(اللعان): في العرف (حلف زوج) لا غيره كسيد وأجنبي (مسلم) لا كافر (مكلف) لا صبي أو مجنون على أحد أمرين أشار للأول بقوله: (على) رؤية (زنا زوجته) فلا بد من ثبوت الزوجية، ولو فسد نكاحه كما يأتي، وللثاني بقوله: (أو) على (نفي حملها منه، وحلفها): أي الزوجة ولو كتابية (على تكذيبه أربعًا) من كل منهما (بصيغة: أشهد بالله) لرأيتها تزني، أو لزنت، أو ما هذا الحمل مني، فتقول: أشهد بالله ما زنيت كما يأتي. (بحكم حاكم) يشهد القضية، وبحكم بالتفريق، أو يحد من نكل وهذا إن صح النكاح بينهما، بل (وإن فسد نكاحه) لثبوت النسب به (فيلاعن) الزوج حرًا كان أو عبدًا (إن قذفها) أي زوجته ولو أمة (بزنا ولو بدبر في) زمن (نكاحه، أو) زمن (عدته)، والجار والمجرور متعلق بكل من "قذفها"، و"بزنا" (وإلا) بأن قذفها قبل نكاحها أو بعده بزنا قبله أي النكاح، أو بعد خروجها من عدته ولو برؤية زنا قبله (حد) ولا لعان (إن تيقنه) أي الزنا ولو أعمى فلا يعتمد على ظن، بل لا بد من الرؤية إن كان بصيرًا كالمرود في المكحلة، ويعتمد الأعمى على حس بكسر المهملة أو جس بفتح الجيم، أو بإخبار يفيده ذلك ولو من غير مقبول الشهادة شرعًا كالعبد والمرأة.
(وانتفى به) أي بلعان التيقن برؤية البصير أو بغيرها من غير (ما ولد كاملًا لستة أشهر) فأكثر، من يوم الرؤية، وتعتبر الأشهر ناقصة ولو كانت كاملة في الواقع (وإلا) بأن ولدته كاملًا لدون ستة أشهر من الرؤية كالشهر والشهرين، (لحق به) للجزم بوجوده في رحمها وقت الرؤية واللعان، إنما كان للرؤية لا لنفي الحمل (إلا لاستبراء قبلها) أي قبل رؤيته الزنا فإن استبرأها بحيضة ولم يقربها بعده
_________________
(١) من ثلاثة خمسين، وللميتة ثلاثين سقط حظها فلا ينقله لغيرها، وكمل لكل من الثلاثة عشرة دون من ماتت، ولو أعتق ثلاثًا من الرقاب عن ثلاث من أربع ظاهر منهن ولم يعين من أعتق عنها منهن لم يطأ واحدة من الأربع حتى يخرج الكفارة الرابعة، ولو ماتت واحدة منهن أو أكثر أو طلقت قبل إخراج الرابعة لعدم تعيين من أعتق عنها، فلو عين من أعتق عنها جاز وطؤها اهـ. من الأصل. باب في حقيقة اللعان وأحكامه لما كان ينشأ عن اللعان تحريم الملاعنة مؤبدًا كما ينشأ عن الظهار معلقًا ناسب وصله به. قوله: [في العرف]: أي وأما لغة فهو الإبعاد، يقال لعنه الله أي أبعده، وكانت العرب تطرد الشرير المتمرد لئلا تؤخذ بجرائره وتسميه لعينًا، واشتق من اللعنة في خامسة الرجل، ولم يسم غضبًا بخامسة المرأة تغليبًا للذكر، ولسبق لعانه وكونه سببًا في لعانها، ومن جانبه أقوى من جانبها لأنه قادر على الائتلاف دونها. قوله: [حلف زوج]: سواء كان حرًا أو عبدًا دخل بالزوجة أم لا. قوله: [لا غيره]: أي فلا يمكن من الحلف عند الرمي بالزنا غير الزوج، وإنما يلزمه حد القذف إن قذف عفيفة ولم يثبت، وستأتي شروط حد القذف في بابه، ويرد