قال القاضي -﵀-: "القصاص واجب في القتل وما دونه من الجراح": الأصل في وجوب القصاص في النفس والجرامات الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿أيها الذين أمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية وقوله: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطنا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقوله سبحانه: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] وثبت في الصحيح أن النبي -ﷺ- قال: (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إن شاء قتله، وإن شاء عفا وأخذ الدية) وقال -ﷺ- لأنس بن النضر: (يا أنس كتاب الله القصاص) وانعقد الإجماع على مشروعيته لظهور المصلحة فيه، وحفظ
[ ٢ / ١٢٠٥ ]
القاعة به وهي الحياة التي أشار إليها القرآن وقصدتها العرب في أمثالها بقولهم: القتل أنفى للقتل، والقائل الذي يجب القصاص منه وهو العاقل البالغ المختار للقتل المباشر له، والقائل الذي يجب القصاص منه وهو العاقل البالغ المختار للقتل المباشر له، وسنفسر هذه الضوابط بعد. واشترط القاضي ﵀ في وجوب (القصاص) ثلاثة شروط: أحدهما: أن يكون دم المقتول غير ناقص عن دم القاتل، ويدخل تحت هذا التقييد نوعان: المساواة والأرجح احترازًا من محل الشبهة الواجب فيه تغليظ الدية والثلث أن يكون القتل طارئًا على من حياته معلومة احترازًا من الجنين إذا سقط بضرب أمه فلا قصاص فيه، لأن حياته غير معلومة كما نص عليه القاضي في آخر الفصل، وانظر فيما إذا ضرب رجل رجلًا فأنفذ مقاتله ثم جاء آخر فأجهز عليه، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فقال مالك: يقتل به، الثاني دون الأول، لأن فعل الإزهاق مرتب على فعل الثاني، وقيل: يقتلان جميعًا حكاه أبو الوليد بن رشد رواية عن المذهب، وحكي رواية ثالثة عن المذهب أنه يقتل به الأول ويؤدب به الثاني بناء على أن من أنفذت مقاتله في حكم الميت، (وكذلك) لا يرث، ولا يورث رواه أبو زيد عن ابن القاسم.
قوله: "وتكافؤ الدماء يعتبر بأمرين" قلت: هما الحرية والدين، وفسر (الحرمة) بالحرية والرق وهو كما ذكره، وضابط التكافؤ الذي بني عليه راجع إلى تساويهما، أ، رجحان دم المقتول على دم القاتل وأعطى كلامه حصول هذا المعنى وهو (صورة) اشتراط مكافأة دم القاتل لدم المقتول
[ ٢ / ١٢٠٦ ]
ونقصان دم القاتل عن دم المقتول عدم الزيادة، فعدم زيادة دو القاتل عن دم المقتول مستلزم للمكافأة، أو النقصان (ففي كلامه) تكرار من حيث إن أول الكلام قد استقل بإفادة مقصده، قال: وتفصيل هذه الجملة أن الحر لا يقتل بالعبد المحض، ولا بمن فيه بقية رق مطلقًا، وهذا (مذهب مالك) الذي لا اختلاف عنه فيه، وبه قال الشافعي، والليث، وأحمد، وأبو ثور اعتمادًا على دليل (خطاب) قوله سبحانه: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ [البقرة: ١٧٨] وقال داود: يقتل الحر بالعبد مطلقًا سواء كان عبد نفسه أو عبد غيره اعتمادًا على (عموم) قوله سبحانه: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ وعلى قوله -ﷺ-: (المسلمون تتكافأ دماؤهم) الحديث، وفرق أبو حنيفة فقال يقتل بعبد غيره، ولا يقتل بعبد نفسه، ولا حجة له في النظر.
(وأجمعوا كلهم) على أن العبد يقتل بالحر، وكذلك الأنقص بالأعلى، والمدبر والمكاتب، والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل، وأم الولد كالعبد المحض سواء، بدليل نقصان طلاقهم وحدودهم، ومنع شهادتهم إجراء لهم مجرى العبيد.
[ ٢ / ١٢٠٧ ]
قوله: "ولا يقتل مسلم بكافر قصاصًا": وهذا صريح مذهب مالك ﵀ اعتمادًا على قوله ﵇: (لا يقتل مسلم بكافر) واحترز بقوله: (قصاصًا) من أن يقتله غيلة مراعاة على ماله فهل يقتل به أم لا؟ فيه قولان عندنا المشهور أنه يقتل به اعتمادًا على حديث عبد الرحمن بن البيلماني أن رسول الله ﷺ: (قتل رجلًا من أهل القبلة برجل من أهل الذمة قتلة غيلة) ثم نص على أن الرق كله حكم واحد فيقاد لبعضهم من بعض كالمدبر بالمكاتب، والمعتق (بعضه بالعتق) إلى أجل، وكذلك سائر أنواع الكفر لتساوي الجميع في نقض الرق والكفر.
فرع: يقتصر الأعلى من الأدنى مثل أن يقتل العبد الحر، أو الكافر المسلم، فإن جرح الكافر المسلم، أو العبد الحر جرحًا يقع فيه القصاص، فهل يقاد به أو يرجع فيه إلى الدية قولان حكاهما القاضي، ومشهور المذهب
[ ٢ / ١٢٠٨ ]
التفريق بين النفس والأطراف، فيقع القصاص في النفس دون الأطراف، وانظر الفرق بينهما، ومقتضى الدليل أنهما سواء.
قوله: «وإذا صادف القتل تكافؤ الدماءين القاتل والمقتول لم يسقط القصاص بزواله من بعد»: الضمير في قوله: «بزواله» عائد على التكافؤ، لأن دم النصراني مكاف لدم النصراني، فإذا أسلم القاتل زال التكافؤ إلا أن القصاص ثبت قبل زواله، فترتب عليه حكمه، وكذلك إذا أعتق العبد.
قوله: «إلا أن يراعى في قتل الأب بابنه أن (يقول) عمدًا محضًا لا شبهة فيه ولا احتمال كإضجاعه وذبحه» قلت: اختلف العلماء هل يقتل الأب بالابن فذهبت طائفة إلى أنه لا يقتل به مطلقًا على أي وجه من وجوه العمد قتله، وهو قوله قول جمهور أهل العلم، وبه قال أشهب، وقال مالك: يقتل به إذا أضجعه وذبحه. واعتمد الجمهور على حديث ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا تقام الحدود بالمسجد، ولا يقاد بالولد الوالد) ورأى مالك ﵀ أن العمد ﴿إنما﴾ يتحقق في مسألة (الإضجاع) ونحوه، وما عداه لا يكون عمدًا لما للأب شرعًا من السلطنة على تأديب ولده، ولما عنده من المحبة الطبيعية المانعة من تعمد القتل غالبًا إلا في قتل تلك الصورة فلما تحقق عنده العمد فيها وقع القصاص كعموم القصاص بين المسلمين، وروى يحيى بن سعيد أن رجلًا من بني مدلج يقال له قتادة حذف ابنًا له بالسيف،
[ ٢ / ١٢٠٩ ]
فأصاب ساقه فانبرى جرحه فمات فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فأخبره، فقال له: اعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم عليه عمر أخذ تلك الإبل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، ثم قال: أين أخو المقتول، فقال: ها أنا ذا، فقال: خذها، فإن رسول الله -ﷺ- قال: (ليس لقاتل شيء).
فرع: لا اختلاف عندنا أن الأم والأب في ذلك سواء، واختلف المذهب في الجد هل هو كالأب في هذا المعنى أم لا؟ قولان، قال الشيخ أبو الحسن: ويتنزل منزلة الأب أبوه، ومنزلة الأم أمها عند ابن القاسم، ووقف في الجد أبي الأم، الجدة أم الأب، وقال عبد الملك: تغلط في الأجداد والجدات، وقال سحنون: اتفقوا على أنها تغلط في الجد والجدة للأم واختلفوا في الجد للأم، والصحيح أنهم آباء وأمهات لغة وشرعًا.
قوله: "وأما الأعداد فإن الجماعة تقتل بالواحد" وهذا صريح مذهب مالك ﵀ ولا خلاف فيه عندنا نظرًا إلى المصلحة، وتغليبًا لحكمة مشروعية القتل المشار إلى ذلك بقوله سبحانه: ﴿ولكم في القصاص حيوة﴾ وأجمع جمهور الصحابة عليه، وذكر محمد بن المواز أن عمر بن الخطاب قتل سبعة بواحد كان أحدهم عينًا، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به، وقتل علي بن أبي طالب ثلاثة بواحد، وقال ابن عباس تقتل المائة بالواحد.
[ ٢ / ١٢١٠ ]
قوله: "إلا أن يكون القتل ثبت بقسامة": بناء على المشهور أنه لا يقتل بالقسامة إلا واحد، وسنذكره بعد، وحكي ابن المنذر وغيره الإجماع على أن الذكر يقتل بالأنثى، ومراده إجماع الجمهور، وإلا فقد صح عن علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن البصري وغيرهما أنه لا يقتل الذكر بالأنثى اعتمادًا على دليل الخطاب من قوله سبحانه: ﴿والأنثى بالأنثى﴾.
قوله: "والمريض الذي لم يبلغ السياق": وانظر هذا التقييد، ومن قتل مريضًا قتل به فأي معنى للتقييد وقد ذكرنا مسألة من أجهزة على من أنفذت مقاتله.
قال القاضي ﵀: "وأما قتل العمد المراعى في وجوب القصاص فهو خالف الخطأ" قلت: القتل نوعان: عمد، وخطأ، وقد اختلف أهل العلم في نوع ثالث، وهو شبه العمد، وفيه روايتان عن مالك أحدهما إثباته وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والثاني نفيه، قال في المدونة: شبه العمد باطل لا أعرفه وإنما هو عمد، أو خطأ، وجمع القاضي ﵁ في قيدين: أحدهما أن يقصد القتل، والثاني أن تكون الآلة ممن يقتل غالبًا، والمثقل، هو (كل) ما ليس له حد وهو كالمحدد في وجوب القود عندنا، وقال أبو حنيفة، لا يقاد من المثقل، وعمدتنا حديث اليهودي الذي رضخ رأس الجارية، فأمر رسول الله -ﷺ- برضخ رأسه.
[ ٢ / ١٢١١ ]
وألحق القاضي ﵀ الممسك للقتل بالقتل، وقد صح أن فعل المسبب كفعل المباشر وإذا صح أن عمر بن الخطاب قتل ستة وعينًا، كان الممسك أولى بالقتل من العين، وعجبًا من الشافعي، وأبي حنيفة حيث قالا لا قتل على الممسك.
قوله: "فأما إن حصل أحدهما (مع عدم) الآخر مثل أن يقصد الضرب دون القتل" إلى آخره قلت: العمد ما قصد فيه الضرب والقتل معًا، والخطأ ما لم يقصد به واحد منهما، فإن قصد الضرب دون القتل فهو المتوسط بينهما، فإن كان على وجه الغضب والثائرة وجب به القود، وإن كان على وجه اللعب، أو الأدب ففيه قولان: أحدهما: إيجاب القود به، والثاني تغليظًا ثم تكلم على حكم الإكراه على القتل وتحصيل القول فيه أن المكره إن كان كالآلة بحيث لا يبقى له كسب ولا اختيار البتة، فلا شيء عليه، وإن كان معه ضرب من الاختيار فهل يقتل الآمر، أو المباشر اختلف الفقهاء فيه، ومشهور المذهب ما ذكره القاضي أن الآمر إن كان ذا سلطان قتلا جميعًا، وإن لم يكن ذا سلطان قتل المباشر دون الآمر، ويعاقب الآمر نحو المحرم يأمر محرمًا أن يقتل صيدًا، فالجزاء على القاتل دون الآمر، قال ابن القاسم: ومن أمسك رجلًا لآخر فقتله، فإن أمسكه وهو يرى أنه يقتله قتلًا به جميعًا، قال غيره كمحرم أمسك صيدًا لمحرم فقتله فعليهما الجزاء، قال ابن القاسم، وإن ظن أنه يضربه كضرب الناس قتل القاتل، وبولغ في عقوبة
[ ٢ / ١٢١٢ ]
الممسك وسجن ولم يقتل. والقول الثاني: أنهما يقتلان جميعًا أحدهما بالمباشرة، والآخر بالسببية، وهو الأشد في النظر اعتمادًا على حديث عمر بن الخطاب في السنة وهذا إجراء، قال ابن القاسم: إذا أمر السيد عبده أو الظالم (يأمر) بعض أعوانه بقتل رجل ظلمًا، فإنه يقتل الآمر (والمأمور) قال ابن القاسم: وأما الأب يأمر ابنه أو المعلم يأمر بعض صبيانه، فإن كان المأمور منهم (غير) محتلم، فالقتل على الآمر، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية، وإن كثر الصبيان فالدية على عواقلهم، ومن قال لرجل اقطع يدي أو افقأ عيني، أو عين عبدي، فعلى المأمور العقوبة، ولا غرم عليه في الحر ولا في العبد.
ثم تكلم على ما إذا اشترك في القتل مكلف، وغير مكلف، ومذهب مالك أنه يقتل المكلف، ويكون على غير المكلف نصف الدية على العاقلة، لأن عمد الصبي كالخطأ، وهذا إذا تعمد الصبي والمكلف قتله، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا قود على المكلف، ويرجع إلى الدية لإمكان (أن يكون) إزهاق الروح عن غير المكلف، فيبطل القود بالشبهة، واعتمد مالك على الاحتياط للدماء والتغليط في صيانتها، فجعل الاشتراك لا يغير الحكم الثابت في حال الانفراد كاشتراكه المكلفين في العمد.
فرع: قال ابن القاسم، ولو كانت رمية الصبي خطأ، ورمية المكلف عمدًا فمات منهما جميعًا، فأحب إلى أن تكون الدية عليهما لا أدري من أيهما مات، قال أشهب عن مالك عمد الصبي وخطؤه سيان،
[ ٢ / ١٢١٣ ]
قال غيره: عمد الصبيان والمجانين خطأ على عواقلهم، ولا خلاف عندنا أن السكران كالصاحبي في حكم القتل بنا على لزوم أفاله، ثم تكلم على الشرط الثالث وهو العلم بحياة المقتول، وقد قدمناه.
قال القاضي ﵀: "فأما ما دون النفس فضربان قطع وجرح" إلى آخره.
