مسألة في كراء أرض محبسة لخمسين عامًا على أن يغرسها المكتري فغرسها، ثم قام السنة المكريات لها على غراسها بعد سبعة أعوام أو نحوها من أمد الكراء، وطلبن الكراء، وكان الحبس لم يثبت إلا بإقراراهن به، وامتنع المكتري الغارس من ذلك، وهو أخو أحد فقهاء بطليوس أبي شاكر ابن المعذل، وبها كانت النازلة.
قال القاضي:
فكتب إلي بها أبو شاكر وقاضيها أبو الحسن عامر بن خالص بعد تقدم جوابي على بعض فصولها، فجاوبت أبا شاكر عن ذلك، وكان أنكر الجواب بنقض هذا الكراء.
سيدي قد علمت أن المعول فيما يفتى به مما جرت الأحكام عليه على قول ابن القاسم ﵀ لا سيما الواقع منه في المدونة، ثم على ما وقع لغيره فيها، هذا الذي سمعناه قديمًا في مجالس شيوخنا الذين تفقهنا عندهم، وعلة ذي ما جرى به القدر من اعتماد الناس في هذا المغرب في تفقههم ومناظرتهم عليها حتى لا أنست نفوسهم إليها وألفت معانيها واستحكمت عندهم صحة أصولها وفروعها، وما سبق إلى النفس ألفته، فعسير عليها الانفصال منه والصدود عنه، هذا مدرك بالعادة صحيح بالخبرة، ولذلك قل ما ترى المتفقة لمالك المقدم لدرس مذهبه إلا مرتبطًا به لا يريم عنه إلى مذهب غيره، وكذلك الحنفي والشافعي وغيرهما رجوعهم عما تعلقوا به من مذاهبهم وقدموه في دراستهم، وتعمهم قليل لا يكاد يوجد إلا في النادر.
وإن كان من أدركنا من شيوخنا الذين كانت الفتيا تدور عليهم بقرطبة - ﵏ - ربما امتدوا في الاختيار إلى ما وقع في غيرهما من الواضحة أو سواها، مما يرون من اختلاف أصحاب مالك صحيحًا وأقوى في النظر من غيره، ورمبا فعل ذلك بعضهم ميلًا إلى خلاف من تقدمه من أصحابه، والله يوفق من يشاء.
وإذا كان هذا هكذا فالذي في المدونة في كراء الأرضين منها أن عقد الكراء في أرض المطر يجوز لعشر سنين، ولا ينقد فيها إلا لعام واحد بعد إمكانها للحرث. هذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
وقال غيره فيها:
لا يجوز أن تكرى إلا لعام واحد قرب الحرث ووقع المطر. قال: وأجازه الرواة ثم لا
[ ٣٦١ ]
يجوز النقد فيها إلا حتى تروي ريا مبلغًا للجميع أو لأكثره مع رجاء لوقوع غيره.
وفي كتاب ابن المواز مثل ما تقدم لابن القاسم سواء. وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون في النقد فيها كقول ابن القاسم وأن العقد يجوز لعشرين سنة وأزيد.
وهذا كله يرد ما جرى في تلك النازلة من العقد لخمسين عامًا وشرط النقد فيهان ويبين فساده، وليس ما حكيناه عن مطرف وابن الماجشون من تجويز العقد فيها لعشرين عامًا أو أكثر دليلًا على جواز الخمسين عامًا؛ إذ لابد لقولهم وأكثر من حد تشهد الأصول بصحته وينتهي إليه ويوقف عليه، وإلا فالقائل بظاهر وأكثر وأن العقد يجوز فهيا المائة عام وأكثر، وهذا لا يقوله أحد.
وقد قال في كتاب ابن المواز: تجوز المساقاة لأربعة أعوام وأكثر. وقال في المدونة: أرأيت المساقاة أتجوز لعشرة سنين؟ قال: قال مالك: المساقاة لسنين جائزة، فأما ما يحد إلى عشر سنين أو ثلاثين أو خمسين فلا أدري ما هذا، ولم أسمع من مالك فيه شيئًان وأما ما لم يكثر جدًا فلا أرى به بأسًا.
فقد قال ابن القاسم: ما لم يكثر، مع قول مالك في كتاب ابن المواز: وأكثر، فلابد للكثرة من تحديد، ولا يجوز غير هذا في الأصول، كما أن من طلق إلى أجل يبلغه عمره - ثلاثين سنة أو نحوهما - لزمه ذلك وعجل الطلاق عليه، ولو طلق إلى مائة سنة أو ألف سنة لم يلزمه.
قال ابن القاسم: في سماع عيسى: لإيقاع ذلك إلى أجل يدركه الموت فيه قبله، وروي عن مالك في أصل السماع أنه لا خير في مساقاة إلى أجل وإن سمي سنين، إنما المساقاة إلى الجداد.
وفي كتاب محمد بن يحيى الوقار:
لا بأس بكراء الدور السنة والسنتين وما فوق ذلك إلى العشرة والعشرين سنة، ولا يجوز أن يكرى الحبس إلا لسنة واحدة ونحوها. هذا نص ما في كتابه.
وظاهره أن العشرين سنة فيها حد لا يتجاوز، وإن كان في كتاب ابن المواز لابن وهب عن مالك: أنه لا بأس بكراء الدار الثلاثين سنة؛ فقد نقل محمد بن حارث في كتاب الشروط له عن يحيى بن أيوب الزهري أنه كان يجوز راءها السنين الشعر والخمس عشرة ما لم يطل جدًا. وهذا نحو ما ذكره الوقار بخلاف رواية ابن وهب عن مالك في كتاب
[ ٣٦٢ ]
بن المواز.
وليس في هذا كله تجويزه لأربعين عامًا، فكيف إلى خمسين مع شرط النقد في مسألتنا في أرض المطر، وذلك لا يجوز عند أكثرهم والعقد به فاسد عند ابن القاسم ومن وافقه، وكذلك ظاهر هذه النازلة الفساد بدلي ما ذكرنا من المسائل لطول أمده.
وأما عند غيره الذي ذكرناه من المدونة فلا يجوز هذا الكراء عنده بوجه، ولو لم يعقد إلا لسنتين فأزيد؛ شرط نقد الكراء أو لم يشترط.
ومما يزيد في بيان الفساد فيه لطول الأمد ما وقع في سماع ابن القاسم في كتاب العتق من العتيبة: سئل مالك عن محمد بن سليمان وكان قد أوصى في جواريه أن يحبس سبعين سنة ثم هن أحرار، فقال: أراه غير جائز، وينظر السلطان فيه، فإن رأى أن يعن؛ بعن، وإن رأى أن يعتقن؛ عتقن، وعجل عتقهن ولا يتركهن هكذا.
قال ابن القاسم: وهو رأي وقال ابن الماجشون: إن كان الأجل لا تبلغه أعمارهن؛ بعن، وكان بمنزلة من أعتق عبدًا بعد موته.
وهذا هو الفقه عندي في هذا، فإذا روعي في العتق طول الأجل هذه المراعاة، وأبطل؛ فهو في المبايعات والأكرية أكثر مراعاة، وفساد العقد به أبين فساد.
وهذه المسألة تبطل ما ذكره أبو جعفر بن رزق - سلمه الله - من جواز عقد الكراء إلى سبعين عامًا، ولا سمعته، ولا رأيته، وإنما حكي لي عن المنصور محمد بن أبي عامر أنه اكترى موضعًا حبسًا إلى سبعين عامًا، وهذا لو صح نقله لم يصح أصله، ولا يجوز العمل به لما ذكرناه عن مالك وأصحابه.
وقد ذكر ابن العطار في وثائقه أن الذي جرى به العمل في قبلات أرض الأحباس الأربعة أعوام، وهذا الذي شاهدناه نحن بقرطبة، وأما دور الأحباس والحوانيت وشبهها فإنما تكرى عامًا فعامًا، حضرت ذلك عند قضائها بمحضر فقهائنا مرارًا.
وقد رأيت مسألة نزلت في يجنة محبسة، سوادها تبع لبياضها قبلت إلى اثنى عشر عامًا، حكم فيها صاحب أحكام قضاء الجماعة بقرطبة أبو بكر يحيى ابن قاضي الجماعة أبي بكر محمد بن بيقي بن زرب، بخصام جرى بين ورثة المقتبل والمقبل في غرس كان غرسه فهيا، وذكر في حكمه أنه شاور في ذلك الفقهاء فاختلفوا في نقض الكراء فيها لطول المدة، قال بعضهم: يفسخ، وقال بعضهم يمضي، وأين هذا مما نحن فيه.؟
[ ٣٦٣ ]
وهذا كله واضح بين لائح، لا خفاء فيه، ولا إشكال في صحة معانيه.
ويزيد ذلك وضوحًا وبيانًا ما لابن القاسم في سماع أصبغ فيمن باع سلعة بثمن إلى عشرين سنة أو ثلاثين. قال: أما الثلاثين فلا أدري، ولكن عشر وما أشبهه، وكرهه أيضًا إلى العشرين قال: فإن وقع لم أفسخه، ولو كان إلى السبعين فسخته، وكذلك أفسخ النكاح بصداق مؤجل إلى عشرين سنة وأكرهه ابتداء.
قال أصبغ: وكذلك إلى الثلاثين فيه وفيه البيع، قال أصبغ: ولا أرى به بأسًا إلى خمسة عشر عامًا وعشرين؛ لأن مالكًا قد سئل عن العبد يؤاجره سيده الخمس عشرة سنة ونحوها فقال: لا بأس به، وهو جائز، والنكاح فيه أبين وآمن.
وفي كتاب النكاح من الواضحة قال أصبغ: شهدت ابن القاسم وابن وهب تذاكرا أجل الكالئ، فقال ابن وهب: فيه العشرون وما جاوزها فمفسوخ، قال ابن القاسم: وأنا معك على ذلك ثم رجع ابن القاسم فقال: لا أفسخه إلى العشرين، ولا إلى الثلاثين، ولا إلى الأربعين، وأفسخه فيما فوق ذلك.
قال أصبغ: وبه آخذ قال ابن حبيب: إن جاوز ذلك فسخ، وإن كانت الأربعون كثيرًا جدًا. وحكي ابن المواز عن ابن القاسم أنه يفسخ إلى الأربعين فما فوق، وحكي أيضًا أنه يفسخ إلى الخمسين، فقد أجمعوا على فسخ النكاح في الخمسين.
وقال أصبغ: النكاح أبين وآمن من البيع والإجارة، وهذه المسائل كلها أوضح في الرخصة في تطويل الأجل من تطويله في عقد الراء، إذ ليس فيه إلا الخروج في العقد عن المعهود، ومثل هذا إذا وقع مردود لقول النبي ﵇: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد (١) " وكله صريح ببطلان ما ذكر من جواز الكراء إلى السبعين والخمسين والحمد لله رب العالمين.
وأما مسألة سحنون التي في نوازله فيمن حبس دارًا له على ولده وولده ولد الأتباع، ولا تورث حبسًا صدقة وهم صغار أو كبار، فأكراها المحبس من رجل خمسين سنة وأكثر، وقبض الكراء ثم مات بعد ذلك بيسير وهو مليء أو عديم، فأراد المحبس عليهم فسخ الكراء.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري ج ٢، ص ٩٥٩ برقم ٢٥٥٠، ومسلم ج ٣، ص ١٣٤٣ برقم ١٧١٨.
[ ٣٦٤ ]
قال: اما حبسه على الأكابر فغير جائز؛ لأنهم لم يقبضوا حتى أغلق الكراء فيها ومات ولم يقم عليه، وأما الصغار إذا أشهد لهم بالحبس، وأغلقها بالكراء إلى هذا الآمد الذي لا يجوز له؛ فلا يجوز إلى هذا الأمد البعيد، ويفسخ ما فات منه وبعد. ويرجع المكتري بما بقي من نقدهم في مال الأب إن ترك مالا، وإلا فهو دين يطلب به في الآخرة، وإنما يجوز له أن يكري عليهم إلى مقدار بلوغهم.
فهي غير بينة في تجويزه الكراء إلى خمسين سنة لأنه لم يقصد فيها إلى الجواب عن هذا المعنى، ولا وقع عنه لا سيما وهو قد قال في جوابه فيها أنه إذا أغلقها فالكراء إلى ألأمد الذي لا يجوز له فسخ ما بعد منه، فالحجة بها ما بيناه وذهبنا إليه أظهر منها في تجويزه لذلك.
وفي مساع أشهب وابن نافع من مالك فيمن تصدق بدار على مواليه وأولادهم وأولاد أولادهم، فإذا انقرضوا فمرجعها إلى ولده، فلم تزل كذلك حتى لم يبق منهم إلى رجل واحد فأراها من بعض من له المرجع من ورثة المتصدق إلى عشرين سنة، فأنكر ذلك باقي ورثة المتصدق وقالوا: لا نجيزه، لأنا نخاف أن يموت هذا المولي في هذه المدة فتحتج أنت علينا بحيازتك، فقال إذا مات هذا المولي في المدة انفسخ الكراء، ولقد أكثر هذا في السني فليكتبوا عليه كتابًا بذلك يتوثقون عليه فه، فقد قال مالك في هذه العشرين سنة: لقد أكثر هذا في السنين.
ولابن الماجشون في النوادر، وذكره إسماعيل عنه: يجوز كراء ولي الحبس لما يراه يظن السنة والسنتين، وما يجوز مثله للوكيل، وأما بطول فلا يجوز؛ لأنه إنما يليها حيًا نفاذا مات اعرض حكمه.
وأما مكري ما مرجع رقبته لآخر بعده، فلا يلزم ما عقد فيه الكراء من مدة يبقى منها بعد موته شيء وإن قل، بخلاف ولي الحبس الذي ذكرنا إنما يلزم ما قل من عقده؛ لأن الذي إلى غيره المرجع ليس له أن يعقد على غيره، وإنما يكري لنفسه، فهو يجوز له أن يكري أربع سنين أو خمس.
وقد أكرى مالك منزله عشر سنين وهو صدقة على هذا الحال، واستنكره المغيرة وغيره، فما أبيح له في الوجيبة فيجوز له فيه؛ لأنه إنما يتسلفه لنفسه، وإنما الخطر في كثرة السنين؛ إذ قد نص عمره فرد ما بقي فصار سلفًا، ولا يدخل من الخطر في القرب ما
[ ٣٦٥ ]
يدخل في البعد.
وقال ابن وهب عن مالك: من أسكن دارًا حياته فله أن يكريها السنة والسنتين وينتقد، ولا يرجع في المدة ولكن يكري قليلا قليلًا. وفي ثاني وصايا المدونة قال ابن القاسم: من أخدم عبدًا حياته فلا يبع خدمته من أجنبي، إلا لمدة قريبة السنة والسنتين والأمر مأمون، ولا يكريه إلى الأجل البعيد. وهو قول مالك.
وقال ابن أبي زمنين: يريد إذا انتقد، وكذلك الدار، ولا بأس بتطيول المدة إذا لم ينتقد إلا بما سكن، وهذا كله شاهد لما قلناه، والهدي من الله ولا يوافق له سواه.
واختصرت بعض ألفاظ هذه المسألة لقصدنا منها إلى ما استظهرنا به.
وأما ما اغترس في الرض المكتراة فرواية ابن القاسم عن مالك في المدونة أنه إذا تمت المدة فلعله المكتري، إلا أن يشاء المكري أخذه بقيمته مقلوعًا فله ذلك، ولا يكون للغارس قلعة حينئذ لقول النبي (ﷺ) "لا ضرر ولا ضرار (١) ".
وكذلك الغارس في أرض منحها ليغرس فيها لمدة سمياها فنقصت أو لغير مدة، وقد مضى ما يرى أنه منحها لمثل ذلك من الأمد، لرب الأرض أخذ الغرس بقيمته مقلوعًا يوم الحكم، وإن لم يشأ ذلك كلف الغارس قلعة، وحجة المكري ليبنيه والإذن أنه إنما يأخذه بقيمته مقلوعًا لأنه يقول: لم آذن لك في الغرس حين أذنت لك وأنا أريد أن أغرم شيئًا، وإنما أذنت لك لترتفق، وقد علم الغارس حين غرس بإذن أو كراء أنه يطلبه يقلع ذلك عند انقضاء المدة، فلم يغرس ولا بني إلا وقد أجمع على القلع لا على الإبقاء. قال ابن القسم: ورددته على مالك غير عام، فقال مثل ذلك.
وقال ابن المواز: يأخذه بقيمته مقلوعًا بعد طرح أجر من يقلع ذلك. وهذا خطأ من القول لا معنى له إنما يقوم مقلوعًا فأي أجرة قلع في هذا.
_________________
(١) الحديث أخرجه الحاكم في مستدركه ج٢، ص ٦٦ برقم ٢٣٤٥، وقال: صحيح على شرط البخراي ومسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في الكبرى ج ٦، ص ٦٩ برقم ١١١٦٦، والدراقطني في سننه ج٣، ص ٧٧، والإمام الشافعي في مسنده ج ١، ص ٢٢٤، وابن ماجه ج ٢، ص ٧٨٤ برقم ٢٣٤٠، والإمام مالك في موطئه ج ٢، ص ٧٤٥ حديث رقم ١٤٢٩، والطبراني في السوط ج ١،، ص ٩٠ برقم ٢٦٨، والإمام أحمد في مسنده ج ١، ص ٣١٣ برقم ٢٨٦٧.
[ ٣٦٦ ]
وذكر ابن حبيب عن المدنيين من أصحاب مالك في هذا وفي كل ما بني أو غرس بشبهة، لا بتعد: أنه إنما يأخذه رب الأرض بقيمته قائمًا، وقد شهدت شيخنا أبا عبد الله بن عتاب ﵀ يفتي بذلك، وخالفه أبو عمر بن القطان وأفتى بقيمته مقلوعًا على قول ابن القاسم وروايته، وبه العمل.
وهو أصح عندي في النظر، غير أنه يتوجه عندي في هذه النازلة أن يكون للغارس قيمة غرسه قائمًا.
وله تفسير، انظره في الفروق قال: وإن أمضى الراء إلى انقضاء الأمد فله حينئذ أخذه بقيمته مقلوعًا، ومن هذه يستدل على أن لذلك المكتري قيمة ما غرس قائمًا إذا نقض باقي أمر كرائه إن لم يستوف الأمد الذي كان أكرى إليه.
وبهذه يستغنى إن شاء الله عن قول سحنون في مبتاع الحبس يبني فيه أو يغرس، وهو معروف لابن القاسم، أن يؤمر يقلع بنيانه وقنضه، وإن كانت الحجة آخرًا لسحنون، ذكرها ابن زيد في النوادر، ومنع سحنون فيها من أن يعطي مستحق الحبس قيمة البنيان للباني.
وفي غير النوادر اختلف في تفسير الواجب في ذلك البنيان، فقال سحنون في كتاب الشرح للمسائل لابن عبدوس: يؤمر الباني بقلع بنيانه إذ ليس ثم من يعطيه قيمة.
وقال ابن المواز في كتابه: أخبرني أصبغ وغيره عن ابن القاسم، قال: سمعنا مالك يقول فيمن حبس دارًا أو أرضًا على رجل حياته، فبني أو غرس ثم مات المحبس عليه - قال: إن أرضي صاحب الدار ورثة المحبس عليه الباني، وإلا أخذوا نقضهم وغرسهم، إلا أن يعطيهم قيمة ذلك مقلوعًا، فقد أعطاك ذاكر هذا في تأليفه أنه يجوز أن يعطي الباني في الحبس قيمة بنيانه أو غرسه بخلاف قول سحنون.
وفي شفعة المختلطة:
سئل مالك عن قوم حبست عليهم دارًا فبنوا فيها ثم مات أحدهمن فأراد بعض ورثته أن يبيع نصيبه من ذلك البنيان، فأراد إخوته الأخذ بالشفعة. قال مالك: مال الشفعة إلا في الأرضين والدور، وإن هذا شيء، وأرى لهم فيه الشفعة، ونزلت بالمدينة فاستحسن مالك أن يجعل فيها الشفعة.
وقال ابن عبدوس: قال سحنون: هو يقول ما بني في الحبس فليس له أخذه ولا بيعه
[ ٣٦٧ ]
وهو حبسن قيل له: لعله أراد حبس عمري، قال: فبيع النقض إذا لا يجوز وينقض، ولا شفعة فيه لأنه بيع فاسد.
وهو قول أشهب، وقال: إنه لا يجوز بيعه إلا أن يباع في الضرورة لدين وشبهه، وقال: هو كالشريك يبيع حصته من العبد بعد عتق شريكه، فذلك غير جائز، هكذا في الباب الرابع من شفعة النوادر من قول ابن عبدوس إلى آخره.
وفي جنايات المدونة مسألة عتق الشرك نصيبه من عبد وهوموسر: أنه لا يجوز بيع الذي لم يعتق لحظة، لأن مبتاعه لا يدري ما ابتاع أنصف عبد أم قيمته.
وفي الحبس من المدونة فيمن حبس داره على ولده وولد ولده، فبني أحدهم في الدار بناء، وأدخل خشية ثم مات ولم يذكر ذلك. قال مالك: لا أرى للورثة فيه شيئًا.
قال ابن القاسم: هو عندي سواء كان قليلا أو كثيرًا. قال ابن القاسم: وإن قال خذوه فهو لورثته.
وقال ابن القاسم في التفسير الأول من العشرة: هو لورثة الميت قليلا كان أو كثيرًا، ذكره الميت أو لم يذكره. وفي المختصر الكبير عنه مثله، وهو نحو ما في الشفعة.
وقال المخزومي في يكتاب الحبس: لا يكون من ذلك محرمًا ولا صدقة إلا اليسير من المبتني وشبهها من الميازيب، وأما البناء الذي له القدر فهو مال من ماله.
وقد أوردنا في هذه المسألة من البنيان ما يغني عن تخرص فلان وفلان، والله المستعان، وذكرنا حكم ما يحدث في الحبس من البنيان تعلقه بما كان الفقيه أبو شاكر اعترض به من مسألة مسحنون على الحكم في القرابين الموضوع في الأرض المكراة لخمسين عامًا، وبالله التوفيق.
وكان سؤالهم إياي عنها وأنا حينئذ بأشبيلية في سنة ثمان وستين، ونقلت جوابي في هذا الكتاب من المسودة في صدر ذي الحجة في سنة أربع وسبعين بسبتة، والحمد له رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وسلم تسليمًا.
القضاء في مسائل الغائب: من ذلك مملوكة غائب دفعت إلى البائع: غاب محمد بن أحمد الشرقي إلى العدوة عن قرطبة، وتخلف بها مملوكه فقامت بعد مغيبة بمدة عند الوزير صاحب الأحكام أبي بر محمد بن الليث، وذكرت أن سيدها غاب عنها وتركها دون شيء تنفق منه على نفسها، وأنه لم يرسل إليها شيئًا، وسألته النظر لها، فكلفها إثبات
[ ٣٦٨ ]
ما يجب إثباته؛ إذ شكت الجوع، ودعن إلى بيعها بمن يموتها وينفق عليها، فأثبتت عنده ملك سيدها إياها ومغيبه عنها وأنه لم يتخلف عندها شيئًا لنقتها، ولا أرسل إليها، وأنها لا مال لها، ولا له مال تعدي فيه بنفقتها.
وشاور في ذلك فأفتى ابن عتاب وابن القطان: إذ قد ثبت ما ذكرت، فأمر من يبيعها ويقبض ثمنها للغائب، ويوقفه عنده له أو عنده ثقة غيره، حتى يقدم إن شاء الله، فحكم بذلك، وستأتي مسألة في طلب ويكل الغائب قبض هذا الثمن إياه، وطلب زوجه إياه بحق ذكرته.
وارث غائب له شريك في دار موروثه وطلب الورثة قسمة الدار:
من أحكام ابن زياد: فهمنا ما ذكره القاضي - وفقه الله - من أن عبد الله بن أصبغ أثبتت عنده موت زوجة عائشة بنت مهنا، وعدةورثتها، وهم: عبد الله زوجها، هذا القائم، وأخواها لأبيها: عبد الملك بن مهنا الغائب الشمرق، وفاطمة الحاضرة، وأثبت للميتة، شركاء في دار مع أخيها الغائب وأختها الحاضرة، وأنها أوصت بثلثها لأختها. وأعذر القاضي في الوصية إلى الحاضرين من ورثة الميتة عائشة بما وجب أن يعذر به، فلم يكن عندهم مدفع.
وسأل بعض الورثة قسم الدار التي ثبت حظ الغائب فيها، وثبت عند القاضي أن الذي يصير من الدار لأقلهم نصيبًا منها لا ينتفع به سكنى، بشهادة رجلين عدلين.
وسأل عبد الله بن أصبغ القاضي وفقه الله أن يأمر ببيع الدار إذ لا تحتمل القسم، وإذ لابد من بيع نصيب الميتة منها لتنفيذ وصيتها، ولما دعي إليه عبد الله زوج الميتة من بيع نصيبه منها وأن يوكل للغائب من يبيع عليه نصيبه، فأحب القاضي معرفة الواجب في ذلك.
فالذي نقول واله الموفق للصواب: إن على القاضي أن يوكل للغائب من يبيع عليه نصيبه من الدار مع من شركه فيها من الحاضرين، ويقبض الوكيل نصيب الغائب له إلى أن يقدم أن شاء الله، وتنفذ وصية المرأة من ثلث مالها، على ما يجب به التنفيذ إن شاء الله. قال بذلك محمد بن لبابة، ومحمد بن وليد.
وفي قولهما: إن بيع جميع الدار قد وجب على جميعهم ويضمون إلى ذلك؛ إذ ليس في نصيب أقلهم نصيبًا منفعة لسكنى كما قال الشهود في شهادتهم، وقال بذلك كله
[ ٣٦٩ ]
أيوب ابن سليمان، وقالب: ترجأ الحجة للغائب.
في وصية أخته مثل قول أبي صالح، وقال أيوب: غنه لا يجب لبعض الورثة أن يسكنها فليخرج من فيها حتى تباع. وقال به محمد بن وليد، وعبيد الله بن يحيى.
قال القاضي:
في هذه المسألة وجوابها إفال، لم يذكر فيها ثبوتمغيب عبد الملك، إنما ذلك فيها حكاية غيبة الغائب بالمشرق، وكان يجب أن يشهد بمغيبه واتصاله، وأنهم لا يغرفونه رجع من مغيبه إلى حينالشهادة بذلك، ولا بين فيها حظ الميتة كم هومن الدار وإنما قال: وأثبت للميتة شركاء في دار مع أخيها وأختها، ولم يذر نصيبها من نصيبه، ولا ملكها لذلك النصيب، ولا ملك أخيها الباقي في الدار، ولا حيازتها. ولا يجب للقاضي أمر بقيمتها ولا بالبيع على الغائب حتى يثبت ذلك كله، واتصال الملك على ما يجب.
ووقع في سؤالها أن الميتة أوصت لأختها بثلثها وهي وارثتها، ولم يذكروا أن الوصية للوارث وهو إجماع إلا أن يجيزها الورثة، وبعضهم هنا غائب، وذكروا أنه أعذروا؛ الإعذار في شيء ناقص لا يفيد شيئًا.
وقالوا في جوابهم: وينفذ الوصية وصيها، ولم يذكر من هو، ولا أنه قبل الإيصاء أو امتنع منه، وهذا كله مما كان يلزم عمله واستقصاؤه، وفيه غير هذا.
وخصص ابن وليد في جوابه إرجاء الحجة للغائب في وصية أخته، ومن حقه إرجاؤها له في مبلغ نصيبه من الدار، وفي بيعه عليه؛ إذ قد يباع ببخس الثمن وفي الشهادة، فإن الدار تنقسم وإرجاء الحجة للغائب معمول به، ويأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله، وقد مر بيان الإعذار في صدر الأول، وبالله التوفيق.
فيمن عنده كتب لغائب:
فهمنا - وفقك الله - ما قام به ابن أبي الحفاظ عن أخته في كتب، ذلك بأنها عند بن خالد الصابري ولدها المقتول قاسم بن أبي عثمان، لها فيه حق ولكنتها زوجة ابنها قاسم، وسأل عنها أن تأمر ابن خالد بإخراج الكبت لينظر فهيا بالذي يجب في ذلك: إن كانت أخته قامت في ذلك عندك، أو وكلت أخاها على الطلب وثبت توكيلها إياه عندك، أن ترسل إلى ابن خالد ليبعث بالكتب إليك، فتنظر فيها بما يجب إن شاء الله. قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة، وابن وليد وسعد بن معاذ، ومحمد بن غالب، وعبيد الله بني يحيى.
[ ٣٧٠ ]
قسمة دار الوزير ابن عامر بين ابنيه الحاضر والغائب:
أخبرني أبو عبد الله ابن عتاب أن محمد بن أحمد بن بقي شاورهم في قسمة دار ابن عامر المفصلة على دور التي بداخل مدينة قرطبة، وقال: إن ابنه الواحد الحاضر قام عنده وأثبت ملكها إياها وأنها مشتركة بينه وبين أخيه فلان الغائب بأشبيلية بنصفين، وأنها تحتمل القسمة وحيزت وأثبت مغيب أخيه المذكور.
قال: فأفتيت أنها فيها بالإعذار إلى الذي بأشبيلية لقرب الموضع، وإمكان ذلك بسلوك الطريق إليها وأمنه.
قال: وأفتى ابن القطان بالعهود منه يريد خلافة، قال لي، وقال ابن مالك: الإعذار في هذا وهم لا يحتاج إليه.
قال القاضي:
وكنت قد ذهبت إلى التكلم فيها مع ابن مالك فتوفي ﵀ قبل إمكان ذلك، وكانت وفاته سحر يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادي الأول سنة ستين وأربع مائة.
وتوفي ابن القطان بقرية فاغة الفنداق المجاورة لقبره، ليلة الاثنين لتسع بقين من ربيع الأخير من سنة ستين المذكورة.
وتوفي أبو عبد الله بن عتاب سحر يوم الثلاثاء لعشرة بقين من صفر سنة اثنتين وستين.
وتوفي ابن أبي عبد الصمد يوم الجمعة وقت الظهر، لثمان بقين من ربيع الأول من سنة اثنتين وستين وأربع مائة.
رحمنا الله وإياهم، وكانوا أربعتهم يشاورون في واحد.
غائب طلب بمال وله على حاضر مال:
قامت عند ابن الليث ابن حريش مريم على السراج خلف وهو غائب، بعقد تاريخه رمضان سنة ثمان وخمسين وأربع مائة، لها فيه مائتا مثقال وستون مثقالا ذهبًا قرمونية، من ثمن دار كان باعها منها ثم صرفتها عليه بعيوب ثبتت فيها وأثبتت هذا العقد عنده ومغيب
[ ٣٧١ ]
خلف، شهد شاهد بمغيبه إلى ناحية قرمونة وشاهدان بمغيبه حيث لا يعلمان.
وقالت: لغريمي خلف علي أحمد بن فلان مائتا وعشرون مثقالا، وأظهرت إليه عقدًا أشهد خلف وأحمد فيه على أنفسهما أن خلفًا كان ابتاع من أحمد دارا كذا وحدها كذا بثمن مبلغه كذا، ثم اطلع فيه على عيب كذا وأثبته، ووجب له الرجوع بالثمن على أحمد وصرف الدار، فصرفها عليه وقبضها أحمد منه، وأنظره خلف بثمنها المذكور إلى أجل كذا، وحل الأجل.
وسألت مريم إنصافها من دين غريمها الذي له على أحمد، وحضر أحمد مجلس نظره وأقر بهذا العقد عنده، وأن الثمن باق لخلف عليه، وشاور فيما دعت مريم إليه.
فأفتى ابن عتاب:
إذ قد ثبت عندك ما ذكرت من المغيب وغيره كما وصفت، فالإقرار الذي حيت لا يكتفي به حتى يثبت عندك العقد الذي أقر به أحمد، فكلف مريم إثباته عندك؛ فإذا ثبت أمرتها بالحلف في مقطع الحق بما يجب عليها أن تحلف به، ويتقاضى يمينها من تقدمه لذلك، فإذا حلفت أمرت احمد بإحضار ما عليه ودفعه إليها، وتقيد ذلك كله من نظرك، وترجأ الحجة للغائب إن لم يمكن الإعذار إليه، والله أسأله التوفيق لجميعنا برحمته.
وأفتى ابن القطان:
قرأت خطابك ووقفت عليه، فأما ما ذكرت من ثبوت المغيب عندك، فرأيت شاهديه قد شهدا أنهما لا يعلمان مغيبه حيث هو، ومن تمام الشهادة عندي أن يقولا أن الغيبة بعيدة بحيث لا يعلمون؛ لجواز أن تكون غيبة قريبة، فهو كالحاضر، فإذا تمت الشهادة بذلك حلفت القائمة عندك بما يجب الحلف به، وأعديتها على أحمد بما أقر به، وإقراره لازم كاف وحكمت بذلك على الغائب وأرجأت له الحجة إلى قدومه إن شاء الله.
وأفتى ابن مالك:
شهادة الشهود بالمغيب مختلفة ولم تعرفنا من قبلت منهم، فإن كنت غنما قبلت شهادة عبد العزيز وأحمد فقط، أو كانت الطريق إلى قرمونة ممتنعة بالفتنة، فإنما في هذا عندي ما قد شرح لك في الجواب الأول، أرأيت إن أنكر الغائب ما أقر أحمد به من رد الدار عليه، فكيف يستغني في هذا عن ثبوت العقد الظاهر إليك بين أحمد وخلف وأنت لم
[ ٣٧٢ ]
توجه إلينا شيئًا في ثبوت الرد عندك، وغنما نفتي بما جاءنا من عندك لا أزيد.
قال القاضي:
تكلمت فيها مع ابن عتاب وقلت له: لم لا يستغني بإقرار أحمد لخلف بالدين حتى ثبت، وقد أفتيت في مسألة الشركة إن إقرار ابن صفون للشريك الحاضر بشقق الخز التي أحضرها لازم، ويقضي بالشقق للحاضر الذي هو شريك الغائب.
فقال لي: لأن الشركة في هذه قد كانت ثبتت بين الحاضر والغائب اللذين أقر لهما ابن صفوان بالشقق، فكان إقراره بهذا أقوى، ولأن المشهد على نفسه بدين الغائب فيه ضعف حتى يحضر المشهد له، وكأنه أشار إلى التي في سماع يحيى في الشهادات أنه يفعل ذلك لموجب خلطة بينه وبين المقر له، ثم يدعي عليه بأكثر مما أقر له به، فتأملها. ومسألة ابن صفوان ستأتي بعد هذا.
قال القاضي:
وتكلمت أيضًا مع ابن مالك في جوابه وموافقته لابن عتاب، في أنه لا يكتفي بإقرار أحمد لخلف بالدين حتى يثبت. فقال لي: لابد من ثبوته وإن أحمد قد أقر به؛ لأن منحجة أحمد أن يقول: إنما أقررت بهذا الدين من هذه الدار التي بيدي، وجائز إذا أخذتم الدين مني أن يجحدني الغائب صرفه للدار علي بعيب أو غيره، ويدعي أنها باقية على ملكه، وأني ادعيت فيها أو غصبته إياها، فلابد لكم من الحكم بها فأكون قد بقيت صفر اليدين من الدار والدين، وإذا بقي قبلي الدين الذي أقررت به وجحدني عند قدومه وقضى له بداره؛ لم يكن له علي سبيل في غيرها، وأكون قد أحرت ثمنها لأني إنما أقررت به من سببها.
وأصلها في كتاب البضائع في سماع عيسى في سم العشور فيمن قال: ابتعت لك هذه الأمة كما أمرتني، وأنكر الآمر ذلك.
قال ابن القاسم: لا يطؤها المأمور وليبعها فإن كان فيها فضل دفعه إليه إلا أن له أن يخرجها إلى السوق ويستقصي في ثمنها، ثم يأخذها لنفسه ويعطيه فضلا إن كان فيها، ثم له أن يطأها.
قال: وليس جحده إياها إسلامًا منه لها إليه، فليعطه فضلها، ولو أعتقها وجحده كانت حرة، وإنما جحده ثمنها.
[ ٣٧٣ ]
قال لي: وليست كالتي في رسم العتق من هذا السماع في كتاب العتق، إذ قال: بعت هذا العبد منك وأعتقته؛ فأد إلى ثمنه، وحده المدعي عليه، وقال: لم أبتع منك شيئًا.
فقال ابن القاسم: العتق ماض ولا شيء على المدعي عليه.
والفرق بينهما بين؛ لان هذا لم يقر بشيء وهو بيده فيحتج بإخراجه عنه، إنما ادعى شيئًا يريد أخذه فلا يقبل فيه، والأول إنما أقر بشيء هو بيده عوضًا عن غيره، فلا يخرج عنه حتى يسلم له عوضه. فتدبر ذلك.
أقرار ابن صفوان بشقق بيده لشريكين أحدهما غائب بفاس في العدوة:
قام عند الوزير صاحب الأحكام محمد بن الليث عبد الله بن خيرة بعقد استرعاء: يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون محمدًا وعبد الله ابني خيرة بأعيانهما وأسمائهما شريكين متفاوضين في جميع أموالهما وتجارتهما وجميع أمورهما قليلها وكثرها، على هذه الحالة عرفوهما لم يتبدلا بها غيرها في علمهم إلى حين شهادتهم هذه، وتاريخها جمادي الأولى من سنة ثمان وخمسين وأربع مائة.
وأثبت عنده هذا العقد على نصه، وأن محمدًا غاب إلى ناحية مدينة فاس التي بالعدوة منذ عام أو نحوه، وحضر مجلس نظر محمد بن الليث مع القائم عبد الله بن محمد بن صوفان وبيده ست شقق مختلفة الألوان مستنعية منكسة الرسوم، وأقر عنده محمد بن أحمد أن عبد الله ذا وأخاه محمدًا الغائب دفعا إليه ذهبًا في استعمال عشر شقق، هذه الست منها، وصدقة عبد الله في ذلك، وثبت عنده إقرارهما ومقالهما، ودعا عبد الله إلى قبض الشقق فوقها الحكم، وشاور في ذلك.
فأفتى ابن عتاب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سيدي، ووليي، ومن وفقه الله وسدده؛ إذ قد ثبت عندك العقد المذكور بالمفاوضة، فشهد بما ثبت عندك منها وتعرف المحضر للشقق بثبوت ذلك عندك، وبتوثق بالإشهاد على دفعها، وإن أحضرها مجلس نظرك ودفعها فيه فهو أتم، وترجئ الحجة للغائب في ذلك، واليمين على عبد الله أن شركتهما لم يحلاها تضعف عندي، ولا أوجبها، والله أعلم بحقيقة الصواب، وإليه أرغب في التوفيق للجميع برحمته، والسلام على سيدي ورحمة الله.
[ ٣٧٤ ]
وأفتى ابن القطان:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سيدي، ووليي، ومن أرشده الله وعصمه؛ تصفحت ما خاطبتنا به، فأما كتاب الاسترعاء بالشركة فإن شهوده قالوا: إنهم يعرفون عبد الله ومحمدًا ابني خيرة، وأنهما شريكان متفاوضان في جميع أموالهما إلى آخر العقد، وهذه شهادة ناقصة لا يجب بها قضاء شركة بينهما؛ إذ لم يفسروا معرفتهم بها؛ إن كانت بإشهاد من عبد الله ومحمد أو بإقرار عندهم بذلك، لجواز أن يعرفوا ذلك بسماع يذكر، وهذا غير عامل، فلما جاز أن تكون المعرفة بذلك؛ لم يجز الحكم في هذا بالشركة، إلا بحق لا شك فيه ولا احتمال، ولا سيما إن كان الشهود من غير أهل العلم بهذا، فإن فسر الشهود المذكورون ذلك بالوجه الجائز حكمت بالشركة.
وهذه مسألة شاهدت الشورى فيها، وقد نزلت، وقال أبو محمد رحمهما الله بهذا، ونفذ الحكم به. وكان استظهر في ذلك بمثل العقد المذكور.
وأما ما ذكرت من حضور محمد بن أحمد بن صفوان، وقوله وإقراره بما ذكرت عنه في المقال المذكور، بمحضر عبد الله بن خيرة، وموافقته له عليه وتصديقه له، فرأيت للقاضي أبي بكر ابن زرب بخطه ورحمه الله، وقال في مسائل ذكره: أنه وقع في الكتاب الثاني من أحكام محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: وإذا كان لرجل على رجل حق فكتب له إلى رجل له عنده مال من دين أو وديعة أن يدفع إليه ماله، فدفع الكتاب إلى الذي عنده المال، فقال: أما الكتاب فإني أعرفه وهو خطة، ولكني لا أدفع إليك شيئًا: فذلك له، ولا يحكم عليه بدفعه، ولا يبرئه دفعه إن دفع إذا جاء صاحب الحق فأنكر الكتاب، وكذلك لو قال: قد أمرني أن ادفع إليك ولكني لا أفعل، فذلك له؛ لأنه لا يبرئه ذلك إن أنكمر الذي له المال أو مات قبل أن يسأل.
ورأيت لسحنون غير هذا أنه يقضي عليه بدفع ذلك لإقراره بأمر صاحب المال له. وكل له وجه، فإن قادك الاجتهاد إلى أحد القولين بعد تحصين أمر الشركة؛ فقلد من رأيت. وكتاب ابن زرب ﵀ إياها يدل على استحسانه لما كبته، وإن أخذت بقول سحنون فأشهد على ذلك من حكمك، والله ﷿ يليهم الجميع إلى الصواب وما فيه الخلاص والنجاة برحمته إن شاء الله ﷿، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
[ ٣٧٥ ]
وأفتى بن مالك:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: سيدي، ووليي، ومن وفقه وسدده وعصمه فيما قلده؛ يحسن أن تسأل اثنين من عدول البينة التي ثبت بها الاسترعاء عندك - عن وجه معرفتهما المفاوضة المذكورة، فإذا فسر لك ذلك أنهما علماء بإعلام المفتاوضين إياهما بذلك؛ أعلمت الشهادة وناب الحاضر منهما عن الغائب، وبدئ الدافع إلى الحاضر من تبعتهما؛ وذلك لأن هذا أمر قريب المأخذ عليك، فهو أتم وأطيب للنفس وأولى بالحسن، والله الموفق لنا ولك برحمته، والسلام على سيدي ورحمة الله وبركاته.
قال القاضي:
قول ابن مالك في جوابه: "فهو أتم" هو نص ما ذكره ابن العطار في وثائقه؛ لأنه قال في بعض عقودها للأوصياء ممن يعرف الإيصاء المذكور، ثم قال: إن قلت ممن يعرف الإيصاء بإشهاد الموصي إياه عليه فهو أتم، وهذا يدل أن الشهادة عنده تامة، وإن لم يبين الشاهد الوجه الذي علم منه ذلك.
وذكر هو وابن أبي زمنين وابن الهندي في مواضع من كتبهم ممن يعرف الإيصاء وممن يعرف التوكيل من غير تبيين.
وأخبرني الشيخ أبو عبد الله بن عتاب عن أبي عمر الأشبيلي أنه أفتى في مثل هذا: أن الشهادة تامة معمول بها، قال: ونحوه في أحكام ابن زياد.
وفي المدونة: إذا ثبت أنه مفاوضة ولم يشتركم، فكان التعويل على هذا أولى من التعويل على قول أبوي محمد يعني ابن الشقاق وابن دحون الذي حكاه أبو عمر ابن القطان في جوابه مستظهرًا به، ولا فرق بين هذا وبين شهادة الشاهد أنه يعرف هذا الدار وهذه الدابة ملكًا لفلان بن فلان، ولا يبين كيف وصل إلى علم ذلك.
وما حكاه عن سحنون فالظاهر عنه خلافه قال ابنه في كتاب كتب إلى شرحبيل - فيمن ثبت عليه دين فلم يوجد له مال، ثم غاب فأقر رجل أنه أودعه جارية أو ناضًا - فكتب إليه سحنون: ما أرى أن يقضي الحكم غرماؤه في المال الذي أقر له هذا به، هكذا في تفليس النوادر، وهو مثل قول محمد بن عبد الحكم، وكذلك قال ابن المواز وابن سحنون في هذا الأصل، ذلك كله عنهم ابن أبي زيد في مواضع من نوادره.
وقال في كتاب الوديعة بعد مسألة ابن المواز وابن عبد الحكم: وفيه قول آخر،
[ ٣٧٦ ]
وأدخل من قول سحنون كتاب شجرة إلى سحنون يمن أتى الحكم، وقال: إن فلانًا دفع إلي أو بعث إلي دنانير، أنها لورثة فلان، وأن أدفعها بأمر فلان الحاكم كيف يجري أمر الحاكم فيها؟
فكتب إليه: ثبت عندك الورثة، وأقر هذا أن الغائب أمر بدفعها إليهم، كتب له الحاكم أنك ذكرت أن فلانًا أمرك بدفع ذلك إلى ورثة فلان بأمري، وأني أمرتك أن تدفعها إليهم، يريد بعد أن ثبت عندي أنهم ورثة فلان.
ووصل بها مسألة ابن عبد الحكم وابن المواز، ولم اكتبها هنا على نصها كراهة التطويل، وما أدري ما الذي عدل به عن ذلك هذا إلى ما رآه في معلقات القاضي أبي بكر بن زرب ﵀.
وفي التفليس من النوادر أيضًا:
قال حبيب: أتاني رجل برجل فقال: إن هذا معه بضاعة لفلان الذي بصقلية، ولي أنا على ذلك دين فأعدني في بضاعته هذه. فقال سحنون: نعم، فأعده إذا جاء بينة على ما ذكره.
وهذه رواية محتملة أن تكون كالتي ذلك عنه شرحبيل، ويحتمل أن تكون خلافها.
وقول أبي عمر في جوابة: "فإن قادك الاجتهاد إلى أحد القولين بعد تحصين أمر الشركة؛ فقلد من رأيت" إغفال وخطأ في الفقه، وخروج عن عرف اللسان في البيان.
فأما الخطأ فإبقاؤه الخلاف في المسألة بعد تحصين أمر الشركة؛ يريد في تبيين الشهود وجه معرفتهم للشركة، كيف كان، وهو إذا حصنها باستعادة عدلين يفسران وجه علمهما بالمفاوضة، وكملت شهادتهما على ما شرطه؛ فالحكم بها واجب، والخلاف عنهما مرتفع. وقد تقدم هذا المعنى في جوابه بينًا من كلامهم، إلا أنه لما أطال الكلام أنسيه وغفل عنه؛ فلم يذكره. وإنما الخلاف إن لم يكن الإقرار الذي بيده المال، ولم تقم بينه بالمفاوضة.
وأما الخروج عن عرف اللسان فقوله: إن قادك الاجتهاد إلى احد القولين فقلد من رأيت؛ لأنه يقتضي أمره إياه بالتقليد من رآه تقليده من غر قائلي ذينك القولين. فإن قيل: إنه أراد تقليد من رأيت قوله صوابًا من هذين القولين، فالمعنى متناقض؛ لأنه من قاده اجتهاد إلى اعتقاد شيء، والعمل به لا يسمى مقلدًا، بل يمسى باحثًا مجتهدًا، والتقليد لا
[ ٣٧٧ ]
يكون إلا ممن لا اجتهاد له يؤديه إلى علم ما يقلد عالمًا فيه، وكان وجه الكلام وما قادك إليه اجتهادك من هذين القولين فاحكم به وأنفذه، وإن كان الحكم عنده جاهلا مقلدًا فكأن ترتيب الكلام ونظامه: وما تقلدت من هذين القولين فأنفذ القضاء به.
وقوله: وكتاب ابن زرب إياها يدل على استحسانه، لما كتب خال عن الفائدة داخل في الحشو الذي لا يخل منه بطائل إذ لا يجهل أحد أن ابن زرب لم يكتبه إلا مستحسنًا له مستزيدًا علمه به.
وإن قال إنما أراد باستحسانه لما كتب الأخذ واعتقاد الصواب فيه. قيل له: هذا ظن؛ إذا لم يخبر ابن زرب بذلك من اعتقاده، والظن لا يغني من الحق شيئًا وهو أكذب الحديث، ولا يلزم لحل من كتب خلافًا عن عالم أن يعتقد أنه الحق الذي يجب المصير إليه والعمل به، هذا هو المعروف المشهور في التآليف وأنواع التصاريف.
وكلهم أدخل أقوال العلماء المتضادة المختلفة ومذاهبهم المنافية غير المؤتلفة، مستحسين لعلمها والإعلام بها، لا ملتزمين للأخذ بجميعها؛ إذ كان من المحال اعتقاد الحرام والحلال في شيء واحد، لم يغيره حال إلى حال.
توقف ميراث غائب من ميت حاضر ثم ثبت موت الغائب قبل الحاضر:
غاب علي بن أحمد بن سعيد المعروف بابن الخراز عن قرطبة أعوامًا، وتوفي بعد مغيبة ابن عمه لحا محمد بن علي بن سعيد يوم الاثنين لاثنتين عشر ليلة بقيت من ذي الحجة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وورثته زوجته وأخته شقيقته وابنا عمه لحا عبد الله بن أحمد ابن سعيد والغائب علي، وثبتت وفاة محمد ووراثته عند القاضي سراج بن عبد الله، ووقف حظ الغائب على عند محمد بن يحيى بن الرفا.
وقام عبد الله عند صاحب الأحكام محمد بن الليث فطلب الحظ الموقوف لعلي، وقال: إن عليًا توفي قبل محمد، وأظهر إليه عقدًا تاريخه ذو القعدة سنة ست وخمسين، تضمن معرفة شهوده موت علي بالسماع المستفيض قبل تاريخه بثلاثة أعوام، وأثبته عنده ونصه: يشهد من يتسمى في هذا العقد من الشهداء أنهم يعرفون عليًا بن أحمد بن سعيد بعينه واسمه، وأنه غاب منذ عشرة أعوام عن قرطبة إلى جهة شرق الأندلس، واستوطن فيه، وأنهم سمعوا سماعًا فاشيًا مستفيضًا من أهل العدل وغيرهم منذ ثلاث أعوام متقدمة لهذا التاريخ أنه توفي هناك.
[ ٣٧٨ ]
شهد وأقر محمد بين يحيى بما توقف عنده للغائب، وشاور ابن الليث في ذلك وإن كان يلزم ثبوت وراثة لعلي لعذر إلى ورثته.
فجاوب ابن عتاب:
يجب أن تثبت وراثة علي وتذعر إلى ورثته فيما ثبت عندك، فا، لم يكن عندهم مدفع قضيت لعبد الله بوراثته في محمد بن علي وأعديت على جميع ما توقف بسبب علي، وترجئ الحجة في ذلك لعي المشهود بموته، وتعذر أيضًا إلى كل من بيده شيء من المال الموقف لعلي، ثم تقيد ذلك من نظرك موفقًا للصواب إن شاء الله.
وجاوب ابن القطان:
إسلام ما وقف بسبب الغائب علي إلى القائم عبد الله واجب بعد الإعذار إلى ورثة علي إن شاء الله قال الذي بعده: وتبرئ الدافع من المتوقف إذا قبض ما كان مستقرًا عنده، وتقيد ذلك من حكمك.
وجاوب ابن مالك:
سيدي، ووليي، ومن وفقه الله وسدده، وأرشده إلى الصواب فيما قلده، أرى أن تكلف هذا الطالب - عبد الله - أن يثبت عندك علم جميع من ورث عليا، ثم تعذر إلى ورثته في ذلك حضروا أو قربوا، فإن لم يأتك ما يوهن ما قد ثبت عندك قضيت لعبد الله بمطلبه الذي له قام، وأبرأت الذي بيده الوديعة محمد بن يحيى إن شاء الله، والله أرغب في التوفيق لنا أجمعين، حملك الله على الصواب برحمته. أثبت عبد الله أن المحيطين بوراثة علي ابناه فلان الغائب وفلانة المالكة لأمرها، وأعذر إليها، فلم يكن عندها مدفع وقضى له بجميع ما كان توقف.
مطاحن ورثتها زوجة وابنان غائبان أحدهما مطلوب ينسج شقق:
ثبت عند ابن الليث موت مبارك الصياد، وأن أهل الإحاطة زوجه منجاة وابناه من غيرها مفرج ومحمد، وثبت عنده في عقد آخر أن مفرجًا ومحمد غائبان عن قرطبة منذ ثلاثة أعوام أو نحوها إلى ناحية شرق الأندلس، ولم يؤوبا في علم الشهود، وأقرت عند منجاة: أن المتوفي مبارك تخلف بيدها في دار سكناه معها بحومة باب اليهود في درب ابن عبد الله - أثنى عشر زوج مطاحن يد قائمة في أسرتها، وأنها من حين وفاته منذ عشرة أشهر أجرت وقبضت مكسها، وثبت عنده ذلك من إقرارها.
[ ٣٧٩ ]
وقام عنده محمد بن أحمد المستعمل، وأثبت عنده عقدًا تاريخه شعبان سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، فيه أنه دفع إلى مفرج بن مبارك النساج عشرة مثاقيل قديمة طيبة على نسج أربعين شقة خز، كل شقة من ستين بيتًا، سعة كل شقة أربعة أشبار وطولها ست عشرة ذراعًا، عملا تواصفاه لا براءة لمفرج منه إلا بأدائه واتخاذ البراءة لنفسه على أن يشرع فيه، وقال محمد: إن العمل تواصفاه لا براءة لمفرج منه إلا بأدائه واتخاذ البراءة لنفسه على أن يشرع عفيه، وقال محمد: إن العمل باق له على مفرج، وسأله أن يعديه به في حق مفرج من المطاحين، ومن أجرتها التي قبضتها منجاة.
وشاور الحكم في وجه الحكم في ذلك، وفيما ادعته منجاة من النفقة في إصلاح المطاحن، وخلال المدة التي استغلتها فيها.
فجاوب ابن عتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سيدي، ووليي، ومن وفقه الله وسدده، وأحسن عونه فيما قلده، قرأت ما خاطبتنا به وما أدرجته طي خطابك، ويجب إحكام الوراثة بأن يعود إليك شاهدان ممن قبلتهما يشهدان عندك أنهما علما وتيقنا حياة مفرد ومحمد ابني بمارك بعد وفاة أبيهما إلى الموضع الذي هما فيه مستقران، فإن شهدا بذلك وكان موضع مغيبهما بحيث يجب الإعذار إليهما؛ أعذر إلى مفرج فيما ثبت عليه من العمل.
وإن كان الموضع لا يجب الإعذار في مثله لبعده؛ كلفت القائم عندك إثبات ملك المتوفي للمطاحن، فإذا ثبت ملكه على ما يجب من توصيل الملك إلى حين الشهادة أمرت بجلب القائم عندك بما يجب به الحلف عليه، فإذا حلف أمرت ببيع المطاحن وثبت عندك لسداد في بعها، وتعدي القائم عندك بما يجب لمفرج منها، على واجب الحكم فيمن أثبت عملًا مضمونًا أو عمل رجل بعينه، وتقيد ذلك من نظرك.
فإن فضل لمفرج فضل ن الثمن وقفته له على يدي من ترضاه، وترجئ الحجة لمفرج، وكذلك توقف ما وجب لأخيه على يدي من ترضاه، وتشهد عليه.
وإن لم تقطع البينة بحياتهما بعد موت أبيهما لم يكن للقائم شيء حتى تحقق الأمر، وحصنت الموت والوراثة بالإشهاد على ذلك، وإن أمكن تأريخ الوفاة باليوم الذي توفي فيه المتوفي أو بالشهر فذلك أتم، وتحصن ذلك بالإشهاد إلى أن يتحقق من أمرهما ما يوجب الحكم.
[ ٣٨٠ ]
وكذلك تصنع بالغلة، والمرأة مصدقة فيما تذكره مما استغلته، ولم يعرض شيء من ذلك إلا أن تدعو الزوجة إلى ما يجب لها بالميراث إن شاء الله. قاله محمد بن عتاب.
وجاوب ابن القطان:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: سيدي، ووليين ومن عسمه الله وأرشده؛ إذ قد ثبت عندكما ذكرت، فيجب انيثبت عندك إثبات الملك بما يجب للمطاحن، وتوصيل الملك إلى الآن للمطلوب، ثم يحلف بما يجب به الحلف، فإذا تم ذلك قضيت للطالب بحقه الثابت عندك بإدائه في حصة المطلوب وبيع حصته بالواجب قبله، ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك على مذهب أهل العلم من أصحاب مالك المروي عنهم، إن شاء الله ﷿ والسلام.
قال القاضي:
كتبت هذين الجوابين علىنصهما، وف كل واحد منهما اختلال بين ونقصان ظاهر: ففي جواب ابن عتاب قوله: يجب إحكام الوراثة، بأن يعود إليك عدلان فيتشهدان بتيقن حياة ابني مبارك بعد وفاة أبيهما إلى الموضع الذي هما فيه مستقران. وهذا الكلام مختل وصوابه: في الموضع، أي فيشهدان بتيقن حياتهما في ذلك الموضع.
وقوله: "فإذا حلف أمرت ببيع المطاحن" وكان الصواب أن يقول: أمرت بقسمتها؛ إذ لا يمتري أن اثني عشر زوجًا منهما منقسمة أثمانًا بالقيمة في الأغلب، فقد يخرج في ثمنها زوج كامل إن ارتفعت قيمته، أو زوجها وإن انخفضت، وتخرج نصيب الغائب ويقع الإعداء، أو كان يقول: أمرت ببيعها أن ثبت عندك أنها لا تنقسم على أقل الأنصباء، وكرر ذلك البيع في آخر الجواب وأكده بقوله، ولم يعرض لبيع شيء من ذلك إلى أن تدعو المرأة إلى ما يجب لها بالميراث.
وفي هذا الكلام مع ذلك حذف، وكان الإتيان به أحسن في البيان والمعنى إلا أن تدعو المرأة إلى أخذ ما يجب لها بالميراث فيها، وذكر إرجاء الحجة للغائب فيما يحكم به عليه، أصل معمول به عند الحكام والقضاة لا ينبغي العدول عنه ولا الحكم بغيره؛ إذ هو كالإجماع في المذهب إلا شيئًا ذلك عن سحنون: أنه لا ترجأ له حجة، وهو ضعيف لا يوجد عنه في الأصول، إنما رأيته في حواشي المدونات المسموعة على ابن وضاح أو على روايته، ومنها أدخلها ابن الهندي في وثائقه والله أعلم، وعنه في كتاب ابنه وفي العتبية خلاف ذلك على ما عليه جماعتهم، وجرى به العمل من فتواهم.
