قال بعض المتأخرين: فرائض النكاح ثلاث: الولي والصداق وشاهدًا عدل، وسنة ثلاث: إظهاره والوليمة والدخلة. والنكاح مندوب إليه لمن قوى عليه، ولا يكون إلا بولي ذكر، وصداق ولا حد أكثره، وأقله محدود وهو ربع دينار ذهب، أو ثلاثة دراهم كيلا، أو ما قيمة أحدهما، ولا يبني بها حتى يقدمه إذا كان هذا المقدار، فإن كان أكثر وقدم منه هذا المقدار جاز البناء.
وإن اختلف الزوجان فيه قبل البناء، تحالفًا وتفاسخًا وبدئت المرأة باليمين كالبائع كان الاختلاف في عدده أو نوعه، وإن كان الاختلاف في عدده، وإن كان في نوعه تحالفًا وكان لها صداق مثلها، وقيل غير هذا.
وفي أحكام ابن زياد في الدعوى في نكاح: قام عندي - وفقك الله - رجل ذكر أن رجلًا أنكحه أخته وعقد له عليها، ثم أنكره ذلك، ونزع إلى أن الجارية راضية وأن الأخر برجوعه عاضل، فالذي نراه امتحان الجارية بمن يعرفها.
فإذا قالت: قد رضيت به زوجًا، وبما بذل لها صداقًا، وثبتت الكفاءة في حالة ومالله، وقف الولي على العقد، أو إقامة الحجة في إباءته التي أوجبت التوقف، فإن لم يأت بذلك وثبت العضل وكل القاضي من يزوجها. قاله محمد بن غالب، ومحمد بن وليد، وأحمد بن بيطي، وعبيد الله بن يحيى، وسعد بن معاذ.
قال القاضي أبو الأصبغ: الصواب عندي - والله أعلم - أن يوقف الأخ أولًا على ما ذكره الزوج، فإن وافقه على الامتناع من العقد عليها، كشف عن وجه إقائته، فإن ذلك ما يوجبه وبأن صوابه؛ تركه وذلك، وإن كذبه في الامتناع وقالك نعقد له؛ تركه أيضًا وذلك.
وإن امتنع من العقد عليها، ولم يأت بوجه يبين في امتناعه صوابه، كان حينئذ ما قالوه من ثبوت رضاها، والكفاءة، وأنها خلو من زوج، وفي غير عدة منه، ووكل القضاي من ينكحها منه، والله الموفق للصواب.
وفي سماع ابن القاسم في كتاب البر: سئل مالك عن جارية بنت عشر سنين، زوجها أخوها وأمها وابن عم لها، فأقام الزوج معهم يحوز مال زوجته ويقوم فيه، ثم ماتت الأم، فطلب الزوج الدخول بالجارية، فقال الأخ: لا زوجة لك، لم تكن أختي
[ ١٧٥ ]
رضيت ولا أعلمناها، وأنكرت الجارية.
قال: إن قامت له بينة على رضاها وإلا حلفت الجارية وأخوها على ذلك؛ وكان القول قولها، وفرق بينهما.
وقال أبوصالح: لا يمين عليها ويفسخ النكاح؛ لأنها زوجت صغيرة، وتدبر قوله: أحلفت الجارية وأخوها، لأي شيء يحلف أخوها؟! أرأيت إن نكل وحلفت هي، أليس يكون النكاح غير لازم لها؟ وقول أبي صالح حسن لها.
وفي سؤال حبيب بن نصر لسحنون فيمن أنكح وليته قبل بلوغها، وبني بها زوجها، ورفع إلى الحاكم أمرها وهي حامل، قال: يفسخ نكاحها وتبقى حتى تضع، فإن أراد ارتجاعها ونكاحها ذلك له، وإن أراد تزويجها بعد الفسخ وقبل الوضع لم يجز، لأنه لا يجوز له صب مائه الصحيح على مائه الفاسد، والفسخ بغير طلاق، ولا أقول بقول ابن القاسم إن ما اختلفت فيه بفسخه بطلاق.
وروي أشهب وابن نافع عن مالك في جارية أنكحها أخوها، ثم مات الزوج قبل البناء، فقال الورثة: أقيموا البينة أنها قد اكانت رضيت، قال: تسأل عن ذلك إن كانت رضيت، فإن قالت: نعم، قيل: أتسأل؟ قال: نعم. وفي كتاب ابن المواز فإن قالت: نعم، فذلك لها.
وفي دعوى نكاح بين محمد بن نصر وابنة ابن العين:
فهمنا - وفقك الله - ما سألت ابنة العين، من النظر لها فيما ادعاه محمد بن نصر من نكاحها، وما ضربت لها من الآجال، وضربك له أجلًا قاطعًا، كل ذلك لم يأت بشيء، فالذي نقول: إن النكاح ليس بضرب فيه من الآجال ما يضرب في الحقوق، لما في عقد الفروج من الضرر الذي ليس في الأموال.
فإذا كنت قد أعذرت إليه مرارًا كما ذكرت، ثم ضربت له أجلًا قاطعًا فلم يأت بشيء، فاشهد لابنه ابن العين بتعجيز ابن نصر، وقطعك طلبه عنها في النكاح.
قال بذلك ابن لبابة، وابن وليد، وعبيد الله، ومحمد بن غالب، ويحيى بن عبدالعزيز، وايوب بن سليمان، وأحمد بن يحيى.
وفي سماع أصبغ عن ابن القاسم فيمن ادعى نكاح امرأة وأنكرته وادعى بينة بعيدة، لم تؤمر بالانتظار إلا أن تكون بينة قريبة لا يضر ذلك بالمرأة، ويرى الإمام لدعواه
[ ١٧٦ ]
وجهًا، فإن عجزه ثم جاء ببينة، فقد مضى الحكم، نكحت أم لم تنكح، وهذا الأصل لجوابهم.
وفي تداعي نكاح أيضًا: قام عندي - رحمكم الله - منذر، فذكر أن عبدالله زوجه ابنته أسماء، فقال عبدالله: نعم زوجتكها وهي بكر في حجري وولاية نظري، بنقد خمسين وكاليء مثلها إلى أجل معلوم، وابنتيت بها ثم طلقها.
وقال منذر: لم أطلقها والنقد والكالئ خمسون، وقد قضيتكما كلها ولم أبتن بها، وحلت بيني وبينها، وبقرطبة زوجتنيها. وقال عبدالله: بل بجيان. كشفنا من حضرنا من أهل العلم، عما تنازع فيه منذر وعبدالله، فقالوا: يجب أن يحلف عبدالله أبوأسماء؛ بالله الذي لا إله إلا هو، ما أنكح ابنته أسماء من منذر، إلا بصداق مائة دينار نقد وكالئًا، وما اقتضى من النقد والكالئ شيئًا، ولا عنده كتاب صداق ولا غيبة.
فإذا حلف، قيل للزوج: قد للزوج: قد لزمك ما حلف عليه أبوأسماء، إلا أن تدفع ذلك بيمينك بالله الذي لا إله إلا هو ما نكحت أسماء إلا بصداق؛ خمسين نقدًا وكالئًا، ولا ابتنيت بأسماء.
فإذا حلف كذلك، تفاسخًا النكاح، إلا أ، يشاء الأب قبل إيمانهما هذه أو بعدها أن يمضي النكاح بصداق خمسين، أو يشاء الزوج أن يكمل المائة نقدًا وكالئًا، فيتم النكاح حينئذ، وتبقى اليمين على عبدالله أنه ما انتقد معجل صداق ابنته أسماء ولا مؤجلة. قاله محمد بن لبابة وأهل العلم.
وفي الواضحة قال ابن حبيب: إذا اختلف الزوجان في الصداق، فالقول قول المرأة قبل البناء مع يمينها إن كانت ثيبًا، أو قول أبيها مع يمينه إن كانت بكرًا، ثم الزوج مخير بعد أن يحلف على تكذيب المرأة أو تكذيب أبيها؛ فإن شاء تقدم على ما حلفت عليه المرأة أو أبوها، وإن شاء ترك النكاح ولم يلزمه شيء من الصداق، وهو المعنى الذي أفتى به الشيوخ فوق هذا.
ونقل بعض المختصرين قول ابن حبيب على غير هذا المعنى؛ قال: قال ابن حبيب في اختلاف الزوجين: تحلف قبل البناء الثيب، فإن كانت بكرًا حلف الأب، ثم للزوج الرضي بذلك، أو يحلف ويفسخ النكاح.
وقال عبدالحق في كتابه عن بعض شيوخه: إذا اختلف الزوجان قبل البناء فتحالفًا،
[ ١٧٧ ]
فبعد التحالف وقبل فسخ النكاح، رضي الزوج بما ادعت المرأة، أو رضيت المرأة بما ادعى الزوج، ليس ذلك لمن أراده، ويفسخ نكاحهما، وليس ذلك كالبيوع، على مذهب ابن القاسم؛ لأن النكاح باب ينبغي فيه الحوطة، وهما - فيما وصفنا - كاللعان: بتمام التحالف يفسخ.
وكان ذلك المختصر الناقل لكلام ابن حبيب على غير ما في الأصل نحا هذا النحو، والصواب قول مالك وأصحابه؛ ما قاله ابن حبيب وأفتى به ابن لبابة وغيره، وكفى بقول مالك: أشبه شيء بالبيوع النكاح، حجة في ذلك، مع قوله وقول أصحابه - ابن القاسم وغيره - فيمن نكح بمائة نقدًا ومائة مؤخرة لم يضب لها أجل، أنه يفسخ قبل البناء، إلا أن يرضى الزوج بتعجيلها مع النقد.
وهذا يشبه ما ذهبنا إلى تبيينه، من قول ابن خبيب وصحته، وفتوى الشيوخ في رضي الزوج بالتزام النكاح، فما ادعت المرأة وأبوها بعد الإيمان، وكذلك قال أصبغ وغيره، في النكاح ينعقد بربع دينار أو أزيد وبعبد آبق، فترضى المرأة بإسقاط الضرر: أن النكاح يلزم الزوج.
ونقل هذه المسائل على نصوصها مستوعبة يطول به الكتاب، ولذلك نذكر منها ما يحصل معه التنبيه عليها، ونترك باقيها اكتفاء بالمذكور منها إن شاء الله، إلا أن قول ابن لبابة ومن وافقه: وتبقى اليمين على عبدالله أنه ما انتقد معجل صداق ابنته أسماء ولا مؤجله، لا معنى له، إذ قد حلف على ذلك في يمينه المتقدمة والله أعلم.
في نكاح تدعى أم الزوجة أنها ناظرة لها مع آخر يشركها في النظر له قام عندي - أكرمكم الله - محمد بن عبيد الله بن هاشم، فذكر أن أم الأصبغ خطبها إلى نفسه، وأصدقها سبع مائة دينار، عرض منها عرضًا، عرفته بوصف من وصفه لها بماتتي دينار، وأخر نقدها خمس مائة دينار، والكالئ سبع مائة دينار إلى خمس سنين، وشروط أخذها في كتاب أثبته عندي، وأنها رضيت به زوجًا وبما بذل لها صداقًا، وفوضت عقد نكاحها إلي، وثبت جميع ذلك عندي بشهادة ابن لبابة وغيره، وذكر الزوج أن لها وليًا، إلا أن أمها عبدة تدعي أنها وصية.
وشهد عندي أبوعبدالله بن لبابة وغيره: أنها غير مستحقة لنظر - إن كانت وصية كما ذكرت -؛ لسوء حالها، وأنها أرادت ابتياع مال لابنتها منها، وحلفت ألا تكلمها
[ ١٧٨ ]
حتى تصير إيها، وذكرت أن ابن لبيب شريكها في النظر لأم الأصبغ، وسأل محمد بن عبدالله النظر له فيما رفع إلي، فخذوا لنا - رحمكم الله - وجه النظر لنعمل به ونحتذى عليه إن شاء الله.
فهمنا - وفقك الله - ما ذكرته، والذي نجيب في ذلك: أن تبعث في وليد بن لبيب، وتعلمه بما ثبت عندك، وما انتهى إليك من أنه ناظر لأم الأصبغ، فإن أقر بذلك كلف البينة وإن أنكره كتب إنكاره.
وترسل إلى عبدة وتكشف، فإن أقرت بالنظر، أعلمت بما ثبت من سوء سيرتها، فإن كان عندها مدفع؛ نظر القاضي فيه، وإن أنركته؛ كتب إنكارها، ثم أعلم القاضي الولي بما ثبت عنده، ويأمره بعقد نكاحها، فإن فعل وغلا وكل القاضي على عقد نكاحها منه. قاله ابن لبابة وعبيد الله بن وليد، وايوب بن سليمان، ويحيى ابن سليمان.
امرأة طلبت زوجها بالإقرار بصداقها:
قال أبوصالح: لابد للمسؤول عنه بأن يقول فيه: نعم أو لا. وأما في الإباحة، فإن قولنا: إن كان الزوجان غريبين، وتقارا، قبل قولهما، وإن كانا من أهل البلد، لم يقض القاضي بينهما بقولهما إنهما زوجان إلا عن إثبات أصل النكاح.
جارية تزعم عمتها أن ابنها يخطبها:
قال ابن لبابة وابن وليد: توقف الجارية: فإن قالت: لا أرضى؛ تركت، وإن قالت: أرضى به زوجًا وأفوض نكاحي إلى القاضي إن كره أعمامي، أمرت الغلام والعمة أن يثبتا عندك أنه كفؤ لها، فإن أثبت ذلك أمرت العم بتزويجها، إلا أن يكون له مدفع في البينة، فإن لم يكن عنده مدفع وأبي من إنكاحها، أمرت بإنكاحها من ابن عمتها.
نكاح طلبه ابن عمار لولده وزعم أنه في ولايته:
فهمت - وفقك الله - ما أمرتني أن أشرحه لك من خبر طلب ابن عمار نكاح ابنه، وقوله أنه في ولايته، والولد - وفقك الله - في ولاية أبيه، وإن بلغ، حتى يظهر رشده، ويشهد العدول على صلاح أمره، ولكن لابد من حضوره حتى يكون تعجيزك لابنه بمحضره، وتذكر له أن أباه خاصم عنه؛ إذ ذلك أنه في ولايته، فإن صدقه؛ تمت قضيتك عليه بتعجيزك لابنه، وإن لم يكن على ما قاله الأب، حملته البينة على أنه مطلق رشيد، فإن ثبت رشده أجلته وأوقعت عليه القضية بالتعجيز في مطلبه.
[ ١٧٩ ]
وأما دخول ابن عمار على الجارية فإذا كان ولده في ولايته، أوقفته: هل يعرفها؟ فإن ذكر معرفتها؛ دخل مع رسولك الأمناء، فإذا قال: هي التي أطلب، وقفت الجارية، فإن أنركت ما ادعاه من تزويجه منها، وقالت: الذي قام به أخي من إنكاره ودفعه بأمري كان، وعن إذني خاصم؛ لزمه التأجيل الذي أجلته وعجزته بتعجيزه ولده.
وإن قال: لا أعرفها وليس هذا الشخص الذي زوجت ابني منه، أشهدت على إنكاره الشخص، وقطعت عن هذا الشخص حجته، وقلت له: أثبت شخصًا غيره وأوقع طلبتك عليه، هذا وجه المأخذ في طلبتك عليه.
هذا وجه المأخذ في طلبه قول الأولياء: لم يدخل لنا ابن عمار على امرأة ولا رأي هذه الجارية، وقال هو: نعم أعرفها ورأيتها، أوجب إيقافه على الشخص، إلا أن يوجد شاهدان يعرفانها ساكنة معه، فيستغني حينئذ عن إدخاله عليها.
وإنما دخوله عليها على الضرورة إذا لم يوجد من يعرفها، فلم يكن بد من يبصر الشخص ليوجد السبيل إلى تعجيزه، وإقرار عثمان بن أحمد بن عمار، أنه أدخله على رقية ابنة عبدالله عمر بن مرزبان، ورجل ثان؛ ذلك أنه رجع عن شهادته لتوقفه عني فيها.
وقد يمكنك مع ثان إذا لم تجد من يدخل عليها، أن تعجز ابن عمار فيما ادعى في عقد ابن أبي الحارث نكاح أخته لابن عمار لأن الولي يقول: أنا منكر لدعواه، فإذا عجز عن إثبات دعواه على عجزته في دعواه.
وأما المرأة إذا جهل شخصها ولم يوجد من يعرفها؛ فإنه يقال له: هذا شخص لا يعرف من يعرفه فأثبت أنه العين وما تطلبها به، فإن عجزت لم نعرض لك ولم نعجزك في عين لم تثبت عندنا، ولكن نقول إن أثبت عندنا شيئًا نظرنا وإلا لم نعجزك لمن يطلب ذلك عندنا ولا عرفناه، فيكون أيضًا مقالًا صحيحًا. قال بجميعه ابن لبابة.
قال القاضي: في بعض هذا الجواب هذا الجواب عندي نظر في تسفيه الابن وغيره، وقد مر معى التسفيه والترشيد كاملًا والحمد لله.
وفي سماع ابن الحسن عن ابن القاسم فيمن أنكح ابنته البكر وليس له غيرها، فمات فادعت أنها ليست ابنته، وأنها كانت يتيمة عنده، وانتفت عن الميراث، ولا بينة للزوج أنها هي بعينها، إلا ما سمع من الأب أن له ابنة بكرًا، وفشا ذلك في الناس.
قال: لا يلتفت إلى قولها، وقول أبيها يلزمها، أحبت أو كرهت في نكاحها
[ ١٨٠ ]
وميراثها، ولحوق نسبها وجميع أمرها.
وكتب إلى سحنون فيمن اقام بينة أن عمه فلانًا زوجه ابنته فلانة، لا يعلمون له ابنة غيرها، وهي بكر في حجره، بصداق ذكروه ورضيا به، فأنكرت الآن وتغيبت.
