(بَابٌ فِي الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ) وَذَكَرَ فِي الْبَابِ أَشْيَاءَ لَمْ يُتَرْجِمْ لَهَا كَالصُّلْحِ وَالْفَلَسِ وَالْقِسْمَةِ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُ كُلًّا فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَمَّا الْأَقْضِيَةُ فَجَمْعُ قَضَاءٍ بِالْمَدِّ وَهُوَ لُغَةً الْحُكْمُ وَاصْطِلَاحًا لَهُ سَبْعُ مَعَانٍ تَرْجِعُ إلَى انْقِضَاءِ الشَّيْءِ وَتَمَامِهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] أَيْ لَفُصِلَ، وَمِنْهُ قَضَى الْقَاضِي فَصَلَ الْحُكُومَةَ وَالْقَضَاءُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصَالِحِ الْعِبَادِ. ابْنُ شَاسٍ: وَالْحُكْمُ بِالْعَدْلِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ لَكِنَّ خَطَرَهُ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ الْجَوْرَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وَقَالَ - ﷺ -: «إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ وَأَبْغَضَ النَّاسِ إلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَ
_________________
(١) [حاشية العدوي] [بَابٌ فِي الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ] [الأقضية وَأَحْكَامهَا] ِ [قَالُوا: وَذَكَرَ فِي الْبَابِ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ غَيْرُ مَعِيبٍ بَلْ حَسَنٌ. [قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَقْضِيَةُ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَجَمْعُ قَضَاءٍ بِالْمَدِّ كَقَبَاءٍ وَأَقْبِيَةٍ، وَأَصْلُ قَضَاءٍ قَضَايَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَضَيْت وَالْهَمْزَةُ تُبْدَلُ مِنْ الْيَاءِ وَالْوَاوِ الْوَاقِعَتَيْنِ بَعْدَ الْأَلِفِ كَسَمَاءٍ وَبِنَاءٍ وَجُمِعَ عَلَى أَقْضِيَةٍ، وَمِثْلُ قَضَاءٍ قَضِيَّةٌ إلَّا أَنَّهَا تُجْمَعُ عَلَى قَضَايَا كَهَدِيَّةٍ وَهَدَايَا، وَمَعْنَى الْقَضَاءِ وَالْقَضِيَّةِ فِي اللُّغَةِ الْحُكْمُ عَلَى مَا تَبَيَّنَ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً الْحُكْمُ] جُمْلَةٌ مُعَرَّفَةُ الطَّرَفَيْنِ فَتُفِيدُ الْحَصْرَ أَيْ حَصْرُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ عَلَى الْحُكْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هَذِهِ السَّبْعَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا مَعَانٍ لُغَوِيَّةٌ لَا اصْطِلَاحِيَّةٌ، بَلْ أَنْهَاهَا بَعْضٌ إلَى ثَمَانِيَةٍ فَقَالَ: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لُغَةً بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالْفَرَاغِ وَالْهَلَاكِ وَالْأَدَاءِ وَالْإِنْهَاءِ وَالْمُضِيِّ وَالصُّنْعِ وَالتَّقْدِيرِ اهـ. بَلْ مَعْنَاهُ اصْطِلَاحًا مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَضَاءُ الْإِخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ. [قَوْلُهُ: تَرْجِعُ] مِنْ رُجُوعِ الشَّيْءِ إلَى مُفَسِّرِهِ وَلَوْ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ. وَقَوْلُهُ: وَتَمَامُهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ. [قَوْلُهُ: وَمِنْهُ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ الَّذِي هُوَ التَّمَامُ. [قَوْلُهُ: فَصَلَ الْحُكُومَةَ] هَكَذَا فِيمَا بِيَدِي مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ، وَالصَّوَابُ الْخُصُومَةُ كَمَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: وَالْقَضَاءُ] أَيْ الْحُكْمُ بِالْعَدْلِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ. [قَوْلُهُ: مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ] أَيْ عِنْدَ تَعَدُّدِ مَنْ يَقُومُ بِهِ. وَقَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ مَصَالِحِ أَيْ الْمَصَالِحُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ الْعَيْنِيُّ كَمَا إذَا انْفَرَدَ إنْسَانٌ بِشُرُوطِهِ أَوْ خَافَ فِتْنَةً عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ النَّاسِ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ أَوْ خَافَ ضَيَاعَ الْحَقِّ عَلَى أَرْبَابِهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبِ تَوْلِيَةِ غَيْرِهِ وَلَوْ أَزْيَدَ فِقْهًا فَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ وَالطَّلَبُ لِلْقَضَاءِ، وَإِذَا امْتَنَعَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْقَبُولِ أُجْبِرَ، وَإِنْ ضُرِبَ أَوْ سُجِنَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ وَلَا الطَّلَبُ، وَلَوْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ لِلْقَضَاءِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهْرُبَ وَلَوْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَقَدْ تَعْرِضُ لَهُ الْحُرْمَةُ كَكَوْنِهِ جَاهِلًا أَوْ قَاصِدًا بِهِ تَحْصِيلَ الدُّنْيَا مِنْ الْأَخْصَامِ أَوْ جَائِرًا وَالِاسْتِحْبَابُ كَتَوْلِيَتِهِ لِإِشْهَارِ عِلْمِهِ، وَالْإِبَاحَةُ كَقَصْدِ الِارْتِزَاقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِفَقْرِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ، وَالْكَرَاهَةُ كَتَوْلِيَتِهِ لِقَصْدِ تَحْصِيلِ الْجَاهِ وَتَصْيِيرِهِ عَظِيمًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ [قَوْلُهُ: لَكِنَّ خَطَرَهُ] أَيْ الْحُكْمُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا بِقَيْدِهِ. وَقَوْلُهُ: وَأَكْبَرِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَعْظَمِ تَفْسِيرٌ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الذُّنُوبُ الصَّغَائِرُ أَوْ يُرَادُ بِأَعْظَمِ الذُّنُوبِ الْكَبَائِرُ. [قَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن: ١٥]] أَيْ الْجَائِرُونَ أَيْ وَأَمَّا الْمُقْسِطُ فَمَعْنَاهُ الْعَادِلُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]
[ ٢ / ٣٣٨ ]
النَّاسِ مِنْ اللَّهِ رَجُلٌ وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ شَيْئًا فَلَمْ يَعْدِلْ فِيهِمْ» . فَالْقَضَاءُ مِحْنَةٌ مَنْ دَخَلَ فِيهِ اُبْتُلِيَ بِعَظِيمٍ وَلِذَا قَالَ - ﷺ -: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَقَدْ ذُبِحَ بِسِكِّينٍ» انْتَهَى. .
وَلَهُ شُرُوطُ صِحَّةٍ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَدَالَةُ وَالْفِطْنَةُ وَالِاجْتِهَادُ فَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ مُقَلِّدٍ مَعَ وُجُودِ مُجْتَهِدٍ، وَبَدَأَ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ فَقَالَ: «وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ج: هَذَا مَخْصُوصٌ عِنْدَنَا بِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: التَّدْمِيَةُ فَإِنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ فِيهَا إلَى بَيِّنَةٍ. وَالثَّانِي: الْمَغْصُوبَةُ تَحْمِلُ بِبَيِّنَةٍ وَتَدَّعِي الْوَطْءَ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، بَعْضُ الشُّيُوخِ الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي يَقُولُ: كَانَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ، وَجُعِلَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ جَانِبَهُ أَضْعَفُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُثْبِتَ، وَجُعِلَتْ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى جَانِبًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَدَّعِي الْأَصْلَ إذْ الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» سَوَاءٌ كَانَتْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ أَمْ لَا، وَالْمَشْهُورُ
_________________
(١) [حاشية العدوي] ، وَفِي خَبَرٍ «إنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . فَالْقَاسِطُ ضِدُّ الْمُقْسِطِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ جَعْلَ الْقَاسِطِينَ حَطَبَ جَهَنَّمَ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ظَاهِرًا. [قَوْلُهُ: «إنَّ أَعْتَى» إلَخْ] قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْعُتُوُّ التَّجَبُّرُ وَالتَّكَبُّرُ، وَقَدْ عَتَا يَعْتُو عُتُوًّا فَهُوَ عَاتٍ. [قَوْلُهُ: «عَلَى اللَّهِ»] أَيْ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ أَوْ أَنَّ الْمُتَجَبِّرَ عَلَيْهِمْ كَالْمُتَجَبِّرِ عَلَى اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: وَأَبْغَضَ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ. وَقَوْلُهُ: مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَكَذَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ بِصَدَدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَقَوْلُهُ: مِحْنَةٌ: ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ. وَقَوْلُهُ: بِعَظِيمٍ أَيْ بِابْتِلَاءٍ عَظِيمٍ أَيْ بِاخْتِبَارٍ عَظِيمٍ. [قَوْلُهُ: «فَقَدْ ذُبِحَ»] بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى الْكَلَامِ التَّحْذِيرُ مِنْ طَلَبِ الْقَضَاءِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ تَصَدَّى لِلْقَضَاءِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلذَّبْحِ فَلْيَحْذَرْهُ وَلْيَتَّقِهِ. وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ سِكِّينٍ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الذَّبْحَ إنَّمَا يَكُونُ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ بِالسِّكِّينِ فَعَدَلَ بِهِ - ﷺ - عَنْ سُنَنِ الْعَادَةِ إلَى غَيْرِهَا لِيُعْلَمَ أَنَّ الَّذِي أَرَادَ بِهَذَا الْقَوْلِ إنَّمَا هُوَ مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ هَلَاكِ دِينِهِ دُونَ هَلَاكِ بَدَنِهِ، الْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ الذَّبْحَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ إزْهَاقُ الرُّوحِ إنَّمَا يَكُونُ بِالسِّكِّينِ فَإِنْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ كَانَ ذَبْحُهُ خَنْقًا وَتَعْذِيبًا فَضَرَبَ بِذَلِكَ الْمَثَلَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْحَذَرِ مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [قَوْلُهُ: وَالْعَدَالَةُ] اعْلَمْ أَنَّ عَدَالَةَ الشَّهَادَةِ تَسْتَلْزِمُ مَا ذَكَرَهُ قَبْلُ إذْ هِيَ وَصْفٌ مُرَكَّبٌ مِنْ خَمْسَةِ أَوْصَافٍ: الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَعَدَمُ الْفِسْقِ. [قَوْلُهُ: وَالْفِطْنَةُ] أَيْ فَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْمُغَفَّلِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَفَطُّنٌ لِحِجَاجِ الْخُصُومِ وَخُدَعِهِمْ، وَالْفَطِنَةُ جُودَةُ الذِّهْنِ بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَرُدُّ بِهِ الصَّحِيحَ فَاسِدًا وَبِالْعَكْسِ. [قَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ مُقَلِّدٍ مَعَ وُجُودِ مُجْتَهِدٍ] أَيْ وَأَمَّا مَعَ فَقْدِهِ فَيَجُوزُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِالْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُطْلَقِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمُقَلِّدِ وَهُوَ قِسْمَانِ مُجْتَهِدُ مَذْهَبٍ وَهُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى إقَامَةِ الْأَدِلَّةِ، وَمُجْتَهِدُ الْفَتْوَى وَهُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى التَّرْجِيحِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ تَوْلِيَةَ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ بَاطِلَةٌ قَوْلٌ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ وَعَلَيْهِ طَائِفَةٌ أَيْضًا، كَالْمَازِرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي زَمَنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ قَبْلَهُ وَمِمَّنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَكَانَ يَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»] مُقَيَّدٌ بِالدَّعْوَى الَّتِي تَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لَا فِيمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ، فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ وَالزَّوْجِ. [قَوْلُهُ: بِوَجْهَيْنِ] يُزَادُ عَلَيْهِمَا مَسْأَلَةُ الْحِيَازَةِ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ مِنْ الْمُدَّعِي، وَلَا تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عج. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ فِيهَا إلَى بَيِّنَةٍ] بَلْ يَكْفِي اللَّوْثُ، إلَّا أَنَّ فِي عِبَارَتِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا تُوهِمُ أَنَّ نَفْسَ التَّدْمِيَةِ أَيْ قَوْلُهُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ لَا يَحْتَاجُ لِبَيِّنَةٍ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى قَوْلِهِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ. [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ إلَخْ] مُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ يَحْلِفُ مُطْلَقًا، وَثُبُوتُ الْخُلْطَةِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى
[ ٢ / ٣٣٩ ]
إنَّمَا ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ وَلِهَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَمِينَ) أَيْ وَلَا يُقْضَى بِيَمِينٍ (حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ أَوْ الظِّنَّةُ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ التُّهْمَةَ. ع: وَتَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَهُ وَالظِّنَّةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي حَقِّ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ، فَالْخُلْطَةُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالظِّنَّةُ لِأَهْلِ الْغُصُوبَاتِ انْتَهَى.
وَفِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْخُلْطَةَ تَثْبُتُ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا قَالَهُ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ قَضَى حُكَّامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - ﵃ - حُجَّةٌ فَيُخَصَّصُ بِهِ الْحَدِيثُ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - ﵁ - تَحْدُثُ) أَيْ تَظْهَرُ (لِلنَّاسِ أَقَضِيَّةٌ) أَيْ أَحْكَامٌ مُسْتَنْبَطَةٌ بِحَسَبِ الِاجْتِهَادِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ (بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ) أَيْ الْكَذِبِ وَلَا يُعَارَضُ هَذَا بِقَوْلِهِ: وَتَرْكُ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ الْمُحْدِثُونَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ، ثُمَّ اسْتَشْعَرَ سُؤَالًا عَلَى قَوْلِهِ: «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ: فَإِذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ هَلْ يَغْرَمُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) بِأَنْ قَالَ: لَا أَحْلِفُ مَثَلًا (لَمْ يُقْضَ) أَيْ لَمْ يُحْكَمْ (لِلطَّالِبِ) وَهُوَ الْمُدَّعِي بِمُجَرَّدِ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (حَتَّى يَحْلِفَ) الطَّالِبُ
_________________
(١) [حاشية العدوي] عَلَيْهِ تَكُونُ بِدَيْنٍ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ سَلَفٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ تَكَرُّرِ بَيْعٍ بِالنَّقْدِ. [قَوْلُهُ: إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ] الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ إلَّا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ أَيْ فَلَا يُفْتَقَرُ لِخُلْطَةٍ، زَادَ خَلِيلٌ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِنْهَا الصَّانِعُ وَالْمُتَّهَمُ وَالضَّعِيفُ وَالْمُسَافِرُ عَلَى رُفْقَتِهِ، وَلَكِنَّ الَّذِي صَارَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ مُطْلَقًا فَإِنَّهُمْ يُوَجِّهُونَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ عِنْدَ عَدَمِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَلَا يَسْأَلُونَهُ عَنْ خُلْطَةٍ وَلَا تُهْمَةٍ. [قَوْلُهُ: حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ أَوْ الظِّنَّةُ] أَيْ إلَّا فِي مَسَائِلَ قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضًا مِنْهَا وَهِيَ الصَّانِعُ وَالضَّعِيفُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِ هَذَا وَأَنَّهَا تَتَوَجَّهُ مُطْلَقًا. [قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَهُ] أَيْ عَلَى إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ. [قَوْلُهُ: وَالظِّنَّةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي حَقِّ السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ] يُدَّعَى عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ أَوْ غَصْبٍ. [قَوْلُهُ: لِأَهْلِ الْغُصُوبَاتِ] أَيْ وَمَا فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ السُّرَّاقِ. [قَوْلُهُ: وَفِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْخُلْطَةَ تَثْبُتُ بِامْرَأَةٍ] هُوَ الرَّاجِحُ وَلَا يَمِينَ مَعَهَا. [قَوْلُهُ: كَذَلِكَ قَضَى حُكَّامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ] أَيْ كَعَلِيٍّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَوْلُهُ: وَإِجْمَاعُ: يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ قَضَى حُكَّامُ إلَخْ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ حُكَّامِهَا يَقْضُونَ بِذَلِكَ أَنْ يُجْمِعَ أَهْلُهَا عَلَى ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: فَيُخَصَّصُ بِهِ الْحَدِيثُ] أَيْ قَوْلُهُ - ﷺ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . أَيْ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْيَمِينَ مُتَوَجِّهَةٌ مُطْلَقًا فَيُخَصَّصُ بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ وَحُكَّامُ الْمَدِينَةِ قَضَوْا بِذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْضِيَةِ الْمُحْدَثَةِ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ الْفُجُورِ، فَظَهَرَ قَوْلُ الشَّارِحِ وَأُكِّدَ إلَخْ. [قَوْلُهُ: وَقَدْ قَالَ عُمَرُ] هُوَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ قَوْلًا وَفِعْلًا. [قَوْلُهُ: أَقْضِيَةٌ] جَمْعُ قَضَاءٍ. [قَوْلُهُ: بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا إلَخْ] يَعْنِي أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَدِّدَ أَحْكَامًا لَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مَثَلًا بِقَدْرِ مَا يُحْدِثُهُ النَّاسُ مِنْ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْ الشَّرْعِ وَلَكِنْ لَوْ وَقَعَتْ فِي زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ لَحَكَمُوا فِيهَا بِذَلِكَ، نَحْوُ الْحَلِفِ عَلَى الْمُصْحَفِ أَوْ مَقَامِ وَلِيٍّ أَوْ التَّحْلِيفِ بِالطَّلَاقِ فِيمَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ. [قَوْلُهُ: فِيمَا لَمْ يَسْتَنِدْ] أَيْ وَأَمَّا مَا اسْتَنَدَ لِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ فَلَا يُتْرَكُ، وَأَرَادَ بِالِاسْتِنَادِ الْقِيَاسَ مَثَلًا النَّبِيُّ - ﷺ - إنَّمَا أَمَرَ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ لِكَوْنِ الْحَالِفِ يَنْزَجِرُ عَنْ الْحَلِفِ بِهِ كَاذِبًا، فَإِذَا فُقِدَ ذَلِكَ فِيهِ وَوُجِدَ فِي غَيْرِهِ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَيُعْطَى حُكْمَهُ
[ ٢ / ٣٤٠ ]
(فِيمَا يَدَّعِي فِيهِ مَعْرِفَةً) أَيْ عِلْمًا بِصِفَةِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ وَقَدْرِهِ. ع: ظَاهِرُ قَوْلِهِ مَعْرِفَةً أَنَّ يَمِينَ التُّهْمَةِ لَا تَنْقَلِبُ إذَا ادَّعَى عَلَى سَارِقٍ وَأَبَى مِنْ الْيَمِينِ فَبِنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ يَغْرَمُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الْيَمِينِ الَّتِي لَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْيَمِينُ) فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا (بِاَللَّهِ) أَيْ يَقُولُ: وَاَللَّهِ (الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ) وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَنْقُصُ عَنْهُ وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ الْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ، وَقِيلَ: لَا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِيِّ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ بَلْ يَقُولُ: وَاَللَّهِ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ الْآتِي وَمَا تَقَدَّمَ فِي اللِّعَانِ أَنَّهُ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ فَقَطْ لَا يَزِدْ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّهُ يَمِينٌ أَوْ نَمْنَعُ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ. .
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْيَمِينَ تُغَلَّظُ بِالْهَيْئَةِ وَالْمَكَانِ، أَمَّا الْهَيْئَةُ فَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَيَحْلِفُ قَائِمًا) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْقِيَامَ شَرْطٌ وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَلَوْ حَلَفَ جَالِسًا لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَ) أَمَّا الْمَكَانُ فَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ يَحْلِفُ (عِنْدَ مِنْبَرِهِ - ﷺ - فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ)؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَرْدَعُ لِلْحَالِفِ وَأَرْجَى أَنْ يَرْجِعَ
_________________
(١) [حاشية العدوي] لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ. [قَوْلُهُ: أَيْ عِلْمًا] بِأَنْ يَقُولَ: أَتَحَقَّقُ أَنَّ لِي عِنْدَك دِينَارًا أَوْ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا وَهِيَ دَعْوَى التَّحْقِيقِ، إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ الشَّارِحِ أَنَّ الْعِلْمَ تَعَلَّقَ بِشَأْنِ الْمُدَّعَى فِيهِ فَقَطْ مَعَ أَنَّ مُقَابَلَتَهُ بِيَمِينِ التُّهْمَةِ يَقْتَضِي أَنَّ مُتَعَلَّقَ الْعِلْمِ تَعَلُّقُ الْحَقِّ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا قَرَّرْنَا. تَنْبِيهٌ يَحْلِفُ عَلَى مَا يَعْرِفُهُ قَطْعًا إنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عِلْمِهِ إنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ فِيهِ إلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ. وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ مُقَابِلُهُ أَنَّهَا تُرَدُّ. [قَوْلُهُ: أَنَّ يَمِينَ التُّهْمَةِ لَا تَنْقَلِبُ] كَأَنْ يَتَّهِمَ شَخْصًا بِسَرِقَةِ مَالٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ الطَّالِبُ بَلْ يَغْرَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ، وَلَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي إلَّا فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا] أَيْ الَّتِي تُطْلَبُ فِي الْحُقُوقِ احْتِرَازًا عَنْ الْيَمِينِ الَّتِي تُكَفَّرُ فَإِنَّهَا أَعَمُّ إذْ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ اللَّهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ، زَادَ شُرَّاحُ خَلِيلٍ الَّتِي لَا يُوَجِّهُهَا إلَّا حَاكِمٌ أَوْ مُحَكَّمٌ وَإِلَّا فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَيْ لَيْسَ لِخَصْمِهِ أَنْ يُحَلِّفَهُ. [قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ إلَخْ] إنَّمَا غَيَّرَ الشَّارِحُ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ بِالْوَاوِ لِشُهْرَتِهَا عِنْدَ الْعَوَامّ، وَحِينَئِذٍ فَالْبَاءُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ أَيْ كَائِنَةٌ بِاَللَّهِ فَلَا يَدُلُّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّهَا لِلْقَسَمِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَزِيدُ إلَخْ] وَلِذَلِكَ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِاَللَّهِ فَقَطْ أَوْ قَالَ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ فَرَاجِعْهُ. [قَوْلُهُ: وَهَذَا عَامٌّ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْكِتَابِيَّ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا يَقُولُ فِي يَمِينِهِ هَذَا اللَّفْظَ أَيْ يَحْلِفُ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَطْ، وَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ فَقَطْ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ: لَا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِيِّ] أَيْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَهُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْيَهُودِيَّ كَالْمُسْلِمِ وَالنَّصْرَانِيِّ يَقُولُ بِاَللَّهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَانِ الْقَوْلَانِ ضَعِيفَيْنِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِتَعَدُّدِ الْآلِهَةِ إلَّا الثَّنَوِيَّةُ لَا الْوَثَنِيَّةُ، فَقَدْ قَالَ فِي الْمَقَاصِدِ: أَجْمَعَ أَرْبَابُ النُّقُولِ عَلَى وَحْدَةِ الصَّانِعِ إلَّا الثَّنَوِيَّةَ لَا الْوَثَنِيَّةُ، فَلَيْسَ مَعَنَا مَنْ لَا يَقُولُ بِالتَّوْحِيدِ إلَّا الثَّنَوِيَّةُ فَقَطْ، وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِمَّنْ يَقُولُونَ بِالتَّوْحِيدِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ تَوْحِيدَهُمْ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْكُفْرُ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَالنَّصَارَى قَالَتْ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. [قَوْلُهُ: وَمَا تَقَدَّمَ] مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَا يُرَدُّ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّهُ يَمِينٌ] أَيْ وَكَلَامُنَا فِي الْيَمِينِ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ فِي كُلِّ مَالٍ وَلَوْ قَلِيلًا، وَأَمَّا تَغْلِيظُهَا أَيْ تَشْدِيدُهَا فَإِنَّمَا يَكُونُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ، أَيْ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ عُرُوضٍ تُقَوَّمُ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ. [قَوْلُهُ: فَلَوْ حَلَفَ جَالِسًا لَمْ يُجْزِهِ] حَاصِلُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ التَّغْلِيظُ وَاجِبٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَوْ أَوْلَى، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى عَدَمِ التَّغْلِيظِ هَلْ يَحْنَثُ أَوْ لَا، وَإِذَا حَلَفَ مِنْ غَيْرِ تَغْلِيظٍ هَلْ تُعَادُ أَمْ لَا، وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ هَلْ يُعَدُّ نَاكِلًا أَوْ لَا، فَعَلَى الْوُجُوبِ يَحْنَثُ وَتُعَادُ وَيُعَدُّ نَاكِلًا وَعَلَى عَدَمِهِ لَا وَهُوَ ضَعِيفٌ. [قَوْلُهُ: عِنْدَ مِنْبَرِهِ] أَيْ أَوْ عَلَى مِنْبَرِهِ، وَأَفْهَمَ أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِمِنْبَرٍ غَيْرِ مِنْبَرِهِ - ﷺ -
[ ٢ / ٣٤١ ]
لِلْحَقِّ (وَ) إنْ كَانَ (فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ) الْمُشَرَّفَةِ (يَحْلِفُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ (فِي الْجَامِعِ) الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ (وَ) يَكُونُ ذَلِكَ (بِمَوْضِعٍ يُعَظِّمُ مِنْهُ) بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ وَهُوَ الْمِحْرَابُ. ق: فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ هُنَاكَ عُدَّ نُكُولًا مِنْهُ وَيَغْرَمُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ (وَيَحْلِفُ الْكَافِرُ) كِتَابِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا (بِاَللَّهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَصَرَّحَ د بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ مَا قَدَّمْنَا وَهُوَ أَنَّ الْيَمِينَ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَامٌّ فِي الْمُسْلِمِ وَالْكِتَابِيِّ، وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمَجُوسِيَّ يَحْلِفُ كَمَا يَحْلِفُ الْمُسْلِمُ وَلَا يُزَادُ عَلَى الْيَهُودِيِّ " الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى "، وَلَا عَلَى النَّصْرَانِيِّ " الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى "، وَإِذَا حَلَفَ الْكَافِرُ حَلَفَ (حَيْثُ يُعَظِّمُ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ فَالْيَهُودِيُّ يَحْلِفُ فِي كَنِيسَتِهِ وَالنَّصْرَانِيُّ فِي بِيعَتِهِ وَالْمَجُوسِيُّ فِي بَيْتِ النَّارِ.
