مذهب مالك وأصحابه أن يقسم بين الشركاء جميع ما ينقسم من ريع أو عقار أو عروض بلا ضرر، وإن أبي من ذلك بعضهم أجير عليه، وإن لم يدع إلى القسم إلا واحد منهم، وما كان لا ينقسم إلا بضرر بيع واقتسموا ثمنه، ومن أراد منهم أخذه بما بلغه من الثمن فذلك له، فإن تشاجرا فيه تزايدوا حتى يقف على أحد الزائدين فيأخذه ويؤدي إليهم ثمن أنصبائهم.
وقال مالك في المختلطقة: لا يقسم الطريق. وقال ابن القاسم في الجدار: إن لم يكن في قسمة ضرر وكان ينقسم قسم، ومثله عنه في المجموعة. وقال أشهب: لا يقسم إلا باجتماعها.
وقال مالك: يقسم الحمام إن دعا إلى ذلك أحدهما. قال ابن القاسم: وأنا أرى أن كان في قسمة ضرر ألا يقسم. وروي أشهب عن مالك في الحمام كرواية ابن القاسم أنه يقسم وفيه الشفعة. وقال أشهب: يقسم على كل حال وإن كان فيه ضرر.
وروي ابن الماجشون عن مالك أنه لا يقسم؛ لأنه يصير غير حمام، وقال عنه: أنه لا شفعة فيه. قاله: وأنا أرى فيه الشفعة. وقاله هو وأشهب في كتاب ابن المواز، وبعد هذا منه.
وقال مال في الثوب والعبد بين النقر: لا يقسم، ومن دعي إلى البيع أجبر عليه من أباه.
قال ابن القاسم: وكذلك الشجرة، وإن كانت في أرض قليلة بني أشراك كثيرة لا يصير في حظ أحدهم منها إذا قسمت، إلا ما لا ينتفع به.
قال مالك: يقسم بينهم إذا دعا إلى ذلك أحدهم، وكذلك الدكان في السوق ويدعو إلى قسمته أحد الشريكين. قال مالك: وكذلك البيت الصغير يصير في نصيب أحدهما ما لا ينتفع به فيقسم: لقوله تعالى: (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) (النساء: من الآية ٧) ولقليل النصيب من البيت الارتفاق بنصيبه من الساحة، وإن لم يسكن في البيت.
قيل لابن القاسم: هل تقسم المواجل؟ قال: نعم في قول مالك، وأما أنا فلا أراه؛ لأن فيه ضررًا إلا أن صار لكل واحد منهما ما جل على حدته فلا بأس به، وأما قسمة
[ ٥٣٧ ]
أصل العيون وأصل البئر فلم أسمع أحدًا قال: يقسم، وإنما يقسم على الشرب.
قال سحنون في غير المدونة: إن كانت آبارًا كثيرة قسمت. وقال في نوازله في آخر قسمة العتبية في القوم يرثون الأنذر فيريد بعضهم قسمته: لا أرى ذلك إلا برضاهم أجمعين كالفناء، وإن أرادوا كلهم الدرس أقرع بينهم، وإن باع أحدهم فلا شفعة لباقيهم.
وفي وثائق ابن الهندي في الجزء السابع عشر في الرحى إن كانت له براري: قسمت، وإلا فلا، وينفقون في حجر الرحى.
وفي كتاب السداد في سماع يحيى عن ابن القاسم في مناصب الأرحى على الأنهار إذا انقسمت فصار لكل سهم منتفع وموضع معتمل قسمت.
قال ابن حبيب: إن صار لكل واحد حجر في غير درك يبقى له أو عليه قسمت بالقرعة.
قال ابن القاسم: أنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والأرضين والحمامات وغيرها مما في قسمته ضرر، ولا يكون فيما يقسم منه منتفع، يباع ويقتسمون ثمنه على فراض الله؛ لقول الرسول (ﷺ) "لا ضرر ولا ضرار"
قال عيسى بن دينار في كتاب الجدار: أنا آخذ بقول ابن القاسم إذا كان لا يصير في نصيب كل واحد منهم ما ينتفع به، فإن كان في نصيب أحدهم ما ينتفع به لكثرته، وفي نصيب آخر ما لا ينتفع به لقلته؛ قسم بينهم؛ لأن للذي دعا إلى القسمة منفعة في نصيبه، فلا يباع عليه ما له فيه منفعة.
