أعلم أن الصدقة والهبة والنحلة، وجميع ما في هذا المعنى من منحة أو إعمار وشبه ذلك؛ لا يصح عن معطيه في صحته، وشهادة البينة بمعاينتها، ولا يكتفي بإقرارهما بذلك، إلا الأب يفعل ذلك لابنه الصغير، في غير دار سكناه، فإنه يكتفي في ذلك بإشهاده اللهبة والصدقة وشبههما، وأنه تولى اجتياز ذلك لابنه الصغير أو ابنته البكر أو بنيه الصغار الذي في حرجه وولاية نظره من نفسه له أو لها أو لهم، حتى يبلغوا مبلغ القبض لأنفسهم أو لنفسه. وإن كانت هبة لهم دار سكناه فلا يد له من إخلائها ومعاينة البينة لذلك، ونظرهم إليها خالية منه ومن متاعه.
والأصل في الصدقات والنحل وما في من عناها أنها لا تتم إلا بالحيازة: حديث أبي بكر الصديق رضي الله في نحلته عائشة ابنته أم المؤمنين ﵂؛ إذا قال لها في مرضه الذي توفي منه: يا بنية، والله ما من أحد من الناس أحب إلى عني بعدي منك وإن كنت نحلتك جاد عرين وسقًا من تمر، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك وإنما هو اليوم مال الوارث .. الحديث.
وهو مذهب عمر بن الخطاب ﵁، ومذهب مالك وأصحابه، وبه جرى العمل، ومسائل العطايا مبنية على هذا المعنى، إن شاء الله تعالى، وفي حيازة الأب ما وهبه صار بنيه من العين اختلاف من قول مالك، وكذلك اختلف في أصحابه، وكل ذلك مبسوط في أصول الأمهات، والله ولي الهدي التوفيق.
والوصي فيما يهبه يتيمه الذي في حجره كالأب في ذلك كله، ولابن وهب في مساع يحيى: أن الأم والجدات والأجداد الحاضتين ليتيم في حيازة ما وهبوا له كالأب والوصي، إن كانوا غير أوصياء، وليس الأخوة والأعمام كذلك.
ولابن وهب في آخر سماع زونان في اللقيط: أنه يجوز له الذي هو عنده ما وهبه له، كما لا يجوز ابنه. وقاله سحنون.
وروي ابن غاتم عن مالك في كل من ولي يتيمًا لقرابة أو حسبة، مثله في حيازته له ما تصدق به عليه هو أو غيره وجواز مقاسمته له. قال سحنون: رواية ضعيفة. ولابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون نحو رواية ابن غانم، بزيادة بيان؛ فتأمله.
[ ٥٥٠ ]
وكله خلاف رواية ابن القاسم، وقوله في سماع يحيى وغيره، وفي صدقة المدونة: وفي النحل والعمرى، والعطية، والهبة، والصدقة، والحبس، بمنزلة واحدة في قول مالك، في القبض.
وفي باب آخر فيه: إن منح بن غنمة شهرًا أو أكثر، فقبض الممنوح للغنم حيازة كقبض العبد قبض للخدمة والدار في الإسكان، وتكرر ذلك في كتاب العربة، وقال في العرية: إن مات المعري قبل أن يطلع في النخل شيء وقبل أن يحوز المعري النخل؛ بطلت العربة.
قال ابن حبيب: إن مات المعري، وقد حاز المعري النخل ولم يطلع فيها بشيء بطلت العربة، وكذلك إن طلع فيها تمر ولم يجز النخل والمنحة كذلك، بخلاف الخدمة والسكن؛ قبض الرقبة قبض لهما.
وقال أشهب: إن مات المعري بعد الإبار، فذلك حوز؛ لأن المعطي يدخل ويخرج ولا يمنع، كمن وهب أرضًا بالصحراء حوزها أن تسلم إليه، وإن مات وبها قبل الإبار بطلب العربة، إلا أن يكون مما تسلم إلى المرعي فتحاز، فإنه إن لم يجزه حتى مات ربه فلا شيء له، وإن حازه جاز ذلك، وإن لم تؤبر.
