[الأيمان وما يتعلق بها]
بَابٌ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُور] (بَابٌ) فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ مِنْ (الْأَيْمَانِ) جَمْعُ يَمِينٍ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَمَا يَلْزَمُ مِنْهَا، وَمَا لَا يَلْزَمُ (وَ) فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ مِنْ (النُّذُورِ)، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَمَا يَلْزَمُ مِنْهَا، وَمَا لَا يَلْزَمُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَالْيَمِينُ بِمَعْنَى الْقَسَمِ وَالْحَلِفِ مُؤَنَّثَةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَهِيَ لُغَةً: مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْيَمِينِ الَّتِي هِيَ الْجَارِحَةُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا حَلَفُوا وَضَعَ أَحَدُهُمْ يَمِينَهُ فِي يَمِينِ صَاحِبِهِ فَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا، لِذَلِكَ وَاصْطِلَاحًا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ.
(وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ) أَيِّ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ الذَّاتِيَّةِ، كَالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقِدَمِ وَالْوُجُودِ أَوْ الْمَعْنَوِيَّةِ كَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ. (أَوْ لِيَصْمُتْ) أَيْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] [بَابٌ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُور] [الْأَيْمَانِ وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا] ِ. [قَوْلُهُ: مِنْ الْأَيْمَانِ] أَيْ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ بِهِ مُتَعَلَّقُ الْيَمِينِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوْ الشَّرْعِيِّ [قَوْلُهُ: وَمَا يَلْزَمُ إلَخْ] عَطْفٌ لَازِمٌ عَلَى مَلْزُومٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ اللُّزُومُ، وَمِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ اللُّزُومِ. [قَوْلُهُ: وَمَا لَا يَلْزَمُ إلَخْ] لَيْسَ نَظِيرُ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النُّذُورِ لَا يَجُوزُ جَوَازًا مُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَلْزَمُ كَمَا سَيَأْتِي. [قَوْلُهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ] أَيْ الْجَائِزِ وَغَيْرُ الْجَائِزِ وَاللَّازِمُ، وَغَيْرُهُ فِي الْبَابَيْنِ كَالْكَفَّارَةِ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْقَسَمِ وَالْحَلِفِ] أَيْ حَالَ كَوْنِهَا بِمَعْنَى الْقَسَمِ وَالْحَلِفِ مُؤَنَّثَةً، وَلَا مَفْهُومَ لَهُ، فَالْيَمِينُ فِي الْحَلِفِ وَالْعُضْوِ مُؤَنَّثَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ تت وَقَالَ تت: وَالْيَمِينُ وَالْحَلِفُ وَالْإِيلَاءُ وَالْقَسَمُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ، وَالْحَلِفُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِهَا كَمَا أَفَادَهُ بَعْضٌ. [قَوْلُهُ: مَأْخُوذَةٌ] أَيْ مَدْلُولُ لَفْظِهِ مَنْقُولٌ مِنْ اسْمِ الْيَمِينِ الَّتِي هِيَ الْجَارِحَةُ، أَيْ فَالْيَمِينُ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْجَارِحَةِ ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْحَلِفِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ لِلْيَمِينِ الْحَلِفُ، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْجَارِحَةَ لَيْسَتْ مَعْنًى لُغَوِيًّا، وَمُفَادُ الْمِصْبَاحِ أَنَّ الْيَمِينَ حَقِيقَةٌ فِي الْجَارِحَةِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهَا، فَقَالَ الْيَمِينُ الْجَارِحَةُ وَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَحَالَفُوا ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينَهُ عَلَى يَمِينِ صَاحِبِهِ فَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا مَجَازًا. انْتَهَى. وَرَأَيْتُ التَّعْبِيرَ بِالضَّرْبِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: فَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا] أَيْ فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْمَنْقُولِ عَنْهُ وَالْمَنْقُولِ إلَيْهِ الْمُجَاوَرَةُ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ اللُّزُومِ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَسُمِّيَ الْعُضْوُ يَمِينًا لِوُفُورِ قُوَّتِهِ عَلَى الْيَسَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷾: ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أَيْ الْقُوَّةِ. انْتَهَى. [قَوْلُهُ: وَاصْطِلَاحًا إلَخْ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ لِتَعْرِيفِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَعَرَّفَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ الْيَمِينُ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ، أَيْ مَا لَمْ يَجِبْ وُقُوعُهُ بِأَنْ أَمْكَنَ عَادَةً كَلَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ أَوْ عَقْلًا كَلَأَشْرَبَنَّ الْبَحْرَ غَدًا أَوْ الْآنَ، وَلَا يُقَالُ هَذِهِ غَمُوسٌ وَهِيَ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْغَمُوسُ لَا تَكُونُ فِي مُسْتَقْبَلٍ، وَكَذَا اللَّغْوُ بَلْ يُكَفِّرُ كُلٌّ إنْ تَعَلَّقَ بِالْمُسْتَقْبَلِ كَذَا فِي الزَّرْقَانِيِّ. [قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَ حَالِفًا] أَيْ مُرِيدًا الْحَلِفَ. [قَوْلُهُ: أَيْ بِاسْمِ اللَّهِ] أَيْ لَا بِالنَّبِيِّ وَلَا بِغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مُعَظَّمٌ شَرْعًا أَوْ لَا. [قَوْلُهُ: أَوْ صِفَتِهِ الذَّاتِيَّةِ كَالْوَحْدَانِيَّةِ] فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْوَحْدَانِيَّةَ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا لَيْسَتْ مِنْ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَكَذَا قَوْلُهُ أَوْ الْمَعْنَوِيَّةِ إلَخْ. لِأَنَّ الْحَيَاةَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي لَا الْمَعْنَوِيَّةِ، وَمِنْ أَفْرَادِ الصِّفَةِ الذَّاتِيَّةِ الْقُرْآنُ وَالْمُصْحَفُ أَوْ كَلِمَةٌ أَوْ آيَةٌ مِنْهُ، وَنَوَى الْمَعْنَى الْقَدِيمَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ أَوْ نَوَى شَيْئًا وَنَسِيَهُ لَا إنْ أَرَادَ
[ ٢ / ١٩ ]
يَسْكُتْ فَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ الذَّاتِيَّةِ أَوْ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا يَكُونُ يَمِينًا شَرْعًا، لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «أَلَا إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» فَأَمَرَ بِالصَّمْتِ عَمَّا عَدَا الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، فَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِتَحْرِيمِ الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ.
قَالَهُ ابْنُ عَبْدُ السَّلَامِ وَشَهَرَ ك كَرَاهَةَ الْحَلِفِ بِحَقٍّ بِغَيْرِ اللَّهِ مِمَّا لَا يُعَظِّمُ أَهْلُ الْكُفْرِ كَالْمَسْجِدِ وَالرَّسُولِ وَمَكَّةَ.
(وَيُؤَدَّبُ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ) إذَا كَانَ بَالِغًا عَالِمًا مُعْتَادًا
_________________
(١) [حاشية العدوي] اللَّفْظَ الْحَادِثَ فَلَا، وَكَذَا مِنْهَا عِزَّةُ اللَّهِ حَيْثُ أَرَادَ بِهَا قُوَّتَهُ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا فِيمَا يَظْهَرُ لَا إنْ أَرَادَ بِالْمَعْنَى الْمَخْلُوقَ فَلَا. تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ بِاسْمِ اللَّهِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْبَيَانِ أَيْ هُوَ اسْمُ اللَّهِ، كَأَنْ تَقُولَ بِاَللَّهِ أَوْ اللَّهِ بِحَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ، وَهَا لِلَّهِ بِحَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ، وَإِقَامَةِ هَا التَّنْبِيهِ مَقَامَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ بِكُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْخَالِقُ وَالرَّازِقُ وَالْعَزِيزُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُجْعَلُ الْخَالِقُ وَالرَّزَّاقُ دَاخِلًا فِي صِفَتِهِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّسَمُّحِ، وَالْأَوْلَى تَرْكُ التَّقْيِيدِ بِالذَّاتِيَّةِ؛ لِأَجْلِ أَنْ يَشْمَلَ الصِّفَةَ النَّفْسِيَّةَ، كَالْوُجُودِ بِخِلَافِ الِاسْمِ الدَّالِّ عَلَيْهَا كَالْمَوْجُودِ، أَيْ فَلَا يَدْخُلُ فِي الصِّفَةِ، وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ فِي الْأَسْمَاءِ فِيمَا يَظْهَرُ حَيْثُ أَرَادَ بِهِ الْمَوْجُودَ حَقِيقَةً، وَيَشْمَلُ الصِّفَاتِ الْجَامِعَةِ كَالْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ وَيَشْمَلُ الْوَحْدَانِيَّةَ، وَالْقِدَمَ مِنْ صِفَاتِ السَّلْبِ، وَانْظُرْ هَلْ يَشْمَلُ بَقِيَّةَ صِفَاتِ السَّلْبِ أَمْ لَا. كَمَا قَالَ عج قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَقِيَّةَ صِفَاتِ السَّلْبِ كَذَلِكَ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْمَعْنَوِيَّةِ تَصْرِيحٌ بِانْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ فِي التَّمْثِيلِ شَيْءٌ كَمَا قَرَّرْنَا، وَبَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ نَظَرَ فِيهَا قُلْت وَالظَّاهِرُ الِانْعِقَادُ بِهَا وَلَا تَدْخُلُ صِفَاتُ الْأَفْعَالِ. [قَوْلُهُ: أَوْ لِيَصْمُتْ] أَيْ لَا يَحْلِفْ لَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّمْتُ إذَا لَمْ يَحْلِفْ بِاَللَّهِ، وَالتَّخْيِيرُ فِي حَقِّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَيَحْلِفُ لِيَبْرَأَ أَوْ يَتْرُكُ وَيَغْرَمُ. [قَوْلُهُ: فَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ الذَّاتِيَّةِ] دَخَلَ فِي الْغَيْرِ صِفَاتُ الْأَفْعَالِ وَعِبَارَتُهُ، وَإِنْ شَمِلَتْ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةَ إلَّا أَنَّهَا تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ. [قَوْلُهُ: أَلَا إلَخْ] أَدَاةُ اسْتِفْتَاحٍ يُفْتَتَحُ بِهَا الْكَلَامُ. [قَوْلُهُ: يَنْهَاكُمْ] أَيْ نَهْيَ تَحْرِيمٍ [قَوْلُهُ: فَأَمَرَ بِالصَّمْتِ إلَخْ] أَيْ فَاللَّامُ لَامُ الْأَمْرِ [قَوْلُهُ: فَظَاهِرُهُ إلَخْ] الْأَحْسَنُ وَظَاهِرُهُ بِالْوَاوِ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ إلَخْ. فَإِنْ قُلْت هَلَّا أَخَذَ التَّحْرِيمَ مِنْ قَوْلِهِ يَنْهَاكُمْ قُلْت إنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ لِقُصُورِهِ عَلَى الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ فَلَا يَشْمَلُ الْحَلِفَ بِغَيْرِهِمْ مِمَّا لَمْ يَكُنْ اسْمًا لِلَّهِ، وَلَا صِفَةً لَهُ، وَالْتَفَتَ الْقُرْطُبِيُّ إلَى النَّهْيِ فَقَالَ: إنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمَ غَيْرِ اللَّهِ بِمِثْلِ مَا يُعَظَّمُ بِهِ اللَّهُ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَهَذَا جَارٍ فِي كُلِّ مَحْلُوفٍ بِهِ غَيْرِهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْآبَاءَ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الَّذِي أَثَارَ الْحَدِيثَ حِينَ سَمِعَ عُمَرَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ. اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ [قَوْلُهُ: وَشَهَرَ ك] ضَعِيفٌ إذْ الرَّاجِحُ الْحُرْمَةُ وَمَحِلُّ الْخِلَافِ، إذَا كَانَ الْحَالِفُ صَادِقًا، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَيَحْرُمُ قَطْعًا، بَلْ رُبَّمَا كَانَ بِالنَّبِيِّ كُفْرًا لِأَنَّهُ اسْتِهْزَاءٌ بِهِ كَذَا فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ. [قَوْلُهُ: بِحَقٍّ] الْأَوْلَى حَذْفُ بِحَقٍّ وَيَقُولُ كَرَاهَةُ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا قَالَ وَالْمَسْجِدِ أَوْ وَحَقِّ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: مِمَّا لَا يُعَظَّمُ إلَخْ] أَيْ، وَأَمَّا الْحَلِفُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَحَرَامٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَ تَعْظِيمَ هَذِهِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ حَلِفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَنَحْوِهِمَا مِمَّا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَتَّى الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ، كَالْمَسِيحِ وَالْعُزَيْرِ وَقَصَدَ بِالْقَسَمِ بِهَا تَعْظِيمَهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا مَعْبُودَاتٍ فَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَعْظِيمَهَا فَحَرَامٌ اتِّفَاقًا فِي الْأَصْنَامِ، وَعَلَى خِلَافٍ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَكُلِّ مُعَظَّمٍ شَرْعًا.
[ ٢ / ٢٠ ]
لِلْحَلِفِ بِذَلِكَ وَيَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ وَالْأَدَبُ بِذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْيَمِينَ بِذَلِكَ حَرَامٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فَلَا يُؤَدَّبُ؛ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ جَائِزٌ شَرْعًا، وَالْجَائِزُ لَا يُؤَدَّبُ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ حَنِثَ أَوْ لَمْ يَحْنَثْ، وَالْأَدَبُ عِنْدَ مَالِكٍ غَيْرُ مَحْدُودٍ بَلْ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، وَقَيَّدْنَا بِالْبَالِغِ احْتِرَازًا مِنْ الصَّبِيِّ، وَبِالْعَالِمِ احْتِرَازًا مِنْ الْجَاهِلِ، وَبِالْمُعْتَادِ احْتِرَازًا مِمَّنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ، فَإِنَّهُ لَا أَدَبَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَلِفِ بِذَلِكَ (وَ) مَعَ تَأْدِيبِ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ (يَلْزَمُهُ) مَا حَلَفَ بِهِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ إذَا أَيْقَنَ بِالْحِنْثِ (وَلَا) تَنْفَعُ (ثُنْيَا) أَيْ اسْتِثْنَاءٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْحَالِفُ بَعْدَ تَلَفُّظِهِ بِالْمَحْلُوفِ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
(وَ) كَذَلِكَ (لَا) تَنْفَعُ (كَفَّارَةٌ) كَمَا لَا تَنْفَعُ ثُنْيَا، وَمَعْنَى عَدَمِ نَفْعِهِمَا أَنَّهُمَا لَا يُفِيدَانِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيْمَانِ (إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ ﷿) أَيْ بِهَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ (أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ) غَيْرِ هَذَا الِاسْمِ كَالْعَزِيزِ وَالْبَارِي (وَصِفَاتِهِ) أَيْ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ الثَّمَانِيَةِ: الْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ وَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَالْحَيَاةِ وَالْبَقَاءِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالذَّاتِيَّةِ احْتِرَازًا مِنْ الْفِعْلِيَّةِ كَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْلَفُ بِهَا أَصْلًا.
