قد تقدم في كتابنا هذا أن الحجر على السفيه ورشده مما ينفرد به القاضي دون غيره من الحكام. وفي المدونة: قال ابن القاسم: المحجور عليه من الأحرار الذي لا يحرز ماله؛ يبذره من السرف والفسق والشراب قد عرف ذلك منه، فهذا يحجر عليه، وأما إذا أحرز ماله وهو فاسق إلا أنه لا يبذره، فإن هذا لا يحجر عليه، وإن كان له مال عند وصي أبيه أخذه منه.
وقال مالك: يحجر على السفيه وإن كان شيخًا. وفي موضع آخر: وإن خضب بالحناء - والمعنى واحد - ما لم يؤنس منه رشده، ولا يجوز له في سفهه بيع ولا شراء ولا هبة ولا صدقة ولا عتق، وما فعل من ذلك كله قبل أن يؤنس منه الرشد مردود، والصبي ما لم يبلغ، والبكر ما لم تعنس كالسفيه الكبير المولى عليه؛ أفعالهم واحدة.
قال محمد: يمين واحد تجزيه يجمع ذلك فيها وهذه بينة في بيان الاختلاف في جمع الدعاوى في اليمين الواحدة.
وفي باب من أحكام الواضحة:
من ادعى دابة أو عبدًا أو ثوبًا بيد رجل أخيه الغائب أو ابنه أو جاره على وجه الحسبة والحسب عليه وكلهم غائب مكن في مثل هذا من إيقاع البينة لهؤلاء كلهم؛ لأنها أشياء ثبوت وتحول، فإذا أتى الغائب وقد كانت قامت له بينة عادلة حلف بالله لما باع ولا وهب ولا خرج ذلك عن يده بوجه حق، فجعل عليه يمينين هنا وهو من قول مطرف وأصبغ، وفي السمألة طول وذكرت منها ههنا ما احتجنا إليه، وفي رسم الرهون من رهون العتيبة نحو هذا في تفريق اليمين.
والذي جرى به العمل جمع الدعاوى في اليمين الواحدة. وكان شيخنا أبو عبد الله ابن عتاب ﵀ يقول: من وجبت عليه يمين في دعوى وردت عليه يمين أنه لا يجمع ذلك في يمين واحدة ولابد من يمينين مفترقتين. قال: ووقع مثل هذا عند أبي بكر بن ذكوان، أيام نظره في أحكام القضاء، فعقد اليمين من لا يستغرب خطؤه، وجعلها يمينًا واحدة، فلما تأملتها قلت: هذا غير صحيح، وإنما يجب أن يبدأ الحالف باليمين الواحدة، فيقول: بالله الذي لا إله إلا هو، فإذا انقضت قال: وبالله الذي لا إله غلا هو، حتى تنقضي
[ ٩٢ ]
اليمين الأخرى. وكنت حفظت هذا عن القاضي أبي المطرف شيخنا - ﵀ - وعقدت عنده مثل هذا فخالفني جميع من حضر، وأكثروا في ذلك القول، وعجبوا، وكان زعيمهم في ذلك أبا عمر بن القطان وأبدا في ذلك وأعاد. وكنت كرهت حضور ذلك الملجلس، فوجدت السبيل إلى الانقطاع منه، وقلت لأبي بكر: إنما ينكر هذا من لم يشاهد الحكم والتكلم عليه؛ إذ لم يجالس من يتعلم منه.
ولاذي قلت في ذلك مسطور في كتبنا معلوم عند من وفق عليه. قال ابن عتاب: وهي لمالك في الموطأ وكتاب محمد وبه أفتى الشيوخ عندنا ووقعت في أحكام ابن زياد.
قال القاضي أبو الأصبغ: هذا ما أعلمتك من جري العمل بجمع الدعاوى في اليمين الواحدة إلا يمين الرد فلا تجمع مع غيرها، على ما ذهب إليه الشيخ ابن عتاب وحكاه عن شيخه أبي المطرف وعن الشيوخ. ولست تجد هذه المسألة لأحد في مثل هذا البيان وهذا الجمع الذي نظمنا به شملها المفترق. وبالله التفويق.
[ ٩٣ ]
جمع الدعاوي في اليمين الواحد
قال عبد الله بن العطار في وثائقه: إذا كان في شرط الزوجة في الغيبة أن القول قولها في المنقضي من ذلك بعد أن تحلف في بيتها بالله الذي لا إله إلا هو ما رجع إليها زوجها منذ غياب عنها سرًا ولا جهرًا ولا أسقطت عنه شرطها المذكور ولا كان من شوكتها وتلومها تركًا منها له.
قال أبو عبد الله بن الفخار: هذا غلط؛ لأن الزوج إنما شرط لها الحلف في بيتها في المنقضى من أجلها فقط، فكيف تحلف في بيتها أنه لم يقدم إليها سرًا ولا جهرًا، ولا أسقطت عنه شرطها، ولا كان سكوتها وتلومها تركًا منها لشرطها، ولم تقع هذه الأشياء في شرطها، وأن تحلف في بيتها لكان وجه الصواب في ذلك وبالله التوفيق.
إن الدعاوى وإن كثرت فتجمعها يمين واحدة عندنا كما تجمع دعوى واحدة فتخير المرأة بين يمينها في الجامع في جميع ذلك، وإن شاءت حلفت في بيتها في المنقضى من أجلها ثم خرجت إلى الجامع وحلفت في سائر ذلك. هذا وجه الصواب لأن الناس قد تنازعوا إذا كثرت الدعاوى هل تجمعها يمين واحدة أم لا.
قال القاضي أبو الأصبغ: وفي كتاب الأيمان بالطلاق في رسم المتاع والحيوان عمن كان بينه وبين ارمأته منازعة في بيت، وكانت هي بنت عمه فحلف بطلاقها البتة ما لها فيها حق، فجاءت بالبينة أنه لجدها، وجاء الرجل بالبينة أن أباه كان يجوزه دون إخوته ويسكنه، وجاء بشاهد واحد يشهد أنه كان استخصه من إخوته.
قال مالك: أرى أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو أن حق لحق، وما لها فيه حق، وأن الذي حلفت عليه من الطلاق لحق. ويخلى بينه وبينها وهذه من قول مالك أبين في جمع أشياء في يمين واحد من التي ذكرها ابن الفخار.
وفي كتاب ابن المواز:
إذا فارقت المملكة المجلس ولم تقض، فقالت: نويت الفراق في المجلس لم ينفعها ذلك، إلا أن تفعل ما يشبه جواب الفراق وتقولك إياه أردت مثل أن تقوم مكانها فتنقل متاعها أو تخمر رأسها فتصدق فيما نوت. وقاله مالك في التي قالت: أعطوني شقتي، فأخذتها وخرجت ولم تتكلم وسافر هو.
قال محمد: إذا قال: أرادت الفراق ووصته بكلامه، فهو كالجواب، وهي واحدة،
[ ٩٤ ]
وله الرجعة إن لم يكن معه فداء. وإن قالت: الآن نويت بفعلي الثلاث فذلك لها، وله أن يناكرها بنية كانت له وقت (ب – ٢٠) القول، أو يحلف. وقاله عبد الملك. قال أصبغ: يحلف يمينين أنه ما علم أن ما فعلته البتة ولا رضيه ويمينًا أنه مردودة حتى يحتلم الغلام، وتدخل البكر بيتها، ويعرف من حالها، أو تعنس.
وفي التعنيس اختلاف يطول الكتاب بذكره باستقصاء مسائل المحجورين وهي مبسوطة في الدواوين، وما ذكرنا منها فإنما هو لتعلق نوازلها بها.
ومذهب المدنيين وابن كنانة ومطرف وابن الماجشون وغيرهم: أن المحجور إذا أونس منه حسن النظر لنفسه، في ماله، وإصابة البيع والابتياع، والحيطة في الأخذ والإعطاء، إلا أنه يشرب المسكر، نبيذًا كان أو خمرًا: أنه لا يستوجب بذلك رشدًا ولا إخراجًا من الولاية التي لحقته.
قالوا: وليس برشيد من يشرب الخمر. ذكره ابن حبيب. ونحوه في كتاب ابن مزين.
قال ابن حبيب: وأما ابن القاسم وأصبغ فقالا: إذا أنس منه حسن النظر لنفسه في ماله خرج من الولاية وإن شرب الخمر، وقول المدنيين أحب إلي، وقال ابن مزين عن أصبغ: إذا كان مشوبًا فيه بعض الإصلاح من دينه والاستهتار، وكان حسن النظر في ماله حسن التدبير له، خرج من الولاية وملك ماله، وإن كان ظاهر الفسوق والفساد والمروق لم أر أن يملك ماله، ولا تقطع عنه الولاية. قال ابن مزين: هذا أحسنه عندي وأكثره.
وقد قال أكثر أهل التفسير أن الرشد: العقل، وما باعه السفيه من ماله قبل أن يولي عليه فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: قول ابن القاسم في المدونة والواضحة والعتبية وغيرها: أنه مردود بمنزلة الذي قد أولى عليه.
والثاني: قول ابن كنانة وابن نافع وغيرهما: أنه جائز وما فعل بعدها مردود، وهو قول مالك وأكثر أصحابه.
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إن لم يزل منذ بلغ الحلم سفيهًا لم يؤنس منه حال رشد، فبيعه مردود بمنزلة ما باعه قبل بلوغه، وأما من خرج ببلوغه الحلم من حد الولاية بما أونس منه من الرشد، وظهر من حسن نظره لنفسه، وما يرى من
[ ٩٥ ]
تماديه عليه حتى خالطه الناس وابتاع وباع، ثم حدثت له حالة سفه في رأيه ونظره لنفسه، فباع فيها وابتاع ومضى على ما كان عليه من خلطة الناس حتى رفع أمره إلى السلطان، فأولى عليه، فبيع مثل هذا قبل الولاية جائز ما لم يكن بيع سفه وخديعة بينه؛ مثل أن يبيع ثمن ألف دينار بمائة دينار وشبهه، فيرد مثل هذا، وإن كان قد أفسد الثمن لم يكن عيه منه شيء ولا في ماله؛ وما كان غبته متقاربًا فهو ماض؛ لأنه كان من أهل إجازة البيع ببلوغه الحلم وما أونس منه من الرشد، وقد كان خرج بذلك من حد الولاية، فلا يكون من أهلها إلا بإعادة السلطان إياه فيها، قال ابن حبيب: وهذا أحسن ما سمعت فيه.
