(ومن كان عليه دين إلى أجل، فمات أو فلس؛ فقد حلَّ دَينه).
* ت: لأنه قد خربت ذمته؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، والوصيَّة تُتَعجَّل، والدين مقدم عليها فيتعجل، ولا خلاف فيه.
وأما في الفَلَسِ فلأنَّ صاحب الدين إنما رضِي بذمة سليمة، فإذا خربت وجَبَ تعجيل الحق، فيشارك الغرماء.
وقد خلع رسول الله ﷺ معاذا من ماله وقسمه بين غرمائه (^١).
* * *
* ص: (إذا أفلس المشتري قبل قبض البائع الثمن، ووجد سلعته عنده؛ فله أخذها بالثمن الذي باعها به، أو يتركها ويحاص الغرماء بثمنها، وإن وجدها ناقصةً في سوقها أو بدنها لم يُحَطَّ عنه شيء لنقصها إن أخذها، أو زائدة في سوقها فله أخذها، إلا أن يضمن له الغرماء ثمنها).
ت: لِمَا في «الموطأ»: قال رسول الله ﷺ: «أيما رجل باع متاعا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجده بعينه؛ فهو أحقُّ به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أُسوَةُ الغرماء» (^٢).
وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس؛
_________________
(١) أخرجه من حديث جابر ابن ماجه في «سننه» رقم (٢٣٥٧)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (٥/¬٦)، والحاكم في «المستدرك» (٣/ ٣٠٧).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١٤٢٧)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٥٢٠).
[ ٦ / ٨٣ ]
فهو أحقُّ به من غيره» (^١).
ولأنه أقوى سببًا من الغرماء؛ لوجود عين ماله، كالمرتهن أولى بالرهن من سائر الغرماء؛ لقوة سببه.
قال ابن القاسم في «العتبية»: إن أفلس المشتري بعد بيعه السلعة ومحاصة البائع، ثم رُدَّت بعيب؛ فللبائع ردُّ ما أخذه ويأخذ سلعته (^٢).
ويصح أن يقال: لا يرد؛ لأنه حكمٌ مضى.
وإذا كان نقصها بغير صنع آدمي - مثل العور والعمى - لا بتلف بعضها؛ خُيّر - كما تقدَّم - لأنَّ رسول الله ﷺ لما خيَّره لم يعتد بحالة الكمال، ولا ضرر عليه؛ لأنَّ له تركها وأخذ الثمن، كالغاصب إذا وجد المغصوب منه ناقصًا يُخيَّر بين الأخذ والتضمين.
وإن كان النقص من آدمي، وأخذ المشتري له أرشًا، وزال ذلك العيب؛ أخذها البائع ولا أرش له.
فإن كان النقص من المشتري - كالثوب يلبسه حتى ينقص - قال مالك في «الواضحة»: هو بالخيار (^٣) - كما تقدَّم - من غير أرش.
قال عبد الملك: إلا أن يكون أُخلِقَ جدًا، فلا يكون له أخذه (^٤).
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٤٠٢)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٣٩٨٧).
(٢) «البيان والتحصيل» (١٠/ ٤٣٩ - ٤٤٠).
(٣) «النوادر» (١٠/ ٦٠)، و«التبصرة» (٦/ ٣١٧٥).
(٤) بنصه عنه في «النوادر» (١٠/ ٦٠)، و«التبصرة» (٦/ ٣١٧٥).
[ ٦ / ٨٤ ]
قال اللخمي: القياس أنَّ [يَفُضُّ] (^١) الثمن على الذاهب والباقي، ويُسقِطَ من الثمن ما يقابل الموجود، ويحاصص بالباقي (^٢).
وإن زادت ودفع الغرماء الثمن زال حق الفسخ؛ لأنه إنما ثبت لتعذر الثمن، ولأن الأجنبي لو قضاه الدين برئ المشتري، فالغرماء أولى لتعلقِ حقهم بمال غريمهم.
