قال محمد بن عبد الحكم في كتابه: إذا شهد شاهدان أن لفلان على فلان مائة دينار ولم يقولا: أقر بذلك، ولا غيره، إنما أطلقا الشهادة هكذا، لم أر شهادتهما تحقق شيئًا لن شهادتهما كأنهما حاكيان حتى يبينا ذلك فيقولا: أسلفه، أو أقر عندنا، أو ما يثبتان به ما شهدا فيه قد يجد من الناس من يحل يبيع النبيذ المسكر ويجعل له ثمنا أو غير ذلك.
ولو قالا: نشهد أن له عليه مائة دينار من ثمن سلعة اشتراها منه لم أقبل ذلك ولم ألزمه الشيء حتى قولا: وقبض السلعة.
وكذلك لو قالا: باعه سلعة بمائة دينار لم يقض بذلك عليه؛ لأنه ليس في شهادتهما ما يوجب أنه بقض لسلع.
وفي كتاب إن خرجت من هذا الدار في أمتى قرئ عليه كتابٌ فقال: اشهدوا علي بما فيه. وهو لا يصف شيئًا مما فيه حتى يقرأ عليه.
قال ابن القاسم: شهادته جائزة، وليس كل الناس يسوق ما أشهد عليه، وإن كان يكبت حتى يقرأ الكتاب، فإذا أقرته عرف شهادته وحفظها. فإن كان عدولا وأثبت ما أشهد عليه جازت شهادته.
وقال سحنون: من رأى خطه في الكتاب لا يشك فيه ولا يذكر كل ما فيه، فقد اختلف أصحابنا في ذلك. والذي أقول به: أنه إذا لم يرى في الكتاب محوًا، ولا لحقًا، ولا شيئًا ينكره ورآه خطًا وحدًا فأرى له أن يشهد بما فيه ويقول: شهد بما فيه، ولا يستطيع أحد أن يذكر جميع ما في الكتاب. وكذلك إن لم يذكر من الكتاب شيئًا إلا أنه عرف خط الشهادة ولم يشك أنه بيده.
وفي سماع أبي زيد: قلت لابن القاسم: كنت قاعدًا عند ضمام فجائني رجل فأشهدني على شهادة ضمام، فكتب شهادتي. ثم جاءني الرجل بعد حين بكتاب فيه شهادتي، وعرفت خطي، وأثبت أن ضمامًا أشهدني على شهادته في أمر دار، أذكر ذلك، غير أني
[ ٥٩ ]
لا أحفظ أن هذا الكتاب الذي فيه شهادتي قرئ علي، ولا أحفظ أنه أشهدني على هذه الدار التي في هذا الكتاب؟ قال: إن لم تثبت شهادتك بما في هذا الكتاب حرفً برف فلا تشهد.
وهكذا في "المدونة" فيمن عرف خط ولا يذكر الشهادة لا يشهد بها حتى يستيقنها ويذكرها.
وقال في سماع أشهب: يرفعها إلى السلطان على وجهها ويقول: أرى كتابًا يشبه كتابين، وأظنه إياه، ولست أذكر شهادتي، ولا يقل هذه شهادتي بخط يدي.
وقال عنه ابن نافع في المجموعة: قد أثبت غير مرة بخط يدي، ولم أثبت الشهادة، فلم أشهد، يقول الله سبحانه: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ (يوسف: من الآية ٨١).
وفي مسائل ابن زرب:
قال: إذا كانت الوثيقة منعقدة على الشهادة المشهدين لهم كالابتياع والصدقة ونحو ذلك فلا ينبغي أن يؤخذ الشهود بحفظ ما في الوثيقة، وحسبهم أن يقولوا أن شهادتهم فيها حق، وأنهم يعرفون المشهدين لهم.
وإذا كانت الوثيقة مبنية على معرفة الشهود كعقود الاستدعاء: يشهد المسمون في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون كذا وكذا، ورأى الحكم ريبة توجب الاستثبات فينبغي أن يقول لهم: ما تشهدون به؟ فإذا نصوا شهادتهم بألسنتهم على ما في الوثيقة نفذت إلا ردها، ولست في كل موضع ينبغي له أن يفعل هذا، ولا بكل الشهود، وإنما ينبغي أن يفعله ممن يخشى عليه الخديعة من الشهود.
قال: وربما فعلته.
وفي باب الأقضية في الثاني مسائل من الشهادات والرجوع فيها فتأملها.
وقال محمد بن عبد الحكم: ينبغي للحاكم أن يكتب شهادات الشهود بين يديه، ولا يلقن الشاهد، ويترك على ما عنده من العلم. ولا بأس أن يسأله عن تارخ شيء إن احتاج إليه، ولا يسأله عما يخاف أن يزيد في شهادته ولا ينقص منها.
وقال سحنون في المجموعة: إذا كتب الشهادة فيختمها ويضعها بموضع يثق به حتى ينفذ قضاؤه، وكذلك في كتاب ابن المواز.