وفي الواضحة: قال ابن حبيب: كان مالك يقول في الأرض أو الدار يرثها الورثة فتضيق عليهم؛ لضيقها وكثرتهم: أنها تقسم بينم، قلت أو كثرت، حملت القسم أو لم تحمل، وإن لم يكن إلا قدر مزود؛ لقوله تعالى: (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا] (النساء: من الآية ٧).
قال ابن حبيب: وبه كان أبو حنيفة يقول، وهو قول لا أعلم أحدًا قال به من أصحاب مالك إلا ابن كنانة، وأبى غيره في جميع أصحاب مالك المدنيين والمصريين أن يقولوا به، منهم ابن أبي حازم، والمغيرة، وابن دينار، مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وابن وهب، وابن القاسم، وابن عبد الحكم، وأشهب، وأصبغ، وقالوا: إنما معنى قول الله تعالى عندنا: (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) (النساء: من الآية ٧) أن لخم حقهم منه،
[ ٥٣٨ ]
ثم قسمته على السنة. وقد قال رسول الله (ﷺ): "لا ضرر ولا ضرار (١) " فمن أعظم الضرر أن يقسم بينهم ما لا ينتفع به، ولكن يباع ويقتسمون ثمنه.
قال ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: ولو لم يضق في القسم إلا عن واحد منهم، وإن كان أصغرهم سهمًا فلا يقسم؛ لأنه ضرر، وإن كان في نصيبه اليسير منتفع في بعض وجوه الانتفاع، وإن قل مما لا ضرر فيه، قسم. قال ابن حبيب: وهو قول جماعة أهل العلم، وبه جرى عمل حكام المسلمين بكل بلد: اجتناب قسمة الضرر.
قال: ومن قسمة الضرار قسمة ما لا يحمل القسم، وما قسمه يحيل له عن حاله ومفسد على أهله: كالحمام، والفرن، والرحي، والبئر، والعين الساقية، والدكان، والجدار، والطريق، والشجرة الواحدة، والثوب الواحد، والمصراعين، والخفين، والخرج، والغرارتين، وشبههما مما ينقص القسم ثمنه، فلا يحكم السلطان بقسمة شيء من ذلك.
في أحكام ابن زياد:
كشف القاضي ابن مرهف من قسمة دار أبيهم وليد بن مرهف، وما ذهب إليه بعضهم من البيع، إذ ذلك أن سهمه يضيق عن القسم، وفي قسمته ضرر عليه.
وقال غيرهم: إن الدار تحتمل القسم وتكون لأقلهم سهمًا منفعة في سمه وسكنى، وما ذهب إليه من إرسال القاضي إلى الدار من يثق به فأخذ مساحتها وصفة بيوتها حتى ينظر في ذلك ويمتحنه، إن شاء الله، وما كان من إرسال القاضي وأخذاه الوصف وأمره بقراءة الوصف علينا، فوجدنا فيها بيوتًا وعلالي في دارين داخلة وخارجة، نحوًا من سبعين جائزة، أو أكثر منها، وفي السقالي أكثر من أربعين جائزة فاختلفنا عند المناظرة في قسمتها، وأجتمعنا في الفتيا على قسمتها، ثم انتهى إلينا أن بعض أصحابنا طعن في ذلك ورجع عنه، إلى أن القسمة ضرر والبيع أنفى للضرر، وهذا مقال – أبقى الله القاضي – لم نسمعه عن مدني ولا مصري ولا أندلسي، وهذه كتبهم تنطق بما يدل على أن البيع ظلم على من كرهه، والقسمة هي السنة فيها بإجماع.
_________________
(١) الحديث تقدم تخريجه.
[ ٥٣٩ ]
وقد كتبنا – أكرم الله القاضي – ما قاله أعلام أهل المدينة وأهل مصر، وما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه، وفي قول جميعهم ما يدل على ما قلنا من جواز القسمة ونفي البيع، فالذي روي في كتب أسد هي من كلام مالك وابن القاسم كالموطأ.
وحدثني العتبي عن سحنون قال: قلت لابن القاسم: ما قول مالك في البيت الصغير؟ وساق ابن لبابة المسألة وقول مالك في الأرض على ما في مختلطة المدونة، واختصرته لأني قد كتبته.
ثم قال: عن سحنون عن ابن القاسم: وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والأرضين والحمامات وغيرها مما في قسمة ضرره، ولا يكون فيما يقسم منه منتفع؛ أنه يباع ويقسم ثمنه على الفرائض؛ لأن رسول الله (ﷺ) قال: "لا ضرر ولا ضرار (١) " فهذا ضرار.
