بَابٌ فِي اللَّقْطَةِ وَأَحْكَامِهَا (اللُّقَطَةُ): بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ: اسْمٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِمَا يُلْتَقَطُ بِفَتْحِ الْقَافِ. وَالْقِيَاسُ لُغَةً: أَنَّ فُعَلَةَ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَاعِلِ الَّذِي يَقَعُ مِنْهُ الْفِعْلُ كَثِيرًا؛ كَضُحَكَةٍ وَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ: لِكَثِيرِ الضَّحِكِ وَالْهَمْزِ وَاللَّمْزِ. وَأَنَّ مَا يُلْتَقَطُ بِفَتْحِ الْقَافِ يُسَمَّى لُقْطَةً بِسُكُونِهَا. (مَالٌ) فَغَيْرُهُ، لَا يُسَمَّى لُقَطَةً كَالصَّيْدِ وَالْحُرِّ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ صَغِيرًا يُسَمَّى لَقِيطًا (مَعْصُومٌ): أَيْ مُحْتَرَمٌ شَرْعًا فَخَرَجَ الرِّكَازُ، وَمَالُ الْحَرْبِيِّ (عَرَضَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ (لِلضَّيَاعِ) بِأَنْ وُجِدَ بِمَضْيَعَةٍ فِي غَامِرٍ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [بَابٌ فِي اللَّقْطَةِ وَأَحْكَامِهَا] بَابٌ: أَيْ فِي حَقِيقَتِهَا، وَالْمُرَادُ بِأَحْكَامِهَا مَسَائِلُهَا. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْبَابِ لِمَا قَبْلَهُ أَنَّ فِي كُلٍّ فِعْلَ خَيْرٍ؛ لِأَنَّ الْوَاهِبَ فَعَلَ خَيْرًا يَعُودُ عَلَيْهِ ثَوَابُهُ فِي الْآخِرَةِ وَالْمُلْتَقِطَ فَعَلَ خَيْرًا وَهُوَ الْحِفْظُ وَالتَّعْرِيفُ يَعُودُ عَلَيْهِ ثَوَابُهُ فِي الْآخِرَةِ. قَوْلُهُ: [اسْمٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِمَا يُلْتَقَطُ]: أَيْ وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَوُجُودُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ طَلَبٍ، وَهَذِهِ اللُّغَةُ أَشْهَرُ لُغَاتِهَا الْأَرْبَعِ. الثَّانِيَةُ: ضَمُّ اللَّامِ وَسُكُونُ الْقَافِ. الثَّالِثَةُ: لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَمْدُودَةً. الرَّابِعَةُ: لَقَطٌ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْقَافِ بِلَا هَاءٍ قَوْلُهُ: [كَالصَّيْدِ] أَيْ فَاصْطِيَادُ السَّمَكِ مِنْ الْمَاءِ وَالطَّيْرِ وَالْوَحْشِ مِنْ الْبَرَارِيِّ؛ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي حَوْزِ الْغَيْرِ لَا يُسَمَّى مَالًا فَهُوَ خَارِجٌ بِهَذَا الْقَيْدِ كَخُرُوجِ الْحُرِّ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ مُشْكِلٌ بَلْ يُقَالُ إنَّهُ مَالٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ أَيْ مُحْتَرَمٍ شَرْعًا فَيَخْرُجُ بِمَا خَرَجَ بِهِ الرِّكَازُ وَمَالُ الْحَرْبِيِّ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [يُسَمَّى لَقِيطًا]: أَيْ لِأَنَّ اللَّقِيطَ صَغِيرٌ آدَمِيٌّ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ وَلَا أُمُّهُ حُرٌّ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهِ. قَوْلُهُ: [بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ]: أَيْ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ لَا بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ مَا ضَاعَ وَلَمْ يَقْصِدْ ضَيَاعَهُ لَا يُسَمَّى لُقَطَةً، وَمَعْنَى عَرَضَ لِلضَّيَاعِ أَيْ
[ ٤ / ١٦٥ ]
[رد اللقطة لمن عرفها]
بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ أَوْ عَامِرٍ بِالْمُهْمَلَةِ: ضِدُّ الْأَوَّلِ، وَخَرَجَ بِهِ السَّرِقَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا كَانَ فِي حِفْظِ صَاحِبِهِ وَلَوْ حُكْمًا، كَمَا لَوْ وَضَعَهُ فِي مَكَان لِيَرْجِعَ إلَيْهِ، وَكَالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ وَالْحَبِّ فِي الزَّرْعِ وَالْجَرِينِ، وَخَرَجَ الْإِبِلُ أَيْضًا إذَا لَمْ يَعْرِضْ لَهَا ضَيَاعٌ. (وَإِنْ) كَانَ الْمَالُ الْمَعْصُومُ (كَلْبًا) مَأْذُونًا فِيهِ. وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَيْسَ بِمَالٍ، (وَفَرَسًا وَحِمَارًا) وَبَالَغَ عَلَى الْكَلْبِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْ مَنْعِ بَيْعِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَعَلَى مَا بَعْدَهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ كَضَالَّةِ الْإِبِلِ لَا يُلْتَقَطُ.
(وَرُدَّتْ) اللُّقَطَةُ وُجُوبًا (بِمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ): بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: ظَرْفُهَا مِنْ خِرْقَةٍ صُرَّتْ بِهَا أَوْ كِيسٍ (وَ) مَعْرِفَةِ (الْوِكَاءِ) بِالْمَدِّ: وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي رُبِطَتْ بِهِ.
(وَقُضِيَ لَهُ): أَيْ لِمَنْ عَرَفَهَا (عَلَى ذِي الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ): أَيْ عَلَى مَنْ عَرَفَهُمَا دُونَ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ (بِيَمِينٍ) . وَأَمَّا إنْ عَرَفَ الْعَدَدَ فَقَطْ أَوْ الْوَزْنَ فَقَطْ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] عَرَضَ لَهُ الضَّيَاعُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ نَحْوُ عَرَضَ الْحَوْضَ عَلَى النَّاقَةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. قَوْلُهُ: [بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ]: هُوَ الْخَرَابُ: قَوْلُهُ: [وَخَرَجَ بِهِ السَّرِقَةُ وَنَحْوُهَا] إلَخْ: الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ خَرَجَ بِهِ مَا كَانَ فِي حِفْظِ صَاحِبِهِ إلَخْ: فَإِنَّ أَخْذَهُ يُسَمَّى سَرِقَةً لَا لُقَطَةً. قَوْلُهُ: [وَالْجَرِينِ]: يَصْلُحُ لِلتَّمْرِ وَالْحَبِّ. قَوْلُهُ: [إذَا لَمْ يَعْرِضْ لَهَا]: ضَيَاعٌ أَيْ بِأَنْ كَانَتْ فِي مَحَلِّ أَمْنٍ شَأْنُهَا تُوجَدُ فِيهِ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا غَيْرُهُ]: أَيْ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ الْكِلَابِ. قَوْلُهُ: [مِنْ مَنْعِ بَيْعِهِ]: أَيْ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ حَيْثُ قَالَ أَبِيعُهُ وَأَحُجُّ بِثَمَنِهِ. قَوْلُهُ: [وَعَلَى مَا بَعْدَهُ]: يَعْنِي الْفَرَسَ وَالْحِمَارَ وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا. [رد اللُّقَطَةِ لِمَنْ عَرَفَهَا] قَوْلُهُ: [وَرُدَّتْ اللُّقَطَةُ] إلَخْ: أَيْ وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَبِّهَا أُجْرَةً وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَلَاوَةِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ قَوْلُهُ: [ظَرْفُهَا]: إنَّمَا سُمِّيَ عِفَاصًا أَخْذًا لَهُ مِنْ الْعَفْصِ وَهُوَ الثَّنْيُ لِأَنَّ الظَّرْفَ يُثْنَى عَلَى مَا فِيهِ. قَوْلُهُ: [أَيْ عَلَى مَنْ عَرَفَهُمَا]: أَيْ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَحَدَ الشَّخْصَيْنِ عَرَفَ
[ ٤ / ١٦٦ ]
فَيُقْضَى لِمَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ بِلَا يَمِينٍ.
(وَإِنْ وَصَفَ) شَخْصٌ (ثَانٍ وَصْفَ) شَخْصٍ (أَوَّلَ وَلَمْ يَنْفَصِلْ) الْأَوَّلُ (بِهَا) انْفِصَالًا يُمْكِنُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ (حَلَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا) . وَأَمَّا لَوْ انْفَصَلَ انْفِصَالًا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ؛ اخْتَصَّ بِهَا الْأَوَّلُ. (كَنُكُولِهِمَا) مَعًا؛ فَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَقُضِيَ لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ. (كَبَيِّنَتَيْنِ) تَسَاوَيَا فِي الْعَدَالَةِ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً (لَمْ يُؤَرِّخَا) مَعًا أَيْ لَمْ تَذْكُرْ كُلٌّ مِنْهُمَا تَارِيخًا، فَإِنَّهُمَا يَحْلِفَانِ وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ مِنْهُمَا عَلَى النَّاكِلِ كَمَا يُقْضَى لِذِي الْأَعْدَلِ (وَإِلَّا) - بِأَنْ أَرَّخَا مَعًا - (فَلِلْأَقْدَمِ تَارِيخًا لَا لِلْأَعْدَلِ)، وَلَوْ تَأَخَّرَتْ تَارِيخًا.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْآخَرَ عَرَفَ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ فَيَقْضِي لِعَارِفِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ بِيَمِينٍ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ وَصَفَ شَخْصٌ ثَانٍ]: حَاصِلُهُ أَنَّ اللُّقَطَةَ إذَا وَصَفَهَا شَخْصٌ وَصْفًا يَسْتَحِقُّهَا بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ بِهَا انْفِصَالًا يُمْكِنُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ بِأَنْ لَمْ يَنْفَصِلْ أَصْلًا أَوْ انْفَصَلَ بِهَا لَكِنْ لَا يُمْكِنُهُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ، ثُمَّ جَاءَ شَخْصٌ آخَرُ وَوَصَفَهَا بِوَصْفٍ مِثْلِ الْأَوَّلِ فِي كَوْنِهِ مُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِهَا سَوَاءٌ كَانَ عَيْنَ وَصْفِ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ نَكَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا يَحْلِفُ أَنَّهَا لَهُ وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، أَمَّا لَوْ انْفَصَلَ بِهَا الْأَوَّلُ انْفِصَالًا يُمْكِنُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ وَصْفَ الْأَوَّلِ أَوْ رَآهَا مَعَهُ فَعَرَفَ أَوْصَافَهَا. قَوْلُهُ: [فَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا]: أَيْ وَلَا يُرَجَّحُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَخَذَهَا بِوَضْعِ الْيَدِ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْحَوْزِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَجْهُولَاتِ وَهَذَا مَالٌ عُلِمَ أَنَّهُ لُقَطَةٌ كَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إنَّهَا تَكُونُ لِلْأَوَّلِ الَّذِي أَخَذَهَا لِتَرْجِيحِ جَانِبِهِ بِالْحَوْزِ كَذَا فِي (بْن) . قَوْلُهُ: [كَمَا يَقْضِي لِذِي الْأَعْدَلِ]: أَيْ إذَا أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً عَادِلَةً لَكِنَّ إحْدَاهُمَا أَشَدُّ عَدَالَةً فَيُقْضَى لِصَاحِبِهَا وَلَعَلَّهُ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَالَةِ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ. قَوْلُهُ: [تَأَخَّرَتْ تَارِيخًا]: الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ أَعَدَلَ أَيْ لَا تُقَدِّمْ الْأَعْدَلَ فِي حَالِ تَأَخُّرِ تَارِيخِهَا.