_________________
(١) [حاشية العدوي] تَنْبِيهٌ: قَالَ التَّادَلِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ مُبَاحَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ أَقَلُّ مَرَاتِبِ الْإِبَاحَةِ ك. قُلْت بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَرْجُوحٌ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ قُلْت وَالْأَوَّلُ، هُوَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ الصَّحِيحُ. قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَعْرِضْ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ، كَالْيَمِينِ عَلَى إنْقَاذِ مُسْلِمٍ مِنْ يَدِ ظَالِمٍ فَإِنَّهَا تَجِبُ، أَوْ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ أَوْ تُكْرَهُ. [قَوْلُهُ: مُعْتَادًا] وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا يَجْرِي فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَوْ صِفَاتِهِ، كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ فَيُؤَدَّبُ مَنْ اعْتَادَ الْحَلِفَ بِهِ، عَلَى الْقَوْلِ بِحُرْمَتِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَ مُتَزَوِّجًا وَعِنْدَهُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَهُوَ وَاضِحٌ. قَالَ الشَّاذِلِيُّ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَعْتَادُوا، وَهَذَا الْحُكْمُ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِتْقِ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَخَصَّهُ ابْنُ عُمَرَ بِالرِّجَالِ فَقَطْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ النِّسَاءُ فِي الطَّلَاقِ كَذَلِكَ، لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ؛ وَلِأَنَّهَا شُبِّهَتْ بِالرِّجَالِ عج. [قَوْلُهُ: وَالْأَدَبُ بِذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْيَمِينَ بِذَلِكَ حَرَامٌ إلَخْ] حَاصِلُ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ، أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لِكَوْنِ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ أَوْ التَّعْلِيقِ بِهِمَا مِنْ أَفْرَادِ غَيْرِ الْحَلْفِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ بِالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ الَّذِي هُوَ اعْتِمَادُ ك. [قَوْلُهُ: بَلْ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ] قَالَ تت: وَالْأَدَبُ عِنْدَ مَالِكٍ غَيْرُ مَحْدُودٍ. مَرْجِعُهُ لِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ شَتْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ بَلْ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ فَقَدْ يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ وَلَا يَبْلُغُ انْتَهَى. وَتَعْبِيرُهُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ مَالِكٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَ غَيْرِهِ مَحْدُودٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْأَدَبُ الضَّرْبُ ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ فَمَا دُونَ، وَلَا يُضْرَبُ أَحَدٌ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ. [قَوْلُهُ: فَلْتَةً] أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا فِي تت قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: إذَا أَيْقَنَ بِالْحِنْثِ] مَفْهُومُهُ لَوْ شَكَّ فِي الْحِنْثِ أَوْ تَوَهَّمَهُ أَوْ ظَنَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَفِيهِ شَيْءٌ. فَإِنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَلَّمَهُ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ بِالْعِتْقِ أَنْ لَا يَفْعَلَ وَشَكَّ فِي الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَمَفْهُومُ مَا حَلَفَ بِهِ أَنَّهُ إذَا شَكَّ هَلْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَمْ يَقُلْ أَوْ شَكَّ هَلْ حَلَفَ وَحَنِثَ أَوْ لَمْ يَحْلِفْ وَلَمْ يَحْنَثْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ شَكَّ هَلْ أَعْتَقَ أَمْ لَا فَإِنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ. وَأَمَّا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَّقَ فَهُوَ كَمَنْ تَيَقَّنَ ذَلِكَ وَظَنُّ الْعِتْقِ أَوْلَى. [قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ] أَيْ وَالنَّذْرُ الْمُبْهَمُ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَا سَائِرُ مَا فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ كَحَلِفِهِ بِالْكَفَّارَةِ، وَيُمْكِنُ دُخُولُ هَذَا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِنْ صِفَاتِهِ. [قَوْلُهُ: وَالْبَقَاءُ] فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ صِفَةُ سَلْبٍ عَلَى الصَّحِيحِ لَا صِفَةُ مَعْنًى. [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ الْفِعْلِيَّةِ] أَيْ فَقَطْ فَلَا يُنَافِي أَنَّ السَّلْبِيَّةَ وَالْمَعْنَوِيَّةَ كَالْمَعَانِي [قَوْلُهُ: كَالرَّزْقِ] بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِالرِّزْقِ، وَالْإِحْيَاءُ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِالْحَيَاةِ، وَالْإِمَاتَةُ تَعَلُّقُ
[ ٢ / ٢١ ]
تَنْبِيهَانِ. الْأَوَّلُ: إطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ، مَجَازٌ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الثُّنْيَا لَا تَنْفَعُ فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَفِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَصْلِ وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْمَشِيئَةِ لَا يَنْفَعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيْمَانِ، إلَّا فِي الْيَمِينِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ.
(وَمَنْ اسْتَثْنَى فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا (إذَا قَصَدَ الِاسْتِثْنَاءَ) أَيْ قَصَدَ حَلَّ الْيَمِينِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، مِثْلُ أَنْ يُعَوِّدَ لِسَانَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ تَبَرُّكًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ فِي حَلِّ الْيَمِينِ (وَ) ثَانِيهَا إذَا (قَالَ) أَيْ تَلَفَّظَ بِ (إنْ شَاءَ اللَّهُ) فَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ وَحْدَهَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النُّطْقِ الْجَهْرُ، بَلْ لَوْ كَانَ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ كَفَى (وَ) ثَالِثُهَا إنْ (وَصَلَهَا) أَيْ إنْ شَاءَ اللَّهُ (بِيَمِينِهِ قَبْلَ أَنْ يَصْمُتَ) أَيْ يَسْكُتَ مَا لَمْ يَضْطَرَّ لِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ فَإِنْ اضْطَرَّ لَمْ يَضُرَّ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِثْنَاءَ أَوْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ أَوْ لَمْ يَصِلْهُ بِيَمِينِهِ (لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ) الِاسْتِثْنَاءُ.
(وَالْأَيْمَانُ بِ) اسْمِ (اللَّهِ أَرْبَعَةٌ) وَفِي نُسْخَةٍ أَرْبَعٌ (فَيَمِينَانِ تُكَفَّرَانِ وَهُوَ) أَيْ مَا يُكَفَّرُ يَمِينَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً عَلَى بِرٍّ وَحَقِيقَتُهَا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ بِأَثَرِ حَلِفِهِ مُوَافِقًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ مِثْلَ (أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ إنْ فَعَلْت كَذَا) أَوْ لَا أَفْعَلُ كَذَا ثُمَّ يَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ
_________________
(١) [حاشية العدوي] الْقُدْرَةِ بِالْمَوْتِ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُحْلَفُ بِهَا أَصْلًا] أَيْ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهَا وَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا يَمِينٌ [قَوْلُهُ: إطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ مَجَازٌ] قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّنْيِ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ رَجَعَ إلَى كَلَامِهِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ كَمَا يَرْجِعُ نِصْفُ الثَّوْبِ عَلَى نِصْفِهِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْإِخْرَاجِ بِإِلَّا، وَأَخَوَاتِهَا، ثُمَّ أَطْلَقَ عَلَى قَوْلِنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ وَمَشْرُوطٌ، وَالشَّرْطُ لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ، وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّرْطَ مُخْرِجٌ مِنْ الْمَشْرُوطِ أَحْوَالَ عَدَمِ الْمَشْرُوطِ، فَالشَّرْطُ مُخْرِجٌ لِبَعْضِ الْأَحْوَالِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: تَفْصِيلٌ إلَخْ] التَّفْصِيلُ إنْ أَعَادَ الْمَشِيئَةَ عَلَى الْمُعَلِّقِ وَالْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْمُعَلِّقِ فَقَطْ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ، فَفِي الثَّلَاثِ صُوَرٍ لَا يَنْفَعُ، وَأَمَّا إنْ أَعَادَ الْمَشِيئَةَ عَلَى الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَقَطْ، وَهُوَ دُخُولُ الدَّارِ مَثَلًا فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ إنْ رَدَّهُ لِلْفِعْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ وَلَوْ رَدَّهُ لِلْفِعْلِ، وَأَنَّهُ مَتَى دَخَلَ الدَّارَ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. [قَوْلُهُ: إذَا قَصَدَ الِاسْتِثْنَاءَ] لَا فَرْقَ فِي الْقَصْدِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْحَلِفِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ بَعْدَ تَمَامِهِ، فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ كَمَا شَهَرَهُ تت [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِثْلَ أَنْ يُعَوَّدَ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا نَطَقَ بِهِ سَهْوًا. [قَوْلُهُ: بَلْ لَوْ كَانَ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ] هَذَا فِي غَيْرِ الْمُسْتَحْلِفِ، فَمَا كَانَ مِنْ الْأَيْمَانِ وَثِيقَةً فِي حَقٍّ أَوْ شَرْطًا فِي نِكَاحٍ أَوْ عَقْدَ بَيْعٍ أَوْ مَا يَسْتَحْلِفُهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، لَا يُجْزِئُهُ حَرَكَةُ اللِّسَانِ حَتَّى يُظْهِرَهُ وَيُسْمَعَ مِنْهُ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ. [قَوْلُهُ: إنْ وَصَلَهَا بِيَمِينِهِ]، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُوصِلْهَا بِيَمِينِهِ بَلْ أَوْصَلَهَا بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ إنْ دَخَلْت إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ اتِّصَالُهُ بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ حَيْثُ تَعَلَّقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِهِ كَمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَلَّقَ بِالْمُقْسِمِ مِنْهُ أَيْ بِعَدَدِهِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ، فَهَلْ لَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالْمُقْسَمِ بِهِ أَوْ يَكْتَفِي بِاتِّصَالِهِ بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ خِلَافٌ، وَلَا يَكُونُ هَذَا إلَّا بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِيَمِينِهِ خُصُوصَ الْمُقْسَمِ بِهِ بَلْ أَرَادَ بِهِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَعَلِّقُ يَمِينِهِ تَجَوَّزَ فِي إطْلَاقِ اسْمِهِ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: لِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ] أَيْ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ تَثَاؤُبٍ. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ وَتَكَرَّرَتْ قَالَ تت: وَمِثْلُهَا الْجُشَاءُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ وَالْإِكْرَاهُ، كَذَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ. انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ عج. قَوْلُهُ: مُوَافِقًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ] أَيْ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْيَمِينِ. [قَوْلُهُ: إنْ لَمْ
[ ٢ / ٢٢ ]
عَلَيْهِ، وَالْأُخْرَى أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً عَلَى حِنْثٍ.
وَحَقِيقَتُهَا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ بِأَثَرِ حَلِفِهِ مُخَالِفًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا (أَوْ يَحْلِفَ لِيَفْعَلُنَّ كَذَا) ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْحِنْثِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يُؤَجِّلْ، أَمَّا إنْ أَجَلَّ فَإِنَّهُ عَلَى بِرٍّ إلَى الْأَجَلِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا قَبْلَ شَهْرٍ فَإِنَّهُ عَلَى بِرٍّ إلَى الْأَجَلِ، وَإِنْ وَلِيَ صِيغَةَ الْحِنْثِ حَرْفُ شَرْطٍ كَقَوْلِك: وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ لَا أُقِيمُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ، وَفِي صِيغَةِ الْبِرِّ حَرْفُ نَفْيٍ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ جَزَاءٌ نَحْوُ: وَاَللَّهِ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا مَعْنَاهُ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا؛ لِأَنَّ كَلَّمَ هُنَا، وَإِنْ كَانَ مَاضِيًا فَمَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَالُ إذْ الْكَفَّارَةُ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّ جَزَاءٍ فَهِيَ مَعَ الْجَزَاءِ شَرْطٌ، كَقَوْلِك وَاَللَّهِ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا لَأُعْطِيَنَّك مِائَةً.
(وَيَمِينَانِ لَا تُكَفَّرَانِ إحْدَاهُمَا لَغْوُ الْيَمِينِ وَهُوَ) أَيْ لَغْوُ الْيَمِينِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي تَفْسِيرِهِ (أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ) بِمَعْنَى يَتَيَقَّنُهُ (كَذَلِكَ فِي يَقِينِهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ خِلَافُهُ) وَقَوْلُهُ (فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) تَكْرَارٌ ذَكَرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (وَلَا إثْمَ)، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إثْمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا لَغْوَ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَوْ نَذْرٍ وَلَا مَخْرَجَ لَهُ، (وَالْأُخْرَى) الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا (الْحَلِفُ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ) مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَقِيَ فُلَانًا بِالْأَمْسِ وَهُوَ لَمْ يَلْقَهُ (أَوْ شَاكًّا) قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَقِيَهُ وَهُوَ شَاكٌّ هَلْ لَقِيَهُ أَمْ لَا، وَمِثْلُ الشَّكِّ الظَّنُّ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ (فَهُوَ) أَيْ الْحَالِفُ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ أَوْ شَاكًّا فَهُوَ (آثِمٌ)، وَإِنْ وَافَقَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُكَفِّرُ ذَلِكَ) الْحَلِفُ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ أَوْ شَاكًّا (الْكَفَّارَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى
_________________
(١) [حاشية العدوي] أَفْعَلْ كَذَا قَبْلَ شَهْرٍ] بِأَنْ جَعَلَ الشَّهْرَ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ بَعْدَ شَهْرٍ بِأَنْ جَعَلَ وُقُوعَ الْفِعْلِ بَعْدَهُ، وَتَتَّفِقُ الصُّورَتَانِ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْمَحْلُوفِ بِهَا فِي حَلِفِهِ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فِي الْأَجَلِ الَّذِي جَعَلَهُ ظَرْفًا، أَوْ جَعَلَ حُصُولَ الْفِعْلِ بَعْدَهُ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّهُ إنْ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى يَبَرُّ بِهِ، وَإِذَا مَضَى وَلَمْ يَفْعَلْهُ حَنِثَ وَلَا يَبَرُّ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي قَبْلَ وُجُودِ زَمَنِهِ الْمُعَلَّقِ فِعْلُهُ عَلَى وُجُودِهِ، وَإِذَا مَضَى مُنِعَ مِنْ وَطْءِ الْمَحْلُوفِ بِطَلَاقِهَا أَوْ عِتْقِهَا. [قَوْلُهُ: وَفِي صِيغَةِ الْبِرِّ حَرْفُ نَفْيٍ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ حَرْفَ نَفْيٍ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ وَتَكُونُ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ حَرْفَ نَفْيٍ أَيْضًا، وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ وَجَوَابُ الشَّرْطِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فِي قَوْلِهِ وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ، وَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا مَحْذُوفٌ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ ابْنِ مَالِكٍ: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمٍ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ إلَخْ فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ الشَّرْطِ [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ ثَمَّ جَزَاءٌ إلَخْ] وَالْحَاصِلُ أَنَّ إنْ نَافِيَةٌ فِي صِيغَتَيْ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ إنْ لَمْ يُذْكَرْ لَهَا جَوَابٌ وَمَعْنَاهَا فِي الْحِنْثِ حِينَئِذٍ لَأَفْعَلَنَّ؛ لِأَنَّهَا نَافِيَةٌ، وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فَإِنْ ذُكِرَ لَهَا جَوَابٌ فَشَرْطِيَّةٌ فِيهِمَا. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ فِي تَفْسِيرِهِ] وَمُقَابَلَةُ مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي إسْمَاعِيلِ وَالْأَبْهَرِيِّ، بِأَنَّهُ مَا سَبَقَ إلَيْهِ اللِّسَانُ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ كَقَوْلِ الرَّجُلِ كَلًّا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنْ كَلًّا [قَوْلُهُ: بِمَعْنًى يَتَيَقَّنُهُ] هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: أَنَّ قَوْلَهُ يَظُنُّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الظَّنِّ لَغْوٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مِنْ أَقْسَامِ الْغَمُوسِ أَفَادَهُ الْحَطَّابُ وَالْمُرَادُ بِالتَّيَقُّنِ الِاعْتِقَادُ لَا الْجَزْمُ الْمُطَابِقُ لِدَلِيلِ لِقَوْلِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ. [قَوْلُهُ: فِي يَقِينِهِ] أَيْ مَوْضِعِ يَقِينِهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ الْمَوْضِعَ نَفْسَهُ مَجَازًا، وَالْمَعْنَى يَعْتَقِدُهُ فِي عَقْلِهِ مُمَاثِلًا لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَالْمُشَارُ لَهُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمِثْلُ الِاعْتِقَادِ الظَّنُّ الْقَوِيُّ لَا إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ قَوِيٍّ فَغَمُوسٌ وَأَوْلَى بِالشَّكِّ. [قَوْلُهُ: أَوْ نَذْرٍ لَا مَخْرَجَ لَهُ] أَيْ النَّذْرِ الْمُبْهَمِ كَقَوْلِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَا يُفِيدُ اللَّغْوُ فِي نَحْوِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ نَذْرٍ غَيْرِ مُبْهَمٍ [قَوْلُهُ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ]؛ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ، وَقِيلَ فِي الْإِثْمِ وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا حَاصِلٌ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. [قَوْلُهُ: الظَّنُّ] أَيْ غَيْرُ الْقَوِيِّ أَيْ ظَنَّ أَنَّهُ لَقِيَهُ [قَوْلُهُ: وَإِنْ وَافَقَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ] خَبَرُ قَوْلِهِ ظَاهِرٌ أَيْ فَهُوَ أَعَمُّ مُطْلَقًا وَافَقَ أَمْ لَا عَلَى الرَّاجِحِ، وَمَحِلُّ الْإِثْمِ مَا لَمْ يَقُلْ فِي ظَنِّيِّ
[ ٢ / ٢٣ ]
[الكفارة في اليمين]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ» (وَ) إذَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ لَا تُكَفِّرُ الْيَمِينَ فَ (لِيَتُبْ مِنْ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ ﷾)؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ عِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَصِيَامٍ، وَلَمَّا تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرُ الْكَفَّارَةِ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ، وَمَا هِيَ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ.