على قوله "لا غيره" ما وقع لأبي عمران أن اللعان يكون في شبهة النكاح وإن لم تثبت الزوجية، إلا أن يقال لما كان الولد لاحقًا به ودرئ الحد عنه، كان في حكم الزوج كذا في الخرشي قوله: [لا كافر]: أي فلا نتعرض له في قذفه لزوجته ما لم يترافعا إلينا. قوله: [لا صبي أو مجنون]: أي فلا يعتد برميهما لزوجتيهما. قوله: [على رؤية زنا زوجته]: أي رؤية الفعل الدال على ذلك، لأن الزنا معنى من المعاني وهو لا يرى، واللعان في الرؤية يتأتى ولو من المجبوب، بخلاف نفي الحمل فلا يكون من المجبوب كما يأتي، لأنه منفي بغير لعان ومثله. الخصي مقطوع الأنثيين وسيأتي ما فيه. قوله: [فلا بد من ثبوت الزوجية]: أي حقيقة أو حكمًا ليشمل مسألة أبي عمران. قوله: [بل وإن فسد نكاحه]: أي ولو كان مجمعًا على فساده، ولكن درأ الحد كما إذا عقد على أخته غير عالم بأنها أخته. قوله: [متعلق بكل]: أي تنازعه كل منهما فأعمل الأخير، وأضمر في الأول وحذف لكونه فضلة. قوله: [حد]: أي ولا يمنعه كونها زوجة حال إقامة الحد، ومحل ذلك ما لم يقم بينة. قوله: [بل لا بد من الرؤية] إلخ: أي وإن لم يصفها كالبينة هذا هو المشهور، وقيل لا يلاعن إلا إذا وصف الرؤية، بأن يقول كالمرود في المكحلة، وقد ذكر ابن عرفة الطريقتين وصدر بعدم الاشتراط، وعبر عنه الأبي بالمشهور فما قاله شارحنا مرور على الطريقة الأولى، ومقتضى اشتراط الرؤية في البصير إن تحققه بجس أو حس من غير رؤية لا يكفي وهو المعول عليه، وما في الخرشي و(عب) من نسبة الكفاية للمدونة لا يسلم كذا في (بن). قوله: [وتعتبر الأشهر ناقصة]: أي فيعتبر ستة أشهر إلا خمسة أيام، وإن كاملة في الواقع، لأنه لا يتوالى النقص في الستة. قوله: [كالشهر والشهرين]: أي والأربعة والخمسة والستة إلا ستة أيام، وإنما جعل نقص الستة أيام ملحقًا بما دون أمد الحمل لأنه لا يتوالى أربعة أشهر على النقص، فغاية ما يتوالى ثلاثة ناقصة ويحسب شهران ناقصان بعد الرابع، فيكون أقل أمد الحمل ستة أشهر إلا خمسة أيام لعدم تأتي النقص
[ ١ / ٤٩٢ ]
لم يلحق به ثم أشار للسبب الثاني بقوله: (أو) قذفها (بنفي حمل، أو) بنفي (ولد) فله أن يلاعن، (وإن مات) الحمل أو الولد (أو ماتت) الزوجة، وفائدته سقوط الحد عنه بالرمي.
وأشار إلى شرط اللعان لنفي الحمل أو الولد بقوله: (إن لم يطأها) أصلًا بعد العقد، (أو) وطئها و(أتت به) بعد الوطء (لمدة لا يلتحق) الولد (فيها به) أي بالزوج (لقلة) كما لو دخل عليها وأتت بولد كامل بعد شهر أو شهرين أو خمسة من يوم الوطء، فيعتمد على ذلك ويعلم أنه ليس منه ويلاعن، (أو كثرة كخمس سنين) بعد الوطء فلا يلحق به ويعتمد على ذلك، ويلاعن لنفيه (أو) وطئها و(استبرأها بحيضة) بعد الوطء، (أو وضع) لحمل (وأتت به بعد ستة أشهر من) يوم (الاستبراء) بالحيضة أو بالوضع، فيعتمد على ذلك ويلاعن لنفيه إذ هو ليس منه قطعًا.