[ ٣٨١ ]
ولابن الماجشون في ذلك تنويع في كتاب ابن حبيب، وإرجاء الحجة له مصرح عنه في أصول الواضحة وغيرها، وهو في المدونة في مواضع في ثاني النكاح، وفي الخلع وكتاب الشفعة وغيرها.
وقال ابن عتاب في جوابه: والمرأة مصدقة فيما تذكره مما استغلته، ولم يقل بيمين أو بغير يمين، ولابد من يمينها في ذلك، وسكت عن قولها أنها أنفقت في إصلاحها. هل يقبل فيه قولها؟ وجوابه: أنها لا تصدق في ذلك إلا ببينة أو بدليل على قولها من ظهور إصلاح طرأ فيها، ويثبت ذلك الدليل عند الحكم.
وفميا ذكره من الشهادة بتيقن حياة الغائبين في تاريخ وفاة أبيهما نظر، وقد سكت عنه المفتي بعده، وقال في مقتضى جوابه: إنه لا يحتاج إليه وقد صرح غيره بخلافه في ذلك، وروى أن الغائب محمول على الحياة حتى تثبت الوفاة في مسألة تأتي بعد هذا في ابن غائب طلبه أبوه بالنفقة، والله أعلم بالصواب.
وأما جواب ابن القطان؛ فناقص، منثور الألفاظ، فاسد المساق، ومن ذلك قوله: فيجب أن يثبت القائم عندك إثبات الملك، وهذا خطأ لا معنى له، وإنما أراد - والله أعلم - فيجب أن تكلف القائم عندك إثبات الملك.
ثم قال: إثبات الملك بما يجب للمطاحن، ومفهوم هذا أن للمطاحن حقًا يجب، وإنما كان صوابه: إثبات ملك المتوفي للمطاحن.
ثم قال: وتوصيل الملك إلى الآن للمطلوب، ويفهم من ظاهر هذا أن المطلوب الغريم مملوك، وكان وجه الكلام: وتوصيل ملك المطلوب لحظة منها إلى الآن.
ثم قال: فإذا أتم ذلك، قضيت للطاب بحقه الثابت عندك بإعدائه في حصة المطلوب، وبيع حصته في الواجب قبله؛ فأتى: وبيع حصته، بعد طول الكلام، بحشو قبيح النظام، قليل الفائدة، خال منها، لا يكاد يفهم إلا بفكرة شديدة، وروية بعيدة، وإنما أراد: قضيت للطالب بحقه، وبيع حصة المطلوب فيه، وكان البين أن يقول: أعديت الطالب بحقه في ثمن حصة المطلوب.
وقوله: ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك، تقصير منه، بل ترك أكثر من الذي ذلك، كان يلزمه أن يقول: إن شهود الملك في المطاحن يشهدون على أعيانها عندك إن كان إحضارها ممكنًان وإلا فيجوزونها ويعينونها لمن توجهه معهم إليها، وهو الأشبه، لأنها كانت
[ ٣٨٢ ]
مبينة، فهي كسائر الأصول التي لابد من أ، تحاز.
وكان يجب أن يقال: تباع حصة المطلوب مشاعة أو مقسومة، وأن يتلوم في بيعها إياها على ما قاله مالك فيما بيعه القضاة استقصاء للزيادة في ثمن المبيع، وثبوت السداد في ثمنه، وأن يبين الثمن كيف يكون، وما الذي يعدي به الطالب في ثمن الحصة؛ أباعدد الذي دفع إلى المطلوب أم بالعمل؟ وما يلزم الزوجة في ابتياعها المطاحن في المدة المذكورة في الشورى، وعلى أي شيء يحمل العمل المطلوب؛ أعلى المضمون أم على رجل بعينه؟
وهذا كله على مذهب مالك وأصحابه الذي قال هو: إنه لا يحتاج عيه أكثر مما ذلك، ثم قال: على مذهب العلم من أصحاب مالك المروي عنهم، وهذا نظام يغرب تحصيله عن الأفهام، وما صدر عنه هذا الجواب إلا بعد أربعين يومًا أو نحوها، وفقنا الله لما يحب ويرضى.
ثم أعيد السؤال بعد ذلك على ابن عتاب فيما يقضي به للطالب على الغائب، فأفتى أن يقضي له بالعدد الذي دفعه إليه، لا بالعمل لأنه من الكالئ المؤجل الذي يؤخر به المستعمل لئلا يخرج من مستأجره إلى غيره، وكان عندهم متعارفًا فأنفذ الحكم.
مسألة نعمان في طلب نفقته من مال ابنه الغائب بالقيروان:
قام عند محمد بن أحمد بن بقي، وأثبت عنده أنه فقير عديم لا مال له، وأن ابنه فلانا غاب منذ نحو عشرين عامًا إلى العدوة، وأن له خمسة أثمان، الدار التي بحاضرة قرطبة بشر في مدينتها بربض كذا بحومة مسجد كذا وحدها كذا، وأنها مشتركة بينه وبين فلان بن فلان الذي له باقيها، وحيزت وثبتت عنده حيازتها، وأقر عنده الذي له باقيها بالاشتراك مع الغائب فيها، على التجزئة المذكورة وثبت عنده ذلك من قوله وإقراره، ودعا الأب إلى بيع نصيب ابنه منها، والإنفاق منه عليه وعلى زوجه.
وشاور ابن بقي في ذلك الفقهاء، وكان ابن القطان وابن مالك قد ماتا.
فأفتى بان عتاب: تصفحت ما خاطبتنا به، ولا سبيل إلى بيع هذا الدار بسبب الأب الطالب لنفقة، إذ لا تجب النفقة في شيء من ثمنها، وهذا مما لا اختلاف فيه ين أصحاب مالك، ولا غيرهم، لوجوه أوجبت منع النفقة عليها، لا حاجة بنا إلى شرحها.
وكان قد أفتى فها أولا أن عقد الاسترعاء المتضمن معرفة شهوده مغيب المطلوب بالنفقة - ناقص، وقال: يجب أن تستعيد البينة، ويبينوا عدة أعوام مغيبة، وهل هو حي أو
[ ٣٨٣ ]
ميت أو منقطع الخبر لا يعلم له مستقر؟ ثم تعاون المشورة في ذلك.
فاستعاد ابن بقي البنية، وشهدوا عنده أن الابن غاب غيبة متصلة منذ عشرين عامًا أو نحوها، وأنه بلغهم أنه قد استوطن بالعدوة ونكح بها، وجاوب فيها بما تقدم.
وكان غيره قد أفتى فيها قبل استعادة البينة: يجب أن يحلف الأب ما له مال بعلمه، وإنه فقير عديم، وتشاد الداران جميعها للبيع؛ إذ مذهب الشريك الحاضر بيع نصيبه، فإذا انتهت ثمنًا لا مزيد فيه، وثبت عندك أن البيع به سداد؛ وكلت من يبيع على الغائب، ويقبض حصته من الثمن، وينفق منه على الأب وزوجه على قدر حالههما وحال الوقت، سداد من الفعل، وقيدت ذلك كله من نظرك، وأرجأت الحجة فيه للغائب، وقال بعضهم: ويمين الأب في هذا مختلف.
قال القاضي:
الذي أفتى في هذا باليمين قبلهم هو محمد بن لبابة، ذكره ابن العطار، لاستيراء الحاكم فيه، قال: وكانت الفتيا عندنا بعده بسقوط اليمين عنه؛ إذ لا يحلف والد لولده على ما في المدونة. وقد تقدم هذا.
ثم تكلمت مع ابن عتاب في هذا؛ إذ أعدت إليه المسألة بعد تبيين الشهود مدة المغيب، فقال لي: هذه الأجوبة كلها خطأ، ولا نفقة لأب إلا بعد ثبوت حياة الابن وتيقن ذلك؛ إذ قد يكون مديانًا أو ميتًا. قال: ولا حجة فيما في طلاق السنة من إيجابه الإنفاق من مال من فقد عن زوجة وبنيه؛ لأن نفقة هؤلاء قد كانت لزمت المفقود إذ كان حاضرًا؛ فلا ترفع عنه إلا بصحة ما يوجب رفعها، وكذلك لا تلحق الابن الغائب المذكور إلا بعد صحة حياته.
قال لنا: ولو باع الحاكم نصيب هذا الابن قبل صحة حياته وتيقنها وأنفق على الأب ثمن ذلك؛ للزمه غرمه؛ لأنه من الخطأ الذي لا يعذر فيه ويرجع به عليه، ولكني أرى إن كان اكترى نصيب الابن في مدة أو سكن، أن يقبض ذلك الكراء ويعطي للأب يرتفق به استحسانًا، وكذلك يكري ذلك النصيب فيما يأتي ويعطاه للأب على سبيل السل، ويحصن ذلك كله بالتسجيل به والإشهاد عليه، ولا يباع حظ الغائب من الدار، وإن دعي شريكه إلى ذلك، ويقسم ويوقف نصيب الغائب إن شاء الله ﷿.
[ ٣٨٤ ]
طلب عمر بن رفاعة الشفعة على ابني أخطل وهما غائبان عن قرطبة:
قام عند ابن بقي عمر بن رفاعة فذكر له أنه غاب عن قرطبة مدة طويلة، وأن له حصة في كرمين مبلغها ثلث جميعها على الإشاعة، وأن ابنه أحمد ابتاع باقيها، ثم سلم ثلاثة أرباع مات ابتاع منها إلى أحمد ومحمد ابني عبد الله بن أخطل، وأنه يذهب إلى أخذ ما ابتاعه ابنه، وما صيره إلى أحمد ومحمد بالشفعة الواجبة له، وأثبت ملكه لثلث الكرمين على الإشاعة.
وأنه كن غائبا عن قرطبة مدة ثمانية أعوام، وأنه قدم منذ عام أو نحو متقدم لتاريخ قيامه وهو جمادي الأول سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وأظهر إليه عقدًا بابتياع ابنه أحمد لثلثي الكرمين، وأعذر في ذلك كله إلى من وجب بعد الحيازة، وأثبت عنده مغيب أحمد ومحمد ابني عبد الله بن أخطل؛ أحمد منهما بجهة الشرق، ومحمد بشرق الأندلس، ولم يلف لهما وكيلا بقرطبة يعذر إليه، فشاور في ذلك.
فجاوب ابن عتاب:
تصفحت ما خاطبتنا به، وإذ قد ثبت عندك ما ذكرت وأعذرت فيما قد وجب الإعذار فيه؛ فالقضاء لعمر واجب، واليمين تلحقه: أنه ما ترك القيام في الأخذ بالشفعة؛ فإن كان للغائبين المستشفع منهما وكيل يقبض لهما ما يجب قبضه - أسلم ذلك إليه، وإن لم يكن لهما وكيل؛ وقفت ذلك لهما على يدي ثقة ترضاه، وترجئ الحجة جميع نظرك لهما، ولا تقطعهما، وتقيد ذلك من نظرك، موفقًا للصواب إن شاء الله - ﷿.
وجاوب ابن القطان:
قرأت ما خاطبتنا به، ورأيت في خطابك أنه ثبت عندك أن المقضي عليهما أحمد ومحمدًا غائبان الغيبة التي ذكرت، فالذي رواه ابن القاسم عن مالك: أنه لا يحكم على غائب في دار ولا أرض ولا عقار، وقال أصبغ: إلا أن تكون غيبته بعيدة، مثل العدوة من الأندلس، ومكة من أفريقية ومكية، وأشباه ذلك.
فأرى أن يحكم عليه إذا كانت غيبة انقطاع، وإن كان إنما خرج غازيًا أو تاجرًا، وهو ينتظر؛ فلا يحكم عليه. وهو معنى ما في المدونة.
وقال بعض أصحاب مالك: إنه لا يحكم على غائب في شيء إلا من بعد ضرب الآجال على قدر مسافة البلد الذي هو به، ولا يضرب الأجل حتى تعرف الغيبة ويعرف
[ ٣٨٥ ]
أين هو، ويكلف ذلك الخصم الذي يطلبه؛ لأن ذلك من إنجاز ما يطلب.
قال: وإن كان أعياه أمره بعد طول الاستثناء وضرب الآجال على أطراف البلدان وأقاصيها، وحيث تكون المطالب التي لها وجه، وليس أن يضرب على الصين ومرور البحار وما هو ناء من الأرض، ومنها ما يطول ويقصر، وكل يوجه الرأي فيه عند حضوره ونزوله.
وهذا القائل من أصحاب مالك ممن يرى القضاء على الغائب في الأصول وغيرها بهذا الشرط الذي ذكرت. فهذه أقوال أهل العلم مسطورة مشهورة عنهم في الكتب المعلومة، والله يحمل الكل على الصواب برحمته.
قال القاضي:
ولما بلغ ابن عتاب خلاف ابن القطان له في ذلك، استصرف الشورى، وزاد في جوابه الذي في الكتب المشهورة المعلومة إيجاب الشفعة، وإن كان الذي يستشفع عليه غائبًا، ولزمني - أيدك الله - البيان عما جاوبت به، ومن أين قلته، والنصيحة في ذلك للجميع من حكم وطالب ومطلوب لقول النبي (ﷺ): "الدين النصيحة" قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) " فلزمني البيان لهذا عما جاوبت به.
وهذه المسألة في مختلطة المدونة في مواضع مكشوفة بينه منصوصة، من ذلك ما وقع فيها في باب عهدة الشفيع، وهي مسألة مطولة منع من استجلابها طولها، أوجب في جميعها الشفعة للقائم، وإن كان المستشفع منه غائبًا، وأوجب فيها البيع على الغائب لدار، ثم ختم المسألة فقال: قلت لابن القاسم: فلو أن المشتري غائب، وحضر الشفيع، أيقضى له الشفعة، والمشتري غائب. في قول مالك؟ فقال: نعم: ولا يلتفت إلى مغيب المشتري؛ لأن القضاء على الغائب جائز عند مالك، ويكون الغائب على حجته إذا قدم - وهو المسألة هي التي خوطبنا بعينها، وبها جاوبت.
وفي موضع آخر من هذا الكتاب: قلت لابن القاسم: أرأيت إن ادعى أن فلانا وكله على طلب شفعته في هذه الدار، والمشتري غائب، أيجوز ذلك ويمكن منه؟ قال: إذا أقام البينة على الوكالة أمكن من ذلك، ولم يتلفت إلى مغيب المشتري عند مالك. وهذه
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري معلقًا ج ١، ص ٣٠، ومسلم ج ١، ص ٧٤ برقم ٥٥.
[ ٣٨٦ ]
المسألة كالتي تقدمت
وفي موضع ثالث من هذا الكتاب: قلت لابن القاسم: أرأيت إن اشتريت شقصًا من دار لرجل غائب، أيكون للشفيع أن يأخذه بالشفعة، في قول مالك؟ قال: نعم، له أن يأخذ؛ لأن مالكًا يرى القضاء على الغائب.
وهذه المسائل بنصها ولفظها في كتاب المبسوط لإسماعيل القاضي، رواها عن أبي ثابت المدني عن ابن القاسم، وكان أبو ثابت من الفضلاء المتقدمين، والثقات في رواية الحديث والفقه.
وفي كتاب ابن المواز: قلت لمحمد بن المواز: فلو أن الشفيع أراد أن يأخذ بشفعته، وأنا غائب ولا وكيل لي حاضر، أكنت ترى ذلك له؟ قال: نعم إن شاء الله، أرى أن يقضي بذلك له. قال: ويوكل السلطان من يقبض الثمن لك.
وفي موضع آخر منه: قلت: أفترى للشفيع الشفعة وإن كان المشتري غائبًا؟ قال: نعم، أرى أن يقضي له بها.
فهاذ ما في الكتب المشهورة من الروايات المنصوصة، وليس لأحد خلافها والعدول عنها إلى ما ليس من بابها ولا من معناها، ومن فعل ذلك فقد أخطأ، وقصد التشغيب والتلبيس.
ومالك ﵀ وأصحابه يرون القضاء على الغائب في الشفعة، كما ذكرنا ونصصنا، وفي المقاسمة لشركائه في الدور والرباع، ويرون القضاء عليه في الدين والنفقات التي تلزمه وتباع فيها أصوله وعقاره، ولم يختلفوا في ذلك، وإنما الذي قاله ابن القاسم عن مالك أنه لا يقضي على الغائب في الأصول - إنما يريد في استحقاق الأصول خاصة، لا فيما سوى ذلك، وهذا مسطور منصوص في الكتب المشهورة والأمهات المعروفة.
من ذلك ما وقع في مختلطة المدونة وهو: قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن دارًا في يد رجل غائب ادعى رجل أنه وارث هذه الدار مع الغائب؛ أيقبل القاضي البينة والذي الدار بيده غائب؟ قال: لا أحفظه عن مالك، إلا أني سمعت من يذكر عنه في هذا: أن الدور لا يقضي على أهلها فيها وهم غيب، وهو رأي.
قال ابن القاسم: إلا أن تكون غيبة تطول، فينظر السلطان في ذلك، مثل ما يغيب إلى الأندلس وطنجة، فيقم في ذلك الزمان الطويل، فأرى أن ينظر السلطان في ذلك
[ ٣٨٧ ]
فقضي به.
وقال ابن القاسم: في المدونة: إنه لا يقسم على الغائب إلا القاضي، وفي القسمة عليه قضاء عليه في الدور والعقار.
وفيما قدمت بيان لما ذكرت، والعجب كيف حكي المفتي قول أصبغ، وترك قول ابن القاسم في المدونة، والغائبون تختلف أحوال مغيبهم، وتختلف الفتوى بسببها:
فمنهم الغائب الذي ذكره ابن القاسم أنه بلغه عن مالك في ترك القضاء عليه، ثم وصفه ابن القسم.
ومنهم الغائب يقرب موضعه بحيث يأخذه الإعذار؛ فهذا يعذر إليه القاضي فيما يثبت عليه.
ومنهم غائب أبعد مسافة فلا يلزم الإعذار إليه، ويقضي عليه دون إعذار ومحمد بن أخطل مغيبة بالمرية، ومن كان بها أو نحوها فلا يلزم الإعذار إليه، ويقضي دون إعذار عليه.
ومنهم غائي يعمى خبره ولا يعرف موضعه؛ فهذا ينظر السلطان فيه ثم يحكم فيه يحكم المفقود.
ومنهم الأسير بدار الحرب. ومنهم المفقود في صف المسلمين في قتال العدو. ومنهم الذي يفقد في فتن المسلمين.
وكل واحد منهم الحكم عليه جائز على حسب الواجب، ولا يقطع القاضي الحجة لأحد من الغياب ذلك إن قضى عليه، إلا الغائب الذي قد أعذر إليه لقرب موضعه، فهو كالحاضر.
ومالك وأصحابه مجمعون على هذا إلا سحنون؛ فإنه قال: إذا كان على حجته فلم يقض عليه، وإنما ينبغي أن يضرب له أج، ويتلوم له الشيء بعد الشيء ولا يكثر على الاجتهاد، فإذا فعل ذلك حكم عليه وقطع الحكم، إذا ثبت ذلك بالبينة العدلة، ثم لا تكون له حجة بعد ذلك. وهذه جملة كافية.
فإن سألت عن الفرق بين قول مالك: لا يقضي على الغائب في الأصول، وقوله: يقضي عليه؛ فيما ذكرنا من الدين، والنفقة، ومن الشفعة، والقسمة، وغير ذلك، وبيع أصوله وعروضه فيما ثبت من حق عليه - أتاك ذلك ببيان شاف من كتاب الله ﷿،
[ ٣٨٨ ]
ومن قضاء رسول الله (ﷺ) من حديثه بتوفيق الله وهدياته، ولا يكون إن شاء الله كاحتجاج من احتج لمالك في إجازة الشهادة على الخط وسطر يده، وقال: الدليل على ذلك قول الله ﷿: ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم﴾ (الأحقاف: من الآية ٤): أن بعض المفسرين قال: هو الخط، فتوهم أن الخط الذي ذكره المفسرون هو خط الكتاب، وهذا جهل منه بالصواب، إنما هو الخلط الذي روي في بعض الآثار أن نبيًا كان يخط، فمن وافق خطه فذلك. هذا معنى الحدث، وهو الخط في التراب، وبالله التوفيق.
قال القاضي:
شاهدت هذه المسألة وشافهني فيها أبو عبد الله ابن عتاب، وأنا قلت له: كيف تراك ابن القطان ما لابن القاسم في المدونة، وما لأصبغ في العتبية، واستشهد بما حكاه ابن حبيب عن أصبغ، وهذا هو التقصير بعينه.
ولقد كنت جالسًا مع ابن مالك في الجامع بقرطبة، في الجامع بقرطبة، فقال لي: ما تقول في الغائب يقام عليه بالشفعة، هل يقضي عليه في ذلك؟ فقلت له: نعم، فقال لي: قال مالك: لا يقضي على الغائب في الأصول، فقلت له: هذا معنى آخر، وهذا قبل أن أعلم بتفوى ابن القطان في ذلك.
ثم ورد عليه ذلك المجلس بعض الطلبة فقال له: هل وجدت خلافًا فها؟. يعني في هذه المسألة في الشفعة؟ فقال له: لقد طلبتها في المبسوط فما وجدت خلافًا؛ إنكارًا منه لجواب ابن القطان، وظنوا أنها قوله لقائل.
وقول ابن القطان: وقال بعض أصحاب مالك: إنه لا يحكم على غائب في شيء إلى آخر ذلك، هو قول ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب في مسالة طويلة، فيها ورقة في كتاب منهاج القضاة، فاختصرت منها ما أورده، ولم يصرح باسمه إخفاء لموضعه وإبهامًا بغرابته، وبدرت هذه المسألة إلى ذكره، وعزبت مسائل الشفعة عن باله ولم تجر على خاطره، فأضل مواضعها، وأخطأ الصواب فيها، ولم يحصل في جوابه على شيء منه، وحاز به إيثار خلاف ابن عتاب، ولو كان إنصاف لأثر الائتلاف على الخلاف.
وفي الشفعة من أحكام الواضحة نحو ما في المدونة وفي الموازية وغيرها وفي الشفعة على الغائب، وكذلك في الجدار لعيسى بن دينار، ولولا التطويل لنقلت ذلك على نصه، وفيما ذكره ابن حبيب كفاية، ولا خلاف في هذا موجود وبالله التوفيق والتسديد، وما
[ ٣٨٩ ]
ذكره ابن عتاب من قول سحنون في ترك إرجاء الحجة للغائب قد تكلمت عليه قبل هذا، فأغني عن إعادته، وهو قول ضعيف، لم يجر به عمل، ولا عرج عليه في حكم. والحمد لله كثيرًا.
مطلوب فقي حق يدعي طالبه أنه حاضر متغيب الدار من أحكام ابن زياد:
فهمنا - وفقك الله - ما ادعاه ابن قطيعة من قضاء الطرطوشي لدينه المذكور في الكتاب الذي قام به، فوجهت الحكم بذلك على الطرطوشي، وحضرنا ما ذكره ولد ابن فطيس من غيبة ابنه عن قرطبة مطلعًا لضيعته، وقول الطرطوشي إنه حاضر، وإنما يلزمه بادعائه الغيبة، وزعم ولد ابن فطيس أنه يحضر عشية، وكان ذلك قريبًا، فرأينا تأخير إحلاف الطرطوشي، فإن حضر حلف بمحضر خصمه، وإن مضى على غيبته حلف الطرطوشي، وتثبت يمينه عندك، وتكتب بالإشهاد على ثبوت التوكيل واليمني، إن كان ادعاؤه القضاء أخر ما ادعاه ابن فطيس، قاله محمد بن غالب، وأيوب بن سليمان، وابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد ابن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وجماعتهم.
اقتضاء كراء الغائب والقسمة عليه، وقد تقدم من هذين المعنيين:
فهمنا - وفقك الله - ما سأله محمد بن محمد بن الغائب وارث البياني، من فرج الساكن في طرار البياني بكراء حصة الغائب وإغرام زوجة البياني الساكنة في الدار التي هلك عنها زوجها البيان، لكراء حصة الغائب منها.
فالذي نراه: أن ذلك واجب عليهما ولازم لهما، وينظر في الدار والطراز؛ إن كان كل واحد منهما يحتمل القسم قسم، وإلا بيع ما لم يحتمل القسم منهما. قاله محمد بن لبابة، وابن وليد.
قال القاضي:
لم يبين واحدٌ منهما: هل محمد بن محمد وكيل الغائب أم متكلم عنه لصداقة أو غيرها؟ ولا هل ثبت المغيب قريبًا أو بعيدًا؟ فقالا: يقسم كل واحد منهما إن كان يحتمل القسم، وإلا بيع ما لا يحتمل القسمة منهما. ولم يذكرا على من يقسم، ولا من دعا إلى ذلك، وهل القسمة نظر للغائب أم دعي إليها الحاضرون؟ ولا إن الدار والطراز يجمعان في القسمة، بل أعطيا أن كل واحد منهما يقسم على انفراده، ولا أنه يلزم أن يثبت أنهما لا ينقسمان.
[ ٣٩٠ ]
وهذا كله تقصير، وقد نهينا عما يشبهه فيما تتقدم، ولهذا كله بسط يطول معه الكتاب لو ذكرناه، فتركناه لئلا تخرج عن الحد الذي قصدناه من جمع شمل النوازل، وما قرب ضمه إليها من المسائل.
أين يكون التحاكم في مال غائب فيه التخاصم؟
في أحكام ابن زياد: كشف القاضي - وفقه الله - عن أمر قد أحاط علمه به تزايدًا من علم غيره إلى علم نفسه، فقال: إذا اجتمع الخصمان عندي فتداعيا مالا غائبًا عن موضعي، هل لي أن أنظر بينهما، والمال في غير بلدي؟
فقلنا: بإجماع. أن ذلك مما يجب على القاضي إن شاء الله، وإنما يتوقف عن النظر والفصل بالقضاء في المال الذي يكون في غير بلده، إذا لم يتقاعد الخصمان عنده لغيبة أحدهما، فيكون الواجب حينئذ، إذا أثبت الحاضر غيبة خصمه - أن يسمع منه جميع ما يدلى إليه، فإذا لم يبق إلا القطع والحكم بالقضية له؛ كتب إلى قاضي البلد الذي به المال بمبلغ نظره، فيكون ذلك القاضي المنفذ لنظر قاضي الجماعة مبتدئ النظر للحاضر القائم عنده هذا الذي مضى عليه فتيا أهل العلم وقولهم إن شاء الله.
قال القاضي:
في آخر كتاب الجدار لعيسى بن دينار في الرجل من أهل قرطبة تكون له الدار أو القرية أو الحق بجيان، فيدعي ذلك رجل من أهل جيان، ويريد مخاصمة القرطبي عند قاضي جيان حيث الشيء المدعي فيه؛ فقال: لا يدفع القرطبي معه إنما يتحاكمان حيث المدعي عليه.
قال: وأخبرني من حضر ابن بشير، حكم به وكتب به إلى بعض قضاته. وروي ابن حبيب عن مطرف بن عبد الله مثله.
قال: وكذلك لو كانت الدار في غير موضع المدعي وفي غير موضع المدعي عليه؛ لم يلتفت إلى ذلك، وكان الحكم حيث المدعي عليه. قال ابن حبيب: وسألت عن ذلك ابن الماجشون، فقال لي: إنما يكون النظر حيث المدعي والمدعي فيه ويسمع قاض ذلك الموضع من بينته وحجته، ويضرب لصاحب الدار أجلا على حال ما يصنع بالغائب، وإن كانت الدار بغير موضع المدعي، فحيث تكون، فإذا جاء صاحب الدار في الأجل؛ خرج أو وكل على الدفع عن نفسه والخصومة لها.
[ ٣٩١ ]
قال وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي مثل قول مطرف حرفًا بحرف. قال ابن حبيب: وهو أحب إلي، وأبين لدي، وبه أقول.
وقال فضل: مذهب ابن كنانة وسحنون في ذلك كمذهب ابن الماجشون، إلا إن كان أحد القاضيين جائزًا فالخصومة عند الأعدل. ومذهب ابن القاسم في القسمة من المختلطة كمذهب مطرف وأصبغ وعيسى وابن حبيب: أن التحاكم حيث المدعي عليه.
قال القاضي:
واختصرت بعض هذه المسائل تخفيفًا، وقد ذكرنا ما يحتاج إليه منها، ونبهنا على مواضعها لمن أراد مطالعتها في أمكنتها، فيما أوردناه يكمل جواب الشيوخ فيما قدمناه، والله نسأله توفيقه وهداه.
الشهادة في غيبة بهلول أنه عاب منذ حين طويل:
من أحكام ابن زياد: نظرنا - وفقك الله - في شهادة من شهد في غيبة بهلول أنه غاب منذ حين، وهذه غيبة لا يجب بها السماع عليه حتى تقطع البينة أنه غاب منذ حين، ولا يدرون أين غاب، فيكون حينئذ كالمفقود، ويجب السماع عليه، أو يقولوا: غاب غيبة منقطعة، أو يسموا بلدًا لا يبلغه الإعذار فيه. قال بذلك ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، وابن وليد، وغيرهم.
قال القاضي:
قولهم: حتى يشهدوا أنه غاب منذ حين أين لا يدرون، كلام غير مستبين؛ لأن الحين قد يكون ساعة أو شهرًا أو سنة، فحصره بأمد، أبين وأقوم للشهادة وأحسن.
قال مالك في مساع أشهب في جامع العتبية: يقال: حين يعرف، وحين لا يعرف؛ فمن الذي لا يعرف قوله: ﴿ومتاعا إلى حين﴾ (النحل: ٨٠)، وكذلك قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ (الإنسان: ١) يريد ما مضى قبل ذلك من الدهر، وقبل خلق آدم. قال: والحين الذي يعرف قوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ (إبراهيم: ٢٥) أي كل سنة.
وقال في النذور من المدونة: الحين سنة، فيمن حلف ألا يكلم رجلًا حينًا. وقاله ابن عباس وربيعة، ورواه ابن وهب عن مالك في الحين والزمان، وشك في الدهر أن يكون سنة.
[ ٣٩٢ ]
وقال ابن القاسم: بلغني عنه أنه سنة. وقاله ربيعة.
وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك في الحين والدهر والزمان في اليمين: سنة بسنة، إلا أن مطرفًا قال في روايته عن مالك في الدهر: إنه أكثر من سنة قال: ولا أوقت فيه وقتًا.
قال ابن حبيب: وقوله تعالى: ﴿ومتعناهم إلى حين﴾ (يونس: ٩٨) أي إلى آجالهم، ولكل حين معناه.
وفي العتبية في طلاق السنة في سماع عيسى: إذا غاب عن زوجة الزمان الطويل إلى مثل طنجة أو أفريقية، وشكت ذلك إلى القاضي؛ كتب إليه، إما أن يقدم إليها أو يحملها إلى نفسه أو يفارقها. وقضى به عمر بن عبد العزيز، قال مالك: وأرى ذلك وآخذ به.
قال ابن القاسم: وأما غيبة الحين الأمر القريب؛ السنتين والثلاث، إذا كان يتفق عليها، فلا يقضي عيه بالفراق، إلا أن طال ذلك. فقد أوقع الحين هنا على السنتين والثلاث.
وفي كتاب النذور لأبي عبيد عن ابن عباس وعكرمة فيمن حلف لا يفعل كذا إلى حين: هو ستة أشهر.
وقال ابن المسيب: الحين ما بين أن تطلع النخل إلى أن تجذ، وما بين أن تجذ إلى أن تطلع. وهو قول أهل العراق. وكذلك إذا قال: زمانًا أو دهرًا. وقال طاوس: إذا قال: زمانًا؛ هو شهران أو ثلاثة. وروي عن ابن عباس أنه قال: قد يكون الحين غدوة أو عشية.
قال القاضي: فكيف تصح الشهادة دون تبيين بما في هذا من التنازع ومحتمل هذه المعاني المختلفة، هذا لا تسمع به شهادة إلا بعد إيضاح الأمر، وتبيين العدد. وفي جوابهم هذا ما يعضد اعتراضنا على أبي عمر ابن القطا في جوابه في هذا المعن، وقد تقدم بنا والحمد لله.
[ ٣٩٣ ]
باب الأقضية والشهادات
وقد تقدمت منه مسائل متخيرات:
دار تنازع فيها مدعوها، واختلف الشهادات تفيها، وتضمنت ذكر رجوع الشاهد، وجرحته بعد الحكم:
من أحكام ابن زياد: فهمنها - وفقك الله - ما شهد به ابن عبيد وابن شراحبيل في الدار التي حكمت فيها سيدة ابنة رضوان وسعيدة، اللتين اختصمتا فيها، فادعتها سعيدة لنفسها، وادعتها سيدة لأمها، وأنها توفيت وقد أوصت بثلثها فيها، وثبت عندك أنها لرضوان، وحكمت بها لورثتها ولوصيتها، بعد الإعذار إلى سعيدة في ذلك وتأجيلها آجلًا واسعة.
ثم أتت سعيدة بابن عميرة وغيره فشهدوا أنهم يعرفون الدار لسعيدة، ووصفوا حدودها، وكان في شهادة الصدفي وصاحبيه الذين حكمت بهم أن حد الدار التي لرضوان كذا وكذا؛ فودنا في شهادة ابن عبيد وابن شراحبيل أنهما لم يعرفا الحد الجوفي، وفي شهادة رضوان أن الحد الجوفي هو في دار رضوان؛ فلم يكن في شهادة ابن عبيد وصاحبيه ما يدفع به ما شهد به شهود رضوان؛ إذ لم يعرفا الحد وعرفها شهدوها؛ فشهاتهما غير ظائرة لشهود رضوان، ولا يجب بها توقف الحكم.
ونظرنا فيما طعن به في شهادة سعيدة فوجدناها غير ظائرة للحكم ولو كان فيما شهد به عليه رجوع عن شهادته لما ضر الحكم ولا وجب التوقف، لأنك قد حكمت بشهادته وشهادة رجلين سواه، ولو لم يكن في الحكم غيره وآخر إليه ثم رجع عن شهادته مضى الحكم وغرم نصف قيمة الدار لسعيدة؛ لأن من حكم بشهادته وآخر إليه ثم رجع عن شهادته نفذ الحكم وغرم الراجع عن شهادته نصف قيمة ما حكم به لو بقي شاهدان سواه لم يغرم شيئًان ولو ثبت عليه سخطه حال لم يغرم شيئًا ومضى الحكم؛ لأن الحاكم قد اجتهد بقول أهل العلم، فكيف وليس فيما قاله ابن مسرور وابن رومان ما يوجب على سعيدة شيئًا. قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد.
وقال أيوب بن سليمان: أعلم لمن علمه ولا يقضي عليه لمن جهله، والشهود لرضوان قد أثبتوا دار سعيدة، وأنها بقبلي دار رضوان، وأثبتوا دار رضوان أنها بجوفي التي بجوفيها فلا نفع لسعيدة في هذا، لأن شهودها لم يشهدوا لمن الدار التي بجوفي دارها التي
[ ٣٩٤ ]
اجتمعت عليها الشهادات، فالدار الجوفية من دار سعيدة ماضية رضوان على ما عرفه فوقه، ولم تزدها البينة التي جاءت بها قليلا ولا كثرة على ما شهدت به البينة الأولى، وأما شهادة سعيدة فماضية إذ قد وقع الحكم بها والله الموفق للصواب.
قال القاضي:
أكثر كلامهم حشو لا يفيد علمًا ولا يزيد فهمًا، وما زاده أبو صالح أيوب بن سليمان منثور المعاني، وحشي المساق وركيك الألفاظ، بعيد عن البيان أشبه بالهذيان، كقوله: ولا يوقف الحكم ولا ينقض منه حرف فما فوقه، ما الذي أدخل الحرف في الحكم؟ والحروف إنما تضاف إلى الكلام لا إلى الأحكام، ولو قال: لا ينقض منه فصل، ولا يختل منه معنى، لكان بمراده أليق وبمقصده ألصق وأكد تلك الهجنة بقوله: فما فوقه وهذا من فخار قوله، ولم تزدها البينة التي جاءت بها قليلا ولا كثيرًا، ولو قال: لم تزدها بيانًا ولا أوجبت لها حقًا لكان أشبه.
وأعادوا الحد الجوفي عارًا من معنى وخير أعرى من جوف العين، وقالوا في الراجع من الشاهدين عن شهادته بعد الحكم بها: يغرم نصف قيمة ما شهدا به قولا مجملا ولم يبنوا هل أقر في رجوعه بتعمد الزور أم ادعى التشبيه والغلط؟، وهو موضع تنازع إن قال: نسيت أوش به علي ونحوه، فأكثر أصحاب مالك يقولون: لا غرم عليه وهو قول ابن الماجشون، وقال: هذا قول جميع أصحابنا بالمدينة؛ المغيرة وابن دينار وابن أبي حازم وغيرهم.
قال: قال ابن حبيب: وبه أقول، وهو أقيس، وروي عيسى عن ابن القاسم نحوه، وكذلك عنه في الموازية، وذكره ابن حبيب. وعن مطرف وأشهب وأسبغ أنه يغرم ما أتلف بشهادته، قال: تعمدت أو شبه علي، وهو ظاهر ما في كتاب السرقة من المختلطة.
وقولهم: يغرم نصف قيمة ما شهدا به، وهو كلام غير محصل، لأنهما قد يشهدان يما فيه المثل عن عين أو مكيل أو موزون، فإنما يغرم حينئذ المثل، ومسائل الرجوع عن الشهادة كثيرة متفرعة؛ في الدماء، والنكاح، والطلاق، وغير ذلك، واسيعابها في الواضحة، والموازية، وكتاب ابن سحنون وغيرها، والذي في المدونة منها يسير، في الأقضية، والعتق، والرجم، والسرقة.
وقولهم: إذا ثبت على الشاهد سخطه بعد الحكم بشهادته مضى الحكم ولا شيء
[ ٣٩٥ ]
عليه ولا على الحاكم، نحوه، في كتاب الرجم إذا قضى القاضي بشهادة رجلين لرجل بحق، ثم تبين له أن احدهما عبدًا أو مسخوط حلف المحكوم له مع شهادة الباقي وترك له المال، فإن نكل حلف الآخر ما عليه شيء، ورد المال إليه.
وفي غير رواية ابن وضاح قال أشهب: إن كان أحدهما مسخوطًا فالحكم ماض ولا يمين على المحكوم هل، قال ابن القاسم: وإن تبين أنهما مسخوطان أو عبدان ردا الحكم، وقال سحنون: لا يرد في المسخوطين، وفيه خطأ القاضي فتأمله.
شهادات في دار وذكر اعتقالها:
فهمنا - وفقك الله - ما شهد به لعبد الرحمن وكريا ابني يحيى بن مالكان هما ثلاثة أرباع دار بقرية مساس وريعها لأبيهما، وأن أباهما مات، وورثاه ولداه هذان مع باقي ورثته، وقبولك لشاهد منهم عرفته وطلب ويكيلهما عقل الدار، فالذي يجب أن ربع أبيهما من الدار يجب عقلته حتى يثبت بشاهدين موت أبينهما يحيى وعدة ورثته، ويجب عقل الثلاثة الأرباع التي لهما عقلا يمنع الموجود في الدار من أن يحدث فيها حدثًا إلا أن يأتي خصم الملغي في الدار بما يسقط به العقل. قال بذلك ابن لبابة، وابن وليد.
شهادة شاهد واحد بملك وموت ووراثة:
قال ابن لبابة: فهمت - وفقك الله - ما تنازع فيه المتكلم عن الصغير والمتعدي وشهادة الشاهد على ملك الدار التي للصغير فكيف يخرج احد عن ذلك بشهادة شاهد واحد؟ وكيف يورث؟ هذا لا يستقيم ولا يعرض لمن في الدار ويخرج حينئذ عنها. فأما يشاهد واحد، فلا يثبت به مال رجل موته وعدة ورثته فكيف ولمن شهد هذا الشاهد على عدة الورثة إنما شهد أنه يعرف من الورثة، وهذا غير معقول، والله أسأله التوفيق.
قال القاضي: قد تقدم هذا المعنى في أول الكتاب مستوعبًا متنازعًا فيه.
هل يكشف الشهود من أين علموا ما شهدوا به؟
فهمنا - وفقك الله - ما كشفت عنه من أمر الشهود؛ هل يسألون من أين علموا ما شهدوا أم لا؟ وليس عليك - أكرمك الله - كشفهم عن علمهم من أين علموا إذا شهدوا أنه كفؤ تمت شهادتهم، ووجب عليك إنكاحها. قاله ابن لبابة.
قال القاضي: قد بينا هذا المعنى في مضي. الله ولي الهدى.
[ ٣٩٦ ]
اختلاف الشهادة في الملك والقضاء لأقدمها تاريخًا:
فهمنا - وفقك الله - ما سأله عبد العزيز وكيل مروان من النظر لمروان وأخيه يوسف الذي هو في ولايته، وما ذلك من انقراض الآجال التي أجلت لخصمه في المدفع فيما ثبت من ملك المتوفي للملك المنسوب إلى غليب فيما دخله من الإرجاء لحمدون ابن عبد السلام، وما قام به عبد الله وكيل إبراهيم بن حمدون في ذلك من أربة أثبتها في داخل منزل غليب المنسوب إليه.
فالذي يجب في ذلك أن تكشف الشهود لمروان عن الوقت الذي يعرفون فيه المال بمنزل غليب ملكا لمروان، ومنذ متى يعرفون ذلك، وتكشف شهود إبراهيم بن حمدون في الأحقال التي ثبت ابتياعه لها من عبد ربه بن أصبغ في داخل المال المنسوب إلى ابن غليب وأنهم يعرفون الأحقال المبيعة ملكًا لبائعها من إبراهيم بن حمدون ولم يوقتوا للملك وقتًا فيكشفون عن ذلك، فإذا انكشفت التواريخ وجبت الملك لأقدم التاريخين، إلا أن يشكو للمشهود عليه في ذلك مدفع.
وسائر الأحقال المبيعة من المال المنسوب إلى غليب ترفع يد إبراهيم بن حمدون عن اعتمارها ويد مروان أيضًا بعد أن يحوز المنزل الشهود الذي شهدوا فيه إلى أن يأتي نظرك في ذلك على ما يجب بما يظهر إن شاء الله تعالى.
ويعجز إبراهيم بن حمدون عما ادعاه في هذا المنزل من الملك عن قرابته إلا ما أدخل فيه البينة المتعجلة، لأن طول الأعذار مما يوجب قطع الدعوى. قاله عبيد الله ابن يحيى، وإبراهيم وابن لبابة، وسعد بن معاذ، ومحمد بن وليد، وأحمد بن يحيى، ومحمد بن أيمن.
شهادات وتقييد القاضي لها:
فهمت - وفقك الله - الشهادات، وقول المعارض لا يجب على القاضي تقييد بها من أجل أن يكسنه لم يثبت موتها ولا عدة ورثتها، وتدبرت الكتب الثلاثة فوجدت عبيد الله ابن يحيى لم يشهد إلا في كتاب النكاح؛ لقوله: ويعرف الناكح والمنكح، ولولا قوله هذا لما عرفنا في أي الكتب شهد لأن هذه الشهادة مفرطة من الكتب الثلاثة.
ورأيت شهادات سعد بن معاذ وقعت في الكتب الثلاثة، فلم يشهد على موت يكسنه وعدة ورثتها وشهد محمد على كتاب الاشتراء وحده، وكذلك شهادة سلميان وشهادة
[ ٣٩٧ ]
محمد في كتاب الاشتراء وموت يكسنه وعدة ورثتها، فم يجب تقييد كتاب النكاح؛ لأنه لا يجوز أن يقوم به غير يكسنه أو ورثتها إذا ثبت موتها، وهو لم يثبت إلا بشهادة واحد.
وأما كتاب الاشتراء للغير ابنه أبي ثور فهو يجب أن يقيد، لأنه قد ثبت بشهادة محمد وسعد وسليمان، وقد نسخت في ذلك نسخة على ما أحببت، فلا أعدمك الله العناية بأمور المسلمين، وإدخال النفع عليهم، قاله محمد بن لبابة.
قال القاضي:
انظر قوله: إذا ثبت موتها، وهو لم يثبت إلا بشاهد واحد، وإنما كان يجب أن يقول: وهو لم يشهد به إلا شاهد واحد، لأنه قد قال: إذا ثبت فأعطي أنه لم يثبت، ثم قال: وهو لم يثبت إلا بشاهد واحد، فأوجب إثباته فصار تناقضًا في المعنى، وهو خطأ في الفقه لأنه لا يثبت إلا بشاهدين.
شهادة في عمري دار وبيعها والإعذار فيها:
قرأنا - وفقك الله - الشهادات التي شهد بها لسوسة في ملك الدار وعامرها ابنتها وقرأنا الكتاب الذي عارض الشهادات ببيع ابنتها للدار من المعارض للشهادات، فرأينا الشهادات الواقعة لسوسة تامة انظر بها واجب بعد الإعذار إلى ابن فطيس في ذلك، فإن أثبت اشتراءه بعلم سوسة ومحضرها سقط شهادتهم، وإن لم يثبت ذلك أعذرت أيضًا إلى ابنتها فاطمة البائعة.
فإن لم يكن عندها مدفع في ذلك، نظرت لسوسة بالحكم لها إن شاء الله واعديت ابن فطيس على ابنتها بالثمن قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وسعد بن معاذ، وابن وليد، وأحمد بن يحيى، وحمد بن أيمن.
شهادات في هبة نصف دار اعترض فيها:
نظرت أكرمك الله في كتاب ما وهبت كنزة وقرأت الشهادتين، فرأيتها تامة في الكتاب وفيها لابن محمد بن يوسف مقال بأن قال: إن الهبة التي بها تتم لم تصح بهذه الشهادة، لأن الواهب قال بانقطاع المدخل والمخرج عن نصف عمر وفتح بابا كنزة في نصفها، ولم يكن في هذا شيء فلم تتم الهبة في نصف الدار.
فقلت له: إن الأب هو الحائز فقال: هذه دار مشاعة، وبقي إبراز النصف، فلم يبرزه فسقطت الهبة، وأنا أرضى بيمين كنزة في مقطع الحق إن أباها أبز لها هذا النصف
[ ٣٩٨ ]
ولم يسكنه طول حياته إلى أن مات، وقد قطعت عنها طلبي، فرأيت أن الذي دعا إليه إنصاف، ثم قال: وإن شاءت أقمت أنا البينة أنه لم يزل ساكنًا فيها جمعًا، فتنظر أنت في ذلك إن شاء الله.
وأما ما ذلك أن ضرب الأجل لا يجب إلا بتمام الشهادة فصدق إنما يضرب الجل بعد تمام الشهادة، فأما قبل تمامها الذي به تصح فلا يضرب والله الموفق للصواب برحمته. قاله محمد بن عمر بن لبابة.
قال القاضي:
هذا الجواب غير مهذب ولا ملخص، ويطول علينا تبين ما يتم به وما ينقص منه وأما هبة المشاع فعلى وجهين: إن وهب الواهب نصيبه من دار باقيها لغيره، وتخلى عن نصيبه واحتازه الموهوب له وحل فيه مع من له باقيها محل الواهب في صحته، فهذا جائز، نافذ ولا خلاف فيه، بين مالك وأصحابه.
وأما إن وهب جزءًا من نداره أو مزرعته لأجنبي أو ابنه الصغير في حجره، واستبقى باقي ذلك لنفسه وحاز ما وهب لابنه أو حاز الأجنبي ما وهب له في صحة الواهب، فالهبة جائزة في قول مالك وأكثر أصحابه، وكذلك في المدونة والواضحة والعتبية في مساع ابن القاسم وغيره.
وخالف أصبغ فقال: لا يعجبني هذا ولا ينفذ، كمن تصدق بمائة من غنمه ولم يفرزها بعينها ولا وسمها، وهو آخر قول مالك في الغنم، وقد كان يقول إذا تصدق على ابنه بعدة منها غنمه كما هي، إن ذلك جائز.
اختلاف الشهادات في سكنى الواهب نصف أملاكه مشاعًا دارًا منها هي أكثر ثلثها حتى مات:
وهب رجل لابنه الصغير نصف أملاكه مشاعًا بقرية كذا من عمل طليطلة، في دورها وأرضيها وزرعها، وفي أثوار الحرث بها ودوابه وآلته، وفي القرية دار هي أكثر من ثلث أملاكه، فسكنها الواهب بنفسه ومتاعه حتى توفى فيها، وخرجت منه جنازته، وثبت ذلك عند القاضي بعدول، وشهد أيضًا عدول إنما كان يسكن بطليطلة ويختلف إلى القرية فتوفي فيها ونزلت سنة ستة وخمسين وأربعمائة.
وكشف شيوخنا عن أي الشهادتين أعمل؟ وكيف إن طلب الصغير الموهوب له
[ ٣٩٩ ]
من تركة أبيه النصف الموهوب من الأثوار والآلة والزرع والدواب، وكانت وفاة الواهب بعد الهبة بأعوام، ولا توجد بينة تشهد له على عين شيء من ذلك، ولا على أن الواهب بعد الهبة بأعوام، ولا توجد بينة تشهد له على عين شيء من ذلك، ولا على أن الواهب عين رسمًا منه؟ وهل يضاف ذلك بالتقدير إلى الأصول حتى يعرف أن الدار المسكونة أكثر من ثل الجميع أم لا يضاف ذلك إلى الأصول، ويلغي ما كان معها من مجهول؟
فجاوب ابن عتاب:
يقضي باعدل البينتين؛ هذا في سكنى الأصول، فإن كانتا في العدالة سواء بطلت الشهادتان؛ إذ هو في التهاتر، ثم ينظر، فإن قامت بينة أن الواهب أخلى الدار من نفسه وثقله سنة في الهبة، وإنما عدا إلى سكناها بعد أن أخلاها سنة، فالهبة في الأصول نافذة جائزة على مذهب مالك في رواية ابن القاسم وغيره عنه، وبه أقول.
وإن لم تقم بينة بذلك فهي باطل وترجع ميراثًا، ولا شيء للصغير من الزرع والدواب وسائر ما ذكرت في تركة أبيه، ولا ينفذ له منه شيء، إذا لم يعينه الواهب عند الإشهاد وهو ميراث لجميع الورثة، وإنما ينظر في سكنى الواهب إن كان الثلث أو دونه من الأصول، والدور، والأرضين، والثمار دون أن يضاف إليه العروض والماشية، هذا الواجب في ذلك.
وقال ابن مالك: أما الإشعاع فليست بعلة توهن الهبة، وبهذا مما قيل في ذلك أقول لحديث البهزي وما شاكله، وأما اختلاف الشهادتين في أمر الدار، فالشهادة بصحة الحوز أعمل لوجوه من النظر يطول شرحها مع موافقة الروايات في مثل ذلك.
وأما ما لم يعين من الأشياء الموهوبة بأعيانه بتوقيف الشهود عليها أو يوصف بتحصن به تمييزها؛ فباطل لا ينفذ، وليس هذا بناقض الروايات في مثل ذلك.
وأما ما لم يعين من الأشياء الموهوبة بأعيانه بتوقيف الشهود عليها أو يوصف بتحصن به تمييزها؛ فباطل لا ينفذ، وليس هذا بناقض لما قدمت من إجازة هبة المشاع وإن كان لم يكمل تعينه من أجل الإشاعة.
فإذا بطلت الهبة في تلك الأشياء فكأنها لم تكن فيها هبة قط ووجب إلغاء ذكرها فلا الموهوب له يتبع بشيء منها ولا يحتاج إلى السؤال عما تضاف إليه في التقدير، وكذلك جعلها ابن القاسم لغوًا كأن لم تكن فيها هبة قط رواه عنه عيسى في كتاب
[ ٤٠٠ ]
الحبس والصدقات والهبات من المستخرجة، والله سبحاه أعلم بالصواب وأولى به، وأتى السؤال على بصره بالفقه فلهذا جاء جوابي على هذا السياق.
قال القاضي:
تشتمل هذه المسألة على ضروب من الفقه وفنون من العلم، أشار إليها المفتيان وأحلا عليها، وإن كانا لم يبيناها ولا أعربا عنها، وأنا أبين ذلك وأبسطه بالاختصار والتجميل مجانبًا للتطويل وحسبنا الله ونعم الوكيل، فأما قول ابن عتاب: يقضي بأعدل البنتين في السكنى فإن تكافأتا سقطتا، فالرواية منصوص كما ذلك في المسألة بعينها.
قال أشهب في كتاب ابن عبدوس: من أقام بينة في أمة بيد رجل أنها لأبيه مات وتركها ميراثًا لا يعلمون له وارثًا غيره، وأقام آخر بينة أن أبا هذا الطالب تصدق بها عليه وحازها عنه، فإن قالت بينة ابن الميت أنها لم تزل في يد الميت يختدمها حتى مات قضيت بأعدل البينتين، فإن تكافأتا فهي بينة ابن الميت.
قال: ومن أقام بينة أن أباه تصدق عليه بعبد فقبضه وقامت بينة أنه لم يزل في يد الأب حتى مات، قال: إذا فات إيقاف الشهود قضيت بأعدلهما لتكاذبهما وإن لم يفوتا وقفوا، فإن رأى في إحدى الشهادتين ما هو أقوى من الآخر قضى بذلك مثل أن تقول بينة تشهد أنه كان يخدمه في مرضه كما كان يخدمه في صحته، وقالت الأخرى نعلم أنه حاز، ولا نعلم ما قلت هذه، أو تقول بينة الحوز أنه لم يزل في يد المتصدق عليه حتى مات المتصدق، وتقول الأخرى لا علم لنا بهذا، ولكن رأيناه يختدمه، فتكون بينة الحوز أولى.
وإن لم تتكافأ في القوة قضيت بأعدلهما، وإن تكافأتا في العدالة فالصدقة باطل، فهذا نص لقول ابن عتاب وله نظائر يطول اجتلابها في المدونة وغيرها.
وخالف ابن مالك في ذلك فقال: الشهادة بصحة الحوز أعمل لوجوه في النظائر يريد أن شهادة من أحق الحق وأثبت المطلوب أولى من شهادة من شهد بما يبطلها، ومتى شهد العدل بشيء لم ترد شهادته بأنه ليس كما شهد، إنما ترد بالتجريح بما يسقطها.
وقد تقدمت من هذا المعنى مسائل في العيوب، وقوله مع موافقة الروايات في مثل ذلك يريد مثل ما في الموازية في شاهدين في رهن على حيازته، وشهد آخران أنه لم يجزه، قال: شهادة الحوز أولى وكذلك في المجموعة عن المغيرة وابن الماجشون.
[ ٤٠١ ]
وفي كتاب ابن سحنون عن سحنون ونحوه عنه في نوازله في العتبية، وقال ابن المواز: وأحسن ذلك أن يقضي بينة من ذلك يده، وقول ابن عتاب: إن قامت بينة الواهب أحلى الدار من نفسه وثقله سنة بعد الهبة ثم عاد إليها بعد البنية، تقدمت الهبة، فهي زاوية ابن القاسم كما قال في سماعه وسماع عيسى بن دينار، وكذلك عنه.
وعن أصبغ في كتاب ابن حبيب، وفيه خلاف لمطرف وابن الماجشون أن الهبة والصدقة تبطل برجوع الواهب إلى سكنى الدار، وإن كان قد أخلاها الزمان الطويل إذا سكنها في رجوع حتى يموت، وبه أخذ ابن حبيب وبالأول جرى العمل.
واتفق ابن عتاب وابن مالك في الدار أنها إنما يقدر الثلث فدون من الأصول المعروفة الموهوبة دون أن يضاف إليها ما ذلك معها من حيوان وشبهه مما لم يشهد بعينه ولا بصفته، وهو الصحيح لأنه لم تثبت الهبة فيه ولا حيازته فيبطل، وقول ابن مالك ما لم يوقف الشهود على عينة ولا وصف بما يتحصن به تمييزه باطل، وهو قول أصبغ في سماع عيسى في رسم سلف دينارًا في ثوب.
قال ابن القاسم: وسألت مالكًا عن الرجل يتصدق على المرأة بالخادم فتخدمها وتخدمه، هل تراه حوز؟ قال: نعم.
والخدمة عند مالك إنما تكون على الزوج إذا لم يكن للمرأة خادم دخلت بها من صداقها، وقاله أصبغ وكذلك الأمتعة والوطاء والثياب وفرش البيت وآنية المنزل في ذلك كله إليها تصدق به على صاحبه يريد من الزوجين فهو حوز وإن أقراه في المنزل بينهما وتواطأه جميعًا وانتفعا به.
إذا أعلن الصدقة به أشهاد وبالسداد لها وبالتخلي منه إلى الآخر، وإن لم يعاين الشهود، الدفع والقبض ولا عرفوه بعينه، إذا كان موصوفًا وهذا أمر المسلمين عامة، والحرة وأم الولد في ذلك سواء إذا تصدق عليهما بمتاع البيت من حلي وغيره.
قال القاضي:
هذا الذي أفتى به ابن مالك في ذلك، وقوله: ليس هذا يناقض لقولي بجويزي هبة المشاع، هو كما قال لأن هذا الذي لم يعين بالنظر إليه ولا بصفة محيطة كالمعدوم المفقود غير الموجودة، فهو كلا شيء، وأما المشاع فمعلوم العين معروف المكان محدود الأقطار، فلا يضره شياع الموهوب فيه عند الأكثر.
[ ٤٠٢ ]
وقوله فإذا بطلت الهبة في تلك الأشياء فكأنها لم تكن فيها هبة ووجب إلغاء ذكرها، وكذا جعلها ابن القاسم لغوًا كأن لم تكن فيها هبة، قط إلى آخر كلامهم، إنما عني ما في كتاب أمهات الأولاد من سماع عيسى في كتاب الوصايا فيمن تصدق أو وهب ولم يجز ذلك عنه حتى مات، ولم يذكر ذلك في مرضه وأوصى بوصايا.
قال ابن القاسم: فإن الوصايا تدخل في تلك الهبات والعطاي التي لم تحز عنه إذ قد رجعت مالًا من ماله تورث عنه، وكأنه لم يعقد فيها هبة، هذه المسألة التي أراد ابن مالك وفيها طول، قد ذكرنا منها المعنى الذي أراده.
ولأصبغ في سماعه في كتاب الصدقة خلافه، قال: تطرح تلك الصدقة التي لم تحز عنه من رأس ماله، وتكون الوصايا في ثلث ما بعدها، وترجع ميراثًا، هذا بيان ما أراده ابن عتاب وابن مالك في جوابهما في هذه المسألة.