وقال ابن حبيب: سمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: ينبغي للقاضي أن يمكن
[ ٦٠ ]
الناس من إيقاع شهاداتهم بأيديهم، ثم يرفعونها ليه موقعة. وهو فعل النسا عندنا بالمدينة في القديم والحديث؛ لأن الشاهد ربما أخجله مجلس القاضي فلا يقوم بشهادته.
قال أشهب في المجموعة مثله إلا أن يتهم القاضي أحد الشهود إذا كان للتهمة أهلا، فيكون له إيقاع شهادتهم عنده، ولا يقبلها منه موقعة في رقعة، ويكشفه لذلك عن تلك الشهادة، ويختبره بكل ما استطاع حتى يقف منه على حقيقة أمر أو يردها.
قال مطرف وابن الماجشون:
وإن تولى القاضي أو كاتبة إيقاع شهادات النساس فلا بأس، وينظرها إذا أوقعها كاتبه. وينبغي للقاضي إذا شهد الشاهد عنده أن يكتب شهادته واسمه وقبيلته ونعته، ومسكنه، ومسجده الذي يصلى فيه، والشهر الذي شهد فيه، والسنة. ثم يوقع ذلك في صك عنده ثم يجعله ديوانه لئلا يسقط للمشهود له شهادته، فيزيد فيها الشاهد أو ينقص.
وفي الخامس من كتاب المشتمل في الوثائق لابن أبي زمنين في تسجيل القاضي ببراءة في بتنفيذ وصيفة بعد ذكره انتساخ كتاب الوصية.
وأتى الوصي فلان إلى القاضي فلان بفلان ابن فلان فشهد عنده أن الذي في كتاب الوصية المنتسخ في هذا الكتاب من شهادته حق على حسب وقوعها فيه، وأنه لا يعلم الموصى بدل عهد هذا بغيره إلى أن توفي، فأحاط بميراثه في علمهم ينوه يقول فلان وفلانة، وأتاه بفلان بن فلان وفلان بن فلان فذكر له أن بن فلان عليل الجسم، مثبت العلة، لا يقدر على أداء الشهادة بنفسه، وأنه سألهم أن ينقلا عنه شهادته إلى القاضي، فنقلا عنه إليه مثل شهادة فلان بن فلان.
قال القاضي أبو الأصبغ: وسألت الشيخ أبا عبد الله بن عتاب عن تقييد نقل شهادة المريض إلى القاضي كيف هو؟
فقال: الذي كان يعمل في ذلك شهدعند القاضي فلان بن فلان زيد بن فلان وبكر بن فلان أن فلان بن زيد بن فلان وبكر بن فلان أن فلان الفلاني أشهدهما لمرضه المانع له من الخروج أن شهادته الواقعة في هذا الكتاب حق حسب وقوعها فيه، قال: وما يكتب اليوم وسألهما نقله جهل لا يجب عمله.
وأشهدني بحضرته في عقد له أبو محمد المغيطي، وأبو محمد الدباغ على شهادتهما،
[ ٦١ ]
وكان تاريخ العقد بعيدًا عن وقت إشهادهما لي، فقلت له: إن تاريخه بعيد. قال: لا ير ذلك، ولا يحتاج من أشهداه إلى ذلك تاريخ إشهادهما إياه.
وكنت عند أبي عمر بن القطان فجرى ذلك عنده فقال مثل ذلك.
وبه رأيت العمل بقرطبة لا يزيدون على كتب: وشهد على إشهادهما على شهادتهما بذلك.
ورأيت أهل أشبيلية يؤرخون وقت إشهاد الشهود على شهادتهم. والأمر عندي فيه واسع.
وقلت لابن عتاب: فما تختار لمن أشهد في عقد تاريخه غير وقت الإشهاد لأن بعض الناس يكتب وفلان بن فلان لفلاني: وكتب في شهر كذا من السنة المؤرخة أو من سنة كذا.
فقال لي: كان الناس يكتبون: وكتب في شهر كذا من سنة كذا. وانتقد ذلك صاحب المظالم أبو عبد الله بن عبد الرءوف فقال: أصحيح أن يكتب أشهده المتبايعان، أو المتبايعون، أو فلان، وفلان بما في هذا الكتاب عنهما في شهر كذا من سنة كذا. يردي ويقول: ومما بالحالة الموصوفة فيه، أو وهما بحال الصحة والجواز.
قال ابن عتاب: والصواب ما ذهب إليه ابن عبد الرءوف.
قلت له: فلو كتسب الشاهد شهادته ولم يرخها؟ قال: لا يفعل ذلك. قال بعض من حضر: لأنه كذب؟ قال: هو كذب. قال: وقد يقع في المشهد فيه تخاصم ونزاع يضطر فيه إلى تاريخ الشهادات، فلابد من تقييد شهادته بتاريخ وقت الإشهاد.
قال: وإنما استحب أكثرهم ترك تقييد وقت الإشهاد فيما أشهد فيه القاضاة والحكام من تسجيلهم وتقييدهم لأنه يؤمن فيه ما يخاف في الأول.