وذكر فضل: أن معنى المدونة مثل ما ذكر ابن حبيب، وبخلاف إذا تصدق عليه بحمل في بطأمه؛ لأن الحمل حين الصدقة، وقد كان قبض الرقبة قبضًا للحمل. قال ابن القاسم في صدقة المدونة.
قال: وكذلك هبته ما في بطون غنمهن وكذلك هبة ثمرة نخلة قبل بدو صلاحها، وزرع أرضه قبل قبض الأصل قبض للموهوب. قال: وكذلك إن وهب له ما تلد جاريته عشرين أو ثمرة نخلة عشرين سنة جاز، إن جاز الموهوب له الأصل، أو جعل على يدي من يحوز له.
والأشياء التي لا تتم إلا بالحيازة: الحبس، والصدقة، والهبة، والعمري، والعطية، والنخل، والعية، والمنحة، والهدية، والإسكان، والعارية، والإرفاق، والعدة، والإخدام، واصلة، والحباء، والرهن وهو آكدها؛ لأن النص فيه قال تعالى:
[ ٥٥١ ]
فيمن تصدق على ابنته البكر بنصف داره إلى جهة معروفة سماها:
من أحكام ابن زياد: قال أبو صالح: نظرت – أبقى الله القاضي – في كتاب الصدقة بنصف الدار إلى جهة المشرق على السواء، فرأيت صدقة تامة، وقد تكلمنا فيها عندك، وكتبنا: إن كانت الدار معروفة بسكنى المتصدق فعليها إقامة البينة؛ أن أباها تخلى بسكناه، فإن أباها جائز عليها، وعلى من ادعى أنها كانت معروفة بسكناه البينة على ذلك.
هذا ما قلنا، وبه نقول، وهو قول سلفنا، فإذا ثبت أنها كانت معروفة بسكناه، وجب عليها إثبات نخلية، وإن له يثبت سكناه فحوز أبيها لها حوز، وهو لها ماض تام لا كلام فيه لأحد ولا يضرها، إلا أن يكون فتح باب في نصيبها. وقاله ابن لبابة، وابن وليد.
وقال سعد بن معاذ: الصدقة تامة جائزة إذا قام عليها شاهدان حتى يأتي من يشهد أن الأب سكنها، وعلى المعارض لها البينة. وإن لم يكن إلا شاهدًا، حلفت مع شاهدها على الصدقة. وقال بذلك يحيى بن عبد العزيز.
مشورة في مثل هذا المعنى:
قرأنا – وفق الله القاضي – الكتاب الذي أشهد بثبوته عنده بصدقة ابن حمدون على ابنته أمامه الطفلة في حرجه بقطيع محجوز من داره، التي شهد فيها سعيد ابن حمير وأحمد ابن بيطير، فرأيناه في شهادة ابن خمير ذلك الحيازة ولم يذكرها أحمد، واستجار بأن الآباء يحوزون على الأصاغر، وليس في الشهادات أنها دار سكناه؛ فالصدقة تامة لإقرار الأب بالحيازة، ويجب أن تبعث الشاهدين اللذين حازا القطيع وعرفاه فيحوزانه بمحضر شاهدين وتدفعه إلى أمامه المتصدق عليها. قال ابن لبابة وابن وليد، وأحمد بن يحيى.
الشهادة بالصدقة على من أنكرها:
فهمنا – وفقك الله – ما تكلم فيه أبناء مسونة من الدار، والجنان، والقرية، وشهادة طاهر بن عبد العزيز على ما شهد به، وشهادة أبي صالح على ابن مسونة: أنه أخرج إليه كتبًا، فيها ذلك صدقات بجنان ودار بناحية باب اليهود، وشهادة ابن معاذ بمثل ذلك، إلا في القرية، فيجب في ذلك أن يحمل طاهر وأبو صاح وابن معاذ حيازة هذا الدار والجنان، فإن اتفقوا في حيازة ذلك؛ لزم ابن مسونة ما شهدوا به عليه من إقراره بالصدقة، والابتياع، وإن اختلفوا في حيازة ذلك نظرت فيه بما يظهر لك، إن شاء الله. قاله ابن لبابة وعبيد الله بن يحيى وابن وليد.