وفي أحكام ابن زياد في بيع المولى عليه: نظرنا – أكرمك الله – في بيع المولى عليه في شهادة الشهود في ذلك الحق على عبد الله بن عمرو بن أبي عبدة المولى عليه وإن ذلك كان قبل أن يولى عليه، وهذا – وفق الله القاضي – يختلف فيه العملاء الماضون ﵏، والذي حضرنا القضاة يحكمون به في ذلك بإجماعها على فتيانا إياهم بذلك أن بياعات المولى عليه – التي كانت قبل أن يولى عليه – تامة جائزة يؤخذ بها المولى عليه بعد أن يعذر إلى وكيله في ذلك وبعد يمين الطالب على أنه لم يقبض وأن خفه باق عليه إلى وقت يمينه، قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة.
وفي بيع مولى عليها أيضًا: فهمنا ما قام به ابن عفان في الاشتراء من أمه الرحيم بنت أحمد بن محمد بن عبيدون لملكها بقرية قيريلش التي بصفح جبل قرطبة، وفي الكتاب أن ذلك بمحضر أخيها محمد، وربيبتها كنزة، وزوجها محمد ابن قاسم، وتجويزهم بيعها وفعلها وما عقدته على نفسها من ذلك، وما طعن فيه محمد بن أحمد بن يزيد زوج أختها الوارثة لها مع من شاركها في وراثتها من أن البيع لا يجوز من أجل أنها مولى عليها وباعت عقارًا بثمن بخس ولم يكن ذلك للوصيين إلا عن نظر.
فالذي نقول في ذلك والله الموفق للصواب: إذا ثبت عند القاضي – حفظه الله – ولايتها كما ذلك ابن يزيد، أمر بامتحان هذا البيع، فإن كان بيع سداد أو ثمنًا مرغوبًا فيه وقت التبايع مضى البيع ولم يعرض فيه، وإن لم يكن كذلك فسخ البيع، قال بذلك ابن لبابة وأيوب بن سليمان ومحمد بن وليد.
قال القاضي: انظر قولهم في جوابهم هذا البيع سداد وقت التبايع، فإن في أحكام الواضحة عن مطرف وابن الماجشون فيما باعه المولى عليه من متاعه وانتقد ثمنه، ثم عثر
[ ٩٦ ]
عليه أنه يرد متاعه إليه ولا يكون عليه من الثمن شيء إلا أن يدرك قائمًا بيده، فيرد إلى صاحبه أو يكون قد أدخله في مصالحة ووفر به من ماله ما لم يكن له يد في أنفاق مثله فيه، فينظر لهن فإن رأى أنفاذ بيعه خيرًا له لزم المتاع حبسه وأخذ منه تمام قيمته اليوم إن كان في قيمته فضل عن الثمن، وهذا خلاف جواب الشيوخ فوق هذا.
وقال ابن حبيب عن مطرف وأصبغ في الم تبيع على صغار ولدها ما لهم وهي غير وصي ولا خليفة عليهم (ب – ٢١) إلا أنها باعت في مصالحهم، قالا: هي كغيرها من الأباعد لا يجوز بيعها، وينظر السلطان لهم، فإن كان إمضاؤه بذلك الثمن خيرًا لهم اليوم أمضاه، وإن كان يرده إليهم خيرًا لهم رده إليهم، ولا ينظر إلى حاله يومئذ. وفي الباب تفسير عن أصبغ في المحجور والبكر والصغير يبيع أحدهم الجارية فتعتق أو تحمل من مشتريها أو من زوج، أو يبيع أحدهم الغنم فتناسل، أو الدواب فتناتج، ثم ينر فيه، قال: كل ذلك مردود وولده إلا الجارية، فإن كان ولدها من مشتريها لم ترد، وكانت أم ولده، وعليه قيمتها اليوم أو يوم ابتاعها، أي ذلك كان أكثر، ولا يحاسب المشتري بشيء من الثمن الأول، وهو ساقط إلا إن كان قائمًا أو ضعه في مصلحة لم يكن منها بد.
وفي آخر عاشر البيوع من الواضحة في الوصي يشتري من تركة من أوصى إليه شيئًا أن السلطان عليه بالخيار فيه – إذا رفع إليه – إن رأى فيه فضلًا لأيتام الميت أو للثلث كان أوصى فيه بالثلث أخذه منه وباعه، وإن لم ير فيه فضلا ألزمه إياه بالثمن، وإن أصابته مصيبة ألزمه إياه بالقيمة يوم أخذه إن كانت القيمة أكثر من الثمن الذي أعطي به، وكذلك إن فوته بوجه من وجوه الفوت، وإن باعه بربح، فالربح للأيتام أو للثلث، إلا أن تكون القيمة أكثر.
وفي آخر كتاب الأرضين من المدونة قال مالك: إن اشترى الوصي من مال اليتيم شيئًا لنفسه أعيد في السوق، فإن زاده باعوه، وإلا لزم الوصي بالذي اشتراه، قال ابن القاسم: وكذلك إن اكترى شيئًا من أرضه، إلا أن فاتت أيام الكراء فيسأل أهل المعرفة، فإن كان فيها فضل عرفه الوصي، وإلا فما به اكترى.
وفي مسائل ابن زرب: قال ابن القاسم: الوصي كالأب إلا أن جرى عندنا أن الأب إذا باع شيئًا من ابنه أو ابتاع شيئًا من ماله لم يعترض وأمره على التمام إلا أن يثبت الغبن، وإذا باع الوصي من اليتيم أو ابتاع من ماله، لنفسه، فالبيع مفسوخ، إلا أن يثبت
[ ٩٧ ]
السداد فيه، وإذا باع من أجنبي حمل على السداد حتى يثبت غيره، قال: واستحسن إذا اشترى من مال يتيمه، أنه إذا كان سدادًا وقت عقده البيع نفذ، وهو قول سحنون.
قال القاضي: وابن القاسم يقول: يعاد إلى السوق، وهو يحتمل وجهي: أن يعاد إلى السوق بحدثان شرائه، وأن يعاد هو إلى السوق متى عثر عليه. وقالوا فيما باعه السفيه قبل أن يضرب على يده: الذي أرى أن يفتى به في بلدنا هذا بأن يرد فعله، لأن الحكم أمير المؤمنين ﵀ استحسن هذا المذهب، وحمل الناس عليه، وسجل القاضي محمد بن السليم ﵀ به.
فمن هذه الجهة رأيت أن يفتي بهذا المذهب؛ لأن إمام المالك حمل أهل بلده عليه وتقدم لايهم فيه وسجل به قاضيهم، فهو أمر حمل عليه هذا البلد، وقيل له: إن الذي حملهم على ذلك قد مات – يعنون الحكم -، فقال: وإن كان قد مات فقد حملهم عليه وهو حي، فيجب أن ينفذ ذلك.
ونزلت هذه المسألة بقرطبة بإنسان يعرف بابن الصباغ، باع جنة مشتركة بينه وبين بنيه، ثم ثبت سفهه عند القاضي محمد بن أحمد بن بقي في عقد استرعاه أملاه أبو عمر بن القطان فشاور ابن بقي في ذلك الفقهاء، فأفتى أبو عبد الله بن عتاب بأن بيعه على نفسه نافذ، وأن أفعاله في خاصته لازمة له، وأن ما باعه على بنيه مردود غير ماض، واحت بالتي لأصبغ في تفليس العتبية عن ابن القاسم فيمن باع أرضًا أو دارًا لولده، قال: إن كان الأب ليس فيهًا ولا مولى عليه، جاز بيعه، ولم يكن للابن رده وإن كبر، إذا كان نظرًا له، ويتبع أباه بثمن ما باع من ماله، ولأبيه أن يحاسبه بما أنفق عليه إن شاء من يوم باع.
وإن كان الأب سفيهًا مثله يولى عليه، لم يجز عليه بيعه، وإن لم يكن له ولي لأنه لو باع لنفسه لم يجز له بيع، وبقي في المسألة ما تركناه، لأن معناه فيما ذكرناه، وإنما الحجة لابن عتاب منها في رد بيع السفيه على ولده، وأما بيعه على نفسه، فكان مذهبه فيه وجوابه على مذهب أصحاب مالك غير ابن القاسم، وقد ذكرنا أقوالهم قبل هذا.
وأفتى ابن القطان في مسألة ابن الصباغ هذه: برد أفعاله ونقض بيعه على نفسه وعلى بنيه، وأفتى أبو مروان بن مالك بالإعذار فيما ثبت من سفهه إلى المبايعين منه، فإن كان عندهم فيه مدفع، وأتوا بما يوجب لهم حكمًا أنفذ لهم. وليس في جوابه هذا بيان
[ ٩٨ ]
مذهبه في إجازة فعل السفيه الذي لم يولى عليه أو رده إلا أنه اخبرني أن مذهبه في ذلك على مذهب ابن القاسم، وأنه يفتي بنقض بيوعه ورد أفعاله.
وقال لي عن ابن عتاب: أنه يفتى بجواز أفعاله على مذهب ابن كنانة وغيره من أصحاب مالك، وقد أنبأنا عنه بذلك في المسألة فوق هذا، وقد سمعت منه، وكان يحتج فيه بما جرى به العمل قديمًا، ولا يرى ما ذكره ابن زرب من الأخذ برد أفعاله لأمر الحكم أمير المؤمنين.
