الَّذِي يَأْخُذُ بِنَفْسِي فِي ذَلِكَ الَّذِي جَمَعَ عَلَيْهِ عُمَرُ النَّاسَ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الْوَتْرُ وَهِيَ صَلَاةُ النَّبِيِّ - ﷺ - (وَكُلُّ ذَلِكَ) أَيْ الْقِيَامِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً أَوْ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً (وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ (وَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) وَلَمَّا بَيَّنَ قِيَامَ السَّلَفِ اسْتَشْعَرَ سُؤَالَ سَائِلٍ قَالَ لَهُ: هَذَا قِيَامُ السَّلَفِ فَمَا قِيَامُ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ - «مَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَعْدَهَا الْوَتْرُ» مَا ذَكَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْهَا، «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» .
وَهُنَا تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى الصِّيَامِ وَعَقَّبَهُ بِمَا هُوَ مُلَازِمٌ لَهُ فَقَالَ:
_________________
(١) [حاشية العدوي] إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً] بَدَلٌ مِنْ الَّذِي جَمَعَ أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. [قَوْلُهُ: وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ] أَيْ جَائِزٌ لَا تَتَعَيَّنُ طَرِيقَتُهُ [قَوْلُهُ: وَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ] أَيْ يُنْدَبُ وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ السَّلَامِ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَالْأَفْضَلُ لَهُ السَّلَامُ بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. [قَوْلُهُ: مَا ذَكَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ مُخَالِفٌ إلَخْ] أَيْ وَمُخَالِفٌ أَيْضًا لِمَا رُوِيَ عَنْهَا مِنْ أَنَّ قِيَامَهُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ وَسَبْعَ عَشْرَةَ، وَرَوَى غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ - ﷺ - أَنَّهُ رَجَعَ إلَى تِسْعٍ ثُمَّ إلَى سَبْعٍ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ إذَا دَخَلَ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَإِذَا قَامَ يَتَهَجَّدُ افْتَتَحَ وِرْدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ لِيَنْشَطَ، وَإِذَا خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَتَارَةً عُدَّتْ مَا يَفْعَلُهُ فِي لَيْلَةٍ بِتَمَامِهِ وَهُوَ سَبْعَ عَشْرَةَ بِتَسَمُّحٍ فِي عَدِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَتَارَةً أَسْقَطْت رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ اللَّيْلِ. فَعُدَّتْ خَمْسَ عَشْرَةَ وَتَارَةً أَسْقَطْت تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ فَعُدَّتْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَتَارَةً أَسْقَطْت الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ فَعُدَّتْ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً هَكَذَا جَمَعَ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: أَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ بِحَسْبِ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ وَضِيقِهِ أَوْ عُذْرٍ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ كِبَرِ سِنِّهِ لِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ تِسْعًا فَلَمَّا أَسَنَّ صَلَّى سَبْعًا» . [بَابٌ فِي الِاعْتِكَافِ] بَابُ الِاعْتِكَافِ [قَوْلُهُ: بِمَا هُوَ مُلَازِمٌ لَهُ] يَقْتَضِي أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَازِمٌ لِلصَّوْمِ مَتَى وُجِدَ الصَّوْمُ وُجِدَ الِاعْتِكَافُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْوَاقِعُ إنَّمَا هُوَ الْعَكْسُ.
[ ١ / ٤٦٣ ]
بَابٌ فِي الِاعْتِكَافِ] وَإِنَّمَا عَقَّبَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ عَقِبَهُ لِالْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ إذْ هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِهِ عَلَى أَحَدِ التَّشْهِيرَيْنِ وَبَدَأَ بِحُكْمِهِ فَقَالَ: (وَالِاعْتِكَافُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ) الْمُرَغَّبِ فِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَفْضَلُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لِمُوَاظَبَتِهِ - ﵊ - عَلَيْهِ ثُمَّ بَيَّنَ مَعْنَاهُ لُغَةً بِقَوْلِهِ: (وَالْعُكُوفُ الْمُلَازَمَةُ) عَلَى الشَّيْءِ وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ شَرْعًا فَهُوَ لُزُومُ الْمُسْلِمِ الْمُمَيِّزِ الْمَسْجِدَ لِلذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ صَائِمًا كَافًّا عَنْ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ يَوْمًا فَمَا
_________________
(١) [حاشية العدوي] [قَوْلُهُ: إذْ هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِهِ] أَيْ بِرَمَضَانَ عَلَى أَحَدِ التَّشْهِيرَيْنِ، وَقِيلَ: وَلَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِهِ. [قَوْلُهُ: الْمُرَغَّبِ فِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ سُنَّةٌ، وَقِيلَ مَكْرُوهٌ. وَهُمَا ضَعِيفَانِ، إلَّا أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ الَّتِي أَفَادَهَا الشَّارِحُ تَقْتَضِي السُّنِّيَّةَ فَهُوَ مُشْكِلٌ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ خِلَافَهُ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ وَإِنْ فَعَلَهُ - ﷺ - لَكِنَّهُ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَعْتَكِفُ وَتَارَةً يَتْرُكُ فَلَا يَصْدُقُ ضَابِطُ السُّنَّةِ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ] أَيْ وَأَفْضَلُ الِاعْتِكَافِ الْكَائِنُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَحَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِكَافُ فِي رَمَضَانَ لِكَوْنِهِ سَيِّدَ الشُّهُورِ وَتُضَاعَفُ فِيهِ الْحَسَنَاتُ، وَيَتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابُ بِالْعَشْرِ الْأَخِيرَةِ لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ الْغَالِبَةِ الْوُجُودِ بِهِ. وَقَوْلُهُ: لِمُوَاظَبَتِهِ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَنَّ مُقَابِلَ الْمَشْهُورِ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ فَقَطْ خِلَافُ مَا حَلَّيْنَا بِهِ كَلَامَهُ أَوَّلًا، إلَّا أَنَّهُ عَلَى كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ لَيْسَ فِي الْمُصَنَّفِ تَعْيِينُ الْحُكْمِ هَلْ هُوَ النَّدْبُ أَوْ السُّنِّيَّةُ بَلْ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ تَقْتَضِي السُّنِّيَّةَ كَمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا. [قَوْلُهُ: عَلَيْهِ] أَيْ عَلَى الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ [قَوْلُهُ: وَالْعُكُوفُ الْمُلَازَمَةُ عَلَى الشَّيْءِ] أَيْ طَاعَةً كَانَ أَوْ مَعْصِيَةً. