(الحبس صحيحٌ لازم).
ت: لا يفتقر لحكم حاكم، ومشهور أبي حنيفة أنه غير جائز ولا لازم؛ لأنه من السائبة التي حرمت بالقرآن.
لنا: قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وفي «مسلم»: أصاب عمر ﵁ أرضا بخيبر، قال: لم أُصِبْ مالا قَطُّ هو أحبُّ عندي منه، فقال: يا رسول الله، ما تأمرني به؟ قال: «إن شئتَ حَبَّستَ أصلها وتصدقت بها»، قال: فتصدق بها عمر، وكتب: أنها لا تباع ولا توهب ولا تورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي سبيل الله، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف (^١).
وهو يدل من وجوه:
أحدها: قوله ﵇: «حَبس الأصل»، وهو يقتضي التأبيد، وامتناع الرُّجوع والبيع، ونقله عما هو عليه.
وثانيها: أنه استشار النبي ﷺ، فأشار عليه، وهو يقتضي أنه حقٌّ.
وثالثها: كتبه أنه لا تباع ولا توهب ولا تورث.
وقد فعله الصديق، وعثمان، وعلي، وجماعة من الصحابة ﵃ (^٢)، ولم
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عمر: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٧٣٧)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٢٢٤).
(٢) بنحوه عنهم في «الجامع» (١٩/ ٥٠٨).
[ ٦ / ٢٥٣ ]
يُحفظ الامتناع منه عن أحد، وبذلك احتج مالك على أبي يوسف حين ترك مذهب صاحبه.
ولأنه حبس، فلا يحتاج لحكم حاكم، قياسا على المسجد، أو إسقاط مِلكِ كالعتق.
ص: (ومن حبس حبسًا على وجه صحيح لزمه إخراجه فيه، وامتنع الرجوع فيه).
للحديث المتقدم، وكسائر العقود اللازمة.
وإن لم يجعل له وجهَا جُعِل في وجوه الخير والبر أبدا، ولا يرجع ملكًا له ولا لورثته.
ت: كما لو قال: مالي صدقة، إن عيَّنَ صُرِف لمن عين له، وإلا صُرِف للفقراء.
ولأنه ظاهر لفظ الحبس صنيع المعروف، وظاهر الإطلاق عدم الاختصاص والتعميم.
قال الأبهري: ويكون ذلك في فقراء ولده وأهله، هم أولى؛ لأنَّ أبا طلحة لمَّا جعل بَيْرُ حَاءَ صدقةً ولم يُسَمِّ أحدًا؛ قال له ﵇: (اجعلها في الأقربين) (^١).
قال بعض شيوخنا: إن كان على مجهول؛ مَنْ يأتي فلا إشكال، أو على معين فالمشهور التأبيد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في (صحيحه) رقم (١٤٦١)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٢٣١٥).
[ ٦ / ٢٥٤ ]
وعن مالك: يرجع مِلكًا، كالعُمرى (^١).
ص: (إن قال: مالي حبس في وجه كذا؛ فروايتان:
إحداهما: أنه يتأبد حبسه، فيكون أولا في الوجه الذي جعله فيه، فإذا انقرض ذلك الوجه كان حبسًا على أقرب الناس إليه، فإذا انقرضت قرابته كان حبسًا على الفقراء والمساكين.
والثانية: إذا انقرض الوجه الذي جعله فيه؛ كان له في حياته، ولورثته بعد وفاته.
وكذلك إذا قال: مالي صدقة في وجه كذا، إلا أن يريد التصدق بعين ماله، فيكون ملكًا لمن تصدق به عليه).
ت: الحبس على معيَّن خمسة أقسام؛ يرجع ملكًا في اثنين، ويُختلفُ في ثلاثة (^٢).
فإن قال: حبست على هؤلاء النفر، أو: هؤلاء [العشيرة] (^٣)، وضرَبَ أجلا، أو قال: حياتهم؛ رجَعَ مِلكًا في هذين القسمين اتفاقا (^٤).
