(من سرق ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو عَرْضًا يساوي [ذلك] (^١)؛ قُطع إذا سرقه من حرزه، وأخرجه إلى غيره).
ت: أصل ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده» (^٢).
وكانوا يرون البيضة بيضة الحديد، والحبل ما يساوي دراهم.
وأجمعت الأمة على القطع في السرقة، وإنما الخلاف في التفاصيل.
وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ: «لا تُقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» (^٣).
وفيه أيضا: «قطع ﵇ في مِجَنِّ قيمته ثلاثة دراهم» (^٤).
_________________
(١) في (ق): (أحدهما).
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري في «صحيحه» رقم (٦١٩٩)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٤٠٨).
(٣) أخرجه من حديث عائشة: أحمد في «مسنده» رقم (٢٤٠٧٨)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٣٩٨).
(٤) أخرجه من حديث عبد الله بن عمر: البخاري في «صحيحه» رقم (٦٧٩٥)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٤٠٦).
[ ٦ / ٤٣١ ]
وفي «الموطأ»: سرق سارق أترُجَةً، فأمر عثمان بها فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما بدينار، فقطع يده (^١).
واتفق العلماء على اشتراط الحرز، ولقوله ﵇: «لا قطع في ثمر معلق، ولا في حَرِيسة جبل، فإذا آواه المُراح أو الجَرِين؛ فالقطع فيما بلغ ثمن المجن» (^٢).
قال مالك: يعتبرون وزن الذهب دون قيمته، فإن كان ربع دينار؛ قُطع، وإن كان قيمته درهم، وإلا فلا، وكذلك الفضة، وإنما يقوم غير النقدين (^٣).
قال ابن دينار: الحُلِيُّ كالنقدين يُعتبر وزنه دون قيمته (^٤)؛ لأنَّ النقدين رؤوس الأموال وقِيمُ المتلفات.
وإذا سرق ثلاثة دراهم، فإن نقص كل درهم ثلاث حبات، وهي تجوز بجواز الوازنة، فلا قطع حتى يتم الوزن.
قال مالك: إنما يُقطع بتقويم عدلين أن قيمتها ثلاثة دراهم، لا بمقوم واحد.
قال بعض أصحابنا: إنما تقوم بالدراهم إذا كان البلد إنما تباع فيه العروض بالدراهم خاصةً، أما بها وبالدنانير فإذا بلغت ثلاثة دراهم أو ربع دينار؛ فإنه يقطع وإن لم تساوي ربع دينار.
_________________
(١) أخرجه من حديث عثمان: مالك في «الموطأ» رقم (١٦١٠)، وابن أبي شيبة في «مصنفه». (٥/ ٤٧٦)
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (١٦٠٩).
(٣) بتمامه في «اختصار المدونة» (٤/ ٤٥٣).
(٤) «النوادر» (١٤/ ٣٨٧)، و«اختصار المدونة» (٤/ ٤٥٣ - ٤٥٤).
[ ٦ / ٤٣٢ ]
وقاله الأبهري (^١)، وابن يونس.
قال عياض في «التنبيهات»: قول مالك: إنما الأشياء تقوم (^٢) بالدراهم، كانت العادة الدراهم أم لا أوَّلَه بعضُهم - وهم الأكثر - بما إذا كانت المعاملة بها، وإن كانت المعاملة بالدنانير فبالدنانير، وإن كانت المعاملة بهما جميعًا فالتقويم بأكثرهما معاملةً؛ كسائر التقويمات (^٣).
وقاله الباجي (^٤).
قال اللخمي: ويؤيد هذا قول مالك إذا سرق دهنًا فدهن به لحيته، فقال: يُقطع إذا كان قيمته إن سُلتَ رُبع دينار (^٥).
فهذا تسليم منه أن القيمة تكون بالذهب.
ص: (أول ما يُقطع من السارق يده اليمنى، وتكوى بالنار، ثم الرّجلُ اليسرى).
ولا خلاف في هذا.
ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، فإن سرق بعد ذلك ضُرب وحبس.
ت: وقاله الشافعي.
_________________
(١) نقله عنه اللخمي في «التبصرة» (١١/ ٦٠٥٦).
(٢) كذا في (ق)، وفي (زت): (قول مالك: يقع التقويم).
(٣) انظر: «التنبيهات المستنبطة» (٥/ ٢٧٠١).
(٤) انظر: «المنتقى» (٩/ ١٨١).
(٥) بنصه في «التبصرة» (١١/ ٦٠٥٦).
[ ٦ / ٤٣٣ ]
وقال أبو حنيفة: لا تُقطع في السرقة إلا رجل واحدةٌ ويد واحدة.
لنا: «أنَّ رسول الله ﷺ أُتِيَ بسارق سرق ثالثةً، فَقَطع يده اليسرى، ثم أُتِيَ به رابعةً، فَقَطَع رجله اليمنى» (^١).
وقال ﷺ: «إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله».
ولأنها أعضاء يدخلها القصاص فيدخلها قطع السرقة؛ كاليد اليمنى.
وقطع الصديق ﵁ اليدين والرجلين في السرقة من خلاف.
ولأنَّ الله تعالى أمر بقطع أيدي المحاربين وأرجلهم من خلاف؛ لسعيهم في الأرض بالفساد، والسرقة من الفساد في الأرض، وإنما تُقطع اليد من الكوع إجماعًا، والرّجلُ من المَفصِل الذي في أصل الساق عند الجمهور.
وقال أبو مصعب من أصحابنا: يُقتل في الخامسة.
وروي في ذلك حديث غير صحيح، وقد قال ﵇: «لا يَحِلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق» (^٢) (^٣).
وقياسًا للخامسة على الأولى في عدم القتل.
وإنما حسمت بالنار لئلا [يُفضي] (^٤) إلى قتله؛ لأنها إذا تركت تعدى ضررها.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «سننه الكبرى» رقم (١٧٢٦٠).
(٢) أخرجه من حديث عثمان: أحمد في «مسنده» رقم (٤٣٧)، وأبو داود في «سننه» رقم (٤٥٠٢).
(٣) انظر: «المقدمات الممهدات» (٣/¬٢٢٢ - ٢٢٣).
(٤) في (ز): (يؤدي).
[ ٦ / ٤٣٤ ]
فإن كانت اليمنى قد قُطعت في قصاص أو غيره:
قال مالك وابن القاسم: تُقطع رجله اليسرى (^١).
ورجع مالك إلى يده اليسرى (^٢).
وقاله ابن القاسم في «الموازية»؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (^٣).
ولأنَّ اليد هي الجانية، ويُقتصر بالرجل على مورد السنَّة.
ثم اختار ابن القاسم الأوّل (^٤).
فإن كانت اليمنى شلاء:
قال مالك: تُقطع اليد اليسرى (^٤).
ووقف مرة (^٤).
وقال ابن القاسم: الرجل اليسرى (^٥).
وقال أبو مصعب: تُقطع الشلاء.
وقال ابن وهب: تُقطع إن كان ينتفع بها.
فإن ذهب من يده إصبع؛ قُطعت كما في القصاص (^٦).
_________________
(١) «المدونة» (١١/ ١٤٧).
(٢) انظر: «المدونة» (١١/ ١٤٧).
(٣) «النوادر» (١٤/ ٤٦٨).
(٤) «المدونة» (١١/ ١٤٧).
(٥) «النوادر» (١٤/ ٤٤٢).
(٦) «المدونة» (١١/ ١٤٧ - ١٤٨).
[ ٦ / ٤٣٥ ]
فإن ذهب منها ثلاثة أصابع؛ قُطعت الرجل اليسرى (^١).
واختلف في إصبعين:
فعن مالك: تُقطع رجله اليسرى (^٢).
وعنه: إن ذهب أكثرها؛ لم تُقطع (^٣)، أو بقي أكثرها؛ قُطعت، فعلى هذا تُقطع.
فإن أخطأ الإمام فقطع شماله مع وجود يمينه:
قال مالك: أجزأه (^٤).
وقال عبد الملك على الإمام عقلُ الشِّمال في ماله إن كان هو المخطئ، أو في مال القاطع إن كان هو المخطئ.
وإليه رجع مالك بعد أن كان يقول: ما بلغ الثلث حملته العاقلة (^٥).
* ص: ([المراعى] (^٦) في قيمة السرقة يوم أخذها لا يوم حدها).
ت: لأنه وقتُ الجناية، كما لو زنا عبدًا ثم عتَقَ، أو بكرًا ثم أُحصن.
وقال أبو حنيفة: يوم القطع.
_________________
(١) «المدونة» (١١/ ١٤٨).
(٢) «المدونة» (١١/ ١٤٨).
(٣) انظر: «المدونة» (١١/ ١٤٨).
(٤) «النوادر» (١٤/ ٤٤٤).
(٥) «النوادر» (١٤/ ٤٤٤).
(٦) في (ق): (المراعاة).
[ ٦ / ٤٣٦ ]
ص: (إذا ساوت ثلاثة دراهم ولم تساو ربع دينار قُطع).
ت: إن كان المسروق ذهبًا أو وَرِقًا نُظر لوزنهما دون قيمتهما من النقد الآخر، وقد تقدم الكلام على هذا.
ص: (من نبش قبرًا فسرق منه (^١) كفنا يساوي ربع دينار فصاعدًا؛ قُطع إن أخرجه من القبر).
وقالت عائشة ﵂: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا.
وقاله عمر بن عبد العزيز.
ولأن القبر حرز للكفن عادةً، ولا يُنسب أحد لتضييع الكفن بتركه في القبر.
وقال أبو حنيفة: لا يُقطع.
