وإذا فرعنا على ما ذكرناه من أن لهم الممانعة في (التعيين) مع اختلاف التركة فيهم بالخيار كما ذكره القاضي بين أن يجيزوا ما أوصى به أو يقطعوا له الثلث في التركة، واختلفت الرواية هل يقطعون له بالثلث في جميع التركة، أو في الشيء الموصى له به، فقال مرة: إذا لم يجيزوا الورثة قطعوا له بالثلث شائعًا. وقال مرة: يفض الثلث على العين التي أوصى له بها. وجه الرواية الأولى: أنهم يقطعون بالثلث شائعًا أن الموصى تعدى بالتعيين إلى ما ليس له، فوجب رد تعديه فصار في حكم من أوصى بالثلث ابتداء. ووجه الرواية الثانية: أن الموصي لما عين لم ترد الوصية إلا بما عين خاصة ووقوع الشركة في عين واحدة أولى منها في الجميع ويحط ذلك الزائد من الموصى به خاصة، لأنه وإنما جعلنا لهم المقال في (العين التي عينها)، إذ لهم أن يقولوا: هذا الذي عين الميت فيه زيادة على الثلث، فإذا رجعوا إلى تقويمه، وأخرجوا له الثلث جعلوه في العين التي عينها الموصي فيحصل فيه أمران مراعاة (قصد) الموصي بالتعيين، ونفى الضرر عن الورثة بالتعيين، وهذا الذي (اختاره) الأشياخ.
فصل
قال القاضي -﵀-: "أسباب التوارث ثلاثة: نسب وولاء ونكاح" والعلل المانعة من الميراث ثلاثة: كفر، ورق، وقتل.
شرح: الميراث يكون بوجهين: نسب وسبب، فالنسب: الرحم، والسبب: الولاء والنكاح. أما (التوارث) فالأصل فيه آية الفرائض، وقد
[ ٢ / ١٤٣٣ ]
تضمنت ذكر ميراث الزوجات والأزواج فتضمنت -إذن- السبب والنسب، والميراث بالولاء ثابت بالإجماع كما قدمناه، وقد كانوا في الجاهلية يتوارثون بالنصرة والهجرة (والمحالفة وورث أبو بكر الصديق حليفًا له في الجاهلية في بني زهرة) فنسخ الإسلام ذلك لقوله تعالى: ﴿وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال: ٧٥] ولا توارث بين أهل الكفر والإسلام عند جمهور أهل العلم وقالت طائفة من العلماء: يرث المسلم الكافر. وقال به محمد بن الحنفية ومعاذ بن جبل ومعاوية: لأن الإسلام يكون سببًا في المنع والحرمان، إذ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه والصحيح الاعتماد على قوله -ﷺ-: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم). وفي لفظ آخر: (لا يتوارث أهل ملتين). واتفق العلماء والصحابة والتابعين أن من لا يرث لأجل الكفر لا يحجب إلا عبد الله بن مسعود فإنه حجب بالابن الكافر من يحجب بالابن المسلم وهذا ضعيف، لأن الله أنزله في الميراث معدومًا، فكذلك في الحجب، ولأن المذكور في قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله﴾ [النساء: ١١] سهمًا هو الذكور في قوله: ﴿فإن لم يكن له ولد﴾ [النساء: ١١] حجبا، فلا فرق
[ ٢ / ١٤٣٤ ]
بين الحجب والميراث إذًا ولما كان الميراث مبنيًا على التساوي في الحرمة، والحرمة بين الكافر والمسلم والعبد والحر غير متساوية، امتنع الميراث ومن فيه بقية رق كالرق المحض عندنا. وقال الشافعي: يرث ورثته نصيبه الحر، وقال بعضهم: ميراثه لبيت المال لا لسيده والصحيح ما ذهب إليه المهور من أن أحكام الرق غالبة عليه في الشهادة والحدود وغير ذلك.