قال ابن وهب: وسمعت مالكًا يقول في رجال ورثوا من أبيهم منزلًا، ولأبيهم امرأة، فأرادت المرأة أن تبيع ذلك المنزل لتعطي ثمنها من ثمنه – قال: ليس لها ذلك، ولكن لها حظها من ذلك المنزل، يقسم لها فتصنع به ما شاءت، وليس يجبر أحد على بيع ما ورث من بيت، صلح فيه القسم أو لم يصلح، ولكنه يقسم لكل واحد نصيبه من ذلك المنزل أو يتراضون بينهم على ما يريدون.
قال سحنون: قلت للأشهب: أرأيت الحمام يقسم إذا دعا أحد الشريكين إلى القسمة؟ قال: نعم، ذلك عليه أن يقاسمه، وقد قال مالك في الحمام وغيره مما هو أعظم ضررًا من الحماك: البيت يقسم بين العشرة حتى يصير لأحدهم ما لا ينتفع به كثيرًا. وقد قال الله ﵎: (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) (النساء: من الآية ٧) وأخبرني مالك أنه عمل بذلك أهل المدينة حتى صار لبعضهم ما لا ينتفع به في قسمة.
وروي مطرف بن عبد الله أن مالكا كان يقول في الأرض يرثها الورثة فتضيق عليهم لقلتها وكثرتهم: إنها تقسم بينهم، قلت أو كثرت، حملت القسم أو لم تحمل، وإن لم يكن إلا قدر مزود، ويقول: قال الله ﵎: ﴿مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ (النساء: من الآية ٧).
_________________
(١) الحديث تقدم تخريجه.
[ ٥٤٠ ]
قال مطرف: وكان كثير من أصحابه لا يون ذلك: منهم ابن أبي حازم، والمغيرة، وابن دينار، وغيرهم، وقالوا: إنما معنى قول الله - عندنا: ﴿مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا﴾ (النساء: من الآية ٧) أن لهم حقهم من ذلك، ثم قسمت على السنة، وقد قال رسول الله (ﷺ) (لا ضرر ولا ضرار (١» فمن الضرر أن يقسم بينهم ما لا ينتفع به، ولكن يباع ويقتسمون ثمنه.
قال مطرف: وبهذا كان قضاة المدينة يقضون إلا رجلا واحدًا وهو هشام بن عبد الله المخزومي؛ فإنه كان يقضي فيه بقول مالك. قال مطرف: فالذي أخذ به إذا كان بعضهم ينتفع به لسعة سهمه، ويضيق عن بعض لقلة سهمه، فأرى أن يقسم بينهم كما قال مالك، وإن كان لا ينتفع به واحد منهم لقلة نصيبهم جميعا؛ فبيعه واقتسام ثمنه أعجب إلي.
وذهب ابن الماجشون إلى مذهب ابن القاسم فقال: إن كان أصغرهم سهمًا يكون له فيه انتفاع في وجه من وجوه المنافع وإن قل ذلك مما لا ضرر فيه؛ فالقسم فيه قائم.
وذهب أصبغ بن الفرج في اختياره - بعد أن حكى قول مالك وابن كنانة أنهما كانا يريان قسمته، وإن لم يكن فيه منتفع - إلى قول ابن القاسم، فقال عن ابن القاسم: إذا لم يضر في نصيب كل واحد منهم ما ينتفع به، فالذي دعا إلى القسمة وكره البيع مضر بأصحابه إذا دعا إلى ما لا منفعة فيه، واحتج بقول رسول الله (ﷺ): "لا ضرر ولا ضرار" وبحديث رواه عن ابن وهب عن صدين بن موسى مرسلا لا يثبت عند أهل العلم مثله أن رسول الله (ﷺ) قال: "لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسمة (٢) " والتعضية: التفرقة؛ فلا يقسم ما لا يحتمل، كان ذلك الضرر على الجميع أو على بعضهم. وخالفه في هذا المعنى عيسى بن دينار في كتاب الجدار، فقال بقول مطرف بن عبد الله حرفًا بحرف.
فهذا - حفظ الله القاضي - ما اختلفوا فيه؛ فليمحه ويكشف معانيه، فإنه يدله على أن قول ابن القاسم وأصبغ ومن أخذ مذهبهما يجيزون قسمة دار ابن مرهف؛ لأن في قولهم: ولا يكون فيما يقسم منه منتفع، فأي منتفع أنفع وأوسع من سهام نم ينقسم
_________________
(١) الحديث تقدم تخريجه.
(٢) أورده ابن أبي حاتم في العلل ج ١، ص ٣٩٢، والدارقطني في علله ج ١، ص ٢٩٠.