والثمن الذي يدفعه الغرماء:
قال ابن القاسم: هو من مال الغريم، شاء ذلك أو أبى.
وقال أشهب: ليس لهم أن يفتدوها إلا أن يحطوا عن ذمة الغريم من دينهم حَطِيطَةً تنفعه، أو تكون السلعة لهم نماؤها، وعليهم نقصانها (^٣).
قال ابن حارث: وكلام أشهب يدلُّ على أنهم لا يفتدونها إلا من أموالهم.
وإذا قلنا: من ماله أو من مالهم؛ فممن تكون مصيبتها إذا تلفت أو نقصت أو زادت؟
قال ابن القاسم: للمفلس نماؤها، وعليه نقصانها (^٤).
ومذهب أشهب يقتضي أن مصيبتها من الغرماء؛ لأنهم إنما افتدوها لأنفسهم.
* * *
_________________
(١) كذا في (ق) وهو الموافق للفظ «التبصرة» (٦/ ٣١٧٥)، ويقابله في (ز): (يقضي)، وفي (ت) محو.
(٢) «التبصرة» (٦/ ٣١٧٥).
(٣) «النوادر» (١٠/ ٥٤).
(٤) بنحوه في «النوادر» (١٠/ ٥٤).
[ ٦ / ٨٥ ]
* ص: (لو اقتضى بعض ثمنها، ثم أراد أخذها؛ رَدَّ ما اقتضاه من ثمنها وأخَذَها).
لأنَّ الحديث [خيَّره مطلقًا] (^١).
وليس له أخذ بعضها بما بقي من ثمنها، كما لا يأخذ السلعة كلها وثمنها، فلا يأخذ بعضها وبعض الثمن.
وفي بعض طرق «الموطأ»: «وإن قبض من ثمنها شيئًا فهو أُسوَةُ الغرماء» (^٢)، ورواه [الزهري] (^٣) كذلك.
ولو باع المشتري بعضها وبقي عنده بعضها؛ فله أخذُ ما وجده منها بحسابه من ثمنها؛ لأنَّ ما بقي عينُ مالِه، قياسًا على كلّها.
(وإن باع عبدين بعشرين دينارًا، فاقتضى عشرة، وباع المشتري أحدهما، ثم أفلس؛ فللبائع رد خمسة من العشرة التي [اقتضاها] (^٤) وأخذ العبد الباقي).
* ت: لأن العشرة التي قبضها بعض ثمن الرأسين، فيَرُدُّ ما ينوب الباقي؛ لئلا يأخذ السلعة وثمنها.
وهذا إن تماثلا في القيم، فإن اختلفا فضت العشرة على القيمتين، ويَرُدُّ ما ينوب الباقي منهما.
_________________
(١) كذا في (ت ز)، وفي (ق): (خبره مطلق).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ: أبو داود في «سننه» رقم (٣٥٢١).
(٣) في (ز): (الترمذي)، وفي (ق ت): (الزبيدي)، والتصويب من سنن أبي داود (٣٥٢٢)، وكذا هو في التذكرة (٩/¬١١).
(٤) كذا في (ز)، وفي (ق ت): (قبضها).
[ ٦ / ٨٦ ]
وقال أصبغ: إذا وجد البائع بعض السلع فللغرماء دفع حصة ذلك من الثمن، وهم أولى منه ومن بقية الغرماء ممن لم يدفع فيه شيئًا بمقدار ما دفعوا في ثمنها إذا بيعت.
فإن كان فيها فضل دخلوا فيه هم وبائعها بما بقي له من ثمن بقية السلع وسائر الغرماء أجمعون (^١).
فإن باع جارية بمئة، واقتضى خمسين، وولدت عند المشتري وماتت، فأراد أخذ ولدها؛ رَدَّ الخمسين؛ لأنَّ ولدها قائم مقامها، بخلاف العبدين يباع أحدهما فليس له أخذ شيء من الثمن إذا أَخَذَ الأم.
