وإذا زنا الرجل أو المرأة وهما محصنان رجما بالحجارة حتى يموتا.
ت في مسلم: جاء رجل من الأعراب، فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي، فقال له رسول الله ﷺ: «قل»، قال: إنَّ ابني كان عسيفا على هذا، فزنا بامرأته، وإني أُخبِرتُ أنَّ على ابني الرجم، فافتديتُ منه بمئة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أنَّما على ابني جلد مئةٍ وتغريب عام، وأنَّ على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله، الغنم والوليدةُ رَدُّ عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، وإنَّ على امرأة هذا الرجم، واغد يا أُنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (^١).
وأجمعت الأمة على ذلك، وأنَّ على البكر جلد مئة وتغريب عام.
ولا يجتمع الجلد مع الرجم (^٢)، خلافًا لداود، فإنَّ رسول الله ﷺ قال: «فإن اعترفت فارجمها»، ولم يقل: واجلدها، ورجم ﷺ ماعزا ولم يجلده.
ولأنه أمر يوجب القتل لحق الله تعالى، فلا يكون معه جلد، كالردة.
وقوله ﵇: «لأقضين بينكما بكتاب الله»؛ أي: بقضاء الله، والكتاب
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد: البخاري في صحيحه رقم (٢٣١٤)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٤٣٥).
(٢) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (ولا يجتمعان).
[ ٦ / ٣٩٣ ]
بمعنى القضاء.
وقيل: الرجم في الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥].
والعسيف: الأجير، جمعه عسفاء، كأجير وأجراء.
ص: (وشروط الحصانة: أن يكون حُرًّا، مسلما، بالغا، عاقلا، وقد تزوج تزويجًا صحيحًا، ووطئ وطئًا مباحًا).
ت: فالحرية؛ لأنَّ العبد حده نصف حدّ الحر، والرجم [لا يتبعض] (^١)، ولنقصان حرمته، فخفت مؤاخذته.
والإسلام - خلافًا للشافعي -؛ لأن نقص الكفر أشدُّ من نقص الرق؛ لأنه أصله.
والبلوغ والعقل؛ لقوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ» (^٢).
والعقد بالنكاح الصحيح؛ للإجماع على ذلك.
والوطء فيه؛ لأنَّ العفاف لا يحصل بمجرد العقد، والإجماع عليه.
قال مالك: إن وطئها حائضا أو صائمة أو معتكفةً لم يكن محصنًا (^٣)؛ لأنَّ من شرطه الإباحة، كالعقد الحرام لا يُحصن.
_________________
(١) في (ز): (لا ينصف).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (١/ ٤٨٠).
(٣) «المدونة» (١١/ ٦٣).
[ ٦ / ٣٩٤ ]
وقال غيره: يُحصن؛ لأنه يُعِفُّ.
ص: (الوطء فيما دون الفرج لا يوجب الحد).
لأنَّ رسول الله ﷺ استفسر ماعزا حتى أخبره عن الفعل باسمه الخاص به.
وفي بعض الأحاديث قال له ﷺ: «أدخَلَ ذلك منك في ذلك منها، كما يغيب المِروَدُ في المُكحلة؟»، قال: نعم، فأمر به فرجم (^١).
ص: (وإذا التقى الختانان فقد وجب الحد، أنزلا أم لا).
ت: لأنَّ رسول الله ﷺ لم يسأل ماعزا عن الإنزال، ولأن جميع الأحكام المتعلقة بالوطء تتعلق بالتقاء الختانين، فكذلك الحد.
فإن زنا بها في دُبُرِها فعليه الحد (^٢).
قال عبد الملك: يُرجَم المحصن منهما، ويُجلَد مَنْ لم يُحصَن ويُغرب الرجل إن جُلِد، قياسًا على القُبل.
وقال ابن القصّار: ذلك لُواطٌ، يُرجمان أحصنا أم لا؛ لأنه وطء محرم، كالرجلين.
ص: (الأمة تحصن الحرَّ إذا كانت زوجةً له، ولا يُحصنها، والكتابية تُحصن المسلم، ولا يُحصنُها، والمجنونة تحصن العاقل، ولا يُحصنها، والصبية
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: أبو داود في «سننه» رقم (٤٤٢٨)، والنسائي في «سننه» رقم (٧١٢٧).
(٢) بتمامه في «اختصار المدونة» (٤/ ٥٢٠).
[ ٦ / ٣٩٥ ]
التي لم تبلغ ويوطأ مثلها تُحصِنُ البالغ، ولا يُحصِنُها).
ت: قال أبو حنيفة: لا بد من اعتبار الطرفين.
لنا: أنه وطئ وطئًا مباحًا في زوجة، فيكون محصنًا، كالكاملين.
وروى ابن وهب: أنَّ عبد الملك بن مروان سأل عبد الله بن عتبة بن مسعود: هل تُحصِنُ الأمةُ الحُرَّ؟ فقال: نعم، فقال له عبد الملك: عمن ترويه؟ فقال: أدركتُ أصحاب رسول الله ﷺ يقولون ذلك.
