قال القاضي -﵀-: "كتاب الوصايا والمواريث والفرائض، الوصية مندوب إليها، وفيها احتياط للدين".
شرح: الأصل في الوصية قوله -﷿-: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقال تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ [النساء: ١١]. قال -ﷺ-: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبين ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة). وقد اختلف الفقهاء في حك الوصية، فقال الجمهور: هي مستحبة. وقال أهل الظاهر: هي واجبة لمن عليه أو له حق، تمسكًا بظاهر لفظ الخبر والصحيح أنها مندوب إليها، لما فيها من التحرز والاحتياط، إذ الإنسان لا يدري متى يأتيه أجله وقسمها الشيخ أبو الحسن اللخمي إلى أقسام الشريعة الخمسة: واجبة
[ ٢ / ١٤٢١ ]
ومحظورة، ومندوب إليها، ومكروهة، ومباحة، فتجب بما قبله من حقوق الله سبحانه مما فرط فيه من زكاة أو كفارة واجبة بيمين أو عتق أو بما قبله من حقوق الآدميين من المعاملات (والمعاوضات) وغير ذلك إذا لم يتقدم الإشهاد على ذلك في حال الصحة، وإن كانت الوصية تقتضي معصية أو حثًا على قطيعة رحم أو نحو ذلك فهي محظورة.
وسمعت بعض شيوخنا يحكي عن بعض السفهاء الجهلة في الحقيقة من الأعيان أنه أوصى إذا مات أن ترجم السماء بالحجارة ونحو ذلك أن يوصي بالنياحة وغير ذلك من شئون الجاهلية، فإن اقتضت الوصية صدقة أو نوعًا من أنواع الطاعات كانت مستحبة مندوبًا إليها إذا كان ذلك لا يضر بالورثة، فإن كان المال قليلًا، وكان الذي يرجى من فضل تركه للورثة لما علم من (سوء) حالهم أحسن ما يرجى من الوصية به كانت الوصية بالمال مكروهة لقوله -ﷺ-: (إنك إن تذكر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) الحديث فإن كان الورثة مياسر لم يكن في الوصية كراهة، فإن تقارب الحال كانت مباحة، وذلك إذا لم تقتض طاعة ولا معصية ولا مضرة على الورثة، وفي قسم المكروه منها أن تكون له قرابة فقراء فأوصى لأجنبي مع وجود القرابة الفقراء، وفي قسم المكروه منها أن تكون قرابة فقراء فأوصى لأجنبي مع وجود القرابة الفقراء، فلا خلاف إن جعلها في الأجنبي أنها مكروهة مع وجود القرابة.
[ ٢ / ١٤٢٢ ]
قوله: "وفيها احتياط للدين": يعني أن بها التخلص من الحقوق التي عليه من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين وبعضهم (يرويه) للمدين هو تصحيف.
قوله: "وللموصي في ماله الثلث": لا تجوز الزيادة عليه إلا بإذن الورثة، لقوله -ﷺ- حديث سعد: (الثلث والثلث كبير). وقال -ﷺ-: (إن الله أعطاكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم).
فإن أذن بعض الورثة في الزيادة على الثلث، ومنع بعضهم منه جاز ذلك في حق من أجازه وامتنع في حق من منعه، لأنها حقوق لهم فمن شاء طلبها، ومن شاء تركها ولا تجوز الوصية للوارث لقوله -ﷺ-: (إن الله -﷿- قد أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث). فإن أجازها الوارث مضت عند الجمهور خلافًا لمن منع ذلك نظرًا إلى أنها وقعت فاسدة ي الأصل، وعندنا أن وقوعها بصفة الوقف على خيار الورثة لا لصفة الفساد وإذا وقعت الوصية للوارث والأجنبي وقعت المحاصة فيرد من ذلك من ناب الوارث إذا رده الورثة، ويمضي ما ناب الأجنبي، ومن لا وارث له كمن له وارث لا يتعدى الثلث عند جمهور أهل العلم، من أهل العمل من قال له الوصية بجميع ماله وهو قول أبي حنيفة.
