[حد الزنا]
مِنْهُمْ) تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ (وَيُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِقَتْلِ الذِّمِّيِّ) أَوْ الْعَبْدِ إذَا قَتَلَهُ (قَتْلَ غِيلَةٍ أَوْ حِرَابَةٍ) قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ، وَأَمَّا إنْ تَابَ بَعْدَ مَا قَتَلَ فَعَلَيْهِ دِيَةُ الذِّمِّيِّ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ، وَلَا يُقْتَلُ بِهِمَا قَالَهُ ع.
وَقَالَ ق: مُقْتَضَى قَوْلِهِ: فَإِنْ قَتَلَ أَحَدًا فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَوْ جَاءَ تَائِبًا.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الزِّنَا وَلَفْظُهُ مَقْصُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ مَمْدُودٌ عِنْدَ أَهْلِ نَجْدٍ، وَعَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ وَطْءُ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ فَرْجَ آدَمِيٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ تَعَمُّدًا، وَحُكْمُهُ الْحُرْمَةُ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَعُقُوبَاتُ الزَّانِي ثَلَاثَةٌ. رَجْمٌ فَقَطْ. جَلْدٌ مَعَ تَغْرِيبٍ. جِلْدٌ فَقَطْ.
أَوَّلُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ زَنَى مِنْ حُرٍّ) مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ ذَكَرٍ أَوْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] بِقَدْرِ مَا غُصِبَ مِنْهُ، وَرَدَّ مَا فَضَلَ إنْ فَضَلَ مِنْهُ لِغَيْرِهِ وَلَيْسُوا كَأَرْبَابِ الدُّيُونِ يَتَحَاصُّونَ [قَوْلُهُ: وَقَالَ ق إلَخْ] كَلَامُ ق ضَعِيفٌ، وَالرَّاجِحُ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَا يُقْتَلُ حِينَئِذٍ إلَّا قِصَاصًا فَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ غَيْرَ مُكَافِئٍ لَهُ فَإِنَّمَا يَغْرَمُ الْقِيمَةَ لِلْعَبْدِ أَوْ الدِّيَةَ فِي الذِّمِّيِّ، وَإِنْ كَانَ مُكَافِئًا لَهُ فَلِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ [كِتَاب الْحُدُود] [حَدّ الزِّنَا] [قَوْلُهُ: وَلَفْظُهُ مَقْصُورٌ إلَخْ] وَالنِّسْبَةُ إلَى الْمَقْصُورِ زَنَوِيٌّ وَإِلَى الْمَمْدُودِ زَنَائِيٌّ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ قَصَرَهُ جَعَلَهُ اسْمَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ، وَمَنْ مَدَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مِنْ فِعْلِ اثْنَيْنِ كَالْمُقَاتَلَةِ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: وَطْءُ مُكَلَّفٍ] أَيْ تَغْيِيبُ حَشَفَتِهِ أَوْ قَدْرِهَا وَلَوْ بِغَيْرِ انْتِشَارٍ، أَوْ مَعَ لَفِّ خِرْقَةٍ خَفِيفَةٍ لَا تَمْنَعُ لَذَّةً لَا كَثِيفَةٍ أَوْ فِي هَوَاءِ الْفَرْجِ وَلَمَّا كَانَ الزِّنَا لَا يُمْكِنُ صُدُورُهُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ، فَذِكْرُ أَحَدِهِمَا مُسْتَلْزِمٌ لِذِكْرِ الْآخَرِ، وَاخْتِيرَ ذِكْرُ الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ يَجْرِي مُجْرَى الْعِلَّةِ وَالِاسْتِغْنَاءُ بِهَا عَنْ الْمَعْلُومِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ قَالَهُ بَهْرَامٌ، أَوْ يُقَالُ: إضَافَةُ الْوَطْءِ لِلْمُكَلَّفِ تَعَلُّقُهُ بِهِ أَيْ تَعَلُّقُ الْوَطْءِ بِمُكَلَّفٍ، وَالْمُرَادُ بِالْفَاعِلِ مَنْ يَمِيلُ إلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَالْمَرْأَةُ تَمِيلُ إلَى ذَلِكَ فَيَشْمَلُ الْوَاطِئَ وَالْمَوْطُوءَةَ، وَخَرَجَ بِالْمُكَلَّفِ غَيْرُهُ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى زِنًا شَرْعًا وَإِنْ كَانَ زِنًا لُغَةً. وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ. وَاحْتَرَزَ بِالْمُكَلَّفِ عَنْ الصَّبِيِّ وَلَوْ مُرَاهِقًا لَكِنَّ الْمُرَاهِقُ يُؤَدَّبُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَخَرَجَ مَنْ لَاطَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْفَاعِلِ نَكِرَةً وَكَذَا بِالْمَفْعُولِ. وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُعَزَّرُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: مُسْلِمٍ أَيْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ فَخَرَجَ بِهِ وَطْءُ الْكَافِرِ لِلْكَافِرَةِ أَوْ الْمُسْلِمَةِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى زِنًا شَرْعًا إذْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ. وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَبِالْمُسْلِمِ عَنْ الْكَافِرِ إذَا زَنَا بِمُسْلِمَةٍ طَائِعَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ عَلَى الْمَشْهُورِ لَكِنْ يُعَاقَبُ الْعُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ، وَتُحَدُّ الْمُسْلِمَةُ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا التَّعْرِيفُ. وَقَوْلُهُ: فَرْجَ آدَمِيٍّ احْتَرَزَ بِالْفَرْجِ عَنْ الْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ وَنَحْوِهِ وَبِالْآدَمِيِّ مِنْ وَطْءِ الْبَهِيمَةِ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ وَيُعَزَّرُ، وَيَخْرُجُ مِنْ الْآدَمِيِّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى بِهِ فِي فَرْجِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ. وَأَمَّا إنْ زَنَى بِهِ فِي دُبُرِهِ فَعَلَى الزَّانِي الْحَدُّ، وَإِنْ زَنَى بِذَكَرِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَكَذَا بِفَرْجِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَلَوْ أَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ نَائِمٍ فِي فَرْجِهَا فَعَلَيْهَا الْحَدُّ وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ جِنِّيَّةً،. [قَوْلُهُ: لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ] الْمُرَادُ بِالْمِلْكِ التَّسَلُّطُ الشَّرْعِيُّ فَالْمَمْلُوكُ الذَّكَرُ لَا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَيْهِ شَرْعًا مِنْ جِهَةِ الْوَطْءِ، وَخَرَجَ بِهِ مَنْ وَطْؤُهَا لَهُ حَلَالٌ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ وَلَكِنْ امْتَنَعَ وَطْؤُهُمَا عَلَيْهِ لِعَارِضٍ مِنْ حَيْضٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى زِنًا شَرْعًا، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: بِاتِّفَاقٍ النِّكَاحُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ فَإِنَّ الْوَطْءَ فِيهِ لَا يُسَمَّى زِنًا شَرْعًا إذْ لَا حَدَّ فِيهِ وَالْمُرَادُ بِالِاتِّفَاقِ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ لَا الْمَذْهَبِيُّ وَقَوْلُهُ: تَعَمُّدًا أَخْرَجَ بِهِ النَّاسِيَ وَالْغَالِطَ. وَكَذَا الْجَاهِلُ بِالْحُكْمِ إذَا كَانَ يَظُنُّ مِنْهُ ذَلِكَ كَالْأَعْجَمِيِّ إذَا زَنَا بِقُرْبِ إسْلَامِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّحْرِيمِ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ شَامِلٌ لِلِّوَاطِ لِأَنَّ الْفَرْجَ شَامِلٌ لِلدُّبُرِ فَيُسَمَّى زِنًا شَرْعًا لَكِنْ اللِّوَاطُ إنَّمَا هُوَ الْوَطْءُ فِي دُبُرِ الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْوَطْءُ فِي دُبُرِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ فَهُوَ مِنْ الزِّنَا كَدُبُرِ الْأُنْثَى الْأَجْنَبِيَّةِ. [قَوْلُهُ: دَلَّ عَلَيْهِ] أَيْ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْحُرْمَةُ. [قَوْلُهُ: الْكِتَابُ] قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] إلَى غَيْرِ مَا آيَةٍ وَقَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك، ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك، ثُمَّ أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك» ". وَقَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ الزِّنَا مُحَرَّمٌ وَمِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
[ ٢ / ٣٢١ ]
أُنْثَى (مُحْصَنٍ) ك: رُوِّينَاهُ بِكَسْرِ الصَّادِ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ (رُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ) بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، وَاحْتَرَزَ بِالْحُرِّ مِنْ الرَّقِيقِ وَسَيَنُصُّ عَلَى حُكْمِهِ (وَالْإِحْصَانُ أَنْ يَتَزَوَّجَ) الرَّجُلُ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ (امْرَأَةً) مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً بَالِغَةً أَوْ غَيْرَ بَالِغَةٍ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا (نِكَاحًا صَحِيحًا) احْتِرَازًا مِنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فَإِنَّهُ لَا يُحْصِنُ اتِّفَاقًا، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: (وَيَطَأُهَا وَطْئًا صَحِيحًا) مِنْ الْوَطْءِ الْغَيْرِ الْمُبَاحِ كَوَطْءِ الْحَائِضِ فَإِنَّهُ لَا يُحْصِنُ.
وَثَانِيهَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يُحْصَنْ) الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ (جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ) بَعْدَ أَنْ يُجْلَدَ (غَرَّبَهُ الْإِمَامُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ) كَفَدَكَ وَخَيْبَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَبَيْنَهُمَا يَوْمَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثُ مَرَاحِلَ وَيَكُونُ حَمْلُهُ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَفِي بَيْتِ الْمَالِ وَكَذَا نَفَقَتُهُ (وَحُبِسَ فِيهِ عَامًا) وَيَكُونُ مِنْ حِينِ سُجِنَ.
وَثَالِثُهَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَعَلَى الْعَبْدِ) الْقِنِّ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ مَنْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْ شَوَائِبِ الْحُرِّيَّةِ كَالْمُكَاتَبِ (فِي الزِّنَا خَمْسُونَ جَلْدَةً) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ خَمْسِينَ وَهِيَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ حَدُّ خَمْسِينَ.
(وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ) عَلَيْهَا فِي الزِّنَا خَمْسُونَ جَلْدَةً وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ الْأَمَةَ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَالْعَبْدُ مَقِيسٌ عَلَيْهَا ثُمَّ بَالَغَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا فَقَالَ: (وَإِنْ كَانَا مُتَزَوِّجَيْنِ)؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِحْصَانِ كَمَا
_________________
(١) [حاشية العدوي] [قَوْلُهُ: وَمَنْ زَنَى] أَيْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ فِي أَجْنَبِيَّةٍ مُطِيقَةٍ وَلَوْ مَيِّتَةً. [قَوْلُهُ: رُوِّينَاهُ بِكَسْرِ الصَّادِ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ] قَالَ الْمَجْدُولِي: وَاعْلَمْ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ مِنْ أَحْصَنَ إذَا تَزَوَّجَ مُحْصَنٌ بِفَتْحِ الصَّادِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَفِيهِ الْكَسْرُ عَلَى الْقِيَاسِ أَيْضًا اهـ. فَقَوْلُ الْفَاكِهَانِيِّ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ أَيْ مِنْ حَيْثُ السَّمَاعُ. [قَوْلُهُ: بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ] أَيْ لَا بِحِجَارَةٍ عَظِيمَةٍ خَشْيَةَ التَّشْوِيهِ وَلَا بِحِجَارَةٍ صَغِيرَةٍ خَشْيَةَ التَّعْذِيبِ وَلَا يُحْفَرُ لَهُ حُفْرَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمُقَابِلُهُ يُحْفَرُ لِنِصْفِهِ وَيُتَّقَى فَرْجُهُ وَوَجْهُهُ وَيُضْرَبُ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ وَيُجَرَّدُ أَعْلَى الرَّجُلِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِمَّا يَقِي الضَّرْبَ وَيُنْظَرُ بِهَا وَضْعُ حَمْلِهَا وَتَجِدُ مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهَا بِخِلَافِ الْجَلْدِ فَإِنَّهَا تُؤَخَّرُ فِيهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ نِفَاسُهَا لِأَنَّهَا مَرِيضَةٌ. [قَوْلُهُ: وَالْإِحْصَانُ] لُغَةً الْعِفَّةُ وَشَرْعًا أَنْ يَتَزَوَّجَ. [قَوْلُهُ: الْبَالِغُ] أَيْ الْحُرُّ. [قَوْلُهُ: نِكَاحًا صَحِيحًا] أَيْ وَلَازِمًا. [قَوْلُهُ: وَطْئًا صَحِيحًا] أَيْ مُبَاحًا مَعَ انْتِشَارٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ شُرُوطَ الْإِحْصَانِ عَشَرَةٌ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالْإِصَابَةُ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ لَازِمٍ، وَأَنْ تَكُونَ الْإِصَابَةُ صَحِيحَةً بِانْتِشَارٍ وَلَا مُنَاكَرَةٍ، وَعُلِمَ مِنْ اشْتِرَاطِ حُرِّيَّةِ الزَّوْجِ وَإِسْلَامِهِ وَالْإِطْلَاقِ فِي الْمَرْأَةِ أَنَّهُ قَدْ يَتَحَصَّنُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ، فَالزَّوْجَةُ الْأَمَةُ الْحُرَّةُ الْمُطِيقَةُ تُحْصِنُ زَوْجَهَا الْحُرَّ الْبَالِغَ وَلَا يُحْصِنُهَا كَمَا أَنَّ الْكِتَابِيَّةَ تُحْصِنُ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ وَلَا يُحْصِنُهَا، وَالْمَجْنُونَةُ تُحْصِنُ الْعَاقِلَ وَلَا يُحْصِنُهَا، وَتَتَحَصَّنُ الْمَرْأَةُ دُونَ الرَّجُلِ كَمَا إذَا تَزَوَّجَتْ الْبَالِغَةُ الْحُرَّةُ بِعَبْدٍ بَالِغٍ أَوْ مَجْنُونٍ بَالِغٍ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُحْصَنْ] أَيْ بِأَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَصْلًا أَوْ تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا فَاسِدًا أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ أَوْ وَطِئَ فِي زَمَنِ حُرْمَةٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: غَرَّبَهُ الْإِمَامُ] أَيْ وُجُوبًا إنْ كَانَ ذَكَرًا فَلَوْ غَرَّبَ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ] أَيْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ عَلَى مَا يُفِيدُهُ بَعْضُهُمْ، وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمَرْحَلَةُ الْمَسَافَةُ الَّتِي يَقْطَعُهَا الْمُسَافِرُ فِي نَحْوِ يَوْمٍ وَالْجَمْعُ مَرَاحِلُ. [قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَفِي بَيْتِ الْمَالِ] فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْوُصُولُ إلَيْهِ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ. [قَوْلُهُ: وَحُبِسَ فِيهِ عَامًا] فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ تَمَامِ الْعَامِ أُخْرِجَ إلَيْهِ أَوْ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ مِثْلِهِ فِي الْبُعْدِ يَمْكُثُ فِيهِ حَتَّى تَتِمَّ السَّنَةُ، وَلَوْ زَنَى فِي الْمَكَانِ الَّذِي نُفِيَ إلَيْهِ أَوْ زَنَى الْغَرِيبُ بِغَيْرِ بَلَدِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ تَأَنَّسَ فِي السِّجْنِ مَعَ الْمَسْجُونِينَ بِحَيْثُ لَمْ يَتَوَحَّشْ فِيهِ غَرَّبَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ يُسْجَنُ فِيهِ سَنَةً يَبْتَدِئُهَا مِنْ يَوْمِ الْخُرُوجِ الثَّانِي وَلَا يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى وَإِلَّا فَفِي سِجْنِهِ الْأَوَّلِ، وَالْغَرِيبُ إنْ كَانَ بِفَوْرِ نُزُولِهِ قَبْلَ تَأَنُّسِهِ فِي الْبَلَدِ الَّتِي زَنَى بِهَا فَإِنَّهُ يُسْجَنُ فِيهَا سَنَةً وَإِلَّا أُخْرِجَ إلَى غَيْرِهَا [قَوْلُهُ: حَدُّ خَمْسِينَ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَالْعَبْدُ مَقِيسٌ عَلَيْهَا] أَيْ مِنْ بَابِ لَا فَارِقَ. [قَوْلُهُ: وَفِي أَنَّهُ لَا تَغْرِيبَ. عَلَيْهِمَا] أَيْ وَلَوْ رَضِيَ السَّيِّدُ بِخِلَافِ الرَّقِيقِ
[ ٢ / ٣٢٢ ]
تَقَدَّمَ الْحُرِّيَّةُ فَفَارَقَا الْحُرَّ فِي ذَلِكَ (وَ) فِي أَنَّهُ (لَا تَغْرِيبَ عَلَيْهِمَا)؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى السَّيِّدِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) تَغْرِيبَ (عَلَى الْمَرْأَةِ)؛ لِأَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَى الْحِفْظِ وَالصِّيَانَةِ، فَفِي تَغْرِيبِهَا تَعْرِيضٌ لِهَتْكِهَا وَمُوَاقَعَةِ مِثْلِ الَّذِي غُرِّبَتْ مِنْ أَجْلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ الطُّرُقَ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الزِّنَا وَحَصَرَهَا فِي ثَلَاثَةٍ فَقَالَ: (وَلَا يُحَدُّ الزَّانِي إلَّا بِاعْتِرَافٍ مِنْهُ) عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا وَلَوْ مَرَّةً (أَوْ بِحَمْلٍ يَظْهَرُ) إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ مَثَلًا (أَوْ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ بَالِغِينَ عُدُولٍ يَرَوْنَهُ كَالْمِرْوَدِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (فِي الْمُكْحُلَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْحَاءِ وَيَشْهَدُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ أَحَدُهُمْ الصِّفَةَ) بِأَنْ يَقُولَ: رَأَيْته بَيْنَ فَخِذَيْهَا وَلَا أَدْرِي مَا وَرَاءَ ذَلِكَ (حُدَّ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ أَتَمُّوهَا) حَدَّ الْقَذْفِ وَلَا حَدَّ عَلَى الرَّابِع؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الشَّهَادَةَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْقَذْفَ.
(وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَيُؤَدَّبُ كَمَا يُؤَدَّبُ فِي الْمَكْتَبِ (وَيُحَدُّ وَاطِئُ أَمَةِ وَالِدِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ لَهُ فِي مَالِ أَبِيهِ وَلَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ. وَلَا تَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ وَيَسْتَبْرِئُهَا إنْ أَرَادَ وَطْأَهَا (وَلَا يُحَدُّ وَاطِئُ أَمَةِ وَلَدِهِ)؛ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي مَالِهِ (وَ) لَكِنْ (تُقَوَّمُ عَلَيْهِ) يَوْمَ وَطِئَ وَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا؛ لِأَنَّهُ
_________________
(١) [حاشية العدوي] الْمُحَارِبِ وَالْمَرْأَةِ الْمُحَارِبَةِ إذَا رَضِيَ السَّيِّدُ أَوْ رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ بِالنَّفْيِ فَلَهَا ذَلِكَ حَيْثُ وَجَدَتْ الْمَرْأَةُ رُفْقَةً مَأْمُونَةً وَحَرِّرْ الْفَرْقَ، لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى السَّيِّدِ يُفِيدُ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ بِالتَّغْرِيبِ أَنَّهُ يُغَرَّبُ وَقَدْ عَلِمْت خِلَافَهُ. [قَوْلُهُ: لَا تَغْرِيبَ عَلَى امْرَأَةٍ] وَإِنَّمَا عَلَيْهَا الْجَلْدُ فَقَطْ وَلَوْ رَضِيَتْ بِالتَّغْرِيبِ أَوْ رَضِيَ زَوْجُهَا. [قَوْلُهُ: وَالصِّيَانَةِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَقَوْلُهُ: لِهَتْكِهَا أَيْ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الصِّيَانَةِ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: وَمُوَاقَعَةِ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِثْلِهَا أَوْ وُقُوعٍ فَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا [قَوْلُهُ: إلَّا بِاعْتِرَافٍ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا] حَيْثُ أَقَرَّ طَائِعًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى إقْرَارِهِ وَلَوْ مَرَّةً، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ اعْتِرَافُهُ بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مُكْرَهٍ. [قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ مَثَلًا] أَيْ وَلَا سَيِّدٌ مُقِرٌّ بِوَطْئِهَا، وَقَدْ يُبْحَثُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِأَنَّ لَفْظَةَ مَثَلًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا أَوْ هَذَا مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ، وَمِثْلُ الْخَالِيَةِ مِنْهُمَا ذَاتُ السَّيِّدِ أَوْ الزَّوْجِ الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ فَزَوْجَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ يَلْزَمُهُمَا الْحَدُّ أَوْ تَزَوَّجَتْ بِمَنْ يُولَدُ لَهُ لَكِنْ وَلَدَتْ لِمُدَّةٍ لَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهَا بِزَوْجِهَا كَمَا لَوْ وَضَعَتْ حَمْلًا كَامِلًا لِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمِ الدُّخُولِ فَإِنَّهَا تُحَدُّ. [قَوْلُهُ: يَرَوْنَهُ] أَيْ ذَكَرَ الزَّانِي فِي فَرْجِهَا. [قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْمِيمِ] أَيْ وَفَتْحِ الْوَاوِ. [قَوْلُهُ: وَيَشْهَدُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ] أَيْ الَّذِي هُوَ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَلَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ الرُّؤْيَا أَيْ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ يَجْتَمِعُونَ فِي النَّظَرِ لِلذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ، فَلَوْ اجْتَمَعُوا وَنَظَرَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ فَلَا يَكْفِي ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ تَعَدُّدِ الْوَطْءِ، وَالْأَفْعَالُ لَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَاتِّحَادِ وَقْتِ الرُّؤْيَا، وَيَذْكُرُوا اتِّحَادَ وَقْتِ الرُّؤْيَا لِلْقَاضِي فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفُوا فِي أَمَاكِنِ الرُّؤْيَا أَوْ فِي الطَّوْعِ أَوْ الْإِكْرَاهِ أَوْ فِي الزِّنَا وَالشُّبْهَةِ، وَكَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَقُولُوا لِلْقَاضِي أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَيَجِبُ تَفْرِيقُهُمْ عِنْدَ الْأَدَاءِ بَعْدَ إتْيَانِهِمْ جَمِيعًا، وَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الزِّنَا أَنْ يَنْظُرَ لِلْعَوْرَةِ قَصْدًا لِيَعْلَمَ كَيْفَ تُؤَدَّى الشَّهَادَةُ. [قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ عَلَى الرَّابِعِ] بَلْ يُعَاقَبُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَلَوْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ مَا ذَكَرَ تَغْلِيظًا حَتَّى لَا يَكَادَ يَثْبُتُ الزِّنَا عَلَى أَحَدٍ قَصْدًا لِلسَّتْرِ. وَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِأَنَّهُ قَصَدَ الشَّهَادَةَ فِيهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْآخَرِينَ قَدْ قَصَدُوا أَيْضًا الشَّهَادَةَ. الثَّانِي: أَنَّ قَصْدَ الشَّهَادَةِ يَكُونُ بِالشَّهَادَةِ بِالْفِعْلِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ وَكَوْنُهُ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ. [قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ] أَيْ لَمْ يَبْلُغْ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. وَقَوْلُهُ: وَيُؤَدَّبُ أَيْ يَجِبُ عَلَى الْوَالِي تَأْدِيبُهُ اسْتِصْلَاحًا لِحَالِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَالِغًا دُونَ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْبَالِغُ الْفَاعِلَ حُدَّ بِشَرْطِ إطَاقَةِ الْمَفْعُولِ وَعَكْسُهُ بِأَنْ بَلَغَ الْمَفْعُولُ دُونَ الْفَاعِلِ فَلَا حَدَّ نَعَمْ يُعَزَّرُ الْمَفْعُولُ. [قَوْلُهُ: أَمَةِ وَالِدِهِ] أَيْ أَوْ وَالِدَتِهِ وَإِذَا وَلَدَتْ كَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا لَا يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِ الْأُمِّ. وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ وَمُقَابِلُهُ لَا يُحَدُّ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي مَالِ الْأَبِ مَتَى احْتَاجَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: أَمَةِ وَلَدِهِ] الْمُرَادُ أَمَةُ فَرْعِهِ وَإِنْ سَفَلَ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ لَهُ
[ ٢ / ٣٢٣ ]
فَوَّتَهَا عَلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ)؛ لِأَنَّ الِابْنَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا.
(وَيُؤَدَّبُ الشَّرِيكُ فِي الْأَمَةِ يَطَؤُهَا) إنْ لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الشَّرِكَةُ مُتَّفِقَةَ الْأَنْصِبَاءِ أَوْ مُخْتَلِفَةً لِإِقْدَامِهِ عَلَى وَطْءٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» (وَ) لَكِنْ (يَضْمَنُ قِيمَتَهَا إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ) إذَا حَمَلَتْ وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ التَّمَاسُكُ بِنَصِيبِهِ لِثُبُوتِ حُرْمَةِ الِاسْتِيلَادِ لَهَا وَتَكُونُ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ فِي الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ كَالْوَاطِئِ لِمِلْكِهِ، وَاخْتُلِفَ مَتَى يَكُونُ الضَّمَانُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ لِمَالِكٍ فَقِيلَ: يَوْمَ الْحَمْلِ وَقِيلَ يَوْمَ الْوَطْءِ وَقِيلَ يَوْمَ الْحُكْمِ (فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ فَالشَّرِيكُ) الَّذِي لَمْ يَطَأْ (بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَتَمَاسَكَ) بِنَصِيبِهِ مِنْهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْوَاطِئِ لَا صَدَاقَ وَلَا مَا نَقَصَهَا (أَوْ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَاطِئِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أَخَذَ مِنْهُ شَرِيكُهُ ثَمَنَ نَصِيبِهِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا اتَّبَعَهُ بِالْقِيمَةِ عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ حُلُولٍ أَوْ تَأْجِيلٍ.
(وَإِنْ قَالَتْ امْرَأَةٌ) حُرَّةٌ غَيْرُ طَارِئَةٍ لَمْ يُعْلَمْ لَهَا زَوْجٌ أَوْ أَمَةٌ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ وَسَيِّدُهَا مُنْكِرٌ لِلْوَطْءِ وَالْحَالُ أَنَّهُ ظَاهِرٌ (بِهَا حَمْلٌ اُسْتُكْرِهَتْ) عَلَيْهِ (لَمْ تُصَدَّقْ) فِي دَعْوَاهَا الْإِكْرَاهَ
_________________
(١) [حاشية العدوي] شُبْهَةً فِي مَالِهِ] لِخَبَرِ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» . [قَوْلُهُ: وَلَكِنْ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ] أَيْ عَلَى الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا، وَلَوْ جَدًّا لِأَبٍ أَوْ أُمٍّ وَيَجِبُ عَلَى الْأَبِ بَعْدَ غُرْمِ قِيمَتِهَا أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا إنْ أَرَادَ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى وَطْئِهَا لِيُفَرِّقَ بَيْنَ مَاءِ الشُّبْهَةِ وَالْمِلْكِ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ لَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلِابْنِ وَطْءٌ وَإِلَّا حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا وَلَكِنْ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِوَلَدِهِ وَلَوْ لَمْ تَحْمِلْ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الِابْنَ إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: تُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْوَطْءِ لَا يُنْتِجُ التَّقْوِيمَ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَيُؤَدَّبُ الشَّرِيكُ] أَيْ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ لُزُومُ الْأَدَبِ حَيْثُ كَانَ غَيْرَ جَاهِلٍ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ شَرِيكُهُ فِي وَطْئِهَا لِأَنَّ فَرْجَهَا لَا يُبَاحُ بِمُجَرَّدِ إذْنِ شَرِيكِهِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الشَّرِكَةِ. [قَوْلُهُ: قِيمَتَهَا] أَيْ نِصْفَ قِيمَتِهَا مَثَلًا. [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ إذَا حَمَلَتْ] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ إبْقَائِهَا لِلشَّرِكَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُلْزِمَهُ بِمَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الْقِيمَةِ فَيَتَّبِعُ ذِمَّتَهُ أَوْ يُجْبِرُهُ عَلَى بَيْعِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْهَا لَكِنْ بَعْدَ وَضْعِهَا لِأَنَّهُ وَلَدُهَا مِنْهُ لَا يُبَاعُ بِحَالٍ، فَإِنْ لَمْ يُوفِ ثَمَنَ النِّصْفِ اُتُّبِعَ بِالْبَاقِي كَمَا يَتَّبِعُهُ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ مِنْ الْوَلَدِ فِي قَسْمِ الْعُسْرِ لَا فِي قَسْمِ الْيُسْرِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ. [قَوْلُهُ: لَهَا] مُتَعَلِّقٌ بِثُبُوتِ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَوْمَ الْوَطْءِ] اقْتَصَرَ عَلَيْهِ عج. أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ يَوْمَ الْحَمْلِ قَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْ يَوْمِ الْوَطْءِ بِأَنْ يَتَعَدَّدَ الْوَطْءُ وَلَا يَحْصُلُ حَمْلٌ إلَّا مِنْ الْوَطْءِ الْمُتَأَخِّرِ، فَحِينَئِذٍ أَرَادَ بِيَوْمِ الْوَطْءِ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ أَيَّامِ الْوَطْءِ إذَا تَعَدَّدَ فِي أَيَّامٍ، وَقَضِيَّةُ اقْتِصَارِ عج عَلَى يَوْمِ الْوَطْءِ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ إلَّا أَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلشَّرِيكِ الثَّانِي مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ. [قَوْلُهُ: بَيْنَ أَنْ يَتَمَاسَكَ بِنَصِيبِهِ] وَيَبْقَى عَلَى الشَّرِكَةِ. [قَوْلُهُ: أَوْ تُقَوَّمُ عَلَيْهِ] أَيْ الْوَاطِئِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا. [قَوْلُهُ: ثَمَنَ نَصِيبِهِ] أَيْ قِيمَتَهُ وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْوَطْءِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا اتَّبَعَهُ بِالْقِيمَةِ] أَيْ أَوْ جَبَرَهُ عَلَى بَيْعِهَا وَلَوْ كُلِّهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَحْمِلْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِأَبِيهِ فِي كُلِّ الصُّوَرِ وَهُوَ حُرٌّ لَا يُبَاعُ بِحَالٍ، وَإِنْ بِيعَتْ أُمُّهُ وَلَوْ تَأَخَّرَ تَقْوِيمُ الْأَمَةِ عَلَى الْوَاطِئِ حَتَّى مَاتَتْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ قِيمَتُهَا لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَرَتَّبَتْ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ. تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَ إذَا وَطِئَ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَأَمَّا إذَا أَذِنَ لِشَرِيكِهِ فِي الْوَطْءِ وَوَطِئَ فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ وُجُوبًا مُطْلَقًا حَمَلَتْ أَمْ لَا، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْوَطْءِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا فَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ سِوَى قِيمَةِ حِصَّتِهِ وَلَا قِيمَةَ لِلْوَلَدِ، وَتَكُونُ بِهِ أُمَّ الْوَلَدِ وَأَمَّا إنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا تُبَاعُ إنْ حَمَلَتْ وَيُتَّبَعُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ فَتُبَاعُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْقِيمَةِ [قَوْلُهُ: اُسْتُكْرِهَتْ إلَخْ] السِّينُ وَالتَّاءُ لِلتَّأْكِيدِ. [قَوْلُهُ: لَمْ تُصَدَّقْ] لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّوْعُ حَتَّى يَثْبُتَ الْإِكْرَاهُ، وَلِأَنَّ تَصْدِيقَهَا
[ ٢ / ٣٢٤ ]
سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهَا ذَلِكَ أَمْ لَا (وَحُدَّتْ إلَّا أَنْ) تَظْهَرَ إمَارَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهَا وَهِيَ أَحَدُ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ إمَّا أَنْ (تُعْرَفَ بِبَيِّنَةٍ) عَادِلَةٍ (أَنَّهَا احْتَمَلَتْ حَتَّى غَابَ عَلَيْهَا) الْمُكْرِهُ وَخَلَا بِهَا (أَوْ جَاءَتْ مُسْتَغِيثَةً عِنْدَ النَّازِلَةِ) أَيْ عَقِبَ الْوَطْءِ (أَوْ جَاءَتْ تَدْمَى) إذَا كَانَتْ بِكْرًا ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَسْتَغِثْ سَوَاءٌ ادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَلِيقُ بِهِ أَمْ لَا.
