الشُّفعة في الدُّور والأرضين والحوانيت مستحقة للخَليط دون الجار، ولا شُفعة في عَرَض ولا حيوان.
ت: قال رسول الله ﷺ في «الصحيحين»: «الشُّفعة فيما لا يُقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرّفت الطرق فلا شُفعة» (^١)، وهو يقتضي أنها للشريك دون الجار؛ لأنه يصير بعد المقاسمة جارا.
وفي مسلم: قضى رسول الله ﷺ بالشُّفعة في كل شِرْك لم يُقسم، ربع أو حائط، لا يَحِلُّ له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن شاء أَخَذَ وإن شاء ترَكَ، فإن باع ولم يُؤذنه فهو أحقُّ بالشُّفعة (^٢).
قال الأبهري: ولا خلاف بين أهل العلم في أنَّ الشُّفعة فيما [لم] (^٣) يُقسم، إنما الخلاف فيما قُسِم.
وقال بعض أهل العراق: الشُّفعة للجار؛ لقوله ﵇: «الجار أحق بصقبه» (^٤).
ولقوله ﵇: «الشُّفعة للجار، يُنتظر بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا» (^٥).
_________________
(١) أخرجه بنحوه من حديث جابر: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٢٥٨)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤١٢٧).
(٢) أخرجه من حديث جابر: أحمد في «مسنده» رقم (١٤٤٠٣)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤١٢٨).
(٣) في (ز): (لا)، وساقطة من (ت)، والتصويب من التذكرة.
(٤) أخرجه من حديث أبي رافع: أحمد في «مسنده» رقم (٢٣٨٧١)، والبخاري في «صحيحه» رقم (٦٩٧٨).
(٥) أخرجه من حديث جابر: أحمد في «مسنده» رقم (١٤٢٥٣)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٥١٨).
[ ٦ / ٢٣٤ ]
والجواب: أنَّه يُحمل على الخليط؛ لأنه يُسمَّى جارا، وما ذكرنا نص؛ فيحمل المحتمل عليه.
أو: «الجارُ أحَقُّ بصَقَبِه» (^١)؛ أي: بمعونته في الحوادث؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦].
وقوله ﵇: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (^٢). مع أنَّ الحديثين طعن فيهما.
فهي في العقار والنّخل وما يتصل بذلك من بناء أو ثمرة؛ لأنَّ الضرر في العقار أشدُّ؛ لدوامِها وشِدَّةِ الحاجة إليها، بخلاف العروض والحيوان؛ لقلة دوامها وإمكان الاستغناء عنها، ولا بد من أرض يستقر عليها.
فالنَّص لم يتناول العروض والحيوان، ويُمنع قياس العروض والحيوان على العقار لهذا الفارق.
ص: (لا شُفعة في طريق ولا بئر ولا فحلِ نخل).
ت في الدارقطني: قال رسول الله ﷺ: «لا شُفعة في بئر ولا فحل نخل» (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٢٣٤).
(٢) أخرجه من حديث ابن عمر: البخاري في «صحيحه» رقم (٦٠١٥)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٦٦٨٧).
(٣) أخرجه بنحوه عبد الرزاق في مصنفه رقم (١٤٣٩٣)، والبيهقي في «سننه الكبرى» رقم (١١٥٧٦).
[ ٦ / ٢٣٥ ]
وأما الطريق فمرفق للبيوت المقسومة، فهي تبع لأصل لا شُفعة فيه.
وإذا قسمت الأرض وبقيت البئر مرفقًا فهي كالطريق.
وقال الأبهري: هذا إذا كان بياضُها مقسومًا، وإلا فالشفعة فيها، والفحل إذا كان وحده لا شفعة فيه؛ لأنَّه لا ينقسم.
قال مالك: وقوله ﵇: «لا شُفعة في بئر» (^١)، ذلك بئر الأعراب، أما بئر الزرع والنخل ففيه الشفعة إذا كانت النخل لم تُقسم؛ لأنَّ بئر الأعراب ليست بملك لأحد حتى يبيعها، والمملوكة إذا لم يكن لها بياض أو بياض قسم؛ لا شُفعة فيها؛ لأنها لا تنقسم ولا تبع لأصل ينقسم.
