قوله: [ندب التدبير]: أصل مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧] وقال ﵊: «المدبر من الثلث» وأجمعت الأمة على أنه قربة.
قوله: [مدبر]: بكسر الباء مشددة أي منشئ التدبير.
وقوله: [ومدبر] بصيغة اسم المفعول اسم للرقبة والمراد بالركن ما توقفت صحة الشيء عليه كما تقدم نظيره في العتق.
قوله: [وهو تعليق مكلف]: أي ولو سكران بحرام إذا كان عنده نوع تمييز، وأما إذا كان طافحًا فهو كالبهيمة لا يلزمه شيء اتفاقًا، وما في (عب) فيه نظر، وأما السكران بحلال فكالمجنون اتفاقًا.
قوله: [فلا يكون من صبي] إلخ: أي فتدبيره باطل من أصله وكذا يقال في تدبير العبد والسفيه فيما يأتي، أما بطلانه من المجنون والمكره والعبد فباتفاق، وأما بطلانه من الصغير والسفيه فعلى الراجح كما في الحاشية، وقال بعضهم:
إنه من الصغير والسفيه وصية بلفظ التدبير فإطلاق التدبير عليه مجاز لا حقيقة، وحينئذ يخرج من الثلث ولهما الرجوع بعد الرشد. واستظهره في المجموع.
قوله: [وإن زوجة دبرت في زائد الثلث]: أي دبرت عبدًا قيمته أزيد من ثلث مالها، ورد بالمبالغة قول سحنون إن قول ابن القاسم يصح من الزوجة في زائد الثلث خطأ أفاده (بن) نقلًا عن المواق.
قوله: [لأن الرقيق في ملكها للموت]: أي فلها استخدامه والتجمل به وفي هذا منفعة للزوج فلم يخرج العبد بالتدبير عن انتفاع الزوج به إلى موتها وبعده، فالزوج كبقية الورثة. بخلاف العتق فإن العبد يخرج عن انتفاع الزوج به.
قوله: [خرج تعليق الوصية]
_________________
(١) [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
(٢) في ط المعارف: (فإنه).
(٣) في ط المعارف: (ولإباق).
[ ٢ / ٤٤٨ ]
أي تعليق إلخ أي: دبرتك أو: دبرت فلانًا (وأنت مدبر أو) أنت: (حر عن دبر مني) بسكون الموحدة وضمها: فيلزم [١] التدبير بهذه الصيغ ما لم يقترن بما يصرفه للوصية كقوله له: أنت مدبر ولي الرجوع في ذلك وإلا كان وصية كما قال: (لا) إن كان التعليق بالموت على وجه الوصية فيكون غير لازم إلى آخر ما قال: (إن مت من مرضي) هذا فأنت، أو: ففلان حر (أو) قال: إن مت من (سفري هذا) فأنت حر (أو) قال: (أنت حر بعد موتي؛ فوصية لا تلزم) فله الرجوع فيها ومحل كون هذه الصيغ وصية لا تلزم (إن لم يرده): أي إن لم يقصد التدبير، فإن أقر بأنه أراده لزم (أو يعلقه): على شيء فإن علقه على شيء وحصل المعلق عليه فيكون اللازم تدبيرًا أو وصية، كقوله: إن كلمت زيدًا فأنت حر إن مت من مرضي هذا، فكلمه.
(و) إذا دبر السيد أمته الحامل (تناول) التدبير (حملها) الكائن فيها وقت التدبير. وأولى الحاصل بعده؛ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها (كولد مدبر) حصل حمله (من أمته): أي أمة ذلك المدبر (إن حملت) به من أبيه (بعده): أي بعد تدبير أبيه فالحمل مدبر تبعًا لأبيه لانفصال مائه بعد التدبير، بخلاف لو كانت حاملة به قبل تدبير أبيه فلا يدخل الحمل في التدبير لانفصال مائه قبله (وصارت) أمته (أم ولد) لذلك المدبر (به): أي بولدها الذي حملت به بعد تدبير أبيه (إن عتق) الولد: بأن حمله الثلث مع أبيه، فإن ضاق الثلث عنهما تحاصا؛ أي الولد وأبوه، فإذا عتق بعض الولد للتحاصص فلا تكون أمه أم ولد لأن أم الولد الحر حملها كله حر، وكذا تحاصص المدبرة وولدها عند الضيق هذا هو الراجح وقول الأصل "قدم الأب عند الضيق" تبع فيه استظهار ابن عبد السلام.
