(الجهاد فرضٌ على الكفاية، وليس هو فرضًا على الأعيان).
ت: أصلُ وجوبه: الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٤١].
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣].
وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وقال رسول الله ﷺ: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله»، خرجه مسلم (^١).
وأجمعت الأمة عليه.
ويدل على أن فرضه كفاية قوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى
_________________
(١) أخرجه مسلم في (صحيحه) رقم (١٢٥).
[ ٤ / ٢٥٧ ]
﴿الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥].
قال سحنون: كان فرضًا على الأعيان أول الإسلام (^١)؛ لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، فالثقيل من له ضيعة، والخفيف من لا ضيعة له، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، والطائفة غير معلومة، [فكان على] (^٢) غير معين.
وضابط الكفاية: إذا جوهد العدو، وحُمِيت ثغور الإسلام؛ سقط الفرض عن بقية المسلمين، [فيكون] (^٣) نافلةً وقربةً.
ويكون فرضًا على الأعيان [..] (^٤): ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦].
قال ابن المواز: إنما الانحياز إلى والي جيشه الأعظم الذي دخل معه، أو ينحازون إلى سرية خلفها ممن يليها (^٥).
_________________
(١) بنصه عنه في «النوادر» (٣/¬١٨).
(٢) خرم في الأصل مقدر بكلمتين، والمثبت أقرب ما يظهر منهما.
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، ولعل المثبت ما يناسب السياق.
(٤) خرم في الأصل قدره سطرين، والذي في «التذكرة» (٥/ ٢٧٠) في هذا الموضع: وذلك بأن ينزل العدو بقوم، ولم يكن في بعض رجالهم من بقي يجزئهم، فيجب على الجميع القتال، ولا يجوز لأحد منهم التخلف، وكذلك إن نزل قوم من العدو بأحدٍ من المسلمين وكانت فيهم قوة على مدافعتهم فإنه يتعين عليهم، فإن عجزوا تعين على من يقرب منهم نصرتهم، وكذلك يتعين على من رسم الإمام خروجه. والقوة المعتبرة شرعًا: أن يكون للكفار مثلي عدد المسلمين، فإذا كانوا كذلك وجب على من يلاقيهم من المسلمين مدافعتهم، ولا يحلُّ الفرار حينئذ إلا كما قال تعالى.
(٥) «النوادر» (٣/ ٥١).
[ ٤ / ٢٥٨ ]
وقيل: يُعتبر القوة والجَلَد (^١)؛ لأنه المقصود والمعوّل عليه، والأول أظهر، وهذا إذا علمت القوة والجَلَد، فإن جُهل اعتبر العدد.
قال ابن رشد: الفرار من الزحف عند حصول الضعف - في العدد أو القوة على القولين - من أكبر الكبائر عند مالك وأصحابه.
ولا يَحِلُّ الفرار وإن فرَّ إمامهم، وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفًا، فيحرم الفرار وإن زاد العدو على الضعف؛ لقوله ﵇: «ولن يُغلب اثنا عشر ألفا من قلة» (^٢).
ولا تجوز المهادنة إلا لضرورة تدعو [إليها، والقتال] (^٣) واجب، ولا يُترك إلا بإجابتهم إلى الإسلام أو بذل الجزية لنا في دارنا (^٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وإنما اشترطناه أن تكون في ديارنا لنأخذها على وجه الذل والصغار.
ص: (لا يلزم النساء، ولا العبيد، ولا الصبيان).
ت: في البخاري: قالت عائشة ﵂: استأذنتُ رسول الله ﷺ في الجهاد،
_________________
(١) هذا قول ابن الماجشون، نقله عنه في «النوادر» (٣/¬٥٠).
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس: أحمد في «مسنده» رقم (٢٦٨٢)، وأبو داود في «سننه» رقم (٢٦١١).
(٣) خرم في الأصل قدر بكلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٢٧١).
(٤) بنصه في «المعونة» (١/ ٣٩٢).
[ ٤ / ٢٥٩ ]
فقال: «جهادكنَّ الحج» (^١).
ولضعفهنَّ عليه، واحتياجهن فيه إلى مخالطة الرجال.
وهو [..] (^٢)، وليس في الحديث ما يمنع من تطوعهن به، بل الحج أفضل لأنهن يستترن فيه، وإذا سقط الحج والجمعة عن العبيد فأولى الجهاد؛ لحقوق السادات.
وقوله ﵇: «رُفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» (^٣) يقتضي سقوطه عن الصبيان.
ص: (لا يُقتل العدو حتى يُدعى إلى الإسلام، إلا أن يعجلوا عن ذلك فيقاتلوا).
ت: أصل ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧].
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦].
وفي مسلم: لما بعث رسول الله ﷺ معاذ إلى اليمن قال: «إنك تأتي قوما
_________________
(١) أخرجه من حديث عائشة: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٨٧٥).
(٢) خرم في الأصل قدره كلمة يظهر منها: (احـ)، ولعل التقدير: (أحسن)، أي: الحج أحسن لهن من الجهاد.
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (١/ ٤٨٠).
[ ٤ / ٢٦٠ ]
من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله» (^١).
وخرج أيضا: أنه ﵇ كتب إلى كسرى وقيصر يدعوهم إلى الله ﷿ (^٢).
ولا خلاف في وجوب الدعوة قبل القتال لمن لم تبلغه (^٣).
ولمالك فيمن بلغته؛ قولان (^٤).
قال اللخمي: وسواء أتينا أو أتيناهم إلى بلادهم.
فالوجوب بعموم الآية، وقياسًا على قتال من لم تبلغه.
وروى ابن وهب: أنَّ النبي ﷺ أمر عليا بالدعوة ثلاثًا (^٥).
وفعله ﵁ (^٦).
ولأن المقصود إنما هو التوحيد، فيحتاط في ذلك بتقديم الدعوة.
ووجه سقوطها: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣].
وقوله ﵇: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (^٧)، ولم يذكر
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عباس: البخاري في «صحيحه» رقم (٤٣٤٧)، ومسلم في (صحيحه) رقم (١٢٢).
(٢) أخرجه من حديث أنس: مسلم في (صحيحه) رقم (٥٤٨٢).
(٣) انظر: «المعونة» (١/ ٣٩٤).
(٤) انظر: «عيون الأدلة» (٥/¬٣٢).
(٥) انظر: «النوادر» (٣/¬٤٣).
(٦) انظر: «النوادر» (٣/¬٤٤).
(٧) تقدم تخريجه، انظر: (٤/ ٢٥٧).
[ ٤ / ٢٦١ ]
الدعوة في شيء من هذه الأدلة، فمن [ادَّعى] (^١) زيادةً فعليه الدليل.
ولأنه ﵇ كان يُغير على بني المصطلق، فقتل [مقاتلتهم] (^٢)، وسبى ذراريهم (^٣).
وكان ﵇ إذا سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار بعد ما أصبح (^٤)، ولا تكون الإغارة إلا [بعد] (^٥) دعوة.
قال مالك: وإذا دُعُوا فإنما يُدعون إلى الإسلام جملة من غير تفصيل للشرائع (^٦)؛ لأنَّ [الفرائض] (^٧) إنما لزم فعلها بعد الإيمان؛ لأنه يُشترط في صحتها، إلا أن يسألوا عنها فتُبيَّنَ لهم، ويُدعوا إلى الجزية […] (^٨) لا أن [..] (^٩) عنها فتبين.
وقوله: إلا أن يعجلوا، قيل ذلك لأنَّ التوقف حينئذ تمكين للعدو من المسلمين.
_________________
(١) في الأصل: (الدعاء)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٢٧٤).
(٢) في الأصل: (مقاتلهم)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٢٧٤).
(٣) أخرجه من حديث ابن عمر: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٥٤١)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٥١٩).
(٤) أخرجه من حديث أنس: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٩٤٣)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٨٤٧).
(٥) في الأصل: (بغير)، والمثبت أوفق للسياق.
(٦) «النوادر» (٣/¬٤٥).
(٧) في الأصل: (الفراغ)، والمثبت ما يناسب السياق.
(٨) خرم في الأصل قدره كلمة.
(٩) خرم في الأصل قدره كلمة.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
ص: (لا بأس [بتحريق أرض العدو، وقطع] (^١) أشجارهم [وثمارهم، وهدم بنيانهم، وعقر دوابهم، وكلّ ما فيه] (^٢) نكاية لهم، ولا يُحرق النخل ولا يُغرق، وتقام الحدود في أرض العدو).
ت: [الأصل] (^٣): قطع رسول الله ﷺ نخل بني النضير وحرق (^٤)، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥].
واللينة: النخلة والشجرة، قاله ابن عباس (^٥)
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٌّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحُ﴾ [التوبة: ١٢٠].
ولقوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢]، وكانوا يهدمون بيوتهم ليرموا بها [المسلمين] (^٦).
قال سحنون: نهي الصديق ﵁ عن قطع الشجر وإخراب العامر فيما يُرجى مصيره للمسلمين (^٧).
وفي أبي داود: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا هريرة، إذا غزوت فلا تحرقن نخلا ولا تغرقها» (^٨).
_________________
(١) خرم في الأصل قدره أربع كلمات، والمثبت من «التفريع» (١/ ٣٥٧).
(٢) خرم في الأصل قدره سبع كلمات، والمثبت من «التفريع» (١/ ٣٥٧).
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، ولعل المثبت أقرب، ويوافق «التذكرة» (٥/ ٢٧٥).
(٤) انظر: «المعونة» (١/ ٣٩٣ - ٣٩٤).
(٥) انظر: «النوادر» (٣/ ٦٣).
(٦) محو قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٢٧٦).
(٧) «اختصار المدونة» (١/ ٥١٣)، وانظر: «النوادر» (٣/ ٦٣).
(٨) أخرجه أبو داود في «مراسيله» رقم (٣٢٧) ..
[ ٤ / ٢٦٣ ]
ولأنها تنتقل إلى دار الإسلام، كالحمام، إلا أن يكثر نفعهم بها، فيجوز إتلافها؛ لأنها ليست [بأعظم حرمةً] (^١) من الخيل والأنعام التي تُعرقب إذا عُجِزَ عنهما.
قال مالك: تُحرق وتُغرَّق (^٢)؛ لأنه لا طريق لإتلافها [إلا ذلك] (^٣).
قال المهلب: نهيه ﵇ عن التحريق ليس للتحريم [بل للتواضع] (^٤)، وأن يُشبه بعذاب الله تعالى.
وقد سمل رسول الله ﷺ أعين العرنيين (^٥)، ومعناه: بمراود محماة بالنار.
وأما إقامة الحدود فلأن أدلتها لم تخصص أرضا دون أرض، فإن زنى الأسير بحربيَّة في بلادها، ثم تخلّص وأتى إلينا:
قال ابن القاسم: يُحَدُّ (^٦)، كانت [حرَّةً] (^٧) أو مملوكة.
وقال عبد الملك: لا حَدَّ عليه في زناه، ولا في سرقته منهم (^٨).
_________________
(١) خرم في الأصل مقدر بكلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٢٧٦).
(٢) «النوادر» (٣/ ٦٣).
(٣) بياض مقدر بكلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٢٧٧)، وتتمته: «لأن العدو يتقوى بها».
(٤) خرم في الأصل قدر بكلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٢٧٧) بمعناه.
(٥) أخرجه من حديث أنس بن مالك: أحمد في «مسنده» رقم (١٢٠٤٢)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٣٥٣).
(٦) «النوادر» (٣/ ٣١٩).
(٧) في الأصل: (حربية)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٢٧٨).
(٨) «النوادر» (٣/ ١١٩).
[ ٤ / ٢٦٤ ]
ص: (مَنْ غلَّ شيئًا من المغانم قبل حيازتها وإحرازها فعليه العقوبة، ولا قطع عليه، ومن سرق شيئًا من المغانم بعد حيازتها وإحرازها فعليه القطع، وقال عبد الملك: لا قطع عليه إلا أن يسرق زيادة ربع دينار على سهمه).
ت: قال رسول الله ﷺ: «لا قطع على خائن» (^١)، والغلول خيانة، فيؤدب ولا يُحرم سهمه؛ لأنه استحقه بالقتال.
وقوله ﵇: «من وجدتموه قد غل فاحرموه سهمه، وأحرقوا رَحلَه» (^٢) تغليظ.
أما بعد حوزها فقياسًا على مال الأجنبي، وقاس عبد الملك على الأمة المشتركة إذا زنى بها، فإذا زاد ربع دينار فهو فيه، كمال الأجنبي.