فكتب: إن أقام البينة بما ذكرت، وأنه لا ابنة لأبيها غيرها، وكانوا عارفين بشخصها يوم النكاح، أو كان غيرهم يعرف عينها، وهم يشهدون على ما ذكرت، فقد لزمها أن تخرج لتقع البينة على شخصها، أو توكل إن أنكرت.
فإن ثبت ذلك وخيف عليها الهرب توثق منها، وإن لم يخف ذلك منها وسألت تعجيل النقد أمهل الزوج على قدر ما يرى ألا يضر بها، فإن كان عنده فأحب أن تعجلي وإلا فارقها ولا يضر بها، والمسائل في هذا المعنى كثيرة، وجوابه في تعجيل النقد واستعجال البناء محتمل يحتاج إلى بسط يبين به، تركناه لئلا يطول الكتاب والله ولي التوفيق.
وفي نكاح شهد فيه أن النكاح كفؤًا والأعذار فيه:
فهمنا - وفق الله القاضي ما كشفنا عنه، وشهادة من شهد ابن أبي الحفاظ بالكفاءة، وهل يعذر في ذلك للأولياء؟
فالذي نرى والله الموفق للصواب أن الإعذار إلى الأولياء وإلى الوكيل.
أما الأولياء فلما لهم فيه من المقال أن تزوج ممن لعلهم أن يسقطوا عن أنفسهم من يكرهون دخوله عليهم وتزويجه لكراهتهم.
وأما الوكيل فلأن إليه تزويجها بإقامة القاضي إياه مقام الوصي، فالوصي أولى بإنكاحه من الأولياء. قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة.
وقال محمد بن وليد: أما الوكيل؛ فنعم لأنه الناظر لها دون الولي، ولا كلام في عقد نكاحها للولي مع الوكيل في قول مالك، وما يعرف الإعذار فيمن له وكيل إلا إلى وكيله دون أوليائه.
وقال أيوب بن سليمان: لا يعرف الإعذار إلا إلى الوصي أو الوكيل في قول مالك وأصحابه، وقال محمد بن غالب: كل من كان له في إنكاحها سبب قائم يجوز له به الذب عن ذلك النكاح فإنه يعذر إليه، والولي أولى بالعقد عندنا من الوصي فإليه يعذر ثم تمضي الأمور على ما تراه إن شاء الله، وقال عبيد الله بن يحيى: الإعذار أولًا إلى الوصي أو إلى الوكيل في قول مالك.
[ ١٨١ ]
وفي الواضحة قال ابن حبيب:
السنة أن الوصي يقوم مقام الأب في تزويجه الصغير من بينه، ولا يقوم مقامه في تزويجه الصغيرة من بناته قبل بلوغها، ولا بعد بلوغها دون مؤامرتها وأخذ رضاها بذلك؛ لقول رسول الله - ﷺ: "اليتيمة تستأمر في نفسها" (١) إلى أن الوصي ينزل فيها منزلته في أنه أولى بعقد نكاحها من الإخوة والأعمام والعصبة والسلطان بكرًا كانت أو ثيبًا، وهو أولى بإنكاح موليات الموصي من ولده وجميع أوليائه، وكذلك كل من كانت ولاية تزويجه إلى الموصي من البنات والأخوات وذوات القرابات أبكارًا كن أوثيبًا؛ فقد نزل الوصي في ذلك منزلته.
وهكذا أوضح لي في ذلك كله مطرف وابن الماجشون وابن عبدالحكم وأصبغ بن الفرج، وهو قول مالك وأصحابه المدنيين والمصريين لم يختلفوا فيه، وحكي مثله عن ربيعة وابن هرمز ويحيى بن سعيد وشريح: أن الوصي أولى من الولي قال: وقال مالك: ليس للولي قاضاء مع الوصي، وفي المدونة قال ابن القاسم: قال مالك: لا إنكاح للأولياء مع الوصي ووصى الوصي أولى من الأولياء، وإن رضيت الجارية والأولياء وأنكر الوصي فلا نكاح لهم إلا به، فإن اختلفوا نظر السلطان فيما بينهم (٢).
قال ابن حبيب: وجائز تزويج الوصي الصغير، كما يجوز له البيع عليه والاشتراء له، وجوز ذلك أهل العلم للسلطان وخليفته عليه أن يزوجه أيضًا في صغره إذا لم يكن له وصي، وأنزلوا السطلان وخليفته في الصغيرة منزلة الوصي في أنه أحق بتزويجها من أخيها وعمها وأوليائها كما يكون الوصي أحق بذلك منهم.
هذه النصوص في الأمهات وعليها المعول وإليها المفزع عند التنازع فيها لم يوجد نص في الكتاب والسنة.
وأما تنفيذ المتأخرين فالحجة في الأمهات أقوى، وعلى ما فيها لا يحتاج إلى الإعذار
_________________
(١) الحديث أخرجه الترمذي ج٣، ص٤١٧ برقم ١١٠٩، والدارقطني في سننه ج٣، ص٢٣٩، وابن أبي شيبة في مصصنفه ج٣، ص٤٦٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار ج٤ ص٣٦٤، وابن الجعد في مسنده ج١، ص١١٠ برقم ٦٤٩. وانظر التلخيص الحبير ج٢، ص١٨٩.
(٢) انظر المدونة ج٤، ص١٦٦ - ١٦٧.
[ ١٨٢ ]
إلى الأولياء مع الأوصياء من قبل الآباء، وإن كان ابن العطار قد قال في وثائقه عن ابن الماجشون: إن الولي أحق النكاح من الوصي. فإن صح فالذي حكاه ابن حبيب عنه وأصحابه من قوله وروايتهم عن مالك أقوى وبه جرى العمل، وأما لسلطان وخلفة السلطان فقد قال ابن حبيب كما كتبناه عنه فوق هذا: إن الأولياء أحق منهما بذلك وإذا كان هذا هكذا فالإعذار إليهم لأن الوكيل الذي قدمه القاضي نظرًا لها.
وفي كتاب الشروط لابن حارث:
وإن كان العاقد على المنكحة وصيًا لأبيها أو موكلًا من قبل قاض عليها؛ كان إليهما العقد والقبض والإبراء. هذا قول أصحابنا في الوصي وموكل القاضي، وغيرهم يقولون: لا يعقد الوصي ولا وكيل القاضي مع الأولياء، وإلى الأولياء، العقد دوهما.
فعلى ما حكاه ابن حارث عن أصحابنا أن الوصي ووكيل القاضي أولى من الأولياء بالعقد وغيره إنما يعذر إلى الوصي والوكيل لا إلى الولي، ونزلت بقرطبة وأفتى ابن عتاب بما ذلك ابن حارث أن مقدم القاضي أولى من الولي، وأفتى ابن القطان بما ذكر ابن حبيب أن الولي أولى من السلطان وخليفته.
وقال ابن حارث: ولم يختلفوا أن القاضي ليس له أن يزوج مع الولي حتى يعضل الولي فيعزله العضل ويكون للسلطان حينئذ النظر. فإن كانت هذه منزلة السلطان مع الولي فكيف يكون لوكيل السلطان ما ليس للسلطان، وهذا من احتجاج ابن حارث يوهن ما ذكره في الوكيل ويبين صحة ما في الواضحة من ذلك.
وقول ابن حارث: هذا قول أصحابنا إنما اشار إلى فقهاء عصره والله أعلم، وهم اليوخ المفتون فوق هذا ابن لبابة وأقرانه، وجمع ابن لبابة في الإعذار في هذه المسألة بين الولي والوكيل عيف لا وجه له، وأما قول ابن غالب فلا شيء وهو خلاف الجميع.
في رجلين ادعيا نكاح امرأة:
فهمنا - وفقك الله - ما كشفتنا عنه من أمر المرأة التي ادعى نكاحها رجلان كل واحد منهما يدعي أنها زوجته، وأتى كل واحد منهما ببينة لم يعرفها القاضي.
فالذي يجب في ذلك أن توقف المرأة على النكاح وتضرب لهذين أجلًا لثبوت ما ذكراه.
فإن أثبتاه جميعًا فسخ النكاح وإن عجزا عن البينة فسخ أيضًا وقيل لها تزوجي من
[ ١٨٣ ]
شئت منهما أو من غيرهما، وإن أثبته أحدهما وعجز الثاني فهي زوجة الذي أثبته وتنقطع عنها دعوى الثاني، وإن ثبتت نكاحهما وكان أحدهما أقدم نكاحًا فهي للأقدم. قاله ابن لبابة وابن وليد وابن غالب.
قال القاضي: يريدون إلا أن يدخل بها الثاني فتبقى زوجة له ويفسخ نكاح الأول على ما في المدونة والواضحة في التي ينكحها أولياؤها من رجلين وقد وكلتهما على إنكاحهما.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: هي عندنا في هذا كالتي تطلقها فيبلغها ثم يرتجعها ولا تبلغها الرجعة، فتنكح بعد العدة ويدخل بها نكاحها فإنها تبقى في عصمته ويبطل ارتجاع الأول.
قال ابن حبيب: قلت لأصبغ: أرأيت إذا لم يدخل بها واحد منهما، ولم يعرف الأول منهما، وأقرت المرأة لأحدهما أنه الأول، أو أقر به أبوها أو الوكيل؟
قال: سمعت أشهب يقول: يؤخذ في ذلك بالإقرار، ولست أقوله لحرمة النكاح واشتباه الأمر، ولكن يفسخ النكاح إذا جهل أولهما ولم تفت ببناء من أحدهما، ولا يتحالف الزوجان على أيهما أولا كما يتحالف المشتريان إذا وقع في بيعهما مثل هذا قال ابن حبيب: وبه أقول.
وفي أحكام ابن زياد أيضًا قام عندي - رحمكم الله - رجلان كل واحد منهما يدعي نكاح امرأة، وهي مقرة أحدهما، وهي من أهل البادية.
فأمرت أن تكون في جوار رجل صالح مع أخيها وأمها دعوتهما بالبينة، فسأل أحدهما أن تجعل المرأة عند امرأة صالحة إن خاف أن تغيب فقالت المرأة وأخوها وأمها: لا تخرج وليتها عن دار سكناها ومنزلها في جوار رجل صالح وتدعي المرأة أنها اشترت الدار بعد أن نزلتها وهي ثبت، هذا أمر لاحمالة تجوز فيه إن كان نكاحًا فالواجب على المرأة المدعي نكاحها أن تكون عند امرأة صالحة تتحفظ بها وإلا فالحبس حتى يحق نكاحها لمن حق له. قاله أيوب بن سليمان وغيره.
قال بن لبابة: لا أقول بشيء من ذلك، ولا حبس عليها أصلًا وفي كتاب أن أمكنتني كتب إلى ابن القاسم صاحب الشرطة يسأله عن امرأة تعلق بها رجلان كلاهما يدعي أنها امرأته، وهي تزعم أنهما جميعًا زوجاها؛ كان أحدهما زوجها فزعمت أنه
[ ١٨٤ ]
أجاعها وأضربها فهربت من عنده وظنت أن ذلك فرقة، وزعمت أن الآخر تزوجها، إلا أنه طلقها.
قال ابن القاسم: يسأل الأول: فإن كانت له بينة بأنها امرأته فارددها إليه بعد أن يحلف بالله ما طلقها، ولا يطؤها حتى يستبرئ رحمها بثلاث حيض؛ فلا يقبل قوله ولا إقرارها بأنها امرأته، وفرق بينهما فإنها ليست له بامرأة، واسأل الآخر البينة على نكاحه، فإن ثبتت له بينة فارددها إليه، واستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو ما طلقها ولا صالحها إذا قامت له بينة على أصل النكاح، وإن لم تكن له بينة فرق بينهما، ولتكن أولى بنفسها تنكح من أحبت.
من زعم أنه أولى بعقد نكاح قد عقده غيره:
قام عندي - رحمكم الله - قائم ذلك أنه ابن عم عبدة بنت سعيد بن أحمد المرادي وأنه أقعد بإنكاحها من عامر بن وليد المرادي، وأنها بكر لا وصي عليها من أبيها ولا وكيل من قاضي، وزعم أن عامرًا عقد نكاحها مع علقمة بن تمام في هذا النهار للنهار الذي دخل فيه علي وقال: إن علقمة مسخوط الحال وسأل امتحان ذلك قبل مبادرة علقمة بالدخول عليها.
فبعثت في علقمة وعامر فأتيا إلى مجلس حكومتي بالجامع بأعلمتها بما رفع إلي عنهما، وسميت الرافع لهما وهو خالد بن عبدالله، فأقرا بالنكاح وأنه كان في ذلك النهار، فاشهدت على إقرارهما ووقفت علقمة عن الدخول على اليتمة البكر حتى أتحقق ما ذكر لي من سخطته، وأنظر لليتيمة بما يجب، وتقدمت إلى أمها بمثل ذلك، وحضرني قوم فشدوا على علقمة بشهادات كتبتها عنهم لأنظر فيها بواجب الحق إن شاء الله.
ودعوت علقمة بإثبات ما ادعاه من نكاح عبدة إذ لا يجب النكاح بالتقار، وشهدت لخالد عندي بينة أنه أقعد بإنكاحها من عامر، وثبت عندي موت سعيد والدها ولم يثبت عندي أن لها وصيًا أو وكيلًا، وأجلت علقمة أجلًا بعد أجل في البينة على ما ادعاه من نكاح عبدة، وقام عندي عبدالعزيز المخاصم بالحسبة من عبدة البكر يريد إثبات نكاحها من علقمة، وجاءني بنسخة صداق ذلك أنه المنعقد بين علقمة وبعدة الذي عقده عامر، فأبحت له القيام عنها ودعوته بالبينة على ذلك، فأتاني برجلين فشهدا عندي أن عبدة أشهدتهما على الرضي بما في نسخة الصداق على ما وقع به الذكر عنهما فيه.
[ ١٨٥ ]
ولم أعرف الرجلين معرفة يجب على قبولهما، فأمرت عبدالعزيز بتعريفي بهما.
فهذا ما انتهى إليه نظري في أمر عبدة وعلقمة فأشيروا علي بما استكمل به النظر في أمرهما إن شاء الله، وهل يجب علي أن لم يعدل الرجلان لعلقمة فيما ادعى من نكاح هذه اليتيمة ألا أبيحها له إلا بعقد يتم ويصلح وإن ثبت عندي أن العقد الذي كان ادعاه انتقض.
ولم يكن عند علقمة مدفع في السخطة التي شهد بها عليه عندي، أيجب أن يتم لمسخوط النكاح ببكر يتيمة وقد أدرك النكاح قبل بنائه بها أم لا؟.
نظرنا وفق الله القاضي فيما ذكره من نظره المجتلب في هذا الكتاب فرأينا نظرًا حسنًا واستبلاغًا فيما وجب أن يستبلغ فيه، والذي يجب في نكاح علقمة أن يثبت عندك بشاهدين عدلين وبأن ترسل إلى الجارية من يكتشفها ممن يعرفه عن رضاها.
فإذا قالت: عن رضاي عقد النكاح؛ استغنى بلك عن إثبات العقدة التي ادعاها علقمة ثم تعذر فيما شهد به عليه في سخطته وأنه غير كفؤ لها، فإن كان عنده مدفع يسقط ذلك نظرت له وإلا عجزته بعجزه وقضيت بفسخ نكاحه.
قال بذلك محمد بن لبابة، وابن وليد وعبيد الله وسعد بن معاذ وأيوب وأحمد بن يحيى بن أبي عيسى ويحيى بن عبدالعزيز وابن غالب وقال: قرأت - وفق الله القاضي - ما كان من نظرك المجتلب في هذا الكتاب فرأيت لك كله صوابًا ونظرًا مستقصيًا، وفهمت ما جاوب به الفقهاء الذين شاورتهم فرأيت جوابًا صحيحًا تامًا وبه أقول، وما أبقيت لابن تمام ولا للجارية البكر شيئًا من الحق إلا وقد أخذت لها به فنسأل الله عونك، وقال بجميع ذلك خالد بن وهب.
قال القاضي: تكلف القاضي في هذه المسألة ما لا يلزم وعني غيره في تكلف ما لا يجب عليه وقصر المفتون في الجواب وحسنوا له ما ليس بصواب، فالذي كلفه وكلفه غيره وكان يصل إلى الحق دونه أنه تكلف أمر الناكح والمحتسب بإثبات النكاح، وكان يكتفي من ذلك كله بتعرف ما عند الزجة، فإن أقرت بالرضي وأنه لم يعقد عليها إلا بإذنها كان النكاح بذلك ثابتًا؛ إذ قد أقر به الناكح والنكح والمنكحة، وكلف الناكح والمحتسب إثبات ذلك، وكلف المحتسب أيًا تزكية الشاهدين في نسخة الصداق، وكله عناء وكان يستغنى عنه بما ذكرنا.
[ ١٨٦ ]
وقال إنه شهد على الناكح علقمة بشهادات كتبتها لأنظر فيها فلا هو نصها ولا ذكر أنه قبلها وأفتوا هم بالإعذار إليه فيما شهد به عليه، فإن كان الشهود غير مقوبلين فكيف يعذر إليه فيما لم يثبت عليه؟!
وحكي أنه ثبت عنده يتمها، وأنه لا ناظر لها، ولم يذكر أنه ثبت عنده أنها بكر بالغ خلو من زوج في غير عدة منه وهو أصل فيما يثبت عند القضاء في هذا النكاح، وزاد فضل ويثبت أنها حرة، وقال أصبغ في كتاب القضاء: إنها لا تصدق في ذلك حتى تثبت هذه الوجوه كلها ولأشهب نحوه في الميراث تطلبه من زوج، ولا أفتوه هم أن النكاح إن لم تثبت السخطة لا يسوغ إمضاؤه إلا بعد ثبوت هذا وأنه كفؤ لها في الحال والمال.
وذكر أن القائم خالدًا شهدت له بينة بأنه أقعد بإنكاحها من عامر ثم لم يشتغل به بعد ولا قالوا يعذر إليه إن ثبت للنكاح ما يوجب إمضاء نكاحه وقد تقدم من جوابهم أنه يعذر إلى الولي والوكيل في مثل هذا، وسكتوا عن ذلك هنا وليس ثم وكيل ولا وصي.
