قال القاضي ﵀ تعالي: "كتاب الغصب والتعدي وما يتصل بذلك من الاستحقاق": قلت: الغضب وضع اليد العادية، ورفع اليد المالكة على وجه القهر، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ [الشورى:٤٢] وقال تعالي: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة:١٨٨] والآيات الدالة على تحريمه كثيرة، وقال -صلي الله عليه وسلم-: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكن هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)، وانعقد الإجماع على تحريم الغصب، وأخذ المال بغير حقه مطلقًا، فإذا ثبت هذا تعين إتباع لفظ القاضي -﵀-: "ومن أتلف مالًا لغيره ظلمًا لزمه بدل ما أتلف" وهذا كما ذكره
[ ٢ / ١١٤٧ ]
إلا أن قوله ظلمًا لا معني له، لأن الغرم واجب عليه على كل حال سواء كان الإتلاف ظلمًا أو تأويلًا أو خطأ، فتقيده بخصوصية الباب لا بخصوصية الحكم، وأطلق القاضي القول في التلف عمومًا فقال: "ومن أتلف" فدخل في عموم لفظه المكلف وغير المكلف، ولا شك أن حكم المكلف ظاهر في الغرامة والعقوبة، أما الغرامة فقد فسرها القاضي، قال علماؤنا: ويعاقبه الإمام على قدر اجتهاده بما يراه من أدب أو سجن إن كان مكلفًا، وأما غير المكلف يؤدب كما يؤدب الصبي في المكتب.
واختلف المذهب في الصغير الذي لا يعقل إذا تلف على ثلاثة أقوال: أحدهما: الأموال هدر، والدماء على العاقلة، والثاني: الأموال والدماء هدر كالعجماء، لأنه غير مكلف، والثالث: أن الأموال لازمة في مال، والدماء على عاقلته، وكذلك الجراحة إذا كانت الثلث فصاعدًا، وسواء كان التلف بمباشرة المتلف كالقتل والأكل والإحراق والهدم، أو بتسبيبه مثل: أن يفتح قفصًا فيطير منه طائر، أو يحفر بئرًا في محل (عام) فيهلك فيه هالك، أو يحل دابة من ربطها، فتذهب، أو عبدًا مقيدًا فيهرب، فيضمن في جميع ذلك، واختلف المذهب في فروع من هذا النمط، إذا فتح باب دار فيها دواب، فذهبت فهل يضمن أم لا؟ فيه خلاف عندنا، فقيل: هو ضامن مطلقًا، وقيل: إن كان في الدار أربابها لم يضمن، وإن لم يكونوا فيها ضمن، وقال أشهب: إن كانت الدواب مسرحة ضمنها، وإن كان رب الدار فيها، ثم قسم القاضي البدل قسمين: مثل، وقيمة، فالمثل في المكيل والموزون والمعدود كالبيض
[ ٢ / ١١٤٨ ]
والجوز ونحوه، والقيمة في العروض والحيوان (عندنا خلاف للشافعي وأبي حنيفة حيث أوجبوا في العروض والحيوان) المثل لا القيمة، إلا أن يعدم المثل والمعتمد لنا قوله-صلي الله عليه وسلم- (من أعتق شركًا في عبد قوم عليه قيمة عدل) الحديث. عدل النبي -صلي الله عليه وسلم- عن المثل إلى القيمة بيانًا للواجب، واعتمد الآخرون على مأخذين:
الأول: قوله سبحانه: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥]
والثاني: قوله -صلي الله عليه وسلم- (قصعة بقصعة) الحديث، وهو ثابت في الصحيح، وجعله أصحابنا من قضايا الأعيان المخصوصة بمحالها، مع أن قضية القصة وقع فيها التراض، وإنما الخلاف في المشاحة والمخالفة، وقد قيل: إن القصعتين للنبي -صلي الله عليه وسلم- لأنه رب البيتين وإنما قال ذلك تطبيبًا للنفوس لا حكمًا جزمًا، وههنا فروع تتعلق بما ذكرناه.
الأول: الحلي هل هو من ذوات الأمثال، أومن ذوات القيم فيه قولان عندنا، الثاني: (الغزل من ذوات الأمثال، أو من ذوات القيم، قولان عندنا، والثالث): إذا تعذر المثل في ذوات المثل فقولان: الأول: أنه يصبر حتى يوجد، وليس له إلا ذلك، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب:
[ ٢ / ١١٤٩ ]
هو مخير بين الصبر، أو يأخذه (بالقيمة) الآن.
الفرع الأول: إذا كان المغصوب حيوانًا فوجده ربه بيد الغاصب (فله أخذه في كل مكان إذا هو غير محتاج إلى النقل، فإن كان مما يحتاج إلى النقل والتحويل فوجد ربه الغاصب) في غير بلد الغصب لم يكن لربه أن يأخذه إلا بالمثل في مكان الغصب هذا هو المشهور، والثاني: أن ربه مخير بين أخذه العين في المكان الذي وجده فيه أو المثل في مكان الغصب وهو قول أشهب، والثالث: أنه إن كان الموضع بعيدًا فالقول قول الغاصب، وإن كان قريبًا فالقول قول ربه حملًا على الظالم وهو قول أصبغ قال أصبغ: وبيع الطعام المغصوب قبل قبضه جائز كالقرض فلو غصبه طعامًا، واتفقا على أن يأخذ ربه ثمنًا نقدًا جاز، ولو أخذ طعامًا يخالفه لم يجز، لأنه ربا.
قوله: "والاعتبار في القيمة في حال الجناية" وهو كما ذكره، لأن الجناية عليه هي المتلفة المقصود منه، فلذلك اعتبرت القيمة يوم الجناية، وقيل يوم الحكم، وقيل: المعتبر أقصي قيمته يوم الغصب إلى يوم التلف.
واختلف المذهب فيمن أتلف سلعة وقفت على ثمن معلوم متقدر، هل يضمن المتلف القيمة وهو قول سحنون، أو الثمن الذي توقفت عليه وهو في العتيبة، أو الأكثر منهما قول عيسي بن دينار.
قوله: "ثم الجناية ضربان: منها ما يبطل قدرًا من المنفعة دون جلها" إلى آخره وهذا كما ذكره، أما ما لا يفيت المقصود ففيه ما نقص، وأما ما يفيت المقصود فقد اختلف الفقهاء فيه فقال مالك: ربه بالخيار كما ذكره
[ ٢ / ١١٥٠ ]
القاضي، وقال أبو حنيفة والشافعي: الواجب فيما يفيت المقصود ما بين القيمتين، والمعتمد أنه لما أتلف المقصود منه صار في المعني كتلف العين، إذ لا مقصود من الأعيان إلا المنافع.
وقسم الشيخ أبو الحسن اللخمي (التعدي إلى قسمين) يسير وكثير، وكلاهما على قسمين مبطل للغرض المقصود، وغير مبطل، فلا يضمن التعدي باليسير الذي لا يبطل الغرض، فإن كان ثوبًا رفاه، وإن كانت قصعة أصلحها، وعليه غرم ما نقصها العيب بعد الإصلاح، وأما اليسير المتلف للغرض فيه قولان قيل: يضمن قيمة الجميع إلا أن يشاء ربه أخذه، وأخذ قيمة النقص، والشاذ أنه ليس عليه إلا قيمة النقص فقط، ويجبر على ذلك من أباه منهما، والكثير الذي لم يتلف المقصود كاليسير المتلف للمقصود يوجب ضمن الجميع إلا أن يشاء ربه أخذ العين، وقيمة النقص فله ذلك.
قوله: "إما مشاهدة (وإما) عادة": أشار بالأول إلى قطع يده، أو كسر رجله، والثاني: إلى الركوب الذي يراه للجمال بقطع ذنبه أو أذنيه.
قوله: "ثم المغصوب مضمون باليد" وهذا كما ذكره عام في سائر المغصوبات عندنا سواء كانت مما ينقل ويحول أم لا؟ كالعقار، وقال أبو حنيفة: لا يضمن العقار بوضع اليد، وإنما يضمنه الغاصب، بأن يجني عليه بهدم أو فساد، والمعتمد لنا أن الغصب سبب للضمان فلا فرق بين (العقار) وغيره.
