باب ذكر في هذا الباب المباح من الأطعمة والأشربة والمكروه منها والمحرم، وبدأ بالأول بقوله: المباح أكلًا أو شربًا إلخ لشرفه.
قوله: [ولا يلزم من الطهارة الإباحة] إلخ ولذلك كان بينهما عموم وخصوص وجهي يجتمعان في الخبز مثلًا، وينفرد الطاهر في السم والجراد الميتة، وينفرد المباح في النجس عند الضرورة.
قوله: [والمخدر] أي ما غيب العقل ولم يكن من المائعات كالأفيون والحشيشة.
قوله: [وقد يباح النجس]: أي كميتة ما له نفس سائلة بالنسبة للمضطر والخمر للغصة.
قوله: [بجميع أنواعه]: أي إلا الوطواط كما يأتي.
قوله: [جلالة] الجلالة لغة: البقرة التي تتبع النجاسات، ابن عبد السلام والفقهاء يستعملونها في كل حيوان يستعمل النجاسة.
قوله: [ولو ذا مخلب]: أي على المشهور، ومقابله ما روي عن مالك لا يؤكل كل ذي مخلب، وظاهر قوله لا يؤكل المنع قاله في الإكمال.
قوله: [ووحش] أي إلا المفترس كما يأتي.
قوله: [كحمار] وأدخلت الكاف البغل والفرس الوحشيين.
قوله: [وفأر] أي ما لم يصل للنجاسة تحقيقًا أو ظنًا، وإلا كره أكله، فإن شك في وصوله لم يكره ولكن فضلته نجسة.
قوله: [ودون السنور] السنور هو الهر والأنثى سنورة، والوبر دابة من دواب الحجاز، قال الخرشي: طحلاء اللون حسنة العينين شديدة الحياء لا ذنب لها توجد في البيوت وجمعها وبر بضم الواو والباء ووبار بكسر الواو وفتح الباء وطحلاء اللون هو لون بين البياض والغبرة. اهـ.
قوله: [والفاء]: أي وتفتح أيضًا ويقال للأنثى قنفذة، ويقال للذكر: شيهم.
قوله: [أمن سمها]: أي بالنسبة لمستعملها فيجوز أكلها بسمها لمن ينفعه ذلك لمرضه، وإنما يؤمن سمها لمن يؤذيه السم بذكاتها على الصفة التي ذكرها أهل الطب بالمارستان، بأن تكون في حلقها وفي قدر خاص من ذنبها بأن يترك قدر أربعة قراريط من ذنبها ورأسها. ولا بد أن تطرح على ظهرها، وأما لو طرحت على بطنها وقطع من القفا فلا يجزئ؛ لأن شرط الذكاة أن تكون من المقدم فليست بطاهرة حينئذ، وإن أمن سمها. والسم مثلث السين والفتح أفصح وجمعه سمام وسموم.
قوله: [وخشاش أرض]: أضيف لها لأنه يخش أي يدخل فيها ولا يخرج منها إلا بمخرج ويبادر برجوعه إليها.
قوله: [جاز أكله]: أي إن قبلته طبيعته وإلا فلا يجوز حيث ترتب عليه ضرر، لأنه قد يعرض للطاهر المباح ما يمنع أكله
_________________
(١) [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
(٢) زاد بعدها في ط المعارف: (المباح).
(٣) في ط المعارف: (بما).
(٤) في ط المعارف: (والتمعش).
(٥) قوله: (باب المباح) ليس في ط المعارف.
[ ١ / ٣٢٢ ]
مع ذكر الله، (وإن لم يميز) الدود ونحوه عن الطعام بأن اختلط فيه وتهرى (طرح) الطعام لعدم إباحة نحو الدود الميت به، وإن كان طاهرًا فيلقى لكلب أو هر أو دابة (إلا إذا كان) الدود ونحوه الغير [١] المتميز (أقل) من الطعام، بأن كان الثلث فدون فيجوز أكله معه ليسارته كذا قيل. (وأكل دود): أي وجاز كل ما تولد في (الفاكهة) والحبوب والتمر من الدود والسوس (معها) أي مع الفاكهة ونحوها (مطلقًا) قل أو كثر، مات فيها أو لا ميز أو لا.
(والبحري) بالرفع معطوف على ما عملت فيه الذكاة: أي والمباح البحري مطلقًا، (وإن ميتًا أو كلبًا أو خنزيرًا) أو تمساحًا أو سلحفاة ولا يفتقر لذكاة.
(و) المباح (ما طهر من طعام وشراب) ومثل للطعام الطاهر بقوله: (كنبات) لا يغير عقلًا ولا يضر بجسم فيشمل الحبوب والبقول وغيرهما، ويخرج السيكران ونحوه أخذًا مما يأتي في الاستثناء.
