قال القاضي: -﵀- "ولا يجوز تبعيض العتق ابتداء" إلى آخره.
شرح: العتق من أعمال البر، وخصال الخير قال -ﷺ- فيما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: (من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه). وفي حديث مسلم عن ابي ذر قال: (قلت: يا رسول الله أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا) الحديث. وههنا تنبيهان يتعلقان بلفظ هذا الحديث.
الأول: إذا كان الكافر أغلى ثمنًا هل هو أفضل أم المسلم. قال مالك: عتق الكافر في هذه الصورة أفضل، وقال عنه: عتق المسلم أفضل.
التنبيه الثاني: إذا كان المعتق ناقص بعض الأعضاء لم يستنقذ من النار ما قابل العضو الناقص، لأنه يصح أن يتألم بعض الجسد دون بعض لقوله -ﷺ-: (إن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود) ويحتمل أن يكون مخرج
[ ٢ / ١٣٢٣ ]
الحديث على الأغلب والتنبيه على الفضيلة فيستنقذ الجميع على هذا، سيما إذا لم يكن عتق الأنقص مقصودًا وهو على قسمين (منجز ومؤجل) وكلاهما لازم (بالعقد) وفي كليهما أجر. قال الإمام أبو بكر بن المنذر: وقد انعقد الإجماع على أن للمعتق حرمة ليست لغيره من الصدقة بدليل أنه إذا أعتق جزءًا من العبد كمل عليه لحرمة العتق، ولو تصدق بجزء من عرض أو عقار لم يجبر على التكميل، والدليل على وجوب التكميل ما رواه ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق). وذكر ابن الطلاع في أقضيته (أن رسول الله -ﷺ- سجن رجلًا أعتق شركًا له في عبد فاوجب عليه استكمال عتقه، قال في الحديث حتى باع عليه غنيمة له) (لأن له أن يبتدئ بعتق الجزء ويجبر على التكميل.
وقوله: "لا يجوز تبعيض العتق" يعطي أنه لا يجوز ابتداء).
وتجوز القاضي -﵀- بقوله: "ولا يجوز تبعيض العتق ابتداء": وإنما أراد أنه لا يجوز الاقتصار عليه، بل يجب عليه التكميل على شرطه. وروى النسائي عن ابن عمر وجابر بن عبد الله أن رسول الله -ﷺ- قال: (من أعتق
[ ٢ / ١٣٢٤ ]
عبدًا له فيه شرك وله وفاء فهو حرّ ويضمن نصيب شركائه).
قوله: "ومن بعض العتق باختياره أو بسببه": أما اختياره له فظاهر، وأما بسببه فهو أن يشتري جزءًا ممن يعتق عليه بالقرابة أو يقبله بهبة أو صدقة أو نكاح فيجبر على التكميل في هذه (المواطن) وكذلك إذا أوصى له به، أو أخذه صلحًا عن رش جناية أو دعوى أو اشتراه وكيله وهو لا يعلم وقيد بالاختيار تحرزًا من الميراث، فإنه إذا ملك جزءًا من العبد بالميراث لم يلزم تكميله، ولا يلتفت إلى قول العبد لا أريد التكميل ولا لإباية الشرك من قبض القيمة إلا أن يرضى بتعجيل عتق حصته فله ذلك، لأن العتق حق له ليس للعبد فيه حق، واشترط في وجوب التكميل عليه شرطين: أحدهما: اليسر بالقيمة لقوله - ﷺ - (فكان له مال) وهذا الشرط راجع إلى القسم الثاني، وهو إذا كان الباقي ملكًا لغيره، وأما إذا كان الباقي ملكًا له، فلا يشترط اليسر عليه في التكميل، والآخر بقاء ملكه احترازًا من أن يموت السيد أو العبد قبل التكميل أو التقديم، إذ لا يقوم ميت ولا على ميت، وكذلك التكميل، وهذا (ينبني) على الخلاف في هذا العتق هل هو بالحكم، أو بالسراية، وأظهر الروايتين افتقاره إلى الحكم لقوله - ﷺ -: (قوم عليه قيمة عدل) الحديث. فيفهم منه أن عتق الباقي بعد التقويم ولا يكون عتيقًا بنفس عتق الشقص، وقيل: إنه عتق بالسراية، والمعنى أنه بنفس عتق الشقص يسري العتق إلى بقية، وفيه قوله ثالث: أنه عتق بالسراية إن كان جميعه له، فإن كان بين الشركاء افتقر إلى الحكم. وتظهر فائدة هذا الخلاف إذا مات أو قتل أو جرح أو قذف أو زنى قبل الحكم بالتكميل هل يكون حكمه حكم الأحرار، أو حكم العبيد ويحتمل أن يكون الشرط الثاني وهو بقاء احترازًا من أن (يبادر) الثاني إلى عتق نصيبه عادلًا عن التقويم، فلا يقوم على الأول.
[ ٢ / ١٣٢٥ ]
قوله: "وقيل في هذا يلزم في الثلاثة": يريد أن التقويم لازم كان العبد نصرانيًا أو مسلمًا كان للمسلمين أو لمسلم ونصراني أعتقه المسلم أو النصراني فالحكم فيه التقويم، إلا أن يكون بين النصرانيين فلا يعرض لهما، إذا كان العبد نصرانيًا، فإن كان مسلمًا لزم فيه ما يلزم بين المسلمين على المشهور.
وقال في المختصر الكبير: لا قيمة على المعتق.
قوله: "في ثلاثة": إشارة إلى ما إذا كان العبد المسلم بين نصرانيين فهو في وجوب التقويم عليه كالتكميل، ويمكن أن يكون قوله إشارة إلى الصورة التي ذكرها ابن الجلاب وهي إذا كان العبد بين ثلاثة فاعتق اثنان نصيبهما في صفقة واحدة فكان أحدهما مليًا، والآخر معدمًا، فقيل: القيمة كلها على الموسر. وقال عبد الملك: بقدر نصيبه خاصة، وإذا كانا موسرين فقيمة نصيب الثالث عليهما، وهل هي على قدر الأنصباء كالشفعة، أو على عدد الرؤوس قولان، وهذا اللفظ من مشكلات التلقين لم نزل ننبّه عليه في المذاكرات، والله أعلم بمقصود القاضي فيه ولا خلاف عندنا أنه إذا اختار الشريك العتق في بقية حصته أن له ذلك إذا عجل العتق، وليس له الرجوع إلى التقويم، لأنه أسقط حقه عن شريكه، وإن اختار التقويم فصل له أن يرجع إلى العتق أم لا؟ قولن: أحدهما: أن ذلك له، وليس لشريكه في ذلك مقال. والثاني: أنه ليس له ذلك، لأن من حق شريكه أن يقول: أردت استكمال الأجر والاختصاص بالولاء.