(ولا ينتفي) الحمل أو الولد (بغيره) أي بغير اللعان (ولو تصادقا) أي الزوجان (على نفيه) أي على نفي الوطء أو على نفي الولد عن الزوج ويلحق به، ولا حد عليه لأنه رمى غير عفيفة، وتحد هي (إلا أن تأتي به لدون ستة أشهر من العقد) كشهر أو شهرين، فينتفي عنه حينئذ بغير لعان لقيام المانع الشرعي من لحوقه به، (أو) تأتي به (وهو) أي الزوج (صبي أو مجبوب) فينتفي عنه بغير لعان، (أو مقطوع) البيضة (اليسرى) لأنه لا يولد له كالمجبوب، (أو تدّعيه) أي الحمل أو الولد (من) أي امرأة (لا يمكن اجتماعه) أي الزوج (عليها) أي الزوجة (عادة كمشرقية ومغربي)، بأن يكون بينهما من المسافة ما إن قدم بعد العقد كان الباقي لا يمكن فيه الولد أو الحمل على الوجه الذي هو به.
(ولا يعتمد فيه) أي في اللعان (على ظن) بل لا بد من اليقين كما تقدم (كرؤيتهما متجردين في لحاف) واحد؛ إذ يمكن عدم وطئهما [١] أو وطؤها بين فخذيها (ولا) يعتمد فيه (على عزل منه) بأن يمني خارج الفرج لأن الماء قد يسبقه قهرًا.
(ولا) يعتمد فيه على (مشابهة) في الولد (لغيره ولا) على (وطء بين الفخذين) دون الفرج (إن أنزل) بين الفخذين (ولا) يعتمد فيه (على عدم إنزال) منه حال وطئها (إن) كان (أنزل قبله) أي قبل وطئها، (ولم يبل) بعده قبل وطئها لاحتمال أن يكون في أصل ذكره بقية مني، فانصب في رحمها حال جماعها، بخلاف ما لو بال قبل وطئها ولم ينزل فله ملاعنتها؛ لأن البول يخرج بقايا المني.
(وحد) الزوج الملاعن
ــ
في الستة متوالية.
قوله: [لم يلحق به]: أي وينتفي بذلك اللعان، وهذا قول أشهب، وقال عبد الملك وأصبغ: إنما ينتفي بلعان ثان، قال في المقدمات وفي المدونة ما يدل للقولين، والموضوع أن بين الاستبراء والولادة ستة أشهر إلا خمسة أيام فأكثر، وإلا لحق به فتأمل.
قوله: [إن لم يطأها] إلخ: أشار بهذا إلى أن محل كون الرجل يلاعن لنفي الولد أو الحمل إذا اعتمد في لعانه على واحد من هذه الأمور الخمسة فإن لاعن لنفيه من غير اعتماد على واحد منها كان اللعان باطلًا ولم ينتف نسب ذلك الملاعن منه، وأما إذا كان اللعان لرؤية الزنا فلا يعتمد على شيء غير تيقنه للزنا إن كان أعمى، ورؤيته له إن كان بصيرًا كما تقدم.
قوله: [من يوم الوطء]: ظرف لقوله أتت بولد كامل، والموضوع أن العقد متقدم لستة أشهر فأكثر وإلا انتفى بلا لعان كما يأتي.
قوله: [فيعتمد على ذلك ويلاعن]: أي وإن لم يدع رؤية الزنا على المشهور كما قال عياض، لأن المقصود نفي الحمل ولا حاجة للرؤية.
قوله: [ولو تصادقا]: أي الزوجان على نفيه، وسواء قبل البناء أو بعده. وحاصله: أنها إذا ولدت ولدًا قبل البناء أو بعده وتصادقا على نفي ذلك الولد وعدم لحوقه بالزوج، فإنه لا ينتفي لحوقه بالزوج إلا بلعان منه هذا هو المشهور. ومقابله إن تصادقا على نفيه وكانت ولدته قبل البناء فإنه ينتفي بلا لعان بخلاف ما ولدته بعد البناء.
قوله: [كشهر أو شهرين]: أي أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة إلا ستة أيام.
قوله: [وهو أي الزوج صبي أو مجبوب]: أي لاستحالة حملها منهما عادة لا عقلًا.
قوله: [أو مقطوع البيضة اليسرى]: هذا هو الصحيح قال في الشامل: إنه متى وجدت البيضة اليسرى ولو كان مقطوع الذكر وأنزل فلا بد من اللعان مطلقًا وإن فقدت، ولو كان قائم الذكر فلا لعان ولو أنزل، وينتفي الولد بغيره، وطريقة القرافي أن المجبوب والخصي إن لم ينزلا فلا لعان لعدم لحوق الولد بهما وإن أنزلا لاعنا.