[ ٥٥٢ ]
من وهب نصف دار ثم سكنها الواهب والموهوب له:
في مسائل ابن زرب: إن سكنا الدار وهي مشاعة لم ينفذ شيء من الهبة؛ إلا إن اقتسما سكناها بشطرين على المراضاة، وإن لم يكن قسمة صحيحة في الأصل فإن الهبة تنفذ في اقتسامها بتراض، إذا كان سكناها إياها على اقتسام.
إذا أعمر الموهوب له الواهب دارًا كان وهبها، ثم أراد الرجوع في الإعمار لئلا تبطل الهبة:
سأل القاضي ابن زرب ابن دحون: عمن وهبت له دار، ثم أعمرها الواهب بعد اشهر يسيرة لا يكون مثلها حيازة، ثم علم أن ذلك مما يبطل هبته، فأراد إبطال العمرى وقبض الدار، فأطرق القاضي فيها حينًا، ثم قال: إن كان الموهوب له ممن يرى أنه يعلم أن العمرى إبطال للهبة، فقد لزمه ما صنع وبطلت هبته، وإن كان ممن يرى أنه لا يعلم ذلك انفسخت العمرى، ورجع الموهوب إلى الدار وقبضها من الواهب.
وذكر أن هذه المسائل إنما هي بالتكرر على درسها، وإنما تنسى مع ترك ادرس. قال: ولقد شهدت اللؤلوي أفتى في امرأة فاسدة أنها تستبرئ نفسها بحيضة ثم تنكح، فقلت له بعد خروج السائل عنه، وذهابه بردة عنه: الحرائر استبرأهن ثلاث حيض، فتذكر الأمر، وأمر بصرف المستفتي ومحا جوابه، وجاوب أن تستبرأ بثلاث حيض.
قال: وشهدته أيضًا في علة اعتلها غير التي توفي منها، قد عقد في وصيته خدمة فتى لزوجته، وقال في وصيته: فإن شاحها الورثة في خدمته عجل له العتق، فقلت له: هذا لا يجوز، وأتيته بالرواية فيه فتذكرها، وأصلح ما كان عقده من ذلك.
فقال له ابن أخي: إن هذا العجب أن يكون مثل اللؤلؤي على قدره في الفقه يغلط في مثل هذا، فقال له القاضي: لو تركت الدرس عامين لنسيت ما هو أقرب من هذا، فكيف بشيخ قد بعد عهده بالدراسة، وإنما هذه المسائل بأن لا يقلع رأس عن درسها.
صدقة الأب على ابنه بدنانير وغيرها، وبيعه منه داره بمال ذلك أنه كان له بيده، وغير ذلك من مسائله، وهبة المشاع:
قال القاضي أبو بكر بن زرب في مسائله: إذا تصدق الأب بناض على ابنه الصغير، وأخرجه عن يده إلى من يقبضه له بمعاينة بينه، ثم باع منه بذلك دار سكناه قبل تمام عام فأزيد لحيازة ذلك الناض؛ لم يجز ذلك، وإن كانت غير دار سكناه لم يرد ذلك ونفذ، وإن
[ ٥٥٣ ]
لم يجز الناض عنه إلا أقل من عام. قال: وإذا تصدق الأب على الابنه الصغير أو الكبير بصدقة وحازها الأب؛ نفذت الصدقة في حظ الصغير، وبطلت في حظ الكبير إن لم يحزه هو أو وكيله.
قال القاضي:
هذا الذي ذكره رواية ابن نافع وعلي بن زياد عن مالك في المدونة، ومثله في الصدقة في سماع أشهب وابن نافع عن مالك، وفي سماع ابن الحسن، ورواه ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون عن مالك، ولو كان حبسًا لبطل جميعه ولم يجز منه حظ الصغير ولا غيره، واختاره ابن حبيب.
