(إذا قُتل رجلٌ فادَّعى ولَاتُه أَنَّ رجلًا قتله عمدًا، وأَتُوا بِلَوث على قتله؛ وجبت لهم القسامة، فإذا أقسموا قتلوا به قاتله).
ت: أصل ذلك أنَّ عبد الله بن سهل ومُحَيّصة بن مسعود خرجا إلى خيبر، فتفرقا في حوائجهما، فقُتل عبد الله بن سهل، فقدِمَ مُحَيّصة، فأتى هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل لرسول الله ﷺ، فذهب عبد الرحمن ليتكلم - لمكانه من أخيه - فقال له رسول الله ﷺ كبر كبر، فتكلَّم مُحَيَّصةٌ وحُوَيّصة، فذكرا شأن عبد الله بن سهل، فقال لهم رسول الله ﷺ: «أتحلفون خمسين يمينا، وتستحقون دم صاحبكم، - أو: قاتلكم» فقالوا: يا رسول الله، لم نشهد ولم نحضر، قال رسول الله ﷺ: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا؟، قالوا: يا رسول الله، كيف نقبل أيمان قوم كفار؟
قال يحيى بن سعيد: فزعم بشير أنَّ رسول الله ﷺ وداه من عنده. أخرجه «الموطأ» (^١).
فجعل الدم يُستحَقُّ بأيمانهم.
وكان اللوث كافيًا في القسامة، ويَحلِفُ الطالب؛ لأنَّ الدماء يقصد بها المواضع الخالية، فتتعذر إقامة البيئة، فلولا ذلك لضاعت الدماء.
ويُستحق بالقسامة الدية والقود.
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١٦٨٨)، والبخاري في (صحيحه) رقم (٧١٩٢)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٤٣٤٩).
[ ٦ / ٣١٦ ]
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يُقتل بالقسامة؛ لضعفها.
لنا: قوله ﵇: «وتستحقون دَمَ صاحبكم» (^١)، الحديث المتقدم، ولولا ذلك ضاعت الدماء، كما تقدم تقريره.
ص: (شهادة الشاهد الواحد لوث يوجب القسامة، وفي النساء روايتان، والواحد والجماعة إذا لم يكونوا عدولًا أيضًا روايتان).
ت: العدل الذي يرى أنه حاضر القتل (^٢)؛ لأنه يغلب على الظن ويقوي جهة المدعي، كما في الأموال.
ولا يُقسم مع [شاهده] (^٣) مسخوط، وكذلك النساء والصبيان (^٤).
وبذلك أخذ ابن القاسم (^٥).
وعن مالك في غير العدل والمرأة روايتان (^٦)؛ لأن المقصود ما يَغلِبُ على الظن ويبيح الحلف، ولأنَّ غالب شهادة الزور - وإن وقعت - لا تقع في الدماء، وكذلك اللفيف من الصبيان.
ولأن القصاص مستند للقسامة، فإن حلفوا استحقوا القتل بقسامتهم لا بشهادة
_________________
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) انظر: «النوادر» (١٤/ ١٣٧ - ١٣٨)، و«الجامع» (٢٣/ ٨٢٢).
(٣) كذا في (ز) و«النوادر» (١٤/ ١٣٨)، وساقط من (ت).
(٤) بنصه في «النوادر» (١٤/ ١٣٨)، و«الجامع» (٢٣/ ٨٢٢)، وانظر: «المدونة» (١١/ ٣٥٨).
(٥) هو قول ابن القاسم، وابن وهب، وابن عبد الحكم، انظر: «النوادر» (١٤/ ١٣٨)، و«الجامع» (٢٣/ ٨٢٢).
(٦) انظر: «النوادر» (١٤/ ١٣٨)، و«الجامع» (٢٣/ ٨٢٣).
[ ٦ / ٣١٧ ]
النساء، والممنوع إنما هو القتل بشهادتهنَّ ولم يقع، والثابت في الحقيقة بشهادتهن إنما هو القسامة لا القصاص.
قال: فليس شهادة العبيد من ذلك.
ووجه أنَّ النساء لا يقبلن: أنه لا مدخل لهنَّ في قتل العمد، ولا يُقسَمُ معهنَّ.
قال اللخمي: أرى أن لا يُقسم إلا مع العدل والمرأة العدلة وجماعة من غير العدول كالخمسة إذا كانوا لا بأس بحالهم، وإن كانوا ساقطين من الحال فمثل العشَرَةِ، وهذا يُعرف عند المباشرة، ولا مدخل للكفار في ذلك؛ لأنهم أعداء (^١).
ص: (إذا وُجِد بقرب المقتول رجل معه سيف أو آلة قتل، وعليه آثار القتل؛ فهو لوث يوجب القسامة).
لأنها قرائن قوية تغلب على الظن، وفي حديث مُحيصة: فإذا هم بصاحبهم يتشحط في الدم، فيكون وُجِد بقُرب عبد الله جماعة من اليهود.
وروى الباجي أنَّ بعض أصحابنا يقول: العداوة لها تأثير في القسامة (^٢).
وأيمان القسامة مغلظة بخلافها في سائر الحقوق، فيحلف فيها في المسجد الأعظم بعد الصلاة عند اجتماع الناس فيه، ويُجلب لمكة والمدينة وبيت المقدس من وجبت عليهم قسامةٌ في أعمالها، ولا يُجلب لغيرها إلا من المكان القريب.
ت: ويحلف أن فلانا قتله أو ضربه، ومن ضربه مات.
_________________
(١) بتمامه في «التبصرة» (١١/ ٦٤٦٠ - ٦٤٦١).
(٢) بنصه في «المنتقى» (٨/ ٤٤٢)، وانظر: «النوادر» (١٤/ ١٣٦).
[ ٦ / ٣١٨ ]
قال مالك: ولا يزيد الرحمن الرحيم على: والله الذي لا إله إلا هو (^١).
وقال المغيرة: يزيدها (^٢).
وإن قال: والله، فقط؛ لا يُقبل حتى يقول: الذي لا إله إلا هو (^٣).
قال مالك: اليمين في القسامة على البنّ، وإن كان أحدهم أعمى أو غائبًا عند القتل.
قال مالك: يحلفون بالمدينة عند منبر النبي ﷺ، وفي غيرها في الجامع (^٤).
والإجماع على أنها خمسون (^٥)؛ لِغِلَظ الدماء؛ لئلا يسرع المدعي ليقتل عدوه.