وكذلك في وثائق ابن العطار أن العمل كان عندهم بقول مالك وأصحابه في جواز أفعاله قبل أن يولي عليه إلى أن أمر الحكم المتنصر بالله أمير المؤمنين ﵁ عبد صدر من خلافته، محمد بن السليم، وهو قاضي الجماعة بقرطبة يؤمئذ أن يحمل الناس على قول مطرف وابن الماجشون في فسخ فعل السفيه الذي لم يول عليه ولم يقض به، فمضت الفتوى بذلك في خلافته، وترك قول مالك ومن تابعه من أصحابه، وهذا مثل ما ذكره ابن زرب سواء، إلا أن ابن العطار زاد أن قول مطرف كقول ابن القاسم، وقد ذكرنا قول مطرف بخلاف ذلك، والله أعلم.
وكتب إلى ابن عتاب من بياسة سفيهة صغيرة باعت ملكها ثمن نكحت وأقامت مع الزوج عشرة أعوام، ثم قامت تطالب نقض بيعها، فكتبت إليه: لا يسقط قيامها بمرور الأعوام التي ذكرت لا سيما إن كان لها عذر يعلم، ولا يسقط حقها إلا الأمر البين.
وفي سماع يحيى سألت ابن القاسم عن امرأة وإخوتها ورثوا عن أبيهم فباع احد إخواتها المنزل كله – وهو غير وصي – باعه دالة على إخوته وأخواته، وتعدى عليهم، فأقام المنزل في يد مشتريه زمانًا أو مات، وبقي في أيد ورثته، وأخت البائع يوم باع أخوها المنزل بكر، فتزوجت بع وأقامت بعد تزويجها زمانًا أو كانت بيوم البيع متزوجة، والمنزل في جوارها، أو على أميال بيسيرة الثلاثة ونحوها، فادعت حقها في المنزل بعد عشر سنين أو خمس عشرة سنة أو أكثر، وزعمت أنها لم تعلم ببيع حظها، أو أقرت أنها علمت به ولم تجد من يتوكل لها بطلب حقها، وادعت أن زوجها ممن لم يكن يدخل على عياله أحدًا لشرفه وشدة غيرته، أتقدر في ذلك بتركها طلب نصيبها؟
قال: أما التي ادعت وهي بكر أو غير بكر أنها لا علم لها أن حقها بيع، فإنها تحلف على ما ادعت من ذلك إلا إذا جاءت بأمر يستدل به على صدق قولها، ثم تكون أحق
[ ٩٩ ]
بنصيبها، إلا أن يشهد للمشتري على علمها ببيع أخيها حظها، وبطول سكوتها عن طلب حقها زمانًا طويلًا وهي قادرة على الطلب والتوكيل، ليست في حجاج من يمنعها من توكيل من يطلب لهه، فإذا كانت بهذه الحال وطال تركها لطلب حقها فلا شيء لها إلا أن يكون سكتها زمانًا يسيرًا.
قلت: أترى العشر سنين ونحوها للتي لا عذر لها طولا؟ قال: نعم لا عذر لها انظر قد جعل ابن القاسم العشر سنين طولًا قطع به عذرها، وأسقط معه قيامها، وهو كلام صحيح، وهذا وغيره كذا، كان البائع لحظها ونحوه من قول مالك في مساع أشهب وابن نافع في كتاب الاستحقاق فيمن باع أبوها وزوجها دارها، وقامت بعد أربع عشرة سنة وزعمت أنها لم تعلم بفعلهما.
قال: فإن لم تكن سفيهة ولا شهد عليها أنها وكلتهما بالبيع حلفت بالله ما علمت ولا رضيت بذلك، ورد البيع، وهاتان المسألتان تردان جواب ابن عتاب التي كتبت بها إليه أن لها أن تقوم بعد عشرة أعوام، وليس يسوغ لها فيها أن تدعي أنها لم تعلم، لأنها هي التي باعت، فإذا أقامت مع الزوج العامين ونحوهما، صار أمرها محمولا على الرشد، بهذا جرى العم على ما ذكره ابن أبي زمنين في المغرب.
وأما ابن الماشجون فهي عنده رشيدة بعد العام، فقد أقامت رشيدة حائزة الأمر ثمانية أعوام أو تسعة لا تطلب ما باعت، وفي مثل هذه المدة تكون الحيازة على الحاضر العالم فيما يعرف ملكه له من الأصول حتى لا يكون له قيام بعدها، على ما لابن القاسم في كتاب ابن حبيب وسماع عيسى (ب - ٢٢).
فكيف بهذه الساكتة في هذه المدة وهي البائعة، والصحيح عندنا ألا قيام لها في ذلك، ولا تسمع منها دعوى في مثل هذا، ولا بعد ثلاثة أعوام بعد رشدها.
وفي وثائق ابن الهندي فيمن له دار مشتركة بينه وبين أخيه، فباع أخوه جميعها ممن يعلم اشتراكهما فيها، وله سلطان ومقدرة، خاف ضرورة إن تكلم في ذلك، فاستدعى أن سكوته عن الكلام في نصيبه وفي الشفعة في نصيب أخيه، لما يتوقعه من تحامل المشتري عليه، وإضراره به لمقدرته، وأنه غير تارك لمطلبه متى أمكنه.
ثم قال في فقه هذه الوثيقة: فإذا ذهبت التقية وقام في فورها بهذه الوثيقة وأثبتها، وأثبت الملك والاشتراك، وأعذر إلى أخيه والمشتري، فإن لم يكن عندهما مدفع قضى له
[ ١٠٠ ]
بحصته وبالشفعة، وإن ترك القيام بعد ذهاب التقية عشرة أعوام أو نحوها، فلا قيام له فهيا، وإن أحالها المبتاع بالزيادة والنقصان بعد زوال التقية بأقل من عشرة أعوام حيازة تمنعه القيام، وهذا أيضًا عند ضعيف؛ لأن سكوته الأعوام وتركه القيام بعد ارتفاع التقية يدل على رضاه بالبيع.
ولا أرى له اعتراضًا، وإن لم يسكت إلا العامين والثلاثة ونحوها، بعد زوال ما كان يتقيه، لأن متى زال، فكأن البيع وقع حينئذ، ومن بيع ماله بمحضره ولم ينكر ولا تكلم حينئذ، ثم قام بعد ذلك بأيام، فليس له في البيع كلام، وإنما له الثمن فأخذه من البائع، وهذا قول ابن القاسم وغيره، فكيف يبلغ من يبيع ملكه بعلمه وبمحضره في الحيازة عليه عشرة أعوام أو نصفها؟
هاذ لا يجوز بحال، والله أعلم، لأن متى حيزت عليه العامين أو الأعوام الخمسة ونحوها دار وهو حاضر عالم، له أن يدعي أنه أكراها، أو أنه أسكنه إياها، وشبه ذلك مما لا يزال ملكة عنها، ولا يقطع حقه منها، وأما من باع أو بيع عليه بعلمه وارتفع عذره في السكوت عن طلب حقه، فالظاهر من أمره الرضا بما كان فعله أو فعل غيره.
وكان في حاشية كتاب بمكي بن أبي طالب المقري - ﵀ - على التي في سماع يحيى التي كتبناها فوق هذا، في التي باع أخوها منزلًا بينه وبينها، إذا كانت حاضرة وقت البيع عالمة به ولا عذر لها في حجاب ولا بكورة ولا غيرها، فالبيع لازم لها إذا لم تتكلم، ولو قامت بعد يوم.
وإذا تركت القيام بعذر ثم زال العذر فلها القيام. وإن سكتت بعده شهرًا أو شهرين، بخلاف التي رأت البيع وسكتت لغير عذر؛ لأن هذه تحتج بفوات الأمر وطوله، وتقول: تربصت لعذر انظر في أمري وأوكل من يخاصم عني، وأتعرف ما يلزمني أو يلزمني وأنا امرأة لا معرفة لي بالخصومة، فتربصت متعرفة لذلك، فإن طال تربصها السنة ونحوها بعد زوال عذرها لم يكن لها قيام والله أعلم. هكذا في الحشاية، وأظنه في إملاء أبي عبد الله، محمد بن دحون، وهو كلام صحيح، قائم في النظر، والله أعلم.
ويؤيد صح ما ذهبنا إليه، ما رواه أشهب وابن نافع عن مالك في امرأة تصدقت على أبيها وأمها بصدقة، ثم تزوجت، فطلبت ذلك، فقال: ليس ذلك بشيء من المرأة المولاة، وذلك رد عليها.
[ ١٠١ ]
قال ابن نافع: ولو تزوجها ودخل بها زوجها وأقامت عنده سنتين أو أكثر من ذلك، ثم قامت بذلك وقالت: لم أكن أعلم أن ذلك يلزمني، رأيت ذلك لها وتحلف.
ففي قول مالك: تزوجت فطلبت ذلك؛ فعطف بالفاء، وهي تعطي في اللسان أن الثاني بعد الأول متصلًا به، فجعل طلبها متصلا بزواجها، وفي قول ابن نافع: قامت بعد سنتين أو أكثر، فلم يمثل قيامها بخمس سنين أو ست، فكيف بعشر.
وقوله: أو أكثر يحتمل أنه يريد أكثر بشهر أو شهرين أو أشهر إلى السنة وأكثر ذلك، وألزمها اليمين على دعواها أنها لم تعلم أن ذلك يلزمها، فحملها محمل الرشيدة بعد سنتين، وهي ذات أب، والمسألة تدل على أنها كانت بكرًا، والذي جرى به العمل في البكر ذات الأب تنكح ويبني بها زوجها، أنها من ستة أعوام أو سبعة فأزيد ن وقت البناء، محمولة على الرشد إن لم يظهر منها سفه، وفعلها قبل ذلك مردود، ذكره ابن أبي زمنين.
وقال غيره: إنها بعد خمسة أعوام محمول على الرشد، وقبل ذلك في السنتين والثلاث والأربع هي سفيهة مردودة الفعل، ومن كان فعله مردودًا لم يحلف، وهو يصل بالحكم إلى استرجاع ماله ونقض ما ع قد فيه على نفسه.
