَكِّلًا لَهُ عَلَى بَيْعِهَا، وَقَوْلُهُ: أَوْ عَلَى بَيْعِهِ بَعْدَ شِرَائِهِ أَيْ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عُرُوضٍ، ثُمَّ وَكَّلَهُ عَلَى بَيْعِهَا وَيَتَّجِرُ فِي ثَمَنِهَا. قَوْلُهُ: [مِنْ التَّخْلِيصِ]: رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ عَلَى خَلَاصِ دَيْنٍ. وَقَوْلُهُ أَوْ الْبَيْعِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " أَوْ عَلَى بَيْعِ عَرْضٍ عِنْدَهُ " إلَخْ. وَقَوْلُهُ: [أَوْ الصَّرْفِ]: رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " أَوْ صَرْفٍ " فَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ. قَوْلُهُ: [وَكَذَا فِي التِّبْرِ وَالْفُلُوسِ]: أَيْ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي صَرْفِ التِّبْرِ إنْ دَفَعَ لَهُ تِبْرًا وَأَمَرَهُ أَنْ يُبْدِلَهُ بِمَسْكُوكٍ وَقَوْلُهُ: " وَالْفُلُوسِ " أَيْ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي إبْدَالِ الْفُلُوسِ بِعَيْنٍ مَسْكُوكَةٍ. قَوْلُهُ: [لَا فِي ذِمَّةِ رَبِّهِ]: صَوَابُهُ حَذْفُ لَا أَوْ يَزِيدُ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا فِي ذِمَّةِ رَبِّهِ وَلَا فِي الْمَالِ، فَتَدَبَّرْ. قَوْلُهُ: [وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ]: أَيْ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي تَوْلِيَةِ الشِّرَاءِ، وَقِرَاضِ مِثْلِهِ فِي الرِّبْحِ الْحَاصِلِ فِي التِّجَارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ الْمَسَائِلِ أَيْ التِّسْعِ
[ ٣ / ٦٨٦ ]
[ما يمنع من القراض وما فيه قراض المثل]
مَا لَوْ دَفَعَ لَهُ مَالًا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ سِلْعَةَ فُلَانٍ ثُمَّ يَعْمَلَ فِيهَا قِرَاضًا.
ثُمَّ شُبِّهَ بِمَا يُمْنَعُ، وَفِيهِ - إنْ وَقَعَ - قِرَاضُ الْمِثْلِ قَوْلُهُ: (كَلَكَ شِرْكٌ): أَيْ كَمَا لَا يَجُوزُ؛ وَإِنْ وَقَعَ فَفِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ مَا إذَا انْتَفَى عِلْمُ الْجُزْءِ لِلْعَامِلِ، بِأَنْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ وَلَك فِي الرِّبْحِ شِرْكٌ (وَلَا عَادَةَ) الْوَاوُ وَاوُ الْحَالِ: أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا عَادَةَ بَيْنَهُمْ تُعَيِّنُ قَدْرَ الْجُزْءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ عَادَةٌ تُعَيِّنُ إطْلَاقَ الشِّرْكِ عَلَى النِّصْفِ مَثَلًا عَمِلَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: وَالرِّبْحُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَنَا، أَوْ شَرِكَةٌ، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ لَهُ النِّصْفَ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ التَّسَاوِيَ عُرْفًا، بِخِلَافِ: لَك شِرْكٌ فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ لَك جُزْءٌ.
(أَوْ مُبْهَمٍ) بِالْجَرِّ نَعْتٌ لِمُقَدَّرٍ مَجْرُورٍ بِالْكَافِ: أَيْ وَكَقِرَاضٍ مُبْهَمٍ بِأَنْ قَالَ: اعْمَلْ فِيهِ قِرَاضًا، وَأَطْلَقَ، فَإِنَّهُ فَاسِدٌ، وَفِيهِ بَعْدَ الْعَمَلِ قِرَاضُ الْمِثْلِ فِي الرِّبْحِ. وَكَذَا إذَا أَبْهَمَ الْجُزْءَ كَأَنْ قَالَ: وَلَك جُزْءٌ مِنْ رِبْحِهِ أَوْ شَيْءٌ مِنْ رِبْحِهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَادَةٌ تُعَيِّنَ الْمُرَادَ بِمَا ذَكَرَ كَشِرْكٍ.
(أَوْ) قِرَاضٍ (أُجِّلَ) فِيهِ الْعَمَلُ ابْتِدَاءً أَوْ انْتِهَاءً كَاعْمَلْ فِيهِ سَنَةً مِنْ الْآنَ، أَوْ: إذَا جَاءَ الْوَقْتُ الْفُلَانِيُّ فَاعْمَلْ فِيهِ، فَفَاسِدٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْجِيرِ الْمُنَافِي لِسُنَّةِ الْقِرَاضِ، وَفِيهِ - إنْ عَمِلَ - قِرَاضُ الْمِثْلِ.
(أَوْ) قِرَاضٍ (ضُمِّنَ) لِلْعَامِلِ بِضَمِّ الضَّادِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ: أَيْ شُرِطَ فِيهِ عَلَى
_________________
(١) [حاشية الصاوي] الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ وَتُضَمُّ لَهَا هَذِهِ فَتَكُونُ عَشْرًا، وَإِنَّمَا فَسَدَتْ تِلْكَ الْعَشْرُ لِاخْتِلَالِ بَعْضِ الشُّرُوطِ مِنْهَا تَأَمَّلْ. [مَا يَمْنَع مِنْ الْقِرَاض وَمَا فِيهِ قِرَاض الْمِثْل] قَوْلُهُ: [كَلَكَ شِرْكٌ]: إنَّمَا كَانَ فِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ النِّصْفَ وَالْأَقَلَّ وَالْأَكْثَرَ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا كَمَا سَيُوَضِّحُهُ الشَّارِحُ فِي آخِرِ الْعِبَارَةِ. قَوْلُهُ: [أُجِّلَ فِيهِ الْعَمَلُ ابْتِدَاءً]: أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: اعْمَلْ فِيهِ الصَّيْفَ أَوْ فِي مَوْسِمِ الْعِيدِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ فَإِنَّهُ فَاسِدٌ وَفِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. وَذَلِكَ لِشِدَّةِ التَّحْجِيرِ فِي هَذَا دُونَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ كُلَّمَا اشْتَدَّ التَّحْجِيرُ قَوِيَ الْفَسَادُ وَحَيْثُ قَوِيَ الْفَسَادُ خَرَجَ عَنْ الْقِرَاضِ بِالْمَرَّةِ.
(٢) قَوْلُهُ: [ضُمِّنَ لِلْعَامِلِ]: أَيْ شَرَطَ عَلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ الضَّمَانَ، وَأَمَّا لَوْ تَطَوَّعَ الْعَامِلُ بِالضَّمَانِ فَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ الْقِرَاضِ وَعَدَمِهَا خِلَافٌ، وَأَمَّا إنْ دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ
[ ٣ / ٦٨٧ ]
الْعَامِلِ ضَمَانُ رَأْسِ الْمَالِ إذَا أُتْلِفَ أَوْ ضَاعَ بِلَا تَفْرِيطٍ فَفَاسِدٌ. وَلَا يَعْمَلُ بِالشَّرْطِ، وَفِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ فِي الرِّبْحِ إنْ عَمِلَ.
(أَوْ) قِرَاضٌ قَالَ فِيهِ لِلْعَامِلِ: (اشْتَرِ) السِّلَعَ (بِدَيْنٍ) فِي ذِمَّتِك. ثُمَّ انْتَقَدَ أَيْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ (فَخَالَفَ) الْعَامِلُ وَاشْتَرَى بِنَقْدٍ، فَفِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فَاسِدٌ، وَقَدْ نَقَدَ مَالَ رَبِّ الْمَالِ حَالًّا، فَالسِّلَعُ لِرَبِّ الْمَالِ وَلِلْعَامِلِ قِرَاضُ مِثْلِهِ فِي الرِّبْحِ، فَقَوْلُنَا: " فَخَالَفَ " قَيْدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ زِدْنَاهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ بِأَنْ اشْتَرَى بِدَيْنٍ كَمَا شَرَطَ فِيهِ، فَالرِّبْحُ لَهُ وَالْخَسَارَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ صَارَ قَرْضًا فِي ذِمَّتِهِ. وَكَذَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِنَقْدٍ فَاشْتَرَى بِدَيْنٍ. وَأَمَّا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الشِّرَاءَ بِنَقْدٍ فَاشْتَرَى بِهِ كَمَا شَرَطَ فَالْجَوَازُ ظَاهِرٌ. فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ.
(أَوْ) شَرَطَ عَلَيْهِ (مَا يَقِلُّ وُجُودُهُ): أَيْ مَا يُوجَدُ تَارَةً وَيُعْدَمُ أُخْرَى، فَفَاسِدٌ وَفِيهِ - إنْ عَمِلَ - قِرَاضُ الْمِثْلِ فِي الرِّبْحِ، وَسَوَاءٌ خَالَفَ وَاشْتَرَى غَيْرَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ قَالَ الْمَوَّاقُ: وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَارِضَ رَجُلًا عَلَى أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا الْبَزَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَيَجُوزُ ثُمَّ لَا يَعْدُوهُ إلَى غَيْرِهِ - الْبَاجِيُّ. فَإِنْ كَانَ يَتَعَذَّرُ لِقِلَّتِهِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ نَزَلَ فُسِخَ (انْتَهَى) أَيْ: فَإِنْ فَاتَ بِالْعَمَلِ فَفِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَا يُوجَدُ دَائِمًا - إلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ وُجُودُهُ - فَصَحِيحٌ وَلَا ضَرَرَ فِي اشْتِرَاطِهِ.
ثُمَّ شَبَّهَ بِمَا فِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ قَوْلُهُ: (كَاخْتِلَافِهِمَا): أَيْ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ (فِي) قَدْرِ (الرِّبْحِ بَعْدَ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] الْمَالَ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِضَامِنٍ يَضْمَنُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَعَدِّيهِ فَلَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ جَائِزٌ، وَأَمَّا إنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِضَامِنٍ يَضْمَنُهُ مُطْلَقًا، تَعَدَّى فِي التَّلَفِ أَمْ لَا فَسَدَ الْقِرَاضُ وَلَوْ كَانَ الضَّمَانُ بِالْوَجْهِ وَلَا يَلْزَمُ، كَمَا أَفْتَى بِهِ الْأُجْهُورِيُّ. قَوْلُهُ [فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ]: أَيْ فَالصُّورَةُ الْأُولَى: فِيهَا قِرَاضُ الْمِثْلِ وَالْخَسَارَةُ عَلَى الْعَامِلِ لِتَعَدِّيهِ بِدَفْعِ الْمَالِ بَعْدَ مَنْعِ رَبِّهِ، وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ: الرِّبْحُ لِلْعَامِلِ وَالْخُسْرُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ، وَالرَّابِعَةُ: الْقِرَاضُ صَحِيحٌ وَالرِّبْحُ عَلَى مَا دَخَلَا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ [إلَّا الْبَزَّ]: بِالْبَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ الْقُمَاشُ.
[ ٣ / ٦٨٨ ]
الْعَمَلِ وَادَّعَيَا): أَيْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا (مَا لَا يُشْبِهُ) الْعَادَةَ، كَأَنْ يَقُولَ رَبُّ الْمَالِ: جَعَلْت لَك سُدُسَ الرِّبْحِ، وَيَقُولَ الْعَامِلُ: الثُّلُثَيْنِ، وَكَانَتْ عَادَةُ النَّاسِ الثُّلُثَ أَوْ النِّصْفَ فَيَرُدَّانِ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ، فَإِنْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالشَّبَهِ فَالْقَوْلُ لَهُ.
(فَإِنْ أَشْبَهَا) مَعًا (فَقَوْلُ الْعَامِلِ): أَيْ الْقَوْلُ لَهُ لِتَرَجُّحِ جَانِبِهِ بِالْعَمَلِ. وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الْعَمَلِ، فَسَيَأْتِي أَنَّ الْقَوْلَ لِرَبِّهِ مُطْلَقًا.