ورأيت في عقد تاريخه مستهل ربيع الآخر سنة خمسين وأربعمائة شهادة أبي مروان ابن مالك بخط يده، وعبيد الله بن محمد بن مالك، وذلك في ربيع الآخر المؤرخ فيه وكتب وهو عندي حسن جدًا والمعنى وعبد الله بن محمد بن مالك أشهده الموصي وذلك في ربيع الآخر.
قال: وقلت لابن عتاب: فمن نقل شهادته من الكتاب الذي أشهد فيه إلى كتاب انتسخ منه؟ فقال: لابد أن يذكر في شهادته ذلك؛ لئلا يكون الحق الذي فيه حقوقًا
[ ٦٢ ]
كثيرة، فقلت له: إن المعمول به في ذلك بطليطلة أن يصل المستنسخ له بتاريخ العقد والكتاب منتسخ من الأصل للحاجة إليه، ثم يكتب الشهود شهاداتهم. فقال لي: ليس هذا بشيء؛ لأنه لا يفهم مثل هذا أهؤلاء شهود الأصل أم غيرهم. وهو كما قال.
الذي كنا نكتبه ورأيت من يعمله: فلان بن فلان الفلاني نقل شهادته من الكتاب الذي نسخته هذا حرفًا بحرف، وذلك في شهر كذا من سنة كذا.
وهذه كلها معان حسان لا يستغني عنها من رغب الازدياد في العلم والتوسع في القهم.
الشهادة على الخط في حبس:
ونزلت بقرطبة مسألة في حبس ثبت بالشهادة على خط شهوده إذ كانوا قد ماتوا، وكانت الدار المحبسة قد بيعت، فلما أعذر إلى مبتاعها في شهود تحبيسها وحائزيها استظهر بعقد أشهد فيه المحبس أنه متى حبس تلك الدار أو غيرها من أصوله فإنه إنما يفعله تقية لمن يخشى ظزلمه، وأنه متى أمكنه إبطال الحبس فإنه راجع فيه غير ممض له.
وشوورنا في ذلك فاختلفنا فيه. ورأيت إثباتها هنا لأنه حسنة مشتملة على معان، وكان الناظر فيها آخرًا صاحب المظالم عبيد الله بن أدهم.
فخاطبنا: يا سيدتي وأوليائي، نفذ إلي – أعزكم الله – توقيع المعتمد على الله، المؤيد بنصر الله، أبقاه الله، بالنظر في أمر الدار التي قام فيها بالتحبيس محمد بن سعيد على محمد ابن هشام، وهي الدار المعروفة بدار القلنية.
فحضر محمد بن هشام وصيره عبد الملك وكيل زوجته تقية بنت محمد بن هشام الثابت توكيلها عندي في مجلس نظري، وحضر معهما أحمد بن عثمان وكيل محمد بن سعيد المذكور بعد أن أثبت عندي من توكيله له على الخصام عنه، وله بوكالة التفويض التامة ما جاز له به الخصام عنه.
وأظهروا إلي نسختين متقدمتين في قطعتين، وهما تحت ختم عبد العزيز بن سوار ففضضتهما فرأيت إحداهما قد تضمنت عقد التحبيس الذي قام به محمد بن سعيد وحيازة الدار المذكورة فيه، وموت سعيد بن يوسف وورثته، وغير ذك مما تقيد فيه.
وتضمنت الأخرى عقد التقية التي أظهرها محمد بن هشام وصهره عبد الملك وكيل لزوجته، وابتياع محمد بن عبد الله بن ذكوان للدار المذكورة من سعيد بن يوسف
[ ٦٣ ]
وحيازتها، وغير ذلك مما تقيد فيها من الشهادات وغيرها.
وألفيت حكم عبد الرحمن بن سوار قد انتهى إلى الأمر باعتقال الدار المذكورة والختم عليها، وإلى الإعذار وغيره مما ترونة.
وشهد عندي بحكمه المذكور من قبلت شهادته. والعقد بذلك في طرة كل نسخة منهما.
ثبت عندي على نصه، وثبت عندي بثبوته جميع ما حكم به ابن سوار إلى أن انتهى إلى اعتقال الدار وإلى الإعذار على ما تقدم.
وتصفحت ذلك كله فوجدته قد أعذر منه إلى محمد بن سعيد فيما أثبته محمد بن هشام وصهره عبد الملك وكيل زوجه من ابتياع محمد بن ذكوان للدار المذكورة المتصيرة إلى محمد بن هشام دون أن يكلف إثبات ما يجب عليهما.