ص: (ومن سرق من المغانم أو بيت المال فعليه القطع).
لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
ولأن الغنيمة إنما تُملك بالقسم، ولو كان في الغنيمة من يعتق عليه لم يعتق ما يَخُصُّه حتى يُقسَمَ ويصير في ملكه، ولو ورث بعض مَنْ يَعتق عليه لعتق قبل قسم الميراث؛ لِتَقَرُّرِ ملكه قبل القسم.
وقال عبد الملك: لا قطع عليه حتى يسرق زيادة ربع دينار على سهمه؛ لأن له في الأصل شبهة الاستحقاق، كما لا يُقطع إذا سرق من مال أبيه.
_________________
(١) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (إذا سرق من القبر).
[ ٦ / ٤٣٧ ]
ص: (ومَنْ سرقَ أعجميًّا أو صبيًّا من حرزهما قُطِع).
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يُقطع.
لنا: ما في الدارقطني: «أنَّ رسول الله ﷺ أُتِيَ برجلٍ يسرق الصبيان ويبيعهم في أرض أخرى، فأمر به ﵇ فقُطِعت يده» (^١).
ولأنه غير مميز، فأشبه البهيمة، ولأن ضرر ذلك أشدُّ من ضرر المال، وإباحة للفروج بغير حق إن كانت صبيَّةً، وقاله الفقهاء السبعة.
قال ابن القاسم وأشهب: إنما ذلك في الصبي الذي لا يميز ما يراد منه، والذي يعقل ذلك لا قطع فيه (^٢).
وقال عبد الملك: لا يُقطع في الصبي؛ لأنه لا يتقوم ولا هو مال (^٣).
قال مالك: إن سرق عبدًا صغيرًا، قطع (^٤)، قياسًا على البهيمة.
وكذلك العجمي، دون الكبير الفصيح.
قال أشهب: هذا إذا كان الأعجميُّ لا يعرف ما يراد منه، وإلا فلا يُقطع (^٥).
وقال ابن نافع: إن راطنه بلسانه حتى خرج طوعًا؛ لم يُقطَع (^٦).
قال اللخمي: يريد: إذا وافقه على الذهاب، أما لو قال له: سيدك بعثني
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في «سننه» رقم (٣٤٦٢).
(٢) «النوادر» (١٤/ ٣٩٧).
(٣) انظر: «النوادر» (١٤/ ٣٩٧).
(٤) بتمامه عنه في «النوادر» (١٤/ ٣٩٧).
(٥) «النوادر» (١٤/ ٣٩٧).
(٦) «النوادر» (١٤/ ٣٩٧)، و«التبصرة» (١١/ ٦٠٧٠).
[ ٦ / ٤٣٨ ]
لآتيه بك؛ لقطع (^١).
ص: (لا قطع في تمر معلَّق ولا حريسة جبل، فإذا آواها المراح أو وضع التمر في الجرين؛ فعلى من سرق منه قيمة (^٢) ربع دينار القطع).
ت: لقوله ﵇: «لا قطع في تمر معلَّق ولا في حَرِيسَةِ جبل، فإذا آواها المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن»، خرَّجه مالك (^٣).
وفي النسائي: قال ﵇: «لا قطع في تمر ولا كَثَر»، والكَثَر: الجُمَّار (^٤).
قال ابن المواز: إنما ذلك في الحوائط والبساتين، أما نخلة في دار ففيه القطع إذا بلغ قيمة التمر - على الرجاء والخوف - ربع دينار (^٥).
ولأنَّ الدار حرز لما فيها، بخلاف البستان، ولم توضع البساتين لحفظ الثمار، ولا لحفظ الشجر، وإنما الله تعالى يخلق الثمار فيها، والجرين والمراح يُقصد بهما الحفظ، والغنم في المراعي منتشرة في غير حرز؛ لأنه موضع مشترك.
قال ابن القاسم: وحَرِيسةُ الجبل: كلُّ شيء يسرح للرعي من الأنعام كلها، الإبل وغيرها (^٦).
_________________
(١) «التبصرة» (١١/ ٦٠٧٠).
(٢) في (ق): (منه ما يساوي).
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٤٣٢).
(٤) أخرجه من حديث رافع بن خديج: النسائي في «سننه» رقم (٤٩٦٧)، والترمذي في «سننه» رقم (١٥١٥).
(٥) «النوادر» (١٤/ ٣٩٩).
(٦) «النوادر» (١٤/ ٤٠٠).
[ ٦ / ٤٣٩ ]
والكثر لأنه ليس مما أحرزه الإنسان وإنما هو شيء أخرجه الله تعالى، والقطع إنما يكون فيما أحرزه الآدمي وقصد به في ذلك الموضع الحرز.
فإن وضع التمر أو الحَبُّ في الجرين، وغاب عنه ربُّه، وليس عليه باب ولا حائط:
قال ابن القاسم: فيه القطع (^١)؛ لأن ظاهر الحديث لم يفرق.
وقال أشهب: إن كان في صحراء ولا حارس عليه؛ فلا قطع (^٢)؛ لأنَّ غالب الجرين أن لا يكون في الصحراء، وإنما يكون بحضرة الحوائط، فكأنه بحضرة أهله، وفيه ورد الحديث.
فإن عُلِّق التمر بعد قطعه على النخلة:
فقيل: يُقطع؛ لأنه وضع باختيار الآدمي؛ كالجرين.
وقيل: لا يُقطع؛ لأنَّ النخلة ليست موضع حرز؛ كالماشية في المرعى.
فإن جمع الراعي الغنم من المرعى، فسرق منها وهو يسوقها لمُراحِها شاةٌ:
قال مالك: القطع (^٣)؛ لأنها بالخروج من المرعى ليست حريسة جبل.
وقال أصبغ: لا يُقطع (^٤)؛ لأنها لم يؤوها المراح.
_________________
(١) «المدونة» (١١/ ١٣٣).
(٢) «النوادر» (١٤/ ٤٠٠).
(٣) «النوادر» (١٤/ ٤٠١).
(٤) «النوادر» (١٤/ ٤٠١).
[ ٦ / ٤٤٠ ]
ص: (من دخل حرزًا ليسرق منه، فأُخِذ فيه قبل أن يخرج منه؛ فلا قطع عليه).
لأنه لم يُخرج شيئًا من الحرز.
ت: إذا جمع المتاع وحمله ولم [يَخرُج به] (^١) لم يُقطَع.
قاله ابن القاسم.
وحكى ابن الحارث الاتفاق في ذلك؛ لأنَّ هتك الحرز لم يتم.
ص: (من سرق من بيت من دارٍ فيها منازل مفترقة لناس شتّى، فأخرجه لساحة الدار؛ فعليه القطع، وإن كانت الدار لواحد فلا قطع عليه، حتى يخرج به من الدار كلها).
ت: الدور ثلاثة:
مشتركة مأذون فيها لساكنيها خاصَّةً، كدور مصر، كلُّ مَسكَن مستقل بنفسه، ويجمعهم الباب.
ومأذون لجميع الناس، وهي مشتركة السكنى.
ومأذون فيها لمن يدخلها وليست مشتركةً.
فيقطع في الأولى إذا أخرجه للساحة؛ لأنه أخرجه من حرزه.
وقال سحنون: وذلك إذا كان السارق من سكانها، وإلا لم يُقطع حتى يخرج
_________________
(١) كذا في (ق)، وفي (ز ت): (يُخرجه).
[ ٦ / ٤٤١ ]
به من الدار كلّها (^١)؛ لأنَّ السكان يقصدون التحفظ ممن معهم بباب البيت، ومن الأجنبي بباب البيت وباب الدار، فلا يُقطع الأجنبي حتى يخرج من باب الدار.
وقال ابن القاسم: إن نشر أحد من أهل هذه الدار ثوبه على ظهر بيته، وهو محجور عليه من الناس؛ قطع سارقه (^٢)؛ لأن ظهر بيته كداخل بيته.
وإن كان الثوب في صحن الدار:
قال ابن القاسم: لم يُقطع إن كان السارق من أهل الدار، وإن خرج به من جميع الدار؛ لأنه أخذه من موضع مأذون له فيه، أو أجنبيًا؛ قُطِع إذا خرج به من جميعها (^٣)؛ لأن جميعها حرز من هذا السارق.
والدار الثانية كدار الأنماط بمصر، ينبغي أن يكون من سرق من بيوتها المحجورة عن الناس، وأخذ في قاعة الدار أن يُقطع، كان من سكانها أم لا، أو سرَقَ من قاعتها لم يُقطع، كان من أهل الدار أو غيرها.
والقياس: إذا سرق منها ليلا أن يُقطع؛ لأنها تُغلق حينئذ ويرتفع الإذن.
والدار الثالثة كدارِ العالم والطبيب، مَنْ سَرَقَ منها من بيت مغلق عن الناس، فأُخِذ في الدار قبل أن يخرج منها، لم يقطع، أو بعد الخروج؛ قطع.
قال ابن المواز: لا يُقطع وإن خرج به من جميع الدار؛ لأنه ممن أُذن له في الدخول، فهو خائن (^٤).
_________________
(١) «اختصار المدونة» (٤/ ٤٦٥).
(٢) بنصه عنه في «الجامع» (٢٢/ ١٢٩).
(٣) بتمامه في «الجامع» (٢٢/ ١٢٩).
(٤) بتمامه عن ابن المواز في «الجامع» (٢٢/ ١٣١).
[ ٦ / ٤٤٢ ]
وقوله: إذا كانت لواحد لا يُقطع حتى يُخرجه من الدار كلّها؛ لأنَّ إخراجه للساحة كإخراجه من زاوية في البيت إلى زاوية.