فرع: إذا كان المعتق موسرًا فحكمه ما ذكرناه من وجوب التقويم عليه (وإن كان معسرًا ففي وجوب التقويم عليه) إذا رضي شريكه باتباعه قولان، والظاهر أنه ليس له على المعسر ذلك، لأن الشرع إنما أوجب عليه التقويم مع اليسر دون العسر.
[ ٢ / ١٣٢٦ ]
فرع: إذا كان معسرًا فأعتق نصيبه فلم يحاكمه حتى أيسر هل يقوم عليه اعتبار بالحال أم لا تقويم عليه اعتبارًا بزمان العتق قولان، ويقوم على أنه عبد لا عتق فيه، لأن العتق في بعضه عيب، وهو الذي أدخله على شريكه، ألا ترى أن بيع الجملة أثمن لشريكه.
فرع: إذا أعتق جزءًا فأدعى العسر، وسئل عن حاله فذكر الشهود أنهم لا (يعلمون) له مالًا أحلف عن ذلك وترك. قال ابن الماجشون: هكذا سمعت أصحابنا يقولون. وقال سحنون: جميع أصحابنا على ذلك إلا اليمين، فإنه لا يستحلف، ولعله جار على الخلاف في إيمان التهم.
قوله: "إلا أن يبذل الشريك إعتاق نصيبه": يريد إعتاقه عاجلًا، فإنه كان الأول موسرًا أو أعتق الثاني نصيبه إلى أجل قولان: أحدهما: أنه يبتل على الثاني تغليبًا لحرمة العتق، لأنه قد سقط حقه عن الأول في التقويم بعد وله إلى العتق. والثاني: بالخيار بين القيمة على الأول أو تبتيل العتق وهو قول ابن القاسم.
قوله: "وإن كان مريضًا قوم عليه نصيب الشريك في ثلثه" وهذا كما ذكره لأن حكم الثلث بعد الوفاة حكم جميع المال في الحياة، وانظر إذا أعتق في الصحة فلم يقوم عليه نصيب شريكه حتى مرض هل يستكمل عليه بقيمته أم لا؟ قولان عندنا. أحدهما: أنه لا يستكمل عليه، لأنه بمنزلة الهبة من الصحيح يفرط فيها الموهوب له حتى مرض الواهب فلا شيء له إلا أن يصح، وإن مات بطلت. والثاني: أنه يستكمل عليه باقية، (وهو في رأس المال إن حمله أو في الثلث) قولان عندنا. أحدهما: أنه يستكمل في الثلث اعتبارًا بحال المرض. وعن مالك من رواية بعض أصحابه أنه يعتق باقية في رأس
[ ٢ / ١٣٢٧ ]
ماله إن حمله. قال ابن الماجشون: وإذا أعتق المريض حصته بتلا فلا (تقويم عليه) حتى ينظر أيصح أم يموت، فإن صح قوم عليه جميعه، إن مات لم يقوم سواء حمله الثلث أم لا؟ لأن التقويم إنما يمضي فيما يفضي إلى الحرية، وهذه وصية يردها الدين إلا أن تكون أمواله مأمونة فيقوم حينئذ ويعجل عتقه قبل الموت.
قوله: "وإذا بعض العتق عدة شركاء في لفظ متفق (أزمانه) قوم باقيه على عدد رؤوسهم": وهذا كما ذكره لتساويهم في الملك، وإدخال الضرر ولو كانوا شركاء ثلاثة أعتق أحدهم نصيبه، ثم أعتق الآخر نصيبه، والأمول موسر قَوَّمه الثالث على الأول، لأنه الذي ابتدأ بالضرر، إلا أن يرضى الثاني بأن يقوم الثالث عليه، فله ذلك، ولا مقال للأول (وإذا كان الأول موسرًا فهل يستكمل على الثاني نصيب الثالث أم لا؟ فيه قولان في المذهب المشهور أنه لا يستتم على الثاني) إذا لم يحدث الفساد. وقال ابن نافع: يقوم على الثاني لأنه أول بالنسبة إلى الثالث.
واختلف في فروع من (هذا الأسلوب) وهو إذا اختلف أنصباء الشركاء، فأعتق اثنان ووجوب التقويم للثالث فهل يقوم عليهم على قدر الأنصباء، أو على عدد الرؤوس قولان. المشهور على قدر الأنصباء كالشفعة وإجارة الموثق، وكنس المراحيض وغير ذلك، والشاذ أنه على عدد الرؤوس، رواه ابن الماجشون، وهو الذي عوّل عليه القاضي حيث قال: "قوم باقيه على عدد رؤوسهم" يريد القيمة بين الشركاء المعتقين. وحكى في المعونة وشرح الرسالة وغيرهما القولين (ونص) بأنها على قدر الأنصباء، وأما
[ ٢ / ١٣٢٨ ]
من رأى ذلك على عدد الرؤوس فلتساويهم في الجناية بالتبعيض، والضرر لا يختلف بكثرة التبعيض وقلته.
قوله: "وإذا أعتق المريض المحجور عليه عبيدًا له هم جميع ماله أقرع بينهم بعد موته": والأصل في هذا أن رجلًا أعتق ستة أعبد له في مرضه، ولا مال له غيرهم فبلغ ذلك النبي - ﷺ -: (فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة). وقد بيّن النسائي أن النبي - ﷺ - قال في هذه القضية: (لقد هممت أن لا أصلي عليه). وفي مصنف عبد الرزاق وأحكام ابن الطلاع: (لو أدركته ما دفن مع المسلمين) ومحمله على التغليظ كما أدخل من اللبس. وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فقال مالك وأصحابه بالعتق بالقرعة، والمعنى أنه يعتق منهم الثلث بالقرعة، ولا يعتق من كل واحد ثلثه. وقال أبو حنيفة: القرعة باطلة، ويعتق من كل واحد ثلثه، ويستسعى في قيمة نفسه، فإذا أداه إلى الورثة عتق جميعه، وهذا منه إحداث شرع (ومخالفة للنص) فإن الرسول - ﷺ - أقرع وهو لا يقرع، والرسول - ﷺ - أعتق اثنين كاملين على الانفراد، وهو قائل يعتق ثلث كل واحد من الستة لا يعتق (اثنين)، وهو أوجب الاستسعاء، وهو غير مذكور في هذا الحديث. وإنما حكمنا بالقرعة، إذ لا مزية لبعضهم على بعض فوجب تمييز المعتق عن سواه، وليس إلى ذلك طريق إلا القرعة. وههنا نظر وذلك أن الرسول - ﷺ - إنما حكم بالقرعة في عتق المريض الذي حكمه حكم الوصية، فهل العتق المبتل كالوصية أم لا؟ قولان. المشهور أن العتق المبتل والوصية سواء. وقال أصبغ وغيره: بعتق (في المبتل) ثلثهم بالحصاص، لأن القرعة خطر
[ ٢ / ١٣٢٩ ]
فتجوز حيث جازت، وليس ذلك إلا في الوصية. وههنا فروع: إذا قال عشرة من عبيدي أحرار وهم خمسون. ففي العتق: البتل (يعتق) أيهم شاء. واختلف المذهب في الوصية بذلك على خمس روايات عن مالك وأصحابه: الرواية الأولى: أنه يعتق خمسهم بالسهم والتقويم، خرج الخمس خمسة أو اثنا عشرة. والرواية الثانية: أنه إن خرج أكثر من عشرة عتقًا، وإن خرج أقل من عشرة ضرب بالسهم على الباقين حتى يكمل العدد عشرة ما لم يتجاوز ثلث الميت. وقال أشهب: ذلك أوسع أن يعتق منهم بالسهم أو بالحصص، وقال المغيرة: يعتق خمسهم بالحصاص، إذا كان العتق من الميت، وأن أوصى ورثته أن يعتقوا عنه فهم بالخيار في عتق من شاؤوا.