[ ٤ / ١٦٧ ]
[ضمان اللقطة]
(وَلَا ضَمَانَ عَلَى) مُلْتَقِطٍ (دَافِعٍ بِوَجْهٍ جَائِزٍ) حَيْثُ أَتَى ثَانٍ بِأَثْبَتَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ. وَيَصِيرُ الْكَلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُدَّعِي الثَّانِي وَبَيْنَ مَنْ أَخَذَهَا، وَيَجْرِي الْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. فَذُو الْبَيِّنَةِ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ. وَوَاصِفُ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ يُقَدَّمُ عَلَى وَاصِفِ غَيْرِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا وَذُو الْبَيِّنَةِ الْمُؤَرَّخَةِ يُقَدَّمُ عَلَى مَا لَمْ تُؤَرَّخْ. فَإِنْ أَرَّخَا مَعًا قُدِّمَ صَاحِبُ الْأَقْدَمِ تَأْرِيخًا فَإِنْ لَمْ يُؤَرِّخَا لِعَدَمِ الْأَعْدَلِ. فَإِنْ تَسَاوَيَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا؛ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ. (وَاسْتُؤْنِيَ): أَيْ يَجِبُ التَّرَبُّصُ وَعَدَمُ الدَّفْعِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ لِمَنْ أَتَى (بِالْوَاحِدَةِ) فَقَطْ مِنْ صِفَتَيْ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ لَا مِنْ غَيْرِهِمَا كَمَا فِي النَّقْلِ (إنْ جَهِلَ) الْوَاصِفُ (غَيْرَهَا): أَيْ غَيْرَ الْوَاحِدَةِ لَعَلَّ غَيْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَثْبَتَ مِمَّا وَصَفَهَا فَيَسْتَحِقَّهَا.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [ضَمَان اللُّقَطَة] قَوْلُهُ: [حَيْثُ أَتَى ثَانٍ بِأَثْبَتَ مِنْ الْأَوَّلِ]: أَيْ بِأَنْ بَيَّنَ الثَّانِي الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْأَوَّلَ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ]: أَيْ وَلَوْ كَانَ ثُبُوتُهَا لِلثَّانِي بِالْبَيِّنَةِ. قَوْلُهُ: [فَذُو الْبَيِّنَةِ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ]: أَيْ وَتُنْزَعُ لَهُ مِنْ يَدِ ذَلِكَ الْغَيْرِ. قَوْلُهُ: [عَلَى وَاصِفِ غَيْرِهِمَا]: أَيْ بِأَنْ وَصَفَ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ. وَقَوْلُهُ: [أَوْ أَحَدِهِمَا]: أَيْ بِأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى غَيْرِهِمَا. قَوْلُهُ: [عَلَى مَا لَمْ تُؤَرَّخْ]: مَا وَاقِعَةٌ عَلَى بَيِّنَةٍ فَالْأَوْلَى مَنْ. قَوْلُهُ: [لَمْ يُؤَرَّخَا]: أَيْ الْمِلْكُ وَقِيلَ السُّقُوطُ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَسَاوَيَا]: أَيْ فِي الْعَدَالَةِ وَالتَّارِيخِ وُجُودًا وَعَدَمًا. قَوْلُهُ: [إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا]: أَيْ فَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُمَا إذَا نَكَلَا تَبْقَى بِيَدِ الْمُلْتَقِطِ وَلَا تُعْطَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ: [إنْ جَهِلَ الْوَاصِفُ غَيْرَهَا]: أَيْ بِأَنْ قَالَ حِينَ السُّؤَالِ لَا أَدْرِي مَا هُوَ أَوْ كُنْت أَعْلَمُهُ وَنَسِيته وَلَا يُعَارِضُ الِاسْتِينَاءُ مَا مَرَّ مِنْ دَفْعِهَا لِوَاصِفِ الْعِفَاصِ دُونَ مَنْ عَرَفَ الْوَزْنَ وَالْعَدَدَ؛ لِأَنَّ دَفْعَهَا لَا يُنَافِي الِاسْتِينَاءُ.
[ ٤ / ١٦٨ ]
فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَثْبَتَ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَصْلًا أَخَذَهَا الْأَوَّلُ. (لَا) إنْ (غَلِطَ): أَيْ ادَّعَى الْغَلَطَ بِأَنْ ذَكَرَ الصِّفَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى خِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: كَذَبْت، فَادَّعَى الْغَلَطَ؛ فَلَا يُسْتَأْنَى وَلَا تُدْفَعُ لَهُ أَصْلًا، بِخِلَافِ الْجَاهِلِ فَإِنَّهُ مَعْذُورٌ حَيْثُ قَالَ لَا أَدْرِي أَوْ نَسِيته. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " عَلَى الْأَظْهَرِ، ثَانِيهَا: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقَبُولِ، ثَالِثُهَا: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي عَدَمِهِ.
(فَإِنْ أَثْبَتَ غَيْرُهُ): أَيْ غَيْرُ الْجَاهِلِ بِالْأُخْرَى (أَكْثَرَ) بِأَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ مَعًا (أَخَذَهَا) دُونَ الْأَوَّلِ الْآتِي بِالْوَحْدَةِ فَقَطْ، وَيَبْقَى مَا إذَا ذَكَرَ الْأَوَّلُ الْعِفَاصَ فَقَطْ أَوْ الْوِكَاءَ، وَذَكَرَ الثَّانِي الصِّفَةَ الثَّانِيَةَ فَقَطْ، هَلْ تَكُونُ بَعْدَ الِاسْتِينَاءُ لِلْأَوَّلِ؟ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يَأْتِ بِأَثْبَتَ - كَمَا يُفِيدُهُ مَا تَقَدَّمَ - أَوْ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ حَلِفِهِمَا؟ وَاسْتُظْهِرَ لِتَعَادُلِهِمَا فِي الْوَصْفِ، وَالْأَسْبَقِيَّةُ لَا تَقْتَضِي اسْتِحْقَاقًا.
(وَوَجَبَ) عَلَى مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً (أَخْذُهَا لِخَوْفِ خَائِنٍ): أَيْ عِنْدَ خَوْفِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَثْبَتَ مِنْ الْأَوَّلِ]: أَيْ بِأَنْ كَانَ وَصْفُ الْأَوَّلِ أَكْثَرَ إثْبَاتًا هَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَأَمَّا إذَا تَسَاوَيَا فِي الْإِثْبَاتِ فَإِنَّهَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: [قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ]: أَيْ قَالَ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي. بِخِلَافِ مَا إذَا عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ أَوْ أَحَدَهُمَا وَغَلِطَ فِي الصِّفَةِ فَقَطْ كَأَنْ قَالَ بَنَادِقَةٌ فَإِذَا هِيَ مَحَابِيبُ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ قَالَ هِيَ يَزِيدِيَّةٌ فَإِذَا هِيَ مُحَمَّدِيَّةٌ أَوْ الْعَكْسُ، فَإِنَّهَا لَا تُدْفَعُ لَهُ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ عَلَى مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً]: حَاصِلُ هَذَا الْمَبْحَثِ أَنَّ مُرِيدَ الِالْتِقَاطِ إمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ أَوْ خِيَانَتَهَا أَوْ يَشُكَّ فِيهَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَخَافَ الْخَائِنَ لَوْ تَرَكَ الْأَخْذَ أَوْ لَا فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِشَرْطَيْنِ إنْ خَافَ الْخَائِنَ وَلَمْ يَعْلَمْ خِيَانَةَ نَفْسِهِ بِأَنْ عَلِمَ أَمَانَتَهَا أَوْ شَكَّ فِيهَا، فَإِنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ حَرُمَ الْأَخْذُ خَافَ الْخَائِنَ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْخَائِنَ كُرِهَ عَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ أَوْ شَكَّ فِيهَا فَالْوُجُوبُ فِي صُورَتَيْنِ وَكَذَا الْحُرْمَةُ وَكَذَا الْكَرَاهَةُ. هَذَا حَاصِلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِحِ وَهُوَ التَّحْرِيرُ.
[ ٤ / ١٦٩ ]
[تعريف اللقطة]
خَائِنٍ لَا يَعْرِفُهَا لِيَحْفَظَهَا لِرَبِّهَا مِنْ الْخَائِنِ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ) أَخْذُهَا. (وَإِلَّا) يَخَفْ خَائِنًا (كُرِهَ) أَخْذُهَا مَعَ عِلْمِهِ أَمَانَةَ نَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي خِيَانَةِ نَفْسِهِ بِالْأَوْلَى.