فقول (أ – ٢٤) ابن نافع هذا إنما يخرج على قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ أنها متى قضت بعد السنة في بناء زوجها في مالها فهو نافذ ماض، ومن أراد رد فعليها فعليه البينة بسفهها.
قال ابن الماجشون: إذا كانت البكر بنت ثلاثين سنة فصاعدًا أو كانت رشيدة الأمر حسنة النظر مرضية الحال ولا ولي عليها، فقضاؤها بوجه الصواب من بيع أو شراء أو أخذ أو إعطاء أو عتق أو تدبير جائز عليها، وأما التي هي في ولاية ولي ينظر لها؛ من أب أو وصي أو خليفة سلطان، فلا أرى شيئًا من أمرها يجوز، وإن كانت في السن والحال على ما وصفنا حتى تعنس أو تنكح، وأول التعنيس عندنا بلوغ الأربعين فصاعدًا، قال ابن حبيب: وهذا أحسن ما فيه عندي، وبه كان ابن وهب يقول وغيره ممن ارتضى.
وعلى هذا كله – أي قول ابن نافع في يمينها أنها ما علمت أن ذلك يلزمها، ولابن نافع قول آخر خلاف هذا في المدينة، وسئل عمن زوج ابنته فحين بنا بها زوجها أحدثت في مالها صدقة أو غيرها، فأراد أبوها رد ذلك، وقال زوجها: ليس ذلك لك لأنك لم تبرأ
[ ١٠٢ ]
إليها بمالها إلا وقد رضيت حالها.
قال ابن نافع: يرد ذلك أبوها ولا تخرج من ولايته أبدًا حتى يقيم زوجها البينة أن مثلها لا يولي عليها في حبس حالها وعقلتها فقوله هذا لا شبه قوله في العتيبة بوجه.
وفي النوادر قال مالك:
وللبكر أن ترد ما صنعت قبل أن تصير إلى زوجها، ولو أجاز ما تصدقت به قبل بنائه بها لم يجز، ولو ماتت ولم يرد وليها ما صنعت أو لم يعلم فورثتها رده، كما كان يكون لها لو وليت بنفسها ما لم تتركه بعد أن تلي نفسها بما يعلم أنه رضي، فقول مالك: ما لم تترك بعد تلي نفسها ما يعلم أنه رضي يدل على صحة ما قلناه من ضعف مسألة ابن الهندي وجواب الشيخ أبي عبد الله في تركنا – مما فيه الحجة – قول ابن عبد الحكوم في بيع البكر، وقول سحنون في أفعالها، إذ في بعض ما أوردناه بيان ما أردناه، والله تعالى يعصمنا بهذه بهداه.
وقول مالك: إذا ماتت فورثتها رد صنيعها، فذكر ابن حبيب مثله عن مطرف وابن الماجشون كالسفيه ينكح فلا يعلم به وليه إلا بعد موته، فله رد النكاح ولا ميراث لامرأته ولا صداق، قال مطرف: وهكذا سمعت ابن أبي سلمة وابن أبي حازم يقولان، ولا أعلم لمالك خلافه.
قال ابن حبيب: فسألت عنه أصبغ فقال: سمعت ابن القاسم يقول في ذلك أنه ماض جائز لا يرد منه شيء، لأن أمر قد فات موضع النظر فيه، ومضى الذي به كانت الولاية، وله كان يحبس المال، فلا كلام فيه للورثة لأنهم إنما يرثون ما كان له يوم مات، وأمره عنده على الجواز حتى يرده الولي، وهو عند الأولين على الرد حتى يجيزه الولي، وقد رجع أصبغ إلى الأخذ، وبه أقول.
وفي أحكام ابن زياد في يتيم طلب إخراج ماله عن يد وصيه:
كشفنا القاضي – وفقه الله وسدده – عن يتيم له وصى من قبل أبيه من أهل العدل والرضى والملأ سأل اليتيم أن يخرج ماله عن يد وصيه ويوضع على يد غيره من أهل العدل، وأحب القاضي (﵁) أن يعرف الواجب فيما سأله اليتيم.
فالذ نقول به في ذلك أنه لا يجب إخراج المال عن الوصي إذا كان من أهل العدل، فكيف بالعدل والملأ لأن أخراج عنه وهو بهذه الحالة تبديل لعهد الميت، وقد قال
[ ١٠٣ ]
الله تعالى: ﴿فمن بدل بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبلدونه﴾.
فهذا الذي عندنا فيما سأل عنه القاضي – وفقه الله – وهو قول مالك وجماعة أصحابه، وبه عملت القضاة قبلك، قال بذلك محمد بن وليد، ومحمد بن عمر بن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن غالب، وسعيد بن معاذ.
وقالوا في بيع دار يتيم لقربهم من دور اليهود، وحيث تباع الخمر ومجتمع أهل الفساد والشر.
سأل وكيل اليتيم القاضي – وفقه الله – أن يسمع من بنيته على أن بيعه للدار نظر، وأن الثمن الذي باعها به سداد، فالذي نقول به في ذلك: إن ذلك ن حق الناظر لليتيم، وإن إخراج اليتيم من مجتمع اليهود إلى مجتمع الإسلام من النظر.
قال محمد بن وليد: وقال بان كنانة: كلما نظر به وإلي اليتيم لليتيم من بيع ما بيعه نظرًا له وعودًا عليه فهو جائز، وإشهاد القاضي على ما ثبت عنده من النظر قال بذلك عبيد الله بن يحيى، وأيوب (ب – ٢٣) ابن سليمان، ومحمد بن غالب.
وفي أيتام طلبوا بيع نقض بنيان لا يحتاجون إليه:
فهمنا – وفق الله القاضي – ما سأل منذ زمن نقض فضول بنيانه التي يستغنى عنها ويبتاع له، حصص أخواته من المنية، والذي دعا إليه خير من النظر، لأن ابتياع ما يظهر نفعه ويجتمع له به من المنية ما يتسع به أراد من فضول بنيان لا يحتاجون إليه إلا على التنزه، فإذا كان ما ادعى إليه ظاهرًا فهو من النظر الذي لا ينبغي لناظره أن يغفل عنه وعن جمعه له بنقض الفضول التي لا يضطر إليها ولا ترد عله منفعة. قاله ابن لبابة وجماعتهم.
وفي يتيم قام في دار بيعت وجحد وكيله:
فهمنا – رضي الله عن القاضي – ما شهد به الشهود للمولى عليه من أن الدار التي حازها الشهود ملك له، وثبوت لك عنده وإعذاره إلى من وجب أن يعذر إليه بما وجب أن يعذر به، فالذي يجب أن يعدي عليه فيما ثبت من الدار ويكون في يد من يله، ويقال لمن شركه في الدار: إما أن تقسم الدار بينكما أو يسمكن المولي عليه معك فيها.
والذي ذلك من أن موسى بن زياد إذا كان قاضيًا بقرطبة وكل على ابن نصرون وكيلًا، وأن هذا الوكيل أنكر أن يكون قبل الوكالة أو نظر له، فالقول قول الوكيل، إلا
[ ١٠٤ ]
أن يثبت أنه قبل ونظر، فإن لم يثبت نظر القاضي للمولى عليه بما ينظره لأيتام المسلمين، ويجب أن يكشف الشهود الذي شهدوا على توكيل موسى هل قبل أم لا، فإن قالوا قبل. لزمه النظر، وإن قالوا: لم يقبل. لم يلزمه شيء قال بذلك محمد بن لبابة، ومحمد بن وليدن ويحيى بن عبد العزيز.
محجوران اعتقلت بسببهما دار بنظر القاضي، ثم انطلقا من الولاية، فطلب بعض ورثته من كانت له حل العقلة واستئناف المناظرة مع المرشدين:
سألت – وفقك الله وسددك – عن الواجب عليك الآن فيما كان نظرك تقدم فيه لابني مرهف اللذين ألفيتهما في الولاية، من اعتقال دار ابن مرهف الثابت ملكه لها عندك إلى أن مات بعد أن شاورت في ذلك مرة بعد مرة، وأخذا منك بالحيطة لنفسك، ولمن نظرت له، فكانت في العقلة عندك إلى أن ثبت عندك رشد هذين المحجورين، فأطلقتهما بثبوت الرشد لهما، وطلب طالب من ورثة ابن مرهف حل العقلة ثم يبتدئون الخصومة عندك، فما وجب لكل فريق نظرت له به.
فنقول – والله نسأل التوفيق -: إنك نظرت مجتهدًا فاعتقلت بحق أنفذته وإطلاقهما في الولاية حالة بسقط العقل، ويوجب حله وترد الدار على ما كانت عليه إذا لم يطلب المطلقان عقهما، ولعلهما من شركهما يصيرون إلى حالة غير ما جرى به الأمر عندك، فضع العقل – وفقك الله – وأعد الدار إلى الإنطلاق حتى تأتي حالة توجب ذلك بقيامها، ولب ذلك، فإذا كان قيامهما عندك فهمنا المذهب منها، ثم أشرنا عليك بما تراه على ما يؤديه لفظهما وقيامها. قال بذلك كله محمد ابن غالب، ومحمد بن وليد.
وكيل قاض باع نقض دار يتيم فذكر وليه أن بيعه غير سداد:
فهمنا – وفق الله القاضي – وسدده – ما ذكره عبد الله بن مؤمن بن فلوس وعائشة بنت أخي محمد بن فلوس أن الدار باعها محمد بن عبد الله بن يحيى في أداء ديون محمد بن فلوس، فأمر محمد بن سلمة إذ كان قاضيًا بقرطبة بيعت بغير سداد من الثمن، وأنه كان بيع بخسم، فالذي يجب في ذلك أن يبيع وكيل قاضي أو وصي ميت على السداد والنظر حتى يثبت أنه غير سداد ولا نظر.
