ومن أحيا أرضًا ميتةً لم يتقدَّم عليها مُلك مسلم ولا ذمي؛ فهي له، وإحياؤها بالماء والبناء.
ت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَعْمَرَ أرضًا ميتةً ليست لأحد فهو أحق بها»، خرجه البخاري (^١).
وإحياؤها بالغرس، والبناء، وقطع الغياض، وسبيل الماء عنها، وإجراء العيون، والحرث (^٢).
وقال أشهب: مَنْ رعى حول أرضٍ فهو أحق بها، وذلك إحياء؛ لأنه رعى، وينتظر أن يرعى (^٣).
وعنه وعن ابن القاسم وجميع الأصحاب: أنه ليس إحياء (^٤)؛ لأنه الرعي ليس أثرا باقيا في الأرض.
وحفر بئر الماشية ليس إحياء (^٥)؛ لأنه إنما تُعمل لمنافع الماشية، لا للإحياء.
والتحجير:
_________________
(١) أخرجه من حديث عائشة: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٣٣٥).
(٢) بنحوه في «الجامع» (١٨/ ٢٥٢)، و«النوادر» (١٠/ ٥٠٥).
(٣) بتمامه عنه في «النوادر» (١٠/ ٥٠٥).
(٤) بنصه عنهم في «النوادر» (١٠/ ٥٠٥).
(٥) بنصه من قول ابن القاسم وأشهب، انظر: «النوادر» (١٠/ ٥٠٦).
[ ٦ / ٢٠٦ ]
قال ابن القاسم: لم أسمع من مالك فيه شيئًا، وهو: أن يمنع الأرض ثلاث سنين، فإن أحياها، وإلا فهي لمن أحيا؛ لأنَّ التحجير ليس بإحياء، بل منع للغير فقط (^١).
قال أشهب: عن عمر ﵁ فيمن حجر أرضا ولم يعمرها: ينتظر ثلاث سنين، وأراه حسنًا (^٢).
وعن أشهب: لا يكون أحق بها حتى يُعلم أنه حجر ليعمل فيها إلى أيام يسيرة، فذلك له، وأما من يحجّر ما لا يقوى عليه فله منه ما عمر فقط (^٣).
ص: (إن أحياها ثم تركها حتى خربت، وعادت إلى حالها الأولى، فأحياها آخَرُ بعده؛ فليس للأول فيها حقٌّ).
ت: لزوال سبب الملك، كالصيد إذا عاد إلى ما كان عليه من التوحش في الفلاة.
قال مالك: أما إن ملك أصلها بخطَّةٍ أو بشراء فليس لغيره أن يُحييها بعد ذلك، وكذلك لو ابتاعها ممن اقتطعت له قبل أن يحييها، [فعطَّلَها] (^٤) المشتري؛ لم تنزع منه (^٥).
_________________
(١) بنحوه عنه في «النوادر» (١٠/ ٥٠٥).
(٢) بنصه عنه في «النوادر» (١٠/ ٥٠٥).
(٣) «النوادر» (١٠/ ٥٠٦).
(٤) في (ت): (فقطعها).
(٥) «المدونة» (٩/ ٤٤١)، و«النوادر» (١٠/ ٥٠٨)، و«الجامع» (١٨/ ٢٥٦).
[ ٦ / ٢٠٧ ]
وقال سحنون: ذهاب الإحياء لا يُبطل الملك، كما لو ابتاعها، وقياسًا على النبات (^١).
والفرق بين الأرض والصيد: أنه لو ابتاعه ثم توحش كان للثاني، بخلاف الأرض لا خلاف أنها لمشتريها، لا تنتقل عن ملكه إذا خربت بعد عمارتها.
وقال عبد الملك ومطرِّف: إن أحياها الثاني بقرب ترك الأول؛ فهي للأول، وإن عمرها بجهل؛ فله قيمة عمارته قائمةً، أو على علم من الأول؛ فقيمته منقوضًا، أو بعد علم وطول من ترك الأول، وكان تركه كالإسلام لها؛ فهي للثاني؛ لأنَّ للناس أعذارا في ترك عمارة الأرض، كالعجز وغلو المؤن (^٢).
