ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى اللِّعَانِ، وَهُوَ الْإِبْعَادُ فَقَالَ: (وَاللِّعَانُ) أَيْ مَشْرُوعٌ رُخْصَةً، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] . وَفِي الصَّحِيحِ «أَنَّ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيَّ وَهِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ لَاعَنَا زَوْجَتَيْهِمَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -» وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَقَوْلِهِ: (بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ) لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ يُشْتَرَطُ فِي الزَّوْجِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْوَطْءُ، وَيُشْتَرَطُ فِي الزَّوْجَةِ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: تَسُدُّ مَسَدَّ الْعَيْنَيْنِ] أَيْ فِي الْبَصَرِ، وَالِاكْتِسَابِ، وَالْقُوَّةِ عَلَى الْحِرَفِ، وَالصَّنَائِعِ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ:، وَالْآبِقُ] أَيْ الَّذِي لَمْ يَنْقَطِعْ خَبَرُهُ عَنْك وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُ، إذْ لَا يَعْلَمُ حَيَاتَهُ وَعَلَى تَقْدِيرِ حَيَاتِهِ لَا يَعْلَمُ سَلَامَتَهُ، فَلَوْ عَلِمَ، وَلَوْ بَعْدَ الْعِتْقِ أَنَّهُ كَانَ وَقْتَهُ بِصِفَةِ مَنْ يُعْتَقُ عَنْ ظِهَارٍ أَجْزَأَ، بِخِلَافِ الْجَنِينِ فَلَا يُجْزِئُ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا وَضَعَتْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ بِصِفَةِ مَنْ يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْعِتْقِ لَا يُسَمَّى رَقَبَةً فَلَوْ أَعْتَقَ حَمْلَ أَمَتِهِ عَنْ ظِهَارِهِ ظَنًّا عَدَمَ الْوَضْعِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا وَضَعَتْهُ قَبْلَ الْعِتْقِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا بَهْرَامُ [قَوْلُهُ: فِي الْمَهْدِ] الْمَهْدُ مَا يُمَهَّدُ لِلصَّبِيِّ مِنْ مَضْجَعِهِ [قَوْلُهُ: وَلَكِنْ عِتْقُ مَنْ صَلَّى وَصَامَ] أَيْ عَقَلَ أَنَّ مَنْ فَعَلَهُمَا يُثَابُ وَمَنْ تَرَكَهُمَا يُعَاقَبُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ [قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الرَّضِيعِ وَنَحْوِهِ] أَيْ، وَإِنْ أَجْزَأَ فَإِنْ أَعْتَقَهُ كَذَلِكَ فَكَبُرَ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ مُقْعَدًا أَوْ مُطْبَقًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ. تَتِمَّةٌ: لَا يَصِحُّ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ مُلَفَّقَةً مِنْ صَوْمِ شَهْرٍ وَإِطْعَامِ ثَلَاثِينَ وَمَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْكَسْبِ أَوْ أَعْتَقَ كَبِيرًا زَمِنًا لَزِمَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا، حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَسْبِ وَيَمُوتَ الْكَبِيرُ. [بَابٌ فِي اللِّعَانِ] ِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِبْعَادُ إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ لَعَنَهُ لَعْنًا مِنْ بَابِ نَفَعَ طَرَدَهُ، وَأَبْعَدَهُ إلَى أَنْ قَالَ: وَلَاعَنَهُ مُلَاعَنَةً وَلِعَانًا وَتَلَاعَنُوا لَعَنَ كُلُّ وَاحِدٍ الْآخَرَ اهـ. فَقَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ الْمِصْبَاحِ أَنَّ اللِّعَانَ مَصْدَرُ لَاعَنَ لَا مَصْدَرُ لَعَنَ، وَأَنَّهُ لُغَةً: إبْعَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا الْآخَرَ لَا مُطْلَقُ إبْعَادٍ كَمَا هُوَ مُفَادُ الشَّرْحِ، ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت شَارِحَ الْحَدِيثِ قَالَ اللِّعَانُ مَصْدَرُ لَاعَنَ سَمَاعِيٌّ لَا قِيَاسِيٌّ، وَالْقِيَاسُ الْمُلَاعَنَةُ مِنْ اللَّعْنِ وَهُوَ الطَّرْدُ، وَالْإِبْعَادُ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِاللِّعَانِ دُونَ الْغَضَبِ تَغْلِيبًا لِلْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ تَسَبَّبَ وَقَدْ عَرَفْت مَعْنَاهُ لُغَةً، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهُوَ حَلِفُ الزَّوْجِ عَلَى زِنَا زَوْجَتِهِ أَوْ نَفْيِ حَمْلِهَا اللَّازِمِ لَهُ وَحَلِفُهَا عَلَى تَكْذِيبِهِ، إنْ أَوْجَبَ نُكُولَهَا حَدَّهَا بِحُكْمِ قَاضٍ. خَرَجَ بِقَوْلِهِ: اللَّازِمِ الْحَمْلُ غَيْرُ اللَّازِمِ لَهُ فَإِنَّهُ لَا لِعَانَ فِيهِ، كَمَا إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ خَصِيًّا وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ وَحَلَّفَهَا إلَخْ، مَا إذَا حَلَفَ وَنَكَلَتْ وَلَمْ يُوجِبْ النُّكُولَ، حَدَّهَا كَمَا إذَا غُصِبَتْ فَأَنْكَرَ وَلَدَهَا وَثَبَتَ الْغَصْبُ فَلَا لِعَانَ عَلَيْهَا، وَاللِّعَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: بِحُكْمِ قَاضٍ لِعَانُ الزَّوْجَةِ، وَالزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ فَلَيْسَ بِلِعَانٍ [قَوْلُهُ: رُخْصَةٌ] وَاجِبَةٌ لِنَفْيِ الْحَمْلِ جَائِزَةٌ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا، وَالسِّتْرُ أَوْلَى قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ [قَوْلُهُ: عُوَيْمِرًا] بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْوَاوِ تَصْغِيرُ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْجَدِّ بْنِ عَجْلَانَ، وَقَوْلُهُ الْعَجْلَانِيَّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ نِسْبَةً إلَى جَدِّهِ [قَوْلُهُ: لَاعَنَا زَوْجَتَيْهِمَا إلَخْ] أَيْ فَقَدْ رَمَى الْأَوَّلُ زَوْجَتَهُ بِأَنَّهُ رَآهَا مَعَ رَجُلٍ، وَالثَّانِي قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِرَجُلٍ [قَوْلُهُ: عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -] أَيْ زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -[قَوْلُهُ: بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ]، وَلَوْ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ دَخَلَ أَوْ لَا، وَلَوْ فَاسِقَيْنِ، لِقَوْلِ الْمُوَازِيَةِ وَمَنْ نَكَحَ ذَاتَ مَحْرَمٍ أَوْ أُخْتَهُ غَيْرَ عَالِمٍ وَقَدْ حَمَلَتْ وَأَنْكَرَ الْوَلَدَ فَإِنَّهُمَا يَتَلَاعَنَانِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحُ شُبْهَةٍ فَإِنْ نَكَلَتْ حُدَّتْ، وَإِنْ نَكَلَ حُدَّ لِلْقَذْفِ وَيَلْزَمُ الْوَلَدُ، وَكَذَا يَقَعُ اللِّعَانُ فِي شُبْهَةِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ شَبِيهٌ بِوَطْءِ النِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ لُحُوقُ الْوَلَدِ وَعَدَمُ الْحَدِّ. فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ الزَّوْجَيْنِ أَيْ، وَلَوْ حُكْمًا وَاحْتَرَزَ بِالزَّوْجَيْنِ مِنْ السَّيِّدِ مَعَ أَمَتِهِ فَابْنُهَا مِنْهُ لَاحِقٌ بِهِ حَيْثُ اعْتَرَفَ بِوَطْئِهَا، مِنْ غَيْرِ دَعْوَى اسْتِبْرَاءٍ وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ فَلَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالْوَطْءِ أَوْ اسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ نَفْيُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا] أَيْ فَلَا يَصِحُّ اللِّعَانُ مِنْ كَافِرٍ لِكَافِرَةٍ نَعَمْ إنْ جَاءُوا إلَيْنَا وَرَضُوا بِأَحْكَامِنَا حَكَمْنَا بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ
[ ٢ / ١٠٨ ]
يُمْكِنُ حَمْلُهَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ فَلَا يُلَاعِنُ الصَّغِيرَةَ إذْ لَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ، وَتُلَاعَنُ الْكِتَابِيَّةُ وَالْأَمَةُ، وَالْمَجُوسِيَّةُ يُسْلِمُ زَوْجُهَا وَلَا تُسْلِمُ هِيَ، وَاللِّعَانُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ يَكُونُ (فِي نَفْيِ حَمْلٍ يُدَّعَى قَبْلَهُ الِاسْتِبْرَاءُ، أَوْ) يُدَّعَى (رُؤْيَةُ الزِّنَا كَالْمِرْوَدِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (فِي الْمُكْحُلَةِ) بِضَمِّهَا وَضَمِّ الْحَاءِ وَيُشْتَرَطُ فِي اللِّعَانِ لِنَفْيِ الْحَمْلِ، شَرْطٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ بِفَوْرِهِ وَأَمَّا إذَا رَآهُ وَسَكَتَ ثُمَّ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا لِعَانَ.