(وَالْكَفَّارَةُ) فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَتَنَوَّعُ إلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ: ثَلَاثَةٌ عَلَى التَّخْيِيرِ وَهِيَ الْإِطْعَامُ وَالْكِسْوَةُ وَالْعِتْقُ، وَوَاحِدٌ مُرَتَّبٌ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ الصَّوْمُ، وَأَفْضَلُهَا الْإِطْعَامُ وَلِذَا بَدَأَ بِهِ فَقَالَ. (إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - ﷺ -) أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْإِطْعَامَ لَهُ شُرُوطٌ خَمْسَةٌ الْعَدَدُ مُعْتَبَرٌ مِنْ قَوْلِهِ عَشَرَةِ، فَلَا يُجْزِئُ إعْطَاؤُهُ لِأَكْثَرَ وَلَا لِأَقَلَّ وَلَا لِوَاحِدٍ مِرَارًا فَإِذَا أَعْطَى خَمْسَةً مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ بَنَى عَلَى خَمْسَةٍ، وَإِنْ أَطْعَمَ عِشْرِينَ نِصْفَ مُدٍّ نِصْفَ مُدٍّ لَمْ يُجْزِهِ. ثَانِيهَا أَنْ يَكُونُوا مَسَاكِينَ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ دَفَعَهَا إلَى أَغْنِيَاءٍ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ دَفَعَهَا لِفُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: الْكَفَّارَةُ] أَيْ فَلَا كَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ إنْ تَعَلَّقَتْ بِمَاضٍ، وَأَمَّا إنْ تَعَلَّقَتْ بِالْحَالِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ كُفِّرَتْ، وَاللَّغْوُ كَذَلِكَ إنْ تَعَلَّقَتْ بِمُسْتَقْبَلٍ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمَاضٍ أَوْ حَالٍ لَمْ تُكَفَّرْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَمُوسَ وَاللَّغْوَ لَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا إنْ تَعَلَّقَتَا بِمَاضٍ اتِّفَاقًا، وَفِيهِمَا الْكَفَّارَةُ إنْ تَعَلَّقَتَا بِمُسْتَقْبَلٍ اتِّفَاقًا فَإِنْ تَعَلَّقَتَا بِحَالٍ كُفِّرَتْ الْغَمُوسُ دُونَ اللَّغْوِ قَالَ عج: كَفِّرْ غَمُوسًا بِلَا مَاضٍ تَكُونُ كَذَا لَغْوٌ بِمُسْتَقْبَلٍ لَا غَيْرُ فَامْتَثِلَا [قَوْلُهُ: يَشْتَرُونَ] أَيْ يَسْتَبْدِلُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَيْ بِمَا عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ الْمُصَدِّقِ لِمَا مَعَهُمْ، وَأَيْمَانُهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ وَاَللَّهِ لَنُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَنَنْصُرَنَّهُ ثَمَنًا قَلِيلًا مَتَاعَ الدُّنْيَا لَا خَلَاقَ وَلَا نَصِيبَ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، أَيْ يُثْنِي عَلَيْهِمْ فَالشَّاهِدُ فِي قَوْلِهِ، وَأَيْمَانِهِمْ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَيْمَانُ فِي الْآيَةِ مُتَعَلِّقُهَا خَاصٌّ. [قَوْلُهُ: مَنْ اقْتَطَعَ] أَيْ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ مُتَمَلِّكًا. [قَوْلُهُ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ] مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، لِذَلِكَ إذَا مَاتَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ أَنَّهُ يُحْرَمُ الدُّخُولَ مَعَ الْفَائِزِينَ أَوَّلًا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ. [قَوْلُهُ: وَيَتَقَرَّبُ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: وَصَدَقَةٍ] أَيْ وَصَدَقَةٍ أَوْ صِيَامٍ وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ بَأْسٌ. [الْكَفَّارَة فِي الْيَمِين] [قَوْلُهُ: مُدًّا] لِكُلِّ مِسْكِينٍ أَيْ بِمُدِّ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ رَطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ وَمِقْدَارُهُ بِالْكَيْلِ حَفْنَتَانِ بِكَفَّيْ الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ، وَيُعْطِي مِنْهَا صَاحِبَ دَارٍ وَخَادِمٍ لَا فَضْلَ لَهُ عَنْ ثَمَنِهِمَا كَالزَّكَاةِ وَاسْتَظْهَرَ كَوْنُ الْكَفَّارَةِ وَاجِبَةً عَلَى الْفَوْرِ. [قَوْلُهُ: بَنَى عَلَى خَمْسَةٍ] وَكَمَّلَ لِخَمْسَةٍ أُخْرَى وَلَهُ نَزْعُ الزَّائِدِ، بِشَرْطِ إنْ يَبْقَى بِيَدِ الْمِسْكَيْنِ لَمْ يُتْلِفْهُ، وَكَانَ وَقْتُ الدَّفْعِ لَهُ بَيَّنَ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ [قَوْلُهُ: لَمْ يُجْزِهِ] أَيْ إلَّا أَنْ يُكَمِّلَ الْقَدْرَ، وَمَحِلُّ إجْزَاءِ التَّكْمِيلِ إنْ بَقِيَ بِيَدِ كُلِّ مِسْكِينٍ مَا أَخَذَ لِيُكَمِّلَ لَهُ بَقِيَّةَ الْمُدِّ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَعَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُ تَفْرِقَةُ الْمُدِّ فِي أَوْقَاتٍ أَوْ يُجْزِئُ التَّكْمِيلُ، وَلَوْ بَعْدَ ذَهَابِ مَا أَخَذَ أَوَّلًا مِنْ يَدِهِ، قَوْلَانِ وَلَهُ نَزْعُ الزَّائِدِ عَلَى الْعَشَرَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى بِيَدِ الْمِسْكِينِ لَمْ يُتْلِفْهُ وَكَانَ وَقْتُ الدَّفْعِ لَهُ بَيَّنَ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَلَكِنْ يَنْزِعُ فِي هَذِهِ بِالْقُرْعَةِ لَا بِالتَّخْيِيرِ، إذْ لَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَمَحِلُّ دُخُولِ الْقُرْعَةِ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْآخِذَ بَعْدَ الْعَشَرَةِ، وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْأَخْذُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ. [قَوْلُهُ: مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ] أَيْ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ وَكَانَتْ بَاقِيَةً بِأَيْدِيهِمْ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنْهُمْ وَيُعْطِيهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ بِأَيْدِيهِمْ لَمْ يَضْمَنُوهَا إلَّا أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَغَرُّوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا، وَأَكَلُوهَا وَصَانُوا بِهَا أَنْفُسَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ فَيَضْمَنُوهَا أَيْضًا. كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ إذَا فَاتَتْ وَلَمْ يَعْلَمُوا وَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِإِجْزَائِهَا إذَا فَاتَتْ فَيَغْرَمُونَهَا لِلْمَسَاكِينِ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَعَدَمُ الْإِجْزَاءِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ أَحْسَنُ قَالَهُ عج: ثُمَّ قَالَ تَنْبِيهٌ: يُؤْخَذُ مِنْ
[ ٢ / ٢٤ ]
فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ.
رَابِعُهَا أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ دَفَعَهَا إلَى الْعَبِيدِ الْقِنِّ أَوْ مَنْ فِيهِمْ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ كَأُمِّ الْوَلَدِ. خَامِسُهَا أَنْ يَكُونَ الْمُعْطَى مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّهِ - ﵊ - فَلَا يُجْزِئُ دُونَهُ وَيَقُومُ مَقَامَهُ شَيْئَانِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ إمَّا رَطْلَانِ مِنْ الْخُبْزِ بِالرَّطْلِ الْبَغْدَادِيِّ مَعَ أُدْمِ زَيْتٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ لَحْمٍ، وَإِمَّا شَبَّعَهُمْ غَدَاءً وَعَشَاءً كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ، كَانَ فِيمَا أَطْعَمَهُمْ عَشَرَةُ أَمْدَادٍ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ وَلَا يُجْزِئُ غَدَاءٌ دُونَ عَشَاءٍ وَلَا عَشَاءٌ دُونَ غَدَاءٍ (، وَأَحَبُّ إلَيْنَا) يَعْنِي نَفْسَهُ عَلَى الصَّحِيحِ (أَنْ لَوْ زَادَ عَلَى الْمُدِّ مِثْلَ ثُلُثِ مُدٍّ أَوْ نِصْفٍ وَذَلِكَ) أَيْ اسْتِحْبَابُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُدِّ (بِقَدْرِ مَا يَكُونُ مِنْ وَسَطِ عَيْشِهِمْ) وَوَسَطُ الْعَيْشِ الْحَبُّ الْمُقْتَاتُ غَالِبًا.
وَقَوْلُهُ: (فِي غَلَاءٍ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ ثُلُثِ مُدٍّ وَقَوْلُهُ (أَوْ رُخْصٍ) رَاجِعٌ إلَى نِصْفِ مُدٍّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ مُسْتَحَبَّةٌ حَتَّى بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ، وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ وَشَرْحِهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ مُسْتَحَبَّةٌ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ، وَأَنَّهَا مَحْدُودَةٌ بِالثُّلُثِ عِنْدَ أَشْهَبَ وَبِالنِّصْفِ عِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ، وَلَا يُسْتَحَبُّ بِالْمَدِينَةِ لِقِلَّةِ الْأَقْوَاتِ بِهَا وَلِقَنَاعَةِ أَهْلِهَا بِالْيَسِيرِ، وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَخْرَجَ مُدًّا عَلَى كُلِّ حَالٍ)
_________________
(١) [حاشية العدوي] هُنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُمْ فَيَدْفَعُهَا جَمِيعَهَا لِغَيْرِ الْبَالِغِينَ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ بَالِغٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْبَالِغِ. [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ دَفَعَهَا لِفُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ] أَيْ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَالْكُفَّارُ لَيْسُوا أَهْلَهَا، فَلَوْ اجْتَهَدَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ أَعَادَهَا وُجُوبًا، وَانْظُرْ لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً هَلْ تُنْزَعُ مِنْ أَيْدِيهِمْ أَوْ لَا، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَغُرُّوهُ فَإِنْ غَرُّوهُ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِهَا. [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ دَفَعَهَا إلَى الْعَبِيدِ] ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالُوا: لِأَنَّ الْعَبْدَ غَنِيٌّ بِمَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْقِنِّ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ مَجْبُورٌ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ أَوْ يَبِيعَهُ لِمَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ فَرُبَّمَا كَانَ سَيِّدُهُمْ فَقِيرًا وَلَا يُمْكِنُ الْبَيْعُ فِيهِمْ، لَكِنْ يُقَالُ السَّيِّدُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ أَوْ يَبُتَّ عِتْقَهُمْ فَهُمْ كَالْأَغْنِيَاءِ تَحْقِيقٌ [قَوْلُهُ: إمَّا رَطْلَانِ] الرَّطْلُ الْبَغْدَادِيُّ أَصْغَرُ مِنْ الرَّطْلِ الْمِصْرِيِّ بِيَسِيرٍ [قَوْلُهُ: مَعَ أُدْمٍ] وَهَلْ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا قَوْلَانِ، وَالرَّاجِحُ الِاسْتِحْبَابُ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ نَاجِي [قَوْلُهُ: أَوْ لَبَنٍ] وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَلِيبُ لَا الْمَضْرُوبُ. اهـ. تت وَأَعْلَى مَا ذُكِرَ اللَّحْمُ، وَأَوْسَطُهُ اللَّبَنُ، وَأَدْنَاهُ الزَّيْتُ، تَحْقِيقٌ أَيْ الزَّيْتُ الطَّيِّبُ، وَقِيلَ أَوْ بَقْلٌ أَوْ قُطْنِيَّةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ طَبْخُ اللَّحْمِ أَوْ الْقُطْنِيَّةِ وَلَا مَا يُطْبَخَانِ بِهِ، وَإِنَّ الْمِلْحَ لَيْسَ بِأُدْمٍ وَكَذَا الْمَاءُ كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ [قَوْلُهُ: وَإِمَّا شَبَّعَهُمْ غَدَاءً إلَخْ] أَيْ أَوْ غَدَاءَيْنِ أَوْ عَشَاءَيْنِ وَلَا يَكْفِي غَدَاءٌ أَوْ عَشَاءٌ وَلَوْ بَلَغَ مُدًّا، وَيُعْتَبَرُ الشِّبْعُ الْمُتَوَسِّطُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ جُوعٌ فَإِذَا أَطْعَمَهُمْ مَرَّتَيْنِ عَنْ شِبَعٍ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَكَذَا الْمَرَضُ كَمَا فِي الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي [قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ] أَيْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الْمُؤَلِّفِ وَمُقَابِلُهُ تَرْجِيعُهُ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ الصَّحِيحُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَحْبِيَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَقُولُ بِهَا أَشْهَبُ وَلَا ابْنُ وَهْبٍ، فَيَكُونُ الْمُصَنِّفُ مُرَجِّحًا لِقَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُدِّ الْمَنْدُوبَةِ بِالِاجْتِهَادِ. [قَوْلُهُ: الزِّيَادَةَ] أَيْ الزِّيَادَةَ الْمَعْهُودَةَ الَّتِي هِيَ الثُّلُثُ أَوْ النِّصْفُ [قَوْلُهُ: بِقَدْرِ مَا يَكُونُ] مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ بِقَدْرِ وُجُودِ أَيْ حَالَ عَيْشِهِمْ الْوَسَطِ [قَوْلُهُ: وَوَسَطِ الْعَيْشِ الْحَبُّ] أَيْ فَمَعْنًى وَسَطٌ مُخْتَارٌ أَيْ بِقَدْرِ عَيْشِهِمْ الْوَسَطِ، أَيْ الْمُخْتَارِ لَهُمْ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ الْحَبُّ الْمُقْتَاتُ غَالِبًا أَيْ لِأَهْلِ بَلَدِ الْمُكَفِّرِ عَلَى الرَّاجِحِ لَا الْمُكَفَّرِ [قَوْلُهُ: رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ ثُلُثِ مُدٍّ] أَيْ مُرْتَبِطٌ بِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مِنْ بَيَانًا لِحَالِ الْعَيْشِ الْوَسَطِ أَيْ حَالِهِ مِنْ رَخَاءٍ وَرُخْصٍ، فَالثُّلُثُ فِي الْغَلَاءِ وَالنِّصْفُ فِي الرُّخْصِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ ثُلُثِ مُدٍّ أَوْ نِصْفِهِ أَيْ مَثَلًا فَالْمَدَارُ عَلَى الزِّيَادَةِ بِحَسَبِ الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ، فَقَوْلُ مَالِكٍ: إنَّ الزِّيَادَةَ بِالِاجْتِهَادِ أَيْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] هُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: إنَّ الزِّيَادَةَ مُسْتَحَبَّةٌ] نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَقَوْلُهُ وَإِنَّهَا مَحْدُودَةٌ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ وَشَرْحِهِ، أَيْ شَرْحِ بَهْرَامَ وَكَلَامُ غَيْرِ وَاحِدٍ يُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا حَقِيقِيٌّ [قَوْلُهُ: لِقِلَّةِ الْأَقْوَاتِ بِهَا إلَخْ] أَيْ، وَأَهْلُ مَكَّةَ لَيْسُوا كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ بَلْ كَغَيْرِهِمْ، فِي اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّتَيْنِ
[ ٢ / ٢٥ ]
أَيْ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَفِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ (أَجْزَأَهُ)؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ النَّوْعَ الثَّانِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ، آتِيًا بِالْوَاوِ الْمُؤْذِنَة بِعَدَمِ التَّرْتِيبِ فَقَالَ (وَإِنْ كَسَاهُمْ) أَيْ، وَإِنْ اخْتَارَ كِسْوَةَ الْعَشَرَةِ مَسَاكِينَ (كَسَاهُمْ لِلرَّجُلِ قَمِيصٌ وَلِلْمَرْأَةِ قَمِيصٌ وَخِمَارٌ) وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْكِسْوَةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ وَسَطِ كِسْوَةِ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْإِطْعَامِ دُونَ الْكِسْوَةِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ النَّوْعَ الثَّالِثَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ، آتِيًا بِأَوْ الْمُؤْذِنَةِ بِالتَّخْيِيرِ فَقَالَ (أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ) شَرَطُوا فِيهَا شُرُوطًا أَحَدُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (مُؤْمِنَةٍ) فَلَا تُجْزِئُ الْكَافِرَةُ. ثَانِيهَا أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي تَشِينُ، كَالْعَمَى وَالْهَرَمِ وَالْعَرَجِ الشَّدِيدَيْنِ، أَمَّا مَا لَا يَشِينُ كَقَطْعِ الظُّفُرِ فَيُجْزِئُ. ثَالِثُهَا أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ احْتِرَازًا مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ يَشْتَرِيهِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ. رَابِعُهَا أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً احْتِرَازًا مِنْ الْمُشْتَرَكَةِ. خَامِسُهَا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا عَقْدُ حُرِّيَّةٍ احْتِرَازًا مِنْ نَحْوِ الْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ.