وإذا تدبرت أجوبة شيوخنا الذين حملنا عنهم وتفقهنا عليهم، وجدتها أدل على العلم وأجمع لمعاني الفقه من أجوبة الشيوخ قبلهم على من تأمل ما أوردناه عن الفريقين في كتابنا هذا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
شهداء عرفاء البنيان والقسام في عيوب الدور:
قال القاضي أبو بكر ابن زرب في مسائله: قد دخل عرفاء البنيان إلى أن يشهدوا في قيمة عيوب الدار، وقد شاورني بعض الحكام فيه فقلت له: وما الذي يمنعهم من الشهادة في هذا؟ فقال: إنما هذا للقسام الذين يعرفون قيمة الدور ويشهد العرفاء بالعيوب، ويقدر القسام ما ينقص العيب من الدار، فقلت له: وإذا كان العرفاء يعرفون قيمة الدار ثم أنكرت أن يشهدوا في مثل هذا أو عدول من غير العرفاء وغير القسام، فقال لي: بلى إذا كانوا عدولًا غير مغفلين جازت شهادتهم في هذا، إلا أن المفتي إذا استفتى في مثل هذا يجب له أن يفتي بأن يقول سئل عن هذا أهل البصر بالعيوب فيتخلص، فإن كان العرفاء أو غيرهم من أهل البصر جازت شهادتهم في ذلك.
قلت له: إن العدول من أهل كل ربض أدرى بالسداد من القسام، وشهادتهم أصح وأولى أن تسمع من القاسم؛ إذ المعلوم في القسام أنهم لا يشهدون بالأجرة ما جازت شهادتهم فيه.
[ ٤٠٣ ]
مسائل من الرجوع عن الشهادة:
في مختصر أبي بكر ابن أبي يحيى: إذا شهد شاهدان على رجل بنكاح امرأة، وشهد عليها آخران بالدخول، ثم رجع الأربعة عن الشهادة فعلى شاهدي النكاح ثلاثة أرباع الصداق، وعلى شاهدي الدخول الربع، وإن شهد اثنان بالنكاح، وشهد آخران بالفراق عنه بالرجم رجع واحد من الشهود، ثم تمادوا في الرجم، فأوضح موضحة، فرجع ثان ثم تمادوا في رجمه حتى قتل فرجع آخر، قال: لو لم يجع هذا الثالث لم يكن على الآخرين من رجوعهما شيء، فعلى الراجع الأول سدس دية العين وعلى الثاني خمس دية الموضحة وسدس دية العين، وعلى الراجح بعد قتله ربع دية انفس فقط؛ لأن دية النفس تأتي على ما قبل ذلك، وفي غير رواية ابن نطرف وقد قيل على الثالث أيضًا خمس الدية وسدس دية العين، والأول أصح.
استئناف الشهادة عند حكم ثان إذا لم يشهد الأول بقبولها:
فهمنا – وفقك الله – أن شهادات وقعت لابنة ابن مزين فيما تنازعت فيه مع ابن عمها، وأنه لم يكن من القاضي إشهاد في قول تلك الشهادات تقييدًا لها لعلل دخلتها، واختلف أهل العلم فيها من أجل تلك العلل، فبقي الأمر ذلك إلى أن صرف النظر بينهما إلى سلمة بن علي الوزير، وقلت – وفقك الله: إن الوزير سلمة سلمه الله، أوصى بان تبعث إليه بتلك الشهادات، فكشفتنا عن هذا.
فالذي نقول به في ذلك على مذهب أصحابنا وقولهم: اء ذلك لا يجب عليك، لأنك لم تكن قيدت الشهادات بقبول أشهدت عليه، وعلى من صار النظر إليه ابتداء النظر فيها، قال بذلك أيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ.
الشهادة لأبي جميل في وراثة ابن أبي عطيف:
فهمنا – وفقك الله – ما شهد به لأبي جميل بأنه المحيط بوراثة ما هلك عنه محمد بن أبي عطيف على ما وقعت به شهاداتهم وشهادة عبد الله بن محمد بن عتيلة، وتعديل محمد بن لبابة ومحمد بن وليد، وقالا فيه إنه عندهما من أهل العدل والرضى، وما شهد به عبيد الله بن يحيى، مما صح عنده كصحة اليقين، أن أبا جميل وارث ابن أبي عطيف إلى ما جاءك عن محمد بن جنادة قاضي أشبيلية في كتابه إليك أنه ثبتت عنده أن أبا جميل وارث ابن أبي عطيف وأنه ابن عمه.
[ ٤٠٤ ]
فرأينا شهادات أوجبت لأبي جميل وراثة ابن أبي عطيف لقبول من قبلت من الشهود إلى ما تظاهرت به الشهادات لأبي جميل على ما ثبت له من وراثة ابن أبي عطيف والإعداء له تركته، قال محمد بن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، وسعد بن معاذ، واحمد بن يحيى، وأحمد بن بيطير، ويحيى بن سليمان.
شهادات في موت ووراثة ودعاوى في مال العجلي:
تصفحت – أكرمك الله – الشهادات، فوقعت شهاداتي على التراضي الواقع في الكتاب، وعلى معرفة قاسم وزوجة، ووقعت شهادة عمر على مثل ذلك، وعلى موتها وعدة ورثتهما ومعرفة أعيان بعضهم، وشهد ابن بيطير على المراضاة، ومعرفة قاسم وزوجه وموتهما، وعدة ورثة قاسم، ومعرفة عين الصغير، فبقى شاهد يشهد بمثل شهادة عمر وشهادة زكريا، فإنها تامة إذا ثبتت ثبت الوراثات، ووجب الإشهاد على ما ثبت عندك بعد الإعذار إلى عمر بن وليد عن الصغير في المراضاة، لأنه غير وارث زوجة قاسم، ولابد من إعذارك إلى من يليه أو ترجى له الحجة، قاله محمد بن لبابة، ومحمد بن وليد.
أتاني – أكرمك الله – فلان بكتاب، فذكر أنك امرأته بالوقوف إلي لإقراره، وأكتب إليك بما يجب إن شاء الله، وعما يطلب العجلي من أخذ نصيبه من دين أمه، فقد شهد ابن بيطير بمثل شهادة عمر، فالذي طلب من ذلك هو من حقه؛ إذ قد ثبت عند الدين وموت العجلي وعدة ورثته وموت امرأته المطلقة صاحبه الدين، وعدة ورثتها.
إلا أنه يجب على ابنها أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما علم أمه قبضت من أبيه من الدين الذي بذكر أنه باق عليه شيئًا، ولا أحالت به أحدًا ولا استحالت به على أحد في علمه، فإذا حلف أعطى فرضه منه، يؤخذ له مما ثبت من مال أبيه والجارية إن كانت بكرًا فلا يمين عيها، ولها حقها، ولو كانت ثيبًا أو ذات زوجن وكانت غير مولى عليها لحلف في حصتها، فهذا وجه انظر في هذا إن شاء الله تعالى، قاله ابن لبابة.
توقف القاضي عن إمضاء الحكم لاعتراض الشهود عليه فيما استحلفته موروثته من عاصب وارث، وفي بيعها في مرضها ولم تعاين البنية دفع الثمن. كشفتني – وفقك الله – عما وقعت الشهادات فيه، واعترض المشهود عليه بما اعترض، وتوقفت عن تقييد الشهادات باعتراضه، لتعلم بالشورى موقع ما اعترض به هل يعلق أم لا؟ وكذلك فعل القاضي – وفقه الله – التوقف عند الشبه، فزاد الله في توفيقه،
[ ٤٠٥ ]
وحسن على المسلمين أيامه ونظره.
شهد قوم أن المرأة التي كانت زوج محمد بن سلمة أشهدت على كتب فيها بيع بثمن كبير، وعلى أفعال من نحو ذلك مولاة أقرت لها، وقال الشهود في شهاداتهم إنها كانت مريضة مرَا لا تمنع به القاضء في مالها، وأن يكون فعلها في ذلك الوقت كفعل الصحيح، فكان رأينا بإجماع: أن الشاهد العدل مقبول القول لا يدافع فيما قاله. ثم لا سيما إذا كان من أهل العلم، كالذي شهد في هذه العقدة.
وكان لها عاصب ثابت النسب أو استحقت عاصبًا بقولها أقرب له بمثل قعدد الثابت إذا كان العاصب قبل أيضًا، إنما ثبت بإقرار متقدم لا إقرارها للآخر.
فقلنا في هذا: إن العاصب الذي أقرت به أولا أقعد من الذي أقرت به آخرًا، إذ كان هذا وهذا بإقرار وإن كان الأول ثبت بشهادة فهو الأحق على كل حال، فملا ثبتت شهادة العدل الفقيه أنها في وقت إشهادها ممن يجوز فعلها كان ما أشهدت به ماضيًا، فاعترض العاصب الثابت بان قال إنما أدخلت على من هذا العاصب الثاني مسترابة في جانبي وهاربة بميراثها عني إلى غيري.
فإذا كان هذا أوجب أن يكون فعلها وما أقرت به أنها عقدته لهذا العاصب مولجًا إليه، فقلنا له: فما الدليل على قولك هذا؟ وما الظهير الذي ترجو به رد ما وقعت به الشهادات عليها؟ فقال: عدم العاصب، وأنه ممن لا يملك مثل هذا لإقلاله، وغيبة عين الثمن، فلم يظهر عند ذلك البيع، ولا ألفى في تركتها، فيصير وجود الثمن ظهيرًا قائمًا، فرأينا ما احتج به إن ثبت عندك ما قال يوهن ما عقدت، ويدل على أنها ذهبت مذهب الحيف وإزاحة المال عن وارثها، كما رجت أن يكون استحقاقها نقصًا على الغاصب الأول.
وقد يمكن أن يكون يحتج محتج فيقول وقد يكون عديمًا فيجد السلف فيبتاع بمال غيره، فيجب أني قال له: إذ قد استبريناك فأثبت الأسباب التي تذهب المريب عنا فيك، والشك في أمرك، وإلا وجب التوقف إن شاء الله تعالى، قال بجميع ذلك أيوب بن سليمان، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن غالب، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبد العزيز.
وقال ابن لبابة: فإن لم يظهر الثمن إذا كان ببيعها في مرض قبل أد الثمن إذا لم يظهر دفعك للثمن أولا أو انحل.
[ ٤٠٦ ]
قال القاضي: ما أبعد كلامهم من البيان الصواب، وما أكثر حشوهم في الخطاب رحمنا الله وإياهم وتجاوز عنا وعنهم.
من طلب امرأة عند قاض فأنكرته، وأراد صرف نظره إلى غيره من الحكام:
قام عندي رجل بكتاب فيه ذلك حق على امرأة، فأنكرت ذلك الحق، فأتى بينة لم أعرفها، فقال الطالب: إن كنت لم تعرفهم ولست أقدر على تعديلهم فدعني أمضي إلى غيرك من الحكام، فقالت المرأة: وكيف بعد أن أنكرت وأتى ببينة لم تقبلهم، وأنا أرجو أن تجره وتقطع طلبه وتعنيته عني، وكيف يخرجني من عدلك إلى من ليس مثلك من الحكام؟
الحواب في هذا إلى اجتهادك، إن كان ما أدخل بينه مشبهة قد يقبلها حاكم ويجعلها آخر، فما بأس أن تكشف عنها، فلعل حق الرجل يصح عند غيرك من غير أن يكون في ذلك قطع بينة، إن كانت بينة ضعيفة، ليس مثلها يرجى قبلها، فلا تخرجها من عندك، واستمر في نظرك كما نظرت في مثل هذا من العجيز، قاله محمد بن عمر بن لبابة.
قال القاضي:
هذا ألحن الفقه، ولو سوغ الناس هذا وشبهه لكان عونًا على التشعيب وتطويل الخصام على المطلوب، وهم لا يجيزون له التوكيل على الخصام بعد مجالسة المطلوب عند الحاكم، إذا كانت مجاهرته إياهم قد تكررت مجالسة المطلوب عند الحاكم، إذا كانت مجاهرته إياهم قد تكررت مجلسين أو ثلاثة، وانعقدت بينهما مغالات إلا بعذر بين للحكم به، فكيف يسعه ترك النظر في أمره بعد إنكاره مطلوبته وشهادة ببينته؟.
هذا مما لا ينبغي أن يقول به أحد، ولا يبيحه حاكم مع ما فيه من إزالة الحكام، والاستخفاف بهم، والتعويض بمسامحة بعضهم.
وقد أجازوا تحكيم المتداعيين رجلا يحكم بينهم. قال مالك: وينفذ حكمه عليهما، قال ابن القاسم: وإن قضى بما اختلف فيه، وقال ابن حبيب: قلت لمطرف وابن الماجشون: هل للخصم أن يرجع عن رضاه بتحكيم الحكم قبل الحكم أو بعده؟ فقال لي مطرف: له النزوع عن ذلك في مبتدأ أمرهما، وقبل نظره في شيء بينهما، فأما بعد تشوبهما في الخصومة عنده ونظره في شيء من أمرهما فلا نزوع لواحد منهما، وقد لزمتهما المخاصمة والتمادي فيها، وما جرى من صواب حكمه ورأيه.
[ ٤٠٧ ]
وقال لي أصبغ مثله، وشبهه بالخصمين إذا تواضعا الخصومة عند القاضي، فليس لواحد منهما أن يدعها ويوكل مكانه غيرها وكذلك إن وكل فليس له أن يعزله ويوكل غيره مكانه، أو يتولى هو المخاصمة إذا كان قد تواضعا الخصومة والنظر فيها بالمقاعدة وشبهها.
وقال لي ابن الماجشون: إذا أشهدا على رضاهما بتحكيم المحكم فلا نزوع لهما لا قبل المواضعة ولا بعدها، ولا قبل الحكم ولا بعده، ولو كان لهما النزوع قبل الواضعة أو قبل الحكم ما لزمهما ذلك بعد المواضعة أو بعد الحكم، ولو كان لهما النزوع قبل المواضعة أو قبل الحكم ما لزمهما ذلك بعد المواضعة أو بعد الحكم، فإذا كان مطلقين منه قبل ذلك، قال ابن حبيب: وهذا أحب إلي، ولا يشبه هذا التوكيل على الخصومة، بل هو كالمولى عليهما في ذلك الأمر بعينه.
قال القاضي:
فهذا كله يؤيد أنه لا ينبغي للقاضي أن يحل من ابتداء التحاكم عنده رجاء أن يظهر عند غيره، بل يعجزه إن عجز، ويقطع عن المطلوب تعنيته إياه، وكان ينبغي لراغب في مثل هذا أن يختار لنفسه الحكم الذي يظن ظهور حقه عنده، وأما بعد ابتدائه عند حكم يريد العدول عنه إلى آخر فغير سائغ له، وقد كان من ينزل به من الحكام ذلك بقرطبة يوكل بمن بلغه عنه مثل ذلك في الرجوع إليه لإتمام محاكمة إليه وهو الذي لا ينبغي غيره ولا يتسامح في سواه وبالله التوفيق.
من مات قبل تمام القضية عليه، وقد كان أعذر به:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرت من أنك كنت أعذرت إلى خلف فيما كانت أثبته فاطمة عليه في الجنة التي بالرملة، وأجلته فيما ادعى أجالًا انصرمت وكنت على فصل القضاء عليه لقاطمة، فعجلته المنية.
فيجب في ذلك أن تمضي نظرك لفاطمة على ما ثبت لها وتذكر ضرب الآجال على خلف حتى ظهر عجزه، ووجب الحكم عيه فعاجلته المنية، وأن توقف لورثته ثمن الجنان الذي وجب على فاطمة رده إلى ورثة خلف حتى يثبت عندك عدة ورثته وأعيانهم، فتنظر في ذلك بما يجب – إن شاء الله – قال بذلك محمد بن لبابة، وقال تدخل المرأة في الجنان، التي حيزت لها، وثبتت حيازته عندك، وقال بذلك أيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
[ ٤٠٨ ]
النظر في أسباب مواريث بني البراء بأمر الأمير أعزه الله
قرأنا – وفقك الله – ما كتب به الأمير – أعزه الله – من النظر بين بني البراء في مواريثهم، وأن تمسك عن انظر بينهم للمعدم، وأن تسمع من البينة فيه، وذكرت أن بينة شهدت عندك في دار من دور البراء أنها رهن لبعض القوم، وفيهم من يرجى تعديله، وذكر مدخلهم أن عنده من البينة سواهم. وقال: بعض: أن تدخل تلك الدار في الميراث معجلًا.
فالذي يجب فيه أن يستأنى في أمر هذا الدار، وتثبت فيها حتى ينكشف لكل حقيقة الأمر، وما يجب به انظر، قال عبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، وقال: ما بيع بيت مال المسلمين من التثبت فيه والاستنابة حتى تنكشف حقيقته وتنضح أسبابه، وقاله ابن وليد، وسعد بن معاذ، وابن لبابة، وغيرهم.
رغبة ابن حمدين أن يخرج من السجن لإحضار كتب يراها الفقهاء، وتوكيل على بيع منية مرهونة، وتنفيذ وصية:
إن الخصومة – أبقاكم الله – تبين عن كل دقيق، فإذا كثر لفظ قول الخصمين أو أحدهما ظهر المستور، وانتقلت الفتيا وصار نظري إلى التوقف بالحادث من كلام الخصوم، وهو الواجب على أن أتوقف عن الشبهة من الأمور، وقد أجبتموني في أمر ابن حمدين جوابًا عقدته بخطوطكم، وتوركت عليه.
فلما خرج ابن حمدين قلت له: إن الكتاب ينطلق بتوكيلهكما المرتهن على بيع الرهن، وأنا إن نظرت فلابد من ثبوت حوز المنية لمعرفة مواقف حدودها، وليكون ما يحتاز منها للوصية معقودًا وتسلط البيع على عين قائمة، فقد كان تنفيذ الوصية إلى حكم الورثة، فقال ابن حمدين: فليمض المرتهن على وكالته في بيع الرهن، فلا يحتاج القاضي إلى موافقة المعضل وهو يجد سبيلًا إلى غيره.
ثم ذلك أن بيده كتبًا فيها علل، وهي كثيرة في اللفظ، ولا أخالها عند العيان إلا أكثر اعتياضًا، وطالب الحق يطلب نظري والمحبوس يرغب في الانطلاق، وأنا مقصور على السنة، بحيث تقدمت أو تأخرت صرت، وأنتم الأئمة، وعن رأيكم أصدر، فاكتبوا إلي برأيكم في ذلك؛ لأعمل به إن شاء الله.
[ ٤٠٩ ]
وكان فيما طلب ابن حمدين أن أكتب إلى أصحاب الحبس أن يطلقوه فيمضي إلى إخراج ما عنده من الوثائق التي أحببت أن تسمعوها وتجيبوا عليها فإن يكن من حقه فعلت إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن غالب: قرأنا ما كشف عنه القاضي – وفقه الله – والذي طلب ابن حمدين من الخروج بملطي ليحضر بالكتب من حقه إن شاء الله، إلا أنه إذا أخرج كتبًا بدت فيه معان توجب لبسًا وطولًا في النظر، وامتنع من أجل ذلك بيع الرهن لتحصيل الغلل، ولم يكن له مال غيره، فثبوت ذلك عندك وإطلاقه بالحميل واجب حتى يناظر في الكتب، ويقيم الحجة عن نفسه، وإن كان له مال غير هذا كان محبوسًا حتى يبيع من ماله ما يقضي به عن نفسه، لأن الوثائق تتخذ عدة لمن يكتبها، ليس أن يعني معها ويطول عناؤه، وقاله ابن لبابة.
طلب ورثة أبي ريان التجيبي باليمين أنه ما ورث عن أخيه شيئًا:
أشرتم علي رحمكم الله بوجوب اليمين على التجيي لورثة أبي ريان. إذا ادعى التجيي أنه لم يرث شيئًا عن أخيه الذي استودعه موسى بن زياد، إذ كان قاضيًا قطيعًا من تركة أبي ريان، فأوصت إلى التجيي بما أشرتم به من وجوب اليمين عيه، فقال عندي: ما أسقطها به عن نفسي، فقلت: وما ذلك؟ فقال: بينة عدل تشهد عندك أن أخي مات فقيرًا.
فقال ورثة ريان ليس هذا مما يسقط عنه اليمين، فإن البينة لا تعلم الغيب وإنما تشهد بموته فقيرًا في علمهم، وقد يملك ما لا تعمه البينة؛ من ناض يستتر، وجوهر مما تحويه البيوت، ونحن نقول: إنه هلك عن مالك وصل إلى التجيي، فعرفونا – وفقكم الله – هل يسقط اليمين عن التجيي ما ادعاه من البينة إن شهدت بما قال أم لا؟
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته في ذلك لا تسقط اليمين عن التجيي لو شهد له به عدول أهل قرطبة ألا ترى أن القاضي يحبس المفلس لدين يثبت عليه فيكشف له عدمه وتشهد بذلك بينة على علمها، ولابد من يمينه مع ذلك ما له عوض ولا فرض ولئن رزقه الله ليقضينهن ثم يطلقه القاضي في حبسه، وبذلك قضى أبو بكر وعمر ﵄، ووجبت اليمين، لأن الشهادة في ذلك على العلم، ولو كانت على البت كانت غموسًا.
وكذلك وارث الميت يحلف بالله ما صار إليه من تركته شيء، ولا وجد له مال،
[ ٤١٠ ]
ولا ورثته عنه، وكذلك يحلف التجيي إذا شهدت البينة أنا لا نعلم أنه تخلف مالا، هذا الذي ترى وانتهى إلينا علمه، قاله ابن لبابة.
في التعدي على أعوان القاضي والاستخفاف بهم:
قرأنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة عندك على بني السوسي باستخفافهم وتعديهم، فرأينا شهادات توجب عقوبتهم في انتهاكهم حرمة السلطان واستخفافهم بقضاء المسلمين، وتعديهم على الرسل وعلى الطالب لهم، وإذا لم يحم مثل هذا لمن تأمل أغلظ منه مما يقود إلى فتنة.
ونحن أشرنا عليكم أن توقف هؤلاء إن كانوا زرعوا هذه الأرض التي عقلت لقسمتها بين أهلها ونفذت فيها قضاء محمد بن سلمة قبلك عيهم، قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى.
وأرى أن تستبلغ في التغيير على بني السوس وتعاقبهم بأبلغ العقوبة. وقال بجميعه محمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، وابن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، وطاهر بن عبد العزيز ﵏ أجمعين.
دعوى خصم ابن حكم المدفع فيما قضى به عليه وهو حاضر:
كشفتنا – وفقك الله – عما قام به عندك محمد بن حكم على عبد الله بن محمد وثبوت ذلك الحكم عندك، وشاورتنا بعد ثبوته بالعدول من البينات فيما يجب عليك من النظر في ذلك، فأشرنا بأجمعنا إنك تبيح له المدفع في الشهود الذين شهدوا عندك على إشهاد محمد بن مسلمة إياهم إذا كان قاضيًا بقرطبة على ما ذلك في ذلك الكتاب وما أنفذ فيه القضاء على عبد الله بأبحت ذلك له بمشهدنا.
فذكر عبد الله أنه لم يدفع في الشهود الذين حكم بهم محمد بنن مسلمة عليه، وكان ردنا عليك بأجمعنا أن الحكم يظن أن محمد بن سلمة لم يحكم عليه إلا بعد إعذار يستبلغ فيه، فلو كان عنده يومئذ مدفع لحضره به، ولما نفذ القضاء عله يومئذ فتوقف عن اعتراض حكم ابن مسلمة، ونفذت ما اجتمع عيه ملؤنا، وأشهدت على ثبوت حكم ابن مسملة عندك إذا لم يدفع عبد الله في الشهود الذين ثبت بهم عندك نظر ابن مسلمة وحكمه، فكان هذا من النظر الواجب، والأمر اللازم الذي لا يحل غيره.
وكان مما أشرنا به عيك حيازة الحبس والأمر بقسمته بين أهله، ورأينا أجمعون أن
[ ٤١١ ]
مثله ممن قد استربته بإنكار النحلة التي ثبتت عليه مما يجب أن يسقط به نظره لها، فكتب كله وأنفذته بالإشهاد عليه، قاله محمد بن غالب، وعبيد الله بن يحيى وابن لبابة، وأيوب بن سليمان ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ.
قال القاضي:
قد تقدمت مسألة ابني صلتان في اعتراض المحكوم عليهم في الحكم لهما وهي من هذا الأصل، وتقدمت مسألة القبلة في إنكار ما جهز به ابنته، وقولهم أشرنا بحيازة الحبس وقسمته بن أهله، يريد قسمة اعتمار وانتفاع لا قسمة تمليك لأبد، وهو وجه فيه تنازع وربما ذكرناه فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
الشهادات بموت سماك بن محمد وعدة ورثته وملكه لدور بقرية فلان، واعتقال الملك لدعوى ابنه أنه كسبه مما لم يرثه عنه:
شهد عند القاضي أحمد بن محمد بن فلان بن فلان الفلاني أنه يعرف سماك بن محمد، توفي فأحاط بوراثته في علمه ولداه محمد وأحمد وزوجة فلانة ابنة فلان، وأنه خمس دور بقرطبة، ويحوزونها بالوقوف إليها ولا يعلم ملكه زال عنها إلى أن توفي، وشهد محمد بن عبيد بمثل ذلك.
نظرنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة لابني سماك في هذا الكتاب، فرأيناها على عدة ورثة سماك، واختلف في العدة واجتمع شاهدا عدل على عدة ورثة سماك وابنه أحمد، وشهد شاهد عدل على معرفة عين سماك، ومعرفة ملك دوره على اختلاف شهادات في العدد، فيجب إذ قد ثبتت موت سماك وعدة ورثته بشاهدي عدلن وشهد شاهد عدل على ملك سماك بقية فلانة، أن يكلف حوز ملك سماك من القرية فيعتقل إلى أن يستكمل النظر في إثبات الملك لسماك.
وفيما ثبت من الورثة بعد الإعذار إلى محمد فيما ثبت عندك، وكذلك في الدور ما ثبت عندك منها يشاهد عدل وجب عقله بعد الإعذار إلى محمد في ذلك، ثم ينظر في استتمام النظر بما يجب، وإن ادعى محمد بن سماك كسبًا غير ميراث أبيه بالقرية، فإن كان مما حازه أحمد بن زيد منع من عمله؛ لأن العقلة أخذته، وإلا فلا يمنع من عمارته ما لم يجز، إلا أن يشهد آخر بمثل شهادة أحمد أنه لا يعلم لمحمد بها مالًا غير وراثة أبيه، فيمنع حينئذ من عمارة الجميع إلا أن يثبت كسبه، قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة وغيرهم
[ ٤١٢ ]
قال القاضي: انظر في هذا الجواب العقلة بشاهد واحد عدل، وقد ذكرنا التنازع فيه في أول الكتاب ببيان مقنع إن شاء الله، وفي الحكاية هنا عن شهادات الشهود تخليط، وكذلك قولهم في الجواب ما ثبت عندك منها بشاهد عدل وجب عقله بعد الإعذار إلى محمد؛ لأن الأعذار إنما يكون بعد العقلة ولأن ما شهد به واحد لا يقال فيه ثبتن إنما يثبت إذا انضافت إليه يمين الطالب أو شاهد آخر، وبالله التوفيق.
ملك بين منع بعضهم أكثره فلم يوجد من يحوزه، فشهد أنهم لا يعرفون لهم دخوًا في القرية إلا بسبب مورثهم، وفي المسألة التي فوق هذا من هذا المعني.
أعلمنا – وفقك الله – أن امرأة قامت عندك فزعمت أن زوجها توفي عن مال بقرية فلانة، وأن لها منه ابنًا وابنة، وأن الذي لزوجها بالقرية هذه أطل عليه من زعم أنه ناظر المال ينظر عليه، وقد بقيت بزعمها هي وابناها، فبقي لابد من نظر قاضي، وأثبتت عندك موت زوجها وعدة ورثته.
وقلت: إن هذا المال كان مجملًا كما توفي عنه سماك وهو كثير وافر، وحيازته صعبة على إلا أني أثبت بالبينة أن أبا زوجي هلك عن مالك كثير بهذه القرية، وأن ابنية – أبا شيبة وزوجي – أحاطا بوراثته مع أمهما، وأن ابنيه لا يعلم لهما مال بهذه القرية إلا ما ورثاه عن أبيهما سماك، ودعت إلى كشفنا عما يجب لها مع ثبوت دعواها هذه إن ثبتت لها.
فالذي نقول به: إن المنزل إذا عرف للأب، وإنما كان يغشاه الولد بسبب الأب، فهو على الملك الأول حتى يثبت به يبين به كل واحد منهما بنصيبه منه، فإن زعم أحد الفريقين أن له مالًا أحقته البينة ويجب حينئذ إن شاء الله أن يقال لهذا المدعي الإصلاح على الأيتام أن ادعى ذلك؟ لسنا نسألك إلا عن إصلاح من غيره، ولكن ما تقول في المال أجمع هو بينك وبين أخيك؟ فإن قال: نعم، فقد أنصف، وصدق ما قال أنه من أهل الإصلاح عليهم.
وإن أدخل حجة وانتقل إلى ادعاء ماله فأمض العقل عليه في الجميع إن حيز أو فيما حيز من ذلك، وامنعه العمل فيما لم يحز حتى يثبت له ما ادعاه، إلا أن يقول إنه يعلمه لغيره على معاملة، فيكشف عن ذلك، وأنت في كشف هذا ومثله عن الصغير ومن لا ناظر له في ثواب وأجر جزيل. قاله ابن غالب.
[ ٤١٣ ]
وقال ابن لبابة: وجه ابتداء النظر في هذا الذي رفعته المرأة أن تأمر بإحضار هذا الأخ فتكشفه عما رفعته، فإن أر به كان كما أفتى أبو عبد الله بن غالب، وإن أنكر جميع ما رفعت كلفت المرأة البينة على ما ذكرت، فإذا ثبت وجب عقل المال وإخراج هذا الأخ عنه والإعذار إليه، فإن جاء بمدفع نظرت فيه بما يجب ويظهر لك، وإن لم يأت بمدفع نظرت لأيتام بما يظهر لك من حقهم إن شاء الله. وقال أيوب بن سليمان بمثل ذلك، وعبيد الله بن يحيى، ويحيى بن عبد العزيز.
قال القاضي:
أراد ابن لبابة أن يعرب فأعجم، فليته سلم فيسلم فلم يأت بشيء زائد على ما ذكره المفتي قبله، بل أخطأ في قوله وجه ابتداء النظر فيما رفعته أن تأمر بإحضار هذا الأخ.
ولا يجب رفعه بإجماع من أئمة علماء المذهب إلا بعد إثبات الموت وعدة الورثة، فإن قيل: إن هذا قد ثبت على ما ذلك في السؤال، قيل: فلم يزد شيئًا على ما تضمنه قبله، وكلاهما قد قصر في الإعراض عن ذلك زوجة سماك إذا لم يلزما القاضي كشفها ولا الإعذار فيما ثبت إليها، وإن كانت منيته فكان ينبغي أن يكتفي بوجوب ثبوت موتها.
وكذلك أغفلا أن يشيرا عليه بالتقديم لليتيمين من ينظر لهما، ويتكلم عنهما، وإن كان قد ثبت أن لهما وصايا من أبيهما، فكان يلزم إحضاره وكشفه عما عنده في هذا المطلب، وهذا كله نقصان من وجوه الحكم إلى غير ذلك مما تركنا ذكره لئلا يطول الكتاب.
وفي مسائل القاضي أبي بكر ابن زرب:
من هذا المعنى قال: هذه مسألة ينبغي لكم أن تحفظوها. الرجل يتخلف ملكًا في قرية فيزعم بعض ورثته أن له ملكًا فيها، ملك ذاك بغير الميراث؛ بابتياع أو غيره، كان القول قوله مع يمينه فيما يقربه من جملة ما في القرية من تركه المتوفي، وإن لم يعلم ذلك وعلم أنه لم يكن له فيها ملك خالص بغير ذلك الميراث، فجميع ذلك موروث إلا أن يقيم البينة على أنه كان له فيها ملك خالص بغير ذلك الميراث، وكذلك الرجل تشهد عليه بينة أنه غصب ملك الرجل بقرية، ولا يعلم أن له بتلك القرية ملكًا غير الذي شهد عليه بغصبه، ويزعم أن له فيها ملكًا فإنه يحال بينه وبين ذلك المال، ويكلف إقامة البينة على أن
[ ٤١٤ ]
له فيها ملكًا غيره، فإن أقام بينة وإلا أخرج عنه، وإن شهدت عله بينة بالغصب، ولم يعرف الملك المغصوب، ولا علم إن كان له في القرية غيره أم لا، فإنه يقال له: أبرز الملك المغصوب المشهود به عليك، واحلف أن لك الباقي، ويكون ذلك لك.
سئل القاضي أيضًا عمن هلك وترك بنين وبنات وأرضين وقرى وعقارًا، فتزوج البنون والبنات، وخرج كل واحد إلى داره، وملك البنون جميع العقار، وكانت تحت أيديهم، واكتسبوا أرضًا لأنفسهم وعقارًا غيرها أضافوه إلى ما بأيديهم من أملاك أبيهم، وملكوا ذلك عشرين سنة، وكانوا يعطون البنات مقدار أنصبائهن من غلة مواريثهن عن أبيهن طول هذه المدة، ثم أراد جميعهم قسمة ما تخلفه أبوهم. وقال البنون: بعض هذه الأملاك من كسبنا وقال البنات: بل جميعها موروثة عن أبينا.
فقال: إذا كان دخول البنين في القرى بسبب ميراثهم في أبيهم فعليهم إثبات ما يدعونه من الاكتساب الزائد على الموروث، فإن عجزوا عن ذلك حلف البنات على إنكار ذلك أو رددن اليمين على إخوتهم إن شاء الله.
دعاوى بني أبي عبدة في قرية أكتسل وثبوت تحبيس فيها، وهي من المعنى الذي فوق هذا:
من أحكام ابن زياد فهمنا – وفقك الله – ما تداعى فيه بنو عبد الله بن أبي عبدة من قرية أكتسل، وثبوته كتاب عبد الله بتحبيس ملكه بها على ابنتيه البكرين، ودعوى الكبيرين من بنيه أن المال مالهما من غير سبب أبيهما، وما شهد به عندك من أنه لا يعلم الشهود لبكر وعبد الغافر ملكًا بهذه القرية غير ما ذكره عبد الغافر في شهادة الشاهد، فيجب في ذلك أن تأمر هذين الكبيرين بغثبات ما ادعيا أنهما استفاداه.
فإذا أثبتا كانا ا؛ ق ممن شهد أنه لا يعلم لهما بها ملكًا؛ لأن من علم أولى ممن لم يعلم، وإنما وجب عليهما إثبات ما ذكرناه بشهادة الشهود أنهم لا يعلمون لهما بهما ملكًا، فبهذا يدفعون عن القرية إلا بما يجوز به الطعن في تحبيس أبيهما، والمدفع فيه. قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة.
دعوى ابتياع فيه محاباة وتوليج:
قامت عند القاضي – وفقه الله – حجاجة بابتياع من عمه لها لما في الكتاب الذي قامت به، وفيه أن بعض الثمن قصاص من حق أقرت لها به، واقتضاء البعض بمحضر من
[ ٤١٥ ]
شهد ذلك ممن أجزت علمه، فالصفقة تامة في البيوع إن لم تكن فيه محاباة، فإن كانت فيه محاباة كانت في الثلث.
ثم إن ثبت عندك من العمة في اللصوق بها، وتباعد ما بين العمة وابن أخيها الوارث، سقط الإقرار في المقاصة، وأخذت حجاجة بتلك العدة من الثمن، وهذا إن كان قد ثبت عندك أن هذا الفعل كان في المرض، ومضى لها المقبوض الثابت قبض العمة له، وقد وقعت عندك شهادات من قبلت في حين كتابنا هذا الجواب بتباعد ما بين أبي أخي كنزة وبينهما، ويتقارب ما بين حجاجة وعمتها، وإنها كانت منها بسبيل خدمة وقيام حتى وجب الاتهام ووقعت الظنة بمثل هذه الحال، فأمض النظر – وفقك الله – لهذه الشهادات بما في صدر جوابنا، فهذا الذي نقول به. قاله ابن لبابة، وابن غالب، ويحيى بن عبد العزيز.
رجلان تداعيا غلامًا:
سألت – وفقك الله – في المملوك الذي تداعى فيه الرجلان وأتيا به وبثباته، كل واحد منهما يدعي أنه مملوكه، فالذي يجب أن تأمر بإيقافه في الحبس، أو بيد من تثق به حتى يثبته أحدهما فتحكم به لمن اثبته بعد الإعذار إلى صاحبه. قاله عبيد الله، وابن لبابة، ومحمد بن وليد.
رجل ادعى خادمًا في ملك ابن حفصون:
وقد تقدم هذا المعنى قبل هذا في مسائل العتق: قرأت – وفقك الله – بطاقة ابن أثلة المرفوعة إلى الأمير – أطال الله بقاءه – المصروفة إليك المكتوب في ظهرها أمره إياك بالنظر له بواجب الحق ولازم السنة، وفهمنا دعواه في النصرانية بما نطقت به بطاقته، فألفيناه قال إنه كان يملكها في حصن بياشتر، وأن ابن حفصون أخذها وزوجها، ثم انتقلت إليه بنظر القائد، وصرف فروة لهما إليه مني، وأحببت أن تعلم ما عندنا فيما رفعه ابن أثلة، لتنظر له بنظرك للعامة التي قلدك الله النظر لها من الحق والعدل.
فالذي نقول به إن بياشتر وما انضوى إلى المرتد ابن حفصون من الحصون التي تجاوره، أو نأت عنه موضع فساد ودار حرب، ومن ملك هناك مملوكًا أو مملوكة لم يستحكم له الملك كما يستحكم لمن ملك في موضع الطاعنة، وحيث تجوز أحكام ولاة الأمير أكرمه الله، إلا أن ابن أثلة كان من قوله في البطاقة إن هذه النصرانية ليست الآن في
[ ٤١٦ ]
يده، وإنما هي بيد غيره، وذلك أنه قال: إن ابن حفصون أخذها فأزال ملكه عنها وزوجها فأقر بأخذها، وكونها تحت زوج بعد ما ادعاه من كونها بيده، فما ترى له مقالًا فيها بدعوى ملكها، ولو أقرت له بذلك.
فإن أثبت بالبينة ملكًا صحيحًا لا ليس فيه وجب الحكم له بها على ما جرت به أحكامك في هذا ومثله، والاستقصاء لمن حكمت له وإن لم يأت بذلك، فما ملكه ابن حصفصون ليس بملك ينعقد، وهي على الحرية والإطلاق لمن علق الملك بالوجهين جميعها.
احدهما: أنها ملكت بدار الحرب، وحيث تجري أحكام الشيطان.
والثاني: إقرار بان أثلة أنها بيد غيره، وأنها تحت زوج.
فلا أرد قوليه هذين بدعواه التي تثبت بالإطلاق واجب، فما أجلته ووسعت عليه في ضرب الآجال له في البينة بما تقدم من فتيانا عندك في هذا غير مرة، وقد حكمت بحمل البينة على كل من ادعى ابتياعًاا في مملوك أو أمة بموضع الفتنة، وحيث لا يتسلط الحق، وحررت بذلك غير واحدة، وكان ذلك فتيانا وما عقدنان لك بخطوطنا، وقد وجب لهذه مثل ذلك، فاطلق سبيلها إلى الحرية التي عليها جميع من ادعى الملك بهذه والأمكنة فإنك إذا فصلت وافقت الحق وقضيت به، وفصلت بعدل وشفعت به نظرك المحمود منك، إن شاء الله تعالى. قاله أيوب بن سليمان، ومحمد بن غالب، وعبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ، وأحمد بن يحيى.
وقال أيوب بن سليمان:
نظرت فيما كشف القاضي وفقه الله عنه في شأن النصرانية، المحكوم لها بالحرية على ابن أثلة في إرجاء الحجة لها إذ كان غائبًا أو اتخاذ حميل عليها إلى حضور ابن أثلة، فالذي نقول به: إن الحكم على الغائب أن ترجأ له الحجة، وليس اتخاذ الحميل على هذه المطلقة بواجب ولا لازم، وقال ابن لبابة، وابن وليد جميعهم. كذا وقعت في الجزء الرابع من أحكام ابن زياد.
في امرأة ادعت على رجل أنه غرب ولدها:
فهمنا – وفقك الله – ما كان من تظلم امرأة عندك من أهل ترجيلة من رجل أخذ ولدها صغيرًا وغربه عنها، وأقر الرجل بتغريب الصبي، وادعى أنها امرأته تزوجها بقرطبة، وصدقته المرأة في دعوى نكاحها، ولم يثبت عندك التناكح، وقالت المرأة: إنما نحي عنها
[ ٤١٧ ]
الولد لتبيح له نفسها بلا نفقة بقيمها لها ولا عائدة يعود بها عليها، وأمرت بحبسه إلى أن يحضر الصبي إذ لم تأمن زواله فتصير المرأة بذلك إلى اتباعه والخروج معه إلى حيث أحب، والمساعدة له على ما أراد، شفقة على ولدها، وأحببت أن تعلم هل تشردك عليه بالسجن صواب.
فالذي نقول به أن الذي فعلته من ذلك واب ورشد، وقد أجمعنا لقاضي أن له أن ينظر باجتهاده نظره بمثل هذا وشبهه، فزاد الله القاضي رشدًا وتوفيقًا. فما نظر إلا بالحق، وقد شهدنا نظره في ذلك، ورأينا من لفظ الترجيلي وتسلطه ما كان يجب به أدبه فضلا عن حبسه. قاله محمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن لبابة.
قال القاضي:
ذكروا أن الترجيلي ادعى أن هذه المرأة زوجته، وأنه تزوجها بقطربة، وصدقته امرأة، وقالوا: ولم يثبت عندك التناكح، فليت شعري ما الذي منع منه القاضي ومنعهم من كشفها عن موضع تناكحهما، والولي العاقد له بينهما، والشهود عليهم بذلك، فإن بان له كذبهما، وأقرا بان ذلك الولد منهما، أو به حق له بها، أو وطئه إياها؛ أقام الحد عليهما، على ما في المدونة وغيرها في حامل قالت: استكرهت، لم تصدق وحدث، بخلاف لو كانا طارئين، وهذا مننهم تقصير، وبالله التوفيق.
دعوى في دار ثبت نصفها لمصابيح وذكر نحله لم تثبت على العبدي المطلوب بها:
فهمنا – وفقك الله – ما أردت معرفته فيما ثبت من نصف الدار التي فيها العبدي لمصابيح، وطلب العبدي عقلة نصف الدار التي تسكنها كنته بزيعة إذ ثبت عندك أنها للعبدي، وقيم عليه بنحلة شطرها، وادعى عليه في النصف الثاني بنحلة لم تثبت، فالذي نرى أن العقل قد وجب في شطري الدار، حتى يبدو لورثة مصابيح قسمة النصف الذي ثبت لها، ويؤجل القائم عن فاطمة في إثبات نحلته إياها الشطر الثاني الذي لم يقر به العبدي.
فإن ثبت لها ولم يكن للعبدي مدفع في ذلك أطلقت يد فاطمة في ذلك الشطر، وإن عجزت عن إثبات الخلطة نظرت في ذلك بما يجب إن شاء الله، والدار لم يعتقل نصفها بدعوى النحلة أنها كلها تعتقل بالخروج عنا، من أجل أن العبدي قد ورث في ولادة ابنه ابنه، إلا أن يبدو لورثة ولادة القسم فيقسم بينهما، ولا يجوز القسم في النصف الذي هو
[ ٤١٨ ]
لولادة حتى يخرج منه الثلث الذي عهدت به ولادة في كتاب وصيتها الثابتة عندك إن كان مما يحتمل القسم، ويعطي الورثة قيمة ذلك الثلث من أموالهم فيكون ذلك لهم ويقتسمون النصف، وإن لم يؤامن التقاسم وجب اعتقالها كما قلنا بالخروج عنها، وإن أراد الورثة إعطاء القيمة قومها رجلان من أهل المعرفة بالقيم فيما قوماها به كان ذلك ثمنها، ولا ينظر إلى من يزيد على ذلك. قاله محمد بن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ.
دعوى بين ابن الحراني وابن أبي البهلول:
فهمنا – وفقك الله – ما أظهره ابن الحراني من الكتاب الذي فيه أن ابن أبي البهلول قال إن الذي في صدر كتابه هو آخر دعواه، فاحتملت هذه اللفظة أن يرد بها آخر حقوقه، وأن يردي آخر دعواه وإن يكون آخر دعواه غير ما نظر فيه من الربعة الأقفزة التي ثبتت عندك بإقرار ابن الحراني بها، فترى أن يحلف ابن أبي البهلول: بالله الذي لا إله إلا هو ما أردت آخر حقوقي في غير ما نظر فيه من الأربعة الأقفزة، فإذا حلف وكلت على ابن الحراني حتى يبرز له أرضًا لأربعة أقفزة، ولابن أبي البهلول: رد اليمين على ابن الحراني، فيحلف أن ردها عليه بالله الذي لا إله إلا هو لقد دخلت هذه الأربعة القفزة فيما قطع عني من دعواه، وأنها داخلة في حدود الأرض، إذ وجدتها قد عورت.
فإن حلف هكذا سقطت عنه الأربعة الأقفزة وكراؤها من يوم إقراره عند محمد بن سلمة، إذ كان قاضيًا بقرطبة، وذلك في عقب ربيع الآخر من سنة تسع وثمانين ومائتين السنين التي زرع فيها الأربعة الأقفزة، قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان.
في دعوى بينهما أيضًا:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه منصور وابن الحراني من طلبة منصور، وكشف ابن الحراني عن المنزل الذي وصفه في الرق الذي يريد كشف عنه، وقول ابن الحراني سمي طلباته كلها، فالجواب في ذلك أنه إن كان ابن الحراني قال: جميع دعوياتك في المنزل وغيره فليس ذلك، وله أن يكلمه فيما سأله، ولا يضمه إلى الخصومة في غير المال، يطلب من حقوقه ما شاء، ويسكت عما شاء.
وإن كان إنما قال له: هل لك في القرية دعوى غير ما ذكرته في الابتياع، وعنه
[ ٤١٩ ]
يكشفني، فذلك له، فإذا قال: جميع دعاوي في هذا المنزل أنه لي بابتياعي ليس لي فيه دعوى غيرها، لزم ابن الحراني الانكشاف فيه بالإقرار والإنكار. قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وأحمد بن أبي عيسى.
دعوى ثالثة بينهما في أرض:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه ابن أبي بهلول وابن الحراني، من اليمين التي طلبها ابن الحراني من منصور أنه قد علم بارتهانه، وقول منصور بن أبي بهلول لابن الحراني: فهل قبضت ما ارتهنت؟ فقال ابن الحراني: لا ولكني بعت بتوكيل الراهن لي على البيع، فقال منصور: متى بعت؛ أقبل شرائي أم بعده؟ فقال ابن الحراني: قبل اشترائك وقد علمت أنت ذلك، ولكن احلف لي أنك لم تعلم بارتهاني ووكيل ابن أبي بهلول لي على البيع قبل اشترائك.
فالذي نراه – والله الموفق للصواب – أن اليمين تجب على منصوب أنه لم يعلم بالرهن الذي ذكره عمرو، ولا بتوكيل ابن أبي بهلول له على البيع، فإذا حلف سقط عنه ما ادعاه عمرو الحراني، فإن نكل حف عمرو: لقد علم منصور بالارتهان والبيع، فإن حلف صار ما ذلك أنه كان رهنًا بعد أن يظهره ويجوزه، ويكون الأربعة أقفزة أو نحوها لدين عمرو على ابن أبي بهلول، ولغيره ممن ثبت على ابن بهلول دينًا، ولابد من إظهاره هذه الأرض وإبرازها وعقلها، إلى أن يأمر القاضي ببيعها لأهل الدين إن شاء الله، إلا أن يأتي منصوب ببينة أن يبيع عمرو لهذه الأرض من ابن دحون لبعد تاريخ اشتراء منصور هذا من ابن أبي بهلول، فتسقط اليمين عن منصور، قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد، ومحمد بن غالب.
دعوى بين هشيمة وابن عمها من بين مزين، في أحقال بقرية شيتمة البربر:
فهما –وفقك الله – ما ذكرته هشيمة بنت سعيد بن مزين قامت بعد أن ثبت عندكم موت أبيها وعدة ورثته، فذكرت أن محمدًا ابن عمها جعفر يعترضها في أحقال من أرض أبيها سعيد بقرية شيتمة البربر، وسألته النظر لها وحضرت بمحمد فسمع دعواها وأنكر اعتراضها في يأحقال من مال أبيها، وقال: إنه في نصيبه بهذه القرية من ميراث أبيه جعفر، فقالت له هشيمة: فهل بيدك في هذه القرية أحقال من مال محمد بن سعيد بن مزين، فقال: بيدي أحقال ابتاعها أبي من محمد بن سعيد أخي ودخوله في هذه القرية
[ ٤٢٠ ]
وجميع ورثة أبي بسبب ميراثنا له.
فهذه الأحقال يجب لجماعتنا فيها الميراث حتى يثبت انفراد محمد بها بما يوجب إثباتها له، وطلبت أن تعتقل الأحقال على محمد بن جعفر، أو يثبت أنها لم تكن مال سعيد أو يثبت أنها صارت لبائعها محمد بن سعيد بغير أبيه سعيد، فقلت: أكرمك الله إنه شهد عندك شاهدان عرفتهما انهما يعرفان بيد سعيد بن مزين مالًا بقرية شيتمة البربر، ويعرفان القرية بعينها، ولا يقفان على حايزة ما كان بيد سعيد منها، ويعرفانه يملكه حتى مات وتركه ميراثًا لورثته.
وفي شهادتهما أن جعفر بن يحيى أشهدهما على ابتياع أحقال بهذه القرية من محمد ابن سعيد، وفي شهادتهما أيضًا أن جعفرًا لم يدع في مال سعيد بهذه القرة في علمهما غير الذي ابتاعه من محمد بن سعيد، وشهد عنده خالد بن وهب وغيره في معرفة أرض سعيد، ثم صرف عنك النظر في أمر هشيمة وخصمها نحو ستة عشر شهرًان ثم أعيد إليك، وأمرت بالنظر بنيهما، فسألت هشيمة أن ينفذ لها ما كان شهد به عندك قديمًا في أرهما، فأمرتها بإعادة الشهود، إذ كان نظرك لها مستأنفًا، وأحببت أن تعرف إن كان ما أمرتها به واجبًا عليك أم لا؟ وهل يجب اعتقال تلك الأحقال وتكليف محمد بن جعفر ما طلبت هشيمة أن تكلفه؟ وهل يجب عليه أن يثبت ابتياع أبيه جعفر للأحقال التي ذلك الشهيدان أنه أقر عندهما بابتياعها من محمد ابن سعيد؟
فلم يقم عندك محمد بن سعيد ولا أحد عنه على ولد جعفر بشيء، فالذي نقول به والله الموفق للصواب: أن ما أمرت به هشيمة من إعادة البينة صواب واجب إن شاء الله، ولا يجب أن نكلف ابن جعفر أن يثبت ابتياع أبيه من محمد بن سعيد ما ذلك ابتياعه منه، إذ لم يقم عليه في ذلك محمد بن سعيد ولا أحد عنه، ولا يجب اعتقال الأحقال لقول هشيمة أنها من مال أبيها، إلا أن تثبت عندك أن محمدًا لم يدخل القرية إلا بسبب أبيه سعيد، أو يشهد عندك عدل أنها من مال سعيد ويحوزها الشاهد، فيجب عندك ذلك اعتقال الأحقال بعد الإعذار إلى من وجب أن يعذر إليه فيه. قاله أيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة.
قال القاضي:
قد تقدم من قولنا أن حشو كلامهم كثير، وفي أجوبتهم تقصير، وإن كان لهم تقدم
[ ٤٢١ ]
ومكانه معلومة، وإنما نحن بشر، والنقصان فينا غير ينكر، وهذه المسألة، وما أفتوا به من ذلك المعنى الذي نبهنا عليه وأشرنا إليه، والرغبة في الإعراب عن الصواب تحمل على ذلك سقوطهم في السؤال والجواب، فمن ذلك في هذه المسألة قولهم: فهمنا أن هشيمة قامت بعد أن ثبت عندك مموت أبيها وعدة ورثته، وإنما صوابه أن هشيمة قامت عندك وأثبتت موت أبيها ووراثته ورافقت إليك ابن عمها فلانًا.
أو كانوا يقولون أن هشيمة أثبتت عندك موت أبيها ووراثته، وقامت على ابن عمها فلان في كذا أو نحوها، مما يقتضي أن قيامها كان بسببه ثبوت موت أبيها، وأما على ما سطروه فغنما يعطي أنها لم تكلف هي إثبات موت أبيها وعدة ورثته، وإنما أثبته مثبت، ثم قامت هي مازعة لابن عمها دون أن تكلف هي إثبات ذلك، وطريقة الحم التي بها مضى العمل أن على كل من طلب حقًا بسبب ميت أن يكلف إثبات موته وعدة ورثته، وإن كان موته مشهورًا عند الحكم وغيره، وسلكوا هذا السبيل في جوابهم، فقالوا: فيجب عند ذلك اعتقال الأحقال بعد الإعذار، وهذا محال، إنما الإعذار بعد الاعتقال.
وقد تقدم لهم نحو هذا المقال، وإنكارنا له هناك أبين ومن ذلك قولهم: ما أمرت به هشيمة من إعادة البينة صواب واجب، بل ذلك تكليف غير واجب، وإلزام غير لازم، إذ لا فائدة في إعادة الشهادة فيما قد شهد به عنده، إذ هو نفس المطلوب عند ذلك القاضي بعينه، وهو باق على خطته لم يعزل عنها، ولا حل سواه فيها، وقد كان يلزمه إذ أمر بترك النظر فيما بينهما ألا يأتمر حتى يعزل إن كان قد بان لها حق قبل خصمها، ولا ينظر في قول الأمير.
وهكذا ذكره ابن حبيب عن أصبغ في كتابه، وأما إن كان أمره بالكف عن النظر بينهما قبل أن يلوح الحق لطالبه في مبتدأ أمرهما فله أن يدعهما، وفي هذا الجواب الاعتقال بشاهد واحد، وقد ذكرناه بما فيه من التنازع في أول الكتاب والله الموفق للصواب.
مشورة أخرى في أمر بني مزين:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه جعفر بن يحيى، وهشيمة ابنة سعيد بن يحيى، ومن إقرار جعفر أنه إذا ثبت ملك سعيد كما ذكت البينة، وادعى أحد ورثة سعيد ملكًا مستفادًا غير ما ورث عن أبيه، فعليه إثبات غير ما ورث مما استفاد، وإلا فالمال للمورث، هذا الذي أدركنا عليه أحكام القضاة ببلدنا. قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
[ ٤٢٢ ]
وقال يحيى بن عبد العزيز: نظرنا إلى إقرار جعفر أنه لا حق له بهذه القرية إلا ما اشتراه من محمد بن سعيد، فإن كان أحد يقوم عن محمد أو يقوم بنفسه قيل لجعفر أو لورثته: قد أقررت لمحمد فأثبت ما ادعيت عليه، وقد يملك الابن مع أبيه، وقد يشتري من الأجنبيين مما لم يرثه عن أبيه.
وقال سعد بن معاذ بمثل قول يحيى بن عبد العزيز، وقال أحمد بن يحيى بمثل قول ابن لبابة، وقال عبيد الله بمثل قول ابن عبد العزيز، وقال بذلك يحيى بن عبيد الله.
مشورة أخرى في أمرهم: فهمنا ما شهد به الشهيدان من أنهما يعرفان بيد سعيد بن مزين مالًا بقرية شتيمة ويعرفان القرية بعينها، ولا يفان على حيازة المال الذي كان بيد سعيد منها، ويعرفان ذلك في ملكه حتى مات وتركه ميراثًا لورثته، وفي شهادتهما أن جعفر بن مزين أشهدهما على ابتياع أحقال بهذه القرية من محمد بن سعيد بن مزين، ولم يدع جعفر في شيء من مال ورثة سعيد بهذه القرية غير الذي ابتاعه من محمد ابن أخيه سعيد، وفي شهادتهما أنهما يعرفان ورثة سعيد بن مزين وهم بنوه محمد وهشيمة ورقية وفاطمة لا يعلمان له وارثًا غيرهم، وأنهما يعرفانهم بالعين والاسم والنسب.
فالذي يجب في ذلك أن تحمل ولد جعفر إثبات ما زعم أبوه جعفر أنه اشتراه إذا ثبت عندك إقرار جعفر بذلك، وثبت عندك قول ورثة جعفر إنه هو على ميراث بقرية شتيمة عن أبيه فيما زعم أنه لا ملك له غير ميراثه عن أبيه جعفر، وقال جعفر: إني اشتريت من ابين أخي لم يدع غيره، فعليه إثبات اشتارء أبيه وحيازته، فإذا حازه وجب له، إلا أن يكون لمحمد بن سعيد في ذلك مدفع، قاله ابن لبابة وابن وليد، وقال أيوب: شهادة الشهيدين فيما زعما أنهما عرفاه بيد سعيد ساقطة حتى يحوزه غيرهما، لا اختلاف وفي هذا بين أصحابنا.
وأما شهادتهما على جعفر بالإقرار بالابتياع من محمد بن سعيد فغير ضائر لورثته جعفر لأنه إنما اقر أنه ابتاع من محمد ولم يقل من محمد بن سعيد ما كان ورثة من أبيه سعيد، وقد يكون للوالد والولد المال في القرية الواحدة وهذا أكثر من أن يحصى.
وقد يمكن أن يكون جعفر ابتاع بهذه القرية بعد هذا الإقرار مالا من غير محمد بن سعيد إلا أن يكون أشهدهما أنه مما ورثه عن أبيه سعيد، وليس على ولد جعفر إثبات شيء مما اشتراه أبوه؛ لأن البائع من أبيه لم يدع بشيء، ولأن الشركاء لمحمد بن سعيد لم
[ ٤٢٣ ]
يثبتوا أن الذين باع محمد كان من أبيهم.
فعلى المدعي فيما بيد ولد جعفر إثبات حيازة مال سعيد، فإذا ثبت فادعى ولد جعفر شيئًا منه، نظر حينئذ بما يجب له وعليه.
وقال عبيد الله بن يحيى: فهمت وفقك الله جواب الرجلين في أمر سعيد بن مزين وما ذهبا إليه أن شهادة الشهيدين اللذين شهدا عنك على التوارث يوجب لهما المال بغير حوز، وفي هذا اختلاف بين أهل العلم.