وَيُشْتَرَطُ فِي اللِّعَانِ بِالرُّؤْيَةِ أَنْ لَا يَطَأَ بَعْدَهَا ع قَوْلَهُ: رُؤْيَةُ الزِّنَا إلَى آخِرِهِ يُرِيدُ غَيْرَ ذَاتِ الْحَمْلِ، وَاخْتُلِفَ إذَا ادَّعَى ذَلِكَ فِي ذَاتِ الْحَمْلِ قُلْت
_________________
(١) [حاشية العدوي] الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ كَافِرًا وَهِيَ مُسْلِمَةٌ كَمَا إذَا أَسْلَمَتْ تَحْتَهُ أَوْ غَرَّهَا أَوْ تَزَوَّجَهَا، عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ غَيْرُ زِنًا فَيَتَلَاعَنَانِ فَإِنْ نَكَلَ هُوَ حُدَّ، وَإِنْ حَلَفَ الْأَيْمَانَ وَنَكَلَتْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَيْمَانُ كَافِرٍ وَهِيَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الشَّهَادَةِ وَلَا شَهَادَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ [قَوْلُهُ: يَتَأَتَّى مِنْهُ الْوَطْءُ] هَذَا فِي نَفْيِ الْحَمْلِ فَلَا لِعَانَ عَلَى الْمَجْبُوبِ فِيهِ بَلْ يَنْتَفِي بِغَيْرِ لِعَانٍ، كَحَمْلِ زَوْجَةِ الصَّبِيِّ، وَمِثْلُ الْمَجْبُوبِ ذَاهِبُ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِنْ أَنْزَلَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَكَذَا قَائِمُ الذَّكَرِ مَقْطُوعُ الْبَيْضَةِ الْيُسْرَى فَيَنْتَفِي بِغَيْرِ لِعَانٍ، وَأَمَّا مَقْطُوعُ الذَّكَرِ قَائِمُ الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ مَقْطُوعُ الْيُمْنَى فَيُلَاعِنُ لِوُجُودِ الْيُسْرَى الَّتِي تَطْبُخُ الْمَنِيَّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ، وَأَمَّا الْيُمْنَى فَلِنَبَاتِ الشَّعْرِ عِنْدَهُمْ وَأَمَّا فِي الرُّؤْيَةِ، وَالْقَذْفِ فَيَكُونُ، وَلَوْ مِنْ عِنِّينٍ أَوْ هَرِمٍ أَوْ خَصِيٍّ مُطْلَقًا أَوْ مَجْبُوبٍ [قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُمْكِنُ حَمْلُهَا] هَذَا فِي اللِّعَانِ لِنَفْيِ الْحَمْلِ وَأَمَّا لِلرُّؤْيَةِ وَالْقَذْفِ فَشَرْطُهُ إطَاقَةُ الزَّوْجَةِ، وَلَوْ كِتَابِيَّةً وَغَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، لَكِنَّ الْبَالِغَةَ تُلَاعِنُ كَالزَّوْجِ، وَالْمُطِيقَةُ إنَّمَا يُلَاعِنُ زَوْجُهَا لَا هِيَ وَغَيْرُ الْمُطِيقَةِ لَا لِعَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا حَدَّ عَلَى الزَّوْجِ. [قَوْلُهُ: فَلَا يُلَاعِنُ الصَّغِيرَةَ] أَيْ لَا يَحْصُلُ مِنْهُمَا مَعًا لِعَانٌ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَحْدَهُ إذَا كَانَتْ تُطِيقُ الْوَطْءَ [قَوْلُهُ: وَتُلَاعَنُ الْكِتَابِيَّةُ إلَخْ] أَيْ بِنَفْيِ الْحَمْلِ أَوْ الْوَلَدِ لَا الرُّؤْيَةِ فَلَا يَلْزَمُ بَلْ يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهَا إسْقَاطَ الْحَمْلِ فَيَلْزَمُ لِعَانُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلِعَانُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مَعَ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ أَوْ الذِّمِّيَّةِ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ لَا فِي الرَّمْيِ وَلَا فِي الرُّؤْيَةِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ نَفْيَ الْحَمْلِ فِي الرُّؤْيَةِ إلَخْ. [قَوْلُهُ: يَدَّعِي قَبْلَهُ الِاسْتِبْرَاءَ]، وَلَوْ بِحَيْضَةٍ وَمِثْلُ الِاسْتِبْرَاءِ دَعْوَاهُ عَدَمَ وَطْئِهَا بَعْدَ وَضْعِهَا الْحَمْلَ الْأَوَّلَ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْمَنْفِيِّ، وَالْحَالُ أَنَّ بَيْنَ الْوَضْعَيْنِ مَا يَقْطَعُ الثَّانِيَ عَنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ وَأَمَّا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَكَانَ الثَّانِي مِنْ تَتِمَّةِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي اسْتِبْرَاءُ الْحُرَّةِ فِيهَا لَيْسَ كَعِدَّتِهَا. وَالثَّانِيَةُ الرِّدَّةُ، وَالثَّالِثَةُ الزِّنَا، فَإِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ فِيهَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ يَدَّعِي قَبْلَهُ الِاسْتِبْرَاءَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ نَفْيُ حَمْلِ زَوْجَتِهِ، إلَّا إذَا اعْتَمَدَ عَلَى أَمْرٍ قَوِيٍّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى عَزْلِهِ وَلَا عَلَى عَدَمِ مُشَابَهَتِهِ لَهُ، وَلَا عَلَى سَوَادِهِ مَعَ كَوْنِهِ أَبْيَضَ وَلَا عَلَى كَوْنِهِ كَانَ يَطَؤُهَا بَيْنَ فَخْذَيْهَا حَيْثُ كَانَ يُنْزِلُ وَلَا عَلَى وَطْءٍ بِغَيْرِ إنْزَالٍ، حَيْثُ وَطِئَ قَبْلَهُ وَلَمْ يَبُلْ حَتَّى وَطِئَهَا لِاحْتِمَالِ بَقَاءِ الْمَنِيِّ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ. [قَوْلُهُ: أَوْ رُؤْيَةُ الزِّنَا] أَيْ فِي دَعْوَاهُ رُؤْيَةَ الزِّنَا الْمُرَادُ بِهَا التَّيَقُّنُ فَلَا تُشْتَرَطُ الرُّؤْيَةُ بِالْبَصَرِ، وَلَوْ مِنْ بَصِيرٍ، فَالْأَعْمَى يُلَاعِنُ حَتَّى فِي رُؤْيَةِ الزِّنَا حَيْثُ يَتَيَقَّنُهُ بِحِسٍّ أَوْ جَسٍّ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وَصْفِهِ أَنْ يَقُولَ كَالشُّهُودِ، رَأَيْت فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ فَقَوْلُهُ كَالْمِرْوَدِ إلَخْ، لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَإِذَا لَاعَنَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا فَإِنَّهُ يَنْتَفِي بِذَلِكَ اللِّعَانُ، مَا وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ وَفِي حُكْمِ السَّنَةِ مَا نَقَصَ مِنْهَا كَخَمْسَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ غَيْرِ سَقْطٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا كَانَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا وَيُشْتَرَطُ فِي دَعْوَى رُؤْيَةِ الزِّنَا أَنْ يَدَّعِيَهَا وَهِيَ فِي الْعِصْمَةِ أَوْ فِي عِدَّتِهَا، وَلَوْ لَمْ يُلَاعِنْ إلَّا بَعْدَ الْعَدَمِ. وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى بَعْدَ الْعَدَمِ أَنَّهُ رَآهَا تَزْنِي، وَلَوْ فِي الْعِدَّةِ يُلَاعِنُ كَمَا ذَكَرَهُ عج أَيْ، وَإِنَّمَا يُحَدُّ وَأَمَّا اللِّعَانُ لِنَفْيِ الْحَمْلِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِكَوْنِ الْمَرْأَةِ فِي الْعِصْمَةِ أَوْ فِي الْعِدَّةِ [قَوْلُهُ: شَرْطٌ آخَرُ] وَهُوَ أَنْ يَقُومَ بِفَوْرِهِ أَيْ بِأَنْ لَا يُؤَخِّرَ الْيَوْمَ، وَالْيَوْمَيْنِ بِلَا عُذْرٍ فِي التَّأْخِيرِ وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَبَقِيَتْ زَوْجَتُهُ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً، وَحُدَّ لِلْمُسْلِمَةِ وَلَيْسَ مِنْ الْعُذْرِ تَأْخِيرُهُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ رِيحًا فَيَنْفُشُ خِلَافًا لِابْنِ الْقَصَّارِ، وَكَذَا الْوَطْءُ يَمْنَعُ اللِّعَانَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ. [قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِي اللِّعَانِ بِالرُّؤْيَةِ أَنْ لَا يَطَأَ بَعْدَهَا] وَأَمَّا التَّأْخِيرُ فَلَا يَمْنَعُ اللِّعَانَ
[ ٢ / ١٠٩ ]
[أحكام اللعان]
[صفة اللعان]
الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ لِعَانُهَا.
(وَاخْتُلِفَ فِي اللِّعَانِ فِي الْقَذْفِ) مِنْ غَيْرِ دَعْوَى رُؤْيَةِ الْوَطْءِ وَلَا نَفْيِ حَمْلٍ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُلَاعِنُ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ.