[ ٢ / ١١٥١ ]
قوله: "وهو مضمون بقيمته يوم الغصب" وهذا كما ذكره لأن بالغصب قد تعلق بذمته.
قوله: " ثم لا يخلو رده من ثلاثة أحوال": إما أن يرده ناقصًا في بدنهن أو زائدًا فيه، أو على الحال الذي غصبه عليها، فإن رده زائدًا ألزم مالكه أخذه، فإن زاد عنده بسمن أو غيره، ثم ذهبت الزيادة، ورجع إلى حال حين الغصب فلا ضمان على الغاصب عندنا، وقال الشافعي: يرد إرش الزيادة والمعتد لنا أن العين المغصوبة رجعت إلى الصفة التي غصبت عليها، فيسقط عنه الضمان أصله إذا بقي على حاله، لم يزد (عليه) شيء فإن رده ناقصًا، فقد ذكرنا أن النقص على قسمين: يسير، وكثير، قال مالك في رجل أفسد لرجل ثوبًا فإن كان الفساد يسيرًا رأيت أن يرفوه، ثم يغرم ما نقص العيب بعد الفرو، وإن كان كثيرًا أغرمته قيمته يوم أفسده، قال ابن القاسم: فإن قال رب الثوب: لا أسلمه، وكان الفساد كثيرًا، ولكنه اتبعه بما أفسد فذلك له، قال ابن القاسم، ولقد كان مالك دهره يقول لنا في الفساد: يغرم ما نقصه، ولا يقول يسير ولا كثير حتى وقف بعد فقال: هذا القول في الفساد الكثير.
تنبيهات: في ثمانية أبي زيد في الفرس الجميل تفقًا عينه، أن عليه (قيمة) ما نقصه العيب، وإن فقأ عينيه معًا ضمن قيمة جميعه إلا أن يشاء ربه أخذ قيمته، ولو ضرب (ضرع) بقرة لا تراد إلا للبن فأفسد ضرعها ضمن قيمتها، واختلف إذا فقأ عينًا، أو قطع يدًا ففي المجموعة عن مالك أنه
[ ٢ / ١١٥٢ ]
يضمنها، وقال ابن القاسم: في العين الواحدة (والإصبع الواحدة) عليه قيمة النقص، وفي كتاب ابن حبيب إن كان صانعًا فعليه قيمة النص، وقد ذكرنا أنه إذا قطع ذنب بغلة القاضي أو من في معناه أو أذنيها، أو رماها فعرجت أنه يضمن جميعه، وعن مالك أنه لا يضمن إلا قيمة النقص فقط، وقيل: يضمن الجميع، إذ فسادا لأذنين بخلاف الذنب، فيضمن فيه قيمة النقص فقط، وقع ذلك في كتاب ابن حبيب لأن العيب في الأذنين أفحش، ولو حلق رأس محرم مكرهًا أطعم عنه لأنه أدخله في ذلك، فإن كان فقيرًا افتدي المحرم ورجع على الحالق إذا أيسر، ويغرم الجارح أرش الطيب ولا يرجع به إنه برأ على غير شين، (وقيل: لا شيء على الجارح من أجر الطبيب، وهو على المجروح، فإن بريء على غير شين) لم يكن على الجارح شيء.
قوله: " فإن كان من قبل الله تعالي لا يفعل من الغاصب لم يكن للمالك التابع الغاصب بشيء من (قبله) " وهذا كما ذكره، لأن الغاصب كان ضامنًا لها يوم الغصب فحدث العيب من قبل الله سبحانه على أصل مضمون فيبقي على أصله، فإن اختار المالك أخذ العين فقد رضي بعيبها، وإن لم يرض سلمها، ورجع بالقيمة وليس له التمسك وأخذ (إرش العيب)، إذا ليس لغاصب في ذلك أثر، فإن كانت الجناية يفعل من الغاصب فقولان، قال ابن القاسم: ربه بالخيار بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه وما نقصته الجناية، وقال سحنون: المعتبر ما نقصته الجناية يوم الغصب، وقال أشهب: بالخيار بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه ناقصًا، ولا شيء له في
[ ٢ / ١١٥٣ ]
الجناية وهو قول ابن المواز.
قوله: "ولا ضمان على الغاصب في زيادة إن طرأ عنده، ثم (تلفت) في بدن أو قيمة"، وهذا تنبيه على خلاف الشافعي، وقد ذكرناه.
قوله: "ولا له في رده زيادة قيمة (بتعليم) صنعة، أو حوالة سوق": وهذا هو المشهور، وقال ابن القاسم: إذا غصب ثوبًا فصبغه فربه بالخيار بين أن يأخذ قيمته يوم الغصب، وبين أخذ الثوب، ثم إذا أخذه فهل يدفع للغاصب قيمة الصبغ أم لا؟ قال (أشهب): لا شيء له في حد الصبغ، وقال غيره: يدفع له قيمة الصبغ، وإن نقصه الصبغ، فله أخذ قيمته يوم الغصب، أو أخذه بغير أرش، ولو غصب طينًا فضربه لبنًا رجع عليه بمثل الطين، وإن غصب شاة فذبحها فلربها أخذها مذبوحة، وما نقصها الذبح، ولو ذبحها وشواها ضمن لربها قيمتها، ولو غصب نقرة فصاغها حليًا ضمن مثلها، ولا شيء له غير ذلك على الأشهر، وقال ابن الماجشون: له أخذ العين في ذلك كله لأن الظالم أولى ما حمل ويرجع عليه بما زاده، فعله فيها إذا تبينت الزيادة، ولو غصب زيتًا فخلطه بمثله صار شريكًا بمليكته، وإن خلطه بأدني منه فهو فوت، وعلى الغاصب مثله، واختلف المذهب في حوالة السوق، وفي هذا الباب هل هي فوت أم لا؟ مثل أن تكون قيمته يوم الغصب ألفًا، ثم عاد إلى خمسمائة، والمشهور أنه لا التفات إلى ذلك، وليس له إلا
[ ٢ / ١١٥٤ ]
العين، وذكر ابن شعبان عن ابن وهب وأشهب وعبد الملك، أن علي الغاصب أرفع القيم، وللمغصوب منه أن يأخذه بذلك، إذا هلك، لأن عليه أن يرده كل وقت، قال: وكذلك إن كانت قيمته خمسين، ثم بلغت ألفًا، ثم عادت إلى خمسين فالقيمة عندهم أرفع القيم.
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: "يجعله أرفع القيم مع وجود العين أو عدهم، قال: وأري (أن العبد) إن كان عبد قنية فله عبده لا غير، وإن كان للتجارة لزمه أرفع القيم"، وقال مالك: في الغاصب والسارق إذا حبسه عن أسواقه ومنافعه، ثم رده بحاله لم يكن لربه أن يضمنه، وإن كان مستعيرًا، أو متكاريًا ضمن قيمته، قال ابن القاسم: ولولا ما قاله مالك لجعلت على السارق مثل ما أجعل على المتكاري وأضمنه القيمة إذا حبسها عن أسواقها.
قوله: "ولا أجره على الغاصب في المدة التي (حبس) فيها العين المغصوبة" وهذا كما ذكره لأنه إنما غصب الرقبة فوجبت (عليه) قيمتها بالغصب دارًا فأغلقها، أو أرضًا فبورها، أو دابة فوقفها عليه الإجارة، لأنه منعه ذلك.