تَنْبِيهَاتٌ. الْأَوَّلُ: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ صَلَّى وَصَامَ لِيَتَخَلَّصَ لِلْوَظَائِفِ الْوَاجِبَاتِ. الثَّانِي
_________________
(١) [حاشية العدوي] مَفْقُودَانِ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، أَيْ لَيْسُوا كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيهِمَا. [قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ] أَيْ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَيَقُولُ بِالزِّيَادَةِ، إلَّا أَنَّهَا بِالِاجْتِهَادِ وَأَشْهَبُ يَحُدُّهَا بِالثُّلُثِ وَابْنُ وَهْبٍ بِالنِّصْفِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ هَذَا أَنَّ الثَّلَاثَةَ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ الزِّيَادَةِ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ مُفَادُ خَلِيلٍ فِي تَوْضِيحِهِ وَمَا شَرَحْنَا بِهِ كَلَامَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ بِاسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ، وَأَنَّهَا بِالِاجْتِهَادِ تَبِعَنَا فِيهِ بَعْضُ شُرَّاحِ مُخْتَصَرِهِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مُفَادَ بَعْضِ شُرَّاحِ مُخْتَصَرِهِ أَنَّ مَالِكًا وَابْنَ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ قَائِلُونَ بِاسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ. وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي قَدْرِهَا وَسَكَتُوا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُفَادُ خَلِيلٍ فِي تَوْضِيحِهِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِكِفَايَةِ الْمُدِّ، وَأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْأَشْيَاخِ الثَّلَاثَةِ يَقُولُ بِوُجُوبِ الزِّيَادَةِ، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ، وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَيَكْفِي فِيهَا الْمُدُّ اتِّفَاقًا. [قَوْلُهُ: وَهُوَ تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ] أَيْ مَعَ قَوْلِهِ وَأَحَبُّ إلَيْنَا إلَخْ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْمُسْتَحَبِّ لَا يُبْطِلُ. [قَوْلُهُ: لِلرَّجُلِ] الْمُرَادُ بِالرَّجُلِ الذَّكَرُ، وَبِالْمَرْأَةِ الْأُنْثَى؛ وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فِي إعْطَاءِ الْكِسْوَةِ وَالْأَمْدَادِ وَالْأَرْطَالِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي إعْطَاءِ الْأَمْدَادِ وَالْأَرْطَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّغِيرُ يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَلَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُعْطَى مِثْلُ الْكَبِيرِ، وَأَمَّا فِي الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِغْنَائِهِ عَنْ الرَّضَاعِ، وَلَوْ لَمْ يُسَاوِ الْكَبِيرَ فِي الْأَكْلِ، وَفِي الْكِسْوَةِ يُعْطَى كِسْوَةَ كَبِيرٍ مِنْ أَوْسَاطِ الرِّجَالِ، وَلَوْ كَانَ رَضِيعًا، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَخِيطًا وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْكِسْوَةُ جَدِيدَةً أَوْ لَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ حَيْثُ كَانَتْ قَوِيَّةً لَمْ تَذْهَبْ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْجَدِيدَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَمِيصُ بَلْ الثَّوْبُ السَّاتِرُ كَافٍ سَوَاءٌ كَانَ قَمِيصًا أَمْ لَا، وَلَا تُجْزِئُ عِمَامَةٌ وَحْدَهَا، وَلَا إزَارٌ لَا يَبْلُغُ أَنْ يَلْتَحِفَ بِهِ مُشْتَمِلًا فَإِنْ بَلَغَ ذَلِكَ أَجْزَأَ. [قَوْلُهُ: كَالْعَمَى إلَخْ] وَالْجُنُونِ وَالْبُكْمِ وَقَطْعِ الْأُذُنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُذْكَرُ فِي الظِّهَارِ وَيُجْزِئُ الْأَعْوَرُ وَهُوَ فَاقِدُ النَّظَرِ بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ فَقَدَ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ بَعْضَ نَظَرِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِئُ أَيْضًا [قَوْلُهُ: كَقَطْعِ الظُّفُرِ] لَا قَطْعَ الْأُصْبُعِ، فَذَهَابُ أُنْمُلَتَيْنِ لَا يَضُرُّ فِيمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ. [قَوْلُهُ: يُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ صَلَّى وَصَامَ] أَيْ يَعْقِلُ أَنَّ مَنْ فَعَلَهُمَا يُثَابُ، وَمَنْ تَرَكَهُمَا يُعَاقَبُ وَظَاهِرُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيلُ ظَاهِرًا فِيمَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ الْوَاجِبَاتِ أَيْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي حَقِّهِ مَنْدُوبَةً، وَلَا يَخْفَى شُمُولُهُ لِلصَّوْمِ مَعَ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يُنْدَبُ فِي حَقِّهِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ التَّعْلِيلَ فِي مُخْتَصَرِ الْبَرَادِعِيِّ، وَعِبَارَةُ الْبَرَادِعِيِّ وَعِتْقُ مَنْ صَلَّى وَصَامَ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرِيدُ مَنْ عَقَلَ الْإِسْلَامَ وَالصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ. قَالَ الشَّيْخُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ صَلَّى وَصَامَ يَكُونُ إسْلَامُهُ حَقِيقَةً بِالْفِعْلِ، وَفِي الصَّغِيرِ إنَّمَا يَكُونُ حُكْمًا. اهـ. فَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ تَعْلِيلِ الشَّارِحِ وَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عِتْقَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذَا السِّنَّ مُجْزٍ، وَإِنْ رَضِيعًا كَمَا فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنْ أَعْتَقَهُ كَذَلِكَ فَكَبُرَ أَخَرْسَ
[ ٢ / ٢٦ ]
[النذور وما يتعلق بها]
لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ فِي ذَلِكَ قِيمَةً. الثَّالِثُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ التَّكْفِيرُ بِالْعِتْقِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فَإِنْ كَفَّرَ بِهِ لَمْ يُجْزِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ النَّوْعَ الرَّابِعَ الَّذِي لَا يُجْزِئُ إلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلِذَا أَتَى بِالْفَاءِ الْمُؤْذِنَةِ بِالتَّعْقِيبِ فَقَالَ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُكَفِّرُ (ذَلِكَ) أَيْ الْعِتْقَ (وَلَا إطْعَامًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يُتَابِعْهُنَّ) اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ أَوْلَى يَدُلُّ عَلَى مَا قَيَّدْنَا بِهِ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ قَوْلُهُ: (فَإِنْ فَرَّقَهُنَّ) أَيْ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ (أَجْزَأَهُ)، وَإِذَا فَرَّقَ صَوْمَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ.
(وَ) يُبَاحُ (لَهُ) أَيْ لِلْحَالِفِ (أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ) ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى بِرٍّ أَوْ عَلَى حِنْثٍ كَانَتْ كَفَّارَتُهُ بِالصَّوْمِ أَوْ غَيْرِهِ (وَ) لَكِنَّ تَكْفِيرَهُ (بَعْدَ الْحِنْثِ أَحَبُّ إلَيْنَا) أَيْ إلَى الْمَالِكِيَّةِ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْأَيْمَانِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النُّذُورِ جَمْعُ نَذْرٍ، وَهُوَ لُغَةً الْوُجُوبُ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أَيْ أَوْجَبْتُ وَشَرْعًا الْتِزَامُ مَا يَلْزَمُ مِنْ الْقُرَبِ فَقَالَ «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ
_________________
(١) [حاشية العدوي] أَوْ أَصَمَّ أَوْ مُقْعَدًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ [قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ فِي ذَلِكَ قِيمَةً] أَيْ مِنْ الْإِطْعَامِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ] أَيْ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلسَّيِّدِ قَالَهُ عج. وَكَذَا لَيْسَ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ، وَالصَّوْمُ أَوْلَى، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِذَلِكَ بَلْ جَمِيعُ الْكَفَّارَاتِ لَيْسَ لِلْعَبْدِ التَّفْكِيرُ بِالْعِتْقِ. [قَوْلُهُ: أَيْ الْعِتْقَ] أَيْ وَالْكِسْوَةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَلَا إطْعَامًا، وَالْعَجْرُ عَمَّا تَقَدَّمَ بِأَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِينَ، وَيُعْتَبَرُ حِينَ الْإِخْرَاجِ لَا حِينَ الْحِنْثِ، وَلَا حِينَ الْيَمِينِ، فَإِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ لِعَجْزِهِ عَنْ أَقَلِّ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ أَيْسَرَ، فَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِلتَّكْفِيرِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ كَمَالِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ كَمَالِ الثَّالِثِ نُدِبَ لَهُ الرُّجُوعُ لِلتَّكْفِيرِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَلَا يُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الطَّعَامِ، كَمَا إذَا أَعْتَقَ وَكَسَا، وَأَطْعَمَ وَكَسَا، وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ لِبَعْضِهِمْ أَمْدَادًا وَبَعْضِهِمْ أَرْطَالًا أَوْ دَفَعَ لِكُلٍّ نِصْفَ مُدٍّ وَرَطْلًا أَوْ نِصْفَهُ وَغَدَاءً أَوْ عَشَاءً فَيُجْزِئُ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَخْرُجُ مَا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ ثَلَاثَةٌ فَأَطْعَمَ عَشَرَةَ وَكَسَا عَشَرَةَ، وَأَعْتَقَ رَقَبَةً وَقَصْدَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْهَا عَنْ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ، سَوَاءٌ عَيَّنَ كُلَّ كَفَّارَةٍ لِيَمِينٍ أَمْ لَا وَكَذَا يُجْزِئُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الْمُضِرُّ أَنْ يَشْتَرِكَ بِأَنْ يَجْعَلَ الْعِتْقَ عَنْ الثَّلَاثَةِ وَكَذَا الْإِطْعَامُ وَالْكِسْوَةُ [قَوْلُهُ: وَإِذَا فَرَّقَ صَوْمَهَا] مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُفَرِّقْ لَاكْتَفَى بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّبْيِيتِ كُلَّ لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّتَابُعَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ إطْعَامًا أَوْ كِسْوَةً وَشَرَعَ فِيهَا الْمُتَابَعَةُ فَوْرًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا] وَالصَّوَابُ أَنَّ مَحِلَّ الْإِجْزَاءِ إذَا كَانَتْ بِاَللَّهِ أَوْ بِعِتْقٍ مُعَيَّنٍ أَوْ طَلَاقٍ بَالِغِ الْغَايَةِ أَوْ بِصَدَقَةٍ بِمُعَيَّنٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْيَمِينُ فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى حِنْثٍ أَوْ بَرٍّ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِمَشْيٍ أَوْ بِصِيَامٍ أَوْ بِصَدَقَةٍ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ بِعِتْقٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ بِطَلَاقٍ قَاصِرٍ عَنْ الْغَايَةِ، فَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ صِيغَةَ حِنْثٍ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِأَجَلٍ لَا إنْ كَانَتْ صِيغَةَ بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ مُقَيَّدَةً بِأَجَلٍ فَلَا يُجْزِئُ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُخْرِجُهَا فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ قَبْلَ حِنْثِهِ إذْ إخْرَاجُهُ لَهَا فِيهِ عَزْمٌ عَلَى الضِّدِّ؟ . قُلْتُ: يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي عَزْمِهِ عَلَى الضِّدِّ، ثُمَّ يَجْزِمُ بِهِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ وَفِي الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي إجْزَائِهِ عَنْهَا مَعَ التَّرَدُّدِ، وَصُورَةُ الطَّلَاقِ الْبَالِغِ الْغَايَةَ أَنْ يَقُولَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ مُتَمِّمُهَا، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ شَرْعِيٍّ قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ ثُمَّ دَخَلَهَا وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِطْلَاقُ التَّكْفِيرِ عَلَيْهَا مَجَازٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا تَعُودُ إلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الْعِصْمَةِ الْجَدِيدَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَّقَهَا دُونَ الْغَايَةِ ثُمَّ عَادَتْ لَهُ، وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تَعُودُ عَلَيْهَا الْيَمِينُ فَلَا يَدْخُلُ الدَّارَ فَإِنْ دَخَلَهَا حَنِثَ. [قَوْلُهُ: أَيْ إلَى الْمَالِكِيَّةِ] أَيْ لَا غَيْرِهِمْ وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا فَالْأَحْسَنُ أَحَبُّ إلَيْنَا أَيْ الْمُصَنِّفِ رَدًّا عَلَى أَشْهَبَ، الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ، أَوْ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ جَوَازِ تَقْدِيمِ الصَّوْمِ دُونَ غَيْرِهِ. [النُّذُور وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا] [قَوْلُهُ: وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] أَيْ مِنْ بَيَانِ الْكَفَّارَةِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً الْوُجُوبُ] الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ أَيْ أَوْجَبْتُ أَنْ يَقُولَ: الْإِيجَابُ [قَوْلُهُ: وَشَرْعًا الْتِزَامُ] الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ
[ ٢ / ٢٧ ]
فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» هَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ فِي الصَّحِيحِ فَبَيَّنَ - ﷺ -: " أَنَّ النَّذْرَ عَلَى قِسْمَيْنِ. نَذْرُ طَاعَةٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَنَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ " وَلَكِنْ هَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَذَرَ صَدَقَةَ مَالِ غَيْرِهِ أَوْ عِتْقَ) رَقَبَةِ (عَبْدِ غَيْرِهِ) كُرِهَ (لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لَا صَدَقَةٌ وَلَا عِتْقٌ مَا وَلَمْ يُعَلِّقْ فَإِنْ عَلَّقَ بِشَرْطٍ لَزِمَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْهُورِ نَحْوَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ عَبْدَ فُلَانٍ إنْ مَلَكْته.