وقال: إن ولد سعيد لا يجب له أخذ شيء إلا بأن تحاز له دعواه، فإن كان ثبت عندك أن سعيدًا لم يزل يعتمر الأحقال التي ابتاعها فلا حوز أوضح من هذا، فإن لم يثبت اعتمارًا فيه له فلابد من الحوزة.
قال القاضي: بقي من كلام عبد الله نحو سطور، وقع في حاشية الورقة فتشرمت وانقطع لامه لذلك وليته لم يتكل؛ لأنه هذى وظن أنه أجاب وأفتى، قال: فهمت جواب الرجلين في أمر سعيد بن مزين إلى آخر الفصل فإن كان عني بالرحلين؛ ابن لبابة، وابن وليد، فذلك وهم وغلط؛ لأن جوابهما ليس فيه شيء مما ذكره عنهما، إلا أن يكون ترجم عما في نفوسهما، فذلك شيء انفرد به العليم الخبير بذات الصدور لا إله إلا هو السميع البصير.
وقال في آخر ذلك الفصل في اختلاف بين أهل العلم: ولا عالم يقول فيما أعلم أن من بيده ملكًا بوجه شبه في ميراث أو ابتياع وشبهة تخرج عنه وتنزع منه بشهادة لا حيازة معها، هذا لو كانت الشهادة بنفس الملك، فكيف وهو لم يقل عن الرجلين إلا أنهما قالا إن شهادة الشاهد بالتوارث توجب لهما المال بغير حوز؟
وهذا كله غير معقول وغير واقع وتحت تحصيل؛ لأن الشهادة بالتوارث لا توجب مالًا بحوز ولا بغير حق والحمد له، وقوله: توجب لهما، هذه التثنية لا معنى لها في شيء من هذه المألة إذ ليس فهيا اثنان مخصوصان بمعنى، فيرجع الضمير إليهما، وإنما أراد والله أعلم لهم يريد الورثة، فأخطأ، وكله خطأ ومنه قوله: وقالا: إن ولد سعيد لا يجب له أخذ شيء غلا بأن تحاز له دعواه، والدعوى لا تحاز؛ لأن الدعوى اسم الادعاء والادعاء فعل، وهو مصدر ادعى يدعي.
وإن كان قد يخرج لهذا وجه على ما يجوز في اللسان لو كان قابله من أهله وقصده
[ ٤٢٤ ]
ووصله بقوله، فإن كان قد ثبت عندك اعتمار سعيد للأحقال الحقال التي ابتاعها وهذا اختلاط لأنه ليس في المسألة لا في جوابها أن سعيد ابتاع أحقالا إنما في المسألة أن جعفر بن مزين أشهد أنه ابتاع أحقالا بقرية شتيمة من محمد بن سعيد، وأظنه ﵀ كان في حين هذا الجواب ذاهلًا عنه لأمر شغل بالله وكدر حاله؛ لأنه لو لم يخطئ إلا في الفقه لحمل على الجهل.
وأما إحالته لمعنى السؤال وألفاظ المفتيين فليس له تأويل غير عزوب التحصيل بقلبه الذهول، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وبالجملة فإن أبا مروان ﵀ لم يكن من أهل العلم ولا وصف به، وغنما عول فيما حمل منه على أبيه يحيى بن يحيى لم يعرج على غيرهن فبقى صفر اليدين منه وقد سئل في بعض مجالسه عن النعامة فقال: طير من طيور الماء، وكان بالحضرة عبد الله بن غانم فقال في ذلك:
هذب الزمان بفوة العلماء وبقيت في ظلماء وفي عمياء
وأتى طعام رتع من بعدهم لا فرق بينهم وبين الشياء
فإذا سألت عن النعام أسدهم علمًا يفسره بطير الماء
ذلك هذا كله عنه أبو محمد بن عبد البر في تاريخه قال: وتوفي عبد الله بن يحيى في شهر رمضان لعشر مضين منه سنة ثمان وتسعين ومائتين، فلم يزل - بعد الصدر الأول المنتخبين ﵃ - يتكلم في العلم من لا رسوخ له فيه ولا بصر عنده به.
هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن ﵀ يبكي ويقول حين سئل: أبكاني أنه اتسفتى من لا علم له، وقال لبعض من بقي ههنا أحق بالسجن من السراق وجناية هذا على الأمراء في إشارتهم بذلك إلى من لا فقه له ولا سبقت له عناية على حسب ما يحملهم عليه هواهم وتزينه لهم وزراؤهم اعتناء بالجهال وإزراء بأهل العلم وقد صدق ابن المبارك في قوله:
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها
والله تعالى حسيبنا وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولو ذكرت من هذا ما شاهدته وما بلغني لطال معه الكلام، وخرجنا عن الغرض الذي قصدنا فيه، وجواب ابن لبابة وابن وليد في هذه المسألة ليس بشيء، وجواب أبي صالح أيوب بن سليمان جواب صالح، وقوله فيه:
[ ٤٢٥ ]
إن من شهد في أصل ولم يحزه حازه شهود آخرون، وهو كلام صحيح لا خلاف فيه كما ذلك.
قال يحيى بن يحيى في سماعه في رسم المكاتب من كتاب الاستحقاق عن ابن القاسم وسألته عن الأرض تستحق بالعدول ولا يثبتون حوزها فشهد على حوزها من الجيران غير العدول: أيتم بذلك الحكم لمدعيها مع يمينه؟ فقال: لا يشهد في الحوز وغيره إلا العدول، ولا أرى أن يتم لهم استحقاقهم إلا بالعدول.
وعن ابن القاسم في المجموعة مثله، وفي العتبية في الأقضية في رسم تاخير صلاة العشاء عن مالك، فإن كانوا عدولًا ثبتت شهادة شهود املك بهم، وبهذا شاهدت القضاة مرارًا، وأفتى ابن مالك في جنة شهد شهود لرجل بابتياعها إلا أنهم لم يعرفوها، وعرفها غيرهم أن العارفين بها يشهدون عند احكم بمعرفتها ثم يحوزونها، فتهيأ في ذلك عقدان: عقد بمعرفتهم لها، وعقد بحيازتهم إياها، قال لي: وهو حسن وبه رأيت العمل.
قال القاضي: وهذا فضل لا يحسنه كثير من القضاة والحكام، ويجهلون كيفية تهذيبه.
حيازة في مال ابن مزين:
فهمنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة من حيازة مال ابن مزين، فرأينا شهادات اجتمعت على أحقال بقطع من الشهادة لسعيد بن مزين، ورأينا شهادات وقعت بأمر ملتبس جعل الحد في بعضها سهام بنات سعيد، فأشكل الأمر إذا لم تقل البينة أنا نعرف هذه الأحقال مالا لبنات سعيد بشيء يصفونه.
فرأينا – وفقك الله – أن يكون نظرك ناجزًا فيما لم تختلف فيه البينة، ولم تشك في شيء منه، ويبقى النظر في الملتبس حتى تأتي منه على غاية لقطع الشك فيه، وذلك أن يعذر إلى من يجب الإعذار إليه في الشهادات التي لا لبس فيها، قال بذلك ابن وليد، وأيوب بن سليمان.
ورأينا حقلًا منها انفرد فيه حائز واحد، وقال بذلك محمد بن غالب، وقال محمد بن لبابة فيما اجتمع فيه عدلان وما كانت الحيازة على حيازة والد وولد؛ فلا يجوز ذلك، وقاله أبو صالح، وابن غالب، وابن وليد، وقال: إذا قال القاضي إن شهادة الأب كانت قبل الولد عنده؛ سقطت الآخرة، وقال عبيد الله بن يحيى: شهادة الوالد والولد جائزة إذا
[ ٤٢٦ ]
لم يجز أحدهما إلى صاحبه في شهادة شيئًا
قال القاضي: تنازعهم في شهادة الأب والابن في شيء واحد قد سبقهم إليه أصحاب مالك، ذلك ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أن شهادة الأب مع ابنه جائزة، ولايتهم أحدهما أن يرد إتمام شهادة الآخر، قال ابن الماجشون: ويجوز نقل الأب شهادة ابنه، ولا يجوز له تعديله.
ولأصبغ في العتبية: لا تجوز شهادة أحدهما على شهادة الآخر، فقال: وكل من لا يجوز لكل تعديله فلا يجوز لك أن تشهد على شهادته، وإن كان المشهود على شهادته عدلا، وفي منتخب ابن لبابة عنه في شهادة الأب مع ابنه أنه كرهها، وعن سحنون أنه أجازها.
في حيازة ما حكم به قاضي:
حكم القاضي محمد بن سلمة بمال الطالب، ثم قام بعد الحكم بن عبد الله يعترض في ذلك، فقال محمد بن غالب: حكم محمد بن سلمة يمضي، ودعوى ابن عبد الله على ختنه بالاعتراض في مالله الذي خلص ملكه له لا يوجب على المال المحكوم فيه بدعواه شيئًا.
فإذا جاءت الدعوى منه مبهمة، ولم يقل بتصريح أنه يعترض في المال المحكوم فيه، فإن حكم محمد يتوجه به رجلان بأمر القاضي، ويحضر اللذان بهما تثبت الحايزة، فيحزان ذلك، فإن كانت دعوى هذا القائم في داخل ما حازه فلا مقال له، وإن كان خارجًا عن ذلك ابتداء الخصومة فيه، ومضى القسم على الغائب المتورك ويوقف له نصيبه إلى أن يحر فيأخذه، وقال عبيد الله وسعد بن معاذ أو محمد بن وليد.
إذا حازت البينة بعض ما شهدت به فدعا القائم إلى تحليف المطلوب فيما قصرت البينة عن حيازته.
فهمنا – وفقك الله – ما سأله ابن سليمان لنفسه ولأخته زهرة من إحلاف يوسف ابن عيسى، وسلمه وسعدونة على ما قصرت عنه حيازة بينتهما التي شهدت على ملك جدها ابن رزق مما وقع وصفه في الكتاب الذي كشفوا عنه، فذكروا أنه لخم وبأيديهم، فحاز الشهود بعض تلك الأحقال ولم يقفوا على حيازة ما بقي، فالذي يجب في ذلك أن يحلفوا بالله الذي لا اله إلا هو أن الأحقال التي ذلك عبد الله أنها من مال رزق، ووصفها
[ ٤٢٧ ]
في الكتاب، ملك متصير إليهم بالميراث عن أبيهم ولا يعلمون لعبد الله بن رزق فيها ملكًا ولا لأحد.
حيازة وعقله في الأملاك المذكورة في هذه المسألة:
فهمنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة لعبد الله بن سليمان، الواقع عن نفسه في ميراثه عن أمه – أمة العزيز – فيما ورثته أمه عن أبيها عبد الله بن رزق، وإثباته عدد الورثة، على تناسخ الوراثات عن عبد الله بن رزق، وإثبات ما شهد له به من ملك عبد الله بقرية دجال، من عقل ذلك بعد أن أثبت عينه إلى أن ينظر القاضي فيه بما يجب إن شاء الله تعالى.
فالذي يجب أن يوجه الشهود لحيازة ما شهدوا به عليه من مال عبد الله بقرية دحالن فإذا حيز ولم يعارض فيه غير ورثة عبد الله رفع إلى القاضي فنظر فيه بما يجب إن شاء الله قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
حيازة ما أقر المطلوب بعد إنكاره بحدوده:
فهمنا – وفقك الله – ما طلبته امة الخالق من إيقاف عقبة على حيازة الدار والجنان والكرم الذي طلبته به، وجحدها إياه، ثم رجع إلى الإقرار بحدود خافت أمة الخالق إلى أن ترجع إلى الإنكار ثانية، فلا يوجد من يحوزها لها، فالذي طلبت من ذلك حقها يؤمر بحيازة ذلك بمحضر من العدول يعاينون الحيازة ويكونون شهودًا على عينها، قال ابن لبابة، وسعد بن معاذ، ومحمد بن وليد.
قوم ادعو أملاكًا بيد قريب لهم، فاحتج بالاعتمار بمحضرهم، وأثبت ذلك بشهودهم:
كتبت بها إلى أبي عبد الله بن عتاب في قوم قاموا على قريب لهم في أرض وشجر بيده، وادعوا ذلك وأثبتوا موت أبيهم ووراثته ومله لثلث تلك الأرض، والشجر، إلى أن توفى وراثهم، ذلك وأنهم لم يفوتوه إلى حين قيامهم، وحيز الملك وأعذر إلى المطلوب.
فأثبت عقدًا باعتماره إياه ثمانية عشر عامًا بمحضرهم لا يغيرون ولا ينكرون، شهد له بذلك الشهود الذي ثبتت بهم للقائمين ما ذكرناه، وشهد بعضهم باعتمار أحد عشر عامًا، وفي شهادتهم أن المعتمر غرس بعض تلك الأملاك، وقطع شعراءها، وكسر صخورها، هل شهادتهم للفريقين إسقاط لها؟
فكتب إلى شهادتهم للفريقين جائزة لا يضرها اجتماعها في ها لأنهم شهدوا في
[ ٤٢٨ ]
الأمرين بعلمهم، ورأوا اعتمارًا يحتمل أن يكون بابتياع أو إرفاق أو توكيل، وليس يلزمهم الكشف عن ذلك، ولم تبين القرابة، ولو بينت لكان الجواب أوضح، وقطع المعتمر وغرسه بعلم القائمين حيازة في ذلك الشيء بعينه، وليس يلزم المطلوب أن يقول: من أين صارت الأملاك بيده، إلا أن طلبه الطالب بذلك، هل صارت اله بسببه، أو بسب مورثه، فيلزمه الجواب عنه على ما جرى به الاصطلاح عندنا. والله أعلم بحقيقة الصواب.
قال القاضي: في هذه المسألة فصول؛ منها:؛ حيازة الأربين بها هل هي كحيازة الأجنبيين فما حازه بعضهم على بعض؟ ومنها: شهادات الشهود لمن حيز عليه ملكه بمحضره، ثم قام بعد مدة هل يسقطها سكوتهم؟ ومنها: كشف المطلوب عن الوجه الذي صارت به هذه الأملاك إليه، ومنها: تفويت بعض الملك هل هو كتفويت للجميع أم لا؟
وهذا كله محتاج إلى شرح وتفصيل وبسط طويل، وفي جميعه تنازع تركت اجتلابه كراهة التطويل.
مسألة ابن دهمة في دعوى ورثته بجنة حيزت في مغيبهم وحضوهم على موضعها وهو في موضع خصمهم:
رجل ابن دهمة هذا عن بياسة في الفتنة إلى سرقسطة مدة، وتوفي بها هو وبعض بنيه، ثم رجع ابناه عبد الله وأخوه إلى بياسة تاجرين، واقاما بها نحو عشرين عامًان ثم انصرفا إلى بياسة واستوطناها، والجنة بيد إنسان يعتمرها.
فقال عبد الله منها يطلبها، وأثبت المغيب والموت والوراثة واتصال الملك في الجنة، وحيزت، وأعذر إلى المطلوب فقال: هي ملكي، وادعى مدفعًا أجل فيه، فأثبت انصراف هذا القائم وأخيه إلى بياسة، وإقامتهما بها الأيام المذكورة وهو يعتمر الجنة، ولم يحركاه فيها.
وقال شاهد واحد إنه خاصماه فيها ثمن انصرفا، وأثبت أيضًا وثيقة بسماع مستفيض أنه ابتاعها من القائموأخويه منذ ثلاثين عامًا، وأثبت ايض أن هذا القائم قال بين يدي حكم قبل هذا: هبك بعت أنا وأخي أمنا لم تبعظ وأظهر أيضًا وثيقة الابتياع، وليس فيها إلا شاهد واحد حي، وكتبت بذلك إلى قرطبة، وقلت هل قوله هبك بعت أنا وأخي هل هو إقراظ وكيف إن قالا: نحن نمضي البيع، أعطنا الثمن.
فجاوب ابن عتاب: قول القائم هبك بعت أنا وأخي أمنا لم تبع؛ إقرار منه على
[ ٤٢٩ ]
نفسه بالبيع، ولا قيام له في ذلك إلا بسبب أمه إن كانت توفيت بعد البيع، ولا يبلط قيامه بسبها انصرافه تاجرًا؛ لأنه كان مسافرًا وليس لهما طلب المطلوب بالثمن لإنكارهما البيع، ويحلف لقد ابتاع منهما ووفاهما الثمن، فإن كان موت أمهما قبل البيع، فما ورثاه عنها داخل في البيع، وإن كان بعده فلهما القيام ورثاه عنها، والله ﷿ أسأله التوفيق.
وجاوب ابن القطان: ما أثبته المقوم عليه من الابتياع بالسماع الفاشي يوجب القضاء على القائمين إن لم يكن عندهم مدفع، وقول الطالب: هبك أني وأخي بعتك، ليس بإقرار يقضي به؛ لاحتمال اللفظ، ولا يقضي باحتمال، ولا شيء للقائم من الثمن بعد يمين المطلوب لبعد مدة الابتياع وبالله التوفيق.
مطلوب وقف على أملاك بيده من أين صار إليه:
فقال عندي بالوجه الذي صارت به إلى وثائق غائبة، ثم طولب عند حكم آخر غير الذي قال عنده هذه المقالة بإحضار تلك الوثائق، فأنكر تلك المقالة، وقال: إنما قالت إنها أملاك وبيدي، وثبتت عليه المقالة الأولى، هل يزلمه إضارها أم لا؟
كتبت إلى ابن القطان فكتب إلي: لي على الموقف إحضار الوثائق؛ إذ لم يكن للحكم أن يسأله من أين صارت له الأملاك؟ إلا أن يكون الموقف معروفًا بالغصب والتسور والاستطالة والقدرة على ذلك، ولا يكل من لم يكن بهذه الصفة أكثر من أن يقول هي ملكي وبيد، وقد تقدم في الورثة قبل هذه في هذه المعنى.
دعوى في شركة وإظهار بينة بعد قطع الدعاوى وبين المطلوب:
قام عند صاحب السوق بقرطبة رجل، فقال: إن الزرع الذي بقرية فلانة بيني وبين هذا السواء، تشاركنا في زراعته وإقامته، وكانت البقر والدواب التي بها تولينا هذه الزرع بيننا، وأنكر الآخر دعواه وقال: لا حق له فيه، وإنما هو زرعي، فحلف هذا المدعي عليه، وانعقد بينهما كتاب في آخره ممن أشهد كل واحدة منهما أنه لم يبين لواحد منهما قبل صاحبه دعوى، ولا تبعة، ولا علقة يمين بوجه من الوجوه كلها قديمها وحديثها.
ثم قام المدعي ببينة شهدت له أنه وذلك المطلوب أقرا عنده المرة بعد المرة أن البقر والزرع الذي بقرية كذا الذي زرعها في السنة كذا مشترك بينهما، وثبت هذا عند الحكم فشاور فيه.
فأفتى بان عتاب: هذه المسألة الخلاف فيها مشهور بين التابعين فمن بعدهم،
[ ٤٣٠ ]
واختلف قول مالك فيها؛ فروى ابن القاسم عنه أنه إذا أخاف المدعي المدعي عليه، وهو عالم ببينة، فلا قيام له بعد ذلك، وإن حلف هوهو لا يعلم بها فله القيام.
قال سحنون: والقول قوله إنه لم يعلم ببينته مع يمينه، وروي أشهب وابن نافع عن مالك في كتابالمذيان والتفليس فيمن قضى رجلا دينًا كان له عليه، وأشهد على ذلك شاهدين، ثم جاءه يتقاضاه الدين فقال: قد قضيتك وأشهدت عليك فلانًا، فقال: ما قضيتنيه، فقال: أتحلف وأعطيك؟ فحلفن فأراد أن يأتي عيه بالشاهدين، أترى ذلك بعد يمينه ورضاه؟
قال مالك: نعم أرى ذلك، فليأت بها، واحتج من ذهب إلى هذه الرواية بما روى عن عمر ﵁، وعن شريح ﵀ أنهما قالا: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة، ومن خالف هذا القول تأول قولهما على غير هذا التأويل، وقال: لما اشترط اليمين الفاجرة، ولم يقولا اليمين فقط دل على أنهما لم يريدا إلا الفاجرة، ولا يوقف على اليمين.
وبرواية ابن القاسم أقول: يحلف سعادة بالله ما عرف شهوده حين تحليفه لفرج، فإذا حلف على ذلك؛ وجب الحكم بما اجتمع عليه شهادة الشهيدين إن شاء الله تعالى، ولا يضر سعادة إشهادهما على أنفسهما أنه لميبق لواحد منهما قبل صاحبه دعوى ولا تبعة ولا يمين ولا علقة بوجه من الوجوه قديما وحديثها؛ لأن ظاهر هذا الإشهاد لم يقصدا فيه إلى إسقاط البينة.
فإن أدرك اجتهادك إلى الأخذ بتحليف سعادة أنه ما علم ببينته، فعرفه بما يروي عن النبي (ﷺ) أنه قال: "من حلف على يمين كاذبة لقي الله وهو عليه غضبان (١) " ثم تلا رسول الله (ﷺ): ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانه ثمنا قليلا﴾ (آل عمران: ٧٧) إلى آخر الآية.
رد دعوى ورثة ابن لبيب البيطار على زوجته أنها أخفت بعض تركته:
وشاور الفقهاء في يذلك صاحب المدينة بقرطبة محمد بن هشام بن عيسى الحفيد، يا سادتي وأوليائي ومن أحسن الله عنهم الدفاع، وأدام بهم الامتناع: قام محمد وعبد الودود
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري ج٢، ص ٩٥١ برقم ٢٥١، ومسلم ج١، ص ١٠٤ برقم ١١٠
[ ٤٣١ ]
ابنا أحمد بن عبد الرحمن بن منهال الجذامي – من ورثة عبد الله بن لبيب البيطار – يدعيان على مسعدة زوجة مورثهم عبد الله بن لبيب؛ أنها أخذت من تركته أشياء تلوح لكمن في استرعاء أدرجته طي خطابي هذا إليكم، مؤرخ بجمادي الآخر سنة تسع وخمسين وأربع مائة. استبدت بها دون سائر الورثة.
فكلفتهما إثبات موت عبد الله المذكور ووراثته، فأثبتا ذلك عندي على ما تضمنه عقد الاسترعاء في كتاب مؤرخ بجمادي المذكور أدرجته طي هذا الخطاب، فاستحضرت مسعدة ووقفاها عندي على ما ضمنه عقدة الاسترعاء المذكور، فأنكرت ما فيه، وأن يون استقر بيدها شيء من ذلك، وثبت قولهما بذلك عندي في مجلس النظر، وثبت عندي الاسترعاء بشهادة إبراهيم، وعبيد الله، وعيسى، من شهدائه على عينها، وأعذرت إليها فهم، ولم يكن عندها مدفع، وثبت قولها بذلك عندي.
ودعيت إلى الفصل بينهم بالوجب، فلم يسعني إلا مشاورتكم، فخاطبتكم بكتابي هذا مدرجًا طيه كتاب الاسترعاء والوراثة، لتشيروا علي بما أعتمد عليه وأنفذه بينكم موفقين مأجورين إن شاء الله تعالى، والسلام.
وكان في عقد الاسترعاء المذكور أن شهوده استوصفوا رضا مولاة لبيب بحضرة مسعدة زوجة عبد الله عما تخلفه من الناس، وحيث استقر بعد وفاته فذكرت أنها أحضرت حينئذ مال ابنه عبد الله قدرًا فيه سبع مائة دينار دراهم قاسمية، وقدرين غير مملوءين فيهما قراريط، وخريطة فيها دراهم ضرب المرية زنتها ستة أرطال، وثلاث صحاف حنثمية فها قراريط قرطبية، وثلاث قديرات صغار مملوء بدراهم قاسمية، غير ما احضرته مع ذلك مما سرقه أخو مسعدة في مال لبيب، وأحضره عند التشدد في مجلس الوزير ابن جهور من الصفة المذكورة، ووضع جميع ذلك، حاشي اقدر المذكور أولا – بأمر عبد الله بن لبيب في تابوت في بيت سكناه مع زوجة مسعدة، واتفق عليه بمحضر مسعدة.
وصار القفل بيدها؛ إذا كان عبد الله معتلا، وكان وصف رًا لهذا بحضرة مسعدة لا تنكر عيها شيئًا، فسألها الشهود عن القدر المذكور، فقالت: رأيتها في بيتي، فقلوا لها: فأين ذلك؟ فقالت: لا أدري.
فجاوب ابن عتاب: سيد تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، فرأيت في عقد
[ ٤٣٢ ]
المورث والوراثة أن من جملة الورثة يتيمًا يجب أن يقدم عليه، وأن يها وصية، وهذا إنما هو إلى القضاة أو من إليه النظر في أحكام القضاء لا إلى غيرهم، ووقفت على ما تضمنه الاسترعاء من إنكار مسعدة لما وقفت عليه، وإعذارك إليها، في حالة لا يلزمها فيه إقرار ولا إنكار للمستفيض المتحد عليها به من التوقيف السمج القبيح بالأجعال المؤلمة والنفات الموجعة بالمياومة.
وكون المراقبين عليها معا في الدار التي تعتمد فيه، ومداخلين لها فيها، وهذا أمر أحدثه الهالك إبراهيم في أحكام الدين، واخترعه،أنفذه على المسلمين، وقد قال النبي (ﷺ): "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعه عليها إلى اليوم القيامة لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من اتبعه عليها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا (١) ".
فبادر إلى إزالة الترقيب والتوكل ساعة تقف على جوابي؛ إذ لا يجوز بقاء ذلك ساعة من نهار، وهذا غير جائز إن يعمل في حيازة الأموال، فكيف في المواريث؟
والاسترعاء الذي أعذرت فيه ضعيف جدًا وغير بين، إذ خلط فيه ما كان في حياته وبعد مماته وغير ذلك، فمن ضعفه: ما حكي شهوده عن أنفسهم فيه أنهم استوصفوا رضا عما تخلفه لبيب وحيث استقر.
وليس هذا سبيل الشهود؛ لأنهم إذا كانوا هم الذين استوصفوا وتصرفوا في ذلك فذلك يوهن الشهادة، وذكروا أنه وضع جميع ذلك – حاشي القدر – بأمر عبد الله بن لبيب في تابوت في بيت سكناه مع زوجة مسعدة، وأقل عليه بمحضر مسعدة، ولم يقولوا من فعل ذلك، وصار مفتاح القفل بيدها، إذ كان عبد الله بحال علة، فأثبتوا أولا أن ذلك بأمر عبد الله، ثم ناقضوا آخرًا في مقالهم بأن عبد الله كان عليلا، وقالوا: إن المفتاح صار عند مسعدة، ولم يقولوا من صيره بيدها أعيد الله صيره بيدها أم هم؟ ولم يبينوا على أي وجه صار بيدها؟ ولا أنها أشهدتهم على شيء من ذلك وهذا كله اختلاط من المقال.
والعجب من الشهود كيف ذهب عيهم هذا ولم يحرزوا الشهادة فيه، ورأيت أحدهم قد استثنى أمر المفتاح، والأمر في ذلك واحد، والذي يلزم مسعدة اليمين بالله عز
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم ج ٢، ص ٧٠٤ – ٧٠٥ برقم ١٠١٧.
[ ٤٣٣ ]
وجل، أنها ما غابت على شيء من تركة زوجها، ولا عندها شيء من تركته ولا عند غيرها بسببها؛ لا بوديعة منها لذلك ولا بغيرها من الأسباب.
وهذه اليمين كانت تلحقها دون الاسترعاء، فبهذا جرت الأحكام قديمًا في هذا وأشباهه، ولا سبيل إلى العدول عنها، ولا الخروج منها، والسلام عليكم ورحمة الله. قاله محمد بن عتاب.
وجاوب ابن القطان: سيد قرأت كتابك وما ضمنت خطابك من استرعاء وإنكار، فرأيت في ذلك ريبًا ظاهرًا، وتهمًا بينة مكشوفة، إذ كان ذلك كله وهي آمنة ن غير إكراه ولا ضغط، وعلى ذلك يدل كتاب الاسترعاء؛ لأن شهوده معروفون بالخير والعدالة، وذلك كله موجب للتشدد على الزوجة مسعدة؛ إذ ثبت عليها إنكارها لما وقع، وسكوتها وإقرارها أنها رأت القدر المذكورة في يبيتها، وقولها: لا أدري علامة سوء، يوجب ذلك كله التشدد عليها، وللوارثين ذلك المالكين لأمورهما طلب حقهما.
فإذا ظهر شيء قسم ذلك قسم ذلك وقدم حينئذ للصغير من يقسم عليه ويقبض حصته، وليس صغر الصغير ويتمه مما يمنع الوارثين طلب حقهما وإثباته، والذي كان من انتهاب مال لبيب البيطار معلوم، وما شاع من ظهور ماله مشهور غير منكور، ولهذا وشبهه وما أثبت في الاسترعاء وإنكار مسعدة: وجب ما ذكرته، والله ﷿ يبين الحق ويظهر بحسن النية فيه وفي إظهاره، بعزته إن شاء الله تعالى.
ولم أتكلم في أمر الترقيب، ولا جاوبت فيه؛ إذ لم أخاط به ولا شاع أن ذلك كان في حال إقرار أو إنكار، ولا يحسن الجواب إلا فيما يجب والسلام.
وجاوب ابن مالك: سيدي ووليي، ومن أرشده الله إلى ما يرضاه، وعصمه فيما يتولاه: تدبرت خطابك والاسترعاء المدرج طيه، فأبدا لي ريبة مسعدة، وأنها مسترابة متهمة، واليمني في هذا موضوعه في كتاب الله ﷿ على المريب المتهم، هل أخفى شيئًا من التركة؟ وهذا قوله سبحانه ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم﴾ (المائدة: ١٠٦) وقد اختلف عن مالك في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟
والقول بأنها محكمة أصح، وعليه أكثر الأمة، وإن كان في أحكام إسماعيل: راسخ مذهبنا أنها منسوخة، وهو عندي قول واه، تبدو عليه هجنة؛ لأن قائله يزعم أن ناسخها قوله ﷿ ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (البقرة: ٢٨٢) ﴿وأشهد ذوي عدل منكم﴾
[ ٤٣٤ ]
(الطلاق: ٢) والمائدة إنما نزت بعد هذا، فكيف يتقدم الناسخ على المنسوخ لولا فتور التحصيل، ولو سلمنا نسخها ما منع من احتجاجنا بها وجوه، منها: أن مالكًا قد احتج في المدونة إذ سئل عن مسألة بآية لم يختلف في نسخها وزوال حكمها، وهذا يطول شرحه وجلبه.
والجواب في مسألتك إن تحلف مسعدة ومن اتهم، لا سيما وقد تقصبت واستبرأت، وقد خاب من حمل ظلما وتقد خيانة، فإن نكت عن اليمين؛ فالتشدد بالسجن وغيره، وبذلك أفتى عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأبو صالح، ومحمد بن وليد، ولعلماء الأندلس.
حملنا الله وإياكم على الصواب، برحمته، والسلام سيدي ورحمة الله وبركاته.
قال القاضي:
في قوله: وبذلك أفتى عبيد الله، وابن لبابة، ومن ذلك معهما، وقد ذكرنا ذلك عنهم من أحكام ابن زياد، في صدر الكتاب، وفي باب الأيمان، وفي الحقوق والتهم هناك، مستوفي كثير المسائل، وقوله: وقد احتج مالك في المدونة على مسألة بآية منسوخة، يريد قول مالك في يالنصرانية لها أخ مسلم ويخطبها مسلم، وإن كانت من نساء أهل الجزية، فلا يجوز للأخ أن يعقد نكاحها وماله ومالها، قال الله ﵎: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ (الأنفال: ٧٢).
وفي الواضحة:
هذا إن تشاح أهل دينها في ذلك، وإلا فإن يلي عقد نكاحها مسلم خير من أن يليه كافر، وقال ابن القاسم في سماعه إن كانا معتقين فله أن يلي العقد عليها، وأما الآية فذكر أبو جعفر بن النحاس في كتابه عن قتادة في قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ (الأنفال: ٧٢) قال: وكان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وكان من أسلم ولم يهاجر لم يرث أخاه، فنسخ ذلك ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ (الأنفال: ٧٥).
قال ابن عباس: آخى النبي (ﷺ) بين أصحابه، فكانوا يتوارثون بذلك حتى نزلت ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ (الأنفال: ٧٥). فتوارثوا بالنسب، قال أبو جعفر: فقال العلماء: إن هذه الآية ناسخة للتي قبلها، وذكر عن عكرمة نحوه. وأما قول ابن مالك في آية الوصية في سورة المائدة: إن قول من قال: إنها منسوخة قول واهٍ
[ ٤٣٥ ]
تبدو عليه هجنة، فكان ينبغي له أن يتعداه إلى سواه مما هو أحسن لفظًا وأجمل مقطعًا؛ لجلالة قائله ورسوخهم في العلم.
فقد حكى أبو جعفر في كتاب الناسخ والمنسوخ ذك عن زيد بن أسلم ومالك ابن أنس والشافعي وأبي حنيفة، وقال في كتاب المعاني له عن إبراهيم النخعي أيضًا أنه قال: إنها منسوخة نسختها ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (الطلاق: ٢) وقد ذلك الشيخ فيها أبو بكر محمد بن الحسين في كتاب المشاكل له، وإن كان لم يسم قائله.
وما قاله هؤلاء العلماء وأئمة الفقهاء، واتبعهم عليه من الخلف مثل القاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره، ليس بطلق فيه القول مثل هذا التهجم، ولا ينكر بأقبح الذكر، إذ توقيرهم علينا واجب، وحقهم لنا لازم، وحسب المنكر له العدول عنه، وترك القول به، إذا كان لذلك أهلا وكان معه من العلم إدراك يميز به صحة ما يختاره ويميل إليه.
وإنما يستسهل الإنسان هذا اللفظ وشبهه في المتسمين بالعلم من المتأخرين المتكلفين لما لا يحسنون، وفقنا الله أميع، واستظهار على أحكام الآية بأن الناسخ لا يكون قبل المنسوخ لا يسلم له، فقد نسخ قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (البقرة ٢٤٠) الآية، وهي في التلاوة بعد الناسخة، مع أن في الآية خمسة أقوال أحدهما نسخها والثاني قول ابن عباس: إنها محكمة على ظاهرها في السفر.
وقاله شريح: تجوز شهادة أهل الكتاب في وصية المسلم في السفر، وقاله ابن المسيب، وسعيد بن جبير، وعبيدة وابن سيرن، وغيرهم.
وتركنا ذلك مما قيل فيها لئلا نخرج عن غرضنا في هذا الكتاب وبالله التوفيق.
شورى فيما تخلف إبراهيم بن محمد المعروف بابن السقا قيم دولة ابن جمهور بقرطبة.
شاور صاحب أحكام قضاء الجماعة بقرطبة سراج بن عبد الله – وفقه الله – من حضرة من أهل العلم أرشدهم الله فيما يذكر بعد هذا من أموال الهالك إبراهيم بن محمد بعد أن ثبت عنده موته، وأن المحيط بميراثه في علم من ثبت ذلك عنده ابنه الصغير محمد.
ولم يلف له ناظرًا فقدم لنظر له محمد بن مطرف بن كوثر، وسألهم عن الواجب
[ ٤٣٦ ]
في تركته هل تنفذ منها وصيته، ويرث سائرها ورثته أم لا؟ إذ قد ثبت عنده استطالته في الأموال بغير حق، واقتطاعه إياها واستبداده فيها دون واجب، وقلة ذا يده وتفاهة وفرة يوم ولي النظر في أموال المسلمين، وأنه هلك في تولية ذلك، وهو عظيم الوفر واسع الجدة بين الإكثار.
وكذلك شاورهم فيمن اتصل بالهالك من قرابته وخاصته، وشاركه في قبض أموال المسلمين وجديها على يديه ممن ثبت عند إقلاله وتفاهة يده يوم تولى ذلك، وثبت عنده عريض غناه وكثرة ذات يده يوم أزيح عن ذلك منهم سالم أخو الهالك إبراهيم، ومحمد بن أخت الهالك إبراهيم، وسهره يحيى بن وهب، وأعلمهم أنه قد ثبت عنده هلاك محمد بن أخت الهالك، وأن المحيطين بميراثه في علم من ثبت بهم ذلك عنده بنوه الأصاغر يحيى وإبراهيم وعبد الملك وأبو يحيى، وأنه لم يلف لأصاغر ذلك ناظرًا من قبل أب ولا قاض.
فقدم للنظر لهم جدهم يحيى ويوسف بن أحمد بن عبد العزيز القيسني، وأعذر فيما وجب أن يعذر فيه من جميع ما ذلك في هذا الكتاب إلى من وجب أن يعذر إليه بما وجب، فلم يكن عند من أعذر إليه في ذلك مدفع، وأقر عنده سالم ويحيى المذكوران أن جميع ما بأيديهما من الأموال والرباع والعبيد وما بنياه من المنازل، إنما هو من مال المسلمين، حاشا الدار التي يسكنها يحيى منهما الآن بحاضرة قرطبة بحومة مسجد الغلباطي وحاشا الحانوت التي بيد سالم، وكان لمتجره بسويقة ابن سليمان.
وثبت إقرارهما بذلك عنده في مجلس نظره، واستفسر الفقهاء عن الواجب في ذلك كله، فقالوا: نرى والله الموفق للصواب إذ قد ثبت عندك ما ذكرت، وأعذر على حسب ما وجب أن جميع تركة الهالكين إبراهيم ومحمد لمسلمين إلا ما صح ملكه لهما، وأن جميع ما أقر به سالم ويحيى لازم لهما فيما أقرا به. قال بذلك محمد بن عتاب، وأحمد بن محمد، وموسى بن هذيل، وعبيد الله بن مالك.
قال القاضي:
أخبرني ابن مالك ﵀ قال: كتبت هذه الشورى عند الوزير ابن جهور وبمحضر القاضي سراج والفقهاء في سنة خمسين وأربعمائة التي قتل فيها إبراهيم بن محمد بن يحيى، وكلهم قد درج رحمنا الله وإياهم.
[ ٤٣٧ ]
شورى في دار بين شركاء، بعضهم يسكنها وباقيهم يسأل أخلاءها ليبيعها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد سؤال لصاحب الأحكام بقرطبة: يا ساداتي، لورثة خلف بن سعيد دار بعضهم فهيا وبضعهم خارج عنها، فأراد الخارجون عنها تسويقها وبيعها، وقالوا: لا يمكن تسويقها إلا بإخلائها، ودعا ساكنها إلى عزم كرائها على الإباحة للتسويق، فأبى ذلك الخارجون عنها.
فجاوب أبو عبد الله ابن عتاب:
سيدي ووليي، الذي أفتى به سيوخنا قديمًا، وحكم به في ذلك/ أن الدار التي لا تحتمل القسمة، وتنازع الورثة فيها – كما ذكرت – تخلي من جميعهم لتسوق خالية، إلا أن يوجد من يكتريها من غير الورثة على شرط التسويق، فتكري منه إذا أمن منه الميل إلى بعض الورثة، ولم يكن من ناحية أحدهم ولا من سببه، وبهذا أقول.
وجاوب أبو عمر بن القطان:
سيدي ووليي بقاء الدار دون كراء ضرر على من يذهب إلى ارتفاق بنصيبه إن كانت دارًا يكرى مثلها، فوجه العمل أن يقال لهم: إن أنفقتم الآن على التقاوم في الكراء إلى أن ينفذ البيع فيها فتقاوموها، ثم يسكنها من أراد، وإن أبيتم أخليت منكم ثم أشيدت للكراء، كما تشاد الدور للبيع.
فإذا بلغ كراؤها ثمنًا ما كان لمن أراد السكنى أن يضم كراء أصحابه بما بلغت ويسكن الدار، إلا أن يزيد عليه من شركة، فالزائد أحق، والإشادة للكراء على شرط التسويق للبيع، إلا أن يثبت في ذلك من الساكن فيها من الورثة ضرر يخل بالبيع، أكريت من غيره، وإن ثبت عندك أن تسويقها للبيع خالية أفضل من مسكونة وأوفر لثمن؛ أخليت إن شاء الله تعالى ..
وجواب أبي مروان ابن مالك:
سيد، إن كانت هذه الدار لا تحتمل القسمة بينهم لضرر، فلا أجد فيما أظهره الله إلي من العلم على مذهبنا إلا ما قاله الفقيه أبو عمر حفظه الله، أعرف أنه الحاصل في ذلك من مذهبنا، كما يعرف الناس أبناءهم.
قال القاضي:
هكذا وجدت هذه المسألة على النص من أولها إلى آخرها بخط أبي مروان ﵀
[ ٤٣٨ ]
في آخر بعض أسفاره من مختصر المدونة وقد تقدم، هذا المعنى على نحو ما أفتى به ابن عتاب، وكان جوابه مقنعًا لو كان إنصاف وائتلاف ولم يكن تناكر واختلاف، واليه يرجع ما أطال أبو عمر الكلام فيه، والله الموفق للصواب.
مسألة زوجة الشرقي في قيامها عليه في مغيبة بحق طلبت به وكيله فأقر لها به:
قامت عند صاحب الأحكام محمد بن الليث فاطمة التي كانت زوج محمد بن أحمد الشرقي إلى أن طلقت نفسها في مغيبة بشرط المغيب، وادعت أنها كانت دفعت إليه قبل مغيبه مائة مثقال يبتاع بها خادمًا، وأنها كانت أسلفته مدى قمح، ثم رغب منها أن تأخذ منه فيه ثمانية عشر مثالا، ولم يؤدها إليها، ولا ابتاع لها المملوكة.
ووقفت على ذلك عند ابن الليث محمد بن أحمد الباغاي إمام الفريضة بعد أن ثبت عنده أنه وكيل الغائب ابن الشرقي على طلب حقوقه كلها وقبضها والإقرار والإنكار وقبض مستغلاته توكيلًا تامًا مفوضًا، أقامه فيه مقام نفسه في يعقد مؤرخ بنصف المحرم سنة تسع وخمسين وأربع مائة.
وكان ابتداء العقد: توكل فلان بن فلان على كذا وكذا، ثم قال: شهد على إشهاد المتوكل والموكل على أنفسهما إلى التاريخ، ثم قال: وكان إشهادهما على التوكيل المذكور قبل تاريخه، بعام أو نحوه في علمهم، فأقر الوكيل محمد على الغائب ابن الشرقي للزوجة فاطمة بدعواها.
وقال: إنه حق قبل موكله، وتقيد إقراره في أسفل التوقيف وشهد لها بالمائة مثقال شاهدان أهما سمعا الغائب يقر لها بها، فقبل الحكم أحدهما، وطلبت فاطمة أن تنصف من ذلك من ثمن المملوكة المبيعة على الغائب في غيبته، لشكواها الضيقة، وأنها لا نفقة معها، وطلب الوكيل قبض الثمن الموقف عن أمر الحكم على يدي ثقة ارتضاه الحكم لذلك، واحتج الوكيل في طلبه لذلك بما في عقد الوكالة من أنه وكيله على فقبض حقوقه، فشاور ابن الليث في ذلك كله.
فأفتى بن عتاب:
تصفحت خطابك ونظرك الذي نظرته في يأمر المملوكة، وبيعها صحيح، وما وقفته للغائب، فلا سبيل إلى إخراجه عن من وقفته على يديه إلى بتوكيل الغائب على قبضه توكيلًا ينص فيه على قبضه، وأما بالتوكيل الذي أدرجته فلا، وكذلك لا سبيل إلى قبض
[ ٤٣٩ ]
فاطمة ما ادعته، لتوفقك عن قبول أحد شاهديها، فيبقى ثمن المملوكة عند من وقفته بيده إن شاء الله تعالى.
وأفتى بن القطان:
أما التوكيل المذكور، فللموكل محمد بقض جميع حقوق موكله الغائب بقوله: إنه وكيله على قبض كل ما وجب له من حقوقه، ويبرأ المقبوض منه بقبض الوكيل، وقد نزل مثل هذه المسألة في رجل وكل رجلا على قبض حقوقه، ووقع للموكل بعد ذلك ميراث، فلم يختلف حينئذ أحد من شيوخ الفقهاء، وهم متوافرون أن له قبض ما وجب لموكل، وإذا لم يثبت عندك لفاطمة ما يوجب لها حقا فلا شيء لها في مال الغائب.
وأفتى أبو محمد بن أبي عبد الصمد:
ما ادعته المرأة فاطمة من المائة مثقال قبل الغائب ليبتاع لها بها خادمًا إنما هو في أمانة الغائب، وليس بدين ثابت في ذمته، ولا يعدي في مال الغائب بما هو في أمانته، وما ادعته من بقاء ثمن القمح الذي كانت سلفته إياه عليه فهو دعوى ما لا يجوز؛ لأنه فسخ دين في دين، ولا يقضي لها بشيء من ذلك في مال الغائب للوجه الذي ذكرنا.
وما دعي إليه الوكيل من قبض ثمن المملوكة الموقفة للغائب، فذلك له واجب؛ لأنه من حقوق الغائب أن شاء الله تعالى.
وأفتى ابن مالك سيدي ووليي، ومن وفقه الله وسده، أراك إنما اعتمدت فيما ذكرته لنا من مغيب ابن الشرقي على ما ثبت عندك فيه ولا تاريخه، إذا لم تعرفنا به، فإن كان فيما ثبت عندك بعد مغيبة واتصال غيبته وتاريخ الشهادة بمغيبة قريب جدًا، فذلك الذي يبيح العمل بالوكالة.
فإن كان إيقاع الشهادة بالمغيب قد بعد عهده فنبغي أن تعاد الشهادة إلي باتصال غيبته، ثم إن الوكالة المدرجة إلينا يبدو فيها أن الموكل ابن الشرقي لم يشهد على نفسه في العقد المدرج إلينا منتسخة، ولا أرى الكتاب، وإنما لقن ما فيه من حفظ الشهود على وجه الاسترعاء إلا بأن ينص لك الشاهد معانيها من حفظه كما يزعم القائم أن من حفظهم كتبت، وأما أن يقول لك: هذه شهادتي أشهد بها عندك، فتعلم له عيها، فلا يجوز لك، ولا يسعك ذلك في مثل هذا، فالله الله في الاهتبال بأمور الناس والنظر لنفسك.
فإذا عزم الأمر وحق العمل بالوكالة بتهذيب ما ذكرنا واستبرأته أنصفت فاطمة مما
[ ٤٤٠ ]
توقف لغائب، إما بإعمال إقرار وكيله عليه، وإما بأنه شاهد لها فتحلف معه بما يجب، وهذا بين بما في الموطأ وبيانه، ولها شاهد آخر مقبول سوى الموقف عنه، ويقبض الوكيل ما بقي للغائب بعد إكمال ما قلت لك وإحكامه على ما يجب إن شاء الله تعالى.
قال القاضي:
جواب أبي عبد الصمد في ترك ادعاء فاطمة بما ثبت لها في أمانة زوجها ومن المعاملة الفاسدة جهل لا يلتفت إليه، وأما ابن عتاب فإنما أفتى بأن لا يقبض الوكيل ثمن مملوكة المبيعة على موكله؛ لأنه كان قبل له إن الوكيل غير مأمون عليه، فرأى من النظر إبقاءه في مكانه، وضع ذلك الوكيل من ضعف الوكالة.
تداعى ابن الدباغ وعمر في بئر سانية وصهريجها، وفي المقاسمة فيها:
اختصم عند صاحب الأحكام بقرطبة ابن الليث محمد بن محمد بن عتبة المعروف بابن الدباغ مع عمر بن محمد بن عمر في بئر سانية وصهريجها في جنة بالرملة.
وأظهر أحمد كتاب تقاسم في الجنة عقده أبوه ومحمد والد عمر أن السانية والصهريج بين محمد بن عمر ومحمد بن عتبة بنصفين، وجحد عمر الاشتراك، وادعى أنهما لها خالصان، فأنكر عقد التقاسم، واحتج بكونهما بيده وسفيه لجنته بهما، فأثبت محمد عقد المقاسمة، وحيرت بئر السانية والصهريج، وأجل عمر في المدفع، ثم دعا أحمد إلى تحليف عمر أنه ليس عنده من عقد المقاسمة نسخة إذ كان في الذي أظهره والكتاب نسختان.
فأفتى ابن عتاب: أن اليمين لاحقة له أن ما عنده نسخة من المقاسمة واعلم هل بها وخالفه ابن القطان وابن مالك، فقالا لا يمين عليه، إذ قد ثبت الكتاب الذي بيد القائم، ثم اتصل الخصام بينهما، وكان أحمد أثبت عقد المقاسمة بثلاثة شهود، وحازوا القطيع الذي فيه البئر ودورها وصهريجها وأعذر إلى عمر في ذلك، فجرح احد الشهود بعداوة بينهما متصلة، وأنهما لا يتكلمان، وشهد لهم بذلك شهود غير مبرزين، إلا أنهم مقبولون.
وبدا من أحد شاهدي المقاسمة الباقيين ما أوجب التوقف في شهادته، وأثبت كتاب استرعاء تضمن معرفة شهوده بالبئر والصهريج في اعتمار محمد بن عمر، وكونهما في ملكه يسقى منها ويتصرف إصلاح آلتها مدة عشرة أعوام اتصل آخرها بوفاته، وصارا في اعتمار المقوم عليه عمر أزيد من اثني عشر عامًا بمحضر القائم ومشاهدته لا بغي عليه؛ إلى
[ ٤٤١ ]
أن بلغهم قيامه يطلب فيها نصيبًا في تاريخ شهادتهم سنة ثمان وخمسين.
وأثبت أحمد عقد استرعاء بان البئر والصهريج كانا معطلين مدة خمسة عشر عامًا، وأنهما في ملك محمد بن عتيبة ابنة ومل محمد بن عمر بنصفين، ولم يزد الشهود على هذا، وكان قد تقيد من مقال أحمد أنه أعار ذلك عمر وحيز ذلك، وأعذر فيه إلى كل فريق على ما وجب، فلم يأتيا بشيء غير ما ذلك، وشاور الحكم فيها.
فأفتى ابن عتاب:
الذي أحاطه العلم وجرى به العمل والحكم في التجريح بالعداوة أنها تكون بشهادة من يزكي من الشهداء، ولا يشترط في أهل التبريز في العدالة من غيرهم، وإنما يطل بالتبريز غير العداوة من وجوه التجريح، ولا أعلم في هذا خلافًا، وذكرت أنه طرأ عيك، وانتهى إليك ما أوجب التوقف باقي شهود المقاسمة، فإذا كان هذا فلا معنى للاشتغال بالسؤال عن الجواب عنها.
ورأيت الكتب المدرجة قد عريت من تحديد الجنة التي فيها البئر والصهريج وإنما أشير إليها في كل كتاب إشارة لا تنحصر ولا تنضبط، ولا يتوجه الحكم في ذلك إلا بالتحديد البين والتعريف المعلوم المكشوف، فيجب تحديد ذلك على المعهود من التحديد، ولا يكتفي من ذلك بما في كتاب المقاسمة لما ذكرته في خطابك من توقفك من باقي شهودها.
وأما في شهادة الشهداء في الاسترعاء الذي ذكرت أنه لم يكن عندهم من يد فيها، ففي إعمال هذه الشهادة اختلاف؛ فمن الفقهاء من يرى ترك إعمالها مع بقاء الشهود وحيازتهم، وإعمالها عند فقدهم وذهابهم، وعدم السبيل إلى استفسارهم، ولكنهم إذا قالوا عندك لا مزيد فيها عندك فلا يجب إعمالها.
والذي يجب في هذه القصة – والله أعلم بحقيقة الصواب – أن يحلف كل واحد على تحقيق ما يدعيه، فإن حلفا كان مشتركًا بينهما على ما قاله مالك ﵀ فيمن ادعى شيئًا أنه له، وادعى غيره أن له منه نصفه، وما شهد به لعمر في استرعائه، ولأحمد في عقده غير عامل لالتباسها وإشكالها، ولكنهما مدعيان يدا لكل واحد منهما، فإن نكل أحدهما فللحالف ما حلف عليه.
[ ٤٤٢ ]
وأفتى ابن القطان:
أما كتاب المقاسمة، فلا حجة فيه لمظهره لبطلانه بعد ثبوته، وكذلك عقده بتعطيل البئر والصهريج، والذي أثبته عمر، والذي تقيد من قول أحمد أنه أعاره ذلك؛ يوجبان القضاء لعمر بذلك الأمر حالة؛ لأن الاسترعاء والمقال يوجبان بدًا لعمر إلا لو أثبت ما ذكره في مقاله وما شهد به من الملك لا في القائم ولا في المقوم عليه فلا يتلفت إلى ذلك لنقصانه إن شاء الله.
قال القاضي:
قول أبي عبد الله في جوابه على ما في السؤال عن شهود الاسترعاء بتعطيل البئر والصهريج خمسة عشر عامًا، وأنها في ملك ابن عتبة وابن عمر بنصفين، ولم ترد شهادتهم على هذا، وفي إعمال هذه الشهادة اختلاف، ذهب إلى ما في المدونة في كتاب الشهادات عن مالك فيمن شهدت له بينته بداية أو غيرها أنه شيئه لا يعلمونه باع ولا وهب أنه يستوجب بهذه الشهادة ذلك، ويحلف ما باع ولا وهب ولا خرج عن يده بوجه ويأخذه.
زاد في كتاب العارية عن ابن القاسم: فإن لم يشهدوا أنهم لا يعلمونه باع ولا وهب. حلف أنه ما باع ولا وهب، وقضى له فأمضى ههنا شهادتهم، ولم يقولوا: لا نعلمه باع ولا وهب ولا قال، يعادون ويستفسرون إن كان حضروا.
وفي شهادات المغرب عن أشهب: أن هذه الشهادة إنما تمضي إذا لم يوجد سبيل إلى سؤالهم، وأما إن حضروا فسئلوا فأبوا أن يقولوا: لا نعلمه باع ولا وهب فشهادتهم باطل.
ومثل هذا شهادتهم في عدة الوراثة؛ لابد أن يزيدوا: لا نعلم له وارثًا غيرهم، ولا يشهدون في هذا ولا الأول على البت ولا وارث له غيرهم ولا أنه شيئه لم يبعه ولا قوته، كذا في المدونة في سماع أشهب في شهادات العتبية، وفيه خلاف في كتاب ابن حبيب وكتاب أبي فرج لبعض أصحاب مالك، أن الشهادة بذلك لا تكون إلا على البت لا على العلم، ولهذا تبيين، وفيه تنوع تركناه لطوله.
وجواب ابن القطان في هذه المسألة أظهر من الجواب الثاني، وليس أيضًا يبعد في النظر، والله أعلم بالصواب.
ويمين من استحق شيئًا متنوعة متنازع فيها، وأرجو أنها تأتي في غير هذه المسألة فنبينها إن شاء الله تعالى وهو المنعم بالهدى.
[ ٤٤٣ ]
من ادعى بيع ثوب من إنسان وقال المدعي عليه: بل أمرني ببيعه:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه ورثة ابن علي واليهودي، بأن قال ورثة ابن علي أن ابن علي باع من اليهودي درنكًا (١) وشقة، وبقي ثمنها عنده، وقال اليهودي: لم أشترهما منه؛ أنا دلال؛ أبيع لناس، فسألني بيعها، فبعت الدرنوك بثمن والشقة بثمن، وأوردت جميع ذلك عليه، وأخذت أجرتي منه.
فالذي يذهب إليه أصحاب مالك وسحنون معهم: أن القول قول اليهودي مع يمينه، وقالوا: كل من أقر بشيء في أمانته فلا يعدو إلى ذمته، ونسأل الله التوفيق، قال بذلك ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
قال القاضي:
الذي نص عن ابن القاسم في هذه المسألة بعينها خلاف ما ذهبوا إليه، وإشارتهم في جوابهم غنما هي إلى ما روي عن مالك وأصحابه في غير هذه المسألة، من ذلك ما في كتاب القرض من المدونة، فيمن له بيد آخر مال، فقال رب المال: هو قرض، وقال الذي هو بيده: إنما هو قراض، قال ابن القاسم: قال مالك: القول قول رب المال. يريد مع يمنه.
قال ابن القاسم: لأنه قال: أخذت مني المال على ضمان، وقال العامل: بل أخذته على غير ضمان، فهذا قد أقر له بمال وبدعي لا ضمان عليه فيه، فلا يصدق، فقال ابن حبيب في قراض الواضحة: إلى هذه رجع مالك، وأخذ به مطرف وابن الماجشون وأشهب وابن وهب بعد أن كان يقول: القول قول المقر؛ أنه قراض.
وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ، قال ابن حبيب: وبالذي رجع إليه مالك أقول، وروي انب وهب عن مالك في المبسوط مثل ما ذلك ابن حبيب عنه؛ أن القول قول رب المال.
وفي المدونة في كتاب الوكالات: قال مالك فيمن دفع إلى رجل ألف درهم ليشتري له بها حنطة فاشترى بها تمرًا، وقال: بذلك أمرتني؛ فالقول قوله، ورب المال مدع (٢). وقال أشهب في نوازل أصبغ في العتبية، قال أصبغ: إلى هذا رجع ابن القاسم بعد أن كان يقول: القول قول رب المال والمأمور مدع، قال أصبغ: وبه أقول.
_________________
(١) الدرنوك: البساط. انظر لسان العرب ج ١٠، ص ٤٢٤ (مادة، درنك).
(٢) انظر المدونة ج ١٠، ص ٢٤٦.
[ ٤٤٤ ]
وقد ظهر بهذا الذي أوردنا أن صاحب المال هو المصدق عند أكثر أصحاب مالك بخلاف ما قال ابن لبابة وصاحبه، وقول سحنون الذي أشار إليه هو مروي عنه فيمن قال لرجل: ادفع لي ثمن جاريتي التي بعتك، وقال المطلوب: بل أودعتنيها وتعديت عليها فوطئتها وأولدتها، وما بعتنيها؛ قال: رب الجارية مدع عليه مالًا ولا يصدق. ومقر أنها أم ولد لهذا المطلوب.
فولده منها أحرارا وتوقف هي، فإن ماتت عن مال أخذ منه المدعي ثمنها ويوقف باقيه، فإن رجع الذي أولدها إلى الإقرار بابتياعها يومًا ما أخذه، ويحد إن ثبت على إقراره بالتعدي في وطئها، وروي حسين بن عاصم عن ابن القاسم مثله، وهذه مسألة طويلة متفرعة على وجوه كثيرة في العتبية وكتاب ابن حبيب وغيرهما، تركت كتابها على وجوهها لطولها، ومع هذا فليست بنفس المسألة التي سئلوا عنها.
