الكفالة هي الحمالة والضمان، جائز في الحقوق كلها، وتمتنع في الحدود والكتابة.
* ت: أصلها الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرِ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]؛
أي: ضامن (^١).
وقال رسول الله ﷺ: «الزعيم غارم» (^٢).
ولا خلاف في جوازها في الجملة (^٣).
فإذا قال: أنا حَمِيلٌ لك بفلان، أو زعيم، أو: كفيل، أو: قبيل، أو: هو لك عندي، أو: إِلَيَّ، أو: عَلَيَّ؛ لَزِمَه.
وكل ما يلزم الذمة جازت الكفالة به.
وامتنعت بالحدود؛ لأنه لا يجوز أن يُحَدَّ أحد عن أحد، ولا يُقتل عنه، وإنما تصح حيث يكون المقصود من الأصل يَحصُلُ بعينه من الكفيل، والزَّجْرُ لا يحصل بعقوبة غير الجاني.
والكتابة ليست دينا ثابتًا، وإذا وقع العجز لا يمكن استرقاق الكفيل، فإن
_________________
(١) انظر: «الجامع» (١/¬١٨).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٣١).
(٣) بنصه في «الجامع» (٢/¬١٨).
[ ٦ / ١٨٧ ]
أعتق عبده على مال جازت الكفالة به.
والفرق: أنه صار دينًا في الذمة، ولا ينتقل بالعجز عنه للرّق.
قال اللخمي: لو كانت الكتابة نجمًا واحدًا، أو قال الحميل: إن خليتني لانقضاء الأجل وعجز؛ أديتُه؛ جاز قولا واحدا (^١).
* * *
* ص: (يجوز ضمان المجهول والمعلوم).
ومنع الشافعي المجهول.
لنا: قوله ﵇: «الزعيم غارم» (^٢)، ولم يفصل.
ولأنه ألزم نفسه شيئًا على وجه المعروف، فجاز بالمجهول، كالنذر، وكهبة المجهول، والوصية.
وإن ضمنَ عن رجل مالا بغير إذنه لم تكن له مطالبته به قبل أدائه، فإذا أداه رجع به عليه.
لأنه لم يرض بمطالبته، وإذا أداه قام عنه بواجب، فيطالبه.
وإن ضمن عنه مالا بإذنه فللضامن المطالبة بدفعه لربه؛ ليبرأ هو من الضمان، فإن أداه عنه طالبه به.
* ت: تجوز الحمالة بغير إذن المضمون؛ لأنَّ رجلا مات على عهد رسول الله ﷺ وعليه دين، فلم يُصَلِّ عليه رسول الله ﷺ حتى قال أبو قتادة - أو غيره -:
_________________
(١) «التبصرة» (١٠/ ٥٦٥٢).
(٢) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٣١).
[ ٦ / ١٨٨ ]
هو عليٌّ، فصَلَّى عليه النبيُّ ﷺ، فجاءه من الغد فتقاضاه (^١).
وإذا دفع عنه بغير إذنه رجع عليه، إلا أن يقصد ضرره وإعناته فلا يرجع، ويتبع من دفع له.
* * *
* ص: (إن [ضَمِنَ] (^٢) عنه مالا بإذنه فلِرَبِّ المال مطالبة الضَّامن والمضمون عنه، فإن أداه المضمون عنه سقط عن الضَّامن).
لأنه تبع له.
أو الضَّامن رجع على المضمون.
للقيام عنه بواجب.
ولأنَّه لَمَّا أَذِنَ له في الضَّمان فقد دخل على ذلك.
وقيل: ليس لرَبِّ المال مطالبة الضَّامن إلا أن يغيب المضمون عنه أو يموت أو يفلس.
لأنَّ الضَّامن في العادة إنَّما يحفظ [المال] (^٣) عن الضياع، كالرَّهن؛ فلا يُجعل كالأصل.
ولأنَّ الأصل أَخَذَ عِوَضًا فيطالب، والحميل لم يأخذ عِوَضًا.