قوله: "فأما إن انتفع به، أو اغتل ففيه خلاف" وهذا كما ذكره، وفي
[ ٢ / ١١٥٥ ]
المذهب في هذه المسألة خمسة أقوال، فروي أشهب وعلى بن زياد عن مالك أنه يغرم الغلة أي صنف كان المغصوب اعتمادًا على قوله -صلي الله عليه وسلم-: (ليس لعرق ظالم حق) وذكر القاضي أبو الحسن بن القصار عن مالك رواية أنه لا يغرم مطلقًا عكس الرواية الأولى اعتمادًا على قوله -صلي الله عليه وسلم-: (الخراج بالضمان) والرواية الثالثة (أنه) يغرم غله الرباع والغنم والإبل، ولا يغرم غله العبيد والدواب، وهي إحدى روايتي ابن القاسم عن مالك قال (أيضًا): ويغرم ما استغل، ولا يغرم ما استعمل، وقال ابن المعدل: يغرم غله ما لا يسرع إليه كالدور والأرضين، ولا يغرم ما يسرع ذلك إليه، لأن الديار مأمونة فكأنه لم يضمن شيئًا بخلاف غير المأمون فيسقط عنه الكراء فيه من أجل ضمانه له، ومدار المسألة على التردد بين مفهوم الحديثين، والتفريقات استحسانات، قال ابن حبيب: إذا باع الغاصب أو وهب غرم الغلة التي اغتل المشتري والموهوب له، فإن كان الغاصب معسرًا رجع (به) على الموهوب له إن كان حيًا، وعلى وارثه إن كان ميتًا، لم يرجع على المشتري.
فرع: إذا حكمنا على الغاصب (برد الغلة) فهل يرجع بما أنفق على العبد والدابة وغيرها من علف، وسقي، وعلاج أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يرجع بذلك لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (لا ضرر ولا ضرار) والثاني: أنه لا
[ ٢ / ١١٥٦ ]
شيء له لقوله -صلي الله عليه وسلم- (ليس لعرق ظالم حق)، والثالث: أنه إن كان ربه ممن يلي هذه الأمور بنفسه لم يرجع عليه الغاصب بشيء، وإن كان ممن يحتاج فيه إلى استئجار رجع عليه الغاصب فيما تولاه بإجارة المثل، لأنه صون ماله، وكذلك إذا أنفق على ما لا غله له كالصغير الذي لا يبلغ الخدمة، أو الدابة التي لا يمكن ركوبها، فهل يرجع على صاحبها بشيء من النفقة أم لا، قولان.
واختلف المذهب أيضًا فيمن غصب خرابًا فأصلحه واغتله هل للمغصوب منه جميع الغلة، أو قدر ما ينوب الأصل قبل الإصلاح قولان عندنا.
قوله: "وإذا غصب ساجة وبني عليها لزمه ردها، وإن تلف بناؤه": والساجة: الخشبة ونبه بهذه المسألة على خلاف أبي حنيفة حيث قال: لا يقلع الخشبة ولصاحبها قيمتها لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (لا ضرر ولا ضرر) والمعتمد لنا قوله -صلي الله عليه وسلم-: (لا يحل ال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس) وقوله -صلي الله عليه وسلم- (علي يد رد ما أخذت).
قوله: "وإن أدرك المالك الأرض وفيها زرع للغاصب فله قلعة إلا أن يكون وقت الزرع قد فات" وهذا كما ذكره، أما إذا لم يفت أبان الزراعة فلمالك الأرض أن يقول: أنا أزرع أرضي، ولا أخذ منه بدلًا، وأما إذا فات
[ ٢ / ١١٥٧ ]
فصل ومن ابتاع أمة فأولدها
إبان الزراعة ففيها روايتان أحدهما: أن له قلعة لقوله -صلي الله عليه وسلم- (ليس لعرق ظالم حق) والآخر: أن ليس له قلعة، وله على الغاصب كراء الأرض لقوله -صلي الله عليه وسلم- (لا ضرر ولا ضرار).
قوله: "وإذا وجد المغصوب بعد أخذ قيمته كان للغاصب إلا أن يكون أخذاه" وهذا كما ذكره لأن القيمة قد أوجبها الحكم وقيل (لربه) الرجوع إلى أخذ العين، وأما إذا أخفاها الغاصب قاصدًا الرفع للقيمة فلا خلاف أن ربه أحق به، ثم ذكر تضمين فاتح القفص، وقد تقدم أن المسبب في هذا كالمباشر، ثم ذكر الخلاف في قيمة ما لا يحل بيعه كالخمر والخنزير، وفيه قولان مشهوران.
فصل
قال القاضي -﵀-: ومن ابتاع أمة فأولدها، ثم استحقت (فولدها) حر".
وهذه المسألة قد اختلف فيها قول مالك، ونزلت به حين استحقت أمولده إبراهيم، وتحصيل القول في ذلك: أن الولد بلا خلاف ليس للمستحق أخذه البتة، لأن الواطئ وطئ بوجه صحيح معتقد الملك فدخل على حرية ولده مستندًا إلى أصل الملك، فلا كلام في ذلك، وهل للمستحق عن الولد قيمة أم لا؟ قولان، عن مالك أحدهما: أن يأخذ قيمته لأنه ولد أمة أخذها
[ ٢ / ١١٥٨ ]
فلما تعذر أخذه شرعًا وجب الانتقال إلى قيمته، والثاني: أنه لا يأخذ قيمته، وهو الذي رجع إليه مالك، واستقر عليه قوله اعتمادًا على ما ذكرناه من أنه مستند إلى أصل الملك، وأنهم ولدوا في ضمان الأب بعد ثبوت حرمة الأم، ووجوب قيمتها عليه، وأما الأم فهل له أخذ عينها أم ليس له إلا قيمتها فيه أيضًا قولان، عن مالك أحدهما: أن له أخذ عينها قياسًا على رد عتقها لأنه غير (مالك) في نفس الأمر حقيقة، والثاني: أنه يأخذ قيمتها، وإليه رجع مالك حين نزلت به (وبه أخذ) ابن كنانة، وابن أبي حازم، وابن دينارن وابن الماجشون، والمغيرة، اعتبارًا بولدها لما ذكرناه من مراعاة أصل الملك.
وفصل الشيخ أبو الحسن اللخمي فقال: إن كان الأب ممن له قدرة فعليه لمستحقها قيمتها، ويجبر على ذلك من أباه، وإن كان لا قدر له أخذ مستحقها عين الأمة لا قيمتها، وإذا أوجبنا القيمة، فمتي تكون، ثلاثة أقوال:
الأول: أنها تجب يوم الحمل، والثاني: أنها تجب يوم الولادة.
والثالث: أنها تجب يوم الحكم، واختلف في فروع تتعلق بذلك:
الأول: إذا رضي المستحق بأخذ القيمة، وأراد الواطئ تسليمها فهل يجبر الواطئ على دفع القيمة أم لا؟ قولان عندنا: أحدهما: أن الوطء لا يجبر على دفع القيمة وهو قول أشهب، والثاني: أنه يجبر على ذلك، والقول قول المستحق وهو قول ابن القاسم، وفصل الشيخ أبو الحسن اللخمي فقال: إن كان الولد حيًا، وعليه في تسليمها معرة أجبر الأب على دفع القيمة، وإن كان الولد ميتًا أو ممن لا قدر له لم يجبر.
الفرع الثاني: إذا استحقت الأمة في هذه الصورة وهي حامل جري فيها ما تقدم من الأقوال، وإن قلنا: إن المستحق أخذ عين الأمة أخرت
[ ٢ / ١١٥٩ ]
حتى تضع حملها فيأخذها حينئذ ويجري في الولد ما تقدم من الخلاف، وإن قلنا: إنه يأخذ قيمتها فقط، وليس له أخذ عينها أخذ قيمتها على ما هي عليه، ولا ينتظر الوضع.
الفرع الثالث: إذا ماتت الأم قبل المحاكمة فالصحيح أن القيمة لا تسقط، وتكون على حكم أم الولد من يوم الحمل على أحد الأفول وعلى (القول الآخر) أنها معتبرة يوم الحكم ينبغي سقوطها، وهو تخريج المتأخرين.