قوله: [كمشرقية ومغربي]: أي ويفرض أنه تولى العقد بينهما في ذلك وليهما وهما في مكانهما أي المغرب والمشرق وعلم بقاء كل من الزوجين في محله إلى أن ظهر الحمل، فإنه ينتفي عنه بغير لعان لقيام المانع العادي على نفيه عنه، وإن لم يعلم بقاء كل من الزوجين في محله انتفى عنه بالوجه الذي قاله الشارح.
قوله: [على ظن] إلخ: الحاصل أنه ذكر مسائل خمسة لا يجوز للرجل أن يعتمد في واحدة منها ويلاعن، فلو لاعن لا يعتبر لعانه ولكن لا حد عليه لعذره.
قوله: [إن كان أنزل قبله]: أي كما إذا لاعن زوجته أو أمته فأنزل ثم وطئ الزوجة ولم ينزل فيها، والحال أنه لم يحصل منه بول بين الإنزال والوطء الذي لم ينزل فيه فحملت تلك المرأة، فليس له نفيه والملاعنة فيه معتمدًا على عدم إنزاله فيها لاحتمال بقاء شيء من مائه في قصبة ذكره فيخرج مع الوطء.
قوله: [لأن البول يخرج بقايا المني]: تعليلهم هذا يفيد أن مجرى المني والبول
_________________
(١) [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
(٢) في ط المعارف: (وطئها)، ولعلها الصواب.
[ ١ / ٤٩٣ ]
(إن استلحق الولد) الذي لاعن فيه لتبين قذفه إياها، (إلا أن يثبت) ببينة أو إقرارها (زناها، ولو) زنت (بعد اللعان) لأنه قد تبين أنه قذف غير عفيفة فلا حد عليه، (أو سمى الزاني بها).
فإنه يحد لقذفه إلا أن يثبت زناه ولو بغيرها فلا يحد لأنه قذف غير عفيف (وشرطه) أي اللعان (التعجيل) أي تعجيله بعد علمه (في الحمل أو الولد و) شرطه (عدم الوطء) لها (مطلقًا) في الحمل والولد والرؤية، (فإن وطئ) المرأة الملاعنة (بعد علمه بحمل) من غيره (أو وضع أو رؤية) لها تزني، (أو أخر) لعانها ولو يومًا (بلا عذر بعد علمه بالأولين) أي الحمل أو الوضع، (امتنع) لعانه لها ولا يمكن منه، فالمانع في الرؤية الوطء فقط لا التأخير.
(و) شرطه (أشهد، في الأربع) مرات منه أو منها (واللعن منه) في الخامسة (والغضب منها في الخامسة و) شرطه (بدؤه) بالحلف (عليها) فإن بدأت به أعادت بعده كما يأتي، ولا يكفي ما وقع منها ابتداء على المشهور خلافًا لما نقل عن ابن القاسم، وقول الشيخ وفي إعادتها إن بدأت خلاف معترض، بأن قول ابن القاسم لم يرجحه أحد.
ثم بين كيفية ذلك بقوله: (فيقول) الزوج: (أشهد) بفتح الهمزة (بالله) ولا يشترط زيادة "الذي لا إله إلا هو" (لزنت) في الرؤية ونفي الحمل (أربعًا) من المرات. هذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وقال ابن المواز: يقول في رؤيتها الزنا: لرأيتها تزني، وفي نفي الحمل: ما هذا الحمل مني، وهو أوجه، ولذا مشى عليه الشيخ (وخمس بلعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) عليها (أو إن كنت كذبتها) أي كذبت عليها (فتقول) بعده: (أشهد بالله ما زنيت،
_________________
(١) واحد، خلافًا لمن يتوهم اختلاف المجريين. قوله: [إن استلحق الولد الذي لاعن فيه]: وسواء لاعن لنفيه فقط، أو لنفيه مع الرؤية، وأما إذا لاعن للرؤية فقط، ثم استلحق ما ولدته لستة أشهر من يوم الرؤية فلا حد عليه، وقال ابن المواز يحد وهو ظاهر المدونة وعليه اقتصر المواق كذا في (بن) نقله محشي الأصل، فلو تعدد الولد المنفي باللعان واستلحق واحدًا بعد واحد فإنه يحد للجميع حدًا واحدًا إلا أن يستلحق الثاني بعدما حد للأول، فيتعدد فيما يظهر كذا في الحاشية. قوله: [أو سمى الزاني بها]: عورض هذا بحديث البخاري وغيره عن ابن عباس: «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله - ﷺ - بشريك بن سحماء» فسمى الزاني بها، ولم ينقل أن هلالًا حد من أجله؛ وأجاب الداودي بأن مالكًا لم يبلغه هذا الحديث، وأجاب بعض المالكية بأن المقذوف لم يطلب حقه، وذكر عياض أن بعض الأصحاب اعتذر عنه بأن شريكًا كان يهوديًا، قال ابن حجر اهـ (بن). نقله محشي الأصل. قوله: [فإنه يحد لقذفه]: أي بعد إعلام المقذوف بأن فلانًا قذفه بامرأته لأنه قد يعترف أو يعفو لإرادة الستر ولو بلغ الإمام. تنبيهان: الأول: إن كرر بعد اللعان قذفها بما رماها به أولًا، فلا يحد بخلاف ما إذا قذفها بأمر آخر أو بما هو أعلم فإنه يحد. الثاني: حيث استلحق الأب الولد بعد الموت فإن المستلحق يرثه إن كان لذلك ولد حر مسلم ولو بنتًا، أو لم يكن وقل المال الذي يحوزه المستلحق، قال خليل في توضيحه: والذي ينبغي أن تتبع التهمة فقد يكون السدس كثيرًا فينبغي أن لا يرث، ولو كان للميت ولد، وقد يكون المال كله يسيرًا فينبغي أن يرث وإن لم يكن له ولد، ومفهوم قولنا: " بعد الموت " أنه لو استلحقه حيًا ثم مات ذلك الولد، فإن الأب يرثه من غير شرط وهذا التفصيل إنما هو في الميراث، وأما النسب فثابت باعترافه مطلقًا وسيأتي ذلك في باب الاستلحاق قوله: [بعد علمه في الحمل أو الولد]: أي فيجعل اللعان لنفي الحمل والولد ولا يتقيد بزمان ولا فرق بين كون المرأة في العصمة أو مطلقة كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا خرجت من العدة أم لا، كانت حية أو ميتة، بخلاف اللعان للرؤية فإن شرطه أن تكون في العصمة أو في العدة، فمتى رماها وهي في العصمة أو في العدة لاعن، ولو انقضت العدة فإن ادعى بعد العدة أنه رأى فيها أو قبلها أو بعدها فلا لعان. قوله: [امتنع لعانه لها]: أي ولحق به الولد وبقيت زوجة، سواء كانت مسلمة أو كتابية، ويحد للمسلمة وليس من العذر تأخيره لاحتمال كونه ريحًا فينفش خلافًا لابن القصار. قوله: [وشرطه أشهد في الأربع]: أي بأن يقول في كل مرة أشهد بالله لرأيتها تزني إلخ. قوله: [بأن قول ابن القاسم] إلخ: تصوير للاعتراض أي مع أن الشيخ خليلًا قال: وحيث قلت خلاف فذلك للاختلاف في التشهير. قوله: [ولا يشترط زيادة الذي لا إله إلا هو]: أي على الراجح خلافًا لابن المواز القائل بأنه يزيدها، وعلى الأول يستثنى اللعان مما يأتي في الشهادات من أن اليمين في كل حق بالله الذي لا إله إلا هو، ولا يشترط أيضًا زيادة البصير في لعانه للرؤية أن يقول كالمرود في المكحلة خلافًا لمن قال بزيادة ذلك، وفي لزوم زيادة وإني لمن الصادقين وعدم لزومها قولان، والصواب اللزوم لوروده في القرآن. قوله: [يقول في رؤيتها الزنا لرأيتها تزني]: أي إذا كان بصيرًا، وأما الأعمى فيقول لعلمتها أو تيقنتها. قوله: [وهو أوجه]: وجه ذلك أنه لا يلزم من نفي الحمل كونها زنت، لأن الحمل قد يأتي من وطء شبهة إلا أن يتسمح، ويراد بالزنا إصابة
[ ١ / ٤٩٤ ]
أو ما رآني) أزني، (وتخمس بغضب الله عليها) أي تقول في الخامسة: غضب الله أو أن غضب الله عليها (إن كان من الصادقين) فيما رماني به، (وأعادت) الزوجة يمينها (بعده) أي بعد حلف زوجها (إن ابتدأت) باليمين قبله، قاله أشهب، وهو الراجح، وقال ابن القاسم يكفي والمعتمد الأول (وأشار الأخرس) منهما باليمين وتكفيه الإشارة (أو كتب) إن كان يعرف الكتابة (و) شرطه (حضور جماعة) للعان (أقلها أربعة) من العدول.