ولو قال: ثلثا عبيدي أحرار أقرع بينهم، وإن قال: ثلث كل واحد منهم حر لم يقع بينهم، لأن كل واحد منهم قد دخله عتق الجزء وهو معنى قول القاضي: "إن نسب الجزاء إلى جميعهم أقرع بينهم وإن نسبه إلى كل واحد عتق ذلك القدر بغير قرعة".
قال القاضي - ﵀ -: "ومن مثل بعبده مثلة (ظاهرة قاصدًا لذلك عتق (عليه) " إلى آخره.
شرح: العتق بالمثلة ثابتة عندنا، وأنكره الشافعي وأبو حنيفة وقالا: لا عتق بالمثلة، والسنّة ترد عليها لما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كان لزنباع عبدًا يسمى: سندرًا أو ابن سند فوجده يقبل جارية فأخذه فجبه وجذع أنفه، فأعتقه رسول الله - ﷺ - وقال: ٠ من مثل بعبده أو أحرقه بالنار فهو حر، وهو مولى لله ولرسوله). وصح أن عمر بن الخطاب أعتق جارية
[ ٢ / ١٣٣٠ ]
أحمَى سيدها رصفًا وأقعدها عليه، فاحترق فرجها.
واختلف المذهب في عشر مسائل (تتعلق بالمعتق بالمثلة).
المسألة الأولى: هل يفتقر إلى حكم أم لا؟ قولان. ثمرتهما إذا مات العبد قبل الحكم بالعتق فالمشهور أن سيده يرثه بالولاء. وقال أشهب: لا يرثه وماله لورثته إن كانوا أحرارًا، وإلا كان ولاؤه لسيده.
المسألة الثانية: المثلة الموجبة للعتق كما ذكره القاضي أن تكون ظاهرة مقصودة، وإن كانت خطأ أو عمدًا على وجه المداواة أو شبه عمد مثل أن يحذفه بسيف فيزيل عينه فلا عتق عليه في ذلك لأن شفعة الإنسان على ماله هي الأغلب. واختلف إذا ضرب رأسه فنزل الماء في عينه. فقال سحنون: لا يعتق عليه بذلك، وقال غيره: يعتق بناء على أنها (هل) تلتحق بباب العمد أو ببال الخطأ.
المسألة الثالثة: السفيه والمديان والعبد هل يعتق عليهم بالمثلة، لأنه تفويت قولان في المذهب.
المسألة الرابعة: المرأة ذات الزوج يعتق عليها بالمثلة، ولا قول للزوج في ذلك، لأنه عتق أوجبه الحكم، قال غيره: (يمضي) منه قدر ما يحمله الثلث.
المسألة الخامسة: إذا قال العبد: عمدًا، وقال سيده: خطأ في ذلك، قولان عن سحنون، قال مرة: القول قول العبد ثم رجع، وقال: القول قول السيد وهو الصواب للاحتمال.
[ ٢ / ١٣٣١ ]
المسألة السادسة: إذا وشم وجهه بإبرة ومداد وكتب فيه: آبق. قال ابن القاسم: يعتق، وقال أشهب: لا يعتق.
المسألة السابعة: إذا حلق رأس أمته أو لحية عبده، ولم يكونا من الوحش هل يعتقان أم لا؟ قولان. قال ابن الماجشون: يعتقان، ورآه مثلة في الجارية الرائعة، والعبد التاجر، وأباه مطرف.
المسألة الثامنة: لا خلاف أنه إذا فعل ما لا يوجب العتق، لأنه ليس بمثلة، فعليه التعزير، (وإن مثل به، وعتق عليه فهل عليه التعزير) بالضرب والسجن ونحو ذلك على حسب اختلاف أحوال الناس فيه خلاف، والأصح أن ذلك عليه الاجتهاد.
المسألة التاسعة: إذا مثل بزوجته طلقت عليه ووجب عليه القصاص، وهذا نص الرواية، واختار الأشياخ أنه يكتفي بالقصاص، إذا رآى الحاكم فيه زجرًا له ومنعًا من أن يعود، وإلا طلق عليه.
المسألة العاشرة: قال مالك في امرأة عضت لحم جارية لها عضًا شديد حتى أثرت فيه أثرًا بيّنًا أنها تباع عليها ولا تعتق. قال الأشياخ: إنما ذلك إذا لم تقطع شيئًا من لحمها، فإن قطعت شيئًا عتقت عليها، وإن ضرب عبده مائتي سوط حتى سقط لحمه عتق لأنه مثلة، وأما عتق الحمل فإنه تبع لأمه فلأنه كالجزء منها. ثم ذكر أن عتق الصغير والمجنون والسفيه والمديان (والراهن) لا يجوز. وهذا كما ذكره. أما الصغير والمجنون فلأنهما غير مكلفين، وأما السفيه فلأن الحجر عليه لصيانة ماله، فلو أمضينا عتقه لم يكن للحجر معنى. واختلاف المذهب في عتق السفيه أو ولده هل يمضي لأنها معتقة بالولد
[ ٢ / ١٣٣٢ ]
حقيقة، فلم يبق له رق ولا ملك في الرقبة، أو لا يجوز، لأن تفويت المنفعة كتفويت الرقبة، وإذا قلنا: إن عتقه لأم ولده جائز، فهل يتبعها مالها أم لا؟ (فيه قولان) في المذهب. وكذلك المال يتبع العبد في العتق إلا أن يستثنى السيد ذلك ولا يتبعه في البيع. قال القاضي أبو محمد: لم يختلف قول مالك في هذين الأصلين، واختلف قوله في الوصية به وهبته والصدقة وإسلامه في الجناية هل يتبعه ماله أم لا؟ ثم تكلم على عتق ذوي الأرحام وقد قال - ﷺ -: (من ملك ذا رحم محرم عتق عليه). واختلف الفقهاء فيمن يعتق بالقرابة على ثلاثة أحوال: الأول: وهو المشهور أنه لا يعتق عليه إلا عمود النسب والإخوة. والثاني: عمود النسب فقط دون الإخوة، ورواه ابن خويز منداد عن مالك. والثالث: يعتق عليه ذوو الأرحام ما كانوا، وبه قال الليث وأبو سلمة وابن وهب، وقال تعالى في الأبوين: ﴿فلا تقل لهما أُف﴾ [الإسراء: ٢٣] وذلك يناقض اسرقاقهما وتملكهما. وقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا﴾ الآية، على قوله: ﴿إلا ءاتي الرحمن عبدًا﴾ [طه: ٨٨ - ٩٣] فنفى أن يكون الولد عبدًا، واختلف في فروع تتعلق بهذا الأصل.