وحكي عن ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ: أن الصدقة كالحبس لا يجوز منها شيء وكذلك في المدونة، وفي حبس العتبية في مساع عيسى عن ابن القاسم. وتركنا بسط ذلك واستيعاب قائليه كراهة التطويل.
وما أظن إلا أن القاضي حين تكلم في ذلك سقط منه مذهب ابن القاسم ومن وافقه في ذلك؛ إذ لم يذكره ولا ذلك أن الذي قاله اختياره من الاختلاف فيه.
قال القاضي:
ولو أنه حبس دارًا له على ابنه – يريد الصغير في حجره – وعلى السبيل، ثم حاز الجميع لبطلت الحباسة في الكل. قيل: ولم؟ فقال: لأن سبيل الله لا قابض له، وهو خلاف الصدقة على الكبير والصغير.
قال القاضي:
في سماع أصبغ عن ابن القاسم فيمن تصدق على ابنه الصغير بنصف غنمه أو داره، وترك بقية ذلك ملكًا لنفسه شريكًا له به؛ جاز وهو حوز له، ولو تصدق عليه بنصفها ونصفها في سبيل الله، وحاز الأب الجميع حتى مات وذلك على حاله؛ جازت صدقة الابن، وما كان في سبيل الله من ذلك فليس بشيء، وليس كمن تصدق على ابنه الصغير وابنه الكبير؛ لأن ما كان للسبيل لا يجوزه أحد فهو كلا شيء، وهو كما لو حبسه لنفسه شريكًا به، والابن الكبير والأجنبي يحوز ويقوم به.
وفي رسم العرية من سماع عيسى في مسألة الصغير والسبيل مثل ذلك، ومذهب ابن القاسم في صدقته على الصغير والكبير إن لم يجز الكبير الصدقة؛ بطل جميعها، ولم يجز
[ ٥٥٤ ]
للصغير ولا للكبير منها شيء. كذلك عنه في المدونة والواضحة وغيرهما، وقد ذكرنا فوق هذا.
فإذا قد أجاز ابن القاسم حظ الصغير إذا كانت الصدقة عليه وفي سبيل، وأببطله في الصدقة عليه وعلى الكبير إذا لم يجزه الكبير، فينبغي في مسألة القاضي إذا حبس على الصغير وفي السبيل أن يجوز حظ الصغيرة، كما قال في الصدقة؛ لأنه قد جعل السبيل كلا شيء، بخلاف الصدقة أو الحبس على صغير، وتنظيره للحبس على الصغير وفي السبيل بأنه خلاف الصدقة على الصغير والكبير؛ يدل أن مراده في الصدقة على الصغير وفي السبيل إذا لم يخرج من حيازة الأب: أن الجميع يبطل، وهذا خطأ وخلاف الرواية، وكلامه كله في هذه المسألة من أولها يدل على سقوطها من ذكره، وأنه أدرك فيها ما حكاه عن اللؤلؤي شيخه، والحمد لله على جليل نعمه.
وفي المسألة التي ذكرنا من سماع أصبغ جواز هبة المشاع، وإن بقي للواهب سائر الموهوب منه، ومثله لمالك في سماع ابن القاسم من صدقة العتبية، وكذلك في صدقة المدونة لابن القاسم، وفي آخر الشفعة أيضًا، وفيه خلال في كتاب ابن حبيب وفي سماع أصبغ.
قال القاضي:
ومن تصدق بميراثه في رجل، وهو لا يعرف قدره، جاز ولزمه. قال: وهذا الذي استحسن، وفيه اختلاف.
قال القاضي:
في أول سماع عيسى عن ابن القاسم في مالك لأمره، تصدق على آخر مثله بميراثه من أبيه إذا مات، وأبوه باق. قال: لا أرى أن يجوز هذا، أو لا أقضى به عليه، وهو أعلم. قال في النوادر بأثرها: وكذلك روي ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم. وذكره ابن المواز، وقال: أما في اليمين فيؤمر به من غير قضاء، ويلزمه في غير اليمين كالعتق.
وفي سماع أصبغ: قال ابن القاسم فيمن تصدق على رجل بميراثه من أبيه بعد أن يموت أبوه، وأشهد له وقبل ذلك منه، ثم بدا للمتصدق وقال: فعلت ذلك وأنا لا أدري ما أرث، أنصفًا أم ربعًا؟، ولا عدد ذلك ولا ما سعة ذلك من الأرضين وعدة الأشجار، فلما تبين لي ما أرث مما ترك رأيته كثيرًا، وكنت ظننته دون هذا، وأنا أجيزه إلا أن تبين مما
[ ٥٥٥ ]
قال أنه لم يكن يعرف يسر أبيه ولا وفره، لمغيبه عنه – حف ما ظن ذلك وكان القول قوله، وإن كان عارفًا يسر أبيه، وإن لم يع لم قدره، جاز عليه أحب أو كرهه وقال أصبغ.
وقال ابن أبي زيد في النوادر بعد هذه المسألة: أعرف لابن القاسم أن هبة المجهول جازئة. وقال محمد بن عبد الحكم، وقال ابن المواز عن أشهب: من وهب مورثه لرجل، ولا يدري كم هو من مال الميت؛ ربعه أو ثلثه؛ جاز إن كان لغير الثواب، وإنما يكره المجهول في البيع، ونحوه في الصدقة. من المدونة، وفي أول كتاب القسمة، وهذا الوجه الذي أراد القاضي، والله أعلم أنه تصدق بميراثه بعد موت موروثه.
قال القاضي:
من أشهد أنه باع دار سكناه من ابنه الصغير بمال استقر بيده من مال ابنه هذا من هبة أجنبي له، أو غير ذلك؛ جاز وإن لم يعرف السبب الذي منه وجب لا بن المال، وإن قال: إنه هو الذي وهب له المال ثم باع منه به دار سكناه؛ لم يجز إلا بعد أن يعرف أصل الهبة، ويكون قد حيز عنه عامًا فأزيد قبل البيع، وإن كانت غير دار سكناه وأقر أنه باعها منه بمال وهبه؛ جاز ونفذ وإن لم تعرف الهبة، وهو في هذا كأنه وهب له الدار.
قال: ومن وهب لابنه هبة وحازها له لصغيره وبقيت بيده حتى مات، والابن حتى موته بالغ، وعرف بالرشد من نوقت بلوغه ولم يقبض الهبة؛ بطلت، وإن كان معروفًا بالسفه نفذت وإن طال تركه لها، وإن كان مشكوكًا فيه لا يقضي برشده ولا بسفهه، فإن مضت سنة بعد موت الأب وهو بالغ؛ بطلت الهبة. كما وقع هذا الفصل الآخر، وفيه نظر.
قال: ومن تصدق على ابنه الصغير بصدقة، وعمر منها الثلث فدون؛ جازت الصدقة كلها، وإن عمر منها فوق النصف؛ بطلت كلها وإن عمر منها نصفها أو دون النصف وفوق الثلث؛ بطل ما عمر، ونفذ ما لم يعمر. قال له ابن أخي: هذا شيء لم أسمعه قط منك.
وقال له: لو لم تقبل اليوم إلا لهذه المسألة؛ - فقال له ابن أخي: أين وقعت؟ فقال له: في هذا الكتاب في سماع يحيى، وفيه كان يناظر.
قال القاضي:
هذا التنويع الذي ذكره، وقال هو في سماع يحيى: ليس في هذا السماع بشيء يدل
[ ٥٥٦ ]
عليه، وإنما هذا الأصل في سماع عيسى وسماع ابن الحسن، وكان في سماع يحيى في كتاب الحبس إشارة إلى بعض ما ذلك، وهو غير بين، وفي كتاب الرهون من المختلطة من هذا الأصل. فتأمل ذلك كله، ولطول تركناه نقله.