ص: (إذا زنى بأمةٍ من المغنم فعليه الحد.
وقال عبد الملك: لا حد عليه).
ت: جعله ابن القاسم كالأجنبي من الغنيمة.
وقال عبد الملك: كالشريك.
قال سحنون: إن [أعتق] (^٣) مضى عتقه، وغرم نصيب أصحابه، وإن أولدها لم يُحَدَّ ويدفع قيمتها يوم [أحبَلَها] (^٤) لأمير الجيش، فإن تفرقوا تصدق به، وإن كان عديما بنصيبه بحساب أم الولد، ويُباع باقيها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا
_________________
(١) أخرجه من حديث جابر: أحمد في «مسنده» رقم (١٥٠٧٠)، والترمذي في «سننه» رقم (١٥١٤).
(٢) أخرجه من حديث عمر: أحمد في «مسنده» رقم (١٤٤)، والترمذي في «سننه» رقم (١٥٢٨).
(٣) في الأصل: (عتق)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٢٧٩).
(٤) في الأصل: (أحلها)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٢٧٩).
[ ٤ / ٢٦٥ ]
غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فلم يُخرج إلا الخمس، وترك الباقي ملكًا لهم.
ص: (الغنيمة كلها مخمسةٌ؛ عينُها وعَرْضُها وأسلابُها).
ت: أصلها الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فإخراج الخمس يدل على أن الباقي لهم.
وروى ابن وهب: أنَّ رسول الله ﷺ[لم] (^١) يأخذ من غزوة [أصابَ] (^٢) فيها مغنما إلا الخمس، وقسم الأربعة أخماس على الجيش (^٣) في غزوة بني المصطلق وحنين وخيبر، ثم لم يزل المسلمون على ذلك.
قال المازري: ولا خلاف أنَّ ما غنمه المسلمون بقتال أو إيجاف [أنه يخمس] (^٤).
والإيجاف: هو الإسراع، وجيف الخيل والركاب: إسراعها.
قال العبدي: الإيجاف: الحملات في الحرب.
قال الباجي: وكذلك ما أُخذ على وجه المغالبة بموضع يمكنهم الخلاص
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٢٨٠)، والسياق يقتضيه.
(٢) في الأصل: (أصحاب)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٢٨٠).
(٣) بنصه في «المنتقى» (٤/ ٣٥٥).
(٤) زيادة من «التذكرة» (٥/ ٢٨٠) يقتضيها السياق.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
فيه، فإنه يُخمَّس، وما تركوه فرقًا من القتال ولم يوجف عليه فيُصرف في جميع مصالح المسلمين، كالخُمس؛ لأنه لم يختص به أحد بسبب قتال، فاستوى فيه المسلمون.
وصفة التخميس: أن يُقسم كلُّ صنفٍ منها خمسة أجزاء، الوصفاء صنف، فإذا فرغ [الوصفاء] (^١) فُعِل بالنساء المشبهات بعضها بعضا كذلك، فإذا اعتدلت القسمة من أهل المعرفة بقسمة الغنائم كُتِب في رقعة: هذا الرسول الله ﷺ، أو: الخُمس، ثم يُقرع، بحيث وقع سهم الخُمس كان للإمام، وكذلك فعله ﵇ (^٢).
واختلف في المتاع: فقيل: يُجمع في القسم ابتداء. وقيل: إن حمل كلُّ صنف القَسْم بانفراده لم يُجمع، وإلا جمع.
قال سحنون: ينبغي للإمام [أن يأمر] (^٣) ببيع [الغنيمة] (^٤) من العروض بالعين، ثم يُقسم، فإن لم يجد من يشتريها قسمها بالقيمة على خمسة أجزاء بالقرعة (^٥).
قال ابن حبيب: سمعتُ أهل العلم يقولون: ما يُستطاع قسمته قسمه الإمام، وإلا قسم ثمنه (^٦).
_________________
(١) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٢٨١).
(٢) بتمامه في «النوادر» (٣/ ١٩٤).
(٣) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٢٨١)، والسياق يقتضيه.
(٤) في الأصل: (بالقيمة)، والمثبت لفظ «النوادر» (٣/ ١٩٥)، و«التذكرة» (٥/ ٢٨١).
(٥) «النوادر» (٣/ ١٩٥).
(٦) «النوادر» (٣/ ١٩٥).
[ ٤ / ٢٦٧ ]
قال الباجي: الأظهر عندي من فعل رسول الله ﷺ قسمة ذلك، ولأنَّ حقهم متعلق بالعين، فلا يباع إلا لضرورة (^١).
ص: (النُّفَل من الخُمس).
ت: لأنَّ الله تعالى إنما استثنى الخمس، وترك البقية للغانمين، فلو كان من غير الخُمس لكان المستثنى أكثر من الخُمس.
وروى ابن وهب: أنَّ رسول الله ﷺ إنما نفَّل يومَ حُنين من الخُمس.
وروى ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ بعث سريةً قِبَلَ نجد، فغنموا إبلا كثيرة، وكان سهمانهم أحد عشر بعيرًا أو اثني عشر بعيرًا، ونُقلوا بعيرًا (^٢)، فدل على أنَّ النفل من الخمس، والنفل زيادة على السهم أو هبة لمن ليس من أهل السهم، ففعله الإمام لرأي يراه الإمام، كحراسة أو [تجسس] (^٣) أو غيرهما.
ص: (ليس للقاتل سلَبٌ، إلا أن ينقله الإمام لضرب من الاجتهاد، فيكون له من الخمس دون جملة الغنيمة).
ت: قال مالك: لم يبلغني أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من قتل قتيلا فله سَلَبه» إلا يومَ حُنَين، ولا فَعَلَ ذلك أبو بكر، ولا عمر (^٤).
_________________
(١) «المنتقى» (٤/ ٣٥٥).
(٢) أخرجه من حديث ابن عمر: البخاري في «صحيحه» رقم (٣١٣٤)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٥٥٨).
(٣) في الأصل: (تخميس)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٢٨٢).
(٤) «النوادر» (٢/¬٣١).
[ ٤ / ٢٦٨ ]
وقالت طائفة: وهو للقاتل؛ لظاهر الحديث (^١).
وعمل أهل المدينة على أنه من الخمس إذا قاله الإمام (^٢).
ولأن رسول الله ﷺ أعطاه أبا قتادة من غير بينة، ولم يُحلّفه مع شهادة، ولو كان من أصل الغنيمة لاحتاج إلى ذلك.
وأعطى رسول الله ﷺ سلب أبا جهل أحد قاتليه، مع قوله ﵇: «كلاكما قتله» (^٣)، ووقعت وقائع لم يُعط فيه السلب للقاتلين.
ولأن قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] يقتضي أن البقية للغانمين على السواء، ولو استَحَقَّ كلُّ غالب سلب مقتوله لم تُقسم غنيمةٌ.
قال مالك: أكره للإمام أن يقول: قاتلوا وللمرء كذا، ومن قاتل موضع كذا فله كذا، ونحوه، وأكره أن يسفك أحدٌ دمه على مثل هذا (^٤).
وإنما يقاتل لإعزاز الدين، فإن جاءه رزق قبله، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ جاهد لِعَرَضٍ من الدنيا فلا أجر له» (^٥).
قال سحنون: [وقال النبي ﷺ] (^٦): «من قاتل يريد وجه الله فهو الشهيد».
قال المهلب: إن كان أصل نيته إعزاز الدين، ثم دخل عليه حبُّ الغلبة
_________________
(١) وهو قول الشافعي كما قرره ابن القصار في «عيون الأدلة» (٥/¬٧ و٨).
(٢) انظر: «عيون الأدلة» (٥/¬٧).
(٣) أخرجه من حديث عبد الرحمن بن عوف البخاري في «صحيحه رقم (٣١٤١)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٤٥٦٩).
(٤) المدونة» (٢/¬٣١).
(٥) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد في «مسنده» رقم (٧٩٠٠)، وأبو داود في «سننه» رقم (٢٥١٦).
(٦) زيادة مثبتة من «التذكرة» (٥/ ٢٨٥).
[ ٤ / ٢٦٩ ]
والمغنم؛ لا يضره.
قال ابن بطال: إذا كان ابتداء العمل الله، فما عرض بعد ذلك فمن وسواس الشيطان، ولا يزيله عن حكمه إعجاب المرء اطلاع الناس عليه، ولا بروزه بذلك، إنما يستحق العقاب على ابتداء النية لغير الله تعالى.
قال ابن رشد: هذه الخطرات لا تملك (^١).
قال اللخمي: السَّلَب: ما كان من اللباس مثل الدرع، والثياب، والسيف بحليته، والمنطقة دون ما فيها من الدنانير، والخاتم، والعمامة، والبيضة (^٢).
قال سحنون: لا شيء له في الطوق، والسوارين، والقرطين، والتاج، وإن كان عليه، وله ساعداه وساقاه، وفرسُه بما عليه من لجامٍ وسَرْجِ (^٣).
ص: (ما حازه المشركون من أموال المسلمين ثم غنمه المسلمون؛ فلا يجوز لهم قسمته إذا عرفوا أنه لمسلم، وإن لم يعرفوا ذلك حتى اقتسموه، ثم ثبت؛ فصاحبه بالخيار: إن شاء أخذه وأعطى ثمنه، وإن شاء تركه، فكان ملكًا لمن وقع في سهمه).
ت: رُوي أنَّ رجلًا وجد بعيرًا له في المغنم، وقد كان المشركون أصابوه قبل ذلك، فسأل عنه رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «إن وجدته قبل أن يُقسم فهو لك، وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن إن شئت» (^٤).
_________________
(١) «المقدمات الممهدات» (١/ ٣٥٤).
(٢) «التبصرة» (٣/ ١٤١٥).
(٣) «النوادر» (٣/ ٢٢٧).
(٤) أخرجه من حديث ابن عباس: البيهقي في «الكبرى» رقم (١٨٢٥٢).
[ ٤ / ٢٧٠ ]
ولأن الأصل بقاء ملكه عليه، وذهبت لابن عمر فرس أخذها العدو، فظهر عليه المسلمون، فردت عليه في زمان النبي ﷺ (^١).
وإنما كان عليه الثمن؛ لأنَّ مَنْ في يده أخذه بحكم الإمام، فكان يؤدي لبطلان حقه من الغنيمة؛ لأنَّ الإمام لا يَعْرَمُه له، ويتعذر الرجوع على الغانمين؛ لتفرقهم.
فإن كان صاحبه غائبًا، وكان لا حِمْلَ [له] (^٢)، وقد وُجِدَ [..] (^٣) قبل القسمة؛ حمل إليه، أو له مؤنة يأتي على أكثره (^٤)؛ بيع وبعث ثمنه إليه.
قال المازري ولا بد من إثبات ملكه ويمينه أنه ما باع ولا وهب، كالاستحقاق.
وقال الباجي: أما إن باعه منهم فلم يوفوه ثمنه، أو خافهم فصالحهم به، ونحوه؛ فلا حق له فيه؛ لأنه أخرجه عن ملكه مختارا.
قال ابن حبيب: إن وقع في المغانم وعُرف بعينه، وصاحبه غائب، فبيع؛ فذلك خطأ، ولربه أخذه بغير ثمن (^٥)، ويرجع المشتري في المغانم إن أدركها.
وقال سحنون: لا يأخذه إلا بالثمن؛ لأنها قضيةٌ من حاكم وافقت اختلافًا (^٦).
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عمر: البخاري في «صحيحه» رقم (٣٠٦٧).
(٢) خرم في الأصل قدره حرفين، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٢٨٧).
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، ولعل اللفظ: (وجده) أو (وجدوه) والخرم في الأصل أسقط تتمته.
(٤) تحتمل في الأصل: (أجره)، ولفظ «التذكرة» (٥/ ٢٨٧): وإن كان مما له حمل ومؤنةٌ، وكان الكري يأتي على أكثر منه.
(٥) «النوادر» (٣/ ٢٥٦).
(٦) بنصه في «النوادر» (٣/ ٢٥٧).
[ ٤ / ٢٧١ ]
وقال ابن محرز: كلام سحنون يدلُّ على أن مذهبه في القاضي إذا حكم بجهل، فوافق مذهب بعض الأئمة، وإن لم يقصد موافقته أنه لا ينقض حكمه، ولا يثبت من أحكام القضاة إلا ما حكموا به عن قصد الحق، باجتهاد أو تقليد، لا بالجهل والتخمين أو قصد الباطل فلا؛ لأنه لا يَحِلُّ بالإجماع.
