القضاء هو الفصل.
وأصله قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
وفي أبي داود: قال علي ﵁: بعثني رسول الله ﷺ قاضيًا إلى اليمن (^١).
وفي «الموطأ»: قال رسول الله ﷺ: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحُجَّته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعةً من النار» (^٢).
ولأنَّ النهي عن المنكر واجب، وأحد الخصمين على منكر، فيتعيَّن إزالته.
ولأنه يسُدُّ باب الخصومات ويقطعها.
وعلى الإمام أن يحكم بين الناس إن كان أهلًا، أو يُقِيمَ مَنْ يحكم.
_________________
(١) أخرجه من حديث علي: أبو داود في «سننه» رقم (٣٥٨٢)، والترمذي في «سننه» رقم (١٣٨٠)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٢٣١٠).
(٢) أخرجه من حديث أم سلمة: مالك في «الموطأ» رقم (١٤٧٠)، والبخاري في «صحيحه» رقم (٦٩٦٧)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٤٧٣).
[ ٦ / ٤٠ ]
فإن لم يكن بالموضع وال؛ كان ذلك لذوي الرأي والثقة، فما اجتمعوا عليه أقاموه.
والقضاء من فروض الكفاية إن كان بالبلد عدد يصلحون لذلك، وإن لم يصلح إلا واحد تعين وأجبر على الدخول، فإن امتنع الجميع وهم يصلحون أثموا كلهم.
قال المازري: طلب القضاء تارةً يكون واجبًا، ومندوبا، ومحرَّمًا، ومكروها:
فإن عَلِمَ الصالح أنه إن لم يَلِ ضاعت الحقوق، وكثر الهرج، أو تقدَّمَ مَنْ لا يحل أن يتولاه؛ وجب القبول إذا عُرض عليه، ويؤمر بالسعي في طلبه إن قصد العمل بالحق، وكذلك إن كان في يدِ مَنْ لا يحِلُّ أن يتولاه؛ يسعى في إخراجه منه.
والمستحبُّ: أن يكون رجلٌ عالمٌ خَفِيَ علمه، فيلي القضاء ليظهر علمه، ويزيد اشتهاره بولاية القضاء، ليعلم الجاهل، ويفتي المسترشد، أو يعلم أنه أنهض من غيره وإن كان الغير صالحًا لذلك، ونحو ذلك من الأسباب.
والمكروه: نقيض هذا على حسب قرائن الأحوال.
والمحرم: أن يسعى في طلبه الجاهل، والعالم الذي يقصد به كسب الدنيا.
وشروط القضاء التي لا ينعقد ولا يدوم إلا بها عشَرَةٌ (^١):
الإسلام؛ لأنَّ الكافر لا يحكم على المسلمين.
والعقل؛ لأنه لا يتأتى من غير العاقل.
_________________
(١) انظر: «النوادر» (٨/¬١٠)، و«التبصرة» (١٠/ ٥٣٢٢ - ٥٣٢٣).
[ ٦ / ٤١ ]
والذكورية؛ لأنَّ المرأة تمنعها الأنوثة من مصالحه، كالخلافة، ولا يُعلَم أنَّ امرأة وليته قط.
والحرية؛ لأنَّ نقص الرِّقَّ يمنع هذا المنصب الجليل، ومنافع الرقيق مستحقة لغيره.
قال المازري: وهذه العلَّة تَطَّرِدُ فيمن فيه عقد حريَّة.
والبلوغ؛ ليحصل وازع التكليف.
والعدالة، لحصول الإجماع على أنَّ الفاسق لا يتولى خليفة، ولا يولى قاضيًا، إلا شذوذ من المتكلمين أجازوه في القضاء.
والعلم؛ ليتأتى منه الحكم، قال القاضي عياض: لا تنعقد ولاية الجاهل مع وجود العالم العدل المستحق، ورُخّص فيمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد إذا لم يوجد مَنْ بَلَغَها.
وسلامة حاسة السمع والبصر من العمى والصمم، واللسان من البكم؛ للإجماع في ذلك، ولأنَّ الأعمى إنما يعلم صوت من يتكرر إليه، والشهود والخصوم قد لا يتكررون، والصمم تفوت معه مصالح القضاء، وقَلَّ أن يوجد أبكم إلا أصم، وفي الإلجاء للكتابة تضييق على الناس، وما كلُّ الناس يكتب، ولا كل الناس يفهم الإشارة.
واختلف إذا طرأت إحدى هاتين الآفتين بعد العقد؛ هل يبطل العقد ويعزله عن القضاء أم لا؟
وكونه واحدا، فلا يصح تقديم اثنين على أن يقضيا معا في كل قضية؛
[ ٦ / ٤٢ ]
لاختلاف الاجتهاد والأغراض، فتتعطل المصالح.
* * *
* ص: (إذا تداعى رجلان شيئًا، ولا يد ولا بينة لواحد منهما؛ قسم بينهما بعد أيمانهما).
لتساويهما، وحلفا؛ لاحتمال النكول، فيترجح صاحبه.