الفرع الرابع: إذا أوجبنا على الأب قيمة (الأمة) فكان معسرًا اتبعه المستحق قيمتها متي أيسر وهل يلزم الولد أن يدفع للمستحق قيمة نفسه إن كان أبوه معسرًا أم لا؟ قولان عندنا، قال ابن القاسم: يغرم قيمة نفسه، ولا يرجع على الأب إن أيسر، وقال أشهب: لا شيء على الابن، لأن حريته مقتضي الأحكام، وهل يقوم الولد بما له أمر لا يعتبر ماله في القيمة قولان حكاهم الشيخ أبو الحسن، ففي العتيبة عن ابن القاسم يقوم الولد بغير مال، وقال (المغيرة) والمخزومي: يقوم بماله، فإن كانا معسرين اتبع المستحق أولاهما أيسر بقيمة الأمة، قال في الكتاب: وإن كانا مليين فذلك على الأب، ولا يرجع به الأب على الولد، وهذا الذي ذكرناه فيما إذا وطئها بالملك فولدت، ثم حدث الاستحقاق فإن كان الولد من زنا فلا خلاف أنه رقيق، فللمالك أخذه، وأخذ الأم، وإن كان وطئها بنكاح وهو عالم أنها أمة فكذلك أيضًا لأنه بتزوج الأمة دخل على رق الولد، إذا الولد للفراش إجماعًا، فإن غرت الأمة من نفسها وتزوجها على أنها حرة فإذا هي رقيق فولدت فلا خلاف أن الولد حر، لأنه دخل على ذلك، وعليه قيمته لسيد الأمة، وللسيد أخذها، لأن غرورها لا يزيل ملكه عنها، وحكي الشيخ أبو القاسم بن
[ ٢ / ١١٦٠ ]
الجلاب أنه ليس لسيدها إلا قيمتها، وهذا الذي ذكرناه من وجوب قيمة الولد إنما يتصور إذا كان ممن لا يعتق على المستحق، فإن كان الواطئ ابنًا أو أبًا ممن يعتق ولده على المستحق فهل يلزمه قيمة الولد أم لا؟ قولان، الجمهور على أن لا رجوع له بقيمة الولد على الواطئ لأنه إذا وجب عليه عتقه كان أخذ القيمة عنه غير جائز، ويرجع بالصداق على من غره لما في ذلك من التفرقة عليه ولا يرجع بقيمة الولد إذا أخذت منه على من غره، لأن الغرر لم يتعلق بالولد، وإنما يتعلق بالاستمتاع.
قوله: ولا يلحق النسب بالغاصب": قلت: وهذا كما ذكره، لأنه زان، وقد تقدم حكمه، ثم ذكر مسألة من بني أرضًا أو غرسنا، ثم جاء مستحقها، وفصل القول في ذلك تفصيلًا حسنًا جاريًا على المذهب، فأما الغاصب مخير كما ذكره القاضي بين أن يأمر الغاصب بالقلع، أو يدفع له قيمة ذلك مقلوعًا، لأن عرق الغاصب لا حرمة له، إذا هو عرق ظالم، ولا مقال للغاصب إذا قال أريد عين مالي ولا أريد قيمته، لأن المالك يقول: لا أدعك توعر أرضي بتخريبها وقلع غراساتها فرجح قول المالك على قول الغاصب، وإنما وجبت قيمته مقلوعًا، لأن تبقيته (غير مستحقة) عليه.
قوله: "بعد حط أجرة القلع" هو كما ذكره لأن علي الغاصب تسليم الأرض إلى المالك فارغة كما كانت حين الغصب، والمشتري من الغاصب العالم فإن غاصب، فإن كان الباني قد بني أو غرس بوجه شبهة بدأ المستحق بالخيار لكونه أقوي سببًا فيعطي المستحق للباني قيمة بنائه قائمًا بخلاف الغاصب، لأن الغاصب متعد في البناء، وهذا بني بشبهة وإذا بذل القيمة لزم الباني أخذها، لأن الضرر قد زال عنه بأخذ القيمة، فإن أبي الثاني من أخذ القيمة انتقل الخيار للمستحق، فإن أبيا كانا شريكين كما ذكره القاضي.
[ ٢ / ١١٦١ ]
باب في الحوالة والحمالة
قال القاضي -﵀- " الحوالة: تحويل الحق من ذمة إلى ذمة (تبرأ بها) الأولى ما لم يكن (غرورًا) من (عيب) الثانية" إلى آخره.
شرح: الحوالة مستثناه من الدين بالدين، لأن المحيل باع الدين الذي له على المحال عليه بالدين الذي كان عليه، فهي من جملة العقود المستثناة لمكان الضرورة وقصد (المعروف)، وحدها بعضهم فقال: صرف ما حل فيما حل أولم يحل، وإنما اشترطنا حلول الدين المحال به، لأنه إذا لم يحل كانت معارضة خارجة عن باب المعروف إذا لم يرض بالتحويل من ذمة إلى ذمة إلا لمكان التعجيل، والأصل في جوازها ما رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم- (مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) ومحمله عندنا على الندب، ورواه سفيان الثوري بهذا الإسناد وفيه: (إذا أحيل أحدكم على غني فليستحل) ولا يخلو أن
[ ٢ / ١١٦٢ ]
تنعقد بلفظها الصريح المتفق على مقتضاه، فتلزم علي حكمها، أو بلفظ محتمل دائر بين الحوالة والوكالة مثل أن يقول: خذ الدين الذي لك على الدين الذي لي على فلان ففلس فلان، فقال ابن القاسم: محمله على الوكالة ولرب الدين أن يرجع على غريمه، وله أن يقول: إنما طلبت نيابة عنك، وفي العتيبة فيمن أحال رجلًا بدين على رجل آخر، فقال المحيل: إنما (أحلتك علي) دين لي ليكون ذلك سلفًا عندك، وقال القابض: إنما أخذته عوضًا (عما) كان لي عليك، فالقول قول المحيل، لأن الأصل براءة ذمته من الدين الأصلي إلا ببينة، ومحمل هذا على الوكالة لا على الحوالة، وقال ابن الماجشون: القول قول مدعي الحوالة إذا أدعي من ذلك ما يشبه، وحكي الإمام أبو عبد الله وغيره في هذه الصورة قولين: أحدهما: القول قول (المحيل) والثاني: أن القول قول (المحال) أنه لم يقبض إلا ما استحق.
قوله: "يبرأ بها الأول": تنبيه على خلاف أبي حنيفة حيث اوجب للمحال الرجوع على المحيل إذا مات المحال عليه، ر وأفلس، أو جحد الحق.
قوله: "ما لم يكن غرورًا" تنبيه على مذهب الشافعي، ومذهبنا أنه إذا غره كان له الرجوع مثل أن يحيله على عديم، والمعتمد لنا قوله -صلي الله عليه وسلم-: (وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) وهذا غير مليء.
قوله: "ويعتبر فيها رضي المحيل والمحال دون المحال عليه": قلت:
[ ٢ / ١١٦٣ ]
وهذا مذهب مالك -﵀ - وقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة مذاهب، فاعتبر الشافعي رضا الثلاثة: المحيل والمحال والمحال عليه تغليبًا لحكم المعاوضة، واعتبر مالك رضا المحيل والمحال فق، واعتبر داود رضا المحيل والمحال عليه دون المحال، واعتبر الشافعي ما ذكرناه من أنهما معاوضة صحيحة ومعاملة حقيقية فتفتقر إلى الرضا والإيجاب، ومن أنزل المحال عليه من المحال منزلته من المحيل لم يعتبره رضاه، إذا لا حجة له في دفع الحق الذي عليه لمن قبضه منه مطلقًا كائنًا ما كان، واعتمد داود على قوله -صلي الله عليه وسلم-: (وإذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع) والأمر للوجوب، وشرط علماؤنا في صحة الجواز ثلاثة شروط:
الأول: رضا المحيل والمحال كما ذكرناه.
والثاني: حلول الدين (المحال به).
والثالث: اتفاق الدينين نوعًا وقدرًا ووصفًا.
أما الشرط الأول فقد تكلمنا فيه (وأما حلول الدين) فاشترطنا حرزًا من الدين بالدين، فإن لم يكن للمحيل على المحال عليه دين بالدين فإن لم يكن للمحيل علي الحال عليه دين (فأحاله عليه) فأفلس المحال عليه، فهل يرجع المحال أم لا؟ قولان، قال ابن القاسم: يرجع عليه، وقال ابن الماجشون: لا يرجع عليه، وأما اشتراط الاتفاق فبين ليتحقق به المعروف، فإن لم يتفقا خرج إلى باب المعاوضة فيتعلق بهذا الشرط الحوالة في الطعامين، وقد منع من ذلك بعض الفقهاء خارج المذهب مطلقًا، لأنه من
[ ٢ / ١١٦٤ ]
باب بيع الطعام قبل قبضه، وتحصيل القول فيه على مقتضي المذهب أنهما إن كانا من قرض (فالحوالة جائزة، لأن بيع الطعام قبل قبضه جائز إذا كان من قرض) فإذا كان الطعامان من بيع أو احدهما فلا يخلو أن تتفق رؤوس الأموال أم لا؟ فإن اتفقت فهي تولية، وإن اختلفت لم تجز الحوالة على المشهور حلت الآجال أو لم تحل، لأن ذلك من بيع الطعام قبل قبضه، (وهو ممنوع).