وقال عبد الملك: يحلف: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة (^٦)؛ لأنه يوجب التأخير عن الحلف كذِبًا.
وغُلِّظ بعقب الصلاة؛ لأنه مظنَّة إجابة الدعاء والأذكار واجتماع الناس، فتكون الآثام فيها أقبح.
ويُجلب للمواضع الثلاثة؛ لأنَّ النذر يلزم فيها دون غيرها، ولا يُجلب لغيرها؛ لأنه يشق على الناس، وانخفاض رتبتها.
_________________
(١) «المدونة» (١١/ ٣٥٧)، و«النوادر» (١٤/ ١٨٣)، و«الجامع» (٢٣/ ٨٤٠).
(٢) «النوادر» (١٤/ ١٨٣)، و«الجامع» (٢٣/ ٨٤٠).
(٣) بتمامه في «الجامع» (٢٣/ ٨٤٠).
(٤) بنصه في «الجامع» (٢٣/ ٨٤٢).
(٥) «النوادر» (١٤/ ١٨٥ - ١٨٦)، و«الجامع» (٢٣/ ٨٤٢ - ٨٤٣)، و«التبصرة» (١١/ ٦٤٤٩).
(٦) بتمامه في «النوادر» (١٤/ ١٨٣)، و«الجامع» (٢٣/ ٨٤٠ - ٨٤١).
[ ٦ / ٣١٩ ]
قال مالك في «النوادر»: يُجلب للثلاث من عشرة أيام، ولغيرها من عشرة أميال (^١).
وعنه: لا يُجلب للمدينة من كان على ليالٍ، ويُجلب القريب (^٢)؛ لقوله ﵇: «من حلف على منبري هذا يمينًا كاذبةً فليتبوأ مقعده من النار»، قيل: يا رسول الله، وإن كان يسيرًا؟ قال: «وإن كان سواكًا من أراك» (^٣).
فلذلك غلظ بالمنبر.
قال ابن القاسم: يحلفون قيامًا (^٤).
وقال عبد الملك: قعودًا.
* ص: (يبدأ في القسامة بالمدعين دون المدعى عليهم، فيحلفون خمسين يمينًا، ويستحقون القود إذا كان عددهم ما بين خمسين رجلًا إلى رجلين، ولا يُقسم في العمد رجل واحد).
* ت: لأنَّ رسول الله ﷺ بدأ بالمدعين في الحديث المتقدم، وثنّى باليهود بعد نكول الأولياء، ولأنَّ القاعدة التبدئة بمن قوي سببه بيد أو شاهد، والمدعون معهم اللوث.
وقدم أبو حنيفة المدعى عليهم.
_________________
(١) «النوادر» (١٤/ ١٨٥)، و«الجامع» (٢٣/ ٨٤٢).
(٢) بنحوه في «المختصر الكبير» (ص ٢٨٨).
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (٦/¬٤٧).
(٤) انظر: «النوادر» (١٤/ ١٨٣)، و«الجامع» (٢٣/ ٨٤٢).
[ ٦ / ٣٢٠ ]
وكما لا يُقبل شاهد واحد لا يُقسم رجل واحد، ولأن الواقع في الحديث حويصة ومُحَيَّصَة وعبد الرحمن بن سهل، وليس فيهم مستحق للدم إلا عبد الرحمن بن سهل؛ لأنه أخ، فدل على أنَّ الواحد غير كافٍ، وإلا لاقتصر على عبد الرحمن.
ويدل على ملاحظة الشهادة أنَّ النساء لا يُقسمن؛ لأنهن لا يشهدن في الدماء، فلا يُقسم الواحد.
فإن كان ولي الدم حلف معه غيره من ولاة الدم، وإن لم يكن مثله في القُعْدُد، وإلا رُدَّت الأيمان، كما ضم رسول الله ﷺ حُوَيْصَة ومُحَيَّصَةَ للأخ؛ لأنهما عصبة.
ويُقسم الواحد في الخطأ؛ لأنه مال.
ص: (لا تُقسم امرأة ولا جماعة النساء فيه).
ت بخلاف الخطأ، ولا عفو لهنَّ في العمد؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانَا﴾ [الإسراء: ٣٣]، فالولي رجل؛ لقوله ﵇: «لا نكاح إلا بولي» (^١).
وكما لا تتولى القضاء والصلاة وغيرهما لا تتولى القتل ولا عفوه؛ لضعف عقلها عن معرفة العواقب في العفو والقتل، وكأنه ﵇ خاطَبَ الرجال في حديث مُحَيَّصَة، ولم يسأل عن النساء.
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي موسى: أحمد في «مسنده» رقم (١٩٥١٨)، وأبو داود في «سننه» رقم (٢٠٨٥)، والترمذي في «سننه» رقم (١١٢٦).
[ ٦ / ٣٢١ ]
ص: (إذا كان أولياء الدم أكثر من خمسين ففي الاقتصار على خمسين، أو يحلفون كلهم وإن زادت الأيمان على الخمسين، روايتان).
وجه الأولى: أنَّ الحديث ليس فيه إلا خمسون، وكما لو شهد بالدم شاهدان، لا حاجة للزائد.
وجه الثانية: أنَّ لكلّ واحد نصيبا في الدم، فيحلف حتى يستحِقَّ. ولأنه ليس البعض أولى من البعض.
فإن أراد أن يحلف منهم اثنان تطوعًا عن الباقين: جوزه ابن القاسم (^١).
قال ابن يونس: إذا لم يترك الباقي نكولًا، كما يحلف الكبير عن الصغير (^٢).
وقال أشهب وعبد الملك: ليس لهما ذلك (^٣).
فإن أبوا إلا ذلك فهو كالنكول (^٤)؛ لأنَّ رسول الله ﷺ خاطب الجميع.
وفي رواية: «يحلف منكم خمسون رجلا» (^٥).
ص: (إذا نكل واحد من المدعين فهل لمن بقي الحلف واستحقاق نصيبهم من الدِّية، أو لا دية لهم وتُرَدُّ الأيمان على المدعى عليهم؟).
_________________
(١) نقله عنه في «الجامع» (٢٣/ ٨٤٣).
(٢) «الجامع» (٢٣/ ٨٤٣ - ٨٤٤).
