إذا كان طلاق من زوج أو موت فحضانته البنين إلى احتلام الذكران والبنات الإناث منهم للأم، فإن ماتت أو نكحت فلأمها، وإن لم تكن فلأختها خالة المحضون، فإن لم تكن لأخت المحضون، فإن لم تكن فلأخت المحضون، فإن لم تكن فلعمته، فإن لم تكن فلأبنة الأخ ثم للعصبة.
وقال الفقيه الحافظ أبو عبد الله، محمد بن عمر بن النجار: الذي تقرر عليه المذهب أربع منازل قبل الأب وأربع بعده، وهي على ما مثلنا، والله أعلم. وفي بعض ذلك اختلاف في الواضحة وغيرها.
ومن ذلك في أحكام ابن زياد: فهمنا-وفقك الله- ما طلبت عمة اليتيمة أمة الرحيم من حضانتها، لها وذلك لها إذا ثبتت، وهي أولى الأولياء إذا تزوجت الأم والخالة لها ولا جدة. إلا أن يثبت عندك سخطة حالتها وأنها في غير كفاية ولا حرز، فإن ثبت ذلك سقطت حضانتها وصارت إلى الأولياء، وسألت -وفقك الله- هل تسقط حضانتها ولد لها بالغ أو مقارب؟ فهذا لا يسقط حضانتها ولكن يتقدم إليها في التحفظ بها وإلا تفردها معه. قاله ابن لبابة، وأيوب، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد.
ومثله وصى نازع في حضانة اليتيم إخوته: فهمنا-وفقك الله- ما تنازع فيه وصي عبد الرحمن بن حاطب وأولاده في حضانته ابنة عبد الرحمن، وقول أخيها إنه أولى بحضانتها، وقال الوصي: هي عندي وأنا أولى بها. والذي يجب فيه ما قاله أهل العلم أن الوصي أولى بالأيتام من العصبة، وإنما الحضانة للجدات والخالات والعمات، فإن عدمن فالوصي أولى من الولي إذا كان مأمونًا- قاله ابن لبابة، وأيوب، وعبيد الله، ومحمد بن وليد، وغيرهم.
وقال أصبغ في سماعه: إذا تزوجت أم الصبيان، فالوصي أولى بحضانتهم منها؛ جواري كانوا أو غلمانًا، وإن كان الجواري قد بلغن أبكارًا فالوصي أولى بالحضانة من إخوتهم من عمومتهم وإن كانوا أرضى، وإن انتقل إلى بلد آخر فله حمل الجواري والغلمان وليس لإخوتهم وعمومتهم أخذهم لأنه كالأب، وهذا نحو ما أفتى به الشيوخ.
ومالك في الموازية: وللجد أخذ الصبية إذا نكحت أمها، وأما الوصي فليس بينه
[ ٢٢٦ ]
وبينها محرك وكونها (أ-٥٥) مع وزج أمها أحب إلي لأنه ذو محرم منها، إلا أن يخاف عليها عنده فالوصي أحق.
وفي أحكام ابن زياد:
فهمنا-وفقك الله- ما كشفت عنه في أمر الصبيتين المسلمتين اللتين توفيت أمهما وتركت أما نصرانية وللصبيتين جدة لأب نصرانية، فالذي يجب فيه: أن الحضانة للجدة للأم النصرانية وهي أحق من الجدة للأب وإن كانت مسلمة. قاله ابن لبابة، وأيوب، وابن وليد.
وقال القاضي:
هذا مذهب المدونة وهو قول سحنون في سماع عيسى، وقال ابن الحارث في كتابه: روي البرقي عن أشهب أن الجدة للأب أولى من الجدة النصرانية. قال: وكذلك يقول ابن القاسم. وقال سحنون: الجدة أولى. ولابن القاسم في سماع عيسى: إذا تزوجت الأم فالأب ألوى ببنيه من خالتهم وإن كانت مسلمة. وليس على هذا العمل.
ومن تزوج امرأة ولها ولد صغير أو له:
ابن زرب في مسائله: إذا تزوج امرأة وله ولد صغير من غيرها فأراد إمساكه بعد البناء وأبت من ذلك، قال: إن كان له من يدفعه إليه من أهل يحضنه له ويكفله؛ أجبر على إخراجه عنها، وإن كان لا أهل له لم يكلف إخراجه وأجبرت هي على البقاء معه، ولو بنى بها والصبي معه ثم أرادت بعد ذلك إخراجه عن نفسها لم يكن ذلك لها لدخولها عليه. وكذلك الزوجة إذا كان لها ولد صغير مع الزوج على هذا حرفًا بحرف.
وفي سماع سحنون: عن ابن القاسم: ليس للرجل أن يسكن أولاده مع امرأة له أخرى في بيت واحد ولا مسكن واحد يجمعهم إلا أن ترضى بذلك.
وفي سماع ابن القاسم، إن أسكن امرأته مع أبيه وأمه وأهله فشكت الضرر في ذلك؛ قال مالك: ليس له أن يسكنها معهم، فإن احتج بأن أباه أعمى نظر في ذلك فإن رئي ضرر حلوها عن حالها.
والنفقة واجبة للزوجة على زوجها إذا بنى بها أو دعي إلى البناء بها شريفة كانت أو وضيعة غنية أو فقيرة، ولا حد لها إلا على قدره وقدرها مع اجتهاد السلطان عند نزول الأمر، وعلى حال الزمان، فإذا لم يتفقا في ذلك على شيء وطلبت المرأة من
[ ٢٢٧ ]
السلطان أن يفرض لها عليه فرض لها من المعاش قفيز قمح في الشهر، بالكيل القرطبي وهو فيها وسط من القوت، وهو بالمد أربعة وأربعون مدًا. هكذا قال ابن حبيب في ذلك كله، ويريد بهذا المد مد النبي ﵊، الذي هو رطل وثلث قال ابن حبيب: وقال ابن القاسم: يعرض لاه في مثل بلدنا، ويعني مصر ما بين الويبتين إلى الثلاث، والويبة: مقدار نصف قفيز بالقرطبي لأن في الويبة اثنين وعشرين مدًا.