فعلى عبد الله بن مؤمن عاصب محمد وعائشة طالبة عمها بالدين إثبات ما ذكراه من البخس، فإذا أثبتاه، ولم يكن للناظر في بيع الدار فيه مدفع، وجب فسخ بيع الدار،
[ ١٠٥ ]
وإن لم يأتيا ببينة على ما ذكراه من ذلك؛ مضى بيع الناظر، فإنه على السداد والنظر. قال بذلك ابن لبابة، ومحمد بن وليد، وغيرهما.
وفي قولهم: أن يمتحن القاضي – وفقه الله – أموال محمد بن فلوس الباقية، فإن كان فيها وفاء بدين عائشة بنت أخيه، لم يعترض شيئًا مما مضى، وإن لم يكن فيها وفاء قضيت عائشة ما وجدت بما بقي لها على ما يصير لها في المحاصة على من اقتضى ثم تحاصوا أجمعون.
وفي امرأة باعت على أيتام أصاغر (أ – ٢٤):
ينظر القاضي – وفقه الله – فيما باعته المرأة على الأطفال، فإن ثبت عنه أنه بيع نظر أمضاه، وإن لم يثبت عنده أنه بيع نظر فسخ عن الصبيان وأخذت البائعة بالثمن الذي قبضت لهم، ويرد على المشتري. قاله ابن لبابة، وبان وليد، وأيوب بن سليمان.
قال القاضي:
جوابهم على هذا محذوف مختصر، وقد تقدم لهم مثله في الاختصار الذي هو كالتقصير في مسألة ابن عفان وأمه الرحيم، وتمامه فيما قاله أصبغ بن الفرج في نوازله في البكر تحتاج فتبيع بعض عروضها، وتنفق على نفسها وتصنع في البيع والإنفاق على نفسها ما كان يصنعه السلطان، أو تبيع ذلك عليها أمها أو أحد أقاربها، وهو غير وصي، ولو أراد متولي ذلك رفعه إلى السلطان ولم يقدر وخاف ضيعتها، أو كان على ذلك قادرًا، فلم يفعل إلا أنه نظر في ذلك أو نظرت بما كان السلطان ينظر لها مع الاستقصاء وحسن البيع.
قال: نرى إن كان الذي باعت أو بيع عليها شيئًا بال وقدره، مثل العقار الصالح والأمر الكثير من غيره، فهو مردود على كل حال أصله لا يجوز، ولا يجاز وهو بيع سفه وسفيه، ومال يتيم لم يبلغ فلا يباع، إلا بالوالي أو السلطان الناظر بعد الناظر والحاجة والاستقصاء، فهو مردود أصله لا يجوز، فإذا رد نظره، فإن كان الثمن حول في نفقة لابد له منها ولا غني عنها حسب للمشتري، ذلك ولم يبطل، وإنما الذي يبطل من بيع السفيه مالا مخرج لثمنه إذا قبضه مما يبدره ويضع فيه لشهواته، فهذا يكون هدرًا وما ادخله فيما لا غنى عنه من مصالحه أو الثمن يوجد قائمًا بعينه لم يتلف له، فهو رد إلى دافعه.
وإن كان الذي باعت أو بيع عنها لا قدر له كالدويرة الصغيرة والعلقة أو البيت
[ ١٠٦ ]
الخرب والأمر اليسير لنفقتها أو مصالحها، التي لابد منها، فهو نافذ، وبيع ما باعه جائز، ولا يرد إذا جعل في نفقة اليتيم ومصلحته، وانتفع به في حينه، ولم يكن له غيره ونحوه، وقد تقدم لأصبغ هذا الباب من هذا من كتاب ابن حبيب، ولمطرف وقد يلزم ابن لبابة وأصحابه ايفتوا فلا يقتصروا عليه ما به جاوبوه حتى قصروا.
وهذا أصل ما نصه المؤلفون؛ ابن العطار وغيره في جواز بيع الحاضن أو الحاضنة وليًا كان أو أجنبيًا على من في حضانتهم من بكر أو يتيم صغير، إذا كان المبيع حقيرًا أو بيع لحاجتهم كان بالبد قاضي أو لم يكن، لأن القاضي لو رفع ذلك إليه لم يجز له بيعه إلا بعد ثبوت ملكه وحيازته والحاجة وغير ذلك، وفيه ضيعتهم وربما هلاكهم.
قال أبو عبد الله بن العطار: والعشرون دينارًا دراهم للواحد فيما دونها أو فوقها بيسير تافه حقير فيما يبيعه الحاضن على البكر والصغير، وقال ابن الهندي في وثائقه: رأيت لبعض المفتيين من السلف الماضي تحديدًا فيما أجيز للأم بيعه إذا كانت حاضنة، فقال: إذا كان ثمن المبيع عشرة دنانير ونحوها.
ولا تباع أصول الأيتام إلا لوجوه يأتي ذكرها إن شاء الله.
وإذا سأل يتيم أن تباع له ضيعة من ناضة وكانت الضيعة أعود عليه وأنفع، أمر القاضي وليه بذلك. قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وسعيد بن معاذ، ومحمد بن وليد.
وفي بيع عقد على يتيمة وابتياع عقارًا في ثمنه:
ألقى – رحمكم الله – في تركة داود عقد لؤلؤ، فذهب أخوه وأخته المحيطان بميراثه مع ابنته الصغيرة التي قدمت للنظر لها من وثقت به إلى بيع العقد، وقالوا: إن بيعه مجتمعًا أجلب للثمن، وأعود في البيع، وقد أردت أن أبتاع لها عقارًا بناض صح لها، فإن كنتم ترون أن بيع نصيبها في العقد مع سائر الورثة ليضم ما نض من ثمنه إلى ناضها لابتياع عقار لها فيه فاكتبوا لنا بخطوط أيدكم بذلك لنأمر من ينفذ البيع، وإن رأيتم أن يقسم العقد فيوقف نصيبها، أمرنا بذلك إن شاء الله.
فهمنا ما ذكره القاضي – وفقه الله – من بيع العقد وابتياع عقار للصبية، وإنما في هذا الاجتهاد والنظر، فإن كان بيعه مجتمعًا، أو مقطعًا بيع مقطعًا، يكشف عن هذا أهل البصرة بالجوهر والتجارة، وأما ابتياع عقار للصبية فإنه لا شك أعود عليها وأنفع لها، لأن
[ ١٠٧ ]
العقار يغل والأصل قائم، والجوهر حجر موضوع لا يغل، فهذا قولنا في هذا. قال بذلك أيوب بن سليمان (ب – ٢٤)
وقال عبيد الله بن يحيى:
يسال من يثق به من أهل المعرفة بالجوهر، فإن رأى بيع العقد مجتمعًا أنفع لها بيع مجتمعًا، وضم سهمها منه إلى ناضها، وتأمر بابتياع ضيعة لها، فهو أعود عليها من الجوهر، وقال ابن لبابة: إنما ينظر المصيبة بما هو أعود عليها، وبيع الجوهر واشتراء الأرض أنفع لها وأرد عليها، ويسأل أهل البصر بالجوهر عن وجه بيعه فيعمل بذلك، إما مجتمعًا أو مقطعًا.
وفي دعوى على مولى عليه:
حفظكم الله وأبقاكم، قام عندي محمد بن عياض فادعى أنه كان رهن زكريا بن الحشاية عقدًا نفيسًا بعدة من مال، وذكر أن العقد صار عند عزيزة أخت زكرياء بعد وفاة زكرياء، وشهد له عندي على أنه رهن زكريا عقدًا من لؤلؤ، وفي شهادة الشهود أن محمدًا لم يزل يطالب زكرياء بالعقد إلى أن توفى زكرياء.
وطلب محمد إحلاف عزيزة أخت زكرياء أن العقد ليس عندها، ولم تلفه في تركة أخيها، ولا أخرجته من عندها إلى أحد، فأوصيت إليها من يعرفها بدعواه عيها، فأتاني من وجهته إليها، فقال عنها، فإنها لم تأخذ العقد ولم ترعف له موضعًا، وقالت: لم أكن أساكنه، غنما كنت ساكنة في غير مسكنه، وكان أخيى وصيي إلى أن مات، وأثبت عندك أيها القاضي بعدول البينات أني من أهل الحالة الحسنة في نفسي وضابطة لما وصل إلي من مالي فأطلقتني من الولاية إذا وجبت لي ذلك السنة، فكيف تجب علي اليمين مع ما شهد لي به من حسن الحال؟ وأحببت – رحمكم الله – معرفة الواجب في ذلك إن كان تجب عليها اليمين أم لا؟
فهمنا – وفق الله القاضي – ما ادعاه ابن عياض على ابنة الحاشية وما دفعته به عن نفسها من أنها كانت في ولاية فأطلقتها منها بثبوت رشدها عندك، فالذي أرى أن المولى عليه لا يحلف فيما ادعى عليه، وهذه كانت مولى عليها وقت وفاة أخيها ووقت دعوى ابن عياض عليها أنها قبضت فلا يمين عليها في ذلك، والله الموفق للصواب. قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
وفي قولهم أن للوكيل المقدم للنظر على الصغير ابن الحاشية أن يصالح عنه في الرهن.
[ ١٠٨ ]
الذي قيم فيه عند القاضي – وفقه الله – على اجتهاد خوفًا من أن يثبت فيكون أضر بالصبي.
وفي شهادات المدونة وأقضية المختلطة: قلت: أرايت النساء العواتق وغيرهم والإماء وأمهات الأولاد والمدبرات والمكاتبات، أيحلفن في المساجد؟ قال: إنما سألت مالكًا عن النساء أين يحلفن؟ قال: أما كل شيء له بال فإنهن يحلفن في المسجد الجامع.
قال محمد بن عمر بن لبابة في منتخبه: العواتق الأبكار لا يمين على من لم يطلق منهن من الولاية إلا في شيء يكون لهن بشاهد واحد، فإنهن يحلفن فيه كما يحلف السفيه، وفي مثل ادعائهن على الأزواج الوطء بعد البناء.