شرح: ذكر في هذا الفصل الجراحات العشر، وأوصلها بعضهم إلى أحد عشر، وبعضهم إلى ثلاث عشرة، زاد فيها الدامعة واللامة، وقد فسرها القاضي بأسمائها، وأشار إلى اشتقاقها، ومن أهل العلم من قال السمحاق هي البضاعة، وتفريق القاضي أصح إن شاء الله، وتكلم بعد على أحكامها، واشترط في وجوب القود بكل ذلك أربعة شروط، وأشار بقوله: "بكل ذلك" إلى الضربين اللذين ذكر في أول الفصل حيث قال: "وأما من دون النفس فضربان قطع وجرح والجراح ضربان ضرب فيه القصاص، وضرب لا قصاص فيه".
الشرط الأول: تكافؤ الدماء، فإن حصل التكافؤ من الطرفين وجب القصاص في محله، فإن لم يحصل فله حالتان إحداهما أن يكون دم الجارح أرجح من دم المجروح، كالحر يقطع يد العبد: أو المسلم يقطع يد الكافر فلا خلاف في انتقاء القصاص في هذه الصورة كانتفائه في النفس، وعليه في العبد ما نقص من قيمته، والحالة الثانية أن يكون دم الجارح أنقص من دم المجروح، كالعبد يقطع يد الحر، والكافر يقطع يد المسلم، فحكي القاضي وغيره في هذه الصورة روايتان: إحداهما: نفى القصاص، لأن المراعي: التكافؤ من الطرفين، ولم يحصل لأن عضو العبد أو الكافر ليس بمكافئ لعضو الحر المسلم، فكان كيد الأشل بيد الصحيح، والثاني: وجوب القصاص اعتبارًا بالنفس
[ ٢ / ١٢١٤ ]
(وههنا) تنبيه لفظي (ومعنوي) يتعلق بكلام القاضي، قد قدمنا عليه (الكلام)، حيث اشترط التكافؤ قبل، وتحصيله أن القاضي اشترط التكافؤ، وذكر قسمين أثبت بمقتضى لفظه التكافؤ فيهما، ونفاه بقوله: "أن يكون دم الجارح مكافئًا لدم المجروح" يفهم منه أن التكافؤ التساوي من الطرفين، لأن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين، وهو أيضًا مقتضى لفظ المتضايفين، فقوله بعد: "ودم المجروح غير مكافئ لدم الجارح" نفى المكافئات التي أثبتها بظاهر لفظه لا بحقيقة قصده.
وتضمن هذا القسم الثاني أن دم الفاعل أعلى من دم المفعول به، وإذا عدلنا إلى لفظ المفاعل لأنه أعم من لفظ الجارح هنا. وصور في هذا القسم المثاليين المذكورين، الكافر يقطع يد المسلم، والعبد يقطع يد الحر.
ثم قال بعد: "فقي في هذين القسمتين" فأشار بقوله: "في هذين" لما صور في المثال في القسم الثالث فقط، كان الخلاف في محله، وكذلك في المعونة، وكذلك نقله غيره من أشياخ المذهب، ونفي القسم الثالث على هذا التأويل عاريًا عن الحكم، إذ لم يذكر فيه إلا محض التمثيل، وفي هذا تسامح، وإن أشار بقوله "هذين" إلى الصور الأربع التي هي اثنان في الحقيقة المذكورتان في القسمين الثاني والثالث، كان في الكلام نظر، إذ لا خلاف عندنا في القسم الثاني أن الأطراف تابعة للنفس، وكما أنه لا يقتل المسلم بالكافر، فكذلك لا تقطع يد المسلم إذا قطع يد الكافر، ولا يد الحر إذا قطع يد العبد، فكلام القاضي في هذا الموضع فيه تأمل جرت عادتنا بالتنبيه عليه عند المذكرات، وقد بسطه في المعونة وقال (ما نصه): "وإذا جرح الكافر مسلمًا، أو قطع طرفه لم يقتص منه، وكانت له عليه الدية وقيل: يجتهد السلطان في ذلك، ويحتمل على هذه الرواية القود، وإذا جرح العبد حرًا، أو
[ ٢ / ١٢١٥ ]
قطع يده لم يستقد منه ويحتمل على ما قدمناه أن يقاد منه.
تكميل: تحصيل القول في التكافؤ إن قتل المكافئ المكافئ فلا إشكال، وكذلك الحكم في الأطراف فإن قتل الكافر المسلم، أو العبد الحر أو قطع طرف من أطرافه لم يقع القصاص عندنا بينهما في النفس ولا في الأطراف اتفاقًا، فإن قتل الكافر المسلم، أو العبد الحر وقع القصاص بينهما في النفس، فيقتل به إجماعًا وهل يقع القصاص بينهما في الأطراف مثل أن يقطع له يد أو رجل أو يفقأ له عينًا فيه قولان كما حكاه القاضي وغيره، ومشهور المذهب في هذه الصورة الفرق بين النفس والأطراف (ليقع القود في النفس) فيرجع في الأطراف إلى الدية، وقد قدمنا أن مقتضى الفقه إلحاق الأطراف بالنفس.
قوله: "والثاني أن يكون (الجرح) لا يعظم الخطر فيه ولا يغلب الخوف منه": وهذا أيضًا من شروط الحكم بصحة القصاص أعني تأتي المماثلة، والأصل في ذلك قوله سبحانه: ﴿والجروح قصاص﴾.
قوله: "كالموضحة فما قبلها" يعني: أن القصاص يتصور في الدامية والخارصة والسمحاق والباضعة والمتلاحمة، والملطاة، والموضحة، لتأتي المماثلة، في ذلك غالبًا.
قوله: "فإن كان مما يغلب خوفه، ويعظم خطره فلا قصاص (فيه)، وفيه الدية حالة في مال الجاني كالمأمومة والجائفة والمنقلة على خلاف فيها خاصة" قلت: تفصيل هذه الجملة أن المأمومة والجائفة لا أعلم خلافًا في
[ ٢ / ١٢١٦ ]
المذهب أن لا قود فيهما قوله -ﷺ-: (ليس في المأمومة ولا في المنقلة قود) وهذا نص في الباب مبناه على ما ذكرناه من تعذر المماثلة (واختلفت الرواية عن مالك في المنقلة والهاشمة عمدًا، وهل يقاد منهما أم لا على قولين مبناهما على المماثلة) هل هي محققة فيهما، وروى مالك عن ربيعة أن ابن الزبير أقاد من المنقلة، وكذلك لا قود في كسر الفخذ لما ذكرناه، واختلفت الرواية عن مالك في كسر غير الفخذ هل يقاد منه أم لا؟ قولان مبنيان على ما ذكرناه. وههنا فروع:
الأول: الموضحة التي توضح العظم، وتكون في الوجه والرأس، وهل تكون في سائر الجسد أم لا فيه اختلاف، والمعتمد عليه أنها مخصوصة بالوجه والرأس، قال ابن وهب عن مالك الموضحة في الرأس والوجه من اللحي الأعلى فما فوقه، وليس في الأنف موضحة، ولا في اللحي الأسفل، وفيها الاجتهاد، قال ابن القاسم: في الخد الموضحة، وإن كانت في سائر الجسد ففيها حكومة قال غيره معنى الموضحة من جهة اللغة: أما أوضح العظم، وهذا المعنى محقق في كل عضو من أعضاء الجسد، ولا خلاف أن فيها القصاص إن كانت عمدًا، وإن كانت خطأ ففيها نصف عشر الدية لقوله -صلى اله عليه وسلم-: (وفي الموضحة خمس من الإبل).
[ ٢ / ١٢١٧ ]
الفرع الثاني: إذا برئت عن شين، قال مالك: يزاد فيها بقدره، لأنه نقص أحدثته جناية الجاني، وقال أشهب: لا يزاد لها شيء لقوله -صلى اله عليه وسلم-: (وفي الموضحة خمس من الإبل).
الفرع الثالث: اختلف المذهب في عقل ما لا قود فيه من الجراح كالمأمومة والجائفة على ثلاث روايات: أحدها أنها على العاقلة، لأن المستحق بها المال فهي كالخطأ، والثانية أنها في مال الجاني، لأن العاقلة إنما حملت الدية للعجز عنها بخلاف الأرواش، والرواية الثالثة أنه يبدأ بمال الجاني، فإن كان فيه وفاه، وإلا كان الباقي على العاقلة.
الفرع الرابع: دية الخطأ مؤجلة على العاقلة في ثلاث سنين، واختلفت الرواية في بعض الدية هل تنجم أو لا؟ فقيل عن مالك لا ينجم إلا الدية الكاملة، وروى عنه التنجيم، واختلف عنه في صفة التنجيم في البعض فقيل هو لاجتهاد الإمام، وقيل: النصف والثلثان في السنتين، والثلث في السنة.
الفرع الخامس: اختلفت الرواية في دية العمد إذا وقع العفو على الدية، أو على القول بتخيير أولياء الدم هل تكون حالة في مال الجاني أو مؤجلة، فالمشهور أنها حالة في مال الجاني إلا أن يشترط الأجل. وفي كتاب محمد إنها منجمة في ثلاثة سنين كالخطأ.
الفرع السادس: الدية المغلظة على الجاني على مشهور المذهب، والقول الثاني: أنها على العاقلة قال عبد الملك: هي حالة، وقال ابن
[ ٢ / ١٢١٨ ]
القاسم: على العاقلة مؤجلة، ثم رجع فقال على الجاني حالة في ملئه وعدمه وهو الصحيح.
الفرع السابع: إذا كانت عمدًا، وقصاص كالمسلم يقتل الكافر فهل هي حالة أو مؤجلة فيه قولان في المذهب.
قال القاضي -﵀-: "والثالث أن يكون مما (تتأتى) فيه المماثلة": إلى قوله: "ولا يقاد من قطع أو جرح إلا بعد اندماله".
شرح: اشتراط المماثلة ثابت لأنه معنى القصاص لغة وشرعًا، إذ مقتضاه أن يحدث عليه مثل ما جنى فإن تعذرت المماثلة تعذر القصاص.
قوله: "وذلك يكون بثلاثة (شروط) ": الإشارة بقوله: "وذلك" إلى التعذر الذي هو مصدر دل عليه الفعل.
الوجه الأول: إن تعذر المماثلة لمعنى يعود إلى الفعل لعدم إمكان التساوي فيه كالشلل وما يضطرب من الكسر، وذهاب (بعض) السمع، وقطع ما يمنع (بعض) الكلام من اللسان، فلا قصاص في هذا لما ذكرناه من عدم إمكان التساوي. قال أشهب عن مالك فيمن عض إنسانًا في لسانه فقطع منه ما (يمنعه به) الكلام شهرين، ثم تكلم ونقض كلامه قال: أحب إلى أن لا قود فيه، لأني أخاف أن يذهب من كلامه أكثر من ذلك، أو أن يذهب جميع الكلام، وقال في المجموعة القصاص في كل جرح، إلا فيما أجمع العلماء على أنه لا قصاص فيه كالمأمومة والجائفة، وكسر الفخذ، وكسر الصلب، قال ابن المواز: ولا قصاص في عظم العنق والفخذ والصلب وشبه ذلك من المتألف، وفي المجموع عن مالك إن أمكن القود في اللسان ففيه القود إذا كان يستطاع ولا يخاف عليه، قال أشهب: أجمع العلماء على
[ ٢ / ١٢١٩ ]
أن لا قود في المخوف قال: واللسان عندي مخوف، فلا قود فيه، وفي المجموعة والموازية عن مالك من ضرب رجلًا فأشل يده ففيه القود يضربه كما ضربه، فإن شلت يده، وإلا فعقلها في مال الضارب، قال أشهب: ولا قصاص في عظام الصدر لأنه متلف، ورواه ابن المواز، ولابن القاسم قول آخر أنه يسأل عنه أهل المعرفة، ولا قود في رض الأنثيين ولو قطعهما أو أخرجهما عمدًا فعليه القصاص، قال ابن القاسم: لا أدري المعنى في قوله مالك: في رض الأنثيين إلا أني أخاف أن يكون رضهما متلفًا، وكذلك ما علم أنه متلف وقول القاضي: "وما يضطرب من الكسر" يقتضي تنويع الكسر إلى نوعين يتصور القصاص في أحدهما دون الآخر، وهو المضطرب، وقد صح أن عمر بن عبد العزيز أقاد من كسر العظام ما ليس بمتلف، وقال به ابن شهاب وربيعة وغيرهما. قال مالك: في الموازية والمجموعة الأمر المجمع عليه في كسر اليد والرجل القصاص، قال أشهب: وما علمت من منع منه إلا أهل العراق قالوا إذا لا يستوي الكسران، قال أشهب عن مالك في (قصبتي) اليد القصاص إن أستطيع ذلك. قال القاضي أبو محمد في المعونة لا قود في كسر الفخذ وفي غير الفخذ، روايتان مبنيتان على إمكان المماثلة.
فرع: مما لا يقاد منه أيضًا لعدم المماثلة اللطمة والضربة بسوط أو عصا، ونتف اللحة (والشارب)، وأشفار العينين وشعر الرأس، وفي المجموعة من نتف لحية رجل، أو شاربه، أو رأسه فعليه العقوبة والسجن، ولا قود فيه، قال ابن القاسم: فيه الأدب، وقال أشهب: فيه القصاص وكذلك قال في أشفار العينين، وإذا قلنا فيه القصاص (فقال أصبغ: فيه
[ ٢ / ١٢٢٠ ]
القصاص) بالوزن وعاب ذلك غيره.
فرع: إذا وجب القصاص في الجراح وغيرهما فمن الذي يباشره بيده أما في الجراح فلا خلاف أنه ليس للجروح أن يباشره بنفسه ويدعى لذلك من له بصر بالقصاص (وقال مالك) وليس كل أحد يحسن القصاص وأجرته على الذي يقتص منه، وهل لولي المقتول أن يتولى القتل بيده أم لا؟ قولان: المشهور أن له ذلك، وينهى عن التشويه والمثلة، قال أشهب: ليس له ذلك مخافة أن يتعدى ويقطع أعضاءه ويمثل به.
قوله: "والثاني يعود إلى فقد المحل كالأعمى يقلع عين البصير": قال الشارح -﵁- ولا خلاف في تعذر القود في هذه الصورة، ويرجع إلى الدية اضطرارًا، وكذلك يتعذر في القسم الثالث إذا عفا بعض الأولياء لتعذر تمييز حقه كما ذكره.