(وَفِي فَاسِدٍ غَيْرِهِ): أَيْ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمَسَائِلِ: (أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي الذِّمَّةِ): أَيْ ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ رَبِحَ الْعَامِلُ أَوْ لَمْ يَرْبَحْ، بِخِلَافِ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّ فِيهَا قِرَاضَ الْمِثْلِ فِي الرِّبْحِ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ رِبْحٌ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ. وَيَفْتَرِقَانِ أَيْضًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى: وَهِيَ أَنَّ مَا فِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ يُفْسَخُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَيَفُوتُ بِالْعَمَلِ وَمَا فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ يُفْسَخُ مَتَى اُطُّلِعَ عَلَيْهِ وَلَهُ أُجْرَةُ مَا عَمِلَ:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [أَيْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا مَا لَا يُشْبِهُ]: أَيْ جُزْءًا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ جُزْءَ قِرَاضٍ. قَوْلُهُ: [فَالْقَوْلُ لَهُ]: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ ظَاهِرُ عِبَارَاتِهِمْ بِدُونِ يَمِينٍ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [فَسَيَأْتِي أَنَّ الْقَوْلَ لِرَبِّهِ مُطْلَقًا]: أَيْ أَشْبَهَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مُنْحَلٌّ قَبْلَ الْعَمَلِ. قَوْلُهُ: [أَيْ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمَسَائِلِ]: أَيْ السَّبْعِ، وَتُضَمُّ لَهَا الْمَسَائِلُ الْعَشْرُ الَّتِي تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ قِرَاضُ الْمِثْلِ فِي الرِّبْحِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي التَّوْلِيَةِ. قَوْلُهُ: [وَيَفْتَرِقَانِ أَيْضًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى]: أَيْ وَيَفْتَرِقَانِ أَيْضًا مِنْ جِهَةٍ ثَالِثَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ الْغُرَمَاءِ إذَا وَجَبَ لَهُ قِرَاضُ الْمِثْلِ وَأُسْوَتُهُمْ إذَا وَجَبَ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ الْفَسَادُ بِاشْتِرَاطِ عَمَلِ يَدِهِ، كَأَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخِيطَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ صَانِعٌ. وَهَلْ أَحَقِّيَّتُهُ بِهِ فِيمَا يُقَابِلُ الصَّنْعَةَ فَقَطْ أَوْ فِيهِ وَفِيمَا يُقَابِلُ عَمَلَ الْقِرَاضِ؟ قَوْلَانِ، وَمُقَابِلُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ أَيْضًا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ إذَا كَانَ الْمَالُ بِيَدِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ أُجْرَةَ مِثْلِهِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
[ ٣ / ٦٨٩ ]
ثُمَّ ذَكَرَ أَمْثِلَةً فَاسِدَةً غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا لِلْعَامِلِ فِيهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ بِقَوْلِهِ: (كَاشْتِرَاطِ يَدِهِ): أَيْ يَدِ رَبِّ الْمَالِ مَعَ الْعَامِلِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْقِرَاضِ، فَفَاسِدٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْجِيرِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
(أَوْ) اشْتِرَاطِ (مُشَاوَرَتِهِ): أَيْ مُشَاوَرَةِ رَبِّ الْمَالِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَفَاسِدٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْجِيرِ، وَفِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
(أَوْ) اشْتِرَاطِ (أَمِينٍ عَلَيْهِ): أَيْ عَلَى الْعَامِلِ أَوْ اشْتِرَاطٍ (كَخِيَاطَةٍ) لِثِيَابِ التِّجَارَةِ (أَوْ خَرْزٍ) لِجُلُودِهَا مِنْ كُلِّ عَمَلٍ فِي سِلَعِهَا عَلَى الْعَامِلِ.
(أَوْ) اشْتِرَاطِ (تَعْيِينِ مَحَلٍّ) لِلتَّجْرِ لَا يَتَعَدَّاهُ لِغَيْرِهِ (أَوْ) اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ (زَمَنٍ) لَهُ لَا يُتَاجِرُ فِي غَيْرِهِ (أَوْ) تَعْيِينِ (شَخْصٍ لِلشِّرَاءِ) مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَشْتَرِي شَيْئًا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ الْبَيْعِ لَهُ بِحَيْثُ لَا يَبِيعُ سِلْعَةً لِغَيْرِهِ فَيَفْسُدُ الْقِرَاضُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِلتَّحْجِيرِ الْمُخَالِفِ لِسُنَّةِ الْقِرَاضِ. وَانْظُرْ بَقِيَّةَ الْمَسَائِلِ فِي ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [أَمْثِلَةً فَاسِدَةً غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ]: وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عَنْ حَقِيقَةِ الْقِرَاضِ مِنْ أَصْلِهَا فَفِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَأَمَّا إنْ شَمَلَهَا الْقِرَاضُ لَكِنْ اخْتَلَّ مِنْهَا شَرْطٌ فَفِيهَا قِرَاضُ الْمِثْلِ. قَوْلُهُ: [أَوْ اشْتِرَاطِ أَمِينٍ عَلَيْهِ]: أَيْ بِخِلَافِ اشْتِرَاطِ رَبِّ الْمَالِ عَمَلَ غُلَامٍ غَيْرِ عَيْنٍ أَيْ رَقِيبٍ عَلَى الْعَامِلِ بِنَصِيبٍ لِلْغُلَامِ مِنْ الرِّبْحِ، أَوْ بِغَيْرِ شَيْءٍ أَصْلًا فَجَائِزٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ النَّصِيبُ لِلسَّيِّدِ أَوْ كَانَ الْغُلَامُ رَقِيبًا فَفَاسِدٌ وَفِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. قَوْلُهُ: [مِنْ كُلِّ عَمَلٍ]: بَيَانٌ لِمَدْخُولِ الْكَافِ وَالْمَعْنَى مِنْ كُلِّ عَمَلٍ غَيْرِ لَازِمٍ لِلْعَامِلِ، وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ اشْتِرَاطٌ كَالنَّشْرِ وَالطَّيِّ الْخَفِيفَيْنِ. قَوْلُهُ: [عَلَى الْعَامِلِ]: مُتَعَلِّقٌ بِ " اشْتِرَاطٍ " وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لِعَمَلٍ؛ لِأَنَّهُ فَاسِدٌ. قَوْلُهُ: [أَوْ اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ مَحَلٍّ]: أَيْ كَقَوْلِهِ: لَا تَتَّجِرُ إلَّا فِي خُصُوصِ الْبَلْدَةِ الْفُلَانِيَّةِ؛ أَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ: اتَّجِرْ فِي الْقُطْرِ الْفُلَانِيِّ وَلَا تَخْرُجْ مِنْهُ فَلَا يَضُرُّ. قَوْلُهُ: [لَا يَتَجَارُّ]: هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلَّفِ بِأَلِفٍ بَعْدَ الْجِيمِ ثُمَّ رَاءٍ بَعْدَهَا، وَالصَّوَابُ حَذْفُ الْأَلِفِ. قَوْلُهُ: [وَانْظُرْ بَقِيَّةَ الْمَسَائِلِ فِي ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ]: مِنْهَا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ
[ ٣ / ٦٩٠ ]
[التزامات العامل وضمان العامل ومخالفته]
(وَعَلَيْهِ): أَيْ الْعَامِلِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ. (كَالنَّشْرِ وَالطَّيِّ) لِلثِّيَابِ وَنَحْوِهَا (الْخَفِيفَيْنِ) لَا الْكَثِيرَيْنِ مِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ.
(وَ) عَلَيْهِ (الْأَجْرُ) مِنْ مَالِهِ (إنْ اسْتَأْجَرَ) عَلَى ذَلِكَ لَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَلَا مِنْ الرِّبْحِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى) إنْسَانٌ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَفَائِهِ (فَقَالَ) لِغَيْرِهِ: أَنَا (اشْتَرَيْت) سِلْعَةً بِكَذَا (فَأَعْطِنِي) الثَّمَنَ لِأَنْقُدَهُ لِرَبِّهَا، وَرِبْحُهَا بَيْنَنَا مُنَاصَفَةً مِثْلًا، فَدَفَعَهُ لَهُ (فَقَرْضٌ) فَاسِدٌ لَا قِرَاضٌ؛ فَيَجِبُ رَدُّهُ لِرَبِّهِ فَوْرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَى وَجْهٍ مَعْرُوفٍ. فَإِنْ نَقَدَهُ فِي السِّلْعَةِ فَالرِّبْحُ لِلْعَامِلِ وَحْدَهُ وَالْخُسْرُ عَلَيْهِ.
(بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُخْبِرْ) رَبَّ الْمَالِ بِالشِّرَاءِ بَلْ قَالَ لَهُ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَاهَا: ادْفَعْ لِي عَشْرَةً مَثَلًا عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا كَذَا (فَيَجُوزُ): وَيَكُونُ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] مُشَارَكَةَ غَيْرِهِ فِي مَالِ الْقِرَاضِ أَوْ يَخْلِطَ بِمَالِهِ أَوْ مَالِ قِرَاضٍ عِنْدَهُ أَوْ يُبْضِعَ بِمَالِ الْقِرَاضِ أَيْ يُرْسِلَهُ أَوْ بَعْضَهُ مَعَ غَيْرِهِ لِيَشْتَرِيَ بِهِ مَا يَتَّجِرُ الْعَامِلُ بِهِ. أَوْ أَنْ يَزْرَعَ بِمَالِ الْقِرَاضِ حَيْثُ جُعِلَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ زَادَهَا رَبُّ الْمَالِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَهُ فِي الزَّرْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْمَلَ بِيَدِهِ فَلَا يُمْنَعُ، أَوْ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَى بَلَدِ كَذَا، فَهَذِهِ سِتُّ مَسَائِلَ تُضَمُّ لِلثَّمَانِي الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ، الْعَقْدُ فِيهَا فَاسِدٌ لِخُرُوجِهَا عَنْ حَقِيقَةِ الْقِرَاضِ، وَفِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ بَعْدَ الْعَمَلِ. [الْتِزَامَات الْعَامِل وضمان الْعَامِل ومخالفته] قَوْلُهُ: [كَالنَّشْرِ وَالطَّيِّ]: دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ النَّقْلُ الْخَفِيفُ فَيَلْزَمُهُ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ فَمِنْ مَالِهِ. قَوْلُهُ: [لَا الْكَثِيرِينَ مِمَّا لَا تَجْرِي الْعَادَةُ بِهِ]: أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا عَمِلَهُ بِنَفْسِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ عَمِلَهُ لِيَرْجِعَ بِأُجْرَتِهِ قُضِيَ لَهُ بِالْأُجْرَةِ، فَإِنْ خَالَفَهُ رَبُّ الْمَالِ وَقَالَ: بَلْ عَمِلْته تَبَرُّعًا مِنْك صُدِّقَ الْعَامِلُ بِيَمِينٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ اشْتَرَى إنْسَانٌ سِلْعَةً] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ خَمْسٌ: الْأُولَى: أَنْ يَشْتَرِيَ السِّلْعَةَ لِنَفْسِهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ يَأْتِيَ غَيْرَهُ فَيُخْبِرَهُ بِهَا، وَيَطْلُبَ مِنْهُ الثَّمَنَ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ، فَقَرْضٌ فَاسِدٌ وَالرِّبْحُ لِلْعَامِلِ وَالْخُسْرُ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِيَهَا وَيَسْأَلَ غَيْرَهُ قِرَاضًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْبِرَهُ
[ ٣ / ٦٩١ ]
قِرَاضًا عَلَى مَا دَخَلَا عَلَيْهِ (كَادْفَعْ لِي) كَذَا عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ (فَقَدْ وَجَدْتُ رَخِيصًا أَشْتَرِيهِ) بِهِ وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا عَلَى كَذَا، فَيَجُوزُ (إنْ لَمْ يُسَمِّ السِّلْعَةَ أَوْ الْبَائِعَ): فَإِنْ سَمَّى السِّلْعَةَ أَوْ الْبَائِعَ لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ قِرَاضًا فَاسِدًا. وَيَظْهَرُ - كَمَا قِيلَ - أَنَّهُ إنْ عَيَّنَ الْبَائِعَ فَهِيَ كَمَسْأَلَةِ: اشْتَرِ مِنْ فُلَانٍ، لَهُ أُجْرَةُ تَوَلِّي الشِّرَاءِ أَوْ قِرَاضُ الْمِثْلِ، وَإِنْ عَيَّنَ السِّلْعَةَ فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ.
(وَجَعْلِ) بِالْجَرِّ أَيْ: وَكَجَعْلِ (الرِّبْحِ) كُلِّهِ (لِأَحَدِهِمَا): فَيَجُوزُ (أَوْ غَيْرِهِمَا): فَيَجُوزُ.