(وَإِذَا وَجَدَ الطَّالِبُ) وَهُوَ الْمُدَّعِي (بَيِّنَةً بَعْدَ يَمِينِ الْمَطْلُوبِ) وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَ) الْحَالُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ (لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِهَا) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ (قُضِيَ لَهُ بِهَا) سَوَاءٌ كَانَتْ حَاضِرَةً أَوْ غَائِبَةً غَيْبَةً قَرِيبَةً كَالْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تُبْرِئُ الذِّمَّةَ. وَإِنَّمَا شُرِعَتْ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ. ابْنُ الْمَاجِشُونَ: وَإِنَّمَا يُقْضَى لَهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا عَلِمَ بِهَا (وَ) أَمَّا (إنْ) كَانَ (عَلِمَ بِهَا) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ وَهِيَ حَاضِرَةٌ (فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُ لِقَوْلِ عُمَرَ - ﵁ -: الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ خَيْرٌ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ، وَشَرَطَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلْبَيِّنَةِ بِالتَّصْرِيحِ أَوْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا. .
_________________
(١) [حاشية العدوي] وَالْفَرْقُ خَبَرُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا يَمِينًا آثِمَةً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» . وَرُبَّمَا أَفْهَمَ الْحَدِيثُ أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ مِنْبَرُهُ لَمْ يَكُنْ الْحَلِفُ عِنْدَ الْمُجَدَّدِ، وَهَلْ يَكُونُ بِمَوْضِعِ الْأَصْلِيِّ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ. [قَوْلُهُ: رَدْعًا] أَيْ يَكُونُ رَدْعًا. [قَوْلُهُ: فِي الْجَامِعِ] وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ مَسْجِدٌ وَلَوْ مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ تت. [قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ الْكَافِرُ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فَقِيلَ: الْكَافِرُ مُطْلَقًا يَحْلِفُ كَالْمُسْلِمِ، وَقِيلَ: يَقْتَصِرُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ فَقَطْ. وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْكِتَابِيَّ مُطْلَقًا كَالْمُسْلِمِ فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَالْمَجُوسِيُّ يَقْتَصِرُ عَلَى بِاَللَّهِ فَقَطْ. [قَوْلُهُ: حَيْثُ يُعَظِّمُ] أَيْ الْمَكَانُ الَّذِي يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَهُ. [قَوْلُهُ: فَالْيَهُودِيُّ يَحْلِفُ فِي كَنِيسَتِهِ] فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْكَنِيسَةَ لِلنَّصْرَانِيِّ وَالْبِيعَةَ لِلْيَهُودِيِّ وَهُوَ أَقْرَبُ. تَنْبِيهٌ التَّغْلِيظُ يَكُونُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَلَا يَحْلِفُ إلَّا الْبَالِغُ الْعَاقِلُ. [قَوْلُهُ: أَوْ غَائِبَةً غَيْبَةً قَرِيبَةً] وَأَمَّا الْغَائِبَةُ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَحُكْمُ الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ بِهَا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ] أَيْ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِهِ أَيْ إمَّا لِكَوْنِهِ كَانَ نَاسِيًا لَهَا أَيْ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَصْلًا أَيْ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا أَوْ أُعْلِمَ بِهَا، أَيْ أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَشْهَدُ لَهُ أَوْ أَنَّهَا مَاتَتْ، فَلَوْ حَلَّفَ الْقَاضِي مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ بِغَيْرِ إذْنِ خَصْمِهِ فَإِنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ لَا فَائِدَةَ فِيهَا وَلِلْخَصْمِ أَنْ يُعِيدَهَا ثَانِيَةً، وَلَوْ شَرَطَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي عَدَمَ قِيَامِهِ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي نَسِيَهَا وَمَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِالشَّرْطِ كَمَا فِي الْحَطَّابِ. [قَوْلُهُ: أَيْ بِالْبَيِّنَةِ وَهِيَ حَاضِرَةٌ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَحُكْمُ الْبَيِّنَةِ الْغَائِبَةِ غَيْبَةً قَرِيبَةً كَالْجُمُعَةِ حُكْمُ الْبَيِّنَةِ الْحَاضِرَةِ. خَاتِمَةٌ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَةَ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ وَعِنْدَ غَيْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَكِنْ يَكْتُبُ عِنْدَهُ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ، فَإِذَا حَضَرَ الْخَصْمُ قَرَأَ عَلَيْهَا الشَّهَادَةَ وَفِيهَا أَسْمَاءُ الشُّهُودِ وَأَنْسَابُهُمْ وَمَسَاكِنُهُمْ، وَيَعْذِرُ إلَيْهِمْ فِي شَأْنِهِمْ، فَإِنْ ادَّعَى مَطْعَنًا فِيهِمْ أَمَرَهُ بِإِثْبَاتِهِ وَإِلَّا أَلْزَمَهُ الْقَضَاءَ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَإِذَا طَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إعَادَةَ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَشْهَدُوا بِحَضْرَتِهِ فَلَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: أَوْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا] أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً وَلَمْ يَتْرُكْهَا لِمَا ذُكِرَ أَيْ بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَشْهَدُ لَهُ فَلَهُ الْقِيَامُ.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
[أحكام الشهادات]
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الشَّهَادَاتِ وَهِيَ مَصْدَرُ شَهِدَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي مَوْضِعِ قَوْمٍ يَصْلُحُونَ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ فَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ، فَإِنْ امْتَنَعَ فَهُوَ عَاصٍ وَيُجْبَرُ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ.
وَهِيَ عَلَى مَرَاتِبَ: الْأُولَى: بَيِّنَةُ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا، الثَّانِيَةُ: أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُقْضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْأَمْوَالِ) وَمَا أَدَّى إلَى الْأَمْوَالِ مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى الْخِيَارِ وَالْآخَرُ عَلَى الْبَتِّ، وَالثَّالِثَةُ: أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ) أَيْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (فِي نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ حَدٍّ) وَإِنَّمَا يُقْضَى فِيهَا بِعَدْلَيْنِ. مَا ذَكَرَهُ فِي النِّكَاحِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَمَنْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَأَنْكَرَتْ فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهَا وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا، وَلَا يَثْبُتُ نِكَاحٌ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الطَّلَاقِ هُوَ كَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تَدَّعِيَ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَأَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا لَا تَحْلِفُ مَعَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، وَإِذَا لَمْ تَحْلِفْ فَلَهَا رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ طُلِّقَ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِّ مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَذَفَهُ وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا لَا يَحْلِفُ مَعَهُ وَلَا يُحَدُّ الْقَاذِفُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ رُدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُقْضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ (فِي دَمِ عَمْدٍ) أَيْ جِرَاحِ عَمْدٍ (أَوْ) قَتْلِ (نَفْسٍ) وَاحْتَرَزَ بِالْعَمْدِ مِنْ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَالِ.
