الصلح جائز بين المسلمين على الإقرار والإنكار، والصلح كالبيع، فما جاز في البيع جاز فيه، وما امتنع في البيع؛ امتنع فيه.
ت: وأصله الكتاب والسُّنَّة والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].
وقال ﷺ: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صُلحًا أحَلَّ حرامًا، أو حَرَّمَ حلالًا» (^١).
وهو مُجمع عليه في الجملة دون تفاصيله، فمَنَعَه الشافعي على الإنكار، لأنه من أكل المال بالباطل.
لنا: الحديث المتقدم، وهو عامٌّ.
ولأنه في الإنكار يفتدي من اليمين بماله (^٢).
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: أحمد في «مسنده» رقم (٨٧٨٤)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٥٩٤).
(٢) انظر: «الجامع» (١٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤ و٢٦٦).
[ ٦ / ٢٠١ ]
وقاله [عثمان] (^١) وابن مسعود، ولا مخالف لهما (^٢).
ومع الإقرار هو مبايعة؛ [لتعيُّنِ] (^٣) الحقِّ بالإقرار، فصاحبه معاوض عنه، فيشترط فيه شروط تلك المعاوضة؛ فيدخله الصحة والفساد، وما وقع فاسدًا لم [يمض] (^٤) إلا ما يُمضى من مكروه البيع.
ودليلُ فسخ الفاسد منه (^٥): أنَّ رجلين اختصمَا إلى رسول الله ﷺ، فقال أحدهما: إنَّ ابني كان عسيفًا على هذا، وإنَّه زنى بامرأته، فقيل: إنَّ على ابني الرجم، فافتديتُ منه بمئة شاة وجارية، ثم إني سألت عن ذلك، فأُخبِرتُ أَنَّ على ابني مئة جلدة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأة هذا، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لأقضينَّ بينكما بكتاب الله تعالى، أما غنمك وجاريتُكَ فرَةٌ عليك»، وجلد ابنه مئةً وغربه عامًا، وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها (^٦).
فيجوز أن يصالحه على مئة درهم حالة بخمسين إلى أجل؛ لأنه حط وأخر، وعلى دنانير أو عروض نقدًا؛ لأنه صرف ما في الذمة، وهو جائز، ولا يجوز التأخير، لأنه صرف مستأخر.
_________________
(١) في (ز ت): (عمر)، والتصويب من التذكرة (٩/ ٢٤٧)، و«الجامع» (١٤/ ٢٦٦).
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢٠٦٩٨) بسنده إلى الشافعي، قال: بلغني أن عثمان ﵁: ردت عليه اليمين على المنبر، فاتقاها وافتدى منها، وقال: أخاف أن يوافق قدر بلاء فيقال: بيمينه.
(٣) في (ت): (لتعلق).
(٤) في (ت): (يضمن).
(٥) كلام القرافي هنا مقتبس بنصه من «الجامع» (١٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
(٦) أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري في صحيحه رقم (٦٦٣٣)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٤٣٥).
[ ٦ / ٢٠٢ ]
أما في الإنكار:
فقال عبد الملك: يُمنَع فيه ما يُمنع في البيع، كمَنْ ينكرك مالا، فتصالحه على سكنى دار، أو خدمة عبد، أو من قمح على شعير مؤجل؛ فهذا حرام يُرَدُّ، فإن فات؛ صح بالقيمة على قابضه، أو يرد المثل، كالبيع، ويرجعان للخصومة إلا أن يأتِنِفَا صُلحا، فيجوز (^١).
وجوزه أصبع؛ لأنه هبة؛ لأنه لو صالحه بشقص لم تكن فيه شُفعة (^٢).
وهذا ظاهر الحكم، وأما بينه وبين الله تعالى فلا يحل له أن يأخذ ما لا يجوز في البيع (^٣).
ص: (يجوز الصلح على إسقاط بعض المال وتأخير بعضه، ولا يجوز قبل حلوله على إسقاط بعضه وتعجيل بعضه).
لأنَّه «ضَعْ وتعَجَّلْ»، فالأوَّلُ معروفٌ صِرفٌ.