ولا يُحصنها؛ لأنَّ العقوبة تَعظُمُ بعِظَم الحُرمة، وتَنقُصُ بنقصها؛ لقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، إلى قوله (^١) تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠].
وحرمتها حقيرة؛ لِرِقَها، وكذلك الكتابيَّة والصبيَّة؛ لنقصانهما في الحرمة أو عن التكليف، ووطؤهما يُعِفُّ فأُحصن هو بهما.
ص: (النكاح الفاسد لا يُحصن).
ت: إلا أن يكون مما يُفسخ قبل البناء ويثبتُ بعده؛ لأنه يُقر بأول الملاقاة.
ص: (النكاح في الشرك لا يُحصن حتى يُوطَأ فيه بعد الإسلام).
لأن أنكحتهم فاسدة، وإنما تتقرر بالإسلام.
والوطء في الحيض والصيام والاعتكاف والإحرام لا يُحصن.
_________________
(١) كذا قال، والصواب أنَّ الآية السابقة بعد هذه الآية بآية.
[ ٦ / ٣٩٦ ]
لأنَّ كمال النعمة لا يحصل بالحرام.
ص: (وإذا تناكَحَ الزوجان، ثم وقعت الفرقة بينهما (^١)، فأقر أحدهما بالوطء، وأنكره الآخر؛ لم يكن واحد منهما محصنًا حتى يتفقا جميعًا على الوطء.
وقال ابن القاسم: المقر منهما بالوطء محصن دون الآخر).
ت: إن تصادقا على الإصابة، ثم أخذ أحدهما في زنا؛ لم يُقبل إنكاره بعد الزنا.
وجه الأول من القولين: قوله ﵇: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» (^٢)، واختلافهما شبهة.
ولأن المقر قد يكون له غرض لا أنه صادق.
وجه قول ابن القاسم: أنه مؤاخذ بإقراره، كسائر الحقوق.
قال ابن المواز: إن اختلفا في الوطء بعد الزنا لم يُقبل قول الزاني ورجم، وإن لم يبن بها إلا ليلةً أو أقل، أو قبل الزنا فلا يكون المقر محصنًا وإن أقام الدهر الطويل (^٣)؛ لأنَّ الزوجة تتهم في تكميل الصداق، والزوج يتهم لتكون له الرجعة وتلزمها العِدَّة، وذلك شُبهة، أما بعد الزنا فيتهمان في إسقاط الحد، وهو قول أصحابنا وقول ابن القاسم، ولابن القاسم قول آخر: أنَّ القول قول الزوج وإن طال مكثه، إلا أن يُعلم وطؤُه بظهور حمل أو إقرار (^٤).
_________________
(١) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (وإذا افترقا).
(٢) أخرجه بنحوه الترمذي في «سننه» رقم (١٤٨٥)، والدارقطني في «سننه» رقم (٣٠٩٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/ ٢٣٨)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٤٢٦).
(٣) «النوادر» (١٤/ ٢٣٣).
(٤) انظر: «النوادر» (٤/ ٥٨٦).
[ ٦ / ٣٩٧ ]
* ص: (حدُّ الزاني الحُرِّ البكر جلد مئة وتغريب عام، وهو [نفيه] (^١) إلى بلد غير بلده، وحبسه به سنةً، ولا تغريب على عبد ولا امرأة، [وحد] (^٢) العبد والأمة - بكرا أو ثيبا - خمسون).
* ت: قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]
وقال رسول الله ﷺ: «خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلا، البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة» (^٣).
وتغريب المرأة تعريض (^٤) لها للزنا، والحبس في حق الرجل (^٥) عقوبة له.
قال ابن القاسم: يُنفى من مصر إلى أسوان وإلى أدون منها (^٦)، بحيث يثبت له حكم الاغتراب، ولا يبالغ في البعد؛ لئلا يضيع ولا تصله منفعة أهله وماله.
قال الباجي: وأُجرة المسير عليه، وكذلك المحارب، فإن لم يكن له مال فبيت مال المسلمين، ويُكتب لوالي البلد أن يسجنه سنَةً عنده (^٧).
قال اللخمي: تُسجن المرأة في موضعها عاما؛ لأن العقوبة شيئان: غربةٌ
_________________
(١) في (ت): (بعثه).
(٢) كذا في (ز)، وفي (ق ت): (وجلد).
(٣) أخرجه من حديث عبادة بن الصامت: أحمد في «مسنده» رقم (٢٢٦٦٦)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٤١٤).
(٤) في (ق): (وأما تغريب المرأة فلأنه تعريض).
(٥) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (في التغريب).
(٦) «النوادر» (١٤/ ٢٣٦).
(٧) «المنتقى» (٩/ ١٤٢).
[ ٦ / ٣٩٨ ]
وسجن، فإذا [تعذرت] (^١) الغربة بقي السجن (^٢).
ولا تغريب على الرقيق؛ لقوله ﵇: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ثم إن زنت فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شَعَر»، خرجه مسلم (^٣).
ولم يذكر التغريب.