واختلف العلماء في القاتل هل يرث أم لا؟ فمنعه قوم مطلقًا في العمد، وفي الخطأ، وزعموا أن القاتل لا يرث المقتول بحال، وقال قوم: إنه يرث مطلقًا. وفرق مالك بين العمد والخطأ، فزعم أن قاتل العمد لا يرث شيئًا وقاتل الخطأ يرث من المال دون الدية، وإنما فرق بينهما أن قاتل العمد يتهم في استعجال الميراث فمنع منه معاملة له بنقيض غرضه، وهؤلاء زعموا أن الحكم غير معلل بالقتل بنفس كونه قاتلًا عند المحققين من الأصوليين، فالمستولدة تقتل سيدها فتعتق اتفاقًا، ويلزم على مقتضى التعليل أن لا تعتق معاملة لها بنقيض مقصودها، وينتقض أيضًا بالمستحق للدين يقتل من له عليه دين قبل الأجل فعجل دينه فيلزم أيضًا أن لا ينجز معاملة له بنقيض قصده، فلو كانت هذه العلة سديدة على مقتضى التعليل أن لا يعتقا لجاز طرد القول بموجبها في المستولدة، وفيمن عليه الدين، وقال: قدم قوم الحرمان نوع عقوبة ولا عقوبة على الخاطئ، والقائلون وبالفرق ينقسم الخطأ عندهم إلى مباشرة وسبب. فالشافعي عمم الحرمان وأبو حنيفة خصص بالمباشرة، وقال: من حفر بئرًا عداوة فتردى فيه قريب لم يحرم ميراثه، إذ ليس قاتل حقيقة ثم القتل منه ما يصدر من مكلف، ومنه ما يصدر من غير مكلف كالصبي والمجنون، والشافعي عمم الحرمان بقتل الصبي والمجنونة، وأبو
[ ٢ / ١٤٣٥ ]
حنيفة قال: لا عقوبة على الصبي والمجنون إذ هما غير مكلفين، وهذه مسائل قد اختلف فيها فقهاء تعلقًا منه بالمعنى المستنبط من النص المعلل به كما تقرر في أصول الفقه.
قوله: "ولا يرث الجنين إلا بعد وضعه والعلم بحياته" وهذا كما ذكره، إذ لا ميراث بالشك والصراخ والاستهلال والإرضاع، وطول المكث أمارة على الحياة. واختلف في التثاؤب والعطاس والمرتد مراعى بأحد أحكامه، فإن تاب فله أحكام الإسلام، وإن مات على ردته فماله للمسلمين، ولا توارث بين الغرقى والهدمى، إذ لا ميراث بالشك، وميراث ولد الملاعنة لأمه ولإخوته لأمه، وما بقي فالموالي أمه إن كانت معتقة، وإن كانت عربية فللمسلمين، وقال ابن مسعود: هي عصبة فما بقي عبدها وبعد إخوته فلها، وإن لم تكن هي فعصبتها عصبته، وولد الزنى لا حق بأمه، والحكم فيه كالحكم في ولد الملاعنة).
قوله: "ويتوارث توأمها بأنهما (إخوة) لأم وتوأما الملاعنة شقيقان" (أما توأما الزنا فإخوة لأم) لا غير، إذ النطفة نطفة شيطان، فليس للزاني فيها شيء حكمًا، وإن كان له ذلك حسًا، وأما (توأما الملاعنة فهم إخوان لأب وأم لأن لعان أبيهم سقط نسبه منهم دون توارثهم بينهم، هكذا علله القاضي أبو محمد وغيره من شيوخ المذهب وفيه نظر، لأن اللعان إذا قطع نسبهم من أبيهم، فليسا منسوبين إلى أب (فكيف يتوارثا بأنهما إخوان لأب) فحينئذ لا معنى للعان قوله: "ولا يقبل دعوى الأعاجم في السبي
[ ٢ / ١٤٣٦ ]
لأنسابهم إلا ببينة"، وهذا كما ذكره، فلو قال القائل منهم: هذا أخي وهذا أبي، أو هذه ابنتي، فلا يقبل قوله في ذلك لأنه يتهم أن يريد بذلك قطع ميراثه من بيت المال، وكل بلدة افتتحت عنوة ثم سكنها المسلمون، وأسلم أهلها فإنهم يتوارثون بأنسابهم التي كانت في الجاهلية كما كانت العرب حين أسلمت، وأما كل قوم تحملوا فإن كانوا عددًا يسيرًا، فإنهم لا يتوارثون إلا ببينة عادلة من أسارى المسلمين الذين عندهم.
وأجاز مالك شهادة من دخل عندهم من التجار، وقيل: إذا شهد لهم العشرون رجلًا توارثوا، وإن لم تكن العشرون فما قرب من ذلك، وقال سحنون: لا يتوارثون إلا ببينة عادلة ولو كانوا مائة. قال مالك: ولو طالت المدة وهم متناسبون على ذلك، ولا أحد ممن قدم ينكر ذلك عليهم من أهل موضعهم، فإن ذلك يصير (حوزًا) يتوارثون به وإن لم يكن شهادة، وإذا مات رجل وترك ولدين مسلمًا ونصرانيًا، فادعى كل واحد أنه مات على دينه ولا بينة على ذلك تحالفا، واقتسما ماله. واختلف إذا لم يعلم أصله هل يرجح بصلاة المسلمين عليه، فلم ير ذلك ابن القاسم. وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: إذا كان ذلك بحضرة النصارى فهو قطع لدعواهم إلا أن يكون لهم عذر في السكون، ولو أقاما بينة فتكافتا قسم المال بينهما، وقيل: المال للمسلم إذا كان غير معروف في النصرانية.
قوله: "وما فضل عن ذوي السماح للعصبة، فإن لم يكونوا فللموالي، فإن لم يكونوا فلبيت المال ولا يريد على ذوي السهام": وهذه المسألة مشهورة بالخلاف بين سلف الصحابة والتابعين، فعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وغيرهما يقولان بالرد، قال: والجمهور بعدم الرد، وعليه معتمد مالك وأصحابه واتفق القائلون بالرد على أنه لا يرد على زوج ولا
[ ٢ / ١٤٣٧ ]
زوجة، وقال -ﷺ-: (الحقوا الفرائض بأصلها فما بقي فلأولى وارث ذكر).
قوله: "ولا ميراث لذوي الأرحام": وهذا مذهب مالك وقال أبو حنيفة: بتوريث ذوي الأرحام اعتمادًا على ظاهر الآية: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب الله﴾ وقد أخبر -ﷺ-: (أن رجلًا مات على عهده وترك عمة وخالة، فدعى لجنازته، ثم قال: لا أجد لكما في كتاب الله شيئًا) يعني: العمة والخالة. وفي لفظ آخر: أن جبريل أخبره أنه لا شيء لهما واعتمد مالك في منع ذوي الأرحام على عمل أهل المدينة، إنه لنعم الدليل.
قوله: "ويعتبر في الخنثى بالمبال، وفي المشكل نصف الميراثين" وقضى بذلك ال ٣ صحابة. قال أهل المذهب: يرث الخنثى بمباله وتكون أحكامه في شهادته ونكاحه ودينه وغير ذلك تابعة للمبال فإن أشكل فله نصف ميراث الذكر، ونصف ميراث الأنثى وفيه خلاف. والخنثى المشكل لا ينكح ولا يُنكح، ولا يكون أبًا ولا أمًا، وقد قيل: إنه وجد من ولد له من صلبه ومن بطنه فإن صح ورث من ابنه من صلبه ميراث الأب كاملًا، والمشكل: هو الذي تجتمع فيه صفات الذكر والأنثى كاللحية والثديين والمبال من كلا السبيلين، فإن بال من أحدهما أكثر كان الحكم له، وقد قيل: إنه يعتبر بعدد الأضلاع. وحكى أبو محمد عبد الحق وغيره من مشايخ القرويين في المشكل: إذا زنى بذكره لم يحد، وإن زنى بفرجه حد، والظاهر أنه يحد اعتبارًا بما ذكرناه من أنه يرث بالوجهين.
[ ٢ / ١٤٣٨ ]
قوله: "وإذا اجتمع في الشخص سببان يرث بهما ويرث بأقواهما" وهذا تنبيه على مذهب أبي حنيفة القائل بأنه يرث بالسببين جميعًا، ومذهب مالك أنه يرث بالسبب الأقوى إلا ابن العم يكون أخًا لأم، فإنه يرث بالسببين عندنا الإخوة للأم والعصبة، وكذلك الزوج يكون ابن عم، وكذلك البنت والزوج يكونان موالي كما فسره القاضي -﵀-، وأما الأخت للأب والأم، فقد اجتمع فيها سببان لأن كونها اختًا لأب يوجب لها النصف، وكونها لأم يوجب لها السدس، فإذا اجتمعت القرابتان لم ترث عندنا بالجميع، وورثت بالسبب الأقوى، وقال أبو حنيفة: ترث بالسببين.
فصل
قال القاضي -﵀-: "والوارثون عشرة أصناف" (من الرجال ومن النساء سبعة) وهذا كما ذكره، أما العشرة فولد الصلب ذكورهم وإناثهم، وولد الابن ذكورهم وإناثهم وإن نزلوا، والآباء وإن علوا والأخ وابن الأخ وإن سفل، والعم وابن العم وإن سفل، والزوج، ومولى النعمة (ومن النساء سبع: الأم والجدة والبنت وابنة الابن وإن سفلت، والأخت كما كانت، والزوجة، ومولاة النعمة) والميراث تعصيب وفرض والفروض ستة كما ذكره القاضي: النصف، ونصفه، وهو الربع، ونصفه وهو الثمن، والثلث ونصفه، وهو السدس.
فالنصف لخمسة: لابنة الصلب مع عدم الولد (وولد الولد لقوله -﷿-: ﴿وإن كانت واحدةً فلها النصف﴾ [النساء: ١١] ولابنة الابن لأنها كابنة الصلب، وللأخت الشقيقة أو للأب لقوله تعالى: ﴿إن امرؤٌا هلك ليس له ولدٌ وله أختٌ فلها نصف ما ترك﴾ إلى قوله: ﴿فلهما الثلثان مما ترك﴾ [النساء: ١٧٦].
[ ٢ / ١٤٣٩ ]
وهذا عام في الشقائق والتي للأب، وللزوج مع عدم الود لقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ [النساء: ١٢] والربع فرض صنفين: الزوج مع وجود الولد أو ولد الابن، والزوجة أو الزوجات مع عدمهم لأنه مقتضى النص.
والثمن: فرض واحد وهي الزوجة أو الزوجات مع الولد أو ولد (الابن) بمقتضى النص.
والثلثان: فرض أربع الاثنتان فصاعدًا من بنات الصلب لقوله تعالى: ﴿فإن كن نساءً فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ [النساء: ١١] ومعناه فإن كن اثنين فما فوقهن فلهن الثلثان وهو إجماع الجمهور والاثنتان من بنات الابن، والاثنتان من الأخوات الشقائق لقوله تعالى: ﴿فإن كانت اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ وللاثنتان من الأخوات للأب، وهذا مذهب الجمهور أيضًا.
الثلث: فرض صنفين: الأم مع عدم وجود الولد، والإخوة والاثنان فصاعدًا من الإخوة أو الأخوات للأم لقوله تعالى: ﴿فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء: ١٢].
وتحصيل الحجب بالأخوين الاثنين عندنا خلاف لابن عباس في قوله: إن الحجب لا يكون إلا بثلاثة بناء على أنه أقل الجمع، ومذهب عبد الملك بن الماجشون وغيره من أصحابنا أن أقل الجمع اثنان، ولا يقتضيه لسان العرب، لأنهم فرقوا بين المفرد والتثنية والجمع.
والسدس: فرض سبعة على واحد من الأبوين مع وجود الولد أو ولد الابن وأحد فروض الجد وفرض الجدة والجدات إذا اجتمعت، وفرض بنات الابن مع بنت الصلب، وفرض الأخوات للأب مع الأخت للأب والأم، وفرض كل واحد من ولد الأمر ذكرًا كان أو أنثى، لأنه مقتضى النص.
قال القاضي -﵀-: "وكل واحد من الرجال إذا انفرد بالمال أحرزه إلا
[ ٢ / ١٤٤٠ ]
الزوج والأخ للأم، وليس في الفساد من يجوز المال كله إلا الموالاة فقط": ثم ذكر الحجب وقسمه إلى حجب نقص وحجب إسقاط واستوفى ذلك كله على أتم وجه وأكمل بيان لا يحتاج إلى مزيد شرح، والقسم العملي من الفرائض مستقل بنفسه غير داخل في العمليات، وقد أفرد الناس له تواليف، وفرائض هذا الكتاب من أحسنها وأكثرها استيفاء، وكذلك فرائض ابن الهندي وغيرها، ومن أراد بسط القول في ذلك أخذه من الكتاب فلا حاجة إلى تكريره هنا والله فوقنا ويستعملنا (عملًا) يرضى به عنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٢ / ١٤٤١ ]