قام عبد العزيز صاحب الأحكام بقرطبة محمد بن الليث بن حريش محتسب على أحمد بن علي بن دلهاث في حلفه بالأيمان اللازمة على أخي زوجته ألا يدخل داره، وقال هو مقر بيمينه هذه وبحنثه فيها بدخول صهره في الدار المحلوف عليها، وأظهر إليه عقد بذلك (استرعاه) تاريخه أول ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربع مائة تتضمن ما يقدم من إقراره باليمين وأن شهوده سمعوا منه إقراره بها وعاينوا دخول المحلوف عليه وثبت عنده العقد وزكى عنده الشهود، وأعذر إلى الحالف وأجله في (الدفع) الذي ادعاه آجلا ادعى عند انقضائها أن الذين شهدوا عليه (علموا) ببقائه مع زوجته بعد حنثه الذي شهدوا به عليه إلى صدر صفر سنة ثمان (١ - ٦٧) وخمسين وأفتى بعض الفقهاء بأن يؤجل في إثبات هذه الدعوى خمس عشرة يوما وانصرمت (الآجال) قد غاب عن قرطبة مع زوجته إلى (نماسه) وشاور في ذلك كله.
فجاوب عبد الله بن عتاب:
إذ قد ثبت عندك ما ذكرت وأعذت حسبما وصفت؛ فالقضاء بإنفاذ ما شهد به عليه واجب وإلزامه الطلاق بالسنة عليه لازم (وعتق) من يملك العبد (والإماء) وتأمره يريد إذا حضر من غير أن يقضي بالصدقة ثلث ماله والمشي (إليه) في حج أو عمرة وكفارة يمين بالله تعالى، وهو مخير في عتق رقبة فيها أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم فإن لم يجد (فصيام ثلاة أيام) ويجب الإعذار إلى الزوجة إن أمكنك ذلك، وإن تعذرت انفذت نظرت وأرجأت الحجة على مذهب من يرى من أصحابنا أنه لا يقطع حجة غائب ومن يرى منهم أنه لا ترجأ له الحجة لم يرجئها له، فأنفذ من ذلك ماتعتقده وقيده من نظرك موفقًا للصواب إن شاء الله (﷿) وتأمر الزوجة بالعدة بعد إنفاذ القضاء الواجب فيه والله أعمل بحقيقة الصواب في ذلك، (والسلام).
وجاوب (أب عمر) ابن القطان:
قرأت ما خاطبتنا به وما أدرجته، و(ذكرت) في خطابك أن الشهود زكوا عندك وأنك أعذرت فيما ثبت عندك إلى الحالف، ولم تذرك (فيما أعذرت في المزكين واجب إذا كانت التزكية في الظاهر لقوم معروفين، فإن كان الأمر كذلك وأعذرت في جميعه فأنفذ الحكم عليه بالطلاق والعتق إن كان له ما يعتق عليه، وإن كانت
[ ٢٧٠ ]
لم تعذر في المزكين وكانوا معروفين ولم يكن تعديلهم عندك يشكف من كشف لك عنهم؛ فأعذر إليهم بذلك يتم الحكم على الحالف إن شاء الله.
وقال القاضي:
قوله: فاعذر إليهم، صوابه: إليه، إن كان أراد الحالف وهو الظاهر؛ لأنه لم يتقدم في الإعذار (ذكر) لغيره، وإن كان أراد الزوج (والزوجة) فالبين: فأعذر إليهما، والأغلب أنه على الوهم جرى والله أعلم.
(وأفتى) أبو محمد بن أبي عبد الصمد بنحو ما تقدم، وقال: يحكم عليه بعتق من كان يملكه في حين اليمين المذكورة.
وجاوب (أبو مروان) ابن مالك: (سيدي) وولي من وفقه الله وتولى إرشاده ووالي من إمداده؛ وقفت على سؤالك وما جاوبت به ولن تجد مني خلافا في ذلك (رحمك الله) على الصواب برحمته (والسلام عليك يا سيدي ورحمة الله وبركاته).
قال القاضي:
قول أبي عبد الله (في جوابه): وتأمر الزوجة بعد إنفاذ القضاء بالعدة فيه نظر، والصحيح عندي أن تكون العدة من يوم الحنث؛ لأنها من ذلك اليوم بانت وطلقت وانقطعت العصمة إلا إن كان ذهب إلى ما في الشورى من بقاء الزوج مع الزوجة ولم يعتزلها، فإن كان ذهب إليه فهو الصحيح.
كما ذكر (إنها) يجب أن تكون عدتها ثلاثة قروء من يوم القضاء هذا أيضًا إن كانا حاضرين، أعني الزوجين يوم القضاء، وأما إن كانا حيث نفاذه غائبين كما في السؤال أنهما غابا إلى بياسة، فالعدة ثلاثة قروء من يوم يؤمران بالافتراق مشاهدة لاتصال بقائهما وخلوتهما على ما كان عليه من الزوجية، وإن كانت العدة من (يوم) الحكم عليها بالطلاق قد انصرمت فلابد من استئناف ثلاثة قروء من الآن استبراء للزوج من الوطأ الفاسد، وذلك بين، والله الموفق إلى الصواب.