_________________
(١) أخرجه من حديث جابر: أحمد في (مسنده) رقم (١٤٥٣٦)، والبيهقي في «سننه الكبرى» (٦/ ٧٥)، والحاكم في «مستدركه» (٢/ ٥٨).
(٢) في (ت): (دفع).
(٣) في (ت): (للحق).
[ ٦ / ١٨٩ ]
• ت: بالرواية الأولى قال أبو حنيفة والشافعي؛ لقوله ﵇: «الزَّعيم غَارِم» (^١).
ولأنه جعل نفسه كالغريم بالضمان، وقياسًا على عدم الغريم.
وفيه ثلاث روايات؛ الثالثة: أنه يبدأ بمال الغريم، فإن وفى لم يطالب الحميل، وإلا أخذ الباقي من الكفيل.
قال عبد الوهاب: هذه ترجع للثانية (^٢).
* * *
* ص: (إذا كان عليه مالان، أحدهما بضمين، والآخَرُ بغير ضمين، فأدَّى أحدهما، وادعى أنه المضمون، وأنكر ربُّ المال؛ تحالفا وقسم بين المالين).
لتساوي دعاويهما.
* ت: قال سحنون وعبد الملك: القول قول القابض؛ لأنه أمينه حين دفع له، وكان عليه الإشهاد (^٣).
وهو مُدَّع لقضاء المضمون، والقابض مدعى عليه، ولا يؤاخذ بغير ما أقر به.
والمشهور الأول، وهذا إذا ادعيا أنهما بيّنا.
قال ابن يونس: إن لم يذكر عند القضاء شيئًا؛ لم يُختلف أنَّه يُقسم إذا كانا حالين أو مؤجلين؛ لاستوائهما (^٤)؛ وإلا فالقول قولُ مَنْ ادَّعى أنه من الحال بلا
_________________
(١) سبق تخريجه، انظر: (٦/ ١٣١).
(٢) انظر: «المعونة» (٢/ ٢٠٣).
(٣) «النوادر» (١٠/ ١٣٧).
(٤) انظره بتمامه «الجامع» (١٨/¬٢٤).
[ ٦ / ١٩٠ ]
خلاف، كان القابض أو الدافع.
فإن قال أحدهما: بَيَّنتُ لك أنه لكذا، وقال الآخر: بل بينت أنه لكذا:
قال ابن المواز: يُقسم بينهما بعد أيمانهما - حلفا أو نكلا - على رأي ابن القاسم، وإلا قدّم الحالف على الناكل (^١).
فإن ادعى أحدهما أنه بَيَّنَ، وقال الآخر: ما بَيَّنَ أحد شيئًا:
قال أصبغ: يُصدَّق المنكر حتى تقوم بينة (^٢).
قال ابن المواز: وهذا مذهب عبد الملك وأشهب (^٣).
قال التونسي: الذي يأتي على رأي ابن القاسم: أَنَّ مُدَّعي الإبهام سَلَّم القسمة، ويقع التداعي في النصف الآخر، فيُقسم؛ لتساوي دعاويهما فيه، فيحصل له ثلاثة أرباع (^٤).
قال بعض القرويين: إنما تصح القسمة إذا كان الغريم عند دفع الأول معسرا، وحين التنازع موسرًا، أما لو كان معسرا عند التنازع فيقول القابض للكفيل: أليس لو صدقتك؛ لكان لي مطالبتك؛ لأنَّ الغريم معسر؛ فيكون القول قول القابض.
وإذا كان الغريم يوم الدفع موسِرًا، أو يومَ التنازع موسرًا، لم تصح القسمة، وصُدَّقَ الدافع؛ لأنه يقول: حين دفعت لم يلزمني الغُرم؛ لكون الغريم موسرًا،
_________________
(١) بتمامه في «الجامع» (١٨/¬٢٥).
(٢) «الجامع» (١٨/¬٢٦).
(٣) «النوادر» (١٠/ ١٣٨)، و«الجامع» (١٨/¬٢٦).
(٤) بنحوه في «الجامع» (١٨/¬٢٦) من غير عزو.
[ ٦ / ١٩١ ]
فالقابض مدَّعَى عليه التبرُّعُ بما لا يلزمه (^١).