وأما التي سئلوا عنها فوري عيسى بن دينار عن ابن القاسم الذي فيه مسألة سحنون المتقدمة، قال في كتاب البراءة: وسألته عن رجل أتى إلى رجل فقال له: هات ثمن الثوب الذي بعتك، فقال: ما بعنيه، ولكن أمرتني أن أبيعه، فالقول صاحب الثوب، ويحلف أنه باعه منه، يريد لينفي دعواه الوكالة، فإن نكل عن اليمين حلف الآخر ويرئ.
قلت: فإن حلف صاحب الثوب أنه باعه منه واختلفا في الصفة، قال: يصف المشتري الثوب، ويحلف على صفته، ثم يقومه أهل البصر، ويغرم قيمته، قلت: فإن نكل، قال: يصفه صاحب الثوب وقومت الصفة وغرم المشتري، قال: وإن أتيا جميعًا بما يستنكر في الصفة ونكلا عن اليمين فالقول قول المشتري، قلت: فإن كانت قيمته أدنى من الثمن الذي باع به، قال: يقال للذي باع الثوب: اتق الله، إن كان أمرك ببيعه كما زعمت فادفع إليه بقة ثمن ثوبه ولا تحبسه، ولا يقض عيه بذلك؛ لأن صاحب الثوب يدعي أنه باعه منه.
هذا تفسير مسألة اليهودي وورثة ابن علي، وبها كان يجب أن يفتي إن كانا ذكراها.
من ادعى أنه ابتاع وقال المطلوب: بل رهنتنيه:
قرأت – وفقك الله – الشهادات الواقعة على مريم وسعيدة وحمدة وعلي ابن الماشطة، وفهمنا ما أدعاه ابن الماشطة من الاشتراط منهن اشتراءً محضًا وقول السناء أنهن
[ ٤٤٥ ]
رهنه ولم يبعن منه شيئًا، وضربت لابن المشاطة آجالًا في إثبات ما ادعاه من الاشتراء منهنه، وانصرمت الآجال.
فالذي نرى أن يحلف النسوة في مقطع الحق بالله: إنهن ما يعن منه هذه الدار، ولا كتبن له اشتراءً أو إنما رهناها رهنًا، فإذا حلفن غرمن له الثمن الذي يقول إنه اشتراها به إذا كان في قيمة الدار ما يفي بذلك بعد يمينه إن أنكر العدة عليه، فإن نكل عن اليمين في العدة ردت اليمين في العدة على النسوة فحلفن على ما يذكرن من الرهن ويحاسبنه في الدار من الكراء.
وإذا لم يكن في قيمة الرهن مثل ما ادعى من الثمن وحلف النسوة على ما يذكرن لم يكن عليهن إلا ما يذكرن إلا أن زادت قيمة الرهن على ما قلن، وهو أقل مما يقول هو، فيحلف أيضًا هو ما ادعى، ويكون له عليهن من الثمن على قدر ما بغت الدار من الثمن، قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، ومحمد بن وليد.
دعوى فيما يقرب من هذا المعنى:
فهمنا – وفقك الله – ما قام به عبدي الله بن مسور الطرطوشي عندك على موسى بن محمد بن موسى بن فطيس، وأثبت قبله من دين داين به موسى رحيمًا وعبيد الله، وكتب لهما به ذلك حق أقر فيه بدينهما على ما استجلبته وتيقنهما عليه بذلك، وفيه إرهان موسى لهما منيته وجنانه التي بشرقي مدينة قرطبة، وأن موسى قضاهما بعد دينهما وبقيت منه بقية خلصت لعبد الله، وأقر موسى الرهن بيده، وقدمه على بيعه إذا أوجب حقه، وثبت ذلك كله عندك.
وأعذرت في ذلك إلى رحيم وموسى، فلم يكن عندهما مدفع غير ما اعتل به موسى من فساد الصفقة، وما ادعاه من القضاء، وكلفته إثبات ما ذلك، وضربت لوكيله فيه آجالًا استبلاغًا في الإعذار إليه، فلم يأت بمدفع، وأحضر بينة شهدت لموسى فيما ادعاه من فساد الصفة لم تعرفهم، فلما طال تلومك فيه وبان لك عجزه عجزته بعجزه.
واستظهر فيما ادعاه موسى على عبد الله من فساد الصفقة بأن حلفته بالله في مقطع الحق: لما انعقدت صفقته على موسى على ما ادعاه من فسادها، ولقد انعقدت على الجواز وعلى ما انعقدت به في الظاهر ما دخل في الصفقة ولا بعدها ما يفسدها كما ذلك موسى، ولا قضاه من باقي دينه شيئًا، ونظرنا إلى ما عقدته من الحكم لعبد الله على
[ ٤٤٦ ]
موسى.
وأردت معرفة رأينا في ذلك، فالذي عقدته – حفظك الله – هو الحق الذي لا يسعك أن تخلي منه شيئًا، والإشهاد به وجه القضاء الذي لا يحل خلافه، قاله ابن لبابة، وابن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ، وأيوب ابن سليمان، ومحمد بن غالب.
دعوى في نحو هذا المعنى في دار ابن البراء:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه ابن البراء وابن أخيه أحمد في الدار التي كانت ملكًا براء، وذكر ابن أحمد: أن عمته أخذت من أبيه أحمد ثلاث مائة دينار، ورهنت بذلك هذه الدار، وأنكر ذلك ابن البراء وذكر: أن الذي باعت أخته لمغرم السلطان لسبب اعترض فيه، وهذه الدار صيرتها إلى أخيها؛ لأنه شقيقها، وادعى رهنًا لم يصح.
فالذي نرى – والله الموفق – أن ابن أحمد قد أقر أنها رهن، والرهن غير بيع فوجب بذلك وعقلته هذه الدار، فإن صح ما قال من أنها رهن، لم يعرض له في حقه، فإما أن يفديها الورثة بالعدة التي رهنت بها ونقسم الدار، وإن عجزوا أمرت بالنداء عليها وبيعها، وقضى ابن أحمد بن البراء ما ثبت له، والعقلة للدار واجبة ثبت ما ذكره ابن البراء أو لم يثبت، لإقراره بالرهن، والرهن غير بيع، وإنما هي وثيقة بحق ادعى فيه، فاستعجل أيها القاضي العقلة لها فهو وجه النظر، ثم من استحق شيئًا قضى له به إن شاء الله. قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد، وأحمد بن أبي عيسى.
قال القاضي:
سؤال هذه المسألة غير بين، وجوابهم بالعقلة غير ظاهر، وفي مساع أصبغ عن ابن القاسم: فيمن ادعى في جارية عند رحل أنه رهنها وقال الآخر: اشتريته منك، وشهد لكل واحد على دعواه شاهدان، ولا يدري ما كان أولا؛ البيع أم الرهن؟ قال: الاشتراء أولى وأثبت؛ لأنه قد ثبت به أنها له، إلا أن يشهد للمدعي أنه رهنه إياها بعد الاشتراء، فيعرف أنها قد رجعت إليه.
ولسحنون في كتاب ابنه عن ابن القاسم مثله فيه أخذ، وقد قال بعض أصحابنا يقضي بأعدل البينتين، ولو لم تكن بينهما بينة؛ صدق الراهن مع يمينه؛ لأن المشتري قد أقر له بالملك وادعى الشراء، وكذلك في تكاؤ البينتين.
[ ٤٤٧ ]
وفي وكلات المدونة: إن قال: رهنتنيها، وقال رهبا: بل أودعتكها، فالقول قول رهبا. وف يالرهون: وكذلك إن قال: أعرتكها. وفي الوديعة: إن قال: سرقتني، وقال الآخر: أودعتني؛ صدق، لأن ربها ادعى عليه بالفجور، وفي الجعل: إن قال: سرقته مني، أو قال: سرق مني، وقال الآخر: استعملتني، تحالفا، وقيل لرب المتاع: أعطه أجرته وخذ متاعك، فإن أبى؛ قيل للآخر: أعطه قيمة متاعه، فإن أبى؛ كانا شريكين، وقال غيره: لا يكونان شريكين والعمل مدع، ونحوه في أحكام الواضحة، ولو قال: أودعتكه، وقال الآخر: استعملتنيه؛ صدق وقيل: العامل مدع.
وقال فضل: إن قال: بعتنيه، وقال ربه: بل غصبتنيه، صدق الذي هو بيده، وكذلك إن قال: قارضتني، وقال الآخر: عسبتني، لأن ربه يدعي عليه باب فساد، وقد تقدم قبل هذا بقية هذا المعنى.
دعوى بين ابن أبي الحباب وابن القرشي في تبايع وكشف وامتناع من جواب بإقرار أو إنكار:
قام عندي – رحمنا الله وإياكم – معاوية بن هشام بكتاب ابتياع من محمد وعبدة ابني أحمد بن طاهر، فسأل أن يكشف إبراهيم زوج عبدة ووكيلها؛ إن كانت باعت من معاوية ما وصف بيعها له في ذلك الكتاب منه أم لا؟ فكشف له محمد بن إبراهيم فقال: ما أرد في الكتاب شيئًا حتى ينسخ لي وأقرأه على صاحبتي، فكتبت اليكم أسألكم: هل يجب له أن ينسخ له الكتاب أم لا؟ فكبتم إلي: إن مثل ذلك الكتاب لا يجب أن ينسخ لمحمد اختصار ما فيه، فقرئ عيه الكتاب، فقال عن زوجته بعد سماعه ما فيه: لا أرد فيه شيئًا حتى يقول وكيل معاوية إن كان ذلك الشراء لنفسه أم لغيره، ودعي محمد إلى شورى أهل العمل في قوله، فأردت معرفة رأيكم في الواجب في ذلك فاكتبوا إلي برأيكم في ذلك إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن وليد: فقرأت ما كتب به القاضي أكرمه الله، وحبس على المسلمين نظره، وفهمت ما سألت عنه وما ذكره فإنا كتبنا إليه بخطوط أيدينا؛ بأن لا ينسخ شراء معاوية لمحمد بن إبراهيم لاختصار ما فيه، بل يقرأ عليه، فكذلك قلنا وكتبنا به إليك، والذي نقول به في قول محمد: إنه لا يرد عن زوجته في شراء معاوية، أنها باعت منه أو لم تبع؛ حتى يقول معاوية إن الشراء إنما اشترى ما فيه نفسه أو لغيره، أن الرد على محمد
[ ٤٤٨ ]
واجب قبل أن يرد عليه معاوية، فيما أحب محمد رد معاوية فيه؛ لأن معاوية هو ابتدأ كشف محمد، فلابد للمكشوف أن يرد فيما سئل عنه بإقرار أو إنكار، ثم يكشف هو عما بدا له، فإن كان لما يكشف عنه معنى؛ يجب على المكشوف عنه الرد فيما رد عليه.
وأقول: إن من لزمه الرد بإقرار أو إنكار فلم يرد؛ فالسوط حتى يرد، هذا قول مالك ﵀، وما يجب عندي على معاوية أن يرد إن كان ابتاع ذلك لنفسه أو لغيره؛ لأنه يقول: أنا قد اشتريت، فما سؤالك أنت: النفسي اشتريت أم لغيري؟ فإن قام علي قائم يدعي أني اشتريت ذلك له، فعلى ذلك القائم أرد عليك، والله نسأله التوفيق.
وقال ابن لبابة مثل ذلك، وهو أبين من أن يحتاج فيه إلى فتيا؛ لأن من كشفه خصمه عن كتاب قام به؛ لابد له من الإقرار والإنكار، وبقي من كلامه شيء غير معقول فتركته.
وقال أبو صالح: ليس لمن سئل أولا أن يسأل، حتى يرد فيما سئل عنه، فإذا رد، قيل له: سل عما بداك، وهذا مما لا يحتاج فيه إلى فتيا، وبه قال سعد بن معاذ.
دعوى أخرى أيضًا في ذلك بينهما وبين الحاجب سعيد بن السليم:
قام عندي – رحمكم الله – محمد بن إبراهيم المعروف وكيل زوجته بنت أحمد بن طاهر عنها، على سعيد بن السليم، في جنان بيد سعيد، وواضح الخصومة عندنا فيها محمد بن إبراهيم، وعبد الله وكيل سعيد، وتقاعد الوكيلان عندي مرارًا في ذلك، ثم إن معاوية بن هشام القرشي قام عندي بكتاب ابتياع للجنان التي فيها: قام محمد بن الحباب على سعيد، فقال معاوية: إني ابتعت هذه الجنان من زوجة ابن الحباب، وأراه قد ادعاها ملكًا لزوجته، وقام يخاصم فيها عنها، وأنا إن سوغته ذلك بعد معرفتي بقيامه وادعائه ذلك ملكًا لها، وهي بشرائي من زوجته، وسألني أن أكشف له محمد بن الحباب: هل باعته زوجة الجنان من معاوية؟
فلما كشف عن ذلك قال: لا أقر ولا أنكر حتى يقول معايوة إن كان ابتاعها لنفسه أم لغيره؟ ثم رجع ابن الحباب فقال: يا قاضي لا يجب أن توقفني عن زوجتي إن كانت باعت هذا الجنان من معاوية مما انتشبت فيه خصومتي عن زوجتي مع وكيل سعيد عندك وعند الناظرين.
فقال معاوية: أنا غير سعيد، فإن كنت أنت واضعت فهيا وكيل سعيد الذي أمر
[ ٤٤٩ ]
القاضي وصاحباه بالنظر للمشكاة على الأربعة منهم، فأنا لست من الأربعة الذين صرف نظرهم إليه، وأنا واحد من المسلمين في مطلب أطلبه عند قاضي الجماعة، ومطلي عند زوجتك وأنت وكيلها، فرد علي، فإن أقررت عليها بالبيع مني، أشهد لي القاضي على ما ثبت من إقراراك عنها بالبيع وقبض الثمن، ليكون لي وثيقة على سالف الأيام، لأنك – وأنا قائم – تدعي مالي ملكًا لزوجتك بعد بيعها له مني، فاكتبوا لي رحمكم الله وأياكم فيما تحاجا فيه.
قال محمد بن وليد:
قرأت ما كتب به القاضي – وفقه الله – في كتابه هذا، وتدبرت حجة الرجلين، فالذي أقول به في ذلك – والله أسأله التوفيق -: أن على محمد بن إبراهيم الرد على معاوية عند القاضي وحده فيما كشف عنه معاوية؛ لأن معاوية يقول: أنا غير سعيد، الذي صرف الأمر – أعزه الله – انظر بينه وبين ظلمه إلى القاضي وصاحبه، وفق الله جميعهم. ومن ابتاع ريعًا من رجل، ثم نظر إلى ذلك الرجل بيعه من آخر، ويدعي فيه دعوى، ثم لم ينكر المبتاع على البائع؛ وهن بذلك شراء المبتاع، فتأكد بهذا عندي: أن من حق معاوية أن يرد عيه ابن الحباب – عن زوجته – هل باعت أم لا؟ وهذا أقول.
وقال ابن لبابة:
يلزم ابن الحباب الرد: هل باعت زوجة الحنان من معاوية أم لا؟ وقول ابن الحباب – حتى يقول معاوية: هل أشترى منها أم لا – عجز سديد، إنما يسأل السائل فيجاب فيما سأل، ثم إن كان للمسئول دعوى سأل عنها، فإما أن يقول المسئول: بل أنت قل هو ابتعت؟ فيصير المسئول سائلا قبل رده، وهذا جهل شديد لابد أن يرد عما سئل ثم يسأل عما شاء، وقال بذلك خالد بن وهب، وسعد بن معاذ.
وقال أبو صالح:
نظرت – أكرمك الله – في تجاوب معاوية وابن الحباب، فرأيت لكل وجهًا يجوز عليه خافه؛ إذ لا ينكر رجوع الشيء إلى بائعه بعد أن كان باعه، فإن كان الجنان بيد معاوية، فلا تباعه لابن الحباب أن يجيب معاوية فيما سأله عنه، إذ صارت الخصومة بينهما دون سعيد، ولا رد جوابه على معاوية حتى يجب فيما سأله عنه معاوية.
فإن أبي أن يجيب قبل له: إما أن تجيب وإما عزناك وقضينا معاوية، فإن أجاب
[ ٤٥٠ ]
فوجب له سؤال معاوية: ألنفسه ابتاع أم لسعيد وبماله والحنان بيد معاوية، لم يضر سعيدًا ما أجاب به معاوية من ذلك، وإن كانت الجنان بيد سعيد ومعه ابتياع من معاوية أو لم يكن لم يضره؛ لأن لسعيد أن يقول لمعاوية: ابتعت منك ولم تبتع مني.
ولو قال سعيد: نعم ابتاع لي أو قامت بذلك بينة، لم يضر ذلك أيضًا حتى يثبت بينة على أصل غصب، وإن كانت الجنان بيد سعيد وقت النظر قيل لابن الحباب: هل عادت الجنان إلى ملك زوجتك بعد أن باعتها من معاوية، ثم خرجت عن ملكها إلى ملك سعيد أملا؟ فإن قال: لم تعد إلى ملكها بعد أن باعتها من معاوية؛ أثبت ذلك عليه ومضت الجنان معاوية من بعده، حتى تقوم بينة على ابتياع معاوية لسعيد وبينه على أن سعيدًا من أهل الغصب، وإن قال: عادت ملكها بعد البيع من معاوية ثبت عليه أيضًا البيع من معاوية، ووجبت عليه البينة برجوع ملكها إليه بعد البيع من معاوية.
قال القاضي:
هذه ألفاظ هجينة ومعان ركيكة وتطويل في غير معنى، وأعادوا الرد في موضع الجواب وهو لفظ عام غير مستعمل، وإنما يقابل السؤال الجواب، ويقال عن سئل: أجب سائلك بإقرارك أو إنكار إن كان في تداع أو استخبار. وقالوا في الجواب قبل هذا: إن أبي أن يرد فالسوط. قاله مالك، وإنما المعروف من قوله أنه يجير على الإقرار والإنكار ولا يترك وما أراد. رواه ابن كنانة عنه في سماع أشهب وقال في كتاب ابن المواز: يجبر بالسجن، وكذلك في كتاب محمد بن عبد الحكم، وقاله سحنون في كتاب ابنه.
وقال ابن حبي: في كتابه: إن أبي أن يتكلم أو قال لا أخاصمه إليك، قال لي القاضي: تكلم وخاصم، وإلا حلفته على ما ادعى قبلك وحكمت له عليك، فإن لم يتكلم أحلف الطالب وقضى له إن كان يستحق باليمين مع نكول المطلوب، وهذا كله اختصرت مسائله كراهة التطويل.
دعوى في مصحف:
فهمنا – وفقك الله – مقال المعلم الذي أتاك بالمصحف، وذكر أن محمد بن عبد البر بن لقيط أتى به منذ زمان ليصلحه له فأصلحه، ثم أتى فذكر أن المصحف ضاع وسأله إن وقع إليه أن يوقفه له، وأن امرأة وقفت به عليه فسامها به ثم قال لها: من أين وقع إليك هذا المصحف وأنا أعرفه لابن عبد البر؟ فقالت: إن لابن شهيد وإن وقع أمره إلى محمد
[ ٤٥١ ]
بن يحيى صاحب السوق، وأدخل ابن عبد البر عليه بينة، فلم يفصل فيه بشيء حتى مات.
فالذي ترى: أن تأمر بإيقافه وتبعث في ابن عبد البر وفي المرأة فتكشفها عن خبر هذا المصحف وتحملها فيه على ما يصح عندك لمن أثبته قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن أيمن، وغيرهم.
دعوى في بيع غلام وقال المطلوب: أمرني ببيعه:
قام عندي محمد بن الشامة فذكر أنه باع عبدًا من ابن عقيل النخاس،،اقبضه العبد ولم يقبض منه الثمن، وحضر ابن عقيل فقال: قبضت منه مملوكًا أسود لأبيعه له ولم أشتره منه، وقد أبق مني.
فالقول – أكرمك الله – قول من منهما، فإنه حضرني بعض أهل العلم، وقال: القول قول صاحب المملوك.
وذكر ألفا مروية لعيسى عن ابن القاسم في رجل قال لرجل: ادفع لي ثمن الثوب الذي بعت منك، قال: ما بعته مني، ولكني دفعته إلي لأبيعه لك وقد ضاع مني، فقال ابن القاسم: القول قول رب الثوب الذي زعم أنه باع من الرجل، ويقال للرجل: صف الثوب الذي أقررت أنك قبضته، فإذا وصفه وصدقه رب الثوب قوم الثوب وغرم له قيمته. فما ترى أنت في ذلك.
قال أبو صالح:
فهمت ما ذكرته من خبرهما وما ذكره الرجل، والرواية كما ذلك لا اختلاف عندنا في ذلك، وهو قولنا ومذهبنا؛ فنفذ القضاء به موفقًا إن شاء الله. وإنما يستوصف قابض العبد إذا لم تكن له بينه على صفته، فأما إن كانت بينة على صفته فهو أحق من الوصف، إلا أن يرضى بترك البينة والرجوع إلى الصفة.
قال ابن لبابة: قول أصبغ وروايته عن ابن القاسم أصح من هذه وبه نقول:
قال القاضي:
قد ذكرت رواية عيسى عن ابن القاسم قبل هذا في مسألة اليهودي ومخاصمته بكمالها، وزادوا فيها ههنا ما لم يقع في الرواية وهو قولهم: وقد ضاع مني.
وقول ابن لبابة: رواية أصبغ أصح، لا أعلم بهذه الرواية التي ذلك، وإن كان عني التي في سماع عيسى في رسم العربة: إذ قال رب الجارية: هات ثمن جاريتي هذه. وقد
[ ٤٥٢ ]
ولدت. وقال الآخر: ما اشتريت ولكن زوجتنيها، لما وصل بها في هذا الرسم من رواية أصبغ – فليست مثل المسألة التي سئلوا عنها، وقد ذكرت قبل هذا في مسألة اليهودي قول سحنون في هذا.
دعوى في خندق بين فدائي رجلين حفر أحدهما فيه ما تشكى الآخر أذاه:
قام عندي – ﵀ – أحمد بن مروان، فذكر أن الخندق الكبير الجاري القديم بقلبقار، وكان حجزًا بين فدان لي وفدان لعبد الرحمن، وأحدث علي فيه حفر مؤديا للخندق القديم، وخندق في فداني.
وقال عبد الرحمن لست أعرف مما قال أحمد قليلا ولا كثيرًا والحفير الذي ادعى انه حفر في ماله ليس هو كما قال، إنما حفرت في مالي ومتاعي.
فالذي يجب في هذا – والله الموفق – أن أحمد قد أقر أن الخندق فاصل وحاجزين أرضه وأرض عبد الرحمن، ثم ادعى أن عبد الرحمن تعدى عليه وحفر في ماله، فعلى أحمد إقامة البينة على دعواه، وعليك – وفقك الله – إعانته لشهادة البينة، على أن يضعف عن طلب حقه. قاله يحيى بن عبد العزيز، وابن لبابة.
وقال أحمد بن بيحيى: يجب عونه وأن ترسل معه عدولا ينظرون إلى ذلك، لظهور ضعفه مع شهادة من شهد أنه ضعيف.
وقال أبو صالح: إذا جاء مثل هذا الإشكال من الدعوى أرسل القاضي من يفهمه ويأتيه بالصحيح منه؛ لأنه أمر يدرك ويفهم، وقد ركب عثمان بن عفان (﵁) في أمر أشكال، وقد ركب عندنا أيضًا أحمد بن زياد في أمر أشكل.
وقال سعد بن معاذ: البينة – أكرمك الله – على أحمد فيما ذلك أن عبد الرحمن حفر في فدانه، إلا أن يكون الحفر حادثًا يفهم بالوقوف إلى الخندق؛ فحينئذ ترسل من ينظر إلى ذلك فتعمل بما تقوم به البينة المرسلة المعاينة.
وقال به أيوب بن سليمان، إن ادعيا جميعًا الحفر الطري حتى يثبت لمن هو منهما.
قال القاضي:
خبر عثمان الذي ذكره أبو صاح وقع في أقضية العتبية في سماع ابن القاسم في رسم تأخير صلاة العشاء. قال مالك: كان بين رجلين من أصحاب رسول الله (ﷺ) خصومه في
[ ٤٥٣ ]
أرض لهما قريبة من المدينة حتى ارتفع الشأن بينهما، فركب عثمان (﵁) في زمانه في ذلك، وركب معه رجال، فلما ساروا قال له رجل: إن عمر (﵁) قد قضى فيه، فقال عثمان: أنظر في أمر قد قضى فيه عمر ورجع.
وهكذا وقع في آخر الزكاة الأول من المدونة، وهو خبر حسن ذكره أبو عمر محمد ابن عبد الواحد الماوردي الزاهد المعروف بالمطرز في كتاب البواقيت له، عن الشعبي قال: أول من جرا جريا أي وكل وكيلا من الصحابة على ﵁، وكل عبد الله بن جعفر، فقيل له لم وكلت عبد الله وأنت سيد من سادات الناطقين؟ فقال: إن للخصومات فحمًا.
قال عبد الله: فنازعني طلحة في ظفير كان بين ضيعتين: ضيعة لعلي وضيعة لطلحة، وكان علي يحب أن يثبت الظفير وكان طلحة يحب أن يزال. قال: فتنازعنا الخصومة بين يدي عثمان وهو خيفة، فقال لنا: إذا كان عدًا ركبنا في الناس معكما حتى أقف على الظفيرا فأحكم بينكما معاينة.
قال عبد الله: فركب معنا من المهاجرين والأنصار، وكان معنا معاوية كان جاء زائرًا فتنازعنا الخصومة في الطريق، فقال معاوية: لو كان منكرًا لأزاله عمر. قال: فوالله ما خرج كلامه حسنًا حتى توجه الحكم لي، ثم وقف عثمان والناس معه على الظفير، فقال: يا هؤلاء، أخبرونا أكان هذا أيام عمر؟ قال: قلنا: نعم، قال: فدعونا كما كان أيام عمر. قال: فانصرفنا.
قال عبد الله: وجئت من فوري إلى علي، فقصت عليه القصة حتى بلغت إلى كلام معاوية، فضحك ثم قال: أتدري لم أعانك معاوية؟ قال: قلت: لا، قال: أعانك بالمناقية، قم الآن إلى طلحة فقل له: إن الظفير لك فاصنع به ما بدا لك، فأتيته فأخبرته؛ فسر بذلك، ثم دعا بردائه ونعله، وقام معي حتى دخلنا على علي، فرحب به وقال: الظفير لك فاصنع به ما شئت، قال: قد قبلت وإنما جئت شاكرًا ولي حاجة ولابد من قضائها، فقال له علي: سل حتى أقضيها لك، قال طلحة: أحب أن تقبل الضيعة مني مع ما فيها من العلمان والدواب والآلة، فقال علي: قد قبلت. قال: ففرح طلحة، وتعانقا وتفرقنا.
قال عبد الملك: فوالله ما أدري أيهما أكرم في ذلك المجلس أعلى إذ جاء بالظفير أم طلحة إذ جاء بالضيعة بعد ضنه لمشاة؟.
[ ٤٥٤ ]
وإن كان في هذه الحكاية بعض الخلاف عما حكام ملك، فإن المعنى المقصود منها متفق عليه وهو ركب القاضي مع الثقات في الأمر المشكل، وترك القاضي الاعتراض فيما قضى به غيره قبله.
وقولهم في مسألة الخندق: ويجب أن يحسن عون أحمد لضعفه، فذكر ابن حبيب في كتاب منهاج القضاة له عن مظرف وابن الماجشون نحوه.
قالا: ولا ينبغي للقاضي أن يلقن أحد الخصمين حجة قد عمي عنها لضعفه، بأن يقول له: قل: كذا وكذا، ولا بأس بأن يحتج بذلك هو عنه ويكلم خصمه ويعتد له به، حتى كأنه هو تكلم بذلك واحتج به.
وقال أشهب في غير كتاب ابن حبيب: وللقاضي أن يشتد على عضد أحدهما إذا رأى ضعفه عن صاحبه وخوفه منه، لينبسط أمله في الإنصاف ورجاء العدل، ولا بأس أن يلقنه حجة عمي عنها، وإنما يكره تلقين أحدهما حجة الفجور.
وقال روي أن النبي (ﷺ) قال: "من ثبت عيبا في خصومته حتى يفهمها ثبت الله قدمه يوم تنزل الأقدام" (١).
وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يلقنه حجة لا يعرفها. وقال سحنون في كتاب ابنه وفي المجموعة: ولا ينبغي أن يشد عضد أحدهما ولا يلقنه حجة.
وقول سحنون هذا هو الفقه، وما ذكره ابن حبيب حسن وقول أشهب ومحمد بن عبد الحكم ليس بشيء.
والقاضي مأمور بالعدل بين المتحاكمين فيما هو أخف من هذا، في النظر إليهما. والإقبال عليهما، وتسوية المجلس بينهما، ولا حجة لهما في الحديث الذي ذكره أشهب؛ لأنه قد يكون في غير القاضي، والله الموفق للصواب.
في امرأة ادعت أنها سبيت:
فهنا – وفقك الله – ما ذكره العريف سعيد من جلسه على باب داره وحضوره امرأة معها فارسان فسألها سعيد بمحضرهما عن خبرها، فقالت: إنها سبيت بحصن فلاي ثم سير بها إلى أشبيلية، فأضر بها الذي كانت عنده، فخرجت عنه وأقبلت إلى قرطبة،
_________________
(١) هذا الحديث لم أعثر عليه.
[ ٤٥٥ ]
فتقبض عليها هذان الفارسان، وأنهما يريدان بها إلى حصن بطليوس، فلما سمع ذلك الفارسان همزا هاربين وتركاها عنده، فوقفتها أربعة أشهر أو نحوها، فلم يأت لها طالب.
فنرى، والله الموفق للصواب، أن تطلق وتذهب حيث شاءت وتقيم حيث أحبت؛ إذ لم يأت لها طالب ولا مدع، وفي أقل من هذا التوقيت، كان يجب إطلاقها وتسريحها. قال أيوب بن سليمان، وابن لبابة، وابن وليد، وأحمد بن يحيى.
تداعيا مملوكًا بينهما: كشفنا القاضي – وفقه الله – عن رجلين أتياه ومعهما غلام، كل واحد منهما يدعيه ملكًا، وقال الغلام: كنت مملوكًا لابن نوبة، ونقلتني الأملاك حتى صرت إلى بائعي من ابن الحاسبة.
وأحضرت ابن نوبة فأثبت أنه كان مملوكًا له منذ ثلاثة أعوام، وأر بيعه من رجل حضر عندك، وأقر بابتياعه وبيعه من أحد هذين المتداعين فيه، وأعلمته بثبوت ملكه عندك لابن نوبة لثلاثة أعوام مضت، وعرفته بمن شهد في ذلك، وأجرت شهادته، فقال المدعي الثاني: ابتعته من فلان منذ شهرين.
وفلان هذا ليس من التداول ملك بعد ابن توبة، وأنه لا حجة عنده ولا مدفع، فوجب ملكه لابن توبة؛ لأنه أقدم تاريخًا ممن ألفى عنده، ولم يبق عليك بعد اتلإعذار إلا إحلاف المالكين له: ابن توبة ومن صار إليه بعده ببينة، فإذا أحلفا وجب القضاء به لمستحقه، وإن تعدى الذي خرج من يده على بائعه منه إذ أقر له بالبيع منه، ثم إن طلب حاجة فأنت من وراء نظرك بتوفيق الله لك. قاله ابن غالب، وعبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن وليد.
تداع في دابة وإقالة:
فهمنا – وفقك الله – ما أدعاه قاسم أنه سرق منه برذون بمتاع له بالبيرة، وتعلق برجل يقال له أصبغ، وذكر أنه وجده عنده. وقال أصبغ: اشتريته من قوم ثم أقلوني، فالذي يجب في ذلك إذا أثبت قاسم فيما ادعاه؛ أن يتخذ على أصبغ حميل بإيقاف البرذون خمسة أيام إلى الجمعة، فإن أتى قاسم بشاهد عدل وجب عقل البرذون حتى يثبت بشاهد ثان، ويكون لأصبغ الموجود بيده البرذون أن يكلم أصحابه في الإقالة، فإن صحت له أعدى عليهم بالمال، وكان الكلام في البرذون بينهم وبين قاسم، وإن لم تثبت الإقالة مضى الكلام بين قاسم وأصبغ قاله ابن لبابة، وابن وليد.
[ ٤٥٦ ]
قال القاضي:
وكان أبو عبد الله ابن عتاب يقول: لا تجب اليمين لمدعي الإقالة على المدعي عليه فيها، إلا أن يأتي بشبهة تقوى بها دعواه، وشاهدته بفني بذلك، وقال: في ذلك اختلاف.
وكذلك كان صاحب ابن قطان يفتي أنه لا يمين في ذلك إلا بشبهة، وأنا أرجح في ذلك، والفقه فيه لحاق اليمين في ذلك إلا أن الناس يبدوا باطلهم في دعوى ذلك إذا طلبوا بثمن المبيع منهم، ويجعلونه بابًاا من أبواب اللدد والعدول عن الإنصاف.
فإن كان مدعي ذلك ممن يظن به طلب الباطل؛ كلف الشبهة، وإن كان ممن يظن به أنه محقق في دعواه لصلاح حاله وتنزهه عن الباطل؛ فاليمين لاحقة في ذلك إن شاء الله.
ومن لم يراع الخلطة في الدعوى ابتداء، وأوجب اليمين دونها؛ فاليمين في دعوى الإقامة على أصله أقوى للمعاملة المتقدمة بينهما التي يدعي الإقالة منها، والله أعلم بالصواب.
دعوى في قبالة إرجاء وإقرار وإنكار ويمين في ذلك المعنى:
فهمنا – وفقك الله – ما ثبت عندك من إقرار عمر بن سعيد القرشي وأمه بنت عباس القرشي بأنهما قبلا الإرجاء بثلاثمائة دينار من قوم، وأن عامرًا زوج در مولاة عباس التي كانت زوجته وهلك عنها، سألها أن يأخذ الإرجاء على القبالة كما كان قبلاها وأن يتقاضا تحت يده ويبرأ إلى ورثة عباس بباقي الثلاثمائة دينار.
وأنكر عامر زوج در أن يكون يعرف شيئًا من ذلك.
وضربت لهما في إثبات ما ادعياه من القبالة المذكورة آجالًا، وسعت عليهما فيها، فلم يأتيا بمدفع حتى مضت مدة بعد الأجل يجب في أقل منها التعجيز والحكم للطالب بما ثبت له.
فالذي نرى أن الحكم قد وجب للطالب بعد يمين عامر على ما أنكر، ويمين در أنها ما علمت أن زوجها قبض منها شيئًا مما ذكراه، ثم تعدى در بما ثبت لها من ذلك.
قاله محمد ابن لبابة، وقال ابن وليد مثله، إلا في عامر فلا يمين عليه إلا بثبوت الخلطة.
وقال عبيد الله بن يحيى: لا يمين إلا بخلطة، وقال أيوب بن سليمان: هذا جواب
[ ٤٥٧ ]
مفرط من وثيقة ليس بينه وبينها نسب؛ إنما الدعوى بين عامر وزوج در، وبين عمر وأمة الرحمن في قبالة ادعياها عليه فأنكرها فلم يثبتا ما ادعيا، فوجب تعجيزهما عنه، ثم لا يمين على عامر، كقول مالك ﵀ فيمن شهدت عليه بينه غير عدلة بدعوى، لا يمين عليه؛ لأن غير العدلة كلاشيء هذا قول مال (﵁) نصًا.
وكذلك در أيضًا لا يمين عليها؛ لأنهما ادعيا أنهما أحلاها على زوجها بشيء، ولا ادعيا عليها أن زوجها قبض لها شيئًا منهما، فقران هذا الصك إلى الوثيقة محال. وإيجاب الإيمان على عامر ودر أحرى وأولى، والى الله أرغب في التوفيق.
وقال سعد بن معاذ: الذي قاله أبو صالح من قول مالك في المستخرجة وإليه قصد، وغيره من أصحابنا أوجبوا اليمين بغير بينة، وذهبوا إلى إحلاف زوجها على الحديث الذي جاء.
فالقاضي – وفقه الله – مخير في ذلك والله يوفقه وإيانا لصواب، فليتخير من ذلك ما يشاء فكل قد ورويناه، والحكم واجب لدر في المال بعد أن يتخير القاضي أي القولين أحب، قال أبو صالح: قد أجبت بما عندي، وليس أحد من أصحابنا يوجب يمينًا لمن جاء بغير بينة عدلة.
قال القاضي:
الذي ذكره أبو صالح من قول مالك، وقع في الشهادات في رسم الشجرة، ونصه: وسئل مالك عن الرجل يأتي بشهداء عدول على رجل بحق، فأثبت المشهود عليه أن بينهم وبينه عداوة، فترد شهادتهم عنه، أترى أن يحلف؟
قال: إذا ردت شهادتهم فهو بمنزلة من لم يشهد عليه، وكأنه رأى أن يحلف. قال سحنون مثله.
وفي رسم العتق من سماع عيسى مثله، وكذلك في كتاب ابن المواز، وقاله أشهب في تهاتر البينتين، ومنه في سماع حسين بن عاصم مثله، وفي النوادر، قال أبو بكر بن محمد: وقد قيل بحلف.
وجواب أبي صالح هذا أدل هذه الأجوبة على العلم.
وقولهم في السؤال: وضربت في إثبات ما أدعيا من القبالة آجالا، وسعت عليهما فيها، فلم يأتيا بمدفع؛ قول خلف، وإنما لاصواب: فلم يأتيا بشيء يوجب لهما نظرًا؛ لأنهما
[ ٤٥٨ ]
كان طالبين لشيء لم يثبتاه، ومدعين لأمر لم يحققاه، فليس بموضوع مدافع.
وكنا نقول: من خطأ الناقل لا من خطتهم لولا أن تكلفهم حكاية ما جرى عند قاضيهم وسؤاله لخم بألفاظ غير مهذبة، ومعان غير منتمة، ومقاطع غير صحيحة ولا مفهومة أشد عليهم من هذه اللفظة وحدها، ولولا أن أبا صالح منهم بين بعض ما في السؤال ما بان مراد من ذلك المقال، وكذلك أكثر مسائلهم، وقد نبهنا على كثير منها والذي تركناه أكثر.
وقد كان يكفيهم أن يقولوا فهمنا ما خاطبتنا به، والجواب كذا، وينقل السؤال بتكلف كتاب هذه المسائل الجامع لها أولا وهو القاضي ابن زياد النازلة بين يديه على ما ذكرنا في يصدر كتابنا هذا، والهدى من الله تعالى.
دعوى بين ورثة ابن بسيل في مال بقرية غليب، ادعى بعضهم أنه ماله من غير سبب موروثهم، وقد تقدم هذا المعنى فيما كتبنا:
فهمنا – وفقك الله – ما قام به مروان على إبراهيم بن حمدون بن بسيل، وكشف القاضي إياه عما بيده من مال حمدون بن بسيل بقرية بني غليب، وبعد أن أثبت موت حمدون، وعدة ورثته، والمعنى الذي حاز بهلمروان أن يكشفه عن ذلك، وما قاله إبراهيم: إن مال أبيه حمدون وليس بيده منه شيء، وإنما هو بأيدي عرفاء أنزلوا عليه، وأن الذي يعتمره بهذه القرية ماله وملكه ليس من مال حمدون ولا بسببه، وما أشهد به الشهود من أنهم لا يعرفون لأحد من ورثة حمدون بقرية غيب ملكًا بغير سبب حمدون.
فيجب فيما ادعاه إبراهيم ملكًا أن يثبته؛ لما ثبت أن دخول ورثة حمدون بقرية غليب بسبب حمدون لا بغير سبيه، فإن أثبت شيئًا نظرت فيه، وإن كان كما قال مروان من انصرام الآجال المضروبة على إبراهيم في ذلك وجب إخراج إبراهيم عما بيده من القرية ورده إلى جميع ورثة حمدون إلا أن يدعي بينة قريبة ومدفعًا معجلًا على ما يراه القاضي، وأكثر ذلك أيام الجمعة. قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وغيرهما.
دعوى ويمين التهمة في المدعي:
قال أبو صالح: قرأت – وفقك الله – ما كشفت عنه عبد الله بن مفرح وأخته وإنكارهما جميعًا الكشف.
وفي كشفهما أن أصبغ بن حارث ذلك أن ما في الكشف أخرجته ابنته زينب إلى
[ ٤٥٩ ]
دار خالتها فاطمة على العصيان لها منها، وأن لك كان من ماله، ولم يزل ذلك في دار أخته حتى أخرجها عبد الله بن مفرح إلى داره، وحجب أباها عنها حتى ماتت عنده وعند أخته فاطمة.
فالجواب: أنه إن كان عبد الله وفاطمة ممن يقع عليه مثل هذا وممن لا يدع عن بسط يده ويأخذ ما ليس له، وممن يجحد حقًا عليه؛ وجبت اليمين عليهما في مقطع الحق.
وإن كان بغير هذه الصفة، ممن لا يقع عليهما مثل هذا اللفظ فيهما وصلاح معروف منهما؛ فلا يمين عليهما إلا أن يأتي بوجه يوجب حقًا ويلزم حقًا أو يلزم يمينًا سوى ما في الكشف فيصير إلى ما تبين من ذلك. وقال به ابن لبابة، وسعد بن معاذ، وابن وليد.
يهودي ادعى في غلام خدمة على أنه مملوكه:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه اليهودي والغلام الذي أسلم وأخرج من عند اليهودي فادعى العلام أنه إنما خدمه على أنه جر ابن حرين، وإنما لما أراد الخروج عنه أمسكه حتى صاح، وأخرجه القاضي من عنده.
وقول اليهودي: هو عبدي وابتعته من يهودي من أهل طلبطلة منذ أربع سنين.
فيجب في ذلك أن يؤجل الغلام فيما ادعاه من بينته ما رجى له شيء يستأت عليه؛ فإذا ظهر عجزه، وطلب الغلام يمين اليهودي من أنه لم يكن عنده على معنى الخدمة بالحرية، ولكن على معنى المملكة له؛ وجب ذلك له، فإذا حلف؛ أمر القاضي ببيع الغلام ودفع ثمنه إلى اليهودي. قال بذلك: ابن لبابة، وابن غالب، وابن وليد.
قال القاضي:
في العتق الثاني من المدونة؛ قال ابن القاسم: من كان بيده صبي صغير، وقال: هذا عبدي، فلما بلغ الصغير، قال: أنا حر، وما أنا لكل بعبد؛ لم يقبل قوله، وهو عبد إذا كانت خدمته معروفة وحيازته إياها معلومة.
قال: ولو كان الصبي يعرب عن نفسه، فاقل سيده: أنت عبدي، وقال الصبي: بل أنا حر؛ فهو كالأول إن كان قبل ذلك في يده يختدمه وهو في حوزة لم ينفع الصبي قوله وهو عبد.
وإن كان إنما هو متعلق به، لا تعلم منه قبل ذلك خدمته له ولا حوزة وإياه؛ فالقول
[ ٤٦٠ ]
قول الصبي.
على هذا النص كان يجب أن يكون جواب الشيوخ في مسألة اليهودي؛ فيقولوا إن كانت خدمة الغلام معلومة الأعوام التي ذكرها اليهودي صدق اليهودي.
وأراهم إنما عموا في تصدق اليهودي على قول الغلام: إنما خدمته على أني حر ابن حرين؛ فأعملوا إقراره له بالخدمة.
وكان يلزمهم كشفه عن هذه المدة التي أقر بخدمته فيها فلعلها لم تكن إلا الأيام أو الأشهر، ومثل هذا لا يجب أن يحكم عليه في بالرق، بل يجب أن يكلف البينة مدعى ملكه.
وفي كتاب ابن سحنون وغيره: من أجر إنسانًا من آخر، ثم قال الأجير: أنا حر، فهو مصدق؛ لأنه قد تكون له الخدمة عليه فيؤاجره، ألا ترى لو كان يخدمه، فقال: أنا حر صدق! لأن الخدمة ليست إقرارًا بالرق، إلا أن تطول الخدمة حتى يخرج من حد الإجارة.
وهذا يبين معنى ما في المدونة أنه إنما ذلك في الخدمة الطويلة والمدة البعيدة، مع أنه لا يكاد يخفي على الجيران المصاقبين ابتياع من جارهم للمملوك ولا لما هو أحقر منه، فإذا لم يستدع ذلك عند جيرانه ولا سمعه أهل موضعه فكذبه في دعواه ظاهر، وكلامه باطل، وكلف إثبات دعواه وإلا سقطت.
وإذا أبطلوا إنكار الغلام لدعوى اليهودي وأعملوا دعوى اليهودي في ملكه له، فكان ينبغي أن يكون جوابهم: ألا يسمع قول الغلام حتى يأتي بشبهة أو لطخ في حريته، على ما رواه ابن القاسم عن مالك في سماعه في رسم المناع والحيوان في العبد يدعي الحرية ويذكر بينه غائبة، والجارية تدعي ذلك.
قال: لا يقبل قول العبد، إلا أن يأتي ببينه، أو أمر يشبه فيه وجه الحق، فإن أتى بذلك رأيت ذلك له، واستحب في الجارية أن يوقف صاحبها عنها – يريد عن خدمة العبد – وإن كان مأمونًا أمر بالكف عنها، وإن كان غير مأمون وجاءت بأمر أقوى في الشهادة كالشهادة العدل وضعت على يدي ارمأة، وأجل فيه الشهران والثلاثة.
وفي كتاب ابن حبيب: قال أشهب: سأل ابن كتانة مالكًا لابن غانم عن عبد ادعى حرية، وأن له بينة بموضع كذا، فطلب السيد منه حميلًا وهو لا يجده؟
[ ٤٦١ ]
قال: إن جاء بلطخ وشبهة فأمكنه ن الخروج يأتي ببينة بعد حميل لسيدة، فإن لم يأت بحميل؛ سحن، ووكل من يقوم بأمره، وكتب إلى الموضوع الذي ذلك، وهذا إذا أثبت السيد ملكه إياه وحوزه له. وإن لم يثبت ذلك؛ حيل بينه وبين لإنكار العبد الرق.
قال أصبغ: فإذا الكتاب في أمره بما يستوجب به الرفع رفعه مع سيده، وإن بعد المكان، وكذلك الجارية.
وكل هذا خلاف ما أفتوا به في مسألة اليهودي.
ومسألة ادعاء العبد الحرية متكررة في مواضع بمعان متقاربة، وتركت اجتلابها عن نصوصها كراهة التطويل.
دعوى في فدان غلب صاحبه عليه وحيز أو عين:
فهمنا – وفقك الله – ما قام به العطار على النصرانيين في الفدان فحجر بحردة ودعواه الغلبة، وثبوتهما بما شهد به الشهود فيه، وقول النصرانيين: إنهما اشتراه من نصرانيين، وقول وكيلهما: هذا الفدان المعارض فيه ليس الذي شهدت به البينة على الاسترعاء في الإكراه.
فيجب في ذلك أن تحوز البينة اليت شهدت في هذا الفدان، أو تقول: إن الفدان الذي وقعت فيه المعارضة هو هذا بعينه، أو يقول الوكيل: إنه هو بعينه، أو يحوز الفدان غير هذه البينة أنه هو المقوم فيه فتسقط حينئذ الحيازة؛ فإن ثبت أنه هو وجب للعطار استرجاعه بما ثبت له من الإكراه إلا أن تكون للنصرانيين حجة عند الإعذار إليهما. قاله ابن لبابة وغيره.
مشورة أخرى في هذه القصة:
تكشف – وفقك الله – زكريا وعثمان النصرانيين عن الفدان المحدود في كتاب الاسترعاء؛ فإن أقرا أنه الفدان الذي تعارضوا فيه بعينه؛ نظرت في الشهادات الواقعة في الاسترعاء على ما يجب إن شاء الله.
وإن أنكراه وذكر أنه غير الذي أوقعت فيه المعارضة ورضى العطار بأيمانهما؛ حلفا في كنيستهما بالله الذي لا إله إلا هو: ما هذا الفدان المحدود في هذا الكتاب بالفدان الذي يطالبهما به، ولا هو الذي وقع في كتاب المراضاة، فإن حلفا برئا من طلب العطار.
وإن نكلا؛ فإن كان القاضي ممن يرى اليمين مع الشاهد؛ لم يكن لهما الرد؛ لأن
[ ٤٦٢ ]
العطار، عليه وجبت اليمين فردها.
وإن كان لا يرى اليمين مع الشاهد؛ فالنصرانيان إذا نكلا؛ رد اليمين على العطار؛ فإن حلف؛ نظرت في هذا بما يجب، وإن نكل؛ سقطت طلبته عنهما. قاله ابن لبابة، وابن وليد.
دعوى في زرع:
قام عندي – رحمكم الله – خشنة فذكر أنه أفع زرع فدان زوجته الذي بغربي بمحشر الدمشق وأقر له بعد حصاده في أندر ابن معصب.
ولما أراد درسه منعه منه محمد بن قاسم، وحضر عندي محمد بن مصعب وأقر ابن مصعب بما ذكره خشنة، وقال: إن محمدًا ادعى فيه إذا أراد خيشنة درسه.
وقال محمد: بل أنا أنزلت الزرع في أندر ابن مصعب وهو لي، فكلفته البينة بعد أن أمرت باعتقال ما حصل في الزراع، وضربت له آجالًا واسعة، وتلومت عليه بعدها، قلم يأت بسبب يوجب له الزرع، وطال التأني فيه وسألني خيشنة إطلاق يده عليه.
فهمنا – وفقك الله – ما ذكره خيشنة وابن قاسم واتفاقهما أن الزرع في أندر ابن مصعب وإقرار ابن مصعب أن خيشنة أنزله فيه ابن قاس؛ فالذي يجب فيه أن إقرار ابن مصعب بالزرع الذي في أندره لخيشنة يوجب الزرع لخيشنة وإطلاق يده عليه قاله محمد بن وليد، وعبد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وسعد ابن معاذ
قال القاضي:
هذا الجواب صحيح إن كانت المرأة صدقت الزوج فيما ادعاه عنها، وحفت على ذلك، وأما إن أنكرت مقالته وتبرأت من الزرع فإنه لابن قاسم إذ لا مدعي له سواه.
وإن كان لم يتعرف ما عندها ولا ثبت توكيلها لزوجها فلا يصح في الزرع حكم، ويوقف حتى تعلم بذلك فتدعيه وتحلف؛ فيكون لها أو تنكل عن اليمين؛ فيحلف ابن قاسم ويأخذه.
وفي كتاب الشهادة من المدونة: إذا تداعى رجلان زرعًا في أرض رجل، وأقام أحدهما بينة، ورب الأرض لا يدعي الزرع؛ فإنه يستيرئ ذلك، ويقال لهما: زيدا بينه، فإذا طال زمن الاستثناء وتكافأت البينات؛ حكم لهما به وكان بينهما – يريد بعد أن يحلفا.
[ ٤٦٣ ]
وإن نكل أحدهما؛ أخذه الآخر الحالف، وإن كان الزرع في يد واحد منهما كان أولى به إذا أقام البينة. يريد وقد أقام الآخر بينه وتكافأت، وإن لم يقم واحد منهما بينة كان للذي هو بيده.
قال ابن القاسم: ولو ادعى رب الأرض الزرع ترك بيده، ولو أقر رب الأرض به لأحدهما وقد استوت حالهما في تداعيهما كان للذي أقر له به رب الأرض مع يمينه؛ لأنه لو ادعاه لنفسه لكان له. وفي كتاب الولاء من المدونة ما يدل على ذلك.
ولأشهب في المجموعة، وفي كتاب ابن سحنون تداعيا أرضًا أو دارًا، وقال كل واحد منهما إنها له وفي يده، والدار بيد غيرهما، فأقر أنه اكتراها من أحدهما أو استعارها منه؛ كانت الذي: أقره هذا، إلا أن يقيم الآخر بينه فتكون له، إلا أن يقيم الآخر أيضًا بينة فتكون لأعدلهما، فإن
تكافأتا كانت للمقر له بعد أن يحلف، ولا يمين مع المقر؛ إذ لو رجع عن إقراره لم يصدق، وإن كان شاهدًا فالشاهد لا يحلف، وإن تداعيا عبدًا في أيديهما، والعبد لا يتكلم، فمن قامت له بينة منهما به كان له، وإن أقاما جميعًا بينة قضى بأدلهما، وإن تكافأتا كان بينهما بنصفين، وإن كان العبد كبيرًا يتكلم أسأله حتى أسالهما البينة فإن أقاماها كان لأعدلهما، وإن تكافأتا فهو لمن أقر له العبد منهما بالملك.
قال القاضي: وتب إلى من مالقة بمسألة من هذا المعنى، في جمال عيه رزق زينب ادعى رجلان كل واحد منهما أن الزق له استأجره على جمله، والحمال ينكرهما ويدعه لنفسه أو أقر لأحدهما أو لهما.
فجاوبت في ذلك:
إن ادعا الحمال لنفسه كان له بعد أن يحلف لكل واحد منهما على تكذيب دعواه؛ وإن أقر به لأحدهما كان لمقيم له مع يمينه إن لم تقم للآخر بينة، وإن أقر أنهما جميعًا أسلماه إليه واستأجراه عليه على جملة، حلف كل واحد منهما واقتسماه، ومن نكل منهما أخذه الحالف، وسواء كان حامله معروفًا بالحمل على الناس أو غير معروف بذلك؛ إذا ادعاه ملكًا لنفسه فهو أوى مع يمينه لكونه في يديه وحوزة من مدعيه باستئجاره عليه.
هذا معنى ما جاوبت به، وكله على الأصل الذي قدمناه من المدونة وغيرها، وعلى ما في أحكام ابن زياد ﵀ في الزرع، وإن كنت قد رأيت في مسألة الزرع التي في المدونة قد كتب عليهما في حاشية كتاب: أن رب الأرض لو أقر بالزرع لأحد متداعية لم
[ ٤٦٤ ]
ينتفع بذلك، وأراه عن أبي عمر الأشبيل أحمد بن عبد الملك، وهو خطأ لا يلتفت إليه. قال في تلكل المعلقة: والزرع، بخلاف لو كان بيده ثبوب فأدعاه رجلان، وقال الذي هو بيده: هو لهذا منهما. هذا كان يكون لمقر له، ولا فرق بين الزرع وما هو ممسكه بيده، والله الموفق للصواب.
مسألة أخرى في تداع زرع من أحكام ابن زياد:
فهمنا – وفقك الله – ما طلبه خلصة من الزرع الذي في أرض أخته الموروثة، وذكر أن زوجها وههيأ الفتى زرعها بزوج المرأة زوريعتها، فالذي يجب فيه أن تكشف وهيأ عنه فإن أقر أنه زرع بزوج المرأة وزريعتها لنفسه؛ فازرع له ويكون عليه كراء حصته خلصة من الزوج، وكراء الأرض مع حصته من الزريعة، وإن أنكر الزوج والزريعة حلف بالله – أن ذلك ليس لمرأة منه شيء، ويحلف أيضًا أنه ما زرع إلا لنفسه، ثم يكون عليه كراء حصته من الأرض. قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
قال القاضي:
قولهم: ويحلف أيضًا أنه ما زرع إلا لنفسه بعد يمينه أنه لا شيء منه للمرأة؛ ضعيف، لا وجه؛ لأن خصلته لم يذكر ذلك في دعواه، إنما زعم أن وهبًا زرع بزوج المرأة وزريعتها، فإذا حلف أن ذلك لا شيء للمرأة فيه؛ انقطعت دعوى خلصة، ولم يبق له على وهب ما يحلفه عليه في هذا، ولو ادعى خصته أنه إنما زرعه على سبيل المزارعة والشركة بينه وبين المتوفاه، وأنكر وهب أن يكون لها فيه شيء، وحلف على أن الزوج والزريعة لا شيء للمرأة منه لكان كافيًا فيما يلزم أن يحلف، ولم يحتج إلى تلكل الزيادة.
ولو ادعى أيضًا خلصة أن ذلك إنما زرعه على أن لها منه انصف أو الثلث لما لزمته يمين في هذا، لأنها عطية لم تشهد المرأة بقبولها، فذلك الوجه الذي زادوه أن يوجد له معنى، ولو كان له معنى ولحقت فيه اليمين لم يكن عليه تكرار اليمين فيه، إنما كان تدخله اليمين الأولى أن الزوج والزريعة له لا شيء منه لها، وما زرع ذلك إلا لنفسه هكذا كانت تكون اليمين ولحقت في ذلك يمين، لأن الدعاوى إذا اجتمعت للطالب على المطلوب، إنما يحلف فيها يمينًا واحدةً لا يمينًا لكل دعوى، فهذا شاهدت العمل به، وفيه تنازع تركت ذكره لطوله.
[ ٤٦٥ ]
من قال: إنما اشتريت منك غيره واشترطت خياره:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه الغنوى والمشتري منه، وما ادعاه المشتري من اشتراطه عند الابتياع أنه إنما يشتري لغيره وأنه استثنى رضى المشتري له، وأنكر الغنوي لما قال من أنه اشتراه لغيره واشتراط الخيار، فيجب في ذلك أن أثبت المبتاع ما ذكره أخذ به، وإلا حلف الغنوي بالله ما اشترط عليه شيئًا ولا باع منه إلا لنفسه لا لغيره كما ذلك، إلا أن يثبت الغنوي أن المشتري اشترى لنفسه فتسقط اليمين عنه، إلا أن يقول المبتاع إن هذا الشرط كان بينهما لم تطلع عليه بينة، فإن قال ذلك فلابد من اليمين ولا معنى للبينة، لأنه قد يشترط مثل هذا ولا تحضر بينة، فإذا حلف الغنوي وجب له ثمن الثوب على المبتاع، وإن نكل عن اليمين فله ردها على المبتاع، فإن
حلف انفسخ ما بينهما إن لم يقبل المبتاع له، وإن نكل لزمت اليمين. قال محمد بن لبابة، ومحمد بن وليد، وأحمد بن يحيى، وعبيد الله بن يحيى، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ.
قال القاضي:
عند آخر تاب العيوب من المدونة: من اشترى سلعة من رجل وقال لفان: اشتريتها لا لنفسي، فعليه إحضار الثمن إن كان نقدًا وهو في النسيئة عليه إلى أجله. قال ابن القاسم: لأن النقد عليه، وإن اشترى لغيره إلا إن قال للبائع: النقد لك على الذي اشترى له ليس لك على منه شيء؛ فيكون حينئذ للبائع على الأمر، فإذا كان النقد على المشتري لغيره – كما قال ابن القاسم – والمبتاع له مسمى والبائع بذلك مقر، فما ألزم هؤلاء الغنوي في يمينه ولا باع منه إلا لنفسه لا لغيره، وهو ينكر والمبتاع له غير مسمى.