وَقَسَّمَ النَّذْرَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٌ مُعَلَّقٌ وَهُوَ مَا عُلِّقَ بِمُتَوَقَّعٍ، وَمُطْلَقٌ وَهُوَ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِشَيْءٍ، وَمُبْهَمٌ وَهُوَ مَا لَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ، وَأَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا) سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ حَرَامًا أَوْ كَيْفَمَا كَانَ (فَعَلَيَّ نَذْرِ كَذَا) فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا نَذَرَ إنْ فَعَلَ مَا شَرَطَهُ (وَكَذَا) إنْ قَالَ (لِشَيْءٍ يَذْكُرُهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ مِنْ صَلَاةٍ) أَيْ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ
_________________
(١) [حاشية العدوي] أَيْ أَوْجَبْتُ أَنْ يَقُولَ إيجَابٌ، أَيْ إلْزَامُ نَفْسِهِ قُرْبَةً، وَقَوْلُهُ مَا يَلْزَمُ أَيُّ شَيْءٍ يَلْزَمُ وَالْأَحْسَنُ حَذْفُ قَوْلِهِ يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ هَذَا اللُّزُومَ مِنْ الِالْتِزَامِ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْقُرَبِ أَيْ جِنْسِ الْقُرَبِ بَيَانٌ لِمَا أَيْ الْتِزَامِ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ أَيْ لَا كَافِرٍ، وَنُدِبَ لَهُ الْوَفَاءُ بِهِ إنْ أَسْلَمَ وَلَا صَبِيٍّ وَنُدِبَ لَهُ وَفَاؤُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَشَمِلَ الْمُكَلَّفُ الْعَبْدَ يَنْذُرُ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ وَلِرَبِّهِ مَنْعُهُ فِي غَيْرِ الْمَالِ إنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ حَيْثُ نَذَرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ وَكَانَ مَضْمُونًا، وَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ وَشَمِلَ أَيْضًا السَّفِيهَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَيَلْزَمُهُ نَذْرُ غَيْرِ الْمَالِ لَا الْمَالِ فَلَا يَلْزَمُهُ، فَعَلَى وَلِيِّهِ رَدُّهُ كُلُّهُ، وَرَدُّهُ إبْطَالٌ فَإِنْ رَدَّهُ سَقَطَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ وَاسْتَمَرَّ بِيَدِهِ حَتَّى رَشَدَ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَشَمِلَ أَيْضًا مَرِيضًا وَزَوْجَةً رَشِيدَةً، وَلَوْ بِزَائِدِ الثُّلُثِ فِيهِمَا لَكِنْ إنْ أَجَازَهُ الزَّوْجُ وَالْوَارِثُ، وَإِلَّا نَفَذَ ثُلُثُ الْمَرِيضِ وَلِلزَّوْجِ رَدُّ الْجَمِيعِ. وَشَمِلَ أَيْضًا نَذْرَ مَنْ سَكَرَ بِحَرَامٍ حَالَ سُكْرِهِ وَأَوْلَى قَبْلَهُ وَيَلْزَمُهُمَا الْوَفَاءُ بِهِ إذَا أَفَاقَا لَا بِحَلَالٍ، فَكَالْمَجْنُونِ وَانْظُرْ هَلْ يُنْدَبُ لَهُمَا الْوَفَاءُ إذَا أَفَاقَا وَفِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْمَجْنُونَ يُنْدَبُ لَهُ الْوَفَاءُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ كَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْقُرَبِ أَيْ الْمَنْدُوبَةِ، وَلَزِمَ نَذْرُ صَوْمِ رَابِعِ النَّحْرِ، وَإِحْرَامٍ بِحَجٍّ قَبْلَ زَمَانِهِ أَوْ مَكَانِهِ مَعَ كَرَاهَةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ وَالْإِحْرَامَ مَطْلُوبَانِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الزَّمَنِ، وَغَيْرُ مَطْلُوبِينَ عِنْدَ مُلَاحَظَتِهِ، فَالنَّذْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا نَظَرًا لِلْحَالَةِ الْأُولَى. وَانْظُرْ نَذْرَ صَلَاةٍ بَعْدَ فَجْرٍ وَفَرْضِ عَصْرٍ وَبَقِيَّةِ الْمَكْرُوهَاتِ هَلْ تَلْزَمُ أَيْضًا نَظَرًا لِمُطْلَقِ النَّفْلِ أَوْ لَا نَظَرًا لِلْوَقْتِ، وَقُلْنَا الْمَنْدُوبَةِ احْتِرَازًا عَنْ نَذْرِ الْوَاجِبِ فَلَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ وَانْظُرْ حُكْمَ الْإِقْدَامِ وَاسْتَظْهِرْ التَّحْرِيمَ وَعَنْ نَذْرِ الْمُحَرَّمِ كَزِنًا وَالْمَكْرُوهِ كَنَذْرِ نَفْلٍ بَعْدَ فَرْضِ عَصْرٍ، وَالْمُبَاحِ كَنَذْرِ مَشْيٍ بِسُوقٍ إذْ لَا قُرْبَةَ فِيهِ، وَنَذْرُ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ، وَفِي كَوْنِهِ الْمَكْرُوهَ وَالْمُبَاحَ كَذَلِكَ أَوْ مِثْلَهُمَا، قَوْلًا. الْأَكْثَرُ مَعَ ظَاهِرِ الْمُوَطَّإِ وَالْمُقَدَّمَاتِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قِيلَ: وَلَعَلَّ وَجْهَ الْحُرْمَةِ فِيهِمَا أَنَّ فِيهِ قَلْبَ الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ مَوْضُوعِهَا حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِهِ الْمَنْدُوبُ. [قَوْلُهُ: فَلْيُطِعْهُ] أَيْ وُجُوبًا بِفِعْلِ مَا نَذَرَهُ وَلَوْ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِنَذْرِ اللُّجَاجِ أَوْ قَصَدَ بِهِ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِنَذْرِ التَّبَرُّرِ، كَمِنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدِهِ لِكَرَاهَةِ إقَامَتِهِ عِنْدَهُ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ [قَوْلُهُ: كُرِهَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ] بَحَثَ فِيهِ عج بِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، وَنَذْرُ الْمُبَاحِ حَرَامٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَأَمَّا إنْ أَرَادَ مِلْكَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ نَذْرِ الْمَنْدُوبِ فَلَا يُكْرَهُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَمَنْ نَذَرَ إلَخْ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَمْلِيكَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ إذَا مَلَكَهُ. [قَوْلُهُ: بِشَرْطٍ] أَيْ عَلَى شَرْطٍ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لَا يَلْزَمُهُ. [قَوْلُهُ: بِمُتَوَقَّعٍ] أَيْ بِمَرْجُوِّ الْحُصُولِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ؛ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ، وَإِلَّا فَغَيْرُهُ كَذَلِكَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ [قَوْلُهُ: أَوْ كَيْفَمَا كَانَ] أَيْ أَوْ مَا كَانَ عَلَى أَيِّ كَيْفِيَّةٍ أَيْ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: نَذْرُ كَذَا] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ مَنْذُورٍ وَهُوَ كَذَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ [قَوْلُهُ: وَكَذَا] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ كَذَا الثَّانِي مُسْتَأْنَفٌ مُرْتَبِطٌ بِمَا بَعْدَهُ [قَوْلُهُ: لِشَيْءٍ] اللَّامُ زَائِدَةٌ أَيْ وَكَذَا إنْ ذَكَرَ شَيْئًا أَيْ بِلِسَانِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ كَمَا قَالَهُ تت فَقَوْلُهُ يَذْكُرُهُ تَأْكِيدٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تِلْكَ الْجُزَيْئَاتِ مِنْ مَا صَدَقَاتُ كَذَا الْأَوَّلِ، فَهِيَ مُسْتَغْنًى عَنْهَا، وَلَا أَوْجَبَ هَذَا إلَّا جَعَلَهُ كَذَا الثَّانِيَ مُسْتَأْنَفَةً. وَالْأَحْسَنُ أَنَّ وَكَذَا الثَّانِي مَعْطُوفٌ عَلَى كَذَا الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ لِشَيْءٍ يَذْكُرُهُ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُ قِيلَ أَيُّ شَيْءٍ كَذَا وَكَذَا،
[ ٢ / ٢٨ ]
(أَوْ صَوْمٍ) كَذَلِكَ (أَوْ حَجٍّ) كَذَلِكَ (أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ صَدَقَةِ شَيْءٍ سَمَّاهُ فَذَلِكَ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرَ مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَمَا بَعْدَهَا يُرِيدُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْقُرَبِ كَالْعِتْقِ وَالذِّكْرِ (يَلْزَمُهُ) مَا نَوَاهُ أَوْ سَمَّاهُ إنْ حَنِثَ أَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ الصَّلَاةَ وَلَا سَمَّاهَا فَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ وَهُوَ رَكْعَتَانِ.
وَأَمَّا الصَّوْمُ إذَا لَمْ يُسَمِّهِ فَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّوْمِ، وَهُوَ يَوْمٌ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ فَكَلَّمَهُ لَزِمَهُ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَأَمَّا الصَّدَقَةُ إذَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَيَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَالِهِ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ أَمَّا إذَا سَمَّى فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا سَمَّاهُ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ ع فَإِنْ ذَكَرَ الدَّارَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا هِيَ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ بَعْدُ: وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ صَدَقَةً أَوْ هَدْيًا أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ. فَقَالَ الشُّيُوخُ قَوْلُهُ: وَمَنْ جَعَلَ إلَى آخِرِهِ يُرِيدُ إذَا جَعَلَهُ كُلَّهُ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا سَمَّاهُ. أَمَّا إذَا سَمَّاهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا سَمَّى، وَهُوَ الَّذِي قَالَ هُنَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. انْتَهَى.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي آتِيًا بِكَافِ التَّشْبِيهِ فَقَالَ (كَمَا يَلْزَمُهُ لَوْ نَذَرَهُ مُجَرَّدًا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ) أَيْ يَلْزَمُهُ الْمُقَيَّدُ بِوُقُوعِهِ كَمَا يَلْزَمُهُ الَّذِي لَا تَعْلِيقَ فِيهِ نَحْوَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَلَاةٌ أَوْ غَيْرُهَا.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لِنَذْرِهِ مَخْرَجًا مِنْ الْأَعْمَالِ) كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَمْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] فَقَالَ شَيْءٌ يَذْكُرُهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ، وَاللَّامُ فِي لِشَيْءٍ زَائِدَةٌ وَقَوْلُهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ بَيَانٌ لِشَيْءٍ، وَإِضَافَةُ فِعْلٍ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ لِلْخَاصِّ فَهِيَ لِلْبَيَانِ، وَقَوْلُهُ مِنْ صَلَاةٍ بَيَانٌ لِفِعْلِ الْبِرِّ، وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْحَرَامِ وَالْمُبَاحِ فَلَا يَلْزَمُهُ تت [قَوْلُهُ: سَمَّاهُ] أَيْ بَيَّنَ قَدْرَهُ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً فَالتَّعْمِيمُ الْأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِأَصْلِ الْعِبَادَةِ، وَهَذَا مُتَعَلِّقٌ بِبَيَانِ الْقَدْرِ. [قَوْلُهُ: مِنْ الصَّلَوَاتِ] الْمُنَاسِبُ لِمَا تَقَدَّمَ الصَّلَاةُ [قَوْلُهُ: مَا نَوَاهُ أَوْ سَمَّاهُ] لَوْ قَالَ مَا سَمَّاهُ الشَّامِلُ لِلِّسَانِ وَالْقَلْبِ لَكَفَاهُ وَيُطَابِقُ مَا تَقَدَّمَ. تَنْبِيهٌ: يَلْزَمُهُ مَا فِي نِيَّتِهِ إنْ تَخَالَفَ مَعَ لَفْظِهِ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: إنْ حَنِثَ] اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أُجِيبَ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْحِنْثِ عَلَى النَّذْرِ الْمُقَيَّدِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَجَازٌ [قَوْلُهُ: اسْمُ الصَّلَاةِ] يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَأَنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ [قَوْلُهُ: فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ] هَذَا التَّمْثِيلُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ قَبْلُ فَيَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَالِهِ أَيْ أَنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَدَقَةُ مَالِي، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَالِهِ، وَأَمَّا إذَا قَالَ: فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ، وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَيَتَصَدَّقُ بِالدِّرْهَمِ وَنِصْفِهِ وَرُبُعِهِ وَالْفَلْسِ وَالْفَلْسَيْنِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ. قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: إنْ الْتَزَمَ مُطْلَقَ الصَّوْمِ فَيَوْمٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَكْثَرَ أَوْ مُطْلَقَ الصَّلَاةِ فَرَكْعَتَانِ أَوْ مُطْلَقَ الصَّدَقَةِ فَأَقَلُّ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ. قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَأَتَى بِعِبَادَةٍ كَامِلَةٍ إنْ نَذَرَ صَوْمَ بَعْضِ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةَ رَكْعَةٍ أَوْ طَوَافَ شَوْطٍ [قَوْلُهُ: يَلْزَمُهُ مَا سَمَّاهُ وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ] أَيْ فَإِذَا سَمَّى شَيْئًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا سَمَّاهُ بِنَحْوِ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ بَلْ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ، كَمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَلْفُ دِينَارٍ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ سِوَى ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ تِلْكَ الْأَلْفُ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ ذَكَرَ الدَّارَ إلَخْ] كَمَا إذَا قَالَ دَارِي الْفُلَانِيَّةُ صَدَقَةٌ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ، وَإِنْ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ جَمِيعَ مَالِهِ [قَوْلُهُ: وَهَذَا بِخِلَافٍ] أَيْ فَبَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ تَنَافٍ [قَوْلُهُ: فَقَالَ الشُّيُوخُ] جَوَابُ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي قَالَ هُنَا] أَيْ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَوْ صَدَقَةَ شَيْءٍ سَمَّاهُ [قَوْلُهُ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ مِنْ كَوْنِهِ إذَا لَمْ يُسَمِّ يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ، وَإِذَا سَمَّى يَلْزَمُهُ كُلُّهُ وَمُقَابِلُهُ فِي الْأَوْلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ، وَهُوَ لِسَحْنُونٍ وَجَمِيعُهُ وَهُوَ لِابْنِ وَهْبٍ وَمُقَابِلُهُ فِي الثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ وَهُوَ لِأَصْبُغَ. [قَوْلُهُ: أَيْ يَلْزَمُهُ الْمُقَيَّدُ بِوُقُوعِهِ إلَخْ] ظَاهِرُهُ بِوُقُوعِ الْمُقَيَّدِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَيْ يَلْزَمُهُ الْمُقَيَّدُ بِوُقُوعِ شَيْءٍ عِنْدَ وُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ [قَوْلُهُ: أَيْ يَلْزَمُهُ الْمُقَيَّدُ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَافَ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ الْفُقَهَاءِ، أَنَّ الْكَافَ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمُشَبَّهِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَجْعَلَهَا دَاخِلَةً عَلَى الْمُشَبَّهِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لِنَذْرِهِ مَخْرَجًا إلَخْ] أَيْ وَلَمْ يَنْوِ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّسْمِيَةِ مَا يَشْمَلُ التَّسْمِيَةَ فِي اللَّفْظِ أَوْ فِي النِّيَّةِ كَمَا أَفَادَهُ تت [قَوْلُهُ: مَخْرَجًا] مَحِلُّ الْخُرُوجِ أَيْ لَمْ يُسَمِّ لِنَذْرِهِ شَيْئًا يُخْرِجُ مِنْهُ
[ ٢ / ٢٩ ]
[تكرر الكفارة وعدم تكررها بتكرر اليمين]
يُسَمِّ هَلْ هُوَ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَمَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرَةٍ أَوْ شِبْهِهِ) كَالنَّبِيذِ (أَوْ) نَذَرَ (مَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ) كَالْمُبَاحَةِ وَالْمَكْرُوهِ (فَلَا شَيْءَ) أَيْ لَا كَفَّارَةَ (عَلَيْهِ لِيَمِينِهِ) فِي الْفَرْعَيْنِ، وَفِي كَلَامِهِ تَكْرَارٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَرْعِ الْأَوَّلِ مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ قَوْلُهُ (وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ) رَاجِعٌ لِنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ فَقَطْ أَوْ لَهُ وَلِمَا بَعْدَهُ قَوْلَانِ.
(وَإِنْ حَلَفَ) إنْسَانٌ (بِ) اسْمِ (اللَّهِ) أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ النَّفْسِيَّةِ أَوْ الْمَعْنَوِيَّةِ (لَيَفْعَلَنَّ مَعْصِيَةً) مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى كَشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ أَوْ سَبِّ مَنْ لَا يَجُوزُ سَبُّهُ (فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ) الَّذِي حَلَفَهُ (وَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ) الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ (وَإِنْ تَجَرَّأَ) أَيْ اقْتَحَمَ (فَفَعَلَهُ) أَيْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَلَمْ يُبَالِ بِعُقُوبَةِ عَاقِبَتِهِ (فَهُوَ آثِمٌ) لِفِعْلِهِ الْمَعْصِيَةَ (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِيَمِينِهِ)؛ لِأَنَّهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى تَكَرُّرِ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِ تَكَرُّرِهَا بِتَكَرُّرِ الْيَمِينِ بِالصِّفَاتِ فَقَطْ أَوْ بِهَا وَبِالْأَسْمَاءِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ)؛ لِأَنَّ الْعَهْدَ يَمِينٌ وَالْمِيثَاقَ يَمِينٌ فَإِذَا جَمَعَهُمَا فَقَدْ حَلَفَ يَمِينَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَعَدَّدُ عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَ وَصَحَّحُوا تَأْوِيلَهُ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَأَشَارَ إلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ (وَلَيْسَ عَلَى مَنْ وَكَّدَ الْيَمِينَ فَكَرَّرَهَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ غَيْرُ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ) مِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ.