واختلف إذا وجد فرس في فخذه رسم حبس:
قال أصبغ: لا يُقسم، ويكون حبسا في السبيل (^١).
وقاله سحنون في (العتبيَّة) (^٢).
وقال في كتاب ابنه: يُقسم (^٣).
فإن علم أنه لمسلم، ولم يُعلم صاحبه؛ قال مالك في «المدونة»: يُقسم (^٤)؛ لأنه ليس في وقفه فائدة؛ لأن مالكه لا يُعرَف، والغانمون يستحقونه، حتى يُعلَم صاحبه.
قال عبد الوهاب: ولا يُقبل قوله إلا ببينة (^٥).
وقال ابن الجلاب: يوقف؛ رجاء أن يُعرَف ربُّه، كاللُّقَطَة.
قال المازري: والفرق: أنَّ اللُّقَطَة لم يَزُل مِلكُ ربها عنها إجماعا، وفي زوال ملك هذا خلاف.
_________________
(١) «النوادر» (٣/ ٢٦٣).
(٢) «البيان والتحصيل» (٢/ ٥٩٧).
(٣) «النوادر» (٣/ ٢٦٣).
(٤) «المدونة» (٢/¬١٤).
(٥) «المعونة» (١/ ٣٩٨).
[ ٤ / ٢٧٢ ]
فإن بيع حُرّ في المغانم:
قال في «الموازية»: لا يتبع الحر بذلك الثمن (^١).
وقال أشهب: يتبع (^٢).
وقال ابن القاسم: الصغير والكبير القليل الفطنة والأعجمي لا يُتبع، وإن نودِي عليه وهو ساكت عالم متعمد، أتبع إذا لم يجد المشتري على من يرجع (^٣).
قال اللخمي: أرى أن يَعْرَمَ الإمام الثمن من باقي الخُمس [إن بقي منه شيء (^٤).
وقال سحنون: هي مصيبة نزلت به، ولا يُعطى من الخمس] (^٥) ولا من بيت المال (^٦).
قال يحيى بن يحيى: إذا أصاب العدوُّ لمسلم دنانير أو دراهم أو تبر فضة أو ذهب؛ إن عُرِفَ قبل القسم أخذه، وإلا فلا سبيل له عليه؛ لأنه يُعطى مثله، وقاله سحنون (^٧).
ص: (من حاز المشركون أمّ ولده، ثم وقعت في سهم رجل قبل العلم بأنها أمّ ولد لمسلم، ثم عُلِم بذلك [بعد] (^٨) القَسْم؛ لم يجز لمن حصلت في
_________________
(١) «النوادر» (٣/ ٢٧٨).
(٢) انظر: «النوادر» (٣/ ٢٧٩).
(٣) «النوادر» (٣/ ٢٧٩).
(٤) «التبصرة» (٣/ ١٣٧٣).
(٥) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٢٩٠)، ويظهر جليًّا من السياق سقوطه من الأصل.
(٦) «النوادر» (٣/ ٢٧٨).
(٧) بنحوه في «النوادر» (٣/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
(٨) في الأصل: (قبل)، والمثبت من «التفريع» (١/ ٣٥٩)، و«التذكرة» (٥/ ٢٩٠).
[ ٤ / ٢٧٣ ]
سهمه أن يسترقها، ولا يستحل فرجها، وعلى سيدها أن يفديها بقيمتها).
ت: إن قسمت بعد معرفتها أُخِذت بغير شيء، وتحرُمُ على آخِذها؛ لأنه لم يبق فيها إلا الوطء، كالحرة، ويفديها سيدها بقيمتها؛ لما فيها من الرق، وهو قول مالك [المروي] (^١) في «المدونة».
وقال في «الموطأ»: يفديها الإمام لسيدها، فإن لم يفدها فعلى السيد فداؤها؛ لأنَّ الإمام أدخله في ذلك بما فعله من القسمة، بخلاف الأمة التي تركها، وهذا لا يقدر على الترك، ولاحظ في الأول بقية ملكه فيها، واختصاص منفعته بها.
ص: (من كان أسيرًا في أرض العدو، فخرج إلى أرض الإسلام، وخلف ماله في أيديهم، ثم غزا مع المسلمين، فغنموا ماله؛ فهو أحقُّ به قبل القسم بغير ثمن، وبعد القسم بالثمن).
ت: أصله حديث صاحب الجمل المتقدم.
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاوية بن أبي سفيان ﵃: ما أحرزه العدو من أموال المسلمين، فاعترفه أصحابه قبل أن يُقسم؛ فهو مردود إليهم.
وقاله جماعة من الصحابة والتابعين.
ولأن الأصل بقاء ملكه، وقد عادت إلى المغانم، فزالت شُبهة الملك للعدو.
_________________
(١) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها ويناسب السياق.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
ص: (إذا أتى الحربي مسلما، وخلف ماله وولده في أرض العدو، ثم غزا مع المسلمين، فغنموا ماله وولده؛ ففيها روايتان: إحداهما: أنَّ ماله وولده فيء للمسلمين، والأخرى: أنَّ ولده مسلمون بإسلامه إذا كانوا صغارا، لا يملكون، وهو أحق بماله قبل القسم بغير ثمن، وبعد القسم بالثمن).
ت: وجه الأولى - وهو قول ابن القاسم -: أنه كان ممنوعا من [ماله، و] (^١) للكافر شبهة وضع اليد، ولأن ولده لو أقاموا لنشؤوا كفَّارًا.
قال عبد الحميد: قال الشيخ أبو الحسن: [ذلك] (^٢) في حمل وطئه قبل إسلامه، أما من وطئ بعد الإسلام فتبع له.
قال اللخمي: الولد من وطء بعد الإسلام لا يُسترقُ قولا واحدًا (^٣).
قال مالك: وكذلك إن أسلم وأقام، فدخلنا إليهم، فماله وولده في (^٤).
وقال سحنون وأشهب ولده أحرار تبع له، وماله له، وامرأته فيء، [وكذلك لو هاجر وحده] (^٥)، وترك ذلك كله بأرضه، [..] (^٦) (^٧).
[وقال ابن المواز] (^٨): إذا قَدِم إلينا حربي بأمان، فأسلم، ثم غزا مع
_________________
(١) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها ويناسب السياق.
(٢) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٢٩٤).
(٣) «التبصرة» (٣/ ١٣٩٣).
(٤) «النوادر» (٣/ ٢٨٢).
(٥) محو قدره ثلاث كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٢٩٤).
(٦) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات، وانظر: «التذكرة» (٥/ ٢٩٤).
(٧) «النوادر» (٣/ ٢٨٢).
(٨) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات، والمثبت من «النوادر» (٣/ ٢٨٣)، و«التذكرة» (٥/ ٢٩٥).
[ ٤ / ٢٧٥ ]
المسلمين، فغَنِموا ماله وأهله وولده؛ فماله ورقيقه له، وامرأته وولده الكثير فيء له ولأهل الجيش، ويفسخ النكاح شركته في مِلك امرأته (^١).
قال أبو محمد: هذا مما لا خلاف فيه.
قال عبد الحميد [عن بعض شيوخه] (^٢): هذا على غير قول ابن القاسم الذي يرى أنه لا يُحَدُّ للزنا، ولا يُقطع في السرقة، وعلى قوله لا ينفسخ؛ لأنَّ ذلك ليس بشبهة تدرأ الحد، فلا يكون شبهة في ملك بعضها.
وأما أولاده الصغار فمسلمون بإسلامه؛ قال اللخمي: ماله وولده له أحسن؛ استصحابًا لملكه ونسبه، كما لو سكن عندهم وهو مسلم، ولأنهم لم يَعرِضُوا لماله وولده، فإن عرضوا فهو كأخذِ مالِ مسلم.
وزوجته في قولًا واحدًا؛ لأنَّ حق الزوج لا يمنع استيفاؤه رِقَّها، سواء أسلم ثم خرج إلينا أو دخلنا، [وصداقها] (^٣) لذلك الجيش.
وإن كان الزوج بأرضِ الإسلام كأسير بأرض الحرب، وله دين بأرض الإسلام فدينه للجيش.
وتقع الفرقة بينهما؛ لأنه لا يجتمع الكفر والرق والزوجية؛ لأنه لا ينكح مسلم أمةً كتابية فإن أسلمت في العدة أو عتقت؛ بقيت، وأجاز أشهب أن تبقى له زوجةً وإن لم تسلم ولم تعتق؛ لأنَّ الأصل النكاح كان جائزا، فلا يضرُّ ما يطرأ، كطريان الطول بعد نكاح الأمة.
_________________
(١) (النوادر) (٣/ ٢٨٣).
(٢) محو قدره ثلاث كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٢٩٤).
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٢٩٦).
[ ٤ / ٢٧٦ ]
ص: (من خرج من المسلمين في مفاداة، ففدى أسيرًا من يد العدو، واشترى بمال على أن يرجع به عليه؛ كان له أن يأخذ ذلك من ماله إذا كان موسرًا، ويتبعه به دَيْنًا في ذمته إن كان معسرا).
ت: الأصل للمفاداة ما في مسلم: «أنَّ رسول الله ﷺ فدى أسيرًا من المسلمين بأسير من المشركين» (^١).
قال مالك: يجب على المسلمين فداء أساراهم بما قدروا عليه، كما عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم، وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكل ما يملكون (^٢).
وفي البخاري: قال رسول الله ﷺ: «فكوا العاني»؛ يعني: الأسير (^٣).
قال ابن بطال: أجمع أهل العلم أنه فرض على الكفاية.
ولأنه إذا وجب استنقاذهم بالقتال وفيه إتلاف المهج؛ فبالمال أولى، فيرجع عليهم بما فداه به.
قال ابن القاسم كان بأمره أم لا؛ لأنه يحرم عليه بقاؤه بأرض الحرب، فهو كقضاء الدين عنه.
فإن قال: كنت أفتدي نفسي بدون هذا، وتبين صدقه؛ اتبع بما كان يرى أنه يفتدي به نفسه، وسقط الزائد، إلا أن يكون عالمًا ولم ينكر فيتبع ولو كان قادرًا على الخروج بغير شيء؛ لأنَّ ذلك رضا منه.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» رقم (١٦٥٠٢)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٤٥٧٣).
(٢) «النوادر» (٣/ ٣٠١).
(٣) أخرجه من حديث أبي موسى: البخاري في «صحيحه» رقم (٣٠٤٦).
[ ٤ / ٢٧٧ ]
ويقدم الفداء على ديون الغرماء في ماله الذي أحرزه العدو مع رقبته؛ لأنه فداه معه.
فإن اختلفا في أصل الفداء أو في مقداره، فقال: بغير شيء، أو: بشيء يسير:
قال ابن القاسم: يصدق الأسير في الوجهين، أشبه ما قاله الأسير [أو لم يشبه] (^١)، مع يمينه (^٢)؛ لأن الأصل عدمه.
وقال سحنون: القول قول الفادي (^٣)؛ لأنه أخرجه من العدو، فهو كالحيازة في الرهن.
قال أشهب: يُفدَى بالخيل والسلاح دون الخمر والخنزير (^٤).
وقال ابن القاسم: لا يصلح بالخيل، وبالخمر أخف.
وأجازه سحنون بالخمر والخنزير والميتة، يأمر الإمام أهل الذمة بدفع ذلك إليهم، ويحاسبهم بذلك في الجزية، فإن أبى من ذلك أهل الذمة لم يُجبروا.
ص: (إن وهب له حر بغير شيء؛ لم يتبعه بشيء، وكذلك إن وهب له عبد فسيده أحق منه، إلا أن يكون كافًا على الهبة بمال دفعه للعدو، فيكون له أن يتبع الحر به، ويكون سيد العبد الموهوب بالخيار بين أخذه ودفع المكافآت إليه وبين تركه).
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٢٩٨)، والسياق يقتضيه.
(٢) بنصه في «النوادر» (٣/ ٣٠٩).
(٣) «النوادر» (٣/ ٣١٠).
(٤) «النوادر» (٣/ ٣٠١).
[ ٤ / ٢٧٨ ]
غيرهما.
ت: يرجع بما كافًا، وإن كان بأمره أو بغير أمره كافأ بثمن أو عَرْض أو قال بعض علمائنا: يرجع بالمكيل والموزون بمثله في دار الحرب، كما لو أسلفه لا يلزمه إلا المثل بموضع السلف، إلا أن يتراضيا على ما يجوز، فإن تعذّر الوصول إليهما بالقيمة بدار الحرب، وينبغي إذا كافأ بأكثر مما يصلح لا يلزمه ذلك الزائد، لأسير ولا لسيد العبد؛ لأنه متبرع، إذ لو دفع أقل من ذلك لقبل منه.