(وَالنَّصْرَانِيُّ) أَوْ الْيَهُودِيُّ (إنْ غَصَبَ الْمُسْلِمَةَ فِي الزِّنَا قُتِلَ) إذَا ثَبَتَ الْغَصْبُ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؛ لِأَنَّهُ نَاقِضٌ لِلْعَهْدِ بِذَلِكَ إذْ لَمْ نُعَاهِدْهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُسْلِمَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً وَهُوَ فِي الْحُرَّةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي الْأَمَةِ خِلَافٌ مَشْهُورُهُ لَا يُقْتَلُ وَلَا يُحَدُّ وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ الشَّدِيدَةُ. وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوْ طَاوَعَتْهُ لَا يُقْتَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا هِيَ فَتُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا.
(وَإِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ بِالزِّنَا أُقِيلَ وَتُرِكَ) وَلَا تَتَعَرَّضُ لَهُ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى شُبْهَةٍ مِثْلِ أَنْ يَقُولَ: وَطِئْت فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَظَنَنْت أَنَّهُ زِنًا أَوْ لَا مِثْلُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبْدِيَ عُذْرًا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ اتِّفَاقًا وَعَلَى
_________________
(١) [حاشية العدوي] ذَرِيعَةٌ إلَى كَثْرَةِ الزِّنَا لَا سِيَّمَا مَعَ قِلَّةِ دِينِ النِّسَاءِ وَمِيلِهِنَّ لِلْوَطْءِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهَا ذَلِكَ أَيْ الْإِكْرَاهُ أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: إمَّا أَنْ تُعْرَفَ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ] قِيلَ اثْنَانِ وَقِيلَ يَكْفِي الْوَاحِدُ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَخَبَرُهُ يُورِثُ الشُّبْهَةَ الْمُسْقِطَةَ لِلْحَدِّ مِنْ بَابِ أَوْلَى مِنْ إسْقَاطِهَا بِاسْتِغَاثَتِهَا [قَوْلُهُ: مُسْتَغِيثَةً] أَيْ مُتَظَلِّمَةً. [قَوْلُهُ: أَيْ عَقِبَ] تَفْسِيرٌ لِعِنْدَ، وَالْوَطْءُ تَفْسِيرٌ لِلنَّازِلَةِ لِأَنَّ مَجِيئَهَا صَائِحَةً قَرِينَةُ غَصْبِهَا. [قَوْلُهُ: تَدْمَى] بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مِنْ بَابِ رَضِيَ يَرْضَى أَوْ عَصَى يَعْصِي. [قَوْلُهُ: إذَا كَانَتْ بِكْرًا] قَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ: لَيْسَ خَاصًّا بِالْبِكْرِ بَلْ وَكَذَا الثَّيِّبُ إذَا شُجَّتْ وَنَحْوُهُ مِنْ كَسْرِ يَدِهَا. [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَسْتَغِثْ إلَخْ] ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَجِيئَهَا بِتِلْكَ الْحَالَةِ مُسْقِطٌ لِحَدِّهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي سُقُوطِ حَدِّهَا مُجَرَّدُ مَجِيئِهَا تَدْمَى بَلْ لَا يَسْقُطُ حَدُّهَا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْفِعْلِ بِهَا إلَّا بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهَا كَمَجِيئِهَا صَائِحَةً أَوْ مُتَعَلِّقَةً بِمَنْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ لَا إنْ ادَّعَتْ عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ زَنَى بِهَا وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَدِّهَا، وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا إمَّا أَنْ تَدَّعِي عَلَى صَالِحٍ أَوْ فَاسِقٍ أَوْ مَجْهُولِ الْحَالِ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ صَالِحًا فَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ حُدَّتْ لِلزِّنَا وَإِلَّا فَلَا وَحُدَّتْ لَهُ لِلْقَذْفِ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَلَا حَدَّ لِلْقَذْفِ مُطْلَقًا وَتُحَدُّ لِلزِّنَا بِشَرْطَيْنِ أَنْ تَحْمِلَ وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَتُحَدُّ لِلزِّنَا إنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ وَإِلَّا سَقَطَ، وَأَمَّا لِلْقَذْفِ فَإِنْ كَانَتْ تَخْشَى الْفَضِيحَةَ سَقَطَ إنْ تَعَلَّقَتْ وَإِلَّا فَفِيهِ خِلَافٌ، وَإِنْ لَمْ تَخْشَ لَزِمَهَا إنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ فَفِيهِ خِلَافٌ. وَانْظُرْ إذَا شَكَّ هَلْ هِيَ مِمَّنْ يَخْشَى الْفَضِيحَةَ أَمْ لَا وَلَا صَدَاقَ لَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ كَانَتْ دَعْوَاهَا عَلَى صَالِحٍ أَوْ غَيْرِهِ [قَوْلُهُ: وَالنَّصْرَانِيُّ إنْ غَصَبَ إلَخْ] لَا خُصُوصِيَّةَ لِمَا ذَكَرَ بَلْ الْمُصَالَحُ كَذَلِكَ، وَمَنْ نَزَلَ بِأَمَانٍ لِتِجَارَةٍ مَثَلًا كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: إنْ غَصَبَ الْمُسْلِمَةَ] وَأَمَّا لَوْ غَصَبَ الْحُرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ وَهِيَ زَوْجَةُ الْمُسْلِمِ فَفِي قَتْلِهِ لِحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ وَعُقُوبَتِهِ قَوْلَانِ، وَمَفْهُومُ غَصَبَ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ حُرَّةً مُسْلِمَةً فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِكَوْنِهِ ذِمِّيًّا فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَاخْتُلِفَ فِي قَتْلِهِ وَاسْتُظْهِرَ قَتْلُهُ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالتَّطَلُّعِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَتْ بِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ فَإِنْ كَانَتْ تَجْهَلُ تَحْرِيمَ نِكَاحِهِمْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ. وَلَا يُقْتَلُ هُوَ وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ عُقُوبَةً شَدِيدَةً. [قَوْلُهُ: بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ] رَأَوْهُ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَالْوَلَدُ الْمُتَخَلِّقُ مِنْ وَطْئِهِ عَلَى دِينِ أُمِّهِ وَلَا يَلْحَقُ بِأَبِيهِ وَلَوْ أَسْلَمَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ مَالِهِ. [قَوْلُهُ: وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ الشَّدِيدَةِ] وَمَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُرَّةِ أَنَّ الْإِمَاءَ مَالٌ وَلَا قَتْلَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ رَجَعَ لِشُبْهَةٍ أَوْ لَا] رَجَعَ فِي الْحَدِّ أَوْ قَبْلَهُ. وَأَمَّا الْهُرُوبُ فَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ فَكَالرُّجُوعِ، وَأَمَّا قَبْلُ فَالْحَدُّ لَازِمٌ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْهُرُوبَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ لِإِذَاقَتِهِ الْعَذَابَ بِخِلَافِهِ قَبْلَهُ، وَمِثْلُ رُجُوعِهِ مَا إذَا شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِإِقْرَارِهِ بِالزِّنَا وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَإِنْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ صَدَاقُ الْمَزْنِيِّ بِهَا حَيْثُ كَانَتْ مُكْرَهَةً. [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ اتِّفَاقًا
[ ٢ / ٣٢٥ ]
[حد اللواط]
[حد القذف]
الْمَشْهُورِ فِي الثَّانِي لِحَدِيثِ مَاعِزٍ - ﵁ - وَقَوْلُهُ: وَتُرِكَ تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى أُقِيلَ.
(وَيُقِيمُ الرَّجُلُ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ حَدَّ الزِّنَا) وَحَدَّ الْقَذْفِ وَحَدَّ الشُّرْبِ وَلَا يُقِيمُ عَلَيْهِمَا حَدَّ السَّرِقَةِ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، وَيُشْتَرَطُ فِي إقَامَتِهِمَا الْحَدَّ الْمَذْكُورَ أَحَدُ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ وَهِيَ (إذَا ظَهَرَ حَمْلٌ) بِالْأَمَةِ (أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ) عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الْعَبْدِ بِالزِّنَا (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ السَّيِّدِ وَهُوَ (أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ أَوْ كَانَ إقْرَارٌ) مِنْهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَ حُكْمُ الْأَمَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ بِغَيْرِ عَبْدِ السَّيِّدِ يُخَالِفُ حُكْمَ غَيْرِهَا خُشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ دُخُولُهَا فِيمَا تَقَدَّمَ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ دَفْعًا لَمَّا يُتَوَهَّمُ فَقَالَ: (وَلَكِنْ إنْ كَانَ لِلْأَمَةِ زَوْجٌ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ لِغَيْرِهِ) أَيْ لِغَيْرِ السَّيِّدِ (فَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهَا إلَّا السُّلْطَانُ) وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: لِغَيْرِهِ مِمَّا إذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا لِلسَّيِّدِ فَإِنَّهُ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهَا، وَمِثْلُ الْأَمَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ بِالْحُرِّ أَوْ عَبْدِ الْغَيْرِ الْعَبْدُ الْمُتَزَوِّجُ بِالْحُرَّةِ أَوْ بِأَمَةِ غَيْرِ السَّيِّدِ فَإِنَّهُ لَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ إلَّا السُّلْطَانُ. .
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى اللِّوَاطِ فَقَالَ: (وَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ بِذَكَرٍ بَالِغٍ أَطَاعَهُ رُجِمَا أُحْصِنَا أَوْ لَمْ يُحْصَنَا) لَفْظُ مَنْ عَامٌّ يَشْمَلُ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَالْكَافِرَ، وَعَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ إتْيَانُ الذُّكُورِ فِي أَدْبَارِهِمْ وَسَوَاءٌ كَانَ الذَّكَرُ مَمْلُوكَهُ أَوْ لَا، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ إتْيَانِ الْأُنْثَى فِي دُبُرِهَا فَإِنَّهُ لَا يُرْجَمُ ذَلِكَ لَكِنْ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا عُوقِبَ عُقُوبَةً شَدِيدَةً، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حُدَّ حَدَّ الزِّنَا. وَقَوْلُهُ: بَالِغٍ صِفَةٌ لِلذَّكَرِ الْمَفْعُول بِهِ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي رَجْم الْمَفْعُول بِهِ الْفِعْلَ الْمَذْكُورَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا وَهُوَ شَرْطٌ أَيْضًا فِي رَجْم الْفَاعِل، فَلَوْ كَانَ صَبِيًّا لَا يُرْجَمُ وَلَكِنْ يُؤَدَّبُ. وَقَوْلُهُ: أَطَاعَهُ شَرْطٌ أَيْضًا فِي رَجْم الْمَفْعُول بِهِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ أَكْرَهَهُ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْفَاعِلُ فَإِنْ كَانَ بَالِغًا فَإِنَّهُ يُرْجَمُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَفْعُولُ بِهِ بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا، وَشَرْطُ الْحَدّ فِي اللِّوَاطِ كَالزِّنَا مِنْ مَغِيب الْحَشَفَةِ وَثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ اعْتِرَافٍ. .
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْقَذْفِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ مَا يَدُلُّ عَلَى الزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَوْ النَّفْيِ عَنْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي الثَّانِي] وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُعْذَرُ بِتَكْذِيبِ نَفْسِهِ بَلْ بِأَمْرٍ يُعْذَرُ بِهِ. [قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ مَاعِزٍ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَوَجْهُهُ مَا فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ «لَمَّا أَزْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ هَارِبًا فَاتَّبَعُوهُ فَقَالَ لَهُمْ: رُدُّونِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَرُدُّوهُ فَقَالَ - ﷺ -: هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ» . لِأَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ اهـ. قُلْت: وَكَلَامُ مَاعِزٍ كَمَا تَرَى فِي الْهُرُوبِ وَكَلَامُ الشَّارِحِ فِي الرُّجُوعِ فَهُوَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الْأَوْلَوِيَّةِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ] عَلَى الصِّفَةِ الْمُشْتَرَطَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا. [قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ إقْرَارٌ] أَيْ وَلَمْ يَرْجِعَا [قَوْلُهُ: إلَّا السُّلْطَانُ] أَيْ لِحَقِّ الْآخِرِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ إنْ كَانَ حُرًّا وَلِحَقِّ سَيِّدِهِ إنْ كَانَ رِقًّا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ عَلَى مَمْلُوكِهِ حَدَّ الزِّنَا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ مِلْكِهِ بِأَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَصْلًا أَوْ تَزَوَّجَ بِمِلْكِ السَّيِّدِ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدَ الشُّهُودِ. [حَدّ اللِّوَاط] [قَوْلُهُ: إتْيَانُ الذُّكُورِ فِي أَدْبَارِهِمْ] بِأَنْ أَدْخَلَ الْحَشَفَةَ أَوْ قَدْرَهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي دُبُرِهِ. [قَوْلُهُ: عُوقِبَ عُقُوبَةً شَدِيدَةً] كَمَا تُؤَدَّبُ الْمَرْأَةُ فِي مُسَاحَقَتِهَا الْأُخْرَى. [قَوْلُهُ: أَطَاعَهُ] شَرْطٌ أَيْضًا فِي رَجْمِ الْمَفْعُولِ بِهِ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ بِغَيْرِهِ فَفِي حَدِّهِ خِلَافٌ وَالْمَذْهَبُ الْحَدُّ. [قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ] أَيْ وَكَانَ مُطْبَقًا، وَأَمَّا بُلُوغُ الْمَفْعُولِ بِهِ دُونَ الْفَاعِلِ فَلَا رَجْمَ، وَيُؤَدَّبُ الصَّغِيرُ وَيُعَزَّرُ الْبَالِغُ التَّعْزِيرَ الَّذِي لَا يَقْصُرُ عَدَدُهُ عَنْ مِائَةٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَا غَيْرَ مُكَلَّفَيْنِ فَالْأَدَبُ فَقَطْ. [قَوْلُهُ: كَالزِّنَا] أَيْ كَالشَّرْطِ فِي الزِّنَا، وَهُوَ خَبَرُ قَوْلِهِ: وَشَرْطُ الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأُ. وَقَوْلُهُ: مِنْ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ بَيَانٌ لِشَرْطٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي عَدُّ الْمَغِيبِ شَرْطًا لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الزِّنَا. [قَوْلُهُ: وَثُبُوتُهُ بِبَيِّنَةٍ] أَيْ أَرْبَعِ عُدُولٍ. وَقَوْلُهُ: أَوْ اعْتِرَافٍ أَيْ الِاعْتِرَافُ الْمُسْتَمِرُّ، وَانْظُرْ هَلْ يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالرُّجُوعِ [حَدّ القذف] [قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ] وَأَمَّا
[ ٢ / ٣٢٦ ]
الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ لِغَيْرِ الْمَجْهُولِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ. وَالسُّنَّةِ «فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَلَدَ الَّذِينَ خَاضُوا فِي الْإِفْكِ الْحَدَّ»، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ وَلَهُ شُرُوطٌ عَشَرَةٌ اثْنَانِ فِي الْقَاذِفِ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَسِتَّةٌ فِي الْمَقْذُوفِ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعِفَّةُ عَمَّا رُمِيَ بِهِ وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ آلَةُ الْوَطْءِ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ مَجْبُوبٍ وَنَحْوِهِ، وَاثْنَانِ فِي الْمَقْذُوفِ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ بِوَطْءٍ يَلْزَمُ بِهِ الْحَدُّ وَهُوَ الزِّنَا أَوْ اللِّوَاطُ أَوْ نَفْيِ نَسَبِ الْمَقْذُوفِ عَنْ أَبِيهِ فَقَطْ.