ص: (من له في دار طريق أو مَسِيلُ ماء أو ساباط، فبيعت الدار؛ فلا شفعة له).
ت: لأنها أملاك متميّزة لا شركة فيها؛ ليس لأحدهما شركة في نفس الملك، وإنما له حق على الملك، وكذلك لا شُفعة بين السفل والعلو.
ص: (الشفعة على قدر الأنصباء دون الرؤوس).
ت: قال أبو حنيفة: على عدد الرؤوس.
لنا: أنها مستفادة بالملك، فتكون بقدره، لا بعدد الأملاك، كالغلة والكسب.
ولأنها لرفع الضرر، وهو في الأكثر أكثر، وقياسًا على المحاصة في مال
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٢٣٥).
[ ٦ / ٢٣٦ ]
الغريم، ومحاصَّةِ الوصايا في الثلث.
والفرق بينها وبين العبد لأحدهم نصفه ولآخَرَ ثُلُثُه، ولآخر سُدُسُه، فيُعتق صاحب الثلث والسُّدُس، فيقوم عليهما النصف نصفين؛ أنَّ ضرر الحرية يستوي فيه القليل والكثير في منع الوطء والمسافرة بها.
والمشهور التسوية بين التقويم والشفعة، وأنه على قدر الأنصباء.
رواه ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالك.
والرواية الأخرى: أنه يعتق على الرؤوس، رواها عبد الملك.
ص: (الشفعة بين أهل الميراث على قدر سهامهم، وأهل كل سهم أحقُّ بشفعتهم فيما بينهم دون السهم الآخر).
ت: لأنها لما وجبت للملك فتكون على قدر السهام، فمن كثرت حصته كثرت شفعته.
وإنما اختص أهل كل سهم؛ لأنَّ بعضهم أقرب لبعض من السهم الآخر، ودخول غيرهم عليهم يضرهم في سهمهم.
ولأن الضرر لأهل السهم الواحد أقرب، وهي لدفعه بدخول الأجنبي، ولذلك يُقسم كلُّ سهم [وحده] (^١).
وليس الشراء كالسهم المفروض؛ لأنه قد لا يقع، والميراث لا بُدَّ من وقوعه، فهو أقوى.
_________________
(١) في (ت): (على حدة).
[ ٦ / ٢٣٧ ]
قال مالك: إن ترك ثلاثة بنين، اثنان شقيقان، والآخَرُ لأب، وترك لهم دارا، فباع أحد الشقيقين؛ فالشفعة بين الثلاثة سواء؛ لأنهم بالبنوة ورثوا، ولا يُنظر إلى الأقعد بالبائع.
ولو ولد لأحدهم أولاد ثم مات، فباع بعض ولده حصته؛ فبقيَّةُ ولده مقدَّم على الأعمام؛ لأنَّهم أهلُ موروث ثانٍ، فإن سلَّموا فالشفعة للأعمام، وإن باع أحد الأعمام فالشفعة لبقية الأعمام مع بني أخيهم، لدخولهم مدخل أبيهم.
ص: (إذا كان في الورثة ذَوُو سهام وعصبة، فباع أحد من ذوي السهام؛ فالشفعة لأهل سهمه، أو بعض العصبة؛ شفع ذَوُو السهام والعصبة جميعًا، فإن باع جميعهم سهمهم؛ شَفَعَ أهل السهم الآخر).
ت: إذا باع بعض الزوجات؛ شفَعَ بقيتُهنَّ، فإن سلمن؛ شفَعَ بقية الورثة من السهام وغيرهم، وقد تقدَّم توجيه اختصاص أهل السهم بشفعتهم.
فإن باع بعض العصبة دخَلَ ذَوُو السهام؛ لأنهم أضعف؛ لأنهم لا يرثون إلا بعد الفرض، فيدخل الأقوى على الأضعف، ولا يدخل الأضعف على الأقوى، كما تقدَّم في الميراث، يُقدَّم الأقوى على الأضعف ولا يُقدم الأضعف على الأقوى.