ص: (الغنيمة لمن حضر الوقيعة، ومن مات [واصلا] (^١) في أرض العدو قبل القتال فلا سهم له، وإن حضر القتال وقاتل، أو كبر ثم مات قبل حصول الغنيمة، ثم غنم المسلمون بعده؛ فلورثته سهمه).
ت: [لما رُوي] (^٢) عن أبي بكر وعمر ﵁: الغنيمة لمن شهد الوقيعة (^٣)، ولم يُعرف لهما مخالف، فكان إجماعا (^٤).
وأما من مات واصلا [فليس] (^٥) له سهم؛ لأنَّ القتال سبب الغنيمة دون الخروج، كما لو مات في أرض الإسلام.
قال المازري: بخلاف المريض؛ لتوقع برئه ولحوقه بالجيش، والتشوف
_________________
(١) في الأصل: (فاصلا)، والتصويب من «التفريع» (١/ ٣٦٠).
(٢) خرم في الأصل قدره كلمة، ولعل المثبت ما يناسب السياق.
(٣) أخرجه موقوفًا على أبي بكر البيهقي في «الكبرى» (٩/ ٧٦). وأخرجه موقوفًا على عمر: عبد الرزاق في مصنفه رقم (٩٦٧٩)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» رقم (٣٣٧٧٧).
(٤) نقله ابن القصار في «عيون الأدلة» (٥/ ٦١).
(٥) خرم في الأصل قدره خمس كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٠١) مختصرا.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
لمعونته، والميت أيس منه، والمريض يكثر السواد، فيحصل به الإرهاب.
قال سحنون: إذا قامت الصفوف، ولم يتناشب القتال؛ فلا سهم لمن مات حينئذ، وإنما يُسهم لمن مات بعد [انتشاب] (^١) القتال (^٢)، فالحضور حضور المناشبة، لا حضور المواجهة.
قال مالك: لا يُسهم لمن دخل غازيًا أرض العدو ومات قبل القتال، أو جاء بعد فراغ القتال؛ لأنه لم يحضر القتال، فأشبه القاعد بأرض الإسلام، ويكفي التكبير [..] (^٣)؛ لأنَّ إلزام الكل القتال خلاف المصلحة؛ للحاجة لمن يحفظ الأمتعة ويعلفُ الدواب.
وقيل في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، أي: أكثروا.
ص: (إذا برزت الغنيمة أسهم لمن قاتل ولمن لم يقاتل، سوى الأجراء والصناع المتشاغلين عن القتال بعملهم وصنعتهم).
ت: تُستحق الغنيمة بسبعة شروط: أن يكون ذكرا، بالغا، عاقلا، حرا، مسلما، سالمًا من الزمانة المانعة للقتال، وخروجه للجهاد لا للتجارة ولا للإجارة؛ لأنَّ الأجير باع عمله بما أخذ من الأجرة، إلا أن يترك خدمة من استأجره ويقاتل، فيُسهم له وتبطل أجرته؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ
_________________
(١) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت ما يناسب السياق.
(٢) «النوادر» (٣/ ١٧٣).
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة.
[ ٤ / ٢٨٠ ]
شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فاندرج في العموم؛ ولأن مقصود الجهاد القتال.
وقال أشهب: لا شيء له وإن قاتل (^١)؛ لأن أصل خروجه لم يكن للقتال، ولأنه ممن لا يُسهم له إذا لم يقاتل، فلا يُسهم له وإن قاتل، كالعبد.
وقال ابن القصار: [إن كان] (^٢) أجيرًا على شيء بعينه، كخياطة ثوب، وما لا يحتاج لضرب مدة، وكانت نيته مع ذلك للجهاد، وحضر الوقيعة؛ أسهم له، قاتل أم لا، وأما أجير الخدمة فلا يُسهم له إلا أن يقاتل، وتبطل أجرته بقدر ما اشتغل.
ولا يكون سهمه لمن استأجره إن شاء، كما قال مالك في الأجير مدةً معلومةً فيؤجر نفسه في بعضها، فخيّر مستأجِرُه في أخذ ما استأجر به نفسه ويترك الأجرة له، وتسقط عنه أجرة تلك المدة؛ لأنَّ الجهاد جنس غير الذي استؤجر عليه.
والفرق: أنه إذا آجر نفسه في الجنس فقد باع ما هو مستحق عليه، [فللمؤجر] (^٣) أخذُ عِوضه، وغير الجنس غير مستحقّ عليه، فلا يأخذ للآخر عوضه.
ويدلُّ على أنَّ الأجير لا سهم له قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ففرق بين الفريقين.
ص: (لا يسهم لعبد ولا امرأة، ولا يُسهم لصبي إلا أن يكون مطيقًا للقتال).
_________________
(١) «النوادر» (٣/ ١٨٨).
(٢) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٠٤) بمعناه، والسياق يقتضيه.
(٣) في ت: (فللأجير)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٠٥)، ولفظها: «للذي استأجره».
[ ٤ / ٢٨١ ]
ت: لا يُنتفع بالعبد لاستحقاق سيده لمنافعه، فلم يكن من أهل الجهاد؛ ولأنه من جملة الأموال التي تُحمَّى بالقتال، والمالُ لا يُسهم له، والمرأة لا تصلح للقتال، فهي أبعد، وإنما يُسهم لمن يصلح لنكاية العدو.
وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ: «لا يُسهم لعبد ولا امرأة» (^١).
قال عبد الوهاب: يُرضخ لمن عاون منهما (^٢).
قال أشهب: إن خرج عَبِيدٌ وذُمِّيُّون من العسكر فما غنموه للجيش دونهم (^٣).
قال ابن حبيب: إذا قاتلت المرأة كقتال الرجل أسهم لها (^٤)؛ لأنَّ السهم لمن يفعل ذلك.
قال اللخمي: يُسهم لها إذا كان فيها شِدَّةٌ ونصبت للحرب، وإن لم تقاتل.
وإذا خرج العبيد والذمة من أرض الإسلام فلهم ما غنموا، ولا يُخمس نصيب الكافر.
قال ابن القاسم: يخمس نصيب العبد.
وقال سحنون: لا يُخمَّس (^٥)؛ لأنَّ خطابَ الخُمس لمن خوطب بالجهاد.
قال اللخمي: يلزم من قوله ألَّا يُخمس سهم الصبي ولا المرأة (^٦).
_________________
(١) أخرجه بمعناه من حديث ابن عباس: أحمد في (مسنده) رقم (٣٢٦٤)، ومسلم في «سننه» رقم (٤٦٨٤).
(٢) «المعونة» (١/ ٤٠١).
(٣) «النوادر» (٣/ ٢٠١).
(٤) «النوادر» (٣/ ١٨٨).
(٥) «النوادر» (٣/ ١٩٩).
(٦) «التبصرة» (٣/ ١٤٢٣).
[ ٤ / ٢٨٢ ]
وقال ابن القاسم في «العتبيَّة»: إذا تلصص حر وعبد خُمس ما أصابا، ثم يُقسم ما بقي بينهما (^١).
قال ابن القاسم: لا يُرضخ للعبد وإن قاتل (^٢)؛ لأن الرضخ إعانة للمجاهدين، وتطييب لقلوبهم؛ لتقوى الرغبة في الجهاد، والعبد والمرأة والصبي ليسوا منهم، ولا متأهلين لذلك.
قال عبد الوهاب: يُرضخ لهم؛ لأنهم قاتلوا وكثروا. وأما الصبي إن لم يُطِق القتال لا يُسهم له؛ لعدم المنفعة (^٣).
فإن راهق:
قال في «المدونة»: لا يُسهم له وإن قاتل (^٤).
وعنه: إن حضر القتال أُسهم له (^٥).
وقد كان يُعرض على رسول الله ﷺ غلمان الأنصار فيُلحق من أراد منهم، قال سمرة بن جندب: فعُرِضتُ عليه عامًا، فردَّني وألحق غلامًا، [فقلت] (^٦): يا رسول الله، [ألحقته] (^٧) ورددتني، ولو صارعني صرعته، قال: فصارعني، فصرعته فألحقني.
_________________
(١) «البيان والتحصيل» (٣/¬١٥).
(٢) «المدونة» (٢/¬٣٣).
(٣) «المعونة» (١/ ٤٠١).
(٤) «المدونة» (٢/¬٣٣).
(٥) «النوادر» (٣/ ١٨٧).
(٦) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من لفظ الحديث.
(٧) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من لفظ الحديث.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
ولا يحصل ما يحصله البالغ.
وجه الأول: قال ابن حبيب: لم يكن رسول الله ﷺ يُسهم للعبد والنساء والصبيان.
قال ابن حبيب: [أحسنُ] (^١) ما سمعتُ: أَنَّ ابن خمس عشرة سنةً يُسهم له، قاتل أم لا، كالرجل؛ لأنَّ رسول الله ﷺ أجاز ابن عمر يوم الخندق، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب، وهم أبناء خمسة عشر، ورد ابن عمر يومَ أُحد وهو ابن أربع عشرة سنة (^٢).
ص: (للفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه، وللرجل سهم واحد، ومن كان له فرسان أو عدة أفراس أسهم لواحد منها).
ت في «الصحيحين»: أن رسول الله ﷺ[جعل] (^٣) للفارس ثلاثة أسهم، وللرجل سهما (^٤).
وفعله عمر ﵁ (^٥).
ولأنَّ الفارس وفَرَسَه ومَن يَخدم فَرَسَه ثلاثة.
قال سحنون: وقول أبي حنيفة: للفرس سهم ولفارسه سهم (^٦)؛ فلم يقله
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٠٩)، والسياق يقتضيه.
(٢) بنصه في «النوادر» (٣/ ١٨٧).
(٣) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٠٩)، والسياق يقتضيه.
(٤) أخرجه من حديث ابن عمر: البخاري في صحيحه رقم (٢٨٦٣)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٥٨).
(٥) انظر: «عيون الأدلة» (٥/ ١٠٣).
(٦) نقله بنصه من مذهب أبي حنيفة ابن القصار في «عيون الأدلة» (٥/ ١٠٣).
[ ٤ / ٢٨٤ ]
غيره، ولا أراه من الاختلاف (^١).
وحديث المقداد: أنَّ رسول الله ﷺ أسهم له سهما (^٢)، كان ببدر، والمتأخر ينسخ المتقدم.
وروي عن رسول الله ﷺ أنه لم يُسهم للزبير إلا لفرس واحد، وكانت له ثلاثة أفراس.
وروي عنه أنه ﵇ أسهم لفرسين، وأخذ به عمر بن عبد العزيز، وابنُ وهب؛ لأن صاحب الفرس الواحد لا [يؤمن] (^٣) عليه الحوادث.
لنا: القياس على السيوف والرماح.
ص: (مَنْ دفع فرسه لغيره يقاتل عليه؛ فسهما الفرس للمقاتل عليه دون ربه، وإن دفعه إليه ببعض سهمه فهي إجارة فاسدة، والسهمان للمقاتل، ولرب الفرس أجرة المثل لفرسه).
ت: إذا قاتل غير صاحب الفرس [فإنَّ سهما الفرس للمقاتل عليه، ولا شيء لرب الفرس] (^٤)، والغنيمة إنما تُستحَقُّ بالقتال، ولم يقاتل، فلا تُستحَقُّ، كما لو باعه قبل أن يقاتل عليه.
ولابن القاسم قولان إذا غُصِب: هل السهمان لربه أو للغاصب المقاتل؟
_________________
(١) «النوادر» (٣/ ١٥٧).
(٢) أخرجه الدارقطني في «سننه» (٤/ ١٠٣).
(٣) في الأصل: (يوتر)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣١١).
(٤) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣١١)، والسياق يقتضيه.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
قال سحنون: إذا صرَعَ رجل رجلا من العدو عن فرسه، فركبه وقاتل عليه؛ لا يُسهم له مما غنمه في قتاله هذا، ويُسهم له فيما حضره بعد ذلك من السرايا، فإن انفلتت من رجل فرسه في أرض العدو، فقاتل عليها غيره، فسهما الفرس للمتعدِّي، وعليه أجرة المثل إلا أن يأخذه بعد أن حضر القتال، فيكون لرب الفرس (^١).
وقال ابن القاسم: سهم الفرس في ذلك كله لربه (^٢).
ودفعه الفرس ببعض سهمه إجارة فاسدة.