قوله: "ولا رجوع (فيها) وإن تلف (الحق) إلا بالغرور": وقد قدمنا أنه نبع على مذهب أبي حنيفة القائل: أن له الرجوع عند الموت مفلسًا، أو جحد الحق، والمعتمد لنا قوله -صلي الله عليه وسلم-: (إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع).
قوله: "وأما الحمالة فمعناها مشغل ذمة أخرى بالحق" قلت: الحميل والضامن والزعيم، والكفيل (والقبيل) واحد، قال تعالي: ﴿أو تأتي بالله والملائكة قبيلة﴾ [الإٍسراء: ٩٢] والأدين أيضًا، وقال تعالي في الكفيل: ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا﴾ [النحل:٩١] وقال في الزعيم في الزعيم: ﴿وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢] وقال -صلي الله عليه وسلم- (لا تقوم الساعة حتى يكون زعيم القوم أرذلهم) وقال الشاعر:
[ ٢ / ١١٦٥ ]
فإن زعيم القوم لا يقبل الرشاد يكون إمام القوم في الحادثات
وقال -صلي الله عليه وسلم- (تكفل الله لمن جاهد في سبيله ولا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله ابتغاء مرضاته أن يدخل الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة)، وقال تعالي في الأدين: ﴿وإن تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم:٧] وقال: ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم﴾ [الأية] وقال امرؤ القيس:
وإني (زعيم) إن رجعت مملكا بسير تري منه الفرائق أزورا
علي لاحب لا يهتدي لمناره إذا سافه النباطي جرجرا
والأصل في مشروعية الحمالة قوله سبحانه: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ وقال -صلي الله عليه وسلم-: (الزعيم غارم)، وقال -صلي الله عليه وسلم-: (لا تحل الصدقة إلا لثلاثة) وذكر فيهم: (رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يردها) الحديث خرجه الشيخان البخاري ومسلم، وهي على أربعة أوجه: حمالة بالمال، وحمالة بالوجه، وحمالة بالطلب، وحمالة مجهولة، أما الحمالة بالمال فثابتة، وأجمع العلماء على جوازها ولزومها وشذ قوم وقالوا: (ليست بلازمة) وتشبيهها بالعدة، والدليل على (لزومها) قوله -صلي الله عليه وسلم- (الزعيم غارم)، وأما حمالة الوجه، فقد اختلف الفقهاء فيها فأجازها
[ ٢ / ١١٦٦ ]
الجمهور، لأنها وثيقة كالرهن ومنعها الشافعي في أحد قوليه، ومنعها داود اعتمادًا على قوله سبحانه: ﴿معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدها متعانا عنده﴾ [يوسف: ٧٦] وتأويله الجمهور على أن المعني أنه لا يأخذ بالحق إلا من تعين عليه وهو جار في حمالة الوجه (وحمالة المال وسائر الحقوق، وصف حمالة الوجه) أن يقول: أنا حميل بإحضاره، وأما حمالة الطلب مثل أن يقول: أن حميل بطلبه فيلزمه الطلب جهد استطاعته، فإن عجز عن الطلب لم يلزمه شيء، وكذلك إن غاب المطلوب إلى موضع بعيد، وليس من شأنه السفر إليه لم يلزمه طلبه، ولم يكن عليه شيء، وقال ابن الماجشون: يخرج لطلبه قرب موضعه أم بعد ما لم يتفاحش، قال أصبغ: يطلبه على ميسرة اليومين، وحيث لا مضرة فيه، فإن خرج لطلبه وقال: لم أجده فهل (يكلف) الحميل إثبات وصوله أم لا؟ المنصوص عليه أن القول قول الحميل إذا أشبه، واستقرئ من تكليف الأجير على توصيل الكتاب إثبات الوصول، إثباته هنا خرجه الأشياخ، وفي المبسوط إذا كان قادرًا على إحضاره فتركه حتى غاب فهو ضامن، وفي كتاب محمد: إذا لم يعرف موضع الغريم لم يسجن حميل الطلب إلا أن يتهم بأنه (عرف مكانه) فأخفاه، وإن كانت الحمالة مجهولة لزمت، وكان القول قول الحميل فيما يدعي من ذلك.
قوله: "ولا تصح إلا بحق يمكن استيفاؤه من الضامن أو (بما) يتضمن ذلك" وهذا كما ذكره أن الحمالة إن تكون بالأموال، أو بما يتعلق بالأموال، ولا تجوز الكفالة بالحدود سواء كانت بحق الله سبحانه، أو بحق
[ ٢ / ١١٦٧ ]
الآدمي عندنا خلافًا لأبي حنيفة وغيره، وأجاز الكفالة في الحدود اعتمادًا على ما جاء في بعض طرق حديث العامرية أن النبي -صلي الله عليه وسلم- (أمرها بالانصراف حتى تضع) وفي بعض طرقه وهو موضع احتجاج الحنفية أنه -صلي الله عليه وسلم- كفلها.
تنبيه: الكفالة الممتنعة في الحدود هي أن يتكفل بما يجب على المطلوب، أو يتكفل بوجهه على أنه متى عجز عن إحضاره أخذ ذلك منه كل هذا لا يجوز، وأما الكفالة بطلبه خاصة فجائز في الحدود الواجبة (لحق الآدميين) على أن لم يحضره سقط حق الطالب نص على جوازه على هذه الصفة إسماعيل القاضي، ولا يجوز ذلك في حقوق الله سبحانه، بل الواجب أن يسجن حتى يقام عليه (الحد) إن تعذر تعجيله، وقد ذكرنا أن الحمالة على أربعة أوجه: الأولى: الحمالة بالمال وهي (على ضربين) مطلقة ومقيدة، فالمطلقة أن يقول: أنا حميل بما عليه، والثاني: أن يقول: أنا حميل بما عليه إن غاب أو افتقر (أو مات) وكلا القسمين جائز، ويبدأ في المطلقة بالغريم، وهل للطالب طلب الكفيل مع القدرة على الغريم فيه قولان عن مالك، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: واختلف عن مالك أيضًا إذا اشترط الطالب أن يبتدئ بأيهما شاء، فأجاز ذلك مرة، ومنعه أخرى، فقال: يعمد إلى هذا فيبيع مسكنه وخادمه وصاحبه حاضر مقيم لا أري أن يوفي بهذا
[ ٢ / ١١٦٨ ]
الشرط، وبه أخذ أشهب، وابن كنانة، وابن الماجشون، وبالأول أخذ ابن القاسم ورأي الوفاء بهذا الشرط لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (المسلمون على شروطهم)، وأما الحمالة بالمال المقيد فيجري فيها على مقتضي التقييد بلا خلاف، قال المتأخرون: اشتراط الطالب تبدئة الحميل على ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون للطالب في ذلك منفعة مثل أن يكون الغريم لا يقدر على الوفاء من رباع، والحميل موسر بالعين فله مقتضي شرطه في هذه الصورة لظهور المنفعة. والثاني: أن لا تكون له فيه منفعه أعني الطالب، ولا على الغريم مضرة مثل: أن يكونا موسرين بالعين فهل يوفي بهذا الشريط أم لا؟ قولان حكاهما الشيخ أبو الحسن اللخمي، واختار الابتداء بالغريم.
والقسم الثالث: أن يكون على الحميل في ذلك مضرة مثل: أن يكون الغريم موسرًا بالعين، والحميل موسرًا بعرض، أو عقار، فلا يمكن الطالب من بيع عرض (الحميل) أو عقار مع قدرته على أخذ العين (من يد غريمة) وكذلك لو كان في أيديهما عروضًا أو عقار، فليس له أن يعدل إلى الحميل إذا كان ما بأيديهما سواء في إمكان بيعه، ونفاق سوقه.