(وَ) وَجَبَ (تَعْرِيفُهَا) عَلَى مَنْ الْتَقَطَهَا (سَنَةً) كَامِلَةً (إنْ كَانَ لَهَا بَالٌ وَ) يُعَرِّفُ (نَحْوَ الدَّلْوِ وَالدِّينَارِ) - فَأَقَلَّ - (الْأَيَّامَ) لِأَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهَا النُّفُوسُ كُلَّ الِالْتِفَاتِ. قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: مَا قَلَّ وَلَهُ قَدْرٌ وَمَنْفَعَةٌ وَيَشِحُّ رَبُّهُ بِهِ وَيَطْلُبُهُ يُعَرَّفُ اتِّفَاقًا، وَفِي تَعْرِيفِهِ سَنَةً أَوْ أَيَّامًا قَوْلَانِ. وَمَا قَلَّ وَلَا يَطْلُبُهُ عَادَةً فَلِابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ لِمَنْ وَجَدَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُهُ فَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ (انْتَهَى) .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَوَّلَ بَعْضُهُمْ الْمُدَوَّنَةَ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِمْ (انْتَهَى)، فَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَرَكَ قَوْلَ الْأَكْثَرِ وَرَدَّ عَلَيْهِ بِ " لَوْ " بِقَوْلِهِ: " وَلَوْ كَدَلْوٍ "، وَنَحْنُ دَرَجْنَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ وَالتَّعْرِيفُ يَكُونُ. (بِمَظَانِّ طَلَبِهَا وَبِبَابِ الْمَسْجِدِ) لَا دَاخِلِهِ (فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ) مَرَّةً
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [لَا يَعْرِفُهَا]: صِفَةٌ لِخَائِنٍ. وَقَوْلُهُ: [لِيَحْفَظَهَا]: عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ " أَخَذَهَا ". قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَخَفْ خَائِنًا كُرِهَ]: اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخَفْ خَائِنًا وَعَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالتَّفْصِيلُ، يُسْتَحَبُّ فِيمَا لَهُ بَال وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهِ وَاخْتَارَ التُّونُسِيُّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخَفْ خَائِنًا وَشَكَّ فِي أَمَانَةِ نَفْسِهِ فَالْكَرَاهَةُ اتِّفَاقًا. [تَعْرِيف اللُّقَطَة] قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ لَهَا بَالٌ]: أَيْ بِأَنْ كَانَتْ فَوْقَ الدَّلْوِ وَالدِّينَارِ. وَقَوْلُهُ: [فَأَقَلَّ]: أَيْ أَقَلِّيَّةً لَا تَصِلُ لِلتَّافِهِ. قَوْلُهُ: [قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ]: أَيْ ابْنُ رُشْدٍ. قَوْلُهُ: [وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي]: أَيْ فِي تَعْرِيفِ الشَّيْءِ الْقَلِيلِ الَّذِي لَهُ قَدْرٌ وَمَنْفَعَةٌ أَيَّامًا. قَوْلُهُ: [بِقَوْلِهِ وَلَوْ كَدَلْوٍ]: أَيْ حَيْثُ قَالَ وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً وَلَوْ كَدَلْوٍ. قَوْلُهُ: [وَبِبَابِ الْمَسْجِدِ]: أَيْ وَمِثْلُهُ السُّوقُ. قَوْلُهُ: [لَا دَاخِلَهُ]: أَيْ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِاحْتِرَامِ الْمَسْجِدِ. قَوْلُهُ: [فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ]: هَذَا فِي غَيْرِ أَوَّلِ زَمَانِ التَّعْرِيفِ إذْ فِي أَوَّلِهِ يَنْبَغِي أَنْ
[ ٤ / ١٧٠ ]
(بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ) لِأَمَانَتِهِ. وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ دَفَعَهَا لِأَمِينٍ يُعَرِّفُهَا.
(أَوْ) يُعَرِّفُهَا غَيْرُهُ (بِأُجْرَةٍ مِنْهَا، إنْ لَمْ يَلِقْ) التَّعْرِيفُ (بِمِثْلِهِ) لِكَوْنِهِ مِنْ أُولِي الْهَيْئَاتِ؛ وَإِلَّا ضَمِنَ؛ كَمَا لَوْ تَرَاخَى فِي التَّعْرِيفِ حَتَّى هَلَكَتْ. (وَ) عَرَّفَهَا (بِالْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ مِنْ مَظَانِّ طَلَبِهَا.
(وَلَا يَذْكُرُ) الْمُعَرِّفُ (جِنْسَهَا) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ بِوَصْفٍ عَامٍّ: كَأَمَانَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ شَيْءٍ، لِأَنَّ ذِكْرَ جِنْسِهَا الْخَاصِّ رُبَّمَا أَدَّى بَعْضَ أَذْهَانِ الْحُذَّاقِ إلَى ذِكْرِ عِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَفِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً، كَمَا ذَكَرَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّإِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [بِنَفْسِهِ]: مُتَعَلِّقٌ بِتَعْرِيفِهَا كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ بِمَظَانِّ طَلَبِهَا كَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الْبَاءَيْنِ لِأَنَّ الْبَاءَ الْأُولَى بِمَعْنَى فِي وَالثَّانِيَةَ لِلْآلَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ دَفَعَهَا لِأَمِينٍ] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِهْ فِي الْأَمَانَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُودَعِ حَيْثُ يَضْمَنُ إنْ أَوْدَعَ وَلَوْ أَمِينًا لِغَيْرِ عُذْرٍ أَنَّ رَبَّهَا هُنَا لَمْ يُعَيِّنْهُ لِحِفْظِهَا بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ. قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَلِقْ التَّعْرِيفُ بِمِثْلِهِ]: قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا ضَمِنَ]: أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَرِّفُ مِثْلَهُ وَاسْتَأْجَرَ مَنْ يُعَرِّفُهَا مِنْهَا وَضَاعَتْ مِنْهُ ضَمِنَ وَهَذَا الْقَيْدُ تَبِعَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ خَلِيلًا التَّابِعَ لِابْنِ الْحَاجِبِ، ابْنُ عَرَفَةَ وَظَاهِرُ اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَدْفَعَهَا لِمَنْ يُعَرِّفُهَا بِأُجْرَةٍ مِنْهَا وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ يَلِي تَعْرِيفَهَا بِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ (اهـ بْن) . قَوْلُهُ: [وَعَرَّفَهَا بِالْبَلَدَيْنِ] إلَخْ: قَالَ اللَّقَانِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَقْرَبَ مِنْ الْأُخْرَى، وَيَنْبَغِي إذَا كَانَتْ أَقْرَبَ إلَى إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى قُرْبًا مُتَأَكِّدًا بِحَيْثُ يَقْطَعُ الْقَاطِعُ بِأَنَّهَا مِنْ هَذِهِ دُونَ الْأُخْرَى أَنَّهُ إنَّمَا يُعَرِّفُهَا فِي الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ. قَوْلُهُ: [كَأَمَانَةٍ]: مِثْلُ ذَلِكَ مَنْ ضَاعَ لَهُ ضَائِعٌ.
[ ٤ / ١٧١ ]
[حبس اللقطة]
[لقطة مكة]
(وَلَا يُعَرَّفُ) شَيْءٌ (تَافِهٌ) وَهُوَ مَا لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ النَّفْسُ عَادَةً؛ كَدُونَ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ وَعَصًا وَسَوْطٍ، وَكَقَلِيلٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ وَلَهُ أَكْلُهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ رَبَّهُ، وَإِلَّا مُنِعَ وَضَمِنَ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَا فَوْقَ التَّافِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَالٌ قَوِيٌّ؛ كَالدَّلْوِ وَالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ يُعَرَّفُ أَيَّامًا بِمُقْتَضَى النَّظَرِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ؛ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ.
(وَلَهُ): أَيْ لِلْمُلْتَقِطِ (حَبْسُهَا): أَيْ اللُّقَطَةِ عِنْدَهُ (بَعْدَهَا): أَيْ السَّنَةِ لَعَلَّهُ أَنْ يَظْهَرَ صَاحِبُهَا (أَوْ التَّصَدُّقُ بِهَا) عَنْ رَبِّهَا أَوْ عَنْ نَفْسِهِ (أَوْ التَّمَلُّكُ) لَهَا بِأَنْ يَنْوِيَ تَمَلُّكَهَا،
(وَلَوْ) وَجَدَهَا (بِمَكَّةَ) فَلَهُ أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ. وَقِيلَ: إنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ يَجِبُ تَعْرِيفُهَا أَبَدًا عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا وَلَا التَّصَدُّقُ بِهَا.