(٣) انظر: «النوادر» (١٤/ ١٨٦)، وبنصه عنهما في «الجامع» (٢٣/ ٨٤٣).
(٤) بنصه من كلام ابن الماجشون، انظر: «الجامع» (٢٣/ ٨٤٣)، و«النوادر» (١٤/ ١٨٦).
(٥) أخرجه أبو داود في «سننه» رقم (٤٥٢٦).
[ ٦ / ٣٢٢ ]
رواتان.
ت: أخذ بالثانية ابن القاسم؛ لأنَّ الحق لجميعهم، فليس بعضهم بإثباته
أولى.
وجه الأولى: القياس على النكول في قتل الخطأ، وأثر النكول في إسقاط القتل، فينتقل إلى الدية؛ لأنها بدل عند التعذّر.
وعن مالك: إذا بقي اثنان فصاعدا، حلفا واستحقا نصيبهما من الدِّية (^١).
قال اللخمي: ينبغي وإن كان واحدًا أن يحلف خمسين يمينا ويستحق؛ لأنَّ الأموال إلى الخطأ، والخطأ يحلف فيه واحد.
وعن مالك الفرق بين البنين والعمومة وأبنائهم، ومَنْ بَعُد مِنَ العصبات، فغير البنين إذا نكل بعضهم؛ يحلف الباقون إذا كانوا اثنين فصاعدا، ويقتلوا؛ لأنهم لا عفو لهم عنده إلا باجتماعهم بخلاف البنين (^٢).
وجه التسوية: أنَّهم ولاة الدَّم، هذا حكم من هو مساو لغير الناكل، فلو نكل واحد من البنين؛ فلا يبطل حق الباقين إذا كانوا اثنين فصاعدا لعدم اعتبارهم في أصل الدم.
ص: (إن أقسموا فعفا بعضُهم؛ سقط الدم، ولمن بقي أنصباؤهم من الدية إذا كانوا بنين، أو بني بنين، أو إخوة، أو بني إخوة، أما العمومة وبنوهم إذا نكل واحد عن القسامة، ففيها روايتان:
_________________
(١) بتمامه عنه في «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٢).
(٢) «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٢).
[ ٦ / ٣٢٣ ]
إحداهما: أن لمن بقي أن يُقسموا ويقتلوا.
والأخرى: أنَّ القَوَد ساقط، وهل يُقسمون ويستحقون أنصباءهم من الدية، أو لا عفو ولا دية، وتُردُّ الأيمان؟ تتخرج على روايتين).
ت: سقوطه عند العفو؛ لأنَّ الدم لا يتبعض، ويصير كعمد المأمومة (^١).
ولأن الأبناء والإخوة، والأب لا يدانيهم أحد، فلا يتهم أحدهم في العفو، وغيرهم يتهم، فمن طلب القود أولى من العافي.
وألحق مالك مرَّةً العمومةَ وبنيهم بالبنين والإخوة؛ لاستواء نَسَبهم إلى المقتول، ففيه العفو (^٢)، ولاحظ مرَّةً ضعفهم؛ فاشترط اجتماعهم في العفو.
وإذا صح العفو:
قيل: للباقين نصيبهم من الدية (^٣).
قال عبد الملك: لا أرى ذلك إلا أن يشترط العافي شيئًا من الدية أو غيرها (^٤)؛ لأنَّ الحقَّ القَوَد وقد سقط، والبدل محتاج لسبب، من شرط أو غيره.
وإذا رُدَّت الأيمان:
قال مالك في «الموطأ»: فإن كان المُدَّعى عليه واحدا، حلف خمسين يمينًا وبرئ، بخلاف المدعين (^٥).
_________________
(١) انظر: «النوادر» (١٤/ ٩٣).
(٢) انظر: «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٣).
(٣) بنصه في «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٣).
(٤) بتمامه عنه في «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٣).
(٥) «الموطأ» (ص ٦٧٥).
[ ٦ / ٣٢٤ ]
والفرق: أنَّ الأيمان إذا تعذَّرت من جهة أولياء المقتول؛ رجع لأيمان القاتل، والقاتل إذا تعذَّر؛ لا يجد شيئًا يرجع إليه لتبرئته.
فإن كان المدَّعى عليهم خمسين فأقل:
قال في «مختصر ابن عبد الحكم»: لا يبرأ واحد منهم حتى يحلف خمسين يمينا (^١).
وقال في «الموطَّأ»: يحلف الخمسون خمسين (^٢)
فإن قصروا عن الخمسين رُدَّت الأيمان على من حلف منهم (^٣)؛ لقوله ﵇: «تبرئكم يهود بخمسين يمينا» (^٤).
ولأن الأيمان من الجهتين سواء، كسائر الحقوق.
ولاحظ في الأول: أنَّ كلَّ واحدٍ يطلب براءته، والذي يبرئ من الدم هو الذي يُثبته.
ص: (إذا رُدَّت الأيمان على المدَّعَى عليهم فنكلوا؛ حبسوا حتى يحلفوا، فإن طال حبسهم تُرِكوا، وعلى كل واحد جلد مئة وحبس سنة)
ت: لأنه لم يتقرَّر موجِبُ الاستحقاق، بل أضعَفَ وُلاة الدم جهتهم بترك الأيمان
_________________
(١) «المختصر الكبير» (ص ٣٧٦).
(٢) «الموطأ» (ص ٦٧٥).
(٣) بنصه من كلام مالك في «الموطأ» (ص ٦٧٥).
(٤) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٣١٦).
[ ٦ / ٣٢٥ ]
وقال أشهب: عليهم دِيَةُ المقتول تلزمه في ماله (^١)؛ لأن نكوله كاعترافه مع اللوث، فقد اجتمع سببان، ولا تحمله العاقلة؛ لأنَّها لا تحمل اعترافًا، وهذا بمنزلة الاعتراف.
وفي الدَّارقطني: أنَّ رجلًا قتل عبده عمدًا، فجلده رسول الله ﷺ مئة جلدة، ونفاه سنة (^٢)، فكذلك هؤلاء؛ ردعًا لهم.
وهذا حق الله تعالى، لا يسقط بنكول المطالب ولا عفوه، كالزاني البكر، لما زال عنهم الرجم جُلِدَ وغُرِّب، ولا سبيل لقتله؛ لأن نكوله قد يكون تورُّعًا، ولأن المال لا يثبت بمجرد النكول مع شاهد، فالدَّم أولى.