ص: (الهجن والبراذين بمنزلة الخيل إذا أجازها الوالي، وكانت سراعًا خفافًا تُقارِبُ العتاق، وذكور الخيل وإناثها سواء).
ت: إنما شَرَطَ الإذن الإمام (^٣)؛ لأنَّ الانتفاع يختلف باختلاف المواضع، فالهجن تصلح للمتوعّر، والعِتاقُ للسهلة، والعتاق خيل العرب، والهجن والبراذين خيل الروم وفارس.
قال الباجي: الهجن التي أبوها عربي وأمها من البراذين (^٤).
واشتراط إذن الإمام قوله في «المدونة» (^٥)، ولم يشترط في «الواضحة» (^٦)؛
_________________
(١) «النوادر» (٣/ ١٦٤).
(٢) «النوادر» (٣/ ١٦٢).
(٣) انظر: «عيون الأدلة» (٥/ ١١٥).
(٤) «المنتقى» (٤/ ٣٩٣).
(٥) «المدونة» (٢/¬٣٢).
(٦) «النوادر» (٣/ ١٥٨).
[ ٤ / ٢٨٦ ]
لأنها خيل تقوم مقام غيرها، فلا يجوز للوالي منع صاحبها.
وقال اللخمي: لا يُسهم لإناث الخيل؛ إلا أن تُقارب منفعتهنَّ الذكور.
قال ابن شعبان: يُسهم لما أُخصِيَ من الخيل (^١).
ص: (لا يُسهم لبغل ولا حمار ولا بعير).
لبعد منفعتها عن الخيل، وقد غزا رسول الله ﷺ بالإبل فلم يُسهم لها.
(وأيما سرية [خرجت] (^٢) من عسكر فغنمت؛ فإنها تَرُدُّ ما غنمت على أهل العسكر).
لأنه عون لها، وبه أقدمت.
(وإن خرجت من بلد فليس لأهل البلد من [غنائمهم] (^٣) شيء).
لأنهم لو دهمهم أمر لم يغنهم أهل البلد.
(وإذا أسَرَ إمام المسلمين أسارى من المشركين فهو بالخيار إن شاء قتلهم، وإن شاء استحياهم، لم يجز بعد قتلهم).
ت: يخير في الرجال في القتل والاستحياء، فإن استحيا امتنع القتل وخير بين أربعة: الاسترقاق، والجزية، والمن والعتق بغير شيء، أو يفادي بهم.
فالقتل لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِي
_________________
(١) «الزاهي» (ص ٣٠٩).
(٢) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التفريع» (١/ ٣٥٨)، والسياق يقتضيه.
(٣) في الأصل: (غنمائهم)، والتصويب من «التفريع» (١/ ٣٥٨).
[ ٤ / ٢٨٧ ]
﴿الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، قيل: يُكثر القتل، هذه الآية نزلت في أسارى بدر، أخذ فيهم النبي ﷺ برأي أبي بكر في استحيائهم وقبول الفداء منهم.
وكان عمر أشار على النبي ﷺ بقتلهم، فأنزل عليه: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾، أي: الفداء، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، أي: إعلاء الكلمة بقتلهم.
قال الطبري: معنى قوله تعالى: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨]: في أنه لا يعذب أهل بدر، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وروى ابن وهب: أنَّ رسول الله ﷺ قتل سبعين أسيرًا بعد الإثخان من يهود (^١).
وقتل ﵇[عقبة] (^٢) بن أبي معيط أسيرًا يوم بدر (^٣).
وقتل الزبير صاحب بني قريظة.
قال مالك: التوسيط عيب، والله تعالى يقول: ﴿فَضَرَبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] (^٤).
قال الأبهري: ليس في [الأسير] (^٥) حقن الدم، وإنما يحقنه الأمان، فيُقتل الكبير الذي لا تؤمن غائلتُه، كمَن عُرِف بالنجدة.
قال سحنون: ألا ترى ما كان من أبي لؤلؤة.
والكبير الفاني والصغير فاتَّقى مالك قتلهم.
_________________
(١) بنصه في «النوادر» (٣/ ٧٠).
(٢) في الأصل: (عطية)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣١٦).
(٣) بنصه في «النوادر» (٣/ ٧٠).
(٤) «النوادر» (٣/ ٧٣).
(٥) في الأصل: (الأمر)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣١٦).
[ ٤ / ٢٨٨ ]
قال مالك: يُدعى الأسير قبل القتل، ويُسأل: هل له عند أحدٍ عقد من أَسارِهِ.
وفي «الموازية»: ليس لمن أَسر القتل حتى يأتي الإمام فيجتهد فيهم (^١).
وقتلهم بعد الاستحياء غدر من الإمام وقد قال ﵇: «يُنصب للغادر لواء يوم القيامة» (^٢).
وأصل الاسترقاق: أنَّ جماعةً من الصحابة ﵃ استرقوا أسارى، وأبو لؤلؤة وغيره منهم.
قال المازري: لا أعلم فيه خلافًا.
وإذا أسلم الأسير حَرُمَ دمه، وبقي مملوكًا.
قال سحنون: إذا طعنته فتشهد حَرُمَ دمه، وإن قال أحد الأسارى: أنا مسلم؛ إن ثبت إسلامه قبل الأسر فهو حُر، وإلا فهو فيء، ويُسأل عن الإسلام، فإن عرفه فهو مسلم في لا يُقتل، وإن لم يصفه وصف له، فإن فعله فهو مسلم رقيق (^٣).
وأما عتقهم واستبقاؤهم على الجزية فلقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
والإجماع عليه.
_________________
(١) «النوادر» (٣/ ٧٢).
(٢) أخرجه من حديث ابن عمر: أحمد في «مسنده» رقم (٥١٩٢)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٢/ ٤٦٠).
(٣) «النوادر» (٣/ ٧١).
[ ٤ / ٢٨٩ ]
والمن والمفاداة لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، فالمَنُّ: العتق، والفداء: أخذ المال.
وسئل رسول الله ﷺ في ثمامة بن أثال فمَنَّ عليه، وأطلق رسول الله ﷺ رجلا من عقيل، وفادى به رجلين من أصحابه كانا أسيرين في ثقيف.
قال ابن المواز: عفا رسول الله ﷺ عمن أسره يوم بدر، إلا عقبة بن أبي معيط، أمر بقتله (^١).
قال ابن حبيب: إنما المن والفداء في الضعفاء والنساء والصبيان، أما من يُخشَى من الشباب والمراهقين فقد استحبَّ الخلفاء قتلهم، فإن استبقوا فلا يُفدَوا بالمال، وقد عاتب الله تعالى نبيه على أخذ المال في الفداء في أسارى بدر (^٢).
والمن والفداء ومَن ضُربت عليه الجزية من الخمس، على القول بأنَّ الغنيمة مملوكة بالأخذ.
والقتل من رأس المال، والاسترقاق راجع إلى جملة الغانمين.
فإن كانت الأسارى نساءً خُيّر بين الاسترقاق والمن والفداء؛ للأدلة السابقة، وسقطت الجزية؛ لأنها لا تُضرب على النساء، والقتل؛ لنهيه ﵇ عن قتل النساء.
قلت: تخيير الإمام في الرجال خمسة، وفي النساء في ثلاثة، ليس كالتخيير في خصال الكفارة؛ لأنه لا يجوز له الخروج عن موجب السبب الذي يقتضي
_________________
(١) «النوادر» (٣/ ٧٢).
(٢) «النوادر» (٣/ ٣٢٦).
[ ٤ / ٢٩٠ ]
أحدهما، فهو منتقل من واجب لواجب، وإنما معنى تخييره أنه يجتهد في تعيين السبب، فلا يخرج عن الوجوب المنافي للتخيير؛ أما أولا فلوجوب الاجتهاد، وأما آخرًا فلوجوب ما يعنيه الاجتهاد، وفي خصال الكفارة ونحوها يختار بهواه، وإن لم يعرض به من حج شرعي، وكذلك حال الإمام في عقوبة المحاربين، وتفرقة أموال بيت المال، والغازين، وغير ذلك، وقد أوضحت في كتاب القواعد [الفرق] (^١) بين قاعدة تخيير المكلفين في الأفعال، وقاعدة تخيير الأمة في التصرفات، فافهم ذلك.
ص: (إجارة العبد والمرأة سواء، وهي جائزة على المسلمين).
ت: في البخاري: أنَّ أم هانئ بنت أبي طالب قالت: يا رسول الله، زعم ابن أمي أنه قاتل رجلًا قد أجرته، فلان بن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ: «قد أجَرْنا من أجرتِ يا أم هانئ» (^٢).
وقال رسول الله ﷺ: «يجير على المسلمين أدناهم، ويسعى بذمتهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم» (^٣).
قال ابن حبيب: يريد بالأدنى من حُرّ أو عبد أو امرأة أو صبي يعقل الأمان (^٤).
«ويَرُدُّ عليهم أقصاهم»، أي: ما غنِمُوا في أطرافهم، فجعل خُمسه في بيت
_________________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) أخرجه من حديث أم هانئ بنت أبي طالب: البخاري في صحيحه رقم (٣٥٧)، ومسلم في «صحيحه» رقم (١٦٦٩).
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» رقم (٦٦٩٢)، وأبو داود في «سننه» رقم (٢٧٥١)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٢٦٨٥).
(٤) بنصه عن ابن حبيب في «النوادر» (٣/ ٧٨).
[ ٤ / ٢٩١ ]
مالهم، ولا ينبغي لأحد أن يؤمن غير الإمام، ولذلك قدم؛ لأنه أعرفُ بالمصالح.
قال سحنون: لا ينبغي لأحد من أهل العسكر أن يؤمن أحدا بغير إذن الإمام، فإن فَعَلَ فللإمام ردُّ ذلك وإمضاؤه، ويؤدب من فعل ذلك (^١).
وقال عبد الوهاب: هو لازم لا يجوز نقضه؛ لقوله ﵇: «يجير عليهم أدناهم».
وقال عبد الملك: أمان غير أمير الجيش موقوف، للإمام إمضاؤه [أو رَدُّه] (^٢).
وجه الأول: حديث أم هانئ (^٣).
وأجار العباس أبا سفيان بغير أمر النبي ﷺ، فلم ينكر عليه.
وأجارت زينب بنت رسول الله ﷺ أبا العاصي بن الربيع.
وروى البخاري: «ذمَّة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (^٤).
قال المهلب: أي: واحدة، أي: من عقدها لزم المسلمين مراعاتها، وقوله فيمن خفرها، أي: فيمن أجاره.
وجه الثاني: أنَّ ذلك افتيات على الإمام، وقد يكون ضرر على المسلمين، وقياسًا على الاسترقاق والمن بعد الأسر.
_________________
(١) «النوادر» (٣/ ٩٥).
(٢) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٢١).
(٣) سبق تخريجه، انظر: (٤/ ٢٩١).
(٤) أخرجه من حديث علي: البخاري في صحيحه رقم (١٨٧٠)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٣٣٢٩)
[ ٤ / ٢٩٢ ]
ص: (لا يجوز قتل النساء والصبيان في الحرب).
ت: لنهيه ﷺ عن قتل النساء والصبيان (^١).
ومر ﵇ بامرأة مقتولة، فأنكر ذلك وقال: «ما كانت هذه لتقاتل» (^٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠].
قال ابن سحنون: قال عمر بن عبد العزيز: (لا تعتدوا)؛ أي: بقتل النساء والصبيان (^٣).
وقال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، والصغار في النساء والصبيان متأصل، وإنما المراد: ذل بعد العز، ولأنهم أموال، فاقتضت المصلحة إبقاءهم.
قال سحنون: لا تقتل المرأة وإن قاتلت؛ إلا في حال القتال، لا بعد الأسر (^٤).
وقال ابن حبيب: إن قاتلت بالسيف والرمح من فوق الحصن فلا تقتل، إلا أن تُقتل فتقتل، وإن أُسرت، إلا أن يرى الإمام استحياءها (^٥)؛ لأنها إذا قاتلت
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» رقم (٤٧٣٩)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٥٤٨).
(٢) أخرجه من حديث رياح بن ربيع: أحمد في «مسنده» رقم (١٥٩٩٢)، وأبو داود في «سننه» رقم (٢٦٦٩).
(٣) «النوادر» (٣/ ٥٧).
(٤) «النوادر» (٣/ ٥٧).
(٥) «النوادر» (٣/ ٥٧).
[ ٤ / ٢٩٣ ]
بآلات القتال تحقق منها قتال الرجال، وأما من فوق الحصن بالرمح فليس هو القتال المعهود.
وقال أصبغ: إذا قتل الصبي المراهق قُتِل (^١).