ولأن أهل السهام يرثون على كلِّ تقدير، والعصبة لا ترث إلا إن فضل شيء.
وعن مالك وأشهب: هم كأهل سهم؛ أحق بشفعتهم؛ لأنهم أهل حيّز.
[ ٦ / ٢٣٨ ]
ص: (مَنْ وهَبَ سهما من دارٍ أو أرض مشتركة، فهل فيها الشفعة بالقيمة، أو لا شفعة؟
رواتان).
ت: هذا إذا كانت الهبة بغير ثواب.
وجه الأول: أنه انتقال ملك باختيار المتعاقدين، كالبيع.
ولأنه أدخل الضرر على شريكه بالأجنبي، كالبيع.
والفرق بين الهبة والصدقة والوصيَّة، والميراث: أن الميراث ليس نقلًا باختيار.
وجه الثانية: أنه انتقالٌ بغير عِوَض، كالميراث.
ولأنه أراد التقرب إلى الله تعالى أو المودة؛ فلا يُبطل قصده، بخلاف البيع.
وإذا شفَعَ من الموهوب والمتصدق عليه؛ أَعطى عِوَضه.
قال اللخمي: الثانية أحسن، ولم تَرِدِ السنَّة إلا في البيع (^١).
ص: (إنْ تزوَّجها بسهمٍ من دارٍ أو أرض؛ ففيه الشفعة بقيمته دون صداق المثل، وإن صولح به في دم عمد؛ فبقيمة السهم).
ت: يشفع في الخُلع والنكاح ودم العمد، خلافًا لأبي حنيفة؛ لقوله ﵇ في مسلم: «الشفعة في كل شرك» (^٢).
_________________
(١) «التبصرة» (٦/ ٣٣٩٨).
(٢) أخرجه من حديث جابر: أحمد في «مسنده» رقم (١٤٤٠٣)، ومسلم في (صحيحه) رقم (٤١٢٨).
[ ٦ / ٢٣٩ ]
ولأنها معاوضةٌ فيشفع فيها، كالبيع.
[والشُّفعة بالقيمة] (^١) دون الصَّداق؛ لأنَّ النكاح مبني على المكارمة بالزائد والناقص؛ فكانت القيمة أولى، ولذلك جاز في النكاح من الغرر ما لا يجوز في البيع، وجاز بغير مهر مسمًّى.
وقد يكون المهر ألفًا، فيُسامح فيؤخذ منه [بشِقص] (^٢) قيمته مئة، وبالعكس، فإن ألزمناه الأخذ بالألف أجحفنا به، وعكسه يُجحِفُ بالمرأة؛ فيعطيها مئةً في ألف، وكذلك الخُلع ودم العمد لا تنضبط فيها المعاوضات.
ص: (إن صالح من دم خطأ على سهم من دار أو أرض؛ شَفَع فيها بالدية).
ت: لأنَّ الواجب كان الدّية، وأُخِذ الشَّقص عنها، كما لو أُخِذ في دين.
فإن كانت العاقلة أهل إبل؛ أخذه بقيمة الإبل.
قال ابن يونس: وكان يجب أن يأخذها بمثل الإبل إلى أجل؛ لأنها ثمن الشَّقص، وهي موصوفة، لكن صفات الإنسان غير محصلة، ولا يصح بيع الشَّقص بها، وهي كذلك حتى تنضبط بالصفة.
وإنما قال: بقيمة الإبل، مع أنَّ القيمةَ فرع الصفة؛ لأنه رأى أنَّ الصفة [أحقُّ] (^٣) من [عين] (^٤) الإبل.
_________________
(١) في (ت): (وتعينت القيمة).
(٢) في (ز ت): (بنقص)، والتصويب من «التذكرة» (٩/ ٣٢٧).
(٣) في (ز): (أخف).
(٤) في (ت): (غير).
[ ٦ / ٢٤٠ ]
وإن كانوا أهل ذهب أو وَرِقٍ أخذه به، يُنجم على الشفيع كما تُنجم الدية على العاقلة في ثلاث سنين (^١).