وفي سماع بن القاسم:
قال مالك: من حلف في طلاق امرأته فشك في يمينه يريد في الحنث فيها، (فوقف) (ويسأل) ويستفتي ثم يتبين له حنثه. قال مالك: تعتد من حين وقف عنها (وليس من حيث تبين له). (قيل لابن القاسم: فإن مات قبل ذلك أيتوارثان؟ قال: ينظر في يمينه، فإن كان
[ ٢٧١ ]
يحنث فيها لم ترثه وإلا ورثته) (فجعل مالك العدة فيها من يوم وقف عنها)؛ لأن وقوفه عنها معناه اعتزاله إياها، وهو الذي ذهبنا إليه في تأويل جواب الشيخ أبي عبد الله في مسألة الإيمان اللازمة المسطورة فوق هذا.
وفي آخر الإيمان بالطلاق من المدونة:
قال ربيعة في نفر ثلاثة شهدوا على رجل بثلاث تطليقات، شهد كل (رج) منهم على واحدة ليس معه صاحبه، فأمر أن يحلف أو يفارق، فأبى وقال: إن كانت على شهادة قاطعة فأنفذها، قال أرى أن يفرق بينه وبينها، (وأن) تعتد عدتها من يوم أن يفرق بينهما؛ لأني لا أدري عن أي شهادات النفي نكل، فتعتد من اليوم الذي نكل فيه.
وقال الفقيه أبو عبد الله بن أبي زمنين في المغرب هذه العدة إنما هي احتياط لتحل بذلك للأزواج، إذ لم يعرف اليوم الذي طلقها فيه وثبتت الشهادة، وأما العدة التي بانقضائها تنقطع عصمة النكاح فإنما هي من يوم طلقها الزوج، فتدبر ذلك فهو خفي (جيد)، وغير خارج عن أصولهم، وقد فسرها بن أبي زيد أيضًا بما لا يخرج عن الاعتبار عن هذا المعنى (إن شاء الله) (﷿).
وكان قد كتبنا سؤالا عن هذه اليمين وما يجب على الحانث قبل (اجتماع شيوخ) قرطبة فأتى جواب ابن عتاب بمثل ما تقدم، وكان زاد حينئذ في جوابه: أن بعض الشيوخ كان يفتي بأن تلزمه مع الخمسة الأشياء المذكورة الظهار، ولم أر غيره ذكره، وأما الوجوه الخمسة فكانوا عليها متفقين وبها قائلين، وقد رأيت لبعض من لقيت في جوابه أن الحالف بهذا اليمين يؤدب، وهو صحيح.
وقد ذكر ابن حبيب في كتابه أن هشام بن عبد الملك كتب أن يضرب من حلف بطلاق أو عتاق عشرة أسواط، واستحسن مالك ذلك، وكذلك الحالف بالمشي إلى بيت الله، ومن تكرر حلفه بذلك وعرف (كان) جرحه في شهادته وأن يرفأ حلفه بها.
ورأيت معلقًا في كتاب (ابن) الباجي علي بن محمد كتب إليه بهذه اليمين في سنة إحدى وثلاثين، فجاوب: أن على (الحالف بها) الحانث فيها طلاق الثلاث في نسائه وعتق ما يملك من رقيقه، والمشي إلى بيت الله يؤمر به، وكذلك يؤمر بصدقة ثلث ماله وبكفارة يمين الله.
وسئل عنها القرشي أبو مروان بن الأصبغ فأفتى فيها بمثل ذلك، وقال القرشي
[ ٢٧٢ ]
التيمي: هذه اليمين ليست في كتبنا، وإنما في كتبنا) من حلف بأشد ما حمل أحد (عن أحد (فحنث)، ومن قول ابن القاسم فيها: أنه يلزمه الطلاق ثلاث وعتق رقيقه والصدقة بثلث ماله والمشي إلى مكة وكفارة يمين والأيمان اللازمة عندي أولى أن يلزمه فيها، فهذا هكذا وجدته للتيمي فتدبره.
قال: وسألت عنها الفقيه أبا عبد الله بن العطار وقت مناظرتنا عليه فقال لي: هي يمين لم تعرف بالمشرق ولم تصل إلينا فيها رواية، إلا أن الشيوخ كانوا يشبهونها بما رواه عيسى عن ابن القاسم في نذور العتبة، فيمن قال: على عهد الله وغليظ ميثاقه وكفالته وأشهد ما (أخذ) أحد، على أحد، وقد ذكرت لنا هذه الرواية بعد هذا وبيانها.
قال: سألت عنها الفقيه (أبا بكر) ابن عبد الرحمن فقال: إن شيوخنا بالأندلس أفتوا فيها بالطلاق وبالعتق والمشي إلى مكة وبصدقة ثلث ماله وكفارة اليمين بالله، قياسًا على ما رواه عيسى عن ابن القاسم، (وذكر الرواية).
قال القاضي:
هذه اليمين (محدثة) كما ذكروا؛ ولذلك لا يوجد الجواب عن متقدم، إلا أن أصل جواب الشيوخ فيها موجود، وهو ظاهر على المذهب، ولا يجوز لمن نصح نفسه واحتاط لها أن يتعدى فيها جوابهم ولا أن يترخص في شيء من وجوهها، فقد كان بعض فقهاء طليطلة يفتي أن الذي يلزم الحالف بها إذا حنث فيها في زوجته طلقة مبارأة لا ثلاث، ولا أعلم لهذا القول وجها؛ لأن الطلقة البائنة لا تكون إلا في حكم أو وجوه معروفة أوجبها النظر، كالأمة تختار فراق زوجها العبد إذا أعتقت وفراق العنين وشبهه.