(ولبن) لمباح خرج حال الحياة أو بعد الذكاة وإلا فنجس يدخل في النجس الآتي، (وبيض) كذلك.
ومثل للشراب بقوله: (وعصير) لعنب (وفقاع) بضم الفاء وتشديد القاف شراب يتخذ من القمح والتمر، ومن ذلك الشراب المسمى بالمريسة (وسوبيا) شراب يتخذ من الأرز أو القمح يضاف إليه عسل أو سكر، (إلا ما أفسد العقل) مما ذكر فإنه يحرم تناوله كما يأتي.
وما أفسد العقل من الأشربة يسمى مسكرًا وهو نجس، ويحد شاربه قل أو كثر، وأما ما أفسد العقل من النبات (كحشيشة وأفيون) وسيكران وداتورة أو من المركبات كبعض المعاجين فيسمى مفسدًا ومخدرًا ومرقدًا؛ وهو طاهر لا يحد مستعمله، بل يؤدب ولا يحرم القليل منه الذي لا أثر له (أو) إلا ما أفسد (البدن كذوات السموم) فيحرم.
(و) المباح (ما سد الرمق) أي حفظ الحياة (من) كل (محرم) ميتة أو غيرها (للضرورة) وهي حفظ النفوس من الهلاك أو شدة الضرر؛ إذ الضرورات تبيح المحظورات. (إلا الآدمي) فلا يجوز أكله للضرورة لأن ميتته سم فلا تزيل الضرورة وكذا الخمر لا يجوز تناوله لضرورة عطش لأنه مما يزيده ويدل عليه قوله:
ــ
كالمريض إذا كان يضر به نوع من الطعام لا يجوز له أكله.
قوله: [مع ذكر الله]: أي وجوبًا مع الذكر والقدرة.
قوله: [أي مع فاكهة]: ظاهره أنه إذا انفرد عنها لا يجوز أكله إلا بذكاة كغيره مما لا نفس له سائلة، وانظر في ذلك.
قوله: [وإن ميتًا] رد على أبي حنيفة. واعلم أن ميتة البحر طاهرة ولو تغيرت بنتونة إلا أن يتحقق ضررها فيحرم أكلها لذلك لا لنجاستها، وكذا المذكى ذكاة شرعية طاهر، ولو تغير بنتونة، ويؤكل ما لم يخف الضرر كذا في الحاشية نقلًا عن الأجهوري، وسواء وجد ذلك الميت راسيًا في الماء أو طافيًا أو في بطن حوت أو طير، سواء ابتلعه ميتًا أو حيًا ومات في بطنه، ويغسل ويؤكل وسواء صاده مسلم أو مجوسي.
قوله: [أو كلبًا أو خنزيرًا] وكذلك الآدمي خلافًا للتتائي القائل بمنع أكل الآدمي وكراهة أكل الكلب والخنزير، وقيل بتحريمهما.
قوله: [أو سلحفاة]: وهي المسماة بالترس.
قوله: [كنبات لا يغير عقلًا] إلخ: ويدخل في ذلك القهوة والدخان، ولذلك قال في المجموع: وتجوز القهوة لذاتها، وفي الدخان خلاف فالورع تركه خصوصًا الآن فقد كاد درء المفاسد أن يحرمه، وإن قال سيدي علي الأجهوري في رسالته "غاية البيان لحل شرب ما لا يغيب العقل من الدخان" ما نصه: لا يسع عاقلًا أن يقول: إنه حرام لذاته إلا إذا كان جاهلًا بكلام أهل المذهب أو مكابرًا معاندًا. اهـ. ويعرض لكل حكم ما يترتب عليه كما رأيته في فتوى مشايخ العصر. اهـ كلام المجموع.
قوله: [ولبن لمباح]: أي وأما لبن الآدمي فطاهر مباح مطلقًا خرج في الحياة أو بعد الموت على المعتمد، ولبن مكروه الأكل مكروه إن خرج في الحياة أو بعد الذكاة، وقد تقدم ذلك في باب الطاهر.
قوله: [وبيض كذلك]: أي يجري فيه تفصيل اللبن وتقدم أنه طاهر ولو من حشرات.
قوله: [من القمح والتمر]: وقيل ما جعل فيه زبيب ونحوه.
قوله: [يسمى مسكرًا]: أي وإن لم يكن متخذًا من ماء العنب المسمى بالخمر، بل الحكم واحد في الأحكام الثلاثة التي قالها الشارح، وهي نجاسته والحد فيه وحرمة تعاطي قليله وكثيره، خلافًا لمن فصل بين ماء العنب وغيره.