ولأن التغريب على الحُرّ لينقطع عن وطنه ومعيشته، وتلحقه الذلة فيرتدع، والعبد لا وطن له ولا معيشة.
ولأنه لو كان عليه لكان على النصف من الحُر، كالجَلد.
وجلده نصف جلد الحُرّ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والعبد والأمة في ذلك سواء؛ لاجتماعهما في نقص الرق، فيُجلد خمسين.
وفي «الموطأ»: قال المخزومي: أمرني عمر بن الخطاب ﵁ في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا (^٤).
ص: (إذا أُعتق العبد وله زوجة حرة أو أمة؛ لم يكن محصنًا بوطئه قبل
_________________
(١) كذا في (ق) و«التبصرة» (١١/ ٦١٧٧)، وفي (ز ت): (سقطت).
(٢) «التبصرة» (١١/ ٦١٧٧).
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري في (صحيحه) رقم (٢١٥٢)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٤٤٤٥).
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١٦٠٢).
[ ٦ / ٣٩٩ ]
عتقه، حتى يطأها بعد عتقه، ثم يزني، فيكون محصنًا عليه الرجم، ولا تكون الأمَةُ محصَنَةً بوطئها في رقها، حتى توطأ بالنكاح بعد عتقها، والوطء بملك اليمين لا يُحصن، وإنما يُحصن الوطء [بعقد النكاح] (^١)، وإذا زنت أم الولد في حياة سيدها جلدت خمسين، أو بعد وفاته جُلِدت مئة، ووطء سيدها لا يُحصنها، والمكاتبة والمدبّرة والمعتقة إلى أجل والمعتق بعضها كالأمة).
ت: الإحصان أعلى الرُّتَب فلا بُدَّ أن تكون الحرية من شروطه، والوطء الواقع فيه لم يقع في حال الكمال فألغي، وأم الولد ونحوها أرقاء، عليهنَّ حد الرقيق، وبعد وفاة سيدها صارت حرَّةً عليها [حد] (^٢) الحرائر.
ص: (مَنْ أقرَّ بالزنا مرَّةً واحدةً وأقام على إقراره؛ لزمه الحد).
لما في «الموطأ»: أنَّ رجلًا اعترف بالزنا، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط، فأتي بسوط مكسور، فقال: «فوق هذا»، فأتي بسوط جديد لم تُقطع ثمرته، فقال: «دونَ هذا»، فأُتِي بسوط قد رُكِب به ولانَ، فأمر به رسول الله ﷺ فَجُلِد، ثم قال: «أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه مَنْ يُبدِ لنا صفحته نُقِم عليه كتاب الله».
والمقر مرةً أبدى صفحته.
وقوله ﵇: «واعد يا أُنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» (^٣)، ولم يقل: مرارًا.
_________________
(١) في (ز): (بالنكاح).
(٢) في (ق): (جلد).
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٣٩٣).
[ ٦ / ٤٠٠ ]
ولأنَّ الإقرار مرةً أقوى من البينة.
ولأنه حق ثبت بالإقرار، فلا يفتقر للتكرار، كسائر الحقوق.
وأما ترديده ﵇ لماعز مرارا؛ فلأنه ﵇ أنكر عقله، فتثبت في أمره؛ لأنه وجه لأهله فقال: «أَبِهِ جِنَّةٌ؟» (^١).
وقال أبو حنيفة: لا بُدَّ من أربع مرات في أربع مجالس، كالشهادة.
جوابه: لو كان الإقرار كالشهادة لم يُقبل رجوعه، كما لا يُقبل بعد الشهادة.
ص: (ومن رجع عن إقراره إلى شبهة سقط الحد عنه، وإن أكذَبَ نفسه ولم يرجع لشبهة ففي سقوط الحد عنه روايتان).
ت: الرجوع لشبهة كقوله: وطئتُ في نكاح فاسد، أو: دخلتُ على غير امرأتي فوطئتها وأنا لا أعلم، أو: وطِئتُ جاريةً مشتركةً بيني وبين غيري، أو في حال الحيض؛ فظننتُ أنه زنا، ونحو ذلك مما يلتبس على العامة، والحد يُدرأ بالشبهة.
قال ابن يونس: لا خلاف في ذلك عند مالك وأصحابه.
ووجه الحد في إحدى الروايتين إذا رجع لغير شُبهةٍ وأكذَبَ نفسه - وبه أخذ ابن القاسم -: القياس على سائر الحقوق.
ووجه الأخرى: أنَّ رسول الله ﷺ أُتي بسارق فقال له رسول الله ﷺ: «ما
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١٥٨٧).
[ ٦ / ٤٠١ ]
إخالُك سرقت) (^١).
ولا فائدة في هذا إلا أنه لو قال: لا (^٢)؛ قبل منه.
وقاله أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبو هريرة ﵃، ولا مخالف لهم.
ولأنه قول يلزَمُ فيؤثّر الرجوع فيه، كرجوع الشهود، ولأنَّ رجوعه شُبهة، والحد يدرأ بالشبهات.