(وَضَمِنَ) الْمُلْتَقِطُ (فِيهِمَا): أَيْ فِي التَّصَدُّقِ بِهَا وَلَوْ عَنْ رَبِّهَا وَفِي نِيَّةِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَلَا يُعَرَّفُ شَيْءٌ تَافِهٌ]: قَدَّمَ أَوَّلًا أَنَّ مَا لَهُ بَالٌ مِمَّا كَانَ فَوْقَ الدِّينَارِ وَنَحْوِهِ يُعَرَّفُ سَنَةً وَنَحْوُ الدَّلْوِ وَالدِّينَارِ يُعَرَّفُ الْأَيَّامَ وَأَفَادَ هُنَا أَنَّ التَّافِهَ لَا يُعَرَّفُ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا مُنِعَ]: أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ عُلِمَ رَبُّهُ وَإِنَّمَا مُنِعَ أَكْلُهُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لُقَطَةً، بَلْ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. [حَبْسُ اللُّقَطَةِ] قَوْلُهُ: [أَيْ لِلْمُلْتَقِطِ حَبْسُهَا] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَخْيِيرِ الْمُلْتَقِطِ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ إذَا كَانَ غَيْرَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا حَبْسُهَا أَوْ بَيْعُهَا لِصَاحِبِهَا وَوَضْعُ ثَمَنِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَيْسَ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهَا وَلَا تَمَلُّكُهَا لِمَشَقَّةِ خَلَاصِ مَا فِي ذِمَّتِهِ. بِخِلَافِ غَيْرِهِ (اهـ عب) . [لقطة مَكَّة] قَوْلُهُ: [وَقِيلَ إنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ] إلَخْ: أَيْ كَمَا هُوَ لِلْبَاجِيِّ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ. قَوْلُهُ: [عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ]: أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ - ﵊ -: «لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ الْحَاجِّ»، وَقَوْلُهُ - ﵊ -: «إنَّ لُقَطَتَهَا لَا تَحِلُّ إلَّا لِمُنْشِدٍ»، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْبَاجِيُّ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ وَلِذِكْرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بَعْدَ جُمْلَةِ لَا تَحِلُّ فِيهَا أَبَدًا وَهِيَ: «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا»؛ أَيْ لَا يُقْطَعُ حَشِيشُهَا، وَالْأَصْلُ تَجَانُسُ الْمَعْطُوفَاتِ فِي النَّفْيِ الْأَبَدِيِّ. وَأَجَابَ الْمَشْهُورُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا تَحِلُّ قَبْلَ السَّنَةِ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى ذَلِكَ فِي مَكَّةَ مَعَ أَنَّ عَدَمَ حِلِّهَا قَبْلَ السَّنَةِ عَامٌّ فِي مَكَّةَ وَغَيْرِهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ تَعْرِيفِ لَقَطَهَا بِانْصِرَافِ الْحُجَّاجِ فَتَأَمَّلْ.
[ ٤ / ١٧٢ ]
[التصدق باللقطة]
تَمَلُّكِهَا إذَا جَاءَ رَبُّهَا. (كَنِيَّةِ أَخْذِهَا): أَيْ كَمَا يَضْمَنُ إذَا أَخَذَهَا بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا (قَبْلَهَا): أَيْ قَبْلَ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ بِتِلْكَ النِّيَّةِ صَارَ كَالْغَاصِبِ فَيَضْمَنُهَا لِرَبِّهَا وَلَوْ تَلِفَتْ بِسَمَاوِيٍّ بَعْدَ تِلْكَ النِّيَّةِ. وَأَوْلَى لَوْ نَوَى التَّمَلُّكَ عِنْدَ الْتِقَاطِهَا. (وَ) ضَمِنَ فِي (رَدِّهَا لِمَوْضِعِهَا)؛ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ وَأَوْلَى لِغَيْرِهِ (بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ) وَالتَّعْرِيفِ، سَوَاءٌ رَدَّهَا بَعْدَ بُعْدٍ أَوْ قُرْبٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ رَدَّهَا بِقُرْبٍ فَلَا ضَمَانَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: " إلَّا بِقُرْبٍ فَتَأْوِيلَانِ ". وَمَفْهُومٌ لِلْحِفْظِ - أَيْ التَّعْرِيفِ - أَنَّهُ إنْ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ الِاغْتِيَالِ فَلَا ضَمَانَ بِرَدِّهَا لِمَوْضِعِهَا مُطْلَقًا لِوُجُوبِ رَدِّهَا عَلَيْهِ؛ وَأَمَّا لَوْ أَخَذَهَا لِيَسْأَلَ عَنْهَا مُعَيِّنًا فَلَا ضَمَانَ إنْ رَدَّهَا بِقُرْبٍ لِوُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِ فَوْرًا. وَضَمِنَ إنْ رَدَّهَا بِبُعْدٍ، وَهَذَا الثَّالِثُ؛ هُوَ مَحْمَلُ قَوْلِنَا فِي شَرْحِ كَلَامِ الشَّيْخِ: " وَعَنْ بُعْدٍ ضَمِنَ " أَخَذَهَا لِلْحِفْظِ أَمْ لَا، أَيْ بِأَنْ أَخَذَهَا لِيَسْأَلَ عَنْهَا مُعَيِّنًا.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [التَّصَدُّقِ بِاللُّقَطَةِ] قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى لَوْ نَوَى التَّمَلُّكَ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ: الْأُولَى مَا إذَا رَآهَا مَطْرُوحَةً فَنَوَى أَخْذَهَا تَمَلُّكًا ثُمَّ تَرَكَهَا وَلَمْ يَأْخُذْهَا فَتَلِفَتْ. الثَّانِيَةُ مَا إذَا نَوَى تَمَلُّكَهَا وَأَخَذَهَا فَتَلِفَتْ. الثَّالِثَةُ مَا إذَا أَخَذَهَا لِلتَّعْرِيفِ ثُمَّ نَوَى تَمَلُّكَهَا قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ؛ فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ نِيَّةَ الِاغْتِيَالِ وَحْدَهَا لَا تُعْتَبَرُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الضَّمَانُ قَطْعًا لِمُصَاحَبَةِ فِعْلِهِ لِنِيَّتِهِ، وَفِي الثَّالِثَةِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نَظَرًا إلَى أَنَّ نِيَّةَ الِاغْتِيَالِ مُجَرَّدَةٌ عَنْ مُصَاحَبَةِ فِعْلِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ بِالضَّمَانِ نَظَرًا إلَى أَنَّ نِيَّةَ الِاغْتِيَالِ قَدْ صَاحَبَهَا فِعْلٌ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ التَّعْرِيفِ، وَارْتَضَاهُ (ح) وَمَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا. قَوْلُهُ: [وَالتَّعْرِيفِ]: عَطْفُ تَفْسِيرٍ. قَوْلُهُ: [فَلَا ضَمَانَ بِرَدِّهَا لِمَوْضِعِهَا]: أَيْ بَلْ الضَّمَانُ بِإِبْقَائِهَا لِمُخَالَفَةِ الْوَاجِبِ. قَوْلُهُ: [وَضَمِنَ إنْ رَدَّهَا بِبُعْدٍ]: إنَّمَا ضَمِنَ فِي الْبُعْدِ لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنَّ صَاحِبَهَا جَاءَ لِلْمَكَانِ بِقُرْبٍ وَأَيِسَ مِنْهَا فَلَا يَعُودُ فِي الْبُعْدِ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِنَا فِي شَرْحِ كَلَامِ الشَّيْخِ] إلَخْ: لَكِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ أَخَذَهَا لِلْحِفْظِ أَمْ لَا خُرُوجٌ عَنْ الْمَوْضُوعِ: لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ أَنَّهُ أَخَذَهَا لَا لِلْحِفْظِ بَلْ لِيَسْأَلَ عَنْهَا.
[ ٤ / ١٧٣ ]
[أكل ما يفسد من اللقطة]
(وَالرَّقِيقُ) فِي الِالْتِقَاطِ (كَالْحُرِّ) فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ حُرْمَةٍ أَوْ كَرَاهَةٍ وَتَعْرِيفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ. (وَ) الضَّمَانُ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِمَا مَرَّ (قَبْلَ السَّنَةِ) يَكُونُ (فِي رَقَبَتِهِ) فَيُبَاعُ فِيهَا مَا لَمْ يَفْدِهِ سَيِّدُهُ. وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ عَنْهُ وَبَعْدَ السَّنَةِ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ فَيُتْبَعُ بِهَا إنْ عَتَقَ وَلَا يُبَاعُ فِيهَا.
(وَلَهُ): أَيْ لِلْمُلْتَقِطِ - حُرًّا أَوْ رَقِيقًا - (أَكْلُ مَا يَفْسُدُ) لَوْ تَرَكَهُ؛ كَثَرِيدٍ وَلَحْمٍ وَفَاكِهَةٍ وَخُضَرٍ، بِخِلَافِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَفْسُدُ، فَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهُ (وَلَوْ) وَجَدَهُ (بِقَرْيَةٍ) كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) فِي أَكْلِهِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَالرَّقِيقُ]: أَيْ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ. قَوْلُهُ: [مِنْ وُجُوبٍ]: أَيْ وَهُوَ فِي صُورَتَيْنِ. قَوْلُهُ [أَوْ حُرْمَةٍ]: أَيْ وَهِيَ فِي صُورَتَيْنِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: [أَوْ كَرَاهَةٍ]: أَيْ وَهِيَ فِي صُورَتَيْنِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: [وَتَعْرِيفٍ]: أَيْ وَوُجُوبِ تَعْرِيفٍ مِنْ سَنَةٍ أَوْ أَيَّامٍ. وَقَوْلُهُ: [وَغَيْرِ ذَلِكَ]: أَيْ كَالْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْدَ أَمَدِ التَّعْرِيفِ وَبَاقِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ. قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ]: أَيْ الِالْتِقَاطِ لِأَنَّهُ يُعَرِّفُهَا حَالَ خِدْمَتِهِ فَلَا تَشْغَلُهُ. قَوْلُهُ: [وَبَعْدَ السَّنَةِ]: أَيْ إذَا ضَاعَتْ بَعْدَ السَّنَةِ بِتَفْرِيطٍ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا وَتَمَلَّكَهَا [أَكْلُ مَا يَفْسُدُ مِنْ اللُّقَطَةِ] قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ التَّمْرِ]: إلَخْ سَيَأْتِي يُصَرِّحُ الْمَتْنُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ هُنَا فَإِنَّهُ أَوْجَبَ التَّعْقِيدَ قَوْلُهُ: [وَلَوْ وَجَدَهُ بِقَرْيَةٍ]: مُبَالَغَةٌ عَلَى أَكْلِ مَا يَفْسُدُ. وَقَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ]: تَشْبِيهٌ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّرَ قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلٍ حَيْثُ كَانَ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا يُتَوَهَّمُ لَوْ وُجِدَ بِقَرْيَةٍ. قَوْلُهُ: [وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ]: الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَا يَفْسُدُ، وَالْمَعْنَى لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ بَعْدَ الِاسْتِينَاءُ بِقَدْرِ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا قَلَّ ثَمَنُهُ أَوْ كَثُرَ، وَلَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ بِيعَ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ. وَقَالَ فِي
[ ٤ / ١٧٤ ]
(كَغَيْرِهِ): أَيْ غَيْرِ مَا يُفْسِدُهُ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فَلَهُ أَكْلُهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ) لِقِلَّتِهِ جِدًّا؛ نَحْوُ التَّمْرَةِ وَالزَّبِيبَةِ فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ فَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهُ. فَإِنْ أَكَلَهُ ضَمِنَ.