ص: (لا يقتل شيخ فان، إلا أن يكون ذا رأي يؤلب برأيه على المسلمين، ولا يُقتل أهل الصوامع والديارات، ولا تؤخذ أموالهم، إلا أن يكون فيها [فضل] (^٢) عن كفايتهم، فيجوز أخذ فضولها).
ت: قال ابن القاسم في «الموازية»: رأيتُ مالكًا يَفِرُّ مِنْ قتل مَنْ لا يُخاف، كالشيخ الكبير، وأهل الصناعات، والفلاحين (^٣).
وقال الشافعي: يُقتلون وإن لم يضروا (^٤).
لنا: ما في أبي داود: قال ﵇: «لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلا، ولا امرأةً، ولا تَغُلُّوا، وضُمُّوا غنائمكم، وأحسنوا إنَّ الله يحب المحسنين» (^٥).
وقتل [دريد] (^٦) بن الصمة (^٧)؛ لأنه كان شيخا ذا رأي.
_________________
(١) «النوادر» (٣/ ٣٢٦).
(٢) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٢٤)، والسياق يقتضيه.
(٣) «النوادر» (٣/ ٧٤).
(٤) نقله عنه ابن القصار في «عيون الأدلة» (٥/ ٦٧).
(٥) أخرجه من حديث أنس بن مالك: أبو داود في (سننه) رقم (٢٦١٤)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (٩/ ٩٠).
(٦) في الأصل: (زيد)، والمثبت من «صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم».
(٧) أخرجه من حديث أبي موسى: البخاري في (صحيحه) رقم (٤٣٢٣)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٦٤٠٦).
[ ٤ / ٢٩٤ ]
وقوله ﵇: «اقتلوا شيوخ المشركين [واستبقوا] (^١) شَرْخَهم» (^٢)، أي: شبابهم فمحمول على من يقاتل، أو ذي رأي؛ جمعًا بين الأحاديث.
قال سحنون: يُقتل الأجذم الذي يقتل ويدبر، دون مَنْ أبطله الجُذام، والمفلوج، إلا ذا الرأي، ويُقتل الأعمى؛ لأنَّ فيه المكر والتدبير، والمجنون الذي يفيق أحيانًا دون المطبق، ويُقتل المريض الشاب، والمجروح، إلا منفوذ المقاتل.
ومن قَتَلَ مَنْ نُهي عن قتله من صغير أو امرأةٍ أو شيخ بدار الحرب قبل أن [يُغنَم] (^٣)؛ استغفر الله تعالى، أو بعد أن غُنم فعليه قيمته، يُجعل في المغنم؛ لأنه الآن مال أتلفه على الغانمين دون الأول.
وفي «مسند أبي بكر بن أبي شيبة»: قال رسول الله ﷺ: «لا تقتلوا أهل [الصوامع] (^٤)» (^٥).
وقال الصديق ﵁[ليزيد] (^٦) بن أبي سفيان حين وجهه إلى الشام: إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما حبسوا أنفسهم (^٧).
ولأنهم لا يقاتلون فأشبهوا الصبيان والنسوان.
_________________
(١) في الأصل: (واسبقوا)، والمثبت من كتب الحديث.
(٢) أخرجه من حديث سمرة بن جندب: أحمد في «مسنده» رقم (٢٠٢٣٠)، وأبو داود في «سننه» رقم (٢٦٧٠).
(٣) في الأصل: (يقيم)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٢٦).
(٤) ما بين المعقوفتين زيادة من «التذكرة» (٥/ ٣٢٦).
(٥) أخرجه بنحوه من حديث ابن عباس: أحمد في «مسنده» رقم (٢٧٢٨)، وأبو يعلى في «مسنده» رقم (٢٦٥٠).
(٦) في الأصل: (لزيد)، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٢٦)، و«النوادر» (٣/ ٦٠).
(٧) «النوادر» (٣/ ٦٠).
[ ٤ / ٢٩٥ ]
قال مالك: لا يُنزل من صومعته (^١)؛ لأنه لم يقاتل، ولا يكاد يستشار (^٢).
قال ابن القاسم: هذا في أهل الصوامع، وأما من لم يبن عن الكفار؛ فيُقتل ويسترق ويُؤسَر ويُؤخذ ماله.
قال ابن حبيب: هم رهبان الكنائس (^٣)؛ لقول الصديق ﵁ ليزيد: ستجد قومًا فحصوا عن أوساط رؤوسهم، فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وهم الشمامسة (^٤).
قال سحنون: يُقتل القسيس (^٥).
قال الأوزاعي: لم يزل المسلمون يقتلون الشمامِسَةَ ويَسبُونهم (^٦).
قال ابن حبيب: لم يُزلّ أهل الصوامع والديارات لفضل مذهبهم، بل هم أرذل من غيرهم؛ لشدَّة كفرهم، بل لتركهم معونة الكفَّار (^٧).
قال مالك: الراهبات أولى ألا يهجن (^٨).
وفي كتاب ابن سحنون: إذا وجدن في الصوامع لا بأس أن يُسبين، بخلاف الرجال (^٩)؛ لأنَّ الخبر إنما ورد فيهم دون النساء.
_________________
(١) انظر قوله «النوادر» (٣/ ٦٠).
(٢) بنصه في «التبصرة» (٣/ ١٣٥٥).
(٣) «النوادر» (٣/ ٦٠).
(٤) بنصه في «النوادر» (٣/ ٦٠).
(٥) بنصه عنه في «النوادر» (٣/ ٦٠).
(٦) بنصه عنه في «النوادر» (٣/ ٦١).
(٧) بنحوه عن ابن حبيب في «النوادر» (٣/ ٦٠).
(٨) بنصه عنه في «النوادر» (٣/ ٦٠).
(٩) بنصه عنه في «النوادر» (٣/ ٦١).
[ ٤ / ٢٩٦ ]
[ولأنَّ في الأول أنَّ الشرع] (^١) منَعَ قتل النساء وإن لم يترهبن، فإذا ترهبن منع ذلك الاسترقاق كما منع من استرقاق الرجال.
وقوله: لا تؤخذ أموالهم؛ لأنَّ أخذها يؤدي إلى قتلهم، [وقد نهي عن قتلهم] (^٢).
قال مالك: يُترك له مثل البقرتين، والغُنيمات، وما مثله يكفيه، والمبقلة، والتخيلات، ويؤخذ ما بقي (^٣).
ص: (لا بأس بأكل الطعام، وذبح الماشية في أرض العدو، وبغير إذن الإمام، وكذلك كلُّ ما احتاج إليه المجاهدون من الكراع والسلاح).
ت: قال ابن عمر ﵄: كنا نُصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه (^٤).
قال معاذ بن جبل: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يأكلون مما غنموا.
وأوصى بذلك الصديق ﵁ يزيد بن أبي سفيان (^٥).
قال ابن حبيب: لو نهاهم السلطان عن ذلك، ثم اضطروا إليه؛ أكلوا، [ولذلك راعوا] (^٦) الحاجة إلى الكُراع والسلاح كالطعام، وفيه عون على الجهاد،
_________________
(١) خرم في الأصل قدره خمس كلمات، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٢) خرم في الأصل، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٢٨).
(٣) «النوادر» (٣/ ٦٢).
(٤) أخرجه البخاري في «صحيحه» رقم (٣١٥٤).
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١٠١٠).
(٦) خرم في الأصل مقدر بكلمتين، والمثبت أقرب ما يظهر منهما.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
رواه ابن القاسم.
وروى ابن وهب عنه: لا يُنتفع بدابَّة ولا بثوب ولا بسلاح، ولو جاز؛ لجاز أن يأخذ عينا يشتريه بها.
والفرق: القول الأول أنَّ العين تذهب [نفسها] (^١)، بخلاف هذه ترجع للحبس.
قال اللخمي: لا يُنتفع بالثوب على حالٍ، إلا أن يقوم عليه ليحاسبه (^٢).
قال ابن القاسم: كلُّ ما أُذن في النفع فبيع؛ خُمس ثمنه من المغنم.
ص: (إن استغنى عن شيء من ذلك ردَّه إلى المغانم، ومَن فضَلَ معه فضل ردَّه إلى المقاسم).
ت: لأنه [لم] (^٣) يأخذه للتملك بل للانتفاع، فإن تفرق الجيش تصدق به إن كان كثيرًا؛ لتعذر ردّه، واليسير له أكله؛ لأنَّ الحقير كالعدم.
قال ابن المواز: كالمسلة والخيط (^٤).
قال ابن القاسم: له استبقاء ما ثمنه درهم ونحوه (^٥).
_________________
(١) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٢) «التبصرة» (٣/ ١٤٣٤).
(٣) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٣٠)، والسياق يقتضيه.
(٤) انظر قوله في «النوادر» (٣/ ٢٠٦).
(٥) انظر قول ابن القاسم «النوادر» (٣/ ٢٠٥).
[ ٤ / ٢٩٨ ]
ص: (مَنْ غَلَّ شيئًا من المغانم، ثم تاب بعد تفريق المسلمين؛ تصدَّقَ به على الفقراء والمساكين).
ت: قال ابن المواز: إن ظهر عليه قبل أن يتوب أُدب، فإن افترق الجيش أُدب وتصدق به (^١).
وروي التصدق عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم.
قال ابن القاسم: وإن جاء تائبًا لم يؤدب، كالزنديق (^٢).
قال [ابن] (^٣) المنذر: الإجماع على رد الغلول للمغانم.
ص: (إذا ارتهن المسلمون من المشركين رهائن على أن يردُّوهم إليهم في أيديهم؛ فعليهم ردُّهم، وإن أدى ذلك إلى الضرر بهم).
ت: صالح رسول الله ﷺ المشركين يوم الحديبية على [أَنَّ] (^٤) مَنْ أتى منهم إليه ردَّه إليهم، ومن أتى منا إليهم لم يردوه، فكلّمه عمر في ذلك، فقال رسول الله ﷺ: «من ذهب منا إليهم فأبْعَدَه الله، ومن أتى منهم إلينا فرددناه فجعل الله له مخرجًا» (^٥).
وردَّ رسول الله ﷺ أبا رافع لما جاءه رسولًا وأسلم، وقال له: «ارجع إليهم» (^٦).
_________________
(١) «النوادر» (٣/ ٢٠٣).
(٢) انظر: «النوادر» (٣/ ٢٠٣).
(٣) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، مثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٣١).
(٤) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٣٢)، والسياق يقتضيه.
(٥) أخرجه من حديث أنس: أحمد في «مسنده» رقم (١٣٨٢٧)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٤٦٣٢).
(٦) أخرجه من حديث أبي رافع: أحمد في «مسنده» رقم (٢٣٨٥٧)، وأبو داود في «سننه» رقم (٢٧٥٨).
[ ٤ / ٢٩٩ ]
ولأنَّ في منع ردهم غدرًا، وقال رسول الله ﷺ «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (^١)، ولأنا إذا [لم نردهم] (^٢) لا نأمن خيانتهم، ومراعاة العامة أولى من مراعاة الواحد والاثنين.
ورد رسول الله ﷺ أبا جندل وأبا بصير يمشيان في قيودهما، وقد جاءاه مسلمين، وقال: «سيجعل الله لكما فرجا ومخرجا» (^٣)
وعن مالك: لا يُردون للمشركين.
ص: (من لقي لصا فلينا شده الله ﷿، فإن كف عنه تركه، وإن أبى قاتله، فإن قتل ربُّ المال فشهيد إن شاء الله، وإن قُتِل اللصُّ فشَرُّ قتيل، ودمه هدر، ولا شيء فيه على قاتله)
ت: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ قُتِل دون ماله فهو شهيد» (^٤)
وفي رواية: «أفضلُ شهيدٍ قُتِل في الاسلام بعد أن يعوذ بالله وبالإسلام ثلاث مرات، وإن قُتِل اللص فشَر قتيل في الاسلام».
وهو يدلُّ على أنَّ القتال جائز، وأن المقتول اللص قُتِل بحق فيهدر، كالمقتول في الحدود.
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: أبو داود في «سننه» رقم (٣٥٣٥)، والترمذي في «سننه» رقم (١٣١٠).
(٢) غير واضحة في الأصل، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٣٢).
(٣) أخرجه البيهقي في «الكبرى» رقم (١٨٨٣١).
(٤) أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٤٨٠)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٣٦١).