ورأيت (أن) أبا بكر زرت كان يفتي بها بالطلاق واحدة وباقي الوجوه على ما ذكرت، وقد سكن طليطلة، فلعل المفتي بطلقة مبارأة إنما أخذ ذلك عنه، وكان بعض فقهاء طليطلة أيضًا ينكر هذا على من أفتى به، ويرى الصواب فيما قاله الشيوخ بقرطبة، وقد ذاكرت فيها أبا المطرف عبد الرحمن بن سلمة، وقال الصواب أن تلزمه ثلاث تطليقات في (زوجه) ولا تحل له إلا بعد زوج (لأنه من باب من طلق امرأته فلم يدرك كم طلقها: أو واحدة أو اثنين أو ثلاث؟ قال مالك: لا تحل له إلا بعد زوج).
وفي المدونة:
قال ابن القاسم: بلغنا عن مالك فيمن حلف فحنث ولم يدر بما حلف أبصدقة أم
[ ٢٧٣ ]
بطلاق أم بعتق أم بمشي: أنه يطلق امرأته وبعتق عبده ويتصدق بثلث ماله ويمشي إلى بيت الله وقول مالك هذا أصل للزوم ذلك الحالف بالأيمان اللازمة إذا ألزمه ذلك حال شكه كان أجدر (بأن) يلزمه في حال يقينه إياها وعند جمعه إياها في) يمينه وعقده لها على نفسه، قال الله (﷿) (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود). قال ابن العباس والسدي وغيرهما: هي العهود. وكذلك قال تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم). وقال الحسن: العقود عقود الدين وكلها طاعة الله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) (فعقدها) أن يحلف ألا يفعل فيفعل (فيحنث فتجب عليه الكفارة أو يحلف ليفعلن ثم لا يفعل.
وقال أصحاب المعاني: (معنى) العقد الجمع بين الشيئين بما يعسر انفصال أحدهما من الآخر، وأصله الشد كعقد الحبل بالحبل، ونقضه حله. والعقد الذي يجب به الوفاء كل ما كان لله طاعة مما عقده الإنسان على نفسه امتدح الله تعالى في عبر ما موضع من كتابه من أوفى بنذره فقال ﷿: (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا). وقال: (رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم). ومعنى الوفاء: إتمام العقد بفعل ما عقد عليه، ونقبض الوفاء: الغدر، فدل هذا كله أن من عقد على نفسه عقدا، أو عهد الله عهدا، أو نذر نذرا فعليه الوفاء به: وسواء كان في يمين أو في غير يمين واليمين أوكد، وقال الله (﷿): (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) وأخبر تعالى أنه يؤاخذ بعقد الأيمان. وإذا قال القائل: امرأته طالق ثلاث، أو قال: واحدة إن دخلت هذه الدار. فدخل لزمه الطلاق بالحنث. وكذلك إن قال: إن دخلتها فغلامي حر، أو قال: إن كلمت زيدا فعلي المشي إلى مكة، أو قال فمالي للمساكين صدقة، فلزمته اليمين في هذه الوجوه بانفرادها إذا حنث فيها. وكذلك لو قال: إن أكلت هذا الخبز فمالي صدقة أو امرأته طالق وجاريتي حرة وعلي المشي إلى مكة فحنث بأكل الخبز؛ لزمه ذلك كله.
(فكذلك) إذا قال: هذه الأيمان لي لازمة إن أكلت هذا الخبز فأكله لزمته الأيمان كلها التي جمعها في عقده والتزمها (بلفظه) كما لزمته إذا فرقها ولفظ بها وجها وجهًا، ولا فرق بين ذلك (كله) عند من أنعم الله عليه بهداه ومن عليه بتقواه ولم يتخذ إلهه هواء ولا جعل الخلاف هجراه. وهو أبين من أن يحتاج فيه إلى هذا البيان لكن أطلت فيه الكلام. لما حدث في الإسلام من انحلال النظام. حتى أبدى خلاف السلف من لم ير لهم
[ ٢٧٤ ]
حق من الخلف. وقال في هذه اليمين بما لم يسبق إليه من أئمة المسلمين وفقنا الله أجمعين.
ومن الشاهد لصحة ما أجمع عليه شيوخنا وشيوخهم فيها مما تقدم وصفنا له: ما رواه عيسى عن ابن القاسم فيمن قال: على عهد الله وغليظ ميثاقه (وكفالته) وأشد ما اتخذه أحد على أحد إن فعل كذا ففعله فإن كان لم يرد العتاق ولا الطلاق وعزله عن ذلك فليكفر ثلاث كفارات لا غير في قوله: عهد الله كفارة وغليظ ميثاقه كفارة، (وفي قوله) أشد ما أتخذ أحد على أحد كفارة، وإن لم تكن له نية حين حلف فليكفر كفارتين في قوله: عهد الله وغليظ ميثاقه وبعتق رقيقه وليطلق نساءه ويمشي إلى بيت الله ويتصدق بثلث ماله في أشد ما اتخذه أحد على أحد.