قوله: "والرابع أن لا يتعقبه قتل المجروح أو غيره" هذا راجع إلى الشروط في وجوب القود وسقط فيه حكم القصاص الأدنى لدخوله تحت القصاص الأعلى كالطهارتين إلا أن يقصد بالجرح التمثيل والتشويه فتجتمع عليه العقوبتان، فيجرح ثم يقتل، ولا خلاف عندنا في هذه الصورة، وسواء قتل المجروح أو غيره، لأن القتل لا يتبعض، وهذا صريح مذهب مالك الذي لا اختلاف فيه فيما أعلم إلا ما وقع في (المدونة) عن مالك أن يجرح ثم يقتل، وهذا الرواية في غير الممثل العابث.
وقال الشافعي وأبو حنيفة يتعدد الواجب بتعدد الموجب، فيجرح ثم يقتل تنكيلًا وعقوبة وتوفيه للقصاص مقتضاه، ثم حكى اختلاف المذهب في
[ ٢ / ١٢٢١ ]
لواجب بقتل العمد هل هو القصاص فقط، وهو اختيار أشهب وابن وهب، وبه قال ابن المسيب (ويحيى بن سعيد) وربيعة وغيرهم من السلف، ومقتضى الأحاديث الصحيحة تخيير الولي، قال محمد بن المواز لم يختلف قول مالك أن الجراح بخلاف القتل، فإذا أراد المجروح العفو على أخذ الأرش، لم يجبر الجارح عليه، والفرق بينهما أن الجارح بامتناعه من الأرش يريد استبقاء المال لنفسه، والقائل يريد استبقاء المال لغيره فهو مضار بامتناعه من الدية قال أشهب: وعليه (يدل) مقتضى قوله سبحانه: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩].
قوله: "ويجب القصاص في الحل والحرم، وقع القتل فيه أو في غيره ولجأ إليه": وهذا مذهب مالك والشافعي خلافًا لأبي حنيفة القائل بأن الحرم محرم، ولا يقتل من لجأ إليه، ولكن يضيق عليه فلا يطمع عنده، ولا يسقى حتى يضطر إلى الخروج منه، وبه قال عمر بن الخطاب، وقال -﵁-: (لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما تعرضت إليه) لقوله -﵇-: (إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس). وهو مقتضى قوله سبحانه: ﴿ومن دخله كان أمنا﴾ [آل عمران: ٩٧]، والصحيح الاعتماد على قوله -ﷺ-: (في الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بجزية أو بخربة) على كلتا الروايتين الصحيحتين الواقعتين في الصحيح للبخاري كما قيدناه عن أشياخنا ﵏.
[ ٢ / ١٢٢٢ ]
قال القاضي -﵀-: "ولا يقاد من قطع أو جرح إلا بعد اندماله" إلى آخر الفصل.
(شرح: ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يقاد من الجرح إلا بعد اندماله). وقال الشافعي: يقاد منه في الحال، والمعتمد لنا ما خرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن جابر بن عبد الله أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته، فأتى النبي -ﷺ- يستقيد فقال له حتى يبرأ فعجل فاستقاد فعنتت رجله وبرئت رجل المستقاد منه، فأتى النبي -ﷺ- فقال له: ليس لك شيء إنك أبيت. وذكر أسد بن موسى في حديث جابر قال: قال رسول الله -صلى اله عليه وسلم-: (يستأنى بالجراحات سنة) وذكر الدارقطني من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (نهى رسول الله -ﷺ- أن يقتص من الجرح حتى يبرأ). والعلة في ذلك أنه قد يؤول إلى النفس، قال محمد بن المواز: وروى ذلك عن أبي بكر -﵁-، وفي كتاب ابن المواز أنه ينتظر البرء والاندمال من غير توقيت سنة ولا غيرها وهو ظاهر كلام القاضي. وروى ابن وهب وابن القاسم في السن تصفر، والعين تدمع، والشجة والكسر، والظفر يؤخر ذلك كله سنة قياسًا على المعترض، قال أشهب: إن مضت السنة والجرح بحالة عقل مكانه. قال المغيرة: لم أسمع في ذلك توقيتًا، وفرق ابن المواز بين العين وغيرها فاعتبر في العين تمام السنة، وفي غيرها البرء من غير توقيت وإنما قلنا
[ ٢ / ١٢٢٣ ]
بوجوب الانتظار إلى الاندمال فترى ما جرح العدوان فلا يخلو أن يبلغ النفس أو ما دونها، وإن بلغ ما دون النفس، وكان عمدًا اقتص من عينه دون سرايته، وإن بلغ النفس وجب القصاص في النفس، ويسقط حكم الجرح كما قدمناه لدخول القصاص (الأدنى تحت الأعلى إلا أن السراية إن كانت في الحال وجب القصاص في النفس بغير قسامة، وإن كانت بعد أيام وجب القصاص بعد القسامة) فيحلف الأولياء أن من جرحه مات، ويقتلونه. هذا حكم السراية في جرح العدوان وأما سراية القصاص، فهل هي مضمونة أم لا؟ اختلف الفقهاء فيها فعندنا، وعند الشافعي أنها غير مضمونة إلا أن يتعمد المقتص العدوان، فتكون سرايته مضمونة، فإن كان المجروح، أو وليه، ففي ماله. وإن كان أجيرًا أمينًا من أهل البصر كانت من باب غلط الطبيب والخاتن، وقال أبو حنيفة سراية القصاص مضمونة والدليل لنا أنه قصاص استحق عليه لسبب كان منه فلم يضمن أصله القطع في السرقة. وههنا فروع:
الأول: إذا أخطأ متولي القصاص فزاد، أو نقص غير قاصد للعدوان هل يلزمه حكم الزيادة أم لا اختلف المذهب فيه بناء على الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ والمعتمد عليه في المذهب ما رواه أبو زيد عن ابن القاسم أنه إذا بلغ ذلك ثلث الدية فعلى العاقلة، وإن قصر ففي ماله فإن نقص لم يكرر القصاص، وفي الموازية والعتبية من رواية أصبغ عن ابن القاسم إن علم النقص قبل أن ينبت اللحم، ويندمل الجرح، أتم ذلك، وإن طال الأمر فلا شيء عليه فيه لا اتهام ولا دية، وقال غيره: إن كان يسيرًا فلا يقاد، ولو كان بحضرة ذلك، وإن كان كثيرًا اقتص له منه تمام حقه قبل البرء، فإن طال فله ما بينهما من الدية، قال مالك: إن برئ المستقاد منه ومثل بمجروح أو برئت
[ ٢ / ١٢٢٤ ]
جراحه على عيب أو نقص أو عقل، فإن المستفاد منه لا يكسر ثانية، وبعقل له بقدر ما نقص قال وأنه أمر مختلف فيه، وهذا أحب ما فيه إلي.
فرع: لو شجه موضحة عمدًا فأذهب العقل أو السمع فدية العقل أو السمع في مال الجاني قاله ابن القاسم وأشهب: وفي الموازية عن أشهب دية العقل ففيها ديتان دية الخطأ في ماله ودية السراية على العاقلة.
قوله: "والمماثلة في القصاص معتبرة في ثلاثة أشياء أحدها في صفة الفعل": وهذا والذي بعده متفق على اعتباره، ومعنى الأول أن الجناية إن كانت جرحًا كان القصاص كذلك، وإن كانت قطعًا فكذلك اعتبار بالمحل مثل أن يفقأ عينه اليمنى، وليس للجاني العين اليمنى، فللمجني عليه دية عينه، لتعذر القصاص لتعذر محله قاله مالك فتعلقت الجناية (البدنية) بالمال لتعذر تعلقها بالبدن، ومن (هذه الأسولة) الأعور يفقأ عين الصحيح عمدًا فالصحيح (أن المجني عليه) بالخيار بين القود أو الدية، إذا كانت الباقية مثل المفقوءة في كونها يمنى أو يسرى، قال ابن المواز، اختلف الناس في ذلك، فقال ابن القاسم وعبد الملك وأكثر أصحابنا ما ذكرنا من تخيير المجني عليه بين القصاص ونصف الدية، وقضى به عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ويحيى بن سعيد وغيرهم، وإليه رجع مالك وروى ابن القاسم وعيسى بن دينار عن مالك ليس المجني عليه إلا القصاص، وروى ابن حبيب أن مالكًا رجع إلى هذا، فإن كانت عينه الباقية يمنى وفقأ يسرى عين الصحيح، فقال ابن المواز رجع أصحابنا على أن لا قصاص، وغنم له نصف الدية.
قوله: "والثالث فيما يستوفي به القصاص": وهو الآلة وهذه المسألة مشهورة الخلاف، فقال (فريق) من العلماء لا قود إلا بحديدة، وهو قول
[ ٢ / ١٢٢٥ ]
أبي حنيفة، وقال مالك: المرء مقتول بما (به) قتل ولكل واحد سلف من الصحابة والتابعين، والعمدة لنا الكتاب والسنة، أما لكتاب فقوله سبحانه: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦] وأما السنة فحديث (العرنيين) الذين قتلوا راعي رسول الله -ﷺ- فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا) وحديث اليهودي الذي رضخ جارية من الأنصار على أوضاح لها، فرضخ رسول الله -ﷺ- رأسه خرجه والذي قبله البخاري. وههنا فروع:
الأول: من قتل بالنار هل يقتل بها أم لا؟ اختلف المذهب فيه، والمشهور عن مالك أنه يقتل بالنار وروى ابن المواز (أنه لا يقتل بالنار من قتل) بها لقوله -ﷺ-: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) وروى أن عليًا ﵁ أتى بزنادقة فحرقهم بالنار فسمع بذلك عبد الله بن عباس فقال: اما لو كنت لما حرقتهم بالنار لقوله -ﷺ-: (لا يعذبوا بالنار) ولقتلتهم لقول رسول الله -ﷺ-: (من بدل دينه فاقتلوه) ورفع إلى مالك أن يهوديًا سب رسول الله -ﷺ- فأملى على بعض طلبته أن يكتب: يقتل ولا يستتاب فكتب طالبه من قبل رأيه: ويحرق بالنار، ثم عرضه على مالك فاستصوبه.
[ ٢ / ١٢٢٦ ]
فصل والواجب بالقتل وما دونه من الجراح ثلاثة أشياء
ولو غرقه في الماء غرق، فإن كان ممن إذا كتف لم يغرق وثقل بشيء ينزله إلى القعر حتى يموت، واختلف إذا قتله بالسهم هل يقاد منه بالسهم، وكذلك إذا قتله (بالرمي) بالحجارة فالمشهور أنه يقتل بالسهم، وبالحجارة، وقال ابن الماجشون هو من التعذيب فلا يقتل بذلك ولكن بالسيف.
قوله: "إلا (في) موضعين" أحدهما: أن يكون معصية كاللواط، ولا خلاف بين المسلمين في امتناع المماثلة في هذه الصورة. والثاني: أن تكون الآلة معذبة كالعصا والسكين الكالة، وفي هذا القسم خلاف ففي المجموعة عن مالك من قتل بعصا قتل بها، قال ابن القاسم: يضرب بالعصا حتى يمو، قال غيره يؤمر بالاجتهاد في الضرب، ولا يقتل بالتطويل عليه والتعذيب.
قوله: " (إلى) ما هو أوحى": أي أسرع في الإزهاق، ثم ذكر القاضي أن الزمان والحال معتبران في مواضع الضرورة كالمريض والحامل وشدة البرد، والدليل عليه تأخيره -ﷺ- المرجومة إلى الوضع كما ثبت في الصحيح.
فصل
قال القاضي ﵀:"والواجب بالقتل وما دونه من الجراح ثلاثة أشياء": ذكر في هذا الفصل موجبات القتل والجراح، وحصرها في ثلاثة: القصاص، والدية، والحكومة وعفو الولي وهو معلوم الجواز فالقصاص بالعمد المحض، ومواضع الدية أربعة كما ذكره القاضي الخطأ المحض والعمد المحض إذا تعذر القود فيه بعفو الأولياء، ومثل فعل الأب بابنه
[ ٢ / ١٢٢٧ ]
إذا حذفه فقتله كما فعل قتادة المدلجي حيث حذف ابنه بالسيف فأصاب ساقه فبرئ جرحه فمات. وقد تقدم ذكره.
وهذا إذا زعم الوالد أنه أراد تأديبه، وأشبه دعواه فتلزمه الدية المغلظة. قال القاضي ﵀: "ويلحق بذلك شبه العمد عند من أثبته" قلت: وهو ما قصد به الضرب دون القتل، والرابع فما لا قود فيه من جراح العمد، فالمتالف الذي يخشى السراية من القصاص فيها، وأما ما لا قود فيه من قتل العمد فهو الكافر يقتله المسلم لعدم التكافؤ كما ذكرناه وكلام القاضي في هذا الفصل ظاهر لا إشكال فيه.
قوله: "والدية ثلاثة أنواع إبل وذهب وفضة": وهذا تنبيه على خلاف الشافعي إنه أنكر دية الذهب والورق، وجعل على أهل الذهب والورق قيمة إبل الدية، والمذهب ما ذكرناه.
قوله: "ويؤخذ كل نوع منها من أهله الذي يكون (غالب) أموالهم لا يؤخذ (سوى هذه) " ونبه بقوله: "لا يؤخذ غير ذلك" على مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن القائلين أنه يؤخذ من أهل البقر ماءتا بقرة، ومن الغنم ألف شاة، ومن أهل الحلل مائة حلة يمانية. وروي أن النبي -ﷺ- حكم بذلك. ثم ذكر أن الديات على ثلاثة أقسام: مخمسة وهي دية الخطأ ففي النفس مائة من الإبل خمس بنات مخاض، وخمس بنات لبون، وخمس بني لبون، وخمس حقاق، وخمس جداع. ودية العمد المحض أربعة ينقص عن الخطأ بنو لون. ودية شبه العمد مثلثة: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة حوامل في بطونها أولادها. ثم ذكر الخلاف هل تغلط الدية على أهل الذهب والورق أم لا؟ والصحيح أن التغليظ شرع فلا يثبت إلا حيث أثبته الشارع، وهو في قضية المدلجي في الإبل بالسن فقط. والقول الثاني: أن التغليظ في المذهب
[ ٢ / ١٢٢٨ ]
والورق، وهذا جنوح إلى مذهب الشافعي القائل إن الدية على أهل الذهب والورق هي قيمة المائة من الإبل بلغت ما بلغت. وثانيهما: أن ينظر ما بين دية الخطأ والتغليظ فيجعل جزءًا زائدًا على دية الذهب والورق.