وهذا التقسيم إنما يصح على قول مالك الذي أخذ به ابن القاسم: أنَّ الكفيل لا يَغْرَم إلا في عَدَم الغريم، وإلا فالقول قول القابض في جميع هذه الوجوه (^٢).
* * *
* ص: (إن مات الضامن قبل حلول الدَّين؛ ففيها رويتان:
إحداهما: يؤخذ الحق من ماله، ويرجع به وارثه على المضمون عنه عند الحلول) ..
لأنَّ الدَّين يَحُلُّ بموت من هو عليه - كان [أصيلا] (^٣) أو كفيلا - قياسًا على موت الأصيل.
والأخرى: أنَّه يوقف من ماله بقدر الحقِّ حتى يَحِلَّ الأجل، فإن أمكن أخذُ المال من الغريم وإلا دُفع في الحق.
لأنَّ الحميل إنما التزم دفعه عند أجله وعُدمِ الغريم، ويوَقف لئلا يتلف عند الوارث قبل الأجل.
* ت: ويرجع ورثة الحميل على الغريم في ماله، أو في ذمته إن أعسر.
ويَعْضُدُ الأوَّلَ أنَّ إيقافه ضرر على الورثة؛ لتوقُّع التلف، وعلى الغريم منعُ الانتفاع بماله من غير نفع للوارث.
_________________
(١) ما سلف من قول القرويين بنصه في «الجامع» (١٨/¬٢٧ - ٢٨).
(٢) بنصه في «الجامع» (١٨/¬٢٩).
(٣) في (ز): (أصلا)، وفي الموضع بعده: (الأصل).
[ ٦ / ١٩٢ ]
ولأنه إن كان الغريم معسرا عند الأجل؛ أُخِذ هذا المال، أو مليئًا، فأُخذهم مثله منه يقوم مقامه.
وقال ابن نافع: إن كان ماله مأمونًا واسعًا لم يكن على الورثة شيء حتى يَحِلَّ الأجل، وإلا أُخِذ ودفع لصاحب الحق (^١).
قال عبد الوهاب: وهذا الاختلاف راجع للاختلاف المتقدم: هل يُبدأ بالحميل مع يسر الغريم أم لا؟
فعلى الأول: يؤخذ من تركته؛ لأنه كغريم ثانٍ، وعلى أن الحميل لا يُطلب إلا عند عدم الغريم: لا يُعجل.
قال ابن المواز: [ولو] (^٢) مات الحميل عند الأجل أو بعده؛ هاهنا يبدأ بالغريم، فإن كان غائبًا أو مُلِدًّا أو معدوما، أُخذ من الكفيل (^٣).
* * *
* ص: (إن مات الذي عليه الحق قبل الأجل؛ أُخِذَ من ماله).
لخراب ذِمَّته بالموت.
وبرئ الضامن، فإن لم يكن له مال؛ أُخر الضامن حتى يَحِلَّ الأجل.
لأنه إنما دخل على مؤجل.
* ت: إن مات مليئًا والغريم وارثه؛ [برئت] (^٤) الحمالة؛ لأنَّه لو غَرِم
_________________
(١) «التبصرة» (١٠/ ٥٦٢٢).
(٢) ما بين معكوفين زيادة من التذكرة (٩/ ٢٣٠) يقتضيها السياق.
(٣) «النوادر» (١٠/ ١١٦).
(٤) في (ز): (يرث).
[ ٦ / ١٩٣ ]
للطالب ترجع عليه في التركة، فكانت مقاصةً.
* * *
* ص: (إن تكفل بوجه رجل فلم يأتِ به؛ غرم الحقَّ الذي عليه).
* ت: منع الشافعي من الكفالة بالوجه.
لنا: أنه سبب يتوصل به إلى ماله فجاز، كضمان المال، وكالرهن.
ويُؤخذ منه إذا لم يأتِ به؛ لأنه وثيقة، كالرهن.
وإنما امتنعت الحمالة بالحدود؛ لأنها لا تُؤخذ من الحميل؛ فدل على أنَّ فائدتها الأخذ من الحميل.
ولقوله ﵇: «الزعيم غارم» (^١).