(فإن كان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه).
لأنَّ اليد مرجحة، والسبب الواحد لا يُحكم به، كالشاهد.
(فإن نكل عن اليمين حلف الآخر، وأخذه).
لأنه ضعف بنكوله، فانتقلت اليمين إليه.
(فإن نكَلَ أُقر في يد صاحب اليد).
لأنَّ نكوله أضعف دعواه، وترجح الآخر باليد.
فإن كان لأحدهما بينة حكم له ببينته، كانت له يد أم لا.
لأنَّ البيئة أرجح من اليد، لأنها تفسر، واليد لا تفسر، ولقوله ﵇: «البينة على المدعي (^١)، واليمين على من أنكر» (^٢) وفائدة ذلك: الحكم بها.
(فإن كان لكل واحد بينةٌ حُكم بأعدلهما).
_________________
(١) كذا في (ز)، وفي (ق ت): (من ادعى)، وكلاهما وردت به الرواية.
(٢) أخرجه البيهقي في «الكبرى» رقم (٢١٨٠٥).
[ ٦ / ٤٣ ]
لأنَّ سرَّ البينة العدالة، فيقع الترجيح بها لأنها سِرُّها.
(فإن تكافَأَنَا حُكم لصاحب اليد).
لأنها مرجحة.
(فإن لم يكن في يد أحدهما قسم بينهما بعد أيمانهما).
لما روى ابن وهب: أنَّ رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في دابَّةٍ وجداها عند رجل، وأقام كل واحد شاهدين أنها دابته، فقضى بها رسول الله ﷺ بينهما نصفين (^١)، ولتساويهما في الأسباب.
وعُرضت الأيمان عليهما ليترجح أحدهما بنكول الآخر، فإن تعذر ذلك؛ قُسِم بينهما.
(فإن حلف أحدهما ونكل الآخر؛ كان للحالف).
لترجحه.
(فإن نكلا عن اليمين لم يُحكم بينهما بشيء، وتُرِكَا على ما كانا عليه).
لأن تساقط البينتين يمنع الحكم بهما.
* ص: (إذا ادعى رجل على رجل [دعوى] (^٢)؛ لم يحلف له بمجرد دعواه، حتى يُثبِتَ أنَّ بينهما خُلطةً، فيحلف ويُبرأ.
_________________
(١) أخرجه بنحوه من حديث أبي موسى: أحمد في (مسنده) رقم (١٩٦٠٣)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٦١٣)، والنسائي في (سننه) رقم (٥٤٢٤).
(٢) ثبتت في (ز ق)، وسقطت من (ت).
[ ٦ / ٤٤ ]
فإن نكل؛ لم يُحكم عليه بالنكول، وحلف المدعي، واستحق.
فإن لم يحلف لم يُحكم له بشيء).
* ت: نقل الأبهري عن علي ﵁ أنه قال: اليمين مع الشاهد (^١).
فإن لم تكن بينةٌ؛ فاليمين على المدعى عليه إذا كان قد خالطه.
فإن نكل؛ حلف المدعي.
وقاله عمر بن عبد العزيز، والفقهاء السبعة (^٢).
ولأن كثيرًا من الناس يهابون الأيمان وهم صادقون، فلو حُلفوا نكلوا فغَرِموا فتضرَّروا، وكذلك يهابون التقدم للحاكم فيمتهن الأرذالُ أشراف الناس بالباطل، فيسأل الحاكم: هل بينهما خُلطةٌ، أو يليق به ما ادعى عليه به؟
قال اللخمي: أرى إن كانت الدعوى من الصالح ومَن يُرى أنه لا يدعي باطلا أن تُراعى الشبهة (^٣).
قال سحنون: لا بُدَّ من الخلطة بين أهل السوق والذين يجتمعون في المساجد إذا ادعى بعضهم على بعض، وذلك ليس بخلطة.
قال ابن كنانة: تثبت الخلطة بشاهد واحد، أو امرأة (^٤).
وقال ابن المواز: إن أقام شاهدًا واحدًا حُلف معه المدعي، ثم يحلف
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في «سننه» (٥/ ٣٨١)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (٢٠/ ٥٥١).
(٢) بنصه من كلام الأبهري في «شرحه على المختصر الكبير» (٢/ ٥٠٠).
(٣) بنصه في «التبصرة» (١٠/ ٥٤٧٩).
(٤) بنصه في «التبصرة» (١٠/ ٥٤٧٩).
[ ٦ / ٤٥ ]
[المدَّعى عليه] (^١) (^٢).
ودليلنا على ردِّ اليمين: قوله ﷺ: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟»، قالوا: لم نَحضُر، قال: «فتبرّئكم يهود بخمسين يمينًا؟» (^٣).
وقاله عمر وعثمان وعليٌّ ﵃، ولا مخالف لهم. ولأن أصول الدعاوى لا يُحكم (^٤) فيها بسبب واحد، بل بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، أو بشاهد ويمين، فلا بدَّ مع النكول من يمين.