فإن لم يُسَمِّ أَجَلا ولا حياةً، وقال: حبس صدقةً:
فعن مالك: يرجع ملكًا.
_________________
(١) انظر: «النوادر» (١٢/¬١٤).
(٢) هذه الجملة بتمامها في «التبصرة» (٦/ ٣٤٤٧).
(٣) يقابلها في «التبصرة» (٦/ ٣٤٤٧): (العشرة).
(٤) بنصه في «التبصرة» (٦/ ٣٤٤٧).
[ ٦ / ٢٥٥ ]
وعنه: لا يرجع، إلا أن يقول: حبس صدقةً لا يوهب ولا يورث (^١).
قال ابن القاسم: أصل قوله إذا قال: حبس، ولم يقل: صدقة؛ فهي حبس إذا كانت على مجهولين.
وإن كانت على معيَّنِين فقال: حبس، ولم يقل: صدقة، ولا قال: لا تباع ولا توهب، فقال مرَّةً: ترجعُ مِلكًا له أو لورثته بعد انقراض [الجهة] (^٢) (^٣)؛ لأنَّ التحبيس لا يقتضي التأبيد، بل لمَن جُعِل له لا يخرج عنه، ويرجع استصحابًا للملك بحسب الإمكان، إلا أن يصفها بالتأبيد أو التحريم أو ما يقوم مقامه من الصدقة على مجهولين.
وعنه: لا يرجع مِلكًا، بناءً على أن لفظ التحبيس يقتضي التأبيد، وقد قال رسول الله ﷺ: «حبّس الأصلَ وسَبّل الثَّمرة» (^٤)، ولأن ترك التقييد يقتضي التعميم.
ولا يمنع قوله: حبس على فلان، لأن ذلك تقييد للرقبة فقط.
وأما قوله: يرجع لأقرب الناس؛ فالقول رسول الله ﷺ لأبي طلحة: «اجعلها في الأقربين» (^٥).
_________________
(١) عبارته في «التبصرة» (٦/ ٣٤٤٧)، و«التذكرة» (٩/ ٣٨١): (فقال مالك مرة: إذا أطلق ذلك لم يرجع ملكًا، وكان على مراجع الأحباس، وقال أيضًا: يرجع ملكًا إلا أن يقول: حبس صدقة أو لا يباع ولا يورث)، وانظر: «الجامع» (١٩/ ٥١٤).
(٢) في (ز): (الجملة).
(٣) قول ابن القاسم في «الجامع» (١٩/ ٥١٦).
(٤) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٢٥٣).
(٥) سبق تخريجه، انظر: (٦/ ٢٥٤).
[ ٦ / ٢٥٦ ]
وروي: «في فقراء أهلك» (^١).
قال مالك: رجالًا كانوا أو نساءً (^٢)؛ لأنَّ الرجوع إليهم صلةٌ، والبنت أولى بالصلة.
وقال ابن القاسم: للرِّجال؛ لأنها ليست بعصبة (^٣)، كالخالة.
ومن القرابة الذين يرجع إليهم؟
قال مالك في «العتبية»: عصبته (^٤).
وعن ابن القاسم: أولى الناس من ولد وعصبة (^٥).
وقاله مالك أيضا (^٦).
ص: (إن قال: وقف على وجه كذا؛ تأبد، ولم يرجع له ولا لورثته).
ت: لأن مدلول هذه اللفظة في العرف التأبيد.
وإن قال في المعين: حبس صدقة، لا يباع ولا يوهب؛ لم يختلف قوله أنَّه لا يباع، ويرجع إلى أقرب الناس إليه يوم المرجع، ولا يرجع إليه وإن كان حيًّا.
_________________
(١) أخرجه من حديث أنس: أحمد في «مسنده» رقم (١٢١٤٤)، وأبو يعلى في «مسنده» رقم (٣٨٦٥)، والدارقطني في «سننه» (٤/ ١٩١).
(٢) انظر: «النوادر» (١٢/ ٦٧).