(وندب) إيقاعه (إثر صلاة) لما فيه من الردع والرهبة.
(و) ندب (بعد) صلاة (العصر): لأنها الصلاة الوسطى على ما رجح.
(و) ندب (تخويفهما) بالوعظ بأن يقال لهما: إن الإقدام على الحلف بالله كاذبًا فيه الوبال الأخروي والدنيوي، والاعتراف بالحق فيه النجاة وإن لزمه الحد، لأنه يكون كفارة له ونحو ذلك، (وخصوصًا) يندب التخويف (عند الخامسة و) ندب (القول) لهما عندها (بأنها الموجبة للعذاب) بنزول اللعنة أو الغضب على الكاذب.
(والمسلم) يلاعن وجوبًا (بالمسجد) لأنه أشرف الأماكن فيغلظ فيه به، (والذمية) تلاعن زوجها المسلم (بالكنيسة) أراد بها ما يشمل بيعة اليهود، (فإن نكلت أدبت) ولم تحد، (وردت) بعد تأديبها (لأهل دينها) ليفعلوا بها ما يرونه عندهم، وشبه في التأديب قوله: (كقوله) أي الزوج (وجدتها) أي الزوجة (مع رجل في لحاف) أو متجردين، فإنه يؤدب ولو قاله لأجنبية لحد.
(وإن رماها) أي رمى الزوج زوجته (بغصب) بأن قال لها: غصبت على الزنا، (أو شبهة) بأن قال: وطئها فلان أو رجل ظنته إياي، وأنكرت أو صدقته (فإن ثبت) ببينة (أو ظهر) للناس (التعن) الزوج فقط دونها، ولا يفرق بينهما، وفائدة لعانه نفي الولد عنه (كصغيرة توطأ): أي يمكن وطؤها إذا رماها زوجها برؤية الزنا بها فإنه يلتعن فقط، (ولا تفريق) بينهما لأن التفريق إنما هو بلعانهما معًا (فإن أبى) في المسائل الثلاث من اللعان (لم يحد) للقذف لفقد التكليف في الأخيرة وحقيقة الزنا في الأولين.
(وإلا) بأن لم يثبت ما رماها به من الغصب أو الشبهة، ولم يظهر ذلك للناس التعنا معًا وفرق بينهما
_________________
(١) الغير لها. قوله: [أو ما رآني] إلخ: التفت لطريقة ابن المواز. قوله: [أي تقول في الخامسة غضب الله عليها]: يصح قراءته بالفعل الماضي أو بصيغة المصدر، وإنما تعين اللعن في خامسة الرجل والغضب في خامسة المرأة، لأن الرجل مبعد لأهله وهي الزوجة ولولده الذي نفاه باللعان فناسبه التعبير باللعنة، لأن اللعن معناه البعد، والمرأة مغضبة لزوجها ولأهلها ولربها فناسبها التعبير بالغضب. قوله: [وأشار الأخرس]: أي وكرر الإشارة أربعًا ويخمس باللعنة. قوله: [باليمين]: أي الحلف فالباء بمعنى اللام. قوله: [أو كتب]: أي ويكرر الكتابة أربعًا ويخمس باللعنة. قوله: [وشرطه حضور جماعة]: أي لأن اللعان شعيرة من شعائر الإسلام وخصلة من خصاله ومن خصوصياته، فكان أقل ما تظهر به تلك الشعيرة أربعة عدول، إلا أن حضور الجماعة المذكورة لاحتمال نكوله أو إقرارها، لأن النكول والإقرار يثبت بشهادة اثنين على ما رجحه اللقاني، خلافًا لمن قال إنهما لا يثبتان إلا بأربعة كذا في الحاشية قوله: [لأنها الصلاة الوسطى]: فإن قلت: هذا الترجيح موجود في صلاة الصبح، بل المعتمد عند مالك أنها الصبح. أجيب بأن صلاة الصبح وقت نوم وليس وقت تصرف ولا اجتماع وإن كان فضلها عظيمًا. قوله: [وندب تخويفهما]: أي