فكلفتهما إثبات موت محمد بن عبد الله بن ذكوان مبتاع الدار المذكورة من سيعد بن يوسف وعدة ورثته وأن الدار جميعًا تصيرت إلى محمد بن هشام بالابتياع من الورثة ذلك فأثبتا ذلك كله عندي بمن قبلت شهادته، وأمر بحيازة الدار فحيزت، وثبت عندي حيازتها، وأمرت بعقلتها، وثبت عندي بالحيازة المذكورة أنها الدار التي جرى فيها حكم ابن سوار إلى أن أمرتها باعتقالها، وشهد فيها عندي في النسختين المذكورتين، وأعذرت في ذلك كله إلى أحمد بن عثمان وكيل محمد بن يوسف، وعرفته بثبوته عندي وبمن ثبت فدعا إلى انتساخ ما ثبت من ذلك كله والوقوف عليه، وقال إن عنده ما يحل به ما شهد به، فدفعت إليه نسخة تضمنت ذلك كله، وأجلته فيما ادعاه من ذلك على ماضي العمل في التأجيل، وأعذرت إلى محمد بن هشام وعبد الملك وكيل بقية فيما ثبت عندي لمحمد المذكور من ذلك، وعرفتهما بثبوت ذلك عندي، وبمن ثبت، وأجلتهما في ذلك بمثل ما أجلت به أحمد بن عثمان وكيل محمد بن سعيد. فحضرا مجلس نظري، وقالا: لا مدفع عندنا إلا بما قمت به عن موكلي في التحبس المذكور وسائر العقود أظهرتها وأثبت ذلك عندك، وأنفذ ما توجبه السنة.
وثبت عندي قول كل واحد منهم على نصه بمن قبلت وأجزت، وقد أدرجت إليكم طي كتابي هذا النسختين المذكورتين أولا في قطعتي الرق، ونسخة تضمنت ما ثبت عندي من موت محمد بن ذكوان، وعدة ورثته، وعقد ابتياع محمد بن هشام للحصة التي
[ ٦٤ ]
كمل بها جميع الدار المذكورة وحيازتها، فتأملوا ذلك وجاوبوني عنه مشكورين والسلام.
فجاوب أبو عبد الله محمد بن فرج مولى الطلاع سيدي وولي، تصفحت خطابك وما أدركته فيه، فرأيت نظرًا حسنًا مستقصى، فزاد الله في توفيقك. وثبت عن رسول الله (ﷺ) أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (١) " والحبس الذي عقده سعد بن يوسف قد تبين بما عقده من التقية المتقدمة تاريخ الحبس أنه لم يرد به التقرب إلى الله تعالى، ولا التزام الحبس، وإنما أراد دفع من خافه على داره وأملاكه. وقديمًا فعل ذلك الناس، لا سيما أهل الخدمة.
فلسعيد بن يوسف شرطه ألا يلزمه الحبس؛ لقول رسول الله (ﷺ): "المسلمون عند شروطهم (٢) "، وقد أخذ بشرط وباع الدار من ابن ذكوان، وابتاعها محمد بن هشام من ورثة ابن ذكوان على حسب ما ثبت عندك، وذلك كله جائز نافذ صحيح.
ولا حجة لمحمد بن سعيد بن يوسف بأن التقية لم تثبت إلا بالهادة على الخط، لأن الأصل في الشهادة على الخطوط من قول مالك وأكثر أصحابه أنها تجوز في الحقوق، والطلاق، والأحباس وغيرها، إلا أن الذي جرى به العمل من الشيوخ أن يجوز في الأحباس وما تعلق بها، قد حكم القاضي ابن زرب في جائحة في الأحباس مات شهود الجائحة، وشهد على خطوطهم فأجاز ذلك وقضى بالجائحة.
وهذه التقية قد رأيتها ورأيت أصل الحبس هما جميعًا بخط ابن اسمح المعافري وشهادته فيهما جميعًا وشهادة غيره أيضًا، وذلك دليل بينٌ على صحة التقية، فلا يجوز الحكم بما فيه شك، فاستخر الله تعالى وحل العقلة عن الدار وأرددها إلى محمد بن هشام وسجل بأعمال التقية وإبطال الحبس إذْ لم يعتقده الذي عقده موفقًا إن شاء الله.
وجاوبت أنا بعد سيدي وولي: المسلمون مجموعون على أن قضاء القاضي وحكم الحاكم إنما هو بالظاهر، وإن كان لا يقطع بصحة مغيبة لا بالباطن الذي علم حقيقته
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري ج ١، ص ٣٠ برقم ٥٤، ومسلم ج ٣، ص ١٥١٥٩ برقم ١٩٠٧.
(٢) الحديث أخرجه البخار معلقًا ج٢، ٧٩٤، وابن الجارود في المتقى ج ١، ص ١٦١ برقم ٦٣٧، والحاكم في مستدكه ج ٢، ص ٥٧ برقم ٢٣٠٩، والترمذي ج ٣، ص ٦٣٤ برقم ١٣٥٢، والبيهقي في الكبرى ج ٦، ص ٧٩ برقم ١١٢١١، والدارقطني في سننه ج ٣، ص ٢٧ برقم ٩٦، وأبو داود ج٣، ص ٣٠٤ برقم ٣٥٩٤.
[ ٦٥ ]
مصروف إلى عليم السرائر المجازي على النبات والضمائر، وهو دليل كتابي تعالى وسنة نبيه (ﷺ)، قال الله تعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وتُدْلُوا بِهَا إلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٨٨).
وثبت من حديث مالك وغيره بالإسناد الصحيح المتصل أن رسول الله (ﷺ) قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحق بحجته من نبعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت لهب شيء من ق أخيه فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار (١) ".