[ ٤ / ٣٠٠ ]
قال مالك: ينبغي أن يدعوه إلى التقوى، كان في طريق، أو أوى إلى محلك؛ لأنه على منكر فيبدأ بالأخف وهو الموعظة؛ لقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦]، ولأنه يحتمل الرجوع بالموعظة، [فلا] (^١) يُقدم على إراقة الدماء مع الاحتمال.
قال سحنون: لا يُدعى؛ لأنَّ ذلك يزيده إشلاء وما يقصد بالقتال (^٢).
واختلف هل ينوي في قتالهم إزالة ضررهم عن المسلمين؟ أو دراهم من غير قتل ليدفعهم عن ماله ونفسه؟
وقال مالك: يحرص على سفك دمه.
وقيل: لا ينوي قتله، بل المدافعة.
قال ابن المواز: إن [أسَرَه] (^٣) لا يلي قتله، ويدفعه للإمام، إلا أن يكون الإمام لا يقيم الحكم عليه، فيقتله أو يقطعه من خلاف (^٤).
ومن سرق متاعك ولم تقدر على أخذه منه إلا بقتله فافعل، وإن لم يأخذ شيئًا فلا تقتله؛ لأنه إنما يدافعك عن نفسه، وإن ظفرت به وهو مشهور بالخبث فارفعه للإمام، وإن لم يكن مشهورا فالستر [أحسن] (^٥).
فإن [ولّى اللص] (^٦) مديرًا لا يتبع [إلا إن قتل أحدًا.
_________________
(١) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت ما يناسب السياق.
(٢) «النوادر» (٣/ ٣٥٦).
(٣) في الأصل: (أمره)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٣٥).
(٤) «النوادر» (١٤/ ٤٧١).
(٥) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٦) خرم في الأصل مقدر بكلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٣٥) بمعناه.
[ ٤ / ٣٠١ ]
قال مالك: من] (^١) خاف جملًا على نفسه فقتله؛ ضمنه، إلا أن تقوم بينةٌ أنه صال عليه، [فلا يغرم] (^٢).
فإذا ثبت الصيال لا قيمة، كما أنه لا دية لمسلم إذا صال.
لا يقال: الآدمي [أراد] (^٣) قتل غيره، [فيصير مسقطا] (^٤) لدمه بذلك، بخلاف الجمل؛ لأنا نقول: الجمل كالعبد يصول، يُسقط بذلك مالية السيد.
لا يقال: العبد له قصد العبادة المنتصبة سببًا لسقوط الحرمة.
قيل: قصد العبد لا يُسقط حق سيده في القيمة [..] (^٥) بالجناية، فكذلك الجمل.
ص: (إذا خرج قوم من المسلمين قُطَّاعًا لطرق المسلمين مفسدين فيها ومحاربين؛ وجب على جماعة المسلمين التعاون على قتالهم، والحرض عليهم، وكفهم عن أذى المسلمين).
ت: لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، ولأن ترك ذلك يَضُرُّ بالناس.
_________________
(١) خرم في الأصل قدره سبع كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٣٥) بمعناه.
(٢) خرم في الأصل مقدر بكلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٣٥).
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٣/ ٣٣٦).
(٤) خرم في الأصل مقدر بكلمتين، ولعل المثبت ما يناسب السياق، ولفظ «التذكرة» (٥/ ٣٣٦): فقد أبطل حرمة نفسه بفعله ما لا يجوز، وما يستحل به دمه.
(٥) خرم في الأصل قدره كلمة، ولعل تقديرها: (المترتبة).
[ ٤ / ٣٠٢ ]
وهو فرض على الكفاية، فإن لم يكفِ الخارج وجب على غيره اللحاق به، فإن لم يخرج أحد أثموا كلهم، وإن لم يكفهم إلا الجميع وجب الخروج عليهم، وصار فرض عين.
قال عبد الملك: لا يجوز أن يؤمن المحارب إن سأل الأمان، بخلاف المشرك (^١)؛ لأنه لا يجوز إبقاؤه على حاله، والمشرك يُبقى بالجزية، وإن أمنه الإمام فلا أمان له.
ص: (تؤخذ الجزية من رجال أهل الذمة الأحرار).
ت: لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وكان رسول الله ﷺ إذا قدم أميرًا على سرية أو جيش قال: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن أجابوك لذلك فاقبل منهم، واكفف عنهم، وإن لم يجيبوك فادعهم إلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن لم يجيبوك فاستعن بالله على قتالهم (^٢).
قال ابن حبيب: أخذها النبي ﷺ من أهل نجران وأهل أيلة، وهم نصارى من العرب (^٣).
_________________
(١) «النوادر» (١٤/ ٤٧٢).
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» مختصرًا رقم (٢٢٩٧٨)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٢٨٥٨).
(٣) «النوادر» (٣/ ٣٥٦).
[ ٤ / ٣٠٣ ]
والإجماع عليها في الجملة، وهي واجبة على الرجال الأحرار البالغين العقلاء؛ لأنها لتأمينهم وحقن دمائهم، وتكون تحت قهر المسلمين؛ إما في بلدهم أو بقربهم، ولا تُقبل ممن بَعُدَ، إلا أن ينتقلوا إلى موضع قريب، بحيث يُؤمَن عدوهم للامتناع، وإن خُشِي ذلك مع قرب مدينتهم لم تُقبل منهم الجزية، إلا أن يُهدم سورهم، أو ما يُرى أنهم لا يمتنعون منه.
ص: (لا جزية على نسائهم ولا صبيانهم ولا عبيدهم).
ت: لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾، فَجَعَلَ الجزية على من يقاتل، ولأنَّ النساء والصبيان لا يقاتلون، والعبيد أموال كالخيل.
قال ابن رشد: إن عتق العبد فثلاثة أقوال:
عليه الجزية؛ لأنه حر.
ولا جزية عليه؛ لأنه كان محقون الدم، وإنما تجب لحقن الدم.
الفرقُ - لابن القاسم - بين أن يُعتقه مسلم أو كافر.
هذا إذا أُعتق في بلاد المسلمين، فإن عتق في بلد الحرب؛ فالجزية قولًا واحدًا.
ولا تؤخذ الجزية من رهبان الصوامع والديارات، قاله مالك؛ للنهي عن قتلهم، دون رهبان الكنائس، وهم الشمامسة؛ لأنهم يُقتلون.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
قال مطرف وعبد الملك: هذا في ابتدائها، أمَّا مَنْ ضُرِبت فترهَّبَ فلا تزول عنه (^١).
ص: (المجوسيُّ في الجزية بمنزلة أهل الذمة من أهل الكتاب)
ت: لقوله ﵇: «سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب» (^٢)، فأخذها عمرُ ﵁ من مجوس هجر ومجوس السواد، وهم مجوس فارس.
وقال ابن وهب: لا تُقبل من مجوس العرب (^٣)؛ لأنَّ رسول الله ﷺ إنما استثنى مجوس غيرهم، وبقي غيرهم على القتال، ولأن العرب ينبغي أن [يُكرموا بعدم] (^٤) الجزية، ولأنهم أسلموا ولم يبق إلا متعلق بكتاب.
وقال عبد الملك: لا تُقبل من المجوس مطلقًا (^٥)؛ لقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩].
ص: (تؤخذ الجزية من نصارى العرب وعبدة الأوثان، ومن كل كافر يصح [سباؤه] (^٦)، وإذا انتقل الكافر من ملة إلى ملة أخرى؛ [أُقرَّ] (^٧) على كفره،
_________________
(١) «النوادر» (٣/ ٣٥٩).
(٢) أخرجه من حديث عبد الرحمن بن عوف: مالك في الموطأ رقم (٦١٦)، وعبد الرزاق في مصنفه رقم (١٩٢٥٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (١٠٧٦٥)، والبزار في مسنده رقم (١٠٥٦).
(٣) بنصه عنه في «التبصرة» (٣/ ١٤٤٨)، وبمعناه في «النوادر» (٣/¬٤٤).
(٤) في الأصل: (يكونوا لعدم)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٤١) بمعناه.
(٥) بنحوه عنه في «التبصرة» (٣/ ١٤٤٨).
(٦) خرم في الأصل، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٤٢).
(٧) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التفريع» (١/ ٣٦٣)، والسياق يقتضيه.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
وأخذت منه، وقدر الجزية أربعون درهما على أهل (^١) الورق، وأربعة دنانير [على أهل الذهب] (^٢)، لا يزاد على ذلك، ولا بأس بالنقصان لمن لم يطقهما).
ت: لأنَّ الشَّرك قد شملهم، فلا اعتبار بأنسابهم.
وقال ابن الجهم: تؤخذ من كلّ من دان بغير دين الإسلام، إلا ما أجمع عليه من كفار قريش، فلا يقبل منهم إلا الإسلام.
وفي «كتاب القرويين»: أنَّ قريشًا أسلمت كلُّها.
والمرتد لا تؤخذ منه الجزية، ولا يسترق، لقوله ﵇: «مَنْ بدل دينه فاقتلوه» (^٣).
وفرض عمر ﵁ الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما، وصوبت الصحابة ﵃ رأيه.
وعن ابن القاسم: لا ينقص أحد منها لفقره.
المشهور: قول عمر بن عبد العزيز ﵁ أن خففوا عن محتاجهم، ثم إن احتاجوا فاطرحوا عنهم، ثم إن احتاجوا فأنفقوا عليهم وأسلفوهم من بيت المال.
وتؤخذ عند وجوبها.
واختلف فيه:
_________________
(١) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات، والمثبت من «التفريع» (١/ ٣٦٣).
(٢) خرم في الأصل قدره ثلاث كلمات، والمثبت من «التفريع» (١/ ٣٦٣).
(٣) أخرجه من حديث ابن عباس: أحمد في «مسنده» رقم (٢٥٥١)، والبخاري في «صحيحه» رقم (٦٩٢٢).
[ ٤ / ٣٠٦ ]
وقال أبو حنيفة: تجب في أول حول حين تنعقد لهم الذمة، وبعد ذلك عند كل أول حول.
وقال الشافعي: لا تجب بآخر الحول.
وليس عن مالك في ذلك نص، وظاهر مذهبه: آخِرُ الحول، وهو القياس؛ لأنها بدل التأمين والإقامة، وكالزكاة على المسلم، والجامع: أنه مال متعلق بالحول.
قال بعض [أصحابنا] (^١): إنما هذا الخلاف في الجزية الصلحية، وإنَّ الصحيح أخذُها أوَّل الحول؛ لأنه حقن الدماء بعقد الصلح، فقد تحقق للعوض حينئذ.
وأما العنوة ففي آخره؛ لأنه عبد للمسلمين، وهي كالخراج، فتؤخذ بعد انقضاء المنفعة والمدة.
فإن منعوا الجزية:
قال مالك: إذا انتقل قوم من العدو إلى بلادنا، وضُرِبت؛ فإن شاءوا أقاموا عليها، أو رجعوا إلى بلادهم.
قال ابن المواز: لا خيرة لهم بعد اختيارهم الجزية، ولا يمكنون من الرجوع بل قبل ذلك.
ص: (من أسلم من أهل الذمة، وقد وجبت عليه الجزية؛ فإنها تسقط عنه ولا تُؤخذ منه، سواء أسلم في بعض الحول أو بعد تمامه، وكذلك لو مرت
_________________
(١) بياض قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٤٤).
[ ٤ / ٣٠٧ ]
عليه سنون لم يؤد فيها الجزية، ثم أسلم قبل الأداء؛ سقطت عنه).
ت: قال الشافعي: لا تسقط بالإسلام.
لنا: قوله ﵇: «الإسلام يجب ما قبله» (^١).
وكتب عمر بن عبد العزيز: «أن ضَعُوا عمَّن أسلم من أهل الجزية حين يسلمون»، والوضع إنما يكون فيما وجب لا المستقبل، فلا يحتاج عمر التنبيه عليه، ولأنها صغار، والإسلام ينافيه.
ص: (من أسلم من أهل الصلح فأرضُه مِلك له، ومن أسلم من أهل العنوة فلا ملك له على أرضه، وهي في لجماعة المسلمين، ولا زكاة على أهل الذمة في شيء من أموالهم كلها: زروعهم، وثمارهم، ونواضحهم، ومواشيهم، وناضهم)
ت الصلح يقرر الأملاك، والعنوة تسلب الأملاك، فاستصحب الحالان، فإن كانت أرض العنوة عامرةً، ووجد الإمام من يسكنها ويؤدي خراجها؛ تركها وقفًا للمسلمين ولم يقسمها، وقد أوقف عمر بن الخطاب ﵁، ولم ينكر عليه أحد.