* * *
* ص: (لو باعه أمةً فولدت عنده، وماتت الأم وبقي الولد؛ كان له أخذه بالثمن كلّه، ولو مات الولد وبقيت الأم أخذها بالثمن كله، ولم يوضع عنه لموت الولد شيء، ولو باعهما جميعًا فله أخذ الباقي بحسابه).
لأنه جزء المبيع.
* ت: يأخذها بولدها لأنَّ الولادة ليست بفوت، ولا الولد غلَّةٌ تكون للمشتري؛ لأنَّ ولد أم الولد حكمه حكم أمه: لا يباع كأمه، ويعتق بعتقها، ولا يبيعه السيد، وله أخذ خراجها، فدل على أنَّ الولد ليس خراجًا، إذ لو كان خراجًا جاز له أخذه وبيعه، وكذلك ولد المكاتبة والمدبّرة، فلا يكون الولد خراجًا.
وموته كنقص عضو من أعضائها لا يُبْطِلُ الخِيَرة للبائع.
_________________
(١) «النوادر» (١٠/ ٥٧)، و«اختصار المدونة» (٣/ ٣١٢).
[ ٦ / ٨٧ ]
وإن ماتت الأم وبقي الولد؛ فإما أخَذَه بجميع الثمن، أو تركه وضرَبَ مع الغرماء بالثمن، إلا أن يعطوه جميع الثمن ويأخذوا الولد، فذلك لهم، كما لو نقصت الأم في بدنها؛ لأنَّ المشتري لم يأخذ عِوَضًا عنها إذا ماتت، بخلاف بيعها؛ لأنه أخذ عوضها.
ويقوم الولد على هيئته الآن أن لو كان يوم العقد.
فإن باع الولد وبقيت الأم؛ قال مالك في «الموازية»: يأخذها بجميع الثمن، أو يتركها ويخاص، والولد غلَّةٌ (^١).
قال اللخمي: لم يُرِد مالك غلَّةً على [بابها] (^٢)، وإلا لم يَرُدَّه إذا كان قائما، وإنما ذلك كالشجة إذا عادت لهيئتها لم يَرُدَّ الأرش، وإن كان عن بعض المبيع (^٣).
قال ابن الجلاب له أخذ الباقي [منها] (^٤) بحسابه من الثمن.
* ص: (إذا ابتاع دنانير، فخلطها في كيسه قبل أن ينقده ثمنها؛ فهو أحقُّ بمقدارها من سائر الغرماء، وكذلك أحق بمكيلة الزيت إذا خلطه المشتري قبل نقد الثمن).
لأن عين ماله موجود العين، [وإنما التبس على الحس] (^٥)، وليس خلط
_________________
(١) «النوادر» (١٠/ ٦٥).
(٢) كذا في (ق)، وفي (ز): (بائعها)، وخرم موضعها في (ت)، ولفظ «التبصرة» (٦/ ٣١٧٦): (غلة في الحقيقة)، و«التذكرة» (٩/¬١٧): (غلة حقيقةً).
(٣) «التبصرة» (٦/ ٣١٧٦).
(٤) في (ق): (منهما).
(٥) قوله: (وإنما التبس على الحس) من (ت)، وليس في (ق ز).
[ ٦ / ٨٨ ]
المبتاع يمنع البائع من أخذه (^١).
* ت: قال أشهب: أما العرض فهو أحق به، وهو في العين أُسوَةُ الغرماء (^٢).
قال أصبغ: إلَّا أن يخلطه بغير نوعه، مثل زيت فُجلٍ بزيت زيتون، فيفوت (^٣).
* * *
* ص: (إذا مات المبتاع فوجد البائع سلعته عنده، ولا وفاء في ماله؛ فهو أُسوَة غرمائه، ولا سبيل له إلى السلعة).