قال: ومن تصدق على ابنه الصغير بدنانير له عند رجل، وقال ذلك الرجل: أشهدكم أنها عندي، وأني حزتها للمتصدق عليه، ثم مات الأب، فذلك نافذ لابن إذا علم أن الدنانير كانت عند الرجل للتصدق قبل الصدقة، أو عاين الشهود قبضها وقت الصدقة، وإن كان لم يعلم هل ابنه الصغير بثبات وصفها، وأراها الشهود وحازها لابنه، ثم مات ولم توجد في تركته؛ فلا ضمان عليه ليمتها. قيل له: ولم لا تكون في ضمانه، كالمودع بينة يموت، ولا توجد الوديعة في يالتركة فتؤخذ من ماله فقال: ليست مثلها وهي فعله قبل السنة يبطل الصدقة، قيل له: فلعله لم يبعها إلا بعد سنة، قال: هذا شك ولا أضمنه إلا لو ثبت أنه باعها بعد حوزها سنة، فلو ثبت هذا، ولم توجد في تركته لوجب تضمينه، ولم أشك حينئذ في وجوب ذلك.
قال القاضي:
جواب القاضي في هذه المسألة ضعيف، واعتراض من اعترض عليه فيه صحيح، والحكم للمتصدق عليه بقيمة الصدقة في مال المتصدق واجب، وقد تقدم في باب الشهادة في هذا المعنى ما يقوى ما ذهبنا إليه، والله تعالى أعلم، وهو الموفق للصواب لا شريك له.
قال القاضي:
جواب القاضي في هذه المسألة ضعيف، واعتراض من اعترض عليه فيه صحيح، والحكم للمتصدق عليه بقيمة الصدقة في مال المتصدق واجب، وقد تقدم في باب الشهادة في هذا المعنى ما يقوى ما ذهبنا إليه، والله تعالى أعلم، وهو الموفق للصواب لا شريك له.
قال القاضي:
ومن باع في مرضه من وارثه، وأشهد على البيع وعلى الإقرار بقبض الثمن، ولم يعاين الشهود قبض الثمن؛ فالبيع نافذ، وعلى المبتاع غرم الثمن ثانية، ولا يبرئه إقرار البائع بقبضه، إذا لم تعاينه البينة، كمريض أقر بقبض دين من وارثه؛ لا ينفذ إقراره إلا بمعانية الدفع.
قال القاضي:
قد تقدم من هذا المعنى في مسائل الشهادات والدعوى، وسأله ابن دحون عمن ابتاع لابن له صغير دارًا بمال وهبه له، ثم بلغ الابن ومات الأب ولم يقبض الابن الدار، هل تنفذ له أم يبطل أمرها؟
فقال: لا يبطل، وقد تمت الحيازة لهبة بالابتياع للدار بها. قال ابن دحون: فلو أن
[ ٥٥٧ ]
رجلا أقر بدار لابن له صغير، فقال: محمل هذا الإقرار محمل الهبة إن كانت الدار معروفة وهي مسكنة، فإن خرج عنها وحازها لابنه، نفذ الإقرار وإلا بطل، وإن كانت غير دار سكناه نفذ إقراره. وإن لم يعلم في دار السكنى أو في غيرها ملك الأب لها؛ جاز الإقرار وإن لم يجزها.
وقال القاضي:
من أقر في مرضه بدين لوارث أو صديق ملاطف وله ابنه لم ينفذ إقراره، والابنة كالعصبة، وإن كان في مكانها أو معها ابن ننفذ إقراره؛ لأنه لا يورث كلالة، فقال له ابن محسن وغيره: روي ابن عبد الحكم عن مالك أن الابنة كالابن، فقال: نعم، ولكن مذهبي أن الابنة كالعصبة، وقد علمت أن فيها اختلافًا.
قال القاضي:
لم يذكر القاضي ولا ابن محسن ما في المدونة في الابنة. قال ابن القاسم: من ترك ابنه وعصبة يرثونه فأقر لهم مال، لم يتهم أن يقر إلى العصبة دون ابنته، فقد جعل ابن القاسم الابنة كالابن، ولم يرها كلالة كما قال القاضي.