وإلى رأي الإمام قسمتها فيما يفتتحه بعد ذلك؛ لأنَّ رسول الله ﷺ لم يُنقل عنه أنه قسَمَ إلا خيبر، ولا زكاة على الذمة كالصلاة.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٠٥)، عن عمرو بن العاص بلفظ: «إن الإسلام يجب ما قبله»، ومسلم في صحيحه (١/ ٧٨) وأبو عوانة في صحيحه (١/ ٧٠) بلفظ: «يهدم» بدل «يجب»، انظر: صحيح الجامع للألباني رقم: (١٣٢٩)، و«إرواء الغليل» رقم: (١٢٧٩).
[ ٤ / ٣٠٨ ]
ص: (لا شيء على أهل الذمة في تجاراتهم إذا تاجروا في بلادهم التي صولحوا عليها، وأُخِذ منهم الجزية فيها، فإن تَجَروا من بلادهم إلى غيرها أُخِذ منهم العشر في تجاراتهم).
ت: لقول عمر ﵁ للذمة: إن تجرتم في بلادكم فليس عليكم إلا الجزية، وإن تجرتم إلى غيرها أُخِذ منكم العشر، ومضى على ذلك الأئمة بعده.
ص: (فإن حملوا متاعًا فباعوه أخذ منهم عشر ثمنه، فإن حملوا مالًا فاشتروا به متاعًا أُخِذ منهم عُشر قيمته)
ت: قال ابن القاسم: إذا قدم إلى [غير] (^١) أفقه لا يؤخذ منه حتى يبيع (^٢)؛ لأن البيع هو النفع الذي حصل لهم ببلاد الإسلام.
وقال ابن حبيب: يؤخذ منه عشر ما معه قبل بيعها، ويحال بينه وبين إمائه ساعة يقدم، وقاله أصحاب مالك المدنيون (^٣)؛ لأن عمر ﵁ كان يأخذ منهم العشر من القطنيَّة، ونصف العشر من الحنطة [والزبيب] (^٤) بمال.
قال ابن القاسم: حتى يشتري (^٥)
وقال غيره: يؤخذ عشر المال اشترى أم لا.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٤٧)، والسياق يقتضيه، ولفظ «التذكرة»: يقدم إلى بلد غير بلده من غير أُفُقِه.
(٢) «المدونة» (١/ ٢٨٠).
(٣) «الجامع» (٢/ ٤٢١).
(٤) كذا في الأصل، ويقابله في «التذكرة» (٥/ ٣٤٨): (والزيت).
(٥) «النوادر» (٣/ ٣٧٠).
[ ٤ / ٣٠٩ ]
بناءً على أنَّ المأخوذ على الانتفاع في القطر الثاني، أو الوصول [إليه] (^١)، وعلى الأول قال في «المدونة»: يؤخذ عشر السلعة.
ونقل ابن الجلاب [أنه يؤخذ] (^٢) عُشر [القيمة.
وقيل: إن كانت تنقسم أُخِذ] (^٣) عُشرها، وإلا فتسع القيمة؛ لأنَّ لنا عُشر السلعة في عينها.
فإذا أعطانا قيمة ذلك فقد اشترى سلعةً ثانية، فلنا عشرها، وكذلك أبدًا، كلما أعطانا قيمةَ عُشر صار كمشتريه، حتى يَدِقَّ العُشر فلا يُعلَم قدره، فيؤخذ منه التسع من أول مرة.
وأجيب: [بأنَّ الواجب] (^٤) عُشر واحد، وإذا تصرف بعده لم يلزمه شيء مادام في ذلك القُطر، إلا أن يسافر إلى قطرٍ ثانٍ، وغاية العشر أن يكون [كشراء] (^٥) سلعة أخرى، إلا أن يؤدِّيَ العُشر من مالٍ آخر، فلهذا القول اتجاه.
وإذا كانت تنقسم، وأُخِذ عُشرها، ثم استُحِقَّت السلعة من الذمي، أو ردَّها بعيب؛ أَخذ العشر الذي أعطاه.
ص: (وإن باعوا ثم اشتروا في مكان واحد لم يؤخذ منهم إلا عشر واحد، وكذلك لو اشتروا ثم باعوا في مكان واحد، ولو باعوا في بلد ثم حملوا
_________________
(١) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت ما يناسب السياق.
(٢) خرم في الأصل قدر بكلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٤٨).
(٣) خرم في الأصل قدره ست كلمات، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٤٩) مختصرا.
(٤) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٤٩) باختصار، والسياق يقتضيه.
(٥) في الأصل: (كثيرا)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٤٩).
[ ٤ / ٣١٠ ]
الثمن إلى بلد آخر، فاشتروا به؛ أُخِذَ منهم عُشران: عُشر في البيع، وعُشر في الشراء؛ لانتفاعهم بالقطر).
ت: قال ابن القاسم: من كان من مصر فدخل الشام فأوطنها، ثم قدم مصر بتجارة؛ لا يؤخذ منه شيء؛ لأنها بلده التي صولح عليها، وإن رجع إلى الشام التي أوطنها أُخذ منه العشر (^١).
ص: (إذا [أكرى الذمي] (^٢) إبله من بلد إلى غير بلده؛ أُخِذ منه عُشر كرائه في البلد الذي [أكرى] (^٣) إليه، وقال ابن القاسم: إذا أكرى الذمي من بلده إلى بلدٍ غير بلده؛ لم يؤخذ منه شيء، فإن أكرى إلى بلده راجعًا أُخِذ منه عُشر كرائه، وقال أشهب: لا شيء عليه، وقال ابن المواز: يؤخذ منه العشر، سواء أكرى من بلده أو من غير بلده).
ت: في «المدونة»: قال مالك: لا يؤخذ منه شيء (^٤)؛ لأنها سلعة باعها ببلده.
وقال ابن القاسم: إن أكرى راجعًا أُخِذ منه العُشر في بلد العقد (^٥).
ورأى أشهب أنَّ الكِراء غلَّةٌ كاللبن والنتاج (^٦).
_________________
(١) «النوادر» (٢/ ٢٠٨).
(٢) في الأصل: (اكترى الذمة)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٥٠).
(٣) في الأصل: (اكترى)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٥٠).
(٤) «المدونة» (١/ ٢٨١).
(٥) «المدونة» (١/ ٢٨١).
(٦) «النوادر» (٢/ ٢٠٧).
[ ٤ / ٣١١ ]
وقال ابن حبيب: إن أكرى من بلده أُخِذ منه العشر بالبلد الآخر؛ لأنها نهاية كرائه، فهو كعرض قدم فباعه، فإنه يؤخذ منه عشره (^١).
وهو قول ابن الجلاب.
ورأى ابن المواز أنه إن أكرى من بلده فقد حصل النفع بتمام السفر، أو من غير بلده فقد انتفع بالعقد.
ص: (يؤخذ من الذمي العشر كلما تَجَر، وإن تجر في السنة مرارا، وإن تَجَر عَبيدُ أهل الذمة أُخِذ منهم العشر، كما يؤخذ من أحرارهم).
لأنَّ المنفعة تحصل لهم كما تحصل لساداتهم.
ت: قال الشافعي: لا يؤخذ منه إلا مرةً في السنة، كالجزية.
لنا: أن عمر ﵁ كان يأخذ منهم كلما قدموا.
ولأن الانتفاع متكرر، والجزية لحقن الدم وهو [غير] (^٢) متكرر؛ لأنَّ الإباحة لم تعقبه.
ص: (تجار أهل الحرب إذا دخلوا بأمان مطلق للتجارة؛ أُخذ منهم العشر، ولم يزد عليهم، إلا أن يُشترط عليهم عند دخولهم أكثر من ذلك، فيؤخذ منهم ما اشترط عليهم)
ت: قال ابن القاسم - وهو المشهور -: ليس لما يصالحوا عليه حد؛ لأنَّ
_________________
(١) «النوادر» (٣/ ٣٧٠).
(٢) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٥٢) بمعناه، والسياق يقتضيه.
[ ٤ / ٣١٢ ]
الأصل في أموالهم الإباحة، بخلاف الذمة.
وعن مالك: عليهم العشر كالذمة، بجامع الكفر.
وقال أشهب: إن نزلوا من غير مقاطعة؛ لا يزاد على العشر (^١).
يريد: وإن صولحوا على شيءٍ أُخِذ منهم ذلك.
قال فضل بن سلمة: إذا لم يُشترط عليهم يُحملون على عاداتهم.
قال اللخمي: إن لم تتقدم لهم عادةٌ، ولم ينظروا في ذلك حتى باعوا؛ أُلحقوا بالذمة، وإن لم تكن لهم عادةٌ، ولم يبيعوا؛ فما تراضوا عليه (^٢).
قال ابن القاسم في «المستخرجة»: إن نزلوا ولم يبيعوا أُخِذ منهم ما صولحوا عليه ناجزا، بخلاف الذمة (^٣).
وقال ابن نافع: لا يؤخذ حتى يبيعوا، كالذمة (^٤).
وقال أشهب: [لهم] (^٥) الرجوع بسلعهم، إلا أن يُشترط فيعمل به (^٦).
قال أصبغ: لا يدورون في سواحل الإسلام لبيع ولا غيره، ولا الأزقة، ولا ينزلون إلا في موضع تُؤمن عورتهم فيه، والأسواق والطرق الواضحة لحوائجهم،
_________________
(١) «النوادر» (٢/ ٢٠٩).
(٢) «التبصرة» (٢/ ٩٥١).
(٣) «البيان والتحصيل» (٤/ ٢١٠)، وانظر: «النوادر» (٢/ ٢٠٩).
(٤) بنحوه عنه في «النوادر» (٢/ ٢١٠).
(٥) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٥/ ٣٥٤)، والسياق يقتضيه.
(٦) بنحوه عن أشهب في «النوادر» (٢/ ٢١٠).
[ ٤ / ٣١٣ ]
ولهم الأمان في أنفسهم وأموالهم في ديار الإسلام أجمع. (^١)
فإن قَدِموا بخمرٍ أو خنزير:
قال مالك في «المجموعة»: يُتركون ويؤخذ عُشر الثمن، فإن خيف من خيانتهم جُعِل عليهم أمين.
قال ابن نافع: ذلك إذا حملوه لأهل الذمة، لا لبلد ليس فيه ذمة (^٢).
وقال ابن شعبان: لا يجوز الوفاء بذلك، ولا النزول بمثل هذا، ويُراق الخمر، وتُعرقب الخنازير.
قال ابن بشير: بناءً على أنهم مخاطبون بالفروع أم لا؟
فإن نزلوا على أن يُقروا على ذلك، فهُمْ [بحدثان] (^٣) نزولهم؛ [قيل لهم] (^٤): إن شئتم فعلنا ذلك، وإما فارجعوا، وإن طال مكثهم فعل ذلك بهم وإن كرهوا.
ص: (يُخفّف عن تجار [أهل الذمة] (^٥) فيما حملوا إلى مكة والمدينة من الحنطة [والزبيب] (^٦)، فيؤخذ منهم في ذلك نصف العشر، ويخفف عنهم في قرى مكة والمدينة كما يُخفّف فيهما، ويؤخذ منهم العشر كاملا فيما حملوه
_________________
(١) بنحوه عن أصبغ في «النوادر» (٢/ ٢١٠).
(٢) «النوادر» (٢/ ٢٠٧).
(٣) خرم في الأصل قدره كلمة، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٥٥).
(٤) خرم في الأصل قدر بكلمتين، والمثبت من «التذكرة» (٥/ ٣٥٥).
(٥) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التفريع» (١/ ٣٦٥)، والسياق يقتضيه.
(٦) كذا في الأصل، ويقابلها في «التذكرة» (٥/ ٣٥٥): (والزيت).
[ ٤ / ٣١٤ ]
من البر، والعروض، والقَطَاني، وسائر التجارات سوى الحنطة [والزبيب] (^١).
ت: كان عمر ﵁ يفعل ذلك في هذين للحاجة إليهما، فيكثر جَلْبُهما للمدينة (^٢).
وعن مالك: يؤخذ العشر فيهما (^٣)؛ لأنَّ [الغنى] (^٤) حصل بالمسلمين عنهم في هذا الوقت.
* * *
_________________
(١) كذا في الأصل، ويقابلها في «التذكرة» (٥/ ٣٥٥): (والزيت).
(٢) بنحوه في «النوادر» (٢/ ٢٠٦).
(٣) بنحوه عن مالك في «النوادر» (٢/ ٢٠٦).
(٤) في الأصل: (القضاء)، والتصويب من «التذكرة» (٥/ ٣٥٦).
[ ٤ / ٣١٥ ]