ص: (إن أدخل يده إلى حرز فأخرج منه نصابًا، قُطع).
لأن القطع لخروج المال، لا لخروج السارق. ولظاهر الآية. ولأنه هتك الحرز.
ت: سواء أخرجه بيده أو عود (^١).
فإن استدعى الدابَّة بالعلف فخرجت له، فأخذها: فعن مالك (^٢): لا يُقطع (^٣).
وعن ابن القاسم: يُقطع (^٤).
وكذلك الصبي الصغير يدعوه، فيخرج إليه (^٥).
وعن ابن القاسم أيضًا وأشهب: لا يُقطع في الدابة إذا نصب لها العلف (^٦).
_________________
(١) انظر: «الجامع» (٢٢/ ١٤٥).
(٢) هنا تنتهي نسخة (ز).
(٣) بنصه عنه في «الجامع» (٢٢/ ١٤٥).
(٤) «البيان والتحصيل» (١٦/ ٢٥٨)، و«الجامع» (٢٢/ ١٤٥).
(٥) بنصه في «البيان والتحصيل» (١٦/ ٢٥٨).
(٦) انظر: «البيان والتحصيل» (١٦/ ٢٥٩).
[ ٦ / ٤٤٣ ]
ص: (إن دخل الحرز ورمى منه نصابًا إلى خارجه، وأُخذ في الحرز قبل خروجه؛ قطع).
لأنَّ المطلوب خروج السرقة، لا خروج السارق.
ت: وقال المغيرة: لا قطع عليه حتى يُخرجه هو بيده، أو يكون هو خارج الحرز ويُخرجه منه.
قال اللخمي: والقطعُ أَبينُ.
ص: (إذا كان أحد السارقين في الحرز، والآخَرُ خارجه، فأخرج الداخل للخارج المتاع؛ قطع الداخل دون الخارج).
لأنه المنتهك للحرز.
فإن أدخل الخارج يده فأخرج المتاع من حرزه؛ قطع الخارج دون الداخل.
لأنه المخرج.
ت: قال مالك في الأوَّل: يعاقب الخارج (^١)؛ لإعانته على المعصية، بخلاف الجماعة يُخرجون الشيء جُملةً؛ لأنَّ أفعالهم متصلة، وهذان فعلاهما منفصلان.
فإن أدخل الخارج يده للحرز فأعطاه الداخل المال فأخرجه:
قال ابن القاسم: يُقطع الخارج وحده (^٢)؛ لأنه المخرج، وفعل الداخل إنما
_________________
(١) «النوادر» (١٤/ ٣٩٢).
(٢) بنصه عنه في «التبصرة» (١١/ ٦٠٦٨).
[ ٦ / ٤٤٤ ]
هو كنقل المتاع من زاوية لزاوية أخرى.
وقال أشهب: يُقطَعان (^١)؛ لأنَّ الخارج لم يتمكن إلا بالداخل، فقد اشتركا.
فإن اجتمعت أيديهما في وسط النَّقْب قُطِعا جميعًا (^٢)؛ لتساويهما، كالجماعة إذا أخرجوا المتاع.
ص: (إذا كان أحدهما على ظهر البيت، والآخَرُ أسفل، فناول الأسفل له المتاع فأخرجه من حرزه؛ قطع الأعلى، وأحسب في الأسفل روايتين).
ت: لقوله تعالى: ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣٨]، والأعلى هو المخرج للمتاع.
قال الباجي: ولأنه ما دام على ظهر البيت فهو كما هو في سفله، وإنما الإخراج من الحرز بطرحه للطريق (^٣).
ومعنى قول ابن الجلاب: أخرجه من الحرز: أخرجه عن سقف البيت.
قال مالك في «النوادر»: يُقطع الأعلى إذا رمى به للطريق (^٤).
وجه عدم قطع الأسفل: أن يده باينت السرقة قبل خروجها، وهو كالمناول
_________________
(١) «النوادر» (١٤/ ٣٩١)، و«التبصرة» (١١/ ٦٠٦٨).
(٢) انظر: «النوادر» (١٤/ ٣٩١)، و«التبصرة» (١١/ ٦٠٦٨).
(٣) «المنتقى» (٩/ ٢٣٧).
(٤) «النوادر» (١٤/ ٣٩١).
[ ٦ / ٤٤٥ ]
في الحرز.
وجه القطع: إعانته للأعلى، ولولاه لم يقدر الأعلى على الإخراج (^١).
ص: (إذا اشترك جماعة في سرقة قيمتها ربع دينار فصاعدًا قُطِعوا، وكلُّ واحد ضامن لجميعها إذا وجب الغُرم، فإن أداها واحد سقطت عنه وعنهم، هذا إذا كانت لا يمكن أحدهم الانفراد بها، نحو الخشبة والعدل، وإلا فلا يُقطع إلا أن يكون في نصيب كل واحد ربع دينار فصاعدا.
وقال بعض أصحابنا: يُقطعون مطلقًا).
ت: القطع لظاهر الآية، وقياسًا على اشتراكهم في القتل.
ولو لم يقطعوا لكان ذريعةً للسرقة بالشركة، فيسقط القطع كما قلناه في القتل، وقطع الأيدي باليد الواحدة.
فإذا أمكن استقلال كلّ واحدٍ:
قال ابن القاسم: لا يُقطع إذا كان قيمة الجميع نِصابًا (^٢)؛ لِما في مسلم: قال ﵇: «لا تُقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» (^٣).
وقياسًا على انفراده بدون النصاب.
أما إذا تعذر إخراجه إلا بهم صار كلُّ واحدٍ كالمخرج له.
_________________
(١) انظر: «التبصرة» (١١/ ٦٠٦٩).
(٢) «المدونة» (١١/ ١١٦).
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٤٣١).
[ ٦ / ٤٤٦ ]
وحكى ابن القصار: أنه لا فرق بين الخفيف والثقيل (^١)؛ لأن اشتراكهم في إخراج السرقة من الحرز يقتضي قطع الجميع.
ص: (إن رجع عن إقراره بالسرقة إلى شُبهة سقط القطع، ولم يسقط الغرم) (^٢).
لقوله ﵇: «ادرؤوا الحدود بالشُّبهات» (^٣).
أو إلى غير شُبهة وأكذَبَ نفسه؛ فروايتان.
ت: الشبهة أن يأخذ مالا اختلاسًا، أو غصبًا، أو خيانة، أو تعديًا، فيعتقد أنه سرقة.
والاختلاس: كلُّ ما أُخِذ بحضرة صاحبه على غفلة وفَرَّ به آخِذُه.
والخيانة: في الأمانة.
والغصب: ما أخذه ذو القدرة ممن لا قدرة له على مدافعته (^٤).
والتعدي: ما أخذه بحضرة صاحبه أو غيبته، لا على وجه القهر.
والغُرم لا يسقط بالرجوع، كالإقرار بالمال.
وجه عدم القطع إذا لم يرجع: لشبهة أنَّ رسول الله ﷺ أُتِي بلص اعترف ولم يوجد معه متاع، فقال له ﵇: «ما إخالُكَ سرقت»، قال: بلى، فأعادها عليه
_________________
(١) بنصه عنه في «التبصرة» (١١/ ٦٠٦٥).
(٢) في (ت): (سقط القطع دون الغُرم).
(٣) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٣٩٧).
(٤) في (ت): (والغصب بالقدرة والقهر مع المدافعة).
[ ٦ / ٤٤٧ ]
مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقُطِع (^١).
وإنما فائدةُ التَّكرار أنْ لو رَجع لقُبِل منه.
وجهُ القطع: أنَّ أصلَ الإقراراتِ اللُّزوم، حتّى يأتي بعُذرٍ بَيِّن، وهذا لم يُعيِّنها.
قال ابن القاسم: إذا أقَرَّ بها وعيَّنها عند غير السلطان قُطع وإن أنكر، أو أقرَّ بها بالضرب وعيَّنها ثم أنكر؛ فلا قطع عليه (^٢).
وقال أشهب: إذا أخرجها؛ قُطع، وإن كان بعد السِّجن والقيد والوعيد، ولا يُقبل رجوعه، وإن لم يعيّن فلا يُقطع وإن ثبت على إقراره؛ لأنه يُخاف أن يعود لمثل الأول (^٣).
قال ابن القاسم ولا يدخل التعيين في الدنانير، وإنما يدخل فيما يُعرَف بعينه، فأما العين والمكيل والموزون فلا يثبت فيهم تعيين (^٤) (^٥)
ص: (إذا قطعت يده ووُجدت السرقةُ عندَه؛ رُدَّت لمالكها، وإن أتلفها وله مال غرمها، وإلا فلا).
ت القطع ليس بدلًا عن المسروق، وإنما هو لانتهاك حرمة الحرز،
فيرد المسروق إن كان باقيا.
_________________
(١) أخرجه الدولابي في «الكنى والأسماء» رقم (١٤٠٦)، وانظر: «نصب الراية» (٤/ ٧٦).
(٢) انظر: «البيان والتحصيل» (١٦/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، و«النوادر» (١٤/ ٤٤٩).
(٣) «النوادر» (١٤/ ٤٤٩).
(٤) في (ت): (فيما يُعرَف بعينه، ونحو [خرم كلمة] بخلاف المكيل والموزون).
(٥) بتمامه عنه في «التبصرة» (١١/ ٦١١٩ - ٦١٢٠).
[ ٦ / ٤٤٨ ]
قال مالك: فإن استهلكه وهو موسر من يوم السرقة إلى يوم القطع غرمها، إذا اتصل يساره (^١).