ولا يجوز قبل حلوله على إسقاط بعضه وتأخير بعضه؛ لأنَّ إقدامه على ذلك قبل الأجل دليل على أنه لم يقصد المعروف، ولو قصده أحدهم لصَبَرَ إلى الأجل، [فلما] (^٤) عجل قصد الضمان الزائد تعجَّل؛ لأنه قد يكون اطلع على أنه
_________________
(١) هذا قول مطرف وابن الماجشون، نقله عنهما ابن أبي زيد في «النوادر» (٧/ ١٦٧).
(٢) بتمامه عنه في «النوادر» (٧/ ١٦٨)، و«الجامع» (١٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤).
(٣) ما سبق نقله من كلام أصبغ ابن أبي زيد في «النوادر» (٧/ ١٦٨)، وابن يونس في «الجامع» (١٤/ ٢٥٤).
(٤) في (ز): (فما)، وفي (ت) خرم، والمثبت أقرب وأنسب.
[ ٦ / ٢٠٣ ]
إذا قَبَضَه أُخِذَ منه حِينَئِذٍ، فيُؤَخِّرُه في ذِمَّة هذا، فهو سَلَفٌ بِنَفْع.
ت: قال مالك في «المدوَّنة»: لك مُصالحته من مئة حالة على خمسين إلى أجل إذا كان مُقِرًّا (^١)؛ لأنه معروف.
وفائدة قوله: مُقِرًّا، المَنْعُ مع الإنكار.
وفي غير «المدوَّنة»: لا يجوز ذلك إذا كان مُنكرًا؛ لأنه سَلَفٌ جَرَّ مَنفعةً (^٢)؛ لأنَّ المُدَّعَى عليه له رَدُّ اليمين على المدَّعي (^٣)، فقد أسقط اليمين عنه بالتأخير.
وأجازه ابن القاسم (^٤)؛ لأنَّ الطالب يقول: مالي حقٌّ، وأُسقِطُ بعضه، والمطلوب به يقول: ليس عليَّ شيء، إنما دفعت [من مالي شيئًا لدفع] (^٥) الخِصَام عنِّي، فليس هاهنا سَلَف.
وأما التعجيل والإسقاط، فلنهيه ﵇ عن ضَعْ وتعجَّلْ.
وقاله جماعة من الصحابة والتابعين ﵃.
وأما إسقاط البعض وتأخير البعض قبل الحلول:
قال شيخنا: هو مُشكل من جهة أنَّ التُّهمة في ضمان النَّقْدَين ضعيفة؛ لقول مالك: إذا باع ثوبًا بعشرة إلى أجَلٍ، ثم اشتراه قبل الأجَل بأكثر نقدًا؛ جاز، مع
_________________
(١) «المدونة» (٧/ ٤٠٢)، و«الجامع» (١٤/ ٢٦٦).
(٢) بنصه في «الجامع» (١٤/ ٢٦٧).
(٣) بنصه من كلام ابن يونس في «الجامع» (١٤/ ٢٦٧).
(٤) انظر: «الجامع» (١٤/ ٢٦٧).
(٥) في (ت): (من مالي ما يدفع).
[ ٦ / ٢٠٤ ]
أنَّه يجوز أن يكون الثّوبُ لغوا وأعطاه دراهم في أقل منها إلى أجل، والزَّائد جُعْلٌ على الضمان، لكن التهمة في هذا بعيدة؛ لأنَّه أحد النقدين، ولو علم أنه قصد للضمان بجُعل لكان فاسدًا، مثل أن يكونا في سفر، فيقصد حفظه في ذمته، فلا يجوز هذا.
ص: (يجوز الصلح من ذهب على ورق، وبالعكس نقدًا قبل المفارقة).
لأنه صرف ما في الذمة، وقد كان ابن عمر ﵄ يبتاع الإبل بالذهب، ويدفع دراهم، ويبتاع بدراهم ويدفع دنانير، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء» (^١).
ومَن صالح على إسقاط بعض حقه؛ فالوضيعة لازمة له؛ لقوله ﵇: «الصلح جائز بين المسلمين» (^٢)، الحديث المتقدم، فهو تبرع لازم، كالهبة ونحوها.
_________________
(١) أخرجه من حديث ابن عمر: أحمد في «مسنده» رقم (٦٢٣٩)، وأبو داود في «سننه» رقم (٣٣٥٤)، والترمذي في «سننه» رقم (١٢٨٦)، والنسائي في «سننه» رقم (٤٥٨٦)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٢٢٦٢).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٢٠١).
[ ٦ / ٢٠٥ ]