واختلف قول مالك في النصف:
فقال مرَّةً: في سنتين، واختاره ابن القاسم (^٢)؛ لما جاء: أنَّ الدية تنجم في ثلاث سنين أو أربع.
وعنه: يجتهد فيه الإمام، في سنتين أو سنةٍ ونصف (^٣).
ص: (إذا جمعت الصفقة ما فيه الشفعة وما لا شُفعة فيه؛ أَخَذ ما فيه الشفعة بحصته من الثمن).
ت كبعض دارٍ وعَرْضِ، فيأخذ بعض الدار بقيمته يوم الصفقة بحصته من الثمن، تغيرت الدار أم لا.
قال ابن يونس: من يرى أنَّ الشفعة كالاستحقاق، وقيمة الشقص الجُلُّ؛ للمشتري ردُّ العَرْض؛ لبطلان جُلَّ الصفقة، وعلى القول أنه بيع مبتدأ لا يرد.
ص: (إذا باع سهامًا من دور مختلفة وشفيعها واحد؛ فليس له إلا أخذُ الجميع أو ترك الجميع).
ت: لئلا يدخل على المشتري ضرر تفريق الصفقة، وكذلك إذا اشترى
_________________
(١) بتمامه في «المدونة» (٩/ ٤٧٠).
(٢) بنصه عنه في «المدونة» (٩/ ٤٧٠).
(٣) «المدونة» (٩/ ٤٧٠).
[ ٦ / ٢٤١ ]
من أحدهم حصَّتَه من نخلٍ، ومن آخَرَ حصّته من دارٍ، ومن آخر في قرية في صفقة واحدة، أو كان بائع ذلك كله واحدًا والشفيع واحدًا، إلا أن يرضى المشتري.
بخلاف إذا جمعت الصفقة ما لا شُفعة فيه؛ لا يلزمه أخذه؛ لأنَّ أخذه ضرر عليه، والأشقاص ينتفع بها كلها في زوال الضرر عن ملكه بزوال شِركة الأجنبي.
فإن تعددت الصفقات فله أخذُ أي صفقة شاء وحدها؛ لعدم ضرر التفريق.
ص: (إذا بيع سهم له شفعاء، فترك بعضُهم؛ فلمن بقي أن يأخذ الكل أو يترك، ولا يأخذ بقدر نصيبه).
ت: لأنَّ التارك سقط حقه بالترك، فكأنه له شفيع واحد، فلا يُدخل على المشتري ضررا بتفريق صفقته.
وقال أصبغ: إن كان تسليمٌ من سلَّم على وجه الهبة للمشتري؛ فليس للآخر إلا بقدر سهمه، أو على ترك الشفعة؛ فللباقي أخذُ الجميع (^١).
ص: (إذا حضر بعضهم وغاب بعضهم؛ فللحاضر أخذُ الكل بشفعته أو تركه، ولا يأخذ بقدر حصته).
لئلا يفرق الصفقة.
فإذا قدم الغائبُ أَخَذَ من الحاضر بقدر حصته.
ت: فإن قال الحاضر: آخُذُ بقدر حصتي، فإذا قَدِمَ الغائب وأخذ، وإلا
_________________
(١) «النوادر» (١١/ ١٥٣).
[ ٦ / ٢٤٢ ]
أخذتُ الجميع؛ لم يكن له ذلك (^١)؛ لأنَّ فيه منع المشتري من التصرف لتوقع الشفعة.
وإن ترك الحاضر فللقادم إذا قَدِمَ أخذُ حصته، وإلا أخذ الذي سلّم مع أصحابه، ولهم أن يأخذوا الجميع أو يتركوا.
وإذا أخذ الحاضر الجميع، وقدِمَ الغائب فترك البعض؛ لم يكن للباقي الأخذ بقدر حصته، بل يساوي الآخذ الأول فيما أخذ أو يدع.
قال ابن يونس: يريد: إن اتفقت الحصص، فإن اختلفت قسما الجميع على قدر حصصهما (^٢).