ص: (لا يجوز إحياء ما قَرُب مِنَ العمارة إلا بإذن الإمام، ومن سبق إلى البعيد فهو أحَقُّ به).
ت: اشترط أبو حنيفة الإذن أيضا فيما بعد.
لنا: الحديث المتقدم.
واستحسن عبد الملك ومطرف إذنه فيما بعد؛ لأنَّ غير هذا قد يكون أولى؛ فيقدمه الإمام.
وقال الشافعي: لا يُشترط الإذن مطلَقًا.
لنا: أنَّ ما قَرُبَ تتعلق به مصالح البلد، من الرعي وغيرِه، فقد يُضِرُّ إحياؤه
_________________
(١) انظر قوله «النوادر» (١٠/ ٥٠٨)، و«الجامع» (١٨/¬٢٥٦).
(٢) بتمامه عنهما في «النوادر» (١٠/ ٥٠٨ - ٥٠٩)، و«الجامع» (١٨/ ٢٥٦ - ٢٥٧).
[ ٦ / ٢٠٨ ]
بالناس، فلا بد من نظر الإمام في ذلك.
ولأن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية؛ فيقاس عليه ما يقع التسامح فيه.
قال سحنون: ما لا تدركه المواشي في غُدُوِّها ورواحها، أو على مسيرة اليوم؛ فهو بعيد، وما تدركه فهو قريب (^١).
ص: (ليس لبئر الفلاة حريم محصور).
لأن الأرض تختلف بالصلابة والرَّخاوة، [وإنما يُراعى ضرر أهل البئر مع من] (^٢) أراد أن يبني أو يحفر بئرًا أخرى في مَبارِكِ المواشي وغير ذلك، ومنع من أراد حفر [بئر] (^٣) تُضِرُّ بالأولى؛ لأنَّ الأول قد مَلَكَ المنفعة وحريمها.
ت: هذا إذا كانت له مندوحة عنه وسعة، وإلا فروايتان عن مالك؛ لقوله ﵇: «لا ضرر ولا ضرار» (^٤)، ولأنَّ الضررين إذا تقابلا فالسابق أولى.
أو يقال: للإنسان أن يتصرف في ملكه ولو أضرَّ بغيره، وهذا القول أصحُّ.
ص: (وَمَنْ سَبَقَ إلى ماء بئر فهو أحق حتى يأخذ منه كفايته، فيكون الفضل لمن بعده، ولا يَحِلُّ له منعه، وكذلك الحشيش والحطب وسائر المباحات).
_________________
(١) بتمامه عنه في «النوادر» (١٠/ ٥٠١)، و«الجامع» (١٨/ ٢٥٤).
(٢) لفظ «التذكرة» (٩/ ٢٦١): (فإنما ذلك على قدر الضرر بالبئر؛ ولأهل البئر منع من ..).
(٣) في (ز): (من)، وخرم في (ت)، والتصويب من «التذكرة» (٩/ ٢٦٢).
(٤) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٧٠).
[ ٦ / ٢٠٩ ]
ت: قال رسول الله ﷺ: «لا يمنع نقع بئر» (^١).
وروي: «رَهْوُ بئرٍ» (^٢).
قال [أبو الزناد] (^٣): النقع والرَّهو: الماء الواقف الذي يسقى عليه وفيه فضل (^٤).
والآبار ثلاثة (^٥):
بئر زرع، وبئر ماشية، وبئر شَفَةٍ، أي: بئر شربٍ.
وكلها صاحبها أحق بما يحتاجه.
فإن كان جَعَلَ الفضل صدقةً أُنْفِذَ فيما جعل فيه، وإن لم يجعله في وجه ففي حبسه عن الماشية والزرع لمن احتاج قولان.