قوله: "وإن يأت به لزمه ما عليه": يريد في حمالة المال، لأنه مقتضاها، واختلف المذهب إذا حل الأجل، وسأل الحميل أن يؤخر رجاء حضور الغريم، فقال مالك وابن القاسم: ذلك له، وقال ابن وهب: يغرم المال، ولم يجعل فيه تلومًا وفي المدينة: إذا كان سفرًا قريبًا اليومين والثلاثة، وما لا يضر بالمحتمل له، وغرم الحميل على قدر ما يراه الإمام، ولو قال الطالب: أخاف أن لا يرجع الحميل إذا سافر كان له أن يأخذ عليه حميلًا.
فرع: إذا رفع الغريم نفسه للطالب عن الحمالة فهل يسقط الطلب عن
[ ٢ / ١١٦٩ ]
الحميل أم لا؟ قولان، المشهور أن لا يسقط، إلا أن يسلمه الحميل أو وكيله، وقال ابن عبد الحكم: تسقط الحمالة عن الحميل بإحضار الغريم نفسه للطالب وهو الصحيح، لأنه لا تمكن بذلك من طلبه.
قوله: "إلا أن يشترط أنه لا يلزمه إلا إحضاره فقط": قلت: حميل الوجه إذا قال: لست من المال في شيء لم يلزمه منه شيء، إلا أن يمكنه إحضاره فيلزمه لتفريطه غرم المال كمن تعمد إتلاف مال غيره، نص عليه القاضي أبو محمد، فإن تحمل بالوجه، ولم (يتعرض) (لنفي المال) عنه فأحضره موسرًا سقطت الحمالة عنه بلا خلاف، فإن كان الغريم مسجونًا في حق أو تعديًا، بريء الحميل بذلك، وكان إحضارًا، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: لأن ذلك كموته إذا تعدي عليه بالسجن، وكذلك إن أحضره معدمًا اللخمي: لأن ذلك كموته إذا تعدي ليه بالسجن، وكذلك إن أحضره معدمًا فالحمالة ساقطة عن الحميل إذا حضر ذلك في بلد تناله فيه الأحكام.
واختلف في مسائل:
الأولى: إذا قال: أنا حميل بوجهه ولم يقل: ولست من المال في شيء لزمه إحضاره، فإن لم يحضره فهل يغرم المال أم لا؟ فقال مالك وبان القاسم: يغرم المال إذا لم يحضره، وقال ابن عبد الحكم: لا شيء عليه، لأن الحمالة بعين لم تكن له قدرة على إحضارها، فلم يكن عليه غرم.
المسألة الثانية: هل تسقط الحمالة إذا ثبت فقره، المشهور سقوطها، وقال ابن الجهم: لا يبرئه إلا وصوله إلى صاحبه، لأنه تحمل به وقت يساره.
[ ٢ / ١١٧٠ ]
المسألة الثالثة: إذا حكم عليه بالمال فلم يغرم حتى حضر الغريم، فقال ابن الماجشون: قد مضي الحكم بالغرم فلا ينقض، وقال سحنون: لا غرم عليه.
المسألة الرابعة: إذا مات الحميل أو الغريم ففيه تفصيل، أما إذا مات الحميل فلا يخلو أن تكون الحمالة بالمال، أو بالوجه، فإذا كانت بالمال، ومات الحميل بعد حلول الأجل تعين طلبه بلا خلاف، وإن مات قبل الأجل ففيه ثلاثة أقوال، ففي المدونة لصاحب الحق: أن يأخذ ذلك من تركته الآن، وفي المبسوط: إذا حلف رباعًا وقال: ورثته هذا دينك في رباع الميت لم يكن ذلك لهم، وعن مالك أيضًا: أنه يوقف ذلك من ماله إلى الأجل، فإن دفع الغريم وإلا أخذ ذلك من الحميل، وفرق ابن نافع بين أن يكون للحميل ما مأمون أم لا؟ فإن كان له مال مأمون وقف (الحق وإلا أخذ الحق)، الآن من تركته، وأما حمالة الوجه يموت الحميل فيها. فقال مالك وابن القاسم: لا تسقط الحمالة، لأن الطلب متعلق (بالذمة، وعن عبد الملك في كتاب محمد تسقط، لأن الطلب متعلق) بعين الحيمل لا بذمته وهو عكس (القول الأول، وإذا فرغنا على أنها لا تسقط، فإن مات بعد حلول الأجل لزم ورثته ما لزمه، وإن مات قبل الأجل أنظر الورثة إلى حلول الأجل، وأما إن مات الغريم فيتعين طلب حميل المال بشرطه، وأما إن كانت الحمالة بالوجه فتسقط بموت الغريم إذا كان موته في البلد قبل الأجل، وبعده، واختلف إذا مات بغير البلد، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: هو محمول على اللد وأنه لا يغرم إلا بعد أن يخرج إليه الحميل، فإن بقي من الأجل ما لو تكلف الحميل طلبه خرج ورجع قبل حلول الأجل سقطت عنه
[ ٢ / ١١٧١ ]
الكفالة قال: وإن قلت لكم غير هذا فاطر حوه، وخذوا بهذا، وحمله ابن حبيب على الوفاء فقال: إذا بقي مال قدم الغريم ثم قدم عند حلول الأجل فلا شيء عليه، وقال أشبه: سقطت الحمالة إذا مات قبل الأجل لأنه قد ظهر أن غيبته لا تضره، وأنه لو كان حاضرًا لأتي الأجل وهو ميت فتسقط الحمالة.
قوله: "وتصح في المعلوم والمجهول" وهذا مذهب مالك -﵀-، وخالف في ذلك الشافعي فمنعها بالمجهول، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قوله -صلي الله عليه وسلم- (الزعيم غارم)، ولأنه ألزم نفسه شيئًا فلزمه كالنذر المبهم.
قوله: "قبل وجوب الحق أو بعده" (وهذا كما ذكره، أما بعد وجوب الحق) فظاهر، وأما قبل وجوبه فمثل أن يقول: دائن فلانًا وأنا ضامن لما تعطيه، فيجوز ذلك ويحمل الإطلاق في ذلك على العوائد دون ما يخرج عنها، نص عليه القاضي أبو محمد.
قوله: "وعن الميت والحي": أما عن الحي فلا إشكال فيه، وأما عن الميت فلحديث أبي قتادة في الرجل الذي مات عليه دين فأبي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أن يصلي عليه، فقال أبو قتادة: (صل عليه وعلى دينه) الحديث، خرجه أهل الصحيح، وباقي كلام القاضي في الباب قد تكلمنا على مقتضاه.
[ ٢ / ١١٧٢ ]
باب الوكالة
قول القاضي -﵀-: "باب الوكالة كل حق جازت فيه النيابة جازت الوكالة (فيه).
قلت: الأصل في جواز الوكالة قوله سبحانه: ﴿فابعثوا أحكم بورقكم﴾ الآية [الكهف:١٩]، وصح أن النبي -صلي الله عليه وسلم- (وكل عروة بن الجعد البارقي ليشتري له شاه لأضحيته، ووكل علي بن أبي طالب - ﵁- أخاه عقيلًا) وانعقد الإجماع على جوازها، وجري العمل عليها من الطالب والمطلوب الحاضر والغائب ذكرًا كان أو أنثي، ومنع سحنون وغيره من وكالة المطلوب ورآه من باب اللد، ومنه أبو حنيفة الوكالة إلا من الغائب والحاضر مع حضور الخصم وغيبته.
قوله: "وهي من العقود الجائزة": يعني إذا كانت على وجه التبرع، ولذلك جاز لوكيل عزل نفسه، فإن قارئها العرض على سبيل الإجارة فهي لازمة من الطرفين، ويجب حينئذ أن يكون العمل معلومًا، وإن خرجت مخرج الجعالة ففي المذهب ثلاثة أقوال: الجواز من الطرفين، واللزوم (منها
[ ٢ / ١١٧٣ ]
واللزوم) من جهة الجعل دون المجهول له
قال الإمام أبو عبد الله: الوكيل بالخيار بين أن يقبل الوكالة، أو يمنع، فإن قبلها على الفور عند خطاب الموكل له فلا إشكال في صحة ذلك، وإن لم يقبلها إلا بعد زمان طويل، فيجري على الخلاف في التمليك والتخيير هل لها أن تقضي بعد انفصال المجلس أم لا؟.