قال أشهب له أن يكتب عهدته عليك، أو على المبتاع أنت وهو، وخرقت كتابك الأول (^٣).
قال عبد الملك: فإن قال الشَّفيع: أنا أُسلّم الجميع إليك؛ فليس له ذلك إلا برضا القادم، فإن رضيا بذلك ثم جاء ثالث، [فإن ما طاع] (^٤) به الأول للثاني فوق ما يلزمه؛ بيع، ثم يأخذ الثالث من الثاني بالشفعة، إلا أن [يُشركه] (^٥) الثاني فيه بقدر حقه، بما يصيبه في ذلك من الشفعة (^٦).
قال سحنون: وإذا حضر أحدهم، فأخذ الجميع وباعه من أجنبي، فقدم
_________________
(١) بنحوه في «الجامع» (٢٠/ ٨٩).
(٢) «الجامع» (٢٠/ ٩٠).
(٣) «النوادر» (١١/ ١٥٤)، و«الجامع» (٢٠/ ٩٠).
(٤) في (ت): (فإن أطاع).
(٥) في (ز ت): (يتركه)، والمثبت من «النوادر» (١١/ ١٥٤)، و«الجامع» (٢٠/ ٩١).
(٦) «النوادر» (١١/ ١٥٤)، و«الجامع» (٢٠/ ٩٠ - ٩١).
[ ٦ / ٢٤٣ ]
ثان؛ فله أخذ نصف هذا الشَّقص من المشتري الأول بنصف الثمن، والنصف الآخر من المشتري من الشفيع بنصف الثمن الذي اشترى به الثاني (^١).
ص: (لا تنقطع شُفعة الغائب بطول غيبته).
ت: عَلِمَ بالشراء أم لا؛ لأنَّ الأصل بقاء حقه حتى يتركه، فإن ادعى عليه المشتري التَّركَ حلف أنه لم يترك بعد العلم، وكذلك الحاضر.
قال مالك: إلا أن يأتي من طول الزمان ما يُجهل في مثله أصل البيع ويموت الشُّهود؛ فأرى الشفعة منقطعة.
فإن أخفى المبتاع الثمن ليقطع الشفعة؛ قومت الأرض على ما يُرى من ثمنها يوم البيع فأُخذ به (^٢).
ص: (إذا أخر الحاضر الأخذ مع علمه بوجوبها له، فهل تنقطع شُفعته بعد سنة، أو لا تنقطع أبدا إلا أن يتركها أو يظهر منه ما يدلُّ على تركها؟).
رواتان.
ت: وجه الأولى: أنَّ كونها على الفور ضرر؛ لأنَّ الثمن قد يعسر، أو يعسر بيع ما يؤخذ منه الثمن، فجعلت السَّنةُ غايةً للمهلة؛ لأنها أصل في الشريعة؛ كالعنة، والعهدة، والزكاة، وطول إقامة البكر عند الزوج في سقوط إجبار الأب.
وجه الثانية: قوله ﵇: «الشريك أحق بشفعته»، ولم يحدّد.
_________________
(١) «النوادر» (١١/ ١٥٥)، و«الجامع» (٢٠/ ٩١).
(٢) قول مالك بنحوه في «النوادر» (١١/ ١٨٧).
[ ٦ / ٢٤٤ ]
وقياسًا على أروش الجنايات، بجامع استيفاء المال، وقياسًا على خيار الأمة نفسها إذا عتقت.
وللمشتري استحلافه إذا أتى من الزمان ما يجوز أن يكون ذلك تركا للشفعة.
وقال مالك: يُحلف في خمسة أشهر، ولا يُحلَّف في شهرين (^١).
ومُسْقِطَاتُ الشُّفْعَة ستة (^٢):
التصريح بذلك.
والمقاسمة.
وطول الزمان الدال على الترك.
وما يُحدث المشتري من الهدم والبناء.
وخروجه من يده بالبيع والهبة والصدقة.
والسادس: مساقاة الشفيع وكراؤه ومساومته.