[ ٥٤١ ]
عليهم دار ابن مرهف إذ بيوت دارية لأكثر من سبعين جائزة أو ما قارب ثمانين، فتصير لأقل السهام من البيوت أكثر من سبع جوائز، ومن المغرب نحو الست جوائز، فلو لم يصر لأقلهم سهمًا إلا ما يصير له من البيوت، لكان فيه منتفع؛ لأن بيتًا فيه أربع جوائز فيه منفعة، فكيف بسبع جوائز؟
وقد قال ابن القاسم: إذا كانت علالي وسفالي، قسمت العلالي والسفالي، فإذا صار لبعضهم في العلالي سهم، كان له أن ينزل على صاحب السفالي، ودار ابن مرهف ترتفع عن هذا إلى أن يصير له من العلو منتفع، ومن السفلى منتفع، فمن صار له في علو ومن سفل أكثر من أحدى عشرة جائزة واثنتي عشرة جائزة، لم يجز أن يقال له: لا منفعة فيه.
فإن قال: تضيق الساحة، فقد قال ابن القاسم: إذا ضاقت الساحة فلم يضر لأقلهم سهمًا ما يكون له مدخل ومخجر ومربط دابة، تركت الساحة وقسمت البيوت، وإنما يدل هذا على أنه لم ير الضرر في انكسار الثمن، إنما رآه في النفع، فإذا كان له مدخل ومخرج ومربط دابة، قسمت الساحة مع البنيان، وهذا لا شك أنه إذا قسمت الساحة على المداخل فقط أنه يكسر من ثمنها، وإن لم يكن فيه منفعة لهذا لم يقسم، وكذلك البيوت إذا كانت فيها منفعة لأقلهم سهمًا قسمت، فلا منفعة أظهر ولا أنفع من نصيب يصير فيه من سفل وعلو أكثر من إحدى عشرة جائزة، والكثير النصيب أكثر من اثنتين وعشرين جائزة.
وهذا في المعقول – إن نظر القاضي – وفقه الله – إلى وصف دار ابن مرهف وكثرة بيوتها – أوضح من أن يشككه قول مقت أو يقوفه بخلاف، أو يسمع مفتيًا أن يضم من يريد القسم ويكره البيع الخروج عن أصله، وسكنى أبيه إلى البيع عليه؛ لخروجه من قول المفتين بإجماع، إذا تصفح القاضي فتياهم وتدبر مذاهبهم وما دارت عليه ألفاظهم، وأن المنفعة على مذهبهم السكنى وإن قل، لقول ابن القاسم في قسمة الساحة ما قال، فذهب إلى المخرج والمدخل ومربط الدار. وأسأل الله للقاضي التوفيق للإصابة. قال بجميع ذلك وكتبه محمد بن عمر بن لبابة.
قال القاضي:
إلى هذا المعنى كان يميل شيخنا أبو عبد الله بن عتاب ﵀ أن يقسم الدار والأرض بين الشركاء إذا صار لكل واحد ما ينتفع به، وإن كان في ذلك ضرر في قيمة
[ ٥٤٢ ]
المقسوم. وبالقسمة أفتى في دار ابن أشرس بين ابنيه الوارثين لها، والتي بالربض الشرقي من مدينة قرطبة على نهرها بحومة مسجد ضوء ويغرب حمام أبدون، وهي دار كبيرة ذات مجاس وساحة وغرف. وأفتى غيره إذا قال: القسام لا نتهيأ قسمتها إلا بقسم وأن تباع.
واحتج ابن عتاب حينئذ لقوله بمسألة أخرجها إلينا معلقة بخط أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم التجيي الطليلطي، على ظهر كتاب القسمة في الأسدية، وهي: قال أبو إبراهيم: قلت لمحمد بن عمر بن لبابة: قد علمت قول مالك في قسمة الدار وغيرها أن يقسم قليلها وكثيرها، وإن صار لكل وارث من ذلك لا ينتفع به إلا إذا دعيا إلى القسمة أحدهم، وقول ابن القاسم أنه لا يقسم من ذلك إلا ما لا ضرر فيه، فما الذي تختاره من هذا؟
فقال: قول ابن القاسم هو الذي أختاره، قال: فقلت له: إن ابن القاسم لم يجد فيه حدًا، فقال لي: إن كان ابن القاسم لم يحد فيه حدًا يه غيره: كان محمد بن أحمد العتبي يقول: يقسم ذلك، وإن كان يصير لكل واحدة مقدار جيلة، لأن فيها ما يأكل فيه ويقوم ويقعد ويمتد، فقلت له: وما الجيلة؟ فقال: ما بين جائزتين، قال: فقلت له: قد يكون ذلك مختلفًا بعضه أوسع ن بعض؛ فقال: الأمر متقارب، واختلافه فقيل، وأنا أرى أن يقسم ما يصير منه للواحد مقدار جبلتين. واستحسن ذلك.
قال أبو إبراهيم: ورأيته يفتي بذلك ويراه صوابًا.
قال القاضي:
قرأت هذه المسألة على من حضر من أصحابنا عند الشيخ أبي عبد الله، ورأيت في كتاب القسمة التي كانت هذه المسألة على ظهره من قول مالك: أنه يجوز للرجلين أن يقتسما طعامًا لهما على رجل من سلم قد حل أجله أو لم يحل، وأنه يجوز أن يأخذ أحدهما الثلث والآخر الثلثين، وقال: ذلك هبة من الراضي بالثلث.
الشريكان يطلب أحدهما القسمة ويتغيب الآخر:
قال ابن لبابة، وابن وليد، وابن غالب: إذا تورك أحد الشركاء عن الحضور للقسمة، وظهر ذلك للقاضي باتصال توركه أو بطول التردد في طلبه لحضوره فلم يحضر، أمر القاضي بالقسم عليه، ووكل له من يقبض نصيبه، فبيعت قاسمًا برضاه، ورجلين يقبل عليهما يحضران القسم، ووكيلًا يوكله للغائب وكالة يشهد له بها، ويجري في ذلك الكتاب
[ ٥٤٣ ]
المعنى الذي به وكله في ثبوت التورك عنده، فما حصل للغائب قبضه وكيله، وكان قبضه له بأمر القاضي كقبضه لنفسه لو كان حاضرًا، وقد مر في باب الغائب مسألة قسمة دار ابن عامر التي بقرطبة.
دعوى الغبن وغيره في القسمة:
قال ابن حبيب في الواضحة إذا اقتسموا في ميراث أو غيره أرضًا أو سواها، ثم ادعى أحدهم غلطا أو غبنا، فإن كانت قسمتهم على التراضي، وكل واحد منهم قد جاز أمره فلا كلام له وإن ظهر ما ادعاه، وذلك كمن باع عرصه مساوية بثمن يسير، يبين فيه غبنه غلطة؛ فلا كلام له ويلزمه.
وكذلك لو اشتراها مشتر بأضعاف ثمنها لزمه ولا رجوع له، وقسمة المراضاة من غير مساهمة كذلك، وأما إن كانت قسمتهم بالمساهمة على التعديل وثبت فيه الغلط والغبن على أحدهم بأمرين، فترد القسمة، كبيع المرابحة يدعي فيه وهمًا وغلطًا. قال مالك: لا يقبل منه إلا بينة تشهد على ذلك، أو يأتي من رقم الثوب ما يستدل به على ذلك، فيحلف البائع على ذلك، ويكون القول قوله، وكذلك قسمة المساهمة والتعديل، وتفسخ القسمة وتعاد ثانية، ما لم يفت الذي فيه الغبن ببناء وشبهه، فيرجع بقيمة الغبن مالا. كذلك فسره مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ، وغيرهم، وتأمل تمام المسألة هناك، وفي كتاب فضل وغيره.
ولابن زرب في مسائله وفي كتاب الخصال له:
السمة على ثلاثة أوجه: وجهان منها يقام يهما بالغبن، وهما قسمة القرعة والتحريز، وقسمة المراضاة بعد التقويم والتحرير، والوجه الثالث: لا يقام فيه بالغبن، وهو كالبيع يريد بيع السماومة، وهو قسمة المراضاة والمهاياة دون تقويم، وأما إذا قيل في القسمة: كتاب قسمة مراضاة ومهاباة واتفاق وتعديل، فمن وجد غبنًا أن يقوم فيه، لأن الغبن وقع في التقويم.
وقال: إذا اقتسم الرجلان أرضًا، فقام أحدهما على صاحبه يقول: إنك دخلت علي في نصيبي، فالقول قول المدعي عليه فيما في يده، وعلى الآخر البينة في دعواه، وهذا المعنى في المدونة والواضحة، فتأمله فيهما، وتقسيم القاضي لمسألة الغبن هو معنى ما في الواضحة إن شاء الله ويأتي بعد هذا في ذلك في طب ابن فياض عن زوجة كنزة.