ثم أكدوا ذلك بأن قالوا: إلا أن يثبت الغنوي أن المشتري اشترى لنفسه، فكلفوه العناء فيما لا يلزمه ولا يستفيد به فائدة، هو يقول: نعم اشتريت لزيد، أد أنت الثمن وصير المبيع لمن شئت فيلزم المشتري أداء الثمن، كما قال ابن القاسم ﵀ إنما يلزم البائع أن يحلف ما باع منه إلا بإلزام بخيار لا غير، على ما في كتاب الوكلات من المدونة.
وقولهم: إلا أن قال المبتاع: كان هذا الشرط بيني وبينك ولم تطلع عليه بينة، فلا بد من اليمين كلا غير صحيح؛ لأن البينة إنما عن شهدت بحضور التساوم ابتداء بينهما والعقد دون خيار، فلا يمين على البائع في ذلك للمبتاع، إلا أن قال المبتاع بعد الافتراق: جعلت إلى الخيار؛ ففي اليمين حينئذ نظر.
[ ٤٦٦ ]
دعوى في مبارأة ووضع كالئ وغير ذلك:
فهمنا – وفقك الله – ما نازع فيه بن أمية وزوجه عائشة ودعواها أنه بارأها وأخذ لها خادمًا ونصف دار، ووضعت عنه كالئها في المبارأة لضرر ذكرته، ووقع ذكره في كتاب، وأنكر ابن أمية ذلك من دعواها المبرأة، وقال: إنها وضعت كالئها عنه، وأن بذلك عنده نسخة يطلبها، فما ألزم بالنسخة زعم أنه لم يجدها، وزعم أن إقرارها بالوضع يجزئه، فالذيث يجب على يحيى بن أمية أن يحلف بالله ما بارأها كما ذكرت، ولا عنده النسخة التي ذكرت كما ذلك، إلا على معنى المبرأة – فإذا حلفت لم يلزمها الوضع، ولم يلزم الزوج المبرأة إلا أن يقيم البينة عليهما. قال بذلك ابن لبابة، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، ويحيى بن عبد العزيز، وعبد الله بن يحيى.
قال القاضي:
انظر كيف أفتوا بوجوب اليمين عليه في دعواها المبرأة، وذلك لا يلزم عند مالك وأصحابه إلا بشاهد تقيمه على ذلك، على ما المدونة والموطأ وغيرهما.
دعوى ابن عيسى على زوجه وختنته ومصالحتهما له، ووضع كالئ ومبرأة بعد الوضع وادعاء ضرر وجهل:
قام الدلال بن عيسى على زوجه وأمها مدعيًا عليهما أنهما أخذتا له سبعين مثقالا ذهبًا قرمونية فأنكرتاه، ثم اصطلحوا عن ذلك بعشرين مثالًا تؤدي كل واحدة نصفها، وعقد عليها بذلك عقدًا، وكتب على الزوجة عقدًا آخر أنها وضعت عنه كالئ صداقها وأسصقطته عنه، ثم بارأها بعد شهر أو نحوه، وطلبها وأمها بالعشرين مثقالا، فادعت الجهل، وقالت الزوجة: إنه أضر بها وأنها إنما التزمت له ذلك لإضراره بها.
وكتبت عقدًا بسماع الشهود من النساء أنه كان يضربها ولم يقلع عن ذلك إلى أن باررأها.
فأفتى ابن عتاب وابن القطان
إن عقدا الضرر ضعيف والذهب لازمه لهما، قال أحدهما: ويؤجلان في إحضار العشرين مثقالا ثلاثة أيام، وأفتى الآخر بخمسة عشر يومًا.
قال ابن عتبا: ويحلف الطالب أنه لم يضربها. قال لي: وهذه اليمين استحسان قلت له: ولم لم يبطل عقد الضرر مطلبه قال: لأنها قد رضيت بالصلح والتزمته عن دعواه وأشهدت بذلك، وإنما ينفع الضرر في الطلاق، وقلت له: وما الذي يمنع من نفعه في وضع
[ ٤٦٧ ]
الصداق إن كان الوضع قبل الطلاق، قال: لو استزرعت أنها إنما تضعه لإضراره بها غير طيبة بذلك نفسها؛ نفعها ذلك. قلت له: فإذا وضعت على المبرأة ثم أثبتت الضرر أليس ينفعها وإن لم تسترع؟ قال: بلى. قلت: فأي شيء هذا مما تقدم، هذا تناقض! قال: ليس فيه تناقض، وكله يرجع إلى أصل واحد.
في امرأة أقرضت زوجها دنانير إلى أجل فطلقها قبل الأجل، فادعت أن ذلك التأخير إنما كان من أجل الزوجية:
نزلت هذه المسألة بقرطبة: أسلفت زوجها ثلاثين دينارًا ذهبًا، وأنظرته بها خمسة أعوام أو ثلاثة – الشك مني -، ثم طلقها بعد عام ونصف من تاريخ السلف. فزعمت أنها إنما أسلفته وأنظرته استدامة لعصمتها معه، ورجاء في حسن صحبته لها.
وكان التحاكم فيها عند أحمد بن بقي، فشاور في ذلك فأفتى ابن عتاب القول قول المرأة فيما ادعته من ذلك، وتحلف ثم تأخذ حقها منه حالًا، وبذلك أفتى الشيوخ فيها قبل هذا: أن القول قولها مع يمينها؛ إذ هو الظاهر من أمر النساء أنهن يفعلن ذلك، فهو كالعرف الذي يصدق فيه من ادعاه.
وقد قال عمر بن الخطاب (﵁) ذكره مال في الموطأ وغيره -: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه الصدقة لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته ويرجع فيها إذا لم يرض منها – فحكم (﵁) بما دلت عيه الحال، فكذلك هذه.
وكان قد خالفه فيها أبو عمر بن القطان، فجمعت حينئذ مسائل تدل على صحة جواب الشيخ ابي عبد الله فيها، من ذلك في كتاب الوكالات من المدونة: إذا قال المقرض: قرض حال، وقال المستقرض: بل هو إلى أجل كذا.
قال ابن القاسم: القول قول المقرض ويأخذه حالا، يريد ويحلف؛ فصدقه لأنه فعل معروفًا، فهو فيه مصدق، بخلاف لو كان الدين من معاملة، وادعى الغريم أجلًا قريبًا، وقال ربه: بل هو حال، فالغريم مصدق مع يمينه، إلا أن يكون لأهل تلك السلعة أمر يتبايعون عليه قد عرف، فالقول قول مدعيه. وكذلك من قول مالك في كتاب الرهون: إذا قال المبتاع – وقد فاتت السلعة -: ابتعتها إلى أجل كذا، وادعى أجلًا قريبًا، صدق، وإن قال ابن القاسم: لا يصدق المبتاع في الأجل ويؤخذ الثمن حالًا.
[ ٤٦٨ ]
ففي الذي في كتاب الوكالات دليلان: أحدهما: تصريح الفرق بين القرض وغيره بتصديق المقرض في دعوى حلوله، وكذلك يجب أن تصدق المرأة لأنها مقرضة. والدليل الثاني: أن من ادعى المعروف صدق، ولأن العرف كالشاهد له في دعواه، والمتعارف من أحوال النساء فيما يوسعن به على أزواجهن من أموالهن أنهن إنما يرون بذلك استجلاب مودة الأزواج واستدامة عصمتهن معهم، وتغمر مسرتهم.
فإذا وقع الطلاق واستحالت أنفسهن عن ذلك إلى ضده، هذا الذي لا يعرف غيره، وارتفع السبب الموجب لتوسعتهن عليهم، وإذا ارتفع السبب الموجب المعروف فلصاحبه الرجوع فيه، على ما في نوازل سحنون في جامع البيوع في الذي يبتاع البعير فيسرق، أو الرأس فيستغله ويخاف الوضيعة فيه، يذكر ذلك للبائع، فيقول له: لا بأس عيك، قح حط الله عنك من ثمنه خمسة دنانير، ثم يصيب البعير أو بيع الرأس دون وضيعة. قال سحنون: فلا شيء للمشتري من الوضيعة، إن قد عوفي بما خافه، وفي سماع يحيى عن ابن القاسم في كتاب آخر نظيره.
كما أنهن أيضًا لما عرف من أحوالهن عند بغضهن لأزواجهن إرادة الفرق لم يضرها دعوى الطلاق في ميراثه عند موته ورآه لها، مع ما ادعته قبل ذلك من طلاقهما، وأعطاها مالا كانت قد تبرأت منه، وسمع منها تكذيبًا لنفسها عند وجوبه لها بموت زوجها، هكذا في سماع سحنون في كتاب طلاق السنة.
وكذلك أيضًا صدقها مالك ﵀ في الدعوى في رسم يشرب خمرًا، إذا ادعت أنها إنما وهبت لزوجها في مرضه ميراثًا منه؛ لأنه توعدها إن لم تفعل ذلك أن يضيق عليها، ولا يدعها تأتي أهلها ولا يأتونها. قال مالك ﵀: وليست المرأة في ذلك كغيرها من الوراثة، ولم يكلفها ﵀ بينة على دعواها؛ إذ هو معروف بين الزوجين أن الزوج يسومها هذا وشبهه، وفي المسألة أشهر عليها بالهبة لميراثها منه، ولم يصرها ذلك عنده.
وليس يعارض ما ذكرناه ما فيه سماع أسبغ وسماع سحنون: في التي تضع عن زوجها صداقها على أن لا يطلقها ويقبل ذلك، ثم يطلقها بعد وقت يرى أنه لم يعجل فيه: أن الوضيعة ماضية؛ لأن الوقت في هذه المسألة غير محصور، والزمنان فيه غير محدود، فصار الرجوع فيه إلى اجتهاد المفتي حسبما يراه.
وفي مسائلهم كثيرًا لا يرون فيه العام ونحوه طولًا من ذلك، وهو مما يشاكل هذا
[ ٤٦٩ ]
الباب – قول مالك في سماع ابن القاسم فيمن غاب عن امرأته إلى موضع يعرف ويبعث إليها بنفقتها وأمرها، وقال: أما الحين فإني أرى أن يحتبس عنها ويبعث بنفقتها إليها. قال ابن القاسم في مساع عيسى: الحين الأمد القريب فيما السنتين والثلاث، وأما إذا تطاول ذلك فأرى أن يقضي لها على له فلم ير السنتين والثلاث في هذه المسألة طولًا، فكيف بسنة ونص؟! ومع ذلك فلا يقع في وهم متوهم منصف أن تكون المرأة تنتظره مدة يطلقها دونها ويعجل فراقها قبلها، ويس قولها: إنما أسلفته استدامة لصحبته وجميل عشرته من باب الحرام، فيقال: القول قول الزوج لأنه مدعي الحلال؛ إذ ليس في دعواها تلك إنما ادعت أنها أنظرته لوجهه فها وجهه، فإذا قد حال بينها وبينه الطلاق فلها الرجوع في الإنطار. وكذل قال ابن عمر في ذكره أقسام السلف، فسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك فليس لك إلا وجه صاحبك.
وقد يوجد في مسائلنا ما يقيل فيه قول مدعي الحرام إذا كان ما ادعاه معروفًا في البلد، كما أن دعوى المرأة في هذا متعارف، ويس فيه حرام.
هذا كله على نصه جمعته حينئذ في ورقة كاغد، وحملتها إلى ابن عتاب، وصارت عنده قبل فصول جوابه في المسألة، ورأيت جوابه بعد ذلك، وقد ذلك فيه التي ذكرتها من رسم بشرب خمرًا.
وقال ابن شهاب في آخر السفر الثالث من البخاري فيمن قال لامرأته: هبي لي بعض صداقك أو كله ثم لم يمكث إلا يسيرًا حتى طلقها، فرجعت فيه، قال: يرد إليها إن كان خلبها، وإن كانت أعطته عن طيب نفس منها ليس في شيء من أمره خديعة جاز؛ قال الله ﷿: (فَإن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) (النساء: ٤)، وفي هذا دليل ما قلناه إن شاء الله تعالى.
وكان ابن مالك قد وافقه في تعجيل السللف للمرأة، وأخبرني بذلك واستدل على صحته بما في سماع أصبغ عن ابن القاسم فيمن أعطى امرأته عطاء بعد دخوله بمها فألقى النكاح مفسوخًا ففرق بينهما، قال: له الرجوع فيما أعطاها؛ لأنه أعطاها على الثبات والغنى عنه والجمال لنكاحه والعشرية بينهما فيه، فلم يقر عليه، وذلك إذا كان الفسخ بحدثان العطية، فأما إن كان زمان ذلك قد طال السنتين والسنين قبل الفسخ ثم فسخ، فلا أرى له فيه شيئًا، وإن أدركه بعينه كالخادم بعينه والمنزل بعينه؛ لأن الذي أعطى قد
[ ٤٧٠ ]
رسخ حتى استمتع منه واستمتع بعطيته فيه، فالفسخ كطلاق حادث منه هاهنا.
هذا نص قول ابن القاسم فيها، وهو دليل ظاهر لمسألة القرض.
وكذلك يدل على صحة جوابها ما في سماع يحيى عن ابن القاسم فيمن ابنته أمة فأراد سيدها بيعها وتغريبها، فقال الأب لرجل: اشترها وأعينك في ثمنها بمائة دينار، فاشتراها بثمن كبير واستعان بهذا المائة فيه، ثم أراد بيعها بإثر ذلك، فقال الأب: إنما أعنتك بالمائة لما رجوت من حبسك إياها. قال: ينظر فإن
راى أنه إنما أعانه لهذا الوجه، فهو كالشرط؛ يرد المائة على الأب؛ وإن كان إنما أعانه على وجه الصلة؛ حلت له الأمة، ولم يرد المائة، وفي هذه المسألة والتي قبلها طول اختصرناه، وأتينا بالدليل فيه؛ والله الموفق للصواب، ومن الحجة لابن القطان: قول النبي ﵇: "المسلمون عند شروطهم (١) ولم يخص"
وقال ربيعة في كتاب الخيار: من أسلف رجلًا سلفًا، فليس له أن يعجله إن سمي له أجلا إلا إلى أجله؛ لأن ذلك معروف.
_________________
(١) الحديث أخرجه ابن الجارود في المنتقي ج ١، ص ١٦١ برقم ٦٧٣، والبخاري معلقًا ج ٢، ص ٧٩٤، والحاكم في مستدركه ج ٣، ص ٥٧ برقم ٢٣٠٩، والترمذي ج ٣، ص ٦٣٤ برقم ١٣٥٢، وقال: حسن صحيح، والبيهقي في الكبرى ج ٦، ص ٧٩ برقم ١١٢١١، والدار قضني في سننه ج ٣، ص ٢٧، وأبو داود ج ٣، ص ٣٠٤ برقم ٣٥٩٤، والإمام مالك في موطنه ج ٢، ص ٧٥٦ برقم ١٤٤٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ج ٤، ص ٩٠.
[ ٤٧١ ]
باب الإقرار
مسألة من ابتاع وأقر أن يده عارية في الابتياع:
من أحكام ابن زياد: فهمنا - وفقك الله - ما تنازع فيه بنو حفص وابن الأسوار، في الكتاب الذي وقع باسم ابن كليب بابتياعه من ابن الأسوار، وأقر ابن الأسوار فيه بالانتقاد من ابن كليب، وأقر ابن كليب أن الابتياع لحفص وبماله، وأن يده كانت فيه عارية، ثم أقر ابن كليب أنه لم يكن نقد ابن الأسواري شيئًا، كما ذلك في كتاب الشراء وإنما نقده حفص.
فالذي يجب في ذلك إذ قد عجز ابن الأسوار فيما أدعاه أن بيعه كان على الإكراه، بعد أن ضربت له آجالا وسع عليه فيها وأعذرت إلى ابن كليب فيما ثبت من إقراره بالابتاع لحفص، فلم يدفع ذلك بشيء، فقد وجب الإشهاد لبني حفص، إذ قد ثبت عندك عدة ورثة حفص على ما ثبت لهم في شراء ابن كليب، وتقطع حجة ابن الأسوار عنهم في المنزل، وتأخذ لابن الأسوار ابن كليب بالثمن الذي أقر أنه لم ينقده وتعديه به عليه. قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان.
إقرار ابن الأصبغ القرشي بالابتياع لزوجه مصابيح، وإنكار ورثتها ذل وطلبهم إياه بالثمن:
فهمنا - وفقك الله وسددك - ما قام به ورثة مصابيح على ابن الأصبغ القرشي زوجها في إقراره بابتياعي الدار التي بداخل مدينة قرطبة بينه وبينها بالسواء، ونقد نصف الثمن من مالها والنصف الثاني من ماله، وطلب ورثتها منه ما قال أنه دفع من مالها، وقالوا: إنهم لم يعلموا أنها علمت بالابتياع ولا كان بأمرها في علمهم، وقول القرشي إنها سكنت معه الدار زمانًا طويلًا وهدمت وباعت النقض، ومثلها لا يخفي عليها ما ابتيع لها إلى ما تركت من الهدم وبيع النقض.
فالذي نراه في ذلك - والله الموفق للصواب - أنه إذا لم يثبت رضي مصابيح، وإنما هو كظن لبروزها وملكها؛ لم تجز عليها حكومة برضى، إلا أن يثبت عليها بذلك ورضاها، وأكثر ما كان يلزمها لو كانت باقية اليمين، وكذلك يلزم البائع من ورثتها المالك لنفسه اليمين وورثته وورثتها، لما علم أن مصابيح علمت بهذا الابتياع ولا رضيت به، فإذا حلف وجبت له حصته من الثمن على ابن الأصبغ. قال عبيد الله بن يحيى، ومحمد
[ ٤٧٢ ]
ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ.
ونرى – وفقك الله – ألا تعجل بما أشرنا به وبجمعنا وتثبت، ثم تنفذ ما يظهر الله لك بعد الاستقصاء والإجماع والمناظرة. قاله ابن لبابة.
وقال عبيد الله بن يحيى: ليس مثل مصابيح كان يغيب عنها شيء مما كان ينظر به زوجها، وقال ابن وليد وابن لبابة وأيوب بمثله، وقال سعد بن معاذ بمثل قولهم وفتياهم.
قال القاضي:
كذا وقع في الأصل الذي كتبته منه وهو اختلاط منهم، وما زاد عبيد الله ليس بشيء، وجوابهم الأول صحيح ليس في الفقه غيره، ولا تعطي الصول سواه.
من أقر بمال كان عنده أن صاحبه وهبه له وأنه فرقه في سبيل الخير وأنكر ورثة الرجل دعواه وطلبوا المال:
فهمنا – وفقك الله وسددك – ما قام به الرجل بكتاب كتبه رجل قد توفي، وفيه ذكر نفقات أنفقها في سبيل الخير، وأحب القائم بالكتاب إثبات تلك النفقة لعله ذكرها، وفيه أن تلك النفقات أنفقها من مال وهبه إياه رجل سماه، فوق ورثة ذلك الرجل على الكتاب فقالوا: قد كان وقع إلينا خير هذا المال ولم يكن هبة، وإنما كان جعله عندك على وجه لتقوم بحفظه إما وديعة أو قرضًا، وفي الورثة صغار وكبار قد أخذتهم ولاية القاضين وسألك القائم عنهم النظر لهم وأحببت أن تعرف هل يصح في مثل هذا دعوى لأحد، ولم يقر بالهبة على وجه الإقرار، وإنما جاء إقراره في خير مستجلب لغير الهبة وقلت: إنك وقفت الكتاب فإن
يجب في مثله نظر أبحت الكتاب، للطالبين، وإلا منعتهم من طلب ما لا يجب لهم.
وقد علمت ما قيل فيمن أقر بقبض مال من رجل على وجه الشكر له في ذلك أن إقراراه يسقط إذا لم يقص إلى الإقرار بالمال صراحًا، فإن
لم يكن هذا عندك مثله فعرفني رأيك، وهذا لم يجتلب منكرًا، وإنما اجتلب ذلك نفقاته، ووقع ذلك الهبة في المال ليعرف من استنكر إنفاقه ذلك في الوجوه التي ذكرها أنه إنما أنفق من تلك الهبة.
الجواب في هذا:
وفقك الله – عن مسألة الرجل المقر بهبة المال له وتحديجه العدة له، وذكره عن نفسه ما سلبها فيه، واستهلكها له من طريق الخير ووجوه الاحتساب، وما قام به عليه وطالبه
[ ٤٧٣ ]
فيه ورثة الذي ادعى أنه وهبه المال المستهلك فيما زعم أنه وجهه له ووضعه فيه: أن إقرار المقر لما ذكره من ذلك لازم له وواجب عليه مأخوذ به، قد أقر بالقبض وأدعى الهبة، فعلى اليد ما أخذت، وفي الذمة وجوب ما أتلف مدعي الهبة، إذ من يصح بأكثر من قوله، ولم يكن لها ثواب ولا رده، والأصل في هذا حديث النبي (ﷺ) الذي رواه سمرة بن جنب عنه ﵇، "على اليد رد ما أخذت (١) "، فالضمان لازم للمقر.
وأما مسألة الشكر فعلى ما ذكره القاضي في كتابه، وهو قول مالك ﵀، إذا كان من المقر على جهة الشكر ومعنى الحمد والثناء: أن ذلك ساقط عنه غير واجب عليه، وبه نقول: وليس هذا من معنى ذلك ولا من طريقه، وهذا إقرار ودعوى لا يسقطها إلا طول الزمان وتفاوت الحالات بين الواهب والموهوب له.
قال القاضي:
في كتاب الوديعة في سماع يحيى من قول ابن وهب فيمن أودع رجلًا دنانير، وعهد إليه فيها ألا يدفعها إلا إلى من أتى بأمارة أعلمه بمها لم يطلع عليها غيره، فأتى رجل بتلك الأمارة فدفع إليه المال، ومات المودع رب المال، فقال ورثته لمودع: ما صنعت بمالنا؟ فقال: صنعت به الذي أمرني أبوكم وليس علي أن أخبركم بما أمرني به – أنه يخلف: لقد فعل به الذي أمره به في المال لم يتعده إلى غيره ويبرأ.
قال يحيى: وسألت عنه ابن القاسم فقال مثله، والمعنى أنهم صدقوه في الأمارة، وأن أباهم أمره بذلك، فلذلك حلف أنه فعل ما أمره به وبرئ، وأما لو كذبوه في دعواه كلها وطلبوا مالهم لكان ذلك لهم، وهو نحو الجواب الذي فوق هذا.
ولابن القاسم في المدونة: أن أتى المودع من زعم أن ربها أمره بأخذها، فصدقه ودفعها إليه فضاعت؛ ضمن الدفع، ثم له أخذها من القابض.
وقال أشهب في كتابه: لربها أخذها ممن شاء منها، ثم لا رجوع لمن أخذها منه على الآخر.
_________________
(١) الحديث أخرجه ابن الجارود ج ١، ص ٢٥٦ برقم ١٠٢٤، والحاكم في مستدركه ج٢، ص ٥٥٩ برقم ٢٣٠٢، والترمذي ج ٣، ص ٥٦٦ برقم ١٢٦٦، وقال: حسن صحيح، والدرامي ج ٢، ص ٣٤٢ برقم ٢٥٩٦، والبيهقي في الكبرى ج ٦، ص ٩٠ برقم ١١٢٦٢ وأبو داود ج ٣، ص ٢٩٨٦ برقم ٣٥٦١، والنسائي في الكبرى، ج ٣، ص ٤١١ برقم ٥٧٨٣، وابن ماجه ج ٢، ص ٨٠٢ برقم ٢٤٠٠ والإمام أحمد في مسنده ج ٥، ص ٩.
[ ٤٧٤ ]
وفي الإقرار لابن المواز: لو جاءه بكتابه أو بأمارة فدفعها إليه وهو يعرف خطة وأمارته، فصدق كتابه ودفعها إلى الرسول، ثم أنكر ربها، فليحلف: أنه ما أمره ولا كتب بذلك إليه وأنه لا يحق له عليه، ثم يغرم له الدافع، ثم يرجع هو على القابض منه، ولا يمنعه من ذلك تصديقه فيما أتى به ولا معرفته بصحة ما جاء به وشهادته بصدقه.
قال محمد: والذي جاءه الكتاب وإن عرف خطه وأمارته له ألا يدفع إليه وديعة الغائب، ولا حقا له عليه.
وقال ابن عبدوس: إن دفعها إلى الرسول، ثم اجتمع مع ربها فأعلمه بذلك فسكت ثم طلبه بعد، فإنه يحلف: ما أمر فلانًا بقبضها، وما كان سكوته رضا بقبضه، ثم يغرمه، ولو كان علم بقبضه فجاء إلى الدافع فقال: كلم فلانا القابض يحتال في المال كان رضي بقبضه؛ فليطالبه به والدافع بريء.
وأما مسألة الشكر التي ذكرها القاضي والمفتي فهي محذوفة، إنما في شهادات المدونة، ولقد قال مالك في الرجل يقر لقوم أن أباهم كان أسلفه مالًا وأنه قضاه إياه: إنه إن كان الذي ادعى من ذلك أمرًا حديثًا من الزمان والسنين غير متطاول، لم يصدق إلا ببينة قاطعة على القضاء، وإن كان قد تطاول زمان ذلك أحلف المقر وكان القول قوله، وعلى هذا تصح المسألة.
وبيانها في كتاب ابن حبيب قال: عن أصبغ عن ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول في الإقرار السلف وقضائه على وجه الشكر والثناء: لا يلزم المقر وهو مصدق فيه طال زمانه أو قصر إن كان إقراره لحي، فإن كان إقراره لميت، فإن
كان لما قد بعد وطال زمانه فكذلك، وإن كان فيما وقته قريب أخذ بإقراره، وفرق بين الحي والميت في هذا أن الميت لو كان حيًا لعله يكون عنده ما يحق به حقه سوى إراره ذا، والحي قائم بحجته محيي لحقه، سوى إقرار هذا إن كانت بيده من ذلك وثيقة. ألا ترى أن الميت يقول عند موته: لي على فلان كذا وكذا، فلابد من أن يحلف فلان ذلك إن جحد، وإن لم تعرف بينهما مخالطة ولو ادعى ذلك حي لم يحلف له إلا بمخالطة تعرف.
وقال: سمعت مطرفًا وابن الماجشون يقولان: كل من أقر بحق عند قوم في مساق حديث بحديثهم أو شكر به أحدًا أو أثنى به عليه، لما قد مضى من سلف وغيره من الحقوق، ثم ادعى المقر له ذلك، وقالك قد أسلفته كما ذلك ولم أقض، وقال الآخر قد
[ ٤٧٥ ]
قضيته، وإنما ذكرت إحسانه إلي وأثنيت به عليه؛ فلا يلزم ذلك المقر إذا كان على هذه الجهة، ولا ينبغي للقوم أن يشهدوا بذلك، فإن
جهلوا فشهدوا بذلك على جهته، وكما كان ساقه لم يجز للسطان أن يأخذه به، وهكذا سمعنا مالكًا يقول وجميع أصحابنا.
قال ابن الماجشون: ولو قال ذلك عند السلطان لم يصدق حتى يأتي بالمخرج، وفرق بين ذلك أنه ما كان من أمر إنما جره الحديث والقصة والخير على حال الشكر والذم، فلا يؤخذ به أحد، ولو ناكره حقه فقاعده عند السلطان فقال: أسلفني وقضيته، كان عليه المخرج لأن هذا إقرار بحق وادعاء بقضاء في موضع الإقرار والدعوى والفصل والبينات. وقال لي مطرف وأصبغ مثل ذلك.
وفي سماع سحنون: قال ابن القاسم: من قال كان لفلانة على دينار فتقاضاه مني أسوأ التقاضي، فلا يجزي خيرًا، فقال المقر له: ما تقاضيت شيئًا، قال: الدينار على المقر وليس هذا كالمقر على الشكر، وهذا خلاف ما تقدم من كتاب ابن حبيب.
وفي سماع عيسى عن ابن القاسم من لقي رجلا فقال: أشهد أني قبضت من فلان مائة دينار كان لي عليه فجزاه الله خيرًا، فإنه قد أحسن قضائي فلا شيء لي عليه، فأعلم بذلك الشاهد المشهود له بأنه قضى فقال: كذب بل أسلفته إياها، فالقول قوله مع يمينه أنه أسلفه إياها، إلا أن يأتي الآخر بالبينة أنه تقاضها في دينه. قال ابن القاسم: وهي بينة قال أبو حمزة: كذلك قال المخزومي.
أقر بعدة وادعى قضاء بعضها، وشك في قضاء بعضها حتى يحاسب عنها:
نظرنا – أكرم الله الأمير – فيما أقر به طاهر بن فتوح لقمرة مولاة المنذر ﵀ وادعائه قضاء عشرين دينارًا منها، وقال في مائة وخمسة وعشرين منها: أظن أني قضيتها إلا شيئًا سأحاسبك بها.
فأما ادعاؤه قضاء العشرين فعليه فيها البينة، وإلا حلفت قمر ما اقتضتها منه، ولها رد اليمين عليه فيها، فإن حلف برئ منها، وإن نكل غرمها، وأما المائة وخمسة وعشرون فإنه على المحاسبة، فإذا أتى بها كشفت قمر عنها، فإن أقرت بها وإلا حلفت وغرمها، ولها أيضًا رد اليمين عليها فيها، فإن
حلف برئ إن نكل غرم إن وجد حاضرًا، وإن لم يوجد حاضرًا أو حلفت قمرًا على حقها؛ بيع لها الرهن الموضوع، ثم وفيت حقها منه.
قال ذلك أجمع وأفتى به: عبيد الله، وابن لبابة، وابن وليد، ويحيى بن عبد العزيز،
[ ٤٧٦ ]
وسعد بن معاذ، ومحمد بن أحمد بن يحيى، وأيوب بن سليمان.
قال القاضي:
انظر قوله: أظن أني قد قضيتها لو اقتصر عليه ولم يصل به لأشياء سأحاسبك بها؛ للزمه غرم هذا العدد دون يمين الطالبة، على ما قاله ابن المواز: إنما اليمين مع تحقيق الدعوى، فلو قال لك رجل: أظن أن لي عليك دينارًا فأحلف لي، وبينهما مخالطة؛ لم تلزمه يمين؛ إذا لم يحقق دعواه، وكذلك لا يمين على من ادعى عليك دعوى صحيحة، إذا لم يحقق البراءة منها، فيغرم حتى ينكر إنكارًا بينًا فيحلف، وقد مر هذا المعنى – وفيه تنازع – وفي كتاب ابن حبيب، وفي موضع آخر من كتاب ابن المواز فتأمله.
إقرار مكتري حمام لقوم بالحمام:
فهمنا – وفقك الله – ما كشفنا عنه من إقرار متقبل الحمام المنسوب إلى عثمان أنه بيده لأحمد بن محمد ابن وليد ولورثة أخيه، وأنهم هم المدخلون له فيه؛ فيجب أن تكشف هذا المقر كيف هو بينهم: أعلى السواء أم على غير ذلك؟ فما أقر به كان كذلك، إلا أن يدعي المقر لهم غير ما أقر به من هو بيده؛ فيكلف المدعي البينة على دعواه. قال بجميع ذلك ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
إقرار باكتراء دار ودعوى سلف:
نظرنا – أكرمك الله – في إقرار هشام بن سالم باكترائه الدار التي يربض الرصافة من رملة بنت أخيه، وادعائه أنه قد قضاها جميع كرائها إلى أن خرج عنها، وأن له قبلها عشرة مثاقيل سلفًا، ثم نظرنا في إنكاره الإقرار بالاكتراء وبإشهاده به على نفسه، وادعائه أنه إنما سكنها عشر سنين على سبيل المتعة، وقال: إني كافأتها.
فالذي نقول به: إن ثبت عليه إقراره بالاكتراء بعد لين، ولم يكن عنده مدفع فيهما أخذ بجميع الكراء، بعد أن تحلف رملة: أنها ما قبضت منه كراء ولا كافأها بشيء، وما ادعاه من السلف إن شهدت له بينة عدلة ولم يكن فيها مدفع عند رملة؛ أدت ذلك إليه، وإن لم تكن له بينة حلفت رملة ما أسلفها شيئًا مما ادعاه عليها، ولها رد اليمين عليه فيه، وإن أقام بالمتعة بينة؛ لم تقبل منه إذا ثبت عليه الإقرار بالاكتراء لإذابه بينة المتعة، ويؤخذ بكراء العشر سنين، إلا أن تثبت رملة أنه سكنها أكثر من ذلك، فتؤخذ به، وإلا فيمينه فيما ادعته زائدة، ولو رد اليمين عليها في ذلك، ويجب عليه اليمين أن إنكاره لم يكن فيما
[ ٤٧٧ ]
أدعاه على رملة من السلف في الإقرار الذي أنكره، وأنه إنما أنكر ما ذلك عنه من الإقرار بالاكتراء. قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد.
امرأة أقرت بمال لها ولغيرها:
ما أخرجته – وفقك الله - أم ولد ابن علي وثبت عندك أنه خرج عن يدها بوعيد، فلو ادعت جميعه كان لها، وما أطلقت دعواها منه وقالت إنه لغيرها؛ فهو لمن أقرت له به، كما كان ما أدعته لنفسها لها؛ لأن من كان بيده شيء فهو له، وإن أقر به لغيره فهو لمن أقر له.
إلا أنا ألقينا هذه كشفت عن أصل أوجبت قضية ثانية، زعمت أن أصل ما أقرت للصبية به كان لجدها، وأنه وهبه لها ووهبت هي ذلك للصبية فوهن الإقرار بوهن الأصل، إلا أن يقيم بينه عدل على أن محمد بن فلان وهبها إياه فيكون إقرارها به حينئذ جائزًا، وما لم يثبت فإنه يرجع ميراثًا لورثة محمد بن علي إن شاء الله تعالى. قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وابن غالب، وابن وليد.
قال القاضي:
قد تقدم من هذا فيم معنى الهبة وما يشبهه في مسألة على وجه الشكر، وتقدمت مسائل الإقرار بما في يده لغيره مستوعبة في مسألة التداعي في الزرع.
مريض أقر لبناته بحق ورثته ومعهن عاصب:
فهمنا – وفقك الله – الشهادات التي شهد بها على إقرار محمد بن يحيى لبناته في مرضه الذي توفي فيه، وقول عبد العزيز بن يحيى أن ذلك الإقرار ساقط وأن لعاصبه أن يأخذ حصته من المال الذي أقر به لهن، ولنن اليمين على هذا العاصب: أنه ما يعرف هذين الكتابين اللذين قمن بهما. قال بذلك عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، ويجب على القاضي الإشهاد للعاصب على سقوط الكتابين. وقاله أيوب بن سلميان، ويحيى بن عبد العزيز.
في إقرار الأب بتصيير مال إلى ابنه عن دين كان له عليه بإقراره:
فهمنا – وفقك الله – ما كشفت عنه من إقرار محمد بن العرض الذي ذكره من بيع الكرم بالدين الذي كان لابنه عنده، وإقراره في ذلك الكتاب أنه قبض الكرم لابنه إذا
[ ٤٧٨ ]
كان يلي النظر له، وقوله في الكتاب الثاني الذي فيه إقراره أنه تبرأ بالكرم إلى ولده، فلم يأت بها أن يكلف إظهار الكرم، فإن ثبت على ابنه دين بيع لغرمائه، وإن لم يكن عليه دين فهو لورثته، وما فضل منه كان لورثته أن يبيع لغرمائه، وكذلك تسلك في كل شيء أقر أنه أصاره إلى ابنه بالعوض، قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن وليد.
قال القاضي: وتتم هذه المسألة بما نورده من وجوهها إن شاء الله. قال ابن حبيب: قلت لمطرف وابن الماجشون: من قال: اشهدوا أني قد بعت من ولدي هذا لولد له صغير أو كبير داري هذه بكذا وكذا دينارًا، كانت له في يدي من ميراثه من أمه أو من عطية أعطيها أو من شيء يصفه. فقالا: إذا رشح لذلك وجهًا أو سب له سببًا يعرف؛ فذلك جائز مع يمين الكبير، وإن لم يعرف ما قال ولا رشح له وجهًا ولا سبب له سببًا يعرف، لم يجز ذلك على وجه البيع، وكان بسبيل العطية فيما حيز وفيما لم يحز.
قال: وكذلك لو قال: أشهدوا أن لوالدي هذا على مائة دينار دينًا صارت له على من كذا وكذا، وذلك لا يعرف؛ فذلك لا يجوز إلا أني رشح أو يسبب أمرًا يعرف له به مال، فيجوز ذلك للولد مع يمينه، وكذلك لو أقر له بدين لا يعرف لم يجز ذلك، وهو قول علمائنا.
وقد سئل أصبغ عن ذلك فقال مثله، وقال فضل بن سلمة: انظر في هذه الرواية حيث يقول، وكان سبيله سبيل العطية فيما حيز وفيما لم يحز.
وقال ابن القاسم في المدونة: إقراره في الصحة بدين لوارث جائز، وإنما يتهم في إقراره في المرض إلا في الزوجة إذا كان الذي بينهما متفاقمًا، وله ولد من غيرها.
وذك أصبغ في سماعه في غير الزوجة إذا كان ما بينه وبينها متفاقمًا – مثل هذا، وأما إقراره، لوارث في الصحة فرواية أصبغ جوازه كما في المدونة أن إقراره لولده وولد ولده بدين جائز في الصحة، ثم زاد أصبغ إلا أن يقر لولده الرضيع ولا يعرف بكسب ولا فائدة من ميراث دخل عليها صار إلى أبيه، أو سبب ولا هبة من أحد أو شبهها، فهو توليج حينئذ وهدر.
وكذلك أن أقر لكبير من المال بما لا يشبه ولا شبه أسباب شيء من هذه الوجوه فيه بطل كله، وكان توليجًا في الحياة لبعد الممات.
فإن فضل: فانظر في هذا وفي ورواية ابن حبيب، إن كان أراد هذا المعنى. وفي
[ ٤٧٩ ]
الوصايا في سماع اصبغ ونحوه في كتاب ابن المواز: فيمن أقر عند موته أن هذا لابنه مما ورثه عن أمه ولا بينة فيه. قال ابن القاسم: فإن كان يعرف لها مال أو عرض وكان أمرًا بينًا قبل قوله، وإلا لم يجز.
وفي الصدقات في أواخر توازل أصبغ فيمن أشهد وهو صحيح أنه اشترى لابنه هذه الدار بألف دينار من مال ابنه في زعمه، ويشهد أنه إنما كريها ويعتلها له وباسمه، ثم يموت على ذلك وهو صغير في حجره، ولا يعلم لابنه مال من وجه من الوجوه، ثم مات الأب؛ فهو توليج وهو ميراث بين الورثة، كمن قال في مرضه: كنت أعتقت عبدي هذا في صحتي، ولا يقول: أنفذوه فهو باطل.
وفي سماع حسين بن عاصم: سألت ابن القاسم عمن أشهد في صحته: أني قد بعت منزل هذا من امرأتي أو ابني أو ولد ابني بمال عظيم، ولم ير أحد من الشهود الثمن، ولم تزل الأرض بيد البائع إلى أن مات، قال: لا يجوز هذا، وليس هذا بيعًا، إنما هو توليج وخدعة ووصية لوارث. كذا أدخلها ابن أبي زمنين في كتابه المشتمل.
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، فيمن باع ولده الصغير أو الكبير أو أجنبيًا داره التي يسكنها بثمن خفيف، مثل أن يبيعها بعشرة وهي ثمن مائة ولا تزال في يده حتى يموت – قالا: ليس هذا بيعًا، وهي من باب العطية التي لم تقبض، وهي باطل وترد الدنانيير إلى ربها، وهو في الأجنبي أبعد تهمة إلا أن ذلك كله مردود، ما لم يشبه أن يكون ثمنًا أو مقاربًا أو مشكلًا، فيمضي على وجه البيع. وقاله أصبغ.
وفي رسم الشجرة من كتاب الصدقة من رواية عيسى عن ابن القاسم: من باع ابنه اصغير أرضًا بعشرة مثاقيل، وهي ثمن مائة فلا تزال في يد الأب حتى يموت فهي موروثة، وللولد العشرة.
وفيه عن مالك فيمن ولي ابنه حائطًا اشتراه منذ زمن بثمن يسير، وثمنه اليوم كثير وله ولد غيره – قال: إن حازه فهو له حائز. وفي رسم ذلك حق: إن اشترى لابنه الصغير في حجره غلامًا وأشهد بذلك، ثم مات الأب بعد بسنة فهو لابن، ولا يدخل فيه الوراثة، وإقراره الصحيح لوراثه بدين في الدعوى في رسم البراءة.
وفي التفليس في سماع أشهب، وفي سماع سحنون، وعنه في كتاب ابنه مما كتب به إلى شجرة فيمن باع وربعه من بعض ورثته بمائة دينار، ويقبض خمسة دنانير بمحضر البينة
[ ٤٨٠ ]
ويشهد أنه قبض الجميع، أو كان المشتري أجنبيًا فكتب إليه، ينظر الحكم فإن
استراب أمرًا، وخاف أن يكون قد عمل على ما لا ينبغي نظر فيه وكشف وسأل، والفعل في امرض أضعف، فإن
صح الأمر ولم يكن الريع معروفًا، ولا غرفته البينة، إلا أنه محدو في كتاب الشراء؛ فلا يجوز البيع إلا أن يكون في الكتاب إقرار المشتري بالقبض والمعرفة، فينظر فيه.
وكتاب إليه شرحبيل فيمن أقر لابنين له في حجرة بدارين محدودين، وأشهد بذلك فكتب إليه: هذا الإقرار أحدثه الناس، وهو وليجة محملة عندنا محمل الصدقة إذا كانت الداران معروفتين بملك الأب، - يريد ولا يعرف للابنين مال وهو الحائز لهما؛ فذلك جائز، إلا فيما سكن فيه هو مردود من ذلك.
رجل صير لامرأته في كالئها نصف دار سكناه معها وسكناها معًا إلى أن مات فيها:
كتب بها من بطليوس وذكر في السؤال أنه كان تصييرًا ناجزًا، وكان قد اختلف فيه عندهم، فقال بعضهم: إن التصيير كالصدقة والهبة لا ينفذ، إذا لم يخل المصير الدار من نفسه حتى مات، وقال بعضهم: بل التصيير كالبيع لا يحتاج فيه إلى حيازة ولا إخلاء.
فأفتى فيها شيوخنا ابن عتاب وابن القطان وابن مالك بجواز التصيير، وأنه كالبيع لا كالهبة بعد أن كان. قال ابن عتاب منهم لمن حضره من أصحابه: لا يجوز التصيير، ثم قال لي: ما رأيك فيها ولم يعلمني بما تقدم من قوله لأصحابه، فقلت له: رأي فيها أن ذلك نافذ جائز، وليس في القبض أقوى من سكناها في الدار، فأنفذ جوابه بعد ذلك أن التصير جائز نافذ.
وتكلمت فيها مع ابن مالك فقال لي: الأمثل فيها عندي جوازه، وهو الصواب والله أعلم، لأن من قول مالك رحمه فيمن وهب أجنبيًا جزءًا من ماله مشاعًا، واعتمر الموهوب له مع الواهب حتى مات أنه جائز، وفيه اختلاف ذكره ابن ابي زمنين في وثائقه، وأعلمني أبو عمر بن القوي أنه كان المفتي بإجازته، وأخبرني غير أن أبا محمد بن الغلاس كان الذي عندهم ببطلان التصيير لسكنى الزوج المصير في الدار حتى مات، وحكي أنه رآه فتوى لابن المكوي.
ومن هذا المعنى: رجل أقر في صحته بدين لزوجته وباع به منها دار سكناه معها، ووصل سكناه فيها فلم يخرج عنها إلى أن مات:
كتبت بها إلى أبي عمران وأبي بكر بن عبد الرحمن بالقيروان، وقال السائل: هل
[ ٤٨١ ]
يجوز هذا البيع إذا لم تقبض المرأة الدار منه وتنفرد بها دولة، وقد علمت ما نهى عنه من الكالئ بالكالئ، وقد روي ابن القاسم من مالك أن لا يأخذ في دينه دارًا يسكنها أم ترى أن ذلك جائز؛ لأنها دار معينة ولا يدخلها الدين بالدين، على ما قال في بعض الكتب، إنما ذلك في المضمونين جميعًا، وأما إن أخذ سلعة بعينها عن دين وتأخر القبض فيها، فذلك جائز، قاله في كتاب الآجال.
وقال كتاب البيوع الفاسدة: ألا خير فيها، وذكر يحيى بن عمران الجواز فيها أحسن، وكذلك روي أحمد بن خالد عن ابن وضاح عن سحنون، وكان بعض شيوخنا يقول: معنى التي في الآجال أن السلعة كانت حاضرة المجلس، والتي في البيوع الفاسدة لم تكن حاضرة المجلس، فاختلف الجواب فيهما لأنهما مسئلتان. بين لنا ذلك مأجورًا إن شاء الله تعالى.
فأفتى أبو بكر بن عبد الرحمن:
الجواب عندي أن ذلك إذا لم يشترط عليها أن يسكن فيها، إلا أنها لو شاءت أخرجته، وهذا مخالف لمن فسخ دينه في كراء أرض أو مسكن دائرًا أو خدمة عبد، أو في سلعة غائبة؛ لأن هؤلاء لا يقدرون على قبض ما فسخوا فيه حقوقهم؛ والزوجة قد قبضت الدار وإنما أبقت زوجها ليسكن فيها رفقًا به من غير إيجاب وجب له عليها.
وقد روي أشهب عن مالك رحمه أن له أن يأخذ بدينه دارًا يسكنها وجعل أوائل السكنى قبضًا لجميعه، ولم يرده من الدين بالدين. وبالله التوفيق.
وجاوب أبو عمران:
إذا بقي الزوج ساكنًا في الدار إليها بدينها فسد الدفع، كما ودفع الرجل داره إلى غريمه وبقي الدافع ساكنًا فيها؛ كان ذلك دينًا بدين، وهو بمثابة سلعة ممنوعة من قابضها في أن يقبضها إلا بعد أيام.
وأما مسألة كتاب الآجال فهي محمولة على حضور السلعة، وأن الذي له الدين كان قادرًا على قبضها قبل دخول بيته فاختار تركها إلى أن يخرج من البيت، ألا تراه قال: ويقبضها إذا خرج، فأما لو كان قبضها إذا خرج يتعذر والرجل الذي دفع الدار لا يتأتى أن تقبض منه امرأته الدار إلا بعد انتقاله، والانتقال عمل، وقد يتعذر عليه موضع ينتقل إليه فيضرب في ذلك أجل، وهذا على مذهب ابن القاسم.
[ ٤٨٢ ]
وسكناها مع الزوج ليس قبضًا، كما لو تصدق عليها بدار وهما ساكنا فيها لم يكن سكناها معه لها قبضًا؛ إذ ليس عليها أن تسكنه، فملا بقي ساكنًا لم يتبين الحوز، بل بقيت ساكنة على الملك المقتدم، وسكناها هي فيها على أصل ما كانت تسكن معه قبل ذلك بحق الزوجية دون حق الكفاية، فكذلك أيضًا سكناها مع الزوج في دار قبضتها منه بدين لها عليه، وهو على الوجه المتقدم من وجوب سكناها عليه بحق عصمة الزوجية.
وأما تصويب سحنون ويحيى لمسألة الآجال، فمعنى ذلك أنها أفسر وأبين، ومسألة البيوع الفاسدة محمولة على السلعة الغائبة، أو ما قصدا به التراضي وإن حضر المجلس.
قال الشاهد:
شهد الشهود على إقرار الزوجين بالتقابض في هذا التصيير، ولم يشهدوا بمعينته، وقد قال بعض المفتين: لا يجوز التصيير إلا ببينة إلا ببينة تعاين قبض المرأة للدار وتنفرد بها، كبقبض الرهن والصدقات، لابد من معاينة القبض فيها، ولا ينتفع بالإقرار في ذلك دون معاينة، وخالفه غيره، فقال: إقرارهما جائز: كإقرارهما بالصرف والتناجز فيه، وإن لم يعرف صدق قولهما فهو جائز حتى يعرف خلافه، وقال غيرهما في التصيير: هو جائز لازم لا يضر سكناه معها في الدار، وسكناها معه فيها قبض، وإن كان الزوج انتفع بذلك قبض وهو جائز.
فجاوب أبو عمران:
إن القول قولهما في التقابض؛ إذ القول قول من يدعي الصحة ما لم يتبين خلافه كالمسلم والمسلم إليه يتقاران فيه بالتناجر، أو يدعي أحدهما التناجز أو قرب الدفع من العقد، ويقول الآخر بعد طول، فلا يقبل قول مدعي الفساد وهو الدين بالدين، فلا يكون سكناها مع الزوج قبضًا، كما لو تصدق عيها بدار وسكنها معه، لم يكن سكناها معه فيها قبضًا؛ إذ ليس عليها هي أن تسكنه، وكرر الكلام بمثل ما تقدم.
وجاوب أبو بكر بن عبد الرحمن:
قد شرح الجواب عن أخذها للدار من زوجها أنه جائز، ولا يضرها سكنى الزوج فيها، وكذلك ما تقارا عليه من القبض والأخذ، ولا يشبه هذا ما قاله صاحبنا أنه كالرهن والصدقة؛ لأن الرهن شرط الله تعالى فيه القبض، فقال عز من قائل: (فرهان مقبوضة) (البقرة: من الآية ٢٨٣) وكذلك جاء الحديث عن الفاروق وعلي رضي الله
[ ٤٨٣ ]
عنهما: أنه من لم يقبض صدقته فلا صدقة له، وقال الصديق (﵁) عائشة رحمهما الله: وكنت حزتيه كان لك.
وأمر الزوج إنما جرى على البيع والشراء فيها، ما لم يقع من الزوج شرط يفسد به البيع أو من المشتري أرأيت لو تراضيا بأخذ الدار وأحضرا بينهما بينة، فقام الزوج ليخرج من الدار فانهدمت، أم لم يكن ضمانها من الزوجة أو من تقول هي من الزوج حتى يخرج منها، وهذا مما لا يقوله أحد.
قال القاضي:
جواب أبي بكر في هذه المسألة كلها أصح من جواب أبي عمران، وقول أبي عمران أنهما في التقابض مصدقان مع وقله: أنه لابد من خروج الزوج من الدار كالصدقة والرهن لا يكون سكناها معه فيها قبضًا متناقض؛ لأنه إذا لم يصح التصير إلا بالإخلاء من الزوج فتقاررهما به ينبغي ألا يكون عاملا إن وقع فيه تنازع بينهما، أو بين ورثتهما، أو بين أحدهما ووراثه الآخر، كادعاء الحوز في الصدقة إذا لم تقم عليه بينة، هذا الظاهر على جوابه، والله أعلم.
وفي سقوط الحوز في التصيير رواية سقطت عن ذلك جميع من أفتى في هذه المسألة، وعزيت عن حفظهم فلم يستشهدوا بها؛ إذ لم يذكروها: قال في العتبية في سماع عيس عن القاسم: وسأله عمن تصدق بحظه في قرية بمهمة على أخت له، وقال: إني كنت قد أصبت من مورثها مالًا؛ فسهمي عليها صدقة بما أصبت من مالها، ولا يعلم ما أصاب من مالها، فأراد الشركاء الأخذ بالشفعة، هل يجوز قوله: إني أخذت من مالها أو يجوز لها الصدقة بما أخذ من مالها فيما زعم على غير حوز حتى هلك؟ ز
قال ابن القاسم: ذلك لها، ولا أرى لأحد فيها شفعة؛ أن الأصل الثمن لا يعرف؛ أن مالكًا قال لنا: ما طال من الشفعة حتى نسي ثمنه، ولم ير أن صاحبه أخفى ذلك لقطع الشفعة، فلا شفعة فيه إذا أتى من يطلبه، ولا يحوز عليها في ذلك؛ لأن الحظ إنما صار إليها على وجه الاشتراء فلا حوز فيه.
هذا نصها في الكتاب، ووصل بها جواب سحنون فيها بنحو ذلك، وقال: الصدقة لها، ولا شفعة لأحد فيها لأنه تمنح لا بيع طلبه المقر له.
وقال في النوادر فيها: قول سحنون ورواية عيسى سواء فقد أسقط ابن القاسم
[ ٤٨٤ ]
فيها من الحوز مع تسميته إياها صدقة، وهي تصيير في مجهول، فكيف بمسألة المرأة فيما أخذته من كالتها أو دينها، وهما معروفان، وهذا نهاية في البيان والله المستعان. وسقط قول من خالف في ذلك، وبطل نظره، وبالله تعالى التوفيق.
الإقرار بوارث أو بوارثين ثم يموت أحدهما في حياة المقر:
قام أحمد بن عيسى عند بعض حكام قرطبة بعقدين أثبتهما عنده، نسخة أحدهما: أشهد سعيد بن أحمد بن الأصبغ الأنصاري في صحته وجواز أمره أنه إن حد\ث به حدث الموت أقعد الناس به وأحقهم بوراثته، ما لم يولد له ولد بحيط بميراثه. أحمد بن عيسى الأنصاري ابن ابن عمه للأب، لا وارث له غيره، شهد.
ونسخة العقد الثاني يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون سعيد ابن أحمد بن الأصبغ وأحمد بن عيسى، ويعرفونهما ساكنين بقرية طرسيل منذ أزيد من أربعين عامًا، وهما لا يدعيان بينهما قرابة ولا أهلية ولا سمعوا واحدًا منهما يدعي شيئًا من ذلك، ولا سمعوا أحدًا ينكر أن بينهما قرابة في المدة المذكورة، وكذلك يعرفون أنه لا قربى بينهما ولا أهلية، وأن الذي عقده سعيد، وأشهد به على نفسه أن أحمد بن عيسى المذكور ابن أبي عمه وأحق الناس بميراثه؛ باطل في علمهم. شهد وشاور الحكم في ذلك.
فأفتى ابن عتاب: قرأت ما خاطبتني به وأدرجته طي كتابك، وفهمت ذلك كله، والذي أقول – والله أسأله التوفيق – إن إقرار سعيد بن أحمد لأحمد بن عيسى الثابت عندك جائز نافذ له، إذا لم يكن لسعيد وارث معروف، ويستحق أحمد بن عيسى بذلك المال ولا يرث به ولا موالي، إن كان له موالي.
وهكذا قال أصبغ في المستخرجة، قال: لو أن رجلًا لا وارث له يعرف من قريب ولا موالي أقر بابن أخ أو ابن عم أو مولى، فإقراره جائز، وللمقر له الميراث مكان في صحة أو مرض، حتى يأتي وارث معروف النسب والولاء، وإنما يعطي المال إذا لم يكن ثم وارث معروف النسب بأن الميت أقر بأنه أولى الناس به، فبهذا يعطاه بلا نسب ثابت.
وذكره ابن أبي زيد في النوادر قول أصبغ هذا، وزاد بأثره: وقال سحنون مثله، إلا في قوله: إن لم يكن له وارث معروف، فاختلف فيه قوله، فقال كقول أصبغ، ثم قال: لا ميراث له؛ لأن المسلمين يرثونه، وذلك الوارث المعروف، ولا يبطل عندي – والله أعلم – أقرار سعيد بما ثبت عندك في الوثيقة الثانية التي ذلك شهودها أنهم يعرفون أحمد وسعيد
[ ٤٨٥ ]
المدة التي ذكروا، وهما لا يدعيان قرابة ولا أهلية؛ إذ لا يتحقق عليه بهذا الكذب، وإنما احتيج إلى إقرار سعيد لما علم أن ذلك لا يعرف، ولو عرف ذلك شهود وشهدوا به أدوا علمهم لم يحتج إلى الإقرار، واستغنى بالشهادة بالعلم.
وكذلك قولهم: الثابت عندك أن الذي أشهد به سعيد على نفسه أن أحمد بن عيسى ابن عمه وأحق الناس بميراثه، باطل في علمهم؛ فهو أيضًا مما لا يضعف الإقرار به؛ إذ لم يبينوا الوجه الذي هو به باطل.
ويؤيد هذا ما ذكره ابن القسام عن مالك ﵀، وهو: سئل مالك عن الرجل يقول لغلامه: هذا بني، والغلام معروف أنه سندي والرجل فارسي، هل يصير حرًا؟ قال مالك: ما ادعى من ذلك مما يستيقن الناس أنه ليس باينه ولا ولده، فهو غير لاحق به؛ فأبطل مالك ﵀ قوله إذا تبين كذبه بأنه فارسي والغلام سندين، ورد ذلك على يقين الشهود لا إلى العلم.
ويشهد لصحة ما قلته ما قاله مالك ﵀ فيما يشبه هذه المسألة ويوافقها في الإقرار في الاستلحاق؛ إذ لا يستلحق إلا أب، قوله في المدونة في الرجل يبيع الصبي الصغير ثم يقر أنه ابنه: إن إقراره جائز، ولد عنده أو لم يولد، والقول قوله أبدًا إلا أن يأتي بأمر يستدل به على كذبه.
قال ابن القاسم: ومما يستدل به على كذبه: الصبي يولد في أرض الشرك فيؤتي به محمولًا مثل الصقالية والزنج، ويعرف أن المدعي لم يدخل تلك البلاد قط، فبهذا وشبهه يعرف به كذبه.
قال: وأما إن لم يعلموا أنه لم يدخل تلك البلاد فإقراره جائز، فإنما أبطل مالك قوله بالكذب الذي لا خفاء به عليه، ولم يبطل قوله بما يكون محتملًا.
قيل لابن القاسم في مسألة المقر بالصبي الذي باعه: فإن شهد أن أم هذا الغلام ليم تزل ملكًا لفلان، أو لم تزل زوجة لفلان لرجل غير مدعي الولد حتى هلكت عنده، أيستدل بهذا على كذب المدعي؟ قال: أما الأمة فعله كان زوجها، فلا أدري ما هو؟ وأما الحرة، فإذا شهدوا أنها لم تزل زوجة الأول حتى ماتت، فهي مثل ما وصفت لك مما يولد في أرض العدو.
وقوله هذا في الأمة، وقوله: فأما إن لم يعلموا أنه لم يدخل تلك البلاد فإقراره
[ ٤٨٦ ]
جائز، مما يدل على ضع الشهادة بأنهم لا يعرفون بينهم قرابة ولا أهلية، ولذلك أجتلبت هذه النظائر، والله أعلم، وهو ﷿ يوفقنا للصواب، ويعيننا على ما فيه النجاة برحمته وعونه.