ص: (إن وَهَبَها قبل وجوبها لم تصح هبته، ولم تَسقُط).
ت: لأنه أسقط غير حق له، وهو كمن أذِنَ له ورثته أن يوصي بأكثر من ثلثه في صحته؛ لم يلزمهم ذلك، وكإبراء الولي من القصاص قبل القتل، وحد القذف قبل القذف.
_________________
(١) بنصه عن مالك في «النوادر» (١١/ ١٨٦).
(٢) عدها اللخمي سبعة، انظرها «التبصرة» (٦/ ٣٣٢٦ - ٣٣٢٧).
[ ٦ / ٢٤٥ ]
قال مالك: فإن أسقطها بعد الشراء سقطت، ولو قال: اشتر، فقد أسقطتُ شفعتي، وأشهد بذلك؛ فله القيام بها.
قال اللخمي: يجري فيها قول آخر بعدم الشفعة، كمن قال: إن اشتريت عبد فلان؛ فهو حُر؛ لأنه أوجب العتق قبل الملك، وكمن جعل لزوجته الخيار إن تزوج عليها، فأسقطته قبل الزواج عليها، لزمها ذلك، وهاهنا أولى؛ لأنه أدخل المشتري في الغرر (^١).
ص: (شهادته في البيع لا تُسقط شُفعته، ومساومته للمشتري بعد البيع في الشراء والكراء تُسقط شُفعته).
لأنه رضي بالتقرير للملك للمشتري، والشهادة في البيع وسيلة للأخذ بالشفعة؛ فلا يُسقطها.
ت: وقوله في المساومة: إن أعطاني بأقل وإلا أخذتُ بالشفعة؛ دعوى منه.
وقال أشهب: لا تسقط لمساومته؛ لأنَّ مِنْ حُجَّته أن يقول: اختبرته؛ إن أعطاني بأقل من الثمن وإلا أخذتُ، كما لو فعل ذلك غيري بمحضري فلم أُنكِر (^٢).
ص: (إن اشترى سهما فيه الشفعة بعرض أو حيوان؛ فللشفيع أخذه بقيمة العرض أو الحيوان، أو بمكيل أو موزون؛ أخَذَه بمثله).
_________________
(١) «التبصرة» (٦/ ٣٣٥٨).
(٢) بنصه عن أشهب في «النوادر» (١١/ ١٩١)، و«التبصرة» (٦/ ٣٣٣٠).
[ ٦ / ٢٤٦ ]
ت: إنما يُستحَقُّ بالثَّمن الذي عاوَضَ به المشتري، يعطي مثلَه، وإلا فقيمته؛ لأنها تقوم مقام المثل عند تعذرِه، كما [قال] (^١) في المتلفات.
فإن كان عَرْضًا موصوفًا:
قال أشهب: يأخذ بقيمته إلى أجَلِه على ما هو عليه في يُسره وعدمه ولَدَدِه، ولا يجوز أن يأخذ قبل معرفتهما بقيمته (^٢)؛ لأنَّ هذا [الأمثل] (^٣)، فتعينت القيمة.
قال ابن الموَّاز: هذا غلط، بل بمثله إلى أجله، وإنما القيمة في العرض المعين؛ لأن باستحقاقه ينتقض البيع، واستحقاق الموصوف لا ينقض البيع، والشفعة قائمة (^٤).
وإن كان المثلي مؤجَّلًا أخَذَ بمثله لذلك الأجل، لينتفع الشفيع بالأجل، كما ينتفع المشتري.
قال مالك: يأخذ بالمؤجل إن كان مليئًا، أو أتى بضامن ثقة مليء (^٥).
فإن قال البائع للمبتاع: أنا أرضى باتباع الشفيع للأجل؛ منعه ابن القاسم؛ لأنَّه فسخ ما لم يَحُلَّ من دينه في دين على آخر (^٦).
_________________
(١) قوله: (قال) ليس في (ت)، ولعل الأولى إسقاطه.
(٢) «النوادر» (١١/ ١٦٣).
(٣) كذا في (ز)، وموضعها ساقط من (ت).