* ت: لقوله ﵇: «وهو في الموت أُسوَةُ الغرماء» (^٤)، ففرق بين الموت والفلس؛ لأنه لم تبق ذمَّةٌ يرجع إليها الغرماء إذا اختص هو.
وصاحب الرهن أحقُّ في الموت والفَلَس.
والفرق: أنَّ المرتهن قبض العين المرتهنة وحازها، فقوي حقه، والبائع لم يقبض السلعة فضعف حقه، وما يُروى أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من أفلس أو مات فوجد رجلٌ متاعه بعينه؛ فهو أحق به» (^٥) حديث ضعيف.
* * *
* ص: (وإذا حكم للبائع بسلعته، فلم يقبضها حتى مات مبتاعها؛ فله أخذها بعد موته).
_________________
(١) قوله: (وليس خلط المبتاع يمنع البائع من أخذه) ليس في (ت).
(٢) «المدونة» (٩/ ١٦٦).
(٣) «النوادر» (١٠/ ٥٧).
(٤) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٨٣).
(٥) أخرجه من حديث أبي هريرة: أبو داود في «سننه» رقم (٣٥٢٣)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٢٣٦٠).
[ ٦ / ٨٩ ]
كالشفعة إذا حكم بها، فمات المشتري قبل أخذها، فإنه يأخذها بعد موته؛ لأن الأصل نفوذ المحكوم به.
(وإذا جمع الحاكم مال المفلس ليبيعه، فتلِفَ؛ فضمانه من المفلس، والدين ثابت في ذمته.
فإن تَلِفَ الثمن بعد البيع وقبل قبض الغرماء؛ فعليهم ضمانه، وبرئ المفلس منه.
وقال ابن عبد الحكم: من المفلس.
وقال عبد الملك: إن كان ذهبًا وَوَرِقًا ودَينُه كذلك، فتلف بعد جمعه؛ فالذهب ممن له عليه ذهب، والوَرِقُ ممن له عليه وَرِقٌ).
* ت: قال مالك: ضمان ما تلف قبل البيع [منه] (^١)، كان عينًا أو عَرْضًا، ولا شيء على الحاكم؛ لأنه أمين (^٢)، وكما كان النماء له كان الضمان عليه.
وقال أيضا: مصيبةُ ما ليس بعين من المفلس (^٣).
وبعد البيع قبض الحاكم الثمن إنما هو للغرماء، فانقطع استصحاب الملك بالبيع، ولأنَّ الغرماء يستحقون الأثمان دون الأعيان، ويد الحاكم بعد قبض الثمن كيد الغرماء، وهو وكيلهم.
ولاحظ ابن عبد الحكم أنهم إنما يضمنون بالقبض دون البيع، ولم يقبضوا،
_________________
(١) كذا في (ت ز)، وفي (ق): (من المفلس)، إلا أن لفظ (المفلس) مستدرك في الحاشية وأصابه خرم، والمذكور أقرب ما يظهر منه، وهو لفظ التذكرة (٩/¬٢٣).
(٢) «النوادر» (١٠/¬٢٥ - ٢٦)، و«التبصرة» (٦/ ٣١٦٨).
(٣) «النوادر» (١٠/¬٢٦)، «التبصرة» (٦/ ٣١٦٨).
[ ٦ / ٩٠ ]
ولاحظ غيره أن [المجانسة] (^١) في معنى القبض، والمغايرة تقتضي أنَّ الغريم يطلب البدل، فلم يتعين له المتلف.
* * *
* ص: (ومن استؤجر على صنعة في سلعة فصنعها، ثم فلس ربها؛ فالصانع أحق بالسلعة حتى يقبض أجرته، في فَلَس ربّها وموته).
* ت: إن لم يُسلّم السلعة بقيت عنده، كالرهن، وإن سلَّمها فهو أُسوَةُ الغرماء في الموت والفَلَس، وإن كان لم يعمل خُيّر بين فسخ الإجارة أو يعمل وهو أُسوَةُ الغرماء، وليس له أن يعمل ليكون شريكًا.