ص: (إذا شهد على الزاني بالزنا أربعة شهود لزم الحد، إذا كانوا أحرارًا بالغين عدولًا مجتمعين غير مفترقين، ووصفوا رؤية الزنا من الزانيين، وولوج الفرج في الفرج كما يلجُ المِروَدُ في المُكْحُلَة، فإن افترقوا في أداء الشهادة حُدُّوا حد القذف، ولا حَدَّ على المشهود عليه).
ت أصل الشهادة على الزنا قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ [النساء: ١٥].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
ولأن عمر بن الخطاب ﵁ جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة؛ لتوقف الرابع.
واختصت (^٣) هذه الشهادة بأربعة لأوجه:
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي أمية المخزومي: أحمد في «مسنده» رقم (٢٢٥٠٨)، وأبو داود في «سننه» رقم (٤٣٨٠).
(٢) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (وفائدته أن لو قال: نعم).
(٣) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (وشدّد في).
[ ٦ / ٤٠٢ ]
أحدها: أنَّ القاذف لا ضرورة له إلى القذف، فغُلّظ عليه؛ ليتعذر عليه، فلا يُقدم على القذف.
وثانيها: أنَّ الستر مأمور به، ولما لم يكن على شهود الزنا القيام بها، فلما تركوا الستر غلظ عليهم؛ حتى لا يؤدُّوا.
ومن شرطها الاجتماع حالة الأداء، ويُخبروا عن فعل واحد في وقت واحد، ومعاينة الفرج في الفرج، كما تقدَّم، فإن افترقوا حُدُّوا، ولا يُحَدُّ المشهود عليه؛ لأنهم إذا افترقوا كان المتقدم قاذفا، ومع القذف لا شهادة.
ولأنهم مأمورون بالستر، فلما أقدموا على الهتك غلظ عليهم.
وقال أشهب: لا يضر الافتراق (^١)، كالقتل والسرقة.
وشُرِطَ الوصف الخاص في الفرجين ليتعذر عليهم ذلك في الأكثر، [ولينتفي] (^٢) وقوع الزنا.
واشترط اتحاد الموضع لأنَّ تعدُّده يقتضي تعدُّد الفعل، فلا يكمل النصاب في فعل واحد.
وينبغي للحاكم أن يسأل (^٣) الشهود عنه كيف صنع، فإن رأى في شهادتهم ما يدرأ به الحد درأه، وقد سأل رسول الله ﷺ الذي اعترف عنده: كيف صنع؛ لاحتمال أن يكون جهل وجه الزنا، فيسقط عنه الحد.
_________________
(١) «النوادر» (١٤/ ٢٣٨).
(٢) في (ز): (وليتيقن).
(٣) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (وينبغي سؤال).
[ ٦ / ٤٠٣ ]
ص: (إن رجع أحدهم عن شهادته، أو شك فيها قبل مُضِيّ الحدّ حُدُّوا كلهم (^١)؛ لأنهم صاروا قَذَفَةً، أو بعد مُضِيّ الحد حد الراجع أو الشاك وحده).
ت: إن رجعوا بعد الحد واعترفوا بتعمد [الزور] (^٢)، حُدُّوا.
قال ابن القاسم: ولا يُقتلون، ويضمنون الدية من أموالهم.
وقال أشهب: يُقتَصُّ منهم وإن لم يتعمدوا، فالدية على عواقلهم.
وإن رجعوا بعد الحكم وقبل إقامة الحد:
قال ابن القاسم في «الموازية»: يقام الحدُّ، فيُرجم المحصن ويغرمون الدية من أموالهم (^٣)؛ لأنه حكم نفذ.
وقال أيضا: لا يُرجم؛ لحرمة القتل (^٤).
وإن رجع أحدهم بعد الحدّ حُدَّ اتفاقًا؛ لاعترافه على نفسه بالقذف.
وقيل: يُحَدُّ الباقون؛ لأنَّ الزنا لم يثبت بأربعة.
وقيل: لا يُحَدُّون؛ لأنَّ الحكم ثبت ولم يرجعوا، ولا يُنقض الحكم بعد ثبوته، ورجوع هذا يُقبل فيما عليه دون ما عليهم (^٥).
فإن كان المشهود عليه بكرًا فجُلِد وغُرّب، ثم رجعوا واعترفوا بالعمد؛
_________________
(١) في (ق): (حُدَّ كلُّ واحدٍ منهم).
(٢) في (ق): (الكذب).
(٣) بنصه عنه في «التبصرة» (١١/ ٦١٨٥).
(٤) بنصه عنه في «التبصرة» (١١/ ٦١٨٥).
(٥) انظر: «التبصرة» (١١/ ٦١٨٩).
[ ٦ / ٤٠٤ ]
فعلى القول بأن العمد فيه القِصاصُ يُضرب كلُّ واحد من هؤلاء خمسة وعشرين سوطًا، ويُزاد في عقوبتهم لمكان التغريب، إلا أن يرجعوا قبل أن يُغرب، ويُضرَبُ كلُّ واحدٍ حد القذف ثمانين؛ لأنَّ المقذوف له حقان: حق للقذف وحق للقصاص (^١).