وعليه إحضاره، فإذا أحضره سقطت الحمالة، كان موسرًا أم لا، وكذلك إذا أحضره في البلد مسجونا.
فإن لم يأت به، والغريم حاضر، تُلُومَ له كما يُتَلَوَّمُ للحاضر، وإن كان غائبًا مثل اليوم؛ تُلُومَ له كما يُتَلَوَّمُ للحاضر، أو بعدت غيبة الغريم؛ غُرِّم من غيرِ تَلَوُّمٍ؛ لأنَّ الأجل القريب إذا ضُرِبَ له لا ينتفع به، والبعيد ضرر على الطالب (^٢).
قال مالك في «المدونة»: التلوم: اليوم ونحوه (^٣)، مما لا يضر بالطالب (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٣١).
(٢) ما سبق بنحوه في «الجامع» (٥/¬١٨ - ٦).
(٣) «المدونة» (٩/ ١٧٢).
(٤) بنصه في «الجامع» (٦/¬١٨).
[ ٦ / ١٩٤ ]
وفي «العتبيَّة»: ثلاثة أيام (^١).
قال بعض الفقهاء: «المدونة» أشبَه؛ لأنَّ التلَوُّم في الحاضر ثلاثة أيام، فإذا كانت غيبته يومًا؛ فثلاثة أيام: يوم لخروجه، ويوم لطلبه، ويوم لقدومه، أو يومين؛ تُلُومَ له خمسة أيام، أو ثلاثةَ أَيَّام؛ تُلُومَ له سبعة أيام - إذ لا بُدَّ من يوم الطلب، فيكثر التلَوُّمُ، ويَضُرُّ، بخلاف الحاضر، فلذلك ما في «المدوَّنة» أشبه (^٢).
فإن أسلمه للطالب في مفازة أو بلد لا سلطان فيه، أو بمكان يقدِرُ على الامتناع منه؛ لم تسقط الحمالة.
قال ابن القاسم: إن مات الغريم برئ حَميل الوجه؛ لأنَّ النفس المكفولة قد تلفت (^٣).
* * *
* ص: (إن قال: أنا كفيل بوجه فلان، ولا شيء عَلَيَّ من الحق الذي عليه، فلم يأتِ به؛ لم يلزمه من الحقِّ الذي عليه شيء).
* ت: لقوله ﷺ: «المسلمون عند شروطهم» (^٤).
وإن غاب المُتَحَمَّلُ عنه لم يلزمه شيء.
وإنما فائدة هذه الحمالة كفاية مؤنة الإحضار، لا المال، فيتوجه عليه طلبه
_________________
(١) «البيان والتحصيل» (١١/ ٣٣٩)، و«الجامع» (٦/¬١٨).
(٢) «الجامع» (٦/¬١٨ - ٧).
(٣) «المدونة» (٩/ ١٧٥).
(٤) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ٥٩).
[ ٦ / ١٩٥ ]
في البلد وما قرب منه إذا لم يعلم حيث توجّه.
فإن علم:
قال أصبغ: يطلبه على مسيرة اليومين، وحيث لا مضرة (^١).
وقال عبد الملك: يذهب إليه وإن بَعُدَ ما لم يتفاحش، أو يرسل، أو يؤدي عنه (^٢)؛ لأنه إنما دخل على ما يتكلف الناس من الأسفار غالبا.
* * *
* ص: (إن ضَمِنَ ما عليه وهو لا يعلم مقداره؛ لزمه ما ثبت بالبينة).
* ت: لأنها معروف؛ فيجوز بالمجهول، كالوصية والهبة.
قال مالك: إذا غاب الغريم قيل للطالب: أثبت ما عليه وخُذ من الحميل، فإن تعذّر عليه حلف الحميل على علمه، فإن نكل؛ غَرِمَ بعد حلف الطالب (^٣).
يريد: ولا يرجع الكفيل على الغريم؛ لنكوله، إلا أن يُقر له، وللكفيل تحليف المطلوب، فإن نكل غرم.
* * *
* ص: (إن قال: عامل فلانًا وأنا ضامن لما تعامله به؛ لزمه ما ثبت بالبينة مما يُعامل به مثله).