وقد ثبت أن أقعد أوليائها قد تقدم اعتراضه في ذلك فكيف يلغي ويطرح على ما في مسألتهم عن الاختلاف؟ فقد قال ابن حبيب في الواضحة: وإذا اختلف قعود الأولياء فسبق إلا بعد ما نكح دون الأقعد، فإمضاء ذلك أو فسخة بيد الأقعد؛ لأنه حق له دونه أوجبه له الحكم وقدمه فيه عليه فليس له أن يتنزه منه ويليه دونه، وإن كان فوقه في السن والحال، إلا إن كان الأقعد حضر ذلك منه فلم يغيره عليه ولم يتكلم فيه يحمل ذلك منه محمل الرضا منه به والتسليم له.
وأما إن لم يحضر ذلك ولم يعلمه وهو حاضر البلد أو غائب عنه غيبة قريبة لا يجوز له في مثلها أن يخلفه في عقد ذلك بعده، فإليه حين علم أو إذا قدم إمضاؤه أو فسخة ما لم يبتن بها، فإذا ابتنى بها واطلع على عروتها لم يفسخ ذلك؛ لأنه فوت ولم يخرج النكاح من ولي إلا إلى ولي.
فأما إذا عقده غير ولي فهو مفسوخ أبدًا وإن دخل وليس إلى الولي إجازته، لأنه لم يكن نكاحًا، لأن رسول الله - ﷺ - قد رده حين قال: "لا نكاح لامرأة بغير إذن وليها، فإن نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (١) ردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: "فإن أصابها
_________________
(١) الحديث أخرجه ابن الجارود في المنتقى ج١، ص١٧٥ برقم٧٠٠، وابن حبان في صحيح ج٩، ص٣٨٤ برقم٤٠٧٤، والحاكم في مستدركه ج٢، ص١٨٢ برقم٢٧٠٦، وصححه على شرط الشيخين، والترمذي ج٣، ص٤٠٧ برقم١١٠٢، والدارقطني في سننه ج٣، ص٢٢١، والبيهقي في الكبرى ج٧، ص١٠٥، والإمام الشافعي في مسنده ج١، ص٢٩٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار ج٣، ص٧.
[ ١٨٧ ]
فلها مهرها بما أصاب منها".
وهكذا أوضح لي ابن الماجشون في هذا كله إذا عقده ولي دون ولي أو عقده غير ولي، ورواه عن مالك، وقاله مع ابن الماجشون غيره من أصحابه إلا ابن القاسم فإنه كان يقول: إذا زوجها غير ولي فلوليها أن يجيزه أو يفسخه إن شاء، وقوله هذا معارض للحديث وهو مردود أبدًا وإن دخل وولدت ما لم يتطاول جدًا.
وكذلك روي ابن الماجشون وغيره من أصحاب مالك عن مالك يعاقب فيه الناكح والمنكح والقوم الذي حضروا. ورواه ابن القاسم وغيره عنه، قال: وكان ابن القاسم يفارق قوله في هذا الباب في وجه آخر كان يقول: إن أنكحها غلا بعد مضي ولم يكن للأقعد الرد. وهو نقض لقوله الاقعد أولى بالعقد.
وعن ابن القاسم في المدونة: إذا زوجها الأبعد فذلك جائز على الأولياء عند مالك قال: وقال مالك: إن أنكحها ذو الراي من أهلها وإن كانت من العرب فإنكاحه إياها جائز وإن كان ثم من هو أقعد منه إذا كان له الفضل والصلاح وأصاب وجه النكاح، قال سحنون: أكثر الرواة يقولون: لا يزوجها ولي وثم أولى منه حار، فإن فعل وزوج نظر السلطان في ذلك.
وقال سحنون في غير المدونة: هذا أعدل إذا كانت من ذوي القدر.
وفي المدونة: وقال آخرون: للأقرب أن يجيز أو يرد إلا أن يتطاول وتلد منه الأولاد فيمضي؛ لأنه قد وليه ولي، وقال علي بن زياد: قال مالك في الأخ يزوج أخته لأبيه وثم أخوها لأبيها وأمها: إن إنكاحه إياها جائز إلا أن يكون أبوها أوصى بها إلى شقيقها فلا نكاح لها إلا برضاه، وإنما الذي لا ينبغي أن يكون غير أخيها فينكحها الأبعد والأقعد حاضر (١).
_________________
(١) انظر المدونة ج٤، ص١٦٢.
[ ١٨٨ ]
فلم يراع المفتون في المسألة المتقدمة شيئًا من هذا كله ولا ذكروه والاستحسان مثلها عندي أن يباح للاقعد نقضة ولا يتكلف فيها غير ذلك لقيامه فيه واعتراضه يوم عقده على ما ذكره من سخطه الناكح وشهد به منها، والله ولي التوفيق.
وفي المدونة عن ابن القاسم عن مالك في التي ينكحها غير ولي، أنه وقف فيها، وقال ابن القاسم: إن أجازه الولي جاز، وإن أراد فسخه فله ذلك ما لم تطل إقامته معها وتلد منه أولادًا فيمضي إن كان صوابًا، وكذلك قال مالك وقال غيره: وإن أجازه الولي لم يجز لأنه عقده غير ولي وقد قال غير واحد من الرواة كقول ابن القاسم.
[هنا تم السفر الأول في التجزئة]
في عضل الولي وليته عن النكاح وغير ذلك من مسائلهم:
وفي أحكام ابن زياد فهمنا وفقك الله ما أردت معرفته فيما ثبت لأم عثمان من كفاءة من خطبها، وثبوت عضل أوليائها لها، وعجز من أعذرت إليه منهم عن الدفع، وتغيبهم عند إرسالك فيهم، وقول وكيلهم يمضي القاضي ما ثبت عنده، والوجه في هذا إذا قد بلغت هذا الاستقصاء أن توكل من يعقد نكاحها معه إن شاء الله. قاله ابن لبابة وابن وليد.
وفي مسألة أخرى:
إذا ثبت عندك رضاها بهذا الزوج فليحضر الولي أو يعلم برضي أخته به، وبما بذلك لها من الصداق، وتأمره بعقد نكاحها معه، فإن ذهب إلى أنه غير كفؤ، حمل الناكح على أنه كفؤ، فإن أثبتها أعذرت إلى الولي في ذلك، فإن جاء بدفع نظرت فيه وإلا قلت له: إما إن تزوج إلا وكلت من يزوجها، فإن زوج مضى ذلك، وإن أبى وظهر عضلة وكلت من يعقد نكاحها لهذا الزوج. قال بذلك عبيد الله وابن لبابة وابن وليد وغيرهم.
وفي ولي ذلك أن وليته زوجها ولي سفيه من غير كفؤ:
كشفتنا - رضي الله عنك - عن أمر تمام بن علقمة وتزويجه ابنة سعيد بن عمار وما رفع إليك من أنه تزوجها وهو غير كفؤ لها زوجها ولي سفيه، فيجب في ذلك أن نكاحًا قد عقد لا يفسخ حتى يثبت القائم فيه ما ذكر، فإذا ثبت عندك نظرت في فسخه والله يوفقك إن شاء الله، قاله ابن لبابة وأيوب وعبيد الله وابن وليد، وتوقف الناكح عن الدخول حتى يتم نظرك بما يجب إن شاء الله.
[ ١٨٩ ]
قال القاضي: وفي سماع أصبغ عن أشهب: لا ينكح السفيه أخته إلا أن يكون ذا رأي غير مولى عليه.
وف يالمغرب قال مالك في الأشراف: لا ينكح المرأة إلا من كان وليدًا مرشدًا، ولابن وهب في النوادر: ينكح بنات السفيه وإماءه وله ولا أمر له فيهن ويستحضر ولا تضره غيبته فإن عقده السفينه كان وليه إجازته أورده.
يتيمة رغبت نكاح رجل:
شهد عندي قوم عرفتهم أن فلانًا كفؤ لفلانة في حالة وماله وجميع أسبابه، وهي يتيمة رفعت أمرها إلى وسألتني أن آمر بعقد نكاحها من هذا الرجل، وفي شهادتهم أيضًا أن هذه اليتيمة خل من زوج في علمهم، وأنهم لا يعلمون لها وصيًا من أب، لا وكيلًا من قاضي، ولا وليًا غير السلطان، وسموا نقدًا وكالتها معروفين، والأجل مؤقت قريب المدة.
أيجب علي أن آمر بعقد نكاحها منه، أم حتى أكشف البينة من أين علموا أنه كفؤ لها؟ اكتب إلي - رحمك الله - بما عندك في هذا لأعمل على حسبه إن شاء الله.
قال عبيد الله بن يحيى: وجب - أعزك الله - بما شهد به القوم إذ قد عرفتهم وأجزت علمهم أن تأمر بإنكاحها، وليس عليك كشفهم من أين علموا أنها لها كفؤ، وإذا شهد الشاهد أنه كفؤ لها تمت شهادته، وأسأل الله الزيادة في توفيقك وتوفيقنا، وقال ابن لبابة مثله فنقص في هذه المسألة ثبوت أن اليتيمة بالغ في سنها، وأنها في غير عدة من زوج وذلك مما يجب ثبوته فاعلم.
نكاح عقده مولى وأراد فسخه:
فهمنا - وفقك الله - ما كشفتنا عنه فيما قيم فيه عندك من صداق ذونه وقرأنا الصداق وما فيه من ذكر عاقده بالولاء فرأينا ذلك تامًا إلا أن يقوم ولي يكون أولى من العاقد، فإن أثبت شيئًا يوجب نظرًا نظرت له ولا تلتفت إلى ما قامت به الأمر وذكرته، وقد شهدنا إقرار الجارية بانعقاد النكاح بينها وبين طالب نكاحها الذي عقده مولاها فلان فلا يعرض في أمرها بشيء إلا أن يقوم ولي يجب له النظر. قاله ابن لبابة وأيوب بن سليمان وابن وليد.
عبد نكح حرة بغير إذن سيده:
قال ابن لبابة لزبيدة الخيار في أن تقيم معه أو تفسخ نكاحها إذا ثبت أنه عبد، إلا
[ ١٩٠ ]
أن تكون قد علمت أنه عبد ورضيت ورضي سيده بالنكاح فيمضي؛ لأن العبد لا ينكح إلا بإذن سيده، وإلا فسيده بالخيار في فسخه وإجازته وبيعه ومعارضته وتجارته إن كان مأذونًا له في التجارة مضي ذلك، وإن كان غير مأذون له فسيده بالخيار في إجازة ما فعل ورده، ولا يمكن القاضي أن يحكم بقضية للعبد حتى يشاور سيده فيجيز ذلك أو لا يجيزه، وقاله أيوب وعبيد الله وابن وليد وسعد بن معاذ وابن حمير وجماعتهم.
من غاب غيبة منقطعة عن ابنته البكر فذكر ذلك أخوها للقاضي:
فهمنا - وفقك الله - ما رفعه الرافع من أن له أختًا بكرًا غاب عنها أبوها منذ سنين غيبة منقطعة لا يعلم له مستقرًا، وقد احتاجت أخته، وصارت في ضيعة، وخطبها كفؤ لها من يمونها ويسترها، فيجب في ذلك أن تحمله البينة على ما ذكر من غيبة الأب وحاجة الأخت وكفاءة الزوج، فإذا أثبت ذلك ورضاها به أمرت من يزوجها من هذا الذي خطبها، قاله ابن لبابة وابن وليد.
قال القاضي أبوالأصبغ: وفي النكاح الأول من المدونة قال ابن القاسم: من غاب عن ابنته البكر غيبة منقطعة؛ مثل من يخرج في المغازي فيقيم بالأندلس وأفريقية وطنجة، فلترفع أمرها إلى السلطان فينظر لها وزوجها. ورواه علي بن زياد عن مالك (١).
قال ابن القاسم: وأما من خرج تاجرًا وليس يريد المقام بتلك البلاد، فلا يهجم السلطان على ابنته البكر، وليس لأحد من الأولياء أن يزوجها؛ لأن مالكًا لم يوسع في أن تزوج ابنة الرجل إلا أن يغيب غيبة منطقعة.
وقال ابن حبيب من قول مالك: إن قربت غيبة الولي كتب إليه الإمام، وإن سافر انتظره، وإن بعدت غيبته زوجها الإمام إلا الأب فلا يزوجها إلا أن يغيب أبوها وتطول غيبته جدًا أو تكون ثيبًا، وأما البكر لا إلا أن ينطقع بالسكنى في بلد منقطع بعيد قد يئس من رجعته وطال ثواؤه فيه الثلاثين سنة والشعرين فيزوجها، ولا يفلع ذلك أحد من الأولياء.
فإن زوجها ولي لها دون السلطان في الغيبة البعيدة أو جهل الولي أو السلطان في الغيبة القريبة لم يجز وفسخ إذا جاء الأب، وإن أجازه لم يجز. وقاله ابن القاسم.
_________________
(١) انظر المدونة ج٤، ص١٦٣.
[ ١٩١ ]
وفي سماع يحيى لابن وهب: إن كان أبوها يرسل إليها شيئًا وقطع ذلك عنها وأطال غيبته، فإن نكاح الولي والإمام إياها برضاها جائز ثم لا يكون للأب فسخه، وقال أشهب عن مالك: يزوجها الأخ إذا انقطع خبره وطلب وضربت فيه الآجال فلم يعلم له مكان.
في إنكار الولي إنكاح وليته:
أتاني - رحمكم الله - ابن عمار فذكر أنه زوج ولده من رقية بنت عبدالله، وذكر أن أخاها محمدًا أنكحها بنقد وكالئ معروفين إلى أجل معروف، وشروط تراضوا عليها، وحضر الأخ وأنكر جميع ما ذكره ابن عمار، وقال محمد: يحضر ولده فيقاولني، وقال ابن عمار: هو في حجري وأنا أتكلم عنه ولي بينة بعقدك النكاح له، فسأل الأخ تأجيل ابن عمار في إثبات ما ادعاه وقال إن أخته منكرة فهل يجب امتحانها؟ وهل يجوز لابن عمار الكلام دون توكيل ابنه؟
قال ابن لبابة: فهمت - وفقك الله - ما سألت عنه، وكنا قد تكلمنا فيه عندك إذ أتى ابن عمار بكتاب ذكر أنه كتابها، وقلنا تبعث إليها من تثق به ممن يعرفها تمتحن قولها، فإذا دعي أخوها إلى هذا فهو حسن جميل، وقول ابن عمار: إن ابني في ولايتي فإن كان في ولايته فله الكلام عنه وذلك أن يكون برقب بلوغه ولم يبين برشد ظاهر فهو في ولايته، وما طلبه الأخ من ضرب الأجل لابن عمار في إثبات ما ادعى واجب؛ لقول عمر بن الخطاب - ﵁ - اضرب للطالب أمدًا ينتهي إليه فإن أحق حقًا وإلا وجهت القضاء عليه فإن ذلك أجلي للعمي، وقد قضيت أنت بذلك بين ابن العين ومحمد بن نصر وأسأل الله التوفيق للقاضي وعونه على ما قلده.
قال القاضي: انظر قول ابن لبابة: إن كان الابن في ولاية أبيه فله الكلام عنه، إنما يأتي على ما رواه عيسى عن ابن القاسم في السفيه البالغ أنه كالصبي في إنكاحه وجميع أمره وقد يدل على مثله بعض مسائل المدونة. وقاله ابن حبيب. وقال ابن الماجشون: ولا ينكح إلا برضاه، وروي عن ابن القاسم مثله وهو دليل ما في خلع المدونة وعلى هذا ليس للأب أن يتكلم عنه حتى يثبت رضاه بذلك النكاح ويوكل على طلبه إياه، وبالله التوفيق.
محجورة أنكحها الولي دون وكيلها:
قرأنا - وفقك الله - بطاقة الأمير أعزه الله الرقية، وما أمرك من النظر لها بواجب الحق وفهمنا ما قاله عنها من أنه زوجها من هذا الذي رغب في بطاقته إلى الأمير أعزه
[ ١٩٢ ]
الله أن يزوجها، وسألك عنها أن تمتحن فعله إذ هي في ولايتك وإذا لم يكن له تزويجها لقرابته منها؛ لإيلائك عليها؛ وتوكيلك ناظرًا لها؛ إذ ثبت عندك شهادة محمد بن عمر بن لبابة ومحمد بن وليد أنهما لا يعلمان لها وصيًا من أب ولا وكيلا من قاض.
فنرى - وفقك الله - أنه لم يكن لأحد عقد نكاحها إلا بأمرك، فإذا قد عقد عليها عبيد الله عمها فالواجب عليك أن تمتحن فعله فإن يكن نظرًا لليتيمة رقية وغبطة أشهدت على إمضائه، وإن ألفيته على غير ذلك فسخته، وأشهدت على فسخه.
واعتراض الأخ في هذا ليس بشيء؛ لأن النظر لها إلى وكيل القاضي عليها دون أوليائها، والإنكاح دونهم، وقيام العم الباقي في ذلك أقل منزلة من الأخ وكل لاحق لهم في ذلك، مع نظر القاضي؛ إذ هي ولايته، وأما ما اشتكيت في بطاقتها من تغلب العم على مالها، فهو مما يجب على وكيلها الذي قدمته لها أن يطلبه ويخاصم عنها لنفسه، أو بتوكيل غيره للمخاصمة عنها دونه إن رأى ذلك. قاله أجمع محمد بن عمر بن لبابة وعبيد الله بن يحيى ويحيى بن يحيى بن عبدالله ومحمد بن غالب.
قال القاضي: قد تقدم لابن لبابة في مسألة ابن أبي الحفاظ وجوب الإعذار إلى الأولياء وإلى الناظر لليتيمة فيما شهد به لابن أبي الحفاظ من أنه كفؤ لها، ولم يذكر هنا الإعذار إليهم، بل قال: اعتراض الأخ في هذا ليس بشيء؛ لأن النظر إلى وكيل القاضي عليها. وقال ابن غالب مثل قول ابن لبابة، وقد قال في مسألة ابن أبي الحفاظ المذكورة: كل من كان له في إنكاحها سبب قائم يجوز له الذب عن ذلك النكاح فإنه يعذر إليه، والولي أولى بالعقد من الوصي فإليه يعذر، وهذا اختلاط وقد بيناه هناك وما فيه من الواضحة وأما عبيد الله فقاد أصله ولازم قوله والله، ولي التوفيق.