وأما بئر الماشية فيما لا يملك من الأرضين؛ فليس له حبس الفضل.
قال ابن القاسم: إذا جعلَه صدقة (^٦).
يريد: وله حبسه [إن] (^٧) لم [ينو به الصدقة] (^٨) (^٩)؛ لأنه حفر تلك البقعة
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١٥٠٢)، وعبد الرزاق في «مصنفه» رقم (١٤٤٩٣)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (٦/ ١٥٢).
(٢) أخرجه من حديث عائشة: أحمد في «مسنده» رقم (٢٤٨١١)، وانظر منه رقم (٢٤٧٤١).
(٣) في (ز): (أبو الرجال)، ومحي موضعها في (ت)، والمثبت عبارة «النوادر» (١٠/¬١١)، وهو الموافق للفظ «التذكرة» (٩/ ٢٦٣).
(٤) بنصه عن أبي الزناد في «النوادر» (١٠/¬١١).
(٥) «التبصرة» (٦/ ٣٢٦٤).
(٦) بنصه عنه في «النوادر» (٧/¬١١)، و«التبصرة» (٦/ ٣٢٦٤).
(٧) في (زت): (وإن)، والمثبت بلا واو، وهو عبارة «التبصرة» (٦/ ٣٢٦٤)، و«التذكرة» (٩/ ٢٦٤).
(٨) ما بين المعقوفتين يقابله في (ت): (ينوها)، والمثبت عبارة «التبصرة» (٦/ ٣٢٦٤)، و«التذكرة» (٩/ ٢٦٤).
(٩) ما سبق بنصه في «النوادر» (٧/¬١١)، و«التبصرة» (٦/ ٣٢٦٤).
[ ٦ / ٢١٠ ]
إحياءً لها.
وإن حفرها في ملكه كان له الفضل، إلا أن ينويَ به الصدقة (^١).
فإن نواها ولم يخصَّ زرعًا ولا ماشيةً فالسابق أحق حتى [يستغني] (^٢)، والفضل لمن بعده، ولا يَحِلُّ له منعه (^٣)؛ لقوله ﵇: «لا يُمْنَعُ فضل الماء ليُمنع به الكلا» (^٤).
قال ابن القاسم: وذلك في الصحاري (^٥)؛ لأن منع الماء يوجب ترك أهل الماشية كلًا تلك الأرض.
وأما سائر المباحات فلقوله ﵇: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» (^٦).
وله منع كلأ حائطه إذا أضرت به إباحته، ويجوز بيعه.
وإذا ضاق الكلا على أهل القرية كان لهم منع الطارئ؛ لئلا يحتاجوا للانتجاع، فانتجاعُ الطارئ أولى.
_________________
(١) بنصه في «التبصرة» (٦/ ٣٢٦٤)، وبمعناه في «النوادر» (٧/¬١١).
(٢) في (ز): (يستقي).
(٣) انظر: «التبصرة» (٦/ ٣٢٦٤ - ٣٢٦٥).
(٤) أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٣٥٣)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٠٠٦).
(٥) انظر: «النوادر» (٨/¬١١).
(٦) أخرجه أحمد في «مسنده» رقم (٢٣٠٨٢)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٤٧٧).
[ ٦ / ٢١١ ]
ص: (إن صاد صيدًا فأفلت منه، ولحق بالصيد، ثُمَّ صاده آخَرُ بعدَه؛ فهو لمن صاده بعده، إلا أن يجده بقرب إفلاته قبل أن يستوحش ويلحق بالصيد؛ فهو أحق به).
ت: إذا توحش ملَكَهُ الثاني بالمعنى الذي ملكه الأول؛ فيكون أحق، كالماء يحاز، ثُمَّ يخلط، ثُمَّ يحوزه آخر.
فإن قيل: الصيد تعرف عينه، بخلاف الماء؛ قيل: عدم التعيين ملغى، كانصباب زيت على زيت غيره؛ فإنهما شريكان، إنما العلة أنَّ أصله مباح.