* ص: (لا حَقَّ في الدم للبنات مع البنين، ولا لبنات الأبناء مع بني الأبناء، ولا للأخوات مع الإخوة).
ت: لأنَّ سببهم أقوى؛ لجمعهم بين القرابة والعصبة، وحسن نظر في الأمور، ولا يتهمون كما يتهم غيرهم من العصبة.
واختلف في النساء:
فقال مالك مرة: لا مدخل لهنَّ في الدم (^٣)، ثبت ببينة أو قسامة، فإن عفوا عن الدية دخل فيها النساء على فرائض الله تعالى، ويُقضَى منها دينه.
وإن عفا أحد البنين سقط حقه من الدية، وكان بقيتها بين من بقي على
_________________
(١) انظر: «التبصرة» (١١/ ٦٥٥١).
(٢) أخرجه الدارقطني في «سننه» رقم (٣٢٨٢).
(٣) بنصه عنه في «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٥ - ٦٤٥٦).
[ ٦ / ٣٢٦ ]
الفرائض، الزوجة وغيرها.
وإن عفا جميع البنين فلا شيء للنساء من الدية، بخلاف إذا عفا البعض.
والإخوة والأخوات إذا استووا كما تقدَّم في البنين والبنات، وإذا أسقطوا جميعهم سقط الدم، [فتعذَّرت] (^١) الدية؛ لأنَّ العمد قَوَدٌ كلُّه، فلا حُجَّةَ للزوجة على القاتل، وإذا بقي من له الحق، وسَقَط القود، وطالب بالدية، فدخل معه غيره.
وقال أيضا: لهنَّ (^٢)؛ لأنهنَّ لمَّا استووا في الدية، فكذلك مبدلها، وهو القتل، [وهنَّ ثُلُثُ خاصَّة البنات] (^٣)، وبناتِ الابن وإن سفلن، ووالأخوات (^٤).
وقال مالك وابن القاسم: تقدم البنات على الأخوات (^٥).
وقال أشهب الأخوات عصبات البنات، فلا عفو إلا باجتماعهنَّ. (^٥).
واختلف في البنات والأم:
فقيل: البنات أولى في العفو والقتل (^٥).
وقال ابن القاسم: لا تسقط الأم إلا مع الأب والولد الذكر، فعلى هذا لا يصح عفو إلا باجتماعهن (^٥).
_________________
(١) غير واضحة في (ز ت)، والمثبت أقرب ما يظهر منها.
(٢) نقله عنه في «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٦).
(٣) كذا في (ز)، وغير واضحة في (ت)، وعبارة «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٦)، و«التذكرة» (١٠/¬٣٥): فذلك إلى ثلاث، وهن البنات.
(٤) بتمامه من كلام اللخمي في «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٦).
(٥) بنصه عنه في «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٦).
[ ٦ / ٣٢٧ ]
قال اللخمي: الأول أحسن؛ لتقدم البنوة على الأبوة، فإذا تقدم الابن على الأب قدّمت البنتُ على الأم، والأم مقدمة على الأخوات.
ويتفق في هذا ابن القاسم وأشهب، وليس الأخوات عصبة للأم (^١).
ص: (مَنْ قُتِل وله عصبةٌ متباعدون، وله أم أو ابنة أو أخت، فأراد العصبة أمرًا، وأراد النساء خلافه، فثلاث روايات: إحداهن: أنَّ القول للعصبة دون النساء؛ لأنهم أعلم بالعواقب، والتعصيب راجح على غيره؛ لأنَّ الدَّم يُستحَقُّ بالنُّصرة، وليس أهلا لها، والأخرى: أنَّ القول قولُ مَنْ طَلَبَ القَودَ من العصبة والنساء جميعًا؛ لأنه الأصل، ولأنَّ العصبة يتهمون في العفو بأخذ المال).
ت في «المدونة»: لا عفو إلا باجتماعهم، إلا أن يعفو بعض البنات وبعض العصبة، ويُعطَى مَنْ بَقِيَ حقّه من الدية (^٢)؛ لأنَّ البنات أقرب، والعصبة أقعد، فلا بد من اجتماعهم.
والثالثة: أنَّ القول قول من عفا.
وهو الصحيح؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ له حق في الطلب، فإذا عفا سقط الدم؛ لأنه لا يتبعض.
وقيل: إن ثبت بالبينة فلهنَّ العفو دون العصبة، أو بالقسامة فلا عفو لهنَّ؛ لأنَّ الدم استحقه العصبة.
_________________
(١) بنصه في «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٦).
(٢) «المدونة» (١١/ ٣٥٢).
[ ٦ / ٣٢٨ ]
وقيل: إِنَّ مَنْ يحوز الميراث - كالبنت والأخت - فلا عفو إلا باجتماعهم إذا كان القتل بالقسامة أو ببينة، فلا مقال للعصبة، وإن كن بنات [و] (^١) إخوة، أو أخوات وعصبة ممن لا يحوز الميراث دون العصبة، فثلاثة أقوال:
ففي «المدونة»: لا عفو إلا باجتماعهم، ومن طلب القتل فذلك له، كان ببينة أو قسامة؛ نظرًا لقرب النساء وقوة العصبة بالتعصيب، فاستووا.
الثاني: إن ثبت بالبينة، فالنساء أولى بالعفو والدم، أو بالقسامة فلا عفو إلا باجتماعهم، ولأنَّ القسامة من جهة العصبة، فقووا بذلك، ومن قام بالدم قدّم.
وعن مالك: لا مدخل للنساء في الدم جملةً من غير تفصيل، والنساء اللاتي لهنَّ مدخل في الدم على المشهور: البنات دون بناتهن، وبنات الأبناء الذكور وإن سفلن دون بناتهنَّ، والأخوات للأب، كان شقائق أو لأم (^٢).
واختلف في الأم:
قال ابن القاسم: لها القيام بالدم (^٣)، قياسًا على الأب، ولتقدم الشقيق بها على الأخ للأب، فدل ذلك على أنَّ لها مدخلا.
ومنعه أشهب (^٤)؛ لأنها ليست عصبةً، كالزوجة.
وعلى الأول؛ عن مالك: تُقدَّم على العصبة؛ لأنها أحد الأبوين.
وعنه: في أم وأخ وعصبة: لا عفو لها دونهنَّ؛ لأنها لا ترث بالتعصيب،
_________________
(١) في (ز): (أو)، ومحو في (ت)، والمثبت من «التذكرة» (١٠/¬٣٨).