قوله: " (تغليظ) في الجراح كالقتل إذ كان مما فيه القود" يريد إذا كان (الجرح) مما فيه القود، فاسم كان عائد على الجرح، وذلك أن الجراح كما قدمناه على قسمين: قسم فيه القصاص وهو الذي تغليظ فيه الدية، وقسم لا قصاص فيه، ولا تغليظ وصفة التغليظ أن ينظر الواجب في الجرح، فإذ كان ثلث الدية أو (غيرها) أخذ ذلك المجروح على صفة (دية) التغليظ مثلثة، فالتغليظ فيها بالسن كما كان في الدية الكاملة.
قوله: "وتحمل العاقلة دية الخطأ": وهذا كما ذكره، وإما ذلك رفقا بالجاني لما كان فعله خطأ ولا تحمل دية العمد ولا اعتراف به ولا الصلح.
(فرع: لو أقر بالقتل خطا ففيه روايتان، إحداهما: لا شيء عليه، ولا على العاقلة، والثانية: أنها عليه لا على العاقلة، إلا أن ترضى العاقلة).
فرع: لا تحمل العاقلة من دية الجراح إلا الثلث فصاعدًا، وما قصد عن الثلث فهو في مال الجاني لأنه في حيز القليل، وقال أبو حنيفة: تحمل العاقلة من الدية ما بلغ نصف العشر فصاعدًا، وقال الشافعي: تحمل
[ ٢ / ١٢٢٩ ]
العاقلة قليل الدية وكثيرها، ولأجل هذا الخلاف نبه القاضي عليه.
قوله: " والاعتبار بثلث دية المجروح وقيل غيره": هذا فرع مختلف فيه عندنا، فروى أشهب عن مالك في المجموعة والعتبية أنه ينظر إلى دية المجني عليه أو الجاني، فإذا بلغت الجناية ثلث دية أحدهما حملته العاقلة، وقال ابن القاسم، قال ابن كنانة لمالك الذي كنا نعرف من قوله أن الاعتبار في ذلك بدية المجروح، فأنكر ذلك مالك، وحكى القاضي وغيره أن مشهور المذهب اعتبار ثلث دية الجاني لا المجني عليه وهو الأظهر من مذهب ابن القاسم وقوله القاضي، وقيل: غيره إشارة إلى ما ذكرناه من الخلاف.
قوله: "والعاقلة العصبة الأقرب فالأقرب": وهذا كما ذكره، ولا حد لعددهم، ولا لعدد (ما) يؤخذ منهم، وإنما في الديوان من كل مائة درهم دهم، ونصف العطاء، والمعتبر في ذلك يوم قسمة الدية لا يوم الجناية على الملئ بقدره، وعلى المعسر بقدره، وههنا فروع:
الأول: هل يعقل أهل البدو مع أهل الحضر لأنه لا يستقيم أن يكون في دية واحدة إبل وعين وقاله ابن القاسم وقال أشهب، وابن وهب، وعبد الملك، يشتركون جميعًا في الدية، ويضم القبائل بعضها إلى بعض في الدية، ولا يعقل أهل مصر أهل الشام، ولا أهل الشام مع أهل مصر، وفي كتاب ابن سحنون عن أبيه ويضم عقل إفريقية بعضهم إلى بعض من طرابلس إلى طبنة
[ ٢ / ١٢٣٠ ]
وهي على الأحرار البالغين المياسر، قال ابن الماجشون: لا شيء على المعدم، قال ابن القاسم، ولا على المديان وقال أصبغ: يعقل السفيه مع العاقلة، وقاله ابن القاسم: في العتبية، ويعقل المولي الأعلى المولى الأسفل وهل يعقل المولى الأسفل المولى الأعلى فيه روايتان في المذهب، واختلف هل يؤدي الجاني مع العاقلة، قال في المجموعة وغيرها هو في العاقلة، قال بعض الأشياخ: وهذا استحسان وليس بقياس، وقال في غيرها لا يدخل معهم، ولا يدخل النساء والصبيان والمجانين في العقل، قاله مالك: قال الأشياخ: خمسة أصناف يعقل عنهم ولا يعقلون الصبيان والمجانين والنساء والفقراء والمديان وإذا مات بعض العصبة بعد توزيع الدية عليهم، قال سحنون: إذا قسمت صارت كدين ثابت (على الميت، فتؤدي من ماله، وقال أصبغ: الجميع على باقي العاقلة قال ابن الماجشون: إذا مات أو أفلس بعد التوزيع فهو دين ثابت) عليه، وإذا كان بعض العاقلة أهل عمود، وبعضهم أهل ورق وذهب كان الأقل تبع للأكثر.
قوله: "واختلف في جراح العمد الذي لا قود فيها": وفي مثل فعل الأب بابنه فقيل: في مال الجاني حالة، وقيل: على العاقلة حالة، وقدمنا الكلام فيه.
قوله: "ومن قتل نفسه فدمه هدر": هو مذهب مالك، وقال الأوزاعي وابن حنبل: إن جنى على نفسه خطأ فالدية على العاقلة يدفعونها إلى ورثته. والصحيح أن الجاني على نفسه لا يحمل عنه أحد. وههنا فروع:
الأول: إذا وضع سيفًا بطريق أو غيره يريد قتل رجل بعينه فعطب فيه
[ ٢ / ١٢٣١ ]
غيره فهو خطأ والدية فيه على العاقلة، لأنه لم يقصد قتل هذا الهالك، وإنما جعله لغيره قاله ابن القاسم، ولو مات به المجهول له قتل به هكذا النص عن ابن القاسم.
فرع: لو وقع رجل فجذب غيره فماتا فعلى عاقلة الجاذب الدية لأنه خطأ، ولو سقط من فوق دابة أو حائط على رجل فقتله فهو خطأ فيه الدية قاله أشهب: في الموازية والمجموعة، ولو انكسرت سن الساقط وسن المسقوط عليه، قال ابن المواز: قال أصحابنا على الساقط دية سن المسقوط عليه، ولا شيء على المسقوط عليه، وقضى بهش ريح، وقال ربيعة على كل واحد منهما ما أصاب به الآخر.
فرع: لو دفع رجل رجلًا فوقع المدفوع على آخر فقتله، فعلى الدافع العقل دون المدفوع، وفي الموازية فيمن مر بجزارٍ يقطع لحمًا فدفعه دافع فسقط فوقعت يده تحت فأس الجزار فقطع أصابعه، فعقل ذلك على الدافع، وقيل: على عاقلة الجزار، ويرجع على عاقلة الدافع.
فرع: لو سقط ابنه من يده فمات لم يلزمه شيء، ولو سقط شيء من يده على ابنه أو على ابن غيره (فمات) فهو خطأ على العاقلة.
فصل
قال القاضي -﵀-: "فصل والدية تختلف باختلاف حرمة المقتول ودينه" إلى آخر الفصل.
شرح: هذا الفصل ظاهر واختلاف الديات تابع لاختلاف الدين والحرمة، فدية المسلم الذكر كما قدمناه مائة من الإبل على أهل الإبل، وألف دينار شرعية على أهل الذهب، واثنا عشر ألف درهم على أهل الورق، ولا
[ ٢ / ١٢٣٢ ]
اختلاف في ذلك عندنا عملًا على حديث عمرو بن حزم، وقضى به عمر بن الخطاب، وهذا المقدار من الدينار اليوسفية الدينار الصغار الجارية في دولة الموحدين التي صرفها ستة عشر درهما للدينار الواحد ألف دينار ذهبًا وسبعمائة دينار وسبعة دنانير، ومن الورق بالدراهم الموحدية إحدى وعشرون ألف درهم وستمائة درهم، ونصاب القطع والنكاح أيضًا بها خمسة دراهم وخمسان، ونصاب الزكاة من ذلك أيضًا ستة وثلاثون دينارًا، ويزيد الدرهم الشرعي على هذه الدرهم الواحدي أربعة أخماس وقال أبو حنيفة قدر الدية من الورق على أهل الورق عشرة ألف درهم، والحجة قائمة عليه بما رويناه عن عمر بن الخطاب، ودية المرأة نصف دية الرجل، وتعامل الرجل في جراحها إلى ثلث ديته، فإذا عظمت مصيبتها قل إرشها برجوعها إلى دية نفسها على مقتضى السنة، ودية الكتابي عندنا كدية المرأة وإناثهم على النصف من ذكورهم وقال أبو حنيفة: دية الكتابي والمجوسي كدية المسلم، وحكم عمر بن الخطاب حجة عليه، وتأثير النقص فيه بالكفر، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، والمعتمد عليه في توقيت دية الموضحة والمنقلة والمأمونة والجائفة على السنة الصحيحة، وقضى الخلفاء بذلك، ففي الموضحة نصف عشر الدية، وفي المنقلة عشر ونصف عشر، وفي المأمونة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية وفسر الشيخ أبو بكر الأبهري والقاضي وغيرهما الحكومة
[ ٢ / ١٢٣٣ ]
فصل: وتجب بالجناية على العبد قيمته لا دية
بأن يقوم المجروح عبدًا صحيحًا، ثم يقوم معيبًا فما نقص فعلى الجارح مثله من ديته.
والألية: اللحم المجتمع في العجز. والفصل ظاهر، حظ الطالب حفظه، وتفهم كلام القاضي فيه فهو بين، وعين الأعور كعيني الصحيح ففيها الدية الكاملة عندنا، وبه قضى عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعمر بن عبد العزيز، وابن عباس وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وربيعة، وابن شهاب وهو قول جميع أصحاب مالك، وبيان القاضي نقص السمع ونقص البصر ظاهر إن شاء اله.
فصل
قال القاضي -﵀-: "فصل: وتجب بالجناية على العبد قيمته لا دية": وهذا كما ذكره، لأن العبد عندنا مال من الأموال في هذا المحمل، فالقيمة فيه كالدية في الحر وقيمة ما نقصته الجناية في الجراحات كأرش جراحات (الحر إلا في الشجاج الأربعة فيها من القيمة بحساب ما فيها من الدية، ثم ذكر حكم جناية) العبد وهو مسترق بالجناية لقوله -ﷺ-: (العبد فيما جنى) ولسيده إن اشترقه المجني عليه أن يفتديه بأرش الجناية إن أحب تغليبًا لحكم المالك.
[ ٢ / ١٢٣٤ ]
وتضمين السائق، والقائد، والراكب من باب أن فاعل السبب كفاعل المسبب وهى قاعدة معلومة شرعًا. وروى أبو هريرة أن رسول الله قال: (جرح العجماء جبار والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس).
(قال مالك) وتفسير الجبار أنه لا (شيء) فيه.
قال القاضي -﵀-: «والحكم بالقسامة واجب».
شرح: الأصل في القسامة ما رواه مالك في موطئه عن العلاء بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن حثمة أنه أخبره رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصه خرجا إلى خيبر من جهد أصحابهم الحديث بكامله، وهو ثابت فى الصحيح، وقد اختلف أهل العلم في مفهوم هذا الحديث فذهب طائفة كبيرة من أهل العلم أن النبي -ﷺ- لم يحكم في هذه القضية بشيء، وإنما لاطفهم النبي -ﷺ- وسايسهم وأراهم كيف (لا) يجرى الحكم بالقسامة على مقتضي القواعد، لن يمين المدعين على ما لم يحضروه غموس، وقبول إيمان الكفار مردود، وإلى هذا جنح أبو حنيفة ومن قال بقوله من أهل العراق، وجمهور العلماء على أن النبي -ﷺ- حكم بقوله: (إما أن
[ ٢ / ١٢٣٥ ]
يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب)، وروى أبو قلابة أن نفرا من الأنصار تحدثوا فخرج رجل منهم بين أيديهم، فإذا هم بصاحبهم يتشحط في الدم، وذكر (حكاية) القسامة، قال (مالك): والقسامة سنة لا رأي لأحد فيها، وكانت في الجاهلية فأقرها النبي -ﷺ- في الإسلام، وقال مالك وما ذكر الله في شأن البقرة ضرب القتيل ببعضها فحيي، فأخبر بمن قتله، دليل أنه يقسم من قول الميت. قال الشيخ أبو محمد فإن قيل: إن ذلك آية قيل: الآية حياته، فإذا صار حيا لم يكن كلامه آية قال المصنف عفا الله عنه: وفي حديث الجارية التي (رضخ) اليهودي رأسها أنها أشارت برأسها إليه، فأمر به رسول الله -ﷺ- (فرضخ) رأسه، وفي بعض طرقه من زيادة العدل الصحيحة المقبولة أن النبي -ﷺ- أتى به فأقر، قال مالك: وقد فرق الله سبحانه بين الدماء وغيرها تعظيمًا لحرمة الدماء.
قوله: «ففي العمد القود، وفي الخطا الدية) وهذا كما ذكره، وذكر
[ ٢ / ١٢٣٦ ]
أن الحكم بها مشروط بشروط، وهذه الشروط السبعة التي ذكر القاضي عليها تتفرع مسائل القسامة.
الشرط الأول: أن يدعى الدم على رجل بعينه بلوث يرجح الدعوة على بينة على المدعى عليه ولا بالإقرار، فإن قامت عليه البينة، أو أقر بالقتل فالقود واجب بغير قسامة.