وَيَتَعَلَّقُ بِاللِّعَانِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا افْتَرَقَا بِاللِّعَانِ لَمْ يَتَنَاكَحَا أَبَدًا)، وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ: سُقُوطُ الْحَدِّ وَنَفْيُ النَّسَبِ وَقَطْعُ النِّكَاحِ، وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَمَامِ لِعَانِهِمَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ وَهِيَ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَ) صِفَةُ اللِّعَانِ أَنَّهُ (يَبْدَأُ الزَّوْجُ) وُجُوبًا وَقِيلَ اسْتِحْبَابًا، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا بَدَأَتْ الزَّوْجَةُ هَلْ تُعِيدُ اللِّعَانَ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، أَوْ لَا تُعِيدُ، وَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِذَا ابْتَدَأَ الزَّوْجُ (فَيَلْتَعِنُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ) فَإِنْ كَانَ اللِّعَانُ لِنَفْيِ حَمْلٍ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَزَنَتْ، وَإِنْ كَانَ لِلرُّؤْيَةِ يَقُولُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَرَأَيْتهَا تَزْنِي (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَلْتَعِنَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ (يُخَمِّسُ بِاللَّعْنَةِ) فَيَقُولُ: عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، كَذَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَة يَقُولُ: إنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَوْلَى لِلْآيَةِ (ثُمَّ) إذَا تَمَّ لِعَانُ الرَّجُلِ (تَلْتَعِنُ هِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ (أَرْبَعًا أَيْضًا) مُبْطِلَةً لَحَلِفِ الزَّوْجِ فَإِذَا قَالَ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَزَنَتْ، فَتَرُدُّ هِيَ ذَلِكَ فَتَقُولُ فِي الْأَرْبَعِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] لِرُؤْيَةِ الزِّنَا وَشَرْطُ اللِّعَانِ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا أَنْ تَرْفَعَهُ لِلْحَاكِمِ [قَوْلُهُ: قُلْت الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ بِغَيْرِ الْحَامِلِ. [قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي اللِّعَانِ إلَخْ] أَيْ بِأَنْ قَالَ لَهَا: يَا زَانِيَةُ أَوْ أَنْتِ زَنَيْت وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِرُؤْيَةٍ أَوْ بِنَفْيِ حَمْلٍ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُلَاعِنُ، وَالْأَكْثَرُ يُحَدُّ قَالَهُ عج، وَمُرَادُهُ الْقَذْفُ الَّذِي لَمْ يَسْتَنِدْ فِيهِ لِيَتَيَقَّنَ رُؤْيَةً وَلَا يَسْتَنِدُ فِيهِ لِنَفْيِ الْحَمْلِ، وَالْوَلَدِ فَإِنْ تَيَقَّنَ مَا ذُكِرَ لَاعَنَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي اللِّعَانِ التَّيَقُّنُ، وَلَوْ بِغَيْرِ الرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ اهـ. [أَحْكَامٍ اللِّعَان] [قَوْلُهُ: أَحَدَّهَا إلَخْ] وَهُوَ تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ [قَوْلُهُ: سُقُوطُ الْحَدِّ] أَيْ عَنْ الزَّوْجِ فِي الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ أَيْ أَوْ الْأَبِ فِي الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ أَوْ الذِّمِّيَّةِ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلِعَانِ الزَّوْجِ، وَأَمَّا لِعَانُ الْمَرْأَةِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهَا إنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً، وَلَوْ أَمَةً وَسُقُوطُ الْأَدَبِ إنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً [قَوْلُهُ: وَنَفْيُ النَّسَبِ] هَذَا مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى لِعَانِهِ أَيْ قَطْعُ نَسَبِهِ مِنْ حَمْلٍ ظَاهِرٍ أَوْ سَيَظْهَرُ، وَقَوْلُهُ: وَقَطْعُ النِّكَاحِ هَذَا مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى لِعَانِهَا. وَالْأَوَّلُ وَهُوَ تَأْبِيدُ الْحُرْمَةِ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى لِعَانِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ثَمَرَةَ اللِّعَانِ فِي الْحَقِيقَةِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: فَثَلَاثَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى لِعَانِ الزَّوْجِ أَوَّلُهَا: رَفْعُ الْحَدِّ أَوْ الْأَدَبُ عَلَى مَا قَرَّرْنَا، ثَانِيهَا: إيجَابُ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ، وَلَوْ أَمَةً، وَالْأَدَبُ عَلَى الذِّمِّيَّةِ إنْ لَمْ تُلَاعِنْ، ثَالِثُهَا: قَطْعُ نِسْبَةٍ. وَثَلَاثَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى لِعَانِ الزَّوْجَةِ: رَفْعُ الْحَدِّ، وَفَسْخُ نِكَاحِهَا اللَّازِمِ، وَتَأْبِيدُ حُرْمَتِهَا، وَقَوْلُهُ: وَقَطْعُ النِّكَاحِ هُوَ الرَّابِعُ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى يُؤْخَذُ مِنْ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ، وَإِذَا افْتَرَقَا بِاللِّعَانِ أَيْ بِسَبَبِهِ [قَوْلُهُ: وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَمَامِ لِعَانِهِمَا] فَالْفُرْقَةُ لَا تَحْصُلُ كَالْحُرْمَةِ إلَّا بِتَمَامِ لِعَانِ الزَّوْجَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: إنَّ الْفُرْقَةَ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ. [صِفَة اللِّعَانِ] [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ] جَعَلَ الشَّيْخُ كَلَامَ الْمُخْتَصَرِ أَنْسَبَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الزِّنَا كَوْنُ الْحَمْلِ مِنْ الزَّانِي [قَوْلُهُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَرَأَيْتهَا تَزْنِي] وَلَا يَحْتَاجُ لِزِيَادَةِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَى أَشْهَدُ بِاَللَّهِ، وَإِنْ وَجَبَتْ فِي الْحَلِفِ عَلَى الْحُقُوقِ، وَقَوْلُهُ لَرَأَيْتهَا الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي الْبَصِيرِ وَأَمَّا الْأَعْمَى فَيَقُولُ تَحَقَّقْته أَوْ عَلِمْت. وَهَكَذَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ عَنْ تَقْرِيرِ [قَوْلِهِ: فَيَقُولُ: عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُضَمُّ لِذَلِكَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ: وَتُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ فَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ قَالَهُ عج [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوْلَى] أَيْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ إلَّا أَنَّ الْإِتْيَانَ بِلَفْظِ أَنْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَكِنَّهُ الْأَوْلَى [قَوْلُهُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا زَنَيْت] أَيْ، وَإِنْ كَانَ قَالَ: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي فَتَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ هَذَا الْحَمْلَ مِنْهُ. تَنْبِيهٌ: لَمْ يُعْلِمْ حُكْمَ ذِكْرِ أَشْهَدُ وَحُكْمُهُ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ النَّاطِقِ، فَلَا يَكْفِي أَحْلِفُ وَلَا أُقْسِمُ كَمَا يَجِبُ لَفْظُ
[ ٢ / ١١٠ ]
مَرَّاتٍ: أُشْهِدُ اللَّهَ مَا زَنَيْت.
وَإِذَا قَالَ فِي الرُّؤْيَةِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَرَأَيْتهَا تَزْنِي فَتَرُدُّ ذَلِكَ فَتَقُولُ فِي الْمَرَّاتِ الْأَرْبَعِ: مَا رَآنِي أَزْنِي (وَ) بَعْدَ الرَّابِعَةِ (تُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ ﷾) فَتَقُولُ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ وَأَنْ يَكُونَ فِي أَشْرَفِ أَمْكِنَةِ الْبَلَدِ، وَهُوَ الْمَسْجِدُ، إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مُسْلِمَةً وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً فَتُلَاعَنُ فِي كَنِيسَتِهَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَتَخْوِيفُهُمَا خُصُوصًا عِنْدَ الْخَامِسَةِ، يُقَالُ لَهُمَا هَذِهِ الْخَامِسَةُ هِيَ الْمُوجِبَةُ عَلَيْكُمَا الْعَذَابَ
(وَإِنْ نَكَلَتْ هِيَ) أَيْ جَبُنَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ اللِّعَانِ بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ (رُجِمَتْ إنْ كَانَتْ) بَالِغَةً (حُرَّةً مُحْصَنَةً بِوَطْءٍ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الزَّوْجِ)
_________________
(١) [حاشية العدوي] اللَّعْنِ فِي خَامِسَةِ الرَّجُلِ، وَالْغَضَبِ فِي خَامِسَةِ الْمَرْأَةِ، أَيْ لِأَنَّ الرَّجُلَ مُبْعِدٌ لِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فَنَاسَبَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّعْنَ مَعْنَاهُ الْبُعْدُ، وَالْمَرْأَةُ مُغْضِبَةٌ لِزَوْجِهَا وَلِأَهْلِهَا وَرَبِّهَا فَنَاسَبَهَا ذَلِكَ، فَلَوْ أَبْدَلَ الرَّجُلُ اللَّعْنَةَ بِالْغَضَبِ وَالْمَرْأَةُ الْغَضَبَ بِاللَّعْنَةِ لَمْ يَجُزْ. [قَوْلُهُ: أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ] أَيْ لِأَنَّ اللِّعَانَ شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَأَقَلُّ مَا تَظْهَرُ بِهِ تِلْكَ الشَّعِيرَةُ أَرْبَعَةٌ لَا لِاحْتِمَالِ نُكُولٍ أَوْ إقْرَارٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَثْبُتُ بِاثْنَيْنِ وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ لَا مِنْ أَرَاذِلِهِمْ [قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ فِي أَشْرَفِ أَمْكِنَةِ الْبَلَدِ إلَخْ] أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْطِعٌ لِلْحَقِّ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ اللِّعَانِ التَّخْوِيفُ، وَالتَّغْلِيظُ عَلَى الْمُلَاعِنِ، وَلِلْمَوْضِعِ حَظٌّ وَلِهَذَا كَانَ لِعَانُ الذِّمِّيَّةِ فِي كَنِيسَتِهَا، وَالْيَهُودِيَّةِ فِي بَيْعَتِهَا، فَالْمُرَادُ بِالْأَشْرَفِ بِالنَّظَرِ لِلْحَالِفِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَنِيسَةَ أَشْرَفُ الْبَلَدِ بِالنَّظَرِ لِلْحَالِفِ وَهِيَ الذِّمِّيَّةُ، أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالْأَشْرَفِ حَقِيقَةً أَوْ ادِّعَاءً، وَالْحَاصِلُ أَنَّ وُقُوعَهُ بِأَشْرَفِ أَمْكِنَةِ الْبَلَدِ وَاجِبٌ شَرْطًا، كَمَا فِي الْأَمْوَالِ فَلَا يُقْبَلُ رِضَاهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا بِدُونِهِ. وَذَكَرَ الْخَرَشِيُّ عَنْ تَقْرِيرِ أَنَّ كَوْنَهُ بِأَشْرَفِ الْبَلَدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَوْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ يُعَدُّ نُكُولًا، وَفِي مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَفِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَفِي الْمَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً] أَيْ نَصْرَانِيَّةً فَتُلَاعِنُ فِي كَنِيسَتِهَا أَيْ، وَالْيَهُودِيَّةُ فِي بَيْعَتِهَا، وَالْمَجُوسِيَّةُ فِي بَيْتِ النَّارِ، وَإِنْ كَانَ لَا دِينَ لَهُمَا مِثْلُ الْوَثَنِيِّينَ، فَفِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ، وَإِذَا فَرَغَ الْمُتَلَاعِنَانِ مِنْ تَلَاعُنِهِمَا جَمِيعًا تَفَرَّقَا، وَخَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ غَيْرِ الْبَابِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ صَاحِبُهُ، وَلَوْ خَرَجَا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ لَمْ يَضُرَّ لِعَانَهُمَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ اللِّعَانُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ تُجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الْحُكَّامِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ] اعْلَمْ أَنَّ كَوْنَهُ إثْرَ صَلَاةٍ مَنْدُوبٌ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَبَعْدَ الْعَصْرِ أَحَبُّ إلَيَّ فَكَوْنُهُ بَعْدَ الْعَصْرِ مُسْتَحَبٌّ ثَانٍ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ صَنِيعُ الشَّارِحِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ وَسَبَبُ كَوْنِ الْيَمِينِ بَعْدَ الْعَصْرِ شُهُودُ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ ذَلِكَ الْوَقْتَ. قَالَ فِي الْفَتْحِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مُشَارَكَةً لَهُ فِي شُهُودِ الْمَلَائِكَةِ أَيْ وَارْتِفَاعُ الْأَعْمَالِ لِحَدِيثِ «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ» إلَخْ، وَذَكَرَ بَعْضٌ فِي وَجْهِ التَّغْلِيظِ بَعْدَ الْعَصْرِ أَنَّهُ وَقْتٌ يَتُوبُ فِيهِ الْمُقَصِّرُ. لِكَوْنِهِ آخِرَ النَّهَارِ، وَيَشْتَغِلُ فِيهِ الْمُوَفَّقُ بِالذِّكْرِ وَنَحْوِهِ فَالْمَعْصِيَةُ فِيهِ أَقْبَحُ [قَوْلُهُ: وَتَخْوِيفُهُمَا] أَيْ يُنْدَبُ تَخْوِيفُهُمَا أَيْ ابْتِدَاءً قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي اللِّعَانِ، بِأَنْ يُقَالَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا: تُبْ إلَى اللَّهِ، وَيُذَكِّرُهُمَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَاب الْآخِرَةِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ بِلَا شَكٍّ [قَوْلُهُ: خُصُوصًا إلَخْ] أَيْ أَخُصُّ الْوَعْظَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ خُصُوصًا، أَيْ وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ خُصُوصًا أَيْ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَعِنْدَ التَّوَجُّهِ لِلْخَامِسَةِ [قَوْلُهُ: يُقَالُ لَهُمَا] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ. وَالْقَوْلُ لَهُمَا بِأَنَّهَا الْمُوجِبَةُ أَيْ يُنْدَبُ الْقَوْلُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، بِأَنَّ الْخَامِسَةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْعَذَابِ أَيْ مَحِلُّ نُزُولِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِمُقْتَضَى اخْتِيَاره رَتَّبَ الْعَذَابَ عَلَيْهَا، وَالْمُرَادُ بِالْعَذَابِ الرَّجْمُ أَوْ الْجَلْدُ عَلَى الْمَرْأَةِ، إنْ لَمْ تَحْلِفْ وَعَلَى الرَّجُلِ إنْ بَدَأَتْ قَبْلَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ إعَادَتِهَا. [قَوْلُهُ: رُجِمَتْ] أَيْ ضُرِبَتْ بِالْحِجَارَةِ إلَى أَنْ تَمُوتَ مَا لَمْ تَرْجِعْ إلَى الْحَلِفِ، فَإِنَّ لَهَا ذَلِكَ كَاَلَّتِي تُقِرُّ عَلَى نَفْسِهَا بِالزِّنَا ثُمَّ تَرْجِعُ عَنْهُ. قَالَهُ فِي النُّكَتِ بِخِلَافِ الزَّوْجِ إذَا نَكَلَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فَلَا يُمَكَّنُ
[ ٢ / ١١١ ]
الْمُلَاعِنِ (أَوْ) مِنْ (زَوْجٍ غَيْرِهِ) وَاحْتُرِزَ بِالْبَالِغَةِ مِنْ غَيْرِهَا فَإِنَّهَا لَا تُحَدُّ وَبِالْحُرَّةِ مِنْ الْأَمَةِ فَإِنَّهَا تُحَدُّ خَمْسِينَ جَلْدَةً مِنْ غَيْرِ رَجْمٍ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْمُلَاعَنَةِ إحْصَانٌ (جُلِدَتْ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَإِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ) الْمُلَاعِنُ وَكَانَتْ الزَّوْجَةُ بَالِغَةً مُسْلِمَةً حُرَّةً (جُلِدَ) لَهَا (حَدَّ الْقَذْفِ ثَمَانِينَ) جَلْدَةً (وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ)؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَابِتٌ لَا يَنْفِيهِ إلَّا اللِّعَانُ وَلَا يَخْفَى حُكْمُ الْقُيُودِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْخُلْعِ فَقَالَ: (وَلِلْمَرْأَةِ) أَيْ وَيُبَاحُ لَهَا إذَا كَانَتْ بَالِغَةً رَشِيدَةً غَيْرَ مِدْيَانَةٍ (أَنْ تَفْتَدِيَ) أَيْ تَخْتَلِعَ (مِنْ زَوْجِهَا) إذَا كَانَ بَالِغًا رَشِيدًا (بِ) جَمِيعِ (صَدَاقِهَا، أَوْ) بِ (أَكْثَرَ) مِنْهُ وَإِبَاحَتُهُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا (إذَا لَمْ يَكُنْ) ذَلِكَ (عَنْ ضَرَرٍ بِهَا) مِثْلُ أَنْ يُنْقِصَهَا مِنْ النَّفَقَةِ، أَوْ يُكَلِّفَهَا شُغُلًا لَا يَلْزَمُهَا (فَإِنْ كَانَ)
_________________
(١) [حاشية العدوي] مِنْ ذَلِكَ بَلْ يُحَدُّ [قَوْلُهُ: مُحْصَنَةً] يَتَضَمَّنُ كَوْنَهَا حُرَّةً مُسْلِمَةً بَالِغَةً عَاقِلَةً وُطِئَتْ وَطْئًا مُبَاحًا بِنِكَاحٍ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ إنْ كَانَتْ حُرَّةً وَقَوْلُهُ بِوَطْءٍ يُفِيدُهُ قَوْلُهُ مُحْصَنَةً وَيُفِيدُهُ مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا قَالَهُ عج [قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ زَوْجٍ غَيْرِهِ] أَيْ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ لَازِمٍ وَكَانَ ذَلِكَ الْوَطْءُ مُبَاحًا بِانْتِشَارٍ مِنْ زَوْجٍ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تُحَدُّ] يَعْنِي: إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً مُطِيقَةً لِلْوَطْءِ فَالزَّوْجُ يُلَاعِنُ دُونَهَا، وَإِنْ نَكَلَ حُدَّ وَلَا لِعَانَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا لَمْ تُحَدَّ [قَوْلُهُ: جُلِدَتْ مِائَةَ جَلْدَةٍ] حَيْثُ كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً مُكَلَّفَةً فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَنِصْفُ الْحَدِّ، وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً يَلْزَمُهَا الْأَدَبُ لِأَذِيَّتِهَا لِزَوْجِهَا، وَرُدَّتْ لِحَاكِمِ مِلَّتِهَا بَعْدَ تَأْدِيبِهَا لِاحْتِمَالِ اسْتِحْقَاقِهَا الْحَدَّ بِنُكُولِهَا [قَوْلُهُ: وَكَانَتْ الزَّوْجَةُ بَالِغَةً إلَخْ] أَيْ وَعَفِيفَةً لَا إنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا حَدَّ، وَقَوْلُهُ مُسْلِمَةً أَيْ وَأَمَّا الذِّمِّيَّةُ فَيَلْزَمُهُ الْأَدَبُ بِنُكُولِهِ، وَكَذَا الْأَمَةُ. وَأَمَّا التَّقْيِيدُ بِبَالِغَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ لِلتَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ تُطِيقُ الْوَطْءَ وَنَكَلَ يُحَدُّ لَهَا، وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِ فِي التَّحْقِيقِ وَقَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِكَوْنِهِمَا بَالِغَيْنِ لِنَحْتَرِزَ بِهِ عَمَّا إذَا كَانَا غَيْرَ بَالِغَيْنِ أَوْ كَانَتْ هِيَ فَقَطْ غَيْرَ بَالِغَةٍ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: ثَمَانِينَ جَلْدَةً] حَيْثُ كَانَ حُرًّا مُكَلَّفًا فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا وَالزَّوْجَةُ بَالِغَةً فَإِنْ رَمَاهَا بِالزِّنَا فَلَا لِعَانَ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُؤَدَّبُ، وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ انْتَفَى عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ وَعَلَيْهَا الْحَدُّ [قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى حُكْمُ الْقُيُودِ] أَيْ وَلَا يَخْفَى مَفْهُومُ الْقُيُودِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا الَّتِي هِيَ مُسْلِمَةٌ بَالِغَةٌ حُرَّةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. [قَوْلُهُ: وَلِلْمَرْأَةِ] وَلَوْ فِي الْعِدَّةِ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً أَعْطَتْهُ مَالًا فِي الْعِدَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا. فَيَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ ثَانِيَةٌ بَائِنَةٌ [قَوْلُهُ: أَيْ يُبَاحُ] أَيْ فَالْخُلْعُ جَائِزٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ [قَوْلُهُ: إذَا كَانَتْ بَالِغَةً رَشِيدَةً] أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ سَفِيهَةً أَوْ رِقًّا فَلَا يُبَاحُ، وَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ فِي الصَّغِيرَةِ، وَالْحُرْمَةُ فِيمَا بَعْدَهَا وَحُرِّرَ أَيْ وَلَا يَصِحُّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ سَفِيهَةً مُوَلَّى عَلَيْهَا أَمْ لَا وَمَنْ فِيهَا بَعْضُ رِقٍّ إذَا خَالَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ زَوْجَهَا عَلَى عِوَضٍ. دَفَعَتْهُ إلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعِوَضَ لَا يَلْزَمُهَا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَيُرَدُّ الْعِوَضُ فِي الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ إنْ كَانَ قَبَضَهُ، وَسَقَطَ عَنْ الزَّوْجَةِ إنْ لَمْ يَقْبِضْهُ وَلَا تَتْبَعُ الْأَمَةُ إنْ عَتَقَتْ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ خَالَعَتْهُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ وَكَانَ يَنْتَزِعُ مَالَهَا. أَمَّا غَيْرُهَا كَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فِي مَرَضِ السَّيِّدِ إذَا خَالَعَهَا وُقِفَ الْمَالُ فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ صَحَّ الْخُلْعُ، وَإِنْ صَحَّ بَطَلَ وَرُدَّ الْمَالُ وَأَمَّا الْمُكَاتَبَةُ إذَا خَالَعَتْ بِكَثِيرٍ فَيُرَدُّ إنْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَلَوْ بِإِذْنِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِعَجْزِهَا، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ فَإِنَّهُ يُوقَفُ فَإِنْ عَجَزَتْ بَطَلَ، وَإِنْ أَذِنَ صَحَّ، وَيَجُوزُ الْخُلْعُ مِنْ الْمُجْبِرِ عَنْ الْمُجْبَرَةِ، وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِهَا بِجَمِيعِ مَهْرِهَا كَانَ الْمُجْبِرُ أَبًا أَوْ وَصِيًّا وَفِي خُلْعِ الْأَبِ عَنْ ابْنَتِهِ الْبَالِغِ الثَّيِّبِ السَّفِيهَةِ مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا. خِلَافٌ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ بَالِغًا رَشِيدًا] وَأَمَّا إذَا كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَلَا يُبَاحُ لَهَا ذَلِكَ هَذَا مَعْنَاهُ، وَالظَّاهِرُ الْحُرْمَةُ وَجَعَلَهُ خَلِيلٌ شَرْطًا فِي إيجَابِ الْعِوَضِ عَلَى مُلْتَزِمِهِ حَيْثُ قَالَ وَمُوجِبُهُ زَوْجٌ مُكَلَّفٌ أَيْ وَمُوجِبُ الْعِوَضِ عَلَى مُلْتَزِمِهِ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، صُدُورُ الطَّلَاقِ مِنْ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ أَوْ وَلِيِّ صَغِيرٍ أَبًا أَوْ سَيِّدًا أَوْ غَيْرَهُمَا أَيْ فَلَا يَجِبُ الْعِوَضُ بِطَلَاقِ مَنْ ذَكَرَ، وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ صُدُورُ الطَّلَاقِ مِنْ زَوْجٍ، وَلَوْ سَكْرَانَ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ وَلِيِّ صَغِيرٍ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ سَيِّدًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ سُلْطَانًا أَوْ مَقَامَ سُلْطَانٍ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فِي الْجَمِيعِ، وَيَلْزَمُ الصَّغِيرَ الطَّلْقَةُ الْبَائِنَةُ أَوْ قَوْلُ الشَّارِحِ رَشِيدًا فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ إذْ
[ ٢ / ١١٢ ]
الِافْتِدَاءُ إنَّمَا هُوَ (عَنْ ضَرَرٍ بِهَا رَجَعَتْ) عَلَيْهِ (بِمَا أَعْطَتْهُ وَلَزِمَهُ الْخُلْعُ) وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ الضَّرَرِ لَفِيفُ النَّاسِ وَالْجِيرَانِ حَتَّى النِّسَاءِ.