* * *
* ص: (اليمين في الحقوق كلها بالله الذي لا إله إلا هو فقط، ويحلف في المسجد، ولا يحلف عند منبر من المنابر، إلا منبر رسول الله ﷺ، ولا يحلف عنده إلا في ربع دينار فصاعدًا، ويحلف على أقل من [ذلك] (^٥) في سائر المساجد).
* ت: كان رسول الله ﷺ يحلف بهذا اللفظ فقط.
ولليمين لفظ ومكان وزمان.
فاللفظ؛ هو اسم الله تعالى مع التوحيد، فإن قال: والله، أو: والذي لا إله إلا هو؛ فمقتضى قول مالك: أنها أيمان جائزة (^٦).
_________________
(١) في (ز): (المقضي عليه).
(٢) نقله عنه اللخمي في «التبصرة» (٨/ ٥٤٧٩ - ٥٤٨٠).
(٣) سيأتي تخريجه مطولًا في (٦/ ٣١٦).
(٤) كذا في (ق)، ويوافق لفظ «التذكرة» (٨/ ٤٦١)، وفي (ز ت): (يُحلف).
(٥) كذا في (ت)، وفي (ق ز): (منه)، والمثبت يوافق لفظ «التذكرة» (٨/ ٤٦١).
(٦) انظر قول مالك «النوادر» (٨/ ١٥٢ - ١٥٣)، و«التبصرة» (١٠/ ٥٥٣٢).
[ ٦ / ٤٦ ]
وقال أشهب في «الموازية»: لا تجزئه في الوجهين (^١).
قال اللخمي: أرى أن تجزئه؛ لأنه يلزم بكلّ واحدٍ الكفَّارة (^٢).
قال ابن القاسم: رأيتُ المدنيين يزيدون عند المنبر: الرحمن الرحيم، وأبى ذلك مالك (^٣).
وأما موضع الحَلِف؛ فقال مالك وابن القاسم: إن كان الحق أقل من ربع دينار حلف في مكانه، أو ربع دينار فأكثر حُلِّف حيث يعظم من المسجد (^٤)؛ ليرتدع عن اليمين [الباطلة] (^٥)، ولا يأتي في أقل من ذلك إلى المسجد.
وقال رسول الله ﷺ: «مَنْ حلف على منبري هذا يمينا كاذبة فليتبوأ مقعده من النار» (^٦).
قال مالك: يُحلف في مكة عند الركن (^٧).
وربع دينار أقل ما (^٨) يستباح به يد السارق، فلذلك خُصص.
قال مالك: ويُحلف قائما (^٩)؛ لأنه أرهب وأشهر.
_________________
(١) بمعناه عن أشهب في «النوادر» (٨/ ١٥٣).
(٢) «التبصرة» (١٠/ ٥٥٣٢).
(٣) «النوادر» (٨/ ١٥٢).
(٤) «النوادر» (٨/ ١٥٤)، و«البيان والتحصيل» (٩/ ١٨٤)، و«التبصرة» (١٠/ ٥٥٣٣).
(٥) في (ت): (الكاذبة).
(٦) أخرجه من حديث جابر: مالك في «الموطأ» رقم (١٤٨٢)، وأحمد في «مسنده» رقم (١٤٧٠٦)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٢٤٦).
(٧) بنصه عنه في «التبصرة» (١٠/ ٥٥٣٣).
(٨) في (ق): (مال).
(٩) «البيان والتحصيل» (٩/ ١٨٤)، و«النوادر» (٨/ ١٥٦)، و«التبصرة» (١٠/ ٥٥٣٤).
[ ٦ / ٤٧ ]
ولقوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٧].
وقال عبد الملك ومطرّف: يُحلَّف قائمًا مستقبل القبلة، إلا أن يكون الدين أقل من ربع دينار، فيُحلف في مكانه جالسًا (^١).
وأما الزمان؛ [فهو بعد] (^٢) العصر، وهو مختص ببعضها، لقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]؛ لأنه وقتُ ارتفاع الأعمال.
* * *
* ص: ([تُستحلف] (^٣) المرأة في المسجد ليلًا إن كانت ممن لا تخرج نهارًا).
* ت: قال مالك في «المدونة»: ولا تخرج [ليلًا] (^٤) إلا في الشيء الكثير، وتُحلَّف في بيتها في ربع دينار فأقل إن كانت ممن لا تخرج (^٥).
وقال في «الواضحة»: تخرج في ربع دينار، كالرجل (^٦).
قال عبد الوهاب: إن كانت من أهل القَدْر والشَّرَف بعث إليها الحاكم من يُحلّفها، لأنَّ لخصمها إحلافها دون تبذلها (^٧).
_________________
(١) «النوادر» (٨/ ١٥٦ - ١٥٧).
(٢) كذا في (ت) و«التذكرة» (٨/ ٤٦٥)، ويقابله في (ز ق): (فبعد).
(٣) كذا في (ت ق)، وفي (ز): (وتستحلف).