(وللسيد): أي سيد من دبره (نزع ماله): لأنه رقيق. ومحل كونه له النزاع [٢] (إن لم يمرض) السيد مرضًا مخوفًا، وإلا فليس له نزع مال المدبر، لأنه ينزعه لغيره ما لم يكن اشترط وقت التدبير أن له الانتزع [٣] إذا مرض مرضًا مخوفًا، وإلا فله. كما أن له عند المرض المخوف أخذ خراجه وأرشه.
(و) للسيد (رهنه): أي رهن رقبة المدبر ليباع للغرماء ولو في حياة السيد إن سبق الدين على التدبير، فإن تأخر الدين عن التدبير فإنما يجوز له رهنه ليباع بعد موت السيد حيث لا مال له. قال الأجهوري:
ويبطل التدبير دين سبقا إن سيد حيًا وإلا مطلقا
ويأتي للمصنف
ــ
لأن تعليقها غير لازم فله الرجوع فيه ولو من غير عذر فصار الفرق بين الوصية والتدبير اللزوم وعدمه وهو دال على افتراق حقيقتهما.
وحاصل الفرق بينهما كما نقله (بن) عن المعيار أن العتق في التدبير ألزمه ذمته وأنشأه من الآن وإن كان معلقًا على الموت فوجب أن لا يرجع فيه والوصية أمر بالعتق بعد موته ولم يعقد على نفسه عتقًا الآن، فالعتق إنما يقع على العبد بعد موت الموصي فلذا كان له أن يرجع كمن وكل رجلًا ليبيع عبده أو يهبه فله أن يرجع عن ذلك بما شاء من قول أو فعل ما لم ينفذ الوكيل ما أمره به.
قوله: [أي تعليق إلى آخره]: كلام ناقص لا معنى له ولعل حق العبارة أن يقول تعليق مكلف إلخ مصور بـ دبرت إلخ.
قوله: [إلى آخر ما قال]: المناسب حذفه ويقول كقوله إن مت إلخ.
قوله: [أي إن لم يقصد التدبير]: في (بن) النية كافية، وأما إذا أتى بما يدل عليه كقوله إذا مت فعبدي فلان حر لا يغير فهذا من قبيل التدبير الصريح لا النية فقط خلافًا لـ (عب) اهـ.
قوله: [فيكون اللازم تدبيرًا أو وصية]: الصواب لا وصية.
قوله: [وأولى الحاصل بعده]: أي بخلاف المنفصل عنها قبل تدبيرها فإنه رقيق للسيد.
قوله: [قبل تدبير أبيه] إلخ: أي سواء وضعته قبل تدبيره أيضًا أو وضعته بعده.
والحاصل أن ما انفصل قبل التدبير فهو رقيق سواء كان التدبير للأمة أو للعبد المسترسل عليها وما حملت به بعد التدبير فهو مدبر كان التدبير للأمة أو العبد المسترسل، وأما ما كان حمله حين التدبير فهو مدبر إن دبرت أمه لا إن دبر أبوه وإنما دخل ولد المدبرة الذي حملت به قبل تدبيرها في عقد تدبيرها دون حملها من أبيه قبل تدبيره؛ لأن الولد كجزء منها حتى تضع فإذا دبرها فقد دبره، وإذا دبر الأب لم يدخل تدبير الأم ولا حملها حتى تحمل به بعد تدبير الأب.
قوله: [وصارت أمته أم ولد]: حاصله أن العبد المدبر إذا عتق ولده الذي حملت به أمه بعد التدبير وذلك العتق بعد موت السيد الذي دبر أباه بأن حمله الثلث هو وأبوه أو عتقا معًا فإن الأمة التي حملت به تصير أم ولد بذلك الولد فتعتق من رأس مال سيدها وهو المدبر المذكور.
قوله: [تحاصا]: أي فإذا كان ثلث مال السيد عشرة وكانت قيمة الولد والأب معًا ثلاثين فإنه يعتق من كل بمقدار خمسة وهو سدسه.
قوله: [أي سيد من دبره]: الأسهل سيد المدبر.
قوله: [نزع ماله]: مراده ما وهب له أو تصدق به عليه أو اكتسبه بتجارة أو خلع زوجة، وأما ما نشأ من عمل يده وخراجه وأرش جناية عليه فللسيد نزعه ولو مرض مرضًا مخوفًا من غير احتياج لشرط على أن إطلاق الانتزاع عليه مجاز إذ هو للسيد أصالة.
قوله: [كما أن له عند المرض المخوف أخذ خراجه وأرشه]: أي لكونهما للسيد
_________________
(١) [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة]
(٢) في ط المعارف: (فيلوم).