وسئل مالك عن ذلك كله فقال: يفرض لها ببلدنا هذا مد كل يوم، بالمد الهاشمي، وهو مد وثلث بمد رسول الله -ﷺ- فهذه في الشهر أربعون مدًا بمد النبي -ﷺ.
وفي المدونة: أن مد هشام مدان إلا ثلثا بمد النبي ﷺ. قال ابن حبيب: والفرض لها من الإدام: الزيت والخل على اجتهاده وعلى حال البلد، وأرى أن يفرض في بلدنا ربع خل، ونصف ربع زيت في الشهر؛ لأنهما الإدامان اللذان يدور عليهما المعاش كله، من السخن والبارد مع الاستسراج من الزيت، ويفرض لها اللحم المرة بعد المرة، لا في كل ليلة. والوسط في الجمعة يومًا وليلة، وأرى أن يفرض لها مع اللحم درهم في كل جمعة إذا كان زوجها موسرًا ولصرف في الشهر لنوائبها من ماء وطحن وخبز ودهن وغسل ثياب درهمان أو ثلاثة في الشهر، ويفرض لها من الحطب الحملان في الشهر، ولا يفرض لها سمن ولا عسل والقطنية ولا صير ولا جبن ولا غيره إلا إن كان منها في ذلك.
وأما الكسوة فتنصرف إن كانت حديثة عهد بالبناء وشورتها من صداقها عندها فليس لها غيرها، لا في ملبس ولا في مفرش وملحف، بله الاستمتاع بذلك معها، والكلام لها فيها، بذلك مضت سنة الإسلام وحكم الحكام. يريد إلا إن كان صداقها يسيرًا كما ذكرت فعليه ما لا غنى عنه بها، وذلك في الوسط (ب-٥٥) فراش ومرافقة ولحاف وإزار وليد تفرشه على فراشها في الشتاء، وسرير يكون عليه فراشها إن كان لا يستغنى عنه لعقارب تخاف أو حيات أو فأر أو براغيث، وإلا فلا سرير عليه، وعليه من الحصر ما يكون عليه الفراش حصير حلفًا وحصيرتين أو بردي.
ولباسها قميص وفرو عليه لشتائها، من لباس مثلها من قرفاة أو قنليات وقميص يواري الفرد ولفافة سابغة برأسها أو مقنعة سابغة فوق اللفاة تجمع بها رأسها وصدرها، فإن لم يكن خمار فإزار تقذفه على رأسها وتجمع به ثيابها، وخفان وجوربان يكون الخفان والفرو لسنتين ثم يجدد ذلك لها، ويكون عنده مما وصفنا السنة ثم يجدد ذلك لها، ويكون
[ ٢٢٨ ]
عنده مما وصفنا السنة ثم يجدد ذلك والحكم مخير، إن شاء أخذ هذا كله لها باسمه، كما وصفنا، وإن شاء أخذه بأثمانها ثم دفع ذلك إليها ما كان منه لشهر فمشاهرة، وما كان على السنة فسنة سنة، وما كان لسنتين فكذلك ما فعل منه فهو صواب.
وإذا عجز عن ذلك ووجد ما يرد به مخمصتها من الخبز وحده ولو يومًا بيوم، وما يواري به عريتها ولو بثوب واحد، وإن كانت من ذوات اشرف لم يفرق بينها، فإن عجز عن هذا أو عند أحدها فرق بينهما إن طلبت ذلك بطلقة واحدة، له فيها الرجعة إن أيسر في العدة بعد أن يتلوم عليه في ذلك الشهر أو الشهرين، ولا يفرق بينهما للعجز عن إخدامها.
قال فضل: رأيت مذهب ابن المواز ألا يكسوها إلا ما يشبه مثلها، وإن عجز عن ذلك فرق بينهما وليس له أن يكسوها إلا ما يشبه مثلها، وإن عجز عن ذلك فرق بينهما وليس له أن يكسوها ثوب صوف، وإن لم يجد سعة، إذا لم يشبه مثلها وحكاه عن أشهب.
وفي سماع عيسى عن ابن القاسم: إن عجز إلا عن الطعام وغليظ كسوة القطن أو الكتان لم يفرق بينهما. وهو نحو ما ذكره ابن حبيب.
وكذلك عن القاسم في سماع يحيى: إن لم يجد إلا قوتًا في غليظ العيش كالشعير أو السلت أو القمح غير المأدوم وشبهه، والفسطاطي، فلا يفق بينهما. وإن لم يجد نفقة خادمها وإن كان بلدهم لا يتجاوزون فيه الشعير ولا يستخف بحال، فليس له أن يخصها بذلك.
وفيه عن ابن وهب: إذا وجد ما يرد به جوعها من الخبز، ويواري جسدها من العري، ما سوى الشمال والعباء إذا كان ما يسكوها شبيهًا بالفسطاط ونحوه: أجزأه إلا إذا لم يجد غيره. وإن عجز عن أحدهما طلق عليه. وكله نحو ما في الواضحة.
وذكرته توطئة لما تذكره من فرض المتأخرين، فيكون أبين من طالعه من المفتين والمسلمين وبالله تعالى نستعين.