(٤) قوله: (ليلًا) سقط من (ت) و«التذكرة» (٨/ ٤٦٦)، وأثبت من (ق ز).
(٥) بنحوه في «المدونة» (٩/ ٨٥ - ٨٦)، و«النوادر» (٨/ ١٥٧).
(٦) «النوادر» (٨/ ١٥٧).
(٧) بنصه عنه في «المعونة» (٢/ ٤٨٢).
[ ٦ / ٤٨ ]
* ص: (يُحلف [اليهودي والنصراني حيث يعظمان] (^١) من الكنيسة والبيعة، ولا يحلفان إلا بالله ﷿).
* ت: لأن المقصود الردع عن اليمين الفاجرة.
وهل يُحلفون بالله الذي لا إله إلا هو فقط، أو اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى؟
قولان لمالك؛ لأنَّ منهم من ينكر التوحيد، فلا يُلزم بالخروج عن دينه.
* * *
* ص: (إذا ثبت [الحقُّ] (^٢) ببينة، فادعى الخصم أنه قد قضاه؛ خُلّف صاحب الحق: أنه ما اقتضاه، وبرئ من دعواه.
فإن نكل حلف الذي عليه الحق، وسقط الحق عنه.
فإن نكل غَرِمَ الحقِّ، وإن مات الذي له الحق حلف [وارثه ما يعلم أنَّ مورثه] (^٣) اقتضى حقه ولا شيئًا منه واستحق).
لأنه الممكن في حقه.
فإن نكل؛ حُلف الذي عليه الحق، وبرئ.
* ت: إنما حلّف الذي له الحق لأنه مدعى عليه بسقوط حقه الثابت،
_________________
(١) كذا في (ق)، وفي (ت) (اليهود والنصارى حيث يعظمون)، وفي (ز): (اليهود والنصراني حيث يعظمون).
(٢) كذا في (ق ز)، وفي (ت): (الحكم).
(٣) كذا في (ت ق)، وفي (ز): (ورثته أنهم ما يعلمون أنَّ مورثهم).
[ ٦ / ٤٩ ]
ونكوله كشاهد يحلف معه الآخر.
ولا يحلف الوارث الصغير إذا بلغ؛ لبعده عن الاطلاع على ذلك (^١).
قال الأبهري: وقد يقال: إنه يحلف؛ لأنه يعلم ذلك بالخبر (^٢) كما يحلف مع الشاهد في إثبات حق لأبيه، ويَرُدُّ بالعيب إذا وقف عليه.
[قال ابن القاسم في «العتبيَّة»] (^٣): إذا ادعى الغريم القضاء؛ أُعْرِمَ الآن (^٤).
وقيل: يؤخر؛ لأنَّ له ردَّ اليمين، ولا يُستحَقُّ عليه شيء إلا بعد يمين الطالب (^٥).
* * *
* ص: (إن حلف على دعوى، ثم وجدت عليه بينة، وللمدعي عذر في تأخيرها؛ حكم له بها، وإن لم يكن له عذر فروايتان: إحداهما: يُحكم له بها).
لأنها حُجَّةٌ شرعية، وتقديم اليمين من الغريم طلب لأسهل الطرق.
(والأخرى: أنه لا يحكم له بها).
لأنه أسقط حقه منها بعدوله لليمين.
* ت: إذا لم يعلم بها قُضِي بها بعد أن يحلف: أنه ما كان يعلم بها.
_________________
(١) بتمامه من «شرح المختصر الكبير» للأبهري (٢/ ٤٩٣).
(٢) بنصه من «شرحه على المختصر الكبير» (٢/ ٤٩٣).
(٣) كذا في (ت ق)، ويقابله في (ز): (قال ابن المواز).
(٤) نقله عن ابن القاسم اللخمي في «التبصرة» (١٠/ ٥٥٣٠).
(٥) نقل هذا القول بنصه اللخمي في «التبصرة» (١٠/ ٥٥٣٠).
[ ٦ / ٥٠ ]
واختصم إلى عمر بن الخطاب ل يهودي يدعي على مسلم، فأمره بالبينة، فقال: ما تَحضُرُ لي اليوم بينة، فأحلَفَ له المطلوب، ثم جاءه المدعي بعد ذلك بالبينة، فقضى له بها وقال: البيئة العادلة خيرٌ من اليمين الفاجرة (^١).
ولأن الطالب يقول: لم أعلم أنه يحلِفُ كاذبًا.
ووجه الرواية الأخرى: أنه لو ترك حقه وأخَذَ أدنى منه على وجه الصلح؛ لم يكن له الرجوع بعد ذلك إلى أصل الحق.
قال مالك: فإن قال: بيّنتي غائبة فأحلفه لي، فإذا قَدِمَت قمتُ بها؛ فإن كانت بعيدة الغيبة، وخِيفَ تطاول الأمر وذهاب الغريم؛ أحلَفَهُ، ويقوم ببينته إذا قَدِمَت، وإن كانت على نحو ثلاثة أيام لم يُحلفه إلا على إسقاطها (^٢).