وقال [ابن عبد الحكم] (^١): هو لصائده الأول وإن طال زمنه عشر سنين (^٢) في نُدُودِه، كما لو اشتراه، والإباحة قد ارتفعت بالملك.
ص: (يُستحَبُّ لمن سأله جاره أن يغرِزَ خشبة في جداره أن يأذن له في ذلك، ولا يُحكم عليه به).
ت: لقوله ﷺ: «لا يمنعن أحدكم جارَه أن يغرِز خشبةً في جداره» (^٣).
وله أن يمنع، كركوب دابته.
ولقوله ﵇: «لا يَحِلُّ مالُ امرئ مسلم إلا عن طيب نفسٍ منه» (^٤).
_________________
(١) في (ز ت): (عبد الملك)، والتصويب من «النوادر» (٤/ ٣٥٣)، و«التبصرة» (٣/ ١٤٩٤)، و«الذخيرة» (٤/ ١٨٦)، و«التذكرة» (٩/ ٢٦٧).
(٢) بتمامه عنه في «النوادر» (٤/ ٣٥٣)، و«التبصرة» (٣/ ١٤٩٤).
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٤٦٣)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤١٣٠).
(٤) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٤٣).
[ ٦ / ٢١٢ ]
ص: (إن أذن له فليس له قَلْعُها، إلا أن يريد هدم جداره أو تغيير داره).
لأنه أذن له في الانتفاع مطلقا، ولم يأذن له في الضرر، فإذا [أضره] (^١) فله القلع.
وإن أعاره لمدة فله القلع بعدها.
لأنه إنما التزم من المعروف تلك المدة.
ت: إن لم تكن له ضرورة، وإنما أراد الإضرار بجاره في خَشَبِه؛ لم يُمَكَّن من ذلك حاله، ويفارق الابتداء بأنه تَكَلَّفَ في وضع الخشبة، وتعلق له حق.
قال مالك: وليس له قَلْعُ الخشب لأنه بيع جداره؛ لجواز أن يتركها المشتري له.
وإذا هَدَّ بنيانه ثم بناه لم يلزمه إعادة الخشب، لانقطاع العارية بالهدم.
ص: (ليس له أن يفتح في جدار نفسه كُوَّةً يُشرِفُ منها على جاره، بخلاف الكُوَّةِ العالية يضيء منها داره، وله تعلية بنائه وإن أضر بجاره).
ت: قال رسول الله ﷺ: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» (^٢).
حد العالية: أن لا ينالها المار وهو قائم.
وكتب عمر ﵁: أن يوقف على سرير، فإن نظر إلى ما في دار جاره؛ مُنِعَ،
_________________
(١) في (ز): (اضطره).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٧٠).
[ ٦ / ٢١٣ ]
وإلا فلا.
فإن مَنَعَ رفع البنيان ضوء أبواب الغُرَف، ومَنَعَ الرِّيحَ والشَّمس:
قال مالك: لا يُمنع (^١)؛ لأنه تصرف في ملكه.
ورأى ابن شعبان أن ذلك من الضرر الممنوع.
وقال ابن كنانة: إن فعل ذلك ليَضُرَّ جاره من غير منفعة له مُنِعَ (^٢).
ص: (ليس لأحد الشريكين في الحائط أن يتصرف فيه إلا بإذن شريكه، وكذلك كلُّ مال اشترك فيه).
لأنَّ مِلكه شائع؛ فليس له الانتفاع بملك غيره.
وإذا انهدم الحائط المشترك وهو سترةٌ بينهما، فأراد أحدهما بناءه، وأبى الآخر؛ فهل يُجبر على البناء، أو لا يُجبر ويقتسمان عرصته ونقضه، ويبني من شاء لنفسه؟
رواتان.