وَبَدَأَ بِمَا يُوجِبُ الْقَذْفَ فَقَالَ: (وَعَلَى الْقَاذِفِ الْحُرِّ) الْبَالِغِ الْعَاقِلِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَلَوْ سَكْرَانًا أَوْ أَبًا (الْحَدُّ ثَمَانِينَ) جَلْدَةً (وَعَلَى الْعَبْدِ) يَعْنِي جِنْسَهُ الصَّادِقَ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا
_________________
(١) [حاشية العدوي] لُغَةً فَهُوَ الرَّمْيُ بِالْحِجَارَةِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي الرَّمْيِ بِالْمَكَارِهِ وَالْقَذْفُ مِنْ الْكَبَائِرِ. [قَوْلُهُ: مَا يَدُلُّ] أَيْ شَيْءٌ يَدُلُّ أَيْ بِالتَّصْرِيحِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَالْإِشَارَةِ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ، وَعَطْفُ اللِّوَاطِ عَلَى الزِّنَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَيْ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ إلَّا أَنَّ فِيهِ عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ بِأَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزِّنَا أَعَمُّ مِنْ اللِّوَاطِ. إلَّا أَنْ يُقَالَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، فَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْوَاوِ غَيْرُ صَحِيحٍ لَا لِلتَّشْكِيكِ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ، وَمُرَادُهُ بِالْجَدِّ الْجَدُّ لِلْأَبِ وَإِنْ عَلَا. وَقَوْلُهُ: لِغَيْرِ الْمَجْهُولِ بِالْجِيمِ احْتِرَازًا بِذَلِكَ مِنْ الْمَجْهُولِ كَالْمَنْبُوذِ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ بِنَفْيِ نَسَبٍ عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ لَكِنْ يُؤَدَّبُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَحْمُولُ بِالْحَاءِ وَالْمِيمِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَسْبِيِّ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ. أَوْ قَالَ لَهُ: يَا وَلَدَ الزِّنَا لِأَنَّ الْمَحْمُولِينَ لَا تَثْبُتُ أَنْسَابُهُمْ وَلَا يَتَوَارَثُونَ. [قَوْلُهُ: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]] الْمُرَادُ بِالْإِحْصَانِ هَاهُنَا الْعِفَّةُ. [قَوْلُهُ: خَاضُوا فِي الْإِفْكِ] الْإِفْكُ هُوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْكَذِبِ، وَمُرَادُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَدَّ الَّذِينَ رُمُوا السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ بِالزِّنَا الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ. [قَوْلُهُ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ] فَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا إذَا قَدَفَا غَيْرَهُمَا. [قَوْلُهُ: وَسِتَّةٌ فِي الْمَقْذُوفِ إلَخْ] لَكِنْ إنْ كَانَ بِنَفْيِ نَسَبٍ اُشْتُرِطَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ فَقَطْ، فَالْكَافِرُ وَالْعَبْدُ الْمُسْلِمُ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِمَا بِنَفْيِ النَّسَبِ مَا لَمْ يَكُنْ أَبَوَا الرَّقِيقِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَإِلَّا حُدَّ لَهُمَا، وَكَذَا إنْ كَانَ أَبُوهُ حُرًّا مُسْلِمًا وَأُمُّهُ كَافِرَةً أَوْ أَمَةً عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ اُنْظُرْ تَمَامَهُ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَأَمَّا بِالزِّنَا فَيُزَادُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْعِفَّةُ وَالْآلَةُ. [قَوْلُهُ: وَالْبُلُوغُ] يُرِيدُ إذَا كَانَ فَاعِلًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَفْعُولًا فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ بَلْ إطَاقَةُ الْوَطْءِ فَقَطْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. [قَوْلُهُ: وَالْعِفَّةُ عَمَّا رُمِيَ بِهِ] أَيْ أَنْ يَكُونَ عَفِيفًا عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ وَهُوَ الزِّنَا وَاللِّوَاطُ، فَمَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا ثُمَّ أَثْبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَثْبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ حُدَّ فِيهِ أَيْ وَإِنْ تَابَ، وَكَذَا إنْ زَنَى بَعْدَ أَنْ قُذِفَ وَقَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ لَمْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ. فَقَوْلُنَا: وَعَفَّ عَنْ وَطْءٍ يُوجِبُ الْحَدَّ يَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلْوَطْءِ رَأْسًا، وَأَنْ يَكُونَ مُرْتَكِبًا لِوَطْءٍ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَوَطْءِ الْبَهِيمَةِ إذْ هُوَ فِيهِمَا عَفِيفٌ عَمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ وَعَلَى الْمَقْذُوفِ أَنْ يُثْبِتَ الْعَفَافَ. [قَوْلُهُ: فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ مَجْبُوبٍ وَنَحْوِهِ] أَيْ كَمَقْطُوعِ الذَّكَرِ إنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا بَعْدَ إزَالَةِ الْآلَةِ، فَإِنْ قَيَّدَ زِنَاهُ بِهَا قَبْلَ قَطْعِهَا حُدَّ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَاسْتَظْهَرَ أَنَّهُ إذَا قَذَفَ خُنْثَى مُشْكِلًا بِالزِّنَا بِفَرْجِهِ الذَّكَرِ أَوْ فِي فَرْجِهِ الَّذِي لِلنِّسَاءِ فَلَا حَدَّ فِيهِ لِأَنَّهُ إذَا زَنَى بِهِمَا فَلَا حَدَّ فِيهِ، وَإِنْ رَمَاهُ بِأَنَّهُ أُتِيَ فِي دُبُرِهِ حُدَّ رَامِيهِ لِأَنَّهُ إذَا زَنَى بِهِ حُدَّ حَدَّ الزِّنَا لَا اللِّوَاطِ. [قَوْلُهُ: عَنْ أَبِيهِ فَقَطْ] أَيْ أَوْ عَنْ جَدِّهِ كَقَوْلِهِ: لَسْت ابْنَهُ فَيُحَدُّ وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت لَسْت ابْنَهُ مِنْ الصُّلْبِ لِأَنَّ بَيْنَك وَبَيْنَهُ أَبًا فَلَا يُصَدَّقُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْ لَا عَنْ أُمِّهِ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِ لِأَنَّ الْأُمُومَةَ مُحَقَّقَةٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ فَقَطْ. وَأَمَّا الْأُبُوَّةُ فَثَابِتَةٌ بِالظَّنِّ فَلَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ فِي نَفْيِهِ فَتَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مَعَرَّةٌ. تَنْبِيهٌ: يَلْزَمُهُ الْحَدُّ بِنَفْيِ نَسَبِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ عَنْ أَبِيهِ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا. [قَوْلُهُ: مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا] وَلَوْ حَرْبِيًّا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ احْتِرَازًا مِنْ الْحَرْبِيِّ إذَا قَذَفَ مُسْلِمًا بِبَلَدِ الْحَرْبِ، ثُمَّ
[ ٢ / ٣٢٧ ]
(أَرْبَعِينَ) جَلْدَةً (فِي الْقَذْفِ وَخَمْسِينَ) جَلْدَةً (فِي الزِّنَا) ع: صَوَابُهُ ثَمَانُونَ وَأَرْبَعُونَ وَخَمْسُونَ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحُرِّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْعَبْدِ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: هُوَ كَالْحُرِّ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ.
(وَالْكَافِرُ) الْحُرُّ (يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ ثَمَانِينَ) جَلْدَةً لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقَيَّدْنَا بِالْحُرِّ احْتِرَازًا مِنْ الْعَبْدِ فَإِنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ مَا عَلَى الْحُرِّ (وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ عَبْدٍ) أَيْ جِنْسِهِ الصَّادِقِ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (أَوْ) قَاذِفِ (كَافِرٍ) حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِعِرْضِهِمَا (وَيُحَدُّ قَاذِفُ الصَّبِيَّةِ بِالزِّنَا إنْ كَانَ مِثْلُهَا يُوطَأُ وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ الصَّبِيِّ) بِذَلِكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَعَرَّةَ تَلْحَقُ الصَّبِيَّةَ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَذَفَهُ بِأَنَّهُ فُعِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْعَارُ فِي هَذَا.
(وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ فِي قَذْفٍ وَلَا) فِي (وَطْءٍ) لِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ عَنْهُ (وَمَنْ نَفَى رَجُلًا) مَثَلًا (مِنْ نَسَبِهِ) مِنْ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: لَسْت بِابْنِ فُلَانٍ (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ)؛ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي كَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا أَعْظَمُ مِنْ فِعْلِهِ الزِّنَا؛ لِأَنَّ مَعَرَّةَ الزِّنَا تَزُولُ بِالتَّوْبَةِ، وَمَعَرَّةُ كَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا لَا تَزُولُ أَبَدًا.
(وَفِي التَّعْرِيضِ) وَهُوَ التَّعْبِيرُ عَنْ الْغَرَضِ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِضِدِّهِ نَحْوَ مَا أَنَا بِزَانٍ (الْحَدُّ) وَلَوْ ذَكَرَ لَفْظًا يَحْتَمِلُ السَّبَّ وَالْقَذْفَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَا حِمَارُ قِيلَ يُغَلَّبُ جَانِبُ السَّبِّ وَيُؤَدَّبُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: يُغَلَّبُ جَانِبُ الْقَذْفِ وَيُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا مَرْكُوبُ كَالْحِمَارِ وَالْمَرْكُوبُ هُوَ الْمَفْعُولُ بِهِ.
(وَ) كَذَا (مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا لُوطِيُّ حُدَّ)
_________________
(١) [حاشية العدوي] أَسْلَمَ أَوْ أُسِرَ أَوْ دَخَلَ بِأَمَانٍ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: أَوْ أَبًا] الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْأَبَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَوْ صَرَّحَ بِالْقَذْفِ. [قَوْلُهُ: وَخَمْسِينَ فِي الزِّنَا] هَذَا عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ، وَإِنَّمَا أَعَادَهُ لِيَجْمَعَهُ مَعَ نَظِيرِهِ فِي التَّشْطِيرِ. [قَوْلُهُ: بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ] هَذَا ظَاهِرٌ فِي ثَمَانِينَ فَإِنَّهُ تَمْيِيزٌ عَنْ الْحَدِّ لِمَا انْبَهَمَ مِنْ الذَّوَاتِ، وَأَمَّا فِي أَرْبَعِينَ وَخَمْسِينَ فَلَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا حَظَّ أَنَّ التَّقْدِيرَ وَعَلَى الْعَبْدِ الْحَدُّ أَرْبَعِينَ. وَقَوْلُهُ: الرِّوَايَةُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هُنَاكَ رِوَايَةً أُخْرَى بِالرَّفْعِ فِي الْكُلِّ وَهُوَ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَالْكَافِرُ يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ ثَمَانِينَ] وَلَوْ حَرْبِيًّا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْحَرْبِيِّ. [قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ عَبْدٍ] أَيْ بِزِنًا كَنَفْيِ النَّسَبِ لَا أَنْ يَكُونَ أَبَوَاهُ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِعِرْضِهِمَا] أَيْ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ، زَادَ فِي التَّحْقِيقِ إلَّا أَنَّهُ يُؤَدَّبُ، وَفِي الْخَرَشِيِّ عَنْ تَقْرِيرِهِ وَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْكَافِرِ أَوْ الْعَبْدِ وَلَوْ كَانَ الْقَاذِفُ مِثْلَهُمَا. وَلَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا. [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مِثْلُهَا يُوطَأُ] لِلُحُوقِ الْمَعَرَّةِ لَهَا بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُطِيقَةِ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ قَذَفَهُ بِأَنْ فُعِلَ بِهِ] أَيْ إنْ كَانَ مُطِيقًا [قَوْلُهُ: فِي قَذْفٍ] أَيْ لِغَيْرِهِ بِزِنًا أَوْ نَفْيِ نَسَبٍ. [قَوْلُهُ: وَلَا فِي وَطْءٍ] أَيْ حَصَلَ مِنْ الصَّبِيِّ فِي صَبِيَّةٍ أَوْ بَالِغٍ وَلَوْ فِي الصَّبِيَّةِ مِنْ الصَّبِيِّ أَوْ بَالِغٍ تت. [قَوْلُهُ: وَمَنْ نَفَى] أَيْ مِنْ كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ وَإِنْ كَافِرًا أَوْ رَقِيقًا. [قَوْلُهُ: رَجُلًا] حُرًّا مُسْلِمًا، أَيْ أَوْ امْرَأَةً كَذَلِكَ وَلَوْ صَغِيرَيْنِ أَوْ مَجْنُونَيْنِ. [قَوْلُهُ: نَسَبِهِ مِنْ أَبِيهِ] أَيْ لَا مِنْ عَمِّهِ. [قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الْحَدُّ] إذَا كَانَ نَسَبُهُ مَعْلُومًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفِ النَّسَبِ كَالْمَنْبُوذِ يَرْمِيهِ بِنَفْيِ النَّسَبِ عَنْ أَبٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الزِّنَا أَوْ يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ أَوْ يَا مَنْفِيُّ مِمَّا يَقْتَضِي نَفْيَ نَسَبِهِ عَنْ مُطْلَقِ أَبٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَبْذِهِ كَوْنُهُ وَلَدَ زِنًا. [قَوْلُهُ: وَفِي التَّعْرِيضِ الْحَدُّ] إنْ أَفْهَمَ الرَّمْيَ بِالزِّنَا أَوْ نَفْيَ النَّسَبِ عَنْ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ كَمَا إذَا نَسَبَهُ لِعَمِّهِ. [قَوْلُهُ: نَحْوُ مَا أَنَا بِزَانٍ] أَيْ فَالْقَائِلُ غَرَضُهُ أَنْتَ زَانٍ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ مَوْضُوعٍ لِضِدِّهِ أَيْ لِمُنَافِيهِ وَهُوَ مَا أَنَا بِزَانٍ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ الضِّدُّ اصْطِلَاحًا ثُمَّ إنَّ تَفْسِيرَ التَّعْرِيضِ بِهَذَا قُصُورٌ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَالتَّعْرِيضُ خِلَافُ التَّصْرِيحِ. [قَوْلُهُ: قِيلَ يُغَلَّبُ إلَخْ] لَعَلَّ مَحَلَّ الْقَوْلَيْنِ مَا لَمْ يَظْهَرْ إرَادَةُ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ وَإِلَّا عُمِلَ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْ ظُهُورِ إرَادَةِ الثَّانِي إلْحَاقُ الْهَاءِ أَيْ قَوْلُهُ: يَا حِمَارَةُ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُغَلَّبُ جَانِبُ الْقَذْفِ فَيُحَدُّ لِجَرَيَانٍ عَنْ عَوَامِّ مِصْرَ بِاسْتِعْمَالِ هَذَا فِي الْمَفْعُولِ بِهِ [قَوْلُهُ: وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا لُوطِيُّ] أَيْ وَكَانَ الْمَقُولُ لَهُ عَفِيفًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ
[ ٢ / ٣٢٨ ]
[حد الشرب]
لِأَنَّهُ نَسَبَهُ إلَى فَاحِشَةٍ يَلْزَمُ فَاعِلَهَا الْحَدُّ. ع: هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ بَالِغًا وَقَالَ لَهُ: يَا فَاعِلُ، وَإِنْ قَالَ لَهُ: يَا مَفْعُولُ فَإِنَّهُ يُحَدُّ سَوَاءٌ كَانَ بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ.
(وَمَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً) بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ جَمِيعًا أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ وَاحِدَةً (فَ) عَلَيْهِ (حَدٌّ وَاحِدٌ يَلْزَمُهُ لِمَنْ قَامَ بِهِ مِنْهُمْ ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِمَنْ قَامَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ فِي الْقَذْفِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ دَفْعِ الْمَعَرَّةِ عَنْ الْمَقْذُوفِ وَتَكْذِيبِ الْقَاذِفِ، فَإِذَا حُدَّ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْمَعَرَّةُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْإِثْمُ فَعَلَيْهِ.