_________________
(١) [حاشية العدوي] [أَحْكَام الشَّهَادَات] قَوْلُهُ: مَصْدَرُ شَهِدَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ] أَيْ مُفْرَدُ الشَّهَادَاتِ مَصْدَرُ شَهِدَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ، فَعَلَيْهِ تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ فَيُوَافِقُ قَوْلَ صَاحِبِ التَّبْصِرَةِ الشَّهَادَةُ إخْبَارٌ يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: فِي مَوْضِعِ قَوْمٍ يَصْلُحُونَ لَهَا] تَحَمُّلًا أَوْ أَدَاءً فَيُطَالَبُونَ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ، فَمَنْ قَامَ بِهَا كَفَى عَنْ الْبَاقِينَ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اثْنَانِ لَكَانَتْ فِي حَقِّهِمَا فَرْضَ كِفَايَةٍ لِثُبُوتِ الْحَقِّ الْمَالِيِّ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي. وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ الْمَالِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَاهِدَيْنِ فَتَكُونُ فِي حَقِّهِمَا فَرْضَ عَيْنٍ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ الْأَدَاءُ عُرْفًا إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَيْنًا عَلَى مَنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى عَدَدِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْمَشْهُودُ بِهِ، وَكِفَايَةً عَلَى مَنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَيْهِ حَاضِرًا كَوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي الْأَمْوَالِ. وَقَوْلُهُ: وَيُجْبَرُ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ هَلْ الْمُرَادُ بِهِمَا مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ يَسْجُنُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَضْرِبُهُ. [قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ إلَخْ] فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْبَتِّ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مُدَّعِي الْخِيَارِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَعَبَّرَ بِمِثْلِ لَيَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْإِجَارَةُ وَجِرَاحَاتُ الْخَطَأِ وَأَدَاءُ الْكِتَابَةِ. [قَوْلُهُ: فِي نِكَاحٍ] أَيْ ادَّعَى نِكَاحَهَا فِي حَالِ حَيَاتِهَا احْتِرَازًا عَنْ الدَّعْوَى عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَثْبُتُ نِكَاحٌ] الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ. [قَوْلُهُ: وَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ] فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِإِذَا وَفِي بَعْضِهَا بِإِنْ. [قَوْلُهُ: فَلَهَا رَدُّ الْيَمِينِ] مُفَادُهُ أَنَّهَا مُطَالَبَةٌ بِالْيَمِينِ إلَّا أَنَّهَا إذَا لَمْ تَحْلِفْ لَهَا رَدُّ الْيَمِينِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُطَالَبَةً بِالْيَمِينِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَحَيْثُ لَمْ تُطَالَبْ بِالْحَلِفِ فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ فَإِنْ يَحْلِفْ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ سَنَةً دُيِّنَ أَيْ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ رُدَّ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَحَيْثُ لَمْ يُطَالَبْ بِالْحَلِفِ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ سَنَةً دُيِّنَ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَإِنَّ السَّيِّدَ يَلْزَمُهُ يَمِينٌ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ وَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ سَنَةً دُيِّنَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكَادُ يَخْفَى فَقِيَامُ شَاهِدٍ وَاحِدٍ يَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ. [قَوْلُهُ: فِي دَمٍ عَمْدٍ] كَأَنْ يَدَّعِي شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ جَرَحَهُ عَمْدًا وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهُ وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْجَانِي، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ قِيلَ: يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ، وَقِيلَ: يُسْجَنُ فَإِنْ طَالَ سَجْنُهُ دُيِّنَ وَأُخْرِجَ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ] وَمِثْلُهُ الْجُرْحُ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ كَالْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ
[ ٢ / ٣٤٣ ]
ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي دَمِ الْعَمْدِ وَالْقَتْلِ فَقَالَ: (إلَّا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ) مُرَادُهُ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْقَسَامَةِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ لَا يُعْطِيهِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي دَمِ عَمْدٍ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ عَمْدًا إلَّا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ فَيُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَعَ الْقَسَامَةِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْجِرَاحِ الْعَمْدِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَالْمَشْهُورُ هُوَ قَوْلُهُ:
(وَقَدْ قِيلَ يُقْضَى بِذَلِكَ) أَيْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (فِي الْجِرَاحِ) يَعْنِي مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي تَمْرِيضِ الْمَشْهُورِ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ وَذَكَرَهُ لَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ) فِيمَا هُوَ مِنْ شَأْنِ الرِّجَالِ (إلَّا فِي الْأَمْوَالِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْإِجَارَةِ (وَمِائَةُ امْرَأَةٍ كَامْرَأَتَيْنِ وَذَلِكَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ يُقْضَى بِذَلِكَ مَعَ رَجُلٍ أَوْ مَعَ الْيَمِينِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ) .
وَالرَّابِعَةُ: أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ الْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ) وَهُوَ النُّطْقُ (وَشِبْهِهِ) مِثْلُ عُيُوبِ الْفَرْجِ أَوْ الْبَدَنِ (جَائِزَةٌ) وَلَا يُعَارَضُ هَذَا الْحَصْرُ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَا قَيَّدْنَا بِهِ كَلَامَهُ مِنْ قَوْلِنَا فِيمَا هُوَ مِنْ شَأْنِ الرِّجَالِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَقَالَ: (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ) عَلَى خَصْمِهِ بِدُنْيَوِيٍّ لَهُ بَالٌ وَطَالَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا (وَلَا) شَهَادَةُ (ظَنِينٍ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ وَهُوَ الْمُتَّهَمُ فِي دِينِهِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] اسْتَثْنَى إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي قَتْلِ النَّفْسِ إذْ لَا دَخْلَ لِقَوْلِهِ فِي دَمِ عَمْدٍ فِي الِاسْتِثْنَاءِ. [قَوْلُهُ: مُرَادُهُ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْقَسَامَةِ] أَيْ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِالشَّاهِدِ مَعَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ زَائِدٍ عَلَى أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَذَلِكَ فِي بَعْضِ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ كَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْعَدْلِ عَلَى الْجُرْحِ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ الْوَلِيُّ لَقَدْ جَرَحَهُ وَلَمِنْ جَرْحِهِ مَاتَ، فَيَزِيدُ لَقَدْ جَرَحَهُ مَعَ كُلِّ يَمِينٍ لِيَكْمُلَ النِّصَابُ، وَتِلْكَ الصِّفَةُ اجْتَمَعَ فِيهَا الْيَمِينُ الْمُكَمِّلَةُ لِلنِّصَابِ وَأَيْمَانُ الْقَسَامَةِ. [قَوْلُهُ: وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ] أَيْ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ وَلَا رِجَالٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ لَا أَزْيَدَ مِنْ امْرَأَتَيْنِ مِنْ النِّسَاءِ. [قَوْلُهُ: فِيمَا لَا يَطَّلِعُ] أَيْ فِيمَا لَا يَجُوزُ أَوْ يَنْدُرُ. [قَوْلُهُ: مِنْ الْوِلَادَةِ] ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ شَخْصُ الْجَسَدِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ. [قَوْلُهُ: جَائِزَةٌ] مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَلَا يَكْفِي الْوَاحِدَةُ مَعَ الْيَمِينِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْوِلَادَةِ وَعَلَى الِاسْتِهْلَالِ أَيْ عَلَى أَنَّهُ يَنْزِلُ مُسْتَهِلًّا عَامٌّ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ، وَإِنَّمَا عُمِلَ بِشَهَادَتَيْنِ فِيهِ لِنُدُورِ اطِّلَاعِ الرِّجَالِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ الرِّجَالِ لِذَلِكَ، وَفَائِدَةُ ثُبُوتِ الِاسْتِهْلَالِ وَعَدَمِهِ تَظْهَرُ فِي الْإِرْثِ لَهُ أَوْ مِنْهُ، وَأَمَّا عَيْبُ الْفَرْجِ وَالْحَيْضِ فَهُوَ فِي الْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ تُصَدَّقُ فِي نَفْيِ دَاءِ فَرْجِهَا وَفِي حَيْضِهَا. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ شَرَفُ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ فَإِذَا تَنَازَعَ بَائِعُ أَمَةٍ مَعَ مُشْتَرِيهَا فِي عَيْبٍ بِفَرْجِهَا نَظَرَهَا النِّسَاءُ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِغَيْرِ الْفَرْجِ فَإِنْ كَانَ فِي الْوَجْهِ أَوْ الْيَدَيْنِ فَيَنْظُرُهُ الرِّجَالُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ دَاخِلَ الثِّيَابِ وَخَارِجَ الْفَرْجِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِرُؤْيَةِ النِّسَاءِ الْعِدْلَاتِ وَلَوْ فِي الْحَرَائِرِ. قَالَ تت: وَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَكِنْ مَعَ يَمِينِ الْقَائِمِ بِشَهَادَتِهِنَّ اهـ. وَعَلَيْهِ فَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ تُزَادُ عَلَى مَرَاتِبِ الشَّهَادَةِ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: بِدُنْيَوِيٍّ] أَيْ خَصْمُهُ بِسَبَبِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ غَيْرِ خَفِيفٍ. وَقَوْلُهُ: أَوْ طَالَتْ أَيْ أَوْ طَالَتْ فَحَاصِلُهُ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي صُورَتَيْنِ، أُولَاهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْخُصُومَةُ بِسَبَبٍ دُنْيَوِيٍّ غَيْرِ خَفِيفٍ، الثَّانِيَةُ: بِسَبَبِ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ خَفِيفٍ إلَّا أَنَّهُ طَالَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ اسْتَحْكَمَتْ، وَأَمَّا بِدِينِيٍّ كَشَهَادَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ أَوْ دُنْيَوِيٍّ خَفِيفٍ وَلَمْ تَطُلْ الْخُصُومَةُ فَتَجُوزُ. قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إذَا كَانَتْ الْهِجْرَةُ فِي أَمْرٍ خَفِيفٍ وَلَا تُقْبَلُ فِي الْمُهَاجَرَةِ الطَّوِيلَةِ وَالْعَدَاوَةِ الْبَيِّنَةِ اهـ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وَقِيلَ: الْمُتَّهَمُ فِي شَهَادَتِهِ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: (وَلَا يُقْبَلُ) يَعْنِي فِي الشَّهَادَةِ (إلَّا الْعُدُولُ) لَأَغْنَاهُ عَمَّا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ.
بَعْضُهُمْ لَيْسَتْ الْعَدَالَةُ أَنْ يَتَمَحَّضَ الرَّجُلُ لِلطَّاعَةِ حَتَّى لَا يَشُوبَهَا مَعْصِيَةٌ وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَتْ الطَّاعَةُ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِ وَأَغْلَبَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبَائِرِ مُحَافِظٌ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِرِ فَهُوَ الْعَدْلُ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ هَذَا حَالَ الْأَدَاءِ لَا حَالَ التَّحَمُّلِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الزِّنَا) مَثَلًا مَا لَمْ يَتُبْ، أَمَّا إنْ تَابَ فَسَيَنُصُّ عَلَيْهِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ (شَهَادَةُ عَبْدٍ) فِي حَالِ رِقِّهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ لَيْسَ الْعَبْدُ أَهْلًا لَهَا.
وَمِثْلُهُ الْأَمَةُ وَمَنْ فِيهَا شَائِبَةٌ مِنْ شَوَائِبِ الْعِتْقِ (وَ) كَذَا (لَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (صَبِيٍّ) فِي حَالِ صِغَرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَإِنْ تَحَمَّلَهَا فِي الصِّبَا وَضَبَطَهَا وَأَدَّاهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ صِبَاهُ، وَسَيَنُصُّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَمَا هُنَا مَخْصُوصٌ بِهِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (كَافِرٍ) فِيمَا شَهِدَ بِهِ فِي حَالِ كُفْرِهِ لَا عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا عَلَى كَافِرٍ.