الأول: هل يفتقر عتق الأقارب إلى حكم أم لا؟ ثلاثة أقوال: الأول: يعتق بنفس الشراء سواء في جميعها. والثاني: يفتقر إلى الحكم. والثالث: في العمودين بغير حكم، وفيمن عداهم بالحكم.
المسألة الثانية إذا بنينا على أنه مفتقر إلى الحكم هل له أن ينتزع ما
[ ٢ / ١٣٣٣ ]
لهم قبل الحكم عليه، بالعتق أم لا؟ قولان. فعن ابن نافع في المعتق إلى أجل للسيد أن ينتزع ماله، وإن قرب الأجل.
المسألة الثالثة: هل العتق إذا كان الشراء بتًا، فإن اشترى من يعتق عليه من القرابة على الخيار هل يقع العتق بنفس الشراء أو حتى يختار قولان مشهوران مبناهما على أصلين: الأول: هل عقد الخيار على الحل حتى ينعقد أو على العقد حتى يَنْحَلّ. الأصل الثاني: من ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟. قال ابن حبيب: استحسن إذا كان الخيار للمشتري أن يعتق، والصحيح أنه غير مملوك بنفس عقد الخيار بل بالإمضاء. فعنده يتحقق الملك فيتبعه العتق.
المسألة الرابعة: إذا اشترى أباه بيعًا فاسدًا فهل يهتق عليه أم لا؟ قال ابن القاسم: يعتق عليه حين اشتراه. قال الأشياخ: محمولة على أن البيع مختلف في فساده فيمضي العتق تغليبًا لحرمته، وإن كان مجمعًا على فساده، فإنه لا يعتق إذ لا ينتقل الملك شرعًا.
المسألة الخامسة: إذا اشترى الأب لولده الصغير من يعتق عليه جاهلًا عتق على الولد، ولا غرم على الأب، فإن كان عالمًا بلا حكم عتق عليه، وغرم له الأب الثمن. واختلف المذهب إذا كان عالمًا بذلك، وجهل الحكم هل يغرم له الثمن أم لا؟ قولان عندنا، والغرم أصوب.
فصل
"والولاء للمعتق إذا كان عنه".
شرح: ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من ادعى إلى غير أبيه أو إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والناس أجمعين) (ونهى - ﷺ - عن بيع الولاء وعن هبته)،
[ ٢ / ١٣٣٤ ]
وقال في حديث بريرة: (فإن الولاء لمن أعتق). روى أنه - ﷺ - قال: (الولاء لحمة كلحمة النسب لا يُباع ولا يُوهب). ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أعتق عبده عن نفسه فولاؤه له، فإن أعتقه عن غيره فالولاء للمعتق عنه لأنه المعتق حقيقته، وأما إذا كان بإذنه فلا إشكال في ذلك، وإن كان بغير إذنه قد ملكه إياه بشرط العتق عنه، فلا عتق إلا بعد الملك فكأنه هو المعتق في الحقيقة. ونبّه القاضي بقوله: "بإذنه أو بغير إذنه" على خلاف الشافعي وأبي حنيفة حيث قالا: إن الولاء للمعتق عنه إذا كان بإذنه، وغفلًا عن ملاحظة التمليك المستتبع بالعتق، ولا خلاف أنه إذا كان وكيلًا فالولاء للموكل، لأن يد الوكيل عارية محضة، ولو اشترى رقبة من زكاته فأعتقها عن المسلمين، فالولاء لهم فلو أعتق عبده عن المسلمين، أو قال: أنت سائبة عن المسلمين، فقال مالك من رواية ابن نافع وابن الماجشون: الولاء للمعتق دون المسلمين. قال مالك: "لا يعتق أحد سائبة لأن النبي - ﷺ - (نهى عن بيع الولاء وعن هبته) وكذلك رواه ابن القاسم عنه، فإن فعل فالولاء فعل فالولاء لهم.
قوله: "ولا يحل بيع الولاء ولا هبته": أما بيعه فلأنه غرر ظاهر وقمار بين، لأنه يدفع عنه ثمنًا محققًا ولا يدري أيحصل له شيء أم لا؟ وأما هبته ففيه تفصيل، والظَاهر إجراؤه مجرى النسب أن الهبة والبيع لا يتصور واحد منهما فيه كما لا يتصور في النسب.
[ ٢ / ١٣٣٥ ]
واختلفت الرواية إذا وهب منه ما يقع في حياته هي يجوز أم لا؟ وفيه قولان عندنا، كالخلاف فيمن وهب ما يرثه من أبيه أو غيره، وكذلك إذا وهب ذلك في مرض المولى، والمشهور في هذه الصورة الجراز، والشاذ المنع، والمعتمد عليه نظير المنع.
قوله: "وهو لعصبة المعتق الذكور (دون الإناث) ": وهذا مذهب مالك، وجميع فقهاء الأمصار أن النساء لا يرثن من الولاء إذا ما أعتق (أو أعتق م أعتقن). قال شريح: الولاء موروث لجميع الورثة من الرجال والنساء على كتاب الله كسائر المواريث وهو قول حسن من طريق الفقه إجراء له مجرى النسب لولا أنه معارض (بالإجماع من الصحابة) فإن الأئمة من أهل النقل نقلوا إجماع الصحابة على أنه للذكور دون الإناث.
قوله: "وأولاهم به الابن ثم ابنه" إلى آخره. هذا في الولاء مخالف لحكم النسب، ألا ترى أن الأب لا يستحق شيئًا من الولاء مع وجود الابن وابن الابن، وليس كذلك في الميراث والابن أولى، ثم بنه وإن سفل ثم أبو المعتق، ثم الإخوة، ثم بنوهم، ثم الجد، ثم بنوه وهم الأعمام، ثم بنوهم على حسب قوة التعصيب فيختص به من قوى تعصيبه دون غيره، وتعصيب البنوة أولى من تعصيب الأبوة. قال القاضي أبو محمد في المعونة لأن تعصيب الأبوة يشوبها الرحم، والأخوة مقدمون على الجد عندنا في هذا الباب، قال الشافعي وأبو حنيفة الجد أولى.
قوله: "ويستحق الولاء بالكبر" بضم الكاف، وفي بعض الروايات بالكبر على وزن الصغر والمعنى أنه لا يصل إلى البطن الثاني إلا بانقراض
[ ٢ / ١٣٣٦ ]
الذي قبله).