(٣) كذا في ط. الحلبي وط المعارف، ولعل الصواب: (النزع).
(٤) في ط المعارف: (الانتزاع).
[ ٢ / ٤٤٩ ]
(و) لسيد المدبر (كتابته): فإن أدى عتق وإن عجز رجع مدبرًا، فإن مات سيده قبل الأداء عتق من ثلثه وسقط عنه باقي النجوم.
(و) لسيد المدبرة (وطؤها): لأنها ما زالت أمة له (لا) يجوز للسيد (إخراجه): أي المدبر (لغير حرية): كبيع وهبة وصدقة لأنه صار فيه شائبة حرية والبيع إلخ ينافي ذلك.
(و) إن وقع من السيد بيع للمدبر أو هبة أو صدقة (فسخ بيعه) وهبته أو صدقته (إن لم يعتق) أي لم يعتقه المشتري والموهوب له والمتصدق عليه، فإن حصل منهم عتق قبل الفسخ مضى ويصير الولاء لمن أعتق لا للمدبر، ولا يرجع المشتري بالثمن إذا أعتقه على من دبره.
(كالمكاتب): تشبيه تام؛ فلا يجوز بيعه ويفسخ إن لم يعتق، فإن أعتقه مشتريه مضى والولاء له لا لمن كاتبه.
(وعتق المدبر) أي نفذ عتقه وتم (بعد موت سيده): الذي دبره (من ثلثه): أي السيد، فمتى حمله الثلث خرج كله حرًا. (وقوم) المدبر (بماله): أي مع ماله، حيث لم يستثنه السيد فيقال: كم يساوي هذا العبد مثلًا على أن له من المال كذا؟ فإن قيل: مائة، قيل: وكم ترك سيده؟ فإن قيل: مائتين فيخرج كله حرًا.
(فإن لم يحمل الثلث إلا بعضه عتق منه) محمل الثلث ورق الباقي. مثلًا: قيمته بلا مال مائة، وماله مائة، وترك السيد مائة؛ فيعتق منه النصف.
(وترك له ماله): كله ملكًا. ووجه عتق النصف: أنه بماله مائتان، وهما مع مائة السيد ثلاثمائة، وثلثها مائة، وهي نصف قيمته مع ما له؛ فيعتق نصفه لحمل الثلث النصف. وكذا لو كانت قيمته بلا مال مائتين، وترك السيد مائة، فيعتق النصف، فلو كانت قيمته مائة، وترك السيد مائة وأربعين، فمجموع التركة مائتان وأربعون، وثلثها ثمانون، نسبتها من قيمة العبد أربعة أخماس؛ فيعتق منه أربعة أخماس، لأنك تنظر نسبة ثلث المال من قيمة العبد وتلك النسبة بعتق من العبد.
(وبطل) تدبير العبد ويرجع رقيقًا لورثة سيده إن استحيوه
_________________
(١) حقيقة كما تقدم. قوله: [ولسيد المدبر كتابته]: أي سواء قلنا إن الكتابة من قبيل العتق أو من قبيل البيع، أما جواز كتابته على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن مرجعها للعتق. قوله: [فإن أدى]: أي نجوم الكتابة. قوله: [وإن عجز رجع مدبرًا]: أي إذا كان عجزه قبل موت السيد. قوله: [قبل الأداء]: أي وقبل عجزه. قوله: [عتق من ثلثه]: أي إن حمله فإن لم يحمله عتق منه محمله وأقر ماله بيده ووضع عنه من كل نجم عليه بقدر ما عتق منه، فإن عتق منه نصفه وضع عنه نصف كل نجم، وإن لم يترك غيره عتق ثلثه ووضع عنه ثلث كل نجم ولا ينظر لما أداه قبل موت السيد، ولو لم يبق عليه غير نجم عتق ثلث المدبر وحط عنه ثلث ذلك النجم ويسعى فيما بقي، فإن أداه خرج حرًا وإن عجز رق منه ما عدا محمل الثلث. قوله: [لا يجوز للسيد] إلخ: ما ذكره المصنف من عدم جواز إخراج المدبر لغير حرية قال ابن عبد السلام هو المشهور من المذهب، وقال ابن عبد البر كان بعض أصحابنا يفتي ببيعه إذا تعنت على مولاه وأحدث أمورًا قبيحة لا ترضي وقد أفتى القوري بما نقله ابن عبد البر أفاده (بن). قوله: [ولا يرجع المشتري بالثمن] إلخ: أي لأن عتقه له فوت للبيع والبيع المختلف في