(وَضَمِنَهُ) الْعَامِلُ: أَيْ يَضْمَنُ مَالَ الْقِرَاضِ لِرَبِّهِ لَوْ تَلِفَ أَوْ ضَاعَ بِلَا تَفْرِيطٍ (فِي) اشْتِرَاطِ (الرِّبْحِ لَهُ): أَيْ لِلْعَامِلِ، بِأَنْ قَالَ لَهُ رُبُّهُ اعْمَلْ فِيهِ وَالرِّبْحُ لَك؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ صَارَ قَرْضًا وَانْتَقَلَ مِنْ الْأَمَانَةِ إلَى الذِّمَّةِ، لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ أَفَادَهُمَا بِقَوْلِهِ:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] بِشِرَائِهَا فَيَجُوزُ وَيَكُونُ قِرَاضًا عَلَى مَا دَخَلَا عَلَيْهِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَذْهَبَ قَبْلَ شِرَائِهَا، فَيَقُولُ ادْفَعْ لِي فَقَدْ وَجَدْت رَخِيصًا، وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا فَيَجُوزُ أَيْضًا وَيَكُونُ قِرَاضًا عَلَى مَا دَخَلَا عَلَيْهِ. الرَّابِعَةُ: أَنْ يُسَمِّيَ السِّلْعَةَ فَقَطْ كَقَوْلِهِ وَجَدْت بَعِيرًا بِكَذَا فَادْفَعْ لِي ثَمَنَهُ وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا فَهَذِهِ فَاسِدَةٌ، وَفِيهَا لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. الْخَامِسَةُ: أَنْ يُسَمِّيَ الْبَائِعَ بِأَنْ يَقُولَ وَجَدْت فُلَانًا يَبِيعُ بَعِيرًا فَأَعْطِنِي ثَمَنَهُ قِرَاضًا فَهِيَ فَاسِدَةٌ أَيْضًا، وَفِيهَا قِرَاضُ الْمِثْلِ فِي الرِّبْحِ وَأُجْرَةُ تَوَلِّي الشِّرَاءِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَى وَجْهٍ مَعْرُوفٍ]: عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ " فَيَجِبُ رَدُّهُ فَوْرًا " وَلَا يُعْمَلُ فِيهِ بِعَادَةِ الْقَرْضِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ كَالرِّبَا. قَوْلُهُ: [لَهُ أُجْرَةُ تَوَلِّي الشِّرَاءِ أَوْ قِرَاضُ الْمِثْلِ]: أَيْ فَتَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسَائِلِ الْعَشْرِ الْمُتَقَدِّمَةِ. قَوْلُهُ: [فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ]: أَيْ وَتُضَمُّ لِلْمَسَائِلِ الَّتِي فِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ صَارَ قَرْضًا]: أَيْ وَإِطْلَاقُ الْقِرَاضِ عَلَيْهِ مَجَازٌ لِمَا عَلِمْت أَنَّ حَقِيقَةَ الْقِرَاضِ دَفْعُ مَالِكٍ مَالًا مِنْ نَقْدٍ مَضْرُوبٍ مُسَلَّمٍ مَعْلُومٍ لِمَنْ يَتَّجِرُ بِهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ رِبْحِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِصِيغَةٍ، وَحُكْمُ ذَلِكَ الرِّبْحِ حُكْمُ الْهِبَةِ مَتَى حَازَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ قُضِيَ لَهُ بِهِ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَجَبَ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، فَإِنْ اشْتَرَطَ لِمَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَالَ ابْنُ نَاجِي: إنَّهُ يَجِبُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ كَالْفُقَرَاءِ،
[ ٣ / ٦٩٢ ]
(إنْ لَمْ يَنْفِهِ): أَيْ الضَّمَانَ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ لَمْ يَنْفِهِ عَنْهُ رَبُّ الْمَالِ. فَإِنْ نَفَاهُ بِأَنْ قَالَ: وَلَا ضَمَانَ عَلَيَّ، أَوْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْك، لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ مَعْرُوفٍ (وَلَمْ يُسَمِّ قِرَاضًا) بِأَنْ قَالَ: اعْمَلْ فِيهِ وَالرِّبْحُ لَك: فَإِنْ سَمَّى قِرَاضًا بِأَنْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ قِرَاضًا وَالرِّبْحُ لَك، لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، فَيُلْغَى الشَّرْطُ. لَكِنَّهُ إنْ شَرَطَهُ يَكُونُ قِرَاضًا فَاسِدًا يُفْسَخُ قَبْلَ الْعَمَلِ.
(وَخَلَطَهُ): أَيْ مَالَ الْقِرَاضِ فَيَجُوزُ (وَإِنْ) خَلَطَهُ الْعَامِلُ (بِمَالِهِ) إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ رَبُّهُ الْخَلْطَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَفَسَدَ وَفِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ كَمَا قَدَّمَهُ الشَّيْخُ وَخَلَطَهُ بِمَالِ غَيْرِهِ أَوْ بِمَالِهِ (وَهُوَ الصَّوَابُ، إنْ خَافَ) الْعَامِلُ (بِتَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْمَالَيْنِ (رُخْصًا) فَيَجِبُ إنْ كَانَ الْمَالَانِ لِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَهُ وَجَبَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ. إمَّا الْخَلْطُ أَوْ تَقْدِيمُ الْقِرَاضِ وَمَنْعُ تَقْدِيمِ مَالِهِ، فَإِنْ قَدَّمَهُ فَخَسِرَ مَالَ الْقِرَاضِ ضَمِنَ. وَقِيلَ: مَعْنَى الصَّوَابِ النَّدْبُ فَلَا يَضْمَنُ إنْ قَدَّمَ مَالَهُ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ، يَقْضِي بِهِ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ الْمُعَيَّنِ وَحَيْثُ اشْتَرَطَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ لَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِ رَبِّهِ أَوْ فَلَسِهِ قَبْلَ الْمُفَاصَلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ كُلَّهُ بِيَدِهِ فَكَأَنَّ الرِّبْحَ هِبَةٌ مَقْبُوضَةٌ، وَأَمَّا إنْ اشْتَرَطَ لِرَبِّهِ فَهَلْ يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْعَامِلِ وَتَأْخُذُهُ وَرَثَتُهُ لِعَدَمِ حَوْزِ رَبِّ الْمَالِ لَهُ أَوْ لَا، بَلْ يُقْضَى بِهِ لِرَبِّ الْمَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ أَجِيرٌ لِرَبِّ الْمَالِ فَكَأَنَّ رَبَّ الْمَالِ حَائِزٌ لَهُ؟ قَوْلَانِ (اهـ) مُلَخَّصًا مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [يَكُونُ قِرَاضًا فَاسِدًا]: أَيْ وَهَلْ يَكُونُ الرِّبْحُ لِلْعَامِلِ عَمَلًا بِمَا شَرْطَاهُ أَوْ فِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ لِكَوْنِهِ قِرَاضًا فَاسِدًا اُنْظُرْهُ كَذَا فِي (عب) . قَوْلُهُ: [إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ رَبُّهُ الْخَلْطَ]: بَقِيَ مَا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ رَبُّهُ عَدَمَ الْخَلْطِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، فَإِذَا خَالَفَ وَخَلَطَ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا وَالْخُسْرُ عَلَى الْعَامِلِ. قَوْلُهُ: [فَيَجِبُ إنْ كَانَ الْمَالَانِ لِغَيْرِهِ]: أَيْ كَمَا لِابْنِ نَاجِي. قَوْلُهُ: [أَوْ تَقْدِيمُ الْقِرَاضِ]: أَيْ الَّذِي هُوَ مَالُ الْغَيْرِ. قَوْلُهُ: [ضَمِنَ]: أَيْ عَلَى مُقْتَضَى الْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ مَعْنَى الصَّوَابِ النَّدْبُ]: هُوَ لِبَعْضِ شُيُوخِ ابْنِ نَاجِي. قَوْلُهُ: [فَلَا يَضْمَنُ]: أَيْ لِكَوْنِهِ لَمْ يُخَالِفْ وَاجِبًا.
[ ٣ / ٦٩٣ ]
[تنبيه من أخذ مالا للتنمية بلا قراض]
فَحَصَلَ لِلْقِرَاضِ رُخْصٌ. وَمِثْلُ الرُّخْصِ فِي الْبَيْعِ الْغَلَاءُ فِي الشِّرَاءِ.
(وَسَفَرِهِ): أَيْ الْعَامِلِ بِمَالِ الْقِرَاضِ، فَيَجُوزُ (إنْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ) رَبُّ الْمَالِ (قَبْلَ شَغْلِهِ): أَيْ الْمَالِ بِأَنْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ أَصْلًا أَوْ حَجَرَ بَعْدَ شَغْلِهِ، فَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ شَغْلِهِ وَلَوْ بَعْدَ الْعَقْدِ، لَمْ يَجُزْ. فَإِنْ خَالَفَ وَسَافَرَ ضَمِنَ بِخِلَافِ مَا لَوْ خَالَفَ وَسَافَرَ بَعْدَ شَغْلِهِ إذْ لَيْسَ لِرَبِّهِ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ بَعْدَهُ.
(وَاشْتِرَاطِهِ): أَيْ رَبِّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ (أَلَّا يَنْزِلَ وَادِيًا) يَنُصُّ لَهُ عَلَيْهِ (أَوْ) لَا (يَمْشِيَ) بِالْمَالِ (لَيْلًا) خَوْفًا مِنْ نَحْوِ لِصٍّ (أَوْ) لَا يَنْزِلَ (بِبَحْرٍ أَوْ) لَا (يَبْتَاعَ) بِهِ (سِلْعَةً) عَيَّنَهَا لَهُ لِغَرَضٍ فَيَجُوزُ.
(وَضَمِنَ إنْ خَالَفَ) فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ وَتَلِفَ الْمَالُ أَوْ بَعْضُهُ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [الْغَلَاءُ فِي الشِّرَاءِ]: أَيْ طُرُوُّ الْغَلَاءِ فِي السِّلَعِ الَّتِي شَأْنُ عَمَلِ الْقِرَاضِ فِيهَا. [تَنْبِيه مِنْ أَخَذَ مَالًا لِلتَّنْمِيَةِ بِلَا قِرَاض] قَوْلُهُ: [أَوْ حَجَرَ بَعْدَ شَغْلِهِ]: أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا. قَوْلُهُ: [بَعْدَهُ]: أَيْ بَعْدَ شَغْلِ الْمَالِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا. كَانَ السَّفَرُ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، كَانَ الْعَامِلُ شَأْنُهُ السَّفَرُ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [أَلَّا يَنْزِلَ وَادِيًا]: أَيْ مَحَلًّا مُنْخَفِضًا شَأْنُهُ يُخَافُ مِنْهُ. قَوْلُهُ: [لِغَرَضٍ]: أَيْ لِقِلَّةِ رِبْحِهَا عَادَةً مَثَلًا. قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ]: مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: " وَاشْتِرَاطُهُ " إلَخْ. وَقُدِّرَ هَذَا لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَجْرُورَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَدْخُولِ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: " كَادْفَعْ لِي " الْمُشَبَّهِ بِالْجَوَازِ قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: [فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ]: أَيْ فِي شَيْءٍ مِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: [وَتَلِفَ الْمَالُ أَوْ بَعْضُهُ]: أَيْ زَمَنَ الْمُخَالَفَةِ، وَأَمَّا لَوْ تَجَرَّأَ وَاقْتَحَمَ النَّهْيَ وَسَلِمَ، ثُمَّ حَصَلَ تَلَفٌ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْأَمْرِ الَّذِي خَالَفَ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ، وَكَذَا لَوْ خَالَفَ اضْطِرَارًا بِأَنْ مَشَى فِي الْوَادِي الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ أَوْ سَافَرَ بِاللَّيْلِ أَوْ فِي الْبَحْرِ اضْطِرَارًا لِعَدَمِ الْمَنْدُوحَةِ فَلَا ضَمَانَ وَلَوْ حَصَلَ تَلَفٌ - كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَإِذَا تَنَازَعَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ فِي أَنَّ التَّلَفَ وَقَعَ زَمَنَ الْمُخَالَفَةِ أَوْ بَعْدَهَا صُدِّقَ الْعَامِلُ فِي دَعْوَاهُ كَمَا فِي (ح) عَنْ اللَّخْمِيِّ.
[ ٣ / ٦٩٤ ]
(كَأَنْ عَمِلَ) بِالْمَالِ (بِمَوْضِعِ جَوْرٍ لَهُ): أَيْ لِلْعَامِلِ بِأَنْ كَانَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِيهِ وَلَا جَاهَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَوْرًا لِغَيْرِهِ. كَمَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا لَا جَوْرَ عَلَيْهِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ جَوْرًا لِغَيْرِهِ.
(أَوْ) عَمِلَ بِالْمَالِ (بَعْدَ عِلْمِهِ بِمَوْتِ رَبِّهِ) فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إنْ كَانَ عَيْنًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ لِغَيْرِهِ. لَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ لِعُذْرِهِ، وَلَا إنْ كَانَ عَرْضًا فَبَاعَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ فَلَا يَضْمَنُ خُسْرَهُ، إذْ لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ. وَظَاهِرُهُ. الضَّمَانُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَوْتِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْعَامِلُ حَاضِرًا بِبَلَدِ الْمَالِ أَوْ غَائِبًا بِهِ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا وَهُوَ الرَّاجِحُ. وَقِيلَ: مَحَلُّ الضَّمَانِ إذَا كَانَ حَاضِرًا.
(أَوْ شَارَكَ) الْعَامِلُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ غَيْرَهُ - وَلَوْ عَامِلًا آخَرَ - لِرَبِّ ذَلِكَ الْقِرَاضِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِأَنَّ رَبَّهُ لَمْ يَسْتَأْمِنْ غَيْرَهُ فِيهِ.
(أَوْ بَاعَ) سِلْعَةً مِنْ سِلَعِ الْقِرَاضِ أَوْ أَكْثَرَ (بِدَيْنٍ) بِلَا إذْنٍ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ.
(أَوْ قَارَضَ): أَيْ دَفَعَهُ أَوْ بَعْضَهُ قِرَاضًا لِآخَرَ.
(بِلَا إذْنٍ) مِنْ رَبِّهِ؛ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ.