(٤) «النوادر» (١١/ ١٦٣).
(٥) بنصه عنه في «المدونة» (٩/ ٤١٥).
(٦) قول ابن القاسم في «المدونة» (٩/ ٤١٦).
[ ٦ / ٢٤٧ ]
ص: (عُهدة الشفيع على المشتري في الاستحقاق وغيره دون البائع، أخَذَ بالشفعة قبل القبض أو بعده).
وقال أبو حنيفة: هي على من يؤخذ منه الشقص؛ بائعا كان أو مشتريًا.
لنا: أنَّ العقد نقل الملك للمشتري؛ فيكون عليه العهدة لمن أَخَذ منه، كسائر صور الأملاك.
ولأن الشفيع في الحقيقة مشتر من المشتري؛ فتكون على البائع له العهدة، كسائر الصور.
ص: (وإن ادعى بيع سهم فيه الشفعة وأنكر المشتري؛ حلف وبرئ، وبطلت الشفعة وإن كان ربُّه مقرا ببيعه).
لأنه إقرار على الغير.
ت: إن كان المدعى عليه غائبًا بعيد الغيبة فللشفيع الشفعة؛ لإقرار
المالك، فإن قَدِمَ وأقرَّ؛ كُتبت العهدة عليه، وإن أنكر حلف ورجع الشقص للبائع.
قال ابن المواز: أحبُّ إليَّ أن لا يرجع الشقص على البائع إذا أنكر الغائب؛ الإقرار البائع أنَّ الشفيع أحقُّ بذلك الثمن، ويكتب العهدة على البائع (^١).
ص: (لا تسقط الإقالة الشفعة، وهل العهدة على المشتري والإقالة باطلة، أو يخير في كتبها على البائع أو المبتاع؟
_________________
(١) «المدونة» (١١/ ١٩٨).
[ ٦ / ٢٤٨ ]
رواتان).
ت: لأنها حق ثبت قبل الإقالة، فلا يبطل بها، ولا يُمَكنُ أحد من إسقاط حق غيره.
ولا يأخذ بعهدة الإقالة؛ لأنها عند مالك بيع حادث إلا في هذا، فإنَّها حل عقد.
ولأنه يتهم أنه هرب من العهدة فلزمته.
قال الأبهري: ومعنى هذه المسألة: إذا قصد بالإقالة قطع الشفعة، وإلا فهي بيع ثان، وللشفيع الأخذُ بأي الصفقتين شاء، فإن أخَذَ بالأُولى فالعهدة على المشتري، أو بالثانية فهي على البائع؛ لأنه مشتر من المشتري، فهذا معناها عندي، وكذلك قال غير واحد من شيوخنا.
فإن سلم الشفيع شفعته صحَّتِ الإقالة.
وروايتا الجلاب مخرجتان على أنَّ الإقالة حل بيع، فتتعين العهدة على المشتري، أو بيع ثانٍ، فيُخيَّر الشفيع بين الصفقتين بأيهما يأخذ.
ص: (إذا بيع السهم الذي فيه الشفعة مرارا قبل أخذ الشفيع؛ أَخَذَ بأي صفقة شاء، والاختيار إليه في العهدة والثمن، فإن أخَذَ بالآخرة صح ما قبلها، أو بالأولى بطل ما بعدها، اتفقت الأثمان أو اختلفت، أو بالوسطى صح ما قبلها وبطل ما بعدها).
ت: إن حضَرَ وعَلِمَ ولم يَقُم حتى بيع؛ سقطت شُفعتُه إلا من آخر بيع،
[ ٦ / ٢٤٩ ]
أو حاضرًا غير عالم، أو غائبًا غيبةً بعيدةً؛ تخير
فإن أخَذَ بالأولى رجَعَ كلُّ مشترٍ على بائعه بالثمن؛ لأنَّ الشفيع له الأخذُ بأي صفقة شاء؛ لأجل اختلاف الأثمان والشركاء.