وَإِذَا كَرَّرَ الْيَمِينَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَمْ تَتَعَدَّدْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] النَّذْرَ أَيْ يَتَحَقَّقُ بِهِ مِنْ تَحَقُّقِ الْكُلِّيِّ فِي بَعْضِ جُزْئِيَّاتِهِ، وَمِثْلُ النَّذْرِ الَّذِي لَا مَخْرَجَ لَهُ الْيَمِينُ وَالْكَفَّارَةُ كَمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ كَفَّارَةٌ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ [قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ] أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَاللَّغْوِ وَالْغَمُوسِ وَالْكَفَّارَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَحِلَّ كَوْنِهِ نَذْرًا مُبْهَمًا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ وَكَعَلَيَّ نَذْرٌ حَيْثُ لَمْ يُعَلِّقْهُ فَإِنْ عَلَّقَهُ فَيَمِينٌ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صِيغَةُ نَذْرٍ مُطْلَقًا، وَعَلَيَّ كَذَا صِيغَتُهُ إنْ لَمْ يُعَلِّقْ، وَإِلَّا فَيَمِينٌ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ إلَخْ] هَذَا يُفِيدُ وُجُودَ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَوَجَدْت فِي كَلَامِ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا مَا يُفِيدُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْمُخَالِفَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فَلَهُ قَوْلَانِ: قَوْلٌ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ، وَقَوْلٌ بِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. [قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِلْفَرْعِ الْأَوَّلِ] أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَمَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً [قَوْلُهُ: خَمْرٍ] هُوَ الْمُسْكِرُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ، وَالنَّبِيذُ هُوَ الْمُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهِ [قَوْلُهُ: وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ] الْمُرَادُ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّوْبَةُ [قَوْلُهُ: أَوْ لَهُ وَلِمَا بَعْدَهُ] هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ. [قَوْلُهُ: أَوْ الْمَعْنَوِيَّةِ] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْمَعَانِيَ [قَوْلُهُ: فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ] وَمِثْلُ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ الْحَلِفُ بِالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ فَيُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِ النَّذْرِ وَلَا يَفْعَلُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْيَمِينُ مِمَّا لَا تُكَفَّرُ كَالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الزَّوْجَةِ وَعِتْقُ الْعَبْدِ، لَكِنْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ لَبَرَّ هَذَا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِالْأَجَلِ، وَإِنْ قَيَّدَهُ بِالْأَجَلِ فَلَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ حَتَّى يَحِلُّ [قَوْلُهُ: أَيْ اقْتَحَمَ] أَيْ ارْتَكَبَ وَقَوْلُهُ وَفَعَلَهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَقَوْلُهُ وَلَمْ يُبَالِ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ بِالصِّفَاتِ فَقَطْ مُتَعَلِّقٌ بِتَكَرُّرِ الْيَمِينِ أَيْ يُكَرِّرُ الْيَمِينَ بِالصِّفَاتِ أَوْ تَصْوِيرٌ لِلْيَمِينِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ الْمَحْلُوفَ بِهِ، وَأَرَادَ الصِّفَاتِ وَلَوْ بِحَسَبِ اللَّفْظِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ يَرْجِعَانِ إلَى صِفَةِ الْكَلَامِ. [تَكَرُّرِ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِ تَكَرُّرِهَا بِتَكَرُّرِ الْيَمِينِ] [قَوْلُهُ: أَوْ بِهَا وَبِالْأَسْمَاءِ] أَيْ أَوْ بِالْأَسْمَاءِ فَقَطْ [قَوْلُهُ: فِي يَمِينٍ] اُحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَمِينٍ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ عَهْدٌ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَإِنَّهُ غَيْرُ يَمِينٍ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعَهْدَ يَمِينٌ إلَخْ] إشَارَةٌ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ الِاسْمُ أَوْ الصِّفَةُ الْمَحْلُوفُ بِهَا [قَوْلُهُ: فَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ] أَيْ سَوَاءٌ قَصَدَ الْحَالِفُ بِتَعَدُّدِهَا التَّأْكِيدَ أَوْ الْإِنْشَاءَ أَوْ لَا قَصْدَ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ كَفَّارَاتٍ، وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةِ الْمَعَانِي أَوْ بِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ [قَوْلُهُ: تَأْوِيلُهُ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَصَحَّحُوا تَأْوِيلَ الْمُدَوَّنَةِ بِهِ [قَوْلُهُ: أَشَارَ إلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي إلَخْ] لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا شَامِلٌ لِلْأَسْمَاءِ مَعَ الصِّفَاتِ وَلِلْأَسْمَاءِ فَقَطْ بَلْ وَلِلصِّفَاتِ فَقَطْ وَلَا يَتَكَرَّرُ مَعَ السَّابِقِ
[ ٢ / ٣٠ ]
وَإِنْ قَصَدَ التَّكْرَارَ عَلَى الْمَشْهُورِ مَا لَمْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، يَعْنِي أَنَّ الْحَالِفَ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَاتِهِ إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ كَرَّرَ الْيَمِينَ بِذَلِكَ الِاسْمِ بِعَيْنِهِ أَوْ الصِّفَةِ بِعَيْنِهَا عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ نَوَى بِالْيَمِينِ الثَّانِيَةِ تَأْكِيدَ الْأُولَى أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ تَتَعَدَّدْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَصَدَ تَعَدُّدَ الْكَفَّارَةِ تَعَدَّدَتْ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَصَدَ الْإِنْشَاءَ بِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إلَى تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ اهـ.
وَمَفْهُومٌ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَهَا فِي شَيْئَيْنِ مَثَلًا لَزِمَ لِكُلِّ كَفَّارَةٍ يَمِينٌ نَحْوِ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَاَللَّهِ لَا آكُلُ هَذَا الطَّعَامَ وَاَللَّهِ لَا أَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ. (وَمَنْ قَالَ) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ: (أَشْرَكْت بِاَللَّهِ أَوْ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ) أَوْ عَابِدُ وَثَنٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ (إنْ فَعَلَ كَذَا) ثُمَّ فَعَلَهُ (فَلَا شَيْءَ) أَيْ لَا كَفَّارَةَ (عَلَيْهِ) فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَوْ صِفَاتِهِ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ يَمِينٌ (وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ الِاسْتِغْفَارِ) ظَاهِرُهُ وَلَا تُطْلَبُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ وَقِيلَ تُطْلَبُ مِنْهُ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ.
(وَمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ) مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (فَلَا شَيْءَ) أَيْ لَا كَفَّارَةَ (عَلَيْهِ) وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِغْفَارُ؛ لِأَنَّهُ آثِمٌ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَرِّمَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] وَيُسْتَثْنَى مِمَّا قَالَ مَسْأَلَتَانِ، أَشَارَ إلَى إحْدَاهُمَا بِقَوْلِهِ (إلَّا فِي زَوْجَتِهِ) إذَا قَالَ هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ (فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا طَلَاقُهَا ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لَهُ (إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ) هَذَا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَأَمَّا غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَيَنْوِي فِيهَا كَمَا سَيَقُولُ فِي النِّكَاحِ. وَالثَّانِيَةُ: إذَا حَرَّمَ أَمَتَهُ وَنَوَى بِهِ الْعِتْقَ فَإِنَّهَا تَصِيرُ حُرَّةً بِذَلِكَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ لَا يَطَؤُهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ.
(وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ كُلَّهُ صَدَقَةً) لِلَّهِ تَعَالَى (أَوْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] لِأَنَّهُ فِي هَذَا أَتَى بِحَرْفِ الْقَسَمِ كَوَاللَّهِ [قَوْلُهُ: وَكَّدَ] أَرَادَ التَّوْكِيدَ [قَوْلُهُ: وَإِنْ قَصَدَ التَّكْرَارَ] أَيْ قَصَدَ الْإِنْشَاءَ [قَوْلُهُ: أَوْ صِفَاتِهِ] أَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ تُجَوِّزُ الْجَمْعَ أَيْ أَوْ بِهِمَا [قَوْلُهُ: فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ] وَقِيلَ تَتَعَدَّدُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأَيْمَانُ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَالظِّهَارُ مِثْلُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ بِخِلَافِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ بِتَعَدُّدِهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّأْكِيدَ إذَا كَرَّرَهَا بِغَيْرِ عَطْفٍ، أَيْ وَكَانَ نَسَقًا؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ يُشَدَّدُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا. [قَوْلُهُ: وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ إلَخْ] أَيْ وَالِاعْتِصَامُ كَائِنٌ بِاَللَّهِ [قَوْلُهُ: أَوْ عَابِدِ وَثَنٍ] وَمِثْلُ ذَلِكَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْإِرْشَادِ [قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ الِاسْتِغْفَارِ] الْمُرَادُ مِنْهُ التَّوْبَةُ أَيْ وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ زِيَادَةٌ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ مِنْ التَّقَرُّبِ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ، كَعِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ صَوْمٍ وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلَ كَذَا يَكُونُ مُرْتَدًّا أَوْ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ يَكُونُ وَاقِعًا فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ تُطْلَبُ مِنْهُ] أَيْ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ ضَعِيفٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ. [قَوْلُهُ: إذَا قَالَ هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ] أَيْ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ وَعَزَلَ الزَّوْجَةَ أَوَّلًا قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِالْيَمِينِ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الزَّوْجَةِ، وَتِلْكَ النِّيَّةِ تَكْفِيهِ وَلَوْ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَحْلِفُ أَوَّلًا وَقَوْلُنَا أَوَّلًا احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ طَرَأَتْ نِيَّةُ الْعَزْلِ بَعْدَ النُّطْقِ بِالْيَمِينِ فَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ نُطْقًا مُتَّصِلًا وَقَصْدِ حِلِّ الْيَمِينِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا] مُلَخَّصُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا يَلْزَمُهُ فِيهَا الثَّلَاثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَقَلَّ [قَوْلُهُ: وَنَوَى بِهِ الْعِتْقَ]، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْعِتْقَ فَهِيَ كَتَحْرِيمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَا يَلْزَمُ بِتَحْرِيمِهِ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ. مَسْأَلَةٌ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا حَلَلْتِ حَرُمْتِ فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ زَوْجٍ (فِي جَوَابِهِ) تَفْصِيلٌ إنْ قَصَدَ كُلَّمَا حَلَّ لِي الْعَقْدُ عَلَيْك فَهُوَ حَرَامٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمِ الطَّعَامِ، وَإِنْ قَصَدَ كُلَّمَا حَلَلْت وَتَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ حَرَامٌ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ فَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الثَّانِي لِكَثْرَةِ قَصْدِ التَّأَمُّلِ لَهُ. [قَوْلُهُ: وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ إلَخْ] يَعْنِي أَنَّ الْحَالِفَ بِمَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ أَوْ هِبَتِهِ لَهُمْ أَوْ هَدْيٍ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ قُرْبَةٌ مُعَيَّنَةٌ
[ ٢ / ٣١ ]
هَدْيًا) يَبْعَثُهُ (إلَى بَيْتِ اللَّهِ) الْحَرَامِ (أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ) ع يُرِيدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ وَيُرِيدُ أَيْضًا مَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا أَمَّا إذَا سَمَّى لَزِمَهُ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلُ: أَوْ صَدَقَةُ شَيْءٍ سَمَّاهُ. وَيُرِيدُ مَا لَمْ يَسْتَثْنِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا أَمَّا إذَا اسْتَثْنَى مِنْ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ وَلَوْ دِرْهَمًا، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ - ﵁ - حِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْجُرُ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْت فِيهَا الذَّنْبَ وَأُجَاوِرُك وَأَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ - ﵊ -: «يَجْزِيك مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ» .
(وَمَنْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ) الْوَاحِدِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَحْرُ وَلَدِي (فَإِنْ ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ) الْخَلِيلَ - ﵊ - (أَهْدَى هَدْيًا) وَاحِدًا، وَأَعْلَاهُ بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ ثُمَّ شَاةٌ (يُذَبَّحُ بِمَكَّةَ) بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ بِهِ مِنْ الْحِلِّ أَوْ بِمِنًى إنْ أَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ وَاخْتُلِفَ هَلْ الْهَدْيُ الْمَذْكُورُ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ قَوْلُ
_________________
(١) [حاشية العدوي] فَإِنَّهُ إذَا حَنِثَ يَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَالِهِ مِنْ عَيْنٍ وَدَيْنٍ أَيْ عَدَدِهِ أَوْ قِيمَتِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الزَّكَاةِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَمِنْ عَرَضٍ، وَقِيمَةِ كِتَابَةِ مُكَاتَبٍ ثُمَّ إنْ عَجَزَ، وَكَانَ فِي قِيمَةِ رَقَبَتِهِ فَضْلٌ عَنْ قِيمَةِ كِتَابَتِهِ أَخْرَجَ ثُلُثَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي أُمِّ وَلَدِهِ. وَكَذَا تُعْتَبَرُ أُجْرَةُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ لَا خِدْمَتُهُمَا وَلَا ذَاتُهُمَا وَالْمُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْمَوْجُودِ حِينَ يَمِينِهِ لَا مَا زَادَ بَعْدَهُ بِهِبَةٍ أَوْ نَمَاءٍ أَوْ وِلَادَةٍ فَلَوْ حَلَفَ وَمَالُهُ أَلْفٌ فَحَنِثَ، وَهُوَ أَلْفَانِ لَزِمَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ وَعَكْسُهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ رِفْقًا بِهِ، فَإِنْ نَقَصَ يَوْمَ الْحِنْثِ عَنْ يَوْمِ الْيَمِينِ بِنَفَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَهَلَاكٍ، وَلَوْ بِتَفْرِيطٍ فِي صِيغَةِ بِرٍّ فَمَا بَقِيَ يُجْزِئُ ثُلُثُهُ فَقَطْ بَعْدَ حِسَابِ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ وَلَوْ مُؤَجَّلًا كَمَهْرِ زَوْجَتِهِ، وَقُلْنَا فِي صِيغَةِ بِرٍّ، وَأَمَّا مَا تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ فَيَلْزَمُهُ ثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ نَعَمْ يَتَّفِقُ مَعَ صِيغَةِ الْبِرِّ فِي أَنَّ مَا هَلَكَ بَعْدَ الْحِنْثِ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِغَيْرِهِ يَلْزَمُهُ ثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ، لَكِنْ فِي أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ بِلَا تَفْرِيطٍ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ هَذَا كُلُّهُ فِي الْيَمِينِ كَمَا قَرَّرْنَا. وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ مَالَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَا نَقَصَ بِنَفَقَتِهِ لَا بِتَلَفٍ وَلَا بِتَفْرِيطٍ فَثُلُثُ مَا بَقِيَ يَوْمَ الْإِخْرَاجِ [قَوْلُهُ: أَوْ هَدْيًا] كَمَا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ جَمِيعَ مَالِيٍّ [قَوْلُهُ: فِي يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ] مِثَالُ الْأَوَّلِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَمَالِي صَدَقَةٌ وَمِثَالُ النَّذْرِ كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِي أَوْ أُهْدِيَ جَمِيعَ مَالِي [قَوْلُهُ: وَيُرِيدُ أَيْضًا مَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا] وَيُرِيدُ أَيْضًا مَا لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ بِالشَّخْصِ كَزَيْدٍ أَوْ بِالْوَصْفِ كَبَنِي زَيْدٍ فَيَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ حِينَ حَلَفَهُ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا إذَا سَمَّى وَيَتْرُكُ لَهُ مَا يَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا سَمَّى إلَخْ] الْفَرْقُ بَيْنَ مَالِي لِلْفُقَرَاءِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ وَبَيْنَ مَنْ سَمَّى يَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا سَمَّاهُ أَنَّ مَنْ سَمَّى لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ أَبْقَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَلَوْ ثِيَابَ ظَهْرِهِ وَمَنْ قَالَ مَالِي وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ مَالِي يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَخَفَّفَ عَنْهُ وَاكْتَفَى فِيهِ بِثُلُثِهِ. تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ إخْرَاجُ ثُلُثِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ وَلَوْ لِمُعَيَّنٍ لَا يُقْضَى بِهِ وَمِثْلُهُ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ وَالْحَبْسُ إذَا كَانَتْ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَلَوْ لِمُعَيَّنٍ لَقَضَى بِهَا؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ مَعْرُوفٍ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كُلُّهُ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ] بَشِيرٌ وَقِيلَ رِفَاعَةُ [قَوْلُهُ حِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ] مِنْ تَخَلُّفِهِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكِ فَارْتَبَطَ بِسَارِيَةِ الْمَسْجِدِ حَتَّى نَزَلَ ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] الْآيَةَ. [قَوْلُهُ: أَهْجُرُ] بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ [قَوْلُهُ: وَأُجَاوِرُك] فِي مَسْجِدِك أَوْ أَسْكُنُ بِبَيْتٍ بِجِوَارِك [قَوْلُهُ: صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ] يَصْرِفُهَا فِي وُجُوهِ الْبِرِّ. [قَوْلُهُ: وَمَنْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ] الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ وَلَدِهِ وَقَرِيبِهِ وَالْأَجْنَبِيِّ وَنَفْسِهِ فِي أَنَّهُ إنْ ذَكَرَ أَوْ نَوَى مَقَامَ إبْرَاهِيمَ أَيْ قِصَّتَهُ مَعَ وَلَدِهِ فَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ لَا مَقَامَ مُصَلَّاهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، كَمَا إذَا نَوَى قَتْلَهُ، وَلَوْ مَعَ ذِكْرِ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ ذَكَرَ أَوْ نَوَى أَمْكِنَةً مِنْ أَمْكِنَةِ النَّحْرِ كَمَكَّةَ أَوْ مِنًى أَوْ مَوْضِعًا مِنْ مَوَاضِعِهَا، وَلَيْسَتْ مُزْدَلِفَةُ مِنْهَا أَوْ تَلَفَّظَ بِالْهَدْيِ أَوْ نَوَاهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ، كَأَنْ يَقُولَ عَلَيَّ هَدْيُ فُلَانٍ أَوْ نَحْرُهُ هَدْيًا، وَإِنْ
[ ٢ / ٣٢ ]
عَبْدِ الْوَهَّابِ أَوْ وَاجِبٌ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّيْخِ (وَتُجْزِئُهُ شَاةٌ) أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَعْلَى مِنْهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَاحْتَرَزَ بِوَلَدِهِ مِمَّا إذَا حَلَفَ بِنَحْرِ أَجْنَبِيٍّ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَيَّدْنَاهُ بِالْوَاحِدِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدَيْنِ فَأَكْثَرَ فَإِنَّ الْهَدْيَ يَتَعَدَّدُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمَقَامَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لَا هَدْيَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الِاسْتِغْفَارُ مِنْ ذَلِكَ.
(وَمَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ (فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ) لُزُومًا (مِنْ مَوْضِعِ حَلِفِهِ) يُرِيدُ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ لَا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهِ حَالَ حَلِفِهِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّخْيِيرِ فِي قَوْلِهِ (فَلْيَمْشِ إنْ شَاءَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ)
_________________
(١) [حاشية العدوي] قَصَدَ حَقِيقَةَ النَّحْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ: إنْ قَصَدَ الْهَدْيَ وَالْقُرْبَةَ لَزِمَهُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَصَدَ الْمَعْصِيَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ اتِّفَاقًا وَاخْتُلِفَ حَيْثُ لَا نِيَّةَ لَهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيُ فُلَانٍ أَوْ حَلَفَ بِهِ وَحَنِثَ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِي الْتِزَامِ الْهَدْيِ، وَسَيَأْتِي يَقُولُ إنْ لَمْ يَذْكُرْ أَيْ وَلَمْ يَنْوِ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ لَا لَفْظَ بِالْهَدْيِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا أَوْ نَفْسَهُ، بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَحْرُ نَفْسِي أَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَحْرُهُ أَوْ هُوَ بَدَنَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَهَذَا إذَا كَانَ فُلَانٌ حُرًّا، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنْ كَانَ عَبْدَ نَفْسِهِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَإِنْ كَانَ عَبْدَ غَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: أَوْ وَاجِبٌ] وَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ إلَخْ] يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ مَا إذَا فَعَلَ الْبَقَرَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَنَةِ [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا إلَخْ] لَا وَجْهَ لِلتَّقْيِيدِ بِهُنَا؛ لِأَنَّ الشَّاةَ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَيُقَالُ هَذَا شَاةٌ لِلذَّكَرِ وَهَذِهِ شَاةٌ لِلْأُنْثَى وَشَاةٌ ذَكَرٌ وَشَاةٌ أُنْثَى [قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِوَلَدِهِ إلَخْ] الرَّاجِحُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِنَحْرِهِ الْأَجْنَبِيَّ، وَذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ كَمَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْهَدْيَ يَتَعَدَّدُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَقِيلَ هَدْيٌ كَافٍ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَذَكَرَ أَنَّ الْحَقَّ التَّعَدُّدُ. [قَوْلُهُ: حَلَفَ بِالْمَشْيِ] مَفْهُومُهُ لَوْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ الْمَسِيرَ أَوْ الذَّهَابَ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ أَيْ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ، وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَاشِيًا، فَإِنْ قِيلَ الْمَسِيرُ وَالذَّهَابُ كَالْمَشْيِ فَلِمَ لَزِمَ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ فِي الْمَشْيِ دُونَ غَيْرِهِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعُرْفَ اُشْتُهِرَ فِيهِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْمَشْيِ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ بِخِلَافِ لَفْظِ نَحْوِ الْمَسِيرِ أَوْ الرُّكُوبِ، وَأَيْضًا السُّنَّةُ جَاءَتْ بِذَلِكَ [قَوْلُهُ: إلَى مَكَّةَ] أَيْ وَالْبَيْتِ أَوْ إلَى جُزْءٍ مُتَّصِلٍ بِهِ كَالْحِجْرِ وَالْمُلْتَزَمِ وَالرُّكْنِ وَالْبَابِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الصَّفَّا أَوْ الْمَرْوَةِ أَوْ عَرَفَةَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَحَدَ النُّسُكَيْنِ أَوْ يَنْوِيَ الْحَجَّ عِنْدَ قَوْلِهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى عَرَفَةَ فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ. تَنْبِيهٌ: وَمِثْلُ الْحَلِفِ النَّذْرُ. [قَوْلُهُ: مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إلَخْ] لَا يُقَالُ هَذِهِ صِيغَةُ نَذْرٍ فَكَيْفَ يُفَسَّرُ بِهَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ حَلَفَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ قَرَّرُوا أَنَّ عَلَيَّ بِدُونِ اللَّهِ صِيغَةُ يَمِينٍ لَا نَذْرٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً عَلَى شَيْءٍ مُمْتَنَعٍ مِنْ فِعْلِهِ كَمَا هُنَا [قَوْلُهُ: مِنْ مَوْضِعِ حَلِفِهِ] أَيْ أَوْ مِنْ مِثْلِهِ سَوَاءٌ حَنِثَ بِهِ أَمْ لَا خِلَافًا لِخَلِيلٍ أَيْ وَالنَّاذِرُ مِنْ مَوْضِعِ نَذْرِهِ [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ مَوْضِعًا] أَيْ فِي لَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْهُ وَقَوْلُهُ بِعَيْنِهِ لَمَّا كَانَ تَعْيِينُ الْمَوْضِعِ يَصْدُقُ بِشَخْصِهِ وَنَوْعِهِ. وَالْمُرَادُ شَخْصُهُ احْتَاجَ لِقَوْلِهِ بِعَيْنِهِ أَيْ شَخْصِهِ وَلَوْ حَذَفَهُ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى تَعْيِينِ مَوْضِعٍ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَاَلَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ النَّاذِرُ أَوْ الْحَالِفُ الْمَحِلَّ الَّذِي يَبْتَدِئُ الْمَشْيُ مِنْهُ وَجَرَى الْعُرْفُ بِالْمَشْيِ مِنْ مَحِلٍّ خَاصٍّ فَإِنَّهُ يَمْشِي مِمَّا جَرَى الْعُرْفُ بِالْمَشْيِ مِنْهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ نِيَّةٌ فِي شَيْءٍ عَمِلَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ ذَهَبَ مِنْ الْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ لِلْحَالِفِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا لِلْحَالِفِينَ فَمِنْ مَوْضِعِ نَذْرِهِ أَوْ حَلِفِهِ أَوْ مِثْلِ حَلِفِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمِثْلِيَّةِ فِي الْمَسَافَةِ لَا فِي
[ ٢ / ٣٣ ]
مَحِلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَذَكَرَ مَبْدَأَ الْمَشْيِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُنْتَهَاهُ، وَمُنْتَهَاهُ فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ السَّعْيِ وَفِي الْحَجِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ لُزُومِ الْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ لِلْحَالِفِ بِهِ مَحِلُّهُ إنْ اسْتَطَاعَهُ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ) إلَيْهَا بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الْمَشْيِ (رَكِبَ ثُمَّ يَرْجِعُ) مَرَّةً (ثَانِيَةً) مَاشِيًا (إنْ قَدَرَ) عَلَيْهِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] الصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ بَقِيَ لَوْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ، وَلَهُ طَرِيقَانِ إلَيْهَا مُتَسَاوِيَانِ إحْدَاهُمَا مُعْتَادَةٌ وَالْأُخْرَى غَيْرُ مُعْتَادَةٍ فَمَشَى فِي غَيْرِ الْمُعْتَادَةِ هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ . وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ مِنْ الْخَرَشِيِّ الْكَبِيرِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ طَرِيقُ الْحَالِفِينَ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ فَيَجُوزُ الْمَشْيُ وَلَوْ مِنْ الْقَرِيبَةِ حَيْثُ اُعْتِيدَ الْمَشْيُ فِيهِمَا. تَنْبِيهٌ: قَالَ عج: فَإِذَا كَانَ بِوَسَطِ الْبَلَدِ وَحَلَفَ، مَشَى مِنْ طَرَفِ الْبَلَدِ لَا مِنْ مَوْضِعِ حَلِفِهِ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا إذَا اتَّصَلَ بِالْبَلَدِ مِنْ الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ، وَمَا كَانَ فِي حُكْمِهَا، هَلْ هُوَ حُكْمُ الْبَلَدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَصْرِ أَوْ لَا. [قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ] هَذَا مُتَعَلِّقُ قَوْلِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَا بِالْمَشْيِ، وَلَوْ قَالَ فَلْيَمْشِ فِي حَجٍّ، وَإِنْ شَاءَ فِي عُمْرَةٍ لَكَانَ أَوْضَحَ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ اُعْتِيدَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ الْحَالِفُ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ أَوْ النَّاذِرُ قَاطِنًا بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِلْحِلِّ وَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ إلَخْ] أَيْ أَنَّ التَّخْيِيرَ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُهُ أَنَّ هَذَا التَّخْيِيرَ إنَّمَا يَحْسُنُ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ سَاكِنٌ فِي الْمَدِينَةِ وَمَا قَرُبَ مِنْ مَكَّةَ، وَهُمْ الَّذِينَ جَرَتْ عَادَتُهُمْ أَنْ يَأْتُوا إلَى مَكَّةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النُّسُكَيْنِ، وَأَمَّا مَا بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ كَأَهْلِ الْغَرْبِ فَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْعُمْرَةَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْوِيَهَا حِينَ النَّذْرِ، وَهُوَ لِلَّخْمِيِّ [قَوْلُهُ: بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ السَّعْيِ] الْأَحْسَنُ الْفَرَاغُ مِنْ السَّعْيِ وَكَذَا فِيمَا بَعْدُ؛ لِأَنَّ الْبَعْدِيَّةَ ظَرْفٌ مُتَّسَعٌ، وَأَمَّا الْحِلَاقُ فَإِنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِهَا لَا مِنْ أَرْكَانِهَا، فَإِنْ رَكِبَ بَعْدَ سَعْيِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَانْظُرْ لَوْ رَكِبَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ السَّعْيِ كَذَا نَظَرَ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: وَفِي الْحَجِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ] فَيَرْكَبُ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى وَيَرْكَبُ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ، وَأَمَّا إنْ أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَإِنَّهُ يَمْشِي فِي رَمْيِ الْجِمَارِ وَلَهُ بَعْدَ تَمَامِ الْإِفَاضَةِ الرُّكُوبُ، وَلَوْ لَمْ يَحْلِقْ، وَهَذَا إذَا كَانَ قَدَّمَ السَّعْيَ، وَإِلَّا فَيَمْشِي لِتَمَامِ السَّعْيِ لَا لِتَمَامِ الْإِفَاضَةِ فَقَطْ [قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الْمَشْيِ إلَخْ] أَيْ أَنَّهُ إذَا كَانَ حِينَ خُرُوجِهِ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى مَشْيِ الْجَمِيعِ وَلَوْ فِي عَامَيْنِ فَخَالَفَ ظَنُّهُ، وَعَجَزَ فَرَكِبَ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ يَرْجِعُ مَرَّةً إلَخْ] هَذَا إذَا رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ مَسَافَتِهِ حَيْثُ اسْتَوَتْ الْمَسَافَةُ جَمِيعُهَا فِي الصُّعُوبَةِ أَوْ فِي السُّهُولَةِ وَالْأَمْنِ وَالْخَوْفِ، أَوْ بِحَسَبِ صُعُوبَةِ الْمَسَافَةِ وَسُهُولَتِهَا، وَأَمْنِهَا وَخَوْفِهَا مَعَ الْمِسَاحَةِ حَيْثُ اخْتَلَفَتْ الْمَسَافَةُ فِي ذَلِكَ، وَيُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي عج أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ كَثِيرًا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا فِي نَفْسِهِ بِحَسَبِ الصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ وَالْمِسَاحَةِ أَوْ بِحَسَبِ الْمِسَاحَةِ فَقَطْ، وَمِثْلُ رُكُوبِهِ الْكَثِيرِ إذَا رَكِبَ الْمَنَاسِكَ وَالْإِفَاضَةَ مَعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فِي نَفْسِهِ أَشْبَهَ الْكَثِيرَ، وَالْمَنَاسِكُ هِيَ أَفْعَالُ الْحَجِّ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى رُجُوعِهِ بِمِنًى وَالْإِفَاضَةُ هِيَ رُجُوعُهُ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ. وَمِثْلُهُمَا لَوْ رَكِبَ الْمَنَاسِكَ فَقَطْ لَا الْإِفَاضَةَ فَقَطْ يَعْنِي إذَا رَكِبَ الْإِفَاضَةَ فَقَطْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْهَدْيُ فَقَطْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، وَكَذَا لَوْ رَكِبَ قَلِيلًا بِحَسَبِ مَسَافَتِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ ثَانِيًا، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ، وَمَحِلُّ كَوْنِهِ يَرْجِعُ مَرَّةً ثَانِيَةً إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَامُ مُعَيَّنًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْعَامُّ مُعَيَّنًا كَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ مَاشِيًا فِي عَامٍ كَذَا فَخَرَجَ وَرَكِبَ كُلَّ الطَّرِيقِ أَوْ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ يُهْدِي وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ فَلَوْ لَمْ يَحُجَّ فِي هَذَا الْعَامِ الْمُعَيَّنِ بَلْ تَرَكَ فِيهِ الْحَجَّ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ مَشَى وَتَرَاخَى حَتَّى فَاتَهُ يَأْثَمُ وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ مَاشِيًا. [قَوْلُهُ: إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ إلَخْ] فَإِذَا لَمْ يَقْدِرُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ فَقَطْ كَمَا سَيَنُصُّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ وَمَحِلُّ الرُّجُوعِ أَيْضًا إذَا كَانَ نَحْوَ الْمِصْرِيِّ، وَأَمَّا مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ عَنْ مَكَّةَ بُعْدًا كَثِيرًا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ فَقَطْ كَالْإِفْرِيقِيِّ لِبُعْدِ دَارِهِ وَمَشَقَّةِ رُجُوعِهِ، وَيُلْحَقُ بِكُلِّ مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَأَمَّا الَّذِي بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ فَيُلْحَقُ
[ ٢ / ٣٤ ]
لِتَلَافِي مَا رَكِبَ (فَيَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ) وَيَرْكَبُ الَّتِي مَشَى إذَا عَلِمَ مَا رَكِبَ فِيهِ، وَمَا مَشَى وَيَهْدِي لِتَفْرِقَةِ الْمَشْيِ بَدَنَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَبَقَرَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَشَاةً، وَإِنْ أَتَى بِالْأَدْنَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَعْلَى أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا مَشَى، وَمَا رَكِبَ فَإِنَّهُ يَمْشِي الطَّرِيقَ كُلَّهُ، ابْنُ الْمَوَّازِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْهَدْيُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَشْيَ الثَّانِيَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلَا يَسْقُطُ مَا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْهَدْيِ.
