الأصل في جواز الاسترقاء قوله تعالى (وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) [الإسراء: ٨٢]
وقول تعالى (وهذا كتاب أنزلناه مبارك) [الأنعام: ٩٢]
وقوله ﷺ في أم جعفر بن أبي طالب "استرقوا لها فإنه لو سبق القدر شيء لسبقه العين" قال التلمساني: إنما أمر بالاسترقاء في هذا الحديث وشبهه ولم يأمر بالوضوء لأن الاغتسال إنما يؤمر به إذا كان العائن معروفا والأصل في التعوذ قوله تعالى (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) [النحل: ٩٨]
، وقوله (وإن أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) [آل عمران: ١٣٦]
إلى غير ذلك من الآي.
والأصل في التعالج من المرض وشرب الدواء والفصد والكي قوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) [النساء: ٢٩]
وقوله ﷺ "إن الذي أنزل الداء أنزل الدواء" وأنه ﵊ أمر بالكي والحجامة، واحتجم رسول الله ﷺ وأعطى الحجام أجرته وهو أبو طيبة وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه، وكره بعض أهل العلم التداوي بذلك ورأوا أن تركه والاتكال على الله ﷿ أفضل منه واحتجوا بقوله ﷺ "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب وهم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وعلى ربهم يتوكلون" ودليل الحجامة ما تقدم قال التادلي: وقول الشيخ الحجامة حسنة يريد في كل أيام السنة، خلافا لبعض ضعفة العقول في تركه يوم السبت والأربعاء، قال ابن رشد: ويصححه إيمان مالك بالقدر كان لا يكره الحجامة ولا شيء من الاشياء يوم السبت والاربعاء بل يتعمد ذلك فيهما.
(والكحل للتداوي للرجال جائز وهو من زينة النساء):
ظاهر كلام الشيخ أن الرجل لا يكتحل من غير ضرورة وهو كذلك على أحد القولين وروي عن مالك جوازه قال التادلي: واختلف في صفة الاكتحال فقيل اثنان لليمنى وواحد لليسرى وقيل: ثلاث في كل عين.
(ولا يتعالج بالخمر ولا بالنجاسة ولا بما فيه ميتة ولا بشيء مما حرم الله ولا بأس بالاكتواء):
أما التعالج بالخمر وسائر النجاسات في باطن الجسم فالاتفاق على تحريمه وأما ظاهر الجسد ففيه قولان وأفتى غير واحد من شيوخنا بحرمته ومن هذا المعنى غسل العثرة بالبول.
(ولا بأس بالرقي بكتاب الله وبالكلام الطيب):
قال في البيان: كره مالك الرقي بالحديد والملح وعقد الخيوط لأن الشفاء لا يكون إلا بكتاب الله وأسمائه وما يعرف من الذكر.
(ولا بأس بالمعاذة تعلق وفيها القرآن):
ظاهر كلام الشيخ أنه جائز للصحيح والمريض وهو كذلك بالنسبة إلى المريض باتفاق وإلى الصحيح باختلاف على قولين والذي أفتى به بعض من لقيناه من القرويين غير ما مرة أن ذلك جائز ولقائل أن يقول: سياق كلام الشيخ إنما يدل على جوازه في المريض، وما ذكرناه هو الذي أعرفه في المذهب وقال التادلي: في المسألة أقوال ثالثها يجوز للمريض دون الصحيح والحيوان ورابعها للآدمي دون الحيوان.
(وإذا وقع الوباء بأرض قوم فلا يقدم عليه ومن كان بها فلا يخرج فرار منه):
يحتمل قول الشيخ الكراهة والتحريم وفي ذلك قولان في المذهب.
(وقال ﵇ في الشؤم إن كان ففي المسكن والمرأة والفرس):
قال بعض أهل العلم: الشؤم في الدور ما يصيب ساكنها من المصائب وكذلك
[ ٢ / ٤٨٧ ]
المرأة والفرس قوله ﷺ "لا عدوى لا طيرة معارض له" ومنهم من ضعف حديث الشؤم بما روي عن عائشة ﵂ أنها أنكرت على أبي هريرة ﵁ حديثا عن النبي ﷺ قط، وإنما كان أهل الجاهلية يقولونه ثم قرأت (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) [الحديد: ٢٢]
، ومنهم من صحح الحديث، وتأوله على أن الشؤم في الدار معناه سوء الجار، وفي المرأة اختلافها وفي الفرس كذلك.
(وكان ﵇ يكره سيء الأسماء ويعجبه الفأل الحسن):
ولا يفعل ما يفعله بعض الجهلة من استخراجهم الفأل في المصحف وهو نوع من الاستقسام بالأزلام لأنه قد يخرج له مالا يريد فيؤدي ذلك إلى التشاؤم بالقرآن.
(والغسل للعين أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب على المعين):
قال المازري: هل يقضي على العائن بغسل هذه المواضع أم لا؟ فإن شهدت بينة بأنه عائن سجن في داره ويأكل من ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال فمن بيت المال فإن خرج بعد ذلك وأصاب أحدا بعينه ضمن ذلك، وكذلك صاحب الكلب العقور والجمل الصائل والحائط المائل فهؤلاء يضمنون بعد التقدم إليهم وداخلة إزاره ما يلي فخذه الأيمن من الإزار قاله ابن حبيب وقيل داخلة إزاره أن يستنجي بعد إزالة النجاسة وقيل ما يلي البدن من الثوب حكاه ابن يونس عن مالك فإن لم يكن له إزار فإنه يغسل فرجه وما يلي بدنه من ذلك، والصفة التي ذكر أبو محمد هي التي قال ابن شهاب.
(ولا ينظر في النجوم إلا ما يستدل به على القبلة وأجزاء الليل ويترك ما سوى ذلك):
قال ابن رشد: وأما النظر في أمرها فيما يتوصل به إلى معرفة نقصان الشهر من كماله فذلك مكروه لأنه لا يجوز لأحد أن يعمل في صومه وفطره على ذلك، وقال مصرف وابن عبد الله بن الشخير أنه يعمل به من يعرفه في خاصة نفسه، وقاله الشافعي في أحد قوليه وأما من نظر فيها وقال لا يقدم المسافر ولا تمطر السماء وما أشبه ذلك من المغيبات قيل إن ذلك كفر يوجب القتل دون استتابة وقيل يستتاب فإن تاب وإلا
[ ٢ / ٤٨٨ ]
قتل، وروي ذلك عن أشهب وقيل يزجر عن ذلك، ويؤدب عليه وهو قول مالك في العتبية وليس قول الرجل الشمس أو القمر ينكسف غدا أو نقصان في الشهر، وتمامه من عمل النجوم وليس بكفر لأنه يعرف بالحساب لكنه يكره الاشتغال به لأنه مما لا يعني وفي الإخبار به قبل أن يكون ضرر في الدين على من سمعه من الجهال فيظن ذلك من علم الغيب فيزجر قائله ويؤدب عليه، وكره المازري النظر في الاصطرلابات والصحيفة لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد التعمق في علم النجوم.
(ولا يتخذ كلب في الدور في الحضر ولا في دور البادية إلا لزرع أو ماشية يصحبها في الصحراء ثم يروح معها أو لصيد يصطاده لعيشه لا للهو):
يريد إلا أن يصطر فيتخذه حتى يزول المانع ويذكر أن أبا محمد بن أبي زيد وقع له حائط من داره وكان يخاف على نفسه من الشيعة فاتخذ كلبا لذلك، قال الفاكهاني: وانظر على قول من أجاز الصيد للهو من غير كراهة هل يجوز له اتخاذ الكلب لذلك وهو الذي يظهر والله أعلم لكن لم أره منقولا واختلف الشافعية هل يجوز اتخاذ الكلب لحراسة الدواب والحوائط الكبار للضرورة في ذلك أم لا؟ على قولين.
(ولا بأس بخصاء الغنم لما فيه من صلاح لحومها ونهي عن خصاء الخيل):
الخصاء ممدود والفرق بين خصاء الغنم والخيل أن الغنم تراد للأكل فليس في خصائها ما يمنع ذلك بما فيه إصلاح له ومعونة عليه وليس كذلك الخيل لأنها إنما تراد للركوب والجهاد عليه وذلك ينقص قوتها ويضعفها ويقل نسلها وأما الفرس يكلب فيجوز أن يخصى قاله بعض الشيوخ وقبله الفاكهاني وأما الآدمي فلا خلاف في منع خصائه.
(ويكره الوسم في الوجه ولا بأس به في غير ذلك):
قال الفاكهاني: رويناه بالشين المعجمة ليس إلا.
قال الله تعالى (لا يكلف الله نفسها إلى وسعها) [البقرة: ٢٦٨]، وقال (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) [البقرة: ٢٨٦]، وقال ﷺ "وأوصيكم بالضعيفين المرأة والمملوك".