فساده إذا فات يمضي بالثمن. واعلم أن محل مضي عتق المشتري وثبوت الولاء له ما لم يتأخر عتقه إلى موت المدبر بالكسر، فإن تأخر فإنه لا يمضي عتقه لأن الولاء قد انعقد لمدبره، إما لحمل الثلث لكله فيعتق كله أو لبعضه فيعتق بعضه وحيث انعقد الولاء لمدبره قبل عتق المشتري أو الموهوب له صار عتق من ذكر لم يصادف محلًا فللمشتري الذي لم يمض عتقه حينئذ الرجوع بالثمن على تركة المدبر. قوله: [وقوم المدبر بماله]: أي سواء كان المال عينًا أو عرضًا. قوله: [وترك له ماله كله]: هذا هو مذهب المدونة والموطإ وفي التوضيح أنه لا يبقى بيده من المال إلا مقدار ما عتق منه؛ لأنه لو بقي المال كله بيده لكان فيه غبن على الورثة لأنه حينئذ يكون عتقه قد خرج من أكثر من الثلث فالقياس أنه لا يأخذ من المال إلا بقدر ما عتق منه واعترضه (ح) بمخالفته لمذهب المدونة قائلًا: إن ما في التوضيح سهو اهـ. وشبهة ما في التوضيح جوابها أن بقاء نصف المدبر مثلًا رقًا للورثة مع كل ماله أكثر حظًا لهم إذا باعوه مما إذا كان نصفه رقًا لهم مع بعض ماله لأن قيمته إذا كان ماله مائة أكثر من قيمته إذا كان ماله خمسين. قوله: [وهما مع مائة السيد ثلثمائة]: أي والجميع يقال له مال السيد. قوله: [بلا مال]: أي لم يكن مع العبد مال أصلًا وإنما قيمة ذاته مائتان. قوله: [أربعة أخماس]: أي لأن خمس المائة عشرون فالثمانون أربعة أخماسها. تنبيه: إذا ضاق الثلث عن حمل المدبر وكان للسيد دين مؤجل على حاضر موسر قوم عاجلًا، فإذا كان عينًا قوم بالعروض وقومت العروض بعين وإذا كان عرضًا قوم بعين فإذا قوم الدين بخمسة عشر وترك السيد خمسة عشر وقيمة العبد خمسة عشر عتق كله لحمل الثلث له، وأما إن كان الدين على غائب غيبة قريبة كالشهر وهو حال أو قريب من الحلول، فإنه يستأنى بالعتق إلى أن يقبض ذلك الدين، وأما إن كان على غائب غيبة بعيدة أو حاضر معسر فإن المدبر يباع للغرماء أو ما جاوز
[ ٢ / ٤٥٠ ]
(بقتل) العبد المدبر (سيده) فإضافة قتل للسيد من إضافة المصدر لمفعوله وفاعل القتل هو العبد (عمدًا) عدوانًا، لا إن كان السيد في باغية وقتله عبده المدبر فلا يبطل تدبيره. فلو قتل سيده خطأ فعليه الدية لا على عاقلته لأنه وقت الجناية رقيق.
(و) بطل التدبير (باستغراق الدين له): أي للمدبر أي لقيمته (وللتركة): وسواء كان الدين سابقًا أو لاحقًا حيث مات السيد، وسيذكر حكمه في حياة السيد، فإذا كان عليه دين مائة، والعبد قيمته خمسون، وترك سيده خمسين فأقل، بطل التدبير كله.
(و) بطل (بعضه): أي التدبير (بمجاوزة الثلث): أي بمجاوزة البعض ثلث الميت؛ لأن التدبير إنما يخرج من الثلث. فإذا كانت قيمته خمسة، وترك سيده خمسة ولا دين على سيده، فثلث التركة ثلاثة وثلث هي قيمة ثلثي المدبر فيعتق ثلثاه ويرق ثلثه.
(وله): أي للمدبر (حكم الرق): في خدمته وحدوده وعدم حد قاذفه وعدم قبول شهادته وغير ذلك في حياة سيده - بل (وإن مات سيده حتى يعتق فيما وجد) من مال سيده (وقت التقويم): فلو تلف بعض مال السيد بعد موته وقبل التقويم، فإنما يعتق فيما بقي ولا ينظر لما هلك قبل التقويم.
(وللغريم رده): أي التدبير (في حياته) أي حياة السيد (إن أحاط دين سبقه): أي سبق التدبير كما تقدم في نظم الأجهوري.
(باب)