قوله: [فيسمى مفسدًا ومخدرًا] أي كالحشيشة فإنها تغيب العقل دون الحواس لا مع نشوة وطرب، وقوله: ومرقدًا أي كالأفيون وما بعده فإنه يغيب العقل والحواس معًا، وأما المسكر [٢] فهو ما غيب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب، وتقدم لك الفرق بين الثلاثة في باب الطاهر.
قوله: [ولا يحرم القليل منه]: بل يكره.
قوله: [أي حفظ الحياة]: فالمراد بالرمق الحياة وسدها حفظها ولكن ليس المراد ما يتبادر منه من خصوص حفظ الحياة، بل يجوز له الشبع كما سيصرح به
قوله: [الآدمي]: أي فلا يجوز تناوله سواء كان حيًا أو ميتًا ولو مات المضطر وهذا هو المنصوص لأهل المذهب، وبعضهم صحح أكله للمضطر إذا كان ميتًا بناء على أن العلة شرفه لا على أن العلة صيرورته سُمًَّا لأنه حينئذ
_________________
(١) [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
(٢) في ط المعارف: (غير).
(٣) في ط المعارف: (السكر).
[ ١ / ٣٢٣ ]
(و) المباح (خمر تعين لغصة) أي لإزالتها لا إن لم يتعين ولا لغير غصة.
(وجاز) للمضطر (الشبع) من الميتة ونحوها على الأصح (كالتزود) أي كما يجوز له التزود منها (إلى أن يستغنى) عنها، فإن استغنى عنها وجب طرحها.
(و) إذا وجد من المحرم ميتة وخنزيرًا وصيدًا صاده محرم (قدم الميتة على خنزير وصيد محرم) حي بدليل ما بعده وأولى الاصطياد، (لا) يقدم (على لحمه) أي لحم الصيد إذا وجده مقتولًا أو مذبوحًا، بل يقدم لحم الصيد على الميتة أي أن المضطر إذا وجد ميتة وصيد المحرم حيًا قدم الميتة على ذبح الصيد، فإن وجده مذبوحًا قدمه على الميتة؛ لأن حرمته عارضة للمحرم، وحرمة الميتة أصلية.
(و) قدم (الصيد) للمحرم (على الخنزير) لأن حرمته ذاتية وحرمة صيد المحرم عرضية، (و) قدم (مختلف [١] فيه) بين العلماء (على متفق عليه) كالخيل تقدم على الحمير والبغال، (و) قدم (طعام الغير) أي غير المضطر (على ما ذكر) من الميتة ولحم الخنزير ولحم ما اختلف فيه ولو بغصب، (إلا لخوف كقطع) ليد وكذا خوف الضرب المبرح فأولى القتل، فإن خاف ذلك قدم الميتة أو لحم الخنزير.
(وقاتل) المضطر جوازًا (عليه) أي على أخذه من صاحبه لكن (بعد الإنذار) بأن يعلمه أنه مضطر، وإن لم يعطه قاتله فإن قتل صاحبه فهدر لوجوب بذله للمضطر، وإن قتل المضطر فالقصاص.
ثم شرع يتكلم على المكروه من الطعام والشراب بقوله: (والمكروه: الوطواط) بفتح الواو وهو الخفاش جناحه من لحم، (و) الحيوان (المفترس كسبع وذئب وضبع وثعلب وفهد) بكسر الفاء، (ونمر ونمس وقرد ودب) بضم الدال المهملة، (وهر، وإن) كان (وحشيًا) والمفترس ما افترس الآدمي أو غيره، وأما العادي فمخصوص بالآدمي، (وكلب) إنسي: وقيل بالحرمة في الجميع، ورد بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلخ، ولم يرد في السنة ما يقتضي التحريم.
(و) كره (شراب خليطين) أي شرب شراب مخلوطين كزبيب وتمر أو تين أو مشمش أو نحو ذلك، وسواء خلطا عند الانتباذ أو عند الشرب، ومنه ما تقدم من السوبيا والفقاع والمريسة ومنه ما يعمل للمرضى، وما يعمل في القاهرة في رمضان يسمونه الخشاف؛ لكن لا مطلقًا بل (إن أمكن الإسكار) بأن طال زمن النبذ كاليوم والليلة فأعلى، لا إن قرب الزمن فمباح ولا إن دخله الإسكار ولو ظنًا فحرام نجس.
ــ
لا يزيل الضرورة كما قال الشارح.
قوله: [تعين لغصة]: أي حيث خشي منها الهلاك ويصدق المأمون ويعمل بالقرائن.
قوله: [على الأصح] ونص الموطأ: ومن أحسن ما سمعت في الرجل يضطر إلى الميتة أنه يأكل منه حتى يشبع ويتزود منها فإن وجد عنها غنى طرحها. اهـ.