في أحكام ابن زياد في امرأة طلبت زوجها بالنفقة:
طالبت عندي-رحمك الله- امرأة رجلًا بالإنفاق عليها، وادعت أنه زوجها وأقر بذلك، وقال: إنه قد بني بها وأنكرت هي البناء، وقالت: إنه أحبلها وكان يختلف إليها غير اختلاف بناء، فقالت: صداقي قبله فليعطيني إياه وليبن وليحر من الآن النفقة علي. فقال
[ ٢٢٩ ]
ابن لبابة: القضاء-أكرمك الله- ألا يحكم بالنكاح إلا بثبات الأصل، فإن أرادا أن يثبتا النكاح فليثبتا عقد النكاح، والذي ذكرت من الصداق إذا تقارا بالحمل إنه منه فقد تقارا بالمسيس، وبالمسيس يسقط عن الزوج النقد بعد يمينه؛ لأنه بينهما كشاهد عدل مع يمينه، ثم يسقط عنه.
وأما النفقة فإذا ثبت النكاح وجبت النفقة، وإن اختلفا فيها فلابد من فرضها إن شاء الله.
قال القاضي:
إن كان هذا الجواب في طارئين في البلد كان جوابًا صحيحًا، وكذلك إن كانا من أهل البلد وكان نكاحهما فاشيًا معروفًا بموضعهما وعند جيرانهما، فإن لم يكن شيء من ذلك ولا قامت بينة على أصله فهما زانيان، إن أقر هو بمسيسها، وإن أنكر ذلك وأنكر نكاحها كانت هي الزانية دونه، وإن طلبها بقذفها إياه حكم له عليها.
وقال في الواضحة من قول مالك وأصحابه في النكاح بغير شهود: إن انتبها لذلك قبل البناء أشهد لما يستقبلان، وإن لم يشهدا حتى ابتنى بها ووقع المسيس فرق بينهما، ولم يصدقا، فإن كان أمرهما فاشيا درئ الحد عنهما، عالمين كانا أو جاهلين، وإن لم يكن أمرهما فاشيًا حدا عالمين (أ-٥٦) أو جاهلين، هكذا أوضح لي ابن الماجشون وأصبغ فيه، وهو أحسن ما سمعت.
وقال ابن القاسم: إن لم يعذرا بالجهالة حدًا وإن كان أمرهما فاشيًا، ولست أقول به ولا وجدت عالمًا يقوله غيره، وقد قال رسول الله -ﷺ- "ادرءوا الحدود الشبهات" وقد كان ابن لبابة يلزمه أن يشير إلى هذا المعنى في جوابه وينبه عليه.
امرأة طلبت زوجها بإنفاقها عليه والشهادة بعدمه ودعاوى:
قال ابن لبابة: فهمت-وفقك الله- ما ذكره ابن عبد السلام وابن سهل إذا وقفاني بما معهما من الكتب، فنظرت في ذلك فأول ما أخرجا نفقة ابنة الجملي على زوجها، وذكر أن الزوج أثبت عدمه وسألا النفقة على العدم، ويجب في ذلك أن يحلف الزوج في مقطع الحق ما له مال عرض ولا ناض، فإذا حلف فرض عليه على قدره، وقد فرضنا بمحضره ورضي وطبعت عليه.
[ ٢٣٠ ]
وأما ابن ثعلبة وصاحبه فقابلا كتابين بيده ابن ثعلبة كتاب مقرط، وبيد صاحبه كتاب مثله، فوجدناها حرفًا بحرف، وقد جاوبنا فيه إن شاء الله: إن الإنزال يجب إلا أن يقيموا البينة على الإنزال فإن عجزوا حلف صاحبهم أنه لم ينزل فلابد من الإنزال. وأما اليهودي، فإن زعم من يملك نفسه من ورثة ابن علاء أنه بيع من اليهودي والثمن عنده لزم اليهودي البينة، فإن عجز حلف البائع من ورثة ابن علاء أن الثمن الذي بيع به باق عند اليهودي ما علمه دفعه إليه، ويؤخذ بما أقر به اليهودي من الثمن بعد أن يحلف أنه الذي قضى فيه وما كان ابتاعه منه.
وقال محمد بن غالب وغيره في الشهادة لابن قعنب في العدم، وما شهد به لامرأته من أنه موفر الحال قائم الوجه إلى وقت شهاداتهم، وأنه باع دارًا منذ قريب: الوجه في ذلك أن من زاد في شهادته، أنه علم ما لم يعلم غيره أولى؛ لأن شهادة العدم قالت: نعلم، وشهادة اليسار قالت بقيام الوجه فيها، يؤخذ حتى يأتي ابن قعنب ببينة أنه أعدم هذه الأيام بجائحة أصابته، ويجب الحبس عليه بشهادة الشهود أنه قائم الوجه حتى يصح عندك خلافه.
امرأة ادعى عليها التزام نفقة ولدها خمس عشرة سنة، وقالت: إنها أنفقت على ولدها لترجع به على زوجها بار بن مصعب زوجة فاطمة: وله منها ولد، على أن تحمل والدها طيب نفقة الولد خمس عشرة سنة ومؤنته، والصبي ابن ثلاث سنين، وتشاجر أبوها وزوجها في هذه النفقة، فقالت الزوجة: أنفق على ولدك حتى يثبت لك ما تدعيه على أبي.
قال أيوب بن سليمان ومحمد بن وليد وعبيد الله بن يحيى: ينفق أبوه عليه الآن إلى أن ينظر بينه وبين جد الصبي المتحمل النفقة بما يجب، فإذا ثبت الشرط على طيب نظر فيه بما يراه أهل العلم ويجمعون عليه إن شاء الله.
دوقال ابن لبابة: إن أقر طيب بما ذلك من احتمال النفقة، وذكر أنه كان عن ضرورة، وذكر أن له بينة بذلك، والنفقة ساقطة عن الأب لازمة للجد حتى يثبت الضرر، فإذا أثبته ولم يكن الزوج في ذلك مدفع رجعت النفقة على الزوج أبي الصبي، ورجع طيب عن ابنته على الزوج بكل ما افتدت به وأسقطته عنه، ويرد على طيب كتاب الصداق والنحلة. وقاله ابن وليد.