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] هَذَا مَعْنَاهُ لُغَةً، وَلَمَّا كَانَ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ جُنُوحٌ إلَى التَّعْرِيفِ بِالْأَعَمِّ وَالْأَكْثَرِ عَلَى مَنْعِهِ حَوَّلَهُ الشَّارِحُ إلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لَكِنْ فِيهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَيْسَ دَأْبُ الْمُصَنِّفِ التَّكَلُّمَ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الثَّانِي: أَنَّ ذِكْرَهُ التَّعْرِيفَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَالِاعْتِكَافُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ يُرْشِدُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُلَازَمَةُ عَلَى الْقُرْبَةِ أَيْ الْقَاصِرَةِ الَّذِي هُوَ التَّعْرِيفُ الشَّرْعِيُّ، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصَوُّرِ، فَالتَّصْدِيقُ هُوَ قَوْلُهُ: وَالِاعْتِكَافُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ وَالتَّصَوُّرُ هُوَ قَوْلُهُ وَالْعُكُوفُ الْمُلَازَمَةُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصَوُّرِ لِلْغَيْرِ لَا التَّصَوُّرِ فَلَا إيرَادَ [قَوْلُهُ: وَحَبْسُ إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ عَطْفَ مُرَادِفٍ [قَوْلُهُ: لُزُومُ] يُشْعِرُ بِطُولِ الْمُكْثِ فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَارِّ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمُرَادُ اللُّزُومُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الضَّرُورِيِّ [قَوْلُهُ: الْمُسْلِمِ] قَيَّدَ بِالْمُسْلِمِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ. وَإِلَّا فَالْكَافِرُ مُخَاطَبٌ بِهَا إلَّا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ [قَوْلُهُ: الْمُمَيِّزِ] أَيْ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ عَبْدًا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مِنْ مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ. وَالْمُمَيِّزُ هُوَ الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيَرُدُّ الْجَوَابَ وَلَا يَنْضَبِطُ بِسِنٍّ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَفْهَامِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِفَهْمِ الْخِطَابِ وَبِرَدِّ الْجَوَابِ أَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ مَقَاصِدِ الْعُقَلَاءِ فَهِمَهُ وَأَحْسَنَ الْجَوَابَ عَنْهُ لَا أَنَّهُ إذَا دُعِيَ أَجَابَ. [قَوْلُهُ:
[ ١ / ٤٦٤ ]
فَوْقَهُ بِنِيَّةٍ، وَقَدْ اشْتَمَلَ هَذَا عَلَى أَرْكَانِهِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى أَحَدِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصِيَامٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ مُفْطِرٍ وَلَوْ لِعُذْرٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ لِلِاعْتِكَافِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ وَسَحْنُونٌ: لَا بُدَّ مِنْ صَوْمٍ يَخُصُّهُ فَلَا يُجْزِئُ فِي رَمَضَانَ وَيَرُدُّهُ فِعْلُهُ - ﷺ - لَهُ فِي رَمَضَانَ.
(وَ) مِنْ شَرْطِ الِاعْتِكَافِ (أَنْ لَا يَكُونَ إلَّا مُتَتَابِعًا) مَا لَمْ يَنْذِرْهُ مُتَفَرِّقًا فَإِنْ نَذَرَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى رُكْنٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَكُونُ) الِاعْتِكَافُ (إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ) فَلَا يَصِحُّ فِي الْبُيُوتِ وَالْحَوَانِيتِ وَنَحْوِهَا (كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷾ ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فِي أَيِّ بَلَدٍ كَانَ (فَإِنْ كَانَ بَلَدٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا نَاقِصَةٌ اسْمُهَا ضَمِيرٌ فِيهَا تَقْدِيرُهُ كَانَ هُوَ أَيْ اعْتِكَافُهُ فِي بَلَدٍ (فِيهِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] الْمَسْجِدَ] أَيْ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مَسْجِدَ جُمُعَةٍ إلَّا أَنْ يُنْذِرَ أَيَّامًا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي مَسَاجِدِ الْبُيُوتِ وَلَا فِي الْكَعْبَةِ وَإِنْ جَازَ لَهُ دُخُولُهَا. [قَوْلُهُ: لِلذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ] أَيْ مِنْ كُلِّ قُرْبَةٍ قَاصِرَةٍ خَرَجَتْ الْقُرْبَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ كَالِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ الْغَيْرِ الْعَيْنِيِّ وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ كِتَابَةُ الْمُعْتَكِفِ وَإِنْ مُصْحَفًا إنْ كَثُرَ لَا إنْ قَلَّ، فَخِلَافُ الْأَوْلَى فَقَطْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا فَيُبَاحَ لَهُ لِتَعَيُّشِهِ. [قَوْلُهُ: يَوْمًا فَمَا فَوْقَهُ] الْفَاءُ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ إلَّا أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ يَوْمًا فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَيُمْكِنُ جَرَيَانُهُ عَلَى قَوْلٍ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ. وَأَقُولُ: بَلْ يُمْكِنُ جَرَيَانُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِحُّ إنْ دَخَلَ مَعَ الْفَجْرِ. [قَوْلُهُ: وَقَدْ اشْتَمَلَ هَذَا عَلَى أَرْكَانِهِ إلَخْ] أَيْ الَّتِي هِيَ الْإِسْلَامُ وَالتَّمْيِيزُ وَكَوْنُهُ فِي مَسْجِدٍ وَكَوْنُ الْمَذْكُورِ ذِكْرًا وَصَلَاةً وَغَيْرَ ذَلِكَ وَالْكَفُّ عَنْ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَأَرَادَ بِالْأَرْكَانِ مَا تَتَوَقَّفُ حَقِيقَةُ الشَّيْءِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ اللُّزُومُ الْمُقَيَّدُ بِتِلْكَ الْقُيُودِ [قَوْلُهُ: وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصِيَامٍ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الصَّوْمُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي: [قَوْلُهُ: وَلَوْ لِعُذْرٍ] أَيْ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: يَصِحُّ اعْتِكَافُ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ وَضَعِيفِ الْبِنْيَةِ وَنَحْوِهِمَا. [قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ لِلِاعْتِكَافِ عَلَى الْمَذْهَبِ] أَيْ فَيَصِحُّ وَلَوْ فِي رَمَضَانَ. [قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُنْذِرْهُ مُتَفَرِّقًا] أَفَادَ أَنَّ الْمَتْنَ مَحْمُولٌ عَلَى صُورَتَيْنِ أَنْ يُنْذِرَ التَّتَابُعَ أَوْ يُطْلِقَ بِأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ شَهْرٍ مَثَلًا [قَوْلُهُ: فَإِنْ نَذَرَهُ كَذَلِكَ] أَيْ مُتَفَرِّقًا فَلَا يَلْزَمُهُ تَتَابُعُهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا نَذَرَهُ مُتَفَرِّقًا وَأَطْلَقَ وَكَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ عَشْرَ مَرَّاتٍ كُلُّ مَرَّةٍ بِلَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، وَانْظُرْ هَلْ يَلْزَمُهُ التَّفْرِيقُ؟ وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ اعْتِكَافٍ وَأَطْلَقَ لَا يَلْزَمُهُ تَتَابُعُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالصَّوْمِ أَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا يُفْعَلُ بِالنَّهَارِ، فَكَيْفَمَا أُتِيَ بِهِ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، فَرَّقَهُ أَوْ تَابَعَهُ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ يَسْتَغْرِقُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَكَانَ حُكْمُهُ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ. [قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ] أَيْ الْمُبَاحَةِ فَلَا يَصِحُّ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ وَلَا فِي مَسْجِدٍ مُحَجَّرٍ وَلَا فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَلَا فِي بَيْتِ قَنَادِيلِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَكِفُ امْرَأَةً. [قَوْلُهُ: فَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ] وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْجَامِعِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ] خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَعَطَاءٍ فَقَدْ قَالَ الْأَوَّلُ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. [قَوْلُهُ: فِي أَيِّ بَلَدٍ كَانَ إلَخْ] الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ رَدَّ قَوْلٍ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: أَيْ اعْتِكَافُهُ فِي بَلَدٍ] فِي هَذَا التَّقْدِيرِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ النَّصْبَ مَعَ حَذْفِ فِي وَهُوَ لَا يَنْقَاسُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَوْ جُعِلَ الِاسْمُ عَائِدًا عَلَى الْبَلَدِ وَلَفْظُ بَلَدٍ خَبَرًا مَوْصُوفًا بِقَوْلِهِ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَيَكُونُ خَبَرًا مَوْطِئًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي نَحْوِ: أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ مَا بَعُدَ فَإِنْ قُلْت: جُعِلَ الِاسْمُ عَائِدًا عَلَى الْبَلَدِ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَّا ذِكْرُ الِاعْتِكَافِ لَا الْبَلَدِ قُلْت: يُفْهَمُ مِنْ الْمَعْنَى أَيْ فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِ الِاعْتِكَافُ بَلَدًا فِيهِ
[ ١ / ٤٦٥ ]
الْجُمُعَةُ) وَهُوَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَنَذَرَ أَيَّامًا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ (فَلَا يَكُونُ) بِمَعْنًى لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ (إلَّا فِي) الْمَسْجِدِ (الْجَامِعِ) فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ، فَلَا يَصِحُّ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَلَا فِي بَيْتِ الْخَطَابَةِ وَلَا السِّقَايَةِ، وَلَا بَيْتِ قَنَادِيلِهِ لِكَوْنِهَا مَحْجُورًا عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَتْ بِذَلِكَ الْحَوَانِيتَ وَالْبُيُوتَ الَّتِي لَا تُدْخَلُ إلَّا بِإِذْنٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ عَجْزُ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ أَخْفَى لِلْعِبَادَةِ وَلِلْبُعْدِ مِمَّنْ قَدْ يَتَشَاغَلُ بِالْحَدِيثِ مَعَهُ. (إلَّا أَنْ يَنْذِرَ أَيَّامًا لَا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ) مِثْلَ سِتَّةِ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَأَقَلُّ مَا هُوَ أَحَبُّ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ (إلَيْنَا) أَيْ إلَى الْمَالِكِيَّةِ عَلَى رَأْيٍ (مِنْ الِاعْتِكَافِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ) وَأَكْمَلُهُ شَهْرٌ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى رَأْيٍ أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْمَلُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى.
(وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَأَكْثَرَ لَزِمَهُ) مَا نَوَاهُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا نَذَرَ يَوْمًا لَا يَلْزَمُهُ لَيْلَتُهُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ (وَإِنْ نَذَرَ لَيْلَةً لَزِمَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَنْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] الْجُمُعَةُ، وَعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ الْمَعْنَى جَائِزٌ مُصَرَّحٌ بِهِ كَذَا كَتَبَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ بِحَذْفِ شَيْءٍ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ إلَخْ] هَذَانِ الْقَيْدَانِ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِمَا [قَوْلُهُ: وَنَذَرَ أَيَّامًا] أَيْ أَوْ نَوَى أَيَّامًا [قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ إلَّا فِي الْجَامِعِ] أَيْ لِأَجْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَلَوْ اعْتَكَفَ فِي مَسْجِدٍ لَا خُطْبَةَ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ لِأَنَّ تَرْكَ الْجُمُعَةِ صَغِيرَةٌ وَالِاعْتِكَافُ إنَّمَا يَبْطُلُ بِالْكَبِيرَةِ إلَّا أَنْ يَتْرُكَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وَإِلَّا جَرَى الْخِلَافُ فِي بُطْلَانِهِ بِالْكَبِيرَةِ. [قَوْلُهُ: الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ] أَيْ اخْتِيَارًا فَلَا تَصِحُّ بِرَحْبَتِهِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ، وَأَمَّا رَحْبَتُهُ الدَّاخِلَةُ فِيهِ وَهِيَ الصَّحْنُ فَتَصِحُّ وَكَذَا لَا يَصِحُّ فِي الطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ. [قَوْلُهُ: لِكَوْنِهَا مَحْجُورًا عَلَيْهَا] أَيْ فَحِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي الْكَعْبَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّحْجِيرِ، وَلَا يَصِحُّ فِي زَمْزَمَ وَلَا فِي سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْمَسَاجِدِ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَحَبُّ عَجُزُ الْمَسْجِدِ] بِسُكُونِ الْجِيمِ أَيْ آخِرُهُ قَالَهُ تت فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَخْفَى إلَخْ] فَلَوْ انْعَكَسَ الْحَالُ انْعَكَسَ الْحُكْمُ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ] قَدْ عَرَفْت مُقَابِلَهُ وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمُتَقَدِّمُ. [قَوْلُهُ: وَأَقَلُّ مَا هُوَ إلَخْ] هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ كَمَا يُفِيدُهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ، وَعَلَى أَنَّ أَقَلَّهُ عَشْرَةٌ لَوْ اقْتَصَرَ فِي الِاعْتِكَافِ عَلَى مَا دُونَ الْعَشَرَةِ هَلْ يَكُونُ فَاعِلًا مَكْرُوهًا أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى. وَفِي ظَنِّي أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ ذَكَرَ فِيهِ الْكَرَاهَةَ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عِيسَى ذَكَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ. [قَوْلُهُ: وَمَا زَادَ عَلَيْهَا مَكْرُوهٌ] أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى هُمَا قَوْلَانِ حَكَاهُمَا اللَّخْمِيُّ وَذَكَرَ ذَلِكَ تت، وَلَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ هَلْ هُمَا قَوْلَانِ أَوْ مَحَلُّ نَظَرٍ. تَنْبِيهٌ: تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي الْأَقَلِّ فِيمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا وَدَخَلَ فِيهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ عَدَدًا، فَعَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْمُسْتَحَبِّ، وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِأَنَّهُمَا أَقَلُّ الْمُسْتَحَبِّ. [قَوْلُهُ: وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ] أَيْ إذَا نَذَرَ يَوْمًا تَلْزَمُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَإِنْ قُلْت: كَلَامُهُ مُشْكِلٌ إذْ كَيْفَ يَلْزَمُ مَعَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَوَّنَةَ صَرَّحَتْ بِكَرَاهَةِ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ أَقَلَّ مُسْتَحَبِّهِ عَشْرَةٌ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا قِيلَ فِي نَاذِرِ رَابِعِ النَّحْرِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَعَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ ذَكَرَهُ عج. وَذَلِكَ أَنَّ فِي ذَلِكَ الْأَقَلِّ شَائِبَتَيْنِ شَائِبَةُ كَوْنِهِ عِبَادَةً وَشَائِبَةُ التَّحْدِيدِ لِهَذَا الْقَدْرِ الْمَخْصُوصِ، فَلَزِمَ النَّاذِرَ الْوَفَاءُ بِهِ لِلشَّائِبَةِ الْأُولَى وَمِثْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي لُزُومِ الْوَفَاءِ لَوْ نَذَرَ أَكْثَرَ مِنْ أَكْبَرِ مُدَّةِ الِاعْتِكَافِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ نَذَرَ إلَخْ] إنَّمَا لَزِمَهُ الْأَمْرَانِ بِنَذْرِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ يَوْمِهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] فَالْمُرَادُ الْأَيَّامُ بِلَيَالِيِهَا، وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ بَعْضَ يَوْمٍ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ
[ ١ / ٤٦٦ ]
[مفسدات الاعتكاف]
سَحْنُونَ الْبُطْلَانُ؛ لِأَنَّ مَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ لَيْلًا فَقَدْ نَوَاهُ بِغَيْرِ شَرْطِهِ فَلَا يَصِحُّ، وَرَأَى فِي الْمَشْهُورِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْإِعْمَالُ دُونَ الْإِهْمَالِ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أُمُورٍ مُفْسِدَاتٍ لِلِاعْتِكَافِ فَقَالَ: (وَمَنْ أَفْطَرَ فِيهِ) أَيْ فِي اعْتِكَافِهِ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ (مُتَعَمِّدًا فَلْيَبْتَدِئْ اعْتِكَافَهُ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(وَكَذَلِكَ) يَبْتَدِئُ اعْتِكَافَهُ (مَنْ جَامَعَ فِيهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا أَوْ مُتَعَمِّدًا) زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَمَسَ.
ج: ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ لَذَّةٌ وَقَيَّدَهَا أَبُو الْحَسَنِ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ إذَا وَجَدَ لَذَّةً أَوْ قَصَدَهَا وَلَمْ يَجِدْهَا.
(وَإِنْ مَرِضَ) الْمُعْتَكِفُ مَرَضًا يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ مِنْ الصَّوْمِ خَاصَّةً دُونَ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ (خَرَجَ) مِنْهُ (إلَى بَيْتِهِ فَإِذَا صَحَّ) مِنْ مَرَضِهِ رَجَعَ إلَى الْمَسْجِدِ (وَيَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ) مِنْ الِاعْتِكَافِ (وَكَذَلِكَ) الْحُكْمُ (إنْ حَاضَتْ الْمُعْتَكِفَةُ) أَوْ نَفِسَتْ فَإِنَّهَا تَخْرُجُ وَتَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَحُرْمَةُ الِاعْتِكَافِ) مُسْتَمِرَّةٌ (عَلَيْهِمَا) فَلَا يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَفْعَلَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ مَا يُنَافِي الِاعْتِكَافَ غَيْرَ الصَّوْمِ، وَقَوْلُهُ: (فِي الْمَرَضِ) عَائِدٌ عَلَى الْمَرِيضِ، وَقَوْلُهُ: (وَعَلَى الْحَائِضِ فِي الْحَيْضِ) عَائِدٌ عَلَى الْحَيْضِ إلَّا أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي الْمَرَضِ وَالْحَيْضِ لَكَانَ أَحْسَنَ لِيَسْلَمَ مِنْ التَّكْرَارِ.
(فَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ) بِمَعْنَى أَنَّهَا رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ وَاغْتَسَلَتْ (أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ) مِنْ مَرَضِهِ سَوَاءٌ حَصَلَ لَهُمَا ذَلِكَ (فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ رَجَعَا) وَفِي
_________________
(١) [حاشية العدوي] يَنْوِيَ الْجَوَازَ فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ. [قَوْلُهُ: وَرَأَى فِي الْمَشْهُورِ] أَيْ فِي سَنَدِهِ بِمَعْنَى ظَهَرَ لَهُ سَنَدُهُ أَنَّ الْأَصْلَ إلَخْ. [مُفْسِدَات الِاعْتِكَافِ] [قَوْلُهُ: بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ] إنَّمَا قَيَّدَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ احْتِرَازًا مِنْ الْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، فَعَمْدُهَا وَسَهْوُهَا سَوَاءٌ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ إلَخْ] وَمِثْلُ الْفِطْرِ نَاسِيًا الْمَرَضُ وَالْحَيْضُ، أَيْ فَإِنْ أَكَلَ نَاسِيًا أَوْ مَرِضَ أَوْ حَاضَتْ فَلَا يَبْتَدِئُهُ لِعَدَمِ بُطْلَانِهِ وَيَقْضِيه بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الْفِطْرُ وَاصِلًا لَهُ بِاعْتِكَافِهِ حَيْثُ كَانَ الصَّوْمُ فَرْضًا بِحَسْبِ الْأَصْلِ كَرَمَضَانَ أَوْ مَنْذُورًا وَلَوْ مُعَيَّنًا، فَلَوْ أَمَرْنَاهُ بِالْبِنَاءِ فَنَسِيَ ابْتِدَاءً اعْتِكَافَهُ وَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي، وَأَنْ لَوْ كَانَ الصَّوْمُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ تَطَوُّعًا فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ بِأَكْلٍ وَشُرْبٍ نِسْيَانًا فَكَذَلِكَ يَقْضِيه لِمَا مَعَهُ مِنْ التَّفْرِيطِ وَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ مَرَضٍ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ. [قَوْلُهُ: مَنْ جَامَعَ] قَالَ الزَّرْقَانِيُّ: فَإِنْ وَطِئَ لَيْلًا بَطَلَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي غَيْرِ مُطِيقَةٍ هُنَا، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ كَقُبْلَةِ الشَّهْوَةِ وَاللَّمْسِ. [قَوْلُهُ: وَقَيَّدَهَا أَبُو الْحَسَنِ إلَخْ] قَيْدُ أَبِي الْحَسَنِ مُعْتَمَدٌ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَلْمُوسُ أَوْ الْمُقَبَّلُ مِمَّنْ يُسْتَلَذُّ بِهِ عَادَةً، لَا إنْ قَبَّلَ مَنْ لَا تُشْتَهَى أَوْ لِوَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ لَذَّةً، وَوَطْءُ الْمُكْرَهَةِ وَالنَّائِمَةُ كَغَيْرِهِمَا فِي بُطْلَانِ اعْتِكَافِهِمَا بِخِلَافِ الِاحْتِلَامِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ مَرِضَ الْمُعْتَكِفُ مَرَضًا] أَيْ أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: خَرَجَ مِنْهُ إلَى بَيْتِهِ] أَيْ وُجُوبًا مَعَ الْمَرَضِ الْمَانِعِ مِنْ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ، وَجَوَازًا مَعَ الْمَانِعِ مِنْ الصَّوْمِ فَقَطْ. وَفِي الرَّجْرَاجِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ. [قَوْلُهُ: وَيَبْنِي إلَخْ] الْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ فِي كَلَامِهِ الْإِتْيَانُ بِبَدَلِ مَا فَاتَ بِالْعُذْرِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ بِأَنْ كَانَتْ أَيَّامًا مُعَيَّنَةً وَفَاتَتْ أَوْ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ بِأَنْ كَانَتْ الْأَيَّامُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ مَضْمُومَةً. [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا تَخْرُجُ] أَيْ وُجُوبًا وَتَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: غَيْرَ الصَّوْمِ] لَعَلَّ الصَّوَابَ إلَّا الْفِطْرَ. [قَوْلُهُ: لِيَسْلَمَ مِنْ التَّكْرَارِ] أَيْ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَعَلَى الْحَائِضِ مُكَرَّرٌ بِاعْتِبَارِ دُخُولِهَا فِي عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ. قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا تَكْرَارَ بِأَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِمَا لِلْمَرِيضِ وَالْمَرِيضَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْمَرِيضَةِ ذِكْرٌ اهـ. [قَوْلُهُ: رَجَعَا إلَخْ] أَيْ وُجُوبًا، وَلَا تَكْرَارَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ إعَادَتِهِ ثَانِيًا الْإِشَارَةُ إلَى وُجُوبِ رُجُوعِهِ سَرِيعًا إلَى الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ قَوْلِهِ: أَوَّلًا إذَا صَحَّ بِنَاءُ وُجُوبِ الرُّجُوعِ سُرْعَةً فَنَبَّهَ عَلَيْهِ ثَانِيًا. [قَوْلُهُ: أَيْ
[ ١ / ٤٦٧ ]
[الوقت الذي يبتدئ منه الاعتكاف]
نُسْخَةٍ رَجَعَ أَيْ كُلٌّ مِنْ الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ (سَاعَتَئِذٍ) أَيْ سَاعَةَ طَهُرَتْ الْحَائِضُ مِنْ الْحَيْضِ بَعْدَ غُسْلِهَا أَوْ أَفَاقَ الْمَرِيضُ مِنْ مَرَضِهِ (إلَى الْمَسْجِدِ) وَإِنْ لَمْ يَرْجِعَا حِينَئِذٍ ابْتَدَآ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِذَا رَجَعَا نَهَارًا لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الْيَوْمِ لِتَعَذُّرِ الصَّوْمِ فِيهِ.
(وَلَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) وَهِيَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَّخِذَ لِذَلِكَ مَوْضِعًا قَرِيبًا إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَنْزِلِ، وَفِي غَيْرِ مَنْزِلِهِ إنْ كَانَ مَسْكُونًا وَفِيهِ أَهْلُهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ غَرِيبًا فَيَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ وَانْظُرْ مَا مَعْنَى الْحَصْرِ فِي كَلَامِهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِغَيْرِ مَا ذَكَرَ كَخُرُوجِهِ لِغَيْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَوُضُوءٍ وَغُسْلِ جُمُعَةٍ وَجَنَابَةٍ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ الْوَقْتَ الَّذِي يَبْتَدِئُ مِنْهُ الِاعْتِكَافَ فَقَالَ: (وَلْيَدْخُلْ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِيهَا اعْتِكَافَهُ) وَهَذَا الْأَمْرُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَانْظُرْهُ مَعَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] سَاعَةَ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: أَيْ سَاعَةَ إذْ طَهُرَتْ؛ لِأَنَّ إذْ تُضَافُ لِلْجُمَلِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ لَغْوًا وَيُجَابُ بِأَنَّهُ نَظَرَ لِحَاصِلِ الْمَعْنَى بِجَعْلِ إضَافَةِ سَاعَةٍ لَإِذْ لِلْبَيَانِ، وَإِرَادَةُ الْمَصْدَرِ مِنْ الْفِعْلِ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَرْجِعَا حِينَئِذٍ ابْتَدَآ] أَيْ وَلَوْ لِعُذْرٍ مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ إكْرَاهٍ، وَيَسْتَأْنِفُ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ إذَا صَادَفَ زَوَالَ الْعُذْرِ لَيْلَةَ الْعِيدِ أَوْ يَوْمَهُ فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَلَوْ أَخَّرَ الرُّجُوعَ حَتَّى مَضَى الْعِيدُ وَتَالِيَاهُ فِي الْأَضْحَى لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِ ذَلِكَ الزَّمَنِ. تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الِاعْتِكَافُ بِصَوْمِ فَرْضٍ كَرَمَضَانَ أَوْ بِنَذْرِ أَيَّامٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حُصُولِ الْعُذْرِ قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَلَا يَجِبُ الْبِنَاءُ إلَّا إذَا حَصَلَ الْعُذْرُ بَعْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ قَوْلَانِ أَوَّلُهُمَا: أَنْ يَرْجِعَا وَإِنْ لَمْ يَرْجِعَا لَمْ يَبْتَدِئَا. ثَانِيهِمَا: لَا يَرْجِعَانِ حِينَئِذٍ بَلْ إلَى اللَّيْلِ لِفِقْدَانِ الصَّوْمِ. [قَوْلُهُ: إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ] وَلَا يَجِبُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ عِنْدَ الْعَوْدِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكْثُرَ الْخُرُوجُ لَهَا أَوْ يَقِلَّ وَلَا بَيْنَ بُعْدِ الْمَكَانِ وَقُرْبِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ أَقْرَبَ مِنْهُ. قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَلَوْ قَضَى حَاجَةَ الْإِنْسَانِ فِي الْمَسْجِدِ هَلْ يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ أَوْ لَا؟ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مِنْ الصَّغَائِرِ لَا يَفْسُدُ، وَعَلَى أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ يَجْرِي فِيهِ الْقَوْلَانِ. [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَنْزِلِ] أَيْ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلِّ. [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مَسْكُونًا وَفِيهِ أَهْلُهُ] أَيْ زَوْجَتُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْكُونًا أَوْ مَسْكُونًا وَلَيْسَ فِيهِ زَوْجَتُهُ وَمِثْلُهَا أَمَتُهُ فَلْيَذْهَبْ إلَى مَحَلِّهِ بِدُونِ كَرَاهَةٍ، وَمِثْلُهُ فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ أَهْلُهُ بِالْعُلُوِّ وَدَخَلَ الْأَسْفَلَ وَقَضَى حَاجَتَهُ فِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَضَاءَ حَاجَتِهِ فِي مَنْزِلِهِ الَّذِي بِهِ أَهْلٌ وَلَيْسُوا فِي عُلُوٍّ مَكْرُوهٌ وَإِلَّا فَلَا. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا إنْ كَانَ غَرِيبًا فَيَذْهَبُ إلَخْ] أَيْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ مَحَلًّا قَرِيبًا، وَمَعْنَى حَيْثُ شَاءَ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ كَمَا مُنِعَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ مِنْ دُخُولِهِ مَنْزِلَهُ أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّ لَهُ إلَخْ] لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ بِأَنْ يُرَادَ بِحَاجَتِهِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْخُرُوجِ فَشَمِلَ الْخَارِجَ لِمَا ذُكِرَ. وَقَوْلُهُ: وَغُسْلِ جُمُعَةٍ أَيْ وَعِيدٍ أَوْ لِتَبَرُّدٍ لِحَرٍّ أَصَابَهُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ قَرِيبًا يُمْكِنُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ مِنْهُ، وَكَذَا لَا يَقِفُ مَعَ أَحَدٍ يُحَدِّثُهُ وَإِنْ اشْتَغَلَ بِحَدِيثٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ وَإِذَا تَعَدَّى الْقَرِيبَ فَسَدَ أَيْضًا. [الْوَقْتَ الَّذِي يَبْتَدِئُ مِنْهُ الِاعْتِكَافَ] [قَوْلُهُ: وَهَذَا الْأَمْرُ إلَخْ] أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ الِاعْتِكَافُ مَنْذُورًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَنْذُورًا فَيَجِبُ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَوْ أَخَّرَ دُخُولَهُ وَدَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَجْزَاهُ، بَلْ وَلَوْ دَخَلَ مَعَ الْفَجْرِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ النِّيَّةِ مَعَ الْفَجْرِ لَكِنْ مَعَ الْإِثْمِ عَلَى التَّأْخِيرِ فِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ الْوَاجِبَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ. [قَوْلُهُ: وَانْظُرْهُ مَعَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ
[ ١ / ٤٦٨ ]
[مسائل نهي المعتكف عنها]
عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ» .
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسَائِلَ نُهِيَ الْمُعْتَكِفُ عَنْهَا فَقَالَ: (وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا) وَلَوْ كَانَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ خَارِجَهُ (وَلَا يُصَلِّي عَلَى جِنَازَةٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَاصَقَتْ، وَالنَّهْيُ عَنْهُمَا نَهْيُ كَرَاهَةٍ، فَإِنْ عَادَ مَرِيضًا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ صَلَّى فِيهِ عَلَى جِنَازَةٍ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ.