وهذا كالنص من قول ابن القاسم في وجوه تلك الأوجه في الأيمان اللازمة؛ لأنه أوجبها عليه مجتمعة لقوله: وأشد ما اتخذ أحد على أحد، وهو لفظ محتمل إذ قد يراد به ما أفتى به ابن القاسم من جمعها على الحالف الأشياء التي (جرى) على (ألسنة الناس) وفي متعارفهم الحلف بها، ويكون الغرض أن يحلف بواحد من الأشياء المحلوف بها يكون من أشدها من طلاق أو عتاق أو شبهه لا (بجميعه) كان الظاهر الذي لا خفاء (به) فيمن حلف بالأيمان اللازمة جمعها عليه لجمعه إياها على نفسه بلفظ لا يجوز تأويله على غير ذلك، ولا حمله على سواه؛ لأن لفظة الأيمان لا يجوز في اللسان حملها على يمين واحدة، وهي موضوعة للجميع، كما لا يجوز أن يحمل تقوله نسائي (طوالق) أو عبيدي أحرار على أنه أراد واحدة من نسائه أو واحدا من عبيده، وإن ادعى أنه أراد ذلك لم يقبل ولا أصغي إليه بما يلزم في الجمع عليه.
وإن اعترض (معترض في ذلك) ممن لم يعن النظر بقول ابن وهب في سماع ابن الحسن: في أشد ما (أخذ) أحد على أحد كفارة يمين، وقال: يجب على هذا أن يكون في الأيمان اللازمة (كذلك كفارة يمين. قيل له) هذا لا يسوغ فيها لا على قول ابن وهب ولا غيره؛ لأن الأيمان جمع يمين، وقد التزم الجميع وعقد على نفسه الكل مؤكد الحلف؛ فلا يجوز إسقاط شيء منها عنه ولا رده إلى واحد منها بغير دليل عليه وقد قال الله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان)، وقال (عز من قائل): (وأوفوا بالعقود)، وقال: (يوفون بالنذر) وقال النبي ﷺ "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، وهذا كله يؤكد أن
[ ٢٧٥ ]
الحالف بها (يريد) جميعها لا بعضها، مع قول مالك الذي ذكرناه من المدونة وقول ابن القاسم الذي رواه عنه عيسى.
وأما إذا حلف بأشد ما حمله أحد على أحد فلم يأت بلفظ يقطع به على (أنه) أراد الجميع بل هو أقرب في عرف اللسان وبساط البيان إلى أن المراد به الواحد الشديد من جملة ما يحلف به؛ لأنه لو قيل لعربي: ما أشد الأيمان المحلوف بها (أجاب)
(يقول: الطلاق أو العتاق أو غيرهما مما هو أشدها عنده (وأثبتها) عليه ولم يكن جوابه) الطلاق والعتاق واليمين بالله وكذا وكذا فيأتي بجميعها؛ لأن هذا إنما هو واجب من قيل له: ما الأيمان كما أن من قيل له: ما الأعمال الزاكية؟ جوابه: الصلاة والزكاة والحج وكذا وكذا، ولو قيل (له): ما أفضلها؟ لسمي واحد منها (لا جميعها) كما قال النبي ﷺ حين سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة".
لم يأتي بجميعها وكذلك من قال: ما الأعمال الشاقة؟ فجوابه: نحت الحجارة والعمل (بالزواريق)، ونزول الآبار، وكذا وكذا. ولو قال: ما أشد الأعمال؟ (لقيل له): نحت الحجارة أو كذا، إنما يسمى له واحد منها؛ لأنه عن ذلك سأل.
هذا المتعارف في لسان العرب، ولذلك لم يلزمه ابن وهب في قوله: وأشد ما حمل أحد على أحد إلا كفارة يمين؛ لأن اليمين بالله هي اليمين المأمور بالحلف بها المأخوذ على المرء ألا يحلف بغيرها وهي اليمين الشديدة المعظمة بتعظيم المحلوف به فيها، وهو الله الذي لا إله إلا هو الكبير المتعالي.
وجعل ابن وهب ﵀ شدتها في قصد الكذب فيها والمخادعة بها والتقصير في تعظيمها لا فيما يلزم (الحانث) فيها من كفارتها، ألا ترى قول عمر ﵁: اليمين الغموس (تترك) الديار بلاقع. يريد الحلف بالله كذبًا.
وقال رسول الله ﷺ: "م حلف (بالله) كاذبًا ليقتطع بيمينه مال أخيه (المسلم) لقي الله وهو عليه غضبان".
ورأى ابن القاسم ﵀، أن قصد الحالف بأشد ما اتخذه أحد على أحد إنما هو إلى ما يلزمه بالحنث في يمينه من المشقة فيما يخرج عنه من مال وغيره، فجمع لذلك تلك الأوجه (عليه) إذ قد يتخذها المستحلف على المستحلف تحريجا عليه لما يخاف من مخادعته إياه ومكره به فيما يحلف له به، وأما الأيمان اللازمة فلا يسوغ لأحد إخراجها عن معناها
[ ٢٧٦ ]
ولا تأويلها على غير ظاهرها؛ لأنه باطنها.