قوله: "ولا ولاء بموالات ولا على منبوذ" إلى آخره. وهذا كما ذكره هو الذي استقر عليه جمهور فقهاء الإسلام، ولا ولاء للعبد فيما يعتقه، والولاء لسيده، كان العتق بإذن سيده أو بغير إذنه، واختلف قول مالك إذا أعتق العبد عبده بغير إذن سيده فعلم السيد فلم يجزه ولا ردّه حتى عتق العبد ففي كتاب محمد الولاء للعبد، وقال ابن الماجشون: الولاء للسيد.
فرع: (اختلف) إذا قال السيد لعبده: أخذ مني عشر سنين، وأنت حر فأعتق قبل انقضاء السنين. قال ابن القاسم: الولاء للعبد. وقال ابن نافع: الولاء للسيد وهو أقيس، وولاء من أعتقه المدبر وأم الولد للسيد لأنهما رقيق، ولا يرجع الولاء إليهما، ولا لمن فيه عقد حرية إلا لمكاتب وحده، لأن المكاتب إنما كاتب على ماله وولده، والولاء من ماله، وحقوق عتقه، فإذا أعتق العبد (بإذن سيده أو بغير إذن السيد فالولاء للسيد كما ذكرنا، فإن أذن له السيد في العتق) أو أذن (لمدبره)، وأم ولده لم يرجع الولاء إليهم، وكذلك المكاتب ما لم يعتق، فإن عتق المكاتب عاد الولاء له لما ذكرناه من أن للسيد انتزاع ماله، وهو ممنوع من انتزاع مال مكاتبه، فإذا أذن لعبده في العتق، وهو ليس من أهل الولاء في تلك الحال كان السيد كأنه هو الذي أعتقه حقيقة (كان له الولاء).
قوله: "وكذلك المسلم يعتق الكافر": هذا تنبيه على خلاف الشافعي لأنه يقول: إذا أعتق المسلم (نصرانيًا) فمات النصراني قبل أن يسلم فولاؤه
[ ٢ / ١٣٣٧ ]
لسيده.
(وتحصيل المذهب في ذلك أنه إن أسلم النصراني فولاؤه لسيده) وإن لم يسلم فلا ولاء له، لأن الإرث بالولاء كالإرث بالنسب، ولا توارث بين مسلم وكافر.
قوله: "وجر الولاء ثابت": وهذا هو مذهب كافة أهل العلم إلا ما يحكى عن رافع بن خديج ومن تبعه من السلف. روى مالك (أن الزبير بن العوام مر بفتية فسأل عنهم فقال: هم موالي رافع بن خديج وأبوهم عبد لحذيفة، فاشترى الزبير أباهم فأعتقه ليجربه الولاء، وقال لهم: انتسبوا إليّ فأنا مولاكم، وقال رافع: بل هم موالي، أنا أعتقت أمهم، فاختصما إلى عثمان بن عفان فقضى بالولاء للزبير (ويجر الولاء الأب والجد، لأن النسب يرجع إلى الجد كما يرجع إلى الأب، وقد مثل القاضي الصورتين (فتأمل كلامه في ذلك يتبين لك معناه إن شاء الله، وصورة ذلك: أن يتزوج عبد معتقة لقوم فيولدها فولاء الولد لموالي الأم ما دام الأب رقًا، فإن عتق أبوه جر ولاء) ولده إلى معتقه، فإن كان للأب أب عبد فعتق قبل ابنه جر ولاء: ولد ابنه إلى من أعتقه ما دام ابنه رقًا، فإن عتق الابن جر الابن ولاء
[ ٢ / ١٣٣٨ ]
ولده إلى مواليه، وانتقل عن موالي الجد، فهاتان صورتان ظهر فيهما جر الولاء من الأب والجد، وكان الطلبة يسألون عن هذا الموضع، ويستفهمون معناه، والأمر فيه بين على المتأمل إن شاء الله.
قوله: "ولا يكون جر الولاء فيمن مسّه رق" ومثله القاضي في المعونة فقال: "مثل أن يتزوح عبد أمته فتحمل ثم تعتق، فإن الولد يكون حرًا بحرية أمه، وهو حمل وولاؤه لموالي أمه وهم مواليه، لأن عتقه ثبت من جهتهم، فإن عتق العبد لم يجر ولاء الولد، لأن ولاءه قد ثبت لمن أعتق أمه، فلا يجوز نقله كالنسب، ثم تكلم على ولد الملاعنة، فإن كانت عربية فلا ولاء على ولدها. إذ هي حرة محضة لا سبيل إلى سريان الرق إليها، وإن كان معتقه فولاء ولدها لموالي أمه، لأن نسبه قد انقطع عن أبيه، فإذا أكذب الأب نفسه وجب عليه الحد، وعاد الولاء (إليه أو) إلى مواليه.
قوله: "ولا ولاء لا مرأة إلا في ثلاثة مواضع" وهذا كما ذكره، وهو مذهب جمهور العلماء من الإسلام أن لا ولاء لا مرأة، وهذه المواضع الثلاثة ظاهرة أولها: ولاء من باشرت عتقه لقوله - ﷺ -: (الولاء لمن أعتق). والثاني: ما يعتقه معتقها مثل أن تعتق عبدًا فيعتق هذا العبد عبدًا ويموت الموت المعتق الأول فولاء الثاني لها، لأنه كان لمعتقها الذي مات فانجره السيد إليها. والصورة الثالثة: أن يتزوج عبدها أمة فيولد له ولد، ثم تعتقه أو يتزوج بعد عتقه فيكون لها الولاء إما ابتداء وإما جرًا. وهذا من المواضع المشكلة التي جرت العادة في المذكرات بالكلام فيه، وتبين مفهومه، وذلك أنه إذا تزوج
[ ٢ / ١٣٣٩ ]
عبدها أمة لغيره فتلد ولدًا جرت الأمة ولاء الولد (لمواليها ما دام الأب) رقًا، فإن أعتق والده قبل عتق الولد كان ولاء لسادات العبد ابتداء، فإن أعتق الولد قبل عتق الوالد، كان ولاء الولد لموالي الأم، فإن عتق بعد ذلك الولد، ثم مات الوالد جر والده لمواليه، فكان الولاء لها جرًا.
فصل
"الكتابة جائزة ولا يجبر السيد عليها إن طلبها العبد".