(وَمَنْ كَرَّرَ شُرْبَ الْخَمْرِ أَوْ) كَرَّرَ (الزِّنَا فَ) يَلْزَمُهُ (حَدٌّ وَاحِدٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ)؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ إذَا كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا تَدَاخَلَتْ كَالْأَحْدَاثِ إذَا تَكَرَّرَتْ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي جَمِيعِهَا طُهْرٌ وَاحِدٌ وَكَذَا مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَقَذَفَ لَا يَتَعَدَّدُ الْحَدُّ عَلَى الْمَنْصُوصِ لِلِاتِّحَادِ بِخِلَافِ مَنْ قَذَفَ وَزَنَى فَإِنَّهُ يَتَعَدَّدُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ مَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً) تَكْرَارٌ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِتَكْرَارٍ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ إذَا قَذَفَهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهَذَا إذَا كَرَّرَ قَذْفَهُمْ.
(وَمَنْ لَزِمَتْهُ حُدُودٌ وَقَتْلٌ) مِثْلُ أَنْ يَزْنِيَ وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقَ وَيَقْتُلَ مُسْلِمًا (فَالْقَتْلُ يُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ) كُلِّهِ وَلَا يُحَدُّ (إلَّا فِي) اجْتِمَاعِ (الْقَذْفِ) مَعَ الْقَتْلِ (فَلْيُحَدَّ) لِلْقَذْفِ (قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ) لِنَفْيِ الْمَعَرَّةِ. ظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ هُوَ الْمَقْتُولَ. .
ثُمَّ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ حَدَّ شُرْبِ الْمُسْكِرِ فَقَالَ: (وَمَنْ شَرِبَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُكَلَّفِينَ الْأَحْرَارِ مُخْتَارًا مِنْ غَيْرِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] أَلْفَاظِ الْقَذْفِ يَا عِلْقُ أَوْ يَا مُخَنَّثُ، وَضَابِطُ هَذَا الْبَابِ الِاشْتِهَارَاتُ الْعُرْفِيَّةُ وَالْقَرَائِنُ الْحَالِيَّةُ فَمَتَى فُقِدَا حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْقَذْفَ وَلَا يُحَدُّ، وَمَتَى وُجِدَ أَحَدُهُمَا حُدَّ وَإِنْ انْتَقَلَ الْعُرْفُ وَبَطَلَ بَطَلَ الْحَدُّ. تَتِمَّةٌ: يَثْبُتُ الْقَذْفُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى الْقَذْفِ أَوْ الْإِقْرَارِ بِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِهِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عَدَمُ ثُبُوتِهِ بِمَا ذُكِرَ [قَوْلُهُ: بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ] وَسَوَاءٌ تَعَدَّدَ نَوْعُ مَا قَذَفَ بِهِ أَوْ اتَّحَدَ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: أَوْ كُلَّ وَاحِدَةٍ وَاحِدَةً] بِانْفِرَادِهِ بِمَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ زَانٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَمَنْ كَرَّرَ شُرْبَ الْخَمْرِ] أَيْ قَبْلَ حَدِّهِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ. [قَوْلُهُ: فَحَدٌّ وَاحِدٌ] ثَمَانُونَ لِلْحُرِّ وَأَرْبَعُونَ لِلرَّقِيقِ. [قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ كُلِّهِ] أَيْ فِيمَا تَكَرَّرَ مِنْ أَفْرَادِ الشُّرْبِ أَوْ مِنْ أَفْرَادِ الزِّنَا. [قَوْلُهُ: إذَا كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا] أَيْ جِنْسُهَا وَاحِدٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: وَتَدَاخَلَتْ أَيْ اكْتَفَى بِإِحْدَاهَا. [قَوْلُهُ: كَالْأَحْدَاثِ إلَخْ] لَا يَتِمُّ التَّنْظِيرُ إلَّا لَوْ قَالَ: كَالْأَطْهَارِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهَا مُوجَبًا بِالْفَتْحِ، أَوْ يَقُولُ: أَوَّلًا لِأَنَّ أَسْبَابَ الْحَدِّ إلَخْ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهَا مُوجِبًا بِالْكَسْرِ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَنْصُوصِ] مُقَابِلُهُ مَا أَجْرَاهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ الْكَائِنِ فِي قَذْفِ الْجَمَاعَةِ هَلْ يُوجِبُ تَعَدُّدَ الْحَدِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ لَا. [قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَنْ قَذَفَ وَزَنَى] وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحُدُودَ الْمُتَّحِدَةَ الْقَدْرِ يَكْفِي فِيهَا حَدٌّ وَاحِدٌ، وَالْمُخْتَلِفَةُ الْقَدْرِ يَجِبُ إقَامَتُهَا وَيُبْدَأُ بِأَشَدِّهَا عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَتَعَدَّدُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِعَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْقَذْفَ وَالشُّرْبَ يَدْخُلَانِ فِي حَدِّ الزِّنَا فَيُحَدُّ مِائَةً إذَا شَرِبَ وَزَنَى أَوْ قَذَفَ وَزَنَى. [قَوْلُهُ: وَهَذَا إذَا كَرَّرَ قَذْفَهُمْ] أَيْ قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ [قَوْلُهُ: وَمَنْ لَزِمَتْهُ] مَنْ شَرْطِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ وَشَرْطُهَا أَوْ صِلَتُهَا لَزِمَتْهُ حُدُودٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ سَبَبِهَا عَلَى الْقَتْلِ أَوْ تَأَخُّرِهِ [حَدّ الشُّرْب] [قَوْلُهُ: وَمَنْ شَرِبَ] الْمُرَادُ بِالشُّرْبِ وُصُولُهُ لِلْحَلْقِ مِنْ فَمٍ وَإِنْ رَدَّ قَبْلَ الْوُصُولِ لِجَوْفِهِ لَا مِنْ أَنْفٍ وَأُذُنٍ وَعَيْنٍ وَحُقْنَةٍ وَلَوْ إلَى الْجَوْفِ، وَلَوْ حَصَلَ الْإِسْكَارُ فِيهِ بِالْفِعْلِ وَإِنْ حَرُمَ وَدَخَلَ فِي الشُّرْبِ وَضْعُ إبْرَةٍ غَمَسَهَا فِي خَمْرٍ
[ ٢ / ٣٢٩ ]
[كيفية إقامة الحد]
ضَرُورَةٍ وَلَوْ جَهْلًا لِلْحَدِّ أَوْ الْحُرْمَةِ (خَمْرًا) وَهُوَ مَا عُصِرَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ لِيُحَلَّى (أَوْ) شَرِبَ (نَبِيذًا) وَهُوَ مَا يُجْعَلُ فِي الْمَاءِ مِنْ التَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ. ع قَوْلُهُ: (مُسْكِرًا) صِفَةٌ لِنَبِيذٍ لَا لِخَمْرٍ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ يُحَدُّ سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ (حُدَّ ثَمَانِينَ) جَلْدَةً بَعْدَ صَحْوَةٍ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إمَّا بِإِقْرَارٍ أَوْ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ أَوْ الشَّمِّ مِمَّنْ يَعْرِفُهَا قَالَهُ ع أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: (سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ) إشَارَةٌ إلَى الْمُخَالِفِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُحَدُّ فِي النَّبِيذِ إذَا سَكِرَ (وَلَا سِجْنَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَوْ النَّبِيذَ الْمُسْكِرَ، ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ سَجَنُوا فِيهِ. .
(فَرْعٌ) فِي أَكْلِ الْحَشِيشَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْحَدُّ وَالْأَدَبُ وَالْحَدُّ إنْ حُمِّصَتْ وَالْأَدَبُ إنْ لَمْ تُحَمَّصْ، وَكَذَلِكَ الثَّلَاثَةُ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى بِهَا. .
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ الْحَدِّ فَقَالَ: (وَيُجَرَّدُ الْمَحْدُودُ) الذَّكَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ (وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِمَّا يَقِيهَا) مِنْ (الضَّرْبِ) كَالْفَرْوِ لِتَتَأَلَّمَ بِالضَّرْبِ وَتَنْزَجِرَ عَنْ مِثْلِ مَا ارْتَكَبَتْهُ (وَيُحَدَّانِ قَاعِدَانِ) صَوَابُهُ قَاعِدَيْنِ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَوَجْهُ الرَّفْعِ بِأَنَّهُ خَبَرُ مُضْمِرٍ أَيْ وَهُمَا قَاعِدَانِ غَيْرَ مَرْبُوطَيْنِ، وَمَحَلُّ الضَّرْبِ الظَّهْرُ وَالْكَتِفَانِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَيُتَوَسَّطُ فِي الضَّرْبِ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا وَيُنْتَظَرُ لِلْحَدِّ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ، وَالضَّرْبُ يَكُونُ بِسَوْطٍ مِنْ جِلْدٍ
_________________
(١) [حاشية العدوي] عَلَى لِسَانِهِ وَابْتَلَعَ رِيقَهُ. وَقَوْلُهُ: مِنْ الْمُسْلِمِينَ احْتِرَازٌ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ ذِمِّيِّينَ أَوْ حَرْبِيِّينَ. وَقَوْلُهُ: الْمُكَلَّفِينَ احْتِرَازًا عَنْ غَيْرِهِمْ فَلَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا لَا حَدَّ عَلَى الْغَالِطِ. [قَوْلُهُ: مُخْتَارًا] أَيْ لَا مُكْرَهًا. وَقَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أُخْرِجَ بِهِ صَاحِبُ الْغُصَّةِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً. [قَوْلُهُ: وَلَوْ جَهْلًا لِلْحَدِّ أَوْ الْحُرْمَةِ] أَيْ كَقَرِيبِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُعْذَرْ هُنَا وَعُذِرَ فِي الزِّنَا حَيْثُ كَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَفَاسِدَ الشُّرْبِ لَمَّا كَانَتْ أَشَدَّ مِنْ مَفَاسِدِ الزِّنَا لِكَثْرَتِهَا لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَنَى وَسَرَقَ وَقَتَلَ كَانَ أَشَدَّ مِنْ الزِّنَا، وَلِأَنَّ الشُّرْبَ أَكْثَرُ وُقُوعًا مِنْ غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا عُصِرَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ لِيُحَلَّى] لَفْظَةُ لِيُحَلَّى لَيْسَتْ فِي التَّحْقِيقِ فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهَا، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: وَهُوَ مَا دَخَلَتْهُ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ الَّذِي لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ بِحَيْثُ صَارَ شَأْنُهُ الْإِسْكَارَ أَسْكَرَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: التَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ] أَيْ مَثَلًا لِيُدْخِلَ الْعَسَلَ وَغَيْرَهُ، أَيْ وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى يَحْلُوَ وَيَصِلَ إلَى حَدِّ الْإِسْكَارِ، وَنَبِيذٌ بِمَعْنَى مَنْبُوذٍ وَالْعِبَارَةُ عَلَى حَذْفِ أَيْ مَاءٍ مَنْبُوذٍ لِأَنَّ الْمَشْرُوبَ الْمَاءُ الْمَنْبُوذُ فِيهِ نَحْوُ التَّمْرِ لَا نَفْسُ الْمَنْبُوذِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ مُسْكِرًا مَعْنَاهُ شَأْنُهُ الْإِسْكَارُ أَسْكَرَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا [قَوْلُهُ: إمَّا بِإِقْرَارٍ] أَيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ صَحْوِهِ. [قَوْلُهُ: أَوْ الشَّمِّ مِمَّنْ يَعْرِفُهَا] وَكَذَا لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى الشُّرْبِ وَالْآخَرُ عَلَى الرَّائِحَةِ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِأَنَّ مَشْرُوبَهُ خَمْرٌ وَعَدْلَانِ أَنَّهُ عَسْلٌ مَثَلًا أَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّ رَائِحَةَ فَمِهِ خَمْرٌ وَآخَرَانِ رَائِحَتُهُ ثُومٌ مَثَلًا لِأَنَّ الْمُثْبِتَ يُقَدَّمُ عَلَى النَّافِي. [قَوْلُهُ: وَالْأَدَبُ] أَيْ لِأَنَّهَا مُخَدِّرَةٌ كَمَا فِي تت أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ. [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الثَّلَاثَةُ] الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: وَكَذَا ثَلَاثَةٌ أَيْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي الْبُطْلَانِ أَيْ: فَمَنْ يَقُولُ بِالْحَدِّ يَقُولُ بِالْبُطْلَانِ مُطْلَقًا، وَمَنْ يَقُولُ بِالْأَدَبِ يَقُولُ بِعَدَمِهِ مُطْلَقًا وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَمَنْ يُفَصِّلُ فِي الْحَدِّ يُفَصِّلُ فِي الْبُطْلَانِ [كَيْفِيَّة إقَامَة الْحَدّ] [قَوْلُهُ: وَيُجَرَّدُ] ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ. [قَوْلُهُ: وَلَا تُجَرَّدُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِمَّا يَقِيهَا] وَيُنْدَبُ أَنْ تُجْعَلَ فِي قُفَّةٍ وَيُجْعَلَ تَحْتَهَا شَيْءٌ مِنْ تُرَابٍ وَيُبَلَّ بِالْمَاءِ لِأَجْلِ السَّتْرِ. [قَوْلُهُ: قَاعِدَانِ] ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ. [قَوْلُهُ: غَيْرَ مَرْبُوطَيْنِ] أَيْ وَمِنْ غَيْرِ شَدِيدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ لَا يَقَعُ مَوْقِعَهُ فَيَجُوزُ شَدُّهُ، وَيَكُونُ الْمُتَوَلِّي لِلضَّرْبِ شَخْصًا مُتَوَسِّطًا لَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَلَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ. [قَوْلُهُ: الظَّهْرُ] هُوَ خِلَافُ الْبَطْنِ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ. وَقَوْلُهُ: وَالْكَتِفَانِ وَالظَّاهِرُ وَمَا بَيْنَهُمَا مِثْلُهُمَا. [قَوْلُهُ: وَيُنْتَظَرُ لِلْحَدِّ] الْأَوْلَى الْجَلْدِ. [قَوْلُهُ: وَالضَّرْبُ يَكُونُ
[ ٢ / ٣٣٠ ]
[حد السرقة]
لَيْسَ لَهُ رَأْسَانِ وَيَكُونُ رَأْسُهُ لَيِّنًا وَيَقْبِضُ عَلَيْهِ بِالْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ وَالْوُسْطَى وَلَا يَقْبِضُ عَلَيْهِ بِالسَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ، وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيُؤَخِّرُ الْيُسْرَى وَيُوَالِي بَيْنَ الضَّرْبِ وَلَا يُفَرِّقُ عَلَى الْأَيَّامِ إلَّا أَنْ يُخْشَى مِنْ تَوَالِيهِ هَلَاكُ الْمَحْدُودِ هَذَا فِي غَيْرِ الرَّجْمِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ حَدُّهُ الرَّجْمَ رُجِمَ سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالرَّجْمِ.
(وَلَا تُحَدُّ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ) وَتَجِدَ مَنْ يَقُومُ بِحَالِ الطِّفْلِ لِفِطَامِهِ لِحَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُحَدُّ (مَرِيضٌ مُثَقَّلٌ حَتَّى يَبْرَأَ) لِخَوْفِ التَّلَفِ إذَا جُلِدَ (وَلَا يُقْتَلُ وَاطِئُ الْبَهِيمَةِ) ج: لَوْلَا قَوْلُهُ: (وَلْيُعَاقَبْ) لَاحْتَمَلَ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الْبِكْرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يُحَدُّ وَاطِئُ الْبَهِيمَةِ وَلْيُعَاقَبْ لِارْتِكَابِهِ أَمْرًا مُحَرَّمًا لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَا رُوِيَ «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ» فَغَيْرُ ثَابِتٍ. .