وإنما أطلت الكلام في ذلك لأني قد رأيت من يشير إلى أن في قول ابن وهب بعض التخفيف في الأيمان اللازمة، وإن كان هذا المشير إليه لم يصرح بذلك، والذي بينهما ظاهر الافتراق، والله تعالى ولي التوفيق.
مسألة أخرى في الأيمان اللازمة نزلت ببياسة:
كان رجل قد عهد من زوجته أنها أخفت بعض ثيابها باعتها أو أعطتها أحد أبويها، فلم ينكر ذلك عليها ثم أخبر بعد ذلك بمدة وهو في بعض أشغاله خارجا عن داره أن بعض ثياب امرأته سرق فوقع ظنه على إخفائها لها كما عهد منها، فقال: الأيمان كلها لازمة وهي طالق. إن كانت لي بامرأة إلا أن تصرف الثياب أو عوضها، فلم توجد الثياب وكتب بها إلى قرطبة وغيرها.
فجاوب أبو عبد الله بن عتاب:
إن صرفت المرأة الثياب في قرب ذلك وفوره؛ كقيامها فيها إلى بيت أخرى، أو إلى دار جارة لها في ذلك الموضع، أو تلك القرية أو سيرها إلى السوق في ذلك الحين لشراء العوض إن كانت تلفت، وفعلت ذلك دون توان أو تربص، فلذلك مخرج له من حنثه ووقع الطلاق عليه.
وكذلك إن كانت في قرية أخرى فخرجت أو أرسلت فيها؛ فإن تربصت أو امتنعت من صرفها؛ وقع الحنث على الحالف في ذلك الحين دون تلوم أو ضرب أجل، إلا ما ذكرت لك، والطلاق في ذلك هو البتات.
وأما الحالف بالأيمان اللازمة أن لا تكون له بامرأة؛ فإن بارها، أو خالعها أو صالحها في ذلك الحين؛ ملكت بذلك أمر نفسها وخرجت من عصمته؛ لم يقع عليه الحنث، وإن لم يفعل ذلك حنث، والمشي واجب لحنثه في ذلك الوقت مع إمكان الصحابة والوقت، فإن أخر لم يحكم عليه بالخروج لذلك، والله حسيبه ويحكم عليه بالعتق والطلاق، والله (﷿) أسأله التوفيق.
وجاوب (أبو مروان) ابن مالك:
أول منازل مسألتك في هذه اليمين أنه إن كان نوى بها أن زوجه غيبت الثياب، وخرجت (يمينه) على ذلك، ثم تبين له أنها لم تغيبها فاليمين غير لازمة له. وكذلك في سماع
[ ٢٧٧ ]
ابن القاسم.
وإن لم تكن يمينه هكذا؛ نظرت: فإن كان أقام (بعدها) مع الزوجة على هينتها قبل اليمين، ولم يعتزلها قبل صرف الثياب أو عوضها؛ فقد حنث وإن كان (تخلى) من ذلك واعتزلها من حين حلف؛ عصمه من الحنث أن تبتاع من الثياب.
وتصرفها إن كان عوضا كاملا وافيا لا يقصر فيه عن الثياب المحلوف عليها، أو يتلوم لها في ذلك إن امتنعت منه أو تأخرت عنه وهما في التلوم معتزلان بحال بينهما إن لم يكن رجل ثقة مأمونا؛ فإن كان مأمونا (بقي معها) على أن لا ينظر إلى شعرها، فكيف سوى ذلك؟!
هذا قول ابن القاسم في مثل هذا وقدر التلوم عنده في ذلك قدر ما يرى أنه أراده في ناحية يمينه. كذلك في المدونة وكذلك روى عن عيسى في المستخرجة وروى عنه في ناحية يمينه. كذلك في المدونة وكذلك روى عن عيسى في المستخرجة وروى عنه في موضع آخر منها أنه يؤجل في ذلك أربعة أشهر، وهذا إذا وعدت بصرفها أو (عوضها) وإن وقفت وقالت: لا أرد شيئًا لزمه الحنث مكانه، على ما في المدونة.
قال ابن القاسم في رواية عيسى: وإن كان قد مضى من المدة قبل أن يرافعها قدر التلوم؛ لم يتلوم له، ومن حنث بالمشي إلى مكة خرج لذلك إذا أمكنه كذلك في رواية أشهب عن مالك هذا جواب مسألتك عن اليمين.
(وقال) أبو عمر بن رشيق (بالمرية): الجواب أن يمنع (الزوج) عن وطئها؛ فإذا أجابت إلى رد الثياب أو عوضها إن لم توجد تلوم عليها في ذلك قدر ما يرى السلطان من قدرتها عليه. فإن أتت بها أو بالعوض، إن لم تجدها سقطت اليمين عنه.
وإن أبت عن رد أحد الأمرين، ولم تجب إليه، فإن طلقها عند ذلك بالفور طلقة مبارأة برئ في يمينه، وله أن يتراجعا نكاحا جديدا إن أحبا، فإن لم يفعل وبقيت في عصمته لزمته الثلاث ولم تحل له إلا بعد زوج.