* ص: (إن اكترى أرضًا فزرعها، ثم مات أو أفلس قبل أن ينقد أجرتها؛ فرَبُّ الأرض أحق بالزرع حتى يستوفي أجرتها).
* ت: لأن أرضه أنبتته، فهو سبب حدوثه، فأشبه من وجد عين ماله، وأشبه الرهن.
وقال ابن القاسم وأشهب: ربُّ الأرض أحقُّ في الفلس دون الموت (^٢)؛ لأنَّ الأرض ليست في يده، فأشبه بائع السلعة إذا أسلمها.
* * *
* ص: (إن استأجر دارا سنةً، ولم ينقد أُجرتها، وسكنها بعض السَّنَة، ثم فلس أو مات؛ فرَبُّ الدار أحقُّ ببقية المدَّة ويحاص غرماءه بما مضى).
_________________
(١) كذا في (ق)، وفي (زت): (المحاسبة).
(٢) بنحوه عنهما في «الجامع» (١٧/ ٧٢٠).
[ ٦ / ٩١ ]
* ت: لأنه وجد عين ماله، كما لو وجد عين سلعته، وإن أحب حاص الغرماء بكلّ الكِراء وترك باقي المدة، كما إذا وجد بعض سلعته في الفلس، إلا أن يدفع له الغرماء حصة ما بقي من الأجرة فذلك لهم.
* * *
* ص: (إن استؤجر على رعي غنم أو حفظ متاع، ثم أفلس مستأجره، فالأجير أُسوَةُ الغرماء).
* ت: لأنه ليس له تأثير فيما استُؤجِرَ عليه، فأشبه من لم يجد سلعته، بخلاف من استؤجر على أن يزرع أو يسقي أو يؤبّر ونحوه، مما له تأثير، فهو كواجد سلعته في الفَلَس، وفي الموتِ أُسوَةُ الغرماء، وما زاد الزرع والنخل إلا بعمله، فكان الموجود عين ماله.
* * *
* ص: (وللمرأة المحاصَّةُ بصداقها في الفَلس دون الموت، قاله ابن القاسم، وقال غيرُه تُحاص في الفلس والموت).
ت: قيل: لا تحاصِصُ في الفَلَس ولا في الموت؛ لأنها ليست معاوضةً حقيقية.
* * *
* ص: (إذا أقر بدين بعد فَلَسه لم يُقبل على غرمائه).
لأنه يتهم في إخراج المال عن الذين فلسوه. (ويلزمه ذلك في ذمته).
لإقراره به.
[ ٦ / ٩٢ ]
(فإن أفاد مالا غير ما في يده قضاه منه).
* ت: إن أقر قبل القيام عليه قُبِلَ إقراره؛ لعدم التهمة، وكذلك وقت القيام عليه.
ويدخل المقر له مع الغرماء، ويدخل الغرماء الأول فيما أفاده بعد الإقرار الكائن بعد التفليس؛ لأنَّ الكل فيه سواء.
* * *
* ص: (بيع المفلس وابتياعه جائز على غرمائه إذا لم يُحابِ، دون هِبَتِه وعتقه وصدقته، إلا بإذن الغرماء).
لأن هذه تضر بهم.
(وكذلك المديان الذي لم يفلس في تبرعاته، وفي رهن المفلس روايتان: جوازه ومنعه، وليس له بعد الفلس أن يقضي بعض غرمائه دون بعض).
للحَجْرِ عليه واستوائهم في ذلك.
(وله ذلك قبل فلسه).
لعدم الحجر.
* ت: هبته للثواب ونكاحه كبيعه، وتدبيره كعتقه معروفٌ، والدِّينُ مقدَّم عليه، فهذان قسمان متَّفَقٌ عليهما.