(وَ) لَهُ أَكْلُ (شَاةٍ) مِنْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ وَجَدَهَا (بِفَيْفَاءَ) لَا بِعُمْرَانٍ وَعَسُرَ عَلَيْهِ حَمْلُهَا لِلْعُمْرَانِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهَا. فَإِنْ تَيَسَّرَ حَمْلُهَا وَجَبَ عَلَيْهِ حَمْلُهَا وَتَعْرِيفُهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ. (فَإِنْ حَمَلَهَا): أَيْ الشَّاةَ الَّتِي يَجُوزُ أَكْلُهَا لِعُسْرِ حَمْلِهَا، بِأَنْ تَكَلَّفَ حَمْلَهَا
_________________
(١) [حاشية الصاوي] الْمَجْمُوعِ لَهُ أَكْلُ مَا يَفْسُدُ وَضَمِنَ مَا لَهُ ثَمَنٌ (اهـ) . قَوْلُهُ: [فَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهُ]: هَذَا ظَاهِرٌ إنْ كَانَ مِمَّا يُعَرَّفُ بِأَنَّهُ كَانَ ثَمَنُهُ يَزِيدُ عَلَى الدَّرَاهِمِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعَرَّفُ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِ أَكْلِهِ، وَإِنَّمَا إذَا أَكَلَهُ ضَمِنَهُ لِرَبِّهِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَكَلَهُ ضَمِنَ]: أَيْ حَيْثُ وُجِدَ رَبُّهُ. وَحَاصِلُ التَّحْرِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ إذَا الْتَقَطَ طَعَامًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَفْسُدَ بِالتَّأْخِيرِ أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعَرَّفُ أَوْ أَقَلَّ مِمَّا يُعَرَّفُ أَوْ لَا ثَمَنَ لَهُ أَصْلًا كَالتَّمْرَةِ وَالزَّبِيبَةِ وَالْعِنَبَةِ. فَهَذِهِ سِتٌّ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَفْسُدُ أُكِلَ بَعْدَ الِاسْتِينَاءُ قَلِيلًا، فَإِنْ ظَهَرَ رَبُّهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا عَلَى مَا لِلْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ، وَضَمِنَ قِيمَتَهُ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ عَلَى مَا لِابْنِ رُشْدٍ وَالْمَجْمُوعِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَفْسُدُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعَرَّفُ عَرَّفَهُ وَجَرَى فِيهِ أَحْكَامُ التَّعْرِيفِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعَرَّفُ أَكَلَهُ وَضَمِنَهُ لِرَبِّهِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: [وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهَا]: هَذَا يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ فِي الطَّعَامِ الَّذِي يَفْسُدُ مُطْلَقًا، بَلْ هُوَ أَحْرَوِيٌ وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ شَارِحُنَا وَخَلِيلٌ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَيَسَّرَ حَمْلُهَا وَجَبَ عَلَيْهِ] إلَخْ: أَيْ فَإِنْ أَكَلَهَا حِينَئِذٍ ضَمِنَ إنْ عُلِمَ رَبُّهَا. قَوْلُهُ: [وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ]: أَيْ وَمَا فِي (عب) مِنْ جَوَازِ الْأَكْلِ مُطْلَقًا تَيَسَّرَ حَمْلُهَا أَوْ لَا فَضَعِيفٌ كَمَا فِي (بْن) .
[ ٤ / ١٧٥ ]
لِلْعُمْرَانِ (حَيَّةً عُرِّفَتْ) وُجُوبًا وَعَلَى رَبِّهَا أُجْرَةُ حَمْلِهَا. وَإِنْ حَمَلَهَا مَذْبُوحَةً فَرَبُّهَا أَحَقُّ بِهَا إنْ عَلِمَ قَبْلَ أَكْلِهَا وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ حَمْلِهَا.
(وَ) لَهُ أَكْلُ (بَقَرَةٍ بِمَحَلِّ خَوْفٍ) مِنْ سِبَاعٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ بِفَيْفَاءَ - وَعَسُرَ سَوْقُهَا - لِلْعُمْرَانِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَكَلَّفَ سَوْقَهَا عُرِّفَتْ كَالشَّاةِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ سَوَّى بَيْنَ الْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ بِمَحَلِّ الْخَوْفِ فِي عُسْرِ الْإِتْيَانِ بِهِمَا إلَى الْعُمْرَانِ فَلِذَا قُلْنَا: (عَسُرَ سَوْقُهُمَا) لِلْعُمْرَانِ. فَإِنْ تَيَسَّرَ وَجَبَ حَمْلُهُمَا وَتَعْرِيفُهُمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا. (وَ) إنْ وُجِدَتْ (بِأَمْنٍ): أَيْ بِمَحَلٍّ مَأْمُونٍ (تُرِكَتْ) . فَإِنْ أَكَلَهَا ضَمِنَ، وَإِنْ حَمَلَهَا لِلْعُمْرَانِ عُرِّفَتْ كَمَا لَوْ وَجَدَهَا بِهِ. (كَإِبِلٍ): فَإِنَّهَا تُتْرَكُ وُجُوبًا (مُطْلَقًا) وَجَدَهَا بِصَحْرَاءَ أَوْ بِالْعُمْرَانِ. إنْ خَافَ عَلَيْهَا أَمْ لَا، وَقِيلَ: إنْ خِيفَ عَلَيْهَا مِنْ خَائِنٍ أُخِذَتْ وَعُرِّفَتْ أَوْ بِيعَتْ وَوُقِفَ ثَمَنُهَا لِصَاحِبِهَا، وَقِيلَ: إنْ خِيفَ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ كَأَنْتَ فِي حُكْمِ الْغَنَمِ لِوَاجِدِهَا أَكْلُهَا. وَقِيلَ: بَلْ تُؤْخَذُ لِتُعَرَّف إذْ لَا مَشَقَّةَ فِي حَمْلِهَا.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَعَلَى رَبِّهَا أُجْرَةُ حَمْلِهَا]: أَيْ يُخَيَّرُ رَبُّهَا بَيْنَ أَخْذِهَا وَدَفْعِ أُجْرَةِ حَمْلِهَا أَوْ تَرْكِهَا لِمَنْ حَمَلَهَا فَحَمْلُهَا كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهَا لَا يَتْبَعُ بِهِ ذِمَّةَ رَبِّهَا، بَلْ فِي عَيْنِهَا إنْ شَاءَ رَبُّهَا دَفَعَهُ أَوْ تَرَكَهَا فِيهِ. خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَتُهُ أَوَّلًا وَآخِرًا مِنْ تَحَتُّمِ أُجْرَةِ الْحَمْلِ عَلَى رَبِّهَا. قَوْلُهُ: [وَجَبَ حَمْلُهُمَا وَتَعْرِيفُهُمَا]: أَيْ وَيُؤْخَذُ مِنْ رَبِّهِمَا أُجْرَةُ الْحَمْلِ أَوْ يَتْرُكُهُمَا لِمَنْ جَاءَ بِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فَقَوْلُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الشَّاةِ. قَوْلُهُ: [وَإِنْ حَمَلَهَا لَلْعُمْرَانِ عُرِّفَتْ]: أَيْ إنْ تَجَرَّأَ وَخَالَفَ الْوَاجِبَ مِنْ التَّرْكِ وَانْظُرْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هَلْ يَلْزَمُ رَبَّهَا أُجْرَةُ حَمْلِهَا أَوْ لَا لِتَعْدِيهِ بِالْحَمْلِ؟ قَوْلُهُ: [خَافَ عَلَيْهِمَا أَمْ لَا]: أَيْ فَفِي (بْن) الْمُعْتَمَدُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ تَرْكُهَا مُطْلَقًا. قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَدَمَ الْتِقَاطِ الْإِبِلِ - قِيلَ إنَّ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَقِيلَ هُوَ خَاصٌّ بِزَمَنِ الْعَدْلِ وَصَلَاحِ النَّاسِ، وَأَمَّا فِي الزَّمَانِ الَّذِي فَسَدَ فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهَا تُؤْخَذُ وَتُعَرَّفُ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ رَبُّهَا بِيعَتْ وَوُقِفَ ثَمَنُهَا فَإِنْ أَيِسَ مِنْهُ تَصَدَّقَ بِهِ كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ - ﵁ - لَمَّا دَخَلَ
[ ٤ / ١٧٦ ]
[النفقة على اللقطة]
(فَإِنْ أُخِذَتْ) الْإِبِلُ لِلْعُمْرَانِ تَعَدِّيًا (عُرِّفَتْ) سَنَةً (ثُمَّ) بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً (تُرِكَتْ) بِمَحَلِّهَا الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ.