والثاني: أن يكون المقتول حرًا مسلمًا، فإن كان عبدًا أو ذميًا فلا قسامة فيه، لأن العبد مال، وكذلك إذا كان كافرًا، لأن المسلم لا يقتل بالكافر، وإن كانا ذميين فالمشهور أنه لا يحكم بينهما بالقسامة، وإن تحاكموا إلينا، لأن سنة القسامة إنما كانت في حر مسلم فلا تتعدى محلها وقال عبد العزيز بن أبى سلمة لأهل القسامة فيقسم الذمي على الذمي إن تحاكموا إلينا، وأباه مالك وأصحابه، وروى ابن حبيب قال كان ابن القاسم: يقول في النصراني يقول دمي عند فلان المسلم أن ولاته يحلفون ويستحقون الدية، وذكره عن مالك، وأنكر ذلك مطرف، وابن الماجشون ولم يعرفاه لمالك، ولا أحد من علمائهم، وإنما قال مالك: إن أقام شاهدًا واحدًا على قتله حلف ولاته يمينًا واحدة، وأخذوا الدية في مال القاتل في العمد، ومن العاقلة في الخطأ، وقال ابن نافع: لا تحمل العاقلة ديته لأنها تستحق في هذه الصورة بيمين واحدة، ولا تحمل العاقلة ما يستحق بيمين واحدة، ولم يذكر القاضي البلوغ شرطًا، وذكره غيره من أشياخ المتقدمين، لأن الصبي لا حكم لقوله، ولا يقبل دعواه، قال محمد بن المواز: قال بعض العلماء: يقسم من قول الصبي وأباه مالك وأصحابه، قال بن القاسم: والصبي قي هذا بخلاف المسخوط والمرأة لأن الصبي لو أقام شاهدًا عليه حلفوا معه واستحقوا، وفي المجموعة عن أشهب قول كل واحد على نفسه أوجب من دعواه على حقه لم يحلف معه، ولو أقام المسخوط أو المرأة أو النصراني أو العبد شاهدًا على غيره، فإذا لم يقبل
[ ٢ / ١٢٣٧ ]
إقرار الصبي على نفسه بقتل، أو جرح فدعواه في ذلك على غيره أبعد قال سحنون: ومن قال يقسم مع قول الصبي لزمه أن يقول يقسم مع قول النصراني، وروى مطرف عن مالك لا يقسم مع قول الصبي إلا أن يكون قد راهق وأبصر وعرف فليقسم على قوله، وعده بعض شيوخ الصقليين خلافًا، واختار أنه لا يقسم على قوله كما لا يحلف مع شاهده حتى يبلغ والخلاف في (أحكام) المراهق مشهور هل حكمه حكم الصبي، أو حكم البالغ بناء على أن ما قارب الشيء هل يعطى حكمه أم لا؟ قال محمد: وتقبل القسامة مع الحر المسلم البالغ ذكرًا كان أو أنثى عدلًا كان او مسخوطًا، ولأنه لطخ لا شهادة، قال ابن المواز ومن لم يقبل قول المقتول حتى يكون عدلًا أخطأ ويلزمه أن لا يقسم مع قول المرأة، لأنها غير تامة الشهادة.
الشرط الثالث: أن يكون في قتل فإن كان في جرح فلا قسامة فيه، وهذا كما ذكره فلا قسامة في جرح، ولا في عبد، ولا في أمة وفيمن جد قتيلًا في محله. وروى أبو حنيفة أن وجود القتيل في المحلة لوث إذا كان به (أثر) اعتمادًا على حديث حويصة.
والرابع: أن يكون مع الأولياء لوث، وهذا كما ذكره. وإنما اعتبرنا اللوث، لأنه سبب (مرجع للدعوى) مع الأيمان، وذكر القاضي أن اللوث أنواع: أحدهما: الشاهد الواحد العدل على معاينة القتل، والثاني: الشاهدة غير العدل (أو العدل) على قرينة تدل على القتل مثل أن يراه بقربه وهو
[ ٢ / ١٢٣٨ ]
يتشحط في دمه وعليه آثار الدم (ونحو ذلك) والثالث: شهادة الجماعة غير العدول. والرابع قول المقتول دمي عند فلان عمدًا، وفي كونه لوثًا في دعوى الخطأ روايتان.
والخامس: شهادة النساء والعبيد. قال الشيخ أبو إسحاق: القسامة تجب بوجوه أربعة:
الأول: قول المقتول دمي عند فلان عمدًا.
والثاني: أن يشهد على الضرب، أو الجرح شاهدان مرضيان، ثم يقيم المضروب أو المجروح أيامًا بعد ذلك، ثم يموت.
والثالث: أن يشهد شاهد واحد مرضي أن فلانًا قتل فلانًا على غير وجه الغيلة، فإن شهد عدل على أنه قتله غيلة، قال ابن القاسم: لا يقسم مع شهادته، ولا يقبل في هذا إلا شاهدان، وقال يحي بن عمر: يقسم معه وهو الصواب، لأن اللوث حاصل، ولا فرق في المعنى بين الغيلة وغيرها.
الرابع: أن يشهد أهل البدو على قتله فيقسم الأولياء (معهم قتلهم) وروى ابن حبيب عن مطرف عن مالك أن من اللوث اللفيف من السواد والنساء والصبيان يحضرون ذلك مثل الرجلين، والنفر غير العدول، وقال ابن عبد الحكم ومن اللوث أن يوجد القاتل حدى المقتول، وعليه أثر القتل، ولم ير حين قتله، وذكر القاضي أبو محمد في المعونة من أصحابنا من يجعل شهادة العبيد والصبيان لوثًا وحكى أبضًا خلاف المذهب في الفئتين
[ ٢ / ١٢٣٩ ]
ينفصلان عن قتيل على روايتين إحداهما أن وجوده بين الصفين لوث فيقسم الورثة على من شاءوا أو يقتلونه. والثاني أنه ليس بلوث وديته عليهما إن كان من غيرهما، وإن كان من أحد الفئتين فديته على الفئة المنازعة لها. قال القاضي أبو الحسن بن القصار: القسامة تصح بأحد ستة أوجه منها قول المقتول: قتلنى فلان عمدًا، ومنها الشاهد الواحد على معاينة القتل سواء أنفذ مقاتله أو ضربه، ثم عاش بعد الضرب، ثم مات، ومنها اللطخ إذا وجد بقرب المقتول، وعليه آثار القتل، ومنها السماع المستفيض، ومنها الجماعة في السوق العظيم، ومنها أن يكون الضرب بآله لا تقتل غالبًا بحضرة البينة، ثم يموت في الحال، ومنها أن يكون الضرب من جماعة، فلم يعلم الذي مات من ضربه. قال في الموازية والمدونة يقسم مع الشاهد العدل، ولا يقسم مع شهادة المسخوط والنساء والعبيد والصبيان، قال: وإنما يقسم مع الشاهد العدل، وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب، وابن عبد الحكم، وروى عن أشهب أن اللوث الشاهد الواحد، وإن لم يكن عدلًا، قيل: أفترى شهادة المرأة من ذلك قال: نعم، وليس شهادة (العبيد) من ذلك، وبه أخذ أشهب، قال مطرف عن مالك ومن اللوث الذي تكون به القسامة اللفيف من السواد والنساء والصبيان وغير العدول يحضرون ذلك، ومن روى عنه أن اللوث الشاهد العدل وحده فقدوهم وإنما كان يسأل هل الشاهد العدل لوث فيقول نعم، واللوث ما أخبرتك، وقد حكم به عندنا، وقال ابن القاسم، وأصبغ مثل قول مطرف، قال ابن المواز: وإنما كان يقسم مع شهادة الواحد على معاينة القتل بعد أن يثبت معاينة جسد القتيل ويشهدون على قتله، ويجهلون قاتله كما عرف موت عبد الله بن سهيل، قال محمد: وأما شهادة العبد والصبي والذمي فلم يختلف فهي قول مالك وأصحابه أنه ليس بلوث، قال ابن القاسم: ويقسم مع شهادة امرأتين مرضيتين، ويقتل بذلك، وقال ربيعة
[ ٢ / ١٢٤٠ ]
ويحي بن سعيد: شهادة المرأة لطخ يوجب القسامة، وكذلك العبيد والصبيان قال ربيعة ويحي بن سعيدة شهادة اليهودي والنصراني والمجوسي إذا حضروا القتل لوث، قال محمد في المجموعة وهذا لا يقوله مالك: ولا أحد من أصحابه، قال عبد الملك: إذا شهد شاهد واحد على قول القتيل فلان قتلني أقسم الأولياء مع شهادته، وقال غيره لا يجوز على قول الميت إلا شاهدان مرضيان، قال ابن القاسم: وإذا شهد شاهد واحد قول المقتول دمي عند فلان، وشهد شاهد (آخر) أنه قتله ولم تلفق الشهادتان ولا بد من القسام. قال القاضي أبو الوليد الباجي: ويكتفي بقول المقتول دمي عند فلان ضرب ولا جرح ولا وصف ضرب ولا غيره، ورواه ابن حبيب عن مالك، قال الشيخ أبو الحسن: إن قال قتلني عمدًا ولا جراح به فأحسن ذلك أن لا يقسم، هذا يقتضي اشتراط الإبان وحكاه عن مالك، وكذلك لو قال سقاني سمًا أو سكرانًا فإنه يقتل به بقدر ما يرى الإمام قيد أو لم يتقيد، وكذلك لو شهد شاهد أن فلانًا سقى فلانًا سمًا فمات ففيه القسامة. وقد قتل اليهودية التي سمت الشاة، وإن لم تعتد على النبي -ﷺ- فقد اعتدت على بشر بن البراء بن معرور وقتلته، قال ابن القاسم: ولو ادعى على أورع
[ ٢ / ١٢٤١ ]
أهل بلده فإنه يقسم الأولياء ويقتلون، وقال ابن عبد الحكم: لا يقسم في هذا لأنه ادعى ما لا يشبه وهذا هو الصواب.
قوله: «وفي كون ذلك لوثًا في الخطأ روايتان»: والمشهور إنه لوث اعتبارًا لقبول قوله في العمد، والقول الثاني: أنه ليس بلوث، لأن حرمة المال دون حرمة النفس فيتهم على أنه يريد إغناء ولده.
قوله: «والخامس أن يتفق الأولياء على ثبوت القتل»: هذا خامس شروط الحكم بالقسامة وفي هذا الشرط فروع:
الأول: إذا قال المقتول قتلني خطأ، وقال: الورثة عمدًا أبطل الدم، فلا دية ولا قصاص، لأن الميت أبطل القصاص بقوله خطأ والورثة أبطلوا الدية بدعوى العمد، وكذلك لو قال المقتول قتلني عمدًا، وقال الأولياء خطأ فلا قصاص ولا دية أيضًا، لأن المقتول قد نفى الدية: والأولياء قد نفوا القصاص فدمه هدر.
فرع: إذا قال المقتول قتلني ولم يبين صفة القتل، وقال الأولياء لا علم لنا، بطل الدم، إذا لم يعلموا هل حقهم في (النفس، أو المال) فإن أطلق المقتول قوله فقال: قتلني ولم يبين، واتفق الورثة على العمد، أو على الخطأ أقسموا على ما عينوا، واستحقوا القود في العمد، والدية في الخطأ، فإن اختلفوا فقال بعضهم: خطأ، وقال بعضهم عمدًا بطل القود، وأقسموا على الدية، إذ لم يتبعض الدم، وهذا إذا تساووا، فإن اجتمع أكثرهم على العمد فقال ابن القاسم: أحب إلي أن لا يقسموا (إلا على) الخطأ، ووقف عن
[ ٢ / ١٢٤٢ ]
العمد، وقال في موضع آخر يكشف عن حالة المقتول وجراحاته وموضعه وحالة القاتل وما كان بينهما من العداوة فيستدل بذلك ويقسمون، فقد يعلم العمد من تكرار الضرب وكون المدعى عليه من أهل الشر معاديًا للمقتول ممن يليق به العمد، وإذا بنينا على المشهور أنهم يقسمون على الخطأ. فاختلف المذهب في فروع:
الأول: هل تكون الدية كلها على العاقلة إعمالا لحكم الخطأ، أو يكون نصيب مدعي العمد في مال الجاني، إذ العاقلة لا تحمل العمد فيه روايتان:
فرع: لو قال بعضهم عمدًا وقال بعضهم لا علم لنا، بطل الدم وردت الأيمان على المدعى عليهم.
فرع: لو قال بعضهم خطأ، وبعضهم قال: لا علم لنا ففيه روايتان: فقيل يقسم مدعو الخطأ ويستحقون انصباءهم من الدية، وقيل: لا يقسمون، وترد الأيمان على المدعى عليهم وهو اختيار الشيخ أبي بكر الأبهري، فإن نكلوا عن اليمين فلا شيء لهم، ولا الآخرين، وهذا إذا استوت منزلتهم فكانوا بنين أو إخوة، فإن اختلفت منزلتهم مثل أن تقول الابنة خطأ والعصبة عمدًا فدمه هدر لا قود ولا دية، لأنه (ثبت) في العمد للعصبة (القود) ولم يثبت بمخالفة الابنة لهم، وفي الخطأ للابنة، ولم تثبت الدية لمخالفة العصبة لها، ويرجع اليمين على المدعى عليه (وإن قال العصبة خطأ، وقال النسوة عمدًا أقسم العصبة على نصيبهم من الدية) قال محمد: إذا ادعى جميع العصبة أنه عمدًا لم ينظر قول النساء.
فرع: متى بطل الدم بنكل أو اختلاف ردت الأيمان على المدعى عليه.
قوله: «والسادس في العمد أن تكون ولاة الدم اثنان فصاعدًا»: وهذا
[ ٢ / ١٢٤٣ ]
كما ذكره أنه لا يقسم في العمد أقل من اثنين بخلاف الخطأ، لأنه مال، وفي العمد دم. فأقيمت أيمان الأولياء في العمد مع اللوث مقام البينة، وهو كما أن الشاهد الواحد لا يكفي في الحقوق، فكذلك الولي الواحد في العمد، وقد عرض -ﷺ- الأيمان على الجماعة، فقال: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم والجماعة اثنان فصاعدًا، وللولي الواحد الاستعانة بالعصبة، وإن لم يكن لهم حق في الدم كالعمومة مع الابن، لأن ذلك من باب النصرة والموالاة كولاية النكاح لا من باب المواريث، ولهذا كان الأيمان على عدد الرؤوس، إذ ليس طريقها (التوارث) قال ابن القاسم: كان يمين الولي من ناحية الشهادة، وقد جعل الله اليمين في اللعان مقام الشاهد الواحد، قال عبد الملك: ألا ترى أنه لا يحلف النساء في العمد، إذ لا يشهدن فيه، وهذا هو الشرط (السابع) الذي ذكره القاضي.
قوله: «وإذا حصل اللوث بدئ بأولياء الدم»: وهذا ما ذكره، لأنه بدأ بهم رسول الله -ﷺ-، وقال أبو حنيفة يبدأ المدعى عليهم طرد للقاعدة في باب الدعوة، والصحيح ابتداء تبدئة المدعين.
واختلف المذهب إذا كان الأولياء أكثر من خمسين هل يكتفى بالخمسين أم لا؟ قولان عندنا، والمشهور الاكتفاء، لأن هذا العدد هو المنصوص عليه، والشاذ أن يحلف كل واحد منهم يمينًا واحدة أن له حقًا في الدم، أو الدية، ولا يستحق حقه إلا بيمينه.
ثم ذكر القاضي أن للأولياء الاستعانة بمن يحلف معهم من عصبة
[ ٢ / ١٢٤٤ ]
ليخففوا عنهم في الإيمان، وإن لم يكن للعصبة مدخل في الدم. وههنا فروع:
الأول: إذا كان الأولياء أكثر من خمسين فقد قدمنا الخلاف هل يقتصر على خمسين أم لا؟ فإن كانوا خمسين فأرادوا أن يحلف رجلان منهم خمسين يمينًا وهم في العقد سواء، ففي المجموعة عن مالك لا يجزئهم ذلك، وهو كالنكول، وفي الموازية عن ابن القاسم إن ذلك يجزء وينوب عن من بقى.