وقال أبو حنيفة: لا يجتمع الغُرم والقطع، ويُخيَّر المالك: إن شاء قطعه ولم يُغرمه، أو يغرمه ولم يقطعه.
لنا: قوله ﵇: «لا يحِلُّ مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» (^٢).
وقوله ﵇: «على اليد ما أخذت حتى ترده» (^٣).
والقطع حق الله تعالى، كما يُجلد في الزنا، ويغرم مهر المثل في الإكراه، والدية والكفَّارة في قتل الخطأ، والمحرم يتلف صيدا مملوكًا، عليه الجزاء الله تعالى، والقيمة لمالكه.
قال عبد الوهاب: قال بعض شيوخنا: أخذ القيمة مع القطع استحسان، والقياس أن لا يلزمه؛ لأنه لو كان واجبًا لَوجَبَ مع العُسر، وإنما غَرِمَها لاحتمال أن يكون أخَذَ لها عِوَضًا أو ثمنًا واختلط بماله (^٤).
وقال ابن القاسم: لا يتبع إذا كان معسرا (^٥).
وفي النسائي: قال ﵇: «إذا أقيم على السارق الحد فلا غُرمَ عليه» (^٦)، وهو
_________________
(١) «المدونة» (١١/ ١٣٩).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٤٣).
(٣) أخرجه بنحوه أحمد في «مسنده» رقم (١٩٧٥٣).
(٤) «المعونة» (٢/ ٣٥١).
(٥) انظر: «التبصرة» (١١/ ٦١١٠).
(٦) أخرجه بنحوه من حديث عبد الرحمن بن عوف: النسائي في «سننه» رقم (٤٩٨٤).
[ ٦ / ٤٤٩ ]
وجه قول ابن القاسم: لا يتبع إذا كان معسرا.
وحكى ابن شعبان اتباعه في الذمة إذا كان معسرًا؛ لأنَّ القطع حق الله تعالى (^١).
فإن باع السرقة ثم قطع ووجدت عند المشتري أُخِذت منه، واتَّبع السارق بثمنها.
فإن هلكت عند المشتري بسببه، وأجاز المسروق منه البيع لم يتَّبع السارق بالثمن عند مالك وابن القاسم، إلا أن يكون متصل اليُسر من يوم السرقة إلى يوم القطع.
وإن لم يُجز البيع أغْرَمَ المشتري القيمةَ، واتبع المشتري السارق في اليُسر والعسر، فالمسروق منه يأخذ المشتري بوجه الاستحقاق، والمشتري يرجع على السارق على أحكام البياعات؛ لأنه لم يسرقه وإنما بايعه.
فإن كان المشتري عديما رجع المسروق منه على السارق؛ لأنه غريم غريمه.
فإن كانت القيمة التي لزمت المشتري أقل من الثمن الذي باع به السارق أخذَ المسروقُ منه القيمة والفضل للمشتري يتبعه به، أو أكثر من الثمن أخذ الثمن؛ لأنه الذي لغريمه عنده، واتبع المشتري بفضل القيمة.
فإن باع المشتري السرقة أخذ المسروق منه الثمن الذي باع به، فإن وجده عديما رجع على السارق بالأقل من الثمن الثاني أو الثمن الأول، ويتبع بفضل الثاني المشتري الأول.
فإن هلكت بأمر من الله تعالى فلا شيء على المبتاع (^٢).
_________________
(١) «التبصرة» (١١/ ٦١١١).
(٢) «التبصرة» (١١/ ٦١١١).
[ ٦ / ٤٥٠ ]
ص: (من سرق شيئًا من حُلِيّ الكعبة لم يُقطع، أو من فرش المسجد أو قناديله أو آلته التي تكون فيه؛ لم يُقطع، وقال بعض أصحابنا: إن سرق ذلك نهارًا لم يُقطع، أو ليلا وقد غُلّقت المساجد قُطع).
ت: يريد: إذا سَرَقَ من الكعبة وقت فتحها؛ لأنه حينئذ مأذون له في الدخول، فيكون خائنا لا سارقًا، أما في وقت لم تُفتح فيقطع.
وقال عبد الملك: يُقطع إذا سرق من ذهب بابها (^١).
وعن مالك: يُقطَع مَنْ سرق من حُصُرِ المسجد أو آلته أو قناديله، ليلًا أو نهارًا، كان على المسجد غَلَقٌ أم لا، وإن لم يخرج به من المسجد (^٢)؛ لأنَّ حِرزَها موضعها التي وضعت فيه.
وعن ابن القاسم: الفرق بين النهار والليل، فقال: يقطع في الليل دون النهار (^٣).
وقال سحنون: إن خيط بعض الحُصُرِ ببعض قطع، وإلا فلا (^٤).
وقال أشهب: لا يُقطع مطلقا (^٥)؛ لأنه موضع مأذون فيه، كالضيف يؤذن له فيسرق من الموضع الذي أذن له فيه.
وقول أشهب هو الذي حكاه ابن الجلاب.
_________________
(١) «النوادر» (١٤/ ٤١٤).
(٢) «التبصرة» (١١/ ٦٠٧٦).
(٣) «النوادر» (١٤/ ٤١٣).
(٤) «النوادر» (١٤/ ٤١٣).
(٥) «التبصرة» (١١/ ٦٠٧٦).
[ ٦ / ٤٥١ ]
فرأى مالك أنَّ الإذن لم يكن من المالك، وإنما هو شيء أوجبه الحكم.
ورأى ابن القاسم أنها إذا أُغلقت بالليل تصير غير مأذون فيها.
ورأى سحنون الفرق بين ما يخف نقله وما لا يخف، فعلى قوله: لا يُقطع في القناديل، ويُقطع في الحصر.
ص: (مَنْ سرق خلخال صبي أو قُرطَه أو شيئًا من حليه فروايتان: إحداهما: يُقطع إذا كان في دار أهله وفنائهم.
والأخرى: لا يُقطع.
وإن كابره ولم يستَسِر بسرقته؛ لم يُقطع).
ت: لأنَّ الدار والفناء حرز للصبي وما معه معه، كما لو سرقه بنفسه من الحرز.
وقيل: لا قطع؛ لأنَّ الصبي ليس حرزًا لما معه، ولأنَّ الصبي لا يمكن أخذُ الشيء منه على وجه السرقة، وإنما يؤخذ منه ذلك على وجه الخلسة والخديعة لا السرقة.
أما إذا كابَرَه فهو غصب، ويُحكم له بحكم الحرابة.
فإن لم يكن في دار أهله ولا فنائهم ومعه من يحفظه قُطِع من سرق منه؛ لأن حفظ الحافظ حرز للصبي ولما معه، وإلا لم يُقطع.
ص: (إذا سرق عبد الرجل من مال امرأته من حرز لا يؤذن له في دخوله؛ قطع، أو عبد المرأة من مال زوجها من حرز لا يدخله قُطع).
[ ٦ / ٤٥٢ ]
لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨].
أما موضع الإذن فلا قطع فيه؛ لأنه اختلاس.
أو مال سيده أو سيدته لم يُقطع، وكذلك الأمة؛ لأنَّ رجلًا جاء لعمر بن الخطاب ﵁ فقال: اقطع يد غلامي هذا فإنه سرق، فقال له: ما سرق؟، فقال: مرآة لامرأتي ثمنها ستون درهما، فقال: أرسله؛ فليس عليه قطع؛ خادمكم سرق متاعكم، خرجه مالك (^١).
* ص: (إذا أقر العبد بسرقة مالٍ في يده، وأنكر ذلك سيده؛ فعليه القطع، والمال للسيد دون المقرّ له به، فإن أقرَّ بالقتل، أو القذف، أو الزنا، أو شرب الخمر، أو نحوه، مما يوجب العقوبة عليه في جسده لزمه ما أقر به من ذلك وإن أنكر ذلك سيده، وإن أقر بغصب، أو جناية، أو مداينة، أو نحوه، مما يكون غُرما في رقبته، أو دينًا في ذمته لم يُقبل قوله إلا أن يصدقه سيّده).
لأنه إقرار على السيد، فلا يُسمَع.
ت بخلاف الاعتراف بالعقوبات؛ لانتفاء تهمته في أمر نفسه.
قال مالك: إذا أقر العبد أو المدبّر أو أم الولد بسرقة؛ قطعوا إذا عينوا السرقة وأظهروها، فإن ادعى السيد أنها له صدق مع يمينه على البت (^٢).
وإن ادعى أنها [لعبده] (^٣) حلف أنه ما يعلم أنَّ لهذا فيه حقًا (^٤).
_________________
(١) أخرجه من حديث عمر: مالك في «الموطأ» رقم (١٦٢١)، وعبد الرزاق في «مصنفه» رقم (١٨٨٦٦).
(٢) «الجامع» (٢٢/ ٢٣٧).
(٣) في (ق ت): (لغيره)، والمثبت موافق لعبارة «الجامع» (٢٢/ ٢٣٨)، و«التذكرة» (١٠/ ٢٥٩).
(٤) بتمامه في «الجامع» (٢٢/ ٢٣٨).
[ ٦ / ٤٥٣ ]
قال ابن يونس: فإن قال: هو بيد عبدي، لا أدري أهو له أم لا؛ فلا يمين عليه، إلا أن يدعي المقر له أنها له، فيحلف السيد أنه لا يعلم له فيها حقا، قاله بعض فقهائنا (^١).
قال بعض القرويين: قوله: إذا عَيَّنوا السرقة؛ يريد: لا يُقبل رجوعهم بعد تعيينهم لها، كالبينة تقوم عليها، فإن لم يعينوها وتمادوا على الإقرار قطعوا، وإن رجعوا لم يقطعوا (^٢).