(وَلَهُ): أَيْ لِمَنْ الْتَقَطَ دَابَّةً - مِنْ حِمَارٍ وَبَقَرٍ وَفَرَسٍ - (كِرَاءُ دَابَّةٍ) الْتَقَطَهَا (لِعَلَفِهَا): أَيْ لِأَجْلِ عَلْفِهَا (مِنْهُ كِرَاءً مَأْمُونًا): أَيْ لَا يَخْشَى عَلَيْهَا مِنْهُ وَجِيبَةً أَوْ مُشَاهَرَةً. (وَ) لَهُ (رُكُوبُهَا) مِنْ مَوْضِعِ الْتِقَاطِهَا (لِمَوْضِعِهِ) وَإِنْ لَمْ يَعْسُرْ قَوْدُهَا. (وَإِلَّا) بِأَنْ أَكْرَاهَا لِغَيْرِ عَلَفِهَا أَوْ أَزْيَدَ مِنْهُ أَوْ كِرَاءً غَيْرَ مَأْمُونٍ فَعَطِبَتْ أَوْ هَلَكَتْ أَوْ رَكِبَهَا لِغَيْرِ مَوْضِعِهِ أَوْ فِي حَوَائِجِهِ (ضَمِنَ) قِيمَتَهَا إنْ هَلَكَتْ أَوْ أَرْشَ الْعَيْبِ إنْ تَعَيَّبَتْ؛ وَمَا زَادَ عَلَى عَلَفِهَا إنْ لَمْ تَهْلَكْ (وَ) لَهُ (غَلَّتُهَا) مِنْ لَبَنٍ وَسَمْنٍ وَإِنْ زَادَ عَلَى عَلَفِهَا، (لَا): أَيْ لَيْسَ لَهُ (نَسْلُهَا)
_________________
(١) [حاشية الصاوي] النَّاسَ فِي زَمَنِهِ الْفَسَادُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا (اهـ) . قَوْلُهُ: [ثُمَّ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً تُرِكَتْ]: قَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا فِي زَمَنِ الْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ لَا فِي مِثْلِ زَمَانِنَا. [النَّفَقَة عَلَى اللُّقَطَةِ] قَوْلُهُ: [كِرَاءُ دَابَّةٍ] إلَخْ: إنَّمَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ رَبَّهَا لَمْ يُوَكِّلْهُ فِيهِ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلَحُ لِرَبِّهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا أَكْرَاهَا وَجِيبَةً كِرَاءً مَأْمُونًا ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا قَبْلَ تَمَامِهِ فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ لِوُقُوعِ ذَلِكَ الْعَقْدِ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [ضَمِنَ قِيمَتَهَا إنْ هَلَكَتْ]: أَيْ وَيُقَدَّمُ فِي الضَّمَانِ الْمُسْتَأْجِرُ فِي الْكِرَاءِ لِغَيْرِ الْمَأْمُونِ لِأَنَّهُ مُبَاشِرُهُ وَالْمُلْتَقِطُ مُتَسَبِّبٌ. قَوْلُهُ: [وَمَا زَادَ عَلَى عَلَفِهَا]: أَيْ فَإِذَا أُكْرِمَتْ لِأَجْلِ الْعَلَفِ وَزَادَ مِنْ كِرَائِهَا شَيْءٌ عَلَى الْعَلَفِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُلْتَقِطِ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ، بَلْ يُبْقِيهِ لِرَبِّهَا إذَا جَاءَ عِنْدَ سَلَامَتِهَا. قَوْلُهُ: [وَلَهُ غَلَّتُهَا]: أَيْ فِي مُقَابَلَةِ نَفَقَتِهَا إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يُكْرِهَا فِي عَلَفِهَا وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهَا فِي مَصَالِحِهِ. قَوْلُهُ: [مِنْ لَبَنٍ وَسَمْنٍ]: بَيَانٌ لِلْغَلَّةِ الْمُرَادَةِ هُنَا. قَوْلُهُ: [وَإِنْ زَادَ عَلَى عَلَفِهَا]: أَيْ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ خِلَافًا لِظَاهِرِ نَقْلِ ابْنُ رُشْدٍ وَسَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ مِنْ أَنَّ لَهُ مِنْ الْغَلَّةِ بِقَدْرِ عَلَفِهِ وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ لُقَطَةٌ مَعَهَا. قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَفِي كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ مَيْلٌ لِتَرْجِيحِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
[ ٤ / ١٧٧ ]
[اللقيط]
وَصُوفُهَا وَشَعْرُهَا.
(وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ): أَيْ صَغِيرٍ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَغَيْرِهَا. وَالْمُرَادُ بِلَقْطِهِ: أَخْذُهُ لِلْحِفْظِ (كِفَايَةً): أَيْ وُجُوبَ كِفَايَةٍ إذَا وَجَدَهُ جَمَاعَةٌ بِمَضْيَعَةٍ، أَوْ كَانَ الْمَكَانُ مَطْرُوقًا لِلنَّاسِ. وَإِلَّا تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ وَجَدَهُ لَقْطُهُ. وَيُسَمَّى الطِّفْلُ الْمَلْقُوطُ؛ لَقِيطًا، وَعَرَّفَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّقِيطَ بِقَوْلِهِ: صَغِيرٌ آدَمِيٌّ لَمْ يُعْلَمْ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَصُوفُهَا]: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ تَامًّا أَوْ غَيْرَ تَامٍّ فَهُوَ لِرَبِّهَا مِثْلُ النَّسْلِ يَكُونُ لُقَطَةً مَعَهَا. تَنْبِيهٌ: لَوْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَى اللُّقَطَةِ مِنْ عِنْدِهِ كُلَّ النَّفَقَةِ أَوْ بَعْضَهَا كَمَا لَوْ أَكْرَاهَا فَنَقَصَ الْكِرَاءُ عَنْ نَفَقَتِهَا وَكَمَّلَ الْمُلْتَقِطُ نَفَقَتَهَا مِنْ عِنْدِهِ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ اللُّقَطَةَ فِي نَفَقَتِهِ أَوْ يَفْتَدِيهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ بِدَفْعِ النَّفَقَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي ذَاتِ اللُّقَطَةِ كَالْجِنَايَةِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ إنْ أَسْلَمَهُ الْمَالِكُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَخْذَهُ غَرِمَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ وَحَيْثُ قُلْنَا بِخِيَارِ رَبِّهَا وَرَضِيَ بِتَرْكِهَا فِي النَّفَقَةِ، ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَهَا ثَانِيَةً وَدَفْعَ النَّفَقَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا لِلْمُتَلَقِّطِ بِمُجَرَّدِ رِضَاهُ، وَالظَّاهِرُ - كَمَا قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ - أَنَّ عَكْسَهُ كَذَلِكَ أَيْ إذَا دَفَعَ لَهُ النَّفَقَةَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَهُ الشَّيْءَ الْمُلْتَقَطَ وَيَأْخُذَ مِنْهُ النَّفَقَةَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. [اللَّقِيط] قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ]: ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلَى امْرَأَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَقْتَ إرَادَتِهَا الْأَخْذَ أَوْ لَهَا وَأَذِنَ لَهَا فِيهِ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِأَنَّ لَهُ مَنْعَهَا، فَإِنْ أَخَذَتْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَ لَهُ رَدُّهُ لِمَحَلٍّ مَأْمُونٍ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ وَكَانَ لَهَا مَالٌ أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي أَخْذِهِ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ لَهَا مَالٌ لِأَنَّهُ بِالْإِذْنِ صَارَ كَأَنَّهُ الْمُلْتَقِطُ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [بِمَضْيَعَةٍ]: إنَّمَا قَالَ بِمَضْيَعَةٍ لِأَجْلِ أَنْ يَشْمَلَ مَنْ نُبِذَ قَصْدًا وَمَنْ ضَلَّ عَنْهُ أَهْلُهُ، وَيُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِي غَيْرِ حِرْزٍ إذْ أَخْذُ مَنْ فِي الْحِرْزِ سَرِقَةٌ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا تَعَيَّنَ]: أَيْ وَجَبَ عَيْنًا كَمَا فِي الْإِشْهَادِ، وَلَوْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ فِي دَعْوَى رِقِّيَّتِهِ مَثَلًا فَيَلْزَمُ الِالْتِقَاطُ، وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ، وَلَا يَكُونُ عِلْمُهُ بِالْخِيَانَةِ عُذْرًا يُسْقِطُ عَنْهُ الْوُجُوبَ لِعِظَمِ حُرْمَةِ الْآدَمِيِّ.
[ ٤ / ١٧٨ ]
أَبُوهُ وَلَا رِقُّهُ، فَخَرَجَ وَلَدُ الزَّانِيَةِ الْمَعْلُومَةِ. وَمَنْ عُلِمَ رِقُّهُ لُقَطَةٌ لَا لَقِيطٌ (انْتَهَى) . (وَنَفَقَتُهُ) وَحَضَانَتُهُ وَاجِبَةٌ (عَلَى مُلْتَقِطِهِ) حَتَّى يَبْلُغَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يُعْطَ) مَا يَكْفِيهِ (مِنْ الْفَيْءِ): أَيْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ أُعْطِيَ مِنْهُ لَمْ تَجِبْ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ) أَيْ اللَّقِيطِ (مَالٌ مِنْ كَهِبَةٍ) أَدْخَلَتْ الْكَافُ: الصَّدَقَةَ وَالْحُبْسَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَنَفَقَتُهُ مِنْ مَالِهِ وَيُجَوِّزُهُ لَهُ مُلْتَقَطُهُ، فَعُلِمَ تَقْدِيمُ مَالِهِ ثُمَّ الْفَيْءِ ثُمَّ الْحَاضِنِ (أَوْ يُوجَدُ مَعَهُ) مَالٌ مَرْبُوطٌ بِثَوْبِهِ (أَوْ) يُوجَدُ مَالٌ (مَدْفُونًا) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ وَالرَّفْعِ عَلَى النَّعْتِ (تَحْتَهُ) فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ (إنْ كَانَ مَعَهُ رُقْعَةٌ): أَيْ وَرَقَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا أَنَّ الْمَالَ الْمَدْفُونَ تَحْتَهُ لِلطِّفْلِ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَإِلَّا كَانَ لُقَطَةً يُعَرَّفُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [فَخَرَجَ وَلَدُ الزَّانِيَةِ]: أَيْ بِقَوْلِهِ لَمْ يُعْلَمْ أَبَوَاهُ وَأَمَّا هَذَا فَقَدْ عُلِمَ أَحَدُهُمَا. قَوْلُهُ: [وَمَنْ عُلِمَ رِقُّهُ لُقَطَةٌ]: مَعْطُوفٌ عَلَى وَلَدِ الزَّانِيَةِ وَقَوْلُهُ: [لُقَطَةٌ]: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ لُقَطَةٌ فَيَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُهَا. قَوْلُهُ: [حَتَّى يَبْلُغَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ]: هَذَا إذَا كَانَ اللَّقِيطُ ذَكَرًا فَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَإِلَى دُخُولِ الزَّوْجِ الْبَالِغِ بِهَا أَوْ الدَّعْوَى إلَيْهِ بَعْدَ الْإِطَاقَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ]: أَيْ لِأَنَّهُ بِالْتِقَاطِهِ أَلْزَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [فَعُلِمَ تَقْدِيمُ مَالِهِ]: أَيْ فَإِنْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَالِهِ فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ إنْ حَلَفَ أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ أَوْ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا مَرَّ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ سَرِفٍ، وَأَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ وَقْتَ الْإِنْفَاقِ قَصَدَ الرُّجُوعَ، وَأَنْ يَكُونَ وَقْتَ الْإِنْفَاقِ مَالُ الطِّفْلِ مُتَعَسِّرَ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ عَرْضًا أَوْ عَقَارًا أَوْ فِي ذِمَّةِ النَّاسِ مَثَلًا كَمَا مَرَّ فِي النَّفَقَاتِ. قَوْلُهُ: [بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ]: سَوَّغَ مَجِيءَ الْحَالِ مِنْ النَّكِرَةِ تَخْصِيصُهَا بِالظَّرْفِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ تَحْتَهُ. قَوْلُهُ: [وَالرَّفْعِ عَلَى النَّعْتِ]: أَيْ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ مَالٌ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَمَا مِنْ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلُّ قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ مَعَهُ رُقْعَةٌ]: قَيْدٌ فِي الْأَخِيرَةِ فَقَطْ دُونَ مَا قَبْلَهَا كَمَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ.