[ ٢ / ١٤٢٣ ]
ومبنى الخلاف على بيت المال (هل هو وارث محقق أم لا؟ ومذهبا أنه وارث محقق فكما لا يجوز لمن له وارث مجاوزة الثلث، كذلك لا يجوز لمن ورثه بيت المال) وإذا استأذن الورثة في الوصية لوارث، أو في الوصية بأكثر من الثلث جاز ذلك إذا كان في حال المرض المخوف فإن استأذنهم في حال الصحة لم يلزمهم ذلك، والفرق أنهم في حال المرض يملكون الحجر عليه، ولا يملكون ذلك في حال الصحة، فكان حقهم إنما يتعلق بالمال في حال المرض لا في حال الصحة، فإذنهم له في حال الصحة كإذن الأجنبي لا يفيد شيئًا، وإذا استأذنهم (سفرًا فأذنوا له ففي لزوم ذلك كله قولان: أحدهما: اللزوم إذا كان سفرًا بعيدًا مخوفًا، والثاني: نفي اللزوم لأنهم لا ضرورة لهم) على الحجر عليه في هذه الحال، ولأن تصرفه فيها من رأس ماله بخلاف المرض.
قوله: "من غير خوف في الحال التي يتعلق لهم حق بمال الموصي" يريد إذا كان الوارث في عيال الموصي، وفي نفقته فيخاف إن لم يأذن له أن يقطع عنه النفقة، أو يكون له عليه دين فيجحف به، أو يكون ذا سلطان فيرهبه، واختلف في الزوجة، قال مالك: لها أن ترجع. وقال أشهب: ليس كل زوجة لها أن ترجع، ولو وهب ميراثه من موروثه لرجل، والموروث صحيح، فهل يلزمه لأنه التزمه بشرط الملك، أو لا يلزمه فيه قولان حكاهما الشيخ أبو الحسن وغيره.
قوله: "وليس للمريض المخوف عليه إخراج ماله في غير معاوضة": يريد أن هباته وعطاياه موقوفة، فإن صح لزمته من رأس المال، وإن مات كانت في الثلث (ويجوز أن يشتري ابنه) وإذا كان عبدًا بثلث ماله، وهل له أن يشتريه في مرضه بكل ماله أم لا؟ قولان: المشهور أنه ليس له ذلك وقال محمد بن مسلمة: يجوز أن يشتريه بكل ماله، ولا خلاف في جواز استلحاقه،
[ ٢ / ١٤٢٤ ]
ومن أوصى لرجل (بنصيب) أحد بنيه فللموصى له كل المال، وإن أوصى له بنصيب أحد ورثته اعتبر بالرؤوس، وكان له جزء من الأجزاء على حسب عدد رؤوسهم، لأن الأنصباء مختلفة، فليس الأكثر منهما بأولى من الأقل، فلم يبق إلا اعتبار عدد الرؤوس، هذا مقتضى المذهب، ونصوص الروايات.
قال القاضي: "وفي السهم والجزء خلاف".
فمنهم من قال: يعطي الثمن، ومنهم من قال: يعطى السدس، وقيل: يعطى سهمًا واحدًا مما بلغت سهام الفريضة وتصح وصية السفيه المحجور عليه لتبذير ماله، لأنه إنما منع (لإتلاف) ماله خوف الفقر عليه، والوصية إنما تنفذ بعد موته أمن الفقر عليه، وكذلك المجنون في حال إفاقته، وتجوز وصية الصبي الصغير المميز الذي يعقل القربة، وإن لم يبلغ خلافًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وصح جواز ذلك عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم، هذا إذا كان عارفًا (بوجه القرب) ابن عشر سنين أو (فوق) ذلك بيسير، وروى عنه ابن تسع سنين. قال: ابن وهب: وأصبغ تجوز وصيته إذا عقل الصلاة وهذا أقل ما قيل، وقال ابن الماجشون: إذا كان يافعًا مراهقًا، وجوازها من السفيه (إشعار) بجوازها من الصبي لأن كليهما محجور عليه في مال لحق نفسه.