* ص: (ولا يَحكُمُ [الحاكم] (^٣) بعلمه في حد [ولا حق] (^٤)، وله أن يشهد بما علمه عند غيره من الحكام، كواحد من الشهود).
* ت: لقوله ﵇ في حديث هلال بن أمية في اللعان: «إن جاءت به على نعت كذا فهو لهلال، أو على نعتِ كذا فهو لِشَريك بن سَحْمَاء»، فجاءت به على النعت المكروه، فقال ﵇: «لو كنتُ راجما أحدًا بغير بينة لرجمتها» (^٥)،
_________________
(١) رواه البخاري معلقًا في (صحيحه (ص) (٧٢٥)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (١٠/ ١٨٢)، عن طاووس، وإبراهيم، وشريح.
(٢) بنحوه في «المدونة» (٩/¬٤٥).
(٣) ثبتت في (ق ز)، وسقطت من (ت).
(٤) المثبت من (ت ز)، ويقابله في (ق): (ولا غيره من الحقوق).
(٥) أخرجه من حديث أنس: أحمد في مسنده) رقم (١٢٤٥٠)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٣٧٥٧).
[ ٦ / ٥١ ]
فأخبر ﵇ أنّها زنت، ووقف الرجم على البيّنة.
ولأنه ﵇ لم يحكم بقتل المنافقين مع علمه بكفرهم.
وقال: «لئلا يتحدث الناس أنّ محمّدًا يقتل أصحابه» (^١)، فجعل التّهمة سبب المنع، فغيره بطريق الأولى.
وقال الصديق ﵁: لو رأيت رجلًا على حدّ من حدود الله تعالى ما أقمت عليه الحدّ حتّى يشهد على ذلك أربعة شهداء.
ويجوز التعديل والتجريح بعلمه، والفرق من وجهين:
الأول: أنَّ قبول الشّاهد ليس حكمًا؛ لأنّ لغيره أن يردّه وينكر عدالته، وإذا قَبلَ قول الكافر على الكافر - كما رآه بعضهم - فلغيره أن لا يقبله في واقعة أخرى، ولو حكم في أمرٍ مختلف فيه لم يَجُز لغيره [تغيره] (^٢)، وصار مُجمَعًا عليه بعد الحكم، فالحكم بعدالة زيد لو كان حكمًا لامتنع إبطالها.
الثاني: أنَّ عدالة العدل، وفسق الفاسق لا يخفى على النّاس غالبًا، فلا تهمة على الحاكم فيهما، والحكم بالعلم إنّما امتنع خشيةً من قضاة السّوء، والتهمة على الأخيار، وإذا لم يحكم بعلمه رفعه إلى من هو فوقه، فشهد به (^٣).
فإن لم يكن [فوقه] (^٤) أحدٌ؛ قال مالك: يرفعه إلى من دونه (^٥).
_________________
(١) أخرجه من حديث جابر: البخاري في «صحيحه» رقم (٤٩٠٧)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٦٥٨٣).
(٢) كذا في جميع النسخ، ولعلّ الأنسب (تغييره).
(٣) بنحوه في «الجامع» (١٥/ ٧٥٨).
(٤) في (ز): (من فوقه)، والمثبت عبارة: (ق ت).
(٥) صرح به عن مالك اللخمي في «التبصرة» (١٠/ ٥٣٤٣).
[ ٦ / ٥٢ ]
وقد قاضى عمر خصمًا له إلى أبي بن كعب، فحكم عليه باليمين.
وقال بعض العلماء: إن كان الذي دونه في حكمه لم يرفع إليه؛ لأنه منفذ لحكم نفسه.
* * *
* ص: (ولا ينبغي للحاكم أن يحكم إلا بحضرة الشهود [ليسمعوا الدعاوى، وينقلوها] (^١) إليه، فيحكم بشهادتهم لا بعلمه).
* ت: قال الأبهري: لأنَّ قضاة المدينة كانوا يُحضرون الشهود، فيحفظون الإقرارات، فيشهدون بها عندهم، فيحكمون بالشهادة لا بالإقرار عندهم؛ لئلا يحكموا بعلمهم.
* ص: (إذا حكم الحاكم بحكم، وأنكر أنه حكم به، وشهد به عليه شاهدان؛ ثبت الحكم بشهادتهما).
* ت: وكذلك لو نسي وشهِدَ [عنده] (^٢) شاهدان أنه حكم؛ عمل بها؛ لتعلق حقّ الغير، فلولا ذلك لضاعت حقوق الناس؛ ولأنَّ الحاكم يتهم في إنكاره لأجل عداوة أو صداقة، وقياسًا على جحد المشهود عليه من الخصوم.
* * *
* ص: (إن أنكر المحكوم عليه الحكم؛ لم يُقبل قول الحاكم أنه حكم إلا ببينة على حكمه).
* ت: قال رسول الله ﷺ: «لو أُعطي الناس [بدعواهم] (^٣) لادَّعى قوم
_________________
(١) كذا في (ق ت)، وفي (ز): (يسمعون الدعوى، وينقلونها).