وفي كتاب ابن حبيب:
سمعت مرطرفًا يقول في المولى عليه يقوم له شاهد واحد على حق له قبل رجل ورثه عن أبيه، أو كان له بوجه حق: أنه يقضي له باليمين مع الشاهد، فإن حلف أخذ حقه، وكان في يد وصية، وإن نكل لم يبطل ذلك حقه، ويقال للمطلوب: احلف أنك برئ من هذا الحق، فإن حلف أخر حتى يبلغ المولى عليه الرشد، فيحلفن ويقضي له بحقه، وإن نكل لم يكن له شيء، ولم تعد اليمين على المطلوب، وإن نكل المطلوب أولا عن اليمين أخذ منه الحق بنكوله إلى أن يبلغ المولى عليه الرشد، فإن حلف مضى له، وإن نكل رده.
وقال مطرف: وكذلك لو كان صغيرًا لم يبلغ الحلم، فقام له شاهد على حق أحلف المطلوب، وبرئ إلى بلوغ الصغير، وإن نكل أخذ منه الحق إلى بلوغه.
قال ابن حبيب: وهكذا كان ابن كنانة يقول أيضًا في المولى عليه، وكان ابن القاسم وأصبغ يجعلان المولى عليه كالكبير والرشيد إن حلف مع شاهده استحق حقه، وإن نكل بطل حقه، يريد إن حلف المطلوب وكانا لا يجعلانه كالصغير، وقول ابن كنانة ومطرف أحب إلي وبه أقول.
وذكر ابن سحنون عن ابن القاسم أن السفيه إن نكل وحلف المطلوب برئ، ولا يمين للسفيه إذا رشد، وكذلك المولى عليها تنكل عن اليمين مع شاهدها فاليمين لها بعد أن ترضى حالها، وذكر عن ابن كنانة مثل ما ذكره ابن حبيب. وبه قال عيسى (أ – ٢٥) ابن دينار، وفي العتبية عن الأصبغ عن ابن القاسم مثل ما ذكر ابن حبيب. قال أصبغ: والسفيه كالعبد والنصراني وهما يحلفان في حقوقهما، والحقوق تقع عليهما، وهذه السنة
[ ١٠٩ ]
الثانية.
وأفتى أبو عبد الله بن عتاب فيمن توفي عن زوجة مولى عليها وبنين منها، وطلبت عند القاضي كالتها وأثبتها أنها تستحق، ويقضي لها به، وليس عليها اليمين التي على من أثبت حقًا على ميت أو غائب أنه ما قبضه ولا وهبه، ولا أحال أحدًا عيه فيه، ولا استحال على أحد به، وأنه لباق عليه إلى حين يمينه.
قال لي: وترجأ هذه اليمين حتى ترشد فتحلفها حينئذ، فإن نكلت صرفت ما قبضت إلا قدر ميراثها منه.
وقول ابن عتاب في هذه بإرجاء اليمين عليها حتى ترشد فتحلفها، وقول مطرف وابن كنانة بغرجاء يمين السفيه ينكل عنها مع شاهده حتى يرشد فيحلف ويأخذ؛ يدلان على ضعف جواب الشيوخ في مسألة عزيزة؛ بأن لا يميني عليها في العقد الذي ادعى ابن عياض أنه عندها، واحتجوا بأنها كانت مولى عليها وقت وفاة أخيها، ووقت دعواها عليها لأنها قبضته.
وحجتهم هذه ضعيفة لا معنى لها؛ لأنه مدع لبقاء العقد عندها إلى الآن، وقد رشدت، فيما يمنع من إحلافها على ما يدعي أنه بيدها من ماله غير مستهلك ولا فائت؟، وهل ذلك إذا ادعاه بيدها وأخذها إياها وكونه عندها إلا بمنزلة ما لو ادعى أنها الآن أخذته وغابت عليه؟
ولو احتجوا بما ذكره القاضي عنها من احتجاجها بإثباتها عنده أنها من أهل الحالة الحسنة في نفسها والضبط لما لها؛ لكان أولى مما احتجوا به، وقد تقدم أن اليمين لا تلحق في مثل هذا إلا بعد ثبوت الظنة وظهور التهمة، ولو قالوا: فإن شهد لهذه المرأة بالفضل البين والصلاح الظاهر، فلا يمين عليها؛ لأن ما شهد لها به من الحالة الحسنة غير بين في إسقاط مثل هذه الدعوى عنها؛ لأنه كلام محتمل – لأصابوا الصواب وأحكموا الجواب.
ويدل على صحة هذا الذي ذهبنا إليه ونبهنا عليه ما قدمناه: أنه قد رويناه في مسائل انتقدها أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي عن أصحابنا بالأندلس، حدثنا بها أبو القاسم حاتم بن محمد، عن أب القاسم المهلب بن أبي صفرة قال بعد تقدم بعضها؛ ومنها إسقاط اليمين عن المولى عليه، وتركهم لإجماع المسلمين فيه، واعتلالهم لأن في ذلك إذا نكل عن اليمين سببْا منه لإتلاف ماله -: وهذا خطأ من الاعتلال؛ لانكسار طرد اعتلالهم
[ ١١٠ ]
في المسائل التي أجمع الناس عليها، وفي أن المدعي لا يستحق بنكول السفيه عن اليمين شيئًا، وإنما يستحق بيمينه.
فأما انكسار اعتلالهم فففي عدم الخلاف في وجوب اليمين على المدين الذي غرق في الدين، وأنه إن نكل حلف المدعي عليه واستحق ما ادعاه عيه، وفي نكوله إتلاف أموال المديان، وهذا أولى على ما أصلوه ألا تلحقه يمين.
وأيضًا، فإن المرأة ذات الزوج المالكة لأمرها ليس لها أن تقطع من مالها إلا الثلث فأدنى، ومع ذلك فإن ادعى عليها مدع بمال هو أكثر من الثلث، وتعلقت اليمين عليها فنكلت عنها، حلف طالبها واستحق ما ادعاه قبلها، وفي ذلك سبب لإتلاف مالها الذي قد وجب للزوج الاعتراض فيه عيها، ثم اليمين لازمة لها عندهم، بخلاف المولى عليه.
فهذا أبو محمد عبد الله الأصيلي قد رأى أن اليمين تلحق المحجور في حال حجره، وإن نكل عنها حلف طالبه واستحق دعواه، فكيف بقولهم في دعوى ابن عياض على عزيزة المتصلة برشدها في عقد يدعي أنه الآن بيدها: اليمين هنا لاحقة لها، واجبة عندي عليها، وما يتوجه فيه خلاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
وإن كنت احتججت بما ذهب إليه أبو محمد في الدعوى على السفيه، فعلى ما يفعله أصحابنا كثيرًا من مراعاة الخلاف الذي لا يقولون به فيما يذهبون إليه مما ينازعون فيهن لا لأني أعتقد الأخذ به أو العمل عليه، بل الصواب عندي فيما جرى به العمل من المنع من تعليق اليمين به؛ لأن إقراره بما بيده أو بمال في ذمته إذا لم يلزمه؛ فسقوط اليمين عنه أولى، وألا يلزمه أجدر، وهو بين في النظر، صحيح على الصول إن شاء الله، وقد بينت الوجه الذي رأيت لأجله اليمين على عزيزة في دعوى ابن عياض، وبالله التوفيق.
وقال ابن الهنيدي في وثائقه:
روي اليمين التي تجب على المحجور أنها ترجا عليه إلى انطلاقه، وكذلك البكر غير المعنس ولا أب له ولا مقدم عليها، وهو نحو ما ذكرته عن ابن عاب.
وقال ابن الهنيدي: إن ادعى المولى عليه حقًا على رجل، ولم يقم له شاهد [- ٢٥) فرد اليمين عليه؛ لم يحلف المولى عليه، وإنما حلفه مع الشاهد العدل من جهة إحياء السنة، ويلزم المدعي عليه الغرم بنكوله، وترجأ له اليمين على لمحجور إلى حين رشده.
وفي هذا عندي نظر، والصحيح أن يحلف ويأخذ إذا رد المطلوب اليمين عليه، كما
[ ١١١ ]
يحلف مع شاهده ويأخذ، ولا وجه لإرجاء هذه اليمين عليه إلى رشده، وقد رضي المطلوب منه بها بنكوله عنها. وسيأتي في هذا المعنى مسائل إن شاء الله.
وفي أحكام ابن زياد في شهادات على يتيم بالحجر:
قرأنا – وفق الله القاضي – شهادة الرجلين لابنه هشام أنها في ولاية، فقال أحدهما: إنها كانت في ولاية ابن تمام بتوكيل عامر بن معاوية – إذ كان قاضيًا بقرطبة – إياه على ذلك، وقال الثاني: أعرف محمد بن تمام؛ يجري عليها النفقة، ويذكر أنها في ولايته، فرأينا شهادة هذا بقول ابن تمام أنها في ولايته غير تامة، وشهادة الأول تامة، فإن أتت ابنة هشام بشاهد آخر يشهد على توكيل عامر بن معاوية وقبلتهما؛ تمت الشهادة وصحت الولاية، ووجب الإعذار إلى الذين تطلبهم المرأة بيمين لها. قال ابن لبابة، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان.
وفي نظر القاضي لمن لا وصي له:
الذي يجب – وفق الله القاضي – فيما رفع إليك عن رقية بنت عبد الله بن أبي عيش: أن تبعث رجلين يعرفانها بكتابك الذي رفع إليك عنها، فتكشف عن الكتاب فإذا أقرت به، وثبت عندك موت أبيها، وأنها لا ناظر لها بوصية من أب ولا بولاية من قاضي، وأنها بحال بكورة؛ وكلت لها من يقوم بأمورها وأقمته مقام وصي، وأخرجتها إلى موضع مأمون للحالة التي اشتكت إليك. قال بذلك محمد بن عمر بن أبي لبابة، ومحمد بن وليد وسعيد بن معاذ، ومحمد بن غالب، وعبيد الله بن يحيى.