شرح: الأصل في الكتابة قول الله - ﷿ -: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا﴾ [النور: ٣٣]. أمر السادات بمكاتبة عبيدهم بشرط أن يعملوا فيهم خيرًا. وقد اختلف الفقهاء في أصلين: الأول: في مقتضى هذا الأمر. والثاني: في تعين الخبر المشار إليه في الآية. أما الأمر فالجمهور أنه على الندب والاستحباب، وقيل: مقتضاه الإباحة والتخيير. وقال مالك: سمعت بعض أهل العلم إذا سئل عن ذلك يقولون قول الله - ﷿ -: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢] وقوله: ﴿فإذا قضيت الصلوة فانتشروا﴾ الآية: ﴿الجمعة: ١٠﴾، وهذا يدل على أنه محمول على الإباحة. وحكى ابن القصار أنها مستحبة، ولا شك أنها خارجة عن قواعد الشرع، فإن فيها بيع الملك بالملك، لأن العبد ماله المحقق والمترقب ملك لسيده، وإنما يجعلها ابن القصار وغيره من أشياخنا من قسم المستحبات ولأنها من ناحية العتق وقسمها بعض أشياخنا إلى أقسام مندوب إليها ومباحة ومكروهة وممنوعة، وذلك راجع إلى حال العبد في الدين والقدرة على الكسب من وجه مرضي أو مكروه، وقد يجب في بعض المواضع بحسب
[ ٢ / ١٣٤٠ ]
القرائن على تقرر في الشريعة من رعاية المصالح، وأما الخبر الموجود قيدًا في الآية، فقيل: هو القدرة على الكسب؛ قاله مالك وقيل: هو الدين (وقيل: هو المال) وقيل: هما جميًعا، وهو الصواب. وأجاز مالك كتابة من لا حرفة له من الرجال، ولا تجوز مكاتبة الأمة التي لا تحسن الصناعة لما يخاف من استسعائها بفرجها، ولا يجبر عليها السيد عندنا خلافًا لداود وأهل الظاهر اعتمادًا على ظاهر الأمر، وإذا طلبها السيد، وأبي العبد فهل يجبر على ذلك أم لا؟ قولان في المذهب، الأصح أن السيد يجبره على ذلك بمثابة إخراجه أو أكثر يسيرًا، فإن كاتبه على ما يعلم أنه لا يقدر عليه فلا جبر في هذه الصورة بلا خلاف، وتجوز بالقليل والكثير إذا تراضيا عليه، وتجوز الكتابة بالغر مثل: أن يكاتبه على بعير له شارد أو عبد آبق، أو ثمرة لم يبد صلاحها، لأن له انتزاع ذلك من غير كتابة، وكرهه أشهب، فإن نزل مضى، ويجوز أن يكاتب عبده على أن يطلب لسيده عبد الآبق أو بعيره الشارد، أو يغرس له كذا وكذا شجرة فإذا بلغت كذا فهو عتيق، وقد قيل: إنه إذا كاتبه على غرس كذا شجرة يغرسها له أن ذلك عدة للعتق لا كتابة. وفائدة الفرق أن ذلك يسقط بالفلس والموت إن جعلناه عدة، ويفسخ إذا رهنه الدين، وابن ميسر يرى أن هذا ليس بكتابة، والجمهور على أنه على حقيقة الكتابة، ولو كاتبه على وصفاء جاز، وكانت العادة في ذلك مع عدم الشرط كالشرط في النكاح، على شوار بيت.
قوله: "ولا تكون إلا منجمة أو مؤجلة": المنجمة هي التي تقسط على أنجم ثلاثة فصاعدًا، والمؤجلة التي ضرب لحلول جميعها أجل، واختلف في الحالة هي تسمى كتابة أم لا؟ والمتقدمون يسمونها قطاعة.
[ ٢ / ١٣٤١ ]
قال القاضي أبو محمد: ليس عن مالك نص في الكتابة الحالة، ومحققو أصحابنا يقولون: إنها جائزة خلافًا للشفافعي.
قوله: "ويرق بالعجز عن بعضه قلّ أو كثر": لما روى مرفوعًا وموقوفًا: (المكاتب عبد ما بقى عليه درهم) وقد اختلف العلماء في ذلك، والمعتمد عليه ما ذكرناه.
قوله: "ويستحب للسيد وضع شيء من آخرها": وهذا كأنه من باب الإعانة على الحرية. قال الله سبحانه: ﴿وءاتوهم من؟؟ الله الذي ءاتكم﴾ [النور: ٣٣] وذلك ندب واستحباب. وقال الشافعي: هو على جهة الإيجاب وحاصل القول في ذلك: أن الأمر بالكتابة والإيتاء، قد اختلف العلماء في مقتضاهما قيل: هما محمولان على الندب، وقيل: على الإيجاب، وقال الشافعي: الأصل غير واجب، والفرع واجب.
قوله: "وللمكاتب تعجيلها (ويعتق لوقته) وليس للسيد الامتناع عليه" لأن الأجل حق للعبد، فإذا أراد إسقاطه لم يمنع، ولو شرط عليه السيد مع الكتابة خدمة أو سفر فعجل المكاتب فهل يسقط عنه ما اشترط عليه
[ ٢ / ١٣٤٢ ]
أم لا؟ قولان. الإسقاط ونفيه بناء على أنه تبع فهل يعطي حكم نفسه أو حكم متبوعه، وفي هذا الأصل خلاف، وبيع (رقبة) المكاتب إبطال للكتابة، فلذلك لا يجوز كما نص عليه القاضي - ﵀ - وبيع كتابته جائز، واشترط في بيع الكتابة من غيره تعجيل العوض فرارًا من الكالئ بالكالئ، وإنما منع منه بيع النجم الواحد من الكتابة لقوة الغرر فيه فكان القصد إلى نجم واحد نوعًا من (الخطر والغرر) وفي بيع الجزء منها خلاف المنع والجواز، فوجه المنع أن المكاتب يؤدي كتابته لدائنين مختلفين أحدهما إلى سيده بعقد كتابته، والآخر إلى مبتاع الجزء، ووجه الجزء اعتباره بسائر المبيعات.
قال القاضي - ﵀ - "وإذا أعتق المكاتب تبعه ماله وولده الذين حدثوا من أمته بعد كتابته" إلى آخر الباب.
شرح: أما مال المكاتب فالأمر فيه ظاهر لأنه إنما كاتب على ذلك، إذ منه ومن غيره يرجو الأداء ويدخل أولاده الذين حدثوا في الكتابة (بعد العقد)، ويدخل من قبلهم بالشرط.
قوله: "وإذا مات المكاتب عن ولد معه في كتابته إما بشرط أو بمقتضى العقد لم تنفسخ الكتابة بموته" وهذا مذهب مالك، وقال الشافعي: تنفسخ، والدليل لنا: أن عقد الكتابة قد تضمن إلزام السيد نفسه عتق المكاتب وولده الداخلون معه في العقد على شرط أداء المال، فليس للسيد سبيل إلى فسخ العقد كما لم يكن ذلك في حق العبد نفسه.
قوله: "وتؤدي الكتابة حالة" وهذا لأنها من جملة الديون المؤجلة تحل بموت المديان.
[ ٢ / ١٣٤٣ ]
قوله: "ثم لهم ما بقي إرثًا دون ولده الأحرار، والذين لم يدخلوا معه في الكتابة" وهذا (في نظر) لأن الأبوة واحدة في الجميع فوجب أن يكون الأداء موجبًا لحريته، فحينئذ يرثه أولاده كلهم إلا أنه إنما قصر الميراث على هؤلاء لأنهم الذين دخلوا معه في عقد الكتابة، والذين خلصوه بالأداء من الرق فكأنه استحقاق مال لا ميراث، وقيل: لأنهم مساوون له في الخدمة.