وأسقطوا هنا ذكر الإعذار إلى الزوج إن ثبت ما يوجب فسخ نكاحه وذلك تقصير وهو حق.
من شهد له أنه كفؤ لامرأة خطبها وأبوه وليها:
فهمنا وفق الله القاضي الشهادات التي شهد بها عندك لفلان، وما ذكرته من ثبوت ما شهدوا به بمن قبلت منهم وسؤال أم الأصبغ أن تأمر وكيلها بعقد النكاح عليها لولده أحمد، وأحببت معرفة الواجب فيه، وهل يجوز أن تأمر الوكيل أن يزوج هذه اليتيمة من ولده وهي ممن كنت أدخلتها في ولايته؟
[ ١٩٣ ]
والذي نقول به أنه جائز أن يعقد لولده، وإنكاحه إياها من ولده ومن غيره سواء إ قد ثبت عندك رضي اليتيمة به، والسداد في صداقها، وأنه كفؤ لها في جميع أحواله، وذلك بعد أن يفهم الوكيل الصداق والأرض التي عرضها أحمد. قال بذلك محمد بن وليد وأيوب بن سليمان.
وقال عبيد الله بن يحيى: إن عقده إذا وكله القاضي جائز ولو وكل غيره على العقد كان أحب إليه، وقال ابن لبابة: عقد الوكيل إذا قد ثبت ما ذكرت من الكفاءة والرضي والسداد في الصداق جائز لازم لا كلام فيه، وقاله محمد بن غالب.
قال القاضي: هذا الصواب، وقول عبيد الله: لا معنى له؛ لأن الذي ذكره نكاح الوصي من بنات من أوصى إليه اللائي في حجره عن غبنها وحطيطتها في صداقها أو حالها قد ثبت فيه في هذه المسألة عند القاضي ما ارتفع به الاعتراض بذلك، فصار الوكيل هنا لو نكحها أو ولده كأجنبي لا نظر له عليها.
وفي سماع عيسى وقد زوج عروة بن الزبير بنت أخيه وهي صبية ابنه والناس متوافرون وعروة من هو يعني في العلم والخبر.
وسئل ابن القاسم عن الرجل يكون في حجره يتيم له فيريد أن يزوجه ابنته، قال: إن كانت ابنة لا مال لها وإنما رغب في مال اليتيم فهو نكاح غير جائز، وإن كان لابنته من المال مثل الذي لليتيم وهما سواء ومثلها كانت له جاز ذلك.
وفي المدونة لابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت ابن قسيط واستفتى في غلام كان في حجر رجل فأنكحه ابنته أيجوز إنكاح وليه؟ قال: نعم وهما يتوارثان. وقاله نافع مولى ابن عمر، وقاله ابن شهاب: وإن كرهه الغلام إذا احتلم.
وفي الواضحة: كره مالك للوصي أن يزوج يتيمته من نفسه حتى يخطبها إلى وليها سواه، ويلي ذلك الولي عقد نكاحها منه، قال مالك: ولا يزوجها من ابنه، فإن وقع نظر فيه، فإن كان صوابًا مضى وإلا فسخ ما لم يفت بالبناء.
فقد أبان هنا الوجه الذي كره له وذلك الوجه مرتفع في مسألة عبيد الله لما قد ثبت فيها عند القاضي ما أسقطه وقد تقدم المعنى من ابتياعه من مال يتيمه والحكم فيه إذا وقع موعبًا والحمد لله كثيرًا.
[ ١٩٤ ]
مسألة الهدية ونفقة العرس:
قال القاضي: سألت الشيخ أبا عبدالله بن عتاب عن الهدية التي يرسل بها الأزواج إلى الزوجات قبل البناء كالخفين والجوربين ونحوهما هل يقضي على الزوج بها إن امتنع منها وطلب بها؟
فقال لي: يقضي عليه بها على قدره وقدرها وقدر صداقها وليس عليها أن تثيبه إلا أن تشاء، فإن أبت أو أبى أبوها إن كانت بكرًا لم يقض عليها بذلك.
قلت: فهل يقضي عليه بالعرس والأجرة المتعارفة عندهم؟
فقال لي: لا يقضي عليه بذلك إن امتنع ويؤمر به ولا يجبر.
والصواب عندي أن يقضي عليه بالوليمة لقول النبي - ﷺ: "أولم ولو بشاة" (١) مع العمل به عند الخاصة والعامة، بخلاف ما تعطي الماشطة على الجلوة لا يقضي به عندي إن امتنع منه ولا بأجرة ضاربة دف ولا كبر.
وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن الناكح يلزمه أهل المرأة هدية العرس، وجل الناس يعمل به عندنا حتى إنه لتكون فيه الخصومة، أترى أن يقضي به؟ قال: إذا كان ذلك قد عرف من شأنهم وهو عملهم، لم أر أن يطرح ذلك عنهم إلا أن يتقدم فيه السلطان لأني أراه أمرًا قد جروا عليه.
وفي كتاب عيسى قال ابن القاسم: قد قال مالك قبل ذلك: لا أرى أن يقضي به وهو أحب إلي كان مما جروا عليه أو لم يكن، وفي سماع عيسى في رسم لم يدرك قال ابن القاسم: سألنا مالكًا عمن تزوج امرأة فأصدقها صداقًا فنطب منه نفقة العرس هل ذلك عليه؟ قال: ما أرى ذلك عليه، وما هو بصداق، ولا شيء ثابت، ولا هو لها إن مات، ولا نصفه إن طلق فردد عليه.
وقيل له: يا أبا عبدالله، إنه شيء قد أجروه بينهم وهي سنتهم، فقال: إن كان ذلك شأنه فأرى أن يفرض عليهم، قال ابن القاسم: وإن تشاحوا لم يكن ذلك لهم إلا أن يشاءوا.
وفي سماع أصبغ: أن أهدى لها هدية ثم طلقها قبل الدخول فلا شيء له في الهدية،
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري ج٢، ص٧٢٢ برقم١٩٤٣، ومسلم ج٢، ص١٠٤٢ برقم١٤٢٧.
[ ١٩٥ ]
وإن كانت قائمة، وإن كان النكاح فاسدًا يفسخ قبل الناء، فإن أدركهديته بعينها أخذها كلها.
قال أصبغ: وإن كان نكاحه مما يفسخ بعد البناء فبنى بها وفسخ بعد ذلك فلا شيء له فيها، وإن أدركها بعينها؛ لأن الذي أهدى إليه قد وصل إليه وتم له بالدخول، ولو كان إنما أعطاها ذلك بعد البناء تم فسخ نكاحهما بحدثان ذلك فله أخذ ما أعطاها؛ لأنه إنما أعطى على الثبات لنكاحه والجمال له وحسن العشرة بينهما فيه.
وإن كان الفسخ بعد طول زمان سنتين أو سنين فلا أرى فيها شيئًا وإن وجدها بعينها، كالخادم وشبهها؛ لأن الذي أعطى قد رسخ وانتفع به، فالفسخ كطلاق حادث منه، وهذا رأيي ولم اسمعه وتمام هذا في الواضحة وما كتبته على بابه من حاشية كتاب ابن فحلون.
في الصدقات والكوالئ والتداعي في ذلك:
في صداق محيي بعضه من كتاب ابن زياد: فهمنا وفق الله القاضي الصداق الذي قام به الحفار وفيه رجل سطر ممحو كتب فيه ذكر الرحيل عن قرطبة وعن موضع من المواضع فرأينا الكتاب يصح كله غير هذا الشرط، فإنه يسقط إذ محي، إلا أن تثبته البينة، فإن لم يشهد عليه حلف الزوج بالله ما أعرف هذا الشرط ولا شرطته على نفسي لزوجي، فإذ حلف سار بزوجته ورحلها حيث شاء.
وللزوجة على زوجها النفقة على قدره من قدرها فإن قام بالفرض مضي على ذلك، وإن عجز فرق بينهما. قال محمد بن لبابة وابن وليد.
قال القاضي: من هذا المعنى في العتبية مسألة في سماع أشهب وفي المجموعة وغيرها تركناها اختصارًا.
وفي امرأة قامت بصداق لم تثبته فحلف الزوج ودعي إلى قطعه:
نظرت أكرمك الله فيما سألك مرزوق من حبس الصداق الذي أنكره وحلف عليه ولا تعطاه البنت القائمة به فأشك علي فيه الفتيا ثم تبين أن ذلك له؛ لأن من حجته أنه قد سقط عنه بيمينه إذا انتفى منه وإذا سقط عنه فلتقطع عنه الكتاب، وقد قال عمر بن الخطاب - ﵁: اجعل للطالب أمدًا ينتهي إليه، فإن أحق حقًا قضي له به وإن لم يحق حقًا وجهت القضاء عليه. وإليه ذهب ابن القاسم أن يحكم على الطالب بالتعجيز.
[ ١٩٦ ]
وأما قول المرأة كيف تردني إلى رجل جحدني ثم أقر بي وإقراره لا ينفعه بعد جحوده حتى يثبت عقد النكاح بشاهدين فهو أكرمك الله كما قالت المرأة لا ترد إليه ويرفع عنها حتى يثبت عقد النكاح بالبينة. قاله ابن لبابة.
قال القاضي:
تدبر هذه المسألة ففيها نظر، وفي النوادر لأصبغ عن أشهب: من أقام بينه أن هذه امرأته فأنكرته، وأقامت بينه أن فلانًا زوجها، وفلان منكر، ولم يوفنا تاريخًا وهم عدول، فسخ النكاحان ولا ينظر إلى التكافؤ في العدالة.
وقال أصبغ: ما لم يقع الدخول بأحدهما، وذلك لأنه أقرت له المرأة وهو منكر. قال أصبغ عنه في الواضحة: فإذا دخل بها أحدهما قبل الفسخ كانت زوجته، وقيل للآخر أقم البينة أنك الأول.
قال القاضي: أردنا من هذه المسألة أنه قد يحتمل أن يكون الداخل بها المنكر لنكاحها فلم إنكاره طلاقًا؛ لأنه لو كان طلاقًا وقد كان الإنكار قبل الدخول لم يسغ له البقاء معها إلا باستئناف مراجعة.
وفي النكاح الأول من المدونة قال ابن القاسم: ومن أنكح ابنه بنت رجل والابن ساكت حتى فرغ الأب من النكاح، ثم أنكر قال: لم آمره بتزيج ولا أرضى ما صنع وصمت لعلمي أنه لا يزمني، حلف وكان القول قوله.
قال عبدالحق: عن ابن أبي زيد: إن نكل الابن عن اليمين لم يلزمه شيء. وإنما كلف اليمين رجاء أن يقر بصنيع أبيه فيؤخذ بإقراره بعد إنكاره، فلم ير الإنكار طلاقًا.
وقال غيره: إذا نكل أدى نصف الصداق ولا يلزمه النكاح؛ لأنه لا يقر به.
وقال غيرهما: إنما تلزمه اليمين إذا ادعى أنه والد الصبي أنه أمر والده بتزويجه لمخبر أخبره أو نحوه، فإن حلف بريء، وإن نكل حلف والد الزوجة على ذلك وثبت النكاح، إلا أن يشاء الزوج أن يطلق فيلزمه نصف الصداق، وهذا بين في الإنكار ليس بطلاق.
وفي مسائل ابن زرب في وصي أنكح يتيمته من رجل ثم أنكر الناكح ذلك، فقال له القاضي: طلقها، فقال: وكيف أطلق مالم أنكح. فقال له: لعلك قد فعلت فطلاقها خير لك ولها. فلم ير الإنكار طلاقًا.
[ ١٩٧ ]
وجرت هذه المسألة في رسم العرية من سماع عيسى من رواية أصبغ عن ابن القاسم فيمن قال في جارية في بديه: اشتريتها. وقال ربها: بل زوجتهكا. أنهما يتحالفان ويتفاسخان، ولا تكون زوجة ولا أم ولد وترجع الأمة إلى سيدها؛ لأن المشتري يقر بأنها ليست له بزوجة فهو كالمطلق ويدعي أنها أمته ولا بينة فلا يصدق، وترجع الأمة إلى ربها.
قال القاضي: قوله فهو كالمطلق ليس على اصوله وليس إنكاره لها طلاقًا قال القاضي: وأنا أقول: أنه لا اعتراض على ابن القاسم في ذلك؛ لأنه لم يقل: إنكاره طلاق، وإنما أراد بقوله: فهو كالمطلق. أنه قد أقر أنها لا تحل له بزوجية؛ لأنها ليست زوجته وأنها إنما تحل له بالملك لأنها أمته، وهو لا يصدق في ذلك.
ومسألة ابن لبابة أيضًا تدل على ذلك لقوله: لا ينتفع بالإقرار بالزوجية بعد إنكاره إلا أن يقيم شاهدين على أصل النكاح؛ لأنه لو كان الإنكار طلاقًا عنده لم يبحها له إلا بالارتجاع لا بثبوت أصل النكاح.
وموضع انتظر في جوابه في إحلافه إياه، وهو لا يخلو تحليفه إياه من أن يكون حينئذ نكاحهما عنده ثابتًا معلومًا أو غير ثابت. فإن كان غير ثابت فلم أحلفه، ولا يمين في دعوى النكاح إلا بعد شاهد عدل على تنازع فيه، وإن كان نكاحهما ثابتًا معلومًا فلم أوجب عليه شاهدين على أصل النكاح إذا رجع إلى الإقرار به، والذي رجع إليه ثابت معلوم ثابت.
وأما قطع الصداق فروي ابن حبيب عن مطرف فيمن مات فقامت امرأته بكتاب مهرها فأخذت به باقيه فأراد الورثة قطعه، أن لهم ذلك، وإن قالت به أدافع بعد اليوم من دافعني عما أخذه. وقال الأصبغ: لا يؤخذ منها ولا يقطع فيه ثبت نكاحها وتأخذ ميراثها وتدفع بعد اليوم من دافعها عما ورثت، ولو قامت بباقي المهر في كتاب في غير كتاب نكاحها فأخذت به بقيتها أخذ منها وقطع عن الورثة، وإن أخذت به أرضًا أو عقارًا من عقاره لم يؤخذ ذلك منها؛ لأن به تدفع بعد اليوم من دافعها عن ذلك وما يشبهه مما تلتبس التوثق به، وعلى الورثة أن يستوثقوا لأنفسهم بالإشهاد ويذكر الكتاب الذي بيدها ابن حبيب، وبه أقول وهو أحب ما فيه إلي.
وقال محمد بن عبدالحكم: من قضى دينًا عليه بصك، وأراد أخذ ذلك، وأبى الطالب لم يجبر على إعطائه وجبر على أن يكتب له براءة كتابًا في الموضع الذي فيه
[ ١٩٨ ]
الشهود عليه أو غيره.
وفي امرأة قامت على زوجها بصداق وميراث:
فهمنا - وفقك الله - ما قام به ابن عفان عن زوجته كنزة ابنة المعين، وطلبه لها بتوكيلها إياه ميراثها من زوجها مروان بن عبيدون، ومن زوجها أحمد بن عبيدون، وما أثبت من موتهما وعدة ورثتهما وأموالهما وحيازتهما، فيجب في ذلك أن تستعاد البينة في معرفتها عين ورثة زوجة ابن عمر وابن عبيدون ويعذر إلى ورثة من مات من ورثتهما ومن معرفة المال، فإن لم يكن عندهم في ذلك مدفع أمرهم القاضي بحيازة ما شهدوا في من أموالهما على ما فرضه الله لها. قال بذلك ابن لبابة وأيوب بن سليمان.
ومن هذا المعنى فهمنا وفقك الله صداق أم الأصبغ وما ادعاه الوارث من وضعها كالتها عن زوجها وأنها أخذت كتاب الوضع وصار عندها، وما أقامت أم الأصبغ عليه البينة من دعواها على الوارث، فالواجب في ذلك بعد ثبوت موت زوجها وعدة ورثته أن تحلف أم الأصبغ أنها وضعت كالتها المذكور في صداقها عن زوجها، ولا كتبت به كاتبًا ولا أخذت الكتاب ولا هو عندها، وإن صداقها، باق لها عن زوجها محمد إلى وقت يمينها هذه، ثم تأخذ كلاتها وتأخذ من الوارث ما أثبتت عليه ولم يكن عنده فيه مدفع. قاله أيوب بن سليمان وابن لبابة وابن وليد وسعد بن معاذ.
قال القاضي: وسئل أبوإبراهيم إسحاق بن إبراهيم عمن أنكح ابنته بنقد وكالئ مسمى، وسكن الناكح مع الزوجة وأبيها أعوامًا كثيرة في دار واحدة حتى هلكت الجارية، ثم نكح الرجل أختها، ثم سكن كذلك معها ومع أبيها زمنًا حتى هلكت، وغاب الزوج غيبة منقطعة، وتوفي أبو الجاريتين، فقام الآن ورثته مع أم الجاريتين يطلبون مهر الزوجتين في مال الغائب من نقد وكالئ، وزعم وكيل الغائب أن النقد ساقط عنه لطول مكثه مع الزوجتين في دار واحدة ما الواجب في ذلك، ولا يعلم بناؤه بهما إلا ما كان من طول السكنى؟ فقال: إن ثبت تأهله بهما في دار أبيهما كما يتأهل الناس مع أهليهم فهو دخول، والقول قوله في معجل حقها، وإن لم يثبت ذلك حلف ورثتهما في جميع حقها معجلة ومؤخرة وبالله التوفق.