(وَالْخُلْعُ طَلْقَةٌ) بَائِنَةٌ (لَا رَجْعَةَ فِيهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ) بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ (بِرِضَاهَا) إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ عَلَى النِّكَاحِ، أَمَّا الْمُجْبَرَةُ فَإِنَّمَا يُرَاعَى رِضَا الْوَلِيِّ.
(وَ) الْأَمَةُ (الْمُعْتَقَةُ) أَيْ الَّتِي عَتَقَتْ، وَهِيَ (تَحْتَ الْعَبْدِ) أَيْ فِي عِصْمَتِهِ قِنًّا كَانَ، أَوْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ يُحَالُ بَيْنَهُمَا وَيَثْبُتُ (لَهَا الْخِيَارُ) بَيْنَ (أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ، أَوْ تُفَارِقَهُ) لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ «قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: كَانَ فِي بَرِيرَةٍ ثَلَاثُ سُنَنٍ فَكَانَتْ إحْدَى السُّنَنِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ، فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا»، وَفِي مُسْلِمٍ «كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -» فَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهُوَ طَلَاقٌ لَا فَسْخٌ وَهَلْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] صُدُورُ الطَّلَاقِ مِنْ السَّفِيهِ مُوجِبٌ لِلصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُطَلِّقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِيهِ أَوْلَى وَكَمُلَ لَهُ خُلْعُ الْمِثْلِ إنْ خَالَعَ بِدُونِهِ، وَلَا يَبْرَأُ الْمُخْتَلِعُ بِتَسْلِيمِ الْمَالِ لِلسَّفِيهِ بَلْ لِوَلِيِّهِ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَادًّا عَلَيْهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُوَثِّقِينَ بَرَاءَةُ الْمُخْتَلِعِ بِدَفْعِ الْخُلْعِ لِلسَّفِيهِ دُونَ وَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِ مُتَمَوَّلٍ فَصَارَ كَالْهِبَةِ، وَمِثْلُهُ الْعَبْدُ الْبَالِغُ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّ السَّفِيهِ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهُ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَكَذَا سَيِّدُ الْعَبْدِ الْبَالِغِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الْعَبْدِ لَا بِيَدِ السَّيِّدِ [قَوْلُهُ: رَجَعَتْ عَلَيْهِ]؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لَهُ [قَوْلُهُ: وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ الضَّرَرِ] أَيْ الضَّرَرِ الْمَعْهُودِ الَّذِي لَهَا التَّطْلِيقُ بِهِ، أَيْ كَأَنْ يُنْقِصَهَا حَقَّهَا فِي النَّفَقَةِ أَوْ يُكَلِّفَهَا شُغُلًا لَا يَلْزَمُهَا خِدْمَتُهُ أَوْ يَشْتُمَهَا أَوْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا مُبَرِّحًا أَوْ لِغَيْرِ أَدَبٍ احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا إذَا أَدَّبَهَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ [قَوْلُهُ: لَفِيفُ النَّاسِ] أَيْ مِمَّنْ لَهُ بِهِ ارْتِبَاطٌ كَجِيرَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ،، وَاللَّفِيفُ الْجَمَاعَةُ الْمُجْتَمِعُونَ مِنْ فِرَقٍ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ عَدَمُ الْوُقُوفِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ فَلَا تَكُونُ عَدَالَتُهُمْ ثَابِتَةً، فَأَطْلَقَ اللَّفْظَ وَأَرَادَ بِهِ لَازِمَهُ مِنْ نَحْوِ الْخَدَمِ. وَقَوْلُهُ: وَالْجِيرَانُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ إذْ الْمُرَادُ جِيرَانٌ مِنْ اللَّفِيفِ بِدَلِيلِ التَّعْبِيرِ بِيَكْفِي، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى بَيِّنَةِ السَّمَاعِ، وَحَاصِلُ مَا فِيهَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ بَعْدَ الْمُخَالَعَةِ أَنَّهَا مَا خَالَعَتْ إلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ وَأَقَامَتْ بَيِّنَةَ السَّمَاعِ بِذَلِكَ فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرُدُّ مَا خَالَعَهَا بِهِ وَبَانَتْ مِنْهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ السَّمَاعُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ بَلْ لَوْ ذَكَرَتْ أَنَّهَا سَمِعَتْ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ كَالْخَدَمِ وَنَحْوِهِمْ عُمِلَ عَلَى شَهَادَتِهَا، وَكَذَا بِالْأَوْلَى لَوْ اسْتَنَدَتْ لِلثِّقَاتِ فَقَطْ إذَا كَانُوا مِمَّنْ لَهُمْ بِهِ نَوْعُ ارْتِبَاطٍ كَجِيرَةٍ، وَحَاصِلُ مَا هُنَا أَنَّ السَّمَاعَ هُنَا كَالْقَطْعِ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى يَمِينٍ مَعَ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَيَحْتَاجُ إلَيْهَا مَعَ أَحَدِهِمَا فَهِيَ هُنَا بِخِلَافِ السَّمَاعِ مِنْ غَيْرِهَا، مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي السَّمَاعِ مِنْ يَمِينِ الْمُدَّعِي إذَا انْتَقَشَ فِي ذِهْنِك هَذَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ لَفِيفُ النَّاسِ أَيْ الَّذِي سُمِعَتْ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ لَا أَنَّهُ نَفْسُ الْبَيِّنَةِ كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ. [قَوْلُهُ: إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ] لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَ الْعِدَّةِ. [قَوْلُهُ: أَمَّا الْمُجْبَرَةُ] أَيْ كَالسَّيِّدِ فِي أَمَتِهِ، وَالصَّغِيرَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: وَالْأَمَةُ الْمُعْتَقَةُ] سَيَأْتِي الشَّارِحُ يَقُولُ: أَنْ يَكُونَ عِتْقُهَا كَامِلًا فِي مَرَّةٍ أَوْ مَرَّاتٍ بِأَنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ جَمِيعَهَا إنْ كَانَتْ كَامِلَةَ الرِّقِّ أَوْ بَاقِيَهَا إنْ كَانَتْ مُبَعَّضَةً، أَوْ عَتَقَتْ بِأَدَاءِ كِتَابَتِهَا أَوْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فَعَتَقَتْ مِنْ ثُلُثِ السَّيِّدِ أَوْ رَأْسِ مَالِهِ. [قَوْلُهُ: يُحَالُ إلَخْ] أَيْ حَتَّى تَخْتَارَ بِغَيْرِ حَاكِمٍ وَهِيَ بَالِغَةٌ رَشِيدَةٌ أَوْ سَفِيهَةٌ وَبَادَرَتْ لِاخْتِيَارِ نَفْسِهَا، فَإِنْ لَمْ تُبَادِرْ لِاخْتِيَارِ نَفْسِهَا أَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَإِنَّمَا يَنْظُرُ لَهَا الْحَاكِمُ بِالْمَصْلَحَةِ، فَإِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي الطَّلَاقِ فَيَأْمُرُهُ بِالطَّلَاقِ وَإِلَّا فَهَلْ يُطَلِّقُ أَوْ يَأْمُرُهَا بِهِ، ثُمَّ يَحْكُمُ قَوْلَانِ وَأَمْرُهُ بِهِ لِلصَّغِيرَةِ مُمْكِنٌ إنْ مَيَّزَتْ وَإِلَّا أَوْقَعَهُ لَهَا، وَإِنَّمَا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ كُفْءٍ لَهَا. [قَوْلُهُ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ] «قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ» وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: «كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ، أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ قَالَتْ: وَعَتَقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، قَالَتْ: وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِي لَنَا فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَكُمْ هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «أُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ
[ ٢ / ١١٣ ]
بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، أَوْ بِطَلْقَتَيْنِ رِوَايَتَانِ حَكَاهُمَا فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَعَلَى الْأُولَى أَكْثَرُ الرُّوَاةِ وَعَلَيْهَا لَوْ عَتَقَ زَوْجُهَا، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الطَّلْقَةَ بَائِنَةٌ، وَلِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا شُرُوطٌ أَنْ يَكُونَ عِتْقُهَا كَامِلًا نَاجِزًا وَأَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً وَأَلَّا تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا طَائِعَةً بَعْدَ عِلْمِهَا بِالْعِتْقِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ تَحْتَ الْعَبْدِ مِمَّا إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ الْحُرِّ، فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ لَهَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهَا الْخِيَارُ.
(وَمَنْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ) كُلَّهَا، أَوْ بَعْضَهَا (انْفَسَخَ نِكَاحُهُ) فَإِنْ مَلَكَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا صَدَاقَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَهُوَ كَمَالِهَا وَيَطَؤُهَا بِالْمِلْكِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا بُدَّ مِنْ اسْتِبْرَائِهَا وَمِثْلُ مَا إذَا اشْتَرَاهَا مَا إذَا مَلَكَهَا بِهِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ مِيرَاثٍ، أَوْ مَلَكَتْهُ هِيَ بِشِرَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ.
(وَطَلَاقُ الْعَبْدِ) الْقِنِّ وَمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ سَوَاءٌ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً، أَوْ أَمَةً (طَلْقَتَانِ) فَلَوْ عَتَقَ وَلَمْ يُوقِعْ طَلَاقًا فِي حَالِ رِقِّهِ فَالثَّلَاثُ، وَلَوْ أَوْقَعَ نِصْفَهُ فِي حَالِ الرِّقِّ فَطَلْقَتَانِ.
(وَعِدَّةُ الْأَمَةِ) الْقِنَّةِ وَمَنْ فِيهَا شَائِبَةُ رِقٍّ سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، أَوْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدُمٍ مِنْ أُدُمِ الْبَيْتِ فَقَالَ: أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً عَلَى النَّارِ وَفِيهَا لَحْمٌ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَك مِنْهُ، فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ» . قَالَ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ: ثَلَاثُ سُنَنٍ أَيْ أَحْكَامٍ نَصَّ عَلَيْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا خَاصٌّ بِهَا وَقَدْ تَبَيَّنْت مِمَّا ذَكَرْنَاهُ [قَوْلُهُ: وَهَلْ بِطَلْقَةٍ] أَيْ وَهَلْ الْفِرَاقُ بِطَلْقَةٍ أَوْ الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ وَهَلْ هُوَ طَلْقَةٌ أَوْ طَلْقَتَانِ لَكَانَ أَوْضَحَ [قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأُولَى أَكْثَرُ الرُّوَاةِ] وَهِيَ الرَّاجِحَةُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ بَائِنَةً؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لَمَا أَفَادَ الْخِيَارُ شَيْئًا. تَنْبِيهٌ: مَا قُلْنَاهُ مِنْ لُزُومِ طَلْقَةٍ بَائِنَةٍ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بَيَّنَتْهَا أَوْ أَبْهَمَتْهَا بِأَنْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي. [قَوْلُهُ: نَاجِزًا] احْتِرَازًا مِنْ الْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ، وَالْمُدَبَّرَةِ، وَالْمُكَاتَبَةِ [قَوْلُهُ: وَأَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً] فَلَوْ اخْتَارَتْ وَهِيَ حَائِضٌ جُبِرَتْ عَلَى الرَّجْعَةِ حَتَّى تَطْهُرَ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَأَلَّا تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا طَائِعَةً] أَيْ تُمَكِّنَهُ مِنْ الْوَطْءِ أَوْ مِنْ مُقَدَّمَاتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَيَدْخُلْ فِيهِ مَا إذَا تَلَذَّذَتْ بِالزَّوْجِ، وَلَوْ جَهِلَتْ الْحُكْمَ بِأَنْ قَالَتْ: كُنْت أَجْهَلُ أَنَّ التَّمْكِينَ يُسْقِطُ خِيَارِي وَلَا تُعْذَرُ بِالْجَهْلِ، أَمَّا إنْ جَهِلَتْ الْعِتْقَ وَمَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ خِيَارَهَا لِعُذْرِهَا، وَكَذَا يَسْقُطُ خِيَارُهَا، بِقَوْلِهَا: أُسْقِطُ خِيَارِي وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَاقَبَ الزَّوْجُ أَنْ وَطِئَهَا عَالِمًا بِالْعِتْقِ، وَالْحُكْمِ. تَنْبِيهٌ: إذَا اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا شَيْءَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفِرَاقَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا، وَلَوْ اخْتَارَتْ الْمَقَامَ مَعَهُ لَمْ يَسْقُطْ لِأَنَّهُ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهَا. [قَوْلُهُ: انْفَسَخَ نِكَاحُهُ] أَيْ لِتَعَارُضِ الْحُقُوقِ [قَوْلُهُ: وَيَطَؤُهَا بِالْمِلْكِ] عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الرَّاجِحُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَصِيرُ بِالْحَمْلِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَأَشْهَبُ لَا يَجْعَلُهَا بِهَذَا الْحَمْلِ أُمَّ وَلَدٍ فَيَحْتَاجُ لِاسْتِبْرَاءٍ، يَتَمَيَّزُ بِهِ الْحَمْلُ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَالْحَمْلُ الَّذِي لَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَقَدْ حَكَى الْقَوْلَيْنِ زَرُّوقٌ عَلَى الْإِرْشَادِ [قَوْلُهُ: أَوْ مَلَكَتْهُ] لَكِنْ لَا يَطَؤُهَا لَا بِالْمِلْكِ وَلَا بِالنِّكَاحِ. [قَوْلُهُ: وَطَلَاقُ الْعَبْدِ طَلْقَتَانِ إلَخْ]، وَإِنَّمَا كَانَ طَلْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَبَعَّضُ [قَوْلُهُ: فَطَلْقَتَانِ] ظَاهِرٌ فَالْبَاقِي طَلْقَتَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْعَبْدُ إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً ثُمَّ عَتَقَ، فَيَبْقَى لَهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا طَلْقَتَانِ. تَنْبِيهٌ: الْعِبْرَةُ بِالْوَلَايَةِ حِينَ النُّفُوذِ لَا حَالَ التَّعْلِيقِ وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ لَوْ قَالَ الْعَبْدُ، وَلَوْ ذَا شَائِبَةٍ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ، ثُمَّ أَنَّهُ أُعْتِقَ ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ فَيَقَعُ عَلَيْهِ طَلْقَتَانِ وَتَبْقَى مَعَهُ بِوَاحِدَةٍ.
[ ٢ / ١١٤ ]
عَبْدًا (حَيْضَتَانِ) صَوَابُهُ طُهْرَانِ لِيُوَافِقَ مَا تَقَدَّمَ، وَمَا يَأْتِي أَنَّ الْعِدَّةَ بِالطُّهْرِ لَا بِالْحَيْضِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَالْعِدَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ.
(وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ كَالْحُرِّ) ظَاهِرُ التَّشْبِيهِ أَنَّ مَا يُكَفِّرُ بِهِ الْحُرُّ يُكَفِّرُ بِهِ الْعَبْدُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْعِتْقُ لَا يُكَفَّرُ بِهِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ كَمَا قَدَّمْنَا (بِخِلَافِ مَعَانِي الْحُدُودِ، وَالطَّلَاقِ) لَفْظُ مَعَانِي زَائِدٌ أَيْ بِخِلَافِ الْحُدُودِ، وَالطَّلَاقِ فَإِنَّهَا تُشْطَرُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الرَّضَاعِ الْمُتَرْجَمِ لَهُ فَقَالَ: (وَكُلُّ مَا وَصَلَ إلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ فِي الْحَوْلَيْنِ مِنْ اللَّبَنِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ، وَإِنْ مَصَّةً) وَفِي نُسْخَةٍ، وَلَوْ مَصَّةً بِالنَّصْبِ خَبَرٌ لَكَانَ الْمُقَدَّرَةِ عَلَى النُّسْخَتَيْنِ؛ التَّقْدِيرُ: وَإِنْ كَانَ الْوَاصِلُ مِنْ اللَّبَنِ مَصَّةً (وَاحِدَةً) عَمَلًا بِمُطْلَقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَلَا تَفْصِيلٍ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ هَذِهِ الْآيَةُ، وَقَوْلُهُ - ﷺ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ»، وَالْإِجْمَاعُ حَكَاهُ ع وَاسْتَثْنَوْا مِنْ عُمُومِ الْحَدِيثِ سِتَّ مَسَائِلَ تَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي تَحْرِيمِ الرَّضَاعِ شُرُوطٌ مِنْهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ فِي الْحَوْلَيْنِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِكَثِيرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُحَرِّمُ مَا أُرْضِعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إلَّا مَا قَرُبَ مِنْهُمَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]
_________________
(١) [حاشية العدوي] [قَوْلُهُ: صَوَابُهُ طُهْرَانِ إلَخْ] وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْحَيْضَتَيْنِ لَمَّا كَانَتَا يَتَضَمَّنَانِ الطُّهْرَيْنِ عَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْهُمَا [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ] أَيْ طَلَاقُ الْعَبْدِ طَلْقَتَانِ مُطْلَقًا كَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ مُطْلَقًا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُ التَّشْبِيهِ إلَخْ] الْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَا يُكَفِّرُ بِهِ الْعَبْدُ هُوَ كَالْحُرِّ فِيهِ أَيْ فَلَا يَتَنَصَّفُ لَا أَنَّ كُلَّ مَا يُكَفِّرُ بِهِ الْحُرُّ يُكَفِّرُ بِهِ الْعَبْدُ [قَوْلُهُ: لَفْظُ مَعَانِي زَائِدٌ] وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلْبَيَانِ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْكَفَّارَةِ، وَالْحُدُودِ، وَالطَّلَاقِ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَمْ تُعْتَبَرْ فِيهَا الْفَضِيلَةُ وَتَأْكِيدُ الْحُرْمَةِ كَمَا اُعْتُبِرَ فِي الْحُدُودِ، وَالطَّلَاقِ [قَوْلُهُ: أَيْ بِخِلَافِ الْحُدُودِ] فَيُحَدُّ فِي الزِّنَا، وَالْقَذْفِ، وَالشُّرْبِ نِصْفَ الْحُرِّ. [قَوْلُهُ: وَكُلُّ مَا وَصَلَ]، وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ [قَوْلُهُ: إلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ] ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا وَصَلَ لِحَلْقِهِ وَرُدَّ لَمْ يُحَرِّمْ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: التَّقْدِيرُ إلَخْ] هَذَا عَلَى نُسْخَةِ أَنَّ أَوْ، وَلَوْ كَانَ الْوَاصِلُ أَيْ عَلَى نُسْخَةِ لَوْ [قَوْلُهُ: مِنْ اللَّبَنِ]، وَلَوْ خُلِطَ بِغَيْرِ غَالِبٍ عَلَيْهِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ طَعْمٌ كَمَا صَوَّرَ بِهِ النَّاصِرُ فَلَا يُحَرِّمُ بَطَلَ حُصُولُ الْغِذَاءِ بِهِ أَمْ لَا، فَإِذَا خُلِطَ لَبَنُ امْرَأَةٍ بِلَبَنِ أُخْرَى صَارَ ابْنًا لَهُمَا تَسَاوَيَا أَوْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَفُرُوعُ اللَّبَنِ كَالْجُبْنِ، وَالسَّمْنِ كَهُوَ كَانَ لَبَنَ حَيَّةٍ أَوْ مَيِّتَةٍ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ ذَاتِ اللَّبَنِ آدَمِيَّةً لَا بَهِيمَةً كَجِنِّيَّةٍ. فَلَوْ ارْتَضَعَ صَبِيَّانِ عَلَى بَهِيمَةٍ أَوْ جِنِّيَّةٍ فَلَا يَحْرُمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَرْأَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً تَلِدُ أَمْ لَا، وَلَا تَحْرِيمَ بِالْمَاءِ الْأَصْفَرِ أَوْ الْأَحْمَرِ [قَوْلُهُ: مَصَّةً] أَيْ ذَا مَصَّةٍ [قَوْلُهُ: وَاحِدَةً] تَأْكِيدٌ [قَوْلُهُ: عَمَلًا بِمُطْلَقٍ] أَيْ فَإِنَّهُ صَادِقٌ، وَلَوْ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ] أَيْ لَا بِعَشْرِ رَضَعَاتٍ وَلَا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ وَقَوْلُهُ وَلَا تَفْصِيلَ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: فِيمَا ذُكِرَ] أَيْ فِي كَوْنِهِ مِنْ الرَّضَاعِ يُحَرِّمُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا [قَوْلُهُ: يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ] أَيْ مِنْ أَجْلِ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ أَجْلِ النَّسَبِ أَيْ الذَّوَاتِ، وَالْأَعْيَانِ الَّتِي حَرَّمَهَا النَّسَبُ، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ مِثْلُ مَا يَحْرُمُ إلَخْ [قَوْلُهُ: حَكَاهُ] أَيْ حَكَى الْإِجْمَاعَ [قَوْلُهُ: مِنْ عُمُومِ الْحَدِيثِ] أَيْ مِنْ عُمُومِ مَا الْوَاقِعَةِ فِي الْحَدِيثِ [قَوْلُهُ: سِتُّ مَسَائِلَ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ سِتُّ نِسْوَةٍ [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ وَصَلَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُحْتَرَزًا فِي الْحَوْلَيْنِ فَقَطْ بَلْ مُحْتَرَزُ الْحَوْلَيْنِ، وَمَا قَرُبَ مِنْهُمَا [قَوْلُهُ: مَا أُرْضِعَ] أَيْ اللَّبَنُ الَّذِي أُرْضِعَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ هَذَا وَقَوْلِهِ بَعْدَ مَا أُرْضِعَ إلَخْ، أَنَّ اللَّبَنَ يَقَعُ مَفْعُولًا لِأُرْضِعَ يَتَعَدَّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَيُحْذَفُ فَاعِلُهُ وَيَقُومُ هَذَا الْمَفْعُولُ مَقَامَهُ، وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْمِصْبَاحِ
[ ٢ / ١١٥ ]
فَأَخْبَرَ عَنْ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَكَمَالِ مُدَّةِ الرَّضَاعِ ثُمَّ فَسَّرَ الْقُرْبَ بِقَوْلِهِ: (كَالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ وَقِيلَ، وَالشَّهْرَيْنِ)، وَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالثَّانِي رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثِ الَّتِي ضُعِّفَ فِيهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْآخَرَانِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ فِي التَّيَمُّمِ، وَقَدْ قِيلَ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَالْآخَرُ قَوْلُهُ فِي الْأَقْضِيَةِ، وَقَدْ قِيلَ يَقْضِي بِذَلِكَ فِي الْجِرَاحِ.
(وَلَوْ فُصِلَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ فِصَالًا اسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ اللَّبَنِ بِالطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ لَمْ يُحَرِّمْ) الرَّضِيعَ (مَا أُرْضِعَ بَعْدَ ذَلِكَ) لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيَّ أَنَّهُ - ﵌ - قَالَ: «لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ وَمَنْ اسْتَغْنَى بِالطَّعَامِ عَنْ اللِّبَانِ فَقَدْ فُتِقَتْ أَمْعَاؤُهُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» .
(وَيُحَرِّمُ بِالْوَجُورِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَهُوَ مَا صُبَّ فِي وَسَطِ الْفَمِ وَتَحْتَ اللِّسَانِ (، وَالسَّعُوطِ) بِفَتْحِ السِّينِ، وَهُوَ مَا صُبَّ فِي الْمَنْخَرِ، ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ السَّعُوطَ يُحَرِّمُ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُصُولُهُ لِلْجَوْفِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي كِتَابِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] حَيْثُ قَالَ أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى إلَخْ] لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُدَّعِي [قَوْلُهُ: عَنْ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ] أَيْ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَكَمَالَ مُدَّةِ الرَّضَاعِ سَنَتَانِ [قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ إلَخْ] الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ كَمَا قَالَهُ الْجُزُولِيُّ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ، وَالشَّهْرَيْنِ] أَيْ بَدَلَ قَوْلِهِ: وَنَحْوَهُ أَيْ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الزِّيَادَةُ شَهْرَانِ فَقَطْ الَّذِي هُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ [قَوْلُهُ: الَّتِي ضُعِّفَ فِيهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ] أَيْ مَعَ أَنَّ كَلَامَهُ فِيهَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. [قَوْلُهُ: اسْتَغْنَى فِيهِ] أَيْ يَسْتَغْنِي بِالطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ عَنْ اللَّبَنِ بِحَيْثُ لَا يُغْنِيهِ اللَّبَنُ لَوْ عَادَ إلَيْهِ عَنْهُمَا، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ لَا أَنَّهُ إذَا عَادَ إلَيْهِ اللَّبَنُ يَأْبَاهُ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَفَادَهُ عج [قَوْلُهُ: لَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ] أَيْ الرَّضَاعِ [قَوْلُهُ: إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ] أَيْ الْإِرْضَاعُ فَتَقَ الْأَمْعَاءَ بِاعْتِبَارِ أَثَرِهِ وَهُوَ اللَّبَنُ جَمْعُ وَالتَّرَشُّدِ، كَعِنَبٍ وَأَعْنَابٍ أَيْ الْمَصَارِينُ، وَالْفَتْقُ النَّقْضُ أَيْ زَوَالُ انْطِبَاقِهَا، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَمَكُّنِ اللَّبَنِ مِنْهَا بِحَيْثُ يَكُونُ صَلَاحُ الْوَلَدِ بِهِ وَقَوْلُهُ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ عَطْفٌ لَازِمٌ [قَوْلُهُ: اللِّبَانِ] أَيْ اللَّبَنِ [قَوْلُهُ: فُتِقَتْ أَمْعَاؤُهُ] أَيْ بِالطَّعَامِ أَيْ تَمَكَّنَ الطَّعَامُ مِنْهَا بِحَيْثُ صَارَ صَلَاحُهَا بِهِ لَا بِاللِّبَانِ [قَوْلُهُ: إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ إلَخْ] قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمَجَاعَةُ مَفْعَلَةٌ مِنْ الْجُوعِ يَعْنِي أَنَّ الَّذِي يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ إنَّمَا هُوَ الَّذِي يَرْضَعُ مِنْ جُوعِهِ وَهُوَ الطِّفْلُ، يَعْنِي أَنَّ الْكَبِيرَ إذَا رَضَعَ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَعْهُمَا مِنْ الْجُوعِ. [قَوْلُهُ: وَيُحَرِّمُ] أَيْ الرَّضَاعُ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ أَيْ يُحَرِّمُ الرَّضَاعُ الْمُلْتَبِسُ بِالْوَجُورِ مِنْ الْتِبَاسِ الشَّيْءِ بِأَثَرِهِ، أَوْ يُحَرِّمُ اللَّبَنُ مِنْ الْتِبَاسِ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ [قَوْلُهُ: مَا صُبَّ فِي وَسَطِ الْفَمِ] أَيْ فَهُوَ نَفْسُ اللَّبَنِ الْمَصْبُوبِ وَيُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ وَقَوْلُهُ: وَتَحْتَ اللِّسَانِ فِي هَذَا الْقَيْدِ نَظَرٌ كَمَا أَفَادَهُ تت وَغَيْرُهُ وَأَسْقَطَهُ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ السِّينِ] أَيْ فَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ اسْمٌ لِنَفْسِ اللَّبَنِ وَأَمَّا بِضَمِّ السِّينِ فَهُوَ مَصْدَرٌ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمِصْبَاحِ، وَفِي الْبِسَاطِيِّ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَجُورِ، وَالسَّعُوطِ اسْمٌ لِنَفْسِ الْوُصُولِ، وَظَاهِرُ تَقْرِيرِهِ أَنَّهُ لَا فَرْق بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِآلَةٍ وَغَيْرِهَا وَظَهَرَ أَنَّ الرَّضَاعَ وُصُولُ اللَّبَنِ لِجَوْفِ الرَّضِيعِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ لَا ضَمُّ الشَّفَتَيْنِ عَلَى مَحِلِّ خُرُوجِ اللَّبَنِ مِنْ ثَدْيٍ لِطَلَبِ خُرُوجِهِ. تَنْبِيهٌ: الْحُقْنَةُ إذَا حَصَلَ بِهَا غِذَاءٌ بِالْفِعْلِ تُحَرِّمُ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ عج وَانْظُرْ إذَا حَصَلَ مِنْ ثُقْبَةٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ أَوْ فَوْقَهَا وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ التَّحْرِيمَ، وَاسْتَظْهَرَ تت أَنَّ لَبَنَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ قِيَاسًا عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَسْأَلَةَ الْوَجُورِ تُفْهَمُ مِنْ مَسْأَلَةِ السَّعُوطِ بِالْأَوْلَى. [قَوْلُهُ: إنَّ السَّعُوطَ يُحَرِّمُ إلَخْ] أَيْ إنَّ الرَّضَاعَ بِالسَّعُوطِ يُحَرِّمُ وَاعْلَمْ أَنَّ قَصْرَ الْخِلَافِ عَلَى السَّعُوطِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ، أَشَارَ لَهُ بَهْرَامُ فَقَدْ قَالَ: أَمَّا الْوَجُورُ فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ كَذَلِكَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَأَمَّا السَّعُوطُ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ إنْ وَصَلَ لِلْجَوْفِ وَلِمَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ يُحَرِّمُ مُطْلَقًا اهـ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُصُولُهُ لِلْجَوْفِ] أَيْ بِأَنْ شَكَّ فِي وُصُولِهِ لِلْجَوْفِ
[ ٢ / ١١٦ ]
ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ حَرَّمَ وَإِلَّا فَلَا.