فدلت الآية وهذا الحديث على أن الحكم قد يقع في ظاهره مما ألحق في باطنه، وأن الحاكم لم يتعمد بتعرف الباطن؛ إذ هو تكليف ما لا يطاق. ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (البقرة: من الآية ٢٨٦).
واليقين قد حصل بصحة الحبس بالوجه الذي أجمع الشيوخ على تجويزه في الأحباس، وبيع المحبس إياه ونقله إلى ممتلك سواه غير مقطوع على صحته، وإن كان باع لأنه باع ما حبس.
وبيع الحبس لا يجوز، وإذا بيع فالبيع يه مفسوخ، ولا خلاف في هذا عندنا.
ورأيت شهود عقد الاسترعاء في بيع الدار المحبسة من ابن ذكوان قد قطعوا شهادتهم عما تضمنه العقد، وقيدوها على حسب ما شهدوا به عندك، وكانت الشهادة على نص العقد أقوى. وبهذا صار التبايع غير متيقن على الوجه الذي يجب به الحكم.
وما خاطبنا به مدار الكلام فيه على فصلين: هذا أحدهما، وقد أشرنا بما يغني مثلك عن شرحه وبسط معانية.
والفصل الثاني: الشهادة على الخط: وهي تنقسم على وجوه، منها:
الشهادة على خط المقر على نفسه بحق من مال أو طلاق أو عتاق أو وصية وشبهها.
وشهادة الشاهد على خط يده في شهادته وهو لا يذكرها.
والشهادة على خط القاضي في خطاب أو حكم.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري ج ٢، ص ٨٦٧ برقم ٢٣٢٦، ومسلم ج ٣، ص ١٣٣٧ برقم ١٧١٣.
[ ٦٦ ]
والشهادة على خط الشهود، وهي التي يلزم الجواب عنها والتكلم فيها؛ إذ هي نفس هذه النازلة، وعين هذه القضية، وسائر الوجوه نحن في غنى عن ذكرها إلا ما جرى في تضاعيف الكلام منها.
ولمالك وأصحابه في الشهادة على خط الشاهد قولان، وروى مطرف عن مالك أنها جائزة على خط الميت أو الغائب إذا لم يستنكر شيء، ورواه ابن وهب عنه أيضًا. ذكره فضل، وقاله أصبغ وغيره.
واختلف في حد المغيب الذي تجوز فيه الشهادة على خط الغائب، فقال ابن الماجون في يديوانه: ما نقصر فيه الصلاة، ونحوه عنه في المجموعة.
وقال ابن سحنون عن أبيه: الغيبة البعيدة من غير تحديد.
وقال ابن مزين في كتبه الخمسة عن أصبغ: مثل أفريقية من مصر، ومكة من العراق.
ولابن وهب عن مالك في نوازل سحنون جواز شهادة العدلين على كتاب كاتب الحق إذا كان علادً مع يمين صاحب الحق. ونحوه في سماع عيسى.
وذكر فصل أن ابن أبي جعفر روي عن مالك أن شهادة الشهود على خط الغائب أو الميت لا تجوز.
وقال ابن المواز: أما الشهادة على خط المقر فلم يختلف قول مالك فيها. يريد في إعمالها على المقر. قال: وأما على خط الشهادة فما علمت من حكم به، وهما لو سمعا الشاهد ينص شهادته لم يجز أن ينقلاها حتى يقولا لهما: اشهدا بذلك.
قال: والذي أخذ به لا تجوز الشهادة على الخط إلا خط من كتب شهادته على نفسه فهو كالإقرار.
وقاله ابن القاسم، ورواه عن مالك.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا أرى أن يقضي في دهرنا بالشهادة على الخط لما أحدث الناس من الهجوم والضرب على الخط، وقد كان فيما مضى يجيزون الشهادة على طابع القاضي، ورأي مالك: ألا يجوز.
وقال ابن الماجشون في غير الواضحة: الشهادة على الخط باطل، وما قتل عثمان ابن عفان (﵁) وهو خير هذه الأمة بعد نبينا ﵇ وبعد أبي بكر وعمر رضي الله
[ ٦٧ ]
عنهما؛ إلا على الخط وما دهى به منه وكتب عليه.
قال أرى أن يشهد على الخط ولا يشهد الرجل إلا بما يعرف على من يعرف وبعلمه فيمن يعلم. أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ (يوسف من الآية ٨١) ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ (الزخرف: من الآية ٨٦).
وقال مطرف مثله. وقال: ممن ضعف أمر الخط وضعف الشهادة به أن رجلا لو قال وهو قائم صحيح: هذا خطي، ولست أذكر القصة، ولا أحظ المعنى الذي كتبت خطي فيه، لما كانت شهادةولا جازت جواز العلم والقول، فكيف يأتي رجل إلى خط غيره يشهد عليه، ويقطع أنه كتابه وعلمه فيمضي ذلك وينفذ. وهذا هو الصحيح عندي الذي لا أقول بغيره، ولا اعتقد سواء، وهو دليل المدونة وغيرها.