فَقَوْلُهُ: " بِلَا إذْنٍ " رَاجِعٌ لِلْأَرْبَعَةِ قَبْلَهُ إلَّا أَنَّ الْإِذْنَ فِي الْأُولَى مِنْ الْوَرَثَةِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَضْمَنُ]: أَيْ لِظُهُورِ التَّفْرِيطِ مِنْهُ حَيْثُ كَانَ التَّلَفُ مِنْ أَجْلِ الْجَوْرِ لَا مِنْ أَمْرٍ سَمَاوِيٍّ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ مَحَلُّ الضَّمَانِ] إلَخْ: هَذَا التَّقْيِيدُ لِابْنِ يُونُسَ قَائِلًا: إنْ كَانَ بِغَيْرِ بَلَدِ الْمَالِ فَلَهُ تَحْرِيكُهُ، وَلَوْ عَلِمَ بِمَوْتِهِ، نَظَرًا إلَى أَنَّ السَّفَرَ عَمَلٌ لِشَغْلِ الْمَالِ وَاعْتَمَدَ هَذَا (بْن) نَقْلًا عَنْ أَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ رَبَّهُ لَمْ يَسْتَأْمِنْ غَيْرَهُ فِيهِ]: أَيْ فَقَدْ عَرَّضَهُ لِلضَّيَاعِ، وَمَحَلُّ الضَّمَانِ إذَا غَابَ شَرِيكُهُ الْعَامِلُ الَّذِي شَارَكَهُ بِلَا إذْنٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ إنْ حَصَلَ خُسْرٌ أَوْ تَلَفٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّرِيكُ صَاحِبَ مَالٍ أَوْ عَامِلًا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَغِبْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَضْمَنْ إذَا تَلِفَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاعْتَمَدَهُ أَبُو الْحَسَنِ. قَوْلُهُ: [بِدَيْنٍ]: أَيْ نَسِيئَةً فَيَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَهُ لِلضَّيَاعِ، فَإِنْ حَصَلَ رِبْحٌ فَهُوَ لَهُمَا، وَإِنْ حَصَلَ خُسْرٌ فَعَلَى الْعَامِلِ وَحْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَوْلُهُ: [رَاجِعٌ لِلْأَرْبَعَةِ قَبْلَهُ]: أَيْ وَهِيَ قَوْلُهُ أَوْ بَعْدَ عِلْمِهِ بِمَوْتِ رَبِّهِ وَمَا بَعْدَهُ،
[ ٣ / ٦٩٥ ]
(وَالرِّبْحُ) فِي الْأَخِيرَةِ (بَيْنَهُمَا): أَيْ بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ الثَّانِي الَّذِي حَرَّكَ الْمَالَ (وَلَا رِبْحَ لِلْأَوَّلِ) لِتَعَدِّيهِ بِدَفْعِهِ لِلثَّانِي بِلَا إذْنٍ مِنْ رَبِّهِ.
(وَعَلَيْهِ): أَيْ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ (الزِّيَادَةُ) لِلثَّانِي (إنْ زَادَ) لَهُ فِي الرِّبْحِ عَلَى مَا جَعَلَهُ لَهُ رَبُّ الْمَالِ، كَمَا لَوْ جَعَلَ لَهُ الثُّلُثَ فِي الرِّبْحِ، فَقَارَضَ آخَرَ بِالنِّصْفِ، فَالرِّبْحُ بَيْنَ رَبِّهِ وَالْعَامِلِ الثَّانِي عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَعَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي تَمَامُ النِّصْفِ. فَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ عَلَى أَقَلَّ - كَالرُّبْعِ فِي الْمِثَالِ - فَالزَّائِدُ لِرَبِّ الْمَالِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] وَأَمَّا مَا قَبْلَهَا فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ بِلَا إذْنٍ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ خَالَفَ. قَوْلُهُ: [وَلَا رِبْحَ لِلْأَوَّلِ]: إلَخْ، حَاصِلُهُ: أَنَّ عَامِلَ الْقِرَاضِ إذَا دَفَعَ الْمَالَ لِعَامِلٍ آخَرَ قِرَاضًا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْمَالِ فَإِنْ حَصَلَ تَلَفٌ أَوْ خُسْرٌ فَالضَّمَانُ مِنْ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ حَصَلَ رِبْحٌ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الرِّبْحُ لِلْعَامِلِ الثَّانِي وَرَبِّ الْمَالِ، ثُمَّ إنْ دَخَلَ الْعَامِلُ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ عَلَى مِثْلِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ مَعَ رَبِّ الْمَالِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَامِلَ الْأَوَّلَ يَغْرَمُ لِلثَّانِي الزِّيَادَةَ، وَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ عَلَى أَقَلَّ فَالزَّائِدُ لِرَبِّ الْمَالِ لَا لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْعَامِلِ الثَّانِي رِبْحٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ الْأَوَّلَ لِذَلِكَ الثَّانِي شَيْءٌ، كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْعَامِلَ لَا شَيْءَ لَهُ إذَا لَمْ يَرْبَحْ الْمَالُ. تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَنْ أَخَذَ مَالًا لِلتَّنْمِيَةِ لِرَبِّهِ بِغَيْرِ قِرَاضٍ كَوَكِيلٍ عَلَى بَيْعِ شَيْءٍ وَمُبْضَعٍ مَعَهُ فَرَبِحَ فِيهِ فَلَا رِبْحَ لَهُ، بَلْ لِرَبِّ الْمَالِ كَأَنْ يُوَكِّلَهُ عَلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ بِعَشْرَةٍ فَبَاعَهَا بِأَكْثَرَ فَالزَّائِدُ لِرَبِّهَا لَا لِلْوَكِيلِ، وَكَأَنْ يُبْضِعَ مَعَهُ عَشْرَةً لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا عَبْدًا أَوْ طَعَامًا مِنْ مَحَلِّ كَذَا فَاشْتَرَاهُ بِثَمَانِيَةٍ فَالْفَاضِلُ مِنْ الثَّمَنِ لِرَبِّ الْمَالِ لَا لِلْمُشْتَرِي، وَأَمَّا لَوْ بَاعَهَا بِعَشْرَةٍ كَمَا أَمَرَهُ، وَاتَّجَرَ فِي الْعَشَرَةِ حَتَّى حَصَلَ فِيهَا رِبْحٌ، أَوْ أَنَّ الْمُبْضَعَ مَعَهُ اشْتَرَى بِالْعَشَرَةِ سِلْعَةً غَيْرَ مَا أَمَرَهُ بِإِبْضَاعِهَا فَرَبِحَ فِيهَا فَالرِّبْحُ لِلْوَكِيلِ فِيهِمَا، كَالْمُودَعِ يَتَّجِرُ فِي الْوَدِيعَةِ، وَالْغَاصِبِ وَالْوَصِيِّ وَالسَّارِقِ إذَا حَرَّكُوا الْمَالَ الرِّبْحُ لَهُمْ وَالْخُسْرُ عَلَيْهِمْ.
[ ٣ / ٦٩٦ ]
(وَإِنْ نَهَاهُ): أَيْ نَهَى رَبُّ الْمَالِ الْعَامِلَ (عَنْ الْعَمَلِ) بِمَالِهِ (قَبْلَهُ): أَيْ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَانْحَلَّ الْعَقْدُ حِينَئِذٍ فَخَالَفَ وَعَمِلَ (فَلَهُ) الرِّبْحُ وَحْدَهُ (وَعَلَيْهِ) الْخُسْرُ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَيْهِ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ.
(وَإِنْ جَنَى كُلٌّ) مِنْ رَبِّ الْمَالِ أَوْ الْعَامِلِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، (أَوْ) جَنَى (أَجْنَبِيٌّ) عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ فَأَتْلَفَهُ (أَوْ أَخَذَ) مَعَهُ (شَيْئًا) قَبْلَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ (فَالْبَاقِي) بَعْدَ الْجِنَايَةِ أَوْ الْأَخْذِ هُوَ (رَأْسُ الْمَالِ) فَالرِّبْحُ لَهُ خَاصَّةً (وَلَا يَجْبُرُهُ): أَيْ الْمَالَ الْأَصْلِيَّ قَبْلَ الْجِنَايَةِ أَوْ الْأَخْذِ مِنْهُ (رِبْحٌ) مِنْ الْبَاقِي، فَلَيْسَ مَا ذُكِرَ كَالْخُسْرِ يُجْبَرُ بِالرِّبْحِ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ أَوْ الْآخِذَ إنْ كَانَ رَبَّ الْمَالِ، فَقَدْ رَضِيَ بِأَنَّ الْبَاقِيَ هُوَ رَأْسُ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ اُتُّبِعَ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَا رِبْحَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ.
(وَعَلَى الْجَانِي) مِنْهُمْ (مَا جَنَى): فَإِنْ كَانَ رَبَّ الْمَالِ فَأَمْرُهُ ظَاهِرٌ،
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَإِنْ نَهَاهُ] إلَخْ: صُورَتُهَا أَعْطَى شَخْصٌ الْعَامِلَ مَالًا لِيَعْمَلَ فِيهِ قِرَاضًا، ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ قَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ لَا تَعْمَلْ، فَحِينَئِذٍ يَنْحَلُّ عَقْدُ الْقِرَاضِ، وَيَصِيرُ الْمَالُ كَالْوَدِيعَةِ، فَإِذَا عَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ الرِّبْحُ لِلْعَامِلِ وَحْدَهُ. قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَيْهِ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ]: ظَاهِرُهُ: وَلَوْ أَقَرَّ الْعَامِلُ أَنَّهُ اشْتَرَى لِلْقِرَاضِ بَعْدَ مَا نَهَاهُ، وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ اشْتَرَى بَعْدَ مَا نَهَاهُ لِلْقِرَاضِ فَالرِّبْحُ لَهُمَا لِالْتِزَامِهِ لِرَبِّ الْمَالِ نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ الْجِنَايَةِ أَوْ الْأَخْذِ]: صِفَةٌ لِلْمَالِ الْأَصْلِيِّ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَجْبُرُ بِالرِّبْحِ الْمَالَ الْأَصْلِيَّ الْكَائِنَ قَبْلَ حُصُولِ الْجِنَايَةِ أَوْ قَبْلَ حُصُولِ الْأَخْذِ مِنْهُ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْجَانِيَ أَوْ الْآخِذَ]: عِلَّةٌ لِلنَّفْيِ. قَوْلُهُ: [فَقَدْ رَضِيَ بِأَنَّ الْبَاقِيَ] إلَخْ: أَيْ وَفَسَخَ عَقْدَ الْقِرَاضِ فِيمَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ مُنْحَلٌّ قَبْلَ الْعَمَلِ. قَوْلُهُ: [كَالْأَجْنَبِيِّ]: أَيْ يُتَّبَعُ بِهِ فِي ذِمَّتِهِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: [وَلَا رِبْحَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ]: أَيْ لِأَنَّ أَخْذَ الرِّبْحِ عَلَيْهِ رِبًا.
[ ٣ / ٦٩٧ ]
[تنبيه لا يجبر رب المال على الخلف]
وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَعَلَيْهِ مَا يَلْزَمُهُ شَرْعًا مِنْ أَرْشٍ أَوْ قِيمَةٍ أَوْ مِثْلٍ، وَمَا وَقَعَ هُنَا لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
(وَلَا يَشْتَرِي) الْعَامِلُ: أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلَعًا لِلْقِرَاضِ (بِنَسِيئَةٍ) أَيْ تَأْخِيرٍ أَيْ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّةِ رَبِّهِ (وَإِنْ أَذِنَ رَبُّهُ) لَهُ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ فَجَائِزٌ إذَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ الْقِرَاضِ. (وَلَا) يَشْتَرِي لِلْقِرَاضِ (بِأَكْثَرَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ) وَلَوْ بِنَقْدٍ مِنْ عِنْدِهِ.