قبل الشروع في اللعان عند الأولى وعند الشروع في الثانية والثالثة والرابعة، وخصوصًا عند الخامسة، كما قال ابن الحاجب وتبعه خليل والمصنف، وقال ابن عرفة لا أعرف كونه عند الخامسة وعزاه عياض للشافعي كذا في الحاشية قوله: [بنزول اللعنة أو الغضب على الكاذب]: أي فتكون خامسة الرجل موجبة للعذاب عليه إن كان كاذبًا، وعليها إن كانت كاذبة، وخامسة المرأة كذلك، والمراد بالعذاب كما قال الخرشي: الرجم أو الجلد على المرأة إن لم تحلف، وعلى الرجل إن لم يحلف اهـ. ولكن الأولى أن يراد بالعذاب عذاب الآخرة لا عذاب الدنيا أو ما هو أعم. قوله: [بالمسجد]: أي الجامع ولا يعتبر رضاهما أو أحدهما بدونه وهو واجب شرطًا. قوله: [لأنه أشرف الأماكن]: وأصل اللعان أن يكون في أشرف الأماكن ولو بحسب زعم الحالف فلذلك تلاعن الذمية في كنيستها قوله: [والذمية تلاعن زوجها المسلم] إلخ: وهل تجبر على الكنيسة كما يجبر المسلم على المسجد أو لا تجبر؟ خلاف. قوله: [أدبت ولم تحد]: أي لأن الحدود شروطها إسلام المحدود. قوله: [كقوله أي الزوج] إلخ: أي فيؤدب لذلك ولا حد عليه ولا يلاعن. قوله: [ولو قاله لأجنبية] إلخ: قال ابن المنير: الفرق بين الزوج والأجنبي، أن الأجنبي يقصد الإذاية المحضة، والزوج قد يعذر به بالنسبة إلى صيانة النسب. وعلى ما ذكر من حد الأجنبي دون الزوج يلغز ويقال: قذف الأجنبية لا يحد فيه الزوج ولا لعان عليه، مع أن القاعدة أن كل قذف لأجنبية لو قذف به الزوج زوجته فيه الحد إن لم يلاعن؟ وجوابه أن القاعدة غير مطردة قوله: [كصغيرة توطأ]: احترز بقوله "توطأ" عما إذا كانت لا توطأ، فإن زوجها لا حد عليه ولا لعان لعدم لحوق المعرة. قوله: [لفقد التكليف في الأخيرة]: أي والزنا الموجب للحدود لا يكون إلا من مكلف والموضوع أنها صبية هذا مقتضى كلامه، والذي قاله الخرشي: أن الصغيرة التي توطأ يلاعن فيها لنفي الحد عن نفسه فمقتضاه أنه إذا
[ ١ / ٤٩٥ ]
(وتقول في لعانها): ما زنيت (ولقد غلبت) هذا (إن صدقته) وتقول: ما زنيت (وما غلبت إن أنكرت، وحُدَّ الناكل [١] منهما) في هذه الحالة.
(وحكمه) أي اللعان أي ثمرته المترتبة عليه (رفع الحد) عن الزوج إن كانت الزوجة حرة مسلمة، (أو) رفع (الأدب) عنه (في) الزوجة (الأمة والذمية، وإيجابه) أي الحد (عليها إن نكلت، وقطع النسب) بولدها عنه (وبلعانها) أي بتمامه (يجب تأييد [٢] حرمتها عليه وإن ملكت) له بعد ذلك بشراء أو إرث أو غيرهما إذا كانت أمة، (أو انفشّ حملها) الذي لاعن لأجله.
(وإن استلحق) الزوج الملاعن (أحد التوأمين لحقا) معًا وحد لأنهما كالشيء الواحد، (وإن كان بينهما) أي الولدين (ستة) من الأشهر فأكثر (فبطنان)، أي ليسا بتوأمين فاستلحاق الأول لا يستلزم استلحاق الثاني، والثاني من زِنى قطعًا فلا يصح استلحاقه ولا يحتاج في ذلك لسؤال النساء.
ثم انتقل يتكلم على العدة وأحكامها فقال: