الجامع: مما اخترعه مالك في تأليفه لتضمنه أنواعًا (مفترقة) وأحكامًا متباينة لا يمكن نظمها في سلك واحد، فجمع لها كتابًا سماه جامعًا، فطرق للعلماء مسلكًا لم يعهد قبله.
وأول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال من البلوغ، والنظر الصحيح الموصل إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة ما يجب له، وما يستحيل عليه ويجوز في أحكامه، وذلك بعد التلفظ بكلمتي الشهادة عن اعتقاده صحيح، ونية مطابقة.
ومن أوجب الواجبات النظر في الدلائل والبراهين الموصلة إلى معرفة
[ ٢ / ١٤٤٣ ]
الحق في كل المطلوب لمن فيه الأهلية لذلك، والتمكن منه، والقدرة عليه، وقد قال تعالى: ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣] ولهذا لم يكن للنفس (الناطقة) شيء (تتحلى) به وتكمل أزين من العلم بالله والفهم عن الله، ومطالعة حكم الله في آفاق العالم الأكبر والأصغر كما قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ الآية [فصلت: ٥٣]، على ما فيها من تأويل مختلف بني العلماء شرحناه في موضعه، ومن عجز عن النظر، ولم يتأهل لذلك قلد من غلب على علمه وفضله. قال الله تعالى: ﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣].
قوله: "والدعاء والذكر (والاستغفار) وقراءة القرآن من أفضل أعمال البر" وقد قال -ﷺ-: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، هو عليه شاق فله أجران).
قوله: "والمساجد الثلاثة": منصوص على فضلها وتشريفها، وفضل الصلاة فيها، والبركة في الحرمين مرغب فيها من النبيين الكريمين إبراهيم لمكة، ونبينا -ﷺ- للمدينة، والذي استقر من مذهب مالك وعلماء المدينة أن مدينة النبي -ﷺ- للمدينة، والذي استقر من مذهب مالك وعلماء المدينة أن مدينة النبي -ﷺ- أفضل من مكة وا لصلاة في مسجدها أفضل عنده من الصلاة في المسجد الحرام، وقال -ﷺ-: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف
[ ٢ / ١٤٤٤ ]
صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) زاد البغوي وغيره: (فإن الصلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة في مسجدي). وفي صحة هذه الزيادة نظر، وهي حجة على مالك والشافعي والمكيين، وقد كره كثير من العلماء سكنى مكة، واختلف تعليل أهل العلم في ذلك، فقال بعضهم: لئلا يتمالؤوا على سكناها، وقال بعضهم: لأن السيئات تضاعف فيها كما تضاعف الحسنات. قال الله العظيم: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلمٍ نذقه من عذابٍ أليمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وقال -ﷺ-: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها فاجعلها بالجحفة وكانت الجحفة حينئذ سكنى اليهود، ومنزلًا للمشركين حتى يقال: إن ماءها وبي من شرب منه حم) وقوله -ﷺ-: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة). ويحتمل أن يكون على ظاهره وأن ذلك الموضع بعينه يكون روضة
[ ٢ / ١٤٤٥ ]
من رياض الجنة، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن منه تبعث الأنوار، وانتشر الهدى والإيمان.
وتنزيه القرآن عن الألحان صيانة له عن التشبيه بالشعار وغيرها من كلام المحدثين، وقال -ﷺ-: (زينوا القرآن بأصواتكم). وقال له أبو موسى: لو أعلم أنك تستمع لحبرته لك تحبيرًا والمراد حسن الصوت وتزيينه لا إخراجه إلى حد الإطراب والتغني.
وقيل لصالح المري: هذه القراءة فأين البكاء، تنبيهًا من الله سبحانه له على أن المقصود من قراءته الخضوع عنده، والتدبر لآياته وتفهم معانيه، وقرأ بعض الطلبة على شيخه ختمة من القرآن، ثم أراد إعادته عليه ختمه أخرى فقال له: يا بني أتتخذ القرآن عملًا اقرأه على ربك في دياجي ليلك.
وجعل القاضي قراءته على وجهين خشوع وحزن، وتعظيم على حسب الأحوال التي يقرأ فيها في (مكان) الخلوات وتجويد الألفاظ وغير ذلك،
[ ٢ / ١٤٤٦ ]
وذلك مواهب الله سبحانه لأهل التوفيق جعلنا الله منهم بفضله.
ولا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو خشية أن يناله العدو، وقد أجازه علماؤنا في الجيش الكثير الذي الغالب عليه الأمان والعز (والنصر).
قوله: "وتنزيه المساجد" عن المباحات من أعمال البر وأكبر القرب لأنها بيوت الله المضافة إليها تشريفًا وتعظيمًا لعظمة من نسبت إليه.
قوله: "اللعب بالنرد" قال -ﷺ-: (من لعب بالنرد فقد عمس يده في الخنزير) وكذلك اللعب بالشطرنج لأنه من باب اللهو، والمؤمن إنما خلق لمعرفة ربه، وطاعته، وقد حكى عبن بعض السلف أنه أباح اللعب بها منهم عبد الله بن المغفل وغيره، وبه قال بعض الشافعية، لأن فيه تنبيه على معرفة الحروب، وقد قال مالك: من سعب بها مرة فهو مدمن ولا تقبل
[ ٢ / ١٤٤٧ ]
شهادة من أدمن عليها.
قوله: "وسماع الملاهي والمغاني حرام" قال الله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علمٍ﴾ [لقمان: ٦] قيل: إنه إشارة إلى الغناء، وقيل غير ذلك، والغناء بغير آلة أخف منه بالآلة وللفقهاء في سماعه اختلاف، فمنهم من حرمه، ومنهم من كرهه، ومنهم من أباحه وأن قسمًا منه حرام، وسئل الغزالي عنه
[ ٢ / ١٤٤٨ ]