ت: وجه الإجبار لنفي الضرر، فإنه يطلع على منزل جاره، ولو أراد أن يفتح كُوَّةً لمُنعَ، فإما يبني، أو يقاسم إن كان ينقسم، أو يُباع ممن يبني.
وجه الأخرى: أن أحدًا لا يُجبر على تجديد ملك، وحق شريكه إنما هو
_________________
(١) «المدونة» (١٠/ ١٠٩)، و«النوادر» (١١/¬٣٨).
(٢) «النوادر» (١١/¬٣٨).
[ ٦ / ٢١٤ ]
في منعه من النظر له.
والقسمة إنما هي حيث تُمكِنُ قسمته، ويحصل لكل واحد حائط ينفرد به.
وأما الصغير:
فقال ابن كنانة: لا يُجبر على البناء، ويَستُرُ مَنْ شاء نفسه (^١).
قال ابن القاسم: يبني معه، أو يبيع معه (^٢).
فإن بناه أحدهما ومنع صاحبه من الانتفاع حتى يعطيه النفقة:
قيل لغير الباني: إما أن تأمره بهدمه ثم تبنيه معه، أو تعطيه نصف قيمة البناء منقوضًا ويبقى بينكما، وليس لك الانتفاع حتى تفعل أحد الأمرين (^٣).
فإن كان لأحدهما فهَدَمَه، أو انهَدَمَ وهو قادر على ردّه، فتركه ضَرَرًا، أُجبر على بنائه، فإن ضعُفَ عن ردّه تُرِك، وستر الآخَرُ نفسه إن شاء.
قاله ابن القاسم (^٤).
ويُجبر في قول ابن كنانة إذا انهدم (^٥).
ص: (إذا غارت البئر المشتركة؛ فإصلاحها على الشركة، فإن امتنع أحدهما يُخَرَّجُ فيها الرّوايتان المتقدمتان في الحائط، ومَن له مَسِيلُ ماء على
_________________
(١) «النوادر» (١١/ ٩٦).
(٢) «النوادر» (١١/ ٩٧).
(٣) ما سلف بنصه في «النوادر» (١١/ ٩٧).
(٤) «البيان والتحصيل» (٩/ ٢٢٠ - ٢٢١)، و«النوادر» (١١/ ٩٦).
(٥) «النوادر» (١١/ ٩٦).
[ ٦ / ٢١٥ ]
سطح، فانهدم، فإصلاح السطح على ربّه، وليس على صاحب المسيل شيء من نفقته).
لأنَّ عليه أن يمكنه من المسيل، كصاحب السفل مع العُلو.
(ومن له شرب في بستان، فاحتاجت ساقيته أو نهره إلى تنقية؛ فهي على صاحب الملك والشرب).
لأن موضع الماء مملوك لهما، بخلاف المسيل.
وإذا انهدم السفل فبناؤه وتسقيفه على مالكه، ويُجبر عليه.
لأنَّ عليه تمكين صاحب العُلُوّ من الانتفاع.
فإن امتنع فلصاحب العُلُوّ أن يبني السُّفَلَ من ماله، ومنعه من الانتفاع حتى يُعطيه نفقته.
ت: السقف ملك لصاحب السُّفل؛ لأنَّ البيت لا يكون بيتًا إلا بسقفه، ولو انفرد لبنى سقفًا، وبنى صاحب الغرفة وسَقَفَها.
ويُجبر صاحب السفل على البناء أو البيع ممن يبني، ويباع على هذا الشرط.
قال سحنون: إذا كان البائع لا مال له، وإن كان له مال امتنع البيع بشرط البناء، ويُجبَر على البناء (^١).
وقال ابن القصار: إلا أن يختار صاحب العلو بناءه من ماله (^٢).
_________________
(١) «النوادر» (١١/ ٨٤)، و«التبصرة» (١١/ ٥٩٦٦).
(٢) بنصه عنه في «التبصرة» (١١/ ٥٩٦٦).