(وَمَنْ أَرْضَعَ صَبِيًّا) ذَكَرَ الْفِعْلَ مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣١] (فَبَنَاتُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ) الْمُرْضِعَةِ لِلصَّبِيِّ (وَبَنَاتُ فَحْلِهَا مَا تَقَدَّمَ، أَوْ تَأَخَّرَ) (إخْوَةٌ لَهُ) أَيْ لِمَنْ أَرْضَعَتْهُ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: أَخَوَاتٌ لَهُ إلَّا إنَّهُ رَاعَى لَفْظَ مَا.
(وَلِأَخِيهِ) أَيْ أَخِي الصَّبِيِّ مِنْ النَّسَبِ لَا مِنْ الرَّضَاعِ (نِكَاحُ بَنَاتِهَا) أَيْ بَنَاتِ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ وَكَذَلِكَ لِأَخِيهِ نِكَاحُ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعِ لَا مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةُ الْأَبِ، وَهِيَ إحْدَى الْمَسَائِلِ السِّتَّةِ الَّتِي اسْتَثْنَاهَا الْعُلَمَاءُ، مِنْ قَوْلِهِ - ﵊ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ»، ثَانِيهَا: مَنْ أَرْضَعَتْ وَلَدَ وَلَدِك، ثَالِثُهَا: جَدَّةُ وَلَدِك، رَابِعُهَا: أُخْتُ وَلَدِك خَامِسُهَا: أُمُّ عَمِّك وَعَمَّتِك سَادِسُهَا: أُمُّ خَالِك وَخَالَتِك.
_________________
(١) [حاشية العدوي] أَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ لِلْجَوْفِ بِأَنْ وَصَلَ لِلْحَلْقِ وَرُدَّ [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ وَصَلَ لِلْجَوْفِ] أَيْ تَحْقِيقًا أَوْ غَلَبَةَ ظَنٍّ، وَكَذَا شَكًّا احْتِيَاطًا وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمَشْهُورُ. [قَوْلُهُ: ذَكَرَ الْفِعْلَ] أَيْ حَيْثُ قَالَ أَرْضَعَ وَلَمْ يَقُلْ أَرْضَعَتْ وَقَوْلُهُ مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ، أَيْ لَفْظِ مَنْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ [الأحزاب: ٣١] فَلَوْ رَاعَى الْمَعْنَى لَقَالَ وَمَنْ تَقْنُتْ بِالتَّاءِ [قَوْلُهُ: فَبَنَاتُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ]، وَلَوْ مِنْ زَوْجٍ غَيْرِ فَحْلِهَا الْيَوْمَ، وَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ فَأَوْلَادُ بَدَلَ بَنَاتٍ لِيَشْمَلَ الذُّكُورَ أَيْضًا [قَوْلُهُ: وَبَنَاتُ فَحْلِهَا] أَيْ الْيَوْمَ الَّذِي حَصَلَ الرَّضَاعُ بِلَبَنِهِ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْمُرْضِعَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءٍ حَلَالٍ بَلْ، وَلَوْ مِنْ حَرَامٍ. لَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ مِنْهُ بِصَاحِبِهِ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُخْتَصَرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّضِيعَ لَا يَكُونُ أَخًا لِأَوْلَادِ فَحْلِ الْمُرْضِعَةِ مِنْ غَيْرِهَا، إلَّا إذَا كَانَ قَدْ وَطِئَ الْمُرْضِعَةَ وَأَنْزَلَ قَبْلَ الْإِرْضَاعِ حَتَّى يَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ لَبَنِ ذَلِكَ الْفَحْلِ. [قَوْلُهُ: وَلِأَخِيهِ نِكَاحُ إلَخْ] أَيْ لِأَنَّ الَّذِي يُقَدِّرُ وَلَدًا لِلْمُرْضِعَةِ خُصُوصُ الرَّضِيعِ وَفُرُوعُهُ كَهُوَ فَتُحَرَّمُ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَةُ وَأُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا وَعَمَّاتُهَا وَخَالَاتُهَا، كَمَا تَحْرُمُ عَلَى فُصُولِهِ وَلَا تُحَرَّمُ عَلَى أُصُولِهِ وَلَا عَلَى إخْوَتِهِ وَيَسْتَمِرُّ كُلُّ مَنْ رَضَعَ وَلَدًا لِصَاحِبِ اللَّبَنِ لِانْقِطَاعِهِ، وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ. [قَوْلُهُ: لَا مِنْ الرَّضَاعِ] أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مِنْ الرَّضَاعِ أَيْ فَيَكُونُ أَوْلَى، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَعَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ. تَنْبِيهٌ: يَثْبُتُ الرَّضَاعُ بِرَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ فَشَا أَمْ لَا، وَكَذَا بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَبِامْرَأَتَيْنِ إنْ فَشَا فِي هَاتَيْنِ قَبْلَ الْعَقْدِ كَانَتَا أَجْنَبِيَّتَيْنِ أَوْ أُمَّهَاتَهمَا، وَهَلْ تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ مَعَ الْفُشُوِّ أَوْ لَا تُشْتَرَطُ إلَّا مَعَ عَدَمِ الْفُشُوِّ تَرَدَّدَ لَا بِامْرَأَةٍ، وَلَوْ فَشَا، وَلَوْ عَدْلًا. [قَوْلُهُ: وَهِيَ إحْدَى الْمَسَائِلِ] أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ لِأَخِيهِ نِكَاحُ أُمِّهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا أُمُّ أَخِيك أَيْ أَوْ أُخْتِك رَضَاعًا؛ وَهِيَ نَسَبًا تَحْرُمُ عَلَيْك؛ لِأَنَّهَا إمَّا أُمُّك أَوْ زَوْجَةُ أَبِيك [قَوْلُهُ: ثَانِيهَا مَنْ أَرْضَعَتْ وَلَدَ وَلَدِك] ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَأَمَّا نَسَبًا فَهِيَ إمَّا بِنْتُك أَوْ زَوْجَةُ ابْنِك وَكِلْتَاهُمَا حَرَامٌ عَلَيْك، وَأَمَّا هَذِهِ وَهِيَ الْأَجْنَبِيَّةُ الْمُرْضِعَةُ وَلَدَ وَلَدِك لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْك. [قَوْلُهُ: ثَالِثُهَا جَدَّةُ وَلَدِك] فَهِيَ نَسَبًا إمَّا أُمُّك أَوْ أُمُّ زَوْجَتِك وَكِلْتَاهُمَا حَرَامٌ عَلَيْك وَهَذِهِ الصُّورَةُ أَعْنِي إرْضَاعَ امْرَأَةِ وَلَدِك فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْك أُمُّهَا، وَقَوْلُهُ وَرَابِعُهَا أُخْتُ وَلَدِك فَهِيَ نَسَبًا بِنْتُك أَوْ بِنْتُ زَوْجَتِك وَكِلْتَاهُمَا حَرَامٌ عَلَيْك، وَلَوْ أَرْضَعَتْ امْرَأَةٌ وَلَدَك لَمْ تَحْرُمْ بِنْتُهَا الَّتِي هِيَ أُخْتُ وَلَدِك مِنْ الرَّضَاعِ، وَقَوْلُهُ: وَخَامِسُهَا أُمُّ عَمِّك وَعَمَّتِك فَهِيَ نَسَبًا إمَّا جَدَّتُك لِأَبِيك أَوْ حَلِيلَةُ جَدِّك وَكِلْتَاهُمَا حَرَامٌ عَلَيْك، وَلَوْ أَرْضَعَتْ امْرَأَةٌ عَمَّك أَوْ عَمَّتَك لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْك، وَقَوْلُهُ سَادِسُهَا أُمُّ خَالِك وَخَالَتِك فَهِيَ نَسَبًا إمَّا جَدَّتُك لِأُمِّك أَوْ زَوْجَةُ جَدِّك وَكِلْتَاهُمَا حَرَامٌ عَلَيْك، وَلَوْ أَرْضَعَتْ امْرَأَةٌ خَالَك أَوْ خَالَتَك لَمْ تَحْرُمْ لِفَقْدِ ذَلِكَ مِنْهَا.
[ ٢ / ١١٧ ]