(٢) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (عنه).
(٣) في ق: (بدعاويهم).
[ ٦ / ٥٣ ]
دماء قوم وأموالهم، لكن البينة على مَنْ ادَّعى، واليمين على من أنكر» (^١).
والحاكم مدع للحكم، فعليه البينة.
ولأنه شاهد على فعل نفسه، فلا يُقبل، ولا يُقبل مع شاهد واحد؛ لأنه ليس بمال، فلا بد من شاهدين.
وقال [أصبغ] (^٢) في «الواضحة»: يُصدق القاضي (^٣).
* * *
* ص: (إذا كتب حاكم إلى حاكم كتابًا في حق ثبت عنده؛ لم يحكم بكتابه إلا ببينة تشهد على الكتاب، ولا تُقبل على خطه دون لفظه).
* ت: الضرورة تدعو إلى [النقل بسبب أنَّ] (^٤) البينة قد لا توجد في بلد الخصم، وكذلك لو وصل إليه من غير جهة صاحب الحق فلا بد من شاهدين؛ لأنه يجوز تزويره، فلا يُعلم صدقه إلا بالبينة، وهو غير المال المشهود فيه، الذي يكفي فيه الشاهد واليمين وشهادة امرأتين مع رجل.
ولا يكتفي بعلامة القاضي؛ لأنها تزور.
فإن أشهد على كتابه ولم يقرأه، بل أشهدهم أنه كتابه؛ فعن مالك روايتان: إحداهما: جوازها؛ لأنَّ إقراره بأنَّ ما فيه له يكفي، وقياسًا على قراءته عليهم، وعلى المكتوب إليه قبول الشهادة ونفوذ الحكم، وكذلك الوصية
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/¬٤٣).
(٢) في (ت): (أشهب).
(٣) «النوادر» (٨/ ١٠٨)، و«التبصرة» (١٠/ ٥٣٥٥).
(٤) كذا في (ز ت)، وفي (ق): (إثبات الحق بالكتاب لأن).
[ ٦ / ٥٤ ]
المكتوبة التي لا تُقرأ، والكتاب الذي لا يُقرأ إذا أقر صاحب الحق بذلك.
ولأنه لو قرأه عليهم ما حفظوه، وإنما الغرض في ذلك الإقرار. وكان رسول الله ﷺ يكتب إلى عماله فيقبلون كتابه من غير قراءة عليهم عند الكتابة.
والرواية الأخرى: أنه لا تصح الشهادة على كتاب حتى يُقرأ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١]، وما في الكتاب غير معلوم، ولأنَّ الخط قد يُزوّر ويزور الكتاب المطوي، فإذا قُرِئَ عُلِمَ الأول.
* * *
* ص: (إذا أنكر الخصم، فشهد شاهدان على خطه دون لفظه؛ ففيها روايتان:
إحداهما: أنه يحكم له بالشهادة على الخط).
لأنه قد يُعلم، كالصوت للأعمى.
(والأخرى: لا يحكم بها).
لأنَّ التزوير كثير.
(وعلى الأولى؛ ففي احتياجه لليمين روايتان.
وإذا شهد واحد على الخط فهل يُحكم له بالشهادة على الخط مع يمينه، أو لا يحكم له؟
رواتان).
[ ٦ / ٥٥ ]
* ت: روى ابن عبد الحكم، عن مالك الرجوع عن قبول الشهادة على الخط (^١)؛ لكثرة التزوير، وهو الذي استقر قوله عليه.
ووجه الاحتياج لليمين: ضعف الشهادة على الخط.
ولاحظ في الرواية الأخرى: أنَّ كتابته بيده كإقراره بلسانه، والإقرار لا يحتاج معه إلى يمين، فكذلك الخط، وكذلك الشاهد الواحد مع اليمين، كما لو شهد على إقراره.
ويدلُّ عليه: أنَّ الرجل إذا أقرَّ بالطلاق لزمه، وإن كتبه بخطه لزمه ذلك إذا أراد به الطلاق، فقد نابت الكتابة منابَ اللفظ (^٢).
فرع:
من «المجموعة»: إذا كتب قاض إلى قاض، فإن كان الذي كتب عند المكتوب إليه مُستحِق القضاء في فهمه ودينه وعلمه وورعه وفطنته، غير مخدوع، قَبِلَه (^٣).
قال أشهب: إن كتب غير العدل: أنَّ بيّنة فلان ثبتت عندي؛ لم يقبل كتابه، وإنما يقبل كتابَ مَنْ لو شهد عنده قَبِلَه (^٤).
فإن جهل حاله والمجهول من قُضاة الأمصار كالمدينة والعراق والقيروان؛ نفذه.
_________________
(١) «النوادر» (٨/ ٢٦٤).
(٢) قوله: (ويدل عليه أنَّ الرجل … مناب اللفظ) ليس في (ت)، وجاء فيه بدله: (فإنَّ إقراره بالطلاق كما يلزم الطلاق أيضًا بكتابة الطلاق)، وقد زادها في (ز) أيضًا، إلا أن لفظه: (فإنَّ إقراره بالطلاق لم يلزم الطلاق أيضا بكتابة الطلاق).