قوله: "وللموصي أن يعين النوع الذي يوصي فيه، ولا يكون للوصي أن ينظر في غيره، وله أن يطلق فيكون (الوصي) وصيًا في كل شيء
[ ٢ / ١٤٢٥ ]
يوصى (به) " وهو كما ذكره، لأن الوصي وكيل والوكيل قد يكون مفوضًا إليه، وقد يكون مخصوصًا، وله أن يوصي وصيين كما له أن (يوصي بثلث ماله إلى وصي، وبالنظر في ولده إلى آخر لأن الوصية وكالة، وله أن يوكل في حقوقه كلها وكيلًا واحدًا، وله) أن يوكل عدة وكلاء، فإذا أوصى بنوع مخصوص لم يكن للوصي مجاوزته إلى النظر في غيره، فإن أطلق فقال: أنت وصي عمت الوصية كل شيء (وكذلك) له النظر في المال والولد، وله إن أطلق أن يوصي بما أوصى إليه به أو ببعضه عندنا خلافًا للشافعي.
واختلف المذهب عندنا إذا أوصى له بنوع مخصوص، ولم يذكر قصره عليه، ولا أنه ليس له النظر في غيره هل تتعدى الوصية إلى غير ما عين له لأجل التنصيص عليه. حكاه القاضي أبو محمد وغيره عن المذهب، وفيه روايتان. قال مالك: إذا قال فلان وصى فقد استقصى وبالغ، يعني: أنه وصى على المال والولد، ولو قال فلان وصي على مالي دخل الولد، ولو قال: على ولدي وابني دخل المال، وكان وصيًا في الجميع المال والولد، وإذا أوصى وصيين فليس لأحدهما التصرف إلا بإذن شريكه، فإن باع أو ابتاع بغير إذنه فأراد الثاني فسخ فعله نظر فيه السلطان، فإن رآه سدادًا أمضاه، وإن رآه غير سداد رده.
قال أشهب: إلا في الشيء التافه اليسير كالطعام والثوب يحتاج إليه اليتيم في غيبة أحد الوصيين، فيشتريه الثاني ولو لم يشتريه الثاني ولو لم يشتره أضر اليتيم، وليكن المال عند أعدلهما ولا يقسمنه، وقال علي بن زياد: إن تشاحا في ذلك اقتسماه، وإذا اقتسامه لم يكن لأحدهما أن ينفرد بالعمل، فإن انفرد فهو متعد، وعليه ضمان جميع المال إن هلك ما في يده وفي يد
[ ٢ / ١٤٢٦ ]
صاحبه، لأنه تعدى بالنظر فيما عنده فضمنه وترك النظر فيما في يد صاحبه فضمنه. هذا (نص) الروايات.
وإذا أوصى زوجته على أنها لا تتزوج فتزوجت نزعت الوصية عنها إذا شرط الموصي ذلك في وصيته، فإن أوصى زوجته من غير شرط فتزوجت لم تنزع الوصية منها إذا تزوجت، ولكن يكشف عن حالها وحال الزوج، فإن كانت قد عزلت الأيتام في بيت، وأقامت لهم ما يصلحهم فهي أولى بهم، ولو قال الميت: انزعوهم منها إن تزوجت لم ينزعوا منها، لأن الميت لم يقل هي معزولة إذا تزوجت، وإنما قال: انزعوهم منها إن تزوجت لم ينزعوا منها، فإذا كانوا معها في حرز وحفظ وكفاية وحسن قيام فيه (أحق) بهم. قال ابن القاسم: إذا كان المال يسيرًا وهي مكتفية ذات حال لم تنزع الوصية منها وإن كان المال كثيرًا وهي فقيرة نزع منها.