(فَإِنْ اشْتَرَى) سِلْعَةً بِدَيْنٍ لِلْقِرَاضِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ (فَالرِّبْحُ لَهُ): أَيْ لِلْعَامِلِ، أَيْ رِبْحُ تِلْكَ السِّلْعَةِ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ لِرَبِّ الْمَالِ. كَمَا أَنَّ الْخُسْرَ عَلَيْهِ. كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِدَيْنٍ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ إذَا اشْتَرَى تِلْكَ السِّلْعَةَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْقَرْضِ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَمَا وَقَعَ هُنَا لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ] إلَخْ: أَيْ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ قَبْلَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ فِي كَوْنِ الْبَاقِي رَأْسَ الْمَالِ، وَلَا يُجْبَرُ ذَلِكَ بِالرِّبْحِ وَيُتَّبَعُ الْآخِذُ بِمَا أَخَذَهُ وَالْجَانِي بِمَا جَنَى عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ (ر) خِلَافًا لِتَفْصِيلِ الْخَرَشِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنْ كَانَتْ قَبْلَهُ يَكُونُ الْبَاقِي رَأْسَ الْمَالِ وَمَا بَعْدَهُ فَرَأْسُ الْمَالِ عَلَى أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ يَجْبُرُهُ، وَمِثْلُهُ فِي (عب) قَالَ (ر): هُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ فَمُرَادُ الشَّارِحِ بِبَعْضِ الشُّرَّاحِ الْخَرَشِيُّ وَ(عب) . [تَنْبِيه لَا يُجْبَر رَبّ الْمَال عَلَى الْخَلْف] قَوْلُهُ: [أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلَعًا] إلَخْ: إنَّمَا مَنْعُ ذَلِكَ لِأَكْلِ رَبِّ الْمَالِ. رَبِحَ مَا لَمْ يَضْمَنْ. وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - ﵊ - عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ الْمَنْعَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْعَامِلُ غَيْرَ مُدِيرٍ، وَأَمَّا الْمُدِيرُ فَلَهُ الشِّرَاءُ لِلْقِرَاضِ بِالدَّيْنِ كَمَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ، ابْنِ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ عُرُوضَ الْمُدِيرِ كَالْعَيْنِ فِي الزَّكَاةِ، وَيَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِ مَا يَشْتَرِيهِ بِالدَّيْنِ يَفِي بِهِ مَالُ الْقِرَاضِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ (اهـ بْن) . قَوْلُهُ: [وَإِنْ أَذِنَ رَبُّهُ]: أَيْ بِخِلَافِ بَيْعِهِ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّ الْمَالِ، وَإِلَّا جَازَ. وَلَا يُقَالُ: إنَّ إتْلَافَ الْمَالِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ هُنَا غَيْرُ مُحَقَّقٍ. عَلَى أَنَّ إتْلَافَ الْمَالِ الْمَمْنُوعَ رَمْيُهُ فِي بَحْرٍ أَوْ نَارٍ مَثَلًا بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَصْلًا. قَوْلُهُ: [وَلَا يَشْتَرِي لِلْقِرَاضِ بِأَكْثَرَ]: أَيْ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا إذَا نُقِدُوا كُلٌّ رَبِحَ مَا لَمْ يَضْمَنْ إذَا لَمْ يُنْقَدْ.
[ ٣ / ٦٩٨ ]
مُنْفَرِدَةً عَنْ سِلَعِ الْقِرَاضِ وَبَاعَهَا كَذَلِكَ، فَجَمِيعُ رِبْحِهَا لَهُ وَخُسْرِهَا عَلَيْهِ وَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا.
(وَ) إنْ اشْتَرَى فِي جُمْلَةِ سِلَعِ التِّجَارَةِ (شَارَكَ بِقِيمَتِهِ): أَيْ قِيمَةِ الْمُؤَجَّلِ وَلَوْ عَيْنًا، فَتُقَوَّمُ الْعَيْنُ بِعَرْضٍ ثُمَّ الْعَرْضُ بِعَيْنٍ، ثُمَّ يَنْظُرُ لِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الرِّبْحِ، فَإِذَا كَانَ مَالُ الْقِرَاضِ مِائَةً فَاشْتَرَى سِلْعَةً بِمِائَتَيْنِ مِائَةٌ هِيَ مَالُ الْقِرَاضِ وَالْأُخْرَى مُؤَجَّلَةٌ، فَتُقَوَّمُ مُؤَجَّلَةً بِعَرْضٍ ثُمَّ الْعَرْضُ بِنَقْدٍ. فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسِينَ كَانَ شَرِيكًا بِالثُّلُثِ فَيَخْتَصُّ بِرِبْحِهِ وَخُسْرِهِ، وَمَا بَقِيَ عَلَى حُكْمِ الْقِرَاضِ. وَهَذَا فِي الْمُؤَجَّلِ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى بِنَقْدٍ فَالشَّرِكَةُ بِعَدَدِهِ وَاخْتَصَّ بِرِبْحِهِ إنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ وَيُصَدَّقُ. وَإِنْ اشْتَرَاهُ لِلْقِرَاضِ خُيِّرَ رَبُّ الْمَالِ بَيْنَ دَفْعِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ فَيَكُونُ جَمِيعُ الْمَالِ لَهُ وَعَدَمِ الدَّفْعِ فَالشَّرِكَةُ عَلَى النِّصْفِ.
(وَجُبِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (خُسْرُهُ): أَيْ الْمَالِ نَائِبُ الْفَاعِلِ: أَيْ إذَا حَصَلَ فِي الْمَالِ خُسْرٌ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مِائَةً اشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً، فَبَاعَهَا بِثَمَانِينَ ثُمَّ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَإِنْ اشْتَرَاهُ لِلْقِرَاضِ]: مُقَابِلُ قَوْلِهِ: " إنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ " وَلَا فَرْقَ فِي كُلٍّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ بِحَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ. فَقَوْلُهُ: " خُيِّرَ رَبُّ الْمَالِ " لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ، وَصُوَرُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعٌ عِنْدَ الْخَلْطِ وَمِثْلُهَا عِنْدَ عَدَمِهِ. فَحَيْثُ خَلَطَ وَقَصَدَ بِهَا نَفْسَهُ شَارَكَ بِالْعَدَدِ إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ حَالَّةً وَبِالْقِيمَةِ إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُؤَجَّلَةً. وَإِنْ قَصَدَ بِهَا الْقِرَاضَ خُيِّرَ رَبُّ الْقِرَاضِ بَيْنَ الِالْتِزَامِ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ إنْ كَانَتْ حَالَّةً فَعَلَى حُلُولِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُؤَجَّلَةً فَعَلَى أَجَلِهَا، وَيَصِيرُ الْمَالُ كُلُّهُ لِلْقِرَاضِ أَوْ يَتْرُكُهَا لِلْعَامِلِ فَيُشَارِكُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَخْلِطْ تِلْكَ الزِّيَادَةَ كَانَ رِبْحُهَا لِلْعَامِلِ وَخُسْرُهَا عَلَيْهِ مُطْلَقًا، هَذَا مُحَصَّلُ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ. قَوْلُهُ: [بَيْنَ دَفْعِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ]: أَيْ عَدَدِهَا حَالَّةً أَوْ مُؤَجَّلَةً بِحَيْثُ يَكُونُ رَبُّ الْمَالِ ضَامِنًا لِتِلْكَ الْمِائَةِ فِي ذِمَّتِهِ مَتَى جَاءَ الْأَجَلُ دَفَعَهَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ (بْن) . قَوْلُهُ: [خُسْرُهُ]: الْخُسْرُ مَا يَنْشَأُ عَنْ تَحْرِيكٍ كَمَا سَيُوَضِّحُهُ فِي الْمِثَالِ. وَالتَّلَفُ مَا لَا يَنْشَأُ عَنْ تَحْرِيكٍ كَمَا سَيُوَضِّحُهُ فِي الْمِثَالِ أَيْضًا، وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِي الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ أَوْ الْفَاسِدِ الَّذِي فِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ، وَأَمَّا الَّذِي فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ جَبْرٌ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.
[ ٣ / ٦٩٩ ]
اشْتَرَى بِهَا شَيْئًا بَاعَهُ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ بِالرِّبْحِ. وَمَا زَادَ بَعْدَ الْجَبْرِ فَبَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَهُ، فَالْعِشْرُونَ فِي الْمِثَالِ هِيَ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ بَاعَهُ بِمِائَةٍ فَقَطْ فَلَا رِبْحَ بَيْنَهُمَا. وَلَوْ دَخَلَا عَلَى عَدَمِ الْجَبْرِ بِالرِّبْحِ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ وَالشَّرْطُ مُلْغًى.
(وَ) جُبِرَ أَيْضًا (مَا تَلِفَ) مِنْ الْقِرَاضِ وَأُلْحِقَ بِهِ مَا أَخَذَهُ لِصٌّ أَوْ عَشَّارٌ - (وَإِنْ) وَقَعَ التَّلَفُ (قَبْلَ الْعَمَلِ) بِالْمَالِ: أَيْ قَبْلَ تَحْرِيكِهِ - (بِالرِّبْحِ): مُتَعَلِّقٌ بِ " جُبِرَ ". وَمَعْنَى جَبْرِهِ بِالرِّبْحِ: أَنَّهُ يُكْمِلُ مِنْهُ مَا نَقَصَهُ بِالْخُسْرِ أَوْ التَّلَفِ، ثُمَّ إنْ زَادَ شَيْءٌ قُسِمَ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ (مَا لَمْ يَقْبِضْ) الْمَالَ مِنْ الْعَامِلِ، فَإِنْ قَبَضَهُ رَبُّهُ نَاقِصًا عَنْ أَصْلِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ لَهُ فَلَا يُجْبَرُ بِالرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ صَارَ قِرَاضًا مُؤْتَنَفًا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَبْرَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ، فَلَوْ تَلِفَ جَمِيعُهُ فَأَتَى لَهُ رَبُّهُ بِبَدَلِهِ فَلَا جَبْرَ لِلْأَوَّلِ بِرِبْحِ الثَّانِي.
(وَلِرَبِّهِ خَلَفُهُ): أَيْ خَلَفُ التَّالِفِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، إلَّا أَنَّهُ إذَا تَلِفَ الْكُلُّ فَأَخْلَفَهُ فَرَبِحَ فِي الثَّانِي فَلَا جَبْرَ كَمَا قَدَّمْنَا. وَإِذَا تَلِفَ الْبَعْضُ فَأَخْلَفَهُ فَيُجْبَرُ الْبَاقِي بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ الرِّبْحِ، لَا بِمَا يَنُوبُ الْخَلَفَ. قَالَ اللَّخْمِيُّ: مَنْ ضَاعَتْ لَهُ خَمْسُونَ مِنْ مِائَةٍ فَخَلَفَهَا رَبُّ الْمَالِ، ثُمَّ بَاعَ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَكَانَ قِرَاضًا بِالنِّصْفِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّ نِصْفَ السِّلْعَةِ عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ وَرَأْسُ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [لَمْ يُعْمَلْ بِهِ]: هَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَا لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَحَكَى بَهْرَامُ مُقَابِلَهُ عَنْ جَمْعٍ، فَقَالُوا: مَحَلُّ الْجَبْرِ مَا لَمْ يَشْتَرِطَا خِلَافَهُ وَإِلَّا عُمِلَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ. قَالَ بَهْرَامُ: وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إعْمَالُ الشُّرُوطِ لِخَبَرِ: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» مَا لَمْ يُعَارِضْهُ نَصٌّ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ نَقْلًا عَنْ (عب) . قَوْلُهُ: [بِسَمَاوِيٍّ]: أَيْ وَأَمَّا مَا تَلِفَ بِجِنَايَةٍ فَلَا يَجْبُرُهُ الرِّبْحُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يُتَّبَعُ بِهِ الْجَانِي، سَوَاءٌ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَوْ الْعَامِلَ كَانَتْ الْجِنَايَةُ قَبْلَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: [وَأُلْحِقَ بِهِ مَا أَخَذَهُ لِصٌّ أَوْ عَشَّارٌ]: قَالَ (عب): حُكْمُ أَخْذِ اللِّصِّ وَالْعَشَّارِ حُكْمُ السَّمَاوِيِّ وَلَوْ عُلِمَا وَقُدِرَ عَلَى الِانْتِصَافِ مِنْهُمَا نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [لَا بِمَا يَنُوبُ الْخَلَفَ]: أَيْ خِلَافًا لِمَا فِي (عب) . قَوْلُهُ: [عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ]: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرِ إنَّ: أَيْ مَفْضُوضٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَنِصْفُهَا عَلَى الْقِرَاضِ الثَّانِي.
[ ٣ / ٧٠٠ ]
[إنفاق العامل على نفسه من مال القراض]
مَالِهِ مِائَةٌ وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِيهِ، وَنِصْفُهَا عَلَى الْقِرَاضِ الثَّانِي وَرَأْسُ مَالِهِ خَمْسُونَ وَلَهُ نِصْفُ رِبْحِهَا وَلَا يُجْبَرُ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي (انْتَهَى) أَيْ بِمَا يَنُوبُ الثَّانِي مِنْ الرِّبْحِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْجِنَايَةَ وَمَا أَخَذَ رَبُّهُ أَوْ غَيْرُهُ لَا يُجْبَرُ بِرِبْحٍ.