ص: (فإن قطع ثلاثة وتوقف الرابع؛ حُدَّ الثلاثة، ولا حَدَّ على الرابع) (^٢).
لأنَّ أربعة جاؤوا يشهدون عند علي ﵁، فشهد ثلاثة، وقال الرابع: رأيتهما تحت ثوب واحد، فحد الثلاثة.
ولأنهم قدفة لم يوجد ما يبرئهم، والمتوقف لم يقذف، والمشهود عليه لم يثبت عليه شيء فلا يُحد.
ص: (لا يُحَدُّ الغلام قبل احتلامه، ولا جارية قبل حيضتها).
ت: لقوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاث»، الحديث (^٣).
قال الأبهري: بلوغ الغلام بالاحتلام أو الإنبات، وفي النساء بالاحتلام أو الإنبات أو الحيض أو الحمل.
ولأنَّ الصبي لا يلزمه مهر ولا نفقة لامرأته، فكذلك الحد؛ لعدم التكليف. واختلف فيمن قارَبَ البلوغ:
_________________
(١) انظر ما سلف «التبصرة» (١١/ ٦١٨٨).
(٢) في (ق): (حد الثلاثة دون المتوقف).
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (١/ ٤٨٠).
[ ٦ / ٤٠٥ ]
قال مالك: يُحَدُّ إذا أنبت (^١)، فجعل الإنبات مقام البلوغ.
واستحب ابن القاسم أن لا يُحَدَّ وإن أنبت، حتى يحتلم (^٢).
ص: (لا حَدَّ على من زنا بجارية ولده (^٣)، بخلاف جارية الأب).
ت: لقوله ﵇: «أنت ومالك لأبيك» (^٤)، فله في مال ابنه شُبهة الإنفاق، بخلاف الولد ليس له في مال الأب شُبهة.
وتقوم على الأب، حملت أم لا، فإن لم يكن له مال بيعت عليه بعد الاستبراء في القيمة إن لم تحمل، فإن كان فيها فضل فهو للأب، أو نقص فهو على الأب وأتبع به.
وإنما قومت حتى يثبت له الملك؛ لئلا يصير الوطء لا في ملك ولا في نكاح.
ولأنه حرمها على الابن، فكأنه أفاتها.
وعن أشهب وابن وهب: لا يُحَدُّ الابن بجارية الأب (^٥)؛ لأن له في مال أبيه النفقة عند الحاجة على قول بعض العلماء.
والفرق عند مالك وابن القاسم: أنَّ الأب لا يجوز له أن (^٦) يتزوج أمة ابنه؛
_________________
(١) «المدونة» (١١/ ١٥٦).
(٢) انظر: «المدونة» (١١/ ١٥٥ - ١٥٦).
(٣) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (لا حد في جارية الابن).
(٤) أخرجه من حديث جابر ابن ماجه في (سننه) رقم (٢٢٩١).
(٥) نقله عنهما في «التبصرة» (١١/ ٦٠٨٣).
(٦) كذا في (ق)، وفي (زت): (وابن القاسم: أنه لا).
[ ٦ / ٤٠٦ ]
لأجل شبهة الملك (^١)، والولد يتزوج أمة والده؛ لأنه لا شُبهة له، ومَن له زواجها حُدَّ بالزنا بها، كالأجنبية.
قال ابن القاسم:: لا يُحَدُّ بأمة ابن ابنه (^٢)؛ لأنه لا يُقاد منه في ولد ولده، وتغلظ عليه الدية.
وقال أشهب: يُحَدُّ (^٣)؛ لأنه لا نفقة له عليه، وإنما قال ﵇: «أنت ومالك لأبيك» (^٤) في الابن دينه (^٥).
ص: (يُحَدُّ بجارية [امرأته]) (^٦).
لانتفاء الشبهة.
ت والولد لسيدة الأمة؛ لأنها مملوكة لها، ولا يلحق به.
وفي «الموطأ»: أنَّ رجلًا أصاب جارية امرأته، فذكرت امرأته ذلك لعمر بن الخطاب ﵁، فسأله عن ذلك، فقال: وهبتها لي، فقال له عمر: لَتَأْتِيَنِّي بالبينة وإلا رجمتك بالحجارة، فاعترفت امرأته أنها وهبتها له.
فإن أحلتها له فهذه شبهة تدرأ الحد.
قال ابن القاسم: كان جاهلًا أو عالمًا، وتُقوَّم عليه، حملت أم لا، وتُباع
_________________
(١) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (لأجل الشبهة).
(٢) «النوادر» (١٣/ ١٧٢).
(٣) «النوادر» (١٣/ ١٧٢).
(٤) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٤٠٦).
(٥) كذا صورتها في (ق) (ز)، وفي (ت): (ديته).
(٦) في (ق): (زوجته).