قوله: "ولا يترك الفاسق وصيًا" وهذا كما ذكره. قال أهل المذهب: ولا تجوز الوصية إلى غير عدل فهم بما جعل له من النظر، ويرد فعله، لأن المال قد انتقل عن الميت إلى غيره، فلا يجوز أن يليه إلا مأمور ثقة، ولا تجوز الوصية إلى الذمي، وأجاز أن يوصي إلى زوجته النصرانية وأخيه النصراني ليصل بذلك رحمه، والذي يخشى على الأولاد بذلك أعظم مما يخشى على المال، ومما يرجى من ملة الرحم، لأن النصراني لا ينفك عن شرب الخمر وأكل الخنزير، وعبادة الأصنام وتعظيم غير الله.
وتصح الوصية من الأب ولا تصح من الأم مع وجود الأب أو وصية ولا مع عدمها. واختلف في جواز وصيتها فيما يرث ابنها عنها، إذا كان يسيرًا كالخمسين دينارًا ونحوها فأجيز ومنع، ومذهب ابن القاسم جواز وصيتها في الشيء اليسير.
قوله: "ومن أوصى له بشيء بعينه فتلف فلا شيء له" وهذا كما
[ ٢ / ١٤٢٧ ]
ذكره، لأن الوصية إنما تعلقت بشيء معين فتذهب بذهابه، وكذلك الهبة والصدقة، ولا خلاف في ذلك (وهو) كالدابة المعينة المستأجرة إذا ماتت انفسخت الإجارة فيها، فإن تلف ثلثا تلك العين المعينة فالثلث الباقي للموصي إن احتمله كل المال، ولو كانت الوصية لجماعة فمات واحد منهم قبل موت الموصي ولم يقبل ففيها ثلاث روايات عن مالك، فقال مرة: ليس للورثة أن يحاصوا الورثة بنصيب الميت علم الميت بموته أم لا؟ وقال مرة: لورثة الموصي أن يحاصوا أهل الوصايا بنصيب الميت، علم الميت بموته أو لم يعلم، وقال مرة: إن لم يعلم الموصي بموته حاصوا وإن علم بموته لم يحاصوا، لأنه إذا علم فترك الوصية على ما هي عليه رضى بكونه باقيًا على حكم الوصية، وإنما جعل لهم أن يحاصوا على الرواية الأولى، لأن الميت جعل الوصية بين الجميع فلم يستحق الباقي من الموصى لهم نصيب الميت كما لو لم يمت، وأما الرواية بأنهم لا يحاصون فلأن الموصي قد صرف المال إليهم، وأخرجه عن تركته فلم يجز أن يرجع شيء منه ميراثًا، لأن الوصية بإخراجه تناقض ذلك.
قوله: "ومن أوصى بنفقة عمره عمر سبعين سنة" هذا مشهور المذهب في التعمير، وقيل: إنه يعمر تسعين سنة، وقيل: مائة وعشرين سنة، والصحيح
[ ٢ / ١٤٢٨ ]
هو الأول لقوله -ﷺ-: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين) فإذا عمر جعل قدر نفقته على يد أمين فينفق عليه شهرًا شهرًا، فإن مات قبل استيفاء ذلك رجع باقي النفقة لورثة الموصي، وإن عاش زيادة على التعمير فهل يرجع على أهل الوصايا فيحاصهم أم لا؟ قولان. المشهور أنه إذا عاش زيادة على التعمير فلا شيء له. وقال أشهب: يرجع عليهم، ومبناه على الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ وهذه النفقة في الثلث لأنها وصية فكانت في الثلث كسائر الوصايا والله تعالى أعلم.