[ ٢٣١ ]
قال القاضي:
جوابهم هذا على خلاف قول ابن القاسم في المدونة: إنه لا يجوز من شرط النفقة على الصبي في المبارة إلى حول الرضاع لا غير، وما زاد فهو ساقط.
وجوابهم على مذهب المخزومي وغيره، وهو قول سحنون نصًا في سماع ابن القاسم: يلزمها الإنفاق، ولو اشترط عليها الإنفاق خمس عشرة سنة لكان ذلك لازمًا لها.
والمسألة: سئل مالك عمن صالح امرأته على أن ترضع ابنه سنتين وتكلفه أربع سنين تمام ست سنين، فإن ماتت قبل ذلك فأبوها ضامن لنفقة الصبي إلى ست سنين، واشترط إن لم يكن هذا الشرط جائزًا فله الرجعة، قال مالك: هذا الشرط باطل، ولا يجوز في صلح أكثر من الرضاع، فإن وقع فما زاد على الرضاع ثابت على الأب ينفق على ولده، وإنما الصلح (ب-٥٦) إلى الفطام، وهذا على نحو ما في المدونة.
وقال سحنون: ما تقدم. وعلى قول سحنون ومن وافقه، وجواب الشيوخ العمل في جواز المبأراة على التزام الزوجة أو غيرها النفقة على الولد أعوامًا تزيد على عامي الرضاع، وعليه وضع المتقدمون وثائقهم، وقولهم إن أثبت طيب الضرر الذي كان التزام النفقة من أجله سقطت عنه ولزمت الأب.
وفي وثائق أبي عبد الله بن العطار خلافه. قال: إذا انعقدت المباراة بضمان الأم أو غيرها، للزوج ما لحقه من درك شيء من أسباب المباراة، فيثبت عليها ولاية أو غيرها مما يسقط عنها الالتزام لزم ذلك الضامن وقضي به للزوج، وإذا كانت المبارة بغير حميل، وثبت عدم المرأة أو ما يسقط عنها ما التزمته من ثبوت ضرر أو غيره، رجعت على الزوج.
وجواب الشيوخ في مسألة طيب ظاهرة خاف هذا؛ لأنه لم يلتزم ذلك في الأغلب إلا على سبيل الضمان عن ابنته، وقد أنكر أبو عبد الله بن الفخار في ذلك قول ابن العطار وقال: إذا سقط الالتزام عن المضمون عنها بثبوت ضرر سقط عن الضامن، إذا لم يرتبط بذمتها حق لأنه قد ثبت ما أسقطه عنها، وكذلك الضامن لأنه إنما ضمن ما ظنه لازمًا للمضمون عنها، وإذا سقط الأصل فالفرغ أولا بالسقوط.
وقد كتب إلى بعض فقهاء بطليوس في هذه المسألة في جملة مسائل في عشر الخمسين وأربع مائة وأعلمته في جوابي بالاختلاف بين ابن العطار وابن الفخار، وأن
[ ٢٣٢ ]
الاختلاف في هذا الأصل موجود لكبار أصحاب مالك، وتركت هنا ذكره اختصارًا وقد نبهنا عليه.
وقالوا في التي أنفقت على ولدها:
فهمنا-وفقك الله- ما قام به وكيل أمة الرحمن عنها من طلبتها النفقة التي ثبتت لها عندك على ولدها ويمينها التي أحلفها عليها؛ إذ كان ادعى عن أبي رباعة أنه كان قد دفع إلى أمهم نفقتهم من وقت كذا، إلى وقت كذا فحلفت أنها لم تقبض منه نفقة ولده منها، وإنما هي أنفقت عليهم من مالها لترجع به، فالذي يجب في ذلك أن يثبت عندك الوقت الذي قبضتهم فيه من العمة وخاصمت أباهم في النفقة. قاله عبيد الله، وابن لبابة، وابن وليد، وأيوب بن سليمان، ويحيى بن عبد العزيز.
قال القاضي:
قولهم: يجب أن يثبت عندك الوقت الذي قبضتهم من العمة؛ يدل على أنها مطلقة وإذا كان كذلك فالقول قولها مع يمينها في النفقة من يوم صاروا في حضانتها لا من يوم خاصمت أباهم فيه، كما قالوا، إلا أن كان خصامها فيها يوم قبضها لولدها وأقرت بقبض ما أنفقت قبل الخصام.
في فرض على مولى عليه:
فهمنا ما طلبه ابن خالد من الفرض له في النفقة والكسوة والإخدام، فرأينا له ذلك ويفرض له نفقة واسعة لسعة حاله، وذلك قفيز قمح مطحون، ومن الزيت نصف ربع الموقيد والإدام، وحمل حطب، وصرف سبعة دراهم لكل شهر، وإن اشتريت لها خادم فرض لها قفيز مطحون، ودخلت في هذا الصرف، ويشتري له طهارة وغلالة وسراويل لصيف مما يشبه مثله، ورداء وكسوة الشتاء فرو ومحشو وزوج أمواق وجوارب وخفان بلبودهما مما يصلح لمثله في سعة ماله. قاله محمد بن لبابة، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان.
وكانت فاطمة بنت خيرة إلى نظر أخويها عبد الملك وعبد الرحمن بإيصاء أبيهم بها إليهما على أن من عاقه منهما فالباقي منفرد بالنظر لها، وسكنت مع عبد الملك منهما من أول سنة سبع وأربعين وأربع مائة إلى أن توفي في عقب شعبان سنة تسع وخمسين، وأوصى عبد الملك بالنظر على صغار بنيه إلى زوجة أمهم عائشة.