وَأَمَّا مَا تَحَمَّلَهُ حَالَ كُفْرِهِ وَشَهِدَ بِهِ حَالَ إسْلَامِهِ فَيُقْبَلُ مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ كُفْرِهِ (وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إلَّا فِي الزِّنَا) فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ (وَ) كَذَا غَيْرُ الزِّنَا إذَا تَابَ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ إلَّا
_________________
(١) [حاشية العدوي] تَنْبِيهٌ يَسْتَمِرُّ الْمَنْعُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُ الْعَدَاوَةِ، وَكَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ كَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَابْنِهِ، وَكَذَا ابْنُ الْعَدُوِّ لَا يَشْهَدُ عَلَى عَدُوِّ أَصْلِهِ وَلَوْ مَاتَ كَأَنَّ الْعَدَاوَةَ تُورَثُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُتَّهَمُ فِي دِينِهِ] أَيْ بِارْتِكَابِهِ أَمْرًا لَا يَجُوزُ شَرْعًا، وَفَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ أَيْ الْمُتَّهَمُ فِي دِينِهِ بِأَنَّهُ مَغْمُوسٌ فِي أَخْلَاقِهِ يُرَى مَعَ أَهْلِ الْخَيْرِ وَيُرَى مَعَ أَهْلِ الشَّرِّ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْمُتَّهَمُ فِي شَهَادَتِهِ] أَيْ بِالْمَيْلِ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ أَيْ كَشَهَادَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ الْبَارِّ عَلَى الْعَاقِّ، أَوْ لِلصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ، أَوْ لِلسَّفِيهِ عَلَى الرَّشِيدِ لِاتِّهَامِ الْأَبِ عَلَى إبْقَاءِ الْمَالِ تَحْتَ يَدِهِ. [قَوْلُهُ: إلَّا الْعُدُولُ] جَمْعُ عَدْلٍ وَهُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ السَّالِمُ مِنْ فِسْقٍ وَحَجْرِ سَفَهٍ وَبِدْعَةٍ وَإِنْ مَعَ تَأْوِيلٍ، فَالسَّفِيهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَكَذَلِكَ الْبِدْعِيُّ كَالْمُعْتَزِلِيِّ وَالْخَارِجِيِّ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى تَأْوِيلِ أَحَدٍ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْعَدَالَةُ عِنْدَنَا حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى الْحَاكِمِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ الْعَدْلِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَصْمُ الْعَدَالَةَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَعَلَى أَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ لَوْ رَضِيَ الْخَصْمَانِ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ أَوْ مَسْخُوطٍ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. [قَوْلُهُ: لَأَغْنَاهُ عَمَّا قَبْلَهُ] الْغِنَى إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى تَفْسِيرِ الظِّنِّينَ بِالْمُتَّهَمِ فِي دِينِهِ. [قَوْلُهُ: وَأَغْلَبُهَا عَلَيْهِ] بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبَائِرِ مُحَافِظٌ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِرِ] أَقُولُ: التَّعْبِيرُ فِي جَانِبِ الْكَبَائِرِ بِمُجْتَنِبٍ، وَفِي جَانِبِ الصَّغَائِرِ بِمُحَافِظٍ عَلَى تَرْكٍ لِلتَّفَنُّنِ، وَبَعْدَ هَذَا فَنَقُولُ: إنَّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَمْ تَشُبْ طَاعَتَهُ الْمَعَاصِي فَيَكُونُ عَيْنَ مَا نَفَاهُ أَوَّلًا. [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ هَذَا حَالَ الْأَدَاءِ]؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ التَّحَمُّلُ مِنْ كُلِّ مُمَيِّزٍ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ كَافِرًا إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَهُمَا الشَّهَادَةُ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ، وَالْمَشْهُودُ عَلَى خَطِّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ شُرُوطِ الْأَدَاءِ عِنْدَ كِتَابَةِ خَطِّهِ. [قَوْلُهُ: الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا مَثَلًا] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَحْدُودَ عَامٌّ فِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ. زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَمِثْلُ الْمَحْدُودِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْجِرَاحَاتِ أَيْ حُدَّ بِالْفِعْلِ، وَأَوْلَى إنْ لَمْ يُحَدَّ أَيْ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَا فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَمْ يَتُبْ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ. [قَوْلُهُ: مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ] فَهِيَ مِنْ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ فِي إلْزَامِ الْغَيْرِ مَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِ، وَالنَّفْسُ تَأْنَفُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنْ نَاقِصٍ وَأَمَّا مَا تَحَمَّلَهُ فِي حَالِ الرِّقِّ وَأَدَّاهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ. [قَوْلُهُ: مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ صِبَاهُ] أَيْ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى إزَالَةِ النَّقْصِ الَّذِي رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِأَجْلِهِ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّبَائِعِ الْبَشَرِيَّةِ فِي دَفْعِ الْمَعَرَّةِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ: مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ كُفْرِهِ. [قَوْلُهُ: مَخْصُوصٌ بِهِ] أَيْ دَخَلَهُ الْخُصُوصُ بِسَبَبِهِ أَيْ فَيُقْصَرُ عَلَى مَا عَدَاهُ. [قَوْلُهُ: مَا لَمْ تُرَدَّ فِي حَالِ كُفْرِهِ] أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا قُبِلَتْ إلَخْ] لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوْبَةِ مُجَرَّدَ حُصُولِهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى صَلَاحِ حَالِ الْمَحْدُودِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ
[ ٢ / ٣٤٥ ]
(فِيمَا حُدَّ فِيهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَوْ قَالَ: وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِيمَا حُدَّ فِيهِ لَكَانَ أَوْلَى (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ (شَهَادَةُ الِابْنِ لِلْأَبَوَيْنِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: ذَلِكَ جَائِزٌ مَا لَمْ تَكُنْ تُهْمَةٌ كَمُوَالَاةِ الْأَبِ لِلِابْنِ بِالصِّلَةِ وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ (شَهَادَتُهُمَا) أَيْ الْأَبَوَيْنِ (لَهُ) أَيْ لِلِابْنِ وَفِي حُكْمِهِمَا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ) (وَلَا) شَهَادَتُهَا (هِيَ لَهُ) فِي حَالِ الْعِصْمَةِ لِوُجُودِ التُّهْمَةِ، وَقَيَّدْنَا بِحَالِ الْعِصْمَةِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهَا لَهُ بَعْدَ أَنَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا مَقْبُولَةٌ (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ الْعَدْلِ لِأَخِيهِ) فِي الْأَمْوَالِ، ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُبَرَّزًا أَمْ لَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفَقَتُهُ أَوْ يَتَكَرَّرْ عَلَيْهِ مَعْرُوفُهُ، وَتَقْيِيدُنَا بِالْأَمْوَالِ احْتِرَازًا مِنْ شَهَادَتِهِ فِيمَا تُدْرِكُهُ فِيهِ الْحَمِيَّةُ أَوْ دَفْعُ مَعَرَّةٍ مَثَلًا فَلَا تَجُوزُ (وَلَا) تَجُوزُ (شَهَادَةُ مُجَرَّبٍ فِي كَذِبٍ) حَرَامٍ (أَوْ مُظْهِرٍ لِكَبِيرَةٍ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ الْمُكَرِّرُ لَهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَالْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ لَا أَثَرَ لَهَا، وَقَيَّدْنَا بِالْحَرَامِ احْتِرَازًا مِنْ الْكَذِبِ الْجَائِزِ كَالْكَذِبِ لِلصُّلْحِ بَيْنَ الْمُتَهَاجِرَيْنِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] ذَلِكَ بِمُدَّةٍ خِلَافًا لِمَنْ حَدَّهُ بِسَنَةٍ أَوْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ. [قَوْلُهُ: إلَّا فِيمَا حُدَّ فِيهِ] أَيْ بِالْفِعْلِ وَلَوْ صَارَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ أَحْسَنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى التَّأَسِّي بِإِثْبَاتِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي صِفَتِهِ، وَقَيَّدْنَا بِالْفِعْلِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا عُفِيَ عَنْهُ فَشَهِدَ فِي مِثْلِهِ فَتُقْبَلُ، وَاشْتِرَاطُ الْحَدِّ بِالْفِعْلِ فِي غَيْرِ الْقَتْلِ. وَأَمَّا فِي قَتْلِ غَيْرِهِ عَمْدًا وَعُفِيَ عَنْهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْقَتْلِ وَلَوْ حَسُنَتْ حَالَتُهُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِهِ وَمِثْلُ الْحُدُودِ التَّعَازِيرُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ عُزِّرَ فِيمَا عُزِّرَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلْتَةً وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَاضِي فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَلَوْ فِيمَا حُدَّ فِيهِ بِالْفِعْلِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَنِدُ فِي حُكْمِهِ لِإِخْبَارِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ. تَنْبِيهٌ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ بِخِلَافِ الْكَافِرِ إذَا حُدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. [قَوْلُهُ: وَكَذَا غَيْرُ الزِّنَا إلَخْ] إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَيْسَ قَصْدُهُ خُصُوصَ الْمَحْدُودِ فِي الزِّنَا. وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْمَحْدُودُ مُطْلَقًا فِي زِنًا أَوْ غَيْرِهِ إذَا تَابَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا تَابَ تُقْبَلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَوْ فِيمَا حُدَّ فِيهِ. [قَوْلُهُ: لِلْأَبَوَيْنِ] وَإِنْ عَلَيَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ لِأَصْلِهِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ وَفِي حُكْمِهِمَا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْعَ لَا يَشْهَدُ لِأَصْلِهِ وَلَا الْأَصْلَ لِفَرْعِهِ. وَأَمَّا شَهَادَةُ الْفَرْعِ لِلْفَرْعِ عَلَى أَصْلِهِ أَوْ عَكْسُهُ فَيَجُوزُ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ لِأَحَدِ أَوْلَادِهِ عَلَى وَلَدِهِ الْآخَرِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَإِلَّا امْتَنَعَتْ كَمَا لَوْ شَهِدَ الْوَالِدُ لِلصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ أَوْ لِلْبَارِّ عَلَى الْفَاسِقِ، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ لِابْنِهِ عَلَى جَدِّهِ أَوْ لِابْنِهِ عَلَى ابْنِهِ لَانْبَغَى أَنْ لَا تَجُوزَ قَوْلًا وَاحِدًا. [قَوْلُهُ: بِالصِّلَةِ] أَيْ الْعَطِيَّةِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] وَهُوَ الرَّاجِحُ. [قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا تَجُوزُ إلَخْ] وَكَمَا لَا يَشْهَدُ لِلزَّوْجَةِ لَا يَشْهَدُ لِأَبِيهَا وَلَا لِابْنِهَا، وَكَمَا لَا تَشْهَدُ الزَّوْجَةُ لِزَوْجِهَا لَا تَشْهَدُ لِأَبِيهِ وَلَا لِأُمِّهِ. [قَوْلُهُ: فِي حَالِ الْعِصْمَةِ] أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَتَدْخُلُ الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا. وَقَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا إلَخْ دَخَلَ فِيهِ الْمُطَلَّقَةُ رَجْعِيًّا إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ. [قَوْلُهُ: مَقْبُولَةٌ] أَيْ وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ قَالَهُ سَحْنُونٌ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ كَانَ مُبَرَّزًا أَمْ لَا] ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ اشْتِرَاطُ التَّبَرُّزِ وَالْمُبَرَّزُ هُوَ مَنْ فَاقَ أَقْرَانَهُ فِي الْعَدَالَةِ. [قَوْلُهُ. وَتَقْيِيدُنَا بِالْأَمْوَالِ] وَمِثْلُ الْمَالِ الْجِرَاحُ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ. [قَوْلُهُ: فِيمَا تُدْرِكُهُ فِيهِ الْحَمِيَّةُ] أَيْ الْعَصَبِيَّةُ أَيْ كَأَنْ شَهِدَ بِأَنَّ فُلَانًا جَرَحَ أَخَاهُ أَوْ قَذَفَهُ؛ لِأَنَّهُ تُدْرِكُهُ الْحَمِيَّةُ وَيَصْدُقُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَرَّةً، فَالظَّاهِرُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ. وَقَالَ مَثَلًا إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا فِيمَا إذَا كَانَ يَكْتَسِبُ لِأَخِيهِ شَرَفًا أَوْ جَاهًا كَشَهَادَتِهِ لَهُ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ بِنِكَاحِهَا شَرَفٌ أَوْ جَاهٌ لِكَوْنِهَا مِنْ ذَوِي الْقَدْرِ. [قَوْلُهُ: فَالْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ] أَيْ فِي
[ ٢ / ٣٤٦ ]
فَإِنَّهُ لَا يَقْدَحُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَالْمُرَادُ بِهِ فَاعِلُهَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ مُظْهِرَ الصَّغِيرَةِ لَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَعَطْفُهُ الْكَبَائِرَ عَلَى الْكَذِبِ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا لِكَوْنِهِ أَهَمَّ مَا يُطْلَبُ فِي الشَّهَادَةِ، وَاشْتِرَاطُهُ فِي الْكَبِيرَةِ الْإِظْهَارَ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ إذَا شُهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ كَبِيرَةً مُسْتَتِرًا فَإِنَّهُ يَقْدَحُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (جَارٍّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا) مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ لِشَرِيكِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ.