قوله: "والحامل إذا بلغت ستة أشهر والمحبوس للقود": والزاحف في الصف وراكب البحر في زمن العطب كالمريض المخوف عليه يجب الحجر عليهم، ولا يتصرفون إلا في الثلث إلا فيما يحتاجون إليه من النفقة والكسوة فلا حجر عليهم في ذلك وهو من رأس المال أيضًا، ولا يمنون من التصرف بالمعاوضة إذا لم يكن فيها محاباة. وأشار القاضي إلى الخلاف في راكب البحر في اللجة، وهو بناء على أن الغالب فيه السلامة، وقد قال سحنون في راكب البحر في؟؟؟؟؟: فقد برئت منه الذمة، يعني أنه عاص في الركوب مغرر بنفسه. قال ابن القاسم في راكب البحر في زمان اللجة: حكمه حكم الصحيح. وقال أشهب: حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر.
قوله: "وتجب الوصية بموت الموصي وقبول الموصى له بعده" وهذا كما ذكره، فإن الوصي ما دام حيًا فله الرجوع في وصيته، وله أن يغير منها ما شاء إلا التدبير. (قال مالك: وهو الأمر المجمع عليه عندنا الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا أن للموصي أن يغير من وصيته ما شاء الله التدبير) فإذا مات الموصي قبل قبول الموصى له عادت ميراثًا، ومن أهل
[ ٢ / ١٤٢٩ ]
العلم من قال: إن الوصية تدخل في ملك الموصى له بنفس الموت دون القبول وهو أحد قولي الشافعي. والصحيح أنها مفتقرة إلى القبول كالهبة في حال الحياة، ولو مات الموصى له قبل أن يقبل أو يرد فهل لورثة الموصى له القبول والرد كما كان لمورثهم أو تبطل الوصية، وتعود ميراثًا قولان. واختار الشيخ أبو بكر الأبهري أنها تعود ميراثًا، لأنه الأصل، والصحيح أن ذلك حق وجب للموصى له فورثته يتنزلون منزلته.
قوله: "وإذا ضاق الثلث عن الوصايا قدم آكدها على ما دونه": هذه مسائل التبدئة، وأول ما يبدأ به من رأس المال كفن الميت وحنوطه وما يلزمه في مواراته، ثم ديون (الخلق) ثم زكاة تحل عليه وهو مريض فيوصى بها، أو لا يوصى فتخرج من رأس ماله (في الحب والماشية، واختلف في زكاة العين إذ علم بها ولم يفرط فيها، فقال ابن القاسم: إن أوصى بها كانت من رأس ماله) وإلا فلا تخرج منه ولا من الثلث وقال أشهب هي من رأس المال أوصى بها أم لا لاتفاقهم على زكاة الحب والماشية، قال محمد في مريض قيل له: أخرج زكاة مالك؟ قال: لا حتى (إن) برئت أخرجتها أنها لا تخرج إلا أن يوصي بها فتكون في الثلث، وقيل: في رأس المال، وقال فيمن عليه هدى تمتع أنه من رأس ماله إلا أن يفرط فيه فلا يكون في ثلثه ولا في رأس ماله، وأول ما يبدأ به في الثلث عند ضيقه صداق (المنكوحة في) المريض إذا أدخل بزوجته، ثم المدبر في الصحة، ثم ما فرط فيه من زكاة أو كفارة، ثم المبتل والمدبر في المرض ثم الموصى بعتقه المعين، فإن فضل شيء تحاص فيه أهل الوصايا.
قال أهل المذهب: الموصى به أربعة أنواع: أحدها: ما أوجبه القرآن.
[ ٢ / ١٤٣٠ ]
والثاني: ما أوجبته السنة. والثالث: ما أوجبته الموصي على نفسه. والرابع: ما أوصى به ولو يوجبه. فإذا اشتملت الوصية على هذا كله وضاق الثلث عن ذلك ابتدئ بما جاء في القرآن، فإن كان فضل ابتدئ بما جاء في السنة، ثم بالتطوع بعد ذلك، وأوجب الزكاة والعتق عن القتل والظهار والإطعام والنسك وجزاء الصيد وفدية الأداء، وكفارة الأيمان.