[ ٥٤٤ ]
وسئل أبو إبراهيم: عن ورثة اقتسموا أرضًا، وعمر كل واحد نصيبه عشرين سنة أو أزيد، ثم قام أحدهم بغبن في القسمة يوم وقوعها، وشهدت له بينة، وقد فات ما أخذه الباقون أو لم يفت.
فجاوب: لو مكن الناس من هذا لم تستقر لهم قسمة، ولا معنى للسؤال عن هذا بعد عام، فكيف بعد المدة التي ذكرت، والمتكلف للجواب فيه أسوأ حالا من السائل عنه، ولو حسن الجواب فيه لم يصح إلا بعد كشف القائم عن تركه القيام بعد عام، فيكيف بعد عشرين عامًا؟، فإن أتى بعذر معلوم نظر له، ولا تعدو القسمة أحد وجهين: مراضاة أو قرعة، ولا قيام في المراضاة بوجه إلا في الاستحقاق فقط، والقرعة لا تكون إلا بتقويم وتعديل؛ فكيف يسمع مع هذا دعوى غبن؟ إلا من معنوه لا يعرف ما له مما عليه، أو كذاب لا يبالي بشين نفسه مع إدراكه بالتعييب من أراده بالتعييب، وشهاداءه بها الكذب والزور، إلا أن يتبين عذره، فينظر له أن شاء الله تعالى.
وفي أحكام ابن زياد:
فهمنا – وفقك الله – ما شهد به الشهود في دار حفص بن بسيل أن قسمنا سداد لا غبن فيها على المتقاسمين، واعتراض ابن الزجال زوج أميرة أن في بعض السهام آبارًا لم تذكر في القسمة، قد غطاها الردم، ولها قيم تحيل القسم، وسأل كشف الردم ليظهر ما قال.
فالذي نرى أن القسم على ظاهره تام كما شهد به الشهود، وإن أثبت المعترض ما اعترضه، فلك فيه نظر، وإن لم يثبته دعا إلى كشفه عنه، وكان ما دعا إليه قريب المأخذ لا ضرر على أهل السهام؛ يمنعه من اعمل في سهمه، والتطويل عليه – ما أمرت بكشف ما ادعاه.
وإن كان في تطويل وضرر عليهم، لم يقبل منه، وأطلق كل ذي سهم على سهمه، فإن ظهر ما قال عند البنيان كان فيه حكم الفائت بالعمل، والقريب فيه أن يكشفه من اليوم أو الغد، أو يثبت شراء حفص لعراض فيها صفة آبار وصهاريج، وتعين تلك العراض بالحيازة لمواضعها، فيجب بإثبات ذلك امتحانها، وإن من طول. قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
وقال ابن غالب: القسم على تمامه، ودعوى من ادعى آبارًا يريد بذلك فسخ القسم
[ ٥٤٥ ]
غير مقبول منه، إلا أن يقيم بينة على ما قال، فينظر في ذلك، ومتى ظهر هذا رد القسم؛ لأنه قسم لم يتم. هذا قولنا. وقال عبيد الله بن يحيى مثله.
والذي أرى أن يمتحن هذا القسم بأن تكشف الآبار، فإن انكشف من ذلك ما يوجب رد القسم وأمر بقسمها بعد التبيان، وإن لم ينكشف أمضى القسم، وقال – يحيى مثل قول أبيه.
وقال أبو صالح: كل دار مستيقنة الآبار كدار أبي عروة، فإنه لا يجوز القسم فيها حتى تمتحن فتظهر، أو تعرف أمكنتها، فيقع القسم عليها أو يأخذها التقويم، وإلا دخله الحظر ومؤنة النظر بعد النظر، وأما الدار لا تعرف لها آبار فتقسم ثم يجد بعض أهل السهام في سهمه بئرًا؛ فإن سحنون بن سعيد قال: البئر لمن وجدها، والى الله أرغب في التوفيق.
قال القاضي:
ومع قول سحنون هذا في نوازله في كتاب جامع العيوب، قال: وكذلك إن اشترى دارًا فوجد فيها بئرًا عادية يريد ضحرًا أو عمدًا فهي له، وفي القسمة من الواضحة قال ابن حبيب: إذا اقتسموا أرضًا أو دار بتراض أو سهمه أو تعديل. فوجد أحدهم في حظه البئر العادية أو الصحراء أو العمد؛ فهو له وحده، دون غيره، ولا ينتقض القسم، والمشتري في لك كذلك، ولا ينتقض البيع، والورثة وغيرهم فيه سواء، بذلك مضى الأمر في جميعه.