وإن أقر أنه جرح عبدًا عمدا فليس لسيد العبد المجروح إلا القصاص وليس لسيده أن يستحييه على أن يأخذه؛ لاتهام العبد أن يكون أراد الخروج لهذا الملك.
قال شيخنا الإقرار بالغصب ونحوه إنما يُرَدُّ من العبد المحجور عليه، أما المأذون له فإنه يُقبل إقراره (^٣).
قاله مالك في «المدونة»، إلا أن يقرّ بعد قيام غرمائه، كالحر في الوجهين (^٤)، ويجوز إقراره بالدين فيما بيده من مال وإن حَجَر السيد عليه فيه، ما لم يُفلس (^٥).
وهذا يدل على أن ابن الجلاب إنما يتكلم في المحجور عليه.
* * *
_________________
(١) بنصه عنه في «الجامع» (٢٢/ ٢٣٨).
(٢) انظر: «النكت والفروق» (٢/ ٢٨١).
(٣) انظر: «النوادر» (٩/ ٣٣٤).
(٤) جاء في حاشية (ق): (الرضا والصحة).
(٥) «المدونة» (٩/ ١٦٦ - ١٦٧).
[ ٦ / ٤٥٤ ]
فصل في الردة
ومن ارتد عن الإسلام استتيب، فإن تاب قُبلت توبته، وإن أبي ضُربت رقبته، وكان ماله فينا [لجماعة] (^١) المسلمين، ولا يرثه ورثته من المسلمين ولا من الكافرين.
ت في البخاري: قال رسول الله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه» (^٢).
ويستتاب ثلاثًا، فإن تاب فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ عمر بن الخطاب ﵁ بلغه أنَّ رجلا ارتد فقتل قبل أن يستتاب، فأنكر ذلك وقال: «هلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، فإن تاب وإلا قتلتموه، اللهم لم أمر ولم أرض إذ بلغني (^٣).
ولا مخالف له.
ولأنه يجوز أن يكون عرضت له شبهة، فإذا روجع رجع.
وقد أنذر الله تعالى من استحق العذاب ثلاثة أيام، قال الله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدُ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥].
والرجل والمرأة سواء.
قال مالك: ما علمتُ في استتابته تجويعًا ولا تعطيشا، وأرى أن يُقات
_________________
(١) في (ت): (لجملة).
(٢) أخرجه من حديث ابن عباس: البخاري في «صحيحه» رقم (٦٩٢٢).
(٣) أخرجه من حديث عمر: مالك في «الموطأ» رقم (١٤٨٨).
[ ٦ / ٤٥٥ ]
بالطعام بما لا يضره (^١).
ويُخوّف بالقتل، ويُعرض عليه الإسلام (^٢).
ولا يورث؛ لأنه لا يُقر على دينه، ففارق الكافر الأصلي.
ص: (مَنْ أُكره على الكفر فلا شيء عليه إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان).
لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وهو مجمع عليه.
وإن ارتدت المرأة ولم تتب قُتلت، وكذلك العبد؛ لعموم الحديث السابق.
ولأن امرأة ارتدت عن الإسلام، فأمر رسول الله ﷺ أن يُعرض عليها الإسلام، فإن تابت وإلا قُتِلت، فأبت فقُتلت.
وقال أبو حنيفة: لا تُقتل.
لنا: ما تقدم، ولأنها ساوت الرجل في جناية القتل والزنا وغيرهما، فكذلك الردة.
قال مالك: ولا يحِلُّ للسيد أن يكتم الردَّةَ على عبده، ولا يقتله، ويرفعه للإمام (^٣)؛ لأنَّ الحدود للأئمة.
_________________
(١) «النوادر» (١٤/ ٤٩١).
(٢) «المختصر الكبير» (ص ٤٢٢).
(٣) «النوادر» (١٤/ ٤٩١).
[ ٦ / ٤٥٦ ]
ص: (إذا انتقل الكافر من ملة إلى ملة أخرى فلا شيء عليه).
قال الشافعي: يُقتل إذا لم يُسلم.
لنا: أنَّ الكفر كله كالملة الواحدة، فكأنه كان عليه بالأصالة.
ويُقتل الزنديق الذي يُظهر الإسلام ويُسِرُّ الكفر، ولا يُستتاب.
لما في البخاري: أنَّ عليًا ﵁ أُتِيَ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس ﵄، فقال: لو كنتُ أنا لم أُحرقهم؛ لنهي النبي ﷺ: «لا تعذَّبوا بعذاب الله»، ولقتلتهم (^١).
ت: لم تُقبل توبته لأنها لا تُعلم؛ لأنه دائما يُظهر الإسلام، فلعل الكفر في نفسه ما برح، وهذا إذا تاب بعد أن ظهر عليه، أما قبل أن يُظهر عليه فتقبل توبته؛ لأن الغالب صدقه.
ص: (يُقتل الساحر الذي يباشر السحر بنفسه، ولا يستتاب).
ت: قال رسول الله ﷺ: «حد الساحر ضرب السيف»، خرجه الترمذي (^٢).
ولقوله تعالى: ﴿وَلَاكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فجعلهم كفرةً بتعليمهم السحر.
والساحر: الذي يُفرّق بين الشخصين، ويذهب بعقل الإنسان ولا يُقبل قوله: لستُ أعتقد إباحته.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» رقم (١٨٧١)، والبخاري في «صحيحه» رقم (٣٠١٧).
(٢) أخرجه من حديث جندب: الترمذي في «سننه» رقم (١٥٢٧).
[ ٦ / ٤٥٧ ]
ولأن الإيلام والضرر من فعل الله تعالى، فمن اعتقد أنه من فعله فقد كفر.
ولا تُقبل توبة الساحر؛ لأنها لا تُعرف إذا تاب بعد أن ظهر عليه، أما قبل فتقبل؛ لأنَّ الغالب صدقه، هذا إذا باشره، أما إذا دفع دراهم لمن يعمله لم يقتل؛ كمن دفع دراهمَ ليَقتُلَ بها زيدًا.
قيل لابن القاسم في الساحر من أهل الذمة إن عُثر عليه؛ قال: إن أسلم (^١) لم يُقتل، وإلا قتل (^٢).
قلت: هذه المسألة من المواضع المشكلة؛ فإنَّ هذه الآثار قد تكون بِقُوَى النفوس عند بعض الكلمات المباحة، كالعين، وقد تكون بآيات من القرآن، وقد تكون بفعل لا كلام فيه، كما تُلقى حجارة للكلب فيعضها، فتلقى في الماء، فمن شربه حدث له ضرر خاص معلوم عند السحرة، وعض الكلب ووضع الحجر في الماء ونحو ذلك التكفير به مشكل.
وأما كونه يُعتقد أنه أضر بفعله فيُشكل بما إذا أطعمه سمًا واعتقد أنه قتله به، فإنا لا نكفره.
ولا يتحقق في هذه المسألة إلا أن يكون السحر مشتملا على ما هو كفر من الكفر القولي، كالنطق بالتثليث ونحوه، أو الفعلي كإلقاء المصحف في القاذورات، وأما بقية ذلك مما تقدَّم ذكره فالتكفير به في غاية الإشكال.
_________________
(١) في (ت): (قال ابن القاسم إن أسلم الساحر من أهل الذمة).
(٢) «البيان والتحصيل» (١٦/ ٤٤٣).
[ ٦ / ٤٥٨ ]
* ص: (قال مالك: أرى في القدرية أن يُستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا، وكذلك الإباضية وأهل الأهواء كلهم).
ت: لأنهم يرجعون إلى شبهة، بخلاف الزنادقة، ولأن بدعتهم تُضِرُّ بالدين، فيقتلون للفساد، كما يُقتل المحارب لأنه يُضِرُّ بالمال، وضرر الناس في دينهم أعظم.
قال مالك: القدري هو القائل: إن الله تعالى لا يعلم الشيء حتى يكون (^١).
والإباضية صنف من الخوارج يُنسبون إلى عبد الله بن إباض (^٢).
قال [عبد الله بن عمر] (^٣): الحرورية قوم عمدوا إلى آيات نزلت في الكفار جعلوها في المؤمنين، فلا أحد أحق بالقتل والقتال منهم (^٤).
قال مالك: من خرج على أئمة العدل من الخوارج، فأباح الحريم، وسفك الدماء؛ استتيب، فإن تاب وإلا قُتِل، ويُقتل منهزمهم وأسيرهم إن رأى الإمام ذلك، فإن انقطع الحرب استتابه، وإن لم ينقطع فله قتله (^٥).
قال سحنون: من كان من أهل البدع بين أظهرنا لا يُقتل، ويُضرب مرَّةً بعد أخرى، ويُسجن ويُنهى الناس عن مجالسته وعن السلام عليه؛ تأديبا له.
وقد ضرب عمر ﵁ صبيعًا، ونهى عن كلامه حتى حسنت حالته (^٦).
_________________
(١) انظر: «الجامع» (٢٢/ ٢٨٥).
(٢) انظر: «شرح الأبهري للجامع لابن عبد الحكم» (ص ١٦٨ - ١٦٩)، و«الجامع» (٢٢/ ٢٨٦).
(٣) كذا في النسخ و«التذكرة» (١٠/ ٢٦٩)، ويقابله في «النوادر» (١٤/ ٥٤٠): (ابن عمير).
(٤) بتمامه في «النوادر» (١٤/ ٥٤٠).
(٥) انظر قوله «النوادر» (١٤/ ٥٣٩).