(وَإِنْ عَلِمَ) بِمَعْنَى ظَنَّ (أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ) عَلَى الْمَشْيِ (قَعَدَ، وَأَهْدَى، وَقَالَ عَطَاءٌ) بْنُ أَبِي رَبَاحٍ (لَا يَرْجِعُ) مَرَّةً (ثَانِيَةً، وَإِنْ قَدَرَ) عَلَى الْمَشْيِ ثَانِيًا (وَيُجْزِئُهُ الْهَدْيُ) هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ صَرُورَةٍ، وَأَمَّا (إذَا كَانَ صَرُورَةً) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ إذَا حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ وَحَنِثَ أَوْ نَذَرَ (جَعَلَ ذَلِكَ) الْمَشْيَ (فِي عُمْرَةٍ) وُجُوبًا عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ نِيَّةٌ مَشَى فِيمَا نَوَى (فَإِذَا طَافَ وَسَعَى وَقَصَّرَ أَحْرَمَ) مِنْ الْحِلِّ اسْتِحْبَابًا فَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ أَحْرَمَ (مِنْ مَكَّةَ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ بَابِهِ (بِفَرِيضَةٍ) وَهِيَ
_________________
(١) [حاشية العدوي] بِالْمِصْرِيِّ فَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُهُ لِلِاحْتِيَاطِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْهَدْيَ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ فِيهِ الْهَدْيَ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الرُّجُوعِ إلَى مَكَّةَ أَوْ لَا فَهُوَ وَاجِبٌ إلَّا فِيمَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ رَاكِبًا أَوْ بَعْضَهَا أَوْ الْإِفَاضَةَ أَوْ هُمَا فَإِنَّهُ يَنْدُبُ فِي حَقِّهِ الْهَدْيُ [قَوْلُهُ: وَيَهْدِي] وَيُؤَخِّرُ الْهَدْيَ لِعَامِ رُجُوعِهِ وَلَوْ قَدَّمَهُ فِي عَامِ الْمَشْيِ لَأَجْزَأَهُ [قَوْلُهُ: وَإِنْ أَتَى بِالْأَدْنَى إلَخْ] أَيْ وَخَالَفَ الْمُسْتَحَبَّ [قَوْلُهُ: ابْنُ الْمَوَّازِ إلَخْ] كَلَامُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالتَّعَقُّبُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا عَلِمَ أَمَاكِنَ الرُّكُوبِ وَمَشَى الْجَمِيعَ لَا فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ يَكُونُ مَشْيُ الْجَمِيعِ عَلَيْهِ وَاجِبًا يُفِيدُ ذَلِكَ صَرِيحًا نَصُّ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ بِمَعْنَى ظَنَّ] مُقَابِلُ قَوْلِهِ قَدْ دَارَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الرُّجُوعِ وَفَسَّرَ الشَّارِحُ الْعِلْمَ بِالظَّنِّ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطَ الْعِلْمَ، وَأَنَّ الظَّنَّ يَكْفِي. تَنْبِيهَانِ. الْأَوَّلُ: إذَا قُلْنَا بِلُزُومِ الرُّجُوعِ فَإِذَا رَجَعَ فِي زَمَنٍ قَابِلٍ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي حَجٍّ إنْ كَانَ حِينَ نَذْرِهِ نَذَرَ حَجًّا أَوْ نَوَاهُ أَوْ فِي عُمْرَةٍ إنْ نَذَرَهَا أَوْ نَوَاهَا فَإِنْ خَالَفَ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيَّنَ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ حِينَ نَذْرِهِ أَوْ حَلِفِهِ بَلْ أَبْهَمَ وَمَشَى فِي أَحَدِهِمَا فَرَكِبَ فِيهِ كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، ثَانِيًا فِي الزَّمَنِ الْقَابِلِ فَيَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِغَيْرِ مَا أَحْرَمَ بِهِ أَوَّلًا. الثَّانِي: مَحِلُّ وُجُوبِ الرُّجُوعِ أَيْضًا عَلَى مَنْ رَكِبَ كَثِيرًا أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ حَيْثُ ظَنَّ حِينَ خُرُوجِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى مَشْيِ الْجَمِيعِ، وَلَوْ فِي عَامَيْنِ فَخَالَفَ ظَنُّهُ كَمَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ أَوَّلًا، أَمَّا إنْ لَمْ يَظُنَّ الْقُدْرَةَ حِينَ خُرُوجِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ الْقُدْرَةَ حِينَ يَمِينِهِ عَلَى مَشْيِ الْجَمِيعِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ بِأَنْ تَوَهَّمَ أَوْ شَكَّ أَوْ عَلِمَ الْعَجْزَ لِضَعْفٍ أَوْ كِبَرٍ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ أَوَّلَ عَامٍ يَمْشِي مَقْدُورَهُ وَلَوْ نِصْفَ مِيلٍ وَرَكِبَ مَعْجُوزَهُ، وَأَهْدَى مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ، وَقُلْنَا ظَنَّ الْقُدْرَةَ حِينَ يَمِينِهِ احْتِرَازًا مِمَّنْ ظَنَّ الْعَجْزَ حِينَ يَمِينِهِ أَوْ نَوَى أَنْ لَا يَمْشِيَ إلَّا مَا يُطِيقُهُ وَلَوْ شَابًّا فَإِنَّهُ يَخْرُجُ أَوَّلَ عَامٍ وَيَمْشِي مَقْدُورَهُ وَيَرْكَبُ مَعْجُوزَهُ وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ وَلَا هَدْيَ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ عَطَاءٌ إلَخْ] هَذَا خِلَافٌ الْمَذْهَبِ وَهُوَ مُجْتَهِدٌ [قَوْلُهُ: هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ صَرُورَةٍ] لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ كُلِّهِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّخْيِيرِ الْمُتَقَدِّمِ إذَا كَانَ غَيْرَ صَرُورَةٍ [قَوْلُهُ: عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ] أَيْ أَنَّ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي عُمْرَةٍ وُجُوبًا وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: يَجْعَلُهُ فِيهَا اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَلَوْ أَحْرَمَ حِينَ أَتَى الْمِيقَاتَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَجْزَأَهُ ثُمَّ يَأْتِي عَنْ نَذْرِهِ بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجَّةٍ وَيَمْشِي مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ أَوَّلًا وَلَوْ أَحْرَمَ وَلَمْ يَنْوِ فَرْضًا وَلَا نَذْرًا انْصَرَفَ لِلْفَرْضِ، وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا فَرْضَهُ وَنَذْرَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَجْزَأَ عَنْ النَّذْرِ وَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ، وَهَلْ إجْزَاؤُهُ عَنْ نَذْرِهِ فَقَطْ مُقَيَّدٌ بِأَنْ لَمْ يَنْذُرْ أَوْ يُعَيِّنْ فِي يَمِينِهِ حَجًّا بِأَنْ نَذَرَ عُمْرَةً أَوْ مَشْيًا مُطْلَقًا أَوْ حَلَفَ بِهِ، كَذَلِكَ وَجَعَلَهُ فِي حَجٍّ، وَأَمَّا إنْ نَذَرَ الْحَجَّ مَاشِيًا أَوْ عَيَّنَهُ فِي يَمِينِهِ وَنَوَى بِحَجِّهِ نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ فَلَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ أَوْ إجْزَاؤُهُ عَنْ نَذْرِهِ فَقَطْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ تَأْوِيلَانِ. [قَوْلُهُ: أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ اسْتِحْبَابًا] أَيْ مِنْ
[ ٢ / ٣٥ ]
حَجَّةُ الْإِسْلَامِ (وَكَانَ مُتَمَتِّعًا) إذَا صَادَفَتْ عُمْرَتُهُ أَوْ بَعْضُهَا أَشْهُرَ الْحَجِّ (وَالْحَلَاقُ فِي غَيْرِ هَذَا) التَّمَتُّعِ (أَفْضَلُ) مِنْ التَّقْصِيرِ (وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّقْصِيرُ فِي هَذَا) التَّمَتُّعِ (اسْتِبْقَاءً لِلشَّعْثِ فِي الْحَجِّ. وَمَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى الْمَدِينَةِ)
الْمُشَرَّفَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ (أَوْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ إلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ أَمْشِيَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكَذَا إذَا حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَيْهِمَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ أَمْشِي أَوْ أَسِيرُ (أَتَاهُمَا رَاكِبًا) إنْ شَاءَ أَوْ مَاشِيًا عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِمَا مَاشِيًا وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّهَا طَاعَةٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِمَا إلَّا (إنْ نَوَى الصَّلَاةَ) الْمَفْرُوضَةَ، وَقِيلَ النَّافِلَةَ (بِمَسْجِدَيْهِمَا) يُرِيدُ أَوْ سَمَّاهُمَا خَاصَّةً كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ إلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَمَّاهُمَا كَأَنَّهُ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِمَا (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصَّلَاةَ فِيهِمَا وَلَا سَمَّاهُمَا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْمَشْيِ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ.
هَذَا إذَا كَانَ النَّاذِرُ أَوْ الْحَالِفُ سَاكِنًا بِغَيْرِ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَفْضَلُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَلِيهِ مَسْجِدُ مَكَّةَ وَيَلِيهِ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ سَاكِنًا بِأَحَدِهِمَا وَنَوَى الصَّلَاةَ بِأَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ فَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ - ﵀ - فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا وَعَكْسُهُ وَقِيلَ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مَفْضُولًا وَصَرَّحُوا بِمَشْهُورِيَّتِهِ.
وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ (وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَسَاجِدَ)
_________________
(١) [حاشية العدوي] مِيقَاتِهِ؛ لِقَوْلِ خَلِيلٍ كَخُرُوجِ ذِي النَّفْسِ لِمِيقَاتِهِ [قَوْلُهُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمَسْجِدِ] أَيْ مِنْ جَوْفِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ بَابِهِ أَيْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ [قَوْلُهُ: بِفَرِيضَةٍ وَهِيَ إلَخْ] أَيْ أَحْرَمَ بِفَرِيضَةٍ فِي عَامِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ لِلْعَامِ الْقَابِلِ، بَهْرَامُ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّاجِحِ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِحَجٍّ ثُمَّ يَحُجُّ بَعْدَ ذَلِكَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ. اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: وَالْحِلَاقُ فِي غَيْرِ هَذَا التَّمَتُّعِ] أَيْ وَغَيْرِ التَّمَتُّعِ وَهُوَ الْإِفْرَادُ وَالْقِرَانُ فَالشَّخْصُ غَيْرُ مُرَادٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّقْصِيرَ أَفْضَلُ فِي مُطْلَقِ التَّمَتُّعِ [قَوْلُهُ: لِلشَّعَثِ] أَيْ الْوَسَخِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالشَّارِبِ وَشَعْرِ الْإِبْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الْحَطَّابُ فِي بَابِ الْحَجِّ. [قَوْلُهُ: أَوْ أَسِيرُ] أَيْ أَوْ آتِي مَثَلًا [قَوْلُهُ: إنْ نَوَى الصَّلَاةَ بِمَسْجِدَيْهِمَا] وَمِثْلُ الصَّلَاةِ الصَّوْمُ وَالِاعْتِكَافُ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ وَالنَّافِلَةُ] فِي كَلَامِ بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ مَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ. [قَوْلُهُ: أَوْ إلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ] بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ وَالْمُقَدَّسُ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وَتَشْدِيدٍ أَيْ الْمُطَهَّرُ، وَتَطْهِيرُهُ خُلُوُّهُ مِنْ الْأَصْنَامِ، وَإِبْعَادُهُ عَنْهَا وَسُمِّيَ الْأَقْصَى لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَفْضَلُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ] قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: لِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ بِالْعَكْسِ أَيْ إنَّ مَسْجِدَ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَهَذَا مُقَابِلُ الْمَشْهُورِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّارِحَ جَعَلَ الْخِلَافَ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، وَاَلَّذِي فِي خَلِيلٍ وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ بِمَعْنَى أَنَّ ثَوَابَ الْعَمَلِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الْعَمَلِ فِي مَكَّةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: إنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا عَدَا الْمَوْضِعَ الَّذِي ضَمَّ أَعْضَاءَهُ - ﵊ - فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَتَّى الْكَعْبَةِ وَمِنْ السَّمَوَاتِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَيَلِيهِ الْكَعْبَةُ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا. وَكَلَامُ الشَّارِحِ كَمَا عَلِمْت فِي الْمَسْجِدَيْنِ فَإِذَا نَظَرْت إلَيْهِمَا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْكَعْبَةِ وَعَنْ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ، وَلِمَا زِيدَ مِنْ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ حُكْمُ مَسْجِدِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَفْضِيلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ وَقِيلَ بِتَفْضِيلِ الْأَرْضِ لِخَلْقِ الْأَنْبِيَاءِ فِيهَا وَدَفْنِهِمْ فِيهَا، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ بِمَوْضِعِ قَبْرِهِ مَا يَمَسُّ أَعْضَاءَهُ لَا أَعَمُّ وَالرَّوْضَةُ تَنْضَمُّ أَيْضًا لِمَوْضِعِ الْقَبْرِ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى التَّفْضِيلِ، بِالدَّلِيلِ الْوَاضِحِ إذْ لَمْ يَثْبُتْ لِبُقْعَةٍ أَنَّهَا مِنْ الْجَنَّةِ
[ ٢ / ٣٦ ]
الْمَفْهُومَةِ مِنْ السِّيَاقِ (فَلَا يَأْتِيهَا) مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَيْهَا (مَاشِيًا وَلَا رَاكِبًا) قَرُبَتْ دَارُهُ أَوْ بَعُدَتْ (لِ) أَجْلِ (الصَّلَاةِ نَذَرَهَا) أَنْ يُصَلِّيَهَا فِيهَا (وَلْيُصَلِّ) هَا (بِمَوْضِعِهِ) لِمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَصِّصٌ لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» .
(وَمَنْ نَذَرَ رِبَاطًا بِمَوْضِعٍ مِنْ الثُّغُورِ) وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (فَذَلِكَ) الْمَنْذُورُ وَاجِبٌ (عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ)؛ لِأَنَّ الرِّبَاطَ قُرْبَةٌ، وَمَنْ الْتَزَمَ قُرْبَةً لَزِمَتْهُ بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) [حاشية العدوي] بِخُصُوصِهَا إلَّا هِيَ، فَفِي الْحَدِيثِ «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِيّ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» إذْ لَا شَكَّ فِي تَفْضِيلِ الْجَنَّةِ عَلَى الدُّنْيَا. فَائِدَةٌ. عَدَمُ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ قَالَ مَالِكٌ الْقَفْلُ أَيْ الرُّجُوعُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِوَارِ. [قَوْلُهُ: قَرُبَتْ دَارُهُ أَوْ بَعُدَتْ] هَذَا مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ يُونُسَ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَقِيلَ يَلْزَمُ الْإِتْيَانُ فِي الْقَرِيبِ، وَالْقَرِيبُ مَا عَلَى بُعْدِ أَمْيَالٍ يَسِيرَةٍ كَمَسْجِدِ قُبَاءَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَالْقَوْلَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي نَذْرِ الصَّلَاةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَيْرَهَا كَذَلِكَ قَالَهُ عج. وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ اللُّزُومِ يَلْزَمُهُ فِعْلُ مَا لَزِمَهُ بِمَوْضِعِهِ كَمَنْ نَذَرَهُمَا بِمَسْجِدٍ بَعِيدٍ اهـ. [قَوْلُهُ: لِأَجْلِ صَلَاةٍ نَذَرَهَا] أَيْ وَلَا لِاعْتِكَافٍ وَلَا لِصَوْمٍ [قَوْلُهُ: وَلْيُصَلِّهَا] أَيْ وَيَعْتَكِفُ أَوْ يَصُومُ بِمَوْضِعِهِ [قَوْلُهُ: الرِّحَالُ] جَمْعُ رَحْلٍ مَرْكَبُ الْبَعِيرِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَيْ مَحَلُّ الرُّكُوبِ الْمَنْسُوبِ لِلْبَعِيرِ [قَوْلُهُ: رِبَاطًا] أَيْ أَوْ صَوْمًا أَوْ صَلَاةً لَا لِنَذْرِ اعْتِكَافٍ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الرِّبَاطِ لَيْسَ مَحِلًّا لِلِاعْتِكَافِ، وَأَيْضًا الْمُرَابِطَةُ تُنَافِي الِاعْتِكَافَ لِقَصَرِهِ عَلَى مَا لَازِمُهُ الصَّلَاةُ وَالتِّلَاوَةُ. وَالذِّكْرُ، لَكِنْ فِي مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ وَيُقِيمُ بَعْدَهَا مُدَّةً لِلرِّبَاطِ فَلَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ الْمَوَّاقُ، مِنْ أَنَّ الْمَكِّيَّ وَالْمَدَنِيَّ إذَا نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ عَسْقَلَانَ أَوْ إسْكَنْدَرِيَّةَ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَيَعُودُ مِنْ فَوْرِهِ وَلَيْسَ لِلرِّبَاطِ صَلَّى بِمَوْضِعِهِ وَلَمْ يَأْتِهِمَا. اهـ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الرِّبَاطَ قُرْبَةٌ] وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَذَرَ الرِّبَاطَ بِمَحَلٍّ وَهُوَ بِثَغْرٍ آخَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ إنْ كَانَ مَا نُذِرَ الرِّبَاطُ فِيهِ مُسَاوِيًا لِمَا هُوَ بِهِ فِي الْخَوْفِ أَوْ أَقَلَّ رَابَطَ بِمَحَلِّ نَذْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا نُذِرَ الرِّبَاطُ فِيهِ أَشَدَّ خَوْفًا انْتَقَلَ إلَيْهِ لِفَضْلِ الزِّيَادَةِ فِيمَا كَثُرَ فِيهِ الْخَوْفُ عَلَى مَا هُوَ دُونَهُ فِي الْخَوْفِ كَذَا يُفْهَمُ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ. `
[ ٢ / ٣٧ ]