وفي آخر سماع عيسى في كتاب القسمة: إذا وجد أحدهما في حظه جبابا لأولين فلشريكه معه في ذلك حق، ويعاوده القسم إن كان لم يفت، فإن فات بنيان فله عليه نصف قيمة ذلك، وهو كبيوت وجدها أسفل بيوت لم يكن علم بها فليس له أن يأخذها دونه، ونحوه في سماعه عن ابن القاسم في كتاب اللقطة.
فدان أوصى بتحبيس قطيع منه فقسم على غير اعتدال:
شهد عند القاضي أحمد بن محمد قاضي الجماعة بقرطبة بكر بن حامد وصاحبه أنهما نظرا إلى الفدان الذي أمرهما القاضي بالنظر إليه، وبمعرفة اعتدال قسمته، وهذا الفدان بقرية سقندة في السند الذي بقبلي المصلي، فتطوفنا عيه وتبيناه فرأينا مختلفًا، وأن الجانب الغربي أجود من الشرقي في علمهما، وأن هذه الجودة ليست من طريق الزبل، وإنما هي في الأصل الفدان.
فهمنا – وفق الله – القاضي ما شهد به القاسمان اللذان بعثتهما لامتحان الفدان الذي
[ ٥٤٦ ]
قطع منه الحبس، فرأيناه شهادة توجب إعادة القسم في الفدان، حتى يعدل بالقيمة، ويخرج للحبس – الذي على المسجدين القطيع الذي أمر به المحبس على الاعتدال قاله ابن لبابة وعبيد الله، وأيوب بن سليمان، وابن وليد، وسعد بن معاذ.
قال القاضي:
هذه الشهادة ناقصة لا توجب حكمًا لأنهما لم يبينا في شهادتهما المقدار الذي به بفضل الجانب الغربي الجانب الشرقي من الدار، ولعله حقير كعشر العشر أو شبهه، ولا ذكروا أن الشهود حازوا ما شهدوا فيه بالجودة والرداء، ولا أنه أعذر إلى المطلوب بذلك الغبن، فتدبر ذلك كله فله بسط، منع من ذلك كراهة التطويل.
القسمة بين الصغار والكبار:
سألت – رحمك الله – عن وراثة بعضهم أبكار، وباقيهم كبار دعا بعضهم إلى قسمة ما أبيهم، فالذي يجب في ذلك إذا دعا أحدهم إلى القسمة، وأبى بعضهم أن يضم إليها من أباها منهم، بعد أن يثبت عندك ملك المال لهم يمراثًا عن أبيهم، وثبت عندك عدة ورثة ثم تقدم لهم من نثق به من القسام، فيقسم بينهم.
فإذا قسم وشهد عندك على القسمة أنها سداد؛ اشهدت في نسخة القسم على ثبوت ذلك عندك، وهذا من نظرك في القسم على أن يكون للورثة كلهم بالغًا أو بعضهم أو كيف ما كان إذا أبى أحدهم؛ وجب عيك الأمر بالقسم على الراضي منهم والآبي، والصغير والكبير، فإذا خلصت الحصص لأهلها؛ ملك كل واحد حصته، وفعل فيها ما أحب؛ من ملك منهم نفسه. ومن احتاج ممن لا يملك نفسه إلى بيع، وثبت ذلك عند من رفع إليه من الحكام؛ جاز له البيع، ثم لا يكون ذلك ولاية؛ لأن الولايات لا يضم إليها إلا القضاة، كما لا يطلق منها إلا القضاة. قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، ومحمد بن غالب.
قال القاضي:
انظر جواز بيع الحاكم غير القاضي مال المحجوز لرورة من حاجة أو قضاء دين فهو حسن، وقد تقدم نحوه من فتوى شيوخنا في ذلك الحاكم بينهما فيه صاحب الشرطة، والسوق ابن الليث، وأفتى به شيوخنا، ولم ينكروه، وكثير من جهال المفتين يتوهم أن
[ ٥٤٧ ]
ذلك ليس إلا إلى القاضي.
وفي مسألة ابن البيطار لبيب من ذلك في باب القضية، وي كتاب القسمة من الواضحة قال ابن حبيب: ولا يجوز للقاضي إذا سأله الورثة أو بعضهم أن يقسم دارًا وروثها أو قرية أو غيرها أن يامر بقسم ذلك بينهم، حتى يثبت عنده أن ذلك الشيء كان للهالك ملكًا له ومالًا حتى هلك عنه، أو أن الهالك كان ساكنًا في تلك الدار إن كانت دارًا كما سكن الرجل دار نفسه، حتى هلك فيها.