وفي امرأة رشد ولدها فذكرت أنه مبذر لماله:
قرأ القاضي – وفقه الله – بطاقة امرأة وزعمت أن ولدها رشد، وأنه غير شيد، وأنه قد أتلف ما أخذ من الناظر له، وسألت امتحان ذلك، ومن شأن القضاة إذا رفع إليهم مثل هذا أن يكشفوا عن ذلك، فإن ظهر لهم فساد بين أولى عليه، وإن ظهر له تثمير أو إمساك أعرض عنه.
فنرى – والله [نسأله التوفيق] – أن يكشف هذا الغلام والمرشد عن عدة ما قبض، فإذا سماها قال له القاضي: قد رفع الينا أن هذا قد زال عن يدك، فأين لنا ما صنعت فيما أخذت لينقطع عني ما أتخوفه في أمرك، فإن أظهر نظرًا خلى سبيله، وإن بان التلف أعيد في الولاية، إن شاء الله. قاله محمد بن غالب، وابن لبابة، ومحمد بن وليد.
[ ١١٢ ]
فيمن لزمته ولاية هل يخرجه عنها موت وصية؟ وكيف العمل فيما باع بعد موت الوصي:
تقرءون أكرمكم الله – هذا الكتاب، أشهد موسى بن زياد إذ كان قاضيًا بقرطبة، وإشهادي على ما ثبت عندي من إشهاد موسى، وهل يجب في ذلك أن يكون الغلام في ولاية وألا يخرج منها إلا بترشيده قاض، فإن هذا الغلام باع حصته الباقية هل في الجنان المذكورة في الكتاب الذي أشهد عليه موسى، وذكر الذي زعم أنه اتباع من الغلام أن فتحًا إذا مات ولم يوكل له مكانه وكيلًا؛ أنه بذل خارج من الولاية، وقد تردد على الغلام يسألني أن أقيم له مكان فتح من بيبيع عليه ما لا غنى به عنه، فوكلت له.
فهمنا – وفق الله القاضي – ما كشفت عنه في هذا الكتاب، ومن أخذته الولاية لم يخرج عنها بموت ناظر ولا غفلة سلطان عن التوكيل عليه، وهو ملى عليه، حتى يثبت رشده، ويشهد العدول على إصلاح أمره، وحسن تدبيره لماله وضبطه له، فإذا ثبت ذلك وجب إطلاقه على ماله والنظر فيه لنفسه، وما باع قبل ثبوت رشده فمردود عنه، ويرد إليه ما باع، ولا يلزمه من ثمن ما باع قليل ولا كثير، إلا أن يثبت عندك أنه دخل في مصالحة وما لا غنى به عنه من قوام عيشه، فإذا ثبت ذلك، وثبت أن بيعه كان بيع استقصاء مضى بيعه وأخذ بثمنه، إذا ثبت أنه دخل في مصالحة، وما لم يثبت ذلك لم يؤخذ بالثمن، ورد إليه ما باع من ماله. قاله ابن لبابة، وقال به أيوب بن سليمان.
ولا يرد الثمن إلى المبتاع إلا بأحدى حالتين: إما أن يوجد الثمن بعينه أو ما اشترى به بعينه؛ فيرد على المبتاع. أو يثبت أنه دخل في مصالحة، وما لو نظر ناظر فعل مثل ذلك، فيرد الثمن أيضًا إلى المبتاع من مال المولى عليه. وأما الولاية فثابتة، لا يخرجه منها إلا ثبوت رشده، وبالله التوفيق.
وقال عبيد الله بن يحيى مثل قول أبي صالح (أ – ٢٦)، وقال يحيى بمثل قول أبيه، وفي قولهم أجمعين أن الجنان تعقل حتى ينظر في ذلك، ويبيع الثمرة وتحبس الثمن حتى يصح النظر فيها بما يجب إن شاء الله. وقال بذلك سعيد بن معاذ، وأحمد بن بيطي.
قال القاضي:
قولهم في هذه المسألة: إن ثبت أن بيعه كان بيع استقصاء، مضى بيعه وأخذ بثمنه، إذا ثبت أنه دخل في مصالحه، كلام غير محصل فقف عيه؛ لأنه إذا مضى البيع كيف يؤخذ
[ ١١٣ ]
بثمنه وإن كان المراد نقض بيعه وجعل في موضعه مضى بيعه، فما معنى: في شرطهم، إن ثبت أن بيعه كان بيع استقصاء وهو وغير الاستقصاء سواء في نقض بيعه ورد الثمن إلى مبتاعه، فتدبره.
وتكلمت مع أبي عبد الله بن عتاب في حال المحجور بعد موت الناظر له من وصي أو مقدم من قاضي، ومبايعته في هذه الحال، وغير ذلك من أفعاله، وقلت له: أهي نافذة أم ردودة؟ فقال لي: مردودة حتى يطلق بحكم، وقلت له: إن فقهاء طليطلة يقولون: هو على مذهب ابن القاسم؛ إن ظهر منه حسن النظر [كان جائز الأفعال] بعد موت وصية، وإن لم يحكم بإطلاقه كما هو عنده في سفهه مردود الفعل، دون حكم بالتحجير عليه، والضرب على يده، وأما على مذهب غيره من أصحابه، فلا يخرج من الولاية التي لزمته إلا بحكم، كما أنها لا تلزمه عندهم إلا بحكم، فقال لي: هو كما يقولون.
وسألت ابن مالك عن ذلك، فقال لي نحوه، إنما يراعى ابن القاسم حاله، فإن كان سفيهًا كان مردود الأفعال؛ كان له ناظرًا أو لم يكن، وإذا كان رشيدًا نفذت أفعاله؛ كان وصية حيًا أو ميتًا، واستدل بالتي في سماع عيسى عن ابن القاسم، قال: وأما على مذهب غيره من أصحاب مالك، فهو باق في الولاية حتى يطلق منها بحكم.
والتي في سماع عيسى: وسئل ابن القاسم عن يتيم له وصي، واليتيم مصلح وقد بلغ الحلم، ومثله لو طلب ماله لصلاحه أعطيه، تزوج من غير إذن وليه، ثم فسد وقبحت حاله بعد ذلك النكاح، وقبل أن يدخل بها، فسفه وصار ممن تجوز عليه الولاية، فطلقها في سفهه، ثم صالح أختانه على أن يأخذ منهم أقل من نصف ما ساق إليها، وذلك بعلم الوصي.
قال: لا يجوز لهم أن يضع عنهم شيئًا من نصف الصداق، وإن أذن بذلك الوصي قيل: فإن زعم ختنه أنه قد دفع إليه أكثر من نصف الصداق فأنكره هو ذلك، قال: يغرم ختنه نصف الصداق كاملًا إلى وصيه، ولو أقر له السفيه أنه قد اقتضاه كله لم يبرئه ذلك، وكان عليه غرمه مرة أخرى لأنه لم يكن يجوز له أن يعطيه شيئًا.
وأما نكاحه على ما ذكرت من صلاحه من غير إذن وليه فهو جائز، وهو مثل لو أذن له إذا كان يوم تزوج على ما ذكرت من حسن حاله.
قال أبو عبد الله بن أبي زمنين في أقضية المغرب: بهذه المسألة يستدل على أن المولى
[ ١١٤ ]
عليه إذا رشد وحسنت حاله وشهد بذلك، فما فعل في هذا الحال من بيع أو ابتياع، أو غيره مما ينظر فيه لنفسه؛ فهو جائز ماض، وإن لم يشهد على إطلاقه من الحجران قاض ولا وصي، وبهذا كان يفتي بعض من أدركته من الشيوخ.
وقد كان بعض من أدرته أيضًا يقول: من لزمته ولاية لم يخرج منها إلا بأن يشهد على إطلاقه منها قاضي أو وصي. قال أبو عبد الله: وهذا قول ضعيف، وبديل على صحة الأول ما رواه أشهب عن مالك في المولى عليه أن شهادته جائزة إذا كان عدلًا مزكي، وإن لم يدفع إليه ماله. وفي غير المغرب: روي انب عبد الحكم مثله. وقال أشهب: لا تجوز شهادته، وإن كان لو طلب ماله أخذه، واختاره ابن المواز.
وفي سماع سحنون عن ابن القاسم فيمن مات أبوه ولم يوص عليه؛ ما يؤيد ما ذكرناه من سماع عيسى، ومن قول ابن القاسم عن مالك وفقهاء طليطلة. وهي مسألة حسنة تركت نقلها لئلا يطول الكتاب بها، وفيها قلت: فإن كان لا يعرف بالشر ولا بالخير ولا بالتدبير، إلا أنه يشرب الخمر، وهو في ذلك ربما أحسن النظر في ماله أترى بيعه جائزًا؟ قال/ أرى مثل هذا جائز الأمر إذا وقع لعله لا يرد إذا لم يكن مولى عليه. قال ابن أبي زمنين: الذي كانت تجري عليه فتيا من أدركتا من الشيوخ أن المولى عليه إذا مات وصيه، ولم يوص به إلى أحد – حكمه في أفعاله كحكم من وصيه باق، حتى يظهر منه حال الرشد.
وذكر لي عن أبي عمر بن القطان أن القاضي ابن بشر قال لمن حضره من الفقهاء: ما تقولون فيمن أوصى على ابنه، وشرط أنه إذا بلغ عشرين سنة فهو مطلق؛ فمات الموصي وبلغ الموصي عليه هذه المدة، ثم تصرف بعد ذلك في بيع وغيره، وهو مجهول الحال، لم يظهر منه سفه، ولا خبر منه رشد ([- ٢٦)؛ هل تكون أفعاله جائزة دون إطلاق الوصي له من الولاية؟
فقال أبو محمد بن دحون، وأبو محمد بن الشقاق: لا يجوز له بيع ولا غيره؛ إلا بعد ترشيده لأنه مولى عليه. فأخرج القاضي إليهم جواب أبي عمر أحمد بن عبد الملك الأشبيلي بأنه منطلق بذلك الشرط، جائز الفعل.