[ ٢٣٣ ]
ووكلت عائشة عن نفسها وعن صغار بنيها ابنها حزب الله، ووكله أيضًا كبار إخوته على طلب حقوقهم كلها والمخاصمة عنهم فيها والإقرار والإنكار، توكيلًا (أ-٥٧) تامًا مفوضًا، فقام حزب الله على عمه عبد الرحمن الناظر مع أبيه عبد الملك لعمته فاطمة، وطلبه بإنفاق أبيه من ماله على فاطمة هذه المدة المذكورة على سبيل السلف في مطعمها ومشربها وكسوتها للباسها ورقادها.
وأثبت عند الوزير صاحب الأحكام ابن حريش موت أبيه وعدة ورثته، وتوكيل إخوته الكبار له وسكنى عمته فاطمة مع أبيه عبد الملك في دار واحدة المدة المذكورة، وأنه أشهد مرارا على نفسه في خلال تلك المدة أنه إنما ينفق من ماله عليها ليرجع به في مالها إذا بيع أصل من أصولها، وأن فاطمة أقرت بذلك أيضًا على نفسها بعد وفاته وأنه اق له عليها لم يتأد إليه عنها.
وأثبت عنده ملكها للدار التي بداخل مدينة قرطبة بحومة مسجد البلنسي برحية أبان، وأن لها أيضًا ثلث دار بهذه الحومة وباقيها لأخيها عبد الرحمن، وسكنى عبد الرحمن لهاتين الدارين المدة المذكورة، وحيزت الداران وثبتت حيازتهما عند صاحب الأحكام.
وحضر مجلس نصره عبد الرحمن، واعذر إليه في جميع ما ثبت عنده ما تقدم ذكره، فقال: إنه لا مدفع عنده في ذلك، إلا أن أخاه عبد الملك المتوفى إنما أنفق على أختهما فاطمة من مائتي مثقال أثنتين ذهبًا قرطبية نصفية كان أبوهم خيرة وهبهما لها وأعطاها عبد الملك ليجهزها منها وينفق عليها بعضها، إلا أنه لا بينة له على هذا.
وثبت ذلك من قوله عند صاحب الأحكام، وشاور في ذلك كله أهل العلم ابن عتاب وغيره، فقالوا: الكراء لازم لعبد الرحمن في سكناه دار فاطمة المدة المذكورة، وفي سكناه أيضًا حظها من الدار الثانية على ما يقومه أهل البصر في تلك الأعوام، وإن إعداء ورثة عبد الملك بما أنفقه أبوهم على فاطمة في هذا الكراء وفي ثمن ما ثبت لها من الأصول بها واجب بعد يمين من يملك نفسه منهم: أنه ما يعلم موروثة عبد الملك قبض من ذلك شيئًا ولا وهب منه قليلًا ولا كثيرًا، وأنه لباق عليها إلى حين يمينه هذه، ولا نعلم ما ادعاه عبد الرحمن من المائتين مثال التي زعم أن أباها وهبها لا.
وأخذ بذلك من قولهم، ووجه من وثق بدينه ومعرفته إلى تقويم كراء الدارين، وقومت كل واحدة نهما عامًا بعامًا؛ فتحمل في ذلك مائة مثال وأربعة وأربعون مثقالا
[ ٢٣٤ ]
ونصف مثال وأحضرها ودفعها إلى الورثة وقبضوها وخاصهم بها في بعض ما وجب لهم من إنفاق أبيهم على فاطمة عمتهم، وبقي سائره حتى يباع فيه من الدار والثلث الثابتين ما ينتصفون منه وفرض لها بعض الفقهاء في نفقتها في تلك الأعوام وكانت هذه المحجورة امرأة كبيرة -ربعي دقيق قمح، وثمني زيت، ونصف حمل متوسط من حطب، وثلاثين درهمًا في صرف، وفي غلاء السعر ربعًا ونصفا مندقيق وثمنا ونصفا من زيت، وللباسها في العامين قميصين وسروالين وخفا ومقنعًا من كتان، وفي زمان البرد محشوًا وفروا لثلاثة أعوام، ولرقادها ملحفة ومرفعة لثلاثة أعوام وكساء فرقسيًا وفراشًا مملوءًا بصوف لأكثر من هذه المدة على حسب ما يرى، وكان أخوها عبد الرحمن وصيًا قد أراد أن يضمها إلى داره لتسكن معه وأبت هي إلا السكنى مع بني أخيها، فأفتى بعض الفقهاء أن لها السكنى حيث شاءت.
وفرض غيره بغير قرطبة لرضيع قميصين ومحشوًا وبنيقتين وفسقيتين من كتان ولفافتي كتان ولفافتي صوف وشويزكة في مهد، وقطعة نطع للشويزكة ومخدة مملوءة صوفًا ونصف ملحفة ولحيف كتان محشو قطنًا، ولنفقته في الشهر ربع ربع دقيق وثمني زيت طيب للأكل وثمنًا واحدًا للوقيد، وربعًا ونصف من فحم، وأجرة الرضاع، وكراء ومسكن له.
وفرض غيره لابن ستة أعوام فقصر في بعض وأفرط في بعض، قال: في الشهر ربعًا وربع ربع من الدقيق الطيب، ومن الزيت العذب ثمنًا، ومثله للوقيد، ومن الحطب الجزل حملًا من أربع حزم، ومن الصرف نصف مثال يدخل فيه أجرة الفران ومعلم القرآن والحمام والحجام، وله كراء بويت من المسكن الذي يسكنه مع أمه ويخدمه من يوقم بجميع أموره، ويكسى في العام للباسه قميصين من كتان لين ومحشو (ب-٥٧) كتان رقيق أو ملحم صفيق وزوجي سراويلات من كتان، وله من الأخفاف الجراد ثلاثة أزواج، وفي البرد فرو خرفان وجوارث صوف وكبيلة من خز وغفارة برارية، وللرقاد مربعة كتان ملونة ومخدة من كتان بيضاء مملوءتين صوفًا ونطعًا جديدًا، وملحفة كتان جديدة لينة ولحافًا جديدًا من كتان محشوًا بالقطن، وللبيت الذي يسكن فيه مع غيره حصير حلفا ومقعد صوف مبطنًا بجلد ووسائد صوف لزمن الشتاء ونمرقة جلد لزمن الصيف وما يحتاج إليه من أواني الفخار للعجين والاستقاء والشرب وغربال الدقيق وحبل البئر. فهذا
[ ٢٣٥ ]
ما حضرني في ذلك بعد الاجتهاد والتقصي.