قوله: "وإن كانوا صغارًا أدى عنهم إن كان في المال وفاء، وإلا تجر به وأدى على نجومه، ومقتضى ما تقدم حلوله بموت المكاتب مطلقًا، ولا فرق بين أن يكونوا صغارًا أو كبارًا، وكذلك التجارة به، لأن من حق السيد أن يقول: قد حلت لي الكتابة فإن أدّى بعضهم بعض الكتابة لم يعتق ولا يعتقون إلا بأداء جميع المال، لأنها كتابة واحدة، ويلزم كل واحد منهم بقدر قوته في السعي، وما (يطيقه) وقال عبد الملك في الحاوي: إنما بعض الكتابة على عدد رؤوسهم لا على قدر طاقتهم، وكذلك إن أدّى بعضهم عن سائرهم ورجع عليهم على عدد رؤوسهم وليس للسيد أن يبتدئ إعتقاق واحد من الأولاد ممن فيه فضل السعي، لأن في ذلك تعجيز للباقين لتقويتهم بسعيه معهم، واختلاف المذهب إذا كان مع المكاتب في كتابته من قرابته إخوة أو غيرهم هل يرثون منه أم لا؟ روايتان: إحداهما: أنهم يرثونه كالولد، لأنهم مساوون له في المال والخدمة. والثاني: أنه لا يرثه إلا ولده دون كل أقاربه لأنهم يدخلون معه في المكاتبة بعد عقدها بخلاف سائر القرابة.
قوله: "ويجوز الجمع بين عدة عبيد في كتابة واحدة" وهذا كما ذكره.
[ ٢ / ١٣٤٤ ]
واختلف في كيفية الفض عليهم، ففي كتاب ابن المواز تفض عليهم الكتابة على عدد رؤوسهم، وقال ابن الماجشون: على قدر القوة والداء وقيم الرقاب، وفي المدونة وغيرها على قدر قوتهم عليها، ولم يذكر قيمة الرقاب.
قوله: "وبعضهم حملاء عن بعض" وهذا كما ذكره وهو مقتضي الجمع بينهم في عقد واحد اقتضاه شرط أم لا؟ وإذ مات أحدهم لم يحط عن الباقين شيئًا. واختار الشيخ أبو الحسن على مقتضى القياس أن يحط عن الباقين ما ينوبه لأن كل واحد منهم اشترى نفسه بما ينوبه من الكتابة، فمن مات منهم فإنما مات وهو رقيق، ولو عجز بعضهم، وأدّى الباقون في الكتابة ففي صفة تراجعهم خلاف. قال ابن الماجشون ومطرف ذلك على قدر طاقتهم يوم عتقوا لا يوم عقد الكتابة. وقال أشهب: على قدر القيمة يوم الكتابة، وهل يجوز أن يجمع عبدن لمالكين في كتابة واحدة، المشهور أنه لا يجوز، لأنه كجمع السلعتين لرجلين، وهو ممتنع، ويختلف إذا نزل هل تمضي الكتابة وتحط عليهما أو تفسخ ما لم يؤديا نجمًا أو صدرًا من الكتابة، ولو كان في المكاتبين صغيرًا لا يقدر على السعي حتى تنقضي الكتابة لم يرجع عليه بشيء، ولو (قوى) على الكسب بعد مضي بعض الكتابة كلف السعي وألزم من ذلك ما ينوبه من يوم الحكم عليه، وقيل: من يوم الكتابة.
قوله: "وليس للعبد تعجيز نفسه مع قدرته على الأداء" وهذا كما ذكره، لأنه رجوع إلى الرق وترك للعتق، وكذلك ليس للسيد تعجيزه، لأنه عتق على صفة، ولو رضيا جميعً، فقد اختلف فيه قول مالك، فأجازه مرة، وقال
[ ٢ / ١٣٤٥ ]
أخرى: إن كان للعبد مال ظاهر (لم يجز، وقال سحنون: ليس له ذلك، وإن لم يكن له مال ظاهر) إلا عند السلطان، قال محمد: إن كان صانعًا ولا مال له، جاز ذلك وإذا فرعنا على أن لا يجوز فوقع ذلك، ولم يفسخ حتى فات العبد ببيع، فقيل: البيع فوت، وقيل: ليس بفوت، ويرد إلا أن (يعتقه المشتري).
قوله: "وإذا أوصى السيد لمكاتبه بكتابته كلها وضع في الثلث الأقل من قيمتها أو قيمة رقبته فإن حمل الثلث ذلك وإلا فبقدر ما يحمله". وهذا كما ذكره لأن السيد لا يملك من المكاتب سوى كتابته، فإن قومنا الكتابة فلأنها التي يملك السيد من المكاتب، وإن قومنا الرقبة لكونها أقل من الكتابة، فلأن المكاتب لو عجز لعادت رقبته رقًا لاحتمال أن تكون قيمة الكتابة أقل أو أكثر عدلنا إلى الأقل منهما ولا اعتراض في ذلك للورثة، ولو وضع عنه بعض الكتابة ولم يحمله الثلث جعلنا في الثلث الأقل مما أوصى له به أو قدر ما قابله من الرقبة على نحو ما تقدم.
قوله: "وليس للمكاتب أن يتصرف في ماله بإتلاف ولا غيره إلا بما يؤدي إلى مصلحته" وهذا كما ذكره، لأنه مال السيد حقيقة، وإنما يتحقق للعبد بالأداء، وله أن يزوج بناته على ابتغاء الفضل، ولا ينكح ولا يسافر إلا بإذن سيده، وأجاز ابن القاسم للمكاتب السفر القريب، ومنعه مالك، واختار الشيخ أبو الحسن أنه إن كان شأنه السفر قبل الكتابة، ومنه معيشته فليس لسيده إذا كان السيد عالمًا به، واختلف فيما كتمه العبد عن سيده. فقال مالك للعبد، وقال يحيى بن سلام في تفسير القرآن هو لسيده. قال الشيخ أبو الحسن:
[ ٢ / ١٣٤٦ ]
وهذا أحسن إن كان بحيث إن السيد لو علم به لانتزعه، وإن كان يسيرًا تافهًا، فهو للعبد، ثم ذكر أن حال المكاتب في حدوده وجراحه وشهادته وطلاقه حال العبد، وهو كما ذكره، لأنه غير محقق المعتق، فالأصل الملك إلا أن يثبت ارتفاعه بالأداء وقد ذكرنا أنه أحرز ماله، فلذلك لا ينتزعه منه سيده.
فصل
"والتدبير إيجاب وإلزام".