وإن كان قرية، فلا يجوز له أن يأمر بقسمها بينهم حتى يأتوه بحوزة ما كان للهالك فيها وصفته وتسميته ومساحته، في كتاب وبينة تشهد على ما وضع فيه أنهم يعرفونه ملكًا للهالك أو في يده وعمارته حتى هلك عنه؛ لا يجوز له أن يقسم ذلك بينهم ولا يشهد لهم عليه بعد القسمة، حتى يثبت عنده هكذا خيفة أن يدخل في قسمتهم، ما ليس لهم من حق غائب أو صغير وشبهه. وهكذا سمعت أهل العلم يقولون.
وقال: وهو في المختلطة مقاسمة الأب لبنيه الصغار جائزة عليهم لازمة هم، ووصي الأب لهم في ذلك كالأب، لا مدخل في ذلك للقاضي عليه، فإن لم يكن وصي فالقاضي، ولا يقسم للصغار غير هؤلاء الثلاثة على الدرجات التي وصفت.
إلا أن مطرفصا وابن الماجشون أخبروني أن مالكًا وغيره من علمائهم، أجازوا في الصغار يهك أبوهم فتحضنهم أم، أو عم، أو أخ رشيد، أو أجنبي احتسب فيهم وقام بولايتهم واكتنفهم؛ بغير تقديم سلطان، أو إيصاء أب – أن ينفذ لهم عليهم ما يجوز للوصي على من أوصى إليه به، من مقاسمة أو بيع أو ابتياع أو تزويج أو صلح أو إنفاق أو حيازة صدقة منه أو من غيره وشبهه؛ ينزل في جميع ذلك منزلة الوصي.
وبه نقول، وأعلمت به أصبغ فاستحسنه، وقال به، ولم يكن ابن القاسم يقوله هكذا مجملًا، إلا أنه قد قاله في مربي اللقيط أن مقاسمته له ما أوصى له به، وحيازته له ما تصدق به عليه جائزة، وإنما جاز ذلك له بولايته إياه، وكفالته له، فكذلك كل من ولي يتيمًا واكتنفه لقرابة أو لحسية هو كالوصي في جميع أمره.
قال: وقد روي ابن القاسم عن مالك في صاحب الشرطة العدل في حالة وأحكامه: أنه في القسمة على الصغار كالقاضي، وأما الكبير الغائب فلا يقاسم عليه إلا القاضي لا غير – قاله مالك وأصحابه.
[ ٥٤٨ ]
دعوى في تقاسم وعين في توارث:
فهمنا – وفقك الله – ما طلبه بن فياض عن زوجة كنزة بنت أصبغ بن خالد من تقاسمهم قرية فنبانش وزير من إقليم وابه، التي هلك عنها أبوهن، وقول محمد بن موسى وكيل زوجته أسماء بنت أصبغ بن خالد: إن القسم قد وقع صحيحًا تامًا، وفسأل ابن فياض إحضار كتاب القسمة التي ذلك، وقال له: قد أظهرته إلى قوم شهدوا بذلك عليك فأظهره ينظر القاضي فيه، ويحملنا على ما يجب.
وقال ابن موسى: لي سعندنا بالقسمة كتاب. فيجب في ذلك أن يحلف بالله: ما عنده كتاب فيه ذكر القسم ولا أظهره إلى ابن فياض ولا للشهود الذين شهدوا عيه أنه أخرجه إليهم، ولا نحاة إلى موضع، ولا نعرف له موضعًا، فإذا حلف حملتهم على ما يجب من إثبات رقبة القرية والأمر بمقاسمتها. قال ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب، وابن وليد، وغيرهم.
وقالوا في الشهادات الواقعة عند القاضي على إقرار سليمان بأنه قاسم سعيدًا الكرم الذي تنازعا فيه بقرية بلة مالله، وأنه اقتلع من نصيبه أصل زينون بعد القسمة واغترسها في مالله على القسم وحاز كل واحد منهما سهمًا، وادعى أن عليه في نصيبه عبنًا بعد قوله كانت قسمتنا للكرم على المراضاة، وأن هذا التقاسم كان منذ ست سنين واعتمراه على المقاسمة، وأنك أعذرت إلى سليمان فيمن قبلت ممن شهد منهم، وانصرمت الآجال فلم يكن عنده مدفع، وسألك سعيدًا أن تشهد له على ما ثبت عندك من إقرار سليمان له بالمقاسمة، وتمنعه من اعتراض سعيد في سمه من الكرم.
فالذي نقول به: إن الذي طلبه سعيد من حقه ومما يجب عيك الإشهاد له عليه.
[ ٥٤٩ ]