قوله: "وليس للوكيل أن يتصرف بعد علمه بعزل الموكل له": قلت: لا خلاف في المذهب أن للموكل أن يعزل وكيله في حضرته أو غيبته ما لم يتعلق بوكالته حق الغير مثل: أن ينشب معه في الخصومة، أو يوكله على قضاء دين (عليه)، فليس له العزل في هذه الصورة، وينعزل الوكيل إذا علم بالعزل بلا خلاف، وهل ينعزل قبل بلوغ العلم إليه بالعزل أم لا؟ قولان مبنيان على اختلاف الأصوليين هل يعتبر النسخ من يوم نزوله، أو من يوم بلوغه، وهل ينعزل بموت الموكل أم لا؟ اما إن كان وكيلًا مخصوصًا فلا لخلاف في انعزاله بالموت، الموكل أم لا؟ أما إن كان وكيلًا مخصوصًا فلا خلاف في انعزاله بالموت، وإن كان وكيلًا مفوضًا إليه المشهور أنه ينعزل بالموت، وقال مطرف: هو على وكالة حتى يعزله الورثة، وعلى هذا الاختلاف يقع الخلاف في تصرف الوكيل يعلم موت الموكل أو عزله قبل علمه بذلك هل يحمل على الرد على الإمضاء، قال أبوبكر بن المنذر: يرد تصرفه في هذا إجماعًا من أهل العلم يعني من الجمهور، وإلا فالخلاف قائم عندنا.
قوله: "ويجوز إطلاقه الوكالة في البيع" وهذا كما ذكره من أن الوكالة (تجري) على مقتضي لفظ الموكل من إطلاق أو تقييد، ويجري الإطلاق
[ ٢ / ١١٧٤ ]
فيها على مقتضى العوائد، ولا يبيع الوكيل على البيع بدون ما سمي الموكل، فإن باع بدون ذلك لم يلزم الموكل (ذلك) وله الخيار في رد البيع، أو إمضائه، فإن إمضاء أخذ الثمن، وإن فسخه والسلعة قائمة أخذها، وإن كانت فائتة، ولم يسم له ثمنًا (طالبة بقيمتها، وإن سمي له الثمن) فهل له مطالبته بما سماه، أو بالقيمة قولان عندنا، ولو قال الوكيل: أنا أتم ما نقص من الثمن الذي سميت لي فهل يلزم الموكل (البيع) أم لا؟ الرد فيه قولان عندنا، ولو قال له: بع بعشرة فباع بها بعد الإشهار لزم البيع، وإن باع لها بغير إشهار ففيه (قولان) اللزم (ونفيه) وكذلك لو قال: بع بمائة نسيئة فباع بمائة نقدًا، أو قال: اشتر بمائة نقدًا واشتر بمائة نسيئة صح ذلك، ولزم الأشهر قاله الشيخ أبو محمد أبن ابي زيد، قال: وخالفني فيه أبو بكر بن اللباد، ولو قال له: بع بالدنانير باع بالدراهيم، أو بالعكس ففي اللزوم قولان، وكذلك لو قال له: بع بعشرة فباع باثني عشر، فالمشهور لزوم البيع للموكل، لأن ذلك مقتضي المصلحة، والمعتمد في ذلك على حديث عروة بن الجعد البارقي (في شراء الأضحية، وقد رضي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فعله، ودعا له بالبركة) وقد قيل في المدينة: إن للموكل الفسخ في مثل صورة عروة ابن الجعد، واختلف القائلون بأن له الفسخ هل محل خياره في العقد الثانية فقط، أو له الخيار في العقدتين، وهو قول ابن الماجشون، والأول هو المشهور.
قوله: "والوكيل مؤتمن فيما بينه وبين موكله" وهذا كما ذكره، لأن
[ ٢ / ١١٧٥ ]
يده يد أمانة فيما بينه وبين، واما ما يقضي من ديونه ونحوه فلا يبرئ منه إلا بالإشهاد جريًا على العادة المتقدمة أن من دفع إلى غير اليد الذي دفعت إليه فلا يبرأ إلا بالإشهاد أصله الوصي، وقيل: لا يضمن إذا كانت (العادة في البلد) ترك الإشهاد، حكاه الإمام أبو عبد الله وغيره.
[ ٢ / ١١٧٦ ]
باب الإقرار
قال القاضي -﵀-: "باب الإقراء".
قسم القاضي -﵁- عنه الحقوق على قسمين: حق الله سبحانه، وحق آدمي، فحي الآدمي يلزم بالإقرار، ولا يجوز الرجوع عنه لما له في ذلك من الحق ويجوز الرجوع عن الإقرار في حقوق الله سبحانه لتعاليه عن الأغراض، والأمر كما ذكره، وتفصيل القول في حقوق الله سبحانه: أنه أما أن يرجع إلي شبهه، أو إلى غير شبهه، فإن رجع إلى شبهه فلا خلاف أن رجوعه عن الإقرار جائز، وإن رجع إلى غير شبهه فهل يجوز رجوعه أم لا؟ قولان عندنا والأصل في هذا الباب قول النبي -صلي الله عليه وسلم- في معز: هل رددتموه حين قال: ردوني إلى رسول الله-صلي الله عليه وسلم- في معز: هل رددتموه حين قال: ردوني إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ثم تكلم عن الإقرارات (المجملة)، وهي راجعة إلى مفهوم لسان العرب، منها أن يقر بجمع فيقول: على دراهم، أو دنانير فيلزمه أقل الجمع وهو ثلاثة عند مالك وكافة أصحابه تحكمًا للسان العربي في تفريقهم بين المفرد والمثني والمجموع، وإذا قال له: على دراهم كثيرة، فالمشهور أنه يلزمه بالتعظيم زيادة على ما يلزمه بإطلاق، فقيل: يلزمه ما زاد على الثلاثة، وقيل: تسعة دراهم، قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: وقال بعض شيوخنا الذين درسنا عليهم يلزمه مائتين درهم، وقال أبو حنيفة:
[ ٢ / ١١٧٧ ]
(عشرة دراهم، فإن أقر بمال، ولم يذكر مبلغه فقال بعض أصحابنا: يرجع إلى العشرة قل أو كثر، وقيل) يلزمه ربع، دينار (أو ثلاثة دراهم) أقل نصاب القطع، وقيل: عشرون دينارًا سكه أقل نصاب الزكاة فإن كان من أهل الإبل أو الغنم أو البقر (فأقل) نصابها، فإن وصف فقال: له عندي مال عظيم، فقيل: يرجع في تفسيره إليه كالمفرد غير الموصوف، قاله الشيخ أبوبكر الأبهري، وليس عن مالك فيه نص، وقال ابن المواز: لا يقبل في أقل من نصاب الزكاة، وقيل: نصاب السرقة، وكذلك لو قال لفلان: على شيء فيقبل في تفسيره في أقل مما يتمول، فإن أبي أن يفسر سجن حتى يبين ويحلف على ذلك، ولو قال له: على مائة درهم إلا شيئًا لزمه تسعة وتسعون، ولو قال له: على كذا دراهم، وأو بين المائة والألف، فيجري على الخلاف في المذهب في تعمير الذمة، ولو قال كذا وكذا لاحتمل من إحدى وعشرين إلى تسعة وتسعين، والصحيح أنه إذا فسر نيته بما يحتمله لفظه رجع إلى تفسيره ولزمه الأقل لأنه المقطوع به، واستظهر عليه باليمين في نفي الزائد.