ع: وَانْظُرْ قَوْلَهُ: (وَلَا يَخْرُجُ لِتِجَارَةٍ) هَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ التِّجَارَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْأَسْوَاقِ أَوْ يَكُونُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ فِي الْمَسْجِدِ؟ وَقَالَ ق: إنْ عَقَدَ عَلَى سِلْعَةٍ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ، وَكَذَلِكَ لَا يَتَّجِرُ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا خَرَجَ كَلَامُهُ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ بِسِمْسَارٍ مُنِعَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ سِمْسَارٍ فَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا جَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا كُرِهَ وَلَا يَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَا يُفْسَخُ الْبَيْع مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ اهـ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَا شَرْطَ فِي الِاعْتِكَافِ) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الشَّرْطُ فِيهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَعْتَكِفُ كَذَا فَإِنْ بَدَا لِي فِي الْخُرُوجِ خَرَجْت، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ
_________________
(١) [حاشية العدوي] إلَخْ] . قُلْت أَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ دَخَلَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَلَكِنْ إنَّمَا تَخَلَّى بِنَفْسِهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَعَدَّهُ لِاعْتِكَافِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَقَوْلُهُ: «صَلَّى الْفَجْرَ» مُرَادُهُ الصُّبْحُ. [قَوْلُهُ: فِي مُعْتَكَفِهِ] الْمُرَادُ بِهِ خِبَاءٌ تَضْرِبُهُ لَهُ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ، وَكَانَ - ﷺ - يُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ. [مَسَائِلَ نُهِيَ الْمُعْتَكِفُ عَنْهَا] [قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ عِيَادَةُ أَحَدِهِمَا وَهُمَا مَعًا إذَا كَانَا مَرِيضَيْنِ، فَيَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ لِبِرِّهِمَا لِوُجُوبِهِ بِالشَّرْعِ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. وَظَاهِرُ بَعْضِ النُّصُوصِ وَلَوْ كَانَ الِاعْتِكَافُ مَنْذُورًا وَالْمَرَضُ خَفِيفًا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِجِنَازَةِ أَبَوَيْهِ مَعًا فَإِنْ خَرَجَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَأَمَّا لِجِنَازَةِ أَحَدِهِمَا فَيَخْرُجُ وُجُوبًا لِمَا فِي عَدَمِ الْخُرُوجِ مِنْ عُقُوقِ الْحَيِّ أَيْ أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِذَلِكَ وَلَا كَذَلِكَ فِي مَوْتِهِمَا مَعًا، وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ وَهَذَا كُلُّهُ فِي، الْأَبَوَيْنِ دِنْيّة وَلَوْ كَافِرَيْنِ. [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ إلَخْ] لَكِنْ إنْ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَالنَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِجَنْبِهِ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَهُ فَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ لَاصَقَتْ] أَيْ وَلَوْ جِنَازَةُ جَارٍ أَوْ صَالِحٍ. [قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ عَنْهُمَا نَهْيُ كَرَاهَةٍ] أَيْ إنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَإِلَّا فَالنَّهْيُ عَلَى الْمَنْعِ وَمَحَلِّ الْكَرَاهَةِ إذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ فَتَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِتَجْهِيزِهَا إنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. [قَوْلُهُ: وَانْظُرْ قَوْلَهُ وَلَا يَخْرُجُ إلَخْ] حَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَلَا يَخْرُجُ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَيُنْهَى عَنْ التِّجَارَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَخَارِجِهِ أَوْ نَقُولُ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: أَوْ يَكُونُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ اللَّذَانِ هُمَا عِبَارَةٌ عَنْ التِّجَارَةِ فِي الْمَسْجِدِ أَيْ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ، وَالرَّاجِحُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ الْمُوَافِقُ لِمَا قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ. [قَوْلُهُ: دَاخِلَ الْمَسْجِدِ] أَيْ وَكَذَا خَارِجَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَمَّا إذَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ فَيَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ. [قَوْلُهُ: لَمْ يَفْسُدْ] بَلْ وَلَمْ يُكْرَهْ حَيْثُ كَانَ مُجَرَّدَ عَقْدِ سِلْعَةٍ فِيهِ بِدُونِ سِمْسَارٍ وَكَثْرَةٍ. [قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا يَتَّجِرُ] أَيْ بِحَيْثُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَغَايَرَ قَوْلَهُ إنْ عَقَدَ وَقَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَمِثْلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ بِسِمْسَارٍ] أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْعَقْدِ وَالتِّجَارَةِ وَقَوْلُهُ مُنِعَ أَيْ حَرُمَ. [قَوْلُهُ: وَلَا يَفْسُدُ الِاعْتِكَافُ فِي الْوَجْهَيْنِ] أَيْ كَانَ بِسِمْسَارٍ أَمْ لَا. [قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي قِسْمِ الْحُرْمَةِ أَوْ الْكَرَاهَةِ، وَصُورَةُ الْجَوَازِ لَا تُتَوَهَّمُ وَيَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ مِمَّا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ وَلَوْ خَارِجَهُ بِبُعْدٍ بِحَيْثُ لَا يَتَجَاوَزُ مَحَلًّا قَرِيبًا يُمْكِنُ الشِّرَاءُ مِنْهُ؛ وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ. [قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَخْ] ظَاهِرُهُ الْحُرْمَةُ. [قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إلَخْ] أَيْ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، أَوْ يَقُولَ أَعْتَكِفُ الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِيِ أَوْ الْعَكْسُ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ إنْ عَرَضَ أَمْرٌ يُوجِبُ الْقَضَاءَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَمْ يُفِدْهُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ الْمُعْتَكَفِ أَوْ بَعْدَهُ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ بَدَا لِي فِي الْخُرُوجِ] أَيْ فَإِنْ بَدَا لِي رَأْيٌ
[ ١ / ٤٦٩ ]
[الوقت الذي يخرج فيه من الاعتكاف]
الِاعْتِكَافُ. ق: وَانْظُرْ هَلْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ إمَامَ الْمَسْجِدِ) أَنَّ تَرْكَهُ أَحْسَنُ أَوْ أَشَارَ بِهِ إلَى مَنْ يَقُولُ: لَا يَكُونُ إمَامَ الْمَسْجِدِ أَوْ إنَّمَا أَخْبَرَ بِالْجَوَازِ.
قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: إنَّمَا أَخْبَرَ بِالْجَوَازِ انْتَهَى. وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى كَرَاهَةِ كَوْنِهِ إمَامًا رَاتِبًا. وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا صَحَّ أَنَّ «النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ وَهُوَ الْإِمَامُ» .
(وَلَهُ) أَيْ وَيُبَاحُ لِلْمُعْتَكِفِ (أَنْ يَتَزَوَّجَ) بِمَعْنَى يَعْقِدَ لِنَفْسِهِ (أَوْ يَعْقِدَ نِكَاحَ غَيْرِهِ) وَقَيَّدَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنْ يَغْشَاهُ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِأَنْ لَا يُطَوِّلَ التَّشَاغُلَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ زَوْجًا أَوْ وَلِيًّا، فَإِنْ قِيلَ: الْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْتَكِفِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي عِبَادَةٍ يُمْنَعُ فِيهَا الْوَطْءُ؟ أُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ عَقْدِ النِّكَاحِ لِكُلِّ أَحَدٍ خَرَجَ الْمُحْرِمِ بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكِحُ» وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ.