(٦) بتمامه من كلام سحنون في «الجامع» (٢٢/ ٢٨٨).
[ ٦ / ٤٥٩ ]
فأما من بان منهم عن الجماعة (^١)، ودعوا لبدعتهم، ومنعوا فريضةً من الفرائض؛ دعاهم إمام العدل للسنة، فإن أبوا قاتلهم، كما فعل الصديق ﵁.
قال ابن القاسم: يستتابون، أظهروا ذلك أو أسروه، فإن تابوا وإلا قتلوا، وميراثهم لورثتهم (^٢)، واستتابتهم أن يقال لهم: اتركوا ما أنتم عليه.
قال شيخنا: هذا على القول بعدم تكفيرهم، وإلا فميراثهم للمسلمين.
ص: (من سب الله ﷿ أو رسوله ﷺ - من مسلم أو كافر - قُتِل ولم يُستتب.
وقيل في اليهودي والنصراني: يُقبل إسلامه، ولم يُقتل).
ت: أما المسلم فحده القتل، ولا يسقط بالتوبة؛ لأنها لا تُعلم؛ لأنه لا يتساهل في هذا إلا من لا ينضبط، وسبُّ الله تعالى من المسلمين كفر اتفاقًا، يُحِلُّ الدم.
ومذهب ابن القاسم: أنه لا يستتاب؛ إلا أن يكون افترى على الله تعالى بارتداده إلى دين دان به وأظهَرَه، فيُستتاب، وإن لم يُظهره لم يُستَتَب (^٣)؛ لأنه لما ظهر منه ذلك مع تقدُّم الإسلام دلّ ذلك على تساهله وسوء باطنه، فلا يوثق بتوبته، وإذا أظهَرَ دِينًا وثقنا بتوبته.
وعند محمد بن مسلمة: يُستتاب الساب؛ لأنه كفر كسائر الكفر.
فإن أضاف إلى الله تعالى ما هو محال عليه لا على السب، بل على التأويل،
_________________
(١) في (ت): (فإن كانوا جماعة)، والمثبت موافق لعبارة «الجامع» (٢٢/ ٢٨٩).
(٢) «البيان والتحصيل» (١٦/ ٤١٠).
(٣) «النوادر» (١٤/ ٥٢٦).
[ ٦ / ٤٦٠ ]
والاجتهاد الخطأ من تشبيه أو جارحة أو نفي صفة كمال:
فاختلف فيه قول مالك وأصحابه في تكفيره.
ولم يختلفوا في قتالهم إذا [تحيزوا] (^١) إلى فئة، ويستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا.
وأكثر قول مالك وأصحابه في المنفرد ترك تكفيرهم، وترك قتلهم، والمبالغة في عقوبتهم، وإطالة سجنهم حتى يظهروا إقلاعهم، وتتبين توبتهم.
قال ابن القاسم: من قال: إن الله تعالى لم يكلم موسى تكليمًا؛ استتيب، فإن تاب وإلا قتل (^٢).
قال سحنون: من قال: ليس الله كلام؛ كافر.
قال مالك: من وصف شيئًا من ذات الله تعالى، وأشار إلى شيء من جسده، يد أو سمع أو بصر؛ قطع ذلك منه؛ لأنه شبه الله تعالى بنفسه.
ومن قال: القرآن مخلوق؛ كافر يقتل (^٣).
وضابطه ما هو كفر كَنَفي الوحدانية، أو عبادة غير الله تعالى، أو اعتقاد كون الله تعالى غير حي، أو غير قديم، أو هو مصوّر، أو معه شيء في الأزل غيره، فهذا كفر اتفاقًا.
وادّعى مجالسَةَ الله تعالى، أو العروج إليه، أو مكالمته، أو حلوله في أحد
_________________
(١) في (ت): (تحزبوا).
(٢) «النوادر» (١٤/ ٥٥٣).
(٣) «التبصرة» (٢/ ٦٦٥).
[ ٦ / ٤٦١ ]
الأشخاص، أو قال بقدم العالم، أو بقائه، أو قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص، أو جحَدَ نبيًّا نص الله تعالى عليه بعد علمه بذلك، أو جوز على نبي الكذب فيما أتى به.
أو قال: في كل جنس من الأجناس نذير أو نبي، من القردة أو الخنازير أو الدواب؛ لما يؤدي إليه من وصف النبوية من الصفات الذميمة.
أو قال: كان رسول الله ﷺ أمر، أو أسود، أو مات قبل أن يلتحي، أو ليس هو الذي كان بمكة، أو ليس بقرشي؛ لأن ذلك يؤدي لنفيه وتكذيبه.
أو ادعى نبيا معه أو بعده، أو جوز اكتساب النبوة، أو ادعى أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة، أو أنه يصعد إلى السماء ويدخُلُ الجنَّة ويعانق الحور العين ويأكل الثمار.
أو قال بتكفير جميع الأمة بعد رسول الله ﷺ، لأنهم لم يقدموا عليا، أو كفّر عليًّا لعدم تقديمه وعدم طلب حقه، كما قاله بعض الرافضة، فهؤلاء كفروا من وجوه.
وقد أشار مالك لقتل من كفّر الصحابة؛ لأن ذلك يؤدي لإبطال الشريعة؛ لأنه لا نقل عن كافر، وبأنَّ رسول الله ﷺ عهد لعلي عندهم، مع علمه بأنه يكفر بعده!
ونكفّر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحًا بالإسلام، كالسجود للصنم أو الشمس أو القمر والصليب والنار، والسعي للكنائس والبيع مع أهلها بزيهم، من شَدَّ الزنار، وفحص الرأس.
أو استحلَّ القتل أو شُربَ الخمر أو الزنا، بعد علمه بتحريمه، كأصحاب
[ ٦ / ٤٦٢ ]
الإباحة من القرامطة.
أو جَحَدَ قاعدةً عُلِمَتْ بالنقل المتواتر المُجْمَع عليه، أو جَحَدَ مَكَّةَ، أو البيت، أو المسجد الحرام، أو صفة الحج، أو حرفًا من القرآن، أو غير شيئًا منه، أو زاد، أو أنكر الجنة أو النار أو الحساب، أو أَوَّلَ هذه الأمور بغير ظاهرها بالروحانيات.
أو قال: إنَّ الأئمة أفضل من الأنبياء، كما قاله غلاة الروافض.
قال القاضي أبو بكر: الكفر بالله الجهل بوجوده، والإيمان بالله العلم بوجوده، والكفر بأحد ثلاثة: الجهل بالله، أو أن يأتي قولًا أو فعلًا يُخْبِرُ الله ورسوله أو يُجْمِع المسلمون أنه لا يكون إلا من كافر، كالسجود للصنم والمشي للكنائس بالتزام الزُّنَّار.
فأما من قال: إنَّ الله تعالى ليس بمتكلم ولا مريد ولا قادر، أو نفى صفةً من صفات الكمال:
أما من جَهِلَهَا؛ فرجع أبو الحسن الأشعري إلى عدم تكفيره؛ لأنه لم يجزم بصواب ذلك (^١).
وفيه خلاف.
أما من قال: عالم بغير علم ونحوه؛ فالصحيح عدم التكفير.
وقيل: بتكفيره؛ لأنَّ مآل قوله لنفي الصفات، وإذا لم نكفرهم زُجِرُوا وبُولِغَ في [رَدْعِهم] (^٢)، حتى يرجعوا، وهذه سيرة السلف فيهم.
_________________
(١) انظر: «الشفاء» (٢/ ٢٩٢).
(٢) في (ق): (ردئهم).
[ ٦ / ٤٦٣ ]
وأما الذمي [إذا تناول من حرمة الله] (^١) تعالى ما هو غير دينه، وحاج فيه؛ فأخرج ابن عمر السيف في طلب من فعل ذلك، فهرب.
قال مالك وابن القاسم: يُقتل ولا يستتاب، إلا أن يُسلم طوعا (^٢)؛ لأنَّ عقد جزيته ليس على هذا الكفر، بل على النصرانية مثلًا، وهذا ليس منها، فهذا نقض عهده (^٢).
وقال ابن مسلمة: لا يُقتل حتى يستتاب، مسلمًا أو كافرًا، فإن تاب وإلا قُتِل (^٣).
وإذا عرض الذمي بسب النبي ﵇، أو استخف بقدرِهِ، أو وصفه بغير الوجه الذي كفَرَ به؛ قُتِل إن لم يُسلم؛ لأنا لم نأخذ الجزية على هذا.
وقال أبو حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة: لا يُقتل؛ لأنَّ ما هو عليه من الشرك أعظم، لكن يؤدب.
لنا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ الآية [التوبة: ١٢].
ولقتل رسول الله ﷺ ابن الأشرف وأشباهه، ولأنَّ الذمة لا تُسقط حدود الإسلام من القطع والقتل، وإن كان ذلك حلالا عندهم، فكذلك السب.
قال ابن القاسم وعبد الملك وغيرهما: إن شتَمَ الذمي نبيًّا قُتِل، إلا أن يسلم (^٤).
_________________
(١) في (ت): (إذا نال من الله).
(٢) «النوادر» (١٤/ ٥٢٥).
(٣) بنصه عنه في «الشفا» (٢/ ٢٩٦).
(٤) «النوادر» (١٤/ ٥٢٦).
[ ٦ / ٤٦٤ ]
قال سحنون: لا يقال له أسلم، ولا لا تُسلِم، فإن أسلم فهو توبته (^١).