والمختلف فيه: الرهن والكتابة وما يقضي لبعض غرمائه دون بعض، ومنشأ الخلاف: هل الكتابة عتق أو معاوضة؟ وهل الرهن تصرُّف في المال على وجه الصلاح دون التبرع، أو هو إيثار بالعين المرهونة، فيجوز له ذلك، كالبيع؟
[ ٦ / ٩٣ ]
وكذلك قضاؤه لبعض الغرماء تصرُّف على وجه المعاوضة دون الإيثار.
* * *
* ص: (إن أعتق عبده على مالٍ، ثم أفلس العبد؛ لم يحاصص السيد بذلك غرمائه).
لأنه ليس دينا محققا، لقدرته على نزعه قبل العتق.
* * *
* ص: (من زرع زرعا، فأصابته جائحة، فاقترض من رجل مالا، فأنفقه عليه، فلم يكفه، فاقترض من رجل آخر مالا، فأنفقه عليه أيضا؛ ثم فلس؛ فالثاني أحق بالزرع).
لأنه لولا دينه لهلك الزرع، فهو كمن وجد عين ماله.
(ثم الأول أحق بما بقي بعد الثاني من بقية الغرماء).
لأنَّ دينه في الزرع بخلافهم.
* ت: ثم على هذا الترتيب يُقدَّم المتأخر أبدا على من تقدمه، وكذلك الأجراء يقدَّم الأجير الأخير الذي [حيي] (^١) الزرع بسببه، ثم الذي يليه، كمن وجد عين ماله.
* * *
* ص: (مَنْ فلس فانتزع غرماؤه ماله، ثم داينَ آخَرينَ، ثم فلس مرَّةً أخرى، فالغرماء الآخرون أحقُّ بماله من الأولين، فإن فَضَلَ فَضْلٌ فهو للأولين وهذا فيما حصل له من معاملة الآخرين).
_________________
(١) كذا في (ق)، وفي (ز): (جني)، وفي (ت): (حَسُنَ).
[ ٦ / ٩٤ ]
لأنه عين مالهم.
(أما ما ورثه أو وهب له أو من أرش جناية أو وصية؛ فالكل فيه سواء).
* ت: لأنهم سواء، كمن داين قوما بعد قوم فإنهم يستوون في المال.
فإن لم يفلسه الآخرون، وقال الأول: في يده فضل نأخذه؛ كشَفَ السلطان عن ذلك، فإن وجَدَ فضلًا أَخَّر في يده ما يوفّي الآخرين، وأعطى الأولين الفضل، إن كان المالُ الثاني حصل بمعاملة، إما بميراث، أو هبة، أو صدقة، فإن لم يكن عامل أحدًا بعد التفليس الأول؛ أخذه المفلسون له أولا على الحصص المتقدمة إن لم يكن فيه وفاء، وإن عامَلَ آخَرينَ وفلسوه اقتسم الفائدة الأولون والآخرون بقدر الباقي لهم.
* * *
* ص: (إذا تجر العبد بغير إذن سيده فله أن يُسقط الدين عنه).
لأنه يعيبه، وليس للعبد أن يَعِيبَ مِلكَ سيده، ولأنَّ المداين له مع علمه بِرِقِّه عَرَّض ماله للإتلاف.
(فإن لم يُسقطه عنه حتى عتَقَ اتَّبعه الغرماء).
بخلاف الحر السفيه؛ لأنَّ الحجر هاهنا لحق السيد وقد زال، وهناك لحكمة الحجر، فلو بقي الدين بعد الرشد لم يُفد الحجر شيئًا.
فإن تجر بإذن سيده ثم فلس فدينه في ماله وذمته، ويقدم الغرماء على سيده.
لأنَّ الإذن في التجارة رضًا بعروض الدين له.
ولا سبيل لهم على رقبته.
[ ٦ / ٩٥ ]
لأنه لم يجز.
ولا على سيده.
لأنه لم يضمن وإنما داينه الغرماء على ماله.
ت: لو فلس السيد كان غرماء العبد أحق بمال العبد؛ لتعلقِ حقهم به في المعاملة.