قوله: [عارضة للمحرم] أي خاصة به حال الإحرام بخلاف الميتة فحرمتها دائمة.
قوله: [كالخيل]: أي فإن مشهور مذهب الشافعي حل أكلها، فعلى مذهبه تعمل فيها الذكاة فيقدمها على البغال والحمير، وفي مذهبنا قول بالإباحة أيضًا، وتقدم لنا قول عن مالك بكراهة أكل البغال والحمير، فتقدم إن كانت حية وتذكى على الميتة.
قوله: [كقطع ليد] أي كالسرقة من تمر الجرين وغنم المراح وكل ما كان في حرز صاحبه.
قوله: [وكذا خوف الضرب المبرح] أي إذا لم يكن في سرقته قطع. إن قلت: المضطر إذا ثبت اضطراره لا يجوز قطعه ولا ضربه ولو كان معه ميتة فكيف يخاف القطع؟ أجيب بأن القطع قد يكون بالتغليب والظلم وتقديم طعام الغير بشرطه على الميتة مندوب، وأما عند الانفراد فيتعين ما وجده.
واعلم أن اشتراط عدم خوف القطع إنما هو إذا وجد الميتة أو الخنزير أو لحم المحرم، وإلا أكل ولو خاف القطع كما في الأجهوري، لأن حفظ النفوس مقدم على خوف القطع والضرب، وحيث أكل الطعام بالوجه المذكور فلا ضمان عليه إذا لم يكن معه ثمن، لأنه لم يتعلق بذمته كما تقدم.
قوله: [وقاتل المضطر جوازًا]: بل إذا خشي الهلاك ولم يجد غيره قاتل وجوبًا لأن حفظ النفوس واجب.
قوله: [وقيل بالحرمة في الجميع]: روى المدنيون عن مالك تحريم كل ما يعدو من هذه الأشياء كالأسد أو النمر والثعلب والكلب، وما لا يعدو يكره أكله ولكن المشهور الأول الذي مشى عليه شارحنا، وقد علمت أن في الكلب الإنسي قولين بالحرمة والكراهة، وصحح ابن عبد البر التحريم قال (ح) ولم أر في المذهب من نقل إباحة أكل الكلاب.
قوله: [أي شرب شراب مخلوطين] إنما قدر ذلك لأنه لا تكليف إلا بفعل.
قوله: [وسواء خلطًا عند الانتباذ أو عند الشرب] ومفهوم الانتباذ أن التخليل لا كراهة في جمعهما فيه على المشهور كما نص عليه ابن رشد وغيره.
قوله: [والمريسة]: أي البوظة.
قوله: [بل إن أمكن الإسكار] هذا يقتضي أن علة النهي احتمال الإسكار بمخالطة الآخر، وقال ابن رشد: ظاهر الموطأ أن النهي عن هذا تعبدي لا لعلة، وعليه فيكره شراب الخليطين، سواء أمكن إسكاره أم لا، ولكن استظهر في الحاشية القول ولذلك مشى عليه شارحنا وإن استصوب بن الثاني.
تنبيه: إذا طرح الشيء في نبيذ نفسه كطرح العسل في نبيذ نفسه والتمر في نبيذ نفسه كان شربه
_________________
(١) [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
(٢) في ط المعارف: (مختلفًا).
[ ١ / ٣٢٤ ]
(و) كره (نبذ) لشيء من الفواكه ولو مفردًا كزبيب فقط (بدباء): وهو القرع (وحنتم): وهي الأواني المطلية بالزجاج الأخضر أو الأصفر أو غيرهما من كل ما دهن بزجاج ملون (ومقير): أي مطلي بالقار أي الزفت (ونقير) أي منقور: وهو ما نقر من الأواني من جذوع النخل. وإنما كره النبذ في هذه الأربعة؛ لأن شأنها تعجيل الإسكار لما نبذ فيها بخلاف غيرها من الأواني.
(والمحرم) من الأطعمة والأشربة: (ما أفسد العقل) من مائع كخمر أو جامد كحشيشة وأفيون وتقدم الكلام عليهما لأن حفظ العقل واجب، (أو) أفسد (البدن) كالسميات (والنجس) كدم وبول وغائط وميتة حيوان له نفس سائلة إلا ما اضطر إليه كما تقدم.
(وخنزير وحمار) إنسي أصالة بل (ولو) كان (وحشيًا دجن) أي تأنس ولا ينظر حينئذ لأصله، فإن توحش بعد ذلك أكل وصارت فضلته طاهرة (وبغل وفرس وميتة) ما ليس له نفس سائلة (كجراد) وخشاش أرض، وإن كانت ميتته طاهرة إذ لا يباح إلا بذكاة كما تقدم والله أعلم.