الفرع الثاني: قال أشهب: إذا كانوا ثلاثين حلفوا يمينًا يمينًا، ثم حلف منهم (عشرون) عشرين يمينًا.
الفرع الثالث: قال (أشهب) إذا استعان الأولياء بالعصبة حلف الأولياء مع العصبة ما ينوبهم من الأيمان، فإذا حلف المعينون أكثر من الأولياء لم يجز ذلك. وكان كالنكول من الأولياء.
قوله: «ونكول المستعان بهم غير مؤثر»: وهذا كما ذكره بخلاف نكول بعض ولاة الدم، فإذا أنك الولي لم يكن للعينين من العصبة القسامة ولا المطالبة بالدم، إذ لا حق لهم في الدم، وإنما استعين بهم من باب النصرة، وإذا نكل المعين فللولي القسامة.
واختلف المذهب إذا نكل بعض الأولياء وكانوا عصبة فهل يقسم الباقون على حظهم من الدية أو ترد الأعيان على المدعى عليهم قولان: حكاهما القاضي، والأول أصح في النظر، لأنه حق مالي يمكن فيه التبعيض فإذا سقط
[ ٢ / ١٢٤٥ ]
أحدهما حظه لم يسقط حظ الآخر إلا بإسقاطه فإن كان الأولياء بنين أو إخوة، فنكل بعضهم، فإن الأيمان ترد على المدعى عليهم وليس لمن بقى أن يحلف هكذا حكى القاضي أبو الوليد عن المذهب وظاهر كلام القاضي إجراء الخلاف في صورة نكول بعض الأولياء مطلقًا من غير اعتبار الذي حكاه أبو الوليد وإذا حكمنا في هذه الصورة برد اليمين على المدعى عليه، فنكل ففيه قولان حكاهما القاضي أحدهما: أن الدية عليه في ماله كاعترافه، والعاقلة لا تحمل الاعتراف، والثاني: أنه يحبس حتى يحلف، فإن طال حبسه خلى سبيله، لأنها يمين الاستظهار، ألا ترى أن الورثة أضعفوا سبيلهم ودعواهم بنكولهم عن السبب المرجح للدعوى، فلم يثبت طلبهم بدعواهم حكم محقق، ولما كان الدم حق الورثة كان لهم التصرف فيه بالطلب والإسقاط على عوض الدية، أو ما وقع الصلح عليه، وههنا فروع تتعلق بهذا الأصل.
الأول: إذا كان الأولياء أولاد أو إخوة (فعفا بعضهم سقط الدم بلا خلاف، وكان لمن لم يعف حظه من الدية، وإن كانوا عصبة ففيه روايتان إحداهما أنهم كالأولاد والإخوة) والثاني أن الأيمان ترد على المدعى عليهم.
الفرع الثاني: اختلف في النساء هل لهن مدخل في الدم أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان الإدخال ونفيه، وجه الإدخال قياس حق القصاص على حق الميراث، ولقوله -ﷺ- (من له قتيل فأهله بين خيرين إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا وأخذوا الدية) ووجه نفي إدخالهن أن ولاية
[ ٢ / ١٢٤٦ ]
الدم مستحقة بالدفاع والنصرة، وهو مسلوب من النساء، والأول أصح، وإذا قلنا بدخولهن في ذلك فهل يدخلن في القود والعفو أو إنما يدخلن في العفو فقط قولان من مالك ويتفرع في هذا إذا اختلف أولياء المقتول فدعا بعضهم إلى القود، وبعضهم إلى العفو وفيه ثلاث روايات في المذهب أحدهما أن القود قول من دعا إلى القول لأنه الأصل في قتل العمد، والثاني: أن القول قول من دعا إلى العفو، لأنه أحب إلى الله تعالى. والثالث: أن القول قول الذكور من البنين أو العصبة دون النساء لأنهم بالنصرة أولى، وبطلب الدم أحرى، وفي الموازية عن مالك إذا اجتمع أب (وإخوة) فالأب أولى، من الإخوة، ولا قول للإخوة معه، قال ابن ابن المواز: أجمع مالك وأصحابه على أن الأب بعد (الولد الذكر) أولى من جميع من ترك الميت من إخوة وأم وغيرهم (لا اختلاف) فيه. واختلفت الرواية مع الجد والإخوة، فقال أشهب: الإخوة أولى منه بالعفو أو القود، لأنهم أقعد، وقال ابن القاسم: هو واحد من الإخوة، والإخوة الأشقاء أولى من الإخوة للأب، وليس للإخوة لوم في العفو عن الدم ولا للزوج، وكذلك لو اجتمعت بنات وعصبة فعفت بنت واحدة، وواحد من العصبة، فالمشهور أن ذلك جائز على من بقى وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا يجوز العفو إلا باجتماع البنات والعصبة ولا حق للأم (في الابن في عفو ولا قود، وإن انفردت الأم فهل لها مدخل في ذلك أم لا؟ فروى ابن حبيب: ليس الأم) ولاية في دم العمد، إلا أن يصير مالًا وروى عيسى عن ابن القاسم ومطرف عن مالك أن لها ولاية في الدم فهي أولى
[ ٢ / ١٢٤٧ ]
من العصبة وفي المجموعة في أم، وأخ، وعصبة لا عفو للأم دونها وفي الموازية أن البنات أولى من الأم، والأم أولى بالدم من الأخوات.
فرع: قد ذكرنا اختلاف المذهب هل للنساء مدخل في الدم أم لا، واظهر فائدته في فرع:
الأول: إذا عفا الذكور من الأولاد فهل يسقط حق البنات من الدية أم لا؟ قولان منصوصان أحدهما: أنه يسقط حق البنات من الدية بناء على أن النساء تبع لا حق لهن في الدم، وكذلك يسقط حق الأخوات إذا عفا الإخوة، وروى أشهب عن مالك أنه (إنما يسقط حق) العافي وحده، وحظ غيره من الدية باق، لأن الدم قد استحال مالًا.
وتحصيل هذا الضابط أن كان الأولياء كلهم ذكورًا ففيه ما قدمناه، وإن كانوا كلهم إناثًا أو فيهم الذكور والإناث لم يسقط حق الباقي، لأنه عفا بعد أن استحال الدم مالًا، ولو عفا الولي، ثم قال: إنما عفوت على الدية لا عفوًا مطلقًا، فالقول إلا أن تكذبه قرائن الأحوال ويحلف أنه ما أراد ترك الدية، ويأخذ حقه فيها، قاله مالك وابن القاسم.
قوله: «ولا يقسم في العمد إلا على واحد»: وهذا هو المشهور من المذهب أنه لا يقسم في العمد إلا على واحد بخلاف الخطأ، فافترق العمد
[ ٢ / ١٢٤٨ ]
والخطأ في هذا القسم في نوعين: أحدهما: أن الخطأ يقسم الولي الواحد فيه، (لأنه مال واجب على العاقلة كالديون الثابتة بخلاف العمد، فإنه دم فلا يحلف فيه أقل من اثنين، الثاني أن الخطأ يقسم الواحد فيه) على الجماعة، فتحمل الدية على عواقلهم، ولا يقسم في العمد الأعلى واحد فيقتلونه هذا قول ابن القاسم، وأنكره سحنون، وسوى في هذا بين العمد والخطأ، وقال يقسمون على جميعهم، فيقتلون، وفي الخطأ، فتحمل الدية على عواقلهم، وبه قال الشافعي وغيره قياسًا على قتل الجماعة بالواحد إذا ثبت الدم بإقرار، أو بينه، وقال أشهب: لهم أن يقسموا على الجماعة، ولا يقتلون إلا واحدًا ممن أدخلوا في قسامتهم، وقال في كتاب محمد يقسمون على واحد من أيهم شاءوا، لا يقسمون على جميعهم، يقتلون واحدًا: ويقولون إذا قسموا على واحد من الجماعة لقد مات من ضربه، ولا يقولون من ضربتهم، واعتمد ابن القاسم على قوله -ﷺ- في حديث: الجاريتين يقسم خمسون منكم على رجل منهم الحديث. قال في المجموعة ولم يعلم قط قسامة كانت إلا على واحد، وههنا فروع تتعلق بما قدمناه.
الأول: لو ضربه رجلان أحدهما عمدًا والآخر خطأ فمات لم يقتل ضارب العمد بالشك. وقال أشهب: يقسمون على أيهما شاءوا فيقتلون في العمد وتحمل العاقلة، ولو مات من ضربات خطأ وقال الأولياء لا ندري من أيهما مات سقطت الدية، لأنه حمل بالشك، وقيل: يقضي على عاقلة الضاربين وهو أصح.
قوله: «ويضرب من بقي مائة ويحبس سنة»: وهذا كما ذكره قياسًا
[ ٢ / ١٢٤٩ ]
على قاتل العمد إذا عفا عنه (الأولياء بجامع حكمة الردع والتأديب المطلوب تحصيله شرعًا، قال في الموازية إذا عفا عنه) من له حق العفو بقى حق الله تعالى نظرًا إلى أن الزاجر قد اشتمل على حقين حق الله، وحق الآدمي فإذا أسقط الآدمي حقه بقى حق الله تعالى، قال في المجموعة سواء بجب الدم ببينة أو إقرار، أو قسامة، قال مالك: إذا تعلقت القسامة بجماعة فقتل واحد منهم بالقسامة، فإن سائلاهم يضرب كل واحد مائة، ويسجن سنة، لأن الأولياء قد ملكوا قتل كل واحد بالقسامة، فإذا تركوا قتله بالقسامة (إلى) غيره كان عفوا، (وإن) نكل ولاة الدم عن القسامة، وردت الأيمان على المدعى عليهم فحلفوا برئوا، قال ابن المواز: وعلى المدعى عليهم الجلد والسجن، وحكاه القاضي أبو الوليد، قال عبد الملك: إذا حلف المدعى عليه خمسين يمينًا برئ من الجلد والسجن.
فرع: إذا كان المقتول كافرًا كتابيًا، أو مجوسيًا، أو عيدًا للقاتل أو لغيره فعلى القاتل جلد مائة وسجن سنة، قال ابن القاسم، وأشهب، ومطرف، وابن عبد الحكم، وغيرهم قال عبد الملك إنما ذلك في المسلم عبدًا كان أو حرًا، قال أصبغ: إذا قتل السيد عبده لزمه الجلد والسجن، قال محمد: إذا قتلت أم الولد سيدها فعليها الجلد والحبس يعني إذا عفا عن دمها، قال أشهب: إذا قتل العبد فلم يقتل فليجلد ويسجن، قال أصبغ: على العبد والأمة الجلد دون السجن قياسًا على التغريب في الزنا، إذا هو ساقط في العبد، والأمة والمرأة، واختلفت الرواية بأيهما يبدأ ففي الموازية عن أشهب ذلك واسع إنشاء بالجلد أو بالسجن، وفي العتبية أنه يبدأ بالجلد، لأن في (تأخيره) تعريض لإبطاله لاحتمال أن يموت في أثناء السنة.
قال القاضي -﵀-: «وتقسم الدية بين الورثة» إلى أخر الفصل.
[ ٢ / ١٢٥٠ ]
(قلت) وهذا كما ذكره لأن الدية مال موروث، فيستوي فيه جميع الورثة، وروى الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله -ﷺ-: (كب إلى أبيه أن يورث امرأة أشيم من دية زوجها) وقد اختلف الفقهاء في توريث القائل، ومذهب مالك أن قاتل العمد لا يورث مطلقًا، وقاتل الخطأ يرث من المال دون الدية، ثم تكلم على دية الجنين، والأصل في ذلك ما رواه مالك في موطئه من حديث أبي هريرة أم امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينًا ميتًا فقضى فيه رسول الله -ﷺ- بغرة عبد أو وليدة) وفي مرسل ابن المسيب فقال: الذي قضى عليه كيف أغرم ما لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل» ومثل ذلك بطل، فقال رسول الله -ﷺ-: (إنما هو من إخوان الكهان) فإذا ثبت هذا فالنظر في ذلك في فروع:
الأول: (متى تجب الغرة) وعندنا أنها تجب إذا خرج ميتًا وهي حية، فإن ماتت، ثم خرج الجنين ميتًا فقد اختلف العلماء فيه، وفي مذهب مالك قولان: المشهور أنه لا شيء في الجنين وفي الأم الدية، أو القود إن كان الضرب عمدًا، وبه قال جمهور أصحاب مالك، وقال ابن شهاب، والليث،
[ ٢ / ١٢٥١ ]
والشافعي: فيه الغرة وبه قال أشهب.
الفرع الثاني: إذا بنينا على المشهور أنه لا تجب فيه الغرة إذا خرج بعد موتها، فخرج بعضه وهي حية ثم ماتت فحكى الشيخ أبو إسحاق وغيره وجوب الغرة فيه روايتين مبنيتين على مراعاة ابتداء الخروج أو تمامه.
الفرع الثالث: الجنين الذي تجب فيه الغرة ما (علم) النساء أنه ولد كانت فيه الروح أو لم تكن كان (مخلقا) أو لم يكن.
الفرع الرابع: إذا كانا توأمين أو أكثر فهل يكتفي بغرة واحدة أم لا؟ قولان أحدهما الاكتفاء بغرة واحدة وفي العتبية فيهما غرتان من سماع أشهب، وفي المجموعة نحوه، وسواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى.
الفرع الخامس: الغرة موروثة على كتاب الله سبحانه، وعليه جمهور أصحاب مالك ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وابن الماجشون، ومطرف، وابن عبد الحكم وأصبغ، وابن أبى حازم، وقال المغير والمخزمي هي للأبوين خاصة فإن لم يكن إلا أحدهما فهي له، وقال ربيعة: للأم خاصة لأنها كعضو من أعضائها، والصحيح أنها دية، فهي موروثة عن كتاب الله سبحانه كسائر الديات.