[ ٦ / ٢١٦ ]
ويُجبر صاحب السفل على البناء، [أو] (^١) البيع ممن يبني، أو يمكن صاحب العُلو من البناء - إن رضي - ويكونان شريكين في السفل؛ هذا بقيمة القاعة، [والآخر] (^٢) بقيمة البناء، إلا أن يعطيه بعد ذلك قيمة البناء قائما يوم أخذه (^٣).
واختلف إذا وَهَى السُّفل؛ على من يكون تعليق العلو، هل على صاحب الشفل أو العلو؟
قال اللخمي: الذي أستحسن أن يكون على صاحب العلو (^٤).
فإذا تنازعا السقفَ حُكم لصاحب السُّفل؛ لأن العادة أن البيت له سقف.
ص: (من زرع فهارت بئره، وانقطع سقيه، وخِيفَ على زرعه؛ جُبر جاره على إعطائه فضل بئره عن شربه، حتى يصلح بئره).
ت: لأنه يحفظ مال جاره من غير ضرر يلحقه.
ورَوَى مالك: أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يُمنع فضل الماء» (^٥).
فإن ترك إصلاح بئره اتكالا على فضل بئر جاره؛ لم يلزمه بذله.
_________________
(١) في (ز ت): (و)، والتصويب من «التذكرة» (٩/ ٢٧٨)، وهو ما يقتضيه السياق.
(٢) في (ز): (وهذا)، والمثبت موافق للفظ «التبصرة» (١١/ ٥٩٦٦).
(٣) ما سلف بتمامه من عبارة اللخمي في «التبصرة» (١١/ ٥٩٦٦).
(٤) بنصه في «التبصرة» (١١/ ٥٩٦٧).
(٥) جزء من حديث أبي هريرة، أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١٥٠١)، والبخاري في (صحيحه) رقم (٢٣٥٣)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٠٠٦).
[ ٦ / ٢١٧ ]
وهل يستحقُّ في فضل الماء ثمنًا؟
روايتان (^١)؛ بناءً على أنَّه أمر وجب عليه؛ فلا يستحق عليه عوضًا، وقياسًا على بئر [الماشية] (^٢)، أو هو رفعُ مِلك لدفع الضرر؛ فيحتاج للعوض، كالشفعة.
وكلُّ هذا إذا كان زرَعَ على بئر، أما إذا زرع اتكالًا على بئر جاره فلا؛ لأنَّه غرر بنفسه، وأتلَفَ زَرعَه.
ص: (إذا طرح بعض ما في المركب خوف الغرق - بإذن أهله أم لا - اشتركوا فيه على قدر أموالهم).
ت: لأن بطرحه يسلم الباقي. ولا كراء لصاحب المركب في المطروح؛ لعدم النفع به. وليس لأحد الامتناع من طرح متاعه عند الحاجة، لأنَّه يُتْلِفُ نفسه وغيره.
ص: (لا شيء على صاحب المركب، ولا الأجراء، ولا الركاب الذين لا مال لهم فيه).
ت: كان الأجراء أحرارًا أو مماليك، إلا أن يكون المماليك للتجارة؛ فتُحْسَبُ قيمتهم، كانوا مسلمين أو كفارا؛ لأنهم أموال، والراكب المفرد ليس مالًا.
قال ابن حبيب: من كان معه دنانير أو دراهم للتجارة؛ حُسِبَت، أو لنفقته
_________________
(١) انظر: «النوادر» (١١/¬١١ - ١٢)، و«اختصار المدونة» (٣/ ٣٩٣).
(٢) في (ت): (ماشيته).
[ ٦ / ٢١٨ ]
في سفره أو حَجِّهِ؛ لم تُحسَب (^١).
وقال ابن ميسر: لا يُحسَب النقدان مطلقًا (^٢)؛ لأنهما لا يُضِرَّان بالمركب، بخلاف الأمتعة.
وقال سحنون: [يُقسَّط] (^٣) على جرم المركب (^٤)؛ لأنه سلم بالمطروح.