فإن قال: إنَّ محمَّدًا لم يُرسل إلينا، وإنما أُرسل إليكم؛ قال ابن القاسم: لا شيء عليه؛ لأنَّ الله تعالى أقرهم على مثله، بخلاف: ليس بنبي، أو لم يُنزل عليه قرآن وإنما هو شيء يقوله هذا يُقتل (^٢).
وإن قال: ديننا خير من دينكم، أو دينكم دين الحمير، أو سمع المؤذن يقول: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، فقال: يعطيكم الله كذلك؛ قال ابن القاسم: إنما في هذا الأدب الموجع، والسن الطويل (^٣).
فإن شتم النبي ﷺ شتما يُعرف؛ قُتِل، إلا أن يُسلم (^٤).
قال ابن القاسم: محمل قول مالك عندي: إذا أسلم طائعا (^٥).
فإن أسلم الآن فروايتان:
إحداهما: سقوط القتل؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
ولقوله ﵇: «الإسلام يَجُبُّ ما قبله» (^٦).
والفرق بينه وبين المسلم: أنَّ الكافر معتقد السب، وأقررناه على ذلك
_________________
(١) «النوادر» (١٤/ ٥٢٦).
(٢) «النوادر» (١٤/ ٥٣٠).
(٣) بتمامه في «النوادر» (١٤/ ٥٣٠ - ٥٣١).
(٤) بتمامه في «النوادر» (١٤/ ٥٣١).
(٥) في (ت): (محمل قول مالك: إلا أن يسلم الذمي على أنه طائع).
(٦) تقدم تخريجه، انظر: (١/ ٥١٤).
[ ٦ / ٤٦٥ ]
الاعتقاد، وأما المسلم فمرتد.
وقيل: يُقتل؛ كما لو قذف وتاب، فإنَّ التوبة لا تُسقطه.
ولأنَّ حقوق العباد - من القذف وغيره - لا يُسقطها الإسلام، كان الحق لرسول الله ﷺ (^١)، أو لغيره من الآدميين، ويجب عليه في قذف النبي ﷺ القتل لعِظَمِ حُرمة النبوة.
قال أبو القاسم ابن الكاتب: ومال الذمي إذا قُتِل للمسلمين؛ لأنه فيء؛ لنقضه العهد.
قال ابن كنانة للإمام أن يُحرق ساب النبي ﷺ بالنار، وله قتله وحرق جثته، ورأى مالك أن تُحرق جثته بعد القتل.
* * *
_________________
(١) في (ت): (فإنَّ التوبة لا تُسقط حقوق العباد، كان للنبي ﷺ).
[ ٦ / ٤٦٦ ]
فَصْلٌ فيما هو سَبُّ في حق النبي ﷺ أو نقص
اعلم - وفقنا الله وإياك - أنَّ جميع من سبَّ النبي ﷺ، أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو دينه أو أخلاقه، أو عَرَّض به، أو شبهه بشيء على وجه السب والتحقير لشأنه؛ قُتِلَ (^١).
ولا تقبل توبته عند مالك، والليث، وأحمد، والشافعي.
وقال أبو حنيفة، والثوري: هي ردة.
وروي عن مالك أيضا.
وعليه يُخرج الخلاف في استتابته، وهل قتله حد أو كفر؟
قال ابن سحنون: من شك في كفر الساب كفَرَ.
قال عثمان بن كنانة: يُقتل أو يُصلب حيًّا ولم يُستتب، والإمام مخير في ذلك.
قال مالك: من قال: رداؤه ﵇ وسخ، يريد المعيبة؛ قُتِل.
قال بعض علمائنا: أجمع العلماء على أنَّ الداعي على نبي بشيء من المكروه أنه يُقتل بلا استتابة.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥]، فسلَبَ الإيمان عمن وجَدَ الحرج ولم يُسَلِّم له.
_________________
(١) انظر: «الشفا» (٢/ ٩٢٦).
[ ٦ / ٤٦٧ ]
وقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]، والمحبط للعمل الكفر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، فجعل الاستهزاء كفرا.
وقال ﵇: «مَنْ سب نبيًّا فاقتلوه، ومَن سب أصحابي فاضربوه» (^١).
وقتل رسول الله ﷺ كعب بن الأشرف، وعلله بأنه يؤذيه ﷺ، وقتل جماعةً كانوا يؤذونه ﷺ، منهم أبو رافع.
قال ابن أبي زيد: لا تقبل دعوى زلل اللسان في مثل هذا.
قال أبو الحسن ابن القابسي: يُقتل الساب في سُكره؛ لأنه يُظَنُّ به أنه يعتقد ذلك وهو في عقله.
ولأنه حد لا يُسقطه الشكر؛ كالقذف والقتل وسائر الحدود؛ لأنَّ المعاصي لا تكون أسبابًا للرخص.
وأما قول حمزة ﵁ لرسول الله ﷺ: هل أنتم إلا عبيد لأبي لا يَرِدُ؛ لأنَّ الخمر كانت لم تُحرَّم حينئذ، فأشبهت النوم وغيره.
وقال أشهب: إن تنبأ اليهودي.
وقال: أُرسلت للناس؛ يُستتاب، إن تاب وإلا قتل؛ لأنه كذبه ﵇ في قوله: «لا نبي بعدي».
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٥/¬٣٥).
[ ٦ / ٤٦٨ ]
قال سحنون: إذا قال أحد الخصمين للآخر: صل على محمد، فقال له: لا صلَّى الله على من صلى عليه؛ لا يكون كمن سبَّ الملائكة الذين يصلُّون عليه، إذا كان على هذا الوجه من الغضب؛ لأنه لم يقصده بقلبه.
وقال أصبغ وغيره: لا يُقتل؛ لأنه إنما شتم الناس (^١).
وقال الحارث بن مسكين وغيره: يُقتل (^٢).
فإن قال: لعن الله العرب، أو لعن الله بني إسرائيل؛ قال ابن أبي زيد: لم يُرد الأنبياء، وإنما أراد الظالمين منهم، فيجتهد في أدبه ولا يُقتل.
وكذلك القائل: لعن الله من حرَّم المسكر، وقال: لم أعلم من حرمه، إذا عُذر بالجهل، ويؤدب؛ لأنه إنما قصد الناس غير الله ورسوله؛ لأنه ظاهر حال الجاهل.
وكذلك إن قال: يا ابن ألف كلب، مع أنه في هذه العِدَّة جماعة من الأنبياء، حتى يُعلم أنه قصد سب مَنْ في أجداده من الأنبياء فيقتل.
قال مالك: لا ينبغي لأهل الذنوب إذا عوتبوا أن يقولوا: قد أخطأت الأنبياء قبلنا، أو يعير بالفقر فيقول: قد رعى ﵇ الغنم، هذا يؤدب.
وكره سحنون أن يصلي على رسول الله ﷺ عند التعجب، إلا على طريق الثواب والاحتساب (^٣) (^٤).
_________________
(١) بنصه في «النوادر» (١٤/ ٥٣٠).
(٢) بنصه عنه في «النوادر» (١٤/ ٥٣٠).
(٣) في (ت): (طريق الاحتساب والقربة).
(٤) «النوادر» (١٤/ ٥٣٠).
[ ٦ / ٤٦٩ ]
فإن قال لرجل ذميم الوجه: كأنه منكر ونكير، أو قال لرجلٍ عبوس: كأنه وجه مالك خازن النار، وأراد العيب؛ يُعاقب؛ لأنه ليس بصريح، وإنما صريح بالمخاطَب، فإن قصَدَ ذمَّ المَلَك؛ قُتِل.
والمشهور من مذهب مالك وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء: أنَّ من سب النبي ﷺ قُتِل حدا لا كفرًا إن أظهر التوبة منه، ولهذا لا تقبل عندهم توبته، وحكمه حكم الزنديق، وسواء كانت توبته بعد القدرة عليه أو الشهادة عليه، أو جاء تائبا من نفسه؛ لأنه حَدٌّ وجب عليه لا تُسقطه التوبة؛ كسائر الحدود.
واختلف في الزنديق يجيء تائبا، فهل تقبل توبته؛ لأنه لما جاء دلّ على صدقه، أو لا تقبل توبته ويُقتل؛ لاحتمال أنه إنما جاء خوفًا أن يُظهر عليه؟ قولان.
والفرق بينه وبين ساب النبي ﷺ على المشهور في استتابته: أنَّ النبيَّ ﷺ بشر، والبشر تلحقه المعرَّة، إلا من أكرمه الله تعالى بنبوته، والله تعالى منزه عن النقائص عقلًا، فتقبل توبة المرتد لذلك.
ولأن الردة حق للآدمي (^١)، والقتل في سبّ النبي ﷺ حد كالمقذوف، فإِنَّ التوبة لا تُسقطه.
ومال الساب المسلم إذا قُتِل:
قال سحنون: للمسلمين؛ لأنَّ السب كفر؛ كالزنديق.
وقال أصبغ: لورثته من المسلمين إن كان مستترا، وإن كان مظهرا فللمسلمين.
_________________
(١) في (ت): (ولأنه لا حَقَّ للآدميين في الردة).
[ ٦ / ٤٧٠ ]
قال أبو الحسن ابن القابسي: إن قُتِل منكرًا للشهادة عليه فلورثته، والقتل حدا لا لا يمنع الميراث، وكذلك إن أقر بالسب وأظهر التوبة قُتل؛ لأنه حد، وترثه ورثته، فإن تمادى على السب قُتِل وورثه المسلمون، ولا يُغسل ولا يصلى عليه، وتستر عورته كما يفعل بالكافر.