وفي هذا المعنى أيضًا إذا قامت بصداقها بعد سنين تكلمنا رضي الله عنك في
[ ١٩٩ ]
الصداق الذي قامت به أمة الرحيم وتسمت فيه زوجة، وقلنا في تركها القيام مقالة توقفنا عن إقامة عذرها بما زعمت أن صادقها حبس عليها حتى مضت نحو عشر سنين أو أكثر، فقالت أم الرحيم: أنا أرضى بيمين أولادي المطلقين أنهم لا يعلمون قيامي وطلبي وترددي في ذلك إلى غيبة كتابي عني، فمن حلف فقد قضت له على نفسي بيمينه، فرأينا أن ذلك يجاب لها عليهم إن شاء الله. قاله عبيد الله وابن لبابة وغيرهم.
قال القاضي: هذا الجواب عندي محتمل، والصواب: إن كانت أمسكت علي طلب ما في صداقها في المدة التي ذكروها، وما تخلفه الميت بحالة لم يقسم ولا فوت، فلها القيام بذلك ويقضي لها به ولا يضرها سكونها، وتحلف إن كان في الورثة بنون لها صغار أو واحد منهم صغير أنها ما قبضته ولا وهبته ولا استحالت به، وإنه لباق لها إلى حين يمينها هذه، وإن كان الورثة كلهم كبارًا وهم بنوها هذا يمين عليها في ذلك، إذ يحلف لبنيه، هذا كله إن ثبت ما تدعيه من الكالئ وشبهه وشهد عدول عليه.
والدليل على صحة ما قلناه ما في نوازل عيسى فيمن له ذكر حق على رجل فمات الذي هو عليه فاقتسم ورثته ماله وهو حاضر ينظر، ثم قام بعد ذلك بكر الحق، قال: فلا شيء له إلا أن يكون له عذر في تركه القيام أو كان لهم سلطان يتقون منهم أو نحو هذا مما يذعر به، فهو على حقه أبدًا وإن طال زمانه إذا كان له عذر؛ لقوله ﵇: "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم" (١)، هكذا كان يجب أن يكون جوابهم، ولا يبهموه حتى رضيت المرأة بيمينهم وبالله التوفيق.
وقال ابن لبابة وابن وليد فيما أثبته رقية من صداقها على زوجها المقتول وطلبت إشهاد القاضي عليه؛ إذا أعذرت إلى ورثة المقتول، فلم يكن عندهم مدفع أشهدت لها على ثبوته عندك، فإن طلبت الإعداء بكالئتها وأثبتت له مالًاا وجبت عليها اليمين؛ أنها ما قبضت من ذلك الكالئ شيئًا؛ لا من زوجها ولا من أحد عنه، وإنه لباق لها عليه إلى وقت يمينها هذه ثم تعديها به.
وقالا هما وأيوب: فهمنا وفقك الله ما قامت به عندك أم الأصبغ في صداقها وأثبتته من كالتها فيه على زوجها هرثمة، فوجبت عليها اليمين فيه أنها ما قبضته ولا وهبته ولا
_________________
(١) هذا الحديث لم أعثر عليه.
[ ٢٠٠ ]
استحالت ولا أحالت، وإنه لباق عليه إلى وقت قيامها هذا، وأحبت جمع دعوى من ناظرها في تركة زوجها لتكون يمينها في الكالئ والدعوى واحدة.
واعتل من ناظرها أن له بينة على دعواه يرجو إثباته مما لا يرجوه، فإذا بين ذلك وفصل بعضه من بعضن حلفت على الكالئ، وعلى ما لا يرجى إثباته يمنًا واحدة، ويثبت لها كالتها، وتسقط عنها الدعوى التي لم يرج إثباتها، وكلف مناظرها إثبات ما ادعى إثباته، وإن زعم مناظرها أن له بينة على جميع دعواه، حلفت على الكالئ وحده، وأمرت مناظرهم بالإثبات قبلها.
قال القاضي: ونزلت هذه المسألة عند محمد بن يحيى إذ كان على الشرطة، فيمن قام بدعاوى وزعم أن له بينة على بعضها، ودعي إلى اليمين المطلوب في بعضها، فأفتى من شرور فيها يومئذ: أن الطالب يخير في يمين المطلوب الآن على أنه إن عجز عن إثبات ما ادعى أن له فيه بينة من دعاويه، ولم يكن له على المطلوب يمين أخرى فذلك له، وإن أبى إلا إحلافه أيضًا فيما عجز عن إثباته توقف عن إحلافه الآن فيما زعم إلا ببينة له به حتى يعلم أيثبت له ما رجي إثباته أو لا يثبت فتكون اليمين، وهذه مسألة مختلف فيها؛ أعني جمع الدعاوى في يمين واحدة أو تفريقها، وإفراد كل دعوى بيمين، وقد تقدمت كاملة بينة - والحمد لله- في موضعها، وليس هذا موضع ذكرها.
ولابن زرب في مسائله في المرأة يكون نقدها أصلا أنها لا يلزمها أن تبيعه وتتجهز به إليه، وكذلك إن نقدها عبدًا لها أن تخرج به إلى زوجها ولا يلزمها بيعه والتجهز بثمنه، قيل له: فلو أصدقها ثوبًا قيمته مائة دينار هل يلزمها بيعه، والتجهز بثمنه؟ فقال: لا يلزمها بيعه وعليها أن تخرج به وتتزين به.
وسئل عمن نكح بنقد معلوم وكالئ إلى ما يكلئ الناس إليه فقال: لا يجوز لأن الناس يختلفون في تأجيل الكالئ منهم من يجعله إلى خمسة وأقل وأكثر.
[ ٢٠١ ]
قال القاضي: وفي مسائل حبيب عن سحنون: وسألته عن المهر متى يجب؟ فقال: لا يجب قبل الدخول ولا بعده أيضًا إلا على قدر ما يرى الحاكم؛ فقد ينقد الرجل عشرة دنانير ويكون مهره مائة دينار، ولو قيل له: نأخذك بها، ما رضي بسدسها، وإنما يكون حلوله إذا رأى الحاكم ذلك، ولا يؤخذ قبل الدخول على حال وإن كان في الكتاب مهرًا حالًا لها عليه، ألا ترى أنه يكتب على المكاتب، فإن عجز عن نجم من نجومه رد في الرق ثم لا يكون عجزه يرد به في الرق حتى يتلوم له القاضي قدر ما يرى.
قيل له فقول مالك الدخول يبطل الصداق إذا قال: قد دفعته، وليس يكتب الناس في الصدقات البراءات، فقال: جواب مالك على أن كله عاجل ولم يكن فيه مهر والمهر عند الناس مؤخر، ألا ترى أن الشاميين يقولون: المهر إلى موت أو فراق، وهو أيضًا كان رأي المصريين.
وفي أحكام ابن زياد فيمن قام عن ابنته في كالتها وغيره وقد مضى لبنائها سنون هل له الكلام في ذلك بغير وكالة؟
كشفنا محمد بن عمر بن لبابة عن رجل قام عن ابنته في كالتها على زوجها وغيره من حقوقها، وقد مضى لها مع زوجها ثمان سنين فقال الزوج: لا يجب لك التكلم إلا بتوكيلها لك، فقال هذه مسألة قال ابن القاسم فيها: إنها في ولاية أبيها حتى يطول الزمان، وعلى من أراد ترشيدها إثبات ذلك.
ونزلت عندنا في أيام سليمان بن أسود القاضي، في رجل اسمه أصبغ قام عن ابنته في كالتها على زوجها، فقال القاضي: كم لك منذ زوجتها؟ فقال: منذ سبع سنين، فقال له: قم، قال: وكان أصبغ بن خليل يفتي بذلك، ونزلت هذه المسألة عند القاضي محمد بن سلمة في رجل قام عن ابنته على زوجها والزوج يقول: إن زوجتي لا تطلبني، فقلنا له يومئذ: لا يجوز لك التكلم إلا بوكالة، وكان لبنائها ثمان سنين. وهذا الذي أذهب إليه وأفتى به؛ أنه إذا مضى له امثل هذه المدة خرجت عن نظر أبيها إلا أن يتصل سفهها وسوء حالها وتبذيرها لمالها. قاله ابن لبابة، وقد تقدم هذا المعنى في بابا المحجور.
وأما من ادعى العدم بالكالئ وشهد له بذلك فقالت الزوجة: يحلف على هذا العدم وأسقط عنه تعديل بينته، فلها ذلك، ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما يجد لما ثبت عليه قضاء في عرض ولا فرض ولئن وجد قضاء ليقضين، فإذا ثبتت يمينه بذلك صار في نظرة
[ ٢٠٢ ]
الله ﷿ حيث قال: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (البقرة: الآية ٢٨٠). قال به محمد بن غالب وابن لبابة.
في رجل جحد صداق أمه:
فهمنا وفقك الله شهادة الشاهد في صداق أم الفتح، فإظهار ابنها له عنده وجحد ابنها ذلك، والذي يجب فيه أن يشدد على ابنها في إظهار الصداق، والتضيق عليه فيه بالسجن، فإن طال ذلك حلفته عليه وأطلقته إلا أن يأتي القائم بأظهر من هذا فينظر له على ما يظهر. قاله ابن لبابة وابن وليد وسعد بن معاذ، وقال محمد بن غالب بمثله إلا أنه قال: أرى أن يحبس حتى يظهر الصداق؛ لأنه قطع في الشهادة أنه عنده، فما ينبغي أن يزول عن الحبس. وقاله عبيد الله بن حيى.
في امرأة قامت في كالئ أمها على ورثة زوجها:
فهمنا وفقك الله ما قام به ابن أبي الحفاظ عن زوجة رقية وما أثبتت من دين أمها عائشة قبل زوجها عبيد الله، وعدة ورثته وعدة ورثة عائشة، وإحلاف رقية في مقطع الحق أنها ما علمت أمها عائشة قبضت من ذلك الكالئ شيئًا، ولا أحالت ولا زالت عن شيء منه حتى فارقت الدنيا.
وسألك بن أبي الحفاظ وكيل رقية وأحمد عن نفسه وعن أختيه البكرين تعجيل ما وجبه له في كالئ عائشة، في المال الموقف على يدي محمد وعبد الرحمن من مال عبد الله زوج عائشة لطلب أحمد بن عنتر، الذي نرى، إذا أثبتت رقية ومن شركها في ميراث عائشة ما أثبتوه لها من الكالئ على زوجها عبد الله، وأعذرت إلى عمه أحمد وضرت له آجالًا فلم يأت ببيان على أصل الوراثة ولا قام عندك غيره، وطال زمان ذلك نحو عشرين سنة، أن تقضي رقية ومن شركها في ميراث أمها حقوقهم من هذا المال الموقف على يدي القضاة، وليس على القاضي طلب من لم يقم عنده. قاله ابن لبابة وأيوب وغيرهما.
إشهاد القاضي على ثبوت صداق ويمين غيره:
فهمنا وفقك الله ما طلبت كنزة من الإشهاد لها على ما ثبت من صداقها على محمد بن امرئ القيس الغائب، وأن أجلها في الإعذار إليه قد انصرمت آجالًا ثلاثة؛ وذكر وكيله أنه غاب غازيًا مع الأمير أعزه الله، وأنه قد أدخل بينة في داخل الآجال، فسئل عن البينة فقال: إن الكتاب عند هذا الغائب.
[ ٢٠٣ ]
فيجب وفقك الله الإشهاد لها على ما ثبت وليس بعد الآجال كلام، ولا يجوز انتظاره بعد الآجال إذا غاب عدها، وقول خصمه لدد؛ لأنه لم يظهر منه شيء فينظر فيه وهذا للدد ظاهر. قاله ابن لبابة وأيوب وابن وليد.
وفهمنا ما قام به عمر بن أحمد الزهري عن ابنته سيدة التي في ولاية نره، بعد أن أثبت ذلك عندك من طلب إثبات صداقها الذي عقده على نفسه لها زوجها أيوب بن سليمان، وما أثبته من موته وعدة ورثته، والصداق الذي قام به وسأل الاشهاد لابنته عليه، فيجب أن تشهد لها على ثبوته وتكشف في إشهادك البينة التي بهم ثبت جميع ذلك وترجي الحجة في شهاداتهم للصغير.
فإن سألت الإعداء في مال أيوب زوجها بما ثبت لها من الكالئ، وجب إحلاف أبيها إذا ثبت عندك أنها في ولايته؛ أنه ما قبض لها من زوجها أيوب في حياته ولا من أحد عنه بعد مماته من كالئ ابنته سيدة شيئًا، وإنه لباق عليه إلى وقت يمينه، فإذا ثبت يمينه على ذلك أعديته على ما ثبت من مال الميت، وإن تأخر الإشهاد على ثبوت الصداق عنده إلى أن تقيم للصغير وكيلًا، ينظر له نظر الوصي، أعذرت إليه حينئذ فيما شهد به الشهود، فإن لم تكن عنده حجة أنفذت القضية واستغنى عن تسمية الشهود. قاله ابن لبابة ومحمد بن وليد.
تقييد القاضي بما يثبت لامرأة من كالتها ومن صدقة على زوجها:
يجب وفقك الله أن تشهد لرقية زوجة ابن أبي الحفاظ على ما ثبت لها عندك من صدقة عمها أحمد على ولده قاسم المقتول الذي كان زوجها، وثبت لها عندك كالئ مهرها على قاسم؛ إذ قد أعذرت إلى أحمد فيما ادعاه من التحبيس، ولم يأت إلا بشاهد واحد وطالت المدة في شاهد ثان، وتأمر أحمد بإحضار الكتاب الذي فيه شهادة الشاهد الذي أتى به؛ ليقع في كتابك الذي تشهد فيه على الصدقة إن شاء الله.
فإن دعا أحمد إلى يمين أخيه المحبوس ورقية على أنهما لا يعلمان أن هذا المال الذي بأيديكما بسبب أبيهما، وجبت له اليمين عليهما، فإن نكلا حلف أحمد وبيع ذلك بدينه الثابت له على أخيه إلا أن يكون في ذلك المال الذي أقر أحمد فيه أنه محبس، وأقام عليه شاهدًا واحدًا، فلا يجب له على أخيه، وتشهد لرقية على الكتاب الذي أثبت على أحمد أبي زوجها يقر له لغسان. قال بذلك ابن لبابة وأيوب وابن وليد وابن غالب.
[ ٢٠٤ ]
من أنكر حدود الدار في صداق زوجته:
نظرنا وفقك الله فيما قاله سليمان بن أصبغ حين كشف عن الحدود المذكورة في كتاب الصداق الذي قام به عبد الله عن كنزة بنت محمد بن هشام القرشي، وما كانت من انتفائه أن يكون له في داخل هذه الحدود المذكورة في الكتاب ملك، فنقول: إن نتوجه إلى الدار برجلين يعرفان الحدود من الشهود الذين شهدوا أو من غيرهم، فإن ألفيا في الدار سليمان أخرجاه عنها، وإن ألفيا فيه غيره -يدفع عنها- رفع إليك لتنظر فيه بما يجب إن شاء الله.
قاله عبيد الله وابن لبابة ومحمد بن غالب وأحمد بن يحيى ومحمد بن عبد الملك.
فيمن أنكر الدار:
فهمنا -وفقك الله- ما طلبه محمد بن غالب؛ وكيل بثينة عنها قبل زوجها ابن زياد، من إبراز الدار التي أصدقها إياها، ووقع وصفها في كتاب صداقها، وأقر وكيله عبد الله عندك في مجلس حكومتك بالصداق، وقال: إن ابن زياد ابتنى بزوجة بثينة، وإنها فيها ساكنة، ثم قال: إنها تجمعها مع دار أخرى في باب أسطوان.
فنرى أن يوقف رجال من أهل العدل على الدار بمحضر الزوج، ويحضر كتاب الصداق، وتحاز الدار بمحضرهم على الحدود الواقعة في الصداق، وينظرون إلى كونها بيدها وفي قبضها، فإن ألفى فيها عندها وجب إخراجها إلا أن يدعي فيها بدعوى فتسمع دعواه، قال بذلك عبيد الله وابن لبابة وابن وليد.
وكتب إلى ابن عتاب من غرناطة في جمادى الأولى من سنة إحدى وستين وأربعمائة فيمن كانت له داران متصلتان في صف واحد؛ إحداهما بقبلي الأخرى، ولكل دار منهما باب إلى ناحية واحدة، فساق أحدهما إلى زوجة في صداقها، وقال فيه: وساق إليها جميع الدار التي بقرية كذا، وحدها في القبلة كذا، وفي الجوف كذا، وفي الشرق كذا، وفي الغرب الطريق وإليها يشرع بابها.
وبنى بزوجته وأقام معها سنة وأزيد، ثم ماتت وبقيت الدار بيد الزوج، فطلب ورثتها ميراثهم فيما تخلفته في الدار المسوقة وقالوا: ميراثنا في الدارين؛ لأن الحدود مشتملة عليهما، ولو كانت المسوفة حديهما لكان حدها في الجوف الدار الأخرى ولم يكن أرض فلان، والزوج يقول: إنه لم سق إلا الواحدة التي بقبلي الأخرى.
[ ٢٠٥ ]
قال القاضي: وتكلمت فيها معه، وسألته عما أفتى به فيها فقال ثم يكن السؤال بينا فأشرت فيها بالصلح إن أمكن، وإلا فالصواب فيها إن لم يأت الزوج بشيء بين؛ أن السياقة إنما كانت في الدار الواحدة أن تكون الداران موروثتين لاشتمال الحدود عليهما، وهو أقوى من تسميتهما دارًا واحدة وهي داران.
قال القاضي: وهذا الذي قاله هو الفقه عندي فيها إن حقق ورثة المرأة أن الدارين مسوقتان. وأما إن قالوا: لا علم لنا بذلك إلا ما تضمنه الصداق من التحديد، وطلبوا ذلك، والزوج منكر محقق لدعواه؛ أنه لم يسق إلا الواحدة، فالقول قوله مع يمينه والله أعلم.