قال بن القاسم: قال مالك: من رأى شهادته بخطه في كتاب ولم يذكرها فلا يشهد بها حتى يستقينها، ولكن يؤديها هذا كما قد علم.
قلت: أتنفع هذه الشهادة إذا أداها هكذا؟ قال: لا (١).
وقيل لمالك في سماع أشهب: أيقول هذه شهادتي بخط يدي إلا أني لا أذكر من الشهادة شيئًا؟ قال: لا، بل يقول: أرى كتابًا يشبه كتابي وأظنه إياه ولست أذكر شهادتي ولا أني ولا حتى كتبتها برفعها على وجهها إن لم يكن في الكتاب محو. وقال عنه ابن نافع: لا يشهد، وقال: قد أثبت غير مرة بخط يدي ولم أثبت على الشهادة فلم أشهد، وقاله ابن القاسم وأصبغ، قال ابن حبيب: وهذا أحوط، وإذا كان هذا قولهم في شهادة الشاهد على خط نفسه، فكيف يصح القول بشهادة شهود على خط شاهد أو شهود، لكني أذهب إلى جواز ذلك في الأحباس خاصة على ما أتفق عليه شيوخنا ﵏ اتباعًا لهم واستحسانًا لما درجت عليه جماعاتهم وقضى به قاضئهم وانعقدت سجلاتهم، وإن كان ابن لبابة قد قاد أصله ألا تجوز في حبس ولا غيره، وقد ذهب إلى ذلك غيره، ممن لا يلتفت إليه والجمهور أولى بالاتباع، وقد قال كثير منهم نظير هذا مما لم يكن عنده في النظر قويًا.
وحسب المجتهد منا اتباع السلف وقد أجازوا غير ما شيء على الاستحسان فأخذوا فيه
_________________
(١) انظر المدونة ج ١٢، ص ١٤٥.
[ ٦٨ ]
بالتخفيف، وما أجمعوا على ذلك في الأحباس إلا حيطة عليها وتحصينًا لها من أن تحال عن أحوالها أو تغير عن سبيلها واتباعًا لمالك وأصحابه في المنع من بيعها والمناقلة بها والمعارضة فيها وإن خرجت وذهب الانتفاع بها، واحتج ببقائها بالمدينة خرابًا لا تحال عن وجوها التي سبيلت فهيا.
وظاهر اختيارهم هذا يمنع من تجويز الشهادة على الخط في التقية وشبهها مما فيه توهينها ونقضها، فلا يجوز العمل به، ولا يسوغ القول بذلك إلا لمن اعتقد جواز الشهادة على الخط في كل شيء، ولم يخص شيئًا من شيء لا حبسًا ولا غيره، وخالف ما اتفق عليه الشيوخ وجرى به العمل، وأما من ذهب مذهبهم بتخصيص الأحباس بهذا فلا يصح له القول بذلك في التقية ولا في غيرها، والله المستعان.
وقد شافهت في ذلك بعض من لقيت من العلماء فأخبرني أن اختياره إبطال التقية، وأنه شاهد القضاء بذلك وفي ذلك أدام الله توفيقك ما جرى فيه من القول عن القاضي ابن بكر بن منظور ﵀ بمحضر جميعنا، وقول أبي المطرف أنها نزلت، وأفى بذلك فيها الفقيهان ابن عتاب وابن القطان رحمهما الله تعالى، وهو الذي لا يجوز سواه.
وقد كان هذا مذهبك حينئذ فاستخر الله تعالى في الحكم والتنفيذ له، وليس كون شهود التقية شهود الحبس بموجب تسوية القول فيها بالإجازة أو الرد؛ فقد قال مالك ﵀. كل شيء وسنته، ومن مضى أعلم ممن بقى، ولو لزم هذا للزم الشيوخ في إجماعهم على هذا في الأحباس أن يجيزوه في غيرها إذا كان الشهود سواء.
وهذا مالك لم يختلف قوله في الشهادة على خط المقر في المال أنها عاملة جائزة على ما في سماع ابن القاسم، وفي آخر رسم نقدها، وفي سماعه في التفليس وفي الواضحة والموازية، وأصحابه على ذلك وردها أكثرهم في الشهادة على خط في الطلاق وغيره، والقياس يوجب سوية ذلك، وقال مالك في كتاب عرض من سماع ابن القاسم في وصية الميت توجد في بيته بخط يده ورجلان يشهدان أنه كتاب -: لا تجوز، وعسى أن يكون لم يعزم عليها.
وشهادة النساء تجوز في شيء دون شيء، وكذلك الصبيان، ولا يوج تجويزها في موضع تجويزها في كل موضع، والرجال كذلك تجوز شهادة العدلين في الأموال العظام والقتل وإن شهدا في الزنا بطلت شهادتهما وحدًا، وهذا كله بين والحمد لله، ولكل شيء
[ ٦٩ ]
وجه، وجميعه يشهد بصحة ما ذهبنا إليه.