قال القاضي:
قول أبي عبد الله في جوابه إن صرفت المرأة الثياب أو (عوضه) بفور اليمين وقربها؛ بر وأخرجه ذلك من الحنث فيها، وإن امتنعت أو تأخرت واقعه الحنث وطلقت منه (بالثلاث) يخرج على أحد وجهين: أن يكون ذهب إلى أن يمينه إنما وقعت على (تعجيل) صرف الثياب أو عوضها، (وأن) التلوم في ذلك الساعة ونحوها إذا مضى وقع الحنث
[ ٢٧٨ ]
حينئذ، على ما رواه عيسى عن ابن القاسم في كتاب الأيمان بالطلاق، وإليه أشار ابن مالك في جوابه في هذا الفصل.
وكذلك الطلاق من الواضحة، أن يكون رآها من شرح ما في المدونة من قول ابن القاسم فيمن قال لامرأته: أنت طلاق إن لم أطلقك: (أن الطلاق يقع عليه) مكانه، وقد قال: لا يطلق عليه إلا بعد رفع السلطان وتوقيف.
والقول الأول (احتج)، وأنه بخلاف قوله: أنت طالق إن لم أدخل الدار، إن وقع ذلك كان موليا، وإن دخل سقط عنه الطلاق. وهذا لابد له إلا بالطلاق على كل وجه، وكذلك عنه في الواضحة.
وقال أصبغ: لا يعجل عليه الطلاق حتى يحكم عليه السلطان، واختاره ابن حبيب، ووجه الجمع بين هذه والذي أفتى فيها ابن عتاب؛ لأن قوله: الأيمان كلها لازمة إن كانت لي بامرأة لم تصرفها؛ فقد جمع فيها الطلاق. وقوله: إن (كانت) لي بامرأة في معنى (إلا) فارقتها؛ فصار كقولك: أنت طالق إن لم أطلقك، فرأى تعجيل الطلاق عليه إن لم تعجل بصرف الثياب أو عوضها.
وأما ابن مالك فإنما جعلها من باب حلف بالطلاق على غيره ليفعلن فعلا كقوله: (امرأته) طالق لتقضين حقي الذي لي عليك، أو لتهبني دينارا، أو قال: لتدخلن الدار.
والجواب المشهور فيها في المدونة والواضحة والموازية والعتبية: أنه يتلوم له في ذلك بقدر ما أراد بيمينه منه ما يكون ساعة، ومنه ما يكون شهرا أو أزيد أو أقل.
هذا إن وعد المحلوف عليه بفعل ذلك، لا أفعل ما حلف علي أن أفعله؛ عجل على الحالف بالطلاق، هكذا في العتق (الأول) من المدونة وفي النذور من الواضحة في هذا الأصل خلاف لابن الماجشون، وقال: من حلف بالطلاق على فعل غيره (كمن) حلف به على فعل نفسه في جميع وجوهه، كذلك سمعت مالكا وغيره من علماء المدينة يقولون: يريد أن يكون موليا.
قال ابن حبيب: وهو أحب إلي وأقوى عندي، وبه أقول ولابن القاسم في رسم حمل صبيا على دابة مثله، وقاله عيسى بن دينار، وقد روى عنه التفريق بينهما على ما في المدونة وغيرها وهو الأكثر والأشهر، وقد أشار ابن مالك في جوابه إلى هذا الخلاف الذي ذكرناه.
[ ٢٧٩ ]
وأما قوله: أول منازل مسألتك في اليمين أنه إن كان نوى بها أن (زوجه) غيبت الثياب، وخرجت يمينه على ذلك، ثم تبين له أنها (لم) تغيبها؛ فاليمين غير لازمة له.
كذلك في سماع ابن القاسم يريد ما رواه عن مالك في رسم طلق بن حبيب من كتاب الإيمان بالطلاق، فيمن كان له سوط وغاب عن أهله شهرًا ثم قدم فعتب على غلام له فأراد ضربه فسألهم (السوط أن يعطوه) فقالوا: ما نعلم مكانه فظن أنهم خبوه عنه كراهة ضرب الغلام فقال: حرم علي ما أحل لي إن لم تأتوني به فطلبوه فلم يجدوه ووجدوا سوطًا آخر فأتوا به، وقالت وغيرها من أهل البيت: هو هو ولم يعرفوه وأنكروا أن يكون (هذا).
فقال مالك: إن لم يكن عرفه فقد (لزمه) الطلاق، ولو كانت له نية نويته، يريد أن يقول: لم أرده، إنما أحلفت على أني أظن أنهم غيبوه، فإذا كانت تلك نيته؛ فلا شيء عليه، كمن قال لجاريته: أنت حرة إن لم أبعك، فإذا هي حامل منه ولم يعلم فهي حرة إلا إن أراد أن تكون حاملا.
ولهذه المسائل نظائر يطول الكتاب بذكرها، وكذلك تركت أيضا ذكر ما في سماع أشهب وغيره في تأخير المشي لمن حنث في الحلف به أو في الأيمان اللازمة.
مسألة ثالثة في الأيمان اللازمة:
شاور بعض القضاة في قرطبة في رجل حضر مجلس نظره فدعا إلى أنه يزال ربيبتاه عنه، فقيل له: لا تفعل. فقال: لزمتني يمين (ألا تبقيا عندي. فقيل له: تكفر يمينك. فقال: هي يميني) لا تكفر. فقيل له: عرفنا بها. فقال: لا كفارة لها، ولا يحل لي دخول الدار التي أسكنها (معها). فقيل له: متى حلفت؟ فقال منذ خمسة عشر يومًا. فقيل: هل أدخلت الدار بعد ذلك؟ فقال: دخلت.