وسئل ابن عتاب أيضًا عن مسألة من هذا المعني: وهو رجل أشهد في صحته أن أحق الناس بوارثته إن توفي عن غير ولد: ابنا عمه دنيا عبد الله ومحمد ابنا فلان، لا وارث له غيرهما، فتوفي عبد الله في حياة المقر، هل يحيط بميراثه؟
فأفتى: مذهب ابن القاسم إن من أقر أن فلانًا ابن عمه لا يثبت نسبه بهذا الإقرار، وإنما له المال بعد التأني، فإن
لم يأن له طالب أخذه المقر له مع يمينه. حكي هذا عنه أحمد بن ميسر، وهو مذهبه في المدونة.
وقول ابن القاسم: لا يثبت نسبه بهذا الإقرار، هو قول مالك ﵀ وجماعة أصحابه، وقد حكاه ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ أنه لا يلحق نسب أحد من أخ أو ابن عم أو عم ممن استلحقه حتى يكون وارثه وموروثه بذل الاستلحاق، إلا الوالد للولد فقط، كان الإقرار في صحة أو مرض. وحكاه ابن سحنون عن أبيه.
وقال أصبح في المستخرجة: إذا لم يكن له وارث معروف فإقراره جائز في صحته أو مرضه، ويكون له ماله، قال: أخي أو عمي، أو ابن عمي، أو وارثي، أن مولاي، أو مولى نعمتي، ولا يثبت له النسب بذلك. وقاله سحنون.
ولسحنون قول آخر: أنه لا ميراث لهذا المقر له، وإن لم يكن للمقر وارث معروف لأن ميراثه للمسلمين فهم كوارث معروف، وفي هذه الرواية بيان أنه إنما يكون لمحمد نصف مال المقر؛ لأنه إنما يأخذه بالإقرار لا بالنسب، والمقر إنما أقر له ولأخيه، فقد أقر لكل واحد بنصف ماله، فلم يرث محمد ما لم يجب لعبد الله لموت عبد الله قبل المقر، فبطل إقراره له، وصح لمحمد النصف، ونصف عبد الله لجماعة المسلمين.
ويشهد لصحة هذا ما رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ فيمن أقر في مرضه أن فلانًا أخوه وفلانًا مولاه، ولا يعرف إلا بقوله: أن ميراثه لمولاه دون أخيه؛ لأن الإقرار بالولاء حق من الحقوق أقر به، والإقرار بالأخ استلحاق، ولا يكون الاستلحاق إلا في الولد خاصة، فغلبا الإقرار بالولاء على الإقرار بالنسب، لما بيناه في ذلك.
ومذهب أشهب في ذلك: أنه لا يستحق الميراث إلا من استحق النسب، ويثبت له
[ ٤٨٧ ]
بما ثبت به الإنساب، وبهذا كان ابن لبابة يقول:، إذا لم يثبت له نسب، فكيف يستحق المال؟
ومذهب أشهب هذا هو النظر والقياس، إلا أن العمل جرى على قول ابن القاسم، والله أعلم بحقيقة الصواب.
قال القاضي:
وأخبرني أبو مروان عبيد الله بن مالك أن صاحب المواريث الوزير أبا محمد بن فطيس شاورهم فيمن أقر لرجلين أنهما أخواه أو ابنا عمه الوراثان له؛ فمات أحدهما في حياة المقر، ثم مات المقر، هل للمقر له الباقي جميع الميراث أم نصفه؟
قال: فأفتيت أنا وابن جرج أبو المطرف أن جميع ميراثه للباقي، ووافقنا ابن القطان في ذلك ودليله في ينوازل أصبغ، قال لي: وأفتى أبو عبد الله بن عتاب وأبو عبد الله محمد بن سعيد بن أبي زعبل أنه ليس له إلا نصف ما يخفه المقر. قال ابن أبي زعبل: كما لو أقر لهما بوديعة عنده ليس لكل واحد منهما إلا نصفها، وبه أخذ ابن فطيس.
وذكرت ذلك لابن عتاب فقال لي: كذلك كان، وهي مسألة ابن المقربطي، وجوابي هذا هو جواب الشيوخ، قيل: لأنه أقر بمال على أصل ابن القاسم.
ونهض ابن مالك مرابطًا إلى جهة بطليوس في سنة ستين وأربع مائة، فقال لي إذا رجع:. سئلت ببطليوس عمن أقر بوارث أخ أو غيره فمات المقر له في حياة المقر وتخلف ولدًا هل يرث ذلك الولد المقر إذا مات؟ قال: وكانت نازلة عندهم فأفتيت أنه لا ميراث له، فسألته: من أين قال هذا؟ فقال: من التي في نوازل أصبغ في الاستلحاق، وهو تناقض من قوله، وخلاف لكلامه الذي حكاه في المقر لهما، وقال لي: أفتي أكثر فقهاء بطليوس أن الولد يرث المقر، وأفتى واحد منهم أنه لا يرث.
وذكرت لابن عتاب وقال: لا يرث هذا الولد ذلك المقر يريد لأنه إنما أقر لغيره لا له، وأصله مطرد غير مختلف. وكان ابن مالك يفتي فيمن أقر بوارث سماه ثم مات: أن المقر له يحلف: أن الذي أقر له به الميت من قرابته منه، وأنه وارثه حق.
وتكلمت معه في ذلك، فاستدل بما في كتاب الولاء من المدونة فيمن هلك وترك ابنتين، فادعى رجل أنه مولاه، وأنكرت البنتان ذلك. قال ابن القاسم: لا يكون مولاه في قول مالك، إلا أن يقيم بينة. قال: ولو أقرت له ابنتان أنه مولى أبيهما، ولا وارث لأبيهما
[ ٤٨٨ ]
معهما بولاء ولا ينسب لحلف هذا معهما إن كانتا عدلتين، واستحق المال.
قال ابن المواز بعد التأني: ولا يستحق الولاء كمن هلك وترك ابنًا، فأقر الابن لهذا أنه أخوه، فإنه يرث معه المال، ولا يستحق بذلك نسبًا، وقال غيره: لا يحلف مع الابنتين في الثلث الباقي، لأنهما شهدتا على عتق وشهدتهما في العتق لا تجوز، ولا يثبت المال إلا بثبات الولاء، وشهدتهما فيه لا تجوز، ولو أقرتا له بالولاء أنه مولاهما ورثهما، إذا لم يعرف باطل قولهما.
قال محمد: بعد يمينه، وكذلك إن أقر له الواحدة أنه أعتق أباهما وأنه مولاه، وأنكرت الثانية، فلا شيء له في إقرار المقرة؛ لأنه لا يدخل عليها في الثلث الذي صار لها، ولا يثبت له ولاء، فإن ماتت ولم تدع عصبة ولا وارثًا غيره، حلف وورثها، قال محمد: واليمين في هذا ضعيفة.
وكان ابن عتاب ينكر فتوى ابن مالك باليمين في ذلك، قال: لم يقل ذلك أحد، ثم شاهدته في امرأة أقرت لأبي عمرو الذهبي أنه ابن عم أبيها وتوفيت، فأظهرت عقد إقرارها إلى صاحب المواريث أبي عبد الله بن العربي، فأرسله به إلى أبي عبد الله ابن عتاب، فقال لأبي عمرو: في العقد علة؛ لأن العاقد لم يرفع نسبك ونسبها حتى يجتمعها في جد واحد، وأرى لك مصالحة صاحب المواريث، وإلا فاليمين عليك وترث.
وأفتى غيره بأن الميراث له، ولا يمين عليه في ذلك، قال بعضهم: ولا أقول فيه باليمن كما كان يقول ابن العطار، وكان ابن العطار حينئذ قد مات.
إثبات نسب طالب حق:
من أحكام ابن زيادة: فهمنا – وفقك الله – ما سأله سليمان من إثبات نسبه من ابن عمه الذي زعم أنه مات بقلعة رباح، يكتب له بذلك إلى من عرفه من أهل الموضع، ليبغ بكتابه إلى حقه، فإن
ذلك – وفقك الله – من حقه، إن ثبت عندك مطلبه، ويكتب له بذلك إلى حيث حقه، فيكون له ما ثبت له عند القاضي حجة عند من طلب حقه عنده.
قال محمد بن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأبوب، وابن وليد.
قال القاضي:
أصل هذا في الولاء من المدونة فيمن أقام بينه أن فلانا أعتقه، وفلان يجحده ما أعرفك، وما كنت لي عبدًا، أو قال: ما أنت لي بمولى.
[ ٤٨٩ ]
قال ابن القاسم: هذا عندي كالنسب لو أن رجلا ادعى أنه ابن هذا الرجل، حجد ذلك الرجل أنه ابنه، فأقام البينة عليه؛ فإني أمكنه من ذلك، وأثبت نسبه منه، كذلك إن أنكر مولاك أنك أعتقته وجحده ولاءك؛ لك أن تثبت ذلك، وتمكن من إيقاع البينة عليه كالأنساب.
معتقة إلى أجل بيعت:
شهد عند القاضي أحمد بن محمد بن عبيد الله بن محمد بن أيمن أنه يعرف عتيقًا خادمًا لقرشية ابنة مفرح، وأنها أعتقها بعد ست سنين وأنها قد انقضت وأبقت عنها في داخل هذه السنين، ثم وجدتها فباعتها بأربع موزنات ورمات وهو يعرفها، وشهد محمد بن معاوية بمثل ذلك.
قرأنا وفق الله القاضي – هذه الشهادة، وإذا قبلت منها شاهدين وجب الإعذار إلى من ألفيت بيده هذه الخادم، فإن كان في ذلك مدفع نظرت فيه، وإن لم يكن عنده مدفع حكمت بحريتها، ويتراجع متبايعوها بالأثمان التي تبايعوها بها. قاله ابن لبابة، وأيوب، وابن وليد، ومحمد بن أيمن.
قال القاضي:
وكذلك ينقض بيع أم المديرة والمكاتبة إذا بيعت واحدة منهن، والخلاف في هذا بين مالك وأصحابه، فإن أعتق أم الولد مشتريها نقص عتقها وردت إلى بائعها وصرف الثمن على مشتريها، ولو ماتت عند المشتري كانت مصيبتها من البائع ويرده الثمن قاله مالك ﵀ في المدونة في كتاب أمهات الأولاد قال: لأنها حرة من رأس المال، ولا يشبه التدبير لأنه من الثلث – يريد والمعتقة إلى أجل لو أعتقها مشتريها لبطل عتقه.
قال مالك في آخر كتاب التدبير في المعتق إلى أجل: هو من رأس المال. وقال في صدر الكتاب: وله أن ينتزع ماله ما لم يقرب الأجل. قال في التفليس: والسنة بعيد. وفي كتاب المدير: إن أعتق المدير مشتريه مضى ثمنه لبائعه، ونفذ عتقه. وفي كتاب المكاتب أنه رجع إلى هذا بعد أن كان يقول يرد عتقه.
قال ابن القاسم في المكاتب مثله: إن فات بالعتق لم يرد بيعه. وقال أشهب وبعض الرواة: ينقض عتقه وبيعه ويرد إلى سيده الذي كاتبه؛ لأن عقد الكتابة عقد قوي.
وفي العتبية في نوازل أصبغ من كتاب الزكاة: أن قول مالك اختلف فيه
[ ٤٩٠ ]
كالاختلاف في المدير، وفي هذا المعنى مسائل كثيرة يطول الكتاب باجتلابها، وإنما ذكرنا هذا، لأن فيه تمام مسألة المبيعة بعد عتقها إلى أجل.
شورى في وصي طلب عن يتيمه نصف دار وهبته له عمته:
يا سادتي وأوليائي: قام عندي فلان عن يتيمه فلان الذي إلى نظره بتقديم إياه على النظر له بالعقد المذكور فيه هبته؛ فلا يتم لليتيم المذكور ابن أخيها نصف الدار المحدودة فيه، وأثبته بشهادة فلان وفلان وفلان ذلك في ذلك العقد على عين الواهبة، وحيزت الدار وثبتت عندي حيازتها وأعذرت في مجلس نظري إلى فلانه فيما ثبت عندي مما قدمت ذكره بعد أن عرفتها بثبوت ذلك عندي وممن ثبت.
فقالت ما وقع ذكره في فصل الإعذار أن بينها وبين الشهود عداوة، وثبت ذلك من قولها عندي، وأجلتها في إثبات ما زعمته أجلًا على ما جرى به العمل، وتلومت عليها فلم تأت بشيء يوجب لها نظرًا، ووجب أن أشاوركم في ذلك؛ فخاطبتكم بكتابي هذا وأدرجت طيه كتابًا أنتسخ فيه جميع ما قدمت ذكره، بعد أن قوبل عندي وصحت مقابلته، وأعملت بصحته فتصفحوا ذلك، وجاوبوني عنه مأجورين، إن شاء الله تعالى، والسلام.
فجاوب ابن عتاب:
سيدي تصفتحت خطابك والذي أدرجت طيه، ووجه الخلاص في هذا على ما كانت القضاة تفعله اجتهادًا في شبه ذلك أن تكشف في الباطن عما زعمته المرأة من العداوة، فإن انكشف إليك فهيا أمر اجتهدت على ما ينكشف إليك وقابلته بما يجب في ذلك، فقد كانوا ﵏ يستعينون بباطن القصة ولا يخرجون في ذلك عن الواجب، وإن لم ينكشف إليك شيء مما زعمته المرأة أنفذت شهادة الشهود، وحكمت بالهبة، وملاك الآمر في ذلك ومداراة أن ذهبت إلى الأخذ بما ذكرت لك على الذي تحمله في ذلك وتوسطه في دينه ويقظته وثقته وحسن تناوله، فعلك بذلك تظفر بالنجاة وتفوز بالسلام، إن شاء الله تعالى.
وجاوب ابن القطان:
يا سيدي قرأت ما خاطبتنا به، ووقفت عليه، وإذ قد ثبت عندك ما ذكرت وأعذرت إلى الواهبة كما وصفت، فالقضاء يرفع به الواهبة عن الحصة الموهوبة من الدار
[ ٤٩١ ]
المذكورة واجب، والحكم عليها بذلك لازم، دون إنزال منك في الحصة المذكورة، ولا يقال في التسجيل أنك حكمت بالهبة أو قضيت بها، وإنما يقال إنك قضيت عليها برفع يدها وقطع حجتها واعتراضها فيها خاصة؛ إذ لم يثبت عندك في ذلك ملك الواهبة، فإن
ذهب القائم إلى الإنزال كلفته إثبات الملك والحيازة، وحكمت حينئذ بالإنزال وقضيت به إن شاء الله تعالى.
وجاوب أبو محمد:
القضاء بإنقاذ هذه الهبة على فلانة واجب عندي، والله ولي التوفيق لنا ولك برحمته.
قال القاضي:
أما ما ذهب إليه ابن القطان في جوابه ما في رسم نقدها عن ابن القاسم. في الحاكم يأتيه رجلان فيدعي كل واحد منهما أرضًا بالصحراء، ثم يقرأ أحدهما لصحابه من غير بينة، كيف ينبغي للحاكم أن يشهد أن حكم بهذه الأرض لفلان، وهو لا يدري أهي في يديه أم لا؟ قال: بل يشهد له بأن فلانًا أقر لفلان بهذه الأرض ولا يشهد أنه قضى له بها، وإنما يشهد على إقراره بما أقر له به، ولا يحكم فيها بشيء إلا أن يقيم البينة أنها له. في آخر سماع يحيى نظير هذا، وقد مر منه في صدر الكتاب.
شوري في استحقاق نصيب من كرم ثبت ملكه للقائم:
يا سادتي، قام عندي رجل يسمى بفلان على فلان، فوقفه عندي في مجلس نظري بتوقيف تاريخه كذا، أدرجته اليكم طي خطابي هذا، فكان من جواب فإن
له على ذلك ما تقيد في أسفل التوقيف، وثبت جوابه عندي وقوله به، وتقاضى فلان له عندي في مجلس نظري على حسب ما تقيد في أسفل التوقيف، وأظهر إلى القائم كتاب استرعاء بملكه للجزء المذكور من الكرم المحدود وتاريخه كذا، وثبت عندي بشهادة شهوده الذين شهدوا عندي فيه، بعد أن كشفت عنهم في السر، فانتهى إلى عنهم ما أوجب قبولي لهم، وحيز الكرم بأمري، وثبتت حيازته عندي.
وأدرجت إليكم نسخة الاسترعاء ونسخة الحيازة، بعد أن قوبل ذلك عندي وأعلمت عليه بالتصحيح وأعذرت في ذلك إلى المقوم عليه على حسب في ظهر الاسترعاء، فادعى مدفعًا وثبت قوله بذلك عندي، فأحلته فيه على حسب ما جرى به العمل التأجيلي، وانقضى ذلك التلوم ولم يأت بشيء، ووجبت مشاورتكم في ذلك؛
[ ٤٩٢ ]
فتأملوا ذلك بفضلكم إن كان كاملا عاملا يوجب القضاء لفلان بالحصة المشهود له بها من الكرم المذكور يه أم لا. وجاوبوني بما ترون في ذلك موقفين، إن شاء الله تعالى.
فجاوب ابن عتاب:
إذ قد ثبتت عندك ما ذكرت في القضاء فلان بما شهد له به واجب، وإنزاله فيه لازم؛ فأنفذ ذلك من نظرك موفقًا إن شاء الله.
وجاوب ابن القطان:
الذي تقدم من الجواب بالقضاء للقائم وإنزاله فيما ثبت له وحيز، صحيح، وبذلك أقول، فاستخر الله تعالى وأنقذه موفقًا مأجورًا إن شاء الله تعالى ﷿.
وجاوب ابن مالك:
أنه إن كانت الشهادة لهذا القائم عندي على عينة، فقد وجب له القضاء والإنزال، ولم أر فيما وجهت إلينا أن الشهادات كانت على عينة، والسلام عليك ورحمة الله. قاله عبيد الله بن مالك.
شوري في بيت متهدم بين دار حسان ودار شنوغة اليهودي:
خاطبنا بها صاحب السوق أبو طالب محمد بن مكي ﵀، وكان القاضي أبو المطرف بن سوار ابتدأ النظر في ذلك، فمات قبل تمام الحكم فيه.
يا ساداتي وأكابر عددي المعظمين عندي، ومن أبقاهم الله تعالى، معتمدين بتوفيقه وتسديده: قام عند حسان بن عبد الله، فذكر أن له دارًا بداخل مدينة قرطبة بحومة مسجد صواب تلاصق دارًا أخرى موقوفة على شنوغة اليهودي، وأنه كان في دار بيت صغير تهدم، وتهدم بتهدمه الجدار الذي كان حاجزًا بينه وبين دار شنوغة، وأغفل بينانه.
فلما ذهب إلى إقامته اعترضه إسحاق اليهودي، وقال: إن البيت المتهدم من حقوق دار الشنوغة، وأظهر إلى حسان عقد استرعاء، تاريخه وجب من سنة أو بع وستين تضمن أن البيت المذكور من حقوق دار حسان، وذكر أنه ثبته عند القاضي أبي المطرف ابن سوار ﵀، إذ كان يلي قضاء قرطبة، وفي أسفل كتاب الاسترعاء فصل انعقد بالحيازة، فأمره لما شهد عنده فيه شهداء الاسترعاء المذكور، وعلى ظهر كتاب الاسترعاء إعذار القاضي أبي المطرف ﵀ إلى إسحاق المذكور فيما ثبت عنده في الاسترعاء وفصل الحيازة، وتأجيله فيما ادعاه من الحل لما شبه به عنده من ذلك الآجال المعهودة،
[ ٤٩٣ ]
وإشهاد على نفسه عنده بذلك.
فكلف حسانًا أن يثبت عندي الإعذار المذكور، والتأجيل بسببه وإشهاده على نفسه بذلك ﵀، فأثبت ذلك من قوله عندي وسألني التلوم عليه فتلومت له ثلاثة أيام؛ إذ كان التلوم الذي تلوم عليه القاضي لم يشهد فيه إلا شاهدان، قبلت أنا أحدهما، فانصرم تلومي عليه ولم يأت بشيء يوجب له نظرًا إلى حين خطابي هذا إليكم، ورأيت من التقصي لهذا الأمر والاستبلاغ فيه أن أثبت عندي الاسترعاء والحيازة ذلك، وقد أدرجت طي كتابي هذا اليكم الكتاب المحتوي على ذلك وعلى الإعذار والتأجيل والتلوم؛ لتصفحوه وتجاوبوني منفصلين بما ترونه مأجورين، والسلام عليكم يا سادتي وأكابر عددي ورحمه الله.
فجاوب محمد بن فرج:
يا سيدي وولي ومن أيده الله بطاعنه، تصفحت خطابك وما أدرجته طيه وإذ لم يثبت اليهودي عند شيئًا ولا حل ما ثبت لحسان وانقضت الآجال والتلوم، فالقضاء لحسان بالبيت واجب الحكم به لازم، فأنفذ ذلك من نظرك موفقًا مؤيدًا والسلام.
وكان عقد الاسترعاء المذكور لم يذكر فيه حسان بيتًا، وإنما كان يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون الدار التي بداخل مدينة قرطبة بحومة مسجد صواب وحدها كذا، ويعرفون من حقوقها البيت المتصل بها من جهة كذا، ولا يعلمونه زال من حقوقها إلى حين شهادتهم هذه، ويجوزون ذلك. شهد.
هذا معنى ما كان في عقد الاسترعاء، لم يذكر ملك ذلك البيت الذي كان بهوًا لحسان بالبهو ولا بغيره، لنقصان العقد الذي أظهره وتكلف إثباته وخلائه من المعنى الذي لا يجب له حق إلا به، وما جرى فيه من حيازة وإعذار عندك وعند القاضي أبي المطرف ﵀ عناء لم يخل منه بطائل كان سببه الغفلة وأصله النسيان، وسبحان من لا يغفل ولا ينسى ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فإن
ذهب حسان إلى التمادي في طلبه أمرته باستئناف أمره بعقد يصل به إلى حقه وأعيدت الحيازة بأمرك، إذا ثبت عقده بذلك عندك، ثم تعذر إلى من يعترضه فيه وتشاور بعد ذلك فيما ينتهي إليه نظرك مع ما يعترض به المعترض، ألهمنا الله إلى ما يقرب منه ويزلف لديه بعزته والسلام.
وتناظر من كان يفتي بعدي فيها، واجتمع بعضهم ببعض يبحثون عن نقصان
[ ٤٩٤ ]
العقد. وذكرت ذلك لابن أحدهم حتى بان لهم وأفتوا على حسان إثبات ملكه للدار وكلفه الحكم ذلك، وأعاد الشورى فيها، ولج محمد في جوابه الأول، وأفتى أن العقد الأول عامل، وأفتيت أنا بنقصانه على ما ثبت عليه أولًا، وجلت فيه روايات كثيرة من المدونة وغيرها، وكان جوابًا حافلا، ولم تبقى منه عندي نسخة فلم أثبته هنا، وقد تقدم كثير من هذا المعنى فتركت إعادته واستيعابه. كراهة التطويل. والله المعين.
شورى في ثور استحقه ورثة عن ميتهم:
خاطبنا بها صاحب المظالم أبو بكر عبيد الله بن محمد بن أدهم: يا سادتي وأكابر عددي، المعظمين في نفسي وخلدي، ومن أبقاهم الله وسلمهم، وأحسن على طاعته عونهم.
قام عندي محمد بن يحيى فذكر أن أباه يحيى توفي مقتولًا، وسف عند قتله ثورًا كان له، وأنه ألفاه في حين قيامه عندي بيد رجل سماه، وسألني النظر له في ذلك بواجب الحق، فأجبته على ذلك، فأظهر إلى عقد استرعاء تاريخه ذو القعدة من سنة أربع وستين وأربع مائة، تضمن ملك أبيه يحيى للثور المنعوت فيه، وأن شهاداءه لا يعلمون أنه فوته بوجه من وجوه التفويت، إلى أن أورثه ورثته، ولا أنه زال عن ملك ورثته إلى حين شهادتهم هذه؛ وأتاني ببعض شهدائه فشهدوا عندي على نصه، وقبل أن يتم ثبوته عندي أتاني محمد المذكور، فذكر أنه صالح الرجل الملفي بيده الثور على شيء دفعه إليه، وأنه قبض الثور المذكور، وصار بيده لنفسه ولسائر ورثة أبيه معه.
ثم قام أحمد بن عيشون فقال: إن هذا الثور ملكه وماله، وأنه صاغ له، وسألني النظر له في ذلك بالواجب، وأظهر لي عقد استرعاء تاريخه عشر ذي الحجة من سنة أربع وستين تضمن ملكه لثور المذكور، وأتاني بمن أعلمت على اسمه من شهدائه، فشهدوا عندي على نصه وعلى عين الثور، فثبت عندي هذا العقد بشهادة من زكى عندي من شهدائه.
وأتاني محمد بن يحيى، وسألني إثبات عقد الاسترعاء الذي كان شرع في إثباته، فأبحت له ذلك، وأتاني بمن أعلمت على اسمه من شهدائه فشهدوا عندي على نصه وعلى عين الثور، وثبت عندي ما تضمنه بشهادة من زكى أيضًا عند منهم، وكلت إثبات موت أبيه يحيى وعدة ورثته، فأظهر إلي بذلك عقد تاريخه ذو القعدة المذكور، وثبت
[ ٤٩٥ ]
عندي بشهيديه، وأثبت عندي توكيل أمه شمس إياه على طلب ما يجب لها طلبه عن نفسها وعمن إلى نظرها من سائر بنيها من يحيى، ذلك في عقد الوراثة بإيصاء أبيهم يحيى بهم إليها في كتاب عهده توكيلًا، أوجب له التكلم عنهم تاريخه عقب ذي القعدة المؤرخ، وتضمن معرفة شهيديه الإيصاء وثبت عندي بهما.
وأعذرت إلى محمد بن يحيى فيما ثبت عندي لابن عيشون بعد أن عرفته بثبوته وبمن ثبت عندي، فقال: إن عندي ما يجل به ما شهد به وشهداؤه، فأجلته في ذلك أجلا قاطعًا من ثمانية أيام، ثم عاد إلى قبل انصرام هذا الأجل، وقال: إنه لا مدفع عنده فيما أجل فيه إلا ما أثبت في عقد الاسترعاء على الذي قام به، وثبت ذلك من قوله عندي في مجلس نظري.
وأعذرت أيضًا إلى ابن عيشون فيما ثبت عندي في عقد الاسترعاء الذي قام به محمد بن يحيى فقال: إنه لا مدفع عنده فيما ثبت فيه، وثبت ذلك من قوله عندي، ورأيت استطلاع رأيكم الموفق فيما جرى عندي من ذلك كله، وخاطبتكم بكتابي هذا، وأردفت طيه كتاب كاغد يشتمل على جميع ما أثبته عندي، كل واحد منهما بعد المقابلة بها لتلك النسخ، فتصفحوا ذلك بفضلكم، وجاوبوني عنه موفقين مأجورين والسلام.
فجاوب محمد بن فرج:
سيدي ووليي، ومن وفقه الله بطاعنه، تصفحت خطابك وما أدرجته طيه، وإذا ثبت ملكان لرجلين في شيء واحد كان بيد أحدهما؛ قضى به للذي هو بيده، وكذلك هذه المسألة، القضاء بالثور لورثة يحيى بن أحمد وابج؛ لأن ملكهم أقدم وهو بأيديهم، فاقض لهم به بعد يمين محمد وأمه في مقطع الحق، بالله الذي لا إله إلا هو أن الثور الأبيض الذي يطلبه أحمد بن عيشون ملك ليحيى بن أحمد ومال من ماله، ولم يفوته بوجه من الوجوه في علمهم إلى أن توفي، وأورثه ورثته ولا خرج عن ملك ورثته بوجه من الوجوه كلها، وإن ملك جميعهم لباق عليه إلى حين يمينهم على البت لا يقولون في علمهم في هذا الوجه، وتنقطع حجة أحمد بن عيشون في الثور.
فإن نكل محمد وأمه عن اليمين حلف ابن عيشون أن الثور ملكه وماله لم يبعه ولا وهبه، ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه كلها إلى حين يمينه، ويقضي له بحصة المالكين لأنفسهما من الثور، ويبقى الأصاغر فيه على حصصهم ملكًا لهم، إن شاء الله تعالى.
[ ٤٩٦ ]
وجاوبت أنا:
سيدي ووليي، ومن وصل الله توفيقه وتسديده وعونه وتأييده: ما انتهى إليه نظرك بوجب الحكم لورثة ليحيى بالثور ليس بأن لهم يدًا، لكن أن بينتهم أرخت وقتًا وبينة ابن عيشون لم تحد زمانًا، ومن استحق مثل هذا لم يقض له حتى يحلف في مقطع الحق ما باع ولا وهب، فيحلف محمد بن يحيى في مقطع الحق بالجامع عند المنير بمحضر ابن عيشون: بالله الذي لا إله إلا هو ما أعلم أن أبي باع هذا الثور المنعوت الذي ورثناه عنه، ولا وهبه، ولا فوته بوجه من وجوه التفويت إلى أن تفي وأورثناه، وما فوضت نصيبي منه إلى حين يمين هذه، وتحلف أمه شمس بمثل ذلك، بمحضر ابن عيشون، هكذا يحلفان.
والرواية في ذلك كذلك، ولا يكلف أن يزيد في اليمين أن الثور كان ملكًا لموروثهما ولا ملكهما؛ لأن البينة قد شهدت وقطعت به.
قال بعض الشيوخ في جوابه لبعض القضاة: وقد أنكر مثل هذا منه، ولا يجب أن يحكم الحاكم إلا بما لا بد منه، فتحفظ في هذا وشبهه، فعلى ما جاوبتك به أدركت الفقهاء المتقدمين، وبه كان يفتون حكام المسلمين، عصمنا الله أجمعين. هذا نص كلامه.
وفي استحلاف المستحق لمالك وأصحابه ثلاث روايات: إحداها: ما أفتيت به في هذه المسألة، وبه جرى العمل باتفاق من فقهائنا، فلم نحتج إلى ذلك غيره، ولقولي: ليس لأن لهم يدًا – شرح يطول استجلابه، ولولا أن شهود ورثة محمد أرخت وقتًا لوجب الحكم للأعدل بينة من الفريقين؛ إذ لابد عندي لواحد منهما، مع أني رأيتك قد ذكرت أن قبولك بينات إنما كان بتزكية، فدل على تساويهما في العدالة، ومن نكل ممن وجب عليه الحلف منهما رجعت يمينه على أحمد، وحلف وأخذ نصيبه، واليمين ساقطه عن الصغار في ذلك، والله تعالى يخلصك ويحسن عونك، والسلام.
قال القاضي:
والروايات التي ذكرت في جوابي هذا إحداهما في شهادات المدونة: أن من ادعى عبدًا أو غيره في يد رجل وشهدت له بينة، أنه شبيه لا يعلمون باع ولا وهب؛ حلف هو ما باع ولا وهب ولا أخرجه عن يده بوجه من الوجوه، ويحلف على البت، وهو الذي جاوبت به فوق هذا.
وتكررت المسألة في كتاب العتق الثاني، وهي في سماع ابن القاسم في استحقاق
[ ٤٩٧ ]
العتبية في رسم الشريكين. قال مالك ﵀ فيمن اشترى سلعة فوجدت مسروقة، فأقام الذي اعترف البينة أنه ما باع ولا وهب، وحلف على ذلك وأعطيها: فللذي اعترفت في يده أن يذهب بها إلى بائعها منه يأخذ ثمنها ويضع قيمتها لمستحقها.
وأكمل المسألة في كتاب الوكلات والبضائع في نوازل عيسى: يحف على البيت ما باع ولا وهب، وإن كانوا ورثة حلف من بلغ منهم الحلم أنهم ما يعلمون صاحبهم باع ولا وهب.
وقال ابن أبي زمنين: أجمع كل من علمت من أصحاب مالك ﵀ على اليمين فيما استحق من غير الريع والعقار: بأنه لا يتم الحكم لمن استحق شيئًا من ذلك إلا بعد يمينه، واختلف من أدركت من مشايخنا المقتدي بهم في الفتوى فيمن استحق شيئًا من ذلك إلا بعد يمينه، وكان بعضهم يفتي ألا يمين عليه.
ورأيت فيما سئل عنه سحنون أنه كان يرى إحلافه في الربع والعقار. قال سحنون: واليمين التي أقول بها في ذلك ليست من قول مالك ﵀، ولا يأخذ به كل القضاة.
قال القاضي:
قد تأول ابن أبي زمنين وغيره أن من قول مالك في مثل ذلك: اليمين على مستحق الرباع وغيرها.
وفي النوادر: قال ابن كنانة: ليس على من أقام بينة في أرض أو حيوان أو سلعة يمين، إلا أن يدعي الذي ذلك في يديه عليه أمرًا يظن بصاحبه أنه قد فعله، فيحلف ما فع له ويأخذ حقه، وهذه هي القولة الثالثة: أنه لا يمين على من استحق عقارًا أو غيره إلا بدعوى من المستحق منه تعلق به اليمين، ولم تبلغ ابن أبي زمنين هذه الرواية.
وأما قولي: يحكم بالثور لورثة يحيى، ليس لأن لهم يدًا؛ فالمعنى أن اليد التي تراعى عند تكافؤ البينتين هي اليد التي لا تعرف كيفيتها، ولا الوجه الذي صار المدعي فيه إليها، وأما إذا عرف الوجه الذي به دخل ذلك المتنازع فيه في اليد، فلا مزية حينئذ لصاحبها مثل ما في نوازل سحنون في كتاب الشهادات، فيمن أقام بينة في ميت أنه مولاه أعتقه فأخذ ميراثه، ثم شهد لآخر بمثل ذلك، ولو تفوت البينة وقتًا.
وقال: إذا كانت البينات سواء فالميراث بينهما سواء بنصفين، وفي ولاء المدونة إن أخذت مال من زعمت أنك وراثه وأنه مولاك، ثم أقام رجل بينة أنه مولاه، وأقمت أنت
[ ٤٩٨ ]
بينة مولاك، وتكافأت البينات في العدول، فالمال بينكما. قاله ابن القاسم ﵀.
قال سحنون: قلت له: ولم، وقد قال مالك: إذا تكافأت البينات فالمال للذي هو بيده؟ قال: قلت: إنما ذلك في مال بيده لا يعرف من أين أصله، فإذا عرف أصله فهو الذي له الأصل، وقد أقام هذان البينة باستحقاقهما لهذا المال من الذي كان له أصله فهو ينهما، وفي الشهادات ذلك اليد مع تكافؤ البينتين، وفي نوازل سحنون في آخر كتاب الدعوى من هذا المعنى، وفي أول باب من كتاب الأحكام لابن حبيب ﵀ عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ من ذلك فتأمله.
وفي مختصره في الذي ادعى ميراث الميت وأخذه، ثم أقام آخر البينة أنه وارثه، وأقام حينئذ الذي بيده المال أنه وارثه، وتكافأت البينات عن غير ابن القاسم أن المال ينبغي لذي هو بيده، وأدخله ابن أبي زيد ﵀ في النوادر عن ابن الماجشون، وهو خلاف المدونة ونواز سحنون، وفي سماع ابن الحسن لابن وهب نحو ذلك، وكذلك لأشهب في النوادر في مسألة لقيط.
قال القاضي:
وما وجد بأيدي المحاربين من المال وادعاه رجلان هو من هذا الأصل، وفي شهادات الوضاحة تنازع فيما ترجح به البينة بعضها على بعض من كثرة عدد، وبيان عدالة معدليها على عدالة معدلي البينة الأخرى، واختلف قول ابن القاسم في الشاهدين يقيمهما أحد المتداعيين في الشاهد واليمين، والشاهد أبرز من الشاهدين.
فعنه في سماع أصبغ في آخر كتاب الدعوى: الدار لصاحب الشاهدين، وكذلك ذكر ابن حبيب في كتاب الشهادات عن مطرف وابن الماجشون، وإن كان المنفرد أعدل أهل زمانه.
وقال أصبغ في سماعه: صاحب الأبرز أحق مع يمينه، وقاله ابن القاسم في سماع أبي زيد، وفي كتاب الشهادات.
ولو نقلت هذه المسائل كلها على نصوصها وذكرنا ما يتفرع منها مما فيه تمامها على ما يحضرنا الآن؛ لطالب الكتاب، وخرجنا عن الغرض الذي قصدناه، وفيما ذكرناه مقتنع فيما أردناه، عصمننا الله بهداه وطيبنا بلقياه.
[ ٤٩٩ ]
رومكة استحقت بقرمونة وأراد المحكوم عليه طلب حقه بها.
قام عند حكم قرمونية رجل على رجل في رمكة بيده كان ابتاعها المقوم عليه بقرطبة، وأثبت القائم بالواجب ما أوجب الحكم له بها، فحكم له بها، وسأل المطلوب المقوم عليه المستحقة من يديه أن يعطاها يطلب بقرطبة حقه بها قبل بائعها، فوضع قيمتها بقرمونة، خاطب له حكمها صاحب أحكام الشرطة بقرطبة محمد ابن الليث بذلك، وذكر في خطابه أنها قومت بخمسة وثلاثين مثالا وضعها النخاس بأمره عند ثقة.
وثبت الخطاب عند ابن الليث، ورافع النخاس إليه بائع الرمكة منه، فأقر ببيعها منه وقال: إنه ابتاعها من إنسان بطليطلة قد غاب، ورغب الذهاب بها إليه ليطلبه حقه بها على عينها، فقومت بقرطبة بأربعين مثقالا، ووضع هذه القيمة للنخاس، وأخذ الرمكة وسار إلى طليطلة، وخاطب له بها ابن الليث قاضيها أبا زيد عبد الرحمن بن عيسى الحشا بذلك، ثم رجع الذي نهض بالرمكة إلى طليطلة، وقال: إنه انتصف من صاحبه، وصرف الرمكة إلى النخاس وقبضها منه، ثم هلكت عنده ليوم آخر من قبضة إياها، فقام على الذي صرفها من طليطلة، وقال: إنه تقدم الرفقة بها بيوم وأعنيتها بجد السير وركوبه إياها، واصطلح معه بخمسة عشر مثقالا، ثم قدم مستحق الرمكة من قرمونة، وطلب هذه العدة المصطلح بها.
فأفتاهم أبو عبد الله بن عتاب: أنه لا شيء له فيها، وأن له الأربعين مثقالا التي قومت الرمكة بها بقرطبة، وقال المستحق: إنما قومت بقرمونة بخمسة وأربعين مثقالًا، واحتج النخاس بما في كتاب الحكم الذي خاطب به ابن الليث أنها قومت بخمسة وثلاثين مثقالا، فنهض المستحق إلى قرمونة، ورجع بخطاب حكمها إلى ابن الليث، وذكر فيه أنه وهم في خطابه الأول، وأن الرمكة إنما قومت بخمسة وأربعين مثقالا، وثبت الخطاب عنده بناقليه إليه، وشاور في ذلك.
فأفتى ابن القطان وابن مالك: أن كلام الحكم مقبول وأنه يحكم للمستحق على النخاس بالخمسة والأربعين مثقالا.
قال القاضي:
وتكلمت مع الشيخ ابن عتاب في ذلك فقال لي: لا يقبل من الحكم رجوعه، وقد كنت أفنيت أن للمستحق القيمة التي قومت بها بقرطبة، وهي الأربعون مثقالًا فقلت له:
[ ٥٠٠ ]
إن هذه القيمة إنما وضعت للنخاس لا لمستحق، فقال لي: الرمكة باقية في ملك المستحق، وإن كان للمستحق منه طلب حقه بها؛ ألا ترى أنها إذا رجعت سامة كانت له، فلو قومت أيضًا بطيطلة بخمسين وأعطيت بعد ذلك، كان للمستحق الخمسون؟ قال: نعم، وقال لي: لو تمت بيد الطالب بها حقه وأراد إمساكها كان ذلك له، كما أن مصيبتها منه، ولم يكن للمستحق إلا القيمة، فاعترضته باختلاف الأسواق وأنه لا يراعى فيها، فقال لي: وكذلك لا يراعى في غر ما شيء، وليس النماء من ذلك.
قال القاضي:
ونظير هذا في الدعوى في آخر سماع يحيى عن ابن القاسم فيمن ادعى عليه أنه سرق غلامًا فأنكر، ثم اصطلحها على مال غرمه المطلوب للطالب، ثم وجد العبد.
قال: هو للمدعي عليه بما غرم في الصلح، ولا يكون للطالب، ويرد ما أخذ لأنه لو وجد العبد أعور أو أقطع أو بعد زمان وقد هرم؛ فأراد المطلوب نقض الصلح وأخذ ما أعطي، لم يكن ذلك له ولا ينقض الصلح بظهور العبد، لأنه وقع بأمر جائز حلال، فهو للمصالح بما غرم، وجد معيبًا أو صحيحًا.
وفي المختلطة في الشفعة وكتاب الغصب مثله: فيمن أكترى دابة فتعدى عليها فضلت، فغرم قيمتها، ثم وجدت بحالها فهي لغارم القيمة؛ لأنه بيع قد نفذ بينهما؛ فتدبر هذا.
وما ذهب إليه أبو عبد الله في الدابة المستحقة إن رجع بها واضح قيمتها الذاهب بها وقد أورت أو عجفت؛ فهو لها ضامن، والقيمة الموضوعة لمعترف الدابة.
وفي الدعوى في رسم يوصي بمكاتبه من سماع عيسى عن ابن القاسم: إن ضاعت القيمة وهلكت الدابة فمصيبتها من الذي خرج بها، ومصيبة الدنانير من الذي وضعت له، وهو مستحق الدابة، وإن ضاعت الدنانير وجاء بالدابة وقد نقصت؛ أخذها صاحبها، ومصيبة الدنانير من الخارج بالدابة.
وفي تضمين الصناع من المدونة، وفي كتاب الدعوى من أحكام الواضحة، وفي غير موضع – تمام هذه المسألة – ومنها في سماع ابن القاسم في كتاب الاستحقاق، وفي سماع عبد الملك بن الحسن.
وقال ابن الهندي في الجزء السادس عشر من وثائقه: إذ ذهب الذي أبقيت الدابة
[ ٥٠١ ]
بيده إلى أن يطلب بها حقه من بائعها منه في بلدة أخرى؛ وضع قيمتها، وضرب له أجل، وتوجه بها، فإن
صرفها للأجل، وغلا قبض المستحق القيمة، ثم إن قدم بها الذاهب وهي على حالها أو أحسن؛ أخذها مستحقها، وصرف القيمة على الذاهب إن شاء الله تعالى.
مسألة صلح انعقد بين ورثة عبد الله بن محمد بن أبي زيد نبهت على معنى مكروه فيه فشوور في ذلك الفقهاء فاختلفوا في فسخه:
توفي عبد الله هذا فورثته زوجه عائشة وأمه صفية وأخوه شقيقه أحمد، فوكلت عائشة القرشي العمري محمدًا على المصالحة وغيرها، ووكلت صفية ابنها أحمد على المقاسمة والمصالحة وغيرههما، وثبت ذلك كله عند محمد بن أحمد بن بقي، وتخلف المتوفي أثاثًا وثباتًا وكرمين، وباعوا الأثاث والثياب بثلاثمائة دينار، وانتهى الكرمان مائة دينار وعشرة دنانير دراهم أيضًا.
وضمها أحمد لأمه صفية وأمضى القرشي ذلك على موكلته عائشة، ودعي إلى قبض أثمان ذلك من كالئها الذي كان لها على المتوفي ومبلغه خمسون مثالا حاكمية، ودعي أحمد إلى يمينها أنها لم تقبضه ولا وهبته وادعى عنها وكيلها أن المتوفي تخلف عند صفية وأحمد أشياء نصها، وذكر أحمد أنه تخف عند عائشة أشياء نصها، ووقف كل واحد منهما الآخر عند ابن بقي.
وقال أحمد: من جملة المتوفي عند عائشة خمسون مثقالًا من ثمن غزل سبق من مالقة، وأنكر وكيلها ذلك، وقال: إن ثمن الغزل ملكها ومالها، وأنكر أحمد عن نفسه وعن أمه ما وقفه عليه القرشي، وادعى القرشي محمد أن الفرس الأشقر تخلفه المتوفي ميراثًا، وقال أحمد: إنما هو ملكي ومالي، وقال أيضًا محمد: إن المملوك الأسود لعائشة، فقال أحمد: إن كان ابتاعه منها وهو موروث عنه، وثبت عند ابن بقي ملك عائشة له على ما وجب.
ثم أصلح الوكيلان على سبعين مثقالا دفعها أحمد إلى محمد وكيل عائشة على أن يترك المملوك، ويسقط دعاويها عن أحمد وصفية، ويسقط أيضا أحمد عن عائشة مطالبة ومطالب أمه في الغزال وغيرها، وعلى أن يقبض الدراهم المبيع بها الأثاث والكرمان من كالئها، ويبقى لها سائر الكالئ إلى أن يثبت للمتوفي أصل أو مال يتأدى منه، بعد يمين عائشة على تحقيق بقاء الكالي على المتوفي.
ورضيا بذلك والتزماه، وقبض محمد الدراهم في تسعة وثلاثين مثقالا من الكالئ،
[ ٥٠٢ ]
وأنفرد أحمد وأمه بالسلوك، وتقار الوكيلان أنه لم يبق لموكلتيهما دعوى ولا حجة لبعضهم على بعض، حاشا بقية الكالئ وقطعوا الدعاوى وتشاهدوا على ذلك كله، وأشهد ابن بقي بثبوت ما ذلك ثبوته عنده من الموت والوراثة والتوكيلين، وعقد تاريخ الصلح سنة سبع وخمسين.
ثم قامت عائشة عند محمد بن الليث على أحمد وأمه، وادعت عليهما دعاوى في توقيفهما واعترض بما في عقد الصلح، وثبت عند ابن الليث وأعذر فيه إليهما، فلم يكن عندها فيه مدفع إلا ما توجبه السنة، وشاور في ذلك: هل هو لازم عامل أم مفسوخ باطل؟ وأدرج كتاب الصلح إلى الفقهاء.
فجواب ابن عتاب:
قرأت ما خاطبتنا به، وظاهر عقد الصلح والجواز، وقد انحسمت فيه الدعاوى بين المتنازعين، فأنفذ ذلك بينهم في جميع ما تضمنه الصلح من قطع الدعاوى وبيع الكرمين وغير ذلك، وإن ظهر للمتوفي ما تعدى فيه عائشة أعديت وإثبات ذلك عليها، وقد كان قرب قطع الدعاوي في الكالئ بأن تسط عائشة منه شيئًا ويحضر أحمد باقيه من ماله، لكن من أراد الإفساد والشغب صد عن ذلك، والله تعالى يعلم المفسد من المصلح، فإن أمكن الصلح فيه فهو حسن إن شاء الله.
وجاوب ابن القطان:
تأملت كتاب الصلح ورأيت عقدًا فاسدًا مفسوخًا لا يحل إمضاؤه، لفساده من وجوه: منها: الصرف المتأخر، وذلك قبض عائشة للدراهم عن بعض كالئها، وإرجاء اليمين عليها حتى تقبض باقيها من مال المتوفي، وقد تنكل عن اليمين، فترد الصرف المذكور بسقوط حقها.
ومنها: التفاضل بين الذهبين؛ الذهب التي تركت من كالئها عن الدراهم المقبوضة، وذهب العزل الذب قبضت وهي غير السكة الواجبة في الكالئ؛ لأن عاقد الصلح قال فيه: أن الصلح انعقد على أن يسقط عن عائشة الطلب في جميع ما وقفها عليه أحمد، ومن جملته ذهب الغزل، وأنكرت ذلك عائشة، وعلى أن يقبض الدراهم المتجملة في التركة من الكالئ ويبقى لها سائره إلى أن يثبت للمتوفي ما تقبضه منه بعد يمينها.
وعلى هذا كله انعقد الصلح؛ فوجب نقضه لقول العاقد: على وعلي، ووجب
[ ٥٠٣ ]
أيضًا نقض البيع في الكرمين وصرف ذلك؛ إذ لا يجوز بيع شيء من تركه الميت المورثة حتى يتأدى الدين.
وكذلك قال مالك ﵀ فيما رواه أشهب عنه فيمن توفي وترك مالًا قيمته ألفا دينار وعليه مائتا دينار دينًا، فباع بعض الورثة بعض الأموال لنفسه. وقال فيما بقي وفاء لما عليه من الدين.
قال: لا يجوز ذلك البيع ويفسخ، ولا ميراث لأحد حتى يقضي الدين، ولعل تلك الأموال ستهلك قبل أن تباع ويقضي الدين، وما يقال أنه يبلغ ألف دينار لا يباع إلا بمائة. قلت: أرأيت إن استقام الأمر وجاء على العافية أيجوز ذلك البيع؟ قال: لا أرى ذلك يجوز، وأرى أن يرد البيع. هنا انتهت الرواية وقد ذكرت الدلائل والبراهين والرواية عن مالك، والله تعالى يوفق بفضله للرشاد، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وجاوب ابن أبي عبد الصمدي:
ما وقع في كتاب الصلح المدرج إلينا من بيع ثبات المتوفي وأثاثه والكرمين، فذلك كله عندي بيع صحيح نافذ؛ إذ البيع الواقع إنما كان لاجتماع تركه المتوفي، ولم يكن ليقتسمه الورثة ويتأخر الكالئ، وهو الذي ظهر فعلهم في كتاب الصلح، وسائر ما وقع في كتاب الصلح من الصرف الواقع في بعض كالئ عائشة، وما ذلك فه من أمر المملوك والفرس وقطع الدعاوي؛ فذلك كله مفسوخ منتقض لتأخر الصرف في الكالئ ببقاء اليمين على عائشة فيه، ولغير ذلك من العلل وارتباط بعضه ببعض، وترد عائشة ما قبضت من ذلك عند فسخه، ويرجعون في ذلك على رأس أمرهم. وينفذ فيه الواجب بينهم إن شاء الله تعالى.
وجاوب ابن مالك: سيدي ووليي، ومن وفقه الله وعصمه، وأثبت في سبيل الخير قدمه: جواب الفقيه أبي محمد عندي جيد، وإن قادك الاجتهاد بعد الاستخارة إلى إمضاء الصلح وإنفاذ ما انبرم عليهم، فلك في ذلك سلف تصغى إليه ودلائله من الكتاب ووجه من الحجة والله يذهب برحمته عنا وعنك الزلل، ويرشدنا إلى أفضل الرأي والعمل، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قال القاضي:
الصواب في هذا فسخه؛ لأن مكروهة ظاهر، وقال عمر بن الخطاب ﵁:
[ ٥٠٤ ]
الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرّم حلالا، وذكره ابن حبيب وغيره عن النبي (ﷺ)، وفي سماع أشهب في التفليس فيمن له على رجل عشرة دنانير فجحده إياها وأقام شاهدًا واحدًا فقيل له: احلف مع شاهدك وخذ حقك فكره اليمين وخلا بغريمه، وقال له: إني قد علمت أنه لم يدعك إلى الجحد إلا العسرة فاطرح اليمين عني وأكتبها عليك إلى سنة.
قال مالك: ما هذا بحسن؛ أرأيت لو قال له: أعطيك قرضًا، وفي آخر رسم سلعه سماها من هذا.
وفي سماع أشهب: إذا جحده حقه فأراد إحلافه فقال: لا تحلفني، وأخرتي بها سنة وأقر لك. قال ابن القاسم: لا خير فيه وهو سلف جر منفعة ويفسخ، ويكون على رأس أمره، ولا يلزمه في الإقرار الأول شيء، وتأمل في الشركة في سماع عيسى في رسم يوصي لمكاتبه.
ولابن القاسم في سماع أصبغ في كتاب الدعوى في رجلين اصطلحا فيما يدعيه كل واحد منهما على الآخر على أن رضي كل واحد منهما بيمين صاحبه فيما يدعيه، وطرحا ببنائهما، فمن حلف منهما على دعوى صاحبه سقط عنه، وإن نكل غرم بلا رد يمين أو برد يمين، فإن
ادعى بعد ذلك شهادة أحد فلا شهادة لهم؛ قال: ذلك جائز لا بأس به. قيل له: فإن
كان في هذا مكتوب فيما ثبت لكل واحد منهما على صاحبه فهو مؤخر به إلى أجل مسمى، فقال: لا خير فيه، ولا يعجبني، إذا كان شرطًا يلزم، وإن كان تطوعًا فلا بأس به.
وقاله أصبغ كله، وقال: ولا أفسخ الذي أقر على أن يؤخره، وأمضيه إذا وقع، وأجعل له التأجيل، ولا أجد في حرامه من القوة والتهمة ما أبطله به، وإنما هو أحد وجهين: أن يكون حقًا عليه فهي نظره، أو يكون باطلًا ليس عليه فيتطوع به لأجل كالهبة والفدية والله أعلم.
وهذا الذي وجدت الناس على إمضائه ولا أعلمه إلا وقد قاله هو أيضًا، ورجع إليه واختلف فيه قوله.
وفي باب الصلح من أحكام الوضاحة: قال ابن حبيب: سألت مطرفًا وابن الماجشون عن الصلح يقع بما لا يجوز به التبايع، مثل أن يدعي على رجل حقًا فينكره
[ ٥٠٥ ]
فيصالحه منه على سكنى داره سنة أو خدمة عبد مدة، أو على غلة داره قبل أن تعرف الغلة، أو يدعي قبله شعيرًا؛ فيصالحه به بقمح إلى أجل. فقالا: لا يجوز الصلح بشيء مما ذكرت؛ لأنه حرام صراح، والصلح به مفسوخ، فإن فات صحح على قابضه بالقيمة، كما يصح البيع الحرام، يفوت ثم يرجع على صاحبه في دعواه الأولى، إلا أن يستأنفا صلحًا آخر بما يجوز، وهكذا كل صلح حرام يفسخ أبدًا إلا أن يفوت فيصحح كما ذكرنا، واحتجا بالحديث المتقدم.
قال مطرف: وما وقع به الصلح من الأشياء المكروهة التي ليست بحرام صراح، فالصلح بها جائز ماض. وقال ابن الماجشون: يفسخ بحدثانه، وإن طال أمد مضي.
وقول مطرف أحب إلي، وقد رأيت أصبغ يجيزه كله؛ حرامه ومكروهه، وإن عثر عليه بحدثان وقوعه، وقال: هو عندي كالهبة، ألا ترى لو صالحه من دعواه بشخص لم تكن فيه شفعة؛ لأنه كالهبة، قال: وهذا في الحكم، وأما فيما بينه وبين الله فلا يحل له أن يأخذ إلا ما يجوز في التبايع.
قال في: وقد حدثني سفيان بن عيينة أن علي بن أبي طالب (﵁) أتى بصلح فقرأه. فقال هو حرام، ولولا أنه صلح لفسخته.
قال ابن حبيب: وما قدمت أحب إلى وإلي هذا الخلاف أشار ابن مالك في قوله في جوابه: إن رأيت إمضاء الصلح فلك في ذلك سلف تصغى إلى قوله، ودلالة من الكتاب، ويريد – والله أعلم – عموم قوله تعالى: (والصلح خير) (النساء: من الآية ١٢٨) ولم يخص، وكذلك قوله ﷿: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) (النساء: من الآية ١١٤).
وأما رواية أشهب التي ذكرها ابن القطان فيما بيع من التركة قبل أداء الدين أنه يفسخ، وكذلك في الموازية والمجموعة. وقال سحنون في المجموعة: لا يعجبني والبيع تام، إن كان فيما بقي ما يؤدي الدين منه.
وقد قال مالك ﵀ فيمن حلف بحرية رقيقة ليقضين حقًا عليه إلى شهر، فهو من بيعهم ممنوع، فإن
باعهم وقضى الدين قبل الأجل مضى بيعه؛ لأن اليمين قد زالت بالقضاء.
ووقعت مسألة الحرية في هذا في سماع أصبغ في كتاب العتق، وفي سماع ابن القاسم
[ ٥٠٦ ]
في النفس ما يؤدي قول سحنون في إجازة بيع ما باعه الوارث لنفسه من اتركه، فتأمله.
دار ادعى فيها على من هي بيده فأنكر معاملة المدعي ثم أظهر ابتياعه إياها منه:
من أحكام ابن زياد: فهمنا – وفقك الله – إنكار وليد أن يكون عامل سعدونا وأصبغ ومنذرًا بني فضيل في الدار التي قاموا عليه فيها، أو في شيء منها، وأقر أن الدار له وفي ملكه وهو في داخلها، وإثبات بني فضيل ملك الدار، وقيام وليد بكتاب ابتياع الدار منذر بعد إنكاره أن يكون عاملهم فيها بشيء: فالذي بجب في ذلك أن إنكاره لمعاملتهم يسقط ما قام به من الابتياع من منذر الدار، ويجب أن يخرج وليد عنها وتعقل حتى تستتم النظر إن شاء الله. قاله محمد بن عمر بن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد.
قال القاضي:
قاسوا هذه المسألة على ما رواه عيسى عن ابن القاسم في المدين إذا أنكر معاملة طالبه من أثبت دفعه إليه وقضاءه إياه؛ لا تقبل بينته بعد إنكاره المعاملة من بيع أو سلف، وأما إن قال: ليس له على شيء، فلما قامت عليه البينة بسلف أو بيع جاء ببراءة من ذلك وشهود؛ فإنه يسقط ذلك الحق عنه.
وقد فرق ابن القاسم في رواية عيسى بين الأصول والدين؛ قال في المدينة. سئل ابن كنانة عمن ادعى أرضا بيد رجل، فقال مالك: عندي أرضي ولا علمت لك أرضًا قط، فأقام البينة على أنها أرضه وأثبتها، ثم أقر الذي هي في يديه أنها أرض الطالب، قال: ولكني اشتريتها منك، وأثبت شرائي؛ فقال: تقبل ببينته وتكون له الأرض، ولا يضره إنكاره أولًا؛ لأنه يقول: كان حوزي ينفعني، وأصنع بالأرض ما شئت، ولم أقر، فيكون على العمل، وأعني نفسي - فذلك له، وليس كالدين يدعي عليه فيجحده.
قال عيسى بن دينار عن ابن القاسم مثله: إذا كان له عذر في غيبة بينته، أو كان ممن يعذر بالجهالة فلا يضره إنكاره، وتقبل بينته إن كانت حاضرة، فهذا ابن القاسم قد فرق بين الأصل والدين، وكذلك فعل ابن كنانة، وعلى ذلك نقله ابن أبي زمنين في المغرب: أن الحقوق والأصول مختلفان، وكذلك كان يجب أن يكون جوابهم في الدار.
ورأيت أن حسين بن عاصم روي عن ابن القاسم: أن الأرض كالدين لا تنفعه البينة إن نفي ملكه عنها، وأن ابن نافع قال: تنفعه البراءة والإثبات فيها، ولا يضره
[ ٥٠٧ ]
الإنكار ورواه عنه ابن عصام أيضًا.