فإذا اشتملت الوصية على هذا كله قدمت زكاة الأموال ثم الفطر، ثم الهدي، ثم الكفارة على الفطر في رمضان، وهكذا على ترتيب الآكد فالآكد، واختلف في العتق المعين هل هو مبدأ على الزكاة، وهو المشهور، أو الزكاة مبدأة عليه، لأنها من حقوق الله سبحانه وهو قول عبد الملك وكذلك اختلف في كفارة القتل، والظهار، فقيل: هما سواء، وقيل: كفارة القتل أوى لحرمة النفس وإذا قلنا بالتسوية، فقيل: يقرع بينهما، وقيل ذلك إلى الورثة، والأول أصوب، وإن لم يكن في الوصايا شيء مما تضمن القرآن، وجاءت به السنة بدئ بالعتق المعين على سائر الوصايا. وقال أشهب: قد بلغنا أن رسول الله -ﷺ- وأبا بكر وعمر -﵃- قضوا بذلك، ولو أعتق عبدين في كلمة تحاصا، وقيل (يتقارعان) ولو عجل عتق أحدهما بمال والآخر على غير مال بدئ بمن لم يجعل عليه مال، واختلف إذا عجل الثاني ما عليه من المال فقيل: يتحاصان وهو الصواب، وقيل: يقرع بينهما.
قوله: "وتجوز الوصية للقاتل وللذمي وللميت إذا علم الموصي بموته" وهذا كما ذكره، ونبه على خلاف الشافعي حيث منع الوصية للقاتل عمدًا
[ ٢ / ١٤٣١ ]
أو خطأ، (ومذهبنا صحة الوصية للقاتل عمدًا أو خطأ) لأنها هبة (فالقتل لا يمنعه) اعتبارًا بحال الحياة، وكذلك يجوز عفو الرجل عن قاتله (عمدًا) ولا يجوز ذلك في الخطأ إلا أن تكون الدية ثلث التركة أو أقل، والفرق بينهما أن الواجب بقتل العمد قود، وليس فيه إخراج مال عن الورثة، والواجب بقتل الخطأ مال، وليس له في المال إلا الثلث، ولو قتله الموصى له عمدًا بطلت وصيته، وإن قتله خطأ لم تبطل وصيته كالميراث وكذلك الوصية للذمي، لأن هبته له جائزة على كراهة لقطع المواصلة بيننا وبينهم بالكفر ولو أوصى لميت علم بموته قضيت منها ديونه وزكاته وكفاراته إن كانت عليه، فإن لم يكن عليه شيء من ذلك كانت لورثته، وهذا أيضًا تنبيه على مذهب الشافعي وأبي حنيفة حيث قالا: لا تصح الوصية للميت بحال، الصحيح ما ذهبنا إليه، لأن الموصي إذا أوصى له وهو ميت، فإنما قصد صرف الوصية في مصالحه، وإنما منعها الشافعي وأبو حنيفة لأن من شرط الوصية تملكها للموصى له، والميت لا يصح تملكه وهو منصوص بالوصية للقنطرة والمساجد وغير ذلك.
قوله: "ومن أوصى بنوع من تركته" وهي أنواع كثيرة من عقار، وناض، ورقيق وعروض، وديون فأوصى بجملة الناض لرجل، فأبى الورثة أن يجيزوا فإنهم بالخيار بين أن يجيزوا (أو يخلعوا) جميع الثلث. وهذا كما ذكره لأن للورثة أن يقولوا: لا نأمن أن تتلف الديون والعروض قبل القبض والقسمة، فليس له تخصيص الموصى له بالعين لما في ذلك من الإضرار بنا، ولو كانت التركة كلها صنفًا واحدًا عبيدًا كلها أو دنانير أو عروض كلها، فأوصى منها بشيء بعينه هو الثلث فأقل جاز وليس للورثة أن يقولوا له: لك الثلث شائعًا.
[ ٢ / ١٤٣٢ ]