وفي الوصايا الأول: إن أقر لصديق ملاطف – يريد في مرضه – بدين وورثة ولده لم يتهم، وجاز ما أقر به للصديق الملاطف، وإن كان ورثته أبويه وزوجته، أو له ولد ولده لم يجز إقراره مع أبويه ويجوز له مع ولد الولد، وهو كالولد.
وفي خامس وصيا النوادر: قال أشهب: إذا ورثه بنات فإقراره لوارثه من عصبته أو لصديق ملاطف؛ جائز ولا أتهمه مع البنات أو الأبوين، إلا أن تعرف منه بغضه لولده، وفي الواضحة في الأبوين والأخوة ونحوه، من رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الوصايا.
وفي كفالة المدونة والمكاتب من هذا الأصل: ولا أرى قول القاضي في الابنة إلا وهما. وفي مسائله قال: ومن أقر بعرض بعينه لرجل ثم مات، وجب لذلك الرجل أخذ ذلك العرض دون يمين، وكذلك كل شيء يعرفه الشهود بعينه. ولو أقر له بدنانير أو دراهم، وما لا يعرف بعينه، وجبت اليمين على المقر له: أنه ما قبض ولا وهب ولا واستحال، وإنه لباقي إلى حين يمينه، وكان السائل له عن ذلك أبو علي الحداد من أصحابه.
[ ٥٥٨ ]
من تصدق بدار على زوجته وسكنها معها، وحيازة الولد بالقفل، والأرض بالتطوف، وحيازة أم الولد، وصدقة ذات الزوج:
وفي مسائل ابن زرب أيضًا فيمن تصدق على زوجته بدار وقبضتها منه وسكنها معها: أن الحاضرين لمجلس القاضي خاضوا فيها: هل قبضها حايزة وإن سن فيها معها؟ وقال جلهم: هو حيازة، فقال لهم القاضي: كيف يكون حيازة وعليه إسكانها؟ فكأنها لم تخرج عن يده إذا سكنها من يلزمه إسكانه. قيل له: فما تقول فيها؟ فقال: هي مشتبهة، ولم يفصل فيها بشيء.
قال القاضي:
هكذا وقعت هذه المسألة في مسائل القاضي أبي بكر ابن زرب جمع أبي بكر ابن حربيل التجيي، وفيها أقوى دليل على قلة العلم وتضييع الاجتهاد فيه، لعزوب هذه المسالة عنهم، وهي منصوصة في كتاب الصدقة من العتبية، في سماع عيسى: قال ابن القاسم: من تصدق على امرأته بمسكن وهما فيه؛ فسكنه معها، فليس حوزها حوزًا حتى يخرج منه وتحوزه بما تحاز به الصدقات؛ لأن السكنى عليه فلم تجزه بشيء يعرف، وإن كانت هي المتصدقة عليه فسكنت معه كما كانا؛ فذلك حوز؛ لأن السكنى عليه.
وهي منصوصة فكيف خفي مكانها على جميعهم، لكنه كما حكي هو عن شيوخه قبل هذا أن المسائل لا ينبغي أن يغفل عن درسها، ولكن شيء آفة، وآفة العلم النسيان، وقد حكي لنا بعض من لقينا: أن أبا عمر الأشبيلي كان يقول: ليس يبقى مع الدارس الحافظ في آخر عمره إلا معرفة مواضع المسائل، وما هي إلا منزلة كبيرة لمن كان بهذه المنزلة في العلم.
ولم يكن كما ذلك لنا بعض الطلبة عن إنسان كان قد ارتسم بالفتوى أنه طلب باب الحضانة في باب طلاق السنة، ولم يزل يقلب أوراقه حتى أتى إلى آخره، فما لم يجد شيئًا رمي بالكتاب إلى محراب مسجده، وهذا هو الموجود في وقتنا هذا، فقهنا الله في الدين، إنه منعم كريم.
وذكر بعد هذه المسألة في السماع: إذا تصدقت عليه بخادم أو تصدق عليها بها، ثم استخدمها جميعًا: أن ذلك حوز، ولا تضر خدمة المتصدق منهما.