وقال أبو حنيفة: لغرماء العبد بيعه.
لنا: أنَّ المعاملة إنما تقع على ما في أيدي الناس دون رقابهم، وغرماء السيد أحقُّ برقبة العبد من غرماء العبد.
* * *
* ص: (إن [داينه] (^١) السيد فهو أُسوَةُ الغرماء).
لأنها معاملة صحيحة بغير محاباة.
وإن أقر العبد المفلس لسيده أو لغيره بدين لم يقبل إقراره على غرمائه.
لأنه يتهم في إخراج المال عنهم.
* ت: إن اشترى من سيده سلعةً بثمن كثير مما يُعلم أنه محاباة؛ فالغرماء أحق بما في يد العبد.
قال يحيى بن عمر: ويضرب السيد معهم بقيمة السلعة، وتسقط المحاباة (^٢).
_________________
(١) كذا في (ق)، وفي (ز): (كاتبه)، وفي (ت): (كاتب)، والمثبت يوافق لفظ «التذكرة» (٨/¬٣٧).
(٢) بنصه عنه في «اختصار المدونة» (٣/ ٦٨).
[ ٦ / ٩٦ ]
وإقرار المأذون له جائز بثلاثة شروط (^١):
أن يُقر لمن لا يتهم عليه، وقبل أن يحجر عليه سيده، وقبل أن يقوم عليه غرماؤه، فيجوز حينئذ في الصحة والمرض.
فإن أقرّ لمن لا يتهم عليه؛ لم يتهم.
والتهمة قسمان (^٢) (^٣):
إن كان لا دين عليه روعيت فيمن كان من جهته، كالوالد والولد والأخ والصديق والزوجة ونحوهم ممن يتهم أن يَفِرَّ من سيده إليه، وإن كان عليه دينٌ [وبيَّنَ] (^٤) فلسه روعيت التهمة ممن كان فلا يصح إقراره لسيده، ولا لمن هو من [سبب] (^٥) سيده، كالأب والأخ والابن؛ لأنه يتهم أن يفر عن غرمائه، إلا أن يكون للمقر له لطخ أنه كان يعامله، فيجوز ما لم يأت بما لا يشبه أن يعامله بمثله.
قال الأبهري: إن كان العبد المأذون له متّهما لمن أقر له بمودة أو صداقة لم يُؤخذ بقوله، وكذلك الأحرار يُرَدُّ إقرارهم وإن جاز أن يكون حقًا، كالشهادة تُرَدُّ مع جواز أن تكون حقًا.
وإذا أقر بعد أن حجر عليه سيده بدين لأجنبي:
أجازه ابن القاسم (^٦).
_________________
(١) انظرها: «التبصرة» (٦/ ٣٢٤٨).
(٢) زاد في (ز): (أحدهما).
(٣) انظرهما: «التبصرة» (٦/ ٣٢٤٨).
(٤) كذا في (ق)، وفي (ز): (ويتبين)، وفي (ت): (وتبين).
(٥) في (ت): (نسب).
(٦) انظر: «النوادر» (١٠/¬٤٩)، و«التبصرة» (٦/ ٣٢٤٨ - ٣٢٤٩).
[ ٦ / ٩٧ ]
ومنعَه ابن وهب (^١).
قال اللخمي: الأول أحسن؛ لأنَّ السيد مكنه من البيع والشراء، والعادة من الناس أنهم لا يُشهدون على مثل هذا، فتذهب أموال الناس، وإقراره إذا قام الغرماء بفَلَسه كإقرار الحر، فالموضع الذي يصح فيه إقرار الحر يصح إقرار العبد، وإلا فلا (^٢).
* * *
_________________
(١) صرح بذلك عنه في «النوادر» (١٠/¬٤٩)، و«التبصرة» (٦/ ٣٢٤٩).
(٢) «التبصرة» (٦/ ٣٢٤٩).
[ ٦ / ٩٨ ]