(٢) بتمامه من رواية ابن القصار عن مالك، انظر: «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٥ - ٦٤٥٦).
(٣) نقله عنه في «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٦).
(٤) ذكره عنه في «التبصرة» (١١/ ٦٤٥٦).
[ ٦ / ٣٢٩ ]
وأما الأم مع البنات فهُنَّ أحقُّ منها، قاله في «الموازية».
ص: (إذا قُبلت الدِّية في العمد ورثها جميع من يرث الميت على الفرائض، ويُقضَى منها دينه، ولا تدخل الوصايا).
لأنَّه لم يعلم بها عند الوصية؛ لأنَّ الضحاك بن سفيان كتب إليه النبي ﷺ: «أن يورث امرأة أشْيَم من دية زوجها» (^١).
ص: (ولا يُقتل بالقسامة إلا رجل واحد، ويُقتل بالإقرار والبيّنة الجماعة بالواحد).
ت: القسامة ضعيفة عن الإقرار والبيّنة، فلا يُقتل بها إلا واحد، ولا يُقسم إلا على رجل واحد؛ لقوله ﵇: «يُقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته» (^٢).
ولأنه لا يُقتل إلا واحد، فلا فائدة في الزيادة.
وقال أشهب: يُقسمون على واحد، أو اثنين، أو أكثر، أو على جميعهم، ولا يقتل إلا واحد؛ لقوله ﵇: «تقسمون وتستحقون دم صاحبكم» (^٣)، ولم يقل
_________________
(١) أخرجه من حديث الضحاك بن سفيان: أحمد في «مسنده» رقم (١٥٧٤٦)، وأبو داود في «سننه» رقم (٢٩٢٧)، والترمذي في «سننه» رقم (١٤٧٤).
(٢) أخرجه من حديث سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خديج: البخاري في «صحيحه» رقم (٦١٤٢)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٣٤٣).
(٣) أخرجه من حديث سهل بن أبي حثمة: البخاري في «صحيحه» رقم (٧١٩٢)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٣٤٩).
[ ٦ / ٣٣٠ ]
على واحد؛ لأنها تُحَقِّق الدعوى، فتكون مطابقة لها، ويعينون بعد ذلك.
وإذا قُتِلَ واحدٌ ضُرِب الباقي مئةً، وحبس عامًا.
ولأنه يجوز أن يُقتل، فسقوط القتل عنه كسقوطه عن الزاني البكر لو كان محصنًا (^١) لَرُجِمَ، والبكرُ يُضرب ويُحبَس، فكذلك هذا، وقد جمعهما الله تعالى في الآية بقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، فلما كان الزاني إذا سقط عنه القتل يجلد، فكذلك هذا.
قال سحنون: إن اتَّحد الضرب - كما لو حملوا صخرةً - أُقسم على جميعهم، ويُقتلون في العمد، والدية على عواقلهم في الخطأ (^٢).
وقتل عمر ﵁ سبعة بواحد.
وقال ابن عباس ﵁: يُقتل مئة بواحد (^٣).
والقسامة ضعيفة عن البينة، والإقرار، فيقتصر على واحد.
ص: (إذا اختلف ولاة الدم، فقال بعضُهم: قُتِل عمدًا، وقال بعضُهم: خطأً، أقسموا كلهم على قتله، ووجبت لهم الدية، وتعذر القتل).
لاختلافهم فيه، ولا خلاف في ذلك، وإنما اتفق على أصل القتل، وتجوز الدية في العمد، ولا يجوز القود في الخطأ.
وإن قال بعضهم: لا علم لنا بقتله، وقال بعضُهم: قُتِل عمدًا؛ لم يُقسم
_________________
(١) هنا آخر السقط في نسخة (ق).
(٢) «التبصرة» (١١/ ٦٤٩٨).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» رقم (١٨٠٨٢).
[ ٦ / ٣٣١ ]
واحد منهم، ورُدَّت الأيمان على المدَّعى عليهم.
لعدم اتفاقهم على القتل، فلا تتحقق الدية؛ لأنها فرع أصل القتل.
وإن قال بعضهم: قُتِل خطًا، وقال بعضهم: لا علم لنا بقتله؛ أقسم مدَّعُوا الخطأ، واستحقوا أنصباءهم من الدية.
لأنَّ الخطأ مال، فمن ادعاه استحق نصيبه بطريقه.
ت: إذا اختلفوا في العمد والخطأ ظاهر «المدونة» أنَّ الدية كلها على العاقلة؛ لقوله: استحقوا دية الخطأ (^١).
قال أشهب لمن أقسم على الخطأ نصيبه على العاقلة، ولمن أقسم على العمد نصيبه في مال القاتل (^٢).
قال اللخمي: وهو أحسن (^٣).
فإن نكل مُدَّعُوا الخطأ بطل الدم ولم يكن لمن ادعى منهم العمد الحلف، ولا دم لهم ولا دية.
وإن نكل مدَّعُوا العمد حلف مدعوا الخطأ، ولهم نصيبهم من الدّية.
وإن قال بعضهم: قُتِل خطًا، وقال بعضهم: لا علم لنا بقتله؛ حلف مدَّعُوا الخطأ خمسين يمينا واستحقوا أنصباءهم من الدية، فإن أراد الناكلون الحلف بعد ذلك وأخذ نصيبهم من الدية لم يكن لهم ذلك (^٤).
_________________
(١) «المدونة» (١١/ ٣٤٣ - ٣٤٤).
(٢) «النوادر» (١٤/ ١٥٠)، و«التبصرة» (١١/ ٦٤٩٠ - ٦٤٩١).
(٣) «التبصرة» (١١/ ٦٤٩١).
(٤) انظر: «المختصر الكبير» (ص ٣٧٧).
[ ٦ / ٣٣٢ ]
قال الأبهري: كان القياس أن لا يحلف مدَّعُوا الخطأ؛ لعدم اتفاقهم على أصل القتل (^١)، وإنما أقسم مدَّعُوا الخطأ خمسين يمينا ليثبت أصل القتل.
ص: (إذا طلب مستحِقُّ القَوَدِ المالَ، وأبى ذلك القاتل وبذل نفسه؛ فهل القول قول القاتل، أو الخيار لولي المقتول في القتل، أو العفو وأخذ الدية؟ رواتان).