قال مالك: إن اشترى حظ ثلاثة من دار في ثلاث صفقات؛ فللشفيع أن يأخذ ذلك أو أي صفقة شاء، فإن أخَذَ بالأولى لم تكن للمشتري الأول شفعة فيما بعد، أو بالثانية كان المشتري الأوَّلُ شفيعًا في الثانية وما بعدها بقدر حصته بما اشتراه، أو بالثالثة استشفع فيها بالأولى والثانية (^١).
قال أشهب: إذا تبايع الشَّقص ثلاثة، فأخذه من الأول؛ كتب عهدته عليه، ودفع من ثمن الشقص إلى الثالث ما اشتراه به؛ لأنه يقول: لا أدفع الشقص حتى أقبض ما دفعتُ، ويدفع فضلًا إن كان للأوّل، فإن فضل للثالث مما اشترى به شيء رجع به على الثاني، وليس للثالث حبسه حتى يدفع إليه بقية ثمنه، ثم يرجع الثاني على الأول بتمام ما اشترى به الشَّقص منه.
وإن أخَذَ من الثاني فعهدته عليه، وثبت بيع الأول، ويدفع من ثمن الشقص إلى الثالث ما اشتراه به، وفضلا إن كان فيه للثاني، وإن فضل للثالث مما اشترى به شيء رجع به على الثاني، ولا تراجع بين الأول والثاني لتمام بيعهما.
وإن أخَذَ من الثالث فعُهدته عليه، وصح ما قبله (^٢).
_________________
(١) «المدونة» (٩/ ٤١٦ - ٤١٧).
(٢) بتمامه عن أشهب في «النوادر» (١١/ ١٥٩).
[ ٦ / ٢٥٠ ]
ص: (إذا طلب الشفيع الانتظار بالثمن؛ أُنظِر ثلاثة أيام، فإن جاء به وإلا قُضِيَ ببطلانِ شُفعته).
ت: إن سأل المشتري الإنظار لينظر ويستشير:
قال مالك: لا يُمكّن من ذلك، ويُجبر على الأخذ أو الترك (^١).
وعنه: يؤخر ثلاثة أيام (^٢).
قال مالك: وهو الذي رأيتُ القضاة عندنا يأخذون به (^٣).
والثلاثة أصل في الشرع؛ المرتد يُستتاب ثلاثة أيام، والمُصَرَّاةُ يمسكها ثلاثا.
قال ابن المواز: إنما يؤخَّرُ إذا أراد الشفعة، وأما النظر فيها فليس له ذلك (^٤).
واختلف إذا كان الثمن مؤجَّلا:
قيل: هو كالأول.
وقيل: إن أخذ وسأل الإنظار بالثمن؛ أُنظِر (^٥).
_________________
(١) بنحوه في «النوادر» (١١/ ١٨٤)، وبنصه في «التبصرة» (٦/ ٣٣٥٥).
(٢) بنصه عنه في «المختصر» (ص ٦٣٢)، و«النوادر» (١١/ ١٨٤)، و«الجامع» (٢٠/ ١١٢)، و«التبصرة» (٦/ ٣٣٥٥).
(٣) «المدونة» (٩/ ٤٢٤ - ٤٢٥)، و«النوادر» (١١/ ١٨٥)، و«الجامع» (٢٠/ ١١٢).
(٤) «النوادر» (١١/ ١٨٤)، و«الجامع» (٢٠/ ١١٢).
(٥) ما سلف بنصه في «التبصرة» (٦/ ٣٣٥٥).
[ ٦ / ٢٥١ ]
ص: (للمشتري رفع الشَّفيع للحاكم، يأمره بالأخذ أو الترك، فإن أبى الأخذ أو الترك؛ حكم بسقوط شُفعته).
ليُمَكِّن المشتري من التصرف فيما اشتراه بالهدم والبناء وغيرهما، وفي التطويل عليه بذلك ضرر.
ت: إذا لم يرفع للحاكم، [ثم] (^١) بنى وتصرف؛ فللشفيع الشفعة، إلا أن يأتي من الزمان ما يُعلم أنه تركها.
_________________
(١) في (ت): (حتى).
[ ٦ / ٢٥٢ ]