[ ٦ / ٤٠٧ ]
فيما لزمه من القيمة، ويتبع بالباقي دينًا في ذمته وليس لها التمسك بها بعد الوطء، بخلاف الشريك؛ لأنَّ وطء الشريك وطء عداء، وهذا أُذن له فإذا تمسكت بها صح له ما قصدته من عارية الفروج، ولا يؤمن أن تُحِلَّها له ثانية (^١).
قال الأبهري: إنما يسقط الحد إذا جهل أنها لا تَحِلُّ له بالإحلال، أما إن علِمَ أنَّ الإحلال لا يُحِلُّها حُدَّ، ولم يلحق به الولد؛ لانتفاء الشبهة.
ص: (لا حَدَّ في الجارية المشتركة بينه وبين غيره).
لقوله ﵇: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» (^٢).
قال مالك: ويؤدب إن لم يُعذر بجهل؛ لوطئه ملك غيره.
فإن لم تحمل فإن شاء الشريك تمسك بحصته، ولا صداق له، ولا ما نقصها؛ لأنَّ القيمة وجبت له فتركها وتمسك بها ناقصةً، وإن شاء قومها عليه ولا صداق له؛ لأنه مُتَعَدِّ عليه، فكان له الخيار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢]؛ أي: الحجة، ولأنَّ بالتقويم تقوية شبهة الوطء.
وإذا قومها على الواطئ وهو مُعسِرُ اتَّبعه به دينًا، على ما يتفقان عليه، من حلول أو تأجيل.
وإن حملت وهو مُوسِرُ فليس للشريك التماسك بنصيبه؛ لأنها ثبتت لها حرمة الاستيلاد، وتكون أم ولد، ولا قيمة في الولد؛ لأنه كالواطئ لملكه، فإن كان معسرا فله التمسك بحصته واتّباعُ الواطئ بنصف قيمة الولد؛ لأنه حُرّ لاحق
_________________
(١) في (ق): (مرة أخرى).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٣٩٧).
[ ٦ / ٤٠٨ ]
بأبيه، ولما لم يملك الأمة كلها لزمه نصف قيمة الولد؛ لأنه كالمفوت له على شريكه.
وله تقويمها عليه يوم الوطء، وفي «المدونة»: يوم الحمل؛ لأنه يوم الإتلاف، ويُباعُ منها بقدر ما لزمه من القيمة بعد أن تضع؛ لئلا يباع الولد وهو حر، ويتبعه بنصف قيمة الولد يوم الوضع دينا، وإن نقص الثمن عن نصف القيمة أتبعه بالناقص أيضا، ولا يباع من الولد شيء؛ لأنه حر ثابت النسب.
فإن مات قبل أن يُحكم عليه فعليه نصف قيمتها ونصف قيمة ولدها.
ص: (لا حدَّ على السيد في أمة عبده).
لأنَّ له انتزاع ماله، وهو أمكنُ من مال الولد؛ لأنَّ مال الولد لا يُنتَزَع. ومَنْ أحِلَّتْ له أَمَةٌ فوطئها فلا حد عليه، وقد تقدم في جارية الزوجة.
ص: (وَمَنْ زَوَّجَ أَمَته رجلا حُرًّا أو عبدًا حَرُمَ عليه وطؤها).
لأنه لا تباح امرأةً لرجلين، فإن وطئ فلا يُحد؛ لأنها ملكه، وهو من أقوى الشبهات.
ولو طلقها الزوج أو مات عنها وانقضت عِدَّتُها؛ حلَّتْ للسيد.
ت: فإن أتت بولد فهو للزوج؛ لأنه صاحب الفراش، إلا أن يكون الزوج معزولًا عنها مدةً في مثلها يبرأ الرَّحِم - قال أصبغ: ذلك حيضة أو قَدْرُها - فيُلْحق الولد بالسيد؛ لأنها أَمَتُه (^١).
_________________
(١) «النوادر» (١٣/ ١٤٦).
[ ٦ / ٤٠٩ ]
ص: (إن تزوج ذاتَ مَحرَمٍ عالمًا بتحريمها حُدَّ).
لانتفاء الشبهة.
أو خامسةً عالما بتحريمها حُدَّ.
وقال أبو حنيفة: لا يُحَدُّ في ذات المحرم.
لنا: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ [النساء: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥].
والمراد بالفاحشة الزنا.
ولأنه محرم بالإجماع، فأشبه ما لو قال لها: استأجرتك بهذه الدراهم لأزني بك.
ص: (من استكره حُرَّةً فعليه الحد والمهر).
ت: حُرَّا كان أو عبدًا، ولا حَدَّ عليها، لأنها مكرهة؛ لقوله ﵇: «حمل عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (^١).
وقال أبو حنيفة: لا صداق عليه.
لنا: القياس على الوطء بالشبهة.
_________________
(١) سبق تخريجه، انظر: (١/ ٤٨٠).
[ ٦ / ٤١٠ ]
ولأنهما حقان: الحدُّ والمهرُ، الله تعالى ولآدمي، فلا يسقط أحدهما بالآخر، كالدية والكفّارة في قتل الخطأ.
ولأنه استوفى منفعةً شأنها المقابلة بالعوض في العادة، فيجب عليه ذلك العِوَضُ، كسائر المنافع.