ولاحظ مالك أنه لو كان وحده نجا، وإنما يُغرق الخشب المتاع.
قال ابن القاسم: يصدَّق أرباب المطروح مع أيمانهم في ثمن متاعهم، ما لم يتبين كذبه (^٥).
وقال سحنون: يُصدَّق بغير يمين إلا أن يتهم (^٦).
فإن ادعى أنه متاع كثير، وقال صاحب المركب: لم يحمل معي إلا أقل؛ رجع إلى كتاب [التنزيل] (^٧)؛ لأنه عادة.
فإن كان داخل المتاع ما يخفى ذكره في [التنزيل] (^٨)؛ صُدِّقَ مع يمينه فيما يُشبه (^٩).
_________________
(١) بنصه عنه في «الجامع» (١٦/ ١٢٧ - ١٢٨).
(٢) بتمامه عنه في «الجامع» (١٦/ ١٢٨).
(٣) في (ز): (يسقط).
(٤) بنحوه عنه في «الجامع» (١٦/ ١٢٨).
(٥) بنصه عنه في «الجامع» (١٦/ ١٢٩).
(٦) بتمامه عنه في «الجامع» (١٦/ ١٢٩)، وانظر: «البيان والتحصيل» (٩/ ٨٥ - ٨٦).
(٧) كذا في (ت ز)، ولفظ «الجامع» (١٦/ ١٣٠)، ومخطوط «التذكرة» (٩/ ٢٨٥): (الشرنبيل).
(٨) انظر الإحالة السابقة.
(٩) ما سلف بتمامه في «الجامع» (١٦/ ١٣٠).
[ ٦ / ٢١٩ ]
ص: (إذا كان الرقيق نواتية لا يُحسب عليهم شيء).
ت: يُحسب المطروح على كلّ ما يراد به التجارة؛ من جواهر وغيرها، قلت مؤنته أو كثرت، ويُحسَب رقيق التجارة؛ لأنهم مالٌ سَلِمَ بالمطروح، كالمتاع.
وقيل: لا يُحسبون فيما [يُقسط] (^١) عليه؛ لأنهم لا يجوز طرحهم، كالأحرار؛ لحرمة الآدمية، والصحيح قول مالك؛ مراعاة للمالية، بخلاف النواتية الرقيق؛ لأنهم ينفعون المركب وأهله.
ولو كانوا مما يجوز طرحهم أضرَّ طرحهم بالناس والمركب، ورقيق التجارة لو كانوا مما يُطرح وطرح نفَعَ طرحهم، فصاروا كالبضاعة.
قال ابن عبد الحكم: أجمع مالك وأصحابه أنَّ ما يُشترى للقنية - عبيدا، أو كسوةً، أو حليًّا، أو جوهرًا - أنَّه لا [يُقسط] (^٢) عليه المطروح للتجارة، وما طرح مما اشتري للقنية؛ مصيبته من صاحبه دون غيره، كما لا يُقسط عليه؛ لا [يُقسط] (^٣) في نفسه.
ص: (يُقوَّم المطروح يوم طرحه).
لأن القيمة وقت الإتلاف.
(وقيل: يوم حمله في المركب).
لأنه أقرب الأوقات لوقت الغرق، ووقت الغرق لا قيمة له.
_________________
(١) في (ز): (يسقط).
(٢) في (ز): (يسقط)، وساقطة من (ت)، وكذا الموضع بعده، والمثبت ما يناسب السياق.
(٣) في (زت): (يسقط)، والمثبت ما يناسب السياق.
[ ٦ / ٢٢٠ ]
(وقيل: يُحسَبُ الثمن الذي اشتري به).
لأنه المعلوم، والقيمة اجتهادية؛ فيقدم المعلوم.
ت: قال الأبهري: إنما يقوم وقت الطرح إذا لم يكن خوف الغرق.