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحُدُودِ فَقَالَ: (وَمَنْ سَرَقَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ الذُّكُورِ أَوْ الْإِنَاثِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] بِسَوْطٍ] وَلَا يُجْزِئُ قَضِيبٌ وَشِرَاكٌ وَلَا دِرَّةٌ، وَكَانَتْ دِرَّةُ عُمَرَ لِلْأَدَبِ. [قَوْلُهُ: مِنْ جِلْدٍ] زَادَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: مِنْ جِلْدٍ وَاحِدٍ. [قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ رَأْسَانِ] أَيْ لَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي يُضْرَبُ بِهَا رَأْسَانِ بَلْ رَأْسٌ وَاحِدٌ. [قَوْلُهُ: وَيَقْبِضُ عَلَيْهِ بِالْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ] أَيْ وَيَعْقِدُ عَلَيْهِ عَقْدَ التِّسْعِينَ وَصِفَةُ عَقْدِ التِّسْعِينَ أَنْ يَعْطِفَ السَّبَّابَةَ حَتَّى تَلْقَى الْكَفَّ وَيَضُمَّ الْإِبْهَامَ إلَيْهَا. [قَوْلُهُ: وَيُقَدِّمُ إلَخْ] هَذَا مُوجِبٌ لِقُوَّةِ الضَّرْبِ عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُفَرَّقُ عَلَى الْأَيَّامِ] قَضِيَّتُهُ أَنَّ مِنْ أَفْرَادِ الْمُوَالَاةِ مَا إذَا فَعَلَ بَعْضَهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَبَعْضَهُ الْآخَرَ فِي وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ. وَظَاهِرُهُ. أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ وَلَا يُفَرَّقُ عَلَى الْأَيَّامِ أَيْ مَثَلًا فَيَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ التَّفْرِقَةِ مَا إذَا فَعَلَ بَعْضَهُ فِي وَقْتٍ وَالْبَعْضَ الْآخَرَ فِي وَقْتٍ لِظَنِّ السَّلَامَةِ فِي ذَلِكَ دُونَ فِعْلِ الْجَمِيعِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَتَدَبَّرْ [قَوْلُهُ: وَلَا تُحَدُّ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ] لِئَلَّا يَسْرِيَ إلَى مَا فِي بَطْنِهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ زِنًا وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهَا الْحَمْلَ بَلْ يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ فَإِنْ شَكَكْنَ فِي حَمْلِهَا أُخِّرَتْ لِتَمَامِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ وَطِئَهَا، وَهَذَا إذَا مَضَى لِزِنَاهَا نَحْوُ الْأَرْبَعِينَ وَإِلَّا جَازَ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا لِانْتِفَاءِ حُرْمَةِ الْحَمْلِ حِينَئِذٍ، وَهَذَا فِي غَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ الْمُسْتَرْسِلِ عَلَى وَطْئِهَا وَإِلَّا أُخِّرَتْ لِحَيْضَةٍ. [قَوْلُهُ: وَتُحَدُّ إلَخْ] أَيْ يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ عَقِبَ الْوَضْعِ إنْ وَجَدَتْ مَنْ يَقُومُ بِالطِّفْلِ، هَذَا إذَا كَانَ حَدُّهَا الرَّجْمَ وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَدُّهَا الْجَلْدَ أُخِّرَتْ حَتَّى تُتِمَّ نِفَاسَهَا وَتَجِدَ مَنْ يُرْضِعُ وَلَدَهَا. [قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ إلَخْ] أَيْ حَيْثُ «جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَتْ لَهُ: طَهِّرْنِي. فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي فَلَمَّا وَضَعَتْ أَتَتْ إلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي حَتَّى تَفْطِمِيهِ أَوْ حَتَّى تُرْضِعِيهِ. فَلَمَّا أَرْضَعَتْهُ أَتَتْ إلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي حَتَّى تَسْتَوْدِعِيهِ. فَلَمَّا اسْتَوْدَعَتْهُ أَتَتْ فَرَجَمَهَا» اهـ وَاسْمُهَا سُمَيَّةُ أَوْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ فَرَجٍ. [قَوْلُهُ: مُثَقَّلٌ] بِفَتْحِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ اشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى يَبْرَأَ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَلَفِ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُنْتَظَرَ بِالْجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَدُّهُ الْقَتْلَ وَلَوْ بِالرَّجْمِ فَلَا يُنْتَظَرُ. [قَوْلُهُ: وَلْيُعَاقَبْ إلَخْ] أَيْ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَالْبَهِيمَةُ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبِلِ ذَبْحًا وَأَكْلًا. [قَوْلُهُ: فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَخْ] أَيْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَلْيُعَاقَبْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُقْتَلُ أَنَّهُ لَا حَدَّ. وَقَوْلُهُ: لِارْتِكَابِهِ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَلْيُعَاقَبْ. وَقَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَلَا يُحَدُّ وَاطِئُ فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ الْمُرَادُ لَا حَدَّ عَلَى وَاطِئِ الْبَهِيمَةِ فَلِمَ عَدَلَ عَنْ صَرِيحِ اللَّفْظِ قُلْت: إشَارَةً إلَى أَنَّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَتْلِ غَيْرُ صَوَابٍ. [قَوْلُهُ: فَغَيْرُ ثَابِتٍ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ فَقَالَ: وَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ [حَدّ السَّرِقَة] [قَوْلُهُ: وَمَنْ سَرَقَ بِفَتْحِ الرَّاءِ] أَيْ فِي الْمَاضِي وَمَكْسُورُهَا فِي الْمُضَارِعِ، تت: وَعَرَّفَ ابْنُ عَرَفَةَ السَّرِقَةَ بِقَوْلِهِ: أَخْذُ مُكَلَّفٍ حُرًّا لَا يَعْقِلُ لِصِغَرِهِ أَوْ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيْرِهِ نِصَابًا أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ بِقَصْدٍ وَاحِدٍ خُفْيَةً لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ فَلَا قَطْعَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ يَقْصِدْ أَخْذَ النِّصَابِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَأَخْرَجَ النِّصَابَ عَلَى مَرَّاتٍ وَلَا عَلَى أَبٍ أَخَذَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ قَدْرَ نِصَابٍ. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: خِفْيَةً عَمَّا لَوْ خَرَجَ جِهَارًا فَهَذَا يُسَمَّى مُخْتَلِسًا.
[ ٢ / ٣٣١ ]
الْأَحْرَارِ أَوْ الْأَرِقَّاءِ مُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ (رُبْعَ دِينَارٍ ذَهَبًا) وَلَا الْتِفَاتَ إلَى قِيمَتِهِ (أَوْ) سَرَقَ (مَا قِيمَتُهُ يَوْمَ السَّرِقَةِ) لَا يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَى الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ ارْتَفَعَ السِّعْرُ يَوْمَ الْحُكْمِ أَوْ انْخَفَضَ (ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ) سَرَقَ (وَزْنَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فِضَّةً) خَالِصَةً وَلَا الْتِفَاتَ إلَى كَوْنِهَا تُسَاوِي رُبْعَ دِينَارٍ (قُطِعَ) وَالْأَصِيلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - ﷺ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» .
وَفِي الْمُوَطَّأِ «أَنَّهُ - ﵊ - قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ»، وَلِلْقَطْعِ شُرُوطٌ فِي السَّارِقِ وَالْمَسْرُوقِ فُهِمَ بَعْضُهَا مِمَّا تَقَدَّمَ فَاَلَّتِي فِي السَّارِقِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، بَالِغًا، غَيْرَ مِلْكٍ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ، لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ، غَيْرَ مُضْطَرٍّ لِلسَّرِقَةِ، وَاَلَّتِي فِي الْمَسْرُوقِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّارِقَ مَنْ يَدْخُلُ خُفْيَةً وَيَخْرُجُ كَذَلِكَ، وَالْمُخْتَلِسُ مَنْ يَدْخُلُ خُفْيَةً وَيَخْرُجُ جَهْرَةً، وَالْخَائِنُ مَنْ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ جَهْرَةً وَمَعَهُ إذْنٌ. [قَوْلُهُ: وَلَا الْتِفَاتَ إلَى قِيمَتِهِ] أَيْ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى كَوْنِهِ يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ [قَوْلُهُ: أَوْ سَرَقَ مَا قِيمَتُهُ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا تَقْوِيمَ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ سَوَاءٌ سَاوَتْ الثَّلَاثَةُ دَرَاهِمَ الرُّبْعَ دِينَارٍ أَوْ نَقَصَتْ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِذَا لَوْ سَاوَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ رُبْعَ دِينَارٍ وَلَمْ تُسَاوِ الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ لَمْ يُقْطَعْ وَهَذَا حَيْثُ وُجِدَتْ الدَّرَاهِمُ فِي بَلَدِ السَّرِقَةِ وَإِنْ لَمْ يُتَعَامَلْ بِهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِ السَّرِقَةِ إلَّا الذَّهَبُ فَالتَّقْوِيمُ بِالذَّهَبِ. وَقَوْلُهُ: يَوْمَ السَّرِقَةِ أَيْ مَا يُسَاوِي الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ لَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ نَقَصَتْ وَقْتَهُ كَذَبْحِ شَاةٍ بِحِرْزٍ أَوْ خَرْقِ ثَوْبٍ بِحِرْزِهِ فَنَقَصَ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ لَمْ يُقْطَعْ كَأَنْ لَمْ يُسَاوِهَا إلَّا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ كَطُرُوِّ غُلُوٍّ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: يَوْمَ السَّرِقَةِ وَمُقَابِلُهُ يَعْتَبِرُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ. وَإِنَّمَا كَانَ الْمَذْهَبُ مَا قَالَ لِأَنَّهُ وَقْتَ تَعَلُّقِهَا بِالذِّمَّةِ. [قَوْلُهُ: وَزْنَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ] فِي التَّحْقِيقِ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ أَنَّ دِينَارَ السَّرِقَةِ وَالنِّكَاحِ وَالدِّيَةِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَدِينَارُ الْجِزْيَةِ وَالزَّكَاةِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. [قَوْلُهُ: خَالِصَةً] احْتِرَازًا مِنْ الْمَغْشُوشِ بِالنُّحَاسِ فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ ذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ نُحَاسًا تَافِهًا لَا قَدْرَ لَهُ. تَحْقِيقٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْخُلُوصُ مِنْ الْغِشِّ وَلَوْ كَانَتْ رَدِيئَةَ الْمَعْدِنِ كَمَا قَالَهُ اللَّقَانِيُّ، وَإِنَّمَا تَرَكَ الْمُؤَلِّفُ قَيْدَ الْخُلُوصِ فِي الرُّبْعِ دِينَارٍ نَظَرًا لِلْغَالِبِ إذْ الْغَالِبُ خُلُوصُهُ مِنْ الْغِشِّ وَلَا بُدَّ مِنْ الْخُلُوصِ فِيهِ أَيْضًا. [قَوْلُهُ: فِي مِجَنٍّ] الْمِجَنُّ هُوَ التُّرْسُ لِأَنَّهُ يُوَارِي حَامِلَهُ أَيْ يَسْتُرُهُ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ وَيُجْمَعُ عَلَى مَجَانَّ، وَإِنَّمَا كَانَتْ زَائِدَةً لِأَنَّهُ مِنْ الْجُنَّةِ وَالسُّتْرَةِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا] فَلَا قَطْعَ عَلَى غَيْرِ بَالِغٍ وَلَا عَلَى مَجْنُونٍ مُطْبِقٍ، وَكَذَا إنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانَا وَسَرَقَ فِي حَالِ جُنُونِهِ وَإِلَّا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ إذَا أَفَاقَ كَمَا أَنَّ السَّكْرَانَ بِحَرَامٍ يُقْطَعُ بَعْدَ صَحْوِهِ سَرَقَ حَالَ سُكْرِهِ أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنْ قُطِعَ قَبْلَ صَحْوِهِ اُكْتُفِيَ بِهِ وَكَذَا الْمَجْنُونُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ حَرَامٍ فَكَالْمَجْنُونِ الَّذِي سَرَقَ حَالَ جُنُونِهِ، وَاسْتَظْهَرَ حَمْلَهُ عَلَى أَنَّهُ بِحَرَامٍ حَيْثُ شَكَّ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَالَتُهُ ظَاهِرَةً فِي خِلَافِ ذَلِكَ، وَانْظُرْ إذَا شَكَّ فِي سَرِقَةِ الْمَجْنُونِ الَّذِي يُفِيقُ أَحْيَانَا هَلْ هِيَ فِي حَالِ جُنُونِهِ أَوْ إفَاقَتِهِ. وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَوَّلِ لِحَدِيثِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» . وَلَا بُدَّ أَنْ يُزَادَ مُخْتَارًا لِيَخْرُجَ الْمُكْرَهُ وَيَكُونَ الْإِكْرَاهُ بِخَوْفِ الْقَتْلِ، وَاسْتُظْهِرَ أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ كَمَالِ الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ فَيَكُونُ بِالْقَتْلِ وَبِغَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: غَيْرَ مِلْكٍ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ] أَيْ لَا يَكُونُ السَّارِقُ عَبْدًا لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَبْدًا لَهُ فَلَا يُقْطَعُ ذَلِكَ الْعَبْدُ. [قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ] احْتِرَازًا مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ إذَا سَرَقَا أَيْ مِنْ مَالِ وَلَدِهِمَا فَإِنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا، وَمِثْلُهُمَا الْجَدُّ وَلَوْ لِأُمٍّ وَلَوْ كَانَ فَرْعُهُ عَبْدًا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَا بِيَدِهِ حَتَّى يَنْتَزِعَهُ السَّيِّدُ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» . أَمَّا الِابْنُ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ لِضَعْفِ الشُّبْهَةِ. [قَوْلُهُ: غَيْرَ مُضْطَرٍّ لِلسَّرِقَةِ] احْتِرَازًا عَمَّنْ سَرَقَ لِجُوعٍ أَصَابَهُ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ] احْتِرَازًا عَمَّا إذَا سَرَقَ حِمَارًا مَثَلًا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَيْ انْتِفَاعًا شَرْعِيًّا فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ طَيْرًا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ لِأَجْلِ إجَابَتِهِ مِثْلُ الْبَلَابِلِ وَالْعَصَافِيرِ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ، نَعَمْ إنْ كَانَ لَحْمُهُ يُسَاوِي بَعْدَ ذَبْحِهِ نِصَابًا فَإِنَّهُ يُقْطَعُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْحَمَامُ
[ ٢ / ٣٣٢ ]
نِصَابًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ مِلْكًا تَامًّا مُحْتَرَمًا أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إذَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ) وَهُوَ مَا لَا يُعَدُّ الْوَاضِعُ فِيهِ مُضَيِّعًا عُرْفًا احْتِرَازًا مِنْ السَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ الْحِرْزِ أَوْ فِي الْحِرْزِ، وَنَقَلَهُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان اسْتِسْرَارًا احْتِرَازًا عَمَّنْ أَخَذَ اخْتِلَاسًا أَوْ مُكَابَرَةً فَلَا يُقْطَعُ فِي هَذِهِ الْمُحْتَرِزَاتِ كُلِّهَا، وَقَدْ أَشَارَ إلَى مُحْتَرَزِ الشَّرْطِ الْأَخِيرِ مِنْهَا