[ ٤ / ١٧٩ ]
[اللقيط حر وولاؤه للمسلمين]
(وَرَجَعَ): الْمُلْتَقَطُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى الطِّفْلِ (عَلَى أَبِيهِ) إنْ عُلِمَ (إنْ) كَانَ أَبُوهُ (طَرَحَهُ عَمْدًا) وَثَبَتَ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ. فَلَا رُجُوعَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى مُلْتَقِطِهِ أَنَّهُ طَرَحَهُ عَمْدًا. وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مُوسِرًا وَقْتَ الْإِنْفَاقِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمُلْتَقِطُ أَنْفَقَ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى. (وَالْقَوْلُ لَهُ): أَيْ لِلْمُلْتَقِطِ عِنْدَ التَّنَازُعِ مَعَ الْأَبِ (أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً لِلَّهِ بِيَمِينٍ): فَإِنْ حَلَفَ رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا.
(وَهُوَ): أَيْ اللَّقِيطُ (حُرٌّ): لَا رَقِيقٌ لِمَنْ الْتَقَطَهُ (وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ):
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَرَجَعَ الْمُلْتَقِطُ بِمَا أَنْفَقَهُ] إلَخْ: أَيْ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ أَفَادَهَا الْمَتْنُ وَالشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [إنْ عُلِمَ]: هَذَا مَوْضُوعُ الرُّجُوعِ فَلَا يُعَدُّ شَرْطًا. قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ أَبُوهُ طَرَحَهُ عَمْدًا]: اُنْظُرْ هَلْ مِنْ الطَّرْحِ عَمْدًا طَرْحُهُ لِوَجْهٍ أَمْ لَا وَجَعَلَهُ الْبِسَاطِيُّ خَارِجًا عَنْ الْعَمْدِ وَسَلَّمَهُ (ح) قَالَ (بْن): وَكَلَامُ الْبِسَاطِيِّ فِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ سَلَّمَهُ (ح)، بَلْ الْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ الْعَمْدِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمَجْمُوعِ. قَوْلُهُ: [وَثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ]: أَيْ الْأَبِ. قَوْلُهُ: [فَلَا رُجُوعَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى مُلْتَقِطِهِ]: أَيْ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ الْأَبُ مِنْ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ. قَوْلُهُ: [أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مُوسِرًا]: أَيْ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ يَسَارُهُ وَقْتَ الْإِنْفَاقِ. قَوْلُهُ: [وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمُلْتَقِطُ أَنْفَقَ حِسْبَةً]: أَيْ فَمَحَلُّ رُجُوعِهِ إنْ نَوَى الرُّجُوعَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ حَلَفَ رَجَعَ]: مَحَلُّ حَلِفِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَشْهَدَ أَنَّهُ يُنْفِقُ لِيَرْجِعَ وَإِذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهَا وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبِ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَيُعْتَمَدُ فِي يَمِينِهِ عَلَى الظَّنِّ الْقَوِيِّ. [اللَّقِيطُ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ] قَوْلُهُ: [حُرٌّ]: أَيْ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ شَرْعًا وَلَوْ أَقَرَّ اللَّقِيطُ بِرِقِّيَّتِهِ لِأَحَدٍ أُلْغِيَ إقْرَارُهُ سَوَاءٌ الْتَقَطَهُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ. قَوْلُهُ: [وَوَلَاؤُهُ]: أَيْ مِيرَاثُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْوَلَاءَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي هُوَ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ.
[ ٤ / ١٨٠ ]
[وجد اللقيط ببلد كفر]
أَيْ أَنَّهُ إذَا مَاتَ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ وَارِثٌ فَمَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ أَيْ يَكُونُ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا لِمُلْتَقِطِهِ (وَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ): إنْ وُجِدَ (فِي بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ):
وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ بِلَادِ الْكُفَّارِ (كَأَنْ) وُجِدَ بِبَلَدٍ (لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتٌ) وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَوْلَى بَيْتَانِ وَثَلَاثَةٌ وَهَذَا (إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ، وَإِلَّا) يَلْتَقِطُهُ مُسْلِمٌ بَلْ كَافِرٌ (فَكَافِرٌ) . (كَأَنْ. وُجِدَ فِي قَرْيَةِ شِرْكٍ): أَيْ كُفْرٍ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ (وَإِنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ) تَغْلِيبًا لِلدَّارِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِهَا بَيْتٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَغْلِيبًا لِلَاقِطِهِ.
(وَلَا يُلْحَقُ) اللَّقِيطُ (بِمُلْتَقِطٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِأَنَّهُ ابْنُهُ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُهَا إنَّهُ ضَاعَ لَهُ وَلَدٌ. (أَوْ وَجْهٍ) يُصَدِّقُ الْمُدَّعِيَ: أَيْ يُفِيدُ بِصِدْقِهِ كَمَنْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ وَلَدُهُ، وَإِنَّمَا طَرَحَهُ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ النَّاسِ إنَّ الْجَنِينَ إذَا طُرِحَ يَعِيشُ، أَوْ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [فَمَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ]: هَذَا مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ الْمَحْكُومِ بِكُفْرِهِ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِكُفْرِهِ لَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ كَذَا قِيلَ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا مَانِعَ مِنْ وَضْعِ مَالِ الْكَافِرِ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُعَاهِدَ إذَا مَاتَ عِنْدَنَا وَلَيْسَ مَعَهُ وَارِثٌ فَإِنَّ مَالَهُ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. [وجد اللَّقِيط بِبَلَدِ كُفْر] قَوْلُهُ: [لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ]: أَيْ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ (ح) وَإِلَّا فَأَصْلُ النَّصِّ عَلَى بَيْتَيْنِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَلَوْ سُئِلَ أَهْلُ ذَلِكَ الْبَيْتِ فَجَزَمُوا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُنْكِرُونَهُ لِنَبْذِهِمْ إيَّاهُ، وَاسْتَظْهَرَ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَيْثُ أَنْكَرُوهُ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ]: أَيْ قِيَاسًا عَلَى إسْلَامِ الْمَسْبِيِّ تَبَعًا لِإِسْلَامِ سَابِيهِ قَوْلُهُ: [فَكَافِرٌ]: رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ وَأَمَّا الْبَلَدُ الَّذِي كَثُرَ بُيُوتُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ وَلَوْ الْتَقَطَهُ كَافِرٌ. قَوْلُهُ: [وَقَالَ غَيْرُهُ إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ] إلَخْ: قَالَ (بْن)، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. قَوْلُهُ: [إلَّا بِبَيِّنَةٍ]: أَيْ فَإِنْ أَقَامَهَا وَاحِدٌ لَحِقَ بِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ اللَّقِيطُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ أَوْ كُفْرِهِ كَانَ الْمُسْتَلْحِقُ لَهُ الَّذِي شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ الْمُلْتَقَطُ أَوْ غَيْرُهُ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فَهَذِهِ ثَمَانٍ. قَوْلُهُ: [أَوْ وَجْهٍ]: اُنْظُرْ هَلْ الْوَجْهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ فِي الثَّمَانِ صُوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالتَّتَّائِيُّ، أَوْ فِي أَرْبَعٍ مِنْهَا فَقَطْ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الْمُسْتَلْحِقُ مُسْلِمًا
[ ٤ / ١٨١ ]
[نزع اللقيط المحكوم بإسلامه من الكافر]
[أخذ عبد آبق]
طَرَحَهُ لِغَلَاءٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ بَيَّنَهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، فَيُلْحَقُ بِصَاحِبِ الْوَجْهِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ وَلَدُهُ.
(وَنُزِعَ) لَقِيطٌ (مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ مِنْ كَافِرٍ) الْتَقَطَهُ.