قال القاضي:
وبهذا أقول، وهو الصواب.
[ ١١٥ ]
قال ابن القطان: وبه أقول، وإياه أختار.
فيمن مات وترك ابنً كبيرًا وآخر صغيرًا ولم يوص عليه، فقدم القاضي من يقاسم على الصغير، وضمن الوكيل القسمة لا غير، فقام الصغير بعد بلوغه يريد فسخ القسمة، قال: إنه لم يلحقه بذلك التوكيل ولاية.
قال أبو عمر الأشبيلي: لا تلزمه الولاية بتوكيل القاضي من يقاسم عنه خاصة صغيرًا كان أو كبيرًا، وأما القسمة فجائزة عليه إن كانت في حال صغيره، وإن كانت في حال بلوغه وثبت عند القاضي أنه ممن يجب أن يولي عليه فلا اعتراض فيها، وإن لم يتعرف القاضي هذا، إلا أنه حين رفع إليه من يريد القسمة أجابه إلى ذلك ولم يكشف عن حالته؛ فلا تلزمه القسمة ويجب فسخها، ثم يقاسم شريكه إن كان رشيدًا، وإن كان سفيهًا قدم القاضي من ينظر عليه ويقاسم عنه [إن شاء الله]
وقال ابن دحون:
أما القسمة فلا اعتراض لأحد في فسخها، وأما تقديمه للمقاسمة عليه، فإن كان تقديمه ذلك بعد بلوغ الصغير، فلا يخرج من ولاية القاضي إلا بإطلاقه؛ لأن تقديمه للمقاسمة عليه بعد بلوغه يدل على أنه قد ثبت عنده أنه ممن يولى عليه، وأما قبل بلوغه فلا تلزمه بذلك ولاية بعد البلوغ إن شاء الله.
وقال أب الشقاق:
إذا قدم عليه من يقاسم عنه قبل البلوغ فالقسمة ماضية، وهو بذلك داخل في ولاية القاضي، ولا يخرج منها إلا بعد إطلاقه عنها، وإذا كان بعد البلوغ فلا تلزمه قسمة ولا غيرها؛ لأن والده لو أوصى به إلى رجل بعد بلوغه لم يلزمه ذلك، إلا أن يكون جدد سفهه في حياته؛ لأن أمره على الرشد عند جل أصحاب مالك حتى يثبت خلافه، ليس للقاضي أن يقدم من يقاسم عنه، ولا يدخل بما فعله من المقاسمة في ولايته؛ إذا كان يجب عليه إحضاره وتوقيفه على ما يطلبه أخوه، والكشف عن حاله كلها، والله أعلم.
وسألت ابن عتاب عن هذه المسألة، وقلت له: أرأيت الصغير إذا قدم له القاضي من يقاسم عليه شركاء في أصول أو غيرها، هل يلزمه بذلك الولاية حتى لا يخرج منها بعد بلوغه إلا بإطلاق؟ فقال: لا يلزمه ذلك التقديم إلا في ذلك خاصة، وحاله في غيره كحال من لم يقدم عليه، وهذا كله قول الأشبيلي وابن دحون، وهو الصواب.
[ ١١٦ ]
قلت لابن عتاب: أرأيت السفيه المولى عليه بتقديم القاضي، من ينظر له إذا كان له بنون صغار ذكور وإناث، ولم يذكروا في التقديم: هل لهذا المقدم عليه النظر عليه في بيع وشراء وغيره ذلك، دون تقديم عليهم.
فقال لي: ذلك دليل الروايات أن ينظر عليهم ولهم، وأما الذي جرى به العمل عند القضاة فنظره غير جائز لهم، وفعله غير نافذ عليهم حتى يقدم لذلك.
وسألت عن ذلك أبا عمر ابن القطان فقال: جرى العمل ألا ينظر لهم إلا بتقديم مستأنف، ويدل قول مالك على أن ينظر لهم، وذكرها في مساع ابن القاسم عن مالك فيمن حلف في رقيق لابنه ألا يبيعهم بثمن سماه، وللحالف أب. قال مالك: أسفيه هو؟ - يريد الحالف، فقال: لا أرى أن يبيعهم.
وسألت ابن مالك عن ذلك، فقال لي: ينظر لهم، وساتشهد بهذه المسألة، ولم يذكر ما جرى به العمل، قلت: أرأيت اليتيم المولى عليه بوصي من قبل أبيه وهو صغير، إذا بلغ، هل يخرجه بلوغ الحلم من ولاء الوصي دون إطلاق، كما يخرجه من ولاية أيه الاحتلام؟ فقال: لا يخرج من حجر الوصي إلا بإطلاق وليس كالأب.
قلت: أليس الوصي إنما ينظر له بسبب الأب، فكيف يكون أقوى من الأب في إيقافه في الحجران؟
قال: الذي نقول هو النظر؛ إلا أن العمل جرى ببقاء الولاية عليه، حتى يخرج منها ويسرح عنها.
والدليل على هذا الذي قال، ظاهر قول تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ ودل هذا أيضًا على أنه من لم يؤنس منه رشد فهو باق في التحجير، ولا يدفع إليه ماله، وهو قول مالك وجماعة أهل التفسير، وقال أبو حنيفة: لا يحجر على بالغ، مخالف كتاب الله تعالى وجملة المسلمين (أ – ٢٧)، وكراهة التطويل يمنع من نقل ما فيه في كتاب ابن حبيب وغيره على نصه.
وفي كتاب المديات من المدونة:
عن يتيم بلغ واحتلم ولم يعلم وليه منه إلا خيرًا، فأعطاه ذهبه ليختبره به في تجارته، ويعرف به من حاله، فداين الناس ورهنه دين، قال مالك: لا أرى أن يعدى عليه بشيء، لا في ماله ولا فيما بيده، وقال غيره: يلحقه الدين في ذلك المال الذي بيده واختبر به.
[ ١١٧ ]
وهذه المسألة أيضًا تدل على أنه باق في الحجر حتى يرشد ويطلق والله أعلم.
وقد تكلم في ذلك مع أي المطرف ابن سلمة بطليطلة فقال لي: لا يكون الوصي في هذا أقوى من نظر الأب، وإذا احتلم اليتيم ومضى له نحو العام، ولم يظهر عليه سفه، جازت أفعاله.
وفي كتاب الصدقة، قال مالك: يجوز الأب لابنته وإن طمثت ما تصدق به.
قال ابن القاسم: وإن تزوجت وصلحت حالها في بيت زوجها، ولم تقبض صدقتها حتى مات أبوها، فلا شيء لها، وإن كانت بحال سفه جاز ذلك لها؛ لأن مالكًا قال: يجوز الأب لابنه الكبير إذا كان سفيهًا، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ..﴾ الآية! وبلوغ النكاح الاحتلام والحيض، فقد منعهم الله من أموالهم مع الأوصياء بعد البلوغ إلا بالرشد، فكيف مع الذين هم أملك بهم من الأوصياء! وغنما الأوصياء بسبب الآباء.
وهذا من كلام ابن القاسم حجة لما ذهب إليه أبو المطرف بن مسلمة.
وسألت عن ذلك أيضًا أبا عمر بن القطان فقال لي: لابد من إطلاقه من الحجر وإلا فهو باقي فيه، بخلاف الأب؛ لأن أمر الوصي كان بالإشهاد فصار أقوى لأنه كالحكم به، قال: وبه جرى العمل.
وفي النكاح الأول من المدونة قال مالك: إذا احتلم الابن ذهب حيث شاء. قال ابن القاسم: إلا أن يخاف من ناحيته سفه. واختلف المتأخرون هل قول ابن القاسم خلاف أو تفسير؟ والصواب أنه تفسير لأنه موجود من قول مالك في غير موضع، وإليه كان يذهب ابن مالك، وإذا وجد إلى الاتفاق سبيل فرفع الخلاف أولى.
وفي أحكام ابن زياد فيمن عقد على ابنه الولاية:
فهمنا – وفق الله القاضي – ما عقده إبراهيم بن بلح، على ابنه أحمد، من الولاية؛ لما اختبر من سفهه وسوء تدبيره وثبوت عقده بذلك عليه عندك، وأراد القاضي معرفة ما بقي من النظر فيه. فالذي يجب في ذلك أن يعذر إلى أحمد فيه، ويقرأ عليه ما عقده أبوه، ومن شهد في ذلك عليه، فإن كان له عنده فيه مدفع، نظر له فيه القاضي، وإن لم يكن عنده فيه مدفع، أشهد القاضي على ثبوت عقد إبراهيم بالولاية على ابنه أحمد، ووكل عليه من ينظر له إن شاء الله. قاله ابن لبابة. وابن وليد، وعبيد الله بن يحيى، وغيرهم.
[ ١١٨ ]
وقال يحيى بن عبد العزيز مثل ذلك إذا كان ما عقده عليه أبوه قبل البلوغ. وقال ابن العطار في وثائقه: تقديم الأب للنظر له أولى من غيره، وهو كما قال إذا كان سدادًا، وإنما له تجديد السفة عليه بقرب بلوغه، وإذا بعد أزيد من العام لم يكن له ذلك، إلا بينة تشهد بسفهه عند القاضي، ويعذر فيه إلى الابن، وإلى ذلك أشار يحيى بن عبد العزيز إذا كان ما عقده أبوه عليه قبل البلوغ، والله أعلم.
قال القاضي:
جرى في هذا الباب علم كثير، من مسائل المحجورين، ولو استقصيت مسائلهم في بيوعهم وعتقهم ونكاحهم، وغير ذلك نم أمورهم، لاجتمع منه كتاب كبير، وستأتي لهم مسائل في الوصايا وغيرها إن شاء الله.
[ ١١٩ ]