_________________
(١) [حاشية العدوي] يَقْصِدُ لِيَأْتِيَ بِالْأَخْبَارِ لَا اللَّعِبِ فَهِيَ مَنْفَعَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَيَقُومُ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْهُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَبْلُغُهُ وَتَبْلُغُ الْمُكَاتَبَةُ إلَيْهِ. [قَوْلُهُ: نِصَابًا] أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَ أَخْذَ جَمِيعِ النِّصَابِ وَلَوْ عَلَى مَرَّاتٍ، فَمَنْ قَصَدَ ابْتِدَاءً أَنْ يُخْرِجَ النِّصَابَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَخْرَجَهُ عَلَى مَرَّاتٍ فَيُقْطَعُ، فَلَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا عَلَى مَرَّاتٍ فِي لَيْلَةٍ أَوْ لَيَالٍ وَلَمْ يَقْصِدْ ابْتِدَاءً سَرِقَتَهُ كُلِّهِ فَإِنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَيُعْلَمُ قَصْدُهُ كُلُّهُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِقَرِينَةٍ كَإِخْرَاجِهِ دُونَ نِصَابٍ مِمَّا وَجَدَهُ مُجْتَمَعًا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مِنْ قَمْحٍ أَوْ مَتَاعٍ ثُمَّ يَرْجِعُ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ فَيُخْرِجُ تَمَامَ النِّصَابِ فَيُحْمَلُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ إخْرَاجَ مَا أَخْرَجَهُ فِي مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ قَصْدًا وَاحِدًا، وَسَوَاءٌ كَانَ حِينَ أَخْرَجَ مَا أَخْرَجَهُ أَوَّلًا لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى إخْرَاجِ مَا أَخْرَجَهُ فَقَطْ أَوْ يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِ نِصَابٍ كَامِلٍ. [قَوْلُهُ: مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ سَرَقَ مِلْكَهُ الْمَرْهُونَ أَوْ الْمُسْتَأْجَرَ فَلَا قَطْعَ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَالْفَرْضُ أَنَّ مَعَهُ بَيِّنَةٌ بِالرَّهِينَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَإِلَّا قُطِعَ كَمَا أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ وَإِذَا مَلَكَ الشَّيْءَ الْمَسْرُوقَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ الْحِرْزِ بِأَنْ وَرِثَهُ مَثَلًا لَا إنْ مَلَكَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْحِرْزِ فَيُقْطَعُ. وَيَشْمَلُ قَوْلُهُ: مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ السَّارِقَ مِنْ سَارِقٍ فَيَقْطَعَانِ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ سَرَقَهُ ثَالِثٌ وَهَكَذَا وَيَشْمَلُ السَّرِقَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ بَابِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لِلْوَاقِفِ. [قَوْلُهُ: مِلْكًا تَامًّا] وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ مِلْكًا غَيْرَ تَامٍّ كَالشَّرِيكِ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ فَلَا قَطْعَ حِينَئِذٍ عَلَى مَا نُفَصِّلُهُ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ شَرِكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ يُقْطَعُ بِوُجُودِ شَرْطَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَحْجُبَ السَّارِقَ عَنْ مَالِ الشَّرِكَةِ أَيْ لَيْسَ لَهُ فِيهِ تَصَرُّفٌ. الثَّانِي: أَنْ يَسْرِقَ فَوْقَ حَقِّهِ نِصَابًا مِنْ جَمِيعِ مَالِ الشَّرِكَةِ مَا سَرَقَ وَمَا لَمْ يَسْرِقْ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا كَمَا إذَا كَانَ جُمْلَةُ الْمَالِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَسَرَقَ مِنْهُ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ. وَأَمَّا إنْ كَانَ مُقَوَّمًا كَشَرِكَةٍ فِي عُرُوضٍ مُخْتَلِفَةِ الْقِيمَةِ كَكُتُبٍ مُخْتَلِفَةٍ جُمْلَتُهَا تُسَاوِي اثْنَيْ عَشَرَ فَسَرَقَ كِتَابًا مُعَيَّنًا يُسَاوِي سِتَّةً فَيُقْطَعُ لِأَنَّ حَقَّهُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ فَقَطْ فَقَدْ سَرَقَ فَوْقَ حَقِّهِ مِنْهُ نِصَابًا، فَإِنْ سَرَقَ دُونَهُ لَمْ يُقْطَعْ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُقَوَّمِ وَالْمِثْلِيِّ أَنَّ الْمُقَوَّمَ لَمَّا كَانَ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ حَظِّهِ مِنْهُ إلَّا بِرِضَا صَاحِبِهِ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِي الْمُقَوَّمِ كَانَ مَا سَرَقَهُ بَعْضُهُ حَظُّهُ وَبَعْضُهُ حَظُّ صَاحِبِهِ، وَمَا بَقِيَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا الْمِثْلِيُّ فَلَمَّا كَانَ لَهُ أَخَذُ حَظِّهِ مِنْهُ وَإِنْ أَبَى صَاحِبُهُ فَقَدَّمَ اخْتِلَافَ الْأَغْرَاضِ فِيهِ، غَالِبًا فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ مِمَّا هُوَ قَدْرُ حَظِّهِ أَوْ أَكْثَرُ بِدُونِ نِصَابٍ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ، وَمَا بَقِيَ كَذَلِكَ. [قَوْلُهُ: مُحْتَرَمًا إلَخْ] أَيْ بِأَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ لَا إنْ سَرَقَ خَمْرًا أَوْ طُنْبُورًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ وَلَوْ لِذِمِّيٍّ سَرَقَهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ إلَّا أَنَّ الْخَمْرَ يَقْضِي عَلَيْهَا بِقِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ لِذِمِّيٍّ لَا لِمُسْلِمٍ حَيْثُ أَتْلَفَهَا السَّارِقُ وَإِلَّا رُدَّتْ بِعَيْنِهَا لَهُ لَا إنْ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ لِوُجُوبِ إرَاقَتِهَا إلَّا أَنْ يُسَاوِيَ خَشَبُ الطُّنْبُورِ بَعْدَ كَسْرِهِ بِالْفِعْلِ فَلَا يُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِتَقْدِيرِ كَسْرِهِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ ثُمَّ إنَّ وِعَاءَ الْخَمْرِ إذَا كَانَتْ تُسَاوَيْ نِصَابًا بَعْدَ تَفْرِيغِهِ هَلْ يُقْطَعُ؟ قُلْت: هُوَ الظَّاهِرُ وَكَذَا لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ كَلْبًا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ أَمْ لَا مُعَلَّمًا أَمْ لَا، وَلَوْ سَاوَى لِتَعْلِيمِهِ نِصَابًا لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ. [قَوْلُهُ: إذَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ] أَيْ بِأَنْ أَخْرَجَ مِنْ الْحِرْزِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ هُوَ وَسَوَاءٌ بَقِيَ النِّصَابُ خَارِجَ الْحِرْزِ أَوْ تَلِفَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا لَا يُعَدُّ الْوَاضِعُ فِيهِ مُضَيِّعًا] أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ شَرْعِيٌّ، وَحِرْزُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ فَالْحِرْزُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَمْوَالِ، فَرُبَّ مَكَان يَكُونُ حِرْزًا بِالنِّسْبَةِ إلَى شَخْصٍ وَغَيْرَ حِرْزٍ بِالنِّسْبَةِ لِآخَرَ، أَوْ يَكُونُ حِرْزًا بِالنِّسْبَةِ لِمَتَاعٍ وَلَا يَكُونُ حِرْزًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَتَاعٍ آخَرَ. [قَوْلُهُ: أَوْ مُكَابَرَةً] الْمُكَابِرُ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ مُحَارَبَةٍ وَهُوَ الْغَاصِبُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَابَرَ بَعْدَ ثُبُوتِ أَخْذِ مِلْكِ الْغَيْرِ لِأَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ
[ ٢ / ٣٣٣ ]
بِقَوْلِهِ: (وَلَا قَطْعَ فِي الْخُلْسَةِ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِ ظَاهِرًا غَفْلَةً. .
وَقَوْلُهُ: (وَيُقْطَعُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي السَّرِقَةِ أَيْ سَرِقَةِ مَا ذُكِرَ (يَدُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَمَنْ سَرَقَ فَإِنَّ " مَنْ " عَامٌّ وَالْقَطْعُ الْمَذْكُورُ يَكُونُ أَوَّلًا فِي يَدِهِ الْيُمْنَى (ثُمَّ إنْ سَرَقَ) ثَانِيًا بَعْدَ أَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى (قُطِعَتْ رِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ) وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْيُسْرَى (ثُمَّ إنْ سَرَقَ) ثَالِثًا (فَ) تُقْطَعُ (يَدُهُ) الْيُسْرَى (ثُمَّ إنْ سَرَقَ) رَابِعًا (فَ) تُقْطَعُ (رِجْلُهُ) الْيُمْنَى، وَهَذَا التَّرْتِيبُ إذَا كَانَتْ الْيُمْنَى مَوْجُودَةً سَلِيمَةً وَلَمْ يَكُنْ أَعْسَرَ، فَإِنْ كَانَ أَعْسَرَ تُقْطَعُ الشِّمَالُ دُونَ الْيُمْنَى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ يُمْنَى أَوْ كَانَتْ شَلَّاءَ أَوْ نَاقِصَةً أَكْثَرَ الْأَصَابِعِ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى قَطْعِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى، وَمَوْضِعُ الْقَطْعِ فِي الْيَدَيْنِ مِنْ الْكُوعِ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ مِنْ مِفْصَلِ الْكَعْبَيْنِ (ثُمَّ إنْ سَرَقَ) فِي الْخَامِسَةِ (جُلِدَ وَسُجِنَ) . .
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَثْبُتُ بِهِ الْقَطْعُ فَقَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ قُطِعَ) مَا لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا وَيَكْفِي فِي الْإِقْرَارِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ (وَإِنْ رَجَعَ) عَنْ إقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ لِشُبْهَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (أُقِيلَ) مِنْ الْقَطْعِ (وَغَرِمَ السَّرِقَةَ) أَيْ قِيمَتَهَا (إنْ كَانَتْ) الْقِيمَةُ (مَعَهُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ الْقِيمَةُ (اُتُّبِعَ بِهَا) وَلَمَّا قَيَّدَ الْقَطْعَ بِالسَّرِقَةِ مِنْ الْحِرْزِ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ.
فَقَالَ: (وَمَنْ أَخَذَ فِي الْحِرْزِ لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يُخْرِجَ السَّرِقَةَ) الَّتِي بَلَغَتْ نِصَابًا (مِنْ الْحِرْزِ) سَوَاءٌ كَانَ الْإِخْرَاجُ بِنَفْسِهِ أَوْ رَمَاهُ إلَى خَارِجٍ أَوْ أَخْرَجَهُ عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ أَوْ كَانُوا جَمَاعَةً فَرَفَعُوهُ عَلَى رَأْسِ أَحَدِهِمْ أَوْ ظَهْرِهِ فَخَرَجَ بِهِ وَبَقُوا هُمْ فِي الْحِرْزِ وَأَخْرَجُوا مَعَهُ فَفِي كُلِّ ذَلِكَ الْقَطْعُ أَمَّا إذَا لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ الْحِرْزِ أَوْ أَتْلَفَهَا فِيهِ ثُمَّ
_________________
(١) [حاشية العدوي] الْقَطْعُ وَلَا عِبْرَةَ بِمُكَابَرَتِهِ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرًا] أَيْ أَخْذًا ظَاهِرًا لَا خُفْيَةً. [قَوْلُهُ: الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ] أَيْ الْمُكَلَّفُونَ، وَيُقْطَعُ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْمُعَاهَدُ وَإِنْ لِمِثْلِهِمْ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ أَعْسَرَ] تَبِعَ اللَّخْمِيَّ وَظَاهِرَ خَلِيلٍ وَالْجَلَّابَ وَابْنَ الْحَاجِبِ وَالْإِرْشَادَ وَغَيْرَهُمْ وَلَوْ أَعْسَرَ، وَأَمَّا الْأَضْبَطُ فَتُقْطَعُ يُمْنَاهُ اتِّفَاقًا. [قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ شَلَّاءَ] أَيْ فَاسِدَةً. وَقَوْلُهُ: أَوْ نَاقِصَةً أَكْثَرَ الْأَصَابِعِ ثَلَاثَةً لِلْيُمْنَى قَبْلَ الْحُكْمِ بِقَطْعِهَا لَا أُصْبُعَيْنِ وَأُنْمُلَتَيْنِ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى قَطْعِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى] فَإِنْ سَرَقَ مَرَّةً ثَانِيَةً قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُمْنَى. [قَوْلُهُ: وَمَوْضِعُ الْقَطْعِ فِي الْيَدَيْنِ مِنْ الْكُوعِ] وَإِذَا قُطِعَ فَإِنَّهُ يُحْسَمُ بِالنَّارِ أَيْ يُكْوَى مَوْضِعُ الْقَطْعِ لِيَنْقَطِعَ جَرَيَانُ الدَّمِ بِحَرْقِ أَفْوَاهِ الْعُرُوقِ لِأَنَّ دَوَامَ جَرْيِهِ يُؤَدِّي إلَى مَوْتِ الْمَقْطُوعِ فَيُغْلَى الزَّيْتُ عَلَى النَّارِ ثُمَّ تُجْعَلُ الْيَدُ فِيهِ، وَالْحَسْمُ مِنْ حَقِّ الْمَقْطُوعِ لَا مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ. وَاسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ أَنَّ حُكْمَ الْحَسْمِ الْوُجُوبُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْحَاكِمِ وَالْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ سَرَقَ فِي الْخَامِسَةِ] أَيْ سَالِمُ الْأَعْضَاءِ أَوْ النَّاقِصُ الْيُمْنَى مَرَّةً رَابِعَةً [قَوْلُهُ: جُلِدَ وَسُجِنَ] وَلَعَلَّ الْحَبْسَ لِظُهُورِ تَوْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ وَنَفَقَتُهُ وَأُجْرَةُ حَبْسِهِ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ. [قَوْلُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا] أَيْ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ عَيَّنَ السَّرِقَةَ أَوْ أَخْرَجَ الْقَتِيلَ اُنْظُرْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ. [قَوْلُهُ: لِشُبْهَةٍ أَوْ غَيْرِهَا] مِثَالُ الشُّبْهَةِ أَنْ يَقُولَ: أَخَذْت مَالِي الْمُودَعَ وَظَنَنْت ذَلِكَ سَرِقَةً، وَمِثَالُ غَيْرِ الشُّبْهَةِ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا أَنَا كَذَبْت فِي إقْرَارِي. [قَوْلُهُ: أُقِيلَ] أَيْ تُرِكَ. [قَوْلُهُ: أَيْ قِيمَتُهَا إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا الْقِيمَةَ لِأَنَّ الْغُرْمَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْفَائِتِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْغُرْمُ دُونَ الْقَطْعِ لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْغُرْمُ حَقُّ الْآدَمِيِّ فَلَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى شُبْهَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغُرْمِ انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّرِقَةَ إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ وَلَيْسَ لِلسَّارِقِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ قَهْرًا عَلَى رَبِّهِ وَيَدْفَعُ لَهُ الْقِيمَةَ وَلَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قُطِعَ أَوْ لَا. [قَوْلُهُ: حَتَّى يُخْرِجَ السَّرِقَةَ] وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ هُوَ أَوْ ابْتَلَعَ دُرًّا. [قَوْلُهُ: فَفِي كُلِّ ذَلِكَ الْقَطْعُ] أَيْ يُقْطَعُونَ جَمِيعًا إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهِ إلَّا بِرَفْعِهِمْ، وَإِذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ فَلَا يُقْطَعُ إلَّا هُوَ وَحْدَهُ. وَأَمَّا إذَا اشْتَرَكَا فِي حَمْلِ نِصَابٍ فَأَخْرَجَاهُ فَإِنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ
[ ٢ / ٣٣٤ ]
أَخْرَجَهَا فَلَا قَطْعَ (وَكَذَلِكَ الْكَفَنُ) لَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ (مِنْ الْقَبْرِ) إذَا سَاوَى رُبْعَ دِينَارٍ.
(وَمَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتٍ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهِ لَمْ يُقْطَعْ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَارِقٍ وَإِنَّمَا هُوَ خَائِنٌ وَالْخَائِنُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مُنْتَهِبٍ وَلَا خَائِنٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» . .
فَرْعٌ: لَوْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ مِنْ مَوْضِعٍ حُجِرَ عَلَيْهِ قُطِعَ، أَمَّا إنْ كَانَ مِنْ مَوْضِعٍ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُقْطَعُ الْمُخْتَلِسُ) تَكْرَارٌ وَهُوَ سَاقِطٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ.
(وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ فِيمَا يَلْزَمُهُ فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قَطْعٍ يَلْزَمُهُ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ أَنْ يُوقِعَ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا (وَ) أَمَّا إقْرَارُهُ فِي (مَا كَانَ فِي رَقَبَتِهِ) أَيْ فِيمَا يَجِبُ أَخْذُهُ فِيهِ (فَلَا إقْرَارَ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِحُبِّ انْتِقَالِهِ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ
(وَلَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ) بِمُثَلَّثَةٍ (مُعَلَّقٍ) عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَقِلُّ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ دُونَ صَاحِبِهِ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَنُوبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ فَإِذَا لَمْ يَسْتَقِلَّ أَحَدُهُمَا بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ فَعَلَيْهِمَا الْقَطْعُ وَلَوْ لَمْ يَنُبْ كُلَّ وَاحِدٍ نِصَابٌ أَوْ نَابَ كُلَّ وَاحِدٍ نِصَابٌ وَلَوْ اسْتَقَلَّ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ نَابَ كُلًّا نِصَابٌ فَالْقَطْعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَإِلَّا فَإِنْ اسْتَقَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ فَلَا قَطْعَ وَإِلَّا فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ خَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَامِلًا لِشَيْءٍ دُونَ الْآخَرِ وَهُمْ شُرَكَاءُ فِيمَا أَخْرَجُوهُ لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ أَخْرَجَ مَا فِيهِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. [قَوْلُهُ: حَتَّى يُخْرِجَهُ] فَإِنْ أَخْرَجَهُ قُطِعَ لِأَنَّهُ حِرْزٌ لِمَا هُوَ فِيهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَبْرُ قَرِيبًا مِنْ الْعُمْرَانِ أَمْ لَا وَإِنَّمَا قُطِعَ لِأَنَّ النَّبَّاشَ سَارِقٌ وَكُلُّ سَارِقٍ تُقْطَعُ يَدُهُ، وَكَذَا تُقْطَعُ يَدُ مَنْ سَرَقَ كَفَنَ الْمَيِّتِ الْمَرْمِيِّ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّ الْبَحْرَ حِينَئِذٍ صَارَ حِرْزًا لَهُ، وَسَوَاءٌ رُمِيَ بِالْبَحْرِ مَثَلًا أَمْ لَا وَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَا عَلَى الْغَرِيقِ مِنْ الْحَوَائِجِ، وَشَرْطُ الْكَفَنِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَادًا وَلَوْ مَنْدُوبًا، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَا قَطْعَ وَمِثْلُ سَرِقَةِ الْكَفَنِ سَرِقَةُ نَفْسِ اللَّحْدِ لَا مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ رُخَامٍ وَنَحْوِهِ [قَوْلُهُ: مِنْ بَيْتٍ] لَا خُصُوصِيَّةَ لِقَوْلِهِ: بَيْتٍ فَلَوْ أَذِنَ تَاجِرٌ لِمَنْ يَدْخُلُ حَانُوتَهُ يُقَلِّبُ مِنْهُ شَيْئًا يَشْتَرِيهِ فَاخْتَلَسَ مِنْهُ شَيْئًا فَلَا قَطْعَ. [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هُوَ خَائِنٌ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ مَوْضِعٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِي دُخُولِهِ كَالشَّخْصِ يُضَيِّفُ الضَّيْفَ فَيُدْخِلُهُ دَارِهِ أَوْ يَبْعَثُ الشَّخْصَ إلَى دَارِهِ لِيَأْتِيَهُ مِنْ بَعْضِ بُيُوتِهَا بِشَيْءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَسْرِقُ مِنْ مَوْضِعٍ مُغْلَقٍ قَدْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ لِأَنَّهُ خَائِنٌ لَا سَارِقٌ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الشُّرَكَاءِ بِأَنَّ الدَّاخِلَ فِيهَا لَيْسَ بِإِذْنِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بَلْ لِمَا لَهُ مِنْ الشَّرِكَةِ بِخِلَافِ الضَّيْفِ. [قَوْلُهُ: لَيْسَ عَلَى مُنْتَهِبٍ] قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْرِيرِ: الْمُنْتَهِبُ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ عِيَانًا مُتَعَمِّدًا قُوَّةً وَغَلَبَةً وَالْمُخْتَلِسُ مَنْ يَخْطَفُ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ، وَيَتَعَمَّدُ الْهَرَبَ مَعَ مُعَايَنَةِ الْمَالِكِ وَالسَّارِقِ مَنْ يَأْخُذُ خُفْيَةً وَالْخَائِنُ مَنْ يَخُونُ فِي وَدِيعَةٍ وَنَحْوِهَا بِأَخْذِ بَعْضِهَا وَالْجَاحِدُ مَنْ يُنْكِرُهَا [قَوْلُهُ: لَوْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ مِنْ مَوْضِعٍ حُجِرَ عَلَيْهِ] أَنْ يَدْخُلَهُ أَوْ يَفْتَحُهُ فَلَا يُعْتَبَرُ الْحَجْرُ بِالْكَلَامِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْغَلْقِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الضَّيْفِ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ قَصَدَ الْحَجْرَ عَنْهُ بِالْخُصُوصِ وَمَا قُصِدَ بِالْخُصُوصِ أَشَدُّ مِمَّا قُصِدَ بِالْعُمُومِ بِخِلَافِ الضَّيْفِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْحَجْرَ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ، وَحُكْمُ أَمَةِ الزَّوْجَةِ حُكْمُهَا فِي السَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ، وَحُكْمُ عَبْدِ الزَّوْجِ حُكْمُهُ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ. [قَوْلُهُ: مِنْ حَدٍّ أَوْ قَطْعٍ] أَيْ أَوْ قَتْلٍ أَيْ كَإِقْرَارِهِ بِشُرْبٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ زِنًا، أَيْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ فِي جَسَدِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ كَمَا فِي تت. وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ وَالْمَالُ لِلسَّيِّدِ دُونَ الْمُقِرِّ لَهُ كَذَا فِي تت. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا إقْرَارُهُ فِيمَا كَانَ فِي رَقَبَتِهِ] كَمَا إذَا أَقَرَّ بِقَطْعِهِ يَدَ حُرٍّ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ كَالْقِنِّ [قَوْلُهُ: فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ] أَيْ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ هَذَا فِي الْمُعَلَّقِ فِي الْبُسْتَانِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الثَّمَرِ فِي الدُّورِ أَوْ الْبُيُوتِ فَإِنَّ سَارِقَهُ يُقْطَعُ لِأَنَّهُ مِنْ حِرْزٍ. قُلْنَا: مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ قُطِعَ وَعُلِّقَ عَلَى الشَّجَرِ فَهَذَا لَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ وَلَوْ بِعَلَقِ، وَلَوْ قُطِعَ وَوُضِعَ فِي الْمَحَلِّ الْمُعْتَادِ وَضْعُهُ فِيهِ قَبْلَ الْجَرِينِ قِيلَ بِعَدَمِ الْقَطْعِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ بِهِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إنْ كُدِّسَ يُقْطَعُ
[ ٢ / ٣٣٥ ]
كَانَ عَلَيْهِ عِلْقٌ وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَالْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) قَطْعَ (فِي الْجُمَّارِ) وَهُوَ قَلْبُ النَّخْلِ حَالَ كَوْنِهِ (فِي النَّخْلِ وَ) كَذَلِكَ (لَا) قَطْعَ (فِي الْغَنَمِ الرَّاعِيَةِ) فِي حَالِ رَعْيِهَا سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ أَمْ لَا (حَتَّى تُسْرَقَ مِنْ مُرَاحِهَا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا مَوْضِعُ مَقِيلِهَا الَّتِي تُسَاقُ إلَيْهِ (وَ) كَذَلِكَ (التَّمْرُ) الْمَقْطُوعُ لَا قَطْعَ فِيهِ حَتَّى يُسْرَقَ (مِنْ الْأَنْدَرِ) وَهُوَ الْجَرِينُ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا.
(وَلَا يُشْفَعُ لِمَنْ بَلَغَ الْإِمَامَ فِي السَّرِقَةِ وَالزِّنَا) وَالْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَنْهُ وَلَا طَلَبُهُ مِنْهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَإِنْ تَابَ السَّارِقُ وَالزَّانِي وَهُوَ كَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ (وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الشَّفَاعَةِ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ (فِي الْقَذْفِ) فَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً: يَجُوزُ عَفْوُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَذْفَ حَقٌّ لِلْمَقْذُوفِ، وَمَرَّةً قَالَ: لَا يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمَقْذُوفُ السَّتْرَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا.
(وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْكُمِّ) وَنَحْوِهِ (قُطِعَ)؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حِرْزٌ لِمَا عَلَيْهِ (وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْهُرْيِ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. ك: وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] لِشَبَهِهِ بِمَا فِي الْجَرِينِ وَإِلَّا فَلَا لِشَبَهِهِ بِمَا عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ وَسَرِقَتُهُ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي الْجَرِينِ يُقْطَعُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. [قَوْلُهُ: وَالْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ] إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْقَطْعِ مَنْصُوصٌ وَبِالْقَطْعِ مُخَرَّجٌ. [قَوْلُهُ: لَا قَطْعَ فِي الْجُمَّارِ] كَأَنَّهُ كَالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ. [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ أَمْ لَا] فَهِيَ كَالْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ يُعَدُّ حِرْزًا فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهُ جَالِسًا بِهِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهَا فِي حَالِ رَعْيِهَا تَكُونُ مُفَرَّقَةً غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ بِرَبِّهَا. [قَوْلُهُ: مَوْضِعُ مَقِيلِهَا] أَيْ عَقِبَ الرَّوَاحِ مِنْ الْمَرْعَى وَقَبْلَ الذَّهَابِ لِلرَّعْيِ فَيُقْطَعُ السَّارِقُ لَهَا مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ أَمْ لَا، وَمِثْلُ السَّرِقَةِ مِنْ الْمَرَاحِ السَّرِقَةُ مِنْهَا حَالَ سَيْرِهَا لِلْمَرْعَى عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهَا تَكُونُ مُجْتَمَعَةً وَلِذَلِكَ يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْ الْإِبِلِ الْمُجْتَمِعَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ أَوْ الْجَامُوسِ فِي حَالِ سَيْرِهَا لِلْمَرْعَى بِمُجَرَّدِ إبَانَتِهِ عَنْ بَاقِيهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْجَرِينُ] الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْجُرْنِ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْبَلَدِ أَوْ بَعِيدًا عَنْهَا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا جُمِعَ الْحَبُّ أَوْ التَّمْرُ فِي الْجَرِينِ وَغَابَ رَبُّهُ عَنْهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ وَلَا حَائِطٌ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ وَمِنْ غَيْرِ حَارِسٍ. [قَوْلُهُ: لِمَنْ بَلَغَ الْإِمَامَ] ظَاهِرُهُ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ فِيمَا ذَكَرَ قَبْلَ عِلْمِ الْإِمَامِ وَلَوْ كَانَ الْمَشْفُوعُ لَهُ مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ وَهُوَ كَذَلِكَ أَيْ فِي غَيْرِ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِيهِ لَهُ وَلَوْ قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ. [قَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ] أَيْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَوْ تَابَ اُنْظُرْهُ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَابَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: طَلَبُهَا لِلطَّهَارَةِ مِنْهُ - ﷺ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَابَتْ وَكَذَا مَاعِزٌ. [قَوْلُهُ: أَيْ فِي الشَّفَاعَةِ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ] وَأَمَّا قَبْلُ فَيَجُوزُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ. [قَوْلُهُ: وَمَرَّةً قَالَ لَا يَجُوزُ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمَقْذُوفُ السَّتْرَ] وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِسُؤَالِ الْإِمَامِ خُفْيَةً عَنْ حَالِ الْمَقْذُوفِ، فَإِذَا بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ مِمَّنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ ظُهُورَ الْأَمْرِ جَازَ عَفْوُهُ وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ إذَا أَرَادَ بِعَفْوِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ يَتَوَقَّعُ حُصُولَهُ مِنْ الْقَاذِفِ بَعْدَ حَدِّهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاذِفُ أَبًا أَوْ أُمًّا وَإِلَّا جَازَ الْعَفْوُ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ سَتْرًا وَهَذَا الْخِلَافُ أَيْضًا فِي الْقَائِمِ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْقَائِمُ لِغَيْرِهِ كَالِابْنِ يَقُومُ بِحَقِّ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ وَقَدْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ قَدْ مَاتَ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. وَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْ الَّذِي وَجَبَ تَعْزِيرُهُ وَالشَّفَاعَةُ فِيهِ وَلَوْ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ قَالَهُ الْحَطَّابُ. قَالَ بَعْضٌ عَقِبَهُ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ التَّعْزِيرُ لِمَحْضِ حَقِّ اللَّهِ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ] كَالْجَيْبِ وَالْعِمَامَةِ وَالْحِزَامِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حِرْزٌ لِمَا عَلَيْهِ] لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ يُقْطَعُ سَارِقُهُ، وَالْمُرَادُ بِصَاحِبِهِ الْحَافِظُ لَهُ فِيهِ مَالِكًا أَوْ غَيْرَهُ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْحِفْظُ وَلَوْ نَائِمًا لَهُ شُعُورٌ، وَلَوْ سَرَقَ الشَّيْءَ وَصَاحِبَهُ لَا يُقْطَعُ كَمَا لَوْ سَرَقَ الدَّابَّةَ مَعَ رَاكِبِهَا. [قَوْلُهُ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ] أَيْ مَعَ كَسْرِ الرَّاءِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وَهُوَ بَيْتٌ يَجْعَلُهُ السُّلْطَانُ لِلْمَتَاعِ وَالطَّعَامِ (وَ) مِنْ (بَيْتِ الْمَالِ) وَهُوَ بَيْتٌ يَجْعَلُهُ السُّلْطَانُ لِلْعَيْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (وَ) مِنْ (الْمَغْنَمِ فَلْيُقْطَعْ) فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (وَقِيلَ إنْ سَرَقَ فَوْقَ حَقِّهِ مِنْ الْمَغْنَمِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ قُطِعَ) وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ إذَا كَانَ مِنْ الْغَانِمِينَ.
(وَيُتَّبَعُ السَّارِقُ إذَا قُطِعَ بِقِيمَةِ مَا فَاتَ مِنْ السَّرِقَةِ) أَيْ يُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهَا (فِي) حَالِ (مَلَائِهِ) وَاحْتَرَزَ بِمَا فَاتَ عَمَّا إذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ بَاقِيًا فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَأْخُذُهُ بَعْدَ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَيْسَ عِوَضًا عَنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ لِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْحِرْزِ، وَالْمَسْرُوقُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ (وَلَا يُتَّبَعُ) السَّارِقُ بِمَا فَاتَ (فِي) حَالِ (عُدْمِهِ)؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الْمَالِ لَا يَجِبُ فِيهِ عُقُوبَتَانِ الْقَطْعُ وَالِاتِّبَاعُ مَعَ الْعُدْمِ (وَيُتَّبَعُ) السَّارِقُ (فِي عُدْمِهِ بِمَا) أَيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي (لَا يُقْطَعُ فِيهِ مِنْ السَّرِقَةِ) بِأَنْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يَلْزَمُهُ فَلَمْ يَبْقَ مَا يَمْنَعُ مِنْ اتِّبَاعِهِ.
_________________
(١) [حاشية العدوي] بِالشُّوَنِ. [قَوْلُهُ: وَالطَّعَامُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى الْمَتَاعِ. [قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمَغْنَمِ] أَيْ بَعْدَ حَوْزِهِ وَقُطِعَ بِذَلِكَ لِضَعْفِ الشُّبْهَةِ فِيهِ كَانَ الْإِمَامُ مُنْتَظِمًا أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنْ سَرَقَ] ضَعِيفٌ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهُ يُقْطَعُ سَوَاءٌ سَرَقَ مِنْ الْمَغْنَمِ مِمَّا يَخُصُّهُ أَوْ قَدْرَهُ عَلَى الرَّاجِحِ [قَوْلُهُ: فِي حَالِ مَلَائِهِ] أَيْ الْمُسْتَمِرِّ مِنْ يَوْمِ السَّرِقَةِ إلَى يَوْمِ الْقَطْعِ. [قَوْلُهُ: بِمَا فَاتَ فِي حَالِ عُدْمِهِ] الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ أَعْسَرَ جُزْءًا مِنْ الزَّمَنِ الَّذِي بَيْنَ سَرِقَتِهِ وَقَطْعِهِ لَسَقَطَ عَنْهُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ. [قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ] أَيْ أَوْ لِرُجُوعِهِ عَنْ إقْرَارِهِ.
[ ٢ / ٣٣٧ ]