وحكم الأنبياء كلهم والملائكة كحكم نبينا ﷺ في جميع ما تقدم، فيمن علمنا أنه نبي أو مَلَكُ بالنص المتواتر أو الإجماع القاطع، كرضوان ومنكر ونكير، وأما ما لم يُجمع عليه - كهاروت وماروت، والخَضِر، وذي القرنين، ولقمان، ومريم، وآسية، وخالد بن سنان المذكور أنه نبي أهل الرس - فليس الحكم في سابهم والكافر بهم حكم من قدَّمناه، بل الزجر والأدب فقط، بحسب حال شهرة المقول فيه.
وأما إنكار نبوته أو كونه مَلَكًا، فإن كان من أهل العلم فلا حرج؛ للخلاف في ذلك، أو من العوام زُجر؛ إذ ليس لهم الكلام في مثل هذا.
فصل
ساب آل رسول الله ﷺ وأزواجه وأصحابه وتنقيصهم ملعون؛ لقوله ﵇: «لا تسبوا أصحابي، فمن سبَّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا»
وقال ﵇: (لا تؤذوني في عائشة) (^١).
وقال ﵇: «فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما يؤذيها» (^٢).
_________________
(١) أخرجه من حديث عائشة: البخاري في «صحيحه» رقم (٣٧٧٥).
(٢) أخرجه من حديث المسور بن مخرمة: البخاري في «صحيحه» رقم (٥٢٣٠)، ومسلم في =
[ ٦ / ٤٧١ ]
قال مالك: إن قال: كان أبو بكر أو عمر أو معاوية أو علي أو عثمان على ضلال وكفر؛ قُتِل، أو شتم بغير هذا نُكّل نكالًا شديدًا (^١).
قال سحنون: مَنْ كفر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يوجع ضربًا (^٢).
وعنه: إن كفر أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا قُتِل، أو قال ذلك في غيرهم من الصحابة نُكّل نكالًا شديدًا (^٣).
قال مالك: من سب أبا بكرٍ جُلِد، أو عائشةَ قُتل؛ لقوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧]، فمن عاد فقد كفر.
وفي كتاب ابن شعبان: إن قال في واحد منهم: إنه ابن زانية، وأمُّهُ مسلمةٌ؛ جُلد حدين، ولا أجعله كقاذفِ جماعة في كلمة واحدة، بل يُحَدُّ له حدا ولأمه حدا؛ لفضل هذا على غيره، وإن قذف أم أحدهم وهي كافرةٌ حُدَّ للفرية؛ لأنه سب له، فإن كان أحد من ولد هذا الصحابي حيا قام به، وإلا فمن قام به من المسلمين قبل الإمام قيامه، وليس كحقوق غيرهم؛ لحُرمتهم بنبيهم.
فإن سب غير عائشة ﵂ من الأزواج:
قيل: يُقتل؛ لأنه سب له ﵇.
وقيل: يُجلد؛ للفرية.
_________________
(١) = «صحيحه» رقم (٦٣٠٧).
(٢) بنصه في «النوادر» (١٤/ ٥٣١).
(٣) بنصه في «النوادر» (١٤/ ٥٣١).
(٤) بتمامه في «النوادر» (١٤/ ٥٣١).
[ ٦ / ٤٧٢ ]
فرع:
من انتسب إلى بيت النبي ﷺ قال مالك: يُضرب ضربًا شديدًا ويُشهر ويُحبس، حتى تظهر توبته؛ لأنه استخفاف به ﵇.
ص: (من حارب في البلد أو خارجه أقيم عليه حد الحرابة إن أُخِذ قبل توبته، وحدها القتل، أو الصلب، أو قطع اليد والرجل من خلافٍ، أو الحبس، أو النفي، يجتهد الإمام في ذلك، فإن رأى قتله قتَلَهُ، أو قطعه قطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإن رأى ضربه وحبْسَه فعَلَ ذلك، ونفاه لغير بلده حبسه به حتى تظهر توبته، وله قتله وإن لم يقتل أحدًا في حرابته إن أراه اجتهاده ذلك).
ت: لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، وهو عام فيمن حارب في البلد أو خارجه.
وقال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].
والمحارب هو: القاطع للطريق، المخيف للسبيل، الطالب للمال، إن أُعطِي وإلا، قاتل، فإن كان ذا قوَّة وبطش قطعه الإمام من خلاف، أو ليس فيه ذلك، وإنما فعله مرَّةً، ولعله يتوب؛ ضربه على ما يراه، وحبسه بغير بلده حتى تظهر توبته.
فإن قتل وأخذ المال؛ قال مالك: يقتله ولا يقطعه، والقتل يأتي على ذلك كله.
وإنما قلنا: يُقتل وإن لم يقتل؛ لأنَّ الله تعالى عدَلَ الفساد في الأرض
[ ٦ / ٤٧٣ ]
بالقتل؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، فله قتله وإن لم يقتل لذلك.
وإن رأى قطعه في أخذ المال فلا يراعي في ذلك النصاب؛ لأنه لما سقط اعتبار الحرز سقط اعتبار النصاب، فإن رأى أن يجمع بين القتل والصلب صلب ثم قُتِل بالحربة مصلوبا؛ لأنه أردع من الصلب بعد الموت.
ومتى كان له رأي ويجمع الجموع قتله وإن لم يقتل؛ لأنَّ (أو) في الآية للتخيير، والحد ردع، فأيُّ شيء رآه الإمام أردعَ فعله.
وهذا الاختيار بحسب المشاورة للفقهاء والمصلحة، لا بهواه.
واللام في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] للعهد؛ أي: من الأرض التي هو فيها.
ومن قتل تعين قتله وخُيّر في تقديم الصلب على القتل أو بعده، وكذلك من عظم فساده وطال أمره.
وقال أشهب: يخير فيه بين العقوبات الأربع.
قال الأبهري: اتفق فقهاء المسلمين على أن المراد بالآية: ما لم يقع منه القتل، فإذا وقع فلا بد من قتله.
قال اللخمي: ولا يعذَّب في قتله، بل بالسيف أو الرمح، وظاهر القرآن أنَّ الصلب حد قائم بنفسه، والمذهب أنه مضاف للقتل، ولا بأس أن يُقتل ولا يُصلب (^١).
_________________
(١) «التبصرة» (١١/ ٦١٤١).
[ ٦ / ٤٧٤ ]
قال الباجي: الصلب: الربط على الجذوع (^١).
فإن كان أقطع اليمنى أو أشلها:
قال أشهب: يقطع اليد اليسرى والرجل اليسرى (^٢)؛ لأن المانع إنما وجد في اليد اليمنى، وتعيّن القطع في الرّجل اليسرى.
وقال ابن القاسم: الرجل اليمنى واليد اليسرى (^٣)؛ لقوله تعالى: ﴿مِّنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣]، وهو إنما يتأتى في هذه الحالة بالرجل اليمنى.
وأقل ما ينفى إليه ما تقصر فيه الصلاة.
ص: (إن جاء تائبا قبل القدرة عليه سقط حدّ الحرابة عنه، دون حقوق الناس؛ من القتل والقطع وأخذ المال).
ت: لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].
قال عبد الملك: ليس توبته أن يأتي الإمام فيلقي سلاحه، ويقول: ثبت، حتى تُعلَم توبته قبل مجيئه، ويُحبَس هذا حتى يطلع على صدقه قبل مجيئه، فقد يكون إنما جاء خوف القدرة عليه (^٤).
وعن مالك: مجيئه وانقياده توبة؛ لظاهر الآية (^٥).
_________________
(١) «المنتقى» (٩/ ٢٠٨).
(٢) «النوادر» (١٤/ ٤٦٨).
(٣) بتمامه عنه في «التبصرة» (١٤/ ٦١٤٢).
(٤) «النوادر» (١٤/ ٤٨١).
(٥) انظر: «النوادر» (١٤/ ٤٨١).
[ ٦ / ٤٧٥ ]
وأثر التوبة إنما هو بينه وبين ربه، كالغاصب إذا تاب لا تسقط حقوق الناس، فكذلك هذا.
ص: (إن قتل في حرابته عبدًا أو كافرًا قُتِل به؛ لتناهي فساده).
ت: قتل عثمان ﵁ مسلما قتل ذميا في حرابته.
ولأنه ليس قصاصًا يُراعى فيه تكافؤ الدماء، بل لحق الله تعالى.
قال مالك: إن تاب قبل أن يُقدر عليه فعليه دية الذمي لأوليائه، وإن كان من أهل الذمة لقيد منه.
قال ابن القاسم: إذا قُتِل بحرابته لا يُتَّبع بعبد أو ذمي قتله في ماله؛ لأنَّ قتله كالقصاص، ولا يُجمع بين قصاص ودية.
ص: (مَنْ قُتِل له ولي في حرابة لم يجز عفوه عن قاتله).
ت: لأنه [حقٌّ] (^١) من حقوق الله، لا يتصرف فيه آدمي؛ لأنه لم يُقتل لأجل وليه، بل لحق الله تعالى، نعم إن جاء تائبا له العفو.
قال مالك: مَنْ قتل أحدًا غِيلةً فرفع لقاض يرى بعدم القتل، فأسلمه للأولياء، فعفوا عنه؛ فذلك حكم مضى لا يُنقض.
وقال أشهب: لغيره نقضه؛ لأنه خلاف شاذ.
_________________
(١) في (ق): (حدٌّ).
[ ٦ / ٤٧٦ ]
ص: (مَنْ لقِيَ لِصًّا ناشده الله تعالى، فإن أبى الكف عنه قاتله، فإن قتله قدمه هدر).
وقد تقدم الكلام على هذا في كتاب الجهاد.
* * *
[ ٦ / ٤٧٧ ]