وقال لنا أبو عبد الله عند التكلم في هذه المسألة: سئل إسماعيل القاضي إذا قيل في التحديد: حدها في الشرق الشجرة، هل تدخل في المبيع؟ قال: فوقف عن الجواب، ثم قال بعد ذلك للسائل: قرأت باب كذا من كتاب سيبويه فدلني على أنها تدخل في المبيع، هكذا-أغلب ظني- حكي لنا، وفيه نظر فتدبره.
في امتحان القاضي اختلاف الرجل مع زوج ابنته في إجهازها بنقدها:
فهمنا-وفقك الله- ما قام به ختن مؤمن على مؤمن، في الثلاثمائة دينار التي نقدها ابنته وقضها مؤمن منه ولم يجهزها بها، وقال مؤمن: إنه جهزها، ووصف كل ما جهزها به في كتاب، والذي يجب في ذلك أن تأمر بامتحان ذلك حتى تفهم به صدق مؤمن من كذبه، ثم تعمل على حساب ذلك إن شاء الله قاله عبيد الله وابن لبابة وابن وليد ويحيى بن عبد العزيز وأحمد بن يحيى.
وقال محمد بن غالب: وجه الامتحان أن يبعث القاضي- وفقه الله- شهيدي عدل إلى بيت الرجل الذي ابتنى فيه، فيخرج الجهاز، فإذا تصادقا فيه قومه أهل المعرفة بالقيم فإن كانت القيمة كفاف معجل الصداق برئ الأب، وإن لم يكن في ذلك كفاف النقد أخذ الأب بالباقي.
وإن اختلفا فعلى الأب البينة فيما أورد من الجهاز، فإن ثبت له أنه أورد مقدار النقد برئ أيضًا، وإن لم يأت بالبينة وزعم أن الزوج نظر إلى ذلك كله في بيت زوجته، وحيث أبتنى بها وهو كفاف نقده، وأنكر الزوج ذلك، حلف ما أورد عليه إلا ما ظهر، وكان على الأب الوفاء به، وقاله محمد بن وليد وقاله ابن لبابة؛ إذا كان بقرب الابتناء قبل
[ ٢٠٦ ]
أن يتغير الحال وإن طال ذلك كان القول قول الأب.
مشورة أخرى في هذه القضية:
فهمنا-وفقك الله- ما ذكرت من إحضار شورة ابنة مؤمن التي أقر مؤمن من أنها بنقدها، وأنها قومت بمائتي دينار وثمانية وستين وابتاعه بزعمه من نقدها الثلاث مائة دينار وقول زوجها: إن بعض هذا الجهاز هو من نحلة أمها لها، فالذي يجب فيه أنه يحلف الأب مؤمن- إذا لم تكن له بينة- أن جميع هذا الجهاز من نقدها، وأنه ليس فيه من غير نقدها شيء، فإذا حلف برئ من نقدها.
وتحلف الأم على النحلة التي ادعاها أنها نحلتها وقت نكاحها، فإن نكلت امرأة مؤمن، حلف الختن وأخذت بما يحلف عليه، وكذلك إن نكل مؤمن حلف ختنه على دعواه واستحقه لزوجه، ويؤمر مؤمن أن يرد إلى ابنته من شورتها ما يصلح بيتها، قاله ابن لبابة وأيوب وعبيد الله وابن معاذ وغيرهم.
قال القاضي: انظر قولهم إذا حلف الأب برئ من نقدها، والجهاز تنقص قيمته عن مبلغ النقد باثنين وثلاثين يدنارًا إلا إن كان التقويم بعد إخلاق بعضه أو كان الابتياع مما يتغابن فيه بمثله فربما، وقد كان في تمام جوابهم بيانه، وأما إن بان في هذا النقصان كذبه، فينبغي أن يوفيه ولا يصدق فيه، وأصل هذه المسألة بين في نكاح الواضحة وبالله التوفيق.
ونزلت بقرطبة من هذا المعنى مسألة:
كتب المخاطب للفقهاء بها عن الحكم الناظر فيها قام عند الوزير صاحب الشرطة والسوق بقرطبة أبي بكر بن الليث بن حريش العبدري عبد الله بن محمد المعروف بالقبالة على ابنته فاطمة؛ التي أنكحها بكرًا عقب سنة سبع وخمسين وأربعمائة من أحمد الخياط، يريد استرجاع ما جهزها به إليه، وزعم أنه عارية أعاره إياه لا هبه، وناكرته ابنته وزوجه ومنعاه منه، وتخاصموا فيه، ووقف عند بعض الفقهاء.
ثم أظهر الزوج عن زوجته عقد استدعاء مؤرخًا لشعر خلون من صفر سنة ثمان وخمسين، تضمن إقرار الأب لها بما نص فيه من الثياب والمتاع، ومن جملة ذلك بساط ومنار، وقيدت بشهادة شهود في آخره أنهم سمعوا إقرار لابنته هذه بما في العقد من الثياب منذ عشرين يومًا بمحضر الثياب، وكانت شهادتهم لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر.
وثبت ذلك عنده وقام عنده في كتاب الخصام خلف ابن فتوح مدعيًا في البساط
[ ٢٠٧ ]
والمنار من جملة الموقف، وقال إنه أعارها عبد الله حين زفافه ابنته فاطمة إلى أحمد، وشهدت له بينة على عين البساط أنه ملكه وماله، وأنه سوقه للبيع بمحضرهم، في عقب ذي القعدة سنة سبع وخمسين، ولم يبتل البيع فيه، ولا يعلمون ملكه زال عنه إلى تاريخ شهادتهم، وهو النصف من صفر المذكور.
وثبتت ذلك وشهدت له بينة في المنار على عينه أنه ابتاعه بمحضرهم في عقب ذي القعدة المذكور، ولا يعلمون ماله زال عنه إلى حين شهادتهم في النصف من صفر، وشهد شاهد واحد أن خلفا رهن المنار عنده في حق كان له عليه وقبضه منه، وبقي عنده إلى قبل عيد الأضحى من سنة سبع وخمسين، وأنه افتكه منه ولا يعلم ملكه زال عنه حين شهادته في نصف صفر، وقبيل هذا الشاهد وسائر الشهود.
وأعذر إلى عبد الله في ذلك، فقال: إنه لا مدافع عنده فيه وأنه حق، وإنه استعار البساط والمنار من خلف في ذي الحجة ولا حق له فيه ولا لابنته، وأعذر إليه أيضًا فيما ثبت عليه من إقراره بالثياب لابنته، فأنكر شهادة الشهود عليه بذلك، وعجز عن المدفع في ذلك فيها، وقال: إن جميع الثياب له إلا البساط والمنار فإنهما لخلف استعارهما منه وشاور الفقهاء في ذلك، وإن على خلف اليمين في المنار والبساط.
فجاوب أبو عبد الله بن عتاب:
سيدي وولي تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، وإذ قد ثبت عندك إقرار عبد الله بالثياب لابنته على ما قيده وأعذرت إليه فيه، ولم يكن عنده مدفع، فالقضاء بما شهد به من إقراره واجب، وهو عليه نافذ ما عدا المنار والبساط المشهود فيهما لخلف بما تقيد عندك.
فإن ما شهد به له فيهما يوجب له أخذهما دون القضاء له بملكه للمنار، إذ الشهادة فيه إنما هي بالابتياع والرهن؛ وذلك لا يوجب الملك ولكن يوجب اليد، وعلى خلف اليمين أنه ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه ويده إلا بعاريته لعبد الله.
وإن كان الأب مأمونًا على الثياب له ذمة فهو أحق بضبطها، بعد أن يسلم منها إلى ابنته بقدر نقدها وزايدًا ما تتحمل به مع زوجها على التوسط في ذلك، ويشهد عليه بما يتوقف لابنته عنده، وإن كانت أحواله غير مرضية وضعتها على يد من تراه ممن ترتضيه بإشهاد إن شاء الله تعالى.
[ ٢٠٨ ]
وكان أبو عمر بن القطان قد حلف في ذلك الوقت ألا يفتي أمر وقع له، ثم رجع إلى الفتوى وعدد إمساك هذه الشورى عنه، فأرسل الوزير أبو الوليد بن جهور ﵀ إلى الحكم فيها، ووجه إليه بها وإلى من يتلوه.
فجاوب: قرأت ما خاطبتني به ووقفت عليه، فأما ما ذكرته من إقرار عبد الله بالثياب على ما تقيد عندك، فلازم له في الثياب خاصة على ما رفع به الشهود؛ إذ لم يشهدوا إلا بذلك.
وما شهد به لخلف في البساط يوجب له القضاء به بعد يمينه في مقطع الحق بما يجب الحلف به، على ما وقع الحلف به فيه، وأما شهد له به في المنار فلا يوجب له ذلك حكمًا به إلا أن في ذلك حكمًا والسلام.
وجاوب أبو محمد موسى بن هذيل بن أبي عبد الصمد: ما ثبت من إقراره بالثياب لابنته لازم له؛ إذ لم يكن عنده مدفع فيه، ويترك لها من الجهاز بقدر نقدها ويوقف لها سائر ذلك عند رضي لا عند أبيها؛ إذ قد ظهر منه استرجاعه لنفسه.
والشهادة لخلف في البساطة تامة، ويقضي له به إن كان قد حلف اليمين المدرجة طي خطابها والشهادة التي شهد له بها في المنار ضعيفة لا يصح له بها ملك.
ويجب توقيف المنار، فإن أتى خلف بن فتوح فيه بأثبت مما أتى به نظرت له فيه على حسب ذلك، وإن لم يأت فيه بغير ما أظهره بقي المنار لفاطمة باليد التي كانت لها عليه إذ كان فيما جهزت به، ولا ينتفع خلف بإقرار عبد الله أنه استعاره منه؛ إذ قد شهد عليه بخلاف ذلك.
وجاوب أبو مروان ابن مالك: سيدي ووليي ومن وفقه الله وسدده ولقاه أرشد فيما اعتمده، إن هذا القائم عندك عبد الله قد ثبت عليه عندك في صفر إقراره في المحرم لابنته فاطمة بالثياب الموصوفة في الاسترعاء بصفر، فيقضي عليه بذلك؛ إذ قد أعذرت إليه فلم يأت بمدفع، ويخزن من الثياب للطالب خلف البساط الذي ثبت له وحلف عليه، إن كانت اليمين اللائحة إلينا فيما أدرجته قد ثبتت عندك: فإنك لم تضمن ذلك خطابك.
وأما المنار فلم يثبت فيه لخلف ملك ولا يد إن لم يكن إلا ما أظهرت إلينا، ولا يسمع إقرار الأب له في خصامه للابنة والصهر بعد ما طلب الكل لنفسه، ولا أيضًا ثبت على الأب إقرار بالمنار للابنة؛ لأن العاقد للإقرار إنما ذلك الثياب، والمنار ليس من الثياب
[ ٢٠٩ ]
فأرى أن تعمل فيه بما قاله أبو محمد -أكرمه الله.
ولو قال الشهود بابتياع خلف المنار أنه قبضه بالابتياع أو ابتاعه ممن كان حين العقد بيده لكان ذلك يدًا، كذلك الرواية والرهن لم يشهد به إلا شاهد واحد، فمن ثم قلت لك: إن خلفًا لم يثبت له في المنار ملك ولا يد. وقولهم في شهادة ابتياعه ولا يعلمونه خرج عن ملكه ولا يوجب شيئًا من ذلك ملكًا ولا يداه، حملنا الله وإياك على الصواب برحمته والسلام.
قال القاضي: تكلمت مع أبي مروان بعد ذلك في جوابه وقال: إن الرواية التي عني في كتاب السرقة: من ابتاع رجل سلعة، ففلس المبتاع، قيل لابن القاسم: أيسع الشهود أن يشهدوا أن هذا متاع البائع؟ قال: يشهدون أن هذه السلعة بعينها اشتراها هذا المفلس من هذا الرجل، ولا يشهدون إلا بما عاينوا وعلموا.
قال القاضي: زاد ابن أبي زيد فيها: وإنها كانت بيد بائعها، والحجة له إنما هي في هذه الزيادة لا في المسألة التي في الأصل؛ بل المسألة حجة عليه في ظاهرها وهي أقوى من تلك المسألة التي كتبناها؛ لأن حق الغرماء قد تعين في هذه السلعة التي ألفيت بيد المفلس فلا يزيلها عن ذلك إلا بشهادة بينة.
ويد فاطمة في تلك الثياب، والمنار ضعيفة؛ لأنه قد علم أن أصل مصير ذلك إليها من قبل أبيها، وقد كان مصدقًا في أنها عارية إذا لم تطل فيها المدة لولا الشهادة عليه بإقراره بها لابنته.
وما شهد به لخلف من المنار من الابتياع والرهن يد أقوى من يدها، مع روجوع أبيها عن الإقرار لها إلى الإقرار له.
وكان الصواب في الجواب أن يقال تستعاد بينة خلف في المنار، فإن بينوا م شهادتهم أنه كان بيد بائعه حين ابتياع خلف له تمت على ما زاده ابن أبي وزيد، وإن غابوا أو ماتوا عملت شهادتهم للمبتاع وبما تقيد منها يكتفي؛ لأنهم قالوا فيها: ابتاع بمحضرهم هذا المنار زيد، ولو لم يكن بيد بائعه وكان غائبًا، لم يشهدوا على عينه ولا عرفوه، وما جاوب به فيه ابن عتاب أجدر بالصواب والله تعالى أعلم.
[ ٢١٠ ]
فيمن ساق إلى زوجة نصف أملاكه مشاعًا ثم باع جزءًا من أملاكه مشاعًا ثم طلبت المرأة بعد مدة سيقاتها كاملة:
كتبت بها إلى ابن عتاب وغيره وكان قيام المرأة بعد خمسة عشرة عامًا من وقت البيع، فجاوب ابن عتاب: لها سياقتها فإن كان باع زوجها النصف الباقي على ملكه أو أقل منه كان لها الأخ الشفعة إن كانت لم تعلم بالبيع، وإن علمت فلا شفعة لها لطول المدة، وتكون الأملاك مشتركة بينهما وبين المبتاع للنصف.
وإن كان ابتاع منه أقل من النصف فالزوج أيضًا شريكهما بقدر ما بقي له، وإن كان باع أكثر من النصف وثبت أن المرأة علمت بذلك؛ مثل أن يبيع ثلاثة أرباع الأملاك، فهو رضي منها ببيع حصتها فيكون لها من الثمن ثلثه ويبقى لها نصف سياقتها وهو ربع الأملاك.
وإن لم يثبت أنها علمت حلفت أنها ما علمت ببيعه ولا رضيت به بعد علمها ولا أذنت له فيها وانتقص البيع فيما كان باعه من حصتها، وإن باع الملك كله فالجواب فيه على نحو هذا.
وإن كان المبتاع حاز ما ابتاعه ولم تغير ولا أنكرت سقط قيامها وطلبت الزوج بالثمن الذي باع به. وما اغتله الزوج من السياقة فعلية غرمه للزوجة، وما ابتاعه من عرض أو غيره بما اغتله فلا شيء للزوجة فيه.
وجاوب ابن القطان: البيع شائع في الجميع، وليس للمرأة إلا ثمن نصف المبيع إذا لم يكن لها عذر يمنعها من القيام المدة المذكورة، وما تجر به الزوج مما اغتله فالربح له إذا فعل ذلك لنفسه، وعليه لها ما اغتل من حصتها.
قال القاضي: في بعض جوابه اعتراض، وأصل جوابهما في هذه المسألة ما وقع في المختلطة فيمن ابتاع عبدًا فباع نصفه من يومه، ثم استحق رجل ربع جميع العبد، قال ابن القاسم: الربع شائع، ويأخذ المستحق الربع، ويرجع المبتاع على بائع النصف منه بقدر ما استحق من حصته من العبد إن شاء أو يرد إن شاء، وجواب ابن القطان مبني على هذا.
وقال سحنون: هذه خطأ ولا يقع الاستحقاق إلا على ما بقي بيد البائع دون ما باع، وعلى هذا أتى جواب ابن عتاب في مسألة السياقة وهو الصواب فيها.
وأما مسألة العبد فالصواب فيها قول ابن القاسم: إن الاستحقاق شائع في الجميع؛
[ ٢١١ ]
لأن البائع فيه غير متعد في المبيع؛ لأنه باع ما كان يملكه ثم طرأ الاستحقاق عليهما، وهما شريكان في العبد فليس لأحدهما أن يوقفه منفردًا على شريكه، وهو ظاهر صوابه.
وأما بائع جزء من الأملاك المسوق نصفها أو بعضها فلا حجة له في أن يجعل المبيع بينه وبين زوجه؛ لأنه في بيع شيء من حظها متعد عليها إذا باع بغير إذنها، وكأنه نادم في إخراج المبتاع في بعض المبيع إلى ما يمنع منه ويدفع عنه، وهذا فرق بين لا خفاء به والحمد له.
مسألة: من ساق من ماله إلى كنته سياقتين إحداهما بعض الأخرى ثم باع أملاكه بالقرية:
كتبت إلى ابن عتاب فيمن ساق من أملاكه بقرية كذا إلى كنته ربعها، ثم ساق إلى كنة أخرى ربع أملاكه بالقرية، ثم انعقد عليه بعد ذلك لإنسان ابتاع فلان من فلان جميع أملاكه بقرية كذا، واعتمر المبتاع الملك بمحضر المرأتين، وكان زوج أحدهما يعتمر معه.
ثم قام هذا المعتمر بعد عشرين سنة عن امرأتين بتوكيلهما يطلب السياقتين، وقال المبتاع: قد ابتعت من البائع جميع أملاكه واعتمرتها بمحضرك ومحضر المرأتين وكنت مناصفي فهيا، وقال الوكيل: ما نت أعتمر لهما إلا سياقتيهما.
قال القاضي: إن ثبت أنهما علمنا بالاعتماد المدة المذكورة فقيامها ضعيف، وإلا حلفنا أنهما ما علمتا ذلك إلا الآن وأخذتا ما سيق إليهما، وإذا كان في السياقة الآخرة أنه ساق إليها ربع أملاكه، فإنما لها الربع بعد إخراج الربع الأول، لا ربع الجميع إلا ببيان وكشف، وبالله التوفيق.