وفي سماع يحيى: من تصدق بدار ودفع مفتاحها إلى المتصدق عليه ليحوزها، فذلك
[ ٥٥٩ ]
حوز، وإن لم يسكنها ولا أسكنها قيل للقاضي: هب هذه المسألة صحيحة؟ فقال: هي صحيحة. قيل له: بإسلام حديدة؛ لا يدري أهي مفتاح للدار أم لا، تصح الحيازة؟ قال: نعم، فراجعه جميع من في المجلس، فقال: هو حيازة. ووقف على ذلك.
فقيل له في المتصدق عليه أو الموهوب له، يكري الشيء المتصدق به أو الموهوب له أو يعيره ويكون حيازة، وما الفرق بينه وبين قول المتصدق عليه: قد قبضت؛ فلا يكون حيازة؟ قال القاضي: ليست هذه بحجة، وهذا أمر جائز؛ لأنه خروج عن يد المتصدق عليه، وذكر عنده التطوف على الأرض الموهوبة، وقيل له: هل رأيت لأحد من أصحاب مالك أنه حيازة؟ فقال: لا، وإنما هو شيء أجمع الشيوخ عندنا عليه وجعلوه حيازة؛ لأنه كالتخلي. فقال له ابن صاعد: رأيت لبعض أصحاب مالك أن التطوف حيازة وسأريكه، فقال: ما رأيت هذا.
قال القاضي:
في كتاب ابن حبيب سألت ابن الماجشون عمن تصدق على أجنبي بأرض تزرع وتعتمل، ما وجه حوزها؟ فقال: أن يشهد على الصدقة، ويشيد ذكرها، ويخرج إليها، ويشهر أمرها، ويعلم بذلك جيرانه فيها، وتأخذ كتابًا بأمر القاضي إلى والي ذلك المكان: بأن تلك الصدقة قد حقت لفلان عندي، ونزل فيها منزلة فلان، وهذا وشبهه مما تحقق حوزه لها، وبعض هذا يكفي من بعض، وما كثر من ذلك وتظاهر أحب إلي.
وسألت عنه مطرًا فقال نحوه، إلا أنه لم يذكر أخذ كتاب القاضي، ولكن قال: إن حددها للشهود أوقفهم عليها فهو أقوى للحيازة، وإن حددها في كتاب الصدقة ولم يقف الشهود عليها مجملًا من غير تحديد؛ أجزأه أيضًا إذا امتنع منها، ونزل المتصدق عليه منزلته فيها.
قال: وسألت عنها أصبغ فقال لي مثل قول مطرف، ما لم يأت إبان عملها، فإن أتى فلمي عملها واحد منهما بطلت الصدقة، إلا أن يع لم أنه منع منها المعطي، فلا يضره حينئذ ترك العمل. قال: وإنما يكون الإشهاد حيازة لما لا يعتمل كالدين والشيء المهمل، ففي قول مطرف وأصبغ أن التطوف حوز، وهو توقيف الشهود على حدودها، وفي سماع يحيى في المدونة نحو ما زاده اصبغ في ترك العمل وقد حضر إبانه. فتأمل.
[ ٥٦٠ ]
قال القاضي:
وأحب إلي في أم الولد أن تحوزه لنفسها ما يتصدق به عليها سيدها، وهو الذي يفعله الناس عندنا، وإن تولى السيد احتياز ذلك نفذ لها.
قال القاضي:
في سماع يحيى ابن القاسم: حالها في ذلك كحال الحرة، ودليل المدونة أنه يجوزه له سيدها، ورأيت لأبي عمر الأشبيلي أنه كان يستحب الأخذ برواية يحيى، فإن عمل بدليل المدونة مضى، وهو نحو ما ذهب إليه القاضي.
وقال القاضي: إذا تصدقت ذات الزوج بثلث مالها، ثم تصدقت بعد ذلك بثلث مالها، ثم تصدقت بعد ذلك بثلث مالها، إن كان بين الصدقة عام فما فوقه، نفذ ذلك لها.
[ ٥٦١ ]