ت: لأن ترك المال للوارث مضارة لولي الدم.
ولقوله ﵇: «مَنْ قُتِل له قتيل فأهله بين خيرتين: بين أن يقتلوا أو يعفوا ويأخذوا الدية»، أخرجه «الصحيحان» (^٢).
أو نلاحظ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فيتعين.
فإن عفا بعض الأولياء أخذَ غير العافي نصيبه من الدية من مال الجاني؛ لأن الدم لا يتبعض
ص: (لا قسامة في عبد ولا أمَةٍ ولا ذمي ولا جراح، وإنما القسامة في الأحرار المسلمين، رجالهم (^٣) ونسائهم).
_________________
(١) بتمامه من كلام الأبهري في «شرح المختصر الكبير» (ص ٢٤٩).
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري في «صحيحه» رقم (٦٨٨٠)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٣٣٠٦).
(٣) كذا في (ق)، وفي (ز): (في قتل الرجال الأحرار)، وفي (ت): (في قتل رجال الأحرار)، والمثبت يوافق «التذكرة» (١٠/¬٤٨).
[ ٦ / ٣٣٣ ]
ت: كانت الدعوى على حرٍّ مسلم، أو عبد، أو ذمي، فالقسامة خمسون يمينا، ولا قسامة فيما ذكرناه [أولا] (^١)، قتَلَهُ حُرٌّ أو عبد، أو مسلم أو كافر.
قال مالك: إن أقام شاهدًا أنَّ فلانًا قتل عبده عمدًا أو خطأ، حلف مع شاهده يمينًا واحدةً؛ لأنه مال، ويَعْرَمُ القاتل القيمة، ويُضرب القاتل مئةً، ويُحبَس سنَةً في العمد.
وقال أبو حنيفة والشافعي: القسامة في العبد.
لنا: أنه مال كالفرس ونحوه.
وأما الذمي فلنقصانه عن المسلم بالكفر.
والجراح لانخفاض رتبتها عن النفس.
قال مالك في «المدوَّنة»: يَحلِفُ مع الشاهد في الجراح يمينًا واحدةً، ويقتص في العمد، ويأخذ الدية في الخطأ (^٢).
ص: (وإذا اقتتلت فئتان ثم افترقا عن قتيل، فهل ديته على الفئة التي نازعته ولا قود، فإن لم يكن من واحدة منهما فديته عليهما جميعًا، أو وجوده مقتولا بينهما لوث يُقسمون معه على من ادعوا ويقتلونه به؟
رواتان).
ت وجه الأولى: أنَّ القسامة إنما تكون على واحد بعينه، والتعيين منفي
_________________
(١) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (في الأولين).
(٢) «المدونة» (٩/¬٢٩ - ٣٠).
[ ٦ / ٣٣٤ ]
هاهنا، فلا يتعيَّن القتل، ولا تتعين عاقلة القاتل للدية، فتعينت الفئة المنازعة، فتكون الدية عليهم.
قال الأبهري: هذا إذا اقتتلوا على غير تأويل دين، وإلا فلا قود ولا مال؛ لأنَّ الحربي لو قتل ثم أسلم لم يتبع بشيء، ولم يتبع أهل الجمل وصفين بعضُهم بعضًا بقَودٍ ولا دية (^١)، فإذا لم يكن منهما، فلم يخرج عنهما، فديته عليهما.
وجه الثانية: أن الظاهر أنه قُتِل عمدًا، فيُعيّن أولياؤه من ادعوا قتله ويقتلونه به.
ولأنه حديثُ مُحيصة.
ولهذه المسألة أربعة أقسام: هدر، وقصاص، ودية، ومختلف فيه.
فالأول: المتأولتان.
والثاني: غيرُ المتأوّلتين، وعُرِف القاتل.
فإن تأوّلت إحداهما والأخرى باغية؛ فدَمُ الباغية هدر، ودم المتأوّلة قصاص.
وإن كان كما يكون بين القبائل، وإحداهما زاحفة والأخرى دافعة عن نفسها، فدم الزاحفة هدر، والأخرى قصاص.
فإن كان القاتل والمقتول من فئةٍ واحدةٍ غلطا؛ ففيه الدية، أو باغيتين ولم يثبت القتل ببينة، بل وُجِد بينهما؛ فهي الصورة المتقدمة، فيها الروايتان.
_________________
(١) بتمامه في «شرح المختصر الكبير» (١/ ٢٥١).
[ ٦ / ٣٣٥ ]
فإن قال الميت: دمي عند فلان قتلني؛ قُتِل بالقسامة، أو قال: فلان قتلني من طائفتي غلطًا؛ فالدية على العاقلة بالقسامة.
ص: (إذا وُجِد اللوثُ في قتل الخطأ، ووجبت القسامة، قُسّمت الأيمان على ورثة المقتول، الرجال والنساء على قدر مواريثهم، فإن وقع فيها كسر مختلف جبرت اليمين على من عليه أكثرها، فإن كان الكسر متساويًا جبرت اليمين عليهم كلهم، ويحتمل أن تُجبر على واحد منهم).
ت: ويُقسم الرجلُ الواحد إذا كان هو المستحق للدية، مثل الابن الأب والأخ والعم.
فإن ورثه ابن [وابنة] (^١)؛ حلف كلُّ واحدٍ خمسين يمينا؛ لأنَّ الدية وبعضها لا تُستحق بأقل من خمسين يمينا، [فإن غاب الابن] (^٢) لم تأخذ البنتُ ثُلُثَ الدية حتى تحلف خمسين، فإذا قَدِم الغائب حلف ثُلثي الأيمان وأخذ ثلثي الدِّية؛ لتقدم ثبوت أصل القتل.
وإن ترك ابنةً وعصبة حلفت الابنة خمسة وعشرين يمينا والعصبة خمسةً وعشرين يمينًا، فإن نكلوا لم تأخذ البنتُ حتى تحلِفَ خمسين.
وهل يحلف العصبة جميعهم؟
قاله ابن القاسم (^٣)
_________________
(١) في (ق): (أو ابنة).
(٢) كذا في (ز ت)، ويقابله في (ق): (فإن كان الابن غائبًا).
(٣) «النوادر» (١٤/ ١٦٧).
[ ٦ / ٣٣٦ ]
أو يحلِفُ منهم خمسة وعشرون خمسة وعشرين يمينا؟
قاله أشهب (^١).