الفرع السادس: قال مالك: القيمة في الغرة (حسنة) وليست كالسنة المجمع عليها، وإذا بذل غرة قيمتها خمسون دينارًا أو ستمائة درهم قبلت
[ ٢ / ١٢٥٢ ]
منه، وإن كان أقل لم تؤخذ إلا أن يشاء أهلها وذلك عشر دية أمه، ولم يذكر الإبل في ذلك في حق أهل الإبل قال ابن القاسم: لا مدخل للإبل في ذلك، وإن كان من أهل الإبل، وروى أبو زيد عن ابن القاسم يؤخذ فيها أهل الإبل. قال أشهب: لا يؤخذ من أهل البادية (فيها إبل) قال مالك: الغرة من الحمران أحب إلي من السودان إلا أن يغلوا فهو أوسط السودان، قال عيسى بن دينار القاتل مخير بين أن يعطي غرة عبد أو وليدة قيمتها خمسون دينارًا أو ستمائة درهم، أو يعطي الدنانير والدراهم.
الفرع السابع: إذا طرحته حيًا، ثم مات، وكان الضرب خطأ ففيه الدية على العاقلة، وإن كان الضرب عمدًا، فقد اختلف قوله مالك فيه، فالمشهور من قوله أنه لا قود فيه، قال أشهب: عمده خطأ لأنه بالضرب لأمه غير قاصد إلى قتله، وفي المجموعة عن ابن القاسم إذا تعمد (الجنين) بضرب البطن أو الظهر أو موضع يرى أنه أصاب به الجنين قاصدًا ففيه القود بالقسامة، فإن ضرب رأسها، أو يدها، أو رجلها ففيه الدية بالقسامة في مال الضارب قاله ابن القاسم، وقال أشهب على العاقلة.
الفرع الثامن: إذا ضرب امرأته فألقت جنينًا ميتًا ففيه (الغرة) كما ذكرناه، فإذا استهل صارخًا ثم مات وجبت فيه الدية كما ذكرنا في الأجنبي، وهل تغلظ لا؟ قولان في هذه الصورة المشهور أنها مغلظة، وقال أشهب لا تغلظ.
الفرع التاسع: تعلم حياة الجنين بالاستهلال والبكاء والصراخ، واختلف في التثاؤب والعطاس، والحركة، والبول، والحدث حكاه القاضي أبو الوليد
[ ٢ / ١٢٥٣ ]
الباجي، وقسم القاضي الأجنة خمسة أقسام وهي ظاهرة أولها جنين حرة مسلمة فيه عشر دية أمه كما ذكرناه. والثاني جنين كتابية حرة من زوج مسلم، وهو كالأول سواء كان زجها حرًا، أو عبدًا. والثالث: جنين الكافرة من الكافر فهو معتبر بديتها. والرابع: جنين الأمة من سيدها الحر المسلم فهو كالأول. والخامس: جنين الأمة من غير سيدها، ففيه عشر قيمة أمه. وقال ابن وهب: في كتاب محمد فيه ما نقصها، لأنه كعضو من أعضائها.
قال القاضي -﵀-: «فصل وتجب الكفارة في قتل الخطأ دون غيره): وهذا كما ذكره، والدليل على وجوبها في قتل الخطأ قوله سبحانه:﴾ ومن قتل مؤمنًا خطًأ فتحرير رقبة مؤمنة ﴿الآية وهل تجب في قتل العمد أم لا جمهور العلماء على أنها مخصوصة بالخطأ، وقال الشافعي: هي واجبة في العمد من باب الأولى والأحرى وعندنا أنها أعظم من أن يكفر كيمين الغموس.
قوله: «إذا كان المقتول مؤمنًا حرًا»: احترازًا من الكافر والعبد، وأوجبها الشافعي في قتل العبد، وأوجبها غيره في قتل الكافر، والدليل التعلق بالنص، وأما العبد فإنه مال.
[ ٢ / ١٢٥٤ ]
فصل: والردة محبطة للعمل (بنفسها) من غير وقوف على موت المرتد
قوله: «كان القتل بانفراد، أو بالاشتراك» يعني: إذا قتل جماعة رجلًا مؤمنًا خطأ فعلى كل واحد منهم كفارة عندنا، وقال بعض العلماء: تجزئ عن الجميع كفارة واحدة لقوله تعالى:﴾ ومن قتل مؤمنًا خطًأ ﴿فعم الاشتراك والانفراد وهذه الصفة عتق أو صيام لا إطعام فيها، وقد تقدم الكلام في شروط الرقبة، وأن من شروطها أن تكون (مؤمنة) سليمة من العيوب ليس فيها شرك ولا عقد حرية.
قال القاضي -﵀-: «فصل: والردة محبطة للعمل (بنفسها) من غير وقوف على موت المرتد» قلت: اتفق العلماء على أن الردة محبطة للعمل بنفسها، لكن اختلف الناس، والمذهب هل تبطل الأعمال بنفس الردة، وهو الذي حكاه القاضي عن المذهب أو بشرط الوفاة عليها، ومن مذهب مالك فيه قولان: مشهورهما ما حكاه.
فمن اعتمد على قوله تعالى:﴾ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴿قال بالمشهور، ومن اعتمد على قوله تعالى:﴾ ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ﴿الآية فشرط الوفاة على الكفر في إحباط العمل، وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما تركه من الصلوات في حال كفره هل يلزمه قضاؤه إذا عاد إلى الإسلام وهل يبطل حجة وطلاقه الثلاث أم لا؟ وكل هذه المسائل قد اختلف العلماء فيها ومذهب مالك أنه لا يقضي ما ترك من الصلوات في حال ردته إذا عاد إلى الإسلام لقوله سبحانه:﴾ قل للذين كفروا إن ينتهوا ﴿الآية، وقال الشافعي: يقضي ذلك اعتمادًا على استمرار الخطاب الأول ويلزمه إعادة الحج، وحجته الأولى غير مجزئة عن حجة الفريضة لرجوعه إلى الإسلام، ويبطل طلاقه الثلاث عند ابن القاسم، وعند غيره لا يبطل وحكمه أن يستتاب خلافًا لقوم
[ ٢ / ١٢٥٥ ]
من أهل العلم اعتمادًا على حديث عمر حين بلغه أن مرتدًا قتل قبل الاستتابة، قال: اللهم إني لم أحضر، ولم أمر ولم أرض إذ بلغني فإن تاب قبلت توبته» لقوله سبحانه:﴾ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ﴿الآية ولقوله سبحانه:﴾ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴿الآية، ومن العلماء من قال: لا يستتاب ولا تقبل توبته إن تاب، لقوله -ﷺ-: (من بدل دينه فاقتلوه) وهذا حكم مطلق، وهل تدخل المرأة إذا ارتد في عمومه أم لا؟ اختلف الفقهاء فيه، فقال الجمهور أنها داخلة تعلقًا بظاهر العلوم، وقال أبو حنيفة: إذا ارتدت المرأة لم تقتل اعتبارًا من الأنوثة العاصمة من القتل لنهيه -ﷺ-: (عن قتل النساء والصبيان) فخلاف خصوصية المحل، وإذا قيل: لم يورث لأنه كافر والمسلم لا يرث كافرًا فماله فيء لجماعة المسلمين. وقال أبو حنيفة يورث عنه ما كسب قبل ردته، وهل يكون ماله فيئا بنفس الردة، أو بعد القتل فيه خلاف مشهور أنه (يتوقف) على القتل لا على الكفر، وإذا انتقل الكافر من كفر إلى كفر لم يقتل إذ ليس بمرتد شرعًا بناء على أن الكفر كله ملة واحدة عندنا خلافًا للشافعي، ولا خلاف عندنا أن الزنديق يقتل وهو الذي يظهر الإسلام ويعتقد الكفر، وكان يسمى منافقًا على عهد رسول الله -ﷺ- ولا تقبل توبته إذ لا يعلم صحتها، وقال الشافعي: تقبل توبته
[ ٢ / ١٢٥٦ ]
كما قبل النبي -ﷺ- (إسلام) المنافقين، وحكى الشيخ أبو الوليد وغيره عن ابن عبد الحكم وأصبغ أن الزنديق يستتاب. ثم ذك حكم الساحر، وقد اتفق أهل السنة على أنه حق، وله حقيقة في نفسه وتأثير في الأديان وأحوال النفس كالحب والبغض خلافًا لمن أنكره، وقال قوم: ليس له حقيقة، وقد جاء بذكره الكتاب والسنة الصحيحة، قال الله العظيم:﴾ وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ﴿الآية إلى قوله:﴾ وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴿وهاروت وماروت بدل من الملكين لا مضاف إلى بابل، لأن ما لا ينصرف إذا أضيف أو دخل عليه الألف واللام انجر وغلظ فيه الشيخ أبو عبد الله الكناني (القابسي) الأصولي فأعربه مضافًا، وغلظ فيه أبو الحسن بنخروف النحوي (ولم يرجع إليه، لأنه كان
[ ٢ / ١٢٥٧ ]
ضعيف البضاعة في علم العربية، وكان ابن خروف يقرأ عليه الإرشاد لأبي المعالي وهو يقرأ على ابن خروف النحو) فجرى بينهما هذا الوضع.] سمعت ذلك من الأستاذ أبي عبد الله بن هشام النحوي وشارح الإيضاح عفا الله عنا أجمعين [. وفي قوله:﴾ فلا تكفر ﴿تأويلان، وقيل المعنى، فلا تكفر بتعليمه، وقيل: (بعلمه) لا بتعليمه، وقد سحر رسول الله -ﷺ- (بنات أسد ابن أعصم) فكان يخيل إليه أن فعل الشيء ولم يفعل في مشط، ومشاطه تحت رعوفه في بئر ذروان خرجه مسلم والبخاري وغيرهما من أئمة الدين. وأجمع العلماء على أن الإجارة عليه حرام وعمل ما يبطله والإجارة عليه جائز، قال ابن المسيب لأنهم إنما يريدون الإصلاح قال ابن المسيب: فأما ما ينفع، فلم ينه عنه، وأجمع العلماء على أنه إن عمله، وقتل
[ ٢ / ١٢٥٨ ]
به، فإنه يقتل به، فإن عمله ولم يقتل به فهل يقتل أم لا الجمهور من العلماء على أنه يقتل بعمله سواء قتل به أم لا هذا إذا كان الساحر مظهرًا للإسلام، لأن الله سبحانه سماه كفرا لاعتقاده أن ذلك من فعله، وأنه قادر عليه، ومذهب أهل الحق أن الله سبحانه هو المنفرد بالقدرة عليه، فإن كان الساحر ذميًا فهل يقتل أم لا؟ اختلفت الرواية فيه عن مالك فروى ابن سحنون عن أبيه أنه يقتل أضربه أم لا إلا أن يسلم، وقال مالك: لا يقتل إلا أن يدخل سحره ضررًا على المسلمين فيكون ناقضًا للعهد، لأن النبي -ﷺ- لم يقتل أسد بن الأعصم ولا بناته. وههنا فروع:
الأول: هل يستتاب الساحر أم لا؟ المشهور أنه لا يستتاب قاله مالك، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: الزنديق والساحر يستتبان، فإن تابا وإلا قتلا، وبه قال الشافعي.
فرع: إذا لم يباشر السحر بنفسه، ولكنه ذهب لمن يعلمه له لم يقتل ويؤدب (أدبًا شديدًا) نص عليه محمد ابن المواز.
فرع: إذا سحر العبد والأمة سيدها وثبت ذلك عند السيد قطعًا، فقال أصبغ ليس لسيده قتله، ولا يلي قتله إلا السلطان، وروى أن حفصة أم المؤمنين قتلت جارية لها سحرتها.
فرع: إذا قتل الزنديق، أو المرتد، أو الساحر فهل على قاتلهم شيئًا أم لا؟ قال ابن المواز: لا شيء على قاتل الزنديق من دية ولا قصاص على عاقلة المرتد. واختلف في الدية، وقال ابن القاسم: عليه دية أهل الدين الذي ارتد إليه، وقال مرة أخرى في المرتد ديته دية المجوسي في العمد والخطأ. وقال
[ ٢ / ١٢٥٩ ]
سحنون: لا دية له في عمد أو خطأ، وكذلك اختلف إذا قطع له عضو هل يكون فيه أرش أم لا؟ بناءً على قتله هل فيه الدية أم لا؟ لأنه مستحق للقتل شرعًا، وقال محمد أيضًا: فيمن قطع يمين سارق وخطأ لا دية عليه، وفي موضع آخر عن ابن القاسم عليه ديتها حكاه الشيخ أبو الحسن وغيره من الأشياخ.
فرع: إذا قتل الساحر بسحره فماله لبيت (المال) ولا يصلى عليه إذا كان مجاهرًا به، وإن كان مستترًا به فقال ابن عبد الحكم، وأصبغ إذا قتل فماله لورثته من المسلمين، ولا أمرهم بالصلاة عليه فإن فعلوا فهم أعلم. (قال المؤلف -﵀-) مقتضى قتله كفرًا أن ماله فيء مطلقًا سواءً كان مستترًا أو مجاهرًا والله أعلم.
ثم تكلم على حكم الفيئة الباغية وهم عصاة متأولون كمقاتلة عثمان ومقاتلة علي يوم صفين ويوم الجمل، ولا يخرجهم القتال بالتأويل إلى حد الكفر فيغسل قتلاهم، ويصلي عليهم، ولا يتبعون بما استهلكوا من (الأموال إذا تابوا، ولم يطالب أحد من المبغاة المقاتلين لعلي -﵁- في صفين بما استهلكوا من) نفوس وأموال، وقد أجمع أهل الحل والعقد على أن فئة معاوية بغاة ظلمة بالتأويل ثم ذكر (حكم) المحارب، والأصل (فيه) الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى:﴾ إنما جزاء اللذين يحاربون الله ورسوله ﴿الآية واختلف في سبب نزولها، والصحيح أنها نزلت في (العرنيين) كما خرجه البخاري ومسلم، وقيل: نزلت في قوم من أهل
[ ٢ / ١٢٦٠ ]
الذمة نقضوا العهد، وقيل: نزلت في قاطع الطريق وقيل: نزلت في الكفار، وفيها دليل على وجوب إقامة الحدود، (وعلى أنها لا تكفر الذنوب بانتفاء الطلب بها عند الله سبحانه، وهو معارض) لقوله -ﷺ-: (الحدود كفارة لأهلها) ولقوله -ﷺ- في عبادة بن الصامت: (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى بذلك فأجره على الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه فبايعناه على ذلك).