قال في كتاب العين: دبرت المملوك: أوجبت عتقه، يعني: إذا أدبرت عن الدنيا فهو من الإدبار الذي هو ضد الإقبال، وهو من ناحية العتق، والترغيب فيه كالتغريب في العتق، ولا يخلو أن يصرح بالتدبير أو بالوصية، أو يكون اللفظ محتملًا، فإن صرح بالتدبير مضى على حكم التدبير وسنته. قال مالك: التدبير واجب، والوصية بعتق عبده إن شاء رجع فيها، وإن شاء لم يرجع، فإن نص على الوصية فله الرجوع متى شاء، فإن أتى بلفظ مجمل مثل: أن يوصي بعتقه وهو صحيح. فقال ابن القاسم: له الرجوع. وقال أشهب: لا يرجع ومبناه هل هو تدبير أو وصية، ولو كانت وصية بالعتق في مرض أو عند سفر فهي وصية، له الرجوع فيها، وكذلك إذا قال: أنت حر بعد موتي هل محمله على التدبير أو على الوصية قولان حكاهما القاضي.
قوله: "ولا يجوز بيع المدبر ولا إبطال تدبيره" وهذا مذهب مالك الذي لا خلاف فيه عنه، وأجاز الشافعي بيع المدبر، واعتمد على ما
[ ٢ / ١٣٤٧ ]
ثبت في صحيح مسلم: أن رسول الله - ﷺ -: (باع مدبرًا في الدين). قال النسائي: كان صاحبه محتاجًا وعليه دين، ولم يكن له مال غيره فبلغ ذلك الصبي - ﷺ - فقال: (من يشتريه مني). واعتمد مالك أن هذه قضية في عين، وقضاء الأعيان لا يعم، وقد قال تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] ولأن عتقه معلق بموت سيده، فكان كأم الولد، ولما كان من ناحية العتق وقد يؤول إليه وجب تكميل تبعيضه كالعتق وأحكامه أحكام العبيد فلذلك كان لسيده انتزاع ماله، وأن يؤاجره ويستخدمه، ويطا الأمة المدبرة وخدمة منافع متملكة كرقبته فتتعلق بها جنايته كما تتعلق بالرقاب، ومسائل هذا الباب كثيرة، وولد المدبرة الحادث بعد عقد التدبير بمنزليتها، وإذا لم يحمله ثلث المريض خرج منه ما حمله الثلث، وقد قال قوم من أهل العلم: أنه يخرج من رأس المال منهم أهل الحديث، وإذا أسلم مدبر النصراني خورج عليه فدفع خراجه، ولم يبع عليه، وانتظر موته، فيعتق من ثلثه أو ما حمل الثلث منه، وإذا قتل أو جرح فقيمته وأرش جرحه لسيده، إذ هو عبد له، ولو جنى المدبر لم يجز إسلام رقبته في الجناية، لأن في ذلك إبطالًا لعتقه، بل تسلم خدمته كما ذكرناه وجنايته بعد حريته متعلقة بذمته ومقاطعته بمال على تعجيل عتقه جائزة لأنه من تبتيل العتق وتنجيزه.
قال القاضي - ﵀ -: "حمل الأمة من سيدها يوجب لها به حرمة تمنع من بيعها" وهذا الذي ذكره هو بيع أمهات الأولاد، وقد اختلف السلف فيه قديمًا وحديثًا والخلاف فيه بين الصحابة شهير جدًا، والمعتمد عليه من مذاهب الصحابة، وأكثر السلف من الأئمة امتناع بيع أمهات الأولاد، وقد قال - ﷺ - في مارية لما ولدت منه إبراهيم: (أعتقها وولدها). وفي حديث أبي سعيد الخدري أنهم أصابوا سبايا، فاشتدت عليهم العزبة، فأرادوا الوطء والعزل، ثم قالوا: كيف نعزل ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا فسألوه عن ذلك فقال: ما عليكم ألا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلا وهي كائية)،
[ ٢ / ١٣٤٨ ]
(ولو) أن الحمل مبطل للثمن، ومانع من البيع لم يقرهم على ذلك رسول الله - ﷺ - وقد قال عمر بن الخطاب: (خالطت لحومنا لحومهن ودماؤنا دماءهن، فقال عيدة السلماني لعلي بن أبي طالب - ﵁ - حين قال: كنت أرى مع أبي بكر وعمر أن لا تباع أمهات الأولاد، وأنا الآن أرى أن تابع فقال له عبيدة: يا أمير المؤمنين رأيك مع أبي بكر وعمر أحبّ إلينا مع رأيك وحدك وقد قال جابر بن عبد الله: إن أم الولد كانت تباع ثم نسخ ذلك، ولا فرق بين بيعها وهبتها، وإجارتها في حياة ولدها وموته سواء كمن خلقته أم لا؟ كان له مال غيرها أم لا؟ كان عليه دين أم لا؟ على ما سيجئ.
قوله: "وعتقها عن سبب موجب العتق": يعني: ع تقها في كفارة ظهار أو قتل، وأما تنجيز عتقها فلا كلام في جوازه، لأنه إسقاط المنفعة المستبقاة، وإلا فالعتق مستحق بالولادة، ولسيدها الاستمتاع بها والاستخدام اليسير، ويتبعها مالها إذا عتقت بعد موت سيدها، وله انتزاعه في حياته كما كان له ذلك في كل من له فيه عقد حرية إلا المكاتب والمعتق إلى أجل إذا قرب الأجل على خلاف فيه، وفي إجباره إياها على التزويج روايتان، وقد قدمنا ذلك في كل من فيه عقد حرية. وأجاز الشافعي وأصحابه لسيدها أن يؤاجرها وهو خلاف ما عليه الجمهور، ولحصول الحرمة بالمولد، قال عمر بن الخطاب: له الاستمتاع بها على ما عاش.
[ ٢ / ١٣٤٩ ]
قوله: "ولا يرعى وضع ولد كامل الخلقة بل ما استحل عن النطفة إلى علقة أو مضغة" وهذا (لا اختلاف) فيه في المذهب. واعتبر الشافعي التخطيط، والصحيح أن حرمة الولد (تامة) بالحمل اعتبارًا بالمعنى الذي أشار إليه عمر بن الخطاب في قوله: (خالطت لحومنا لحومهن، ودماؤنا دماءهن) وإذا ملكها بعد الحمل وقبل الوضع فهل تكون له أم ولد بذلك أم لا؟ روايتان حكاهما القاضي. وقد قال - ﷺ -: (أيما أمة حملة من سيدها فهي حرة). فلا فرق على هذا بين أن تحمل منه بعد الملك أو قبله، وأجاز مالك للكاتب بيع أم ولده في الدين يرهنه، وأجاز له بيعها في غير الدين، وهذا يدل على أنه لا يثبت لأم ولده حرمة أمهات الأولاد، وفي أم ولد المدبر روايتان هل يثبت لها العتق بموته. إذا أعتق، وإذا جنت فسيدها بالخيار بين فكاكها بالأقل من الأرش أو قيمتها ولا يجوز تسليمها لما فيها من عقد الحرية الصحيح.
[ ٢ / ١٣٥٠ ]