وإن كانوا إخوةً وجدا حلف الجدُّ ثُلُثَ الأيمان، أو جَدُّ وأخ وأختان حلف الجد سبعة عشر يمينا، والأخ مثله، والأخت ثمانية؛ لأنَّ الجد نابه ثلثا يمين، فعليه أكثرها، فجُبرت عليه، والأخ والأخت شريكان في ثلثي الأيمان، فعلي الأخ ستة عشر ونصف، وعلى كلّ أخت ثمانيةٌ ورُبع، فجُبرت على الأخ؛ لأنَّ عليه الأكثر.
وإنما وجب الجبر لأنه لا بُدَّ من استكمال خمسين، فغلبت جهة الأكثر.
فإن استوى الكسر جُبرت عليهم كلهم؛ لأنَّ اليمين لا تتبعض، وقد لزِمَ كل واحد بعضها، فتُكمل عليه، ويحتمل أن تُجبر على واحدٍ منهم؛ نفيًا للزيادة على المطلوب، فيقال: عينوا من أردتم يحلف، فإن تراضوا وإلا أُقرع بينهم، وقيل: إن كان حظهم من الدية سواء، وانكسرت عليهم يمين؛ اقترعوا.
ص: (إذا قال: قتلني فلان عمدًا، ثم مات؛ فقوله لَوثُ يوجب القسامة لأوليائه، أو خطًا فهل هو لوث يوجب القسامة أو لا يكون لونا، وتسقط؟
رواتان).
ت: قال أبو حنيفة والشافعي: لا يكون لونا مطلقا.
لنا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
_________________
(١) «النوادر» (١٤/ ١٦٧).
[ ٦ / ٣٣٧ ]
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ الآية [البقرة: ٦٧ - ٧٣]، والقصة معروفة في الذي قتل عمه ورمى أهل القرية به، فسألوا موسى ﵇، فأمره الله تعالى بذبح بقرة يضربونه ببعضها، فإنه يحيى ويُخبر بقاتله، ففعلوا وأخبر. فكان أصلا في أَنَّ قول المقتول لوث.
ولأنَّ الغالب ممن أقبل على الموت البعد عن السعي في الدماء بالقول الكاذب، بل التوبة ورَدُّ المظالم.
قال الباجي: إذا ثبت قول الميت بشاهدين (^١).
أما بشاهد واحد:
فعن مالك: يُقسم معه؛ لأنه يغلب على الظن.
وعنه: لا يُقسم معه؛ لضعفه.
فإن ادَّعَى ذلك على رجل صالح ورع:
قال ابن القاسم: يُقسَم مع قوله [ويُقتَل] (^٢) (^٣).
وقال ابن عبد الحكم: لا يقبل قوله (^٤).
قال اللخمي: وهو أحسن؛ لأنَّ قوله لا يُشبه (^٥)
ووجه أنه لوث في الخطأ: أنَّ النفس أقوى من المال، فإذا أقسموا في العمد
_________________
(١) «المنتقى» (٨/ ٤٥٠).
(٢) في (ز): (ويقبل).
(٣) بنصه عنه في «التبصرة» (١١/ ٦٤٩٥).
(٤) بنصه عنه في «التبصرة» (١١/ ٦٤٩٥).
(٥) «التبصرة» (١١/ ٦٤٩٥).
[ ٦ / ٣٣٨ ]
فأولى في الخطأ.
قال أشهب: هذا مجمع عليه في المدينة (^١).
ووجه الأخرى: أنه يتهم أنه يريد غنى ورثته، وقد يَظُنُّ أنَّ ورثته يَرُدُّون ذلك بعد انتفاعهم به، فهي مظلمة تتلافى، بخلاف العمد.
والأُولى هي التي رجع إليها مالك، وكما يُتهم في غنى ولده يتهم في قتل عدوه.
ص: (من أقرَّ بقتل العمد قُتِل به).
لأنه لا يتهم أحد في قتل نفسه.
أو بقتل الخطأ فأربع روايات إحداهن: أنه لا شيء عليه ولا على عاقلته.
لأنَّ القسامة إنما تكون مع الإنكار، والعاقلة لا تحمل الاعتراف، وهو إنما أقر على غيره لا على نفسه، وإقرار الإنسان على غيره باطل، وكونه من جملة العاقلة إذا غَرِموا فكذلك من جملتهم إذا سقط عنهم، فيكون إقراره على نفسه بذلك الجزء حقيرا يسقط تبعًا.
والثانية: أنه يُقسم ولاة المقتول مع قول القاتل، ويستحقون الدية على العاقلة.
لأن قوله لوث يقوي دعوى الأولياء.
ولأنه اعترف على نفسه؛ لأنه من جملة العاقلة، وعلى غيره وهو العاقلة،
_________________
(١) «النوادر» (١٤/ ١٦٥).
[ ٦ / ٣٣٩ ]
فيقبل، كما لو اعترف [الوارث العدل على الميّت بحق] (^١) يحلف المستحق ويأخذه.
والثالثة: أن الدية في ماله.
فإنَّ العاقلة لا تحمل اعترافًا، فيعمل إقراره بحسب الإمكان.
والرابعة: [تُفَضُّ] (^٢) عليه وعلى عاقلته، فيغرم نصيبه، ويسقط عن العاقلة نصيبها.
لأنه أقر على نفسه وعلى غيره، كمن قال: امرأته وامرأة جاره طالقتان؛ طلقت امرأته وحده.
ت: يُشترط في الإقرار بالعمد أن يكون طائعًا، وفي الخطأ أن لا يتهم بإغناء وارثِ المقتول، كالأخ والصديق الملاطف، وإن كان من الأباعد صدق إذا كان ثقةً مأمونا، ولم يُخَف أن يُرشَى (^٣) على ذلك (^٤)، وإذا قلنا: يُقسم مع إقراره، فامتنع الولاة من ذلك؛ فلا شيء في مال المقر ولا على عاقلته.
ص: (الواجب في قتل العبد عمدًا أو خطأ قيمته، بالغة ما بلغت، وإن زادت على دِيَةِ الحُر، ويُستحَبُّ له أن يكفّر كفارة القتل في العمد والخطأ).
لأنه قتل نفسًا مؤمنةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
_________________
(١) كذا في (ز ت)، وفي (ق): (الوارث العدل بحق على مورثه).
(٢) لفظ التذكرة (١٠/ ٦٢): «تفرض».