وَأَمَّا شَهَادَتُهُ لَهُ فِي غَيْرِ مَالِ الشَّرِكَةِ فَجَائِزٌ بِشَرْطِ التَّبْرِيزِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (دَافِعٍ عَنْهَا) أَيْ عَنْ نَفْسِهِ (ضَرَرًا) مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ بِدَيْنٍ فَشَهِدَ لَهُ هَذَا أَنَّهُ قَضَاهُ دَيْنَهُ فَهَذَا يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الْمُخَاصَمَةَ (وَ) كَذَا (لَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (وَصِيٍّ لِيَتِيمِهِ) هَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَلَا جَارٍّ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ لِنَفْسِهِ مَالًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ إنَّمَا كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَفْظُهَا وَكُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ فَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ (وَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ النِّسَاءِ وَلَا تَجْرِيحُهُنَّ) لَا لِلرِّجَالِ وَلَا لِلنِّسَاءِ لِنَقْصِهِنَّ عَنْ رُتْبَةِ الرِّجَالِ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا بِهِ تَكُونُ التَّزْكِيَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ إلَّا مَنْ يَقُولُ عَدْلٌ رِضًا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ لَا يُجْزِئُ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُخْتَصَرِ مَعَ قُيُودٍ ذَكَرْنَاهَا فِي الْأَصْلِ،
_________________
(١) [حاشية العدوي] السَّنَةِ لَا أَثَرَ لَهَا مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ فِي السَّنَةِ، وَالْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ صَغِيرَةٌ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا عَظِيمُ مَفْسَدَةٍ فَكَبِيرَةٌ وَلِذَلِكَ قَدَحَتْ. [قَوْلُهُ: مِنْ الْكَذِبِ الْجَائِزِ] أَرَادَ بِهِ الْمَأْذُونَ فِيهِ فَلَا يُنَافِي نَدْبَهُ حَيْثُ كَانَ وَسِيلَةً لِلْإِصْلَاحِ. [قَوْلُهُ: فَالْمُرَادُ بِهِ فَاعِلُهَا] أَيْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ لَا أَيْ تَلَبَّسَ بِهَا تَلَبُّسًا لَا تُعْرَفُ لَهُ بَعْدَهُ تَوْبَةٌ. [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ] بَلْ مُظْهِرُ الصَّغِيرَةِ كَمُظْهِرِ الْكَبِيرَةِ فِي عَدَمِ الْقَبُولِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الشَّرْطُ أَنْ لَا يُبَاشِرَ صَغِيرَةَ الْخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ وَأَمَّا صَغَائِرُ غَيْرِ الْخِسَّةِ كَنَظْرَةٍ لِأَجْنَبِيَّةٍ فَلَا يَقْدَحُ إلَّا بِشَرْطِ الْإِدْمَانِ عَلَيْهَا، فَمَا يَقَعُ فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّ النَّظَرَ صَغِيرَةُ خِسَّةٍ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: لَا مَفْهُومَ لَهُ] قَدْ يُقَالُ: قَدْ أَجَابَ عَنْ الْإِشْكَالِ بِقَوْلِهِ: وَالْمُرَادُ إلَخْ. [قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ لِشَرِيكِهِ] صُورَتُهَا ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى آخَرَ بِمَالٍ، وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَالِ الشَّرِكَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ أَنْ يَشْهَدَ لِشَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ نَفْعًا لِنَفْسِهِ، وَكَمَا إذَا شَهِدَ عَلَى مُوَرِّثِهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا أَوْ بِقَتْلِ الْعَمْدِ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَنِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى قَتْلِهِ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَلِذَا لَوْ كَانَ فَقِيرًا لَجَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ إلَخْ] أَيْ وَكَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ فَقِيرًا. [قَوْلُهُ: الْمُخَاصَمَةُ] أَيْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي الْآخَرِ أَيْ بِحَيْثُ يُخَاصِمُنِي وَيُنَازِعُنِي فَيَقُولُ: إنِّي أُقَاسِمُك فِي مَالِ الْمَدِينِ أَوْ أَنَا أَسْتَقِلُّ بِهِ وَأَنْتَ لَيْسَ لَك دَيْنٌ. [قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِأَنْ يُرِيدَ تَقْلِيلَ مَالِهِ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ هَذِهِ تُهْمَةٌ بَعِيدَةٌ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ النِّسَاءِ إلَخْ] أَيْ فِيمَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ] بَلْ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ أَشْهَدُ عَلَى الْمَشْهُورِ نَقَلَهُ الطِّخِّيخِيُّ عَنْ الْبِسَاطِيِّ، وَاعْتَمَدَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ. [قَوْلُهُ: مَعَ قُيُودٍ ذَكَرْنَاهَا فِي الْأَصْلِ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُزَكِّي كَوْنُهُ مُبَرَّزًا فِي الْعَدَالَةِ مَعْرُوفًا. لِلْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ غَرِيبًا فَلَا يُشْتَرَطُ فِي مُزَكِّيهِ كَوْنُهُ مَعْرُوفًا لِلْقَاضِي، بَلْ يَكْفِي أَنْ يُزَكِّيَ مُزَكِّيهِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ، وَكَوْنُ الْمُزَكِّي فَطِنًا عَارِفًا بِتَصَنُّعَاتِ الشُّهُودِ، وَأَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا فِي شَهَادَتِهِ عَلَى التَّزْكِيَةِ عَلَى طُولِ عِشْرَةٍ لِلْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَيُرْجَعُ فِي طُولِهَا لِلْعُرْفِ لَا عَلَى مُجَرَّدِ سَمَاعٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ فَاشِيًا مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُزَكِّي مِنْ أَهْلِ سُوقِ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ وَمَحَلَّتِهِ إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ مَنْ فِيهِ تِلْكَ الْأَوْصَافُ. وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ. فَلَا تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ مُعَاشَرَةٍ وَلَا مُعَاشَرَةٍ قَصِيرَةٍ إلَى أَنْ قَالَ: وَشَرْطُ التَّزْكِيَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ أَنْ
[ ٢ / ٣٤٧ ]
وَاخْتُلِفَ هَلْ اللَّفْظَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: الْعَدَالَةُ فِي الْفِعْلِ وَالرِّضَا فِي التَّحَمُّلِ بِالشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ فَطِنًا غَيْرَ مُغَفَّلٍ.
وَالْعَدَالَةُ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ تَحْمِلُهُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى، وَقِيلَ: الرِّضَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَالْعَدَالَةُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى: (وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي التَّزْكِيَةِ (وَلَا فِي التَّجْرِيحِ وَاحِدٌ) إذَا زَكَّاهُ فِي الْعَلَانِيَةِ.
وَأَمَّا فِي السِّرِّ فَيَجُوزُ فِيهِ وَاحِدٌ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ) فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ (فِي الْجِرَاحِ) وَكَذَلِكَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي الْقَتْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِ، وَفِي الْجِرَاحِ بِأَحَدَ عَشَرَ شَرْطًا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْهَا اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا)؛ لِأَنَّ تَفْرِقَتَهُمْ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ، وَالْآخَرُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ)؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ أَيْضًا، ظَاهِرُهُ كَالْمُخْتَصَرِ سَوَاءٌ كَانَ الْكَبِيرُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَبَقِيَّةُ الشُّرُوطِ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ. ج: يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْمَأْتَمِ وَالْأَعْرَاسِ مَقْبُولَةٌ وَهُوَ أَحَدُ
_________________
(١) [حاشية العدوي] يَكُونَ مِنْ أَهْلِ مَحَلَّتِهِ وَسُوقِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى تَحْقِيقِ مَعْرِفَتِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عُدُولٌ قُبِلَ غَيْرُهُمْ وَكَذَا إنْ كَانَ غَيْرُهُمْ أَشَدَّ بُرُوزًا مِنْهُمْ اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: الْعَدَالَةُ فِي الْفِعْلِ] أَيْ الْعَدَالَةُ تَكُونُ فِي الْفِعْلِ أَيْ بِأَنْ يُؤَدِّيَ الْفَرَائِضَ كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا تَارِكًا لِلزِّنَا وَنَحْوِهِ. وَقَوْلُهُ: وَالرِّضَا فِي التَّحَمُّلِ أَيْ الرِّضَا يَكُونُ فِي التَّحَمُّلِ. وَقَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ تَفْسِيرٌ لِلرِّضَا فِي التَّحَمُّلِ أَيْ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَمَّا كَانَتْ تُؤَدِّي لِقَبُولِ التَّحَمُّلِ وَالرِّضَا بِهِ فُسِّرَتْ بِهِ. [قَوْلُهُ: غَيْرَ مُغَفَّلٍ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: فَطِنًا أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَصَنُّعَاتُ الشُّهُودِ. قَالَ الْبِسَاطِيُّ: التَّغَفُّلُ عَدَمُ اسْتِحْضَارِ الْقُوَّةِ الْمُنَبِّهَةِ مَعَ وُجُودِهَا، فَالْبَلِيدُ لَا قُوَّةَ لَهُ أَلْبَتَّةَ وَالْمُغَفَّلُ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا. [قَوْلُهُ: وَالْعَدَالَةُ] أَيْ الَّتِي قُلْنَا إنَّهَا فِي الْقَوْلِ وَقَوْلُهُ هَيْئَةٌ إلَخْ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْعَدَالَةَ عَلَى هَذَا وَصْفٌ وُجُودِيٌّ وَيَكُونُ تَعَلُّقُهَا بِالْفِعْلِ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: تَحْمِلُهُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالشَّهَادَةِ بِهَا بِاعْتِبَارِ مَا دَلَّ عَلَيْهَا مِنْ مُتَعَلِّقِهَا. وَقَوْلُهُ: تَحْمِلُهُ أَيْ تَكُونُ سَبَبًا عَادِيًّا لِمُلَازَمَتِهِ التَّقْوَى، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ نَقُولَ: الْمُرَادُ تَسْتَلْزِمُ عَقْلًا مُلَازَمَةَ التَّقْوَى اسْتِلْزَامَ الْجَوْهَرِ لِلْعَرَضِ، وَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا أَوْ عَلَى بَابِهَا مُبَالَغَةٌ، وَالتَّقْوَى امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي. وَقَوْلُهُ: فِيمَا بَيْنَهُ إلَخْ مَصْدُوقُ مَا فِي هَذَا وَمَا بَعْدَهُ الْمُعَامَلَةُ أَيْ الْمُعَامَلَةُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَالْمُعَامَلَةُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ أَمَّا الثَّانِيَةُ فَكَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ أَيْ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا ذُكِرَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَأَمَّا الْأَوْلَى فَكَالْبِيَاعَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ كَثُرَ أَيْ تَقَعُ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ. [قَوْلُهُ: أَيْ فِي التَّزْكِيَةِ] أَيْ وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي السِّرِّ فَيَجُوزُ فِيهِ وَاحِدٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّعَدُّدِ فِي السِّرِّ أَيْضًا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ. وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعَدِّلَ آخَرَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَهُ وَلَا كُنْيَتَهُ الْمَشْهُورَ بِهَا وَلَا اللَّقَبَ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ عَدَالَتِهِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الْعَدَالَةِ كَثِيرَةٌ بِخِلَافِ مَنْ يُجَرِّحُ شَاهِدًا فِي شَهَادَتِهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعَيِّنَ سَبَبَ الْجَرْحِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ، فَرُبَّمَا اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى مَا يَقْضِيهِ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَرَّحَ شَاهِدًا فِي شَهَادَتِهِ فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِهِ فَقَالَ: رَأَيْته يَبِيعُ وَلَا يُرَجِّحُ الْمِيزَانَ، فَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِتَجْرِيحِ شَخْصٍ وَشَهِدَ اثْنَانِ بِتَعْدِيلِهِ فَإِنَّ شَاهِدَ الْجَرْحِ مُقَدَّمٌ عَلَى شَاهِدِ التَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّ الْمُعَدِّلَ يَحْكِي عَنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ وَالْمُجَرِّحَ عَنْ الْبَاطِنِ. [قَوْلُهُ: فِي الْجِرَاحِ] مُتَعَلِّقٌ بِتَقْدِيرِهِ الَّذِي قَدَّرَهُ يُلْجِئُ إلَى أَنَّ فِي بِمَعْنَى مِنْ أَوْ عَلَى بَابِهَا، وَيَكُونُ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِ وَفِي إلَخْ] هَذَا يُفِيدُ وُقُوعَ خِلَافٍ فِي الْجِرَاحِ أَيْضًا وَهُوَ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا] فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمْ إلَّا إنْ شَهِدَ الْعُدُولُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ. [قَوْلُهُ: وَبَقِيَّةُ الشُّرُوطِ مَذْكُورَةٌ] الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونُوا مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِمْ. الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدُ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونُوا مُتَّفِقِينَ فِي الشَّهَادَةِ. السَّابِعُ: أَنْ يَكُونُوا ذُكُورًا. الثَّامِنُ: أَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ قَرِيبًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَلَا عَدُوًّا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونُوا مُمَيِّزِينَ