فلما قيل له قد حنثت. فقال: إنما حلفت أني إذا حضرت مجلس نظر القاضي فلا تكون معي بعد ذلك.
واستفتي عن اليمين، فقال: كانت بالأيمان اللازمة، وكان بين قوله: لا يحل لي دخول الدار؛ مهلة صالحة.
فجاوب بن عتاب: تصفحت رحمنا الله وإياك. خطابك، (وإذ) قد أقر الحالف أن يمينه التي ذكر وادعي ما ادعي؛ الحكم عليه العقوبة مع ذلك لحلفه ما حلف، وأفلا يصدق
[ ٢٨٠ ]
في ذلك ولا ينوي فيه، والقضاء عليه بالطلاق والبتات واجب، وكذلك إن كان في ملكه من يعتق عليه بالقضاء ولله أسأل التوفيق.
مسألة رابعة في الأيمان اللازمة من مسائل أبي بكر بن زرب: سأله ابن ديحون عمن قال لزوجته: الأيمان له لازمة إن دخلت دار فلان إن كنت لي زوجة، (فدخل) الدار، ثم بارأها فهل يجوز له بعد ذلك ردها وهل مبارأته إياها مما يخرجه من يمينه.
قال ابن دحون: نزلت فتحير فيها أهل بلدنا فقال القاضي: إذا بارأها فقد (بر في يمينه) وله أن يردها بعد ذلك ولا حنث عليه، وهو بمنزلة الرجل يحلف فيقول لزوجته: أنت طالق إن لم أطلقك (بر) في يمينه.
فقال له أبو الأصبغ الحشا وغيره: ليست هذه مثلها لأنه قال: لا (كانت) ومني (صار) فقد صارت له زوجة ويلزمه الحنث. فقال القاضي: هي عندي مثلها، ولا حنث عليه (إذا) بارأها إلا أن ينوي لا كانت لي بزوجة أبدًا، فإذا كانت هذه نيته لزمه الحنث فيها متى تزوجها. وما لم تكن هذه نيته فلا حنث عليه إذا تزوجها بعد مبارأته.
وقال بعض في المجلس: إن بعض فقهاء بلدنا أفتى فيها أنه يلزمه الطلاق (البتات) فيها، ولا تنفعه المبارأة (ثم) لا يجوز له أن يتزوجها بعد زوج.
وقال ابن محسن: نزلت هذه المسألة بقرطبة، وكتب فيها إلى ابن أبي زيد فقيه القيروان، وأفتى فيها: يفتي القاضي. فقال (له) القاضي: أكتب بها إليه؟ فقال: نعم، منذ أربعة أعوام أو نحوها. فقال ابن دحون: نزلت عندنا هذه الجمعة، واختلف فيها الفقهاء.
مسألة خامسة في الأيمان اللازمة:
سئل أبو محمد بن دحون بمسجد الوليد في محضر نكاح شهد عقده عن رجل بارأ زوجته فقيل له: ارتجعها وكرر عليه ذلك فقال: الأيمان (له) لازمة إن راجعتها أبدًا.
فأفتى له أن يراجعها ولا يلزمه الحنث إلا فيمن (يملك) عصمته وفيمن ملك حينئذ لا فيما أفاد بعد ذلك، وذلك في مثل الزوجات يكن عنده، والمشي إلى مكة وصدقة ثلث ماله، وعتق عبيده.
فراجعه أبو الخيار (الشتزيني)، وكان بالحضرة، فقال له: ما نكح من الزوجات وأفاد من المال يلزمه الحنث (فيها ويكون) عليها واقعًا.
واستشهد بالمسألة التي في التمليك فيمن حلف ألا يتزوج، ولم يسم بلدا بعينه، ولا
[ ٢٨١ ]
قبيلة بعينها: أن له أن يتزوج إن شاء الله، والله المستعان.
كذا كانت هذه المسألة عندي- أعني التي سئل ابن دحون عنها، وأجاب فيها في نفس كتاب مسائل ابن زرب متصلة بمسألة ابن زرب بأجزائها، إلا أنها لم تكن في كتاب أبي عبد الله الذي قوبل كتابي به، فضرب (عليه) في كتابه إلا أن جواب ابن دحون فيها صحيح، وله تفسير لم أجد نشاطًا لبسطه، والله تعالى يعيننا على طاعته برحمته.
وقد سئل منذ أعوام كثيرة عن رجل قال: الأيمان له لازمة إن لم أبار زوجتي، فكتب مبارأتها فحضر قبل إشهاده فيها على إمساك زوجته وترك إمضاء مبارأتها.
فقال: الأيمان له لازمة، إن كانت (له) بزوجة أبدًا ولم يتقدم لي فيها جواب فأثبته هنا غير أني قد أوردت في كتابي هذا في الأيمان اللازمة ما لم يذكره ولا رأيته مجموعا لسواي مما فيه مقنع لمن أنصف، ولم يهن بما لا يعرف، ولا اتخذ الدين لعبا، وكلام الأئمة باطلا (لا) عاملا وساقطا لا لازما، وهذه عصابة قد (شاب سلها) الاستخفاف وهجيرها التعطيل إذا رأت الناس سدى والإسلام مهملا لا وازع له ولا حامي لحرزته من قاضي يرعاه أو إمام يتقواه، وفقنا الله لرضاه لما يحبه منا ويرضاه.