(وَأَنْفَقَ) الْعَامِلُ (مِنْهُ): أَيْ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ: أَيْ يَجُوزُ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، وَيُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ: أَشَارَ لِأَوَّلِهَا وَثَانِيهَا بِقَوْلِهِ: (إنْ سَافَرَ) بِهِ (لِلتِّجَارَةِ): أَيْ شَرَعَ فِي السَّفَرِ لِتَنْمِيَةِ الْمَالِ وَلَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَرُكُوبٍ وَمَسْكَنٍ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ حَمَّامٍ وَغَسْلِ ثَوْبٍ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ كَمَا يَأْتِي حَتَّى يَرْجِعَ لِوَطَنِهِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهُ بِالْحَضَرِ،
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْجِنَايَةَ] إلَخْ: أَيْ فِي قَوْلِهِ: " وَإِنْ جَنَى كُلٌّ أَوْ أَجْنَبِيٌّ أَوْ أَخَذَ شَيْئًا فَالْبَاقِي رَأْسُ الْمَالِ لَا يَجْبُرُهُ رِبْحٌ " إلَخْ. تَنْبِيهٌ: لَا يُجْبَرُ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْخَلَفِ مُطْلَقًا، تَلِفَ كُلُّ الْمَالِ أَوْ بَعْضُهُ قَبْلَ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ. وَإِذَا أَرَادَ الْخَلَفَ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ؛ فَإِنْ تَلِفَ جَمِيعُهُ لَمْ يَلْزَمْ الْعَامِلَ قَبُولُهُ، وَأَمَّا إنْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُ إنْ تَلِفَ الْبَعْضُ بَعْدَ الْعَمَلِ لَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْفَسْخَ. وَحَيْثُ كَانَ لَا يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ الْخَلَفُ، وَاشْتَرَى الْعَامِلُ سِلْعَةً لِلْقِرَاضِ فَذَهَبَ لِيَأْتِيَ لِبَائِعِهَا بِثَمَنِهَا فَوَجَدَ الْمَالَ قَدْ ضَاعَ، وَأَبَى رَبُّهُ مِنْ الْخَلَفِ لَزِمَتْ السِّلْعَةُ الْعَامِلَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بِيعَتْ وَرِبْحُهَا لَهُ وَخُسْرُهَا عَلَيْهِ - كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ. مَسْأَلَةٌ: إنْ تَعَدَّدَ الْعَامِلُ، بِأَنْ أَخَذَ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ مَالًا قِرَاضًا، وَعَمِلُوا فِيهِ فُضَّ الرِّبْحُ عَلَى حَسَبِ الْعَمَلِ كَشُرَكَاءِ الْأَبَدَانِ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ عَمَلِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي الْعَمَلِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الرِّبْحِ وَعَكْسِهِ. [إنْفَاق الْعَامِل عَلَى نَفْسه مِنْ مَال الْقِرَاض] قَوْلُهُ: [وَيُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ]: أَيْ عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ. قَوْلُهُ: [مِنْ طَعَامٍ] إلَخْ: مِنْ بِمَعْنَى فِي مُتَعَلِّقٌ بِأَنْفَقَ. قَوْلُهُ: [وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ]: أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ إنْ سَافَرَ.
[ ٣ / ٧٠١ ]
قَالَ اللَّخْمِيُّ: مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ الْوُجُوهِ الَّتِي يَقْتَاتُ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَهُ الْإِنْفَاقُ. وَلِثَالِثِهَا بِقَوْلِهِ: (مَا لَمْ يَبْنِ بِزَوْجَةٍ) فِي الْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ لَهُ لِلتِّجَارَةِ. فَإِنْ بَنَى بِهَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ مِنْهُ لَا إنْ لَمْ يَبْنِ وَلَوْ دُعِيَ لِلدُّخُولِ. وَهَذَا الشَّرْطُ فِي الْحَقِيقَةِ شَرْطٌ فِي اسْتِمْرَارِ النَّفَقَةِ. وَلِرَابِعِهَا بِقَوْلِهِ: (وَاحْتَمَلَ الْمَالُ) الْإِنْفَاقَ مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ كَثِيرًا عُرْفًا فَلَا نَفَقَةَ فِي الْيَسِيرِ كَالْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ دِينَارًا خُصُوصًا فِي زَمَنِ الْغَلَاءِ. وَإِذَا جَازَ لَهُ النَّفَقَةُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْفَقَ (ذَهَابًا وَإِيَابًا بِالْمَعْرُوفِ) وَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: " بِالْمَعْرُوفِ " شَرْطًا، وَبِهِ تَكُونُ الشُّرُوطُ خَمْسَةً. وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ: مَا يُنَاسِبُ. (لَا لِأَهْلٍ وَكَحَجٍّ) مِنْ الْقُرَبِ كَغَزْوٍ وَرِبَاطٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَالْمُرَادُ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [عَنْ الْوُجُوهِ الَّتِي يَقْتَاتُ مِنْهَا]: أَيْ كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ صَنْعَةٌ يُنْفِقُ مِنْهَا فَعَطَّلَهَا لِأَجْلِ عَمَلِ الْقِرَاضِ، فَإِنَّ هَذَا قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ - كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ - خِلَافًا لِلتَّتَّائِيِّ الْقَائِلِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ. قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يَبْنِ بِزَوْجَةٍ]: أَيْ فَقَطْ لَا سُرِّيَّةٍ قَالَ التُّونُسِيُّ: إنْ تَزَوَّجَ فِي بَلَدٍ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُ حَتَّى يَدْخُلَ فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ بَلَدَهُ، نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. وَالدَّعْوَى لِلدُّخُولِ لَيْسَتْ مِثْلَهُ فِي إسْقَاطِ النَّفَقَةِ خِلَافًا (لعب) - كَذَا فِي (بْن) . قَوْلُهُ: [سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ]: أَيْ وَيَأْتِي هُنَا قَيْدُ اللَّخْمِيِّ. قَوْلُهُ: [فَلَا نَفَقَةَ فِي الْيَسِيرِ]: فَلَوْ كَانَ بِيَدِ الْعَامِلِ مَالَانِ يَسِيرَانِ لِرَجُلَيْنِ، وَيَحْمِلَانِ بِاجْتِمَاعِهِمَا النَّفَقَةَ وَلَا يَحْمِلَانِهَا عِنْدَ الِانْفِرَادِ، فَرَوَى اللَّخْمِيُّ: أَنَّ لَهُ النَّفَقَةَ. وَالْقِيَاسُ سُقُوطُهَا لِحُجَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ دَفَعَ مَا لَا تَجِبُ فِيهِ النَّفَقَةُ (اهـ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا أَعْرِفُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِغَيْرِهِ، وَلَمْ أَجِدْهَا فِي النَّوَادِرِ، وَهُوَ خِلَافُ أَصْلِ الْمَذْهَبِ فِيمَنْ جَنَى عَلَى رَجُلَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَا تَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ - وَفِي مَجْمُوعِهِمَا مَا يَبْلُغُهُ - أَنَّ ذَلِكَ فِي مَالِهِ لَا عَلَى الْعَاقِلَةِ (اهـ بْن) . قَوْلُهُ: [وَجَازَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بِالْمَعْرُوفِ شَرْطًا]: أَيْ مُسْتَقِلًّا وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ جُعِلَ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا أَوْ لَا.
[ ٣ / ٧٠٢ ]
بِالْأَهْلِ: الزَّوْجَةُ، لَا الْأَقَارِبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِسَفَرِهِ لَهُمْ صِلَةَ الرَّحِمِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ. وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْكَافِ فِي قَوْلِنَا: " وَكَحَجٍّ " أَيْ: لَا إنْ سَافَرَ لِزَوْجَةٍ بِبَلَدٍ وَلَا إنْ سَافَرَ لِقُرْبَةٍ كَحَجٍّ، وَهَذَا مُحْتَرَزُ الشَّرْطِ الثَّانِي أَيْ قَوْلُنَا: " لِلتِّجَارَةِ ". وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْإِنْفَاقُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا كَانَ لِلَّهِ لَا يُشْرَكُ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: " مَا لَمْ يَبْنِ بِزَوْجَةٍ " وَمِنْ قَوْلِهِ: " لَا لِأَهْلٍ "، أَنَّهُ لَوْ سَافَرَ لِلتِّجَارَةِ بِزَوْجَتِهِ أَنَّ لَهُ النَّفَقَةَ أَيْ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطْ فِي سَفَرِهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا. وَأَمَّا فِي إقَامَتِهِ مَعَهَا فِي بَلَدِ التِّجَارَةِ، فَهَلْ لَهُ النَّفَقَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ دَوَامَهُ مَعَهَا لَيْسَ كَالِابْتِدَاءِ أَمْ لَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَنَى بِهَا فِي هَذَا الْبَلَدِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْأَوَّلِ، ثُمَّ إنَّ كُلَّ مَنْ سَافَرَ لِقُرْبَةٍ لَا نَفَقَةَ لَهُ فِي رُجُوعِهِ بِبَلَدٍ لَا قُرْبَةَ بِهِ، بِخِلَافِ مَنْ سَافَرَ لِزَوْجَتِهِ فَلَهُ النَّفَقَةُ فِي رُجُوعِهِ لِبَلَدٍ لَيْسَ بِهِ أَهْلٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْقُرْبَةِ قُرْبَةٌ وَلَا كَذَلِكَ الرُّجُوعُ مِنْ عِنْدِ الْأَهْلِ. وَقَوْلُنَا: " وَأَنْفَقَ مِنْهُ " فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّفَقَةَ تَكُونُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ لَا فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ، حَتَّى لَوْ ضَاعَ الْمَالُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى رَبِّهِ شَيْءٌ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: فِي الْمَالِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [لَا الْأَقَارِبُ]: أَيْ فَالْأَقَارِبُ غَيْرُ الزَّوْجَةِ - مِنْ أُمٍّ وَأَبٍ وَنَحْوِهِمَا - إنْ كَانَ قَاصِدًا بَلَدَهُمْ لِلتِّجَارَةِ لَا لِلصِّلَةِ فَلَهُ الْإِنْفَاقُ مِنْ الْمَالِ. بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالْحَجِّ وَالْغَزْوِ، وَمَتَى قَصَدَ مَا ذُكِرَ فَلَا يُنْفِقُ وَلَوْ قَاصِدًا مَعَهُ التِّجَارَةَ. قَوْلُهُ: [وَمَا كَانَ لِلَّهِ لَا يُشْرَكُ مَعَهُ غَيْرُهُ]: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ تَابِعًا أَوْ مَتْبُوعًا فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَكِنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّفَرِ لِلزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُ لِحَقِّ مَخْلُوقٍ لَا لِلَّهِ. قَوْلُهُ: [أَمْ لَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَنَى بِهَا] إلَخْ: أَيْ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَنَى بِزَوْجَةٍ فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: [وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْأَوَّلِ]: أَيْ أَنَّ الدَّوَامَ لَيْسَ كَالِابْتِدَاءِ فَلَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ. قَوْلُهُ: [لَيْسَ بِهِ أَهْلٌ]: أَيْ زَوْجَةٌ. قَوْلُهُ: [وَلَا كَذَلِكَ الرُّجُوعُ مِنْ عِنْدِ الْأَهْلِ]: أَيْ فَلَا يُقَالُ لَهُ قُرْبَةٌ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ مَخْلُوقٍ. قَالَ الْخَرَشِيُّ: فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ مَنْ سَافَرَ لِبَلَدٍ وَمَرَّ بِمَكَّةَ
[ ٣ / ٧٠٣ ]
فَلَا إهْمَالَ، ثُمَّ إذَا أَنْفَقَ الْعَامِلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَهُ فِي الْمَالِ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ.
(وَاسْتَخْدَمَ) الْعَامِلُ: أَيْ اتَّخَذَ لَهُ خَادِمًا يَخْدُمُهُ بِأُجْرَةٍ مِنْ الْمَالِ (إنْ تَأَهَّلَ) لِلْإِخْدَامِ: أَيْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ إنْ سَافَرَ لِتَنْمِيَةِ الْمَالِ وَلَمْ يَبْنِ بِزَوْجَتِهِ، وَاحْتَمَلَ الْمَالُ الْإِنْفَاقَ مِنْهُ. (وَاكْتَسَى) مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى النَّفَقَةِ (إنْ طَالَ) زَمَنُ سَفَرِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا. وَالطُّولُ بِالْعُرْفِ. وَهُوَ مَا يُمْتَهَنُ بِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ أَيْ مَعَ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، فَالطُّولُ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَيْهَا.
(وَوُزِّعَ) مَا يُنْفِقُهُ (إنْ خَرَجَ) الْعَامِلُ (لِحَاجَةٍ) أُخْرَى غَيْرِ الْأَهْلِ وَالْقُرْبَةِ مَعَ الْخُرُوجِ لِلتِّجَارَةِ بِالْقِرَاضِ. فَإِذَا كَانَ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي عَمَلِ الْقِرَاضِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] لِكَوْنِهَا بِطَرِيقِهِ وَقَصْدُهُ - الْحَجُّ أَيْضًا - فَإِنَّ لَهُ النَّفَقَةَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ النُّسُكِ وَتَوَجُّهِهِ لِبَلَدِ التِّجَارَةِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [فَلَا إهْمَالَ]: أَيْ فِي كَلَامِنَا وَلَا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ. قَوْلُهُ: [وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ]: أَيْ فِي قَوْلِهِ: " أَوْ قَالَ أَنْفَقْتُ مِنْ غَيْرِهِ ". قَوْلُهُ: [بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ]: مَا ذَكَرَهُ مِنْ اعْتِبَارِ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الِاسْتِخْدَامِ تَبِعَ فِيهِ الشَّيْخَ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيَّ وَهُوَ الظَّاهِرُ، كَمَا قَالَ (بْن) بِدَلِيلِ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: الْخِدْمَةُ أَخَصُّ مِنْ النَّفَقَةِ وَكُلُّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي الْأَعَمِّ فَهُوَ شَرْطٌ فِي الْأَخَصِّ، خِلَافًا (لعب) . قَوْلُهُ: [إنْ طَالَ زَمَنُ سَفَرِهِ]: أَيْ فِي الطَّرِيقِ أَوْ طَالَتْ إقَامَتُهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ الْبِضَاعَةِ كَالْقِرَاضِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَسُقُوطِهِمَا فِيهَا. ثَالِثُهَا: الْكَرَاهَةُ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَالَ اللَّخْمِيُّ: الْعَادَةُ الْيَوْمَ لَا نَفَقَةَ وَلَا كِسْوَةَ فِيهَا، بَلْ إمَّا أَنْ يَعْمَلَ مُكَارَمَةً فَلَا نَفَقَةَ لَهُ أَوْ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا (اهـ بْن) . قَوْلُهُ: [عَلَيْهَا]: أَيْ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ. قَوْلُهُ: [فَإِذَا كَانَ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الشَّارِحَ ذَكَرَ طَرِيقَتَيْنِ فِي التَّوْزِيعِ: الْأُولَى: أَنَّ مَا يُنْفِقُهُ يُوَزَّعُ عَلَى مَا شَأْنُهُ أَنْ يُنْفَقَ فِي الْقِرَاضِ، وَعَلَى مَا شَأْنُهُ أَنْ يُنْفَقَ فِي الْحَاجَةِ، وَهَذَا مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْعُوفِيُّ.