(٣) في (ت): (والصديق الملاطف، وأن لا يُرشى).
(٤) زاد في (ز ت): (في الأباعد، بل لا بُدَّ أن يكون مأمونًا)، والمثبت من (ق) موافقة للفظ التذكرة (١٠/ ٦٢).
[ ٦ / ٣٤٠ ]
مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
ولما كان مالا استُحِبَّت الكفَّارة؛ لشبهه بالبهيمة، ولما تعذَّر القصاص في العمد أشبه الخطأ فاستُحِبَّت الكفارة.
ولأن الكفارة إما زاجرة أو جابرة، وعلى التقديرين فتحسن في العمد؛ لأنه موضع زجر وجبر، وفي الخطأ؛ لأنه موضع الجبر.
ويُضرب في العمد مئةً، ويُحبَس سنَةً.
لأنَّ رجلا قتل عبده متعمدا «فجلده رسول الله ﷺ مئةً، ونفاه سنةً»، خرجه الدار قطني (^١).
ولأنه لما سقط القصاص عنه أشبه سقوط الرجم عن الزاني؛ لكونه بكرا، والزاني البكر يُجلد مئةً ويُحبَسُ سَنَةً، فكذلك هذا.
ت: قال أبو حنيفة: يُقتل بعبد غيره.
لنا: الحديث المتقدم.
وقوله ﵇: «لا يُقتل حُر بعبد» (^٢).
وقياسًا على عبد نفسه، وقياسًا على الأطراف، فإِنَّ الحُرَّ لا يُقتص منه إذا قطعها من العبد.
والقيمةُ يومَ القتل لا يومَ الحكم. ويحلف السيد مع الشاهد الواحد، ويستحق القيمة؛ لأنه مال.
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٣٢٦).
(٢) أخرجه الدارقطني في «سننه» رقم (٣٢٥٢).
[ ٦ / ٣٤١ ]
وقال أبو حنيفة لا يتعدى دية الحر. لنا: أنه مالٌ، كالفَرَس.
وإذا قتل المسلم ذميًّا ضُرِب مئةً وحُبس سنة (^١).
وقال عبد الملك: يؤدَّب ولا يُضرب مئةً، ولا يُحبس عامًا (^٢).
وقال المغيرة: إذا كان القاتل عبدًا فلا حبس عليه، ويُجلد مئة (^٣).
ص: (إن قطع يده، أو رجله، أو فقأ عينه؛ فعليه ما نقص من قيمته).
ت: اتفق العلماء على أنه لا قصاص بين الحر والعبد في الأطراف.
قال القاضي عبد الوهاب: إلا من لا يُعتد بخلافه.
وقياسًا على البهائم، بجامع المالية (^٤).
هذا إذا لم تبطل الجنايةُ جُلَّ منافعه والغرض المقصود منه، وإلا ضمنه كله، فإن بقيت منافع حقيرة ضمنه؛ قياسًا على تلف الكلّ.
ص: (في مأمومته ثلث قيمته، [وفي جائفته] (^٥)، وفي مُنقَلَته عُشر ونصفُ عُشر قيمته، وفي مُوضِحَتِه نصفُ عُشرِ قيمته، وفيما سوى ذلك من
_________________
(١) انظر: «النوادر» (١٤/ ٢٢٣).
(٢) «النوادر» (١٤/ ٢٢٤).
(٣) «النوادر» (١٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، و«التبصرة» (١١/ ٦٤٤٤).
(٤) انظر: «المعونة» (٢/ ٢٧٨).
(٥) كذا في (ز)، وفي (ق): (وفي جائفته ثُلُثُ قيمته أيضا)، والمثبت لفظ (ت).
[ ٦ / ٣٤٢ ]
جراحه وقطع أصابعه وأعضائه ما نقص من [قيمته] (^١).
وقال الشافعي: في اليد والعين ونحوهما بقدر ذلك من قيمته.
لنا: أنه مال، فيقاس في ذلك على البهائم.
والفرق بين هذا والجراح الأربع المتقدمة: أنها قد تبرأ على غير شَينٍ، فلو لم يجعل فيها ذلك لسقطت، بخلاف بقية الأعضاء.
وإذا جَرحَ العبد جرحًا عمدًا أو خطأ، فبرئ من غير شَينٍ؛ فلا شيء فيه.
ت: لأن الواجب القيمة، وهي تبع للقيمة يوم الجناية إذا تعقبت نقصا، ولا نقص فلا قيمة.
قال عبد الحق في (النكت): إذا اختار أَخْذَ سلعته وأخذ نقصها، وقد جُنِي عليها جنايةٌ كبيرةٌ أو يسيرة، إن كانت ثوبًا أَخَذَ ما نقص بعد أن يُرفأ له، إن كان مما يصلح فيه الرفو، أو يُخاط إن كان مما تصلح فيه الخياطة، أو يُشعَبَ إن كانت قصعة، أما الحيوان فليس على الجاني غُرمُ ما نقص بعد أن يداوي ذلك.
والفرق: أنَّ المداواة غير منضبطة في الإنفاق، وغير معلومة العاقبة، ولعلَّ الحيوان يؤول أمره إلى ما هو أشد، بخلاف الرفو ونحوه معلوم منضبط (^٢).
ص: (إذا كان في جائفته شَينٌ فهل يزاد على قيمته لأجل الشين أم لا؟
رواتان).
_________________
(١) كذا في (ق ت)، وفي (ز): (ثمنه).
(٢) انظر: «النكت والفروق» (٢/ ١٩٦).
[ ٦ / ٣٤٣ ]
ت: أكثر [أصحابه] (^١) على الرواية الأولى؛ قياسًا على سائر الجراح، ولأن الزائد جناية أخرى، فلها جابر آخر.
وجه الرواية الأخرى: قوله ﵇: «في الجائفة ثُلُثُ الدِّية، وفي المأمومة ثُلُثُ الدِّية، وفي المُنَقَّلة خمس عشرة من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل» (^٢)، مع علمه ﵇ أنَّ الشَّيْن قد يحصل.
ولقصور حرمته عن حرمة الحر، فيزاد في الحر دونه.
* * *
_________________
(١) كذا في (ز ت)، وفي (ق): (أصحاب مالك).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١٦٣٩)، والنسائي في «سننه» رقم (٤٨٦١).
[ ٦ / ٣٤٤ ]