* ت: وكذلك ما تداينه به، فيُلزم ما يُداين به مثله.
_________________
(١) بتمامه عنه في «النوادر» (١٠/ ١١٤)، و«الجامع» (١٠/¬١٨)، وبنصه في «التبصرة» (١٠/ ٥٦٠٩).
(٢) «النوادر» (١٠/ ١١٤)، و«التبصرة» (١٠/ ٥٦٠٩).
(٣) «المدونة» (٩/ ٤٧٢).
[ ٦ / ١٩٦ ]
فإن كان المداين ممن يبيع الفاكهة فباع عليه ثيابًا أو جوهرًا؛ لم يلزم.
فإن رجع عن ذلك قبل المداينة لم يكن له ذلك إن سمى القدر المداين به، وإن أطلق كان له الرجوع، بخلاف قوله: احلف أن الذي تدعي عند أخي حق وأنا ضامن، فيرجع قبل اليمين لا ينفعه الرجوع؛ لأنه حق توجه وثبت قبل الضمان؛ فيلزم، والمداينة والمعاملة لم يَتَحَقَّق منها بعد شيء.
فإن لم يرجع حتى داينه؛ لم يكن له رجوع.
فإن داينه بأكثر من مداينة مثله، وكان مرَّةً بعد مرة؛ لزِمَ أَوَّلُها وسقط الزائد على مداينة مثله.
* * *
* ص: (تجوز الحوالة بالحال فيما حَلَّ وما لم يَحِلَّ، ولا يُحتالُ بما لم يَحِلَّ فيما حَلَّ أو لم يَحِلَّ).
* ت: أصل الحوالة قوله ﵇ في مسلم: «مطل الغني ظلم، وإذا أُتْبع أحدكم على مليء فليتبع» (^١).
قال [أبو] (^٢) محمد: قوله ﵇: «فليتبع» على الندب، ولو لزمتْ لكان لكلّ محال عليه أن يحيل، إلى غير النهاية، ولقوله ﵇: «مطل الغني ظلم» (^٣)، فلو وجب عليك قبول الحوالة لما كان مطله ظلما (^٤).
_________________
(١) أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري في «صحيحه» رقم (٢٢٨٧)، ومسلم في «صحيحه» رقم (٤٠٠٢).
(٢) ما بين المعقوفتين مستدرك من التذكرة (٩/ ٢٣٩)، والجامع لابن يونس (١٨/ ١٥٥).
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
(٤) «اختصار المدونة» (٣/ ٣٣٨)، و«الجامع» (١٨/ ١٥٥).
[ ٦ / ١٩٧ ]
ولا خلاف في جوازها، وهي مستثناة من بيع الدين بالدين (^١)؛ لأنَّ المحيل باع الدين الذي له على غريمه بدينه الذي عليه، وكذلك المحال، وجازت لأنها معروف من الطالب.
ولها شروط أربعة (^٢):
الأول: حلول دين المحال؛ لأنَّه إذا لم يَحِلَّ دخله الذهبُ بالذهب نسيئة.
الثاني: أن يكونا من جنس واحد، فلو كان أحدهما دنانير والآخر دراهم أو عَرْضًا؛ دخله الدين بالدين، والصرفُ المُستأخر.
الثالث: الاستواء في الجودة والدناءة والقدر، أو يكون المحال عليه أدنى أو أقل؛ لئلا يكون صرفًا بنسيئة، والدين بالدين.
الرابع: أن يكون على المحال عليه دين للمحيل، لأنها بيع دين بدين، فلا بد أن يكون هنالك دين (^٣).
ولم [يشترط] (^٤) عبد الملك وابن حبيب؛ لقوله ﵇: «مَنْ أُتبع على مَلِيءٍ فليتبع» (^٥) (^٦).
* * *
* ص: (لا يحتل بعروض في ذهب ولا وَرِقٍ ولا عُروض مخالفة لها، بل في مثلها).
_________________
(١) بتمامه في «الجامع» (١٨/ ١٥٥ و١٥٦).