[ ٣ / ٧٠٤ ]
مِائَةً، وَمَا يُنْفِقُهُ فِي ذَهَابِهِ لِلْحَاجَةِ مِائَةً، فَأَنْفَقَ مِائَةً، وُزِّعَتْ عَلَى الْقِرَاضِ وَالْحَاجَةِ مُنَاصَفَةً. وَلَوْ كَانَ مَا يُنْفِقُهُ فِي الْقِرَاضِ مِائَةً وَفِي الْحَاجَةِ خَمْسِينَ فَأَنْفَقَ مِائَةً، وُزِّعَتْ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ وَقِيلَ: يَنْظُرُ مَا بَيْنَ مَالِ الْقِرَاضِ، وَمَا يُنْفِقُهُ فِي الْحَاجَةِ وَيُوَزِّعُ مَا أَنْفَقَ عَلَى قَدْرِهِمَا هَذَا إذَا أَخَذَ الْقِرَاضَ قَبْلَ اكْتِرَائِهِ وَتَزَوُّدِهِ لِلْحَاجَةِ بَلْ. (وَلَوْ) أَخَذَهُ (بَعْدَ تَزَوُّدِهِ وَاكْتِرَائِهِ لَهَا): أَيْ لِلْحَاجَةِ - كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ - قَالَ فِيهَا: إنْ خَرَجَ فِي حَاجَةٍ لِنَفْسِهِ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ قِرَاضًا فَلَهُ أَنْ يَفُضَّ النَّفَقَةَ عَلَى مَبْلَغِ قِيمَةِ نَفَقَتِهِ وَمَبْلَغِ الْقِرَاضِ (اهـ) وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِ اللَّخْمِيِّ: مَنْ أَخَذَ قِرَاضًا، وَكَانَ خَارِجًا لِحَاجَتِهِ فَمَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ لَا شَيْءَ لَهُ كَمَنْ خَرَجَ إلَى أَهْلِهِ (اهـ) . وَلَعَلَّ الْفَرْقَ عَلَى مَا فِيهَا أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْقِرَاضِ وَالْحَاجَةِ قَصْدَ تَحْصِيلِ غَرَضٍ فِيهِ قُرْبَةٌ بِخِلَافِ الْأَهْلِ.
(وَلِكُلٍّ) مِنْ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ (فَسْخُهُ قَبْلَ) الشُّرُوعِ فِي (الْعَمَلِ): أَيْ شِرَاءِ السِّلَعِ بِالْمَالِ (وَلِرَبِّهِ) فَقَطْ الْفَسْخُ (إنْ تَزَوَّدَ) الْعَامِلُ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ التَّوْزِيعَ يَكُونُ عَلَى مَا شَأْنُهُ أَنْ يُنْفَقَ فِي الْحَاجَةِ وَمَبْلَغِ مَالِ الْقِرَاضِ، وَهَذَا مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَنَحْوَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، لَكِنْ نَظَرَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحِ - كَذَا فِي (بْن) . قَوْلُهُ: [فَمَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ]: أَيْ وَارْتَضَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: وَمَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ خِلَافُ نَصِّهَا. قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْأَهْلِ]: هَذَا الْفَرْقُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَهْلِ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ: الْأَقَارِبُ الَّذِينَ قَصَدَ صِلَتَهُمْ لَا الزَّوْجَةُ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَهَا لَا يُسَمَّى قُرْبَةً لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ السَّابِقِ - فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [فَسْخُهُ]: أَيْ فَسْخُ عَقْدِ الْقِرَاضِ. وَالْمُرَادُ بِالْفَسْخِ التَّرْكُ: وَالرُّجُوعُ عَنْهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ فَرْعُ الْفَسَادِ وَهُوَ غَيْرُ فَاسِدٍ. قَوْلُهُ: [قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ]: أَيْ وَقَبْلَ التَّزَوُّدِ لَهُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: [وَلِرَبِّهِ فَقَطْ]: إنَّمَا كَانَ لِرَبِّهِ فَقَطْ دُونَ الْعَامِلِ عِنْدَ التَّزَوُّدِ؛ لِأَنَّ التَّزَوُّدَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَامِلِ عَمَلٌ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُهُ.
[ ٣ / ٧٠٥ ]
[العامل أمين في القراض]
مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ (وَلَمْ يَظْعَنْ): أَيْ يَشْرَعْ فِي السَّفَرِ. وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ حِينَئِذٍ فَسْخٌ بَلْ الْكَلَامُ لِرَبِّ الْمَالِ، إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ لَهُ الْعَامِلُ غُرْمَ مَا اشْتَرَى بِهِ الزَّادَ. فَإِنْ تَزَوَّدَ الْعَامِلُ مِنْ مَالِهِ فَلَهُ الْفَسْخُ لَا لِرَبِّ الْمَالِ، إلَّا أَنْ يَدْفَعَ لَهُ مَا غَرِمَهُ فِي الزَّادِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ عَمِلَ فِي الْحَضَرِ أَوْ ظَعَنَ فِي السَّفَرِ (فَلِنَضُوضِهِ): أَيْ الْمَالِ بِبَيْعِ السِّلَعِ، وَلَا كَلَامَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي فَسْخِهِ.
(وَإِنْ اسْتَنَضَّهُ أَحَدُهُمَا) أَيْ طَلَبَ نَضُوضَهُ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ لِيَظْهَرَ الْمَالُ، وَطَلَبَ الْآخَرُ الصَّبْرَ لِغَرَضٍ كَزِيَادَةِ رِبْحٍ (نَظَرَ الْحَاكِمُ) فِيمَا هُوَ الْأَصْلَحُ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى نَضُوضِهِ جَازَ كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَةِ الْعُرُوضِ بِالْقِيمَةِ.
(وَالْعَامِلُ أَمِينٌ؛ فَالْقَوْلُ لَهُ فِي) دَعْوَى (تَلَفِهِ) أَيْ الْمَالِ (وَ)
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَظْعَنْ]: هُوَ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ مَعْنَاهُ الشُّرُوعُ فِي السَّفَرِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ قَالَ الشَّاعِرُ: أَقَاطِنٌ قَوْمُ سَلْمَى أَمْ نَوَوْا ظَعَنَا إنْ يَظْعَنُوا فَعَجِيبٌ عَيْشُ مَنْ قَطَنَا قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ لَهُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ: أَنَّ تَزَوُّدَ الْعَامِلِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ يَمْنَعُهُ مِنْ حَلِّ الْعَقْدِ مَا لَمْ يَدْفَعْ لِرَبِّ الْمَالِ عِوَضَهُ، وَلَا يُمْنَعُ رَبُّ الْمَالِ مِنْهُ، وَتَزَوُّدُهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَهُ حَلُّ الْعَقْدِ، وَيُمْنَعُ رَبُّ الْمَالِ مِنْهُ مَا لَمْ يَدْفَعْ لَهُ عِوَضَهُ؛ هَذَا مَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلتَّوْضِيحِ وَابْنِ عَرَفَةَ كَمَا فِي (بْن) خِلَافًا لِمَا فِي (عب) قَوْلُهُ: [فَلِنَضُوضِهِ]: أَيْ فَيَبْقَى الْمَالُ تَحْتَ يَدِ الْعَامِلِ لِنَضُوضِهِ أَيْ خُلُوصِهِ بِبَيْعِ السِّلَعِ. قَوْلُهُ: [فِيمَا هُوَ الْأَصْلَحُ]: أَيْ مِنْ تَعْجِيلٍ أَوْ تَأْخِيرٍ فَيُحْكَمُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاكِمٌ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَيَكْفِي مِنْهُمْ اثْنَانِ وَاسْتَظْهَرَ فِي الْحَاشِيَةِ كِفَايَةَ وَاحِدٍ عَارِفٍ يَرْضَيَانِهِ. تَنْبِيهٌ: إنْ مَاتَ الْعَامِلُ قَبْلَ النَّضُوضِ فَلِوَارِثِهِ الْأَمِينِ أَنْ يُكْمِلَهُ عَلَى حُكْمِ مَا كَانَ مُوَرِّثُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِينًا أَتَى بِأَمِينٍ كَالْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ سَلَّمَهُ لِرَبِّهِ هَدَرًا مِنْ غَيْرِ رِبْحٍ وَلَا أُجْرَةٍ كَمَا أَفَادَهُ الْأَصْلُ. [الْعَامِلُ أَمِينٌ فِي الْقِرَاضِ] قَوْلُهُ: [فَالْقَوْلُ لَهُ فِي دَعْوَى تَلَفِهِ]: وَكَذَا الْقَوْلُ لَهُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِمَالِ
[ ٣ / ٧٠٦ ]
دَعْوَى (خُسْرِهِ وَرَدِّهِ) لِرَبِّهِ بِيَمِينٍ فِي الْكُلِّ مَا لَمْ تَقُمْ عَلَى كَذِبِهِ قَرِينَةٌ أَوْ بَيِّنَةٌ (إنْ قَبَضَهُ بِلَا بَيِّنَةِ تَوَثُّقٍ): هَذَا شَرْطٌ فِي دَعْوَى رَدِّهِ فَقَطْ؛ أَيْ ادَّعَى رَدَّهُ لِرَبِّهِ فَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ بِيَمِينٍ إنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ بِهَا خَوْفَ دَعْوَى الرَّدِّ بِأَنْ قَبَضَهُ بِلَا بَيِّنَةٍ أَصْلًا أَوْ بَيِّنَةٍ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا التَّوَثُّقَ، فَإِنْ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ قَصَدَ رَبُّ الْمَالِ بِهَا التَّوَثُّقَ خَوْفًا مِنْ دَعْوَاهُ الرَّدَّ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهِ.
(أَوْ قَالَ) الْعَامِلُ: هُوَ (قِرَاضٌ وَ) قَالَ (رَبُّهُ): هُوَ (بِضَاعَةٌ) عِنْدَك لِتَشْتَرِيَ لِي بِهِ سِلْعَةَ كَذَا (بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ. وَعَكْسِهِ): فَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ فِيهِمَا. " وَالْوَاوُ " بِمَعْنَى " أَوْ ".