[ ٢ / ٣٤٨ ]
قَوْلَيْ ابْنِ الْجَلَّابِ. قُلْت: شُهِرَ فِي الْمُخْتَصَرِ، مُقَابِلُهُ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الصِّبْيَانَ مَنْدُوبُونَ إلَى الِاجْتِمَاعِ بِخِلَافِ النِّسَاءِ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ) أَيْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ بِأَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ: بِعْتهَا بِدِينَارٍ وَيَقُولَ الْمُشْتَرِي بَلْ بِنِصْفِ دِينَارٍ
_________________
(١) [حاشية العدوي] بِالْفِعْلِ. الْعَاشِرُ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بَيْنَهُمْ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتَهُمْ لِصَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ وَلَا الْعَكْسُ. الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنْ تَكُونَ الشُّهُودُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ فِي جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. الْمَازِرِيُّ: الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صِغَارٍ لَمْ تَكُنْ الشُّهُودُ فِي جُمْلَتِهِمْ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الصَّبِيِّ الشَّاهِدِ شُرُوطٌ أَنْ يَشْهَدَ فِي قَتْلٍ أَوْ جُرْحٍ لَا فِي مَالٍ، وَأَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا مُمَيِّزًا، وَأَنْ يَبْلُغَ عَشَرَ سِنِينَ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا، وَأَنْ يَكُونَ ذَكَرًا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْإِنَاثِ مِنْ الصِّبْيَانِ وَإِنْ كَثُرْنَ وَلَوْ كَانَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّدًا وَأَنْ يَكُونَ عَدُوًّا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ أَنْفُسِهِمْ أَوْ بَيْنَ آبَائِهِمْ. وَاسْتَظْهَرُوا أَنَّ مُطْلَقَ الْعَدَاوَةِ مَضَرَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ أَوْ دِينِيَّةٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ قَرِيبًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ مَضَرَّةٌ فَيَشْمَلُ الْعَمَّ وَالْخَالَ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ أَكِيدَةً كَمَا فِي الْبَالِغِينَ وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الشُّهُودِ خِلَافٌ بَلْ يَكُونُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ كَشَهَادَةِ وَاحِدٍ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ وَالْآخَرُ مِثْلُهُ وَأَمَّا لَوْ قَالَ الْآخَرُ إنَّ غَيْرَهُ قَتَلَ فَلَا تُقْبَلُ، وَأَنْ لَا يَحْصُلَ بَيْنَهُمْ فُرْقَةٌ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمْ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ مَا لَمْ تَشْهَدْ الْعُدُولُ عَلَيْهِمْ بِمَا شَهِدُوا بِهِ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ افْتِرَاقُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَأَنْ لَا يَحْضُرَهُمْ بَالِغٌ وَقْتَ الْجَرْحِ أَوْ الْقَتْلِ فَإِنْ حَضَرَ وَقْتَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَأَمْكَنَهُ تَعْلِيمُهُمْ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى عَدْلًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا سَقَطَتْ لِإِمْكَانِ تَعْلِيمِهِمْ هَذَا بِحَسَبِ ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى صُورَةٍ فَإِنَّهَا تَصِحُّ وَهِيَ مَا إذَا اتَّحَدَ الْكَبِيرُ وَكَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي قَتْلٍ لَا فِي جَرْحٍ، وَأَنْ لَا يَشْهَدَا عَلَى كَبِيرٍ وَلَا لِكَبِيرٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْهُمْ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ وَإِذَا شَهِدُوا وَهُمْ مُسْتَوْفُونَ لِلشَّهَادَةِ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ تِلْكَ الشَّهَادَةِ فِي حَالِ صِغَرِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رُجُوعُهُمْ وَالْعِبْرَةُ بِمَا شَهِدُوا بِهِ أَوَّلًا رَجَعُوا قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَجْرِيحُ غَيْرِهِمْ لَهُمْ وَلَا تَجْرِيحُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ، وَأَمَّا لَوْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ لِبُلُوغِهِمْ وَعَدَلُوا لَقُبِلَ رُجُوعُهُمْ. وَفَائِدَةُ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ الدِّيَةُ وَلَوْ ثَبَتَ الْقَتْلُ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ إلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ. [قَوْلُهُ: فِي الْمَأْتَمِ] أَيْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ لِبَعْضٍ عَلَى بَعْضِهِنَّ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِنَّ فِي مَأْتَمٍ أَوْ عُرْسٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَأْتَمُ بِمِيمٍ وَهَمْزَةٍ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ عَلَى وَزْنِ مَفْعَلٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ مَكَان مِنْ أَتَمَ بِالْمَكَانِ يَأْتَمُّ أُتُومًا أَقَامَ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ النِّسَاءِ يَجْتَمِعْنَ فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ مِنْ تَسْمِيَةِ الْحَالِّ بِاسْمِ الْمَحَلِّ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَالْعَامَّةُ تَخُصُّهُ بِالْمُصِيبَةِ، فَتَقُولُ: كُنَّا فِي مَأْتَمِ فُلَانٍ وَالْأَجْوَدُ فِي مَنَاحَتِهِ أَفَادَهُ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ. [قَوْلُهُ: مَنْدُوبُونَ] أَيْ مَطْلُوبُونَ إلَى الِاجْتِمَاعِ. وَقَوْلُهُ: بِخِلَافِ النِّسَاءِ أَيْ فَلَسْنَ مَنْدُوبَاتٍ إلَى الِاجْتِمَاعِ بَلْ الْأَوْلَى عَدَمُ اجْتِمَاعِهِنَّ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى مُحَرَّمٍ وَإِلَّا وَجَبَ عَدَمُ الِاجْتِمَاعِ. [قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ] الْأَوْلَى عَلَيْهَا. [قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ] تَثْنِيَةُ مُتَبَايِعٍ بِالْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ تَبَايَعَ وَالْمُرَادُ الْمُتَعَاقِدَانِ حَتَّى يَشْمَلَ الْمُتَكَارِيَيْنِ. [قَوْلُهُ: فِي قَدْرِ الثَّمَنِ] فِيهِ قُصُورٌ إذْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَشْمَلُ إذْ هُوَ حَذْفُ مُتَعَلِّقٍ اخْتَلَفَ فَشَمِلَ الِاخْتِلَافَ فِي جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ صِفَتِهِ أَوْ قَدْرِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ أَوْ فِي قَدْرِ الرَّهْنِ أَوْ الْأَجَلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالنَّقْدِ أَوْ بِالنَّسِيئَةِ إذَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ كَبِعْت بِدَنَانِيرَ وَيَقُولُ الْآخَرُ بِطَعَامٍ أَوْ أَسْلَمْت فِي حِنْطَةٍ. وَقَالَ الْآخَرُ فِي حَدِيدٍ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي نَوْعِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ كَبِعْت بِذَهَبٍ. وَقَالَ الْآخَرُ: بِفِضَّةٍ أَوْ قَالَ: أَسْلَمْنَا فِي قَمْحٍ، وَقَالَ الْآخَرُ فِي شَعِيرٍ، فَإِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَتَحَالَفَانِ أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ دَعْوَى صَاحِبِهِ مَعَ تَحْقِيقِ دَعْوَاهُ وَيَتَفَاسَخَانِ إنْ حُكِمَ بِهِ فَلَا يَقَعُ فَسْخٌ بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حُكْمٍ بِهِ مَا دَامَ التَّنَازُعُ مَوْجُودًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُفْسَخُ بِتَرَاضِيهِمَا عَلَى الْفَسْخِ. وَفَائِدَةُ كَوْنِ الْفَسْخِ مُتَوَقِّفًا عَلَى
[ ٢ / ٣٤٩ ]
(اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ) أَوَّلًا اسْتِحْبَابًا فَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَإِثْبَاتِ دَعْوَاهُ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ، فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا بِعْتهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ وَلَقَدْ بِعْتهَا بِدِينَارٍ (ثُمَّ) بَعْدَ حَلِفِهِ (يَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ) السِّلْعَةَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ (أَوْ يَحْلِفُ) هُوَ أَيْ الْمُبْتَاعُ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَإِثْبَاتِ دَعْوَاهُ، فَيَقُولُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ: وَاَللَّهِ لَمْ أَشْتَرِهَا بِدِينَارٍ وَلَقَدْ اشْتَرَيْتهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَيَبْرَأُ مِنْ لُزُومِ الْبَائِعِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ السِّلْعَةَ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَحْلِفَ (وَيَبْرَأُ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَدَاعِيَانِ فِي شَيْءٍ بِأَيْدِيهِمَا) كُلٌّ مِنْهُمَا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ وَلَا بِبَيِّنَةٍ، وَلَمْ يُنَازِعْهُمَا فِيهِ أَحَدٌ وَهُوَ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكْتَسِبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (حَلَفَا وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا)؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَى وَلَمْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] حُكْمٍ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِإِمْضَاءِ الْعَقْدِ بِمَا قَالَ الْآخَرُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَبِيعِ قَائِمًا أَوْ فَائِتًا وُجِدَ شَبَهٌ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ لَا، لَكِنْ يَرُدُّ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ مَعَ الْقِيَامِ وَيَرُدُّ الْقِيمَةَ مَعَ الْفَوَاتِ، وَلَوْ كَانَ الْفَوَاتُ بِحَوَالَةِ سُوقٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مُقَوَّمًا أَوْ مِثْلِيًّا، وَقِيلَ فِي الْمِثْلِيِّ: يَلْزَمُ مِثْلُهُ وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْبَيْعِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ بِيَمِينِهِ إنْ اُنْتُقِدَ وَإِنْ لَمْ يُنْتَقَدْ فَلِلْمُبْتَاعِ بِيَمِينِهِ. ابْنُ نَاجِي: هُوَ الْمَشْهُورُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ مَثَلًا بِثَمَانِيَةٍ، وَالْمُشْتَرِي بِأَرْبَعَةٍ، أَوْ الْمُثَمَّنِ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: بَلْ هَذَا الثَّوْبَ وَهَذَا الْفَرَسَ بِعَشَرَةٍ، أَوْ فِي الْأَجَلِ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك لِشَهْرٍ، وَالْمُشْتَرِي لِشَهْرَيْنِ، أَوْ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ أَوْ الْحَمِيلِ أَوْ قَدْرِ الرَّهْنِ أَوْ الْحَمِيلِ بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك بِرَهْنٍ أَوْ بِحَمِيلٍ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: بَلْ بِلَا رَهْنٍ وَلَا حَمِيلٍ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيُفَاسِخَانِ وَالْفَسْخُ بِالْحُكْمِ أَيْضًا لَا بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ، وَمَحَلُّ الْفَسْخِ مَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ وَإِلَّا فَيُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ حَيْثُ أَشْبَهَ الْبَائِعَ أَمْ لَا، فَإِنْ انْفَرَدَ الْبَائِعُ بِالشَّبَهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا وَفُسِخَ وَرُدَّتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ يَوْمَ بَيْعِهَا، وَلَا يُرَاعَى شَبَهٌ مَعَ قِيَامِ الْمَبِيعِ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ الرَّهْنِ أَوْ الْحَمِيلِ فَكَالْحُكْمِ فِي الِاخْتِلَافِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ نَوْعِهِ كَمَا يَنْبَغِي. تَنْبِيهٌ حُكْمُ تَنَاكُلِهِمَا حُكْمُ حَلِفِهِمَا، وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ فَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِهِ إجْمَاعًا بِيَمِينِهِ. [قَوْلُهُ: اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ أَوَّلًا اسْتِحْبَابًا] الْمَذْهَبُ وُجُوبُ تَبْدِئَةِ الْبَائِعِ. [قَوْلُهُ: فَيَقُولُ] هَذَا فِي مِثَالِهِ الَّذِي فَرَضَهُ وَهُوَ اخْتِلَافُهُمَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ. [قَوْلُهُ: فَيَقُولُ إلَخْ] لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَعَ عَدَمِ بَيْعِهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ أَنْ يَكُونَ بَاعَهَا بِدِينَارٍ. [قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَمْ أَشْتَرِهَا بِدِينَارٍ إلَخْ] لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الشِّرَاءِ بِدِينَارٍ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهَا بِنِصْفِ دِينَارٍ. [قَوْلُهُ: بِأَيْدِيهِمَا] فِيهِ قُصُورٌ أَيْ أَوْ لَا بُدَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ أَوْ كَانَ بِيَدِ ثَالِثٍ لَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُقَرَّ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهُمَا، فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ لِوَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِلَا يَمِينٍ، وَإِذَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُهُ، وَإِذَا أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً وَهُوَ بِيَدِ ذَلِكَ الثَّالِثِ وَلَمْ يَدَّعِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ يُقِرُّ الْحَائِزُ لَهُ مِنْهُمَا بِيَمِينِهِ لَا لِغَيْرِهِمَا فَلَا يُقْبَلُ. وَأَمَّا إنْ تَجَرَّدَتْ دَعْوَى كُلٍّ مِنْ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِإِقْرَارِهِ وَلَوْ لِغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَاهُ الْحَائِزُ لِنَفْسِهِ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَإِنَّهُ يَبْقَى بِيَدِهِ مِلْكًا مِنْ غَيْرِ حَلِفٍ لِسُقُوطِ بَيِّنَتِهِمَا وَهُوَ يَدَّعِي الْمِلْكِيَّةَ كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ قَامَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ كَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكْتَسِبَهُ دُونَ صَاحِبِهِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ هَذَا ظَاهِرُهُ. قُلْت: وَالظَّاهِرُ بِيَمِينٍ وَقَوْلُهُ وَلَا بَيِّنَةٍ، وَأَمَّا لَوْ قَامَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يُنَازِعْهُمَا فِيهِ أَحَدٌ] وَأَمَّا لَوْ نَازَعَهُمَا ثَالِثٌ فَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ مُشَارِكًا لَهُمَا فِي كَوْنِهِ بِيَدِهِ كَمَا بِيَدِهِمَا فَإِنَّهُ كَهُمَا فَيُقْسَمُ بَيْنَ الثَّلَاثَةُ بَعْدَ حَلِفِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُمَا فِي الْحَوْزِ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ فَإِنَّهُمَا يُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا فَقَطْ وَلَا دَخْلَ لَهُ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مِمَّا يُشْبِهُ إلَخْ هَذَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ
[ ٢ / ٣٥٠ ]
يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَمَنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ سَقَطَ حَقُّهُ لِلَّذِي حَلَفَ (وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) وَكَانَتْ إحْدَاهُمَا رَاجِحَةً عَلَى الْأُخْرَى بِالْأَعْدَلِيَّةِ (قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا) بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مَنْ أَقَامَهَا أَنَّهُ مَا بَاعَ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا وَهَبَهُ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ (فَإِنْ) لَمْ تُرَجَّحْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِمَا ذُكِرَ بَلْ (اسْتَوَيَا) فِيهِ (حَلَفَا وَكَانَ) الشَّيْءُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (بَيْنَهُمَا) نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِإِحْدَاهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: بِأَيْدِيهِمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ. ع: هُوَ لِمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً.
وَقَالَ ك: هُوَ لِمَنْ بِيَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا وَشَهِدَ لِأَحَدِهِمَا بِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَيْضًا.
(وَإِذَا رَجَعَ الشَّاهِدُ بَعْدَ الْحُكْمِ أُغْرِمَ مَا أَتْلَفَ بِشَهَادَتِهِ إنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ قَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ) ج: ظَاهِرُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يَعْتَرِفَ أَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ أَمْ لَا، فَإِنْ شَهِدَ بِهِ غُرِّمَ وَإِنْ قَالَ: اشْتَبَهَ عَلَيَّ فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ، وَتَبِعَ فِي هَذَا النَّقْلِ ابْنَ الْمَوَّازِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ يَغْرَمُ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ.
_________________
(١) [حاشية العدوي] يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَقْرِيرِهَا. [قَوْلُهُ: حَلَفَا وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا] وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا. [قَوْلُهُ: وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا] يُشْعِرُ بِقِسْمَتِهِ نِصْفَيْنِ وَهُوَ وَاضِحٌ حَيْثُ كَانَ كُلٌّ يَدَّعِي جَمِيعَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ جَمِيعَهُ وَالْآخَرُ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ كَالْعَوْلِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْكُلَّ وَالْآخَرُ النِّصْفَ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ عَنْ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَكَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْكُلِّ قَدْرُ الْكَسْرِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْآخَرُ فَيُزَادُ عَلَى الْكُلِّ النِّصْفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَيُنْسَبُ ذَلِكَ لِمَجْمُوعِ الْكُلِّ وَالْكَسْرُ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ يَأْخُذُ كُلَّ وَاحِدٍ فَيَأْخُذُ مُدَّعِي النِّصْفِ الثُّلُثَ وَمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثَيْنِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ] أَيْ أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّ مَا بِأَيْدِيهِمَا مَعًا أَيْ لَا بُدَّ لِوَاحِدٍ عَلَيْهِ أَوْ بِيَدِ ثَالِثٍ لَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهُمَا. وَأَمَّا لَوْ أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً وَتَسَاوَتَا وَهِيَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَإِنَّ ذَا الْيَدِ تُرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ وَيَبْقَى الشَّيْءُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِيَدِ حَائِزِهِ وَيَحْلِفُ هَذَا إذَا لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَةٌ مُقَابِلَ الْيَدِ، فَإِنْ رُجِّحَتْ بِأَيِّ مُرَجِّحٍ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِمُقَابِلِ الْيَدِ وَيَحْلِفُ وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْيَدِ. [قَوْلُهُ: قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا] وَكَمَا يُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا يُقْضَى بِالْمُؤَرَّخَةِ عَلَى غَيْرِهَا وَبِالسَّابِقَةِ تَارِيخًا وَالنَّاقِلَةِ عَلَى الْمُسْتَصْحَبَةِ كَأَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ أَنْشَأَهَا وَلَا يَعْلَمُونَ خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى الْآنَ، وَتَشْهَدُ أُخْرَى أَنَّ زَيْدًا اشْتَرَاهَا مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَتُقَدَّمُ النَّاقِلَةُ؛ لِأَنَّهَا عَلِمَتْ مَا لَمْ تَعْلَمْهُ الْأُخْرَى وَتُقَدَّمُ الْمُثْبِتَةُ عَلَى النَّافِيَةِ وَالدَّاخِلَةُ عَلَى الْخَارِجَةِ، وَالْمُرَادُ بِالدَّاخِلَةِ بَيِّنَةُ وَاضِعِ الْيَدِ وَالْخَارِجَةِ بَيِّنَةُ غَيْرِهِ كَمَا قَرَّرْنَا، وَمِنْ الْمُرَجَّحَاتِ تَعْيِينُ سَبَبِ الْمِلْكِ بِأَنْ قَالَتْ إحْدَاهُمَا: نَشْهَدُ أَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْ أَبِيهِ أَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَأَطْلَقَتْ الْأُخْرَى فَقَالَتْ: نَشْهَدُ أَنَّهُ مَلَكَهُ فَقَطْ رُجِّحَتْ الْأُولَى وَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ. [قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ] إنَّمَا لَزِمَهُ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ مَزِيدَ الْعَدَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ. [قَوْلُهُ: بَلْ اسْتَوَيَا] كَانَ الْوَاجِبُ اسْتَوَيَتَا أَيْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَةِ وَلَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ عَدَدٍ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ لِإِفَادَتِهِ الْعِلْمِ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ ك إلَخْ] لَيْسَ كَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ مُخَالِفًا لِكَلَامِ ابْنِ عُمَرَ، فَإِنَّ كَلَامَ ابْنِ عُمَرَ فِي مَوْضُوعِ مَا إذَا أَقَامَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ بَيِّنَةً فِيمَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ فَهُوَ لِمَنْ أَقَامَهَا سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْحَائِزُ أَوْ الْآخَرُ، وَكَلَامُ ك فِي مَوْضُوعِ مَا إذَا لَمْ يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَهُوَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ فَهُوَ لَهُ بِيَمِينِهِ كَمَا قَالَ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ لَهُ أَنَّهُ مِلْكٌ لَا حَوْزٌ. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِيَدِ غَيْرِهِمَا مَسْأَلَةٌ أُخْرَى، وَيَتَلَخَّصُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُصَنِّفِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا تِسْعُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ إمَّا بِأَيْدِيهِمَا مَعًا أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يُقِيمَ كُلٌّ بَيِّنَةً أَوْ لَا يُقِيمُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ يُقِيمُهَا أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: بَعْدَ الْحُكْمِ] احْتِرَازًا عَنْ الرُّجُوعِ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا، وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْحُكْمِ غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ وَإِنْ رَجَعَ عَنْ نِصْفِهِ غَرِمَ رُبْعَهُ وَهَكَذَا. [قَوْلُهُ: أُغْرِمَ] أَفْهَمَ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ
[ ٢ / ٣٥١ ]