(٢) انظرها: «المقدمات الممهدات» (٢/ ٤٠٤)، و«التبصرة» (١٠/ ٥٦٦٠).
(٣) الشرط الرابع بنحوه في «الجامع» (١٨/ ١٥٦).
(٤) كذا في (ز)، وفي (ت) خرم، والمناسب للسياق: (يشترطه).
(٥) تقدم تخريجه، انظر: (٦/ ١٩٧).
(٦) نقل قولهما ابن يونس في «الجامع» (١٨/ ١٥٦).
[ ٦ / ١٩٨ ]
لئلا يَخْرُج عن المعروف إلى بيع الدَّيْن بالدَّيْن.
(وإذا قَبلَ الحوالة ثم أفلس المحال عليه أو مات؛ فلا رجوع له إلا أن [لا] (^١) يَعلم بفَلَسِه).
* ت: قال أبو حنيفة: له الرجوع (^٢).
لنا: قوله ﷺ: (إذا أُحِيل أحدكم على مَلِيءٍ فليتبع) (^٣)، فلو جاز الرجوع لم يكن لذكر الملاءة وجه.
ولأنه رضي بنقل حقه، ومَن رضِي بشيء لزمه.
ولأن حدوث ذلك كالعيب يحدث بالمبيع بعد البيع لا يوجب الرَّدَّ، والحوالة مبايعة.
وكما لو أبرأه؛ لأنَّ الحوالة براءة للأوَّل (^٤).
إلا أن يشترط الرجوع عند الموت [والتفليس] (^٥)؛ فيرجع.
فإذا لبس عليه بعيب الفلس كان له الرجوع، كما يرجع في البيع بالعيب المُدَلَّسِ به (^٦).
قال مالك في «النَّوادر»: إذا لم يعلم بالفلس رجعت (^٧)، سواء علم المحيل
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مستدرك من «التذكرة» (٩/ ٢٤١).
(٢) قول أبي حنيفة في «الجامع» (١٨/ ١٥٩).
(٣) سبق تخريجه، انظر: (٦/ ١٩٧).
(٤) انظر: «الجامع» (١٨/ ١٥٩).
(٥) في (ت): (والفلس).
(٦) انظر: «الجامع» (١٨/ ١٥٩).
(٧) «النوادر» (١٠/ ١٥٦).
[ ٦ / ١٩٩ ]
به أو لم يعلم، كعيب [البيع] (^١)، وهو قول ابن الجلاب، واختاره اللخمي (^٢).
والمشهور: إن غَرَّهُ رجع (^٣)، وإلا فلا؛ لأنَّ الحوالة معروف سومحَ فيه بالعيب المجهول، والبيع مكايسةٌ ضُيِّقَ فيه.
والحوالة كبيع البراءة، لا يرجع إلا بما علمه البائع، فعلى المشهور يحلف: ما علم بذلك ولا غَرّ.
وعلى ما روى ابن القاسم في بيع البراءة: لا يلزمه يمين إلا أن يدعي ذلك المحال.
قال التونسي: لم يُجعَل له مقال إذا غَرَّه، ولو غره المشتري فاشترى منه سلعةً وهو مفلس؛ لا مقال للبائع.
قال ابن يونس: الفرق أنَّ الحوالة شراء دين، فهو شراء ذِمَّةٍ، كالعيب في المشترى، وبائع السلعة لم يقصد شراء ما في ذمته (^٤).
ولا يُشتَرطُ رضى المُحال عليه؛ لأنَّ رَبَّ الدين له أن يوكل في قبض دينه، فهذا كالوكيل.
ويُشتَرطُ رضى المُحال؛ لأنَّه يبيع حقه، فلا بُدَّ من رضاه. فإذا صحت الحوالة ثُمَّ فلس المحيل؛ فلا دخول للغرماء في هذا الدين، لأنه بيع قبل ذلك.
_________________
(١) في (ت): (السلع).
(٢) «التبصرة» (١٠/ ٥٦٦١).
(٣) انظر: «الجامع» (١٨/ ١٥٩).
(٤) بتمامه في «الجامع» (١٨/ ١٥٨).
[ ٦ / ٢٠٠ ]