(٣) بتمامه عنه في «النوادر» (١٢/ ٦٥).
(٤) «البيان والتحصيل» (١٢/ ١٩٠).
(٥) بنصه عنه في «النوادر» (١٢/ ٦٥).
(٦) انظر: «النوادر» (١٢/ ٦٧).
[ ٦ / ٢٥٧ ]
وقال عبد الملك: هي في المعيَّن عُمرى وإن سماها صدقةً، ما لم يقل: لا تباع ولا تورث (^١).
وإن حبس على مجهولين نحو: على فلان وعقبه، فانقرض العقب:
قال مالك: لا يرجع ملكا (^٢).
وقال مطرف: إن قال: ما عاش، أو: ما عاشوا؛ فهي عُمرى (^٣).
فإن قال: مالي صدقة في وجه كذا:
قيل: إذا انقضى ذلك الوجه رجع لأقرب الناس به، فإذا انقرضت القرابة فعلى الفقراء والمساكين؛ لأنَّ الصَّدقة يراد بها وجه الله تعالى، كالوقف، وليس كذلك لفظ الحبس حتى يقرنها بالتحريم أو منع البيع.
والرواية الأخرى: أنه يرجع بعد انقراض ذلك الوجه ملكًا له ولورثته بعده؛ بناءً على أن لفظ الصدقة لا يقتضي التأبيد، بل الإحسان لذلك الوجه كالعُمرى.
ولأن تعليق التمليك بوقت ينتهي يمنع ملك الرقبة، كما لو وقته بمجيء زيد.
ولأن تمليك المنافع يتوقَّت دون تمليك الرقبة.
ص: (إن قال: صدقة حبس، أو: حبس صدقةٌ، فروايتان على ما تقدَّم).
ت بناءً على أنَّ كلَّ واحدٍ من اللفظين إذا انفرد لا يقتضي التأبيد؛
_________________
(١) «النوادر» (١٢/¬١٤).
(٢) «المدونة» (١٠/ ٢٦١ - ٢٦٢)، و«التبصرة» (٦/ ٣٤٤٩).
(٣) بنصه عنه في «التبصرة» (٦/ ٣٤٤٩).
[ ٦ / ٢٥٨ ]
فكذلك إذا اجتمعا.
أو: الجمع بينهما يقتضي التأكيد، فهو كما لو أكده بـ: لا يباع ولا يوهب.
ص: (وإن قال: حبس صدقةٌ، لا يباع ولا يوهب ولا يملك، ونحو ذلك من الألفاظ التي توجب التأبيد؛ تأبد).
ت: كما لو قال: وقفٌ، فإذا مات المُحبَّسُ عليهم رجعت إلى عصبة المُحبّس حبسًا عليهم إن كانوا فقراء، وإلا فعلى فقراء المسلمين، وتتأبد اتفاقًا.
ص: (إذا لم يُقبض الحبس ولم يخرج عن يده حتى مات؛ بطل وصار ملكا لورثته).
ت: إذا أمكنه إخراجه عن يده فلم يفعل حتى مات؛ بطل، فإن أراد إخراجه في مرضه لم يصح حوزه في مرضه؛ لأنَّ الصديق ﵁ نحل عائشة ﵂ جداد عشرين وسقا، فلم تقبضه حتى مرضَ مَرَضَ موته، فقال لها: لو كنت حزتيه لكان لكِ، وإنما هو [اليوم] (^١) مال وارث (^٢).
فإذا جعل المرض مُبطلا فالموت أولى.
ولأن ذلك طريق إلى أن ينتفع بماله حياته، ثم يخرجه بعد وفاته عن ورثته؛ فلا ينفع الحجر شيئًا.
_________________
(١) في (ت): (الآن)، والمثبت أوفق للفظ «الموطأ».
(٢) أخرجه من حديث عائشة: مالك في «الموطأ» رقم (١٥١٢)، وعبد الرزاق في «مصنفه» رقم (١٦٥٠٧).