(أَوْ قَالَ) الْعَامِلُ (أَنْفَقْت) عَلَى نَفْسِي فِي السَّفَرِ (مِنْ غَيْرِهِ) فَلِي الرُّجُوعُ بِهِ فِي الْمَالِ، فَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ وَيَرْجِعُ بِمَا ادَّعَى، رَبِحَ أَوْ لَمْ يَرْبَحْ، كَانَ يُمْكِنُهُ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ أَمْ لَا بِيَمِينٍ حَيْثُ أَشْبَهَ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] الْقِرَاضِ إلَى الْآنَ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ (ح) كَذَا فِي (بْن) وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْعَامِلِ فِي التَّلَفِ وَالْخُسْرِ يَجْرِي فِي الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ. قَوْلُهُ: [بِيَمِينٍ]: هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ. وَقِيلَ: بِغَيْرِ يَمِينٍ. وَالْخُلْفُ جَارٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَيْمَانِ التُّهْمَةِ، وَفِيهَا أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: قِيلَ: تَتَوَجَّهُ مُطْلَقًا - وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ - وَقِيلَ: لَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: تَتَوَجَّهُ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا عِنْدَ النَّاسِ وَإِلَّا فَلَا - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [قَرِينَةٌ]: أَيْ بِأَنْ سُئِلَ تُجَّارُ بَلَدِ تِلْكَ السِّلَعِ هَلْ خَسِرَتْ فِي زَمَانِ كَذَا التِّجَارَةُ الْفُلَانِيَّةُ فَقَالُوا لَا نَعْلَمُ خَسَارَةَ تُجَّارٍ فِي تِلْكَ السِّلَعِ. قَوْلُهُ: [فِي دَعْوَى رَدِّهِ]: مَحَلُّ كَوْنِ الْقَوْلِ فِي دَعْوَى رَدِّهِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا ادَّعَى الْعَامِلُ رَدَّ رَأْسِ الْمَالِ وَجَمِيعِ الرِّبْحِ حَيْثُ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ، فَإِنْ ادَّعَى رَأْسَ الْمَالِ فَقَطْ مُقِرًّا بِبَقَاءِ رِبْحِ جَمِيعِهِ بِيَدِهِ أَوْ بِبَقَاءِ رِبْحِ الْعَامِلِ فَقَطْ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقُبِلَ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: يُقْبَلُ إنْ ادَّعَى رَدَّ رَأْسِهِ مَعَ حَظِّ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى رَدَّ رَأْسِ الْمَالِ فَقَطْ مَعَ بَقَاءِ جَمِيعِ الرِّبْحِ بِيَدِهِ فَلَا يُقْبَلُ وِفَاقًا لِلْمُدَوَّنَةِ. قَوْلُهُ: [فَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ فِيهِمَا]: أَيْ إنْ كَانَتْ الْمُنَازَعَةُ بَعْدَ الْعَمَلِ الْمُوجِبِ لِلُزُومِ الْقِرَاضِ، وَأَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ يَعْمَلُ فِي الْقِرَاضِ، وَمِثْلُ الْمَالِ يُدْفَعُ قِرَاضًا وَأَنْ يَزِيدَ
[ ٣ / ٧٠٧ ]
(وَ) الْقَوْلُ لَهُ (فِي جُزْءِ الرِّبْحِ) بِأَنْ ادَّعَى النِّصْفَ فِيهِ، وَادَّعَى رَبُّهُ الثُّلُثَ مَثَلًا فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ (إنْ أَشْبَهَ)، أَشْبَهَ رَبُّهُ أَمْ لَا. (وَالْمَالُ): أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي يَدَّعِيهِ - وَلَوْ ذَلِكَ الْجُزْءَ خَاصَّةً - (بِيَدِهِ أَوْ وَدِيعَةٌ) عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ بَلْ (وَإِنْ عِنْدَ رَبِّهِ) ثَبَتَ إيدَاعُهُ عِنْدَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ مِنْهُ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ. وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ يَرْجِعَانِ لِمَسْأَلَةِ الْإِنْفَاقِ أَيْضًا. (وَ) الْقَوْلُ (لِرَبِّهِ): أَيْ الْمَالِ (إنْ انْفَرَدَ) فِي دَعْوَى جُزْءِ الرِّبْحِ (بِالشَّبَهِ) . وَتَقَدَّمَ أَنَّهُمَا إذَا لَمْ يُشْبِهَا مَعًا فَفِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ (أَوْ قَالَ) رَبُّ الْمَالِ: إنَّهُ (قَرْضٌ): أَيْ سَلَفٌ عِنْدَك (فِي) ادِّعَاءِ (قِرَاضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ) مِنْ الْآخَرِ، فَالْقَوْلُ لِرَبِّهِ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَصْدِيقُ الْمَالِكِ فِي كَيْفِيَّةِ خُرُوجِ مَالِهِ مِنْ يَدِهِ.
(أَوْ) تَنَازَعَا (فِي جُزْءٍ) مِنْ الرِّبْحِ (قَبْلَ الْعَمَلِ) الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ اللُّزُومُ. فَالْقَوْلُ لِرَبِّهِ بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّ لَهُ فَسْخَهُ عَنْ نَفْسِهِ (مُطْلَقًا) أَشْبَهَ أَمْ لَا. (وَ) الْقَوْلُ (لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ) مِنْهُمَا: أَيْ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ، إذْ هُوَ الْأَصْلُ. وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ غَلَبَ الْفَسَادُ - وَقِيلَ: إنْ غَلَبَ الْفَسَادُ فَالْقَوْلُ لِمَنْ ادَّعَى الْفَسَادَ: فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا: كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَرْضًا. أَوْ: شَرَطْنَا مَا يَقِلُّ وُجُودُهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ كَانَ نَقْدًا، أَوْ: مَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] جُزْءُ الرِّبْحِ عَلَى أُجْرَةِ الْبِضَاعَةِ، وَإِنَّمَا قُبِلَ قَوْلُ الْعَامِلِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْمَالِ يَرْجِعُ لِلِاخْتِلَافِ فِي جُزْءِ الرِّبْحِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ الْعَمَلِ. قَوْلُهُ: [وَالْقَوْلُ لَهُ فِي جُزْءِ الرِّبْحِ]: أَيْ إنْ كَانَ التَّنَازُعُ بَعْدَ الْعَمَلِ لَا قَبْلَهُ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: [؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَصْدِيقُ الْمَالِكِ]: أَيْ وَلِأَنَّ الْعَامِلَ يَدَّعِي عَدَمَ ضَمَانِ مَا وَضَعَ عَلَيْهِ يَدَهُ، وَالْأَصْلُ فِي وَضْعِ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ الضَّمَانُ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى الْقَرْضَ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ: [وَظَاهِرُهُ وَلَوْ غَلَبَ الْفَسَادُ]: أَيْ؛ لِأَنَّ هَذَا الْبَابَ لَيْسَ مِنْ الْأَبْوَابِ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا الْفَسَادُ وَهَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
[ ٣ / ٧٠٨ ]
[مات وعنده قراض]
فَالْقَوْلُ لَهُ دُونَ الْآخَرِ وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الشُّرُوطِ.
(وَمَنْ مَاتَ وَقِبَلَهُ): أَيْ جِهَتَهُ وَعِنْدَهُ (قِرَاضٌ أَوْ وَدِيعَةٌ): أَوْ بِضَاعَةٌ، فَإِنْ وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ بِعَيْنِهِ وَثَبَتَ أُخِذَ بِعَيْنِهِ وَ(أُخِذَ مِنْ تَرِكَتِهِ) الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ (إنْ لَمْ يُوجَدْ) بِعَيْنِهِ، لِاحْتِمَالِ إنْفَاقِهِ أَوْ تَلَفِهِ بِتَفْرِيطِهِ. فَإِنْ ادَّعَى وَارِثُهُ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ رَدَّهُ أَوْ تَلِفَ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ: فَقَالَ الْعَوْفِيُّ: قُبِلَ قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: هَذَا خَطَأٌ، وَمُجَرَّدُ قَوْلِ الْوَارِثِ مَا ذُكِرَ لَا يُقْبَلُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْقَوْلِ. (وَتَعَيَّنَ بِوَصِيَّةٍ) بِأَنْ أَفْرَزَهُ، وَقَالَ: هَذَا قِرَاضُ فُلَانٍ، أَوْ وَدِيعَةٌ. (وَقُدِّمَ) إذَا أَوْصَى بِهِ (عَلَى الْغُرَمَاءِ) أَيْ عَلَى دُيُونِهِمْ الثَّابِتَةِ (فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ) بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ فَقَوْلُهُ: " فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: تَقْدِيرُهُ: الثَّابِتَةُ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي التَّوْضِيحِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الشُّرُوطِ]: أَيْ فَمَتَى ادَّعَى أَحَدُهُمَا مَسْأَلَةً مُسْتَوْفِيَةً لِلشُّرُوطِ وَادَّعَى الْآخَرُ اخْتِلَالَ بَعْضِ الشُّرُوطِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مُدَّعِي الصِّحَّةَ إلَّا لِبَيِّنَةٍ مِنْ الْآخَرِ عَلَى دَعْوَاهُ. [مَاتَ وَعِنْدَهُ قِرَاضٌ] قَوْلُهُ: [وَمَنْ مَاتَ]: أَيْ أَوْ أُسِرَ أَوْ فُقِدَ وَمَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةُ التَّعْمِيرِ. قَوْلُهُ: [قُبِلَ قَوْلُهُ]: أَيْ لِأَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَةَ مُوَرِّثِهِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إنْ ادَّعَى أَنَّ مُوَرِّثَهُ رَدَّهَا، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى الْوَارِثُ أَنَّ الرَّدَّ مِنْهُ فَلَا يُقْبَلُ اتِّفَاقًا، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ زِيَادَةُ بَيَانٍ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ قَوْلُ الْعَوْفِيِّ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ هُنَاكَ. قَوْلُهُ: [بِأَنْ أَفْرَزَهُ]: أَيْ عَيَّنَهُ، فَقَوْلُهُ: " وَقَالَ هَذَا قِرَاضُ فُلَانٍ " بَيَانٌ لِمَعْنَى الْإِفْرَازِ. قَوْلُهُ: [وَقُدِّمَ إذَا أَوْصَى بِهِ] إلَخْ: هَذَا إذَا وُجِدَ ذَلِكَ الْمَالُ الْمُفْرَزُ وَكَانَ الْمَيِّتُ الَّذِي عَيَّنَهُ غَيْرَ مُفْلِسٍ، كَانَ التَّعْيِينُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَصْلِهِ أَمْ لَا. وَأَمَّا إنْ كَانَ مُفْلِسًا قُبِلَ تَعْيِينُهُ لَهُ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَصْلِهِ سَوَاءٌ عَيَّنَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بِأَصْلِهِ لَا يُقْبَلُ تَعْيِينُهُ كَانَ صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا. وَأَمَّا إنْ عَيَّنَهُ بِالْوَصِيَّةِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الَّذِي عَيَّنَهُ، فَلَا شَيْءَ لِرَبِّهِ؛ بِخِلَافِ مَا أَوْصَى بِهِ مُجْمَلًا، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ فَإِنَّهُ إنْ وَجَدَهُ رَبُّهُ أَخَذَهُ وَإِلَّا حَاصَصَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ. وَفِي الْأُجْهُورِيِّ: لَوْ أَقَرَّ الْعَامِلُ بِكِرَاءِ حَانُوتٍ أَوْ أُجْرَةِ أَجِيرٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ بِبَقِيَّةِ ثَمَنٍ أَوْ نَحْوَ
[ ٣ / ٧٠٩ ]
[حكم الهبة أو التولية لسلعة من مال القراض]
(وَلَيْسَ لِعَامِلٍ): أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ (هِبَةٌ) لِغَيْرِ ثَوَابٍ، وَلَوْ لِاسْتِئْلَافٍ إنْ كَثُرَ (أَوْ تَوْلِيَةٌ) لِسِلْعَةٍ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، بِأَنْ يُعْطِيَهَا لِغَيْرِهِ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَى إذَا لَمْ يَخَفْ رُخْصَهَا، وَإِلَّا جَازَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْتِيَ بِطَعَامٍ كَغَيْرِهِ لِلْأَكْلِ مَا لَمْ يَقْصِدْ التَّفْضِيلَ عَلَى غَيْرِهِ بِزِيَادَةٍ لَهَا بَالٌ، وَإِلَّا مُنِعَ وَتَحَلَّلَ رَبَّ الْقِرَاضِ. فَإِنْ لَمْ يُسَامِحْهُ كَافَأَهُ وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] ذَلِكَ فَيَلْزَمُ مَالُ الْقِرَاضِ إنْ كَانَ إقْرَارُهُ قَبْلَ الْمُفَاضَلَةِ لَا بَعْدَهَا فَفِي جُزْئِهِ مَا عَلَيْهِ فَقَطْ. وَسُئِلَ الْأُجْهُورِيُّ: عَنْ عَامِلِ قِرَاضٍ أَرْسَلَ سِلَعًا لِأَبِيهِ فَأَخَذَهَا رَبُّ الْمَالِ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَ أَنَّهَا مِنْ سِلَعِ الْقِرَاضِ، وَأُسِرَ الْعَامِلُ فَجَاءَ مِنْهُ كِتَابٌ بِأَنَّ مَالَ الْقِرَاضِ عِنْدَهُ، وَأَنَّ السِّلَعَ مِنْ غَيْرِهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْعَامِلَ يُصَدَّقُ لِكَوْنِهِ أَمِينًا وَلَا يُنْظَرُ لِلتُّهْمَةِ وَإِقْرَارُ أَبِيهِ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْإِنْسَانِ لَا يَسْرِي عَلَى غَيْرِهِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . [حُكْمُ الْهِبَةِ أَوْ التَّوْلِيَة لِسِلْعَةٍ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ] قَوْلُهُ: [إنْ كَثُرَ]: أَيْ وَأَمَّا هِبَةُ الْقَلِيلِ - كَدَفْعِ لُقْمَةٍ لِسَائِلٍ وَنَحْوَهَا - فَجَائِزٌ. كَمَا يَجُوزُ هِبَةُ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرِيكِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ - حَيْثُ جَازَ لِلْأَوَّلِ هِبَةُ الْكَثِيرِ لِلِاسْتِئْلَافِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ دُونَ الثَّانِي - أَنَّ الْعَامِلَ رُجِّحَ فِيهِ أَنَّهُ أَجِيرٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ شَرِيكٌ مَرْجُوحٌ، وَحِينَئِذٍ فَالشَّرِيكُ أَقْوَى مِنْ الْعَامِلِ. قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يَقْصِدْ التَّفْضِيلَ عَلَى غَيْرِهِ]: ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَهَا بِ " الـ "، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهَا التَّفْضِيلَ الْجَوَازُ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ الْمَدَارُ عَلَى زِيَادَةٍ لَا تَسْمَحُ بِهَا النُّفُوسُ عَادَةً. قَوْلُهُ: [كَافَأَهُ]: أَيْ يُعَوِّضُهُ عَلَى قَدْرِ مَا أَكَلَهُ زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ.
[ ٣ / ٧١٠ ]