وكتب إلى أبي عمر الإشبيلي فيمن ساق إلى زوجته جميع ملكه بقرية كذا لم يزد على هذا، ثم قال: مع جميع الدار التي بموضع كذا وحدها كذا، مع نصف جميع ملكه بقرية كذا غير القرية الأولى ثم قال بإثر ذلك: في الدور والدمن والأفنية لم يزد على هذا، فوجد للسائق رحي بالقرية التي ساق جميع ملكه بها، وقال: إنما الرحى لي، وقالت الزوجة: هي لي، وقولك: في الدور والدمن والأفنية، إنما وقع على القرية التي سقت لي منها نصف جميع ملكك وبإثرها وقعت الصفة.
فكتب بخط يده: القول قول السائق وإن لم يدخل بها تفاسخا بعد أيمانهما إن شاء الله، وتأمل الذي علقت بعد هذا في البيوع لابن القطان والتي مرت لابن زرب في
[ ٢١٢ ]
الوصايا.
وفي صداق اخترق على القاضي: اقرءوا رحمنا الله وإياكم الصداق حتى تأتوا على آخره، واكتبوا إلي بما يجب على الزوج والمرأة والشهيدين؛ فإنه جاءني من قام بالحسبة بهذا الصداق الذي اخترق، وقيل: إني أمرت به علي ما في الكتاب.
فأجاب أبو صالح: قرأت وفقك الله الصداق من أوله إلى آخره، فرأيته قد بني على أن القاضي قدم لعقده وأبرز لإتمامه، فإذا صح عند القاضي - أكرمه الله- أنه مخترق مفتعل وجب فسخه وتأديب عادقه وشاهديه والناكح أدبًا بليغًا، يكون شرادًا غيرهم ومقمعة لمن سمع بهم منأمثالهم، وهذا قول مالك في التأديب إن كان دخل بها، وإن لم يدخل رأى القاضي رأيه في الحمل عليهم ما يكون زاجرًا لهم وواعظًا عن فعلهم إن شاء الله.
وقال ابن لبابة: يعاقب الشاهدان عقوبة شاهد الزور ويطاف بهما كما يفعل بأهل الزور؛ لأنهما قد أقرا بأنهما شهدا على ما لم يسمعا، وهذه شهادة زور؛ إذ شهد على ما لم يشهد عليه، ويعاقب المنكح على ما افتأت على القاضي، وأما الناكح فهو أعذر، لعله يقول: لما شهد الشاهدان وعقد العاقد ظننت أنهم قالوا الحق؛ فهو عندي أعذر، والشاهدان والعاقد لا عذر لهم في افتئاتهم إن شاء الله.
في دعويات في صداق ودار بين الزوجين:
فهمنا -وفقك الله- ما تنازع فيه يحيى زوج أم الأصبغ وصفوان، في الدار المحدود في كتاب الصداق الذي تقارا به جميعًا، وقال صفوان ليحيى زوج بنته: ادفع لي سدس الواجب لي في هذه الدار، وقال يحيى: الدار بيدك أيها الأب لأني أقبضتكها يوم بنيت بابنتك، وقال الأب: لم تكن دفعت إلى الدار ولا قبضتها، ولكنك سكنت فيها معها، وقال الزوج: قد كانت زوجتي ردت إلى الدار إلا أني لم أقبضها.
فالذي نقول به: إن اليمين على الزوج: لقد أقبض الدار إياها، وكذلك ابتنى بزوجته وما قبضها يوم ردتها وأشهد مثله بإرجاعها إليه ووضع الكالئ عنه، وإن الدار التي فيها ساكن ليست الدار المذكورة في الصداق.
فإذا حلفت على هذا فلا حق له في الدار التي بيد الزوج إلا أن يأتي الأب بالبينة، قبل حلف الزوج أنها هي الدار التي في كتاب الصداق، وللزوج رد اليمين على الأب. قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ.
[ ٢١٣ ]
قال القاضي في هذا الجواب نظر لأنهم حملوا الدار في تصديق الزوج في دفع الدار المسوقة إلى الأب محمل ما يدعي دفعه، من النقد العين والعرض الذي قد ينقل ويغاب عليه، إذا كان ذلك بعد البناء، والدار لا تغيب ولا يغاب عليها.
فما المانع من أن يقال للزوج: عين لنا الدار التي أعطيت الزوجة في صداقها وأرناها، فإن عين دارًا، لا اعتراض لأحد فيها، ولا مانع دونها، حلف حينئذ وصدق، وإن امتنع من تعيين الدار وتشخيصها بالوقوف إليها بأن كذبه؛ إذ لا يعاب عليها ولا تنقل عن موضعها، وصدق الأب حينئذ في الدار التي يدعيها، وحلف وكانت لابنته.
وإنما جواب مالك وأصحاب في تصديقه في دفع النقد بعد البناء لأنه متعارف، وقد قال القاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره: إنما قال مالك هذا بالمدينة لأن عادتهم جرت بدفع الصداق قبل الدخول، فأما سائر الأمصار فالقول قول المرأة مع يمينها قبل الدخول وبعده؛ لأنه أقر بالصداق وادعى البراءة منه.
وفي سماع أبي زيد: إذا كان في صداقها خادم فطلته بها بعد الدخول فقال: قد صالحتني عليها بدنانير دفعتها إليها، قال ابن القاسم: لا يصدق، ولو أقرت بالصلح صدق في الدفع. فلم يصدقه هنا لإدعائه ما خرج عن المتعارف، ولا أبعد عن المتعارف به عن المعقول من ادعى دفع دارًا لا تجد بأقطار ولا يوقع بها على آثار، ومن ادعى المحال لا يسمع له.
فقال: وهذا بين الصواب إن شاء الله ﷿، وقد تقدم من قولهم مسألة بثينة وابن زياد، وفي مسألة كنزة وابن أصبغ ما هو الصواب فيه، الشاهد لصحة اعتراضي عليهم في هذه، والحمد لله.
فيمن أقر بالنقد وأنكر الشروط:
فهمنا- وفقك الله- إنكار العريف الصداق الذي وقف عليه لزوجته كنزة، وقال إنه لم يشهد بما فيه ولا يعرفه، وإنها زوجته، ويعرف النقد وحده، وقبلت شاهدين من شهوده وأعذرت إلى وكيله بمحضره، ثم غاب غازيًا وتمت الآجال على وكيله فلم يكن عنده مدفع، فيجب في ذلك أن تشهد لكنزه على كتاب صداقها، وتقع الشهادات تحت النسخة وعلى إعذارك وغيره من نظرك إن شاء الله. قاله ابن لبابة، وابن وليد، وعبيد الله، وابن معاذ، وغيرهم.
[ ٢١٤ ]
فيمن أقر بالصداق وشروطه غير شرط الرحلة:
فهمنا- وفقك الله- إقرار يوسف بن عياض بصداق زوجته عيشونة وفيها أنها مصدقة في جميع شروطها بعد أن تحلف في بيتها على ذلك، وقال: أشهدت على نفسي بما فيه إلا أني لم أفهم شرط الرحلة من دارها، والذي نرى أن إقراره بالصدق قد لزمه ولا ينفعه قوله: لم أفهم شرط الرحلة؛ لأنه مدع فيما ذلك، ولعيشونة أخذه بشروطه المذكورة في كتاب صداقها، قاله ابن لبابة، وابن معاذ، وأحمد بن يحيى.
في امرأة طلبت الأخذ بشروطها:
نظرنا- وفقك الله- في الصداق الذي شهد فيه عندك الشاهدان فإذا قبلتهما سئلت المرأة عما تطلبه من صداقها، فإن طلبت طلاق نفسها لغيبة زوجها التي هي مصدقة فيها في كتاب صداقها، وجب عليها أن تحلف بمحضر رجلين عدلين في مقطع الحق بالله لقد غاب عنها، ثم تسمى موضع الغيبة ووقتها الموقت لتلك الغيبة، ثم تطلق نفسها بما شاءت من الطلاق.
ثم تشهد لها - وفقك الله- بثبوت صداقها ويمينها وطلاقها نفسها وترجئ الحجة لزوجها- إن كانت عنده حجة- فيما ثبت لها في كتاب صداقها - قاله أيوب، وابن لبابة، وعبيد الله.
في صداق من أنكر الزوج بعض شروطه:
قرأت - وفقك الله- الصداق وإقرار المنكح بما فيه. وقوله: ظننت بالناكح خيرًا فأشهدت له بالقبض وإقرار الناكح بما في الصداق إلا شرط التصديق فوجبت اليمين على الناكح لقد قضي كما ذكر في الكتاب لحداثة عهد عقده، وجب على المنكح إثبات الصداق ليثبت به الشرط، فإن لم يثبت الصداق حلف أبو الجارية أنه ما أنكحه إلا بجميع ما في الكتاب من الشروط وغيرها فإذا حلف قيل للناكح: إما أن ترضى بذلك وإلا فالحلف أنك ما أنكحت على هذا الشرط، فإن حلف انفسخ النكاح، وإن نكل لزمه الشرط، وإن ادعى أبو الجارية أن له بينة بإقرار الناكح أنه لم يقبضه ضربت له الآجال في البينة، فإن أتى بها وإلا حلف على ما ذكرنا في الكتاب. قاله أيوب بن سليمان وجماعتهم.
وقال ابن لبابة: هذه الفتيا إذا كان قبل الدخول لأنه لا تحالف إلا قبل الفوت،
[ ٢١٥ ]
والبناء هو الفوت.
قال القاضي: إيجابهم اليمين على الناكح: لقد دفع بعد إشهاد المنكح بالقبض لهم بعد هذا، مثله في البيوع في مسألة ابن عبدوس ومسألة البنا، وهو خلاف لما ذكره ابن حبيب عن مالك في مثل ذلك؛ قال عنه: إذ تشاهد المتبايعان بعد دفع الثمن ثم طلب البائع الثمن، وقال: إنما أشهدت لك بقبضه ثقة بك، وأراد إحلافه لم يكن له ذلك.
وهذا نص لا يجوز خلافه رواية ونظرًا؛ أما الرواية فقد ذكرناها، وأما النظر فإن الله ﵎ لم يأمر بالإشهاد عند التبايع وغيره إلا لرفع هذا وشبهه من التنازع بين المتبايعين، وقد برأ ذمته مما كانت مشغولة من حقه فلا بسبيل له إلى العودة لشغلها به، ولو سومح في هذا وشبهه لارتفعت الحقائق وانحلت العقود، وذلك الضلال البعيد.
وقال أبو عبيد الله بن العطار في وثائقه: إذا انعقد في عقد التبايع أن الثمن كان طيبًا مقلبًا جيدًا، وأتى البائع بدراهم رديئة يزعم أنها من دراهم المبتاع وأنكرها المبتاع، فلا يمين عليه في ذلك لإقرار البائع بقبضها طيبة جيادًا، ولو سقط هذا الفصل من العقد لوجبت على المبتاع اليمين أنه ما يعرفها من دراهمه ولا أعطاه إلا جيادًا في علمه. هكذا في كتابه وذكر معه نظائر له، وهو الصواب الذي لا يصح خلافه.
والذي حمل الشيوخ على ذلك ما رواه أصبغ عن ابن القاسم فيمن باع سلعة ثم أتى يقتضي الثمن، فقال المشتري: لم أقبض السلعة، وقال البائع: قد قبضتها، قال: إن كان أشهد له بالثمن فقد قبض السلعة وعليه غرم الثمن.
قال أصبغ: ويحلف له البائع إن كان بحرارة البيع والإشهاد، لأن هذا من أفعال الناس، فأما أن يكف حتى إذا حل الأجل قال: لم أكن قبضت السلعة فلا قول له ولا يمين له على البائع.
وليست هذه المسألة كالتي أفتوا باليمين لأن هذه ليس فيها إشهادها بقبض السلعة، ثم قال: لم أقبضها، ولو كان ذلك فيها لكان جوابها جواب مالك في الثمن: إنه ليس عليه بعد الإشهاد يمين، ولما سكتا في مسألة أصبغ عن ذلك السلعة كان محتملًا لبقائهما عند بائعها، وإن كان تشاهدا على ثمنها فأرى اليمين في حرازة البيع والإشهاد.
وأما التي أفتوا فيها فقد أشهد المنكح بقبض النقد من الناكح وأبرأه منه، فلا سبيل له إلى طلبه به ولا إلى تحليفه عليه، كما قال مالك في البيع، والله الموفق للصواب.
[ ٢١٦ ]
وإيجابهم أيضًا باليمين على الأب في شرط التصديق الذي أنكره الزوج، إذا لم يثبت فيه عندي نظر تركت شرحه لطوله، إلا إن كان شر التصديق في هذا لنفسه لا لبينته، وفي هذا أيضًا ما يطول الكتاب بذكره.
مسألة في قيام المرأة بشرط المغيب على زوجها الغائب:
أظهر إلى الوزير أبي بكر ابن حريش عن عاتكة بنت علي عقد استرعاء في مغيب زوجها عنها، نسخته من أوله إلى آخره: يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون مسعود بن أحمد بعينه واسمه، ويعرفونه قد غاب عن زوجه عاتكة بنت علي منذ عام أو نحوه متقدم لتاريخ هذا الكتاب، بحيث لا يعلمون.
وكان قد أشهدهم على نفسه حين كتاب صداقها معه منذ خمس عشر متقدمة لتاريخ هذا الكتاب: أنه طاع لها ألا يغيب عنها غيبة متصلة يقيم فيها أكثر من ستة أشهر، إلا في أداء فريضة الحج عن نفسه، فإن له في ذلك مغيب ثلاثة أعوام، فإن زاد على هذين الأجلين أو أحدهما فأمرها بيدها.
والقول قولها عند المنقضي من أجليهما أو أحدهما بعد أن تحلف بالله لغاب عنها أكثر مما شرطه لها، ثم تقضي في نفسها ما أحبت، ولها التلوم عليه ما شاءت لا يقطع تلومها شرطها.
ويعرفون أن غيبة مسعود هذا في غير سبيل الحج، ويعرفون عصمة النكاح بينهما باقية إلى تاريخ هذا الكتاب؛ وهو رمضان سنة سبع وخمسين وأربعمائة.
وكتب ابن الأسعد، وفطيس بن محمد، شهادتهما على نصه.
وكتب أبو محمد المعيطي، وعبد الله بن محمد كامل مرسي فقرة ٢٤٢ الأموي، يعرف مغيب مسعود عن زوجة هـ عاتكة المذكورة ولا يعلم أنه انصرف إليها إلى تاريخ شهادته هذه؛ وذلك في شوال من العام المؤرخ، وشهد عنده الشهيدان بنصفه وعرفا عاتكة ومسعودًا حين شهادتهما هذه.
وشهد المعيطي بما قيده في شهادته، ووصل بها أنه يعرف مغيب مسعود بإشبيلية، وثبت عنده من قولها إنها تريد الأخذ بشرطها، وأعلمها بقبوله الشهود فلم يكن عندها مدفع.
وحلفت في بيتها لعذر منعها من الخروج: إن زوجها مسعودًا لم يؤب إليها منذ غاب عنها ولا كان في سكوتها المدة المذكورة إلا تلومًا عليه لا إسقاطًا لشروطها، وثبتت
[ ٢١٧ ]
عنده يمينها وشاور في ذلك الفقهاء وأدرج إليهم العقد المذكور.
فجاوب أبو عبد الله بن عتاب:
سيدي وليي، تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، وإذا قد ثبت عندك ما ذكرته على حسب ما وصفته فقد كان القاضي أبو المطرف رحمه يمرض شهادة الشاهد بحيث لا يعلم ويضعفها، لاسيما إذا طالت مدة المغيب.
ولقد شهدت له مجلسًا وقد حضره الفقيه القاضي أبوك -﵀- وجرى في هذه الشهادة بينهما مناظرة؛ إذ كان أبوك يذهب إلى إعمالها وإجازتها، ولكن زاد الفقيه أبو محمد في شهادته عندك أن مغيب الغائب إلى أشبيلية موجب للإعذار إليه إن كان لا يتعذر الإعذار إليه.
فإن تعذر فالعقد مفتقر إلى تصحيحه، إذ فيه تناقض لما قيل في صدره إنه غائب بحيث لا يعلمون، ثم قيل في آخره إنهم يعرفون مغيبه في غير سبيل الحج، وإذا لم يعلم حيث مغيبه فكيف يسوغ لهم أن يقولوا إنه في غير سبيل الحج؟! وهذا لا يجتمع ولا يتفق؛ أنهم عالمون وغير عالمين في حال واحدة.
فإذا صح العقد يرفع هذا وأحكامه نفذت القضاء بالطلاق وأرجأت الحجة للغائب إذا تعذر الإعذار وتقيد ذلك من نرك موفقًا إن شاء الله.
وجاوب أبو عمر بن القطان:
قرأت ما خاطبت به، وقد تقدم في بعض أجوبتي إليك في مثل هذا المغيب أن الشهادة فيه ناقصة حتى يكون الشهود قد قطعوا أن عصمة النكاح باقية بين الزوجين إلى تاريخ شهادتهم وبالمغيب أنه في سبيل الحج، والشهادة في هذا بقطع لا تنبغي، وإنما يشهد في هذا على العلم، وقول الشهود إنهم يعرفون إنما يعطى القطع؛ فلا يجوز مثل هذه الشهادة ولا يبنى (أ-٥٣) عليها، ولا يكون بمثلها تسجيل.
وذكرت أن المرأة حلفت أن سكوتها في المدة المذكورة وتلومها لم يكن إسقاطًا منها لشرطها، وهذه زيادة في اليمين لم تكن تنبغي ولم يكن ذلك عليها؛ إذ شهدت البينة أن الزوج أشهدهم أن لها التلوم عليه ما أحبت؛ لا يقطع تلومها شرطها، ولا يجب أن يحكم الحاكم إلا بما لابد منه، فتحفظ من مثل هذا وشبهه، فعلى ما جاوبك به الشيوخ المتقدمون وبه كان يفتون حكام المسلمون، عصمنا الله أجمعين.