وقد اختلف العلماء في المفهوم من هذه الآية في مسائل
الأول: هل هذه الحدود على الترتيب أو على التخيير في مذهب مالك في ذلك قولان أحدهما أن ذلك على التخيير رواه سحنون عن ابن القاسم عن مالك وصرف ذلك إلى اجتهاد الإمام ونظره، وعليه جمهور العلماء ما لم يقتل فإن قتل فلا خلاف أنه يقتل لا خيار للإمام في في غيره حكاه الشيخ أبو الحسن اللخمي عن المذهب، والثاني أنه على الترتيب، فلا يقتل من لم يقتل ولا يصلب ولا يقطع فإن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يقطع ولم يصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع، والذي يقتضيه كلام العرب أن الإمام مخير لأنه مقتضى «أو» ويجوز أن تكون للتنويع، وبه تعلق الشافعي -﵁- وكان من أئمة اللسان.
المسألة الثانية: الحدود النصوص عليها في الآية أربعة بمقتضى النص
[ ٢ / ١٢٦١ ]
وعجبًا لمن أسقط منها ما هو منها، وزاد فيها ما ليس منها، وهل هذا إلا إحادث شرع ولا يجوز إلا للمعصوم.
الحد الأول: القتل، وحقيقته واحدة، فإن قيل: ما معنى المبالغة فيه، قلت: هو نظير ما ذكره سيبويه وحكاه عن العرب: أنهم يقولون: إبل مغلطة، ولا يقولون بعير مغلط، والغلاط وشم في النعق، وهو تكثير بحسب المال لا بحسب الصفة في نفسها، ولذلك يقولون في الواحد مغلط.
والثاني: الصلب، وقد اختلف (الفقهاء) في معناه فروى (أشهب) أنه يصلب حيًا، ثم يترك حتى يموت جوعًا، ومن العلماء من فسره بأنه يصلب بعد القتل، ومنهم من فسره بأنه يصلب، ثم يطعن بالرمح طعنًا فهل يصلب وهو حي أو ميت فيه من الخلاف ما ذكرناه، فرواية ابن القاسم وابن حبيب عن مالك أنه يصلب حيًا، ثم يقتله بطعنة، ورواية غيره أنه يصلبه بعد قتله في الأرض، وبه قال الشافعي.
واختلف المذهب إذا صلب فروى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه يتركه على الخشبة حتى تفنى الخشبة، ويأكله الكلاب، ولا يمكن أهله من إنزاله ردعًا وتهديدًا. وقال أصبغ وغيره: (ينزله) ويصلى عليه، ويدفن (قال سحنون): إذا صلبه الإمام أنزل من تلك الساعة، ودفع إلى أوليائه فيغسلوه ويصلوا عليه.
[ ٢ / ١٢٦٢ ]
فرع: إذا بنينا على انه ينزل (لأهله) من الخشبة ليغسلوه ويصلوا عليه (فيفعلوا ذلك) ورأى الإمام إعادته إلى الخشبة، فقال سحنون للإمام: أن يعيده إلى الخشبة، وروى عنه ابنه محمد أنه لا يعاد إليها بعد الصلاة عليه وبه أجابني حين سألته عن ذلك، ولو حبسه الإمام ليقتله فمات في السجن أو قتل فهل يصلب أم لا؟ الرواية أنه إن مات في السجن حتف أنفه فإنه لا يصلب، وإن قتل فيه أو قتله الإمام فليصلبه.
الحد الثالث: تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وعندنا أن للإمام القطع سواء أخذ نصابًا، أو أقل من ذلك، لأن ما لا يعتبر فيه الحرز لا يعتبر فيه النصاب. وقال الشافعي: لا تقطع يد المحارب فيما دون النصاب وههنا فروع:
الأول: القطع من الكوعين والكعبين كالقطع في السرقة، واختلفوا هل يتأتى القطع على الكوعين والكعبين، أم لا؟ قولان.
والثاني: إذا كان مقطوع اليمنى أو كانت شلاء. فقال ابن القاسم: تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى. وقال أشهب: تقطع يده اليسرى ورجله اليسرى. ومبنها على تحقيق المخالفة، فابن القاسم حققها حسًا، وأشهب أثبتها معنى، لأن اليد اليسرى هي منه اليمنى في المعنى لقيام المنافع.
الحد الرابع: النفي في الأرض، وهو رابع الحدود الثلاثة بمقتضى القرآن، وعجبًا ممن أسقطه ولم يره في الآية حدًا، وإنما رآه حالًا للمحارب لا حكمًا له، حكاه القاضي أبو الوليد الباجي وغيره عن ابن الماجشون وغيره.
قال القاضي أبو الوليد: قال ابن الماجشون: ليس عندنا النفي الذي
[ ٢ / ١٢٦٣ ]
ذكره الله -﷿- أن ينفى من قرية إلى قرية فيسجن بها، ونما قول الله تعالى:﴾ أو ينفوا في الأرض ﴿معناه: أن يطلبوا فيختفوا وأنتم تطلبوهم لتقام عليهم العقوبة، فإذا ظفر بهم فلا بد من أحد العقوبات الثلاث: القتل، أو الصلب، أو القطع وهو في ذلك مخير. قال (وهكذا قال) المغيرة وابن دينار، قال ابن حبيب: وقاله (ابن شهاب) وبه أقول. قال القاضي أبو محمد، وبه قال الشافعي قال الشيخ أبو الحسن: قال ابن الماجشون: هو الطلب لهم فيكون فرارهم واختفاؤهم ممن يطلبهم هو نفيهم.
قال المصنف عفا الله عنه: وهذا الكلام بعيد عن التحقيق وخارج عن كلام العرب، والمقطوع بصحته من اللسان أن النفي حد معطوف على الحدود الثلاثة التي قبله. وههنا فروع:
الأول: الصحيح من مقتضى الكلام أن النفي حد معطوف على الثلاثة الحدود وهو إخراجهم من بلدهم وحبسهم في البلد التي يغربون إليه حتى تظهر توبتهم. قال أصبغ: ويكتب إلى عامل البلد الذي غرب إليه بذلك ولا نفي على العبيد لحق السادات، وقال مالك مرة: النفي أن يضربه ويطيل سجنه، ولا يخرجه (وقال: النفي حبسه ببلده حتى تظهر توبته وهو قول أبي حنيفة، والقول الأول أسعد) بظاهر القرآن. قال المؤلف عفا الله عنه: هذه الحدود الأربعة في المحاربين هي التي ذكر الله سبحانه، فمن أسقط النفي فقد أبطل النص، ومن زاد عليها الضرب فقد استدرك على الله سبحانه:﴾ وما كان ربك نسيا ﴿. وروى مطرف عن مالك إذا استحق المحارب عند الإمام النفي فيجلده. قال غيره: يسجنه ببلده حتى تظهر توبته.
[ ٢ / ١٢٦٤ ]
قال أشهب: وإن وجده مع النفي لضعيف، ولو قاله قائل: لم أعبه. قال ابن القاسم: يأخذ بأيسر ذلك وهو الجلد والنفي. قال ابن القاسم: وليس بجلده حد إلا الاجتهاد من الإمام فمقتضى هذه الرواية إثبات الجلد حدًا خامسًا، والآية لا تقتضيه البتة.
فرع: اختلف المذهب في المرأة إذا حاربت. والصحيح أن حدها القطع، أو القتل من غير صلب، لأنها عورة، واختلف في نفيها، فإن قلنا: إن النفي السجن (نفيت)، وإن قلنا: إنه التغريب سقط إلا مع الولي أو الجماعة المأمونة.
تنبيه: إذا رأى الإمام أن يسلم المحارب إلى أولياء مقتوله فعفوا عنه. قال أشهب: ينقض ذلك ويقتل ولا عفو لهم فيه. وقال ابن القاسم: هم حكم قد نفذ فالعفو ماض ولا ينقض عليهم، ولا سبيل إلى قتله، والأول أصح.
قوله: "ويسقط عنه - إن جاء تائبًا قبل القدرة عليه - (حقوق) الله تعالى ويؤخذ بحقوق الآدميين" وهو كما ذكره لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم *﴾ [المائدة: ٣٤]. وفي العتبية عن أشهب: إذا تاب المحارب وقد كان زنى أو سرق، وفي حرابته لم يوضع ذلك عنه، وإنما تسقط عنه حدود الحرابة دون سائر الحدود، وصفة توبة المحارب أن يختلف إلى المسجد ويعرف جيرانه ذلك منه، ويظهر منه (فعل) الخير والندم على ما فات وإن لم يأت السلطان. قال ابن وهب وابن عبد الحكم: توبة المحارب أن يأتي السلطان تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله -﷿-. قال ابن الماجشون: إن لم تكن توبته إلا أن يأتي السلطان، ويقول له: جئتك تائبًا لم ينفعه ذلك حتى تعرف توبته قبل مجيئه.
[ ٢ / ١٢٦٥ ]
قوله: "ولا يراعى تكافؤ الدماء فيها" وهذا كما ذكره، لأنه ليس قتل قصاص، واعتبر الشافعي تكافؤ الدماء، ثم ذكر صفة المحارب، وسوى بين المحارب في المصر والبدو وهو صريح مذهب مالك -﵀-. وقال أبو حنيفة: لا يكون محاربًا إلا في الصحراء والبرية عن البلد. وبه قال ابن الماجشون قال عبد الملك: لا يكونوا محاربين في القرية يريد بذلك القرية كلها، والدليل لنا ظاهر الآية. ومقتضاها العموم في المدينة والصحراء.
قوله: "ولا عفو في الحرابة لولي الدم" قد قدمنا الخلاف فيه، والصحيح كما ذكره القاضي، لأنه حق الله سبحانه ولمن طلبه أن يدافعه، وإن قتل اللص فشر قتيل وإن قتل المطلوب فخير قتيل لقوله -ﷺ-: (من قتل دون ماله فهو شهيد). قال أشهب: جهاد اللصوص جهاد من أفضل الجهاد، قال مالك في أعراب قطعوا الطريق جهادهم أفضل من جهاد الروم.
واختلف المذهب في فرعين من هذا الباب:
الأول: هل يناشد المطلوب اللص الله تعالى أم لا؟ فعن مالك أنه يناشده الله ثلاثًا، فإن عاجله قتله، قال: يدعوه ليبادر إلى قتله، لأنه قد استحق حق الحرابة لخروجه.
الفرع الثاني: إذا طلب اللص الشيء اليسير من المال، هل يعطى أم لا؟
[ ٢ / ١٢٦٦ ]
المشهور أنه يعطاه، ولا يقاتل. وفي العتيبة وغيرها: لا يعطى اللص شيئًا، وإن قل وليقاتل فذلك أقطع لطعمهم، واختلف في فروع تتعلق بالمحارب.
الأول: ليس للإمام أن يؤمن المحارب إذا طلب الأمان بخلاف المشرك، لأن المشرك يقر على دينه، والمحارب فإنه لا يقر على حرابته، فإن أمنه الإمام فنزل على حكم الأمان، وقد كان امتنع من النزول قتله. قال ابن المواز: اختلف في ذلك فقيل: يتم له الأمان، وقيل: لا يتم له ذلك، ويؤخذ بحقوق الله سبحانه وسواء أمنه السلطان أو غيره.
الفرع الثاني: لو أن محاربين أخذوا مالًا واقتسموه فتاب أحدهم، وقد كان في حين حرابته أخذ حظ من المال فهل يغرم التائب جميع المال، لأن بعضهم تقوى ببعض أو إنما يغرم منه ما أخذ فقط قولان وبالأول قال ابن القاسم، وبالثاني قال ابن عبد الحكم وهو الصحيح.
الفرع الثالث: ما وجد بأيدي اللصوص فادعوا أنه لهم فهو لهم حتى يقيم مدعية البينة؛ قاله أشهب.
الفرع الرابع: إذا طالب اللص ففر من الطلب فهل يتبع أم لا؟ قال أصبغ عن ابن القاسم: إن كان قتل أحدًا فليتبع، وإن لم يقتل أحدًا فما أحب أن يتبع وفرارهم كالتوبة. قال سحنون: يتبعون ولو يلغوا (نكس) العماد.
الفرع الخامس: إذا ارتد المحارب ولحق بدار الكفر (يقاتلنا) معهم، ثم أسر استتابه الإمام، فإن تاب سقط عنه القتل بالردة، وأخذه بأحكام الحرابة في حقوق الله وحقوق الآدميين.
الفرع السادس: قال مالك في الذين يسقون الناس السيكران هم
[ ٢ / ١٢٦٧ ]
محاربون، وقال فيمن لقى رجلًا فسأله (طعامًا) فأبى فكتفه، وأخذ منه طعامه وثيابه يشبه المحارب يضرب وينفي، وكذلك من غتال رجلًا أو صبيًا فأدخله بيته فقتله، وأخذ منه متاعًا فهو محارب.
قوله: "وللرجل أن يدفع عن نفسه ما يصول عليه من إنسان أو بهيمة" وهذا كما ذكره، لقوله سبحانه: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥].
قوله: "ولا ضمان عليه فيما يؤول إليه أمره" قلت: لأنه متصرف بالإذن، واختلف المذهب في المغضوض (إذا خرج إصبعه فكسر إحدى ثنيتي العاض وفيه قولان: أحدهما: ما قضى به -ﷺ- حيث قال: لا شيء على المعضوض) لتعدي العاض بالعض، وأن المعضوض مأذون له في الدفع عن نفسه فلا شيء عليه، وإن آل دفعه عن نفسه إلى قتل العاض، وروى أن امرأة خرجت تحتطب فأتبعها رجل فراودها عن نفسها فرمته بحجر فقتلته فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال: قتيل الله لا تؤدى أبدًا وأهدر دمه.
ثم ذكر في خطأ الطبيب الحاذق روايتان: إحداهما: أنه مضمون لأنه كالقتل خطأ، والثاني: أنه لا يضمن لأنه تولد عن فعل مباح، وقد تقرر الخلاف في الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ وكذلك الخاتن والمؤدب إذا لم يجاوز الأدب المأذون فيه، فما كان من هذه الجنايات دون الثلث فعلى الجاني، وما زاد فعلى العاقلة، وتضمين حافرا البئر إذا كان متعديًا، وممسك الكلب العقور، وموقف الدابة حيث لا يجوز له إيقافها ظاهر من باب أن فاعل السبب كفاعل المسبب، ويضمن أهل المواشي ما أفسدته بالليل دون النهار اعتمادًا على قضاء النبي -ﷺ-: (وذلك أن ناقة للبراء دخلت حائطًا فأفسدته
[ ٢ / ١٢٦٨ ]
فرفع ذلك إلى النبي -ﷺ- فقضى على أرباب الأموال حفظها بالنهار، وعلى أرباب المواشي حفظها بالليل. والله الموفق بفضله.
[ ٢ / ١٢٦٩ ]