(٣) بنصه في «النوادر» (٨/ ١٢٣).
(٤) بنصه من كلام أشهب في «النوادر» (٨/ ١٢٣).
[ ٦ / ٥٦ ]
وأما قضاة الكور الصغار فلا ينفّذه حتى يسأل العدول عنه وعن حاله (^١).
* * *
* ص: (الحبس في الحقوق كلها واجب عن معاوضة مال أو غير مال).
* ت: لأن فيه تخليص الحقوق؛ لأنَّ من الناس الملد الذي لا يعطي إلا بالتضييق.
ويحبس الحُرَّ والعبد حتى يستبرئ أمره، ويكشِفَ عن حاله.
فإن اتهم أن يكون غيَّب مالا حبَسَه، وإلا لم يحبسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: ملازما.
ولما جازت ملازمته ومنعه من التصرف جاز حبسه، ولا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار.
وإذا عجز عن إثبات فقره لم يُخرج من السجن، وإذا ثبت فقره أُحلِفَ أنه لم يكتم شيئًا، وأنه لا دين له ولا وديعة ولا شيءَ يَقْدِرُ على القضاء منه، وأنه إن وَجَدَ ليقضينه.
قضى بذلك أبو بكر، وعمر ﵄.
* ص: (لا حبس على مُعسِرٍ، ويجب إنظاره).
لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةً﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ولأنَّ حبسه ضرر من غير فائدة.
_________________
(١) هذا نص كلام أصبغ من «النوادر» (٨/ ١٢٣).
[ ٦ / ٥٧ ]
وليس للحبس حد.
ولأن الغرض اختبار حاله، فإذا ظهر في المدة القريبة اقتصر عليها، وإلا تمادى به على ما يغلب على ظنه.
وينظر الحاكم في حال المحبوسين، ولا يهمل أمرهم.
لئلا يتضرّروا، وهو مسؤول عنهم.
فمَن عَلِمَ إعساره أنظره، ومَن عَلِمَ لَدَدَهُ أَطال حبسه.
لأنه متعد بترك قضاء الحق، ورُوِيَ: أَنَّ رسول الله ﷺ حَبَسَ في تهمة (^١).
* ت: من أشكل أمره، سأل جيرانه.
ومَن يَعرِفَ حاله؛ فإن لم يجد له مالًا أَحلَفَه وخلى سبيله، وليس للغريم ملازمته، خلافًا لأبي حنيفة في الملازمة لا بمعنى المطالبة، بل يكون معه حيث دار.
لنا: أنَّ الآية المتقدمة أوجبت الإنظار مطلقا.
* * *
ص: (وإذا حَكَم الرجلان رجلا فحكم بينهما، فرضي أحدهما وسخط الآخر؛ لزمه حكمه إذا حكم بما يجوز، وافق حكم قاضي البلد أو خالفه، ما لم يخالف الإجماع).
ت: لأنهما لما حكماه فقد رضيا بحكمه، فيلزمهما كما يلزم المسلمين
_________________
(١) أخرجه من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أحمد في «مسنده» رقم (٢٠٠١٩)، وأبو داود في (سننه) رقم (٣٦٣٠)، والترمذي في «سننه» رقم (١٤٧٦)، والنسائي في «سننه» رقم (٤٨٨٠).
[ ٦ / ٥٨ ]
حكم الإمام إذا نصبوه، أو حاكم إذا رضوه، كذلك هاهنا، إلا أن يكون جورًا بينا.
قال اللخمي: يُشترط في المحكم العدالة، ورتبة الاجتهاد، أو عاميًا يسترشد بالعلماء، فإن حكَمَ ولم يسترشد؛ رُدَّ حكمه وإن وافق قول قائل.
وإن كان من أهل الاجتهاد مالكيًا ولم يخرج عن مذهب مالك لَزِمَ حكمه، وإن خرج لم يلزم حكمه إذا كان الخصمان مالكيين؛ لأنهما إنما حكماه في مذهب مالك وأصحابه، وكذلك الشافعيان والحنفيان (^١).
وقال أبو حنيفة: إن وافق حكمه قاضي البلد؛ لزم، وإلا فلا.
لنا: قوله ﵇: «المسلمون عند شروطهم» (^٢).
ولأنهما رضياه كما لو رضيا بقاضي البلد.
فإن حكما رجلين فحكم أحدهما؛ لم يجز حتى يَحكُمَا معًا.
ويصح التحكيم في الأموال وما في معناها، دون اللعان والحدود والقصاص والطلاق والعتاق والنَّسب والولاء، وإنما ذلك لقضاة الأمصار العظام والإمام.
* ص: (إذا حكماه في شهادة، فشهد على أحدهما بشهادة، فأنكرها؛ لم تلزمه).
* ت: لأن الشهادة علمٌ يؤديه للحاكم، فإذا عَلِمَ أنه شهد عليه بالباطل فله إنكاره.