مع أنه لم ينص على التقية ولا سمي المتقي ولا ضمن العقد معرفة الشهود لها، ولو كان ثبت بشهادة شهوده لكان ماضيًا مع ذلك على ما ذكره بعضهم، وإذا حكمت بإمضاء الحبس وفسخ البيع وجب للمبتاع محمد الرجوع بما ابتاعه به على بائعه منه إن كانوا أحياء، أو من مات منهم عن مال رجع به في ماله إن وجده بعينه، وإلا فعلى من صار إليه ذلك المال من ورثته، ثم يرجع المرجوع عليهم على من باع منهم أو من مورثهم حتى ينتهي التراجع إلى البائع المحبس، فإذا انتهى إليه وثبت مبلغ الثمن الذي باع به وقبضه إياه رجع به فيما تخلفه من مال مطلق، وإن لم يثبت عدده ولا وقف شهوده على مبلغه استنزلوا فيه قليلًا حتى يقفوا منه على عدد لا يرتابون فيه؛ فيؤخذ من مال المحبس مثال هذا قول ابن القاسم ومطرف وابن كنانة وبه أقول، وروي أشهب عن مالك خلافه.
وإن لم يتحقق الشهود منه شيئًا بطل، وكذلك يبطل إن لم يوجد له مال مطلق يؤخذ منه، وإن شهد بقبضة ومبلغه وشرط المحبس في كتاب التحبيس أنه إن انقرض عقبه في حياته رجع المحبس إليه ملكًا لا يوهن الحبس؛ إذْ قد ثبت بقاء عقبة من بعده، وكذلك استثناه، وسكن الدار حياته لا يوهنه لتفاهتها في جملة الحبس على ما تضمنته شهادة شهوده، وبه جرى العمل، وبإرجاء الحجة جرى العمل أيضًا لمن غاب من عقب المحبس فضمنه كتاب حكمك معصومًا موفقًا إن شاء الله.
وكان القائم بالحبس ولد المحبس قد كتب مسألته إلى فقهاء أشبيلية إلى أبي عبد الله بن منظور وولد محمد بن زريق وغيرهما؛ فأفتى جميعهم بأن عقد التقية عامل وأهنه باطل، وكذلك أفتى أبو المطرف عبد الرحمن بن مسلمة فقيه طليطلة، وحجة أبي عبد الله بن فرح في جوابه بحكم ابن زرب في جائحة ثمرة حبس بالشهادة على خطوط شهود الجائحة، وقياسه التقية عليها ضعيفة غير قوية، وقيمة غير صحيحة؛ لأن ذلك ليس فيه إبطال الحبس ونقضه وصرف أصله عما سبل فيه، كما في إعمال التقية إبطاله، ولو ساغ هذا لساغ إبطال الحبس بدين قديم على المحبس قبل التحبيس، ولا يثبت إلا بالشهادة على خط شهود الدين إذا كان المحبس لا مال له حين التحبيس إلا الحبس، وهذا لا يقوله أحد.
ومن الحجة البينة لنا – وإن كنا لم نضمنه جوابنًا – أن المقوم عليه المبتاع للدار قد
[ ٧٠ ]
أقر بتحبيسها باحتجاجه بالتقية في عقد الحبس فيها، وبقتي التقية لم تثبت بوجه قاطع يوجب الحكم بها، والله يوف للصواب من يشاء؛ فقد ذلك بعض من تأخر من الشيوخ: أن اختيارهم لتجويز الشهادات على الخط في الأحباس؛ إنما كان لأنها لابد أن يقترن بها سماع التحبيس وفشوه عند الناس؛ فقويت بذلك الشهادة على الخط فيها وهو معنى معدوم في غيرها في الأغلب.
وسئل ابن زرب عمن كتب وصيته وأشهد عليها، ثم كتب في أسفلها بخط يده: هذه الوصية قد أبطلتها إلا كذا وكذا منها فيخرج عني، وشهدت بينة أنه خطه. فقال: لا ترد بهذا وصيته التي أشهد عليها، وهو كمن كتب وصيته بخط يده، ولم يشهد عليها حتى مات. وشهد على خط فيها؛ فلا تنفذ.
وفي أحكام ابن زياد في رجل تردد على القاضي مشتكيًا برجلين عدلين حينًا، ثم قام على المشتكي به ما رجل يدعوى فسأله القاضي بينه على دعواه فقال: يشهد لي شاهدان وسمي ذينك الرجلين اللذين شكاهما المطلوب وتظلم منهما، وقال القاضي: هل لك غيرهما؟ فقا: لا، فاستراب القاضي ذلك، وسأل الفقهاء الجواب في ذلك، فقالوا: التثبت – حفظ الله القاضي – فيالشهود من أولى الأشياء وأحقها لما ظهر في كثير من الناس من الشهادة بغير الحق، والذي استرابه القاضي – وفقه الله -، إلا في العدول المبرزين المعروفين بالفض والخير واستقامة الطريقة على طول الأيام ومرور المدد، فإن شهادة مثل هؤلاء لا يسقطها إلا التجريح بالعداوة، قال بذلك محمد بن وليد وابن لبابة وسعد بن معاد، وأيوب بن سليمان.