وإن كانت أمةً فعليه الحدُّ.
لأنه زان.
وما نقص من ثمنها.
لأنها جنايةٌ على مال، قال مالك في «المدوَّنة»: بكرًا كانت أو ثيبا، فإن لم يؤثّر الوطء نقصًا فلا غُرم عليه ولا مهر، كسائر الأموال.
فإن طاوعته ثيبا فلا شيء عليه، أو بكرا فما نقصها.
قال ابن يونس: الصواب أنَّ عليه نقصها بكرًا كانت أو ثيبا، وهو أشد من الإكراه؛ لأنها تُعَدُّ زانيةً، فقد أدخل [عليها] (^١) عيبًا.
وقال أشهب: لا شيء عليه في المطاوعة وإن كانت بكرا، كالحرة.
ص: (إن استكره النصرانيُّ حرَّةً مسلمةً على الزنا قُتِل، أو أمَةً فعليه العقوبة الشديدة وما نقص من ثمنها).
ت: قتله عمر بن الخطاب ﵁ بالحرة؛ لأنه ناقض للعهد.
قال الأبهري: إلا أن يُسلم.
_________________
(١) في (ز): (عليه)، ويكون عود الضمير للسيد.
[ ٦ / ٤١١ ]
فإن طاوعته:
قال مالك: لا حَدَّ عليه، ويُرَدُّ إلى أهل دينه، ويعاقب العقوبة الموجعة (^١).
قال أشهب: يتجاوز بذلك الحد (^٢).
وقال ربيعة: يُقتل، ورآه ناقضا للعهد (^٣).
قال مالك: وتُحَدُّ المرأة، وأما في الأمة فهو جان على مال، ولا يُقتل بالجناية على الأموال.
قال ابن حبيب: إذا غصَبَ حرَّةً مسلمةً قُتِل، والولد على دين أمه، ولو أسلم لم يُقتل؛ لأنه إنما يُقتل لنقض العهد لا للزنا، ولا يلحق به الولد، وعليه الصداق، وقاله أصبغ.
ص: (لا يحكم الإمام بعلمه في حد ولا غيره).
لأنَّ رسول الله ﷺ لم يحكم بعلمه في المنافقين؛ صونًا لعرضه، وكذلك القضاة.
وقال الصديق ﵁: لو رأيتُ أحدًا على حدّ من حدود الله تعالى ما أخذته به، ولا دعوتُ له أحدا، حتى يكون معي غيري.
(وفي حد السيد عبده وأمته بعلمه في الزنا روايتان:
_________________
(١) «اختصار المدونة» (٤/ ٥١٨).
(٢) «البيان والتحصيل» (١٦/ ٣٣١).
(٣) «البيان والتحصيل» (١٦/ ٣٣١).
[ ٦ / ٤١٢ ]
إحداهما: جوازه).
لأنه لا يُتَّهم؛ لأنه مُضِرٌّ (^١) بماله.
ولأنه تأديب، وله تأديب رقيقه.
(والرواية الأخرى: منعه).
قال في «المدونة»: لا يقيمه إلا أن يشهد عنده أربعة سواه، وإن كان السيد رابعهم لم يُحَدَّ؛ لأنه كالحاكم في رعيته (^٢).
ويقيم حد الزنا على عبده وأمته بالبينة والإقرار دون الإمام.
لما في مسلم: قال رسول الله ﷺ: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شَعَر» (^٣).
والتثريب: اللوم والتوبيخ، معناه: لا يقتصر على ذلك.
وفي النسائي: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (^٤).
ولا يقيم عليهما حد السرقة؛ لئلا يدعي الناس في المثلة ذلك.
ت: وكذلك لا يجرحه قصاصًا، فإن قطعه السيد دون الإمام، وكانت البينة التي شهدت بالسرقة عادلةً، وأصاب وجه القطع؛ عوقب.
_________________
(١) في (ز): (لا يُتَّهم أن يُضِرَّ).
(٢) «المدونة» (١١/ ٩٥ - ٩٦).
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٣٩٩).
(٤) أخرجه من حديث علي: أحمد في مسنده رقم (٤٤٧٣)، والنسائي في «سننه» رقم (٧٢٢٩).
[ ٦ / ٤١٣ ]
قال مالك في «المدونة»: ولا يقيم حد الزنا على أمته المتزوجة وإن شهد أربعة سواه، حتى يرفع ذلك إلى السلطان؛ لحرمة الزوج، [وعسى] (^١) أن يعتق ولده، فيقذف بأمه، فلا يُحَدُّ قاذفه.
وقال في «الموازية»: إذا كان زوجها حُرًّا، أما إن كان عبدا له؛ فله أن يقيمه (^٢)؛ لأن عبده ليس خصمًا له.
وقال أشهب: إن كان زوجها وغدًا لا عيب عليه في ذلك؛ أقامه (^٣).
ص: (ينبغي للإمام أن يُحضر في حد الزنا طائفة من المؤمنين الأحرار العدول، والطائفة: أربعة فصاعدًا، وكذلك السيد في عبده وأمته).
لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
وفائدة الأربعة: أن يرمي أحد هذا المحدود بالزنا، فيَخلُص من حد القذف بهم؛ لأنهم حضروا جَلدَه، وفائدتهم في العبد: إذا عَتَق، فشهد بين الناس، فيُحَدُّ المشهود عليه، ما لم يَرُدَّ شهادته بهؤلاء (^٤) الأربعة.
ت: اشترط الأربعة لأنه لا يَسقُطُ الحدُّ عن القاذف إلا بأربعة تشهد على المقذوف أنه حُدَّ في الزنا، أما السرقة والقذف والخمر فاثنان كافيان في ذلك.
_________________
(١) كذا في (ق) و«التذكرة» (١٠/ ١٩٣)، وفي (ز ت): (ويخشى).
(٢) «المختصر الكبير» (ص ٤٢٥).
(٣) بنصه في «النوادر» (١٤/ ٣٠٩).
(٤) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (إذا عتق، فشهِدَ، رَدَّ المشهود عليه شهادته بهذه).
[ ٦ / ٤١٤ ]
ص: (يجب على من لاط الرجم، وكذلك المفعول به (^١)، أُحصِنَا أم لا).
ت في أبي داود: قال رسول الله ﷺ: «من وجدتموه يعمل عمل قومِ لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (^٢).
وفي حديث: «أُحصنا أو لم يُحصَنَا».
وبه حكم الصديق ﵁.
ولأنه أشد من الزنا؛ لأنه لا يباح بعقد، والزنا يستباح بالعقد، فلذلك لم يُلحق بالزنا، فيرجمان إذا كانا حرّين بالغين.
ولا يثبت إلا بما يثبت به الزنا: من الإقرار أو البينة أربعة.
وقال أبو حنيفة: لا حد فيه، بل التعزير.
وقال الشافعي يُجلد البكر، ويُرجَمُ الثيب، كالزنا.
لنا: ما تقدم.
وقال أبو حنيفة: يثبت بشاهدين؛ بناءً على أنه ليس بِحَدِّ.
لنا: القياس على الزنا، بل هو أفحش، كما تقدم.
فإن كانا عبدين:
قال ابن عبد الحكم: يُرجمان (^٣)
_________________
(١) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (يجب على الفاعل والمفعول به في اللواط).
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس: أحمد في «مسنده» رقم (٢٧٣٢)، وأبو داود في «سننه» رقم (٤٤٦٢).
(٣) بنصه من غير عزو في «المنتقى» (٩/ ١٤٩).
[ ٦ / ٤١٥ ]
وقال أشهب: يُجلَد كلُّ واحدٍ خمسون (^١)؛ لأنهما لا يُرجَمان في الزنا.
قال ابن القاسم: لا صداق على الفاعل في طوع ولا إكراه، فإن كان المفعول به مكرها أو صبيا لم يُرجَم، ورُجم الفاعل.
قال: وليس في مساحقة المرأة المرأةَ حَدٌ، بل اجتهاد الإمام (^٢).
وقال أصبغ: [تُجلَد] (^٣) كلُّ واحدة خمسون، وعليهما الغُسل إن أنزلا (^٤).
وقاله ابن وهب (^٥).
ص: (من أتى بهيمة فعليه العقوبة، ولا تُقتل البهيمة، ولا بأس بأكلها).
ت قال ابن شعبان عليه الحد (^٦).
وعن الشافعي كقولنا.
وعنه: يُقتل.
وعنه: إن كان بكرًا جُلد وإلا رُجِم، كالزنا.
لنا: أنه معنى يوجب الحد في الآدمي، فلا يوجبه في البهيمة، كالقتل والقذف، ويعاقب لفعل المحرم.
_________________
(١) بنصه عنه في «المنتقى» (٩/ ١٤٩).
(٢) بتمامه عنه في «البيان والتحصيل» (١٦/ ٣٢٣).
(٣) في (ز): (تُحَدُّ).
(٤) بنصه عنه في «البيان والتحصيل» (١٦/ ٣٢٣).
(٥) عزاه إليه في «البيان والتحصيل» (١٦/ ٣٢٣).
(٦) بنصه عنه في «التبصرة» (١١/ ٦١٦٢).
[ ٦ / ٤١٦ ]
ولا تقتل البهيمة؛ لنهيه ﵇ عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة (^١).
وإذا ذُبحت؛ جاز أكلها إذا كانت مما يؤكل إذا ذُكِّي.
وللشافعية في ذلك قولان.
لنا: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١].
ولأنه أولج فيها جزءا منه، فلم تحرم به، كأصبعه.
وما روي عنه ﵇: «مَنْ أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه» (^٢)، فغير ثابت.
* * *
_________________
(١) أخرجه من حديث جابر: أحمد في (مسنده) رقم (١٤٤٢٣)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٥٠٦٣).
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس: أحمد في (مسنده) رقم (٢٤٢٠)، وأبو داود في (سننه) رقم (٤٤٦٤).
[ ٦ / ٤١٧ ]