(وَنُدِبَ أَخْذُ) عَبْدٍ (آبِقٍ) لِيُوصِلَهُ لِرَبِّهِ (لِمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ) مُتَعَلِّقٌ (بِنُدِبَ): أَيْ نُدِبَ لِمَنْ وَجَدَ آبِقًا وَعَرَفَ رَبَّهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ حِفْظِ الْأَمْوَالِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَخْشَ ضَيَاعَهُ إنْ تَرَكَهُ وَإِلَّا وَجَبَ أَخْذُهُ لَهُ. (وَإِلَّا) يَعْرِفُ رَبَّهُ (كُرِهَ) لَهُ أَخْذُهُ. فَإِنْ أَخَذَهُ رَفَعَهُ لِلْإِمَامِ وَوُقِفَ عِنْدَهُ سَنَةً رَجَاءَ أَنْ يَأْتِيَ رَبُّهُ، ثُمَّ بِيعَ لَهُ وَجُعِلَ ثَمَنُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ عُلِمَ رَبُّهُ أَخَذَهُ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] كَانَ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ أَوْ كُفْرِهِ وَهَذَا لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيُّ، وَأَمَّا إذَا اسْتَلْحَقَهُ كَافِرٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ. [نزع اللَّقِيط الْمَحْكُوم بِإِسْلَامِهِ مِنْ الْكَافِر] قَوْلُهُ: [وَنُزِعَ لَقِيطٌ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ]: أَيْ بِوَجْهٍ مِمَّا تَقَدَّمَ. [أَخْذُ عَبْدٍ آبِقٍ] تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ رَمْيُ اللَّقِيطِ بَعْدَ أَخْذِهِ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ بِالْتِقَاطِهِ إذْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نِيَّتُهُ فِي أَخْذِهِ رَفْعَهُ لِحَاكِمٍ فَرَفَعَهُ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَالْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ لِلنَّاسِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ يَأْخُذُهُ فَلَهُ رَدُّهُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَطْرُوقًا وَرَدَّهُ تَحَقَّقَ عَدَمُ أَخْذِهِ حَتَّى مَاتَ اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَإِنْ شُكَّ فَالدِّيَةُ وَمِثْلُ نِيَّةِ أَخْذِهِ لِلْحَاكِمِ أَخْذُهُ لِيَسْأَلَ عَنْهُ مُعَيَّنًا هَلْ هُوَ وَلَدُهُ أَمْ لَا. مَسْأَلَةٌ: لَوْ تَسَابَقَ جَمَاعَةٌ عَلَى لَقِيطٍ أَوْ لُقَطَةٍ وَكُلٌّ أَمِينٌ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ وَهُوَ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي وَضْعِ الْيَدِ قُدِّمَ الْأَصْلَحُ لِلْحِفْظِ فَإِنْ اسْتَوَوْا فَالْقُرْعَةُ. مَسْأَلَةٌ أُخْرَى: لَيْسَ لِعَبْدٍ أَخْذُ لَقِيطٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّ الْتِقَاطَهُ يَشْغَلُهُ عَنْ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ. بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ فَتَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ أَخْذَهَا وَتَعْرِيفَهَا لِأَنَّهُ لَا يَشْغَلُهُ عَنْ خِدْمَةِ السَّيِّدِ. قَوْلُهُ: [مُتَعَلِّقٌ]: أَيْ وَلَا يُقَالُ إنَّ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ لِأَنَّ الْمُضِرَّ الْفَصْلُ بِالْأَجْنَبِيِّ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا وَجَبَ أَخْذُهُ لَهُ]: أَيْ وَإِنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَخْذُ وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ وَلَا يَكُونُ عِلْمُهُ بِخِيَانَتِهِ عُذْرًا مُسْقِطًا لِلْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: [وَوُقِفَ عِنْدَهُ سَنَةً]: أَيْ وَيُنْفِقُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ فِيهَا. قَوْلُهُ: [ثُمَّ بِيعَ لَهُ]: أَيْ بَعْدَ السَّنَةِ يُبَاعُ لِرَبِّهِ وَهَذَا مَا لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ وَإِلَّا بِيعَ
[ ٤ / ١٨٢ ]
(وَلِرَبِّهِ): أَيْ الْآبِقِ (عِتْقُهُ): حَالَ إبَاقِهِ وَالتَّصَدُّقُ وَالْإِيصَاءُ بِهِ (وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ) لَا لَهُ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَبَيْعُهُ لَا يَجُوزُ.
(وَضَمِنَهُ) الْمُلْتَقِطُ (إنْ أَرْسَلَهُ) بَعْدَ أَخْذِهِ لِوُجُوبِ حِفْظِهِ لِرَبِّهِ بِأَخْذِهِ، فَيَضْمَنُ لَهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ إرْسَالِهِ. (إلَّا) أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ (لِخَوْفٍ مِنْهُ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فَلَا يَضْمَنُ، وَصُدِّقَ فِي دَعْوَاهُ الْخَوْفَ مِنْهُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ. (أَوْ اسْتَأْجَرَهُ): أَيْ وَضَمِنَ مَنْ اسْتَأْجَرَ الْآبِقَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ مُلْتَقِطِهِ (فِيمَا): أَيْ فِي عَمَلٍ (يَعْطَبُ فِيهِ): أَيْ شَأْنُهُ الْعَطَبُ فِيهِ، أَيْ وَعَطِبَ. وَإِلَّا ضَمِنَ أُجْرَةَ مِثْلِهِ. وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهُ أَبَقَ أَمْ لَا. (لَا إنْ أَبَقَ مِنْهُ): أَيْ مِنْ مُلْتَقِطِهِ (أَوْ تَلِفَ) عِنْدَهُ (بِلَا تَفْرِيطٍ) مِنْهُ فَلَا يَضْمَنُ.
(وَإِنْ نَوَى) مُلْتَقِطُهُ (تَمَلُّكَهُ): أَيْ الْآبِقِ (قَبْلَ السَّنَةِ فَغَاصِبٌ)
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ كَمَا رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَوْلُهُ: [إنْ أَرْسَلَهُ]: أَيْ سَوَاءٌ أَرْسَلَهُ قَبْلَ سَنَةٍ أَوْ بَعْدَهَا. قَوْلُهُ: [لِخَوْفٍ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ]: مِثْلُ الْخَوْفِ مِنْهُ الْخَوْفُ مِنْ السُّلْطَانِ بِسَبَبِ أَخْذِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ، أَوْ يَأْخُذَ مَالَهُ أَوْ يَضْرِبَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَدَمَ الضَّمَانِ إذَا أَرْسَلَهُ لِخَوْفٍ مِنْهُ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ رَفْعُهُ لِلْإِمَامِ وَإِلَّا رَفَعَهُ إلَيْهِ وَلَا يُرْسِلُهُ فَإِنْ أَرْسَلَهُ مَعَ إمْكَانِ الرَّفْعِ ضَمِنَ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ بِحِيلَةٍ أَوْ بِحَارِسٍ وَإِلَّا فَلَا يُرْسِلُهُ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وَالظَّاهِرُ رُجُوعُهُ بِالْأُجْرَةِ كَالنَّفَقَةِ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَعَلُّقَاتِ حِفْظِهِ. قَوْلُهُ: [بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ]: مِنْ بَابِ أَوْلَى الْبَيِّنَةُ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا ضَمِنَ أُجْرَةَ مِثْلِهِ]: أَيْ فَيَدْفَعُهَا الْمُسْتَأْجِرُ لِرَبِّهِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ إنْ كَانَ دَفَعَ لَهُ أَوْ عَلَى الْعَبْدِ إنْ كَانَ دَفَعَ لَهُ وَكَانَتْ الْأُجْرَةُ قَائِمَةً وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: [لَا إنْ أَبَقَ]: هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠]: وَفِي مُضَارِعِهِ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ وَالْكَسْرُ مِنْ بَابِ دَخَلَ وَمَنَعَ وَضَرَبَ.
[ ٤ / ١٨٣ ]
فَيَضْمَنُهُ لِرَبِّهِ وَلَوْ تَلِفَ بِسَمَاوِيٍّ (وَاسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ) مِنْ الْمُلْتَقَطِ (بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) بِلَا اسْتِينَاءٍ، فَأَوْلَى بِشَاهِدَيْنِ.
(وَأَخَذَهُ) مُدَّعِيهِ حَوْزًا لَا مِلْكًا (إنْ ادَّعَاهُ وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ) بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ وَالِاسْتِينَاءِ، وَكَذَا يَأْخُذُهُ إنْ وَصَفَهُ بِمَا هُوَ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ الْعَبْدُ. فَإِنْ جَاءَ غَيْرُهُ بِأَثْبَتَ مِمَّا جَاءَ بِهِ أَخَذَهُ مِنْهُ وَلِذَا قَالَ: " وَأَخَذَهُ ". الْمُفِيدُ لِمُجَرَّدِ الْحَوْزِ. وَقَالَ فِيمَا قَبْلَهُ: " وَاسْتَحَقَّهُ " الْمُقْتَضِي لِلْمِلْكِ.
(وَإِنْ جَاءَ): رَجُلٌ مِنْ قُطْرٍ إلَى قَاضِي قُطْرٍ آخَرَ عِنْدَهُ عَبْدٌ آبِقٌ (بِكِتَابِ قَاضٍ): بِقُطْرِهِ، مَضْمُونُهُ: (أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ صَاحِبَ كِتَابِي هَذَا أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ صِفَتُهُ كَذَا دَفَعَ) ذَلِكَ الْعَبْدَ (إلَيْهِ): أَيْ لِمَنْ جَاءَ بِالْكِتَابِ الْمَذْكُورِ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى بَيِّنَةٍ وَلَا غَيْرِهَا (إنْ طَابَقَ): الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ وَصْفَهُ الْخَارِجِيَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ]: أَيْ لِأَنَّهُ مَالٌ وَالْمَالُ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. قَوْلُهُ: [وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ]: أَيْ وَسَوَاءٌ وَصَفَهُ سَيِّدُهُ أَمْ لَا بَقِيَ الْعَبْدُ عَلَى تَصْدِيقِهِ أَمْ لَا قَوْلُهُ: [بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ وَالِاسْتِينَاءِ]: أَيْ الْإِمْهَالِ فِي الدَّفْعِ لَهُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَانْظُرْ مَا فَائِدَةُ الِاسْتِينَاءُ مَعَ كَوْنِ الدَّفْعِ لَهُ حَوْزًا لَا مِلْكًا، وَقَدْ يُقَالُ فَائِدَتُهُ دَفْعُ النِّزَاعِ مِمَّنْ يَطْرَأُ. قَوْلُهُ: [دُفِعَ ذَلِكَ الْعَبْدُ إلَيْهِ]: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا لَا يُخَالِفُ مَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ مِنْ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي وَحْدَهُ لَا يُفِيدُ؛ لِاحْتِمَالِ تَخْصِيصِ مَا يَأْتِي بِهَذَا وَذَلِكَ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ هُنَا لِأَنَّ لَهُ أَخْذَهُ حَوْزًا مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ بِمُجَرَّدِ الْوَصْفِ.
[ ٤ / ١٨٤ ]