[ ٢١٨ ]
وأما شهادة عبد الله بن محمد فلا توجب حكمًا، إذ لم يشهد غيره بمثل شهادته أكثر من الاستثبات في أمر الغائب والتأني فيه. وأما ما ذكرت من يمين عاتكة في بيتها لعذر ولم تبينه في خطابك فغير مجزئة عنها، فإن ذكرت العذر وقع الجواب عليه، وإلا فاليمين واجبة في مقطع الحق إذا صحت الشهادة، فإن كانت المرأة ممن لا تخرج نهارًا خرجت ليلًا، وحلفت بما يجب به الحلف، وبذلك يتم الحكم ويقع التسجيل، وأسأل الله لنا ولك خلاصًا جميلًا وعونًا على طاعته وتأييدًا إن شاء الله، والسلام.
قال القاضي: الزيادة التي زادتها المرأة في يمينها أنها إنما سكتت متلومة لا إسقاطًا لشرطها، كل ذلك ذكرها أبو عبد اله بن العطار، وأسقطها أبو عمر بن الهندي واحتجاج أبيه عمر بن القطان على أن الصحيح إسقاطها، بأن الشهود قد شهدوا بها غير بين؛ لأنها قد تقول في يمينها: لقد غاب عنها أكثر مما شرطه لها وما انصرف إليها، وقد شهد لها بذلك.
وكذلك تحلف إذا أرادت تطليق نفسها منه بعدم النفقة: أنه ما ترك عندها شيئًا ولا أرسل إليها بشيء وقد شهد لها به الشهود، وكذلك يحلف مستحق الحيوان وشبهه- في مقطع الحق- ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه، بعد أن تشهد له بذلك بينة وكذلك من شهد له بحق على ميت أو غائب.
وكذلك نص عليه أبو عبد الله بن أبي زمنين في يمينها في سجل القضاء لها الأخذ بشرطها في المغيب بعد أن أثبتت مغيبه.
قال: وشاور القاضي فلان من وثق به من أهل العلم فيما ثبت لفلانة فأشاروا عليه أن تحلف في مقطع الحق -احتياطًا للغائب- بالله الذي لا إله إلا هو، لقد غاب عنها زوجها فلان- في غير سبيل الحج- الغيبة التي شهد لها بها ما قدم عليه، وأكمل اليمين.
فهذا نص في ذلك ممن هو حجة، مع موافقة ابن العطار له فيما ذهبنا إلى بيانه، والله يعصمنا بهدايته، ولو انتقد أبو عمر على نفسه في جوابه أن الشهادة ناقصة، حتى يقولوا إن المغيب بعيد بحيث لا يعلمون لكان به أولى، لأنه كلام لهم ينقله غيره ولا يصح في النظر معناه؛ كيف يكلف من يقول: إنه غائب بحيث لا يعلمون أن يزيد غاب بعيدة بحيث لا يعلمون.
وكيف يصح الجمع بين اللفظين وهما معنيان متنافيان لأنه إذا قال: بحيث لا يعلم؛
[ ٢١٩ ]
فهو لا يعلم قرب المغيب من بعده، وإذا قال: غيبة بعيدة؛ فقد علم المكان بمقتضى كلامه، فكيف يصح قوله: بحيث لا يعلمون؟ وهذا بين لمن تأمله وقد سمعت من ينكره، وسيأتي في جواب لهم آخر في مسألة غائب.
وكذلك لو حصل قوله: وأسأل الله لنا ولك خلاصًا جميلًا إن شاء الله، لم يقله؛ لأنه كلام كقوله: خلصنا الله وإياك إن شاء الله، وهذا لا يجوز لأنه نفس ما نهى عنه النبي في قوله: "لا يقل أحدكم إذا دعا: اللهم اغفر لي إن شئت. اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مكره له" (١).
وجاوب أبو مروان في ذلك:
سيدي ووليي ومن وفقه الله وأرشده وأراه الصواب وأيده، أمثل ما في هذا عندي: إذا لم يفت الشهود بما في الاسترعاء بعده أن تستعيد منهم الشاهدات بالنص، فنكتب عنها شهادتهما على وجه الكتاب وسياق الصواب.
فإن اليقين الحاصل بأن الداخلة إنما دخلت من العاقد، واليمين في بيتها لا تجزئ؛ إذ ليس ذلك في شروطها المضمن عقد الاسترعاء الظاهر إليك، إلا لعذر تقوم عليه بينة، فإن تقيدت الشهادة على وجهها، بلفظ يصلح للمعنى المفهوم من المراد بالاسترعاء المذكور، نفذ الحكم على الغائب، وأرجأت له الحجة.
فإن كونه بأشبيلية لم يقم عليه إلا شاهد واحد ولا ثبت ذلك بواحد، وإن كان على ما هو من علو الحال، حمنا الله وإياك على الصواب، والسلام.
وفي مسائل ابن زرب: سأله ابن دحون عن حكم ثبت عنده مغيب رجل مدة، كان قد شرط لزوجته إن غاب عنها فأمرها بيدها، وأنها طلقت نفسها على سنة المبارأة، وأشهد الحكم على ذلك، وكان الشرط على الطوع، فقال القاضي: يس يلزمه إلا طلقة له فيها الرجعة ما لم تنقض العدة، وليس إشهاد الحكم على ثبوت تطليقها نفسها طلقة مباراة مما يمنعها من ارتجاعها في العدة.
وسئل ابن عتاب عمن جهز ابنته إلى زوجها وهي بكر بجهاز، وأخرج لها شورة، وأقامت مع الزوج أربعة أعوام، ثم قام يزعم أن تلك الشورة إنما أخرجها على
_________________
(١) الحديث أخرجه أبو داود ج٢، ص٧٧ برقم ١٤٨٣.
[ ٢٢٠ ]
وجه التزين لها والإصلاح عيها؛ أعارها إياها لا على أنها مالها.
فأجاب: إذا مضت المدة التي ذكرت فالأب غير مصدق فيما ادعاه من ذلك إن شاء الله ﷿.
قال القاضي: وكذلك الرواية عن مالك وابن القاسم وغيرهما في هذا في الواضحة والعتيبة وغيرهما، ولا خلاف أعلمه فيهما، وسئل ابن القطان عنها فجاوب: أن الأب مصدق فيما زاد على قدر النقد من الشورة، وهو خطأ من القول.
من شرط لزوجه ألا يتسري عليها:
في سماع يحيى عن ابن القاسم فيمن اشترطت على زوجها أن كل جارية يتسررعليها فهي حرة، وله يوم اشترطت هذا أمهات أولاد فوطئهن بعد الشرط، حنث فيهن وخرجت حرائر؛ لأن مسيسة إياهن بعد اليمين تسرر، وقاله أبو زيد وأصبغ.
وقال سحنون: لا شيء عليه في أمهات أولاد اللائي كن عنده قبل النكاح، وإنما يلزمه الشرط فيما يستقبل. قال ابن لبابة: وقول سحنون جيد.
وقال أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم: حجة مخالفيه أقوى، واختاره أبو بكر بن زرب في مسائل ولم ير قول سحنون شيئًا، واحتج فقال: التسرر هو الوطئ، فإن وطئ لزمته اليمين. قيل له: فلو اشترط ألا يتسري عليها فنكح عليها، هل يمنع منذلك؟ قال: قال قيل له: ولم لا يمنع والتسرر وإذا تزوج وطئ؟ فقال: التسرر إنما يقع على وطئ الإماء، وليس هذا من هذا.
وقال أبو عبيد الله ابن أبي زمنين في المغرب: رأيت لبعض العلماء أنه سئل عن الذي يشترط لزوجته ألا يتزوج عليها ولا يتسرى بعد بنائه بها، فإن فعل فالداخلة طالق والسرية حرة، فتزوج قبل البناء وتسري، فقال: له أن يقيم على التي تزوج ولا يلزم فيهما شيء، وليس له أن يقم على وطء التي تسرر.
وفرق بين ذلك أن النكاح فعل واحد، والتسرر فعل بعد فعل، قال أبو عبد الله: وقوله هذا كله جيد وغير خارج عن أصولهم إن شاء الله.
قال القاضي: هذا كله يرد قول سحنون، والصحيح ما قالوه ابن القاسم ومن وافقه، والله أعلم.
[ ٢٢١ ]
فيمن حلف ألا يرحلها من دارها ما يطلب بكراء:
سأل ابن دحون القاضي ابن زرب، في ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وثلاث مائة، عمن شرط لزوجته في صداقها ألا يرحلها من دارها ما لم يطلب بكرائها، فإن طالب به فله أن يرحلها.
فقال القاضي: ذلك: جائز فقال: وإن طلب بكرائها فيما مضى، قال: ليس يلزمه إن كانت الزوجة مالكة نفسها عالمة بالشرط، فإن كانت مولى عليها أخذ بكراء ما مضى، ولم ينفعه ما عقد في سقوط الكراء عنه.
قال له ابن دحون: فإذا كانت ذات أب فهي في ولايته وأباح له سكنى الدار، لأي شيء لا يضمن الأب الكراء ويحمل محمل الهبة منه له، ولا يكون على الزوج شيء؟ فقال: ليس هبة، والكراء على الزوج، ولا شيء على الأب، ووقف على هذا؛ يريد وليس للأب أن يهب مال وله أو ابنته.
تزوج أمه فأنف بعض أهله من ذلك، أو تزوج المرأة غير شاكلة فأراد أهلها التفريق بينهما، ومن تزوج على أن يقيم لها دارًا.
قال ابن زرب: من تزوج أمة فأنف بعض أهله من ذلك، وقال له: طلقها وأنا أكتب لك كتابًا بمائة دينار في نكاح امرأة إذا بدا لك النكاح فطلقها، وكتب عليه كتابًا وأقام نحو ثلاثة أعوام لا يتزوج، ثم أعتقت وتزوجت ثم طلقت، وأراد الأول ردها، وقد مات الذي ضمن ذلك، فلا شيء له في مال الضامن لطول المدة، فلما طالت رأى أنه تارك النكاح.
وسئل في صفر سنة سبع وسبعين وثلاث مائة عن وليه لقوم؛ نكحها رجل طارئ مكفوف من أهل الشر والفساد، فأنكر ذلك عليها أولياؤها وذهبوا إلى فسخ النكاح، وكان قد بنى بها، فقال: لا سبيل إلى حل النكاح إن كان قد دخل بها، قيل له: فلو لم يدخل فوقف فقال: الذي لا أشك فيه أنه إذا دخل لم يفسخ النكاح.
قال أصبغ في النوادر: إذا زوج الأب البكر من رجل سكير فاسق لا يؤمن عليها، لم يجز، وليرده الإمام وإن رضيت هي به، وفي الوصي نحوه في آخر نوازله.
وقال ابن زرب في نوازله فيمن تزوج امرأة على دار يقيمها في قرية: إن كانت أرض يقيمها فيه جاز النكاح وبنى لها دارًا متوسطة، وإن كان لا أرض له لم ينفذ النكاح.
[ ٢٢٢ ]
قيل له: ولم لا يجوز ويشتري أرضًا يبنيها فيها كالخادم يتزوج عليها وليست معه ثم يبتاعها لها فينفذ النكاح؟ فقال: ليست مثلها، والفرق بينهما أن التسليف لا يجوز في الدور ويجوز في الخدم.
مسائل النحلة التي ينعقد عليها النكاح والتنازع فيها:
قال أبو عبد الله بن أبي زمنين في كتاب الأحكام له: من تزوج وهو كبير مالك لنفسه، ونحله أبوه نحلة انعقد عليها النكاح، ثم مات الأب قبل أن يقبض الابن نحلته؟ فقال: قال بعض العلماء: إنها نحلة تامة، وإن لم يقبضها الابن. قال: ومن هذا الأصل ما رواه ابن حبيب عن مطرف فيمن قال لامرأة له نصرانية: أسلمي، وأعطيك داري هذه، لدار له هو فيها ساكن، فأسلمت ثم مات الزوج قبل أن تقبضها المرأة؟
قال: الدار لها، والإشهاد يجزئها من الحيازة؛ لأنها ثمن إسلامها وليس باب العطية.
قال ابن حبيب: وقال أصبغ: ما أراه إلا كالعطية وعليها الحيازة، وإلا فلا شيء لها. قال ابن حبيب: ويقول مطرف أقول.
وقال أبو عبد الله بن العطار في كتابه: جرى العمل في النحلة التي ينعقد عليها النكاح: إنها جائزة، وإن لم تجز. قال: وقيل: إنه لا يستغنى عن الحيازة فيها، وليس عليه اعمل وذكر لنا ابن عتاب هذا القول عن فضل بن سلمة.
وأما ابن الهندي فذهب إلى هذا في النسخة الوسطى من وثائقه وهو في النسخة الكبرى عل ىالجواز وإن لم يكن احتياز، على ما ذكره ابن أبي زمنين وابن العطار وهو الذي رأيت العمل به دون اختلاف فيه: أن النحلة في النكاح تنفذ وإن لم تحز، وشاهدت شيوخًا يكتبون: نحلة النكاح إذا كانت دنانير حالة في ذمة الناحل حتى يؤديها.
وقال ابن العطار: إن كان المنحول مالكًا لنفسه؛ فلابد في عقد النحلة أن يقال: وقبل المنحول فلان هذه النحلة. وبذلك تتم، وإن سقط من العقد بطلت النحلة إن لم تحز في صحة الناحل.
ونزلت عندنا بجهة جيان وكتبناها إلى ابن عتاب، فأفتى أن النحلة نافذة إذا انعقد عليها النكاح، وإن لم يذكر في العقد قبول الناكح لها ولا حيزت.
قال: وقد سمعت شيخنا القاضي أبا المطرف بن بشر مرارًا ينكر قول ابن العطار هذا، ويقول: هو ضعيف؛ أنها إن كانت من شرط صحتها الحيازة؛ لم يعن هذا القول
[ ٢٢٣ ]
شيئًا، وإن لم يكن شرط صحتها الحيازة؛ لم يضر سقوطها ذلك القبول وبذلك افتى فيها حسون فقيه مالقة أنه لاكم ضعيف، ذكره بعض الموثقين ولم يسمه.
وأخبرني بعض أصحابنا عن أبي محمد بن دحون عن أبي عمر الإشبيلي أنه كان يقول في الرجل يأتي بوثيقة فيها: أن الدار التي يسكنها مع ابنته فلانة كان قد نحلها إياها عند انعقاد نكاحها مع زوجها: إن ذلك جائز نافذ، ولا يحتاج إلى حيازة في ذلك.
قال: وكان القاضي أبو بكر بن زرب يقول: هذا تحيل لإسقاط الحيازة ولبقائه في الدار، فلا يجوز ذلك ولا ينفذ إلا بحيازة.
قال القاضي: الصواب عندي ما قاله ابن زرب، وإذا اختلفت في وجوب الحيازة فيها ابتداء وكان الخلاف فيها ضعيفًا؛ قوي في هذا الوجه الذي هو فرع فيها.
وقال أبو محمد: قدم ابن زرب إلى الشورى قبل أبي عمر بست سنين، وسئل أبو محمد ونزت: عن امرأة نحلت ابنتها عند عقد نكاحها مع زوجها دارًا واستثنت منها غرفة تسكنها حياتها، فإذا توفيت لحقت الغرفة بالدار. والغرفة أقل من ثلث الدار؟.
فقال: هذه نحلة فاسدة؛ لأن فيها غررًا ولا يجوز؛ لأن النحل إذا انعقد عليها النكاح تجري مجرى البيوع في الاستحقاق وسقوط الحيازة وغير ذلك، وسواء كان المستثنى قليلًا أو كثيرًا، وترد النحلة إلى صاحبتها، ويفسخ النكاح بها قبل الدخول ويثبت بعده بصداق المثل. وفي هذا عندي نظر.
فهمنا-وفقك الله- ما قام به موسى بن صدقة علي قاسم بن أصبغ في النحلة التي نحلها قاسم ابنته رحمة إذ زوجها من موسى، وقول قاسم: إنه تسلف لها لمصاحها ستة عشر دينارًا وقت جهازها إلى زوجها موسى، وإقراره بالنحلة، فيجب أن يؤخذ بها؛ لأن الزوج على ذلك بذل.
وينظر إلى جهازه فإن كان فيه مثل نقدها وزيادة، صدق عليها فيما ذكر أنه تسلفها لها وحلف على ذلك وحوسب بما اغتله في هذه النحلة، فإن كان وصل إليه من غلتها مثل السلف برئت منه، وإن بقي له شيء أخذه من مالها.
وإن لم يكن ف يجهازها فضل عن نقدها لم يقبل قوله، إلا أن يكون زمان إخراجها إلى زوجها قد تطاول حتى خلقت ثيابها، ولم يتوصل إلى معرفة ذلك، فيصدق الأب حينئذ
[ ٢٢٤ ]
قال بذلك ابن لبابة.
ويؤمر الأب بإيقاف بينة عدل إلى هذه النحلة إذا أبرزها حتى يفهم صدق إخراجها وإظهارها. وقاله أيوب وابن معاذ وغيرهم.
ومن إدعاء أن ختنه نحلت ابنتها زوجته نحلة فيما بينها وبينه فله إحلافها، ولها رد اليمين عليه. قاله ابن لبابة وأيوب ومحمد بن وليد.
وقالوا في نحلة أنكرها الناحل: يتوجه الشاهدون للكرم والدار المنحولة ويسير معهم من يحضر حيازتهم، وتعدي المنحولة على ما حيز لها وتؤخذ أمها بغلةالنخلة التي أغتلتها من يوم نحلتها إلا أن يكون لها في ذلك حجة.
فإن عارض أحد فيما حازه الشهود رفع إلى القاضي ونظر فيها بما يجب.
ويأتي بعد هذا في مسائل الصدقات والأحباس مسألة حسنة من مسائل النحل اعتقبتها فكتبتها هناك: إذا نحل ثلث ماله وعليه دين.
[ ٢٢٥ ]