قوله: "ويصح استثناء القليل والقليل من الكثير": أما استثناء القليل من الكثير فلا خلاف في جوازه ووقوعه، وأما استثناء الكثير من القليل فاختلف فيه الأصوليون والنحويون والمعتد في جوازه قوله سبحانه: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من أتبعك من الغاوين) [الحجر: ٤٢] وقال سبحانه: ﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين) [ص: ٨٢ - ٨٣] وبالضرورة أن أحد الصنفين (أقل)، "وهم المخلصون" لقوله سبحانه:
[ ٢ / ١١٧٨ ]
﴿وقليل ما هم﴾ [ص:٢٤] والتطولي فيه، في فن العربية وقد ألف محمد بن الحسن الشيباني فيه كتابًا مستقلًا بنفسه، وذكر أبو بكر السراج في الأصول من ذلك مسائل (جمة).
والاستثناء من غير الجنس جائز، واقع لقول النابغة: "إلا أواري" وقد قيل: إن قوله: ﴿إلا إبليس﴾ [البقرة: ٣٤] من الاستثناء المنقطع.
قوله: "والتهمة مؤثر في منبع الإقرار" وهذا كما ذكره أن التهمة (تمنع) الإقرار لما في ذلك من إبطال حق الورثة، أو الغرماء، فإذا أقر في المرض لمن يتهم عليه بطل إقراره، وإن كان ممن لا يتهم في إقراره له جاز، مثل: أن يقر لبعض العصبة الأباعد مع وجود أولاد الصلب فالتهمة تبعد في مثل هذا المحل فيقبل إقراره، وفي إقراره للصديق الملاصق روايتان أحدهما: رده، والأخرى: قبوله ويكون في الثلث فمن أنزله منزلة الوصية رده إلى الثلث، ومن اعتبر التهمة، ولاحظ نفس الإقرار، وهو مغاير للوصية
[ ٢ / ١١٧٩ ]
وقال أبو حنيفة: لا يقبل إقرار المريض للوارث جملة، وقال الشافعي: يقبل إقراره على كل حال.
قوله:"وإذا أقر أحد الأبنين بثالث لم يثبت نسبه وأعطاه ثلث ما في يده": وهذه المسألة من مشهور مسائل الخلاف فقال قوم من أهل العلم: لا يثبت بذلك النسب، ولا يجب الميراث وهو الصحيح من أقوال الشافعي، والقول الثاني: ثبوت النسب والميراث، ومذهب مالك -﵁- أن (هذا) الإقرار يتبعض فيثبت به حكم الميراث، ولا يثبت به النسب، والمعتمد لنا أن الخطة إقراره يتضمن) شيئين: أحدهما: على نفسه وهو استحقاق المقر له حظه مما بيده، والثاني: على غيره وهو كونه ابنًا لأبيه، فيقبل إقراره على نفسه، ولا يقبل على غيره، ومن رأي أنه إقرار واحد لا يقبل التبعيض، ولم يتصور عند انفكاك المتلازمين أبطلهما أو أثبتهما، وهذان القولان للشافعية، وإذا أمضينا إقراره في المال على مقتضي المذهب أعطيناه (من يد المقر قدر ما حصل في يده في الزيادة على ميراث اثنين لو ثبت هذا النسب، فإذا أقر بأخ واحد أعطي) نصف ما بيده، وإن اقر باثنين (أعطاهما ثلثي) ما بيده، والأنثى في هذا الإقرار معتبرة بفريضتها في المواريث، وعلى الجملة فضابط مشهور المذهب أنه يعطي المقر له ما كان يجب عليه لو أقر الأخ الثاني أو ثبت النسب وهو مقدار الزيادة على ميراثه لأنه تمام الميراث في يد الابن الآخر، فلا يلزم المقر دفع ما ظلمه به الجاحد، ولو ترك أمًا وأخًا فأقرت بأخ
[ ٢ / ١١٨٠ ]
آخر، فإنها تخرج نصف ما بيدها وهو السدس فيأخذه الأخ المقر له وحده، قال محمد وهو قوله في موطئه، وعليه الجماعة من أصحابنا، وقال في رواية أخرى: يقسمه هو وأخوه والله الموفق.
[ ٢ / ١١٨١ ]
باب اللقطة والضوال والآباق
قال القاضي - ﵀-: "باب اللقطة والضوال".
اختلف الفقهاء في حكم التقاط التالف من أموال الناس، فمن أهل العلم من أوجب ذلك، لأنه من حفظ مال المسلم، وقال جماعة من السلف منهم ابن عباس الالتقاط مكروه مطلقًا وبه قال أحمد وغيره من الفقهاء لأمرين: الأول: قوله -صلي الله عليه وسلم-: (ضالة المؤمن حرق النار) ولما يخاف من التقصير في حفظها، وقال أبو حنيفة: الالتقاط أفضل من الترك، وتحصيل المذهب فيه أنه بحسب الأحوال والأزمان، فإن كانت اللقطة بين مأمونين والغمام عدل كره الاقتاط لما في ذلك في الخطر، وإن كانت بين غير مأمونين، (والإمام جائر التقطها) لما يؤمر به من حفظ مال أخيه المسلم، ولعله الذي أشار القاضي إليه بالاستحباب، والأصل في جوازها قوله -صلي الله عليه وسلم- للذي سأله عنها (أعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة) الحديث.
[ ٢ / ١١٨٢ ]
والمقصود من ذلك ماله خطر، وأما التافه اليسير فهل يعرف أم لا؟ (استحب) أشهب تعريفه، وأسقطه غيره وذلك كالسوط والنعل والدرهم، واختلف المذهب في مسائل تتعلق بتعريفها:
المسألة الأولى: منها التعريف سنة على الأشهر بعد الاستبراء، وقيل: من يوم الوجود، وقيل: هو بحسب الاجتهاد.
المسألة الثانية: العفاص: الخرقة، والوكاء: الخيط، وقيل عكسه، وهل يكتفي بالعلامات أو لا بد من البينة على ذلك قولان.
المسألة الثالثة: إذا اعتبرنا العلامات من غير بينة فهل يكفي بالعفاص والوكاء، أو لا بد من معرفة العدد والصفة، قولان، وإذا قلنا: إن العلامة تكفي عن البينة، فهل يكتفي بواحدة من العلامات أم لا بد من معرفة جميعها، واختلفت الروايات في ذلك عن المذهب، وهل يستظهر عليه باليمين مع معرفة العلامات، إذا بيننا على جواز الاكتفاء بها أم لا قولان.
قوله: "فإن مضت سنة، ولم يأت من يطلبها فإن شاء الملتقط تركها في يده أمانة": قلت: هو مخير بين ثلاثة أمور أن يتركها تحت يده أمانة، ولا ضمان عليه إن تلفت بغير فعله، أو يتصدق بها، أو يتملكها دينًا في ذمته، فإن جاء ربها غرمها له، وإن تصدق بها فهل يضنها أم لا؟ قولان عندنا، الضمان وهو المشهور نقلًا، ونفيه وهو الظاهر نظرًا لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (وإلا فشأنك بها) وهذا تمليك شرعي.
[ ٢ / ١١٨٣ ]
قوله: "على كراهية (منا لذلك) ": يشير إلى نحو ما قدمناه في كراهية استسلاف الوديعة، وهذا فيما يتصور فيه التعريف، وأما الطعام (الرطب) الذي يفسد بتركه فحكمه ما ذكر أن ملتقطه بالخيار بين أن يتصدق به أو يأكله، ويضمنه إن كانت له قيمة، وقد بين -صلي الله عليه وسلم- حكم ضالة الإبل والغنم فلا يعرض لضالة الإبل، ويأكل ضالة الغنم في الصحراء، ولا يضمن قيمتها، وإن شاء تصدق بها، وقد قيل في المذهب: لا ضمان عليه إذا أكلها، لأنها تمليك شرعي، فإذا وجد ضالة الغنم في قرية أو بقرب العمران لم يلتقط.
واختلف المذهب في ضالة البقر هل تلحق بالإبل أو بالغنم فيه ثلاثة أقوال: إلحاقها بالغنم أو بالإبل أو التفرقة، فإن كان لها قرون تدفع بها عن نفسها، فهي في معني الإبل وإلا فهي في معني الغنم، ثم ذكر حكم اللقطة يردها بعد أن أخذها، و(لباب) القول فيه أنه إن أخذها اختبارًا لم يضمن، وإن أخذها احتفاظًا ضمن.
[ ٢ / ١١٨٤ ]