[ ٦ / ٢٥٩ ]
قال مالك في «المدونة»: إذا حبَّس في صحته ما لا غلة له - كالسلاح والخيل والرقيق - فكان يُخرجه في وجوهه ثم يرجع إليه؛ فهو نافذ من رأس ماله؛ لأنه أخرجه في وجهه، فإن أبقى بعضه لم يُخرجه بطل فيما لم يُخرجه، ونفذ ما أخرجه، وأما ما له غلة - من حائط أو دار - فكان يفرّق غلته كل عام، ولم يُخرجه عن يده حتى مات؛ لم يجز؛ لأنَّ هذا غير وصيَّة (^١).
ولأن الأصل هاهنا لم يَخرُج، وفي الأول خَرَج.
ص: (الوقف في الصحة من رأس المال، وفي المرض من الثلث).
للحجر على المريض إلا في الثلث.
فإن وقف في مرضه أو وصيَّته على ورثته خاصَّةً بَطَل، وكان ملكًا للورثة.
لأن ذلك يجري مجرى وقف الإنسان على نفسه، وهو لا يجوز.
ولأنهم يرثونه عنه؛ فليس له الحجر عليهم في البيع وغيره.
فإن ضم إليهم أجانب جاز، وخرج من الثلث، وقسم بينهم على شرطه، فإذا انقرض ورثتُه؛ جُعِل في الوجه الذي جعله بعدهم فيه.
ت: إنما صح لأجل الأجانب، ولم يُرِد التَّحجير على الورثة.
ولأنه الله تعالى؛ لأنه يصير آخر الأمر للفقراء إذا مات المحبس عليهم.
_________________
(١) «المدونة» (١٠/ ٢٧٨).
[ ٦ / ٢٦٠ ]
ص: (إن وقف في مرضه على بعض ورثته وأجانب سواهم؛ قسم على الورثة والأجانب، فما أصاب الورثة جُعِل بينهم وبين من أدخله في الوقف وغيره على الفرائض، فإذا انقرض ورثة الموقوف عليهم رجع كله لمن جعله له بعد ورثته، فإذا انقرض واحد من ورثته سقط حقه، وصار لمن جعله له بعده).
ت: لأنَّ مِنْ حُجَّة الوارث أن يقول للوارث الموقوف عليه: ليس لكم الاختصاص بمنفعة دوننا، فنشارككم، ولا حُجَّة له على غير الوارث؛ إذ لا وصية لوارث.
وإن مات وارث ممن لم يدخل في الوقف قام ورثته مقامه؛ لأنَّ أباه مات عن ملك فينتقل له، ويدخلون مع المحبس عليهم ما داموا أحياء؛ لأنَّ حق الميت قائم.
فإذا انقرض الموقوف عليهم صار الوقف كله لمن جعله بعد ورثته، وإن بقي أحد ممن لم يحبس عليهم؛ لأنَّ الحق انتقل لمن لا يشاركه وارث.
وإن مات بعض الورثة الموقوفِ عليهم سقط حقه ولم يورث، بل للوجه الذي جعله له بعده.
ص: (إن وقف على ولده الصغير فحيازته له جائزة إذا لم يتصرف فيه لنفسه، بل لولده).
ت: تجوز حيازته له في الحبس والصدقة والهبة إذا لم يتصرف إلا له؛ لقول عثمان ﵁: مَن نحَلَ ولدًا له صغيرًا لم يبلُغ أن يحوز نحلَةً، فأعلن ذلك وأشهد عليه؛ فهي حيازة.
[ ٦ / ٢٦١ ]
وهذا إذا ميز ذلك وأشهد عليه، وإنما اشترطنا الإشهاد والتمييز ليثبت ذلك له بغير قول الأب؛ فلا [تُعَدَّ] (^١) وصيَّةً لوارث.
وما لا يمكن تعيينه والإشهاد عليه - كالذهب والفضة والمكيل والموزون - فلا يصح قبضه له؛ لتعذر تمييزه عند أداء الشهادة، فإن جعله على يد أجنبي؛ جاز (^٢).