قال القاضي:
كتبت هذا الفرض على نص ما أفتى المفتي ليقف متأملة على نقصائه وما زخرفه من هذيانه، وعلى جهله وقصر علمه وعقله كذكره الحجام والحمام وكبيلة خز، ومالك ﵁ يكره دخول الحمام ولباس الخز، وهو يفرضه، وأدخل في الصرف بعد أن حده الفران ومعلم القرآن، ولعل ذلك مما يستغرق المسمى للصرف فيبقى المفروض له دون صرف، وغير ذلك مما هو لغو وهو أدخل في الهذيان منه في التفسير والبيان، والله المستعان.
وليس كل من يفتي يدري أيفتي أم يهذي، وما كل من أجرى يقال له مجري، وقد كنت علقت فصلا لغير هذا المفتي في فرض أيضًا يشبه هذا في الاحتفال والتكثير والخطل والفتور، ورأيت ترك الاشتغال به أولى بنا وأجمل بكتابنا.
وسألت ابن عتاب عن المطلقة المرضع والحامل: هل لها خدمة على الزوج إن كانت عنده مخدومة قبل الطلاق؟ فقال: لا خدمة لها؛ لأن المرضع إنما لها أجرة الرضاع فهي مؤاجرة بنفسها وكذلك الحامل لا خدمة عليها وعليها خدمة نفسها. قال: ويحتمل أن تزاد المرضع في الأجرة لاشتغالها بذلك وما يتكلف من مؤنته.
وفي المدنة في كتاب إرخاء الستور في باب ما جاء في نفقة الحامل والمحضونين، خلاف ما ذكر. وقد روي عن ابن القاسم في غير هذا أنه ليس على والد المحضون إلا النفقة، وليس عليه له كراؤه، وقال ابن وهب: لا خدمة عليه له ولا سكنى. وهو مثل ما قال ابن عتاب في الإخدام وبه جرى العمل عندهم ولم يكن ممن يخفى عليه مثل هذا.
وسألت ابن مالك عن ذلك فقال: الذي لم يزل يفتي به أن تزاد الحاضنة المرضع في الأجرة للخدمة إذا كان المولود له موسرًا، وإذا كانت المطلقة حاملًا مرضعًا فلمالك في سماع أشهب: لها نفقة الحمل ونفقة الرضاع جميعًا، ودليل المدونة أنها ليس لها إلا نفقة الحمل وحدها وهو الأظهر في النظر.
مسألة يوسف بن هارون في مغيبه عن زوجته ابنة عمر:
نكح يوسف هذه المرأة بكرًا، أنكحه إياها أبوها ثم غاب عنها قبل بنائه بها غيبة طويلة إلى الثيروان، فقام أبوها عندي يريد تطليقها عليه لعدم النفقة، وقال: إنه لا يريد الإنفاق عليها وأثبت عندي مغيب الزوج وأنه لم يتخلف لها شيئًا ولا أرسل إليها بشيء
[ ٢٣٦ ]
ولا رجع من مغيبه، وتلومت عليه شهرين وكتبت بذلك إلى قرطبة وغيرها.
فأفتى أبو عبد الله بن عتاب: إن قام الأب عنها بتوكيلها إياه على ذلك فإنما تحلف فيه الزوجة لا الأب، فإذا حلفت طلقت بنفسها وليس للأب قيام بذلك إلا بتوكيلها؛ إذ لها أن تتربص على زوجها وتنظره، وينفق عليها من مالها وعمل يدها.
وأفتى أبو عمر بن القطان:
لا يمين عليها ولا على الأب في ذلك، ولها أن تطلق نفسها، وأفتى أبو عمر بن رشيق فقيه المرية:
إذا ثبت المغيب وسأل النفقة لابنته بتوكيلها إياه على ذلك فلها النفقة من حين قامت، ويضرب السلطان للغائب أجل شهرين، فإذا انقضى حلفت الزوجة: أنه ما ترك لها نفقة ولا كسوة ولا شيئًا تمون به نفسها ولا تعلم له ما لا ترجع فيه، ولا أن الزوجية انقطعت بينهما، وتثبت هذه اليمين عند الحكم، ويكون لها أن تطلق نفسها (أ-٥٨) من زوجها طلقة واحدة وتتزوج ساعتئذ ولا عدة عليها إذا لم يبن بها.
قال القاضي:
قوله في يمينها: ولا أن الزوجية انقطعت بينهما لا اعلمه لغيره. وقول ابن القطان لا يمين عليها ولا على الأب في ذلك- لا وجه له، وقد تقدم من قول ابن القاسم وغيره أن السفيه يحلفه في حقه.
وفي سماع ابن القاسم عن مالك في بكر: أنها تحلف في موضع ثان والأصل في ذلك واحد، وانظر في المرأة تمرض فيقل أكلها وتطلب من الزوج فرضًا كاملًا أو تكون قليلة الأكل يكفيها اليسير وتطلب فرضًا كاملًا هل يقضي لها بذلك أم بقدر حاجتها وما يكفيها؟
وفي كتاب أبي بكر الوقار: وإذا مرضت المرأة فعلى زوجها النفقة عليها ولا يلزمه أن يجاوز ما يلزمه في صحتها، ليس عليه دواء ولا أجر طبيب ولا علاج إلا أن يتطوع بذلك.