فرواية حسين عن ابن القاسم تلائم جواب الشيوخ في السمألة، وبقي من أحكام تلك المسألة النازلة إذا قلنا إن إنكاره لا يضره، وأثبت ابتياعه للدار من منذر وحده، وثبتت له ولأخويه سعدون وأصبغ: أن ينظر؛ فإن كان إذ باعها منه قال له: هي داري، فالمبتاع وليد بالخيار في الاستمساك بثلثه أو رده؛ إذ قد استحق من يده أكثر صفقته، فإن
استمسك به كان سعدون وأصبغ أخذه بالشفعة، وإن قال: أرد؛ فمذهب ابن القاسم أن لهما الشفعة إن أراداها، ولا يضرهما نقض البيع عن نفسه.
وقال سحنون: إذا رد فلا شفعة؛ لأن البيع انتقض، وإن كان قال للمبتاع: الدار لي ولأخوي، وقد وكلاني على البيع، فأنكرا ذلك، فلهما أخذ نصيبهما، ويلزمه هو نصيب البائع منها لأنه على التبعيض خل، ولم يتوثق لنفسه، والله تعالى أعلم بالصواب.
دعوى عجم أهل أبطليش على أسماء بنت ابن حيون:
فمنها – وفقك الله – ما تظلم به عجم أهل أبطليش في بطاقتهم من امرأة تسمى أسماء بنت ابن حيون، وأمر الأمير – أصلحه الله – إياك بالنظر لهم في ذلك؛ فوجه النظر في ذلك أن تدعوا أولئك العجم الذي رفعوا البطاقة إلى الأمير – أعزه الله – بغحضار أسماء، وأن يتكلموا بمحضرها بما يدعون قبلها، ثم تسألها عما تكلموا به وتظلموا منها فيه، فإن أنكرتهم كلفتهم البينة على ما يدعونهن فإن أثبتوا شيئًا أعذرت إلى أسماء وعرفتها بمن شهد عليها وما شهدوا به، وأنك قبلتهم، فإن كان عندها مدفع نظرت فيه بما يظهر إن شاء الله تعالى، وإن لم تأت بمدفع وجهت القضاء عليها على ما تثبته عندك البينة، هذا وجه النظر بينهم فيما تطالبوا به، يعتدل للقاضي أن ينظر بخلافه. قاله ابن لبابة، وابن وليد.
شوري في قصتهم أيضًا وقيام القومس عنهم بغير وكالة:
قرأنا – وفقك الله كتاب اشتراه الرهبان من اسماء بنت ابن حيون سعيد المكتوب على ظهره عن الأمير – أعزه الله -: انظر لصاحب هذه الكتب نظرة استبلاغ على الحق والعدل، وسبيلهما الذي نزل يعرفك به، وعجل ذلك إن شاء الله.
وأحببت - أكرمك الله – معرفة وجه انظر والمدخل إليه؛ فالمدخل إيه أن يحضر المشترون من أسماء، وتحضر أسماء ثم تكشف عن الاشتراء، فإن أقرت به لهم أخذت به، وإن أنكرت دعوى فالبينة على إثبات هؤلاء المشترين اشتراءهم منها، وإن وكلوا دونها
[ ٥٠٨ ]
من يكشف أسماء، وثبت توكيلهم بذلك؛ قام وكيلهم مقامهم.
وذكرت أن قومس العجمي قالك إنهم رهبان في أديارهم وأنا ولي القيام عنهم، فأوجدني السبيل إلى إثبات هذا الشراء عنهم من أسماء، وهذا – أكرمك الله – لا يجب في أحكامنا حتى يقدموا بأنفسهم أو وكيلهم عنهم، بعد أن تثبت وكالتهم ومعرفة أعيانهم، ولو قاموا أو وكيلهم وأثبت الابتياع من أسماء ولمن تحرف البينة أعيان المشترين؛ ما وجب لهم بذلك شيء، ولا وجب عليك الإشهاد لهم على أسماء إن لم تعرف البينة أنهم المشترون. قاله ابن لبابة، وابن وليد.
قوم دفعوا رجلا عن أرضه وشجره عامًا أو عامين:
كتبت بذلك إلى ابن عتاب، فكتب إلي: أن أثبت دفعهم إياه عن عمارتها ومنتهم له منها، ولم يكن سلطان يمنعهم من ذلك؛ فالكراء يلزمهم في الأرض والدور، وقيمة الثمرة إن لم تعرف مكيلتها، والقول قولهم في ذلك مع أيمانهم، إن لم تقع بينة على ذلك، وسواء في هذا زرعوا الأرض، أو لم يزرعوا، وسكنوا الدار أو لم يسكنوا؛ ذلك لازم لهم إذا أثبت منعهم له من ذلك.
وأفتى ابن رشيق فقيه المرية:
عليهم قيما ما اغتلوا من الثمرة، ولا كراء عليهم في الأرض إن لم يزرعوها، ولا في الدار إن لم ييسكنوها، وأصله وأصل ابن عتاب في هذه المسألة: مسألة من غصب مالًا – أوصلا أو غيرها، وهي مسألة اختلف فيها أصحاب مالك، فروي ابن القاسم عنه في المختلطة أنه إن لم يحرث الأرض ولا سكن الدار ولا أكراها؛ فلا شيء عليه في ذلك، وإن سكن وحرث وأكرى فعليه الكراء. قال: ولا كراء عليه في الحيوان والعبيد، وإن استغلها.
وعنه في الحيوان في كتاب الآبق والوديعة نحوه: وفي الاستحقاق وكتاب الجعل خلافه، وفي الواضحة أن أكثر أصحاب مالك رحمه على خلاف ما رواه ابن القاسم، وأنهم يقولون على الغاصب في ذلك كله الكراء، وإن لم يسكن ولا زرع ولا أكرى، وهو الذي أفتى به ابن عتاب، وهو أولى بالصواب والظلم أحق من يجعل عليه.
مسألة المنديل:
كتبت إلى ابن عتاب فيمن دفع إليه رجلان منديلا وقالا له: يكون عندك حتى يعطيك هذا لأحدهما أربعة دنانير، وتدفعه إليه، فبقي المنديل عنده أزيد من سنة، ثم
[ ٥٠٩ ]
أخرجه السلطان عن البلدة، ثم انصرف بعد مدة وطلب منه المنديل فزعم أنه تخلفه فقي داره عند إخراجه، ولا علم له بما حدث فيه، وأقر ابنه بأنه إعطاء الآخر يبيعه، فذهب به ولم يصرفه ولا ثمنه.
فكتب إلى: على قابض المنديل قيمته بعد يمينه: ما قوته ولا أمر ابنه بذلك، ويصدق في قيمته إن أتى بما يشبه ويحلف، ثم يرجع الأب على الابن إن أحب، وله رد اليمين على صاحب المنديل في القيمة إن شاء الله – يريد أو في الصفة – وترتيب ذلك إذا حلف قد ضهب أن يصفه؛ فإن
تصادقا في الصفة قومها أهل المعرفة وأدى القيمة، وإن اختلفا في الصفة فالقول فيها قول واضعة.
وإنما رأى عليه ضمانه لتركه إياه مهملا، وكان ينبغي أن يضعه عند ثقة إذا خرج، وإذا (ب – ١٣١) توجه الغرم عليه لهذا، وأقر ابنه بما تقدم ذكره فله اتباع الأب أو الابن بالقيمة، فإن
أغرم الأب فله اتباع ابنه بقيمته يوم تعدى في إعطائه للبيع، واليمين تلحقه أيضًا: أنه ليس عنده، ولا يعلم له موضعًا والله الموفق.
وكتب إلي فيمن قال لمطلوبه: أنا أرضي بيمينه يحلف على ما شاء، ثم نزع عن رضاه، وأراد إقامة بينة على مطلوبه.
فكتب إلي ليس قوله: أنا أرضي بيمينه إسقاطًا منه لبينته، وله الرجوع عن مقاله، والقيام ببينته حتى يفصح بالترك لها، وإسقاطها، وهو ظاهر المدونة في كتاب الشهادات؛ لأنه قال فيها: إذا أحلفه وهو عالم ببينته تارك لها؛ لم يكن له قيام بها، وكذلك في كتاب آداب القضاة لمحمد بن عبد الحكم. وقد يسقط في بعض المواضع في المدونة وغيرها لفظ اترك، ويقول: إذا أحلفه عالمًا ببينته فهو ترك لها، وسمعت من يقول: هو خاف من قوله.
وأفتى ابن رشق في هذه المسألة: إذا رضي بيمينه عالمًا بينة وهي حاضرة؛ لزمه ما ألزم نفسه من ذلك. وقد تقدم تمام في هذا المعنى بينا إن شاء الله.
دعوى وإنكار ثم إقرار واعتقال دار:
من أحكام ابن زياد: فهمنا – وفقك الله – الكشف الذي كشف عنه عبد الله بن محمد ابن شبطون فيما تخلفه ربيبته مؤمنة زوجة محمد بن شبطون المتوفاة، وتنويع سلمة بن نعيم الكشف في الحرث والأثاث والقرى والدور والأرض، وإنكار عبد الله جميع ذلك أن يكون يعرف منه شيئًا، وأن يكون عنده قيل أو كثير أو تحت يده منه شيء، وقيام عبد
[ ٥١٠ ]
الله بعد هذا الإنكار باشترائه من مؤمنة لجميع ما ورثته عن زوجها.
فالذي يجب في ذلك إذ قد أنكر أن يكون يعرف شيئًا بما كشف عنه، وفي الكشف هذا الميراث، أو أن يكون يعرفه أو يكون عنده منه قليل أو كثير أو تحت يده منه شيء، فلا قيام له بعد هذا الإنكار؛ لأن إنكاره تكذيب لاشترئه؛ فإن
شركه في هذا الاشتراء أخت كما ذلك الخص، فلها القيام في ذلك وتثبيت اشترائها؛ لأنها لم تنكر. قال بذلك محمد ابن لبابة.
ووجب اعتقال الدار التي ادعى ابن شبطون ابتياعها من ربيبته مؤمنة، وما ثبت من الدار والقرية والبلغة للميت الموروث محمد بن شبطون إلى أن يستتم النظر في ذلك؛ إذ قد ثبت عندك موته وعدة ورثته.
وقال أيوب بن سليمان: قد أجبت قبل هذا بمثل هذا الجواب في الكتاب الذي فيه الشكف والإنكار: أنه لا ينظر في كتاب اشتراء ابن شبطون، ولا يتلفت إليه بعد ما كان من إنكاره.
وقال محمد بن وليد: الذي أجاب به الرجلان محمد بن عمر وأيوب بن سليمان في هذا من أنه لا يسمح من البينة على الاضتراء بعد ما تقدم من إنكار ابن شبطون لمعرفة الدار قولي وفتياي التي اعتقدتها، وأدين الله بها، وإياه فاسأل التوفيق للحق والعمل به.
وقال يحيى بن عبد العزيز: قوي كما قال أصحابنا وفقهم الله.
وقال عبيد الله بن يحيى بمثل ذلك: لا يلتفت إلى ما ادعى بعد إنكاره للمال أولًا. والله نسأله التوفيق.
قال القاضي:
اتفاقهم على هذا الجواب وتركهم للتفريق بين الأصول وبين سائر الحقوق؛ يدل على ما قاله ابن كنانة وابن القاسم في المدينة، والله أعلم، وقد ذكرناه قبل هذا في مسألة وليد وبني فضيلن والله الموفق للصواب.
كفالة المرأة ذات الزوج بمال كثير وإقراضها الكثير من مالها:
في كتاب الكفالة من المدونة: إذا تحملت لأجنبي بأكثر من ثلث مالها، وأنكر ذلك زوجها، فلها رده كما يرد عتقها وصدقتها، إذا كان ذلك أكثر من ثلث مالها بكثير.
وأخبرني عبد الله بن موسى الشارقي أن أبا محمد بن الشقاق سئل: إذا أقرضت
[ ٥١١ ]
أكثر من ثلث مالها، هل لزوجها رد فعلها؟ فقال: ذاك له لأنه من المعروف كالكفالة، ولا فرق ينهما.
وقال صاحبه أبو محمد ابن دحون: ليس للزوج رد سلفها، وليس ذلك كالكفالة، لأن الكفالة هي المطلوبة بها، والقرض هي الطابة له.
اتخاذ الحميل على من أقر بمال أو ثبت عليه:
من أحكام ابن زياد: كشفنا من حضرنا من أهل العلم عما سأله محمد بن مروان ابن المنذر في اتخاذ حميل على بني سعيد بن عبد الوارث في الستة الآلاف، التي ثبت عندنا أنها كراء أرضهم المستحقة لهم بقرية كرتش طرفه، وقالوا: إن حضر بنو سعيد بكتاب ابتياع من القرشيين، وإلا أقاموا حميلًا بخمسة آلاف دينار وخمسمائة دينار؛ إذ قد أقر القرشيون بقبض خمسة مائة دينار منها أو حبسوا إن لم يقيموا حميلا. قاله جميعهم.
وقال أبو صالح في فصل آخر: من وجب عليه حميل فلم يقدر عليه، فالحبس حميله، وقح حبس النبي (ﷺ) رجلا وجب عليه إتمام عتق مملوك بإعتاق حصنه منه، وقال في الحديث: "حتى باع غنيمة له (١) ".
وقال محمد بن غاب: الذي نراه أن يتخذ عليه حميلا بالمال توقعا في التنحي والهرب؛ فيذهب حق ذي الحق فإن
لم يقوم حميلا حبس له، وأهل المشرق يقولون بالملازمة وأن يبارحه، وهذا القول قد رواه محمد بن سحنون عن أبيه، وقال به، وكذلك يجب مع ثبوت الحق بشاهدين إقامة الحميل؛ فإن لم يكن حميل فالحبس. وقال محمد بن وليد مثل ذلك.
قال القاضي:
وقال ابن العطار في وثائقه في كتاب السجلات: إذا لم يأت المطلوب بحميل ثقة بما ثبت عليه سجن للطالب، إن طلب ذلك، ولا يسجن إذا لم يقم حميلا بالخصومة في أول المطلب، ويقال للطالب: لازمه إن أحببت، وكن معه حيث تصرف.
وفي وثائق ابن الهندي في هذا الوجه أن يسجن إن لم يقم حميلا بوجهه.
وفي شهادات المدونة فيمن ادعى قبل رجل حقًا أو استهلاك متاع أو غصبًا، قال
_________________
(١) الحديث أخرجه عبد الرزاق في منصفه ج ٩، ص ١٥١.
[ ٥١٢ ]
ابن القاسم: ينظر السلطان فيه، فإن
كانت بينهما مخالطة في دين أو تهمة فإما أحلفه، وإما أخذ له كفيلا حتى يأتي ببينة.
وقال غيره في كتاب الكفالة: عليه كفيل بنفسه ليوقع البينة على عينه. وقال ابن القاسم فيه: لا كفيل له عليه وليطلب بينته، وهو خلاف قوله في الشهادات.
وقال غيره في كتاب الشهادات: إذا طلب منه كفيلا قال له القاضي: هل لك بينة على مخالطة أو ظنة، فإن قال: نعم وقال: هم حضور؛ وكل بالمطلوب حتى يأتي الطالب بالبينة على ما يستحق به اللطخ فيما قرب اليوم وشبهه، فإن أتاه بهم – وغيبة شهوده على الحق بعيدة – استحق به اللطخ فيما قرب اليوم وشبهه، فإن أتاه بهم – وغيبة شهود على الحق بعيدة – استحلفه له ولم يأخذ عليه كفيلا، فإن أتاه بهم – وغيبة شهوده على الحق بعيدة – استحلفه له ولم يأخذ عليه كفيلا، فإن قال شهوده على الحق بعيدة – استحلفه له ولم يأخذ عليه كفيلا، فإن قال شهوده على الحق حضور، أخذ له منه كفيلا بوجهه لا بالمال ما بينه وبين الجمعة؛ فإن كان المطلوب في حيوان أو عروض وقت ذلك في هذه المدة.
قال في كتاب الكفالة: قلت: فإن
قال: أعطني وكيلًا بالخصومة حتى أقيم بينتي، قال: لا أرى ذلك عليه إذا لم يرد أن يوكل؛ لأنا نقبل بينة الطالب على المطلوب وإن كان غائبًا. قلت: فإن
قال: أعطني كفيلا بالحق حتى أقيم بنتي، ولا أريد تعنيتًا قال: لا أرى ذلك إلا أن يقيم شاهدًا فيطلب كفيلًا بذلك له، وأنكرها سحنون؛ لأن الحميل المال لا يجب إلا بعد ثبوته.
المطلوب يسأل التأخير لجمع المال:
من أحكام ابن زياد: فهمنا – وفقك الله – الكتاب الذي حلف عليه ابن ملون زوجته، وسؤالها أن تأخذ له بما وجب لها، وقول ابن ملون: لست من أهل الناض غير أني أمضي إلى ضيعتي بحيان، وأعالج على بيعها، فيضرب لي القاضي من الأجل ما رآه لجمع هذا المال.
والقاضي – وفقك الله – ليس عليه تأخير، إنما عليه الحكم والإعداء، فإن أبى الحبس حتى يثبت أنه لا مال له غير الضيعة بجيان، ويحلف على ذلك أيضًا، ولكن لو طلب إلى المرأة وأعطاها حميلًا لتؤخره إلى أن يبيع فأابته؛ كان حسنًا، فأما ينظرك فلا، إلا ما تخص به أنت الوكيل على الرفق بالرجل والإحسان، والله نسأله التوفيق والتسديد.
قال القاضي:
قوله: ويحلف على ذلك مختف فيه، أخبرني أبو محمد الشارقي عن أبي محمد ابن
[ ٥١٣ ]
دحون أنه كان يقول: لا يمين عليه إذا قال: أبيع من عروضي وأؤدي ديني، وكان يستدل يقول مالك رحمه في آخره سماع أشهب في كتاب الزكاة: وجل الناس ليس لهم؛ فقد قال الشارقي: وكان أبو علي الحداد يحالف في ذلك، ويقول: لابد له من اليمين أنه لا ناض عنده يؤدي منه دينه.
وكان القاضي أبو بكر بن زرب يرى اليمني في هذا على غير التجار، وهو تنويع حسن إن شاء الله.
المحبوس في الدين يسأل أن يعطي حميلًا حتى يبيع وكان قد أعطى الطالب رهنًا.
نأتي أكرمكم الله – الفتيا بخطوكم فنعتقدها، ثم يأتي من أفتيتم عليه بشيء يسألني معاودتكم المشورة استقصاء له وتشفيعًا، فنرى إجابتهم إلى ذلك لئلا يكون لأخذ علينا حجة، وقد ثبت علي ابن حمدين لإبراهيم بن كثير حق، وبيد إبراهيم رهن مقبوض بحقه، ويزعم إبراهيم أن هذا الرهن لا يستتبع له إلا بكلفة ومؤنة مطالبة، وسأل أن يؤخذ له بحقه من ابن حمدين.
فكشفتم عن الواجب في ذلك فأجبتموني أنه يقيم حميلا بالمال، ثم أجل عليه أجلًا أوسع عليه فيه ليبيع الرهن أو ما شاء بيعه من ماله؛ إذ كان من غير أهل الناض، فإن لم يجد حميلا بالمال حبسته حتى يقضي الله عنه ما عليه، فلم يجد حميلًا بالمال فصار محبوسًا منذ شهر، وخرج إلى منذ يومين بملطى يسأل وجهًا من وجهين: إما أن أقبل منه حميلًا بالمال فصار محبوسًا منذ شهر، وخرج إلى منذ يومين بملطي يسأل وجهًا من وجهين: إما أن أقبل منه حميلًا بالوجه، أو أخرجه لملطي في عرض أمواله، فما استباع منها قضى أثمانها عن نفسه، فلما رمت ذلك عند أهل الحبس، زعموا أنهم لا يجدوا ملطيا يثقون به، وابن حمدين يرى أنه ينتقص من حقه إن لم يقض له ما دعا إليه، فإن كان ما طلب حقًا له أنفذت ذلك، وكان الحق أو ما اتبع، في وإن رأيتم صونه في الحبس إلى أني قضى ما عليه الحبس تنفيذًا لقولكم، وقوفًا عند ما تفتون به في ذلك.
الجواب:
أما ابن حمدين - ﵁ وأرضاك – فإن كثر في غير ما يجب له، ومن لم يجد حميلا فالحبس حميله، حتى يقضي ما عليه، وليس ينفذ الحق إلا هكذا، وأنت – والله نسأله
[ ٥١٤ ]
حياتك – ممن علمنا أنه لا يلين لأحد في الحق؛ فليكن بالحالة التي هو فيها حتى يقيم حميلًا ثقة. قال بذلك محمد بن غالب.
وقاله محمد بن وليد، وقال: ليس يلزم المرتهن بيع الرهن على حال إلا أن يشاء، وإنما تؤخذ الرهون وثيقة بالحق من الذي عليه لأداء ما عليه. وقاله ابن لبابة.
وقال عبيد الله بن يحيى: الذي رأينا أخذ حميل ثقة على ابن حمدين بالمال، أو يحبس حتى يقضي ويؤخر بيع رهنه، وقضاء ما عليه فإن الدوابي من بيع الرهن أمرت ببيع الرهن، وقضاء صاحب الحق حقه.
وقال محمد بن لبابة مثل ذلك: أن تأمر ببيع الرهن؛ لأن في كتاب ارتهان إبراهيم أنهم ألدوا؛ كان لإبراهيم بيع الرهن، فلا لدد أظهر من صار في الحبس ولا يظهر منه نظر.
وقال أيوب بن سليمان: الذي نعلمه من قول مالك وأصحابه: أن الراهن إذا لمي قض ما عليه باع السلطان الرهن وقضى المرتهن، فإن باع المرتهن وأصاب وجه البيع، مضى بيعه، ولا نعلم في شيء من قولهم في هذا الرهن حبسًا ولا حميلًا، وهذه أقاويلهم قائمة.
وقال سعد بن معاذ: مالك يقول: ليس إلى المرتهن ببيع الرهن إلا بأمر السلطان أو الراهن، فإذا أمرت – رضي الله عنك – بالبيع فلم يبيع وألَلدَّ؛ فالحبس واجب عليه أبدًا، حتى يؤدي؛ إذ هو من أهل الأداء؛ لأن عرضه فيه كفاية.
وقد روى ابن القاسم عن مالك: أن المرتهن ليس إليه بيع الرهن دون السلطان، وأنت قد أمرت الراهن بالبيع ولم يفعل، وهو من لدد؛ فالحبس عليه واجب، إلا أن تقوم له بينة بالعجز في البياع، إن كان الرهن بموضع يمتنع من البيع، فيكون ذلك عذرًا، وإن أقام حميلا، فجميع ما عليه أطلق من الحبس. وقال يحيى بن عبد العزيز بمثل قول محمد ابن غالب ومحمد بن وليد.
قال القاضي:
هذه الأجوبة كلها عند التحصيل غير سليمة من الاعتراض، ومنع من بسطه كراهة التطويل، والمنع في اتفاقهم على سحنه، ولا مانع من الحكم ببيع رهنه، وإنصاف المرتهن من ثمنه، وهو جواب أبي صالح.
ولو قالوا: يحضر المرتهن الرهن، ويحضر الراهن، فإن اتفقا على عين الرهن قبل
[ ٥١٥ ]
للراهن: أقض حق المرتهن وافتك رهنك، فإن امتنع وكل به وأخرج الرهن إلى السوق واستقصى في ثمنه وبيع بمحضره، وقضى الراهن دينه، وإن شح ببيع الرهن ووعد بالأداء من غيره أجل في ذلك أجلا ق ريبًا، وأخذ بالحميل إليه، فإن أنصف وإلا بيع الرهن كما ذكرنا، وفي هذا الحميل لابن القاسم وغيره من المتأخرين خلاف.
كتبت إلى شيوخنا بقرطبة سنة ست وخمسين وأربع ومائة في المطلوب بمال ثبت عليه يسأل التأخير ينظر فيه وهو ذو أصول مأمونة فيسأله الطلب حميلًا بمال، هل يلزمه ذلك أم بالوجه على ما يفتي به فقهاء طليطلة ملائه، ويحتجون بما رواه أبو زيد عن ابن القاسم في كفالة العتبية، فيمن عليه دين وله مال غائب يعلم غرماؤه ذلك فقالوا: أعطنا حميلًا حتى يقدم مالك – قال: ليس يلزمه ذلك إلا أن يخافوا أن يهرب أو يغيب.
فكتب إلى الشيخ أبو عبد الله ابن عتاب:
يلزمه إقامة حميل بالمال لا بالوجه – كان ذا أصول أو لم يكن – وبه جرى العمل ورواية أبي زيد ضعيفة خارجة عن الأصول، والمسألة التي قبلها كذلك، وكثير من روايته كذلك. إلى هنا انتهى جوابه.
ثم تكلمت معه عند اجتماعي به فقال: يلزمه الحميل، ولو كان قد رهن الطالب رهنًا وقبضه منه، أو كان على يدي عدل، وهذا كان مذهب الشيوخ – يريد ما تقدم من قولهم الذي قلناه من أحكام ابن زياد.
وأفتى أبو مروان بن مالك:
إذا كان المطلوب معروف العين مشهورًا مع ما ذكرت من ظهور ملائه بين الوفر ظاهره، فلا أرى الحميل بالأمر اللازم، وإنما معنى الحميل التوثق للطالب بحمالة من هو أوثق من مطلوبه، وهو لم لم يثق فأعطى جميع حاله كحال المطلوب في سؤالك؛ لم يكن للطالب إياه، فما معنى الحمالة ههنا؟ وإنما كان سحنون يرى على قاتل الخطأ الحميل لتشهد البينة على عينة في رجل غير مشهور – هذا معناه عندنا.
وقولهم في نص الرواية: إن كان الذي يدعي مالا ولا مال للمطلوب ظاهرًا، أعداه القاضي بحميل، كان قد ناشيه الخصومة أولا – يدل على ما ذهبت إليه في جوابي هذا. وبالله التوفيق. هاهنا انتهى جواب ابن مالك ﵀.
ولسحنون في كتاب ابنه أنه كان يحبسه ما لم يعط حميلا لخصمه إذا وجب عليه
[ ٥١٦ ]
حميل، وكتب إليه في رجل بعث معه بما ليوصله إلى رجل فيتعدى فيه فينفقه، ثم يعترف به عند الحكم ويقول: هذا ريعي أبيعه، فيعرض فلا يجد من يشتريه، فطلب منه الطالب حميلا بوجهه؛ هل ذلك ع ليه؟ وهل يحبس إذا لم يجد حميلًا؟
فكتب: لا حميل على هذا ولا حبس، إذا بدل من نفسه هذا، ولم يتهم، وإنما يحبس المفلس يتهم أن يخفي مالا، قيل له: فإن أعرضه فلم نجد من يشتري، وزعم الطالب أنه يقول للمشترين: لا تشتروا. وأرأيت إن قال للحكم: بع أنت ربعي وادفع إليه؟ قال سحنون: يدعو الحكم إلى ضيعته وينشدها ويستقصي، ثم يبيع بالخيار، عسى أن يزيد زائد، فإن لم يجد إلا ما أعطى باع وأعطى الطالب حقه. هذا من قول سحنون، لو احتج به ابن مالك لكان أبين وأظهر فيما ذهب إليه، وهو نحو رواية أبي زيد، وكله خلاف ما ذهب إليه ابن عتاب والشيوخ قبله.
غريم طال سجنه فسأل القاضي أن يطلقه:
فهمنا – وفقك الله – من سجن ابن أبي البهلول وما سأل من إطلاقه؛ إذا طال حبسه لامتحانك ملاءة من عدمه، وقلت: إنك امتحنته ببينة عدلة؛ شهدت بعدمه، فالذي يجب إذا صح عندك عدمه أن يطلق من حبسه بعد يمينه بالله: ما له عرض ولا قرض، ولئن رزقه الله تعالى مالًا ليؤدين، ثم يقال لغريمه: إن زعمت أن له مالًا فأثبته تقضي منه دينك؛ في قد وجب إطلاقه، ولا يحل حبسه بعد هذا الامتحان.
قال ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز
قال القاضي: هذا ألصل في كتاب المديان من المدونة، وفي سماع عيسى، وفي سماع أبي زيد، وفي كتاب ابن حبيب، وغيره.
في غريم غيب وجهه وسأل طالبه من القاضي رسولًا يعينه في طلبه:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته بما نظرت به لابن أيوب على ابن حامد، وسجلت به عليه من ثبوت دين ابن أيوب، وأن إسحاق بن حامد لما أخذه الحكم غيب وجهة وذكر طالبه ابن أيوب الصانع أن ابن حامد تظاهر ببعض المواضع، وسأل ابن أيوب أن يعطي رسولا يعينه على طلب ابن حامد وجليه إليه.
فالذي يجب في ذلك عندنا: أن يعطي ابن أيوب رسولًا يعينه على طلب ابن حامد
[ ٥١٧ ]
وجلية إليك، فإذا قرب إليك طلبته بقضاء دين ابن أيوب معجلا، فإن أبى من غرمه معجلا أمرت بحبسه حتى يؤديه.
وهكذا قال مالك في كتاب القضاء في البيوع من موطأ ابن وهب: سمعت مالكًا يقول في الرجل يكون عليه الدين، وهو موسر للقضاء فلا يقضي – قال مالك: يحبسه الإمام حتى يقضي دينه.
وابن حامد حسن المركب والملبس ظاهر الماء، وأحد الولاة فإنه ادعى أنه عديم وأنه ليس من أهل الناض، وسأل أن يؤجل بحميل بالوجه أو مال، فلا يقبل منه الحميل ويحبس حتى يقضي ما لزمه لابن أيوب من الدين من الحبس، أو يثبت عدمه عندك من الحبس؛ فتأمر عند ذلك بإحلافه في مقطع الحق: بالله لاذي لا إله إلا هو ما له مال غيبه، ولئن رزقه الله مالًا ليؤدين منه دين ابن أيوب، فإذا حلف أطلق، وإن أثبت أنه ليس من أهل اناض وثبت له ملك دار أو ريع؛ أمرت من يبيع من ذلك بقدر دين ابن أيوب.
وفي كتاب أقضية سحنون: سألت سحنونًا عن الرجل يجب عليه الحق بحكم حاكم به عليه، فيقول: أنا فقير، وليس ظاهر فقير، ويأتي بشهود على أنه فقير، لم يزكوا عند الحكم؛ هل ترى أنه يأخذ عليه حميلًا حتى يزكي شهوده؟ أم يحبسه الحكم حتى يزكيهم؟ قال سحنون: بل الحبس في السجن حتى يزكى شهوده.
وبما قال مالك وسحنون رحمهما الله في هذا القول، وبه نشير على القاضي أكرمه الله، في ابن حامد وابن أيوب، ونسأل الله تعالى للقاضي العون ما قلده، والتوفيق فيه. قاله محمد بن وليد، وعبيد الله بن يحيى، وابن لبابة.
وقال خالد بن وهب: الفتيا المعروفة من مالك وأصحابه: ما قد كتبت به إلى القاضي – وفقه الله – وقال أشهب: وسأل ابن كمنانة مالكًا لان غانم: عن الرجل يتعدى على غريمه في دين له عليه: أيحبس له؟ قال: نعم، اكتب إليه يحبس له بالمعروف، إلا أن يكون معروفًا بأن لا شيء له، فلا يحبس.
قال ابن القاسم عن مالك: وإذا تبين الألداد للقاضي من الغريم حبسه، قال سحنون: نعم ويؤديه بالضرب الوجيع.
قيل لابن القاسم: ما قول مالك في الألداد؟ قال مالك ﵀: إذا كان له مال فاتهمه السلطان أن يكون غيبه؛ فإنه يحبس أبدًا حتى يوفي ما عليه من الدين، أو يتبين
[ ٥١٨ ]
للقاضي أنه لا مال له فيطلقه ويحلفه بالله، على ما تقدمت به الفتيا قبلي ولا حمالة له هنا، إنما يقضي عليه السلطان بالحق معجلا، ثم إن شاء صاحب الحق أن يؤخره أخره، فإن تورك عن أدائه إيه إذا أراد أخذه منه؛ حبسه له السلطان حتى يوفي أو يموت في الحبس. هذا الذي نقول به، والله الموفق للصواب والهادي إليه. وقاله عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن لبابة، وغيرهم.
قال القاضي:
في أول كتاب المديان من المدونة قال مالك: لا يحبس الحر ولا العبد في الدين، إلا إن حبسه ليستبرئ أمره، قدر ما يتلوم من اختباره ومعرفة ماله، أو يأخذ عليه حميلًا، وهذا خلاف ما تقدم من جوابهم: سجن ابن حامد حتى يثبت من السجن عدمه.
وسئل سحنون عمن وجب عليه دين فسأل أن يؤخر يومًا أو نحوه، قال: يؤخر ويعطي حميلًا بالمال، فإن لم يحد حميًا بالمال إلى يوم، ولا وجد المال؛ سحن وهذا خلاف قولهم أيضًا: إن أبي من غرمه معجلًا؛ أمرت بسجنه حتى يغرمه.
واحتجاجهم بقول مالك في موطأ ابن وهب غير موضعه؛ لأن ظاهر قول مال فيه أنه هو في مليء؛ لأنه قال عن الغريم: هو موسر للقضاء، فلا يقضي، وليس في مسألة ابن حامد مثل ذلك.
وكذلك قول سحنون الذي ذكروه في الذي يقول: أنا فقير، وظاهره بخلاف قوله ودعواه – لا يطابق مسألتهم؛ إذ ليس فيها ادعاء فقر، وما ذكرناه عن سحنون في إعطاء الحميل بالمال وتأخيره به اليوم أولى بمسألتهم، وبه جرى العمل والفتيا من شيوخنا ومنا.
وقد ذكرنا ذلك عنهم في باب العيوب، وهو قول مالك في تأخير المطلوب بما يطلب به؛ لينظر فيه.
قال في كتاب الشفعة من المختلطة، في الشفيع يريد الأخذ بالشفعة، ولا يحظر النقد: قال مالك: رأيت القضاة عندنا يؤخرونه في النقد اليوم اليومين والثلاثة.
قال ابن القاسم: ورأيت مالكًا استحسنه، وأخذ به ورآه. وفي تفسير ابن مزين مثله.
وقال ابن الماجشون في الثمانية: يؤجل العشرة أيام ونحوها. وقال أصبغ: الخمسة عشر والعشرين بالاجتهاد. وفي سماع ابن القسم عن مالك ﵀ في المكاتب يقاطع إن
[ ٥١٩ ]
جاء بذلك إلى الآجل، وإلا أخر شهرًا أو نحوه، كما يؤخر الغريم، فإن جاء به، وإلا فلا قطاعة له.
وفي مختصر ابن عبد الحكمي: كل مطلوب بحق قد حق عليه يؤخر قدر ما يرى حين ينزل، يؤخر إلى أربعة أيام أو خمسة، وذلك مختلف في كثرة المال وقلته، وهو على قدر اجتهاد من نزل ذلك به.
وهذه نصوص من قول مالك ﵀ وأصحابه في تأخير الغريم بما يطلبه به، وهؤلاء أجمعوا في ابن حامد أن يضطر بالحبس إلى الأداء معجلا، وقالوا في جوابهم قبل هذا في مسألة ابن ملون: ليس على القاضي تأخير، إنما عليه الحكم والإعداء، فإن أبى فالحبس، ومالك وأصحابه قد جعلوا إليه التأخير الاجتهاد فيه، وقد جرى في مساع عيسى وسماع يحيى في الحميل بمال إذا حل أجله، لا يؤخر إلا يرضي صاحب الحق، وهو كالغريم، وهو كلام محتمل للتأويل، والذي قدمناه هو البين. والله أعلم.
من رأى مال ميت يباع ثم قام بذكر حق عليه:
نظرنا – أكرمك الله – فيما شهد به لبنات رزق على أبيهن، وفي موت زرق وثبوت عدة ورثته، وما ادعاه عبد الله بن سهل وكيل فاطمة بنت رزق أن أخواتها هؤلاء، قد بعن أنصبائهن من الدار التي توفي رزق عنها، وفي قوله: إن رزقًا لم يترك مالا سوى هذه الدار.
فالذي نقول به – والله الموفق إنه للميت غير الدار وباع هؤلاء البنات القائمات، وقد علمن بذكر الحق فمن به، فقيامهن باطل ساقط، وإن كان للميت غير هذه الدار، وقلن: إنهن لم يعلمن بالكتاب، أو علمن وقلن: إنما بعنا نصيبنا من الدار؛ إذا علمنا أن فيما سواها من ماله وفاء بحقنا؛ حلفن على ذلك، وأخذن ما وجب لهن فيه على ماضي السنة، في إقرار أبيهن لهن. قال به أيوب بن سليمان، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وسعد بن معاذ، وابن وليد، ويحيى بن عبد العزيز.
قال القاضي:
لسحنون في نوازله في كتاب التفيس فيمن مات وعليه دين لقوم شتى، فأثبت بعضهم دينه عند السلطان، وباع ماله لهم وقضاهم حقوقهم، فقام آخرون يريدون الدخول معهم فيما اقتضوا.
قال: ذلك لهم يدخلون عليهم فيأخذون منهم قدر حقوقهم، لا يضرهم أن يكونوا
[ ٥٢٠ ]
علموا بموت صاحبهم ويبيع ماله لغرمائه، لأنهم يقولون: كنا على حقوقنا وعلمنا أنه لا يبطلها قيام أصحابنا، قيل له: فما الفرق بينه وبين المفلس ببيع السلطان ماله لبعض غرمائه، وبقيتهم حضور ولا يقومون – لم ير لهم الدخول على الذين أثبتوا حقوقهم.
وفي هذه المسألة في المدونة قولتان: فقال: إن المفلس له ذمة تتبع، والميت قد انقطعت ذمته؛ فلذلك رأيت لهم الدخول على أصحابهم.
هذا سحنون قد رأى لباقي الغرماء الدخول مع من بيعت له تركه الميت، ولم يضرهم عند سكوتهم، ولا قال: إنهم يحلفون. والمسألة تعطي أنه لم يكن للميت مال غير المبيع للغرماء، وكذلك النظر في مسألة رزق، إذا كان للميت دار غير الدار المبيعة ألا يحلف بناته أنهن إنما يغن علمهن أن فيما سوى الدار من ماله وفاء، وألا يسقط قيامهن إذا لم يكن له مال غير الدار؛ لأنهن يقلن بعنا لنحتسب حقوقنا في ثمن ما بعنا، وجوابهم كله خلاف لقول سحنون.
وفي سماع عيسى: إذا اقتسم ورثة الميت ماله، والغريم حاضر ينظر، ثم قام بعد يذكر الحق، فلا شيء له، إلا أن يكون له عذر في تركه القيام من سلطان يثقونه به وشبهه؛ فيكون على حقه وإن طال زمانه لقوله (ﷺ): "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم (١) " ولست تشبه مسألة بنات رزق هذه؛ لأنهن الوارثات البائعات القائمات بالحق، والله الموفق للصواب.
في مال وجد في الديون على محمد بن يحيى:
فهمنا – وفقك الله – توقفك عن اعتقال ما هلك عنه محمد بن يحيى للمال الذي عليه في الديون مكتوبًا، وإنما كان لظهرو ملأ محمد بن يحيى، وإذا لم يشك أن في رقاب أمواله أضعاف ما عليه من الديون، وذكرت أنه انكشف على محمد ديون كثيرة، وأحببت أن تعرف وجه المدخل إلى اقتضاء ما عليه، فالمدخل إلى ذلك أن تأمر ابنه البائع وأمه أن يحضراك ما على محمد في الديوان مكتوبًا، وبعد أن تعرفهم به، وما تنقطع الحجة فيه ويجب غرمه من تركته.
فإن حضراك بذلك خصمته إلى الديون، وصنعت فيه ما صنع في أموال الديوان،
_________________
(١) هذا الحديث لم أعثر عليه.
[ ٥٢١ ]
وإن لم يحضراك به ولا دفعا فه بما يكون مدفعًا أمرت أن يعتقل من رباعه ما لا يشك أنه إذا بيع قضى من ثمنه كفاف دين محمد الموجود عليه في الديوان، ويوكل القاضي وكيلًا يدخل المال الذي يعقته في المناداة، فإذا انتهى منتهاه باعه، فإن كان كفاف الدين الذي على محمد فذلك، وإلا بيع من ماله ما يتم به ما عليه من الدين، فهذا ما يجب للقاضي فعله، وقد علمنا أنه لم يكن منه تقصير فيما أفاه على محمد بن يحيى في الديوان، ولا عليه فيما نظر به في ذلك درك؛ لأنه نظر فيه نظر استقصاء واجتهاد. قاله ابن وليد، وأيوب بن سليمان، وابن لبابة ويحيى بن عبد العزيز.
إقرار ابن مزين بما كان على أخيه في الديوان: نظرك – أكرمك الله – فيما كان من إقرار ابن مزين بالعدة التي ألفيت على أخيه حسن في الديوان فأقر أنها صارت إليه، وأنها تحت يديه يغرمها إذا دعوته بها، وما شهد به عليه من ركوبه لبلغه حسن بسرجها ولجامها، حين أنضاها. فوجه الفتيا في ذلك أن يوقف جعفر على ركوب هذه البغلة التي لأخيه حسن، بأي معنى ووجه، فإن أنكر ذلك أو أقر بركوبها، ولم يذكر أنه ضمنها، وصار ثمنها عنده للمال الذي ذلك إقراره به أنه عنده، المدون عليه في ديوان القضاة، وجب عليه غرم قيمة البغلة بسرجها ولجامها وغرم المال الموجود على أخيه في الديوان بعد الإعذار إلى ورثة حسن في ذلك، إن كان فيهم من يعذر إليه، وإن لم يكن فيهم من يعذر إليه أخذ به وأرجئت الحجة لبني حسن.
وإن قال: إنما أخذت البغلة وتضمنتها وحبست ثمنها لهذا المال الموجود عليه في الديوان، ولذلك قلت إنه تحت يدي، ولم يوجد لقوله خلاف يثبت؛ حلف في مقطع الحق بالله على ما ادعاه، فإن كانت قيمة البغلة بسرجها ولجامها أكثر من ذلك؛ أخذ لورثة حسن، إن كانوا صغارًا. قاله ابن لبابه، وابن غالب، وابن وليد.
قال القاضي:
هذه المسألة كلها ظاهرة الاختلال بينة النقصان، وأول ما كان يجب من النظر فيها أن يثبت عنده موت حسن، وعدة ورثته، ومن منهم كبير وصغير، وهل على الصغير ناظر بإيصاء أم لا؟ فإن كانوا صغارًا أو منهم ولا وصي عليهم، قدم عليهم ناظرًا، ويشهد على ما في الديوان قبل مورثهم، ويعذر في ذلك وفيما أقر به عمهم من تصبير ذلك المال إليه والتزامه للبغلة وثمنها.
[ ٥٢٢ ]
فإن كان عند المعذر إليه من ناظر أو وارث مدفع أو شيء يظهر؛ نظر فيه بما يجب، فلعل عند الورثة براء لموروثهم من ذلك المال، ويرجع إليهم طلب الذي أقر به جعفر أنه تصيير إليه، والبغلة التي ركبها بسرجها ولجامها، وإن لم يكن عنده مدفع ولا بأيديهم براءة من ذلك المال، أخذ به جعفر بالبغلة بسرجها ولجامها، ولا بصدق أنه إنما أراد بإقراره أن ذلك المال صار إليه، وتحت يديه لإعداد البغلة لذلك، بل ذلك المال لازم له في مال وذمته ولتعديه في أخذه من التركة.
والجواب بعد هذا خطأ؛ لأن قوله: صار ذلك المال إلى وتحت يدي: إقرار بين، لا إشكال فيهن فإن ادعى بعد ذلك غيره من قبضه البغلة؛ ليؤدي ثمنها في ذلك لم يصدق، والله الموفق للصواب لا شريك له.
اعتقال مال من مات وعليه في الديوان مال:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته من أنه ثبت عندك في الديوان على مروان بن الحريض مال عظيم، وأنه لما مات مروان لم تأمن تهب ورثته لماله الذي تخلفه من ناقض وطعام وغيره، وأحببت أسعدك الله أن تعرف رأينا في اعتقال ذلك لما ذكرته حتى يأتي نظرك فيه بواجب الحق، إن شاء الله تعالى.
فالذي نقول في ذلك: أن اعتقال ماله صواب ونظر وحوطة. قاله محمد بن وليد، وابن لبابة، وأيوب، وابن غالب.
ومن هذا المعنى:
فهمنا – وفقك الله – ما شاورتنا فيه من جمعك للأموال المودعة عند الأمناء الذين تودعهم إياها وتوديعك إياها عند جماعة من الناس الذي ذهبت إليه من أن ذلك أحزم فيها وأحرز لها؛ فالذي نراه أن توديعها على أمانات الرجال أحرز لها وأحزم نظرًا وتحفظًا. قاله ابن لبابة، وابن وليد.
مال وجد على ابن وملون في الديوان ولم توجد له براءة منه:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته من وجودك في الديوان على محمد بن رملون من المال المدون عليه ممن كان من القضاة قبلك، ولم تلف له براءة من شيء منه من واحد منهم.
فالذي يجب في ذلك أن يؤخذ من ماله بعد الإعذار إلى ورثته، فإن لم يأتوا ببراءة
[ ٥٢٣ ]
من شيء منه يثبت عندك لزمت ماله ذلك؛ لأن من كان عليه في ديوان القضاة مال، لم يسقطه عنه إلا البراءة الثابتة بالبينة العدلة، وكل حبس هو بيده مما هو في ديوان القضاة، وكان صرف إليه النظر فيه؛ فواجب عليك – وفقك الله – ضمه إلى من قدمته على أحباس المسلمين. قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأبوب بن سليمان، وابن وليد.
ومن هذا المعنى مسألة أبان:
فهمنا ما ذكره القاضي – أكرمه الله – أنه ألقى في الديوان مكتوبًا على محمد بن أحمد ابن أبان عدة من مال وضعها على يديه النظر ابن سلمة، إذ كان قاضيًا بقرطبة لجامع بن عمير، وثبت عندك موت جامع وعدة ورثته وإقرار ابن أبان بالمال على حسب ما ألفيته في الديون، وأعذرت إليه فلم يكن عنده مدفع إلا ما قال: إن نقود النسا تفسد على الإقامة، فلما خشيت فسادها أنفقتها وصارت مضمونة علي، وسألك أن تؤجله آجلًا ببيع من رباعه فيها ما يؤدي منه ذلك المال، وأحببت معرفة ما عندنا فيه.
فالذي نقوله: إن من ثبت عليه دين فلم يكن من أهل الناض، أنه يؤجل في بيع ريعه الشهر، وأكثر إلى الشهرين، فهذا ما عندنا. قاله ابن لبابة، وابن وليد.
مال مكتوب في الديوان طلبه ورثة ميت:
ألغيت – رحمنا الله وإياكم – في الديوان مكتوبًا عنده باسم فتح مولى سليمان، المعروف بابن بيرة، فقام عندي من ادعى أنهم ورثته، وأثبتوا عندي موته وأنهم ورثته. وفي شهادة الشهود. أن المال الذي في الديوان باسم فتح مولى ابن بيرة فتح هذا الميت، الذي شهدوا على معرفة عينة وموته وعدة ورثته ميراثًا؛ فقبلت شهادتهم.
فهمنا – وفقك الله – ما سألت عنه من ميراث فتح، وما ذكرت ثبوته عندك من موته وعدة ورثته، وأن المال الموقف في الديوان هو ماله، فالذي يجب في ذلك أن تبرأ به إلى ورثته بعد أن تثبت أعيانهم وعندك، وتكتب لهم بذلك كتابًا بما يثبت لهم، يكون على نسختين؛ نسخة في الديوان، ونسخة بأيدي الورثة. قاله بن لبنابة، وأيوب بن سليمان، وعبيد الله، وابن وليد.
من أوقف القاضي عنده مالًا لقضاء دين به إلى قاضي بعده:
فهمنا – وفقك الله – الكتاب الذي قام عندك عبد الله بن بسيل، وفيه ذلك بيع دار يوسف بن بسيل بأمر سليمان بن أسود، إذ كان قاضيًا بقرطبة، والأمر بإيقاف ثمنها على
[ ٥٢٤ ]
يد ابراهيم بن محبب، لقضاء دين يوسف، وما ذلك عبد العزيز من أن المال صار موقوفًا إلى هذه المدة، وسألك النظر فيه.
فيجب أن يثبت الكتاب الذي قام به، وتعذر فيه إلى من وجب، وهم ورثة يوسف بعد ثبوتهم، وثبوت موت ابراهيم بن محبب، وعدة ورثته، ثم تعذر إليهم، فإن كان عندهم فيه مخرج نظرت فيه بما يظهر لك، وإن لم يأتوا بمخرج، وثبت لإبراهيم مال أخذت هذه العدة منه، ووقتها على ما يجب حتى يثبت فيها، وما تستكمل به النظر، إن شاء الله. قاله ابن لبابة، ومحمد بن غالب وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
رجل لزمته قبالة أحباس فاعتلقت داره، وثبت عدمه، وقام رجل وأثبت ابتياعه للدار:
وشاور فيها قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن يحيى بن برطال خال ابن أبي عارم، وكانت هذه الدار دار سكنى المطلوب، وذكر صاحب الأحباس أن بيع هذه الدار، التي أثبته القائم لم يكن صحيحًا، إنما كان توليجًا بدليل ظهور المحاباة في ثمنها.
فأفتى محمد بن أحمد بن عبيد الله بن العطار: يا سيدي وولي، ومن أبقاه الله وسلمه وأدام نفعه: يحلف المسجون في المسجد الجامع عند مقطع الحق فيه: أنه لا مال له ظاهرًا ولا باطنًا يعمله ولئن وجد وفاء ليقضين منه ما يلزمه، ثم تطلقه مأجورًا من سجنك، وتكلف صاحب الأحباس إثبات ما ذكره من المحاباة في البيع، فإن أثبت ذلك كان الدين أولى بالمحاباة، إن كان الدين بعد البيع؛ إذ لم تخرج الدار عن يد بائعها، وإن كان الدين قبل البيع ردت المحاباة، قبضت أو لم تقبض، ويحلف المبتاع في الوجهين جميعًا: أن ابتياعه كان صحيحًا، ولم يكن توليجًا، وأنه دفع الثمن المذكور، وبرئ من دعوى التوليج إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وقال يونس بن عبد الله بن الصفار مثله.
وقال يحيى بن واقد:
إن أثبت صاحب الأحباس المحاباة في بيع الدار، فالبيع مردود بذلك الثمن، والدين أحق بالزائد على الثمن الذي انعقد التبايع به، كان الدين قبل البيع أو بعده، إذا ثبت عندك سكنى المسجون في الدار إلى حين القيام عليه لأن هبة المديان غير جائزة، إذا أحاط الدين بماله، وان لم يفلس، وكذلك هبة الذي لم يجز عنه حتى فلس، وعلى المبتاع اليمين أن الابتياع للدار، ودفعه الثمن كان صحيحًا لا توليج فيه، فإن حلف المبتاع ولم يثبت
[ ٥٢٥ ]
صاحب الأحباس ما ذكره، فالشهادة في عدمه تامة، وعلى المسجون الحلف في مقطع الحق: ما له مال ظاهرًا ولا باطنًا، وأنه متى أيسر قضي، فإذا حلف أمرت بإطلاقه مأجورًا إن شاء الله تعالى.
قال القاضي:
ولي القضاء محمد بن يحيى بن زكريا التميمي المعروف بابن برطان بعد موت القاضي أبي بكر محمد بن بيقي بن زرب، في شهر رمضان سنة أحدى وثمانين وثلاثمائة، وكان قبل قاضيا بحيان فنقل إلى قضاء الجماعة، ثم ظهر منه اختلال في أحكامه كبر سنة، فعزله ابن أبي عامر عن القضاء، وألحقه بالوزراء في المحرم سنة اثنين وتسعين وثلاث مائة، وتوفي في صدر دولة عبد الملك بن محمد بن أبي عامر في جمادي الآخرة سنة أربع وتسعين، وهو ابن خمس وتسعين سنة.
وتوفي أبو عبد الله بن العطار في إمارة محمد بن عبد الجبار في انبعاث الفتنة البربرية سنة تسع وتسعين، ودفن بمقبرة العباس.
وكان يونس بن عبد الله مشاورًا، وولي القضاء ببطليوس، ثم الصلاة والخطبة بالزهراء، والحكومة بالشرطة وارد، ثم تقلد قضاء الجماعة بقرطبة والخطبة لجماعتها في هذه الفتنة، وكان من عدد أصحاب القاضي ابن زرب وبرائه، قدم للفتوى وتوفي في رجب سنة تسع وعشرين وأربع مائة، وهو ابن تسعين سنة وأشهر، وكانت تحته أخت ابن العطار.
وكان يحيى بن عبد الرحمن ابن واقد اللخمي مقدمًا في أصحاب ابن زرب، وعبت عليه المنصور بن أبي عامر بعد موت ابن زرب، فأسقطه من الشورى، وألزمه داره مدة، ثم صرفه إليها وعاد إلى مرتبته، وقلد الصلاة بجامع الزهراء أيام عبد الملك بن أبي عامر، ثم دعاه وأضح مولى ابن أبي عامر قيم دولة الخليفة إلى ولاية قضاء الجماعة؛ إذ عزل أبو العباس ابن ذكوان قوليها، وكشف وجهه في دفع سليمان بن حكم وحربه أو حرب البربر معه، ثم تغلب معه البربر على قرطبة، فاختفى ابن واقد، وحد الطلب فيه إلى أن ألفى وحمل صاغرًا إلى سليمان بالقصر، وأخرج ميتًا على نعش بعد شهر، وتحاماه الناس أن يتولوا أمره حتى واراه حماد الزاهد ودفن في مقبرة الربض سنة خمس وأربع مائة، وانتقم له من سليمان في أقرب مدة بعده، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ٥٢٦ ]
في سجن المفلس وقسمة ماله بين غرمائه:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته من حبس القيم المتقبل لملاحة المرضي الحبة، أو عجزهم عن غرم ما بقي عليه من القبالة، وأنه لم يظهر له مال، ولا يعرف به فيما انكشف لك، وقد حبس أياما فيجب إطلاقه بعد إحلافه في مقطع الحق: مما له عرض ولا قرض، ولئن رزقه الله مالًا ليؤدين. قاله عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن لويد، ويحيى بن عبيد الله، وأحمد بن يحيى.
وما أرادته رقية زوجة ابن أبي الحفاظ من قسم المال الموقوف من مال ابن أبي عبدوس على غرمائه، فذلك واجب لمن أثبت حقًا من غرمائه، وحلف. قاله ابن لبابة، وأيوب، وابن وليد، ومحمد بن أيمن.
الطالب يزعم أنه في مسكن غريمه ما فيه وفاء بحقه:
قال القاضي: شاهدت الفتيا والحكم بطليطلة إذا دعا الطالب إلى تفتيش مسكن المطلوب عند ادعاءه العدم بالحق: أن يفتش مسكنه فما ألقي فيه من متاع الرجال بيع عليه وأنصف الطالب منه؛ لا يختلف فقهاؤهم في ذلك، وأنكرته على أكثرهم، فاستبصروا فيه فلم يرجعوا عنه.
وسألت ابن عتاب عنه وأنكره ولم يره.
وكذلك أنكره ابن مالك، وقال: أرأيت إن كان الذي يلقى في بتيه ودائع؟ فقلت له: ذلك محمول عندهم على أنه ملكه حتى يتبين خلافه، فقال: يلزم إذًا توقيفه والاستثناء فيه حتى يعلم هل له طالب، أو يأتي بمدفع فيه.
وأعلمت ابن القطان بذلك فقال لي: ما يبعد، ولم ينكره. وأنا أراه حسنًا فيمن ظاهره الإلداد والمطل واستسهال الكذب، والله أعلم بالصواب.
مسألة من الرهون تشتمل على معان من الرهون:
شاهدت الفقيه في شهر رمضان من سنة ثمان وأربعين وأربع مائة، وقد أتاه رسول بعض الحكام بوثيقة في إثبات ارتهان ثياب، وأنها وضعت على يد أمين قبضها، ولم يسم الأمين الموضوع عنده الرهن، فقال: العقد ناقص إذا لم يسم فيه الأمين ولا يد من تسميته.
فتكلمنا معه في ذلك وقلنا له: ما الفائدة في تسميته؟ فقال: قد يمكن أن ينكر الأمين ما ذلك عنه من قبضة الرهن، ويدعي عند الإعذار إليه فيه غير معنى الرهن من
[ ٥٢٧ ]
وديعه أو غيرها، ثم أخبرنا أنها نزلت قبل ذلك، وكان الأمين أحد الشاهدين اللذين ثبت بهما الرهن، وأنه أفتى أن شهادة الأمين في ذلك ضعيفة. فسألناه عن العلة المضعفة لشهادته فقال: قد يمكن أن يدعي الراهن إذا حضر أنه ليس برهن، وأنه عارية استعارها الأمين منه، وربما لم يوافقه على هذه الثبات التي أحضرها أنها هي العارة وادعى غيرها؛ فيكون الأمين يريد إسقاط هذه الدعوى عن نفسه بشهادته أنه رهن ويصير خصمًا لا شاهدًا.
قال القاضي:
وفي شهادات العتبية في نوازل سحنون خلاف ما ذهب إليه من ذلك. قال سحنون: شهادة العدول الموضوع على يديه جائزة في الدين والرهن، ويحلف معه صاحب الحق على ذلك كله، ويحق له إن كان شهد بذلك قبل بيع الرهن.
ثم قال لنا ابن عتاب: أفتيت بعض الحكام منذ زمان في رهن ثياب، استشارني في بيعها إذ سأله المرتهن ذلك: أنه يأمر ببيعها وأداء حق المرتهن من ثمنها، ولا يلزم في ذلك إلى إثبات مالك الراهن لها.
وذكر أن بعض أصحاب مالك خالف في ذلك وأفتى أنه لا يأمر ببيعها إلا بعد إثبات ملك الراهن لها أن يثبت ملك الراهن لها، وردد الرد عليهم في ذلك وشنعه. فقلت له: أرأيت إن كان الرهن دارًا أيحتاج إلى ثبوت ملك الراهن لها قبل أمره ببيعها؟ فقال لي: نعم، لابد من ذلك، والأصول مخالفة لغيرها من المتاع والعروض.
[هنا تم الجزء الثالث من أحكام ابن سهل بحمد الله وحسن عونه]
***
[ ٥٢٨ ]