ثُمَّ خَتَمَ الْبَابَ بِبَيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ مِنْ اعْتِكَافِهِ فَقَالَ: (وَمَنْ اعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْرِ) يَعْنِي أَوَّلَ شَهْرٍ مِنْ الشُّهُورِ غَيْرَ رَمَضَانَ أَوْ وَسَطَهُ (خَرَجَ) بِمَعْنَى جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ (مِنْ اعْتِكَافِهِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهِ) أَيْ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ اعْتِكَافِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِي ذَلِكَ فِي الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ مُكْثَ اللَّيْلَةِ الَّتِي هِيَ آخِرُ أَيَّامِ الِاعْتِكَافِ لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -: «فَلَمَّا
_________________
(١) [حاشية العدوي] فِي الْخُرُوجِ. [قَوْلُهُ: أَنَّ تَرْكَهُ أَحْسَنُ] أَيْ فَيُكْرَهُ كَوْنُهُ إمَامًا لِلْمَسْجِدِ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِلْمُخْتَصَرِ النَّاصِّ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِيَكُونُ، وَإِضَافَةُ إمَامِ الْمَسْجِدِ يُفِيدُ أَنَّهُ رَاتِبٌ. [قَوْلُهُ: أَوْ أَشَارَ بِهِ إلَى مَنْ يَقُولُ لَا يَكُونُ إلَخْ] أَيْ أَشَارَ بِهِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ لَا يَكُونُ إمَامَ الْمَسْجِدِ، فَقَدْ حَكَى ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ سَحْنُونَ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ لِلْمُعْتَكِفِ الْإِمَامَةُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، أَيْ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إمَامَ الْمَسْجِدِ جَوَازًا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ نَاجِي حَيْثُ قَالَ: لَا بَأْسَ هُنَا لِمَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ أَوْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ رَاتِبًا فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِالْجَوَازِ أَيْ بِدُونِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ الرَّدَّ فَغَايَرَ مَا قَبْلَهُ، ثُمَّ إنْ حُمِلَ الْجَوَازُ عَلَى الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَافَقَ ابْنَ نَاجِي، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ وَافَقَ الْمُعْتَمَدَ. وَقَوْلُهُ: قَالَ أَبُو عِمْرَانَ إلَخْ تَأْيِيدٌ لِلِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ. [قَوْلُهُ: انْتَهَى] الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ انْتَهَى كَلَامُ ق. وَقَوْلُهُ: وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ أَيْ الْمُوَافِقُ لِلِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ كَمَا أَشَرْنَا لَهُ. [قَوْلُهُ: «كَانَ يَعْتَكِفُ وَهُوَ الْإِمَامُ»] قَدْ عَلِمْت ضَعْفَ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ اسْتِحْبَابُ كَوْنِهِ رَاتِبًا الْمُوَافِقَ لِلْحَدِيثِ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ يُبَاحُ لَهُ عَقْدُ النِّكَاحِ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً وَأَمَّا عِبَارَتُهُ فَهِيَ قَاصِرَةٌ. [قَوْلُهُ: بِأَنْ يَغْشَاهُ] بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَتَلَبَّسُ بِهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ مَجْلِسِهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ كُرِهَ وَإِنْ كَانَ خَارِجَهُ حَرُمَ وَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ. [قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا يُطَوِّلَ التَّشَاغُلَ بِهِ] وَإِلَّا كُرِهَ. [قَوْلُهُ: أَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ عَقْدِ النِّكَاحِ لِكُلِّ أَحَدٍ] وَمِنْهَا أَنَّ الْمُعْتَكِفَ مُنْعَزِلٌ عَنْ النِّسَاءِ فِي الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ أَوْ أَنَّ مَفْسَدَةَ الْإِحْرَامِ أَشَدُّ مِنْ مَفْسَدَةِ الِاعْتِكَافِ. [قَوْلُهُ: لَا يَنْكِحُ إلَخْ] بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ لَا يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يُنْكِحُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ لَا يَعْقِدُ لِغَيْرِهِ قَالَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ. [الْوَقْت الَّذِي يَخْرَج فِيهِ مِنْ الِاعْتِكَاف] [قَوْلُهُ: وَمَنْ اعْتَكَفَ أَوَّلَ الشَّهْرِ إلَخْ] يَعْنِي أَوَّلَ شَهْرٍ مِنْ الشُّهُورِ غَيْرَ رَمَضَانَ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ كُلَّ الشَّهْرِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْغَرَضُ اعْتِكَافَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ مَثَلًا فَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ الْقَيْدِ، وَهَذَا يَجْرِي أَيْضًا فِي قَوْلِهِ أَوْ وَسَطَهُ. [قَوْلُهُ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ] أَيْ لِانْقِضَاءِ اعْتِكَافِهِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ يَوْمٍ، وَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَهُوَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. [قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ] أَيْ اسْتَحَبَّ اللَّخْمِيُّ مُكْثَهُ اللَّيْلَةَ الَّتِي هِيَ تَلِي آخِرَ أَيَّامِ الِاعْتِكَافِ. [قَوْلُهُ: لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ إلَخْ] هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشَرَةِ الْأَوَاسِطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إذَا كَانَ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ صَبِيحَتَهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ قَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ
[ ١ / ٤٧٠ ]
كَانَتْ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ الَّتِي يَخْرُجُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ»، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الشَّهْرَ فِي كَلَامِهِ بِغَيْرِ رَمَضَانَ لِقَوْلِهِ: (وَإِنْ اعْتَكَفَ بِمَا يَتَّصِلُ فِيهِ اعْتِكَافُهُ بِيَوْمِ الْفِطْرِ فَلْيَبِتْ لَيْلَةَ الْفِطْرِ) عَلَى الْمَشْهُورِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَغْدُوَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى) لِفِعْلِهِ - ﵊ - وَمَا ذَكَرَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ إذَا اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَإِنَّهُ يَبِيتُ لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَغْدُوَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الِاعْتِكَافِ الَّذِي هُوَ مِنْ تَوَابِعِ الصَّوْمِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ إحْدَى دَعَائِمِهِ أَيْضًا، فَقَالَ:
_________________
(١) [حاشية العدوي] مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ وَقَدْ أُرِيت هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتهَا وَقَدْ رَأَيْتنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» اهـ. الْمَقْصُودُ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: وَإِنْ اعْتَكَفَ بِمَا] أَيْ بِزَمَنٍ [قَوْلُهُ: بِمَا يَتَّصِلُ فِيهِ اعْتِكَافُهُ بِيَوْمِ الْفِطْرِ] الْمُرَادُ يَكُونُ آخِرُهُ غُرُوبَ الشَّمْسِ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ يَجِبُ الْبَيَاتُ ذَكَرَهُ تت. [قَوْلُهُ: فِي الْمَسْجِدِ] أَيْ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ فَأَلْ لِلْعَهْدِ. [قَوْلُهُ: لِفِعْلِهِ - ﵊ -] أَيْ وَلْيَصِلْ عِبَادَةً بِعِبَادَةٍ. [قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ] أَيْ مِنْ اخْتِصَاصِ الِاعْتِكَافِ بِيَوْمِ الْفِطْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ يَوْمَ النَّحْرِ.
[ ١ / ٤٧١ ]