ولأصبغ في نوازله فيمن شهد عند القاضي لرجل على رجل قائم يسمع شهادته، فلما فرغ منها تحول إلى المشهور عليه، فقال له – والقاضي يسمع -: إنكم تشتمين، وتشبهني بالمجانين، وتهددني: أن القاضي لا يطرح عنه شهادته لهذا الكلام وشبهه إلا أن يثبت بينهما عداوة قديمة فليطرح عنه شهادته.
وفي الثانية فيمن شهد عند القاضي فلما وضع شهادته عنده قال: بلغين – رحمن الله – أن هذا – يريد المشهود عليه – يهددني وشتمني ويرميني بالمكروه، قال ابن الماجشون: قد أبطل شهادته ولا أرى للحكم أن يقبل؛ هذا بخير أنه عدوه فكيف يشهد عليه وفي أدنى من هذا الكلام طرح شهادته؟
[ ٧١ ]
وقال أصبغ: إن قاله على وجه الشكوى والإشهار في الأذى، ولم يكن على طلب خصومه لذلك ولا سمي الشتيمة فلا أراه شيئًا. وإن سمي الشتيمة، وفيها إن قام بها مطالبة أو مخاصمة أو كان على وجه الخصومة وإن لم يسمها ساعته؛ فشهادته ساقطة.
والأحسن أن يشهد الشهود عند الحكم بمحضر المطلوب إن كان حاضر البلد أو قريب الغيبة، فإن شهدوا ولم يحضر ولم يستدعهم ولكن يعلمه بهم، فإن كانت له حجة وإلا حكم عليه. هكذا في المدونة، وفي سماع أصبغ مثله. قال أصبغ: وهذا محضر القضاء.
ولسحنون في العتبية إن قسر الحاكم في إحضاره عند الشهادة، ثم سأله إعادتها، فأرى أن يعيدها إلا أن لم يقدر على ذلك لمغيبتهم، فيدفع شهادتهم بما يقدر عليه، ويصير كالبعيد الغيبة.
وفي كتاب ابن حبيب:
قال ابن الماجشون: العمل عندنا أن يسمع القاضي في بينة الخصم حضر خصمه أو لم يحضر، فإذا حضر قرأ عليه الشهادة وأسماء الشهود، فإن كان له مدفع أطرده ذلك، وإلا لزمه القضاء، إلا أن يستريب القاضي في ذلك ويرى اجتماعهما أبدًا، فلا يوقع الشهادة إلا بمحضرهما.
وفي كتاب ابن المواز:
إن كان قريبًا فليحضر حتى يشهدوا عليه أو يحضر وكيله، وقد يذكرهم أمرًا ينفعه، فإن لم يفعل جاز، ثم إذا حضر أخبره بشهادتهم، ولي له أن يقول: يحضرون حتى يشهدوا بمحضري، وإن شاء أن ينسخ له شهادتهم فذلك له. وقال محمد ابن عبد الحكم نحوه.
وفي أحكام ابن زياد:
إن تغيب عن الحضور مع الطالب عند القاضي، فمن حق الطالب السماع في بينته والنظر له إذا تبين له تورك المطلوب وتنحيه. قال ابن لبابة، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن يحيى، وعبيد الله بن يحيى، وسعيد بن معاذ، ومحمد بن غالب، وأحمد بن يحيى، ومحمد بن وليد.
والذي شاهدت العمل به إذا كملت الشهادة أن يدفع إلى المشهود عليه نسخ جميع ذلك، ويعلم له على من قبل في البينات، أولا يكتب في النسخ سواهم، وينظر في ذلك اليوم واليومين والثلاثة، ثم يعود إلى القاضي فإن ادعى مدفعًا ابتدأ بضرب ألآجال من
[ ٧٢ ]
حينئذ، وإن قال: لا مدفع عندي، كتب مقالته وثبت عند القاضي وشاور حينئذ.
وإن تشاح الطالب والمطلوب في القرطاس الذي تكتب فيه النسخ ليعذر إلى المطلوب فيها؛ ففيه بين الشيوخ تنازع: سألت أبا عبد الله بن عتاب عن ذلك، فقال لي: كان الحكام والفقهاء يختلفون فيه، وأراه على الطالب: ووسمعت من يذكر ذلك عن أبي محمد بن دحون أنه على الطالب.
وأفتى أبو عمر بن القطان أن على الذي يغدو إليه القيام بالقرطا الذي تكتب فيه نسخ ما يغدو إليه فيه. وهو أحب إلي، والأول ليس ببعيد في النظر، والله أعلم بالصواب.
وفي أحكام ابن زياد في طالب من القاضي أن يعطيه الشورى التي شاور له بها، قال ابن لبابة: الشورى – رضي الله عنك – إنما هي للقضاء وليس للخصوم، فلست تخرج من عندك، ولكن إن طلب نسخة منها فأعطه، ويكون الأصل عندك، وما عليك فيه درك ولا نقيصة. والله أعلم بالصواب واليقين وهو حسبنا ونعم المعين.
[ ٧٣ ]