وقيل: يقوم في أقرب المواضع إليه، كجزاء الصيد؛ لأن وقت الطرح لا قيمة له، أو قيمته مُضِرَّةٌ بربّه.
ص: (إذا شُدَّ مركب بمركب، فهاجت ريح، فحلَّت إحداهما من الأخرى خوفَ الغرق، فغرق المحلول؛ فلا شيء على مَنْ حَلَّه).
ت: لأنه لو بقي لغرقوا جميعًا، فحلّه ينفع ولا يُضِرُّ بصاحبه، وعلى الإنسان السعي في خلاص نفسه.
وفي «النوادر»: إذا هال البحرُ، فربَطَ صاحب سفينة بصخرة، فأراد آخَرُ الربط لسفينته بهذه السفينة، فوافقه صاحبها، ثم أتى آخَرُ فحط قلاعه، وأراد الربط بأحد المركبين، فأبى أهلها خوف الغرق، ثم احتسب [صاحب أحد] (^١) المركبين فربطه له، فجره المركب الثالث حتى خافوا الغرق، فسرَّحوها فهلكت:
قال مالك: لا ضمان على من أفلتها (^٢).
قال بعض المتأخرين: لأنها كانت حالة خوف حين ربطوها رجاء السلامة، فلما خافوا وحلوها رجعت لما كانت عليه، ولو ربطوها في حالة السلامة
_________________
(١) في (ز): (أحد صاحب)، وساقطة من (ت)، والتصويب من النوادر والزيادات (١٣/ ٥٢٩).
(٢) «النوادر» (١٣/ ٥٢٩).
[ ٦ / ٢٢١ ]
لضمنوا؛ لأنهم نقلوها من السلامة للعطب، كما قال ابن القاسم: إذا أخذه يعلمه العوم، فخاف على نفسه الموت بسببه؛ يضمن ديته (^١).
وقال: لو شاله من البئر، فلما خاف على نفسه - لعجزه - خلاه؛ ضمنه (^٢)؛ لأنه كان في البئر في حال سلامة.
وقال: إذا أنقذ غريقا، فلما خاف على نفسه خلاه؛ لا شيء عليه (^٣).
قال ابن المواز: هذا يشبه السفينة؛ لأنه أراد نجاته من الخوف، بخلاف ما لو دلَّى به للبئر لينقيها، فخاف على نفسه الموت، فأطلقه من يده؛ ضمنه (^٤).
ص: (إذا اصطدم مركبان في جريهما، فانكسر أحدهما؛ فلا ضمان على الآخر، بخلاف الفرسين المصطدمين).
ت: لا ضمان في المركبين إذا كان بريح غالب أو موج؛ لأنهم مغلوبون، ولو قدروا على صرفها فلم يفعلوا ضَمِنُوا، وفرسُ كلّ واحدٍ من الفارسين في مال الآخر، وديته على عاقلة الآخر.
والفرق: أن الريح والموج قاهر، والفارسان مفرطان، فلا يركب فرسًا لا يقدر على ضبطه.
ولأن الفرس يقدر على صرفه، بخلاف شدَّة الريح، لا يقدر أحد على رَدّها
_________________
(١) «النوادر» (١٣/ ٥٣٠)، و«البيان والتحصيل» (١٦/ ٧٦).
(٢) «النوادر» (١٣/ ٥٣٠).
(٣) «البيان والتحصيل» (١٦/ ٧٦).
(٤) «النوادر» (١٣/ ٥٣٠).
[ ٦ / ٢٢٢ ]
عن جهة الريح، ويقدر على رَدِّ الفرس عن جهة جريها.
وقال بعض أهل العراق: على كل واحد منهما نصفُ دِيَةِ صاحبه (^١)؛ لأنَّ كل واحدٍ قتل نفسه مع صاحبه، هذا إذا ماتا جميعًا.
_________________
(١) بتمامه من رواية أشهب، انظر: «النوادر» (١٣/ ٥٢٨).
[ ٦ / ٢٢٣ ]