وقال ابن زرب في مسائله فيمن التزم الإنفاق على رجل فأبى أن يكسوه: نزلت عندي في هذه المسألة فشغلت بالي مدة ثم ظهرت لي وكان وقال الملتزم: إنما أردت الإنفاق لا الكسوة وطلب الملتزم له ذلك الكسوة مع النفقة فلزمته أن ينفق عليه ويكسوه،
[ ٢٣٧ ]
والحجة لذلك قول الله تعالى: (وإن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن)، فأجمع أهل العلم على أنه ينفق عليها ويكسوها فالكسوة داخلة في الإنفاق.
قال القاضي: في هذا نظر وإنما هذا في كل نفقة يحكم عليه بها وإن لم يطع بها كنفقة الزوجات والآباء والأمهات والبنين والبنات والعبيد والإماء ونفقة العامل في القراض إذا كان المال كثيرًا والسفر بعيدًا، وأما من التزم الإنفاق على أحد ممن لم يقض له به عليه بل طاع له بذلك إحسانًا إليه وقال: إنما أردت المطعم لا الكسوة، وقال الآخر: قد التم إنفاقًا مجملًا فاكسني كما تطعمني، فهذا شيء لا يلزمه عندي بدليل ما في المدونة في كتاب الرواحل والدواب، قال مالك: فيمن تكارى إلى الحج ذاهبًا وراجعًا أو إلى بلد كذا على أن على الجمال طعامه؛ فلا بأس به ولا يصف النفقة كالمتزوج لا يجد نفقة وهو لا بأس به، وكذلك العبد يستأجر السنة على أن على الذي استأجره نفقته وكذلك لو كان حرًا. قال: فقلنا لمالك: فلو اشترط الكسوة، قال: لا بأس بذلك، فقلنا له: فلو استأجره بكسوة وصفها وبطعام قط. قال: لا بأس به. وكذلك إن كان مع الكسوة واطعام دنانير أو دراهم أو عرض بعينه لم يكن به بأس.
وفي كتاب الجعل والظئير نحوه، إلا أن مسألة العبد هنا أبين لفظًا، فقوله: فلو اشترط الكسوة بعد قوله: استأجره على أن عليه نفقته؛ يدل على أن النفقة لا تقتضي الكسوة في مثل هذا، ولو كانت عنده مقتضية لها لقال له إذ سأله عنها: لفظ النفقة يقتضيها فهو في غنى عنها.
وفي الواضحة قال ابن حبيب: لا بأس أن يسترجع الرجل المرضع لولده السنة والسنتين بشيء مسمى على أن نفقتها في طعامها وكسوتها على أبي الصبي؛ ذلك جائز، سمي النفقة والكسوة أو لم يسمها؛ لأن قدرها معروف وهذا بين في خروج الكسوة عن النفقة في هذا وشبهه، وله في موضع آخر في كتابه نحوه.
ويؤيد ما ذهبنا إليه أنه لو التزم الإنفاق على إنسان فأنفق عليه شهرًا أو سنة ثم قال: هذا الذي أردت ولا أزيد على ذلك، وطلبه الآخر بالإنفاق عليه حياته، لصدق الملتزم وما لزمه أكثر مما يذكر أنه أراده ولا يجوز غير ذلك، فكذلك إذا قال، إنما أردت المطعم لا الملبس.
وفي كتاب الصدقة من المدونة: فيمن تصدق بحائطه على رجل وفيه ثمرة قد طابت
[ ٢٣٨ ]
أو أبرت، وقال: إنما تصدقت بالأصل لا بالثمر، قال مالك: هو مصدق. قال ابن القاسم: ولا يمين عليه، وكذلك روي أشهب عن مالك في كتاب ابن المواز: أنه مصدق ولا يمين عليه في ذلك ويتخرج من بعض مسائل هذا المعنى أنه يحلف، من سماع أصبغ وغيره.
وفي كتاب ابن سحنون: من قال لك: في داري جزء، صدق فيما يسميه مما هو جزء، وكذلك في قوله: شخص أو طائفة أو سهم أو حق أو نصيب في قول أصحابنا، ويحلف. قال سحنون: وإن قال: لك في ثوبي حق ثم قال: هو رهن عنده، أو قال: لك فيه شرك بدرهم من ثمنه صدق. وفي هذا كله دليل على تصديق من تطوع بشيء فيما يذكر أنه أراده إلا أن يأتي (ب-٥٨) بمحال أو ما يبعده عرف وشبهه.
ومن هذا الباب من حلف ليتصدقن أو ليصومن ولم ينو شيئًا ولا سماه؛ صام من شاء وتصدق بالدرهم والنصف والربع على ما في نوازل سحنون، وكأنه استقل الفلس والفلسين. ولمالك في سماع أشهب من ذلك: ومن استرعى أنه متى أعتق عبده فلانا أو متى حبس داره التي بموضع كذا ثم أعتق أو حبس لم يلزمه شيء، وإن من يعرف التقية وصدق فيما يدعيه ويذكره.
وقد مر في كتابي هذا كلام ابن زرب أن كل متطوع مصدق ولو ذهبت إلى نقل ما يدل على صحة ما ذهبنا إليه في ملتزم النفقة أنه يصدق إن قال: لم أرد الكسوة، مما يحضرني الآن ذكره لاجتمعت منه ورقات والحمد لله. وأما إن قال ملتزم الإنفاق: لم تكن لي نية ي مطعم ولا ملبس فيقال له: قم بهما جميعًا، والله تعالى أعلم بالصواب.
وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت فما كان يعرف للرجل فهو له مع يمينه، وما كان يعرف للنساء فهو لها مع يمينها، على ما في الواضحة. وقال فضل: هو مذهب المدونة وقاله المشيخة السبعة. وقال سحنون: هو لمن عرف أنه من متاعه دون يمين. وما كان مما يشبه أن يكون لهما فهو للرجل مع يمينه. قاله مالك في سماع يحيى، وكذلك في المدونة، وقال ابن وهب وغيره: يقسم بينهما بعد أيمانهما، وقاله المغيرة، وقد روي عن ابن القاسم مثله.
وفي أحكام ابن زياد من ذلك ويتصل به كلام في دعوى ورضاع: أقرأنا القاضي -وفقه اله- كتابًا فيه فتيا أهل العلم فيما ألفى في دار المتوفي ابن وهب من الرقيق والدواب أنه للرجل إلا ما أقامت المرأة البينة عليه أنه لها بابتياع أو غيره مما يحق الملك
[ ٢٣٩ ]
لمدعيه، وذلك صواب من الفتيا وحق لا يجب لأحد اعتراضه إن شاء الله في فتيا أصحاب مالك ﵀.
ثم قال ابن سهل حين أشرنا عليك بتوقيف الخادم: إن الصبي يحتاج إلى من يخدمه، ودعا إلى كون الخادم بيدها، فلولا دعوى المرأة فيها لكان توقيفها لخدمته مما يجب للصبي. وزعم أنه يثبت صداق سيدة زوجة ابن وهب فإن كان ذلك قريبًا كان التوقيف للخادم فيما يعرف حسنًا وإن ادعى طولًا أمضيت النظر على ما أفتى به أهل العلم، فإن صح للمرأة شيء أخذت لها به إن شاء الله.
ولابد من معرفة عين الخادم أنها هي التي شهد بها للمرأة من يشهد من قبل أنهم قالوا ما في الكتاب من شهادتنا حق ولابد من معرفة عين سيده وأنها هي التي لها الصداق فإذا اوعبت نظرك على ابن سهل بتصحيح هذه المعاني وقف وكي الصبي على مدفع إن كان عنده ثم تأتي الفتيا حينئذ على ما يدفع به ونرى إخراج الدنانير عن يد الزوجة وإن طالت المدة في إثبات الصداق ووضعها على يدي وصي الصبي، وإن برئت المرأة برضاع الصبي ودعت إلى أجرة تجرى لها فذلك سواء، إلا أن يجد الوصي من يرضعه بلا ثمن فيقال لها: أنت بالخيار إن شئت أن ترضعيه بلا ثمن أو تبرأ منه قاله. محمد بن غالب، ومحمد بن وليد، وغيرهما.
وقال ابن زرب في مسائله:
بيت الزوجين أصله للزوج وما كان فيه من شيء كأن يكون القول فيه قول الزوج لولا أن المتعارف أن الزوجة يكون لها فيه أشياء، فما ادعت من شيء يشبه أن يكون ها وادعته لنفسها صدقت فيه مع يمينها وإن ادعت أن ذلك الشيء لغيرها ولغير زوجها لم تصدق وكان القول قول الزوج، واحتج عليه ابن دحون، وقال له: أرأيت رجلا له فدان فيه زرع قال هذا الزرع لفلان؛ لا شيء له فيه، وقام آخر يدعي أن الزرع له، أليس يكون الزرع للذي أقر له به صاحب الفدان فقال القاضي: بلى.
وبين هذه المسألة ومسألة الزوجة التي تقر بمتاع في البيت لغيرها فرق: وهو أن البيت أصله للزوج كما أن الفدان أصله لمقر له وما في الفدان على القياس فإذا نفاه عن ملكه وأقر به لرجل فكأنه شيء بيده وأقر به لربه وأعطاه إياه فعلى غيره مما ادعاه البينة على دعواه.
[ ٢٤٠ ]
قال القاضي:
اعتراض ابن دحون غير مطابق لما بسطه ابن زرب من معنى اختلاف الزوجين في متاع البيت وإنما كان يوافق اعتراضه ما أصله ابن زرب لو قال له فإذا كان البيت بيت الرجل وكان القياس أن يكون (أ-٥٩) له ما فيه إلا ما أخرجه اعرف عنه، أرأيت إن كان في البيت درع أو سيف أو غيره مما هو معروف للرجل فقالت المرأة: هي لي، وقال الرجل: ليس لك ولا لي إنما هو لفلان أودعه عندي، هل يكون لفلان الذي أقر له الزوج به، أم يكون للمرأة التي تحتج بيدها عليه وكونه معها في مسكنها؛ فتدبر كيف يكون الجواب في هذا وستأتي مسألة الفدان وزرعه، في موضعه في باب الدعوى إن شاء الله ﷿.
والطعام إذا تنازع فيه الزوجان وهو في مسكنهما هو للرجل مع يمينه وكذلك الذهب والدراهم إلا إن كانت المرأة حديثة عهد ببيع دارًا أو غيرها مما يشبه أن يكون المتنازع فيه ثمنها، فيكون لها ذلك مع يمينها.
ونزلت عند القاضي بقرطبة أبي بكر ابن منظور مسألة وهي: رجل كان يعرف بابن الصابوني كان ساكنا بغرة، ورحل إلى قرطبة فأودع عند إنسان بغرة بسطًا ومصليات صوف ثم مات بقرطبة، ونازع بنوه زوجه في تلك المصليات المودعة، وقالوا: هي لأبينا ولنا ميراثنا منها، وقالت الزوجة: بل هي متاعي ولي، وقال المودع: إن المتوفي جعلها عنده، فكنت أفتيت أنا فيها: أنها تورث عن الميت بعد يمين بنية أنها له، ووافقني كثير على هذا وخالف بعضنا، وقال: إنها للمرأة كما لو كانت في بيتها تحلف وتأخذها وهو عندنا خطأ من القول، والله ولي التوفيق.
[ ٢٤١ ]