_________________
(١) «التبصرة» (١٠/ ٥٣٣٧).
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد في «مسنده» رقم (٨٧٨٤)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٥٩٤)، والدارقطني في «سننه» رقم (٢٨٩٠).
[ ٦ / ٥٩ ]
قال ابن القاسم: ولكن إن كان الشاهد عدلًا؛ قُبِلَ عليه في الأموال (^١).
وقول مالك: لا يُقبل عليه وإن كان عدلا (^٢).
قال ابن القاسم: محمله عندي في غير الأموال (^٣).
وكذلك إذا قال في المخاصمة: رَضِيتُ بما يشهد به فلان؛ فله مناكرته، ويقول: ظننت أنه يشهد بالحق.
والفرق بين التحكيم والشهادة أن التحكيم رضا باجتهاد غير معين، والشهادة لا اجتهاد فيها، فيَنفُذُ الاجتهاد ما لم يخالف نصا أو إجماعًا؛ لدخولهما على ذلك.
قلت: لا يُقبل من القاضي قضاؤه ويُنقض إذا خالف أحد أربعة: الإجماع والنص والقياس الجلي والقواعد الشرعية، وكذلك إذا وقع حكم في مذهب كذلك لا يجوز أن يفتي به، فكذلك التحكيم.
* * *
* ص: (ينبغي في كتابة الوثيقة أن يُمل الذي عليه الحق. فإن أملاه الذي له الحق بحضرته ورضاه، أو رجلٌ غيرهما بحضرتهما ورضاهما، جاز، وأجرة الكاتب على أرباب الحقوق إذا كانوا جماعة بالسوية).
* ت: أصل ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنِ إِلَى
_________________
(١) بنحوه عن ابن القاسم في «النوادر» (٨/ ٣٥١).
(٢) بنصه عن مالك في «النوادر» (٨/ ٣٥١).
(٣) بنصه عنه في «النوادر» (٨/ ٣٥١).
[ ٦ / ٦٠ ]
أَجَلٌ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ولأنَّ الدين عليه، فإملاؤه إقرار.
ولأنه يرفع الشبهة، فقد يقول الذي عليه الحقُّ إذا أملى الطالب: خَفِيَ عليَّ بعض الذي أملاه.
واختلف في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، هل الهاء في ﴿وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] للطالب أو المطلوب؟
وقيل: السفيه: الجاهل بالإملاء.
وقيل: سفيه المال.
والضعيف: العاجز لخرسه.
وقيل: هو الأحمق الضعيف العقل.
وفي كون أجرة الكاتب على قدر الحقوق؛ لأن ثمرتها تعود إلى الحق.
وقيل: على عدد الطالبين؛ لأن التعب واحد.
* * *
* ص: (يُحكم على الغائب في الحقوق كلها، والوكالات، والمقاسمات، والمداينات، وسائر المعاملات، وقد كُرِه في الربع والعقار، إلا أن تطول غيبته ويَضُرَّ ذلك بخصمه.
[ ٦ / ٦١ ]
وقال أشهب: يُحكم عليه في الربع وغيره).
* ت: قال أبو حنيفة: يسمع الحاكم البينة ولا يحكم عليه.
لنا: قوله ﵇ لهند حين قالت له: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيح، ما يعطيني ما يكفيني وولدي، أفأخُذُ منه؟ فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (^١).
وفعل ذلك عمر ﵁، ولم ينكر عليه أحد.
ولأنَّ ذلك ذريعة لبطلان الحقوق، فمن أراد ذلك غاب.
ولأنه لا فائدة في سماع البيئة إذا لم يُحكم بها.
احتجوا: بقول رسول الله ﷺ لعلي: «إذا أتاك الخصمان فلا تقض لأحدهما دون أن تسمع من الآخر» (^٢).
[جوابه] (^٣): أنه محمول على الحاضرين؛ لقوله: «إذا أتاك الخصمان».
وهل يباع عليه ربعه؟
لمالك قولان.
والفرق بين الربع وغيره أنه مأمون، أو يقال: تأخير بيعه ضرر على الخصم بتأخير حقه.
_________________
(١) أخرجه من حديث عائشة: البخاري في صحيحه رقم (٧١٨٠)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٤٧٧).
(٢) أخرجه من حديث علي: أحمد في مسنده رقم (٦٩٠)، والترمذي في «سننه» رقم (١٣٨٠)، وأبو داود مطولًا في «سننه» رقم (٣٥٨٢).
(٣) في (ق): (فالجواب).
[ ٦ / ٦٢ ]
قال بعض أصحابنا: إن قَدِمَ وأثبت أنه كان قضى الحق الذي عليه رجع على المقضي له فغرمه ما أخذ فقط، ولا يَنقُضُ بيع داره التي بيعت عليه، إلا أن يجد شيئًا بِيَدِ مَنْ اشتراه لم يتغير، فله أخذه ودفع ثمنه.
* * *
[ ٦ / ٦٣ ]