ولو لم يكن في هذه اليمين ما يعتمد عليه فيها إلا قول الشيخ لكان يجب، لمن نصح لنفسه، وحرص على الترقي في دينه- أن يوافقهم فيما اتفقوا عليه، وينتهي فيها إلى ما انتهوا إليه، فكيف وأصلها لمالك وأصحابه موجود، والكتاب والسنة (بصحبة) ذلك شهيد، لكن الإزراء على المتقدمين، وإرادة الظهور على المتأخرين، يحمل على الخلاف، وترك الإنصاف، وقلة الائتلاف، والله يوفق بفضله من شاء هداه من خلقه كما يخذل من أراد منهم بعدله.
وذكر بعض من ألف بعض أخبار فقهاء الأندلس أن أبا بكر محمد ابن أحمد اللؤلؤي شيخ القاضي أبي بكر بن زرب والفقيه بن أبي زمنين وغيرهما كان له حقل يجاوره حقل جار له وكان حريصًا أن يضيف حقل جاره إلى حقله، فاحتال عليه في ذلك بكل حيلة واستعمل فيها كل وسيلة، فأبى صاحبه عليه ولم يجبه إليه إلى أن اعتل فعاده اللؤلؤي (مستطلعا) له متحفيا به، فأظهر له الرجل من السرور لعيادته والشكر على (مشاركته) ما أطمع اللؤلؤي في قضائه بحاجته في ذلك الحقل، فكلمه فيه ورغب إليه في تصييره له بما رسم من (ثمن) أو معارضة فأظهر له الإسعاف لما رأى منه من الإلحاف، وقال له: أشهد
[ ٢٨٢ ]
علي بذلك وجماعة بعده من الفقهاء أصحابه وأدخلهم عليه فإذا به قد أظهر انهداد (قواه)، وضعف منطقه ودني الفقيه منه، فقال له: يا أبا فلان، أشهد الفقهاء- حفظهم الله- على بيعك مني. فقال له: أشهدكم أن الفقيه اللؤلؤي هذا قابلي متعمدًا لقتلي، وأنه الأخوذ بدمي، فإذا حدث بي حدث الموت استقيد منه لي فبعنقه دمي، وأنتم رهناء بالصدق عني، فدهش الفقيه ومن معه وأقبل على الرجل يتثبت ذهنه ويذكره ما جرى بينه وبينه ويخوفه الله ويعظه وسلك أصحابه في ذلك سبيله، فلم يرجع عن ذلك فخرجوا عنه.
وسألهم اللؤلؤي أن يتوفقوا عليه ساعة بالباب ليخلوا به؛ ففعلوا وتفرد به وعزله وقال له: تعصي الله في أمري وتدمي في غير حق علي؟ فقال له: وهل قلت إلا ما فعلت، دخلت علي وأنا أحسبك عائدًا مشفقا، فسررت بذلك وإذا بك باغي فرصة فلما مستني في سويداء قلبي في أمر هذا الحقل المشئوم فما تعلم كرهه إلي فزعتني وأتيت علي، فهل أردت إلا قتلي إذا طلبت أخذ كريمة مالي؟
فاعتذر إليه اللؤلؤي، وقال: إنه تائب معترف بخطئي، فأبقي الله في فبعد لأي ما أجابه إلى ذلك. وقال له: أما وقد صرت إلى هذه الإنابة، فاحلف بالأيمان اللازمة أنك لا تلتمس هذا الحقل في حياتي ولا بعد مماتي، ولا تسعى لملكه ولا تصييره إليك ببيع ولا غيره وأن تحرمه على نفسك ولو صار إليك بميراث أغيره وأنك لا تهم لي تعد ذلك بمساءة، ولا تحقد بعد (ذلك) على ذريتي، فحلف له بذلك كله، وتوثق منه فيه، وعند ذلك أذن له بإدخال الفقهاء عليه فلما دخولا أشهدهم أنه قد عفا عنه الله تعالى وأسقط عنه تبعة دمه.
فقال له اللؤلؤي: إنما أريد أن يكذب نفسك وتعود (لشأنك)، هذا هو الحق فإن أقنعك عفوي عنك وإلا فإني على ما عقدته عليك. فرضي منه اللؤلؤي بذلك وتوثق من الإشهاد به عليه، واتخذ حديثه معه موعظة اعتقد بها ألا يفتي في تدمية بعدها.
وتوفى اللؤلؤي سنة خمسين وثلاث مائة، وقيل سنة إحدى وخمسين بعدها أول دولة الحكم ﵀، وأدخلت حكايته هذه لما فيها من استحلاف الرجل له بالأيمان اللازمة، ولست أعرف لها ذكرا في أبعد من وقت هذه الحكاية، وفيها دليل على إلزام الحالف فيها ما قد ذكرناه من وجوهها، وإنما لم تكن عندهم كل شيء، كما يذكر عن بعض المستخفين من المتسمين بالعلم من (معاصرينا) منحنا الله بفضله هداه وألهمنا تقواه وما (تجود) به رضاه.
[ ٢٨٣ ]