قال شيخنا أبو بكر: إن جعلها الأب في شيء وختم عليه وأشهد صح؛ لتمييزه وإمكان الشهادة فيه (^٣).
فإن تصرف الوالد لنفسه حتى مات رجع ميراثًا؛ لما تقدم من اشتراط القبض.
ص: (إن حبس عبدًا أو دابَّةً على رجلين حياتهما، ثم جعله في وجه آخَرَ بعد وفاتهما، فمات أحدهما؛ رجع نصيبه على الآخر، فإذا ماتا؛ رجع للوجه الذي بعدهما، وقيل: يرجع نصيب الميت منهما في الوجه الذي جعله بعدهما، لا على صاحبه.
فإن حبس عليهما غلةً أو ثمرة أو مما يتجزأ وينقسم، فمات أحدهما؛ لم يرجع نصيب الميت منهما على صاحبه، بل في الوجه الذي بعدهما).
أو بسكنى؛ فهي على وجهين: إن كان لسكناه فكالعبد والدابَّة، أو يستغلاه فكالثمرة.
_________________
(١) في (ز): (يبقى).
(٢) ما سبق بنحوه في «المعونة» (٢/ ٤٩٨).
(٣) بنصه في «المعونة» (٢/ ٤٩٨).
[ ٦ / ٢٦٢ ]
ت: لأنَّ ما يتجزَّأ نصيب كلُّ واحدٍ متميز عن الآخر، فكان موته كموت الجميع.
ولأنَّ كون القسمة فيه تقتضي اختصاص كلُّ واحدٍ بنصيبه، وذلك يمنع عود نصيبه على غيره.
وقاس إحدى الروايتين فيما لا ينقسم على ما ينقسم، ولأنَّ جمعهما فيه يقتضي أنَّ كلَّ واحدٍ له النصف خاصةً.
ولاحظ في الأخرى ضرر الشِّركة.
ولأنه لما جمعهما فقد جعل ذلك لهما ما بقي أحدهما، فما دام الاسم باقيًا لا يزول عنهما.
ص: (إن أسكنه إلى أجل فمات قبله؛ فذلك لورثته لبقية الأجل).
لأنه حق مورِّثهم.
فإن لم يكن له ورثة عاد السُّكنى إلى ربِّه.
ت: ليس للمالك الرجوع كما لا يرجع في الصدقة بجامع المعروف.
ص: (إن أوصى بنفقة على رجل مدَّةً، فمات قبلها؛ لم يكن لورثته شيء من نفقته).
ت: إن سمَّى سنين لم ينتقل باقيها للوارث؛ لأنه لم يرد إلا ارتفاقه، لا تمليك عين حتى ينتقل للورثة.
[ ٦ / ٢٦٣ ]
والفرق بينه وبين السُّكنى: أنَّ النفقة يُقصد بها قيام نفس المنفق عليه، والسكنى يُقصد بها التوسعة عليه في دنياه، بدليل أن له أن يبيع ذلك من غيره ويُسكنه، فقد ملكه مالًا، بخلاف النفقة.
ولأن النفقة إنما تجب يومًا فيومًا، بدليل نفقة الزوجة، والسُّكنى من جنس ما يجب إلى انقضاء وقت الوجوب، بدليل انقطاع نفقة الزوجة بنفس الموت، والسكنى إلى آخر العدة، فالجنسان مختلفان.
وإن أطلق الوصية حملت على حياة المنفق عليه.
واختلف في حد التعمير إذا قال: حياته:
قيل: سبعين.
وقيل: ثمانين.
وقيل: تسعين.
وقيل: مئة سنة (^١).
ص: (إن حبس عقارًا فخَرِب لم يجز بيعُه، وإن هرم الحيوان فلا بأس ببيعه واستبدال مثله، ومنعه عبد الملك، كالعقار).
ت: لا تباع الدار وإن صارت عَرْصَةً، ويُفسَخ البيع (^٢).
قال سحنون: لم يُجز أصحابنا بيع الحبس بحال، إلا دارا تجاور مسجدًا
_________________
(١) انظر هذه الأقوال: «النوادر» (١١/ ٤٥٣ - ٤٥٤)، و«التبصرة» (٧/ ٣٦٣٤).
(٢) انظر قول مالك في «النوادر» (١٢/ ٨٣).
[ ٦ / ٢٦٤ ]
احتيج لتوسعته، فتباع لذلك، ويُشترى بثمنها ما يكون حبسًا، كما دخل في مسجد رسول الله ﷺ دُور حبس (^١).
قال ابن القاسم: من غير أن يُقضى عليهم (^٢).
قال مالك: يُقضى عليهم أن يشتروا بالثمن مثلها، بخلاف الاستحقاق فإنه يصنع بالثمن ما شاء (^٣)؛ لأنه لم يحبس الثمن؛ لأنَّ الخراب قد ينتفع به بوجه ما، وما لا [ينقله] (^٤) عن مقتضاه إذا لم يخرب لا ينقله إذا خَرِب، كالغصب، وبقاء أحباس السلف دليل على ذلك.
فإن لم يكن في ثمن الحيوان ما يشتري به مثله - وهو فرس مثلا للجهاد - فهَجِين أو برذون، فإن قَصُرَ أُعِينَ به في ثمن فرس.
قال ابن القاسم: يُشترى بثمن الثوب إذا بلي ثوب ينتفع به، فإن لم يبلغ تصدق به في السبيل (^٥).
قال عبد الحق: لا فرق بين ثمن الثوب والفرس إذا لم يبلغ، فيُشارك به في ثوب، كالفَرَس، وإذا لم يوجد في المسألتين من يشارك تصدَّق بالثمن.
وإنما فرق بينهما في الكتاب لافتراق السؤال، فتكلم في الفرس إذا وَجَد من يشارك وفي الثوب إذا لم يجد (^٦).
_________________
(١) بتمامه عنه في «النوادر» (١٢/ ٨٣ - ٨٤).
(٢) «النوادر» (١٢/ ٨٣).
(٣) بتمامه من رواية ابن القاسم وأشهب عن مالك، انظر: «النوادر» (١٢/ ٨٣).
(٤) في (ت): (ينقصه).
(٥) بنصه عنه في «النوادر» (١٢/ ٨٤).
(٦) انظر: «النكت والفروق» (٢/ ٢٥٣).
[ ٦ / ٢٦٥ ]
قال عياض: بل المقصود من الخيل المنفعة بها في الغزو لا الغزاة، فجعلت أثمانها في مثلها، والثياب لمنفعة [الغزاة] (^١)، فإذا لم ينتفعوا بها أعطيناهم أثمانها عوضًا عنها (^٢)؛ لأن منع البيع يضيع المال.
فإذا كلَّت الفرسُ أو دخله عيب يمنع القتال عليه؛ أمكن أن ينتفع به مشتريه في غير ذلك الوجه - من الطحن وغيره - فهو أولى من إضاعته (^٣).
ولأن عمرًا ﵁ حمل على فرس في سبيل الله، فخبث، فبيع، فنهاه النبي عن شرائه (^٤)؛ لئلا يكون عائدًا في صدقته، ولم ينه غيره.
وقال عبد الملك: لا يجوز بيعه (^٥)؛ قياسًا على العقار.
والفرق: أنه يؤول إلى الهلاك، بخلاف العقار، ويُمكِنُ عَوْدُ العقار إذا خَرِبَ لحالته الأولى، بخلافهما.
ص: (لا بأس بحبس الخيل في سبيل الله تعالى، واختلف قوله في تحبيس غيرها، فكَرِهَه مرَّةً، وأجازه أخرى).
ت: قال رسول الله ﷺ: «من حبس فرسًا في سبيل الله، تصديقا بوعده، كان شِبَعُه ورِيُّه في ميزانه يوم القيامة» (^٦)، أخرجه «الصحيحان».
_________________
(١) في (ت): (العراة).
(٢) انظر: «التنبيهات المستنبطة» (٥/ ٢٦٠١).
(٣) انظر قول مالك في «النوادر» (١٢/ ٨٤).
(٤) أخرجه من حديث عبد الله بن عمر: البخاري في (صحيحه) رقم (٣٠٠٢)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٤١٦٧).
(٥) انظر: «النوادر» (١٢/ ٨٤ - ٨٥).
(٦) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد في «مسنده» رقم (٨٨٦٦)، والبخاري في «صحيحه» رقم (٢٨٥٣).
[ ٦ / ٢٦٦ ]
وجه الجواز في غيرها من الحيوان: أنَّ خالدًا حبس أدرُعَه وأعتُدَه في سبيل الله، يعني: آلة الحرب وعِدَّتها، وقَفَ أبو معقل بعيرًا له فلم ينكر ذلك رسول الله ﷺ، وقياسا على الخيل.
وجه الكراهة: قصور المنفعة عن منفعة الخيل، والأصل أن لا يجوز الحيوان؛ لأنَّ الحبس للدوام، والحيوان لا يدوم.
ص: (مَنْ حَبَّس ماشيةً زُكِّيت إن كانت نصابا، وكذلك الثمار).
ت: لأنَّ الزكاة في أعيانها، قال بعض علمائنا: لا يختلف أصحابنا في الماشية، بخلاف الثمار؛ لأنَّ رقاب الماشية ليست للمساكين، إنما لهم المنفعة، والماشية على ملك واقفها، والثمرة هي المصروفة للمساكين، والمذهب في الكلّ الزكاة؛ لأنها على ملك الواقف.
ولا يضر موت الواقف؛ لأنه لا يُشترط في الزكاة التكليف، كالصبي والمجنون.
ويظهر أثر الزكاة في الثمار - وإن كان الكلُّ يُصرف للمساكين - أنَّ الزكاة يستحقها أصناف ثمانية، فلا تتعين للمساكين، بخلاف الحبس، ولا تنتقل الثمرة لملك الفقير إلا بالقبض، ولأنَّ النفقة عليها، والسَّقي والعلاج والجداد على رب الحائط، وعليه أن يسلّم لهم الثمرة مجدودةً، وذلك دليل بقاء ملكه، وقد يمتنع التصرف مع بقاء الملك؛ لحق الغير.
[ ٦ / ٢٦٧ ]
ص: (مَنْ حَبَّس دارا فسكَنَ منها بيتا أو نحوه؛ جازت كلها (^١)، ما سكن منها وما لم يسكن، وكذلك لو حبس دورًا فسكن يسيرًا منها، وإن سكن كثيرًا بطلت كلها، وقال ابن القاسم: يَبطُلُ المسكون، قليلًا كان أو كثيرًا، ويَنفُذُ غيرُ المسكون، قل أو كثر).
ت: وقيل: يبطل الجميع.
حُجَّةُ مالك أنه إذا سكن يسيرًا يَنفُذُ الجميع: أنَّ زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر حبَّسًا داريهما، وسكنا منزلًا منزلًا حتى ماتا، فنفذ الجميع.
ولا تبقى التهمة أنه أراد الانتفاع بملكه حتى يموت فيُخرجه عن وارثه؛ ليسارة ما انتفع به، كاللبن يُشرب من الماشية المحبَّسة، والثمرة يأكلها، فإن سكن كثيرا بطل حبسه.
قال ابن القاسم في «النوادر»: إن سكن الثُّلُثَ فأقل جاز الجميع، أو الجُلَّ بطل الجميع (^٢).
ويراعي ابن القاسم القليل بالنسبة إلى القيمة.
ووجه تخصيص الإبطال بما سكن فقط: لأنه الذي فات فيه الشرط.
ووجه البطلان مطلقًا: أنَّ الحبس كان واحدًا فلا يتبعض.
* * *
_________________
(١) انظر: «النوادر» (١٢/ ١١٤).
(٢) انظر قوله «